Полный текст (16 344 стр.). Показаны 6756–6795 · переход к 6761.
стр. 6756
هل تخلع السن الذهب من الميت ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[إذا توفي إنسان وكان أحد أسنانه من ذهب هل يترك هذا السن أو يخلع؟ وإذا كان هذا الخلع يترتب عليه مضرة لبقية الأسنان فما الحكم؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً: يجب أن نعلم أن السن الذهب لا يجوز أن يركب إلا عند الحاجة إليه، فلا يجوز أن يركبه أحد للزينة اللهم إلا النساء إذا جرت عادتهن التزيّن بتحلية الأسنان بالذهب فلا بأس. أما الرجال فلا يجوز أبداً إلا لحاجة.
ثانياً: إذا مات من عليه أسنان من ذهب فإن كان يمكن خلع السن بدون مُثلةٍ (أي تمثيل به وهو تقطيع بعض أجزاء الميت) خُلِع؛ لأن ملكه انتقل إلى الورثة وإن كان لا يمكن خلعه إلا بمِثُلْة بحيث تسقط بقية الأسنان فإنه يبقى ويدفن معه.
ثم إن كان الوارث بالغاً عاقلاً رشيداً وسمح بذلك تُرك ولم يتعرض له، وإلا فقد قال العلماء: إنه إذا ظن أن الميت بَلي حُفر القبر وأخذ السن لأن بقاءه إضاعة مال. وقد نهى النبي ﷺ عن ذلك.
[الْمَصْدَرُ]
فضيلة الشيخ ابن عثيمين. الباب المفتوح (/١٥٥) .
стр. 6757
تطيب الميت وتبخير الكفن للرجل والمرأة
[السُّؤَالُ]
ـ[إذا ماتت المرأة فهل تطيب كالرجل، وهل يطيب كفن الرجل والمرأة أيضاً، أم أن تطييب الميت خاص بالرجال؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
يستحب تطييب الكفن، والميت رجلاً كان أم امرأة، وقد دلت السنة الصحيحة على ذلك.
فقد ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ أمر النساء اللاتي يغسلن ابنته أن يجعلن في الغسلة الآخرة كافوراً أو شيئاً من كافور. رواه البخاري (١٢٥٣) ومسلم (٩٣٩) . والكافور نوع من الطيب.
قال الحافظ في "الفتح":
" قِيلَ: الْحِكْمَة فِي الْكَافُور مَعَ كَوْنه يُطَيِّب رَائِحَة الْمَوْضِع لأَجْلِ مَنْ يَحْضُر مِنْ الْمَلائِكَة وَغَيْرهمْ أَنَّ فِيهِ تَجْفِيفًا وَتَبْرِيدًا وَقُوَّة نُفُوذ وَخَاصِّيَّة فِي تَصْلِيب بَدَن الْمَيِّت، وَطَرْد الْهَوَامّ عَنْهُ، وَرَدْع مَا يَتَحَلَّل مِنْ الْفَضَلات، وَمَنْع إِسْرَاع الْفَسَاد إِلَيْهِ , وَهُوَ أَقْوَى الأَرَايِيح الطَّيِّبَة فِي ذَلِكَ , وَهَذَا هُوَ السِّرّ فِي جَعْله فِي الأَخِيرَة إِذْ لَوْ كَانَ فِي الأُولَى مَثَلا لأَذْهَبَهُ الْمَاء , وَهَلْ يَقُوم الْمِسْك مَثَلا مَقَام الْكَافُور؟ إِنْ نُظِرَ إِلَى مُجَرَّد التَّطَيُّب فَنَعَمْ , وَإِلا فَلا , وَقَدْ يُقَال: إِذَا عُدِمَ الْكَافُور قَامَ غَيْره مَقَامه وَلَوْ بِخَاصِّيَّةٍ وَاحِدَة مَثَلا " انتهى.
وقال النووي في شرح مسلم:
" فِيهِ: اِسْتِحْبَاب شَيْء مِنْ الْكَافُور فِي الأَخِيرَة , وَهُوَ مُتَّفَق عَلَيْهِ عِنْدنَا , وَبِهِ قَالَ مَالِك وَأَحْمَد وَجُمْهُور الْعُلَمَاء , لهَذَا الْحَدِيث ; وَلأَنَّهُ يُطَيِّب الْمَيِّت , وَيُصَلِّب بَدَنه وَيُبَرِّدهُ , وَيَمْنَع إِسْرَاع فَسَاده " انتهى.
وعن جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (إِذَا أَجْمَرْتُمْ الْمَيِّتَ فَأَجْمِرُوهُ ثَلاثًا) رواه الإمام أحمد (١٤١٣١) وقال النووي في "المجموع" (٥/١٥٥) : إسناده صحيح. وصححه الألباني في صحيح الجامع (٢٧٨) .
وَالْمَعْنَى: بَخَّرْتُمْ الْمَيِّت، والميت: يطلق على الذكر والأنثى.
والمراد: تبخير الكفن، وقد ذكر البيهقي في سننه (٣/٥٦٨) أن هذا الحديث رُوِي بلفظ: (جَمِّرُوا كَفَنَ الْمَيِّتِ ثَلاثًا) .
انظر: "بدائع الصنائع" (١/٣٠٧) .
وعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ أَنَّهَا قَالَتْ لأَهْلِهَا: (أَجْمِرُوا ثِيَابِي إِذَا مِتُّ، ثُمَّ حَنِّطُونِي) . رواه مالك في "الموطأ" (٥٢٨) والبيهقي في "السنن الكبرى" (٣/٥٦٨) .
قال في المنتقى: " الْحَنُوطُ مَا يُجْعَلُ فِي جَسَدِ الْمَيِّتِ وَكَفَنِهِ مِنْ الطَّيِّبِ وَالْمِسْكِ وَالْعَنْبَرِ وَالْكَافُورِ وَكُلِّ مَا الْغَرَضُ مِنْهُ رِيحُهُ دُونَ لَوْنِهِ ; لأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الرَّائِحَةِ دُونَ التَّجَمُّلِ بِاللَّوْنِ " انتهى.
وهذا الحكم (وهو استحباب تطيب الميت) لا يشمل المحرم بحج أو عمرة , لقول النبي ﷺ في المحرم الذي مات بعرفة: (وَلا تَمَسُّوهُ بِطِيبٍ) رواه البخاري (١٨٥١) ومسلم (١٢٠٦) ، وفي رواية لهما: (وَلا تُقَرِّبُوهُ طِيبًا) .
قال النووي: " يستحب تبخير الكفن إلا في حق المحرم والمحرمة ".
"المجموع" (٥/١٥٦) .
ثانياً:
وأما صفة تطييب الميت، فيوضع الطيب على مواضع السجود لشرفها، وعلى الأماكن التي تجتمع فيها الأوساخ كباطن الركبتين، ولو طيب الميت كله، فلا بأس.
روى البيهقي (٣/٥٦٨) عن ابن مسعود ﵁ قال: الكافور يوضع على مواضع السجود.
وهي: الجبهة والأنف واليدان والركبتان والقدمان، لأنه كان يسجد بهذه الأعضاء فخصت بزيادة الكرامة.
انظر: "شرح فتح القدير" (٢/١١٠) .
وقال ابن قدامة في المغني (٣/٣٨٨) : " ويجعل الحنوط (الطيب الذي يصنع للميت) على المغابن (المفاصل) كباطن الركبتين وتحت الإبطين لأنها تجتمع فيها الأوساخ , ويجعل على أعضاء سجوده لأنها أشرف , وإن طيبه كله فلا بأس " انتهى.
وسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: هل ورد تطييب جميع بدن الميت؟
فأجاب: " نعم، ورد عن بعض الصحابة ﵃ ".
"مجموع فتاوى ابن عثيمين" (١٧/٩٧) .
ثالثاً:
إذا ماتت المعتدة من وفاة هل تطيب؟
قال النووي في المجموع (٥/١٦٤-١٦٥) : " الصحيح أنه لا يحرم تطيبها، لأنه حرم عليها الطيب في العدة حتى لا يدعو إلى نكاحها , وقد زال هذا المعنى بالموت " اهـ.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6758
تغسيل الميت المحترق
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يتم تغسيل الميت محروقا أم لا وما كيفية غسله علما بأنه يكون في حالة احتراق كاملة أحيانا؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
من مات بالحرق وأمكن تغسيله غسل. وإن خيف تهريه أو تقطعه بالغسل صب عليه الماء صبا، فإن خيف تقطعه بالصب، يمم إن أمكن ذلك.
قال ابن قدامة ﵀: (والمجدور , والمحترق , والغريق , إذا أمكن غسله غسل , وإن خيف تقطعه بالغسل صب عليه الماء صبا , ولم يمس , فإن خيف تقطعه بالماء لم يغسل , وييمم إن أمكن , كالحي الذي يؤذيه الماء , وإن تعذر غسل الميت لعدم الماء ييمم , وإن تعذر غسل بعضه دون بعض , غسل ما أمكن غسله , وييمم الباقي , كالحي سواء) انتهى من المغني ٢/٢٠٩
وسئل الشيخ ابن باز ﵀:
كيف يتم تغسيل الإنسان الذي يموت في حادث ويتشوه جسمه وربما تقطع بعض أجزائه؟
فأجاب ﵀:
يجب تغسله كما يغسل غيره إذا أمكن ذلك، فإن لم يمكن فإنه يُيمّم، لأن التيمم يقوم مقام التغسيل بالماء عند العجز عن ذلك.
مجموع فتاوى ومقالات متنوعة ١٣/١٢٣
وفي فتاوى اللجنة الدائمة ٨/٣٧١ عن تغسيل الميت بحادث قطّع جسمه:
(إذا تعذر غسله فإنه ييمم لعموم قوله تعالى: (فاتقوا الله ما استطعتم) ، لأن الله شرع التيمم للطهارة من الحدث الأكبر والأصغر في حالة عدم وجود الماء، أو العجز عن استعماله، أو التضرر باستعماله) .
والله اعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6759
حضور جنازة زميله غير المسلم في الكنيسة تقديرا للميت
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز للمسلم أن يحضر جنازة الصديق غير المسلم إذا كانت في كنيسة كاحترام أو تقدير للميت؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا يجوز للمسلم أن يشيع جنازة الكافر، ولا أن يدخل كنائسهم، سواء على وجه الاحترام، أو على وجه التقدير ونحو ذلك؛ لأن التشييع فيه نوع محبة واحترام وتقدير، وهذا لا يجوز بذله للكافر على الصحيح.
ثم إن السائل يقول: (يحضر جنازة الصديق غير المسلم) ، ولا يجوز للمسلم أن يتخذ الكافر صديقا؛ لأن الله أمرنا بمعاداتهم وهجرهم والبعد عنهم، وهذا لا يعني عدم وجود التعامل معهم أو البيع أو الشراء أو الشركات معهم، فهذا شيء واتخاذهم أصدقاء شيء آخر، قال تعالى: (لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) المجادلة / ٢٢، والنبي ﷺ يقول: (لا تبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام، وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه) رواه الإمام مسلم في صحيحه (٢١٦٧) من حديث أبي هريرة.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ سليمان بن ناصر العلوان
стр. 6760
يحرم على النساء زيارة قبر النبي ﷺ
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز للنساء زيارة قبر النبي ﷺ ؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قال الشيخ ابن باز ﵀:
لا يجوز لهن ذلك، لعموم الأحاديث الواردة في نهي النساء عن زيارة القبور ولعنهن على ذلك، والخلاف في زيارة النساء لقبر النبي ﷺ مشهور، ولكن تركهن لذلك أحوط وأوفق للسنة؛ لأن الرسول ﷺ لم يستثن قبره ولا قبر غيره، بل نهاهن نهياً عاماً، ولعن من فعل ذلك منهن، والواجب الأخذ بالتعميم ما لم يوجد نص يخص قبره بذلك وليس هناك ما يخص قبره. والله ولي التوفيق اهـ.
[الْمَصْدَرُ]
فتاوى الشيخ ابن باز (١٧/٤١٩)
стр. 6761
تلقين المحتضر
[السُّؤَالُ]
ـ[ما المراد بتلقين الميت: "لا إله إلا الله" في قول النبي ﷺ : (لقنوا موتاكم لا إله إلا الله) ؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
التلقين هو التعليم والتفهيم؛ والمراد بتلقين الميت أن يكون عنده من يذكره بالنطق بـ (لا إله إلا الله) ، كما لو كان يُعَلِّم صبيا ويلقنه، والمراد بالميت هنا: المحتضَر الذي نزل به الموت.
وإنما استُحِب تلقين الميت كلمة الإخلاص في هذه الحال، لأجل أن يختم له بها، وتكون آخر ما نطق به من الكلام، ولهذا أمر النبي ﷺ به؛ فعن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ) رواه مسلم ٩١٦.
وعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (مَنْ كَانَ آخِرُ كَلامِهِ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ) رواه أحمد (٢١٥٢٩) وأبو داود (٣١١٦) وحسنه الألباني في "إرواء الغليل" (٦٨٧) .
وعَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَادَ رَجُلا مِنْ الأَنْصَارِ فَقَالَ: (يَا خَالُ، قُلْ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ. قَالَ: خَالٌ أَمْ عَمٌّ؟! قَالَ: بَلْ خَالٌ. قَالَ: وَخَيْرٌ لِي أَنْ أَقُولَهَا؟! قَالَ: نَعَمْ) رواه أحمد (١٣٤١٤) وقال الألباني في أحكام الجنائز: إسناده صحيح على شرط مسلم.
ولا ينبغي إيذاء المحتضر بالإكثار عليه في التلقين، إذا قالها ولم يتكلم بعدها بشيء
قال النووي:
" وَكَرِهُوا الإِكْثَار عَلَيْهِ وَالْمُوَالاة لِئَلا يَضْجَر بِضِيقِ حَاله وَشِدَّة كَرْبه، فَيَكْرَه ذَلِكَ بِقَلْبِهِ , وَيَتَكَلَّم بِمَا لا يَلِيق. قَالُوا: وَإِذَا قَالَهُ مَرَّة لا يُكَرِّر عَلَيْهِ إِلا أَنْ يَتَكَلَّم بَعْده بِكَلامٍ آخَر , فَيُعَاد التَّعْرِيض بِهِ لِيَكُونَ آخِر كَلَامه " انتهى.
ولَمَّا احْتُضِرَ عبد الله بْنُ المُبَارَكِ ﵀، جَعَلَ رَجُلٌ يُلَقِّنُهُ، قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ. فَأَكْثَرَ عَلَيْهِ.
فَقَالَ لَهُ: لَسْتَ تُحْسِنُ! وَأَخَافُ أَنْ تُؤْذِيَ مُسْلِماً بَعْدِي، إِذَا لَقَّنْتَنِي، فَقُلْتُ: لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ، ثُمَّ لَمْ أُحْدِثْ كَلَاماً بَعْدَهَا، فَدَعْنِي، فَإِذَا أَحْدَثْتُ كَلَاماً، فَلَقِّنِّي حَتَّى تَكُوْنَ آخِرَ كَلَامِي.
"سير أعلام النبلاء" (٨/٤١٨) .
ويشرع هذا التلقين، ولو كان الميت كافرا، لأنه لو قالها قبل النزع نفعه قوله، ولو عذب ما عذب بذنوبه، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لقنوا موتاكم لا إله إلا الله؛ فإنه من كان آخر كلامه لا إله إلا الله عند الموت دخل الجنة يوما من الدهر، وإن أصابه قبل ذلك ما أصابه) رواه ابن حبان وصححه الألباني في صحيح الجامع (٥١٥٠) .
ومما يدل على أن الأمر بالتلقين يعم الكافر، فعل النبي ﷺ مع عمه أبي طالب، ومع الغلام اليهودي الذي كان يخدمه.
فقد حضر النبي ﷺ موت عمه أبي طالب، وقال له: (أَيْ عَمِّ، قُلْ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ) رواه البخاري (٣٨٨٤) ومسلم (٢٤) .
وحضر النبي ﷺ موت الغلام اليهودي الذي كان يخدمه، وقال له: (أَسْلِمْ - وفي رواية أحمد (١٢٣٨١) : قُلْ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ -) رواه البخاري (١٣٥٦) .
فائدتان عن الشيخ ابن عثيمين ﵀:
أولا: هل يكون التلقين بلفظ الأمر؛ بمعنى أن الملقن يأمر المحتضر، فيقول له: قل: لا إله إلا الله، أو يتلفظ بها أمامه بحيث يتذكرها إذا سمع من يقولها بجانبه؟
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀:
" ينبغي في هذا أن ينظر إلى حال المريض، فإن كان المريض قوياً يتحمل، أو كان كافراً فإنه يؤمر، فيقال: قل: لا إله إلا الله، اختم حياتك بلا إله إلا الله، وما أشبه ذلك.
وإن كان مسلماً ضعيفاً فإنه لا يؤمر، وإنما يذكر الله عنده حتى يسمع فيتذكر، وهذا التفصيل مأخوذ من الأثر، والنظر.
أما الأثر فلأن النبي ﷺ أمر عمه أبا طالب عند وفاته أن يقول: لا إله إلا الله، قال: يا عم قل: لا إله إلا الله.
وأما النظر: فلأنه إن قالها فهو خير، وإن لم يقلها فهو كافر، فلو فرض أنه ضاق صدره بهذا الأمر ولم يقلها فهو باق على حاله لم يؤثر عليه شيئاً، وكذا إذا كان مسلماً وهو ممن يتحمل فإن أمرناه بها لا يؤثر عليه، وإن كان ضعيفاً فإن أمرناه بها ربما يحصل به رد فعل بحيث يضيق صدره، ويغضب فينكر وهو في حال فِراق الدنيا، فبعض الناس في حال الصحة إذا قلت له قل: لا إله إلا الله، قال: لن أقول: لا إله إلا الله، فعند الغضب يغضب بعض الناس حتى ينسى، فيقول: لا أقول: لا إله إلا الله، فما بالك بهذه الحال؟
ثانيا: " تلقينه لا إله إلا الله" ولم نقل: محمد رسول الله؛ لأن هذا هو الذي ورد فيه الحديث: "لقّنوا موتاكم لا إله إلا الله"، وقال النبي ﷺ : "من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة". فكلمة التوحيد مفتاح الإِسلام، وما يأتي بعدها فهو من مكملاتها وفروعها.
ولو جمع بين الشهادتين؛ فقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، لا يمنع هذا من أن يكون آخر كلامه من الدنيا "لا إله إلا الله"؛ لأن الشهادة للنبي ﷺ بالرسالة تابع لما قبلها ومتممٌ له، ولهذا جعلها النبي ﷺ مع الشهادة لله بالألوهية ركناً واحداً، فلا يعاد تلقينه، وظاهر الأدلة أنه لا يكفي قول المحتضَر: أشهد أن محمداً رسول الله، بل لا بد أن يقول: لا إله إلا الله " انتهى من "الشرح الممتع" (٥/١٧٧) .
وقد يستدل على أمر المسلم بها إذا كان قوي الإيمان بحديث الأنصاري المتقدم وفيه أمره ﷺ له بقول لا إله إلا الله (يَا خَالُ، قُلْ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ) .
وكذلك قول الطبيب لعمر بن الخطاب بعدما سقاه اللبن: (فَخَرَجَ اللَّبَنُ مِنْ الطَّعْنَةِ صَلْدًا أَبْيَضَ، فَقَالَ لَهُ الطَّبِيبُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، اعْهَدْ! فَقَالَ عُمَرُ: صَدَقَنِي، وَلَوْ قُلْتَ غَيْرَ ذَلِكَ كَذَّبْتُكَ، فَبَكَى عَلَيْهِ الْقَوْمُ حِينَ سَمِعُوا ذَلِكَ، فَقَالَ: لا تَبْكُوا عَلَيْنَا، مَنْ كَانَ بَاكِيًا فَلْيَخْرُجْ، أَلَمْ تَسْمَعُوا مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: يُعَذَّبُ الْمَيِّتُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ) .
رواه أحمد (٢٩٦) . قال أحمد شاكر: إسناده صحيح.
فواجهه بهذا الأمر.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6762
حكم غرقى العبارة المصرية، والصلاة عليهم
[السُّؤَالُ]
ـ[حدث في هذه الأيام غرق العبارة المصرية، ويتوقع أن يكون عدد الغرقى في الحادث نحو ألف، فهل هؤلاء يعتبرون شهداء؟ وكيف نصلي على من لم يوجد منهم؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا شك أن الأمور كلها بيد الله يصرفها كيف يشاء ولنا أمام هذا الحدث ما يلي:
أولاً:
قد يختار الله من عباده المؤمنين أصنافا من الناس أفراداً أو جماعات فيبتليهم ليرفع بالابتلاء درجتهم أو يكفر به ذنوبهم، فالمصائب سبب لتكفير الذنوب، ورفعة الدرجات، قال ﷺ : (ما من شيء يصيب المؤمن حتى الشوكة تصيبه إلا كتب الله له بها حسنة، أو حطّت عنه بها خطيئة) رواه مسلم (٢٥٧٢) .
ثانياً:
المشروع للمسلم إذا أصابته مصيبة أن يصبر، ويقول ما أمرنا به النبي ﷺ فعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (مَا مِنْ مُسْلِمٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي، وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أَخْلَفَ اللَّهُ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا) رواه مسلم (٩١٨) .
ثالثاً:
من مات غريقاً فهو شهيد، له ثواب الشهداء عند الله تعالى، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ: الْمَطْعُونُ وَالْمَبْطُونُ وَالْغَرِقُ وَصَاحِبُ الْهَدْمِ وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) رواه البخاري (٢٨٢٩) ومسلم (١٩١٤) وفي لفظ عند مسلم (١٩١٥) : (والغريق شهيد) .
قال ابن التين ﵀: " هذه كلها ميتات فيها شدة تفضل الله على أمة محمد ﷺ بأن جعلها تمحيصا لذنوبهم وزيادة في أجورهم يبَلِّغهم بها مراتب الشهداء ". "فتح الباري" (٨/ ٤٣٨) .
وانظر جواب السؤال رقم (٢٢١٤٠) .
رابعاً:
من أنجاه الله تعالى من هذا الحادث وخرج سليماً، فليحمد ربه تعالى على العافية، وليحسن فيما بقي من عمره فإن الموت يأتي الإنسان بغتة، والله تعالى أمهله ونجاه، ولو شاء لكان الأمر بخلاف ذلك.
خامساً:
من خرج من الغرق ميتاً، فإنه يجب تغسيله وتكفينه والصلاة عليه. أما من لم يتم العثور عليه منهم، فهذا يجب أن يصلى عليه صلاة الغائب؛ لأن صلاة الجنازة فرض كفاية يجب القيام بها. فتصف الصفوف ويتقدم الإمام للصلاة عليه كأن الجنازة حاضرة بين أيديهم.
جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية:
" إذا وُجِدَ الغريقُ فإنَّه يغسَّل ويكفَّن، ويصلى عليه كأي ميت آخر، وإذا لم يعثر عليه فيصلى عليه صلاة الغائب عند الشافعية والحنابلة " انتهى.
ولكن الشافعية يشترطون - في المعتمد عندهم - أن يتقدم غسله لتصح الصلاة عليه، وذهب جماعة من متأخريهم إلى صحة الصلاة عليه إذا تعذر غسله.
وينظر: مغنى المحتاج (٢/٤٩) ، أسنى المطالب (١/٣٢١) .
وقد روى البخاري (١٣١٨) ومسلم (٩٥١) عن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: نَعَى النَّبِيُّ ﷺ إِلَى أَصْحَابِهِ النَّجَاشِيَّ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى الْمُصَلَّى، ثُمَّ تَقَدَّمَ فَصَفُّوا خَلْفَهُ، فَكَبَّرَ أَرْبَعًا.
قال النووي ﵀: " فيه دليل للشافعي وموافقيه في الصلاة على الميت الغائب " انتهى.
وقد سبق تفصيل القول في الصلاة على الغائب في جواب السؤال (٣٥٨٥٣) .
ونسأل الله تعالى أن يتقبلهم شهداء، وأن يرزق أهلهم الصبر والسلوان.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6763
حكم قراءة القرآن عند القبر
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز قراءة القرآن عند القبر؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قراءة القرآن عند القبر، غير مشروعة، لعدم ورودها عن النبي ﷺ .
وقد سئلت اللجنة الدائمة للإفتاء ما نصه: هل يجوز قراءة الفاتحة أو شيء من القرآن للميت عند زيارة قبره، وهل ينفعه ذلك؟
فأجابت:
(ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يزور القبور، ويدعو للأموات بأدعية علمها أصحابه، وتعلموها منه، من ذلك: (السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية) ، ولم يثبت عنه ﷺ أنه قرأ سورة من القرآن أو آيات منه للأموات مع كثرة زيارته لقبورهم، ولو كان ذلك مشروعاً لفعله، وبينه لأصحابه؛ رغبةً في الثواب، ورحمةً بالأمة، وأداءً لواجب البلاغ، فإنه كما وصفه تعالى بقوله: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) التوبة/١٢٨.
فلما لم يفعل ذلك مع وجود أسبابه دل على أنه غير مشروع، وقد عرف ذلك أصحابه ﵃ فاقتفوا أثره، واكتفوا بالعبرة والدعاء للأموات عند زيارتهم، ولم يثبت عنهم أنهم قرأوا قرآناً للأموات، فكانت القراءة لهم بدعة محدثة، وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) متفق عليه)
انتهى من فتاوى اللجنة ٩/٣٨
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6764
حكم الصلاة على الميت الغائب
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم الصلاة على الميت الغائب؟ وإذا كانت مشروعة فهل يصلى على كل غائب؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ خرج إلى أصحابه يوم مات النجاشي ملك الحبشة ﵀، فنعاه لهم، وصفهم وصلى عليه صلاة الجنازة.
فهذا الحديث دليل على مشروعية الصلاة على الغائب، إلا أن بعض العلماء كالحنفية والمالكية قالوا: إن هذا خاص بالرسول ﷺ فلا تشرع صلاة الغائب لغيره.
وقد رد جمهور العلماء ذلك بأن الخصوصية لا تثبت إلا بدليل صحيح، والأصل: أن الأمة مأمورة بالاقتداء بالنبي ﷺ والتأسي به.
وقد اختلف العلماء القائلون بمشروعية الصلاة على الغائب، هل تشرع الصلاة على كل غائب أم لا؟ وكلهم يستدل بصلاة النبي صلى عليه وسلم على النجاشي.
فذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه تشرع الصلاة على كل غائب عن البلد، ولو صُلِّي عليه في المكان الذي مات فيه.
والقول الثاني: أنه تشرع الصلاة على الغائب إذا كان له نفع للمسلمين، كعالم أو مجاهد أو غني نفع الناس بماله ونحو ذلك.
وهذا القول رواية عن الإمام أحمد، واختارها الشيخ السعدي وبه أفتت اللجنة الدائمة.
والقول الثالث: أنها تشرع الصلاة على الغائب بشرط ألا يكون قد صُلِّي عليه في المكان الذي مات فيه، فإن صُلِّي عليه فلا تشرع صلاة الغائب عليه.
وهذا القول رواية أخرى عن الإمام أحمد، واختارها شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، ومال إليها من المتأخرين: الشيخ ابن عثيمين.
وهذه أقوال بعض العلماء في هذه المسألة:
قال الخرشي (مالكي) (٢/١٤٢) : " وصلاته ﵊ على النجاشي من خصوصياته " انتهى.
ونحوه في " بدائع الصنائع " للكاسائي (حنفي) (١/ ٣١٢) .
وقال النووي ﵀ في "المجموع" (٥/٢١١) : " مذهبنا جواز الصلاة على الغائب عن البلد، ومنعها أبو حنيفة. دليلنا حديث النجاشي وهو صحيح لا مطعن فيه وليس لهم عنه جواب صحيح " انتهى بتصرف.
وقد قيَّد الشافعية جواز الصلاة على الغائب بقيد حسن وهو أن يكون المصلِّي على الميت من أهل الصلاة عليه يوم مات.
قال زكريا الأنصاري ﵀ في "أسنى المطالب" (١/٣٢٢) : " وإنما تجوز الصلاة على الغائب عن البلد لمن كان من أهل فرض الصلاة عليه يوم موته " انتهى بتصرف يسير.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: " إلا أن بعض العلماء قَيَّده بقيد حسن قال: بشرط أن يكون هذا المدفون مات في زمن يكون فيه هذا المصلي أهلا للصلاة.
مثال ذلك: رجل مات قبل عشرين سنة، فخرج إنسان وصلى عليه وله ثلاثون سنة فيصح؛ لأنه عندما مات كان للمصلي عشر سنوات، فهو من أهل الصلاة على الميت.
مثال آخر: رجل مات قبل ثلاثين سنة، فخرج إنسان وله عشرون سنة ليصلي عليه فلا يصح؛ لأن المصلي كان معدوما عندما مات الرجل، فليس من أهل الصلاة عليه.
ومن ثمَّ لا يشرع لنا نحن أن نصلي على قبر النبي ﷺ ، وما علمنا أن أحدا من الناس قال: إنه يشرع أن يصلي الإنسان على قبر النبي ﷺ ، أو على قبور الصحابة، لكن يقف ويدعو " انتهى من "الشرح الممتع".
وقال ابن قدامة ﵀ في "المغني" (٢/١٩٥) : " وتجوز الصلاة على الغائب في بلد آخر بالنية فيستقبل القبلة , ويصلي عليه كصلاته على حاضر , وسواء كان الميت في جهة القبلة أو لم يكن , وسواء كان بين البلدين مسافة القصر أو لم يكن. وبهذا قال الشافعي " انتهى.
وقال المرداوي في "الإنصاف" (٢/٥٣٣) : " (ويصلي على الغائب بالنية) هذا المذهب مطلقا (يعني سواء صُلِّي عليه أم لا، وسواء كان له نفع عام للمسلمين أم لا) , وعليه جماهير الأصحاب وقطع به كثير منهم , وعنه [أي عن الإمام أحمد] : لا تجوز الصلاة عليه.
وقيل: يُصَلَّى عليه إن لم يكن صُلِّي عليه , وإلا فلا، اختاره الشيخ تقي الدين , وابن عبد القوي " انتهى.
وقال الشيخ البسام ﵀ في "نيل المآرب" (١/٣٢٤) :
" اختلف العلماء في الصلاة على الغائب، فذهب أبو حنيفة ومالك وأتباعهما إلى أنها لا تشرع، وجوابهم عن قصة النجاشي والصلاة عليه أن هذه من خصوصيات النبي ﷺ .
وذهب الشافعي وأحمد وأتباعهما إلى أنها مشروعة، وقد ثبتت بحديثين صحيحين، والخصوصية تحتاج إلى دليل، وليس هناك دليل عليها، وتوسط شيخ الإسلام فقال: إن كان الغائب لم يُصَلَّ عليه مثل النجاشي، صُلِّيَ عليه، وإن كان قد صُلِّيَ عليه، فقد سقط فرض الكفاية عن المسلمين.
وهذا القول رواية صحيحة عن الإمام أحمد، صححه ابن القيم في الهَدْي، لأنه توفي زمن النبي ﷺ أناس من أصحابه غائبين، ولم يثبت أنه صلى على أحد منهم صلاة الغائب.
ونقل شيخ الإسلام عن الإمام أحمد أنه قال: إذا مات رجل صالح صلي عليه، واحتج بقصة النجاشي.
ورجح هذا التفصيل شيخنا عبد الرحمن السعدي يرحمه الله تعالى، وعليه العمل في نجد، فإنهم يصلون على من له فضل، وسابقة على المسلمين، ويتركون من عداه والصلاة هنا مستحبة " انتهى.
وقَالَ الْخَطَّابِيِّ: " لا يُصَلَّى عَلَى الْغَائِبِ إلا إذَا وَقَعَ مَوْتُهُ بِأَرْضٍ لَيْسَ فِيهَا مَنْ يُصَلِّي عَلَيْهِ , وَاسْتَحْسَنَهُ الرُّويَانِيُّ من الشافعية , وَتَرْجَمَ بِذَلِكَ أَبُو دَاوُد فِي "السُّنَنِ" فَقَالَ: بَابُ الصَّلاةِ عَلَى الْمُسْلِمِ يَلِيهِ أَهْلُ الشِّرْكِ فِي بَلَدٍ آخَرَ. قَالَ الْحَافِظُ: وَهَذَا مُحْتَمَلٌ " انتهى من "فتح الباري".
وسئلت "اللجنة الدائمة" (٨/٤١٨) : أيجوز أن نصلي صلاة الجنازة على الميت الغائب كما فعله النبي ﷺ مع حبيبه النجاشي، أو ذلك خاص به؟
فأجابت: " تجوز صلاة الجنازة على الميت الغائب لفعل النبي ﷺ ، وليس ذلك خاصاً به، فإن أصحابه ﵃ صلوا معه على النجاشي، ولأن الأصل عدم الخصوصية، لكن ينبغي أن يكون ذلك خاصاً بمن له شأن في الإسلام، لا في حق كل أحد " انتهى.
وسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: ثبت عن الرسول ﷺ أنه صلى على النجاشي صلاة الغائب، وسبب ذلك أنه ما كان هناك أحد من المسلمين يصلي عليه، وواقع المسلمين الآن يموتون جماعة وبالتأكيد لم يصل عليهم كما هو حاصل في وقتنا الحاضر يعني أتأكد أنه ما يصلى عليهم؟
فأجاب فضيلته بقوله: " إذا تأكدت أنه لم يصل عليهم فصل عليهم، لأن الصلاة فرض كفاية. لكن ربما أهله صلوا عليه، لأن الصلاة على الميت تكون بواحد، على كل حال إذا تأكدت أن شخصا ما لم يصل عليه فعليك أن تصلي عليه لأنها فرض كفاية ولابد منها " انتهى من "مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين" (١٧/ ١٤٩) .
وقد تبين مما سبق أن الصلاة على الغائب مشروعة، لما ثبت من صلاة النبي ﷺ وأصحابه على النجاشي، وأنه لم يقم دليل على أن ذلك خاص به ﷺ .
لكن أعدل الأقوال في هذه المسألة قولان:
الأول: أنه لا يصلى إلا على من لم يُصل عليه.
والثاني: أنه يُصلَّى على من له منفعة للمسلمين، كعالم نفع الناس بعلمه، وتاجر نفع الناس بماله، ومجاهد نفع الناس بجهاده، وما أشبه ذلك.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6765
قطع الشوك والأشجار المؤذية من المقابر
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز قطع الأشجار المؤذية من المقابر؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ينبغي قطعها لأنها تؤذي الزوار، وهكذا ما يوجد فيها من الشوك ينبغي إزالته إراحة للزوار من شره، ولا يشرع لأحد أن يغرس على القبور شيئا من الشجر أو الجريد لأن الله سبحانه لم يشرع ذلك.
والنبي ﷺ إنما غرس جريدتين على قبرين عرفهما وأنهما معذبان، ولم يغرس على قبور المدينة وقبور البقيع، وهكذا الصحابة لم يفعلوا ذلك، فعلم أن ذلك خاص بصاحبي القبرين المعذبين نسأل الله السلامة.
[الْمَصْدَرُ]
كتاب مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لسماحة الشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز يرحمه الله، م/٤، ص/٣٧٩
стр. 6766
حكم دفن الميت في تابوت
[السُّؤَالُ]
ـ[مات رجل وأوصى أن يدفن في تابوت فما الحكم؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لم يختلف العلماء رحمهم الله تعالى في كراهة دفن الميت في تابوت إذا لم تكن هناك حاجة، فإذا وجدت حاجة كما لو كانت الأرض ندية أو يخشى أن تحفرها السباع فإن بعض الفقهاء يجيز الدفن في التابوت إذاً.
جاء في "فتاوى اللجنة الدائمة" (٢/٣١٢) :
"لم يعرف وضع الميت في تابوت على عهد رسول الله ﷺ ولا عهد الصحابة ﵃، وخير للمسلمين أن يسيروا على نهجهم، ولذا كُره وضع الميت في تابوت، سواء كانت الأرض صلبة أو رخوة أم نديّة، وإذا أوصى بوضعه في تابوت لم تنفذ وصيته. وأجاز الشافعية إذا كانت الأرض رخوة أو ندية ولا تنفذ وصيّته عندهم إلا في مثل هذه الحالة" اهـ.
وقال ابن قدامة:
وَلا يُسْتَحَبُّ الدَّفْنُ فِي تَابُوتٍ ; لأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَلا أَصْحَابِهِ , وَفِيهِ تَشَبُّهٌ بِأَهْلِ الدُّنْيَا , وَالأَرْضُ أَنْشَفُ لِفَضَلاتِهِ اهـ.
وقال في "الإنصاف":
يُكْرَهُ الدَّفْنُ فِي تَابُوتٍ , وَلَوْ كَانَ الْمَيِّتُ امْرَأَةً نَصَّ عَلَيْهِ الإمام أحمد اهـ.
وقال الشربيني الخطيب الشافعي في كتابه "مغني المحتاج":
(وَيُكْرَهُ دَفْنُهُ فِي تَابُوتٍ) بِالإِجْمَاعِ ; لأَنَّهُ بِدْعَةٌ (إلا فِي أَرْضٍ نَدْيَةٍ أَوْ رِخْوَةٍ) فَلا يُكْرَهُ لِلْمَصْلَحَةِ وَلا تُنَفَّذُ وَصِيَّتُهُ بِهِ إلا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ , وَمِثْلُ ذَلِكَ مَا إذَا كَانَ فِي الْمَيِّتِ تَهْرِيَةٌ بِحَرِيقٍ بِحَيْثُ لا يَضْبُطُهُ إلا التَّابُوتُ اهـ.
وفي الموسوعة الفقهية:
يُكْرَهُ دَفْنُ الْمَيِّتِ فِي تَابُوتٍ بِالإِجْمَاعِ ; لأَنَّهُ بِدْعَةٌ , وَلا تُنَفَّذُ وَصِيَّتُهُ بِذَلِكَ , وَلا يُكْرَهُ لِلْمَصْلَحَةِ , وَمِنْهَا الْمَيِّتُ الْمُحْتَرِقُ إذَا دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى ذَلِكَ اهـ.
والله تعالى أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6767
كيفية السلام على أهل القبور
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هي التحية التي تقال عند القبور؟ وهل هناك فرق بينها وبين تحية الرسول ﷺ والصحابة الكرام؟
هل الصحيح أن نقول عند قبر الرسول ﷺ السلام عليك يا رسول الله ونقول السلام عليكم يا أهل القبور عند دخول المقبرة أم يعتبر هذا شركاً؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
زيارة القبور مستحبة للرجال لقول النبي ﷺ في حديث بريدة بن الحصيب: (إني كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها) رواه مسلم ٩٧٧، وفي رواية (فإنها تذكركم الآخرة) رواه أحمد ١٢٤٠ وابن ماجة ١٥٦٩ وصححه الألباني في صحيح ابن ماجة.
ويستحب إذا زارها أن يسلم على أهل القبور ويدعو لهم بما كان الرسول ﷺ يعلمه أصحابه فعن عائشة ﵂ أنها قالت للنبي ﷺ : (يا رسول الله: كيف أقول لهم - (يعني أهل القبور) - قال: قولي السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين وإنا إن شاء الله بكم للاحقون) رواه مسلم ٩٧٤.
وعن بريدة بن الحصيب ﵁: (أن رسول الله ﷺ كان يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر فكان قائلهم يقول: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله للاحقون أسأل الله لنا ولكم العافية) رواه مسلم ٩٧٥
وأما قبور الصحابة فيقول عندها ما سبق من الأدعية وليس لها دعاء خاص.
أما زيارة قبر النبي ﷺ وصاحبيه أبي بكر وعمر ﵄، فالوارد عن الصحابة هو السلام، فقد كان ابن عمر يقول: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتِ، ثم ينصرف. صححه الحافظ ابن حجر.
وبعض العلماء يزيد على هذا: السلام عليك يا خيرة الله من خلقه، السلام عليك يا سيد المرسلين ... أشهد أنك بلغت الرسالة. انظر الأذكار للنووي ص ١٧٤، والمغني ٥ / ٤٦٦
قال الطبري: وإن قال الزائر ما تقدم من التطويل فلا بأس إلا أن الإتباع أولى. اهـ، يعني الاقتصار على ما ورد عن الصحابة أولى.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ في مناسك الحج والعمرة: " بعد أن يصلي في المسجد النبوي أول قدومه ما شاء الله أن يصلي، يذهب للسلام على النبي ﷺ وصاحبيه أبي بكر وعمر ﵄.
١- فيقف أمام قبر النبي ﷺ مستقبلا للقبر مستدبرا للقبلة، فيقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، وإن زاد شيئا مناسبا فلا بأس، مثل أن يقول: السلام عليك يا خليل الله وأمينه على وحيه، وخيرته من خلقه، أشهد أنك قد بلغت الرسالة، وأديت الأمانة ونصحت الأمة، وجاهدت في الله حق جهاده.
وإن اقتصر على الأول فحسن، وكان ابن عمر ﵄ إذا سلم يقول: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتِ، ثم ينصرف.
٢- ثم يخطو خطوة عن يمينه ليكون أمام أبي بكر ﵁ فيقول: السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا خليفة رسول الله ﷺ في أمته، رضي الله عنك وجزاك عن أمة محمد خيرا.
٣- ثم يخطو خطوة عن يمينه ليكون أمام عمر ﵁ فيقول: السلام عليك يا عمر، السلام عليك يا أمير المؤمنين، رضي الله عنك وجزاك عن أمة محمد خيرا.
وليكن سلامه على النبي ﷺ وصاحبيه بأدب، وخفض صوت، فإن رفع الصوت في المسجد منهي عنه لاسيما في مسجد رسول الله ﷺ وعند قبر. "
مناسك الحج والعمرة والمشروع في الزيارة ص ١٠٧، ١٠٨
وقول القائل: السلام عليكم عند زيارته للمقابر، وقوله: السلام عليك يا رسول الله عند زيارته لقبر النبي ﷺ ، فهذا لا يعتبر شركا، لأنه ليس دعاء للأموات ولا استعانة بهم، وإنما هو دعاء لهم أن يسلمهم الله من جميع الأخطار التي يلاقيها العبد بعد الموت من عذاب القبر ثم البعث والحساب وأهوال الآخرة.
نسأل الله تعالى السلامة والعافية في الدنيا والآخرة، والله اعلم.
انظر زاد المستنقع ٥ / ٤٧٣، أشراط الساعة للدكتور يوسف الوابل ص ٣٣٧.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6768
من الذي يُنزل الميت إلى القبر
[السُّؤَالُ]
ـ[من أولى الناس بإنزال الميت إلى قبره: المُتعلِّم أو ولي الميت؟ وهل هناك فرق بين الرجل والمرأة؟ وهل يشترط أن يكون الذي ينزل المرأة من محارمها؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀:
" الأولى بذلك وصيّه، إذا كان له وصي (أي: الذي أوصى الميت أن ينزله في قبره) ، فإن لم يكن له وصي فالأقرب ثم الأقرب من أوليائه، وإذا كان هناك متعلم فهو أولى، وإن لم يكن هناك متعلم ودفنها غير متعلم فإنه يتلقى التعليم من المتعلم، ويوجهه المتعلم.
ولا يشترط أن يكون الذي ينزل للقبر محرماً للمرأة؛ فإن النبي ﷺ أمر أبا طلحة ﵁ أن ينزل في قبر ابنته ويدفنها مع حضوره هو، وزوجها عثمان بن عفان ﵁.ِ (الحديث رواه البخاري (١٣٤٢))
[الْمَصْدَرُ]
مجوع فتاوى ابن عثيمين ﵀ ١٧/١٨٠.
стр. 6769
هل البكاء على الميت بالدموع يعذب الميت ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل البكاء على الميت بالدموع يعذب الميت، وإن كان بعد مدة من الزمن؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ورد عن النبي ﷺ في أكثر من حديث أن الميت يُعَذَّب ببكاء أهله عليه من ذلك ما أخرجه مسلم في صحيحه (٩٢٧) من حديث ابن عمر أن حفصة بكت على عمر، فقال: مهلاً يا بنية! ألم تعلمي أن رسول الله ﷺ قال: (إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه) .
وقد ثبت أيضا عن النبي ﷺ في أكثر من حادثة أنه بكى عند الميت، منها بكاؤه ﷺ عند موت ابنه إبراهيم كما عند البخاري (٢/١٠٥) ومسلم (٧/٧٦) من حديث أنس ﵁، وبكى أيضا ﷺ عند موت إحدى بناته أثناء دفنها كما عند البخاري (١٢٥٨) من حديث أنس ﵁.
وبكى أيضا ﷺ عند وفاة أحد أحفاده كما عند البخاري (١٢٨٤) ومسلم (٩٢٣) من حديث أسامة بن زيد ﵄.
فإن قيل: كيف نوفق بين هذه الأحاديث التي تمنع من البكاء على الميت والأخرى التي تجيز ذلك؟
فالجواب:
قد بَيَّن النبي ﷺ ذلك فيما رواه البخاري (٧٣٧٧) ومسلم (٩٢٣) عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أن النبي ﷺ بكى على ابن إحدى بناته فَقَالَ لَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: مَا هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ.
قال النووي:
مَعْنَاهُ أَنَّ سَعْدًا ظَنَّ أَنَّ جَمِيع أَنْوَاع الْبُكَاء حَرَام , وَأَنَّ دَمْع الْعَيْن حَرَام , وَظَنَّ أَنَّ النَّبِيّ ﷺ نَسِيَ فَذَكَرَهُ , فَأَعْلَمَهُ النَّبِيّ ﷺ أَنَّ مُجَرَّد الْبُكَاء وَدَمع العَيْنٍ لَيْسَ بِحَرَامٍ وَلا مَكْرُوه بَلْ هُوَ رَحْمَة وَفَضِيلَة وَإِنَّمَا الْمُحَرَّم النَّوْح وَالنَّدْب وَالْبُكَاء الْمَقْرُون بِهِمَا أَوْ بِأَحَدِهِمَا كَمَا قال النبي ﷺ : (إنَّ اللَّه لا يُعَذِّب بِدَمْعِ الْعَيْن وَلا بِحُزْنِ الْقَلْب وَلَكِنْ يُعَذِّب بِهَذَا أَوْ يَرْحَم وَأَشَارَ إِلَى لِسَانه) اهـ.
وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية - كما في "الفتاوى" (٢٤/٣٨٠) – عن بكاء الأم والإخوة على الميت هل فيه بأس على الميت؟ فقال ﵀: (أما دمع العين وحزن القلب فلا إثم فيه , لكن الندب والنياحة منهي عنه) اهـ.
أما بالنسبة للبكاء على الميت ولو بعد مدة من الزمن فليس هناك حرج من ذلك بشرط ألا يصحبه نياحة أو ندب أو تسخط على قدر الله تعالى.
روى مسلم (٩٧٦) عن أبي هريرة ﵁ قال: زار النبي ﷺ قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، فقال: (استأذنت ربي في أن استغفر لها فلم يؤذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت) .
والله تعالى أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6770
القبر ليس هو المثوى الأخير
[السُّؤَالُ]
ـ[يكثر في الصحف والأخبار قول إذا مات شخص ودفن، يقولون: انتقل إلى مثواه الأخير. فهل القبر هو المثوى الأخير؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ في "تفسير جزء عم" (ص ١١٧) :
القبور ليست آخر المنازل، بل هي مرحلة، سمع أعرابي رجلاً يقرأ قول الله تعالى: (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ) التكاثر/١-٢. فقال الأعرابي: والله ما الزائر بمقيم.
فالأعرابي بفطرته عرف أن وراء هذه القبور شيئاً يكون المصير إليه، لأنه كما هو معلوم الزائر يزور ويمشي، وبه نعرف أن ما نقرؤه في الجرائد "فلان توفي ثم نقلوه إلى مثواه الأخير" أن هذه الكلمة غلط كبير، ومدلولها كفر بالله ، وكفر باليوم الآخر، لأنك إذا جعلت القبر هو المثوى الأخير فهذا يعني أنه ليس بعده شيء، والذي يرى أن القبر هو المثوى الأخير وليس بعده مثوى كافر، فالمثوى الأخير إما جنة وإما نار اهـ.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ ابن عثيمين ﵀ في "تفسير جزء عم" (ص ١١٧)
стр. 6771
كيف يحصل على عفو الميت
[السُّؤَالُ]
ـ[ماتت جدتي قبل أربع سنوات (أسأل الله أن تكون في الجنة) تربيت عندها ولدي ذكريات عظيمة معها. علمتني الصلاة وكانت تقول لي حكماً وأشياء عظيمة، وأحبها حباً عظيما. بحماقتي فعلت شيئا كان يجب أن لا أفعله، ثم أسفت لفعله أسفا شديدا، فمن المحتمل أنني أهنتها بطريقة ما ولكنها لم تقل أي شيء عن هذا الموضوع.
لم تتح لي الفرصة لأطلب عفوها، تبت من الذنب الذي فعلته ودائما أسأل الله المغفرة.
هل هناك طريقة أطلب بها عفو جدتي الآن؟ فكرت في هذا الموضوع كثيرا ولكنني لم أستطع أن أجد أي طريقة مناسبة. سأكون شاكرا جدا إذا ساعدتني في هذا الموضوع.أسأل الله المغفرة لجميع الأحياء والأموات وشكرا لك.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ما دامت الجدّة قد ماتت وذهبت إلى ربها فأنت لا تدري هل سامحتك أم لا، وليس هناك من سبيل لطلب المسامحة منها بعد موتها، وهذا ما يؤكّد أهمية حديث المصطفى ﷺ : مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ قَبْلَ أَنْ لا يَكُونَ دِينَارٌ وَلا دِرْهَمٌ إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ رواه لبخاري ٢٢٩٦
قال ابن حجر ﵀ في شرح الحديث:
قوله: (من كانت له مظلمة لأخيه) .. أي من كانت عليه مظلمة لأخيه.
قوله: (من عِرْضه أو شيء) أي من الأشياء.. فيدخل فيه المال بأصنافه والجراحات حتى اللطمة ونحوها، وفي رواية الترمذي " من عرض أو مال ".
قوله: (قبل أن لا يكون دينار ولا درهم) أي يوم القيامة.
قوله: (أُخذ من سيئات صاحبه) أي صاحب المظلمة (فحمل عليه) أي على الظالم.. وهذا الحديث قد أخرج مسلم معناه من وجه آخر وهو أوضح سياقا من هذا ولفظه " المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا وسفك دم هذا وأكل مال هذا، فيعطي هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه وطرح في النار "
وفي رواية للبخاري أيضا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ مَظْلِمَةٌ لأَخِيهِ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهَا فَإِنَّهُ لَيْسَ ثَمَّ دِينَارٌ وَلا دِرْهَمٌ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُؤْخَذَ لأَخِيهِ مِنْ حَسَنَاتِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ أَخِيهِ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ رواه البخاري ٦٠٥٣
وعند أبي نعيم من حديث ابن مسعود يؤخذ بيد العبد فينصب على رءوس الناس وينادي مناد: هذا فلان ابن فلان فمن كان له حق فليأت، فيأتون فيقول الرب: آت هؤلاء حقوقهم، فيقول: يا رب فنيت الدنيا فمن أين أوتيهم، فيقول للملائكة: خذوا من أعماله الصالحة فأعطوا كل إنسان بقدر طلبته، فإن كان ناجيا وفضل من حسناته مثقال حبة من خردل ضاعفها الله حتى يدخله بها الجنة.
(و) أخرج أحمد والحاكم من حديث جابر عن عبد الله بن أنيس رفعه " لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة ولأحد من أهل النار عنده مظلمة حتى أقصه منه، حتى اللطمة. قلنا يا رسول الله كيف وإنما نحشر حفاة عراة؟ قال: بالسيئات والحسنات " فتح الباري شرح صحيح البخاري
وعلى أيّة حال أنت قد قمت بخطوة مهمة جدا وهي التوبة إلى الله جلّ وعلا، فإذا صدقت مع الله في التوبة وعملت ما يُمكن من البرّ بجدّتك (راجع لمعرفة ذلك السؤال رقم ٧٦٣) ورأت في صحيفتها استغفارك لها فلعلّها أن تعفو عنك في ذلك الموقف إذا لم تكن قد عفت عنك في الدّنيا، وأكثر من الدعاء لها والله يعفو عنّا أجمعين.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 6772
الصلاة عند القبور وشروط الشفاعة
[السُّؤَالُ]
ـ[كنت في نقاش مع أحد الأصحاب الذين يتبعون مذهب الصوفية، وسألني عن رأيي في الصلاة على القبور وعن بعض العلماء المتدينين وشفاعتهم يوم القيامة.
قلت لذلك الشخص إن الصلاة على القبور شرك وأنه لا يشفع أحد يوم القيامة إلا النبي محمد ﷺ وأردت أن أعرف رأي أهل العلم بهذا الشأن وأين أجد الدليل على ذلك.
أرجو أن تتمكن من الإجابة على سؤالي.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً: مسألة الصلاة على القبور..
الصلاة على القبور على قسمين:
القسم الأول: الصلاة لصاحب القبر، وهذا شرك أكبر مخرج عن الملة لأن الصلاة عبادة والعبادة لا يجوز صرفها لغير الله قال تعالى: (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً) النساء/٣٦، وقال تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالاً بعيداً) النساء/١١٦.
القسم الثاني: الصلاة لله في المقبرة، وهذا القسم تحته مسائل:
١- صلاة الجنازة على القبر، وهذه جائزة.
صورة المسألة: أن يموت شخص ولم تتمكن من الصلاة عليه في المسجد فيجوز لك أن تصلي عليه بعد دفنه.
دليل المسألة هو فعل النبي ﷺ : فعن أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا أَسْوَدَ أَوْ امْرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَ يَقُمُّ (أي يُنظِّف) الْمَسْجِدَ فَمَاتَ فَسَأَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْهُ فَقَالُوا مَاتَ قَالَ أَفَلا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي بِهِ دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ أَوْ قَالَ قَبْرِهَا فَأَتَى قَبْرَهَا فَصَلَّى عَلَيْهَا " رواه البخاري واللفظ له (٤٥٨) ومسلم (٩٥٦) .
٢- صلاة الجنازة في المقبرة، وهذه جائزة.
صورة المسألة: أن يموت شخص ولم تتمكن من الصلاة عليه في المسجد، وحضرت إلى المقبرة فصليت عليه قبل أن يُدفن.
قال الشيخ عبد العزيز ابن باز ﵀: " تجوز الصلاة على الجنازة داخل المقبرة كما تجوز الصلاة عليها بعد الدفن؛ لما ثبت أن جارية كانت تقم المسجد، فماتت فسأل النبي ﷺ عنها فقالوا: ماتت، فقال: " أفلا كنتم آذنتموني؟ فدلوني على قبرها " فدلوه فصلى عليها ثم قال: " إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله ينورها لهم بصلاتي عليهم " رواه مسلم ٩٥٦ انتهى من فتاوى اللجنة الدائمة ٨/٣٩٢
٣- الصلاة في المقبرة – ما عدا صلاة الجنازة – وهذه الصلاة باطلة ولا تصح، سواءً كانت فريضة أو نافلة.
الدليل: أولاً: قول النبي ﷺ : " الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام " رواه الترمذي (٣١٧) وابن ماجه (٧٤٥) وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه (٦٠٦) .
ثانياً: قول النبي ﷺ : " لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " رواه البخاري (٤٣٥) ومسلم (٥٢٩) .
ثالثاً: (تعليل) وهو أن الصلاة في المقبرة قد تتخذ ذريعة إلى عبادة القبور، أو إلى التشبه لمن يعبد القبور، ولهذا لما كان الكفار يسجدون للشمس عند طلوعها وغروبها، نهى النبي ﷺ عن الصلاة عند طلوعها وغروبها لئلا يُتخذ ذريعة إلى أن تُعبد الشمس من دون الله، أو إلى أن يتشبه بالكفار.
٤- الصلاة إلى المقبرة، وهذه محرمة - على الصحيح -.
صورة المسألة: أن تصلي وفي قبلتك مقبرة أو قبر، ولكنك لا تصلي في أرض المقبرة، بل في أرض أخرى قريبة من المقبرة، وليس بينك وبين المقبرة سور أو حاجز.
الدليل على التحريم:
١- عَنْ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ وَلا تُصَلُّوا إِلَيْهَا " رواه مسلم (٩٧٢) . فهذا يدل على تحريم الصلاة إلى المقبرة أو إلى القبور أو إلى القبر الواحد.
٢- ولأن العلة من منع الصلاة في المقبرة موجودة في الصلاة إلى القبر فما دام الإنسان يتجه إلى القبر أو إلى المقبرة اتجاهاً يُقال إنه يُصلي إليها فإنه يدخل في النهي، وإذا كان داخلاً في النهي فلا يصح لقوله: " لا تصلوا " فالنهي هنا عن الصلاة، فإذا صلى إلى القبر فقد اجتمع في فعله هذا طاعة ومعصية، وهذا لا يمكن أن يتقرب إلى الله تعالى به.
تنبيه: إذا كان بينك وبين المقابر جدار فاصل فلا بأس من الصلاة حينئذٍ ولا نهي، كذلك إذا كان بينك وبينها شارع أو مسافة لا تصير بها مصلياً إلى المقابر فلا بأس. والله أعلم
انظر المغني (١/٤٠٣) والشرح الممتع لابن عثيمين (٢/٢٣٢) رحم الله الجميع.
ثانياً: مسألة الشفاعة ...
قد أخطأت في قولك إنه لا يشفع أحد يوم القيامة إلا النبي ﷺ ، بل يشفع النبي صلى عليه وسلم ويشفع غيره من المؤمنين، انظر السؤال (١١٩٣١) .
ولكن نضيف هنا مسألة لم تُذكر هناك، وهي أن الشفاعة لها شروط:
الأول: الإذن من الله للشافع أن يشفع.
الثاني: رضى الله عن المشفوع له.
والدليل على الشرطين قوله تعالى: (وكم من ملك في السموات لا تغني شفاعتهم شيئاً إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى) النجم/٢٦ وقوله (ولا يشفعون إلا لمن ارتضى) الأنبياء/٢٨.
وأما الشفاعة الموهومة التي يظنها عبَّاد الأصنام من معبوديهم فهي شفاعة باطلة؛ لأن الله لا يأذن لأحد بالشفاعة إلا من ارتضاه من الشفعاء والمشفوع لهم. انظر " القول المفيد شرح كتاب التوحيد " للشيخ محمد بن عثيمين ﵀ ص (٣٣٦-٣٣٧) ط١.
إلا أن الإقرار بشفاعة النبي ﷺ وشفاعة المؤمنين ليس مسوغاً لطلبها منهم، كما يفعل البعض من طلب الشفاعة من النبي ﷺ بعد وفاته.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 6773
امرأة مرت بجانب مقبرة فهل تسلم ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[نعلم أن المرأة ممنوعة من زيارة المقابر ولكن ما تقول في امرأة مرت بجانب سور المقبرة وهي في طريقها ورأت القبور فهل تدعو بالذكر الوارد أم تمتنع عنه أم ماذا تفعل؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا بأس أن تدعو بالذكر الوارد (السلام عليكم أهل الديار ... ) ولا إثم عليها، لأنها لم تقصد زيارة القبور ولم تدخل المقبرة وإنما مرت من غير قصد.
[الْمَصْدَرُ]
من كتاب ماذا تفعل في الحالات التالية ص ١٨.
стр. 6774
اعتقاد خاطئ في رؤية الأموات للزائرين الأحياء عراة
[السُّؤَالُ]
ـ[سمعنا أن زيارة النساء للقبور لا تجوز لأنّ الأموات يرون الأحياء عراة وأنا غير مقتنع وحيث أنّ أمي وأختي تريدان زيارة قبر أبي بل زارتاه فما هو الحكم؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
السبب في منع زيارة النساء للقبور هو حديث النبي ﷺ لعن الله زائرات القبور " وفي رواية " زوارات القبور " سنن الترمذي ٢٩٤ وقال حديث حسن وليس لأن الأموات يرون الزائرين عراة فهذا سبب ساقط وأحكام عالم الأموات تختلف عن أحكام عالم الأحياء ولو كان السبب في منع الزيارة هو رؤية الأموات للزائرين عراة لكانت زيارة الرجال للقبور أيضا محرّمة.
وعليك أن تحثّ أمّك وأختك على الاجتهاد في الدعاء لأبيك الميت فهو أعظم ما ينتفع به الميت ولا تُقارن فائدته للميت بمجرّد الزيارة، وأعلمهما أنّ الدعاء يصل إليه في أيّ مكان كان الداعي موجودا فيه سواء كان بجانب القبر أو بعيدا عنه.
أسأل الله أن يرحم ميتكم ويرزقكم الصبر على فقده وإنا لله وإنا إليه راجعون.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 6775
صفة الدعاء للميت في صلاة الجنازة
[السُّؤَالُ]
ـ[كيف يدعو للميت في صلاة الجنازة إن كانوا ذكوراً أو إناثاً أو اثنين وكيف يدعو إذا كان الميت طفلاً؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
يدعى للأموات جميعاً ذكوراً كانوا أم إناثاً، أو ذكوراً وإناثاً بقوله: اللهم اغفر لهم وارحمهم.. إلى آخره، وإن كانوا اثنين: الله اغفر لهما وارحمهما.. إلى آخر الدعاء.
أما الطفل فيقال في الدعاء له: اللهم اجعله ذخراً لوالديه، وفرطاً وشفيعاً مجاباً، اللهم أعظم به أجورهما، وثقل به موازينهما، وألحقه بصالح سلف المؤمنين، واجعله في كفالة إبراهيم ﵇، وقه برحمتك عذاب الجحيم.
[الْمَصْدَرُ]
كتاب مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز – ﵀ – م/١٣ ص/١٤٥.
стр. 6776
إذا مات الرجل وهو لم يختن، فهل نختنه ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[إذا مات الرجل وهو لم يختن، فهل نختنه أم لا؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ذهب أكثر العلماء إلى أنه لا يختتن.
قال النووي:
لو مات غير مختون: فثلاثة أوجه:
الصحيح الذي قطع به الجمهور لا يختن؛ لأن ختانه كان تكليفا وقد زال بالموت.
والثاني: يختن الكبير والصغير.
والثالث: يختن الكبير دون الصغير، حكاهما في البيان وهما شاذان ضعيفان.
" المجموع " (١ / ٣٥٢) .
وقال ابن قدامة ﵀:
فأما الختان [يعني للميت] فلا يشرع، لأنه إبانة جزء من أعضائه. وهذا قول أكثر أهل العلم. وحُكي عن بعض الناس أنه يختن. حكاه الإمام أحمد. والأول أولى لما ذكرناه اهـ المغني (٣/٤٨٤) .
وسئلت اللجنة الدائمة عن طفل مات ولم يطهر [أي لم يختن) فهل يطهر أم لا؟
فقالت: لا يطهر لفوات زمان ختانه وهو مدة حياته.
فتاوى اللجنة الدائمة (٨/٣٦٩) .
وقال الشيخ ابن باز:
وأما حلق العانة والختان فلا يشرع فعلهما في حق الميت لعدم الدليل على ذلك اهـ مجموع فتاوى الشيخ ابن باز (١٣/١١٤) .
والله اعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6777
أفعال منكرة في المأتم
[السُّؤَالُ]
ـ[اطلب سماحتكم أن تفيدونا بما يتفق مع شرع الله في المأتم بأننا نعمل الآتي:
نقرأ سورة الفاتحة على قبر الميت.
وتكون التعزية في المأتم لمدة تصل إلى ثلاثة أيام أو أكثر، ونأكل ونشرب في المأتم، ونجمع من كل واحد خمسة وعشرين ريالاً وتُدفع لأهل الميت.
وتذبح ذبيحة شاة أو نحوها في ثالث أيام الوفاة.
وتجمع حصوات مع القول بصوت مرتفع (لا إله إلا الله) وتوضع على قبر الميت.
وترفع النسوة أصواتهن بالبكاء والعويل، ولطم الخدود، وذكر محاسن الميت،
ويلبسن الأسود الخشن حداداً على الميت،
ولا تباشر النساء في أيام العدة أي عمل، نحو إعداد الطعام والقيام بالأعمال المعتادة التي يقمن بها النساء.]ـ
[الْجَوَابُ]
هذه عادات جاهلية، أو بدع منكرة، عليكم تركها وبيان نكارتها.
١- فأما القراءة على القبر فلا تجوز، ولم يفعلها أحد من السلف، ولو كان خيراً لسبقونا إليه، وإنما ورد قراءة (ياسين) عند المحتضر قبل خروج روحه أما بعد موته وعند دفنه أو بعد الدفن فلا يشرع من القراءة، ولا التلقين ونحوه.
٢- أما التعزية فهي سنة، ولا تكون في المأتم، بل يعزى أهل الميت في كل مكان، ولا بأس باجتماعهم ( ... ) ليقصدهم المعزون، ولا يجتمعون للأكل، وإنما يصلح لأهل الميت وحدهم طعام بقدرهم، ويكره لهم فعله للناس.
٣- وهذه النقود التي تُجمع من كل واحد لا حاجة إليها إلا إذا كانوا فقراء تحل لهم الزكاة.
٤- لا تجوز هذه الذبيحة سواء كانت من مال الميت أو من غيره، أما إذا أصلح لأهل الميت طعام ولو بذبيحة أو أكثر فلا بأس.
٥- وجمع هذه الحصوات، والذكر عند الجمع، ووضعها على القبر بدعة منكرة، يجب تركها وإنكارها.
٦- ورفع الصوت بالنياحة والعويل، ولطم الخدود، وتعداد محاسن الميت بدعة، ومن فعل الجاهلية، وقد ورد حديث: " ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية " رواه البخاري (١٢٩٤ فتح ٣/١٦٣) ومسلم (١٠٣) وأحمد (١/٤٤٢) .
٧- ولبس السواد حدادا على الميت بدعة، وإنما زوجاته يتجنبن لباس الشهرة والزينة، والحلي والجمال، والطيب زمن الإحداد.
٨- وتركهن الأعمال والأشغال المعتادة زمن الإحداد بدعة، فللحادة أن تصلح الطعام، وتكنس الدار وتغسل الأواني والثياب، ولا حرج عليها في ذلك والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 6778
حديث لا أصل له في قراءة "قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ" عند المرور بالقبور
[السُّؤَالُ]
ـ[روي عن علي ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (من مر على المقابر وقرأ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) إحدى عشر مرة، ثم وهب أجرها للأموات أعطي من الأجر بعدد الأموات) هل هذا الحديث صحيح؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"هذا الحديث لا أصل له عند أهل العلم، وهو من الأحاديث الموضوعة المكذوبة التي ليس لها سند صحيح، وليس من السنة أن يقرأ عند القبور ولا بين القبور، إنما السنة إذا زار القبور أن يقول: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين) أو: (السلام عليكم أهل الديار من المسلمين والمؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية) ، ويدعو لهم بالمغفرة والرحمة، هذا هو السنة، أما أن يقرأ عليهم القرآن، أو بينهم القرآن، فهذا لا أصل له " انتهى.
سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀
فتاوى نور على الدرب" (١/١٩٦) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6779
حديث ارحموا موتاكم بالصدقة
[السُّؤَالُ]
ـ[جاء في حاشية الستين: ذكر في نزهة المجالس عن كتاب " المختار ومطالع الأنوار " عن النبي ﷺ ، قال: (لا يأتي على الميت أشد من الليلة الأولى، فارحموا موتاكم بالصدقة، فمن لم يجد فليصل ركعتين، يقرأ في كل ركعة منهما فاتحة الكتاب، وآية الكرسي، وألهاكم، وقل هو الله أحد إحدى عشرة مرة، ويقول اللهم ابعث ثوابها إلى قبره فلان ابن فلانة، فيبعث الله من ساعته إلى قبره ألف ملك، من كل ملك نور وهدية، يؤنسونه في قبره إلى أن ينفخ في الصور، ويعطي الله المصلى بعدد ما طلعت عليه الشمس حسنات ويرفع الله له أربعين ألف درجة ألف حجة وعمرة ويبنى له ألف مدينة في الجنة ويعطى ثواب ألف شهيد ويكسى ألف حلة.....) السؤال هل هذا الكلام صحيح , أرجو مساعدتنا بالإجابة لتصحيح أدياننا في البلاد غير الإسلامية.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
من المعلوم أن النبي ﷺ قد حذر من الكذب عليه، وتوعد عليه أشد الوعيد، كما في الحديث الذي رواه البخاري (١٢٠٩) ومسلم (٥) عَنْ الْمُغِيرَةِ بن شعبة ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: (إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ؛ مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ) .
والأحاديث في هذا كثيرة معلومة. وانظر جواب السؤال رقم ٣٤٧٢٥
وقد ذكر أهل العلم بعض علامات، يمكن للمشتغل بسنة النبي صلى الله عليه، الذي طالت ممارسته لأحاديثه، ومعرفته بما يخرج من مشكاته، أن يتعرف بها النص المروي، هل هو مما يشبه كلام النبي ﷺ ، أو لا؛ وذكروا بعضا من العلامات التي تشيع في أحاديث الكذابين والوضاعين.
فمن ذلك قول ابن القيم ﵀ في هذه العلامات:
" فمنها: اشتماله على أمثال هذه المجازفات، التي لا يقول مثلها رسول الله صلى الله، وهي كثيرة جدا " انتهى. المنار المنيف (٥٠) .
وهذا إذا كان للحديث المذكور إسناد مروي يمكن النظر فيه، والحكم عليه بما يقتضيه حاله، وفق قواعد علم الحديث؛ فكيف إذا كان مجرد حكاية مذكورة في كتاب، لا يعرف صاحبه بعلم السنة، أو التحقيق فيها.
وقد سئلت اللجنة الدائمة الحديث المذكور في السؤال، فأجابت:
" لا شك أن الحديث المذكور في السؤال من الأحاديث الموضوعة المكذوبة على رسول الله ﷺ ، ولا شك أن الصدقة والصلاة بالكيفية المذكورة في هذا الحديث الموضوع لا أصل لهما، ولا يشرع للمسلم أن يصلي عن أحد لا في أول ليلة يدفن فيها الميت ولا في غيرها، أما الصدقة فمشروعة عن الميت المسلم متى شاء أقاربه أو غيرهم الصدقة عنه؛ لما ثبت من الحديث الصحيح، أن رجلاً سأل النبي ﷺ قال: (إن أمي افتلتت نفسها ولم توص، وأظنها لو تكلمت تصدقت، أفلها أجر إن تصدقت عنها؟ فقال النبي ﷺ : «نعم» ) .
ولم يخص ليلة الدفن ولا غيرها، وقد أجمع العلماء من أهل السنة والجماعة على أن الميت المسلم ينتفع بالصدقة عنه والدعاء له، أما المؤلف لكتاب (المختار ومطالع الأنوار) فلا نعرفه، ولم نقف على كتابه المذكور، ولكن ما نقلتم عنه يدل على أنه ليس من أهل العلم المعتبرين، فنسأل الله لنا ولك ولجميع المسلمين المزيد من العلم النافع والعمل الصالح ".
فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء: المجلد التاسع ـ الفتوى رقم (٢٠٩٠) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6780
التصدق عن الميت وعلم الميت بها
[السُّؤَالُ]
ـ[إذا ضحى شخص عن والده المتوفى أو تصدق عنه، أو دعا له، وزار قبره، فهل يحس أنه من ابنه فلان؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
" الذي دلت عليه نصوص الشريعة انتفاع الميت بصدقة الحي عنه، ودعائه له، والضحية عنه نوع من أنواع الصدقة، فإذا أخلص المتصدق في صدقته عن الميت وفي دعائه له، انتفع الميت، وأثيب الداعي والمتصدق فضلاً من الله ورحمة، وحسبه أن يعلم الله منه الإخلاص وحسن العمل، ويأجر الطرفين، أما أنه يحس الميت بمن أسدى إليه المعروف فلم يدل عليه دليل شرعي فيما نعلم، وهو أمر غيبي، لا يُعلم إلا من وحي الله تعالى لرسوله ﷺ .
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم" انتهى.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود.
"فتاوى اللجنة الدائمة" (٩/٣٢) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6781
إهداء ثواب الأعمال إلى النبي ﷺ وأصحابه
[السُّؤَالُ]
ـ[من منطلق حبي لصحابة الرسول ﷺ ، وابتغاء مرضاة ربي، أريد أن أخرج أحدا من الناس ليؤدي فريضة الحج عن أحد الصحابة، فهل هذا جائز؟ وإن أمكن هل لكم بالتكرم بتزويدي بأسماء صحابة لم يتمكنوا من أداء فريضة الحج. أخبَرَني أحد الإخوان بأسماء بعض الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، ولكن كلهم ماتوا قبل سنة ٦ للهجرة، قبل فرض فريضة الحج. وهل ممكن أن أجعل جزءا من مالي وقفاً لوجه الله تعالى للرسول ﷺ وصحابته الكرام، وعن الرسل؟ ليست رغبتي من فعله سوى ابتغاء رحمة ربي، وأن يجمعني مع الرسول ﷺ في الجنة، ومع الأنبياء والمرسلين وتابعيهم إلى يوم الدين.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
نسأل الله تعالى أن يزيدك حبا للنبي ﷺ وأصحابه الكرام، وأن يكتب لك عظيم الأجر والثواب عليه.
واحرص أن يكون حبك هذا دافعا لك للاقتداء بهم واتباعهم.
وذلك يقتضي مراقبة الله تعالى في السر والعلن، وإخلاص القلب من شوائب الشرك والرياء والحسد والعجب والكبر، وتذليل النفس لحسن العبودية لله تعالى.
ثانيا:
قد ورد من الأدلة الشرعية ما يدل على جواز إهداء ثواب بعض القربات إلى الأموات.
وقد سبق تقرير ذلك في جواب السؤال رقم (١٢٦٥٢) .
لكن إهداء ثواب الأعمال إلى النبي ﷺ أو إلى صحابته الكرام ليس من المندوبات المستحبات، وذلك لوجوه:
الأول: أننا لم نجد من السلف مَن فعل ذلك، وكل خير في اتباع من سلف، وكل شر في ابتداع من خلف، بل لم يفعله النبي ﷺ بأحد من أصحابه، فقد ماتت زوجته خديجة وعمه حمزة قبل فريضة الحج، ولم ينقل أنه كلَّف من يحج عنهما، أو يتصدق عنهما، وخير الهدي هدي محمد ﷺ .
الثاني: قد ذكر الله تعالى في سورة الحشر فضيلة المهاجرين والأنصار، ثم أثنى على من جاؤوا بعدهم بقوله: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) الحشر/١٠. فلم يذكر شيئا غير الدعاء لهم، مما يدل على أن الدعاء هو أفضل ما يهدى للمسلم، لا الصلاة، ولا الصدقة، ولا الحج، ولا غير ذلك من الأعمال.
الثالث: أن من يهدي الثواب إلى النبي ﷺ لم يستفد شيئاً إلا أنه حرم نفسه من ذلك الثواب ولم ينفع النبي ﷺ بشيء، لأنه ﷺ له مثل ثواب أمته في كل عمل صالح، لأنه هو الذي دلهم عليه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالة له عن إهداء الثواب إلى النبي ﷺ (ص/١٢٥-١٢٦) :
" لم يكن من عمل السلف أنهم يصلُّون ويصومون ويقرؤون القرآن ويهدون للنبي ﷺ ، كذلك لم يكونوا يتصدقون عنه، ويعتقون عنه؛ لأن كل ما يفعله المسلمون فله مثل أجر فعلهم من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً" انتهى.
وقال الشيخ ابن عثيمين في "الشرح الممتع" (٣/٢١٣) :
" بعض المحبِّين للرَّسُول ﵊ يهدون إليه القُرَب؛ كالختمة والفاتحة على روح محمَّد كما يقولون وما أشبه ذلك، فنقول: هذا من البدع ومن الضلال.
أسألك أيُّها المُهْدي للرسول عبادة، هل أنت أشدُّ حُبًّا للرسول ﵊ من أبي بكر وعُمر وعُثمان وعليّ؟
إن قال: نعم، قلنا: كذبت، ثم كذبت، ثم كذبت، ثم كذبت.
وإن قال: لا، قلنا: لماذا لم يُهْدِ أبو بكر والخلفاء بعده للرسول ﷺ ختمة ولا فاتحة ولا غيرها؟ فهذا بدعة.
ثم إن عملك الآن وإن لم تُهْدِ ثوابه سيكون للرَّسول ﷺ مثله، فإذا أهديت الثَّوابَ، فمعناه أنك حرمت نفسك من الثواب فقط، وإلَّا فللرسول ﷺ مثل عملك أهديت أم لم تُهْدِ " انتهى.
وجاء في "فتاوى اللجنة الدائمة" (٩/٥٨-٥٩) :
" لا يجوز إهداء الثواب للرسول ﷺ ، لا ختم القرآن ولا غيره؛ لأن السلف الصالح من الصحابة ﵃ ومن بعدهم لم يفعلوا ذلك، والعبادات توقيفية، وقد قال ﵊: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) ، وهو ﷺ له مثل أجور أمته في كل عمل صالح تعمله؛ لأنه هو الذي دعاها إلى ذلك، وأرشدها إليه، وقد صح عنه ﷺ أنه قال: (من دل على خير فله مثل أجر فاعله) " انتهى.
وينظر جواب السؤال رقم: (٥٢٧٧٢) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6782
إطعام الطيور في المقابر صدقة عن الأموات
[السُّؤَالُ]
ـ[بعد وفاة والدي كنت أزور المقابر، وألاحظ الناس يخصون ميتهم ببعض الأكل للطيور يوم الجمعة، فهل هذا صحيحٌ ويصل إلى الميت أجره؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إذا أراد المسلم أن ينفع أحدا من أقاربه الموتى، فله أن يتصدق عنهم، وينوي بلوغ أجر الصدقة إليهم.
دليل ذلك ما جاء عن عَائِشَةَ رضى الله عنها: أَنَّ رَجُلاً قَالَ لِلنَّبِىِّ ﷺ :
(إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا، وَأَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، فَهَلْ لَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟
قَالَ: نَعَمْ) رواه البخاري (١٣٨٨) ومسلم (١٠٠٤) .
ومعلوم أن إطعام الطيور والبهائم من الصدقات التي يكتب فيها الأجر للمسلم، كما روى أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: (مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا، أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ، إِلَاّ كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ) رواه البخاري (٢٣٢٠) ومسلم (١٥٥٣) .
لكن الأولى والأفضل والأكثر أجرا ونفعا التصدق على الفقراء والمساكين من المسلمين الذين ملؤوا أقطار الأرض اليوم، أما الطيور والبهائم فستجد رزقها الذي يسره الله لها.
وأما تخصيص الزيارة بيوم الجمعة، فقد سبق التنبيه على بدعيته في جواب السؤال رقم: (١٢٣٢٢) ، وقد سئل الشيخ ابن باز ﵀، عن حكم تخصيص يوم الجمعة لزيارة المقابر؟
فأجاب ﵀:
" لا أصل لذلك، والمشروع أن تزار القبور في أي وقت تيسَّر للزائر من ليل أو نهار، أما التخصيص بيوم معين أو ليلة معينة فبدعة لا أصل له؛ لقول النبي ﷺ : (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) متفق على صحته، ولقوله ﷺ : (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) أخرجه مسلم في صحيحه عن عائشة ﵂ " انتهى.
"مجموع فتاوى ابن باز" (١٣/٣٣٦) .
وينبغي أن يعلم أن نفع الميت ليس مقصوراً على إطعام الطيور، أو الصدقة بالمال، فهناك أشياء أخرى تنفع الميت، وأفضلها وأنفعها الدعاء له.
وانظر جواب السؤال رقم (٧٦٣) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6783
هل يحج عن أحد من الصحابة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز أن يحج عن أحد من الصحابة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"لا بأس أن يحج الإنسان عنهم كما يحج عن أي مسلم، لكن مع ذلك نرى الدعاء للأموات أفضل بكثير من الأعمال الصالحة، حتى الأب والأم إذا دعوت الله لهما فهو أفضل من أن تحج عنهما، إذا لم يكن فرضاً، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما تحدث عن عمل الإنسان بعد موته قال: (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) ولم يقل ﵊: (يحج عنه، ولا يتصدق عنه، ولا يصوم عنه، ولا يزكي، ولا يحج) بل قال: (ولد صالح يدعو له) وهل تظن أيها المؤمن أحداً أنصح للأحياء والأموات من الرسول ﷺ ؟! لا والله لا نظن، بل نظن ونعتقد أن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنصح الخلق للأحياء والأموات، ومع ذلك قال: (أو ولد صالح يدعو له) " انتهى.
"مجموع فتاوى ابن عثيمين" (٢٤/٢٣) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6784
تريد أن تقسم حسناتها بينها وبين والديها
[السُّؤَالُ]
ـ[هل أستطيع أن أقسم حسناتي ثلثا لي وثلثا لوالدتي وثلثا لوالدي – أي كل الحسنات المكتسبة من كل أعمال الخير التي يثاب الإنسان عليها في يومه وليله، من تسابيح واستغفار وصدقات ودعاء - من دون طبعا الصلاة والزكاة والحج والصيام -، أم أني أستطيع أن أقسم فقط حسنات الصدقات بيني وبينهم من دون سائر العبادات التي ذكرتها؟ وهل أستطيع أن أتصدق عنهم في حياتهم وبعد مماتهم؟ وهل أستطيع أن أجري لوالدي صدقات جارية من مالي الخاص ليأخذوا هم الثواب - كبناء مسجد وتوزيع مصاحف ... - وهم ما زالوا على قيد الحياة؟ وهل أستطيع أن أفعل ذلك بعد مماتهم؟ وهل أستطيع إذا اكتسبوا على سبيل المثال مالا حراما أن أسدده عنهم من مالي الخاص؟ وأخيرا، أنا في كل سجود أدعو الدعاء التالي ثلاث مرات: " رب اغفر لي ولوالدي ووالديهم وإخواني، ونجنا من عذاب القبر، وأخلدنا في الفردوس الأعلى " كما أستخدم السبحة للترديد يوميا ٢٠٠ مرة: " رب اغفر لي ولوالدي ولإخواني وللمؤمنين والمؤمنات ". هل ما أفعله هو عمل طيب ويفيد أم هو بدعة وضياع للوقت؟ وهل إن كان ما أفعله جيدا ومفيدا، فهل فعلا ممكن بدعائي هذا المتواصل المتكرر أن يغفر الله لي ولوالدي ووالديهم ولإخواني كل ذنوبنا، وينجينا من عذاب القبر، ويخلدنا في الفردوس الأعلى؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
نشكر لك حرصك على بر والديك وعلى إيصال الخير لهما، ونسأل الله ﵎ أن يكتب لك الأجر والتوفيق، وأن يجمعك بوالديك وجميع المسلمين في الجنة.
لا خلاف بين أهل العلم جميعا على وصول ثواب الصدقة للأموات إذا أهدى المتصدق الثواب إليهم، وخاصة الوالدين، كذلك لا خلاف في أن الدعاء للأحياء والأموات يجلب لهم الخير والرحمة إذا تقبله الله ، وقد شهدت بذلك مجموعة من الأحاديث الواردة في السنة الصحيحة، والتي سبق بيانها بالشرح والتفصيل في مجموعة من أجوبة الموقع، يمكنك مراجعة بعضها في الأرقام الآتية: (١٢٦٥٢) ، (٤٢٣٨٤) ، (١٠٢٣٢٢) .
ثانيا:
يجوز للمتصدق أن ينوي تقسيم أجر صدقته بينه وبين والديه أثلاثا أحياءاً كانوا أم أمواتاً، "لأن الثواب ملك للمتصدق، فله أن يهديه جميعه وله أن يهدي بعضه، يوضحه أنه لو أهداه إلى أربعة مثلا يحصل لكل منهم ربعه، فإذا أهدى الربع وأبقى لنفسه الباقي جاز، كما لو أهداه إلى غيره" نقلا عن "الروح" لابن القيم (ص/١٩٠) ، يذكره في معرض المناقشة.
وقد ذكرنا في جواب السؤال رقم (٢٠٩٩٦) عن الشيخ ابن باز ﵀ جواز الصدقة عن الحي والميت.
على أننا نرشدك إلى الأفضل وهو أن تعملي الأعمال الصالحة لنفسك، ويكون ثوابها كلها لك، وتكثري من الدعاء لوالديك فهذا هو الأفضل والأكمل. وانظري جواب السؤال رقم (٤٢٠٨٨) .
ثالثا:
أما سائر العبادات المندوبة كالصوم والحج والعمرة وقراءة القرآن والأذكار والإحسان إلى الناس ونحوها من أعمال البر، فقد اختلف العلماء في وصول ثوابها إلى الأموات.
قال ابن القيم في كتاب "الروح" (ص/١٧٠) :
" فمذهب الإمام أحمد وجمهور السلف وصولها، وهو قول بعض أصحاب أبي حنيفة.
نص على هذا الإمام أحمد - في رواية محمد بن يحيى الكحال - قال: قيل لأبي عبد الله: الرجل يعمل الشيء من الخير من صلاة أو صدقة أو غير ذلك، فيجعل نصفه لأبيه أو لأمه؟ قال: أرجو. أو قال: الميت يصل إليه كل شيء من صدقة أو غيرها.
وقال أيضا: اقرأ آية الكرسي ثلاث مرات، وقل هو الله أحد، وقل: اللهم إنَّ فضلَه لأهل المقابر.
والمشهور من مذهب الشافعي ومالك أن ذلك لا يصل " انتهى.
وقد سبق في الموقع ترجيح القول الثاني، أنه لا يصل إلى الميت ثواب شيء من الأعمال إلا ما دلت النصوص على وصوله، كالصدقة والدعاء والحج والعمرة، لقول الله تعالى: (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى) النجم/٣٩.
وراجعي جواب السؤال رقم (٤٦٦٩٨) .
رابعاًَ:
أما تسديد المال الحرام عنهم، فالمال الحرام كالمسروق والمغصوب والذي خُدع صاحبه ونحو ذلك يتعلق به حقان: الأول: حق الله تعالى في ارتكاب ما حرم.
الثاني: حق صاحب المال في أخذ ماله بغير حق.
وتسديد المال لصاحبه نرجو أن يسقط حق صاحب المال، ولكن يبقى حق الله تعالى، فلا يسقط إلى بالتوبة، أو بعفو الله تعالى عن المسيء.
خامساً:
أما الدعاء الذي ذكرته، فلا حرج فيه، لكن لا تلتزمي فيه عددا معينا، واجتهدي في الدعاء قدر استطاعتك، من غير تقييد بعدد معين ولا اعتقاد فضل معين.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6785
كيف يمكن أن يستفيد أقربائي من قراءتي
[السُّؤَالُ]
ـ[أريد أن يستفيد أقربائي الذين توفاهم الله من قراءتي للقرآن. وأيضا فأنا أريد دعاء الله لنفسي ولعائلتي. فما هي الأمور التي ينبغي علي فعلها، فأنا أعلم أن رفع اليدين ومسح الوجه يعدان من البدعة؟ وجزاك الله خيرا.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الصحيح أن الميت ينتفع بالعبادات البدنية التي يفعلها أقرباؤه الأحياء مع قصد ثوابها له (العبادات البدنية: كالصوم وغيره) وكذلك العبادات المالية: كالصدقة عن الميت، والعتق عنه. وإن كان بعض ذلك لا يشرع.
يدل على ذلك حديث سعد بن عبادة ﵁ أنه تصدق ببستانه لأمه التي ماتت فأجازه النبي ﷺ . رواه البخاري، وغيرها من الأحاديث.
لكن الصدقة عن الميت أفضل من إهداء القراءة له، وكذا الدعاء له والاستغفار له أفضل من غيرها من الأعمال.
وأنت إذا تصدقت عن قريبك الميت أو دعوت له - أو غير ذلك من الأعمال - انتفع به الميت وكان لك أنت أيضا أجر وثواب وفضل الله واسع.
وأما رفع اليدين عند الدعاء: فليس بدعة، بل هو سنة من سنن الهدى، وهو من أسباب إجابة الدعاء، فقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: " إن الله تعالى حيي كريم، يستحي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفرا خائبتين " رواه أحمد وأبو داود من حديث سلمان.
وإنما يكره رفع اليدين في مواطن: مثل رفعهما عند دعاء خطيب الجمعة فإنه مكروه إلا إذا استسقى الخطيب في الجمعة فعندها يشرع رفع اليدين فقد صح ذلك عن رسول الله ﷺ .
وكذلك لا يجوز رفع اليدين جماعيا أو فرادى بعد الصلاة الفريضة إذ ليس على ذلك مستند.
وأما مسح الوجه أو الصدر أو البدن باليدين بعد الدعاء: فبدعة لا تجوز. والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 6786
إهداء ثواب الطاعات للنبي ﷺ
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم من يقرأ القرآن مثلاً , ثم يقول: وهبت ثواب هذه القراءة للنبي ﷺ ؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الصواب المقطوع به أن إهداء ثواب الطاعات إلى النبي ﷺ بدعة , والدليل على هذا:
١- أن هذا الإهداء لا حاجة إليه , ولا داعي له , فإن النبي ﷺ له مثل أجور أمته من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً , كما ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال: (مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنْ الأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا) رواه مسلم (٢٦٧٤) .
وقال: (مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا وَلا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ) رواه مسلم (١٠١٧) .
وهو ﷺ قد سن سنن الهدى جميعها لأمته، فصار إهداء العامل الثواب للنبي ﷺ ليس فيه فائدة , بل فيه إخراج العامل للثواب عن نفسه من غير فائدة تحصل لغيره , فهذا العامل فاته ثواب العمل , والنبي ﷺ له مثل هذا الثواب من غير إهداء.
٢- أن النبي ﷺ لم يسن هذا لأمته , وقد قال ﷺ : (مَنْ عَمِلَ عَمَلا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ) رواه البخاري (٢٦٩٧) ومسلم (١٧١٨) واللفظ لمسلم.
٣- أن السلف - من الخلفاء الراشدين , وسائر الصحابة والتابعين - لم يكونوا يفعلون ذلك , وهم أعلم بالخير , وأرغب فيه , وقد قال النبي ﷺ : (فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ) رواه أبو داود (٤٦٠٧) وصححه الألباني في صحيح أبي داود.
انظر رسالة: "إهداء الثواب للنبي ﷺ " لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
وقد سئل ابن العطاء تلميذ النووي رحمهما الله: هل تجوز قراءة القرآن وإهداء الثواب إليه ﷺ وهل فيه أثر؟
فأجاب:
" أما قراءة القرآن العزيز فمن أفضل القربات، وأما إهداؤه للنبي ﷺ فلم ينقل فيه أثر ممن يعتد به، بل ينبغي أن يمنع منه، لما فيه من التهجم عليه فيما لم يأذن فيه، مع أن ثواب التلاوة حاصل له بأصل شرعه ﷺ ، وجميع أعمال أمته في ميزانه " انتهى.
ونقل السخاوي عن شيخه الحافظ ابن حجر ﵀ أنه سئل عمن قرأ شيئا من القرآن وقال في دعائه: اللهم اجعل ثواب ما قرأته زيادة في شرف رسول الله ﷺ ؟
فأجاب:
" هذا مخترع من متأخري القراء، لا أعلم لهم سلفاً فيه " انتهى نقلاً من: "مواهب الجليل" (٢/٤٥٤,٥٤٤)
هذا مع أن قراءة القرآن وإهداء الثوب للأموات فيه خلاف بين العلماء، انظر السؤال (٧٠٣١٧، ٤٦٦٩٨) لكن حتى لو قيل بجوازه، فلا يجوز الإهداء للنبي ﷺ ، لأنه لا يحصل به إلا حرمان العامل من الثواب من غير فائدة لغيره.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6787
إهداء ثواب الذكر إلى أبويه
[السُّؤَالُ]
ـ[هل لي أن أقول سبحان الله مائة مرة أو غير ذلك من الأذكار، داعياً أن يكون ثواب ذلك لأبي أمي؟ علماً أن أبي متوفى، وأمي لا زالت على قيد الحياة.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
اختلف العلماء في جواز إهداء الثواب للموتى وهل يصلهم ذلك على قولين:
القول الأول: أن كل عمل صالح يهدى للميت فإنه يصله، ومن ذلك قراءة القرآن والصوم والصلاة وغيرها من العبادات.
القول الثاني: أنه لا يصل إلى الميت شيء من الأعمال الصالحة إلا ما دل الدليل على أنه يصل. وهذا هو القول الراجح، والدليل عليه قوله تعالى: (وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى) النجم/٣٩
وقوله ﵊: (إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) أخرجه مسلم (١٦٣١) ، من حديث أبي هريرة ﵁.
وقد مات عم النبي ﷺ حمزة ﵁، وزوجته خديجة، وثلاث من بناته، ولم يرد أنه قرأ عن واحد منهم القرآن، أو ضحى أو صام أو صلى عنهم، ولم ينقل شيء من ذلك عن أحد من الصحابة، ولو كان مشروعاً لسبقونا إليه.
أما ما دل الدليل على استثنائه ووصول ثوابه إلى الميت فهو: الحج، والعمرة، والصوم الواجب، والصدقة، والدعاء.
قال الحافظ ابن كثير ﵀ عند تفسير قوله تعالى: (وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى) : " ومن هذه الآية استنبط الشافعي ومن تبعه أن القراءة لا يصل إهداء ثوابها إلى الموتى؛ لأنه ليس من عملهم ولا كسبهم، ولهذا لم يندب إليه رسول الله ﷺ أمته ولا حثهم عليه، ولا أرشدهم إليه بنص ولا إيماء، ولم ينقل عن أحد من الصحابة ﵃، ولو كان خيراً لسبقونا إليه وباب القربات يقتصر فيه على النصوص، ولا يتصرف فيه بأنواع الأقيسة والآراء، فأما الدعاء والصدقة، فذاك مجمع على وصولها ومنصوصٌ من الشارع عليها " ا. هـ (تفسير ابن كثير ٤/ ٢٥٨) .
ثم لو سلمنا بأن ثواب الأعمال الصالحة كلها يصل إلى الميت فإن أفضل ما ينفع الميت هو الدعاء، فلماذا نترك ما حث عليه النبي ﷺ إلى أمور أخرى لم يفعلها، ولم يفعلها أحد من أصحابه؟! والخير كل الخير في هدي النبي ﷺ وأصحابه.
وقد سئل الشيخ ابن باز رحمه لله عن إهداء ثواب قراءة القرآن والصدقة للأم، سواء كانت حية أم ميتة، فأجاب:
" أما قراءة القرآن فقد اختلف العلماء في وصول ثوابها إلى الميت على قولين لأهل العلم، والأرجح أنها لا تصل لعدم الدليل؛ لأن الرسول ﷺ لم يفعلها لأمواته من المسلمين كبناته اللاتي مُتْن في حياته ﵊، ولم يفعلها الصحابة ﵃ وأرضاهم فيما علمنا، فالأولى للمؤمن أن يترك ذلك ولا يقرأ للموتى ولا للأحياء ولا يصلي لهم، وهكذا التطوع بالصوم عنهم؛ لأن ذلك كله لا دليل عليه، والأصل في العبادات التوقيف إلا ما ثبت عن الله سبحانه أو عن رسوله ﷺ شرعيته. أما الصدقة فتنفع الحي والميت بإجماع المسلمين، وهكذا الدعاء ينفع الحي والميت بإجماع المسلمين، فالحي لا شك أنه ينتفع بالصدقة منه ومن غيره وينتفع بالدعاء، فالذي يدعو لوالديه وهم أحياء ينتفعون بدعائه، وهكذا الصدقة عنهم وهم أحياء تنفعهم، وهكذا الحج عنهم إذا كانوا عاجزين لكبر أو مرض لا يرجى برؤه فإنه ينفعهم ذلك، ولهذا ثبت عنه ﷺ : أن امرأة قالت يا رسول الله إن فريضة الله في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا لا يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: " حجي عنه" وجاءه رجل آخر فقال: يا رسول الله إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا الظعن أفأحج عنه وأعتمر؟ قال: " حج عن أبيك واعتمر" فهذا يدل على أن الحج عن الميت أو الحي العاجز لكبر سنه أو المرأة العاجزة لكبر سنها جائز، فالصدقة والدعاء والحج عن الميت أو العمرة عنه، وكذلك عن العاجز كل هذا ينفعه عند جميع أهل العلم، وهكذا الصوم عن الميت إذا كان عليه صوم واجب سواء كان عن نذر أو كفارة أو عن صوم رمضان لعموم قوله ﷺ : " من مات وعليه صيام صام عنه وليه" متفق على صحته، ولأحاديثٍ أخرى في المعنى، لكن من تأخر في صوم رمضان بعذر شرعي كمرض أو سفر ثم مات قبل أن يتمكن من القضاء فلا قضاء عنه ولا إطعام؛ لكونه معذورا اهـ. "مجموع فتاوى ومقالات الشيح ابن باز" (٤/٣٤٨) .
وسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: هل يجوز أن يتصدق الرجل بمال ويشرك معه غيره في الأجر؟ فأجاب: يجوز أن يتصدق الشخص بالمال وينويها لأبيه وأمه وأخيه، ومن شاء من المسلمين، لأن الأجر كثير، فالصدقة إذا كانت خالصة لله تعالى ومن كسب طيب تضاعف أضعافاً كثيرة، كما قال اله تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) البقرة/٢٦١.
وكان النبي ﷺ يضحي بالشاة الواحدة عنه وعن أهل بيته " اهـ.
"فتاوى الشيخ ابن عثيمين" (١٨/٢٤٩) .
وبما تقدم يتضح أن ما ذكرتَه من إهدائك أجرَ الذكرِ لوالديك لا يصح على القول الراجح؛ سواء الحي منهما أو الميت، وإنما الوصية لك بالإكثار من الدعاء لهما، والصدقة عنهما , فإن الخير كل الخير في اتباع هدي النبي ﷺ وصحابته الكرام.
والله تعالى أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6788
انتفاع الميت بالصدقة عنه
[السُّؤَالُ]
ـ[مات أبي ﵀ وأريد أن أصنع صدقة جارية على روحه علها تزيد في حسناته وترفع درجاته عند مليكه مثل بناء مسجد أو طباعة كتاب علم ينتفع به المسلمون لكن أحد الشيوخ أفتانا بعدم جدوى ذلك لأنها ليست من ماله وأن الصدقة الجارية لابد أن تكون من صنع المرء بنفسه في حياته وقبل وفاته وتستمر معه بعد وفاته فهل كلام الشيخ صحيح؟
وإن لم يكن صحيحا فأفتوني وأشيروا عليّ بأفضل الطرق لنفع والدنا المتوفى. وجزاكم الله خيرا.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
اتفق أهل العلم على أن الدعاء والاستغفار والصدقة والحج تصل للميت.
أما الدعاء والاستغفار فلقول الله تعالى: (والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان) وقال النبي ﷺ : (استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل) وقال ﷺ : (إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء) .
وأما الصدقة فقد ثبت في الصحيحين عن عائشة: (أن رجلا قال للنبي ﷺ إن أمي افتلتت نفسها ولم توصي وأظنها لو تكلمت تصدقت أفلها أجر إن تصدقت عليها فقال النبي ﷺ : نعم) رواه البخاري برقم ١٣٨٨، ومسلم برقم ١٠٠٤، وثبت في البخاري عن سعد بن عبادة: (أن أمه توفيت وهو غائب فقال: يا رسول الله إن أمي ماتت وأنا غائب فهل ينفعها إن تصدقت عنها فقال: نعم، فقال: أشهدك أن حائطي المخراف صدقة عنها) رواه البخاري برقم ٢٧٥٦.
وأما الحج فقد قال ﷺ لمن سألته عن الحج: (أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته، قالت: نعم قال: فدين الله أحق بالقضاء) رواه البخاري برقم ٦٦٩٩، ومسلم برقم ١١٤٨.
ومما سبق تعلم أن الصدقة عن الميت تنفعه ويصل إليه ثوابها.
وقد روي حديث ضعيف في الصلاة عن الميت، وذكر الإمام مسلم في مقدمة صحيحه عن عبد الله بن المبارك أنه ضعف هذا الحديث ثم قال:
لَيْسَ فِي الصَّدَقَةِ (يعني عن الميت) اخْتِلافٌ اهـ.
قال النووي:
قَوْله: (لَيْسَ فِي الصَّدَقَة اِخْتِلافٌ) فَمَعْنَاهُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيث لا يُحْتَجُّ بِهِ , وَلَكِنْ مَنْ أَرَادَ بِرَّ وَالِدَيْهِ فَلْيَتَصَدَّقْ عَنْهُمَا فَإِنَّ الصَّدَقَة تَصِلُ إِلَى الْمَيِّتِ وَيَنْتَفِع بِهَا بِلا خِلَافٍ بَيْن الْمُسْلِمِينَ وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب. وَأَمَّا مَا حَكَاهُ أَقْضَى الْقُضَاةِ أَبُو الْحَسَن الْمَاوَرْدِيّ الْبَصْرِيّ الْفَقِيه الشَّافِعِيّ فِي كِتَابه الْحَاوِي عَنْ بَعْض أَصْحَاب الْكَلام مِنْ أَنَّ الْمَيِّت لا يَلْحَقُهُ بَعْد مَوْته ثَوَاب فَهُوَ مَذْهَبٌ بَاطِلٌ قَطْعًا وَخَطَأٌ بَيِّنٌ مُخَالِفٌ لِنُصُوصِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاع الأُمَّة فَلا اِلْتِفَاتَ إِلَيْهِ وَلا تَعْرِيجَ عَلَيْهِ. وَأَمَّا الصَّلاة وَالصَّوْم فَمَذْهَب الشَّافِعِيّ وَجَمَاهِير الْعُلَمَاء أَنَّهُ لا يَصِلُ ثَوَابُهُمَا إِلَى الْمَيِّت إِلا إِذَا كَانَ الصَّوْم وَاجِبًا عَلَى الْمَيِّت فَقَضَاهُ عَنْهُ وَلِيُّهُ أَوْ مَنْ أَذِنَ لَهُ الْوَلِيُّ فَإِنَّ فِيهِ قَوْلَيْنِ لِلشَّافِعِيِّ أَشْهَرُهُمَا عَنْهُ أَنَّهُ لا يَصِحّ وَأَصَحُّهُمَا عِنْد مُحَقِّقِي مُتَأَخِّرِي أَصْحَابِهِ أَنَّهُ يَصِحّ. وَأَمَّا قِرَاءَة الْقُرْآن فَالْمَشْهُور مِنْ مَذْهَب الشَّافِعِيّ أَنَّهُ لا يَصِلُ ثَوَابُهَا إِلَى الْمَيِّت وَقَالَ بَعْض أَصْحَابه: يَصِل ثَوَابهَا إِلَى الْمَيِّت. وَذَهَبَ جَمَاعَات مِنْ الْعُلَمَاء إِلَى أَنَّهُ يَصِل إِلَى الْمَيِّت ثَوَاب جَمِيع الْعِبَادَات مِنْ الصَّلاة وَالصَّوْم الْقِرَاءَة وَغَيْر ذَلِكَ. . . ثم ذكر النووي أن الدُّعَاء وَالصَّدَقَة وَالْحَجّ يصِلُ ثوابها إلى الميت بِالإِجْمَاعِ اهـ بتصرف.
وقال في تحفة المحتاج (٧/٧٢) :
"وينفع الميت صدقة عنه ومنها وقف لمصحف وغيره وحفر بئر وغرس شجر منه في حياته أو من غيره عنه بعد موته" اهـ.
وأما أفضل الطرق لنفع والدك فعليك بالإكثار من الدعاء له، قال الله تعالى: (وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا) وقال النبي ﷺ : (إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثَةٍ إِلا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ) رواه مسلم (١٦٣١) .
أما بالنسبة للصدقة فمن أفضل ما تبذل فيه الصدقات الجهاد في سبيل الله وبناء المساجد ومساعدة طلبة العلم بطباعة الكتب أو إعطائهم الأموال التي يحتاجون إليها.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6789
حكم قراءة القرآن لآخر حيا أو ميتا
[السُّؤَالُ]
ـ[لي والدة لا تقرأ وأحب أن أبرها وكثيرا ما أقرأ القرآن وأجعل ثوابه لها، ولما سمعت أنه لا يجوز عدلت عن ذلك وأخذت أتصدق عنها بدراهم، وهي الآن حية على قيد الحياة، فهل يصل ثواب الصدقة من مال وغيره إليها سواء كانت حية أو ميتة، أم لا يصل إلا الدعاء، حيث لم يرد إلا ذلك كما في الحديث: (إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث وذكر: ولد صالح يدعو له) ، وهل الإنسان إذا كان كثير الدعاء لوالديه في الصلاة وغيرها قائما وقاعدا يشهد له الحديث في بأنه صالح ويرجى له خير عند الله؟ أرجو الإفادة ولكم من الله الثواب الجزيل.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أما قراءة القرآن فقد اختلف العلماء في وصول ثوابها إلى الميت على قولين لأهل العلم، والأرجح أنها لا تصل لعدم الدليل. لأن الرسول ﷺ لم يفعلها لأمواته من المسلمين كبناته اللاتي، متن في حياته ﵊، ولم يفعلها الصحابة ﵃ وأرضاهم فيما علمنا، فالأولى للمؤمن أن يترك ذلك ولا يقرأ للموتى ولا للأحياء ولا يصلي لهم، وهكذا التطوع بالصوم عنهم. لأن ذلك كله لا دليل عليه، والأصل في العبادات التوقيف إلا ما ثبت عن الله سبحانه أو عن رسوله ﷺ شرعيته.
أما الصدقة فتنفع الحي والميت بإجماع المسلمين، وهكذا الدعاء ينفع الحي والميت بإجماع المسلمين، وإنما جاء الحديث بما يتعلق بالميت. لأنه هو محل الإشكال: هل يلحقه أم لا يلحقه فلهذا جاء الحديث عن رسول الله ﷺ : (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له) لما كان من المعلوم أن الموت تنقطع به الأعمال بين الرسول ﷺ أن هذا لا ينقطع، وأما الحي فلا شك أنه ينتفع بالصدقة منه ومن غيره وينتفع بالدعاء، فالذي يدعو لوالديه وهم أحياء ينتفعون بدعائه، وهكذا الصدقة عنهم وهم أحياء تنفعهم.
وهكذا الحج عنهم إذا كانوا عاجزين لكبر أو مرض لا يرجى برؤه فإنه ينفعهم ذلك، ولهذا ثبت عنه ﷺ : أن امرأة قالت يا رسول الله: إن فريضة الله في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا لا يثبت على الراحلة، أفأحج عنه. قال: (حجي عنه) .
وجاءه رجل آخر فقال: يا رسول الله: إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا الظعن أفأحج عنه وأعتمر؟ ، قال: (حج عن أبيك واعتمر) ، فهذا يدل على أن الحج عن الميت أو الحي العاجز لكبر سنه أو المرأة العاجزة لكبر سنها جائز، فالصدقة والدعاء والحج عن الميت أو العمرة عنه وكذلك عن العاجز كل هذا ينفعه عند جميع أهل العلم.
وهكذا الصوم عن الميت إذا كان عليه صوم واجب سواء كان عن نذر أو كفارة أو عن صوم رمضان لعموم قوله ﷺ : (من مات وعليه صيام صام عنه وليه) متفق على صحته، ولأحاديث أخرى في المعنى، لكن من تأخر في صوم رمضان بعذر شرعي كمرض أو سفر ثم مات قبل أن يتمكن من القضاء فلا قضاء عنه ولا إطعام لكونه معذورا.
وأنت أيها السائل على خير إن شاء الله في إحسانك إلى والديك بالصدقة عنهما والدعاء لهما، ولا سيما إذا كان الولد صالحا، فهو أقرب إلى إجابة الدعاء، لذلك قال الرسول ﷺ : (أو ولد صالح يدعو له) لأن الولد الصالح أقرب إلى أن يجاب من الولد الفاجر، وإن كان الدعاء مطلوبا من الجميع للوالدين، ولكن إذا كان الولد صالحا صار أقرب في إجابة دعوته لوالديه.
[الْمَصْدَرُ]
كتاب مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لسماحة الشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز يرحمه الله، م/٤، ص/٣٤٨.
стр. 6790
حكم الهبوط بالمظلة من الطائرة
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز تجربة الهبوط بالمظلة من الطائرة، وهل إذا مات الشخص وهو يهبط يعتبر انتحارا؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
إذا كان الهبوط بالمظلة من الطائرة لغرض التدريب على أساليب القتال الحديثة والمناورات الحربية فلا بأس به، بل هو مأمور به، لقوله تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ) الأنفال / ٦٠
قال الشيخ السعدي ﵀:
" أي (وَأَعِدُّوا) لأعدائكم الكفار الساعين في هلاككم وإبطال دينكم (مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ) أي: كل ما تقدرون عليه من القوة العقلية والبدنية وأنواع الأسلحة، ونحو ذلك مما يعين على قتالهم، فدخل في ذلك أنواع الصناعات التي تعمل فيها أصناف الأسلحة والآلات، من المدافع والرشاشات، والبنادق، والطيارات الجوية، والمراكب البرية والبحرية، والحصون والقلاع والخنادق، وآلات الدفاع، والرأْي والسياسة التي بها يتقدم المسلمون ويندفع عنهم به شر أعدائهم، وتَعَلُّم الرَّمْيِ، والشجاعة والتدبير.
ولهذا قال النبي ﷺ : (ألا إن القوة الرَّمْيُ) ومن ذلك: الاستعداد بالمراكب المحتاج إليها عند القتال، ولهذا قال تعالى: (وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ) وهذه العلة موجودة فيها في ذلك الزمان، وهي إرهاب الأعداء، والحكم يدور مع علته.
فإذا كان شيء موجود أكثر إرهابا منها، كالسيارات البرية والهوائية، المعدة للقتال التي تكون النكاية فيها أشد، كانت مأمورا بالاستعداد بها، والسعي لتحصيلها، حتى إنها إذا لم توجد إلا بتعلُّم الصناعة، وجب ذلك؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب " انتهى.
"تفسير السعدي" (ص ٣٢٤-٣٢٥) .
وأما إذا كان الهبوط على سبيل اللعب واللهو والترفيه: فلا يجوز، وأقل أحواله الكراهة إن كان الغالب على الظن السلامة، فإن غلب على الظن أن ممارسه يتلف، أو يصيبه ضرر في بدنه أو نفسه: حرم حينئذ.
عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ، وَغَزَوْنَا نَحْوَ فَارِسَ، فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ بَاتَ فَوْقَ بَيْتٍ لَيْسَتْ لَهُ إِجَّارٌ، فَوَقَعَ فَمَاتَ، فَبَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ. وَمَنْ رَكِبَ الْبَحْرَ عِنْدَ ارْتِجَاجِهِ فَمَاتَ، فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ) .
رواه الإمام أحمد في مسنده (٢٠٢٢٤) ، وحسنه الألباني.
قال ابن بطال ﵀:
" ومعناه إن شاء الله -: فقد برئت منه ذمة الحفظ؛ لأنه ألقى بيده إلى التهلكة وغرر بنفسه، ولم يرد فقد برئت منه ذمة الإسلام؛ لأنه لا يبرأ أحد من الإسلام إلا بالكفر". انتهى.
"شرح البخاري" (٥/٨٩) .
وفيما تأوله من " ذمة الحفظ "، وإن كان ذلك ليس معناه على الكفر قطعا، بل هو من أحاديث الوعيد لأهل الكبائر والمعاصي، وليست على الكفر المخرج من الملة.
قال الحافظ ابن حجر ﵀:
" ومفهومه الجواز عند عدمه، وهو المشهور من أقوال العلماء؛ فإذا غلبت السلامة فالبر والبحر سواء " انتهى. "فتح الباري" (٦/٨٨) .
وقد سئل الشيخ ابن عثيمين:
هل تجوز المغامرة بالنفس أو المخاطرة، كما نرى حالياً في بعض أنواع الرياضة العنيفة التي قد تؤدي بمن يمارسها إلى الهلاك؟
فأجاب رحمه الله تعالى:
" هذا محرم، ولا يجوز للإنسان أن يغرر بنفسه فيما يخشى منه التلف أو الضرر؛ لأن الله تعالى يقو (وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً) وإذا كان الله تعالى قد نهى عن ذلك فقال (وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ) ؛ فإن كل شيء يؤدي إلى الموت أو يؤدي إلى الضرر فإنه أيضاً محرم. قال النبي ﷺ (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام) فكما أن الإنسان لا يحل له أن يعتدي على غيره، فلا يحل له أن يعتدي على نفسه بتعريضها لما فيه التلف أو الضرر " انتهى.
"فتاوى نور على الدرب" (١٣/٢٥٢) .
فالحاصل:
أن من قام بذلك النوع من الأعمال والمخاطرات: فإن كان ذلك من أجل التدريب على أساليب القتال الحديثة لإعداد القوة للأعداء: فلا حرج عليه فيه، بل هو مأجور عليه إن شاء الله، لكن ينبغي على المسؤول عن ذلك والقائم عليه: أن يتخير من يصلح لهذا النوع من المهمات، من حيث استعداده البدني والنفسي، وقدرته على القيام بهذا النوع من المهام، ومراقبة تدرجه في النهوض بأعباء ذلك، قبل أن يمارس المهمة فعلا.
فإن مات، أو تضرر بذلك، فليس قاتلا لنفسه، بل هو مأجور على قصده وعمله، إن شاء الله.
وأما لمجرد الرياضة والتسلية، كما هو شائع اليوم، فلا يجوز.
والله تعالى أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6791
هل يجوز لوالدها منعها من المسجد لرفضها الدراسة المختلطة في الجامعة ببلاد الغرب ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل لوالدي الحق في أن يمنعني من الذهاب إلى المسجد للتدريس وحضور المحاضرات بسبب أني رفضت إكمال دراستي الجامعية في مكان مختلط هنا في إحدى جامعات الغرب؟ يقوم بفعل ذلك كوسيلة ضغط لأعاود دراستي.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا شك أن طاعة الوالدين وبرهما من أعظم القربات، قال الله : (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) الإسراء/٢٣.
وقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵁: (سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: الصَّلَاةُ عَلَى مِيقَاتِهَا. قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ. قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) . متفق عليه.
إلا أن طاعة الوالدين إنما تكون إذا أمرا بمعروف، لا منكر.
روى الإمام أحمد (١٠٩٨) عَنْ عَلِيٍّ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ صححه الألباني في "الصحيحة" (١٧٩) وأصله في الصحيحين، ولفظه: (لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ) .
قال أبو عمر ابن عبد البر ﵀:
"أجمع العلماء على أن من أمر بمنكر لا تلزم طاعته، قال الله : (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) " انتهى.
"التمهيد" (٢٣ / ٢٧٧)
والدراسة في بلاد الغرب في جامعة مختلطة ليست من المعروف الذي يجب أن يطاع فيه الوالدان، وإنما هي من المنكر الذي يجب عدم طاعتهما فيه، ولكن بسلوك طريق الأدب والرفق والحرص على عدم السخط والغضب.
وقد سئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء:
هل يجوز للأخوات أن يدخلن ويتعلمن في المدارس والجامعات المختلطة، حيث لا يوجد في بلاد الغرب إلا التعليم المختلط، ولكن الأخوات يلتزمن بالزي الإسلامي مع مضايقات الكفار؟
فأجابوا:
"اختلاط الرجال والنساء في التعليم حرام ومنكر عظيم؛ فما فيه من الفتنة وانتشار الفساد وانتهاك المحرمات، وما وقع بسبب هذا الاختلاط من الشر والفساد الخلقي لهو من أوضح الدلائل على تحريمه، وإذا انضاف إلى ذلك كونه في بلاد الكفار كان أشد حرمة ومنعا، وتعلم المرأة بالمدارس والجامعات ليس من الضرورات التي تستباح بها المحرمات، وعليها أن تتعلم بالطرق السليمة البعيدة عن الفتن " انتهى.
"فتاوى اللجنة الدائمة" (١٢ / ١٨١-١٨٢) .
وسئلوا أيضاً: ما حكم الإسلام في خروج المرأة لتعلم العلم الدنيوي، مع أنها تتحمل في هذا الخروج بعض المعاصي مثل: خلع النقاب، والاختلاط بالرجال، وتضيع الوقت فيما لا ينفع. مع العلم أن والدي يأمرني بالذهاب إلى الجامعة، فلما أصريت على عدم الذهاب غضبوا علي غضبا شديدا جدا، فهل علي أن أطيعهم في هذا الأمر؟ وإذا لم أطعهما فهل في هذه الحالة أأثم؟ فأجابوا:
"خلع الحجاب محرم، والاختلاط بالرجال في التعليم محرم، ولا تجب طاعة الوالدين في معصية الله تعالى، ولا إثم عليك في ذلك" انتهى.
"فتاوى اللجنة الدائمة" (١٧ / ٢٦٢) .
ثانياً:
لا يجوز لولي المرأة أن يمنعها من الخروج إلى المسجد، ما دامت تخرج ملتزمة بالآداب والأحكام الشرعية، ولا يترتب على خروجها مفسدة أو فتنة، وذلك لما رواه البخاري (٩٠٠) ومسلم (٤٤٢) أن النبي ﷺ قَالَ: (لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ) .
ويتأكد هذا النهي إذا كان الأب إنما يمنع ابنته عقاباً لها على فرارها من معصية الله (كالتعليم الجامعي المختلط في بلاد الغرب) .
فهذا عقاب لها على أنها أطاعت الله تعالى، وهذا لا شك أنه لا يجوز.
والذي ننصحك به هو الرفق، ومعالجة الأمر بالحكمة والموعظة الحسنة، مع كمال حسن الأدب حين التحدث إليه، ولا بأس من الاستعانة بمن يمكنه أن يجلي للوالد حقائق الأمور، ويبصره بحكم الشريعة في مثل تلك القضايا، ويذكره بالله تعالى، من أهل النصح والعقل ممن يمكن للوالد تقبل نصحه وكلامه.
والله يسددكم ويرعاكم ويحفظكم من كل سوء، إنه سميع قريب.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6792
حكم قتل الأجانب في بلاد المسلمين
[السُّؤَالُ]
ـ[ما رأيكم في العمليات التي تحدث في بلاد المسلمين وتستهدف قتل الأجانب ولكنها تؤدي إلى قتل عدد من المسلمين أيضا وتدمير بعض المباني والمنشآت، وهل هذا من الجهاد كما يقول منفذوها؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
هذه العمليات التي تحدث في بلاد المسلمين وتستهدف كما ذكرت الأجانب، ليست جهاداً، بل هي فساد وإفساد، وتخريب وتشويه، وهي دالة على جهل مرتكبيها وطيشهم، فإن هؤلاء الأجانب مستأمنون في بلاد المسلمين، لم يدخلوها إلا بإذن، فلا يجوز الاعتداء عليهم، لا بالضرب ولا بالنهب، فضلا عن القتل، فدماؤهم وأموالهم معصومة، والمتعرض لهم على خطر كبير، كما روى البخاري (٣١٦٦) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا) .
وهذا شامل للذمي والمعاهد والمستأمن.
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في "فتح الباري": " وَالْمُرَاد بِهِ: مَنْ لَهُ عَهْد مَعَ الْمُسْلِمِينَ سَوَاء كَانَ بِعَقْدِ جِزْيَة، أَوْ هُدْنَة مِنْ سُلْطَان، أَوْ أَمَان مِنْ مُسْلِم " انتهى.
وفي قوله ﵀: " أو أمان من مسلم " إشارة إلى ما هو معروف عند الفقهاء من أن الأمان لا يشترط أن يكون من الحاكم والسلطان، بل يجوز أن يكون من رجل من عامة المسلمين، وهؤلاء الأجانب المشار إليهم يدخلون بلاد المسلمين بأمان من الدولة، وبأمان أيضاً من أحد من المسلمين في كثير من الأحوال، فلا يجوز التعرض لهم، ولو كانوا في الأصل محاربين.
وقد روى البخاري (٣١٧١) ومسلم (٣٣٦) عن أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ ﵂ قال: ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ وَفَاطِمَةُ ابْنَتُهُ تَسْتُرُهُ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: (مَنْ هَذِهِ؟ فَقُلْتُ: أَنَا أُمُّ هَانِئٍ بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ. فَقَالَ: مَرْحَبًا بِأُمِّ هَانِئٍ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ قَامَ فَصَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ مُلْتَحِفًا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، زَعَمَ ابْنُ أُمِّي عَلِيٌّ أَنَّهُ قَاتِلٌ رَجُلًا قَدْ أَجَرْتُهُ، فُلَانُ بْنُ هُبَيْرَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ) .
قال ابن قدامة ﵀: " (ومن أعطاهم الأمان منا ; من رجل , أو امرأة , أو عبد , جاز أمانة) .
وجملته: أن الأمان إذا أعطي أهل الحرب , حرم قتلهم ومالهم والتعرض لهم. ويصح من كل مسلم بالغ عاقل مختار , ذكراً كان أو أنثى , حراً كان أو عبداً. وبهذا قال الثوري والأوزاعي والشافعي وإسحاق وابن القاسم وأكثر أهل العلم" انتهى من "المغني" (٩/١٩٥) .
ثانياً:
إذا نقض المستأمن أو المعاهد عهده لم يجز لآحاد المسلمين قتله؛ لما يترتب على ذلك من المفاسد، وقد ترك النبي ﷺ قتل عبد الله بن أبيّ بن سلول رأس النفاق مخافة أن يقال: إن محمداً يقتل أصحابه، وهكذا ليس لآحاد المسلمين قتل من ظهرت ردته وزالت عصمته؛ للمعنى الذي ذكرنا، وكم جَرَّ هذا من الشر والبلاء على أهل الإسلام، وكم حصل به من التضييق على الدعوة والدعاة، وكم استغله المغرضون لتشويه صورة الحق وأهله.
ثالثاً:
أما التسبب في قتل المسلمين المعصومين، فذلك جرم كبير، وذنب عظيم؛ فإن (زَوَال الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ) كما قال ﷺ . رواه الترمذي (١٣٩٥) والنسائي (٣٩٨٧) وابن ماجه (٢٦١٩) من حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وصححه الألباني في صحيح الترمذي.
وما يدعيه هؤلاء من الاستشهاد بمسألة التترس مردود عليهم، وهو دال على جهلهم وظلمهم، فإننا نمنع قتل الكافر مباح الدم لو كان وحده – لما ذكرنا من المفسدة – فكيف إذا انضاف إلى ذلك قتل غيره من معصومي الدم؟
فبان بهذا أن فعل هؤلاء ظلمات بعضها فوق بعض، وأن منشأها الجهل والعجلة وعدم الرجوع إلى أهل العلم الذين أُمرنا بسؤالهم ورد الأمر إليهم، وقد انتظمت كلمة الثقات الأثبات من أهل العلم على منع هذه العمليات وتجريمها لكونها محرمة من أصلها، أو لما يترتب عليها من المفاسد والشرور.
فعلى كل امرئ أن يتقي الله تعالى، وأن يحذر أشد الحذر من إخفار ذمة المسلم، وسفك الدم الحرام، وجلب الشر على أهل الإسلام.
وفق الله الجميع لما يحب ويرضى.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6793
شاب مسلم في بلد كافر يرفض الدراسة المختلطة ويرغب بالهجرة من تلك البلاد !
[السُّؤَالُ]
ـ[أرغمني والداي على الذهاب إلى مدرسة مختلطة، ضقت بها ذرعاً، فكنت أهرب، وأذهب إلى المسجد لسماع بعض الدروس، والمكوث فيه، كردة فعل، اتصلتْ المدرسة على البيت فلم يجدوني، فاتصلوا بالشرطة، ومن ثم انهالت عليَّ النصائح بضرورة الدراسة، وأن ما فعلته خطأ ... الخ. أسئلتي هي: هل حقّاً أن ما فعلته خطأ؟ فكل ما فعلته هو الذهاب إلى المسجد، وكيف أقنع والداي أن الاختلاط حرام، واللذان يتحججان بأنه ليس هناك خيار آخر إلا هذه المدرسة؟ وهل يجوز لي أن أهاجر من هذه البلاد – كندا - إلى بلاد الإسلام دون علمهما؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
في البداية نسأل الله أن يثبتك على طاعته، وكم فرحنا أن تكون هذه الرسالة من شاب عمره خمسة عشر عاماً! عنده حب الاستقامة، ويغار على دينه، ويخاف على نفسه من الفتنة، ومتعلق قلبه ببيت الله تعالى، وكم يوجد في سنِّك ممن يلهو ويفرِّغ قوة شبابه في المحرمات، ليس في بلاد الكفر، بل حتى في بلاد المسلمين.
ثانياً:
اعلم – أخانا الشاب – أنه لا يجوز للمسلم أن يدرس في مدْرسة، ولا جامعة مختلطة في بلاد المسلمين، فكيف في بلاد الغرب؛ وذلك لما يترتب على ذلك من مفاسد، ومحاذير، لا تخفى على أحد.
وقد بيَّنا في جواب السؤال رقم (١٢٠٠) تفصيل الحكم في الاختلاط.
ثالثاً:
إذا وجد البديل للدراسة المختلطة فلا تجوز الدراسة في المدارس المختلطة ولا تجب طاعة الوالدين في الدراسة المختلطة؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وقد قال النبي ﷺ : (لَا طَاعَةَ في مَعْصِيَةٍ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ في الْمَعْرُوفِ) رواه البخاري (٧٢٥٧) ومسلم (١٨٤٠) .
وإذا لم يوجد البديل المباح لهذه الدراسة المختلطة، وأصرَّ والداك على تلك المدرسة، فالنصيحة لك أن تصبر على ما تراه، حتى يفرِّج الله كربك، واجتهد بقدر الإمكان في البعد عن مواطن الاختلاط في المدرسة، واحرص على صحبة صالحة تعينك على أمر دينك.
وانظر جواب السؤال رقم (٧٢٤٤٨) .
رابعاً:
أما الهجرة من بلاد الكفر التي لا يستطيع المسلم أن يؤدي فيها شعائر الإسلام , وما أوجبه الله عليه: فهي واجبة عليه، فأغلى ما يملكه الإنسان هو دينه؛ فتجب المحافظة عليه , وعدم التفريط فيه، ولا يُعذر المسلم إلا أن يكون مُستَضعفاً، عاجزاً غير قادر على الهجرة.
قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً) النساء/٩٧.
وقد سبق الجواب عن حكم الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، وأقوال العلماء في ذلك، في جواب السؤال: (٩٦٥٣٢) .
ونظراً لأنه لا توجد الآن الدولة التي ترضى باستقبال هؤلاء المهاجرين، صار أمر الهجرة صعباً للغاية.
وانظر جواب السؤال رقم (١٣٣٦٣) .
فالحقيقة.. الأمر محيِّر عندنا، وما نستطيع أن ننصحك به، هو:
أن تبقى بين أهلك، تلتزم ورداً من القرآن، ولا تترك الصلاة في المسجد، وأن تحرص على صحبة صالحة، وأن تتجنب مواطن الفتنة بقدر الإمكان.
واعلم أن بعض الصحابة كانوا صغاراً – كابن عباس – ولم يستطيعوا الهجرة إلى المدينة، وظلوا بين الكفار، ولم يؤثر ذلك عليهم، حتى فرَّج الله عنهم، وصار ابن عباس بعدها علَماً ف العلم، وإماماً يُقتدى به، فاصبر حتى ترى من الله فرَجاً.
ونسأل الله أن يثبتنا وإياك على الحق، وأن يوفقنا وإياك لما يحبه ويرضاه.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6794
هل المسلم المقتول ظلماً أو غدراً أو هدم عليه بيته يكون شهيداً ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أعرف أن المسلم الذي يموت دفاعاً عن نفسه فهو شهيد، ولو مات غريقاً، أو مات ببطنه: فهو شهيد أيضاً، لكن ما هو حال مَن مات على غِرَّة، ولم يكن قد منح الوقت ليأخذ قرار الدفاع عن النفس، كمن قُتل من الخلف، فهل يعدُّ هذا شهيداً أيضاً؟ وما حال من سقطت المتفجرات على بيوتهم مثل الناس في غزة دون توقع منهم، ولم يعطوا الفرصة للدفاع عن أنفسهم، فهل هم أيضاً في عداد الشهداء؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
كل مسلم يقتل ظلماً فله أجر الشهيد في الآخرة، وأما في الدنيا: فإنه يغسَّل، ويصلَّى عليه، ولا يُعامل معاملة قتيل المعركة.
جاء في " الموسوعة الفقهية " (٢٩ / ١٧٤) :
"ذهب الفقهاء إلى أن للظلم أثراً في الحكم على المقتول بأنه شهيد، ويُقصد به غير شهيد المعركة مع الكفار، ومِن صوَر القتل ظلماً: قتيل اللصوص، والبغاة، وقطَّاع الطرق، أو مَن قُتل مدافعاً عن نفسه، أو ماله، أو دمه، أو دِينه، أو أهله، أو المسلمين، أو أهل الذمة، أو مَن قتل دون مظلمة، أو مات في السجن وقد حبس ظلماً.
واختلفوا في اعتباره شهيد الدنيا والآخرة، أو شهيد الآخرة فقط؟ .
فذهب جمهور الفقهاء إلى أن مَن قُتل ظلماً: يُعتبر شهيد الآخرة فقط، له حكم شهيد المعركة مع الكفار في الآخرة من الثواب، وليس له حكمه في الدنيا، فيُغسَّل، ويصلَّى عليه" انتهى.
ولا يشترط لتحصيل ثواب الشهداء أن يواجه المظلوم أولئك المعتدين، فإن قتلوه على حين غِرَّة: كان مستحقّاً لثواب الشهداء إن شاء الله.
ومما يدل على ذلك: أن عمر بن الخطاب ﵁ طعنه أبو لؤلؤة المجوسي وهي يصلي الفجر بالمسلمين، وعثمان بن عفان ﵁، قتله الخارجون عليه ظلماً، وقد وصفهما النبي ﷺ بأنهما شهداء.
فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: صَعِدَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى " أُحُدٍ " وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ فَرَجَفَ بِهِمْ، فَضَرَبَهُ بِرِجْلِهِ، قَالَ: (اثْبُتْ أُحُدُ، فَمَا عَلَيْكَ إِلَاّ نَبِيٌّ، أَوْ صِدِّيقٌ، أَوْ شَهِيدَانِ) رواه البخاري (٣٤٨٣) .
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀:
" (فالنبي) هو ﵊، و (الصدِّيق) : أبو بكر، و (الشهيدان) : عمر، وعثمان، وكلاهما ﵄ قُتل شهيداً، أما عمر: فقُتل وهو متقدم لصلاة الفجر بالمسلمين، قُتل في المحراب، وأما عثمان: فقُتل في بيته، فرضي الله عنهما، وألحقنا وصالح المسلمين بهما في دار النعيم المقيم" انتهى.
" شرح رياض الصالحين " (٤ / ١٢٩، ١٣٠) .
ثانياً:
أما إخواننا في غزة الذين تهدمت عليهم بيوتهم، فإننا نرجو أن يكونوا شهداء، وذلك لسببين:
١- أنهم قتلوا مظلومين.
٢- أن النبي ﷺ قال: (صَاحِبُ الْهَدْمِ شَّهِيدُ) رواه البخاري (٢٦٧٤) ومسلم (١٩١٤) .
٣- ولا نكون مبالغين إذا أضفنا سببا ثالثا، وهو أنهم قتلوا بأيدي الكفار في ساحة المعركة، فيكونون شهداء في الدنيا والآخرة، لأن غزة كلها كانت ساحة للمعركة.
قال الأستاذ عبد الرحمن بن غرمان بن عبد الله حفظه الله:
"ذهب الجمهور، من الحنفية، والحنابلة، والصحيح من مذهب المالكية، وقول عند الشافعية: إلى أن مقتول الحربي بغير معركة: شهيد على الإطلاق، بأي صورة كان ذلك القتل، سواء كان غافلاً، أو نائماً، ناصبه القتال، أو لم يناصبه....
والذي يظهر لي - والله تعالى أعلم - رجحان قول الجمهور؛ لأن اشتراط القتل في المعترك: ليس عليه دليل بيِّن" انتهى باختصار.
" أحكام الشهيد في الفقه الإسلامي " (١٠٣ - ١٠٦) .
نسأل الله تعالى أن يتقبلهم شهداء، وأن يجعل الدائرة على اليهود الغاصبين، ويمكننا منهم، حتى نحكم فيهم بحكمه العدل.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6795
الذي يتمنى الشهادة: هل ينال كرامة الشهيد ؟!
[السُّؤَالُ]
ـ[هل الذي يتمنى الشهادة بصدق ولم ينلها يعطى كرامات شهيد الحرب، كالتشفيع، وتزويجه ٧٢ من الحور العين؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
في هذه المسألة التفصيل الآتي:
١- من كان يجاهد في سبيل الله صادقا محتسبا، ويشارك في قتال الأعداء، ويرجو مِن الله أن يكتب له الشهادة، ولكن مع ذلك لم ينلها حقيقة، فمثله يكتب الله له أجر الشهيد كاملا غير منقوص.
٢- ومن اتخذ الأسباب التي يملكها لنيل الشهادة، وسعى للمشاركة في الجهاد في سبيل الله، وسبق ذلك عزيمةٌ صادقةٌ، وسأل الله بإخلاص أن يكتب له هذه المرتبة، غير أنه حيل بينه وبين المشاركة الفعلية في الجهاد: فهذا يكتب الله له أجر الشهيد، ويعطيه مِن سعة فضله سبحانه ما يبلغ به أجر الشهداء.
٣- وأما من نوى الجهاد في سبيل الله نية مجردة عن اتخاذ الأسباب والسعي التام لنيل الشهادة، فهذا له أجر نيته فقط، وليس له أجر الشهيد الذي قُتل في المعركة.
وقد ورد في السنة ما يدل على ما ذكرناه من أن من عزم على الجهاد عزما صادقا، وطلب الشهادة، أعطي كرامتها:
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ طَلَبَ الشَّهَادَةَ صَادِقًا أُعْطِيَهَا وَلَوْ لَمْ تُصِبْهُ) رواه مسلم (١٩٠٨) ،
وعن سهل بن حنيف ﵁ أن النبي ﷺ قال: (مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ) رواه مسلم (١٩٠٩)
وعن معاذ بن جبل ﵁ أن النبي ﷺ قال:
(َمَنْ سَأَلَ اللَّهَ الْقَتْلَ مِنْ نَفْسِهِ صَادِقًا ثُمَّ مَاتَ أَوْ قُتِلَ فَإِنَّ لَهُ أَجْرَ شَهِيدٍ)
رواه أبو داود (٢٥٤١) والترمذي (١٦٥٣) وقال حسن صحيح. وصححه ابن دقيق العيد في " الاقتراح " (ص/١٢٣) والألباني في " صحيح أبي داود ".
يقول الإمام النووي ﵀:
" معنى الرواية الأولى مفسَّرٌ من الرواية الثانية، ومعناهما جميعا أنه إذا سأل الشهادة بصدق أعطي من ثواب الشهداء وإن كان على فراشه، وفيه استحباب سؤال الشهادة واستحباب نية الخير " انتهى. " شرح مسلم " (١٣/٥٥)
وقد أخرج الحديث ابن حبان في " صحيحه " (٧/٤٦٤) وبوب عليه بقوله:
" ذكر تفضل الله جل وعلا على سائله الشهادة من قلبه بإعطائه أجر الشهيد وإن مات على فراشه " انتهى.
يقول ابن القيم ﵀:
" بل هذا النوع منقسم إلى:
١- معذور من أهل الجهاد، غلبه عذره، وأقعده عنه، ونيته جازمة لم يتخلف عنها مقدورها، وإنما أقعده العجز، فهذا الذي تقتضيه أدلة الشرع أن له مثل أجر المجاهد، وهذا القسم لا يتناوله الحكم بنفي التسوية، وهذا لأن قاعدة الشريعة أن العزم التام إذا اقترن به ما يمكن من الفعل أو مقدمات الفعل نزل صاحبه في الثواب والعقاب منزلة الفاعل التام، كما دل عليه قوله ﷺ : (إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار. قالوا: هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصاً على قت صاحبه)
وفي الترمذي ومسند الإمام أحمد من حديث أبى كبشة الأنماري عن النبي ﷺ أنه قال: (إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله مالاً وعلماً، فهو يتقي في ماله ربه ويصل به رحمه، ويعلم لله فيه حقاً، فهذا بأحسن المنازل، وعبد رزقه الله علماً ولم يرزقه مالاً، فهو يقول: لو أن لي مالاً لعملت فيه بعمل فلان، فهو بنيته، وهما في الأجر سواءٌ، وعبد رزقه الله مالاً ولم يرزقه علماً، فهو لا يتقى في ماله ربه، ولا يصل به رحمه، ولا يعلم لله فيه حقاً، فهذا بأسوأ المنازل عند الله، وعبد لم يرزقه الله مالاً ولا علماً فهو يقول: لو أن لي مالاً لعملت بعمل فلان، فهو بنيته، وهما في الوزر سواءٌ)
فأخبر ﷺ أن وزر الفاعل والناوي الذي ليس مقدوره إلا بقوله دون فعله سواءٌ؛ لأنه أتى بالنية ومقدورِه التام، وكذلك أجر الفاعل والناوي الذي اقترن قوله بنيته. وكذلك المقتول الذي سل السيف وأراد به قتل أخيه المسلم فقتل، نزل منزلة القاتل لنيته التامة التي اقترن بها مقدورها من السعي والحركة.
ومثل هذا قوله ﷺ : (من دل على خير فله مثل أجر فاعله) ، فإن بدلالته ونيته نزل منزلة الفاعل.
ومثل هذا من كان له وِردٌ يُصَلِّيه من الليل فنام، ومن نيته أن يقوم إليه فغلب عينه نوم كتب له أجر ورده، وكان نومه عليه صدقة، ومثله المريض والمسافر إذا كان له عمل يعمله فشغل عنه بالمرض والسفر كتب له مثل عمله وهو صحيح مقيم، ومثله: (من سأل الله الشهادة بصدق بلَّغه الله منازل الشهداءِ ولو مات على فراشه) ونظائر ذلك كثيرة.
٢- والقسم الثاني: معذور ليس من نيته الجهاد، ولا هو عازم عليه عزماً تاماً، فهذا لا يستوي هو والمجاهد في سبيل الله، بل قد فضَّل الله المجاهدين عليه وإن كان معذوراً؛ لأنه لا نية له تلحقه بالفاعل التام كنية أصحاب القسم الأول " انتهى.
" طريق الهجرتين " (ص/٣٥٩)
فالخلاصة أن من نوى الجهاد، وسعى إليه، وبذل أسبابه، وسأل الله الشهادة بصدق، كتب الله له أجر شهيد.
ثانيا:
ومع ذلك ننبه هنا إلى أنه ليس المقصود أن الله يكتب لمن سأل الشهادة بصدق جميع ما للشهيد الذي قتل في المعركة من الأجر والكرامة؛ وإنما يكتب له قدر أجر الشهادة مجردة عن كل أجور الأعمال المقترنة بالعمل الجهادي من تعب ونصب وجراح وبذل مال ونحو ذلك، فالشهيد وسائل الشهادة بصدق يستويان في أصل الأجر وليس في نوعه ومتعلقاته.
يقول الإمام النووي ﵀:
" واعلم أن الشهيد ثلاثة أقسام: أحدها: المقتول في حرب بسبب من أسباب القتال، فهذا له حكم الشهداء في ثواب الآخرة وفي أحكام الدنيا، وهو أنه لا يغسَّل ولا يصلَّى عليه.
والثاني: شهيد في الثواب دون أحكام الدنيا، وهو المبطون , والمطعون , وصاحب الهدم , ومن قتل دون ماله , وغيرهم ممن جاءت الأحاديث الصحيحة بتسميته شهيداً، فهذا يغسَّل ويصلَّى عليه وله في الآخرة ثواب الشهداء , ولا يلزم أن يكون مثل ثواب الأول.
والثالث: من غل في الغنيمة، وشبهه ممن وردت الآثار بنفي تسميته شهيداً، إذا قتل في حرب الكفار، فهذا له حكم الشهداء في الدنيا فلا يغسل , ولا يصلَّى عليه , وليس له ثوابهم الكامل في الآخرة " انتهى.
" شرح مسلم " (٢/١٦٤)
ويقول الحافظ ابن حجر ﵀:
" والذي يظهر أن المذكورين - في الشهداء خمسة وغيرهم - ليسوا في المرتبة سواء، ويدل عليه ما روى أحمد وابن حبان في صحيحه من حديث جابر، والدارمي وأحمد والطحاوي من حديث عبد الله بن جحش، وابن ماجه من حديث عمرو بن عتبة: أن النبي ﷺ ، سئل أي الجهاد أفضل؟ قال: من عقر جواده وأهريق دمه.
وروى الحسن بن علي الحلواني في (كتاب المعرفة) له بسناد حسن من حديث ابن أبي طالب قال: " كل موتة يموت بها المسلم فهو شهيد، غير أن الشهادة تتفاضل " انتهى.
"فتح الباري" (٦/٤٤)
ويقول المناوي ﵀:
" (وإن مات على فراشه) لأن كلا منهما نوى خيرا وفعل ما يقدر عليه، فاستويا في أصل الأجر، ولا يلزم من استوائهما فيه من هذه الجهة: استواؤهما في كيفيته وتفاصيله، إذ الأجر على العمل ونيته يزيد على مجرد النية، فمن نوى الحج ولا مال له يحج به يثاب دون ثواب من باشر أعماله، ولا ريب أن الحاصل للمقتول من ثواب الشهادة تزيد كيفيته وصفاته على الحاصل للناوي الميت على فراشه، وإن بلغ منزلة الشهيد، فهما وإن استويا في الأجر لكن الأعمال التي قام بها العامل تقتضي أثرا زائدا وقربا خاصا، وهو فضل الله يؤتيه من يشاء، فعلم من التقرير أنه لا حاجة لتأويل البعض وتكلفه بتقدير مِن بَعد قوله: (بلغه الله) ، فأعط ألفاظ الرسول ﷺ حقها، وأنزلها منازلها، يتبين لك المراد " انتهى.
" فيض القدير " (٦/١٨٦)
وبناء عليه فالفضل الوارد في حديث الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
(لِلشَّهِيدِ عِنْدَ اللَّهِ سِتُّ خِصَالٍ: يُغْفَرُ لَهُ فِي أَوَّلِ دَفْعَةٍ، وَيَرَى مَقْعَدَهُ مِنْ الْجَنَّةِ، وَيُجَارُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَيَأْمَنُ مِنْ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ، وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الْوَقَارِ، الْيَاقُوتَةُ مِنْهَا خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَيُزَوَّجُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً مِنْ الْحُورِ الْعِينِ، وَيُشَفَّعُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَقَارِبِهِ)
رواه الترمذي (حديث رقم/١٦٦٣) وقال: حسن صحيح غريب. وسبق ذكرها في جواب رقم: (٨٥١١)
يظهر أن هذه الفضائل إنما تكتب لشهيد المعركة، بدليل قوله: (يغفر له في أول دفعة) ، يعني من دمه، فنال هذه الخصال الستة بسبب ما أريق من دمه في سبيل الله، فلا ينال هذه الخصال غيره وإن نال أجر الشهادة الأصلي.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
следующие страницы →