Полный текст (16 344 стр.). Показаны 6791–6830 · переход к 6796.
стр. 6791
هل يجوز لوالدها منعها من المسجد لرفضها الدراسة المختلطة في الجامعة ببلاد الغرب ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل لوالدي الحق في أن يمنعني من الذهاب إلى المسجد للتدريس وحضور المحاضرات بسبب أني رفضت إكمال دراستي الجامعية في مكان مختلط هنا في إحدى جامعات الغرب؟ يقوم بفعل ذلك كوسيلة ضغط لأعاود دراستي.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا شك أن طاعة الوالدين وبرهما من أعظم القربات، قال الله : (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) الإسراء/٢٣.
وقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵁: (سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: الصَّلَاةُ عَلَى مِيقَاتِهَا. قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ. قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) . متفق عليه.
إلا أن طاعة الوالدين إنما تكون إذا أمرا بمعروف، لا منكر.
روى الإمام أحمد (١٠٩٨) عَنْ عَلِيٍّ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ صححه الألباني في "الصحيحة" (١٧٩) وأصله في الصحيحين، ولفظه: (لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ) .
قال أبو عمر ابن عبد البر ﵀:
"أجمع العلماء على أن من أمر بمنكر لا تلزم طاعته، قال الله : (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) " انتهى.
"التمهيد" (٢٣ / ٢٧٧)
والدراسة في بلاد الغرب في جامعة مختلطة ليست من المعروف الذي يجب أن يطاع فيه الوالدان، وإنما هي من المنكر الذي يجب عدم طاعتهما فيه، ولكن بسلوك طريق الأدب والرفق والحرص على عدم السخط والغضب.
وقد سئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء:
هل يجوز للأخوات أن يدخلن ويتعلمن في المدارس والجامعات المختلطة، حيث لا يوجد في بلاد الغرب إلا التعليم المختلط، ولكن الأخوات يلتزمن بالزي الإسلامي مع مضايقات الكفار؟
فأجابوا:
"اختلاط الرجال والنساء في التعليم حرام ومنكر عظيم؛ فما فيه من الفتنة وانتشار الفساد وانتهاك المحرمات، وما وقع بسبب هذا الاختلاط من الشر والفساد الخلقي لهو من أوضح الدلائل على تحريمه، وإذا انضاف إلى ذلك كونه في بلاد الكفار كان أشد حرمة ومنعا، وتعلم المرأة بالمدارس والجامعات ليس من الضرورات التي تستباح بها المحرمات، وعليها أن تتعلم بالطرق السليمة البعيدة عن الفتن " انتهى.
"فتاوى اللجنة الدائمة" (١٢ / ١٨١-١٨٢) .
وسئلوا أيضاً: ما حكم الإسلام في خروج المرأة لتعلم العلم الدنيوي، مع أنها تتحمل في هذا الخروج بعض المعاصي مثل: خلع النقاب، والاختلاط بالرجال، وتضيع الوقت فيما لا ينفع. مع العلم أن والدي يأمرني بالذهاب إلى الجامعة، فلما أصريت على عدم الذهاب غضبوا علي غضبا شديدا جدا، فهل علي أن أطيعهم في هذا الأمر؟ وإذا لم أطعهما فهل في هذه الحالة أأثم؟ فأجابوا:
"خلع الحجاب محرم، والاختلاط بالرجال في التعليم محرم، ولا تجب طاعة الوالدين في معصية الله تعالى، ولا إثم عليك في ذلك" انتهى.
"فتاوى اللجنة الدائمة" (١٧ / ٢٦٢) .
ثانياً:
لا يجوز لولي المرأة أن يمنعها من الخروج إلى المسجد، ما دامت تخرج ملتزمة بالآداب والأحكام الشرعية، ولا يترتب على خروجها مفسدة أو فتنة، وذلك لما رواه البخاري (٩٠٠) ومسلم (٤٤٢) أن النبي ﷺ قَالَ: (لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ) .
ويتأكد هذا النهي إذا كان الأب إنما يمنع ابنته عقاباً لها على فرارها من معصية الله (كالتعليم الجامعي المختلط في بلاد الغرب) .
فهذا عقاب لها على أنها أطاعت الله تعالى، وهذا لا شك أنه لا يجوز.
والذي ننصحك به هو الرفق، ومعالجة الأمر بالحكمة والموعظة الحسنة، مع كمال حسن الأدب حين التحدث إليه، ولا بأس من الاستعانة بمن يمكنه أن يجلي للوالد حقائق الأمور، ويبصره بحكم الشريعة في مثل تلك القضايا، ويذكره بالله تعالى، من أهل النصح والعقل ممن يمكن للوالد تقبل نصحه وكلامه.
والله يسددكم ويرعاكم ويحفظكم من كل سوء، إنه سميع قريب.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6792
حكم قتل الأجانب في بلاد المسلمين
[السُّؤَالُ]
ـ[ما رأيكم في العمليات التي تحدث في بلاد المسلمين وتستهدف قتل الأجانب ولكنها تؤدي إلى قتل عدد من المسلمين أيضا وتدمير بعض المباني والمنشآت، وهل هذا من الجهاد كما يقول منفذوها؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
هذه العمليات التي تحدث في بلاد المسلمين وتستهدف كما ذكرت الأجانب، ليست جهاداً، بل هي فساد وإفساد، وتخريب وتشويه، وهي دالة على جهل مرتكبيها وطيشهم، فإن هؤلاء الأجانب مستأمنون في بلاد المسلمين، لم يدخلوها إلا بإذن، فلا يجوز الاعتداء عليهم، لا بالضرب ولا بالنهب، فضلا عن القتل، فدماؤهم وأموالهم معصومة، والمتعرض لهم على خطر كبير، كما روى البخاري (٣١٦٦) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا) .
وهذا شامل للذمي والمعاهد والمستأمن.
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في "فتح الباري": " وَالْمُرَاد بِهِ: مَنْ لَهُ عَهْد مَعَ الْمُسْلِمِينَ سَوَاء كَانَ بِعَقْدِ جِزْيَة، أَوْ هُدْنَة مِنْ سُلْطَان، أَوْ أَمَان مِنْ مُسْلِم " انتهى.
وفي قوله ﵀: " أو أمان من مسلم " إشارة إلى ما هو معروف عند الفقهاء من أن الأمان لا يشترط أن يكون من الحاكم والسلطان، بل يجوز أن يكون من رجل من عامة المسلمين، وهؤلاء الأجانب المشار إليهم يدخلون بلاد المسلمين بأمان من الدولة، وبأمان أيضاً من أحد من المسلمين في كثير من الأحوال، فلا يجوز التعرض لهم، ولو كانوا في الأصل محاربين.
وقد روى البخاري (٣١٧١) ومسلم (٣٣٦) عن أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ ﵂ قال: ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ وَفَاطِمَةُ ابْنَتُهُ تَسْتُرُهُ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: (مَنْ هَذِهِ؟ فَقُلْتُ: أَنَا أُمُّ هَانِئٍ بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ. فَقَالَ: مَرْحَبًا بِأُمِّ هَانِئٍ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ قَامَ فَصَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ مُلْتَحِفًا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، زَعَمَ ابْنُ أُمِّي عَلِيٌّ أَنَّهُ قَاتِلٌ رَجُلًا قَدْ أَجَرْتُهُ، فُلَانُ بْنُ هُبَيْرَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ) .
قال ابن قدامة ﵀: " (ومن أعطاهم الأمان منا ; من رجل , أو امرأة , أو عبد , جاز أمانة) .
وجملته: أن الأمان إذا أعطي أهل الحرب , حرم قتلهم ومالهم والتعرض لهم. ويصح من كل مسلم بالغ عاقل مختار , ذكراً كان أو أنثى , حراً كان أو عبداً. وبهذا قال الثوري والأوزاعي والشافعي وإسحاق وابن القاسم وأكثر أهل العلم" انتهى من "المغني" (٩/١٩٥) .
ثانياً:
إذا نقض المستأمن أو المعاهد عهده لم يجز لآحاد المسلمين قتله؛ لما يترتب على ذلك من المفاسد، وقد ترك النبي ﷺ قتل عبد الله بن أبيّ بن سلول رأس النفاق مخافة أن يقال: إن محمداً يقتل أصحابه، وهكذا ليس لآحاد المسلمين قتل من ظهرت ردته وزالت عصمته؛ للمعنى الذي ذكرنا، وكم جَرَّ هذا من الشر والبلاء على أهل الإسلام، وكم حصل به من التضييق على الدعوة والدعاة، وكم استغله المغرضون لتشويه صورة الحق وأهله.
ثالثاً:
أما التسبب في قتل المسلمين المعصومين، فذلك جرم كبير، وذنب عظيم؛ فإن (زَوَال الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ) كما قال ﷺ . رواه الترمذي (١٣٩٥) والنسائي (٣٩٨٧) وابن ماجه (٢٦١٩) من حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وصححه الألباني في صحيح الترمذي.
وما يدعيه هؤلاء من الاستشهاد بمسألة التترس مردود عليهم، وهو دال على جهلهم وظلمهم، فإننا نمنع قتل الكافر مباح الدم لو كان وحده – لما ذكرنا من المفسدة – فكيف إذا انضاف إلى ذلك قتل غيره من معصومي الدم؟
فبان بهذا أن فعل هؤلاء ظلمات بعضها فوق بعض، وأن منشأها الجهل والعجلة وعدم الرجوع إلى أهل العلم الذين أُمرنا بسؤالهم ورد الأمر إليهم، وقد انتظمت كلمة الثقات الأثبات من أهل العلم على منع هذه العمليات وتجريمها لكونها محرمة من أصلها، أو لما يترتب عليها من المفاسد والشرور.
فعلى كل امرئ أن يتقي الله تعالى، وأن يحذر أشد الحذر من إخفار ذمة المسلم، وسفك الدم الحرام، وجلب الشر على أهل الإسلام.
وفق الله الجميع لما يحب ويرضى.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6793
شاب مسلم في بلد كافر يرفض الدراسة المختلطة ويرغب بالهجرة من تلك البلاد !
[السُّؤَالُ]
ـ[أرغمني والداي على الذهاب إلى مدرسة مختلطة، ضقت بها ذرعاً، فكنت أهرب، وأذهب إلى المسجد لسماع بعض الدروس، والمكوث فيه، كردة فعل، اتصلتْ المدرسة على البيت فلم يجدوني، فاتصلوا بالشرطة، ومن ثم انهالت عليَّ النصائح بضرورة الدراسة، وأن ما فعلته خطأ ... الخ. أسئلتي هي: هل حقّاً أن ما فعلته خطأ؟ فكل ما فعلته هو الذهاب إلى المسجد، وكيف أقنع والداي أن الاختلاط حرام، واللذان يتحججان بأنه ليس هناك خيار آخر إلا هذه المدرسة؟ وهل يجوز لي أن أهاجر من هذه البلاد – كندا - إلى بلاد الإسلام دون علمهما؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
في البداية نسأل الله أن يثبتك على طاعته، وكم فرحنا أن تكون هذه الرسالة من شاب عمره خمسة عشر عاماً! عنده حب الاستقامة، ويغار على دينه، ويخاف على نفسه من الفتنة، ومتعلق قلبه ببيت الله تعالى، وكم يوجد في سنِّك ممن يلهو ويفرِّغ قوة شبابه في المحرمات، ليس في بلاد الكفر، بل حتى في بلاد المسلمين.
ثانياً:
اعلم – أخانا الشاب – أنه لا يجوز للمسلم أن يدرس في مدْرسة، ولا جامعة مختلطة في بلاد المسلمين، فكيف في بلاد الغرب؛ وذلك لما يترتب على ذلك من مفاسد، ومحاذير، لا تخفى على أحد.
وقد بيَّنا في جواب السؤال رقم (١٢٠٠) تفصيل الحكم في الاختلاط.
ثالثاً:
إذا وجد البديل للدراسة المختلطة فلا تجوز الدراسة في المدارس المختلطة ولا تجب طاعة الوالدين في الدراسة المختلطة؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وقد قال النبي ﷺ : (لَا طَاعَةَ في مَعْصِيَةٍ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ في الْمَعْرُوفِ) رواه البخاري (٧٢٥٧) ومسلم (١٨٤٠) .
وإذا لم يوجد البديل المباح لهذه الدراسة المختلطة، وأصرَّ والداك على تلك المدرسة، فالنصيحة لك أن تصبر على ما تراه، حتى يفرِّج الله كربك، واجتهد بقدر الإمكان في البعد عن مواطن الاختلاط في المدرسة، واحرص على صحبة صالحة تعينك على أمر دينك.
وانظر جواب السؤال رقم (٧٢٤٤٨) .
رابعاً:
أما الهجرة من بلاد الكفر التي لا يستطيع المسلم أن يؤدي فيها شعائر الإسلام , وما أوجبه الله عليه: فهي واجبة عليه، فأغلى ما يملكه الإنسان هو دينه؛ فتجب المحافظة عليه , وعدم التفريط فيه، ولا يُعذر المسلم إلا أن يكون مُستَضعفاً، عاجزاً غير قادر على الهجرة.
قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً) النساء/٩٧.
وقد سبق الجواب عن حكم الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، وأقوال العلماء في ذلك، في جواب السؤال: (٩٦٥٣٢) .
ونظراً لأنه لا توجد الآن الدولة التي ترضى باستقبال هؤلاء المهاجرين، صار أمر الهجرة صعباً للغاية.
وانظر جواب السؤال رقم (١٣٣٦٣) .
فالحقيقة.. الأمر محيِّر عندنا، وما نستطيع أن ننصحك به، هو:
أن تبقى بين أهلك، تلتزم ورداً من القرآن، ولا تترك الصلاة في المسجد، وأن تحرص على صحبة صالحة، وأن تتجنب مواطن الفتنة بقدر الإمكان.
واعلم أن بعض الصحابة كانوا صغاراً – كابن عباس – ولم يستطيعوا الهجرة إلى المدينة، وظلوا بين الكفار، ولم يؤثر ذلك عليهم، حتى فرَّج الله عنهم، وصار ابن عباس بعدها علَماً ف العلم، وإماماً يُقتدى به، فاصبر حتى ترى من الله فرَجاً.
ونسأل الله أن يثبتنا وإياك على الحق، وأن يوفقنا وإياك لما يحبه ويرضاه.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6794
هل المسلم المقتول ظلماً أو غدراً أو هدم عليه بيته يكون شهيداً ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أعرف أن المسلم الذي يموت دفاعاً عن نفسه فهو شهيد، ولو مات غريقاً، أو مات ببطنه: فهو شهيد أيضاً، لكن ما هو حال مَن مات على غِرَّة، ولم يكن قد منح الوقت ليأخذ قرار الدفاع عن النفس، كمن قُتل من الخلف، فهل يعدُّ هذا شهيداً أيضاً؟ وما حال من سقطت المتفجرات على بيوتهم مثل الناس في غزة دون توقع منهم، ولم يعطوا الفرصة للدفاع عن أنفسهم، فهل هم أيضاً في عداد الشهداء؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
كل مسلم يقتل ظلماً فله أجر الشهيد في الآخرة، وأما في الدنيا: فإنه يغسَّل، ويصلَّى عليه، ولا يُعامل معاملة قتيل المعركة.
جاء في " الموسوعة الفقهية " (٢٩ / ١٧٤) :
"ذهب الفقهاء إلى أن للظلم أثراً في الحكم على المقتول بأنه شهيد، ويُقصد به غير شهيد المعركة مع الكفار، ومِن صوَر القتل ظلماً: قتيل اللصوص، والبغاة، وقطَّاع الطرق، أو مَن قُتل مدافعاً عن نفسه، أو ماله، أو دمه، أو دِينه، أو أهله، أو المسلمين، أو أهل الذمة، أو مَن قتل دون مظلمة، أو مات في السجن وقد حبس ظلماً.
واختلفوا في اعتباره شهيد الدنيا والآخرة، أو شهيد الآخرة فقط؟ .
فذهب جمهور الفقهاء إلى أن مَن قُتل ظلماً: يُعتبر شهيد الآخرة فقط، له حكم شهيد المعركة مع الكفار في الآخرة من الثواب، وليس له حكمه في الدنيا، فيُغسَّل، ويصلَّى عليه" انتهى.
ولا يشترط لتحصيل ثواب الشهداء أن يواجه المظلوم أولئك المعتدين، فإن قتلوه على حين غِرَّة: كان مستحقّاً لثواب الشهداء إن شاء الله.
ومما يدل على ذلك: أن عمر بن الخطاب ﵁ طعنه أبو لؤلؤة المجوسي وهي يصلي الفجر بالمسلمين، وعثمان بن عفان ﵁، قتله الخارجون عليه ظلماً، وقد وصفهما النبي ﷺ بأنهما شهداء.
فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: صَعِدَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى " أُحُدٍ " وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ فَرَجَفَ بِهِمْ، فَضَرَبَهُ بِرِجْلِهِ، قَالَ: (اثْبُتْ أُحُدُ، فَمَا عَلَيْكَ إِلَاّ نَبِيٌّ، أَوْ صِدِّيقٌ، أَوْ شَهِيدَانِ) رواه البخاري (٣٤٨٣) .
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀:
" (فالنبي) هو ﵊، و (الصدِّيق) : أبو بكر، و (الشهيدان) : عمر، وعثمان، وكلاهما ﵄ قُتل شهيداً، أما عمر: فقُتل وهو متقدم لصلاة الفجر بالمسلمين، قُتل في المحراب، وأما عثمان: فقُتل في بيته، فرضي الله عنهما، وألحقنا وصالح المسلمين بهما في دار النعيم المقيم" انتهى.
" شرح رياض الصالحين " (٤ / ١٢٩، ١٣٠) .
ثانياً:
أما إخواننا في غزة الذين تهدمت عليهم بيوتهم، فإننا نرجو أن يكونوا شهداء، وذلك لسببين:
١- أنهم قتلوا مظلومين.
٢- أن النبي ﷺ قال: (صَاحِبُ الْهَدْمِ شَّهِيدُ) رواه البخاري (٢٦٧٤) ومسلم (١٩١٤) .
٣- ولا نكون مبالغين إذا أضفنا سببا ثالثا، وهو أنهم قتلوا بأيدي الكفار في ساحة المعركة، فيكونون شهداء في الدنيا والآخرة، لأن غزة كلها كانت ساحة للمعركة.
قال الأستاذ عبد الرحمن بن غرمان بن عبد الله حفظه الله:
"ذهب الجمهور، من الحنفية، والحنابلة، والصحيح من مذهب المالكية، وقول عند الشافعية: إلى أن مقتول الحربي بغير معركة: شهيد على الإطلاق، بأي صورة كان ذلك القتل، سواء كان غافلاً، أو نائماً، ناصبه القتال، أو لم يناصبه....
والذي يظهر لي - والله تعالى أعلم - رجحان قول الجمهور؛ لأن اشتراط القتل في المعترك: ليس عليه دليل بيِّن" انتهى باختصار.
" أحكام الشهيد في الفقه الإسلامي " (١٠٣ - ١٠٦) .
نسأل الله تعالى أن يتقبلهم شهداء، وأن يجعل الدائرة على اليهود الغاصبين، ويمكننا منهم، حتى نحكم فيهم بحكمه العدل.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6795
الذي يتمنى الشهادة: هل ينال كرامة الشهيد ؟!
[السُّؤَالُ]
ـ[هل الذي يتمنى الشهادة بصدق ولم ينلها يعطى كرامات شهيد الحرب، كالتشفيع، وتزويجه ٧٢ من الحور العين؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
في هذه المسألة التفصيل الآتي:
١- من كان يجاهد في سبيل الله صادقا محتسبا، ويشارك في قتال الأعداء، ويرجو مِن الله أن يكتب له الشهادة، ولكن مع ذلك لم ينلها حقيقة، فمثله يكتب الله له أجر الشهيد كاملا غير منقوص.
٢- ومن اتخذ الأسباب التي يملكها لنيل الشهادة، وسعى للمشاركة في الجهاد في سبيل الله، وسبق ذلك عزيمةٌ صادقةٌ، وسأل الله بإخلاص أن يكتب له هذه المرتبة، غير أنه حيل بينه وبين المشاركة الفعلية في الجهاد: فهذا يكتب الله له أجر الشهيد، ويعطيه مِن سعة فضله سبحانه ما يبلغ به أجر الشهداء.
٣- وأما من نوى الجهاد في سبيل الله نية مجردة عن اتخاذ الأسباب والسعي التام لنيل الشهادة، فهذا له أجر نيته فقط، وليس له أجر الشهيد الذي قُتل في المعركة.
وقد ورد في السنة ما يدل على ما ذكرناه من أن من عزم على الجهاد عزما صادقا، وطلب الشهادة، أعطي كرامتها:
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ طَلَبَ الشَّهَادَةَ صَادِقًا أُعْطِيَهَا وَلَوْ لَمْ تُصِبْهُ) رواه مسلم (١٩٠٨) ،
وعن سهل بن حنيف ﵁ أن النبي ﷺ قال: (مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ) رواه مسلم (١٩٠٩)
وعن معاذ بن جبل ﵁ أن النبي ﷺ قال:
(َمَنْ سَأَلَ اللَّهَ الْقَتْلَ مِنْ نَفْسِهِ صَادِقًا ثُمَّ مَاتَ أَوْ قُتِلَ فَإِنَّ لَهُ أَجْرَ شَهِيدٍ)
رواه أبو داود (٢٥٤١) والترمذي (١٦٥٣) وقال حسن صحيح. وصححه ابن دقيق العيد في " الاقتراح " (ص/١٢٣) والألباني في " صحيح أبي داود ".
يقول الإمام النووي ﵀:
" معنى الرواية الأولى مفسَّرٌ من الرواية الثانية، ومعناهما جميعا أنه إذا سأل الشهادة بصدق أعطي من ثواب الشهداء وإن كان على فراشه، وفيه استحباب سؤال الشهادة واستحباب نية الخير " انتهى. " شرح مسلم " (١٣/٥٥)
وقد أخرج الحديث ابن حبان في " صحيحه " (٧/٤٦٤) وبوب عليه بقوله:
" ذكر تفضل الله جل وعلا على سائله الشهادة من قلبه بإعطائه أجر الشهيد وإن مات على فراشه " انتهى.
يقول ابن القيم ﵀:
" بل هذا النوع منقسم إلى:
١- معذور من أهل الجهاد، غلبه عذره، وأقعده عنه، ونيته جازمة لم يتخلف عنها مقدورها، وإنما أقعده العجز، فهذا الذي تقتضيه أدلة الشرع أن له مثل أجر المجاهد، وهذا القسم لا يتناوله الحكم بنفي التسوية، وهذا لأن قاعدة الشريعة أن العزم التام إذا اقترن به ما يمكن من الفعل أو مقدمات الفعل نزل صاحبه في الثواب والعقاب منزلة الفاعل التام، كما دل عليه قوله ﷺ : (إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار. قالوا: هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصاً على قت صاحبه)
وفي الترمذي ومسند الإمام أحمد من حديث أبى كبشة الأنماري عن النبي ﷺ أنه قال: (إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله مالاً وعلماً، فهو يتقي في ماله ربه ويصل به رحمه، ويعلم لله فيه حقاً، فهذا بأحسن المنازل، وعبد رزقه الله علماً ولم يرزقه مالاً، فهو يقول: لو أن لي مالاً لعملت فيه بعمل فلان، فهو بنيته، وهما في الأجر سواءٌ، وعبد رزقه الله مالاً ولم يرزقه علماً، فهو لا يتقى في ماله ربه، ولا يصل به رحمه، ولا يعلم لله فيه حقاً، فهذا بأسوأ المنازل عند الله، وعبد لم يرزقه الله مالاً ولا علماً فهو يقول: لو أن لي مالاً لعملت بعمل فلان، فهو بنيته، وهما في الوزر سواءٌ)
فأخبر ﷺ أن وزر الفاعل والناوي الذي ليس مقدوره إلا بقوله دون فعله سواءٌ؛ لأنه أتى بالنية ومقدورِه التام، وكذلك أجر الفاعل والناوي الذي اقترن قوله بنيته. وكذلك المقتول الذي سل السيف وأراد به قتل أخيه المسلم فقتل، نزل منزلة القاتل لنيته التامة التي اقترن بها مقدورها من السعي والحركة.
ومثل هذا قوله ﷺ : (من دل على خير فله مثل أجر فاعله) ، فإن بدلالته ونيته نزل منزلة الفاعل.
ومثل هذا من كان له وِردٌ يُصَلِّيه من الليل فنام، ومن نيته أن يقوم إليه فغلب عينه نوم كتب له أجر ورده، وكان نومه عليه صدقة، ومثله المريض والمسافر إذا كان له عمل يعمله فشغل عنه بالمرض والسفر كتب له مثل عمله وهو صحيح مقيم، ومثله: (من سأل الله الشهادة بصدق بلَّغه الله منازل الشهداءِ ولو مات على فراشه) ونظائر ذلك كثيرة.
٢- والقسم الثاني: معذور ليس من نيته الجهاد، ولا هو عازم عليه عزماً تاماً، فهذا لا يستوي هو والمجاهد في سبيل الله، بل قد فضَّل الله المجاهدين عليه وإن كان معذوراً؛ لأنه لا نية له تلحقه بالفاعل التام كنية أصحاب القسم الأول " انتهى.
" طريق الهجرتين " (ص/٣٥٩)
فالخلاصة أن من نوى الجهاد، وسعى إليه، وبذل أسبابه، وسأل الله الشهادة بصدق، كتب الله له أجر شهيد.
ثانيا:
ومع ذلك ننبه هنا إلى أنه ليس المقصود أن الله يكتب لمن سأل الشهادة بصدق جميع ما للشهيد الذي قتل في المعركة من الأجر والكرامة؛ وإنما يكتب له قدر أجر الشهادة مجردة عن كل أجور الأعمال المقترنة بالعمل الجهادي من تعب ونصب وجراح وبذل مال ونحو ذلك، فالشهيد وسائل الشهادة بصدق يستويان في أصل الأجر وليس في نوعه ومتعلقاته.
يقول الإمام النووي ﵀:
" واعلم أن الشهيد ثلاثة أقسام: أحدها: المقتول في حرب بسبب من أسباب القتال، فهذا له حكم الشهداء في ثواب الآخرة وفي أحكام الدنيا، وهو أنه لا يغسَّل ولا يصلَّى عليه.
والثاني: شهيد في الثواب دون أحكام الدنيا، وهو المبطون , والمطعون , وصاحب الهدم , ومن قتل دون ماله , وغيرهم ممن جاءت الأحاديث الصحيحة بتسميته شهيداً، فهذا يغسَّل ويصلَّى عليه وله في الآخرة ثواب الشهداء , ولا يلزم أن يكون مثل ثواب الأول.
والثالث: من غل في الغنيمة، وشبهه ممن وردت الآثار بنفي تسميته شهيداً، إذا قتل في حرب الكفار، فهذا له حكم الشهداء في الدنيا فلا يغسل , ولا يصلَّى عليه , وليس له ثوابهم الكامل في الآخرة " انتهى.
" شرح مسلم " (٢/١٦٤)
ويقول الحافظ ابن حجر ﵀:
" والذي يظهر أن المذكورين - في الشهداء خمسة وغيرهم - ليسوا في المرتبة سواء، ويدل عليه ما روى أحمد وابن حبان في صحيحه من حديث جابر، والدارمي وأحمد والطحاوي من حديث عبد الله بن جحش، وابن ماجه من حديث عمرو بن عتبة: أن النبي ﷺ ، سئل أي الجهاد أفضل؟ قال: من عقر جواده وأهريق دمه.
وروى الحسن بن علي الحلواني في (كتاب المعرفة) له بسناد حسن من حديث ابن أبي طالب قال: " كل موتة يموت بها المسلم فهو شهيد، غير أن الشهادة تتفاضل " انتهى.
"فتح الباري" (٦/٤٤)
ويقول المناوي ﵀:
" (وإن مات على فراشه) لأن كلا منهما نوى خيرا وفعل ما يقدر عليه، فاستويا في أصل الأجر، ولا يلزم من استوائهما فيه من هذه الجهة: استواؤهما في كيفيته وتفاصيله، إذ الأجر على العمل ونيته يزيد على مجرد النية، فمن نوى الحج ولا مال له يحج به يثاب دون ثواب من باشر أعماله، ولا ريب أن الحاصل للمقتول من ثواب الشهادة تزيد كيفيته وصفاته على الحاصل للناوي الميت على فراشه، وإن بلغ منزلة الشهيد، فهما وإن استويا في الأجر لكن الأعمال التي قام بها العامل تقتضي أثرا زائدا وقربا خاصا، وهو فضل الله يؤتيه من يشاء، فعلم من التقرير أنه لا حاجة لتأويل البعض وتكلفه بتقدير مِن بَعد قوله: (بلغه الله) ، فأعط ألفاظ الرسول ﷺ حقها، وأنزلها منازلها، يتبين لك المراد " انتهى.
" فيض القدير " (٦/١٨٦)
وبناء عليه فالفضل الوارد في حديث الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
(لِلشَّهِيدِ عِنْدَ اللَّهِ سِتُّ خِصَالٍ: يُغْفَرُ لَهُ فِي أَوَّلِ دَفْعَةٍ، وَيَرَى مَقْعَدَهُ مِنْ الْجَنَّةِ، وَيُجَارُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَيَأْمَنُ مِنْ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ، وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الْوَقَارِ، الْيَاقُوتَةُ مِنْهَا خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَيُزَوَّجُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً مِنْ الْحُورِ الْعِينِ، وَيُشَفَّعُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَقَارِبِهِ)
رواه الترمذي (حديث رقم/١٦٦٣) وقال: حسن صحيح غريب. وسبق ذكرها في جواب رقم: (٨٥١١)
يظهر أن هذه الفضائل إنما تكتب لشهيد المعركة، بدليل قوله: (يغفر له في أول دفعة) ، يعني من دمه، فنال هذه الخصال الستة بسبب ما أريق من دمه في سبيل الله، فلا ينال هذه الخصال غيره وإن نال أجر الشهادة الأصلي.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6796
حديث: (رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر)
[السُّؤَالُ]
ـ[هل هذا الحديث صحيح: (رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر) يعني: جهاد النفس؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"حديث: (رجعنا من الجهاد الأصغر، إلي الجهاد الأكبر) رواه البيهقي بسند ضعيف، قاله الحافظ العراقي في تحقيق أحاديث الإحياء، نقله عنه العجلوني في كشف الخفاء، وقال الحافظ ابن حجر ﵀: هو كلام إبراهيم بن أبي عبلة وليس بحديث، نقله أيضا العجلوني عن الحافظ في الكشف، وهذا ملخص ما ذكره العجلوني، وفي رواية البيهقي: (قالوا: وما الجهاد الأكبر؟ قال: جهاد القلب) ، ورواه الخطيب البغدادي بلفظ: (رجعنا من الجهاد الأصغر إلي الجهاد الأكبر، قالوا: وما الجهاد الأكبر؟ قال: مجاهدة العبد هواه) ، وقد روياه جميعا عن جابر، كذا في كشف الخفاء، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في "الفتاوى" (١١/١٩٧) : أما الحديث الذي يرويه بعضهم أنه قال في عزوة تبوك: (رجعنا من الجهاد الأصغر، إلى الجهاد الأكبر، فلا أصل له) ، ولم يروه أحد من أهل المعرفة بأقوال النبي ﷺ وأفعاله" انتهى.
"مجموع فتاوى ابن باز" (٢٦/٣٨١) .
وانظر جواب السؤال رقم (١٠٤٥٥) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6797
أبناؤه يرفضون العودة إلى بلاد الإسلام ؟!
[السُّؤَالُ]
ـ[ذهبتُ مع اثنين من أبنائي منذ ٥ سنوات للدراسة في دولة غير مسلمة يحملون جنسيتها، وهي متقدمة جدّاً، ثم أحضرت الثالث في السنة التالية، ورغم أن الأول أكمل الماجستير: فإنه يرفض مساعدتي له في تكاليف الزواج، أو العودة، بحجة انخفاض الرواتب، أما الثاني: لم يسمع النصيحة، ولم ينهِ دراسته، وحوَّل لكليَّة أخرى تحتاج ٤ سنوات أخرى، وهو يقول إنها دولة غير مسلمة، ويكره العيش فيها، ومع ذلك يغير مجال الدراسة، ويرفض العودة لبلده، مع أنه يستطيع إنهاء الدراسة بعد سنتين ونصف بأقل من عشر المصاريف في بلد مسلم ويحصل على بكالوريوس، حيث أنني أعطيته الفرصة، وفشل، وهو يرفض العودة، فماذا أفعل؟ والثالث انتهى من دراسة دبلوم لمدة عامين في أربع سنوات، ويعمل به بدلاً من الانتهاء من البكالوريوس والعودة للعمل في بلاد المسلمين، ويرفض العودة بحجة أنه ربما يدرس مستقبلاً، والرواتب في البلاد العربية أقل بكثير من الغرب، ويرفض الزواج رغم قيامي بعرض دفع كل المصاريف من مهر، وشبكة، وشقة، فماذا أفعل؟ وما هو موقفي الشرعي من أبنائي الثلاثة؟ علماً بأن زوجتي تقول: إنه خطؤنا أن أرسلناهم هناك، مع أنهم يصلون، ويؤدون الفرائض، ولكنهم لا يسمعون النصيحة، وهي لجانبهم دوماً، وأنا لا أدري ماذا أفعل.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
أوجب الله تعالى على الآباء العناية بأولادهم، وأمرهم أن يقوهم نار جهنم، وهذا واضح في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) التحريم/٦.
ومما يؤسف له في هذا الزمان أنه قد حصر كثير من الآباء أوجه تلك العناية والرعاية بالطعام، والشراب، واللباس، والدراسة، حتى لو كان ذلك على حساب دين أولادهم، وسلوكهم، ومن أخطر ما زلَّ فيه أولئك الآباء أنهم حرصوا أشد الحرص على تدريس أولادهم، وبذلوا في ذلك جهدهم، وطاقتهم، بل كثير منهم حمَّلوا أنفسهم ما لا يطيقون، وحرص الواحد منهم على اختيار جامعة، أو كلية، ليدرِّس فيها أولاده، الذكور منهم والإناث، ولم يلتفتوا إلى خطر تلك المعاهد والجامعات، ولا خطر تلك البلدان التي توجد فيها تلك المؤسسات التعليمية، ووافق ذلك كون أولئك الأولاد في أوائل فورة الشهوة الجنسية، وبداية تفتح العقل على الأشياء، فأغرتهم تلك الأشياء المادية في تلك البلاد، وسلبت عقولهم أولئك النسوة الشقراوات الحسناوات، فحصل كثير من المفاسد، حتى إنه ليتخلى كثير من أولئك الأولاد الطلاب عن دينهم، ويسفل سلوكهم، وتتردى أخلاقهم، والآباء يرون ذلك، ويسكت عنه كثير منهم؛ انتظاراً لشهادة تافهة يأتي بها ولده؛ ليرفع رأسه بين أقربائه وأقرانه وجيرانه! ؛ وليكن بعدها ما يكن من خراب ودمار.
هذا للأسف هو حال كثير من أحوال بيوت المسلمين الذين يرضون لأولادهم ما ذكرناه، ثم عندما يأتي وقت قطاف ثمار عناء وتعب أولئك الآباء: تظهر آثار تلك البيئات السيئة التي درس فيها أولئك الأولاد، ويظهر تأثير مناهج الدراسة على حياتهم، فيلتفت الأب المسكين حوله، وتنظر تلك الأم المدهوشة، كلٌّ يبحث عن أولاده – وخاصة الأبناء – فلا يجدون منهم أحداً، ومن وجدوه فليس هو كما يريد عقلاء الأهل وصالحوهم.
ثانياً:
ذلك الواقع المرير هو ما عاشه ويعيشه الأب السائل، وإننا لنشعر معك، ونتألم لألمك، وما حصل من الأبناء بعد ذلك إنما هو نتيجة تأثير تلك الدراسة، وتلك البيئة، والتي لا تهتم لجمع الأسرة تحت سقف واحد، ولا للم شملها تحت قيادة واحدة، وكلٌّ يسير وفق المنهج الذي يريد، بزعم الحرية، وقوانين تلك البلاد تؤيدهم، وتقويهم على من يخالفهم.
ثالثاً:
والواجب عليك وعلى أمهم:
١. التوبة والاستغفار مما حصل من تقصير وتفريط منكما تجاه أبنائكما، ولا تضع الحِمل والوزر على أمهم فقط، فأنت تتحمل المسئولية الأكبر.
٢. عدم اليأس من محاولات إرجاعهم، بالتي هي أحسن، وابذلا في ذلك كل ممكن، من بيان حقكما عليهم، إلى إرسال من يثقون بهم من الناس لنصحهم وإرشادهم، إلى غير ذلك من الوسائل المباحة لتحقيق تلك الغاية. ولتحتفظ ـ أيها الوالد الكريم ـ دائما بأكبر قدر ممكن من العلاقة السوية الأسرية بينكم، ولا تقطعا ـ أنت وزوجك ـ حبال التواصل معهم، وكونا ـ في تلك البلد ـ بجانبهم، ما دام هناك أمل في أن يعودوا معكما، ولو بعد فترة من الدراسة، ولا تتخلوا ـ أبدا ـ عن واجبكما تجاهم.
٣. الإلحاح على الله تعالى بالدعاء، وخاصة من الأم، أن يهدي الله تعالى أبناءكم، وأن يرجعهم سالمين في دينهم وسلوكهم، وعليكما اختيار الأوقات والأحوال الفاضلة للدعاء، كالدعاء في ثلث الليل الآخر، وفي السجود.
٠٤ الاستعانة على ذلك بتعويضه عما يفوته في هذه البلاد، ببذلك المغريات المادية منكما، لمن ينفع فيه ذلك، إن هو عاد إلى بلاده، وأكمل مسيرته، حيث يكون أكثر أمنا على دينه.
٠٥ تذكير أبنائكما بمخاطر العيش في تلك البلاد، بحقارة ما يمكن أن يحصلوا عليه من أمر الدنيا، في جنب ما يفوتهم من راحة البال، واجتماع الشمل، وصلاح أمر الدين، مع الاستعانة بأمثلة من الواقع، لأناس أضاعوا شبابهم وأعمارهم في تلك البلاد، ثم صاروا جزءا من تلك المجتمعات البائسة، بكل ما فيها من ضياع وشتات، ثم من أجل ماذا، من أجل الحصول على قليل من أمر العيش: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ) الروم /٦-٧
ونسأل الله أن يردَّ عليكم أبناءكم وهم على أحسن حال، عاجلاً غير آجل، ونسأله تعالى أن يصبِّركم على فراقهم، وأن يكتب لكم أجور ذلك كاملاً موفوراً.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6798
معنى تحديث النفس بالغزو والجمع بين الدعوة والجهاد
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا طالب جامعي أدرس هندسة الحاسب الآلى بإحدى الجامعات.إن شاء الله أتخرج العام المقبل.لله الحمد متزوج وأنتظر مولودا إن شاء الله
لله الحمد أحاول تعلم أمور ديني وأطبقها على منهج السلف الصالح وأعلم يقينا أنه الطريق الصحيح ولكن هناك موضوع استعصى عليَّ فهمه وهو الجهاد وبمشيئة الله تتضح لي الأمور بالمتعلقات الآتية:
١-واجبي تجاه المنظور الجهادى.
٢-معنى الحديث والذي رواه مسلم: مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ.
٣-كيف أعد نفسي للجهاد.
٤-كيف أربط بين العلم وتحصيله والدعوة والجهاد
أرجو تقديم الرد على ما قيل به]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قال الإمام مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه: بَاب ذَمِّ مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِالْغَزْوِ. ثم ساق حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ " صحيح مسلم ٣٥٣٣
قال النووي ﵀: المراد أن من فعل هذا فقد أشبه المنافقين المتخلفين عن الجهاد في هذا الوصف، فإن ترك الجهاد أحد شعب النفاق. وفي هذا الحديث: أن من نوى فعل عبادة فمات قبل فعلها لا يتوجه عليه من الذمّ ما يتوجه على من مات ولم ينوها.
وقال السندي في حاشيته على سنن النسائي: قوله (ولم يحدث نفسه) من التحديث قيل بأن يقول في نفسه يا ليتني كنت غازيا، أو المراد ولم ينو الجهاد وعلامته إعداد الآلات قال تعالى: " ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عُدّة ".
ويكون إعداد النَّفس للجهاد بأمور كثيرة منها: معرفة فضل الجهاد وأحكامه وإعداد النّفس بأنواع الطّاعات والعبادات وتربيتها على التّضحية ومراغمتها على الإيثار والبذل في سبيل الله وكذلك الاطلاع والقراءة في سير المجاهدين وأبطال الإسلام والمعارك الإسلامية وتحديث النّفس باستمرار أنّه لو قام قائم الجهاد ووُجد السبيل وحصلت الاستطاعة فلا بدّ من النّفير ومعرفة خطيئة المتولّي يوم الزّحف وإثم الفارّ أمام الكفّار ودراسة السيرة النبوية في المرحلة المكيّة والمدنية وغزوات النبي ﷺ وكيف تحرّك في ذلك الواقع وبأيّ شيء بدأ وكيف كان يستعدّ ويأخذ بالأسباب وفهم مسألة المرحلية في الجهاد والبدء بالعدو الأقرب حتى الانتقال إلى قتال المشركين كافّة، والحذر من حركات النّفاق مع القيام بأنواع الجهاد الأربعة جهاد النفس والشّيطان والكفّار والمنافقين وأهمية الجهاد بالمال مع الجهاد بالنفس، واعلم يا أخي أنّه لا يعسر الجمع بين الدّعوة والجهاد فكل منهما له وقته ومجاله بل كان المسلمون المجاهدون الفاتحون يقومون بالدعوة إلى الله قبل المعركة وإذا فتحوا البلد قاموا بدعوة أهلها وتعليمهم دين الإسلام وإذا لم يكن الوقت وقت جهاد وليست هناك معركة قائمة ولا ساحة مفتوحة فإن أبواب الدّعوة مفتوحة على مصاريعها في مجال دعوة الزوجة والأولاد والأهل الأقارب والجيران وعامة المسلمين وغير المسلمين بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، وفّقنا الله وإياك لما يحبّ ويرضى، وصلى الله على نبينا محمد.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 6799
أحاديث المهدي ونزول المسيح ﵇ ليست مدعاة لترك العمل
[السُّؤَالُ]
ـ[بعض الناس يفهم من أحاديث المهدي أو نزول المسيح عيسى ابن مريم ﵇، أنها مدعاة لترك العمل للإسلام، فيجلس منتظراً خروج المهدي، أو نزول المسيح حتى تعود العزة للإسلام والمسلمين، فما رأيكم في هذا الفهم؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إن هذه الحال المزرية التي وصلت إليها الأمة الإسلامية اليوم، حال يندى لها الجبين، وكل المسلمين مسئول عن إصلاح هذا الوضع، غير أن بعض المسلمين يعطل العمل، اكتفاءً بالأمل، ويهرب من إصلاح الواقع المرير للأمة بحجة أنه تسبب فيه من قبلنا، وسيصلحه من بعدنا!! ويتوقف عن السعي للتمكين لدين الله، بحجة أن المهدي هو الذي سيفعل.
إنه هروب إلى الأماني مع تعطيل الأسباب الشرعية، والله تعالى يقول: (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً) النساء/١٢٣.
إن هذه السلبية التي يعاني منها بعض المسلمين اليوم، لا يمكن للنصوص الشرعية أن تكون دالة عليها، وإنما هو سوء الفهم، والعجز والكسل، والهروب من تحمل المسئولية.
فإن الله تعالى أمر المسلمين بالعمل لهذا الدين، والدعوة إلى الله، ومجادلة الكفار ودعوتهم بالحكمة والموعظة الحسنة، وقتالهم حتى لا يكون شرك على الأرض، قال الله تعالى: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) الأنفال/٣٩.
قال ابن كثير ﵀:
أمر تعالى بقتال الكفار حتى لا تكون فتنة أي شرك ويكون الدين لله أي يكون دين الله هو الظاهر على سائر الأديان اهـ.
وهذا الأمر ليس خاصاًًّ بزمان دون زمان، بل المسلمون في كل زمان ومكان مأمورون بهذا.
ولا شك أن العمل للإسلام وتمكينه في الأرض يستلزم من المسلمين الاجتهاد والبذل والأخذ بالأسباب المؤدية إلى هذا.
وبعض الناس يسيء فهم هذه الأحاديث الواردة في خروج المهدي أو نزول المسيح عيسى ابن مريم ﵇ فيتواكل ويترك العمل ويجلس منتظراً لخروج المهدي أو نزول المسيح فيترك الدعوة إلى الله ... والعمل لإعلاء كلمة الله. وقد أمر الله تعالى ورسوله ﷺ بالأخذ بالأسباب والسعي في الأرض والعمل.
قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً) النساء/٧١
قال سبحانه: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ) الأنفال/٦٠. وقال : (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) الملك/١٥. وقال تعالى: (وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ) المطففين/٢٦. وقال سبحانه: (لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ) الصافات/٦١. وقال جل وعلا: (وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً) الإسراء/١٩. وقال تعالى: (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى) البقرة/١٩٧.
وأمر الله تعالى مريم أن تأخذ الأسباب، وهي في أشدّ ضعفها، فقال : (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً) مريم/٢٥.
وكان رسول الله ﷺ يعُدّ لكل أمر عدّته ويرسم له خطّته، كما حدث في رحلة الهجرة فقد أعدّ الرواحل والدليل واختار الرّفيق، وحدد مكان الاختفاء إلى أن يهدأ الطلب، وأحاط ذلك كله بسياج من الكتمان، وكذلك كانت سيرته في غزواته كلّها، وعليه ربّى أصحابه الكرام، فكانوا يلقون عدوّهم متحصنين بأنواع السلاح، ودخل رسول الله ﷺ مكّة والبيضة (الخوذة) على رأسه مع أن الله قال: (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) المائدة/٦٧. وكان إذا سافر في جهاد أو حجّ أو عمرة حمل الزاد والمزاد.
وقال ﷺ : " احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلا تَعْجَزْ " رواه مسلم (٢٦٦٤)
ولنا أن نتخيّل الحال التي كان يمكن أن يؤول إليها مصير الدعوة والأمة لو أن الأجيال السابقة أصغوا إلى نداءات الاستسلام حتى يخرج المهدي، هل كانوا سيهزمون التتار والصليبين ويفتحون القسطنطينية؟!
وهذا الفهم الخاطئ للنصوص الشرعية الواردة في شأن المهدي والمسيح ﵇ قد تصدى له كثير من العلماء والدعاة والكتاب.
قال الشيخ الألباني ﵀:
" لا يجوز للمسلمين أن يتركوا العمل للإسلام، وإقامة دولته على وجه الأرض انتظاراً منهم لخروج المهدي، ونزول عيسى ﵉، يأساً منهم أو توهماً أن ذلك غير ممكن قبلهما، فإن هذا توهّم باطل، ويأس عاطل، فإن الله تعالى أو رسوله ﷺ لم يخبرنا أن لا عودة للإسلام ولا سلطان له على وجه الأرض إلا في زمانهما، فمن الجائز أن يتحقق ذلك قبلهما إذا أخذ المسلمون بالأسباب الموجبة لذلك، لقوله تعالى: (إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) محمد/٧. وقوله: (وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ) الحج/٤٠. . . . إن أحاديث نزول عيسى ﵇ وغيرها، الواجب فيها الإيمان بها، وردّ ما توهّمه المتوهّمون منها من ترك العمل، والاستعداد الذي يجب القيام به في كل زمان ومكان.." اهـ.
وقال الأستاذ عبد العزيز مصطفى:
" جهاد الكفار أياً كانوا وأينما كانوا وفي أي زمان كانوا واجب بالشرع المحكم غير المنسوخ، وهذه حقيقة إسلامية ثابتة، وهذا الجهاد واجب بشروطه، وضوابطه وأحكامه، وليس من هذه الشروط أو
الضوابط أو الأحكام أن يؤخر الجهاد انتظاراً لتحول الغيب إلى شهادة، ما هكذا فهم المسلمون الأوائل، وما هكذا فعلوا، بل إنهم لما أُخبروا بأن الله تعالى سيكسر مُلك كسرى بسيوفهم ما قبعوا في البيوت ينتظرون تحقق الخبر، ووقوع الأمر بلا مقدمات يبذلونها، وجهود يقدمونها، لا، بل أعدوا للأمر عُدّته وأخذوا للشأن أهبته، حتى وقع النصر، وتطابق أمر الشرع مع أمر القدر ... أما بعض مسلمي اليوم فيقولون: لا.. إن جهاد اليهود لن يكون حتى يخرج الدجال. . ولعل هذا من جملة فِتن الدجال في هذه الدنيا.
وانطلى هذا الكلام السخيف على قطاعات من الشباب المسلم، فألقوا عن كواهلهم تحمل أية مسؤولية تجاه المسجد الأقصى الذي بارك الله حوله، تماماً كما انطلى على كثير منهم من قبل كلام أسخف منه، مؤداه أن الدولة الإسلامية والخلافة لن تقوم حتى يخرج المهدي!!
وعجباً لمروجي هذا الكلام ومردديه، كأنهم يقولون بلسان حالهم لليهود: اشتدوا في عدائكم.. وللنصارى استمروا في طغيانكم.. وللمسلمين استمروا في تشتتكم وتفرقكم وتنازعكم وغثائكم، حتى يخرج المهدي إليكم، ولا أدري: بأية حجج وأدلة يقعون في هذه الزلّة، متوهمين أن المهدي سيخرج إلى قوم قاعدين أو سينصره أناس خاملون" اهـ.
انظر كتاب المهدي وفقه أشراط الساعة للشيخ محمد بن إسماعيل ص (٧١٠-٧٢٢)
نسأل الله تعالى أن يرد المسلمين إلى دينهم رداًّ جميلاً.
والله تعالى أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6800
الجهاد الأكبر والأصغر
[السُّؤَالُ]
ـ[الجهاد الأكبر, أهو مجاهدة النفس, أم الجهاد الفعلي في ساحة القتال؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الحديث الذي ورد عن النبي ﷺ أنه قال لأصحابه لما رجعوا من الغزو: (رجعنا من الجهاد الأصغر، إلى الجهاد الأكبر) ، قالوا: وهل هناك جهاد أعظم من جهاد الكفار؟ قال: (نعم. جهاد النفس) .
وهذا الحديث لا يصح عن النبي ﷺ .
ولا ريب أن جهاد النَّفس سابقٌ على جهاد الكفار، وذلك لأنّ الإنْسَان لا يجاهد الكفار، إلا بعد مجاهدة نفسه، لأن القتال مكروه إلى النفس، قال تعالى: (كُتِبَ عليكم القِتَالُ وهو كُرْهٌ لَكُمْ وعَسَى أن تكرهوا شيئا وهو خيرٌ لكم وعسى أنْ تحبوا شيئا وهو شرٌ لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون) البقرة/٢١٦، فالمهم أن جهاد الأعداء لا يتم إلا بعد جهاد النفس عليه، وتَحْمِيلها هذا الأمر. حتى تَنْقَادَ وتَطْمَئِنّ.
فتاوى منار الإسلام للشيخ ابن عثيمين ﵀ ٢/٤٢١.
قال ابن القيم: " فالجهاد أربع مراتِب: جهاد النفس، وجهاد الشياطين، وجهاد الكفار، وجهاد المنافقين.
وجهاد النفس بأن يُجَاهِدَهَا على تَعَلُّمِ الهُدَى، والعَمَلِ به بَعْدَ عِلْمِهِ، والدعوة إليه، والصبر على مَشَاقّ الدّعوة إلى الله، وجهاد الشيطان: جهاده على دفع ما يُلْقِي إلى العبد من الشُبُهَاتِ والشّهَوَات، والشكُوكِ القَادِحة في الإيمان، وجهاده على ما يُلْقِي إليه من الإرادات الفاسدة والشهوات، وجهاد الكفار والمنافقين بالقلب واللسان والمال والنفس، وجهاد الكفار أخَصُّ باليَدِ وجهاد المنافقين أخَصُّ باللِّسان ... قال: وأكْمَلُ الخَلْقِ من كَمَّلَ مراتِبَ الجِهَاد كلّها، والخَلْقُ مُتَفَاوِتُونَ في منازِلِهِمْ عند الله، تفاوتهم في مراتب الجهاد ... " ا. هـ. زاد المعاد ٣/٩-١٢،
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 6801
يستطيع أن يقيم دينه في دول الكفر أكثر من بلاده، فهل تلزمه الهجرة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أعيش في إحدى الدول الغربية، وأستطيع بحمد الله أداء شعائر ديني دون مضايقة، وقد اطلعت في موقعكم على بعض الأحاديث النبوية التي تمنع الإقامة في بلاد الكفر والسكن بين الكفار، وأصبحت الآن في حيرة هل أرجع إلى بلدي أم أبقى في هذه البلاد، علماً بأني إذا رجعت إلى بلدي تعرضت لمضايقات وأذى بسبب التزامي بأحكام الله، ولن أستطيع أن أجد من الحرية في عبادتي ما أجده في البلد الذي أقيم فيه.
فأرجو منكم الإجابة على سؤالي وبيان حكم إقامتي في هذا البلد، لاسيما أن بلاد المسلمين أصبحت لا تختلف كثيراً عن غيرها من ناحية الالتزام بشعائر الإسلام.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الأصل أنه لا يجوز للمسلم أن يقيم بين المشركين، وعلى هذا دلت الأدلة من الكتاب والسنة والنظر الصحيح.
أما الكتاب؛ فقد قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً) النساء / ٩٧.
وأما السنة؛ فقد قال النبي ﷺ : (أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ) . رواه أبو داود (٢٦٤٥) . وصححه الألباني في صحيح أبي داود.
وأما النظر الصحيح؛ فإن المسلم المقيم بين المشركين لا يستطيع أن يقيم كثيراً من شعائر الإسلام وعباداته الظاهرة، مع ما في ذلك من تعريضه نفسَه للفتن، لما في تلك البلاد من الإباحية الظاهرة التي تحميها قوانينهم، وليس للمسلم أن يعرض نفسه للفتن والابتلاءات.
هذا إذا نظرنا إلى أدلة الكتاب والسنة نظرةً مجردةً عن واقع الدول الإسلامية ودول الكفر. وأما إذا نظرنا إلى واقع الدول الإسلامية فإننا لا نوافق السائل على قوله (وخصوصا أن بلاد المسلمين أصبحت لا تختلف كثيراً عن غيرها من ناحية الالتزام بشرائع الإسلام) فهذا التعميم غير صحيح، فليست الدول الإسلامية على درجة واحدة من البعد أو القرب من الالتزام بشرائع الإسلام، بل هي متفاوتة في ذلك، بل البلد الواحد يتفاوت باختلاف مناطقه ومدنه.
ثم دول الكفر أيضاً ليست على درجة واحدة من الإباحية والتحلل الخلقي، بل هي متفاوتة في ذلك أيضاً.
فنظراً لهذا التفاوت بين الدول الإسلامية بعضها البعض، وبين دول الكفر بعضها البعض.
ونظراً لأن المسلم لا يستطيع أن يذهب إلى أي دولة إسلامية ويقيم بها - لوجود قوانين التأشيرات والإقامة الصارمة وما أشبه ذلك -.
ونظراً لأن المسلم قد لا يتمكن من إقامة دينه في بعض الدول الإسلامية، في حين أنه قد يتمكن من ذلك أو من بعضه على الأقل في بعض دول الكفر.
فلكل ما سبق لا يمكن الآن أن يصدر حكم عام يعم جميع البلاد وجميع الأشخاص، بل يقال: لكل مسلم حالته الخاصة به، وحكمه الخاص به، وكل امرئ حسيب نفسه، فإن كانت إقامته لدينه في الدول الإسلامية التي يمكنه أن يسكن بها أكثر من إقامته لدينه في بلاد الكفر لم يجز له الإقامة في دول الكفر، وإن كان الأمر بالعكس جازت إقامته في دول الكفر بشرط أن يأمن على نفسه من الشهوات والفتن التي بها بأن يحصن نفسه منها بالوسائل المشروعة.
وهذه أقوال لأهل العلم تؤيد ما سبق:
سئل الشيخ ابن عثيمين ﵀ عن هذه المسألة فقال: إن هذه المسألة من أشكل المسائل الآن نظراً لاختلاف البلدان كما سبق بيانه، ولأن بعض المسلمين المقيمين في دول الكفر إذا رجعوا إلى بلدهم اضطهدوا وعذبوا وفتنوا عن دينهم في حين أنهم يأمنون من ذلك في دول الكفر، ثم إذا قلنا: لهم يحرم عليكم الإقامة بين الكفار. فأين الدولة الإسلامية التي تستقبلهم وتسمح لهم بالإقامة فيها؟! هذا معنى كلامه ﵀.
قال زكريا الأنصاري الشافعي في كتابه "أسنى المطالب" (٤/٢٠٧) :
تَجِبُ الْهِجْرَةُ مِنْ دَارِ الْكُفْرِ إلَى دَارِ الإِسْلامِ عَلَى مُسْتَطِيعٍ لَهَا إنْ عَجَزَ عَنْ إظْهَارِ دِينِهِ اهـ.
وقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ المالكي: الْهِجْرَةُ هِيَ الْخُرُوجُ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ إلَى دَارِ الإِسْلامِ , وَكَانَتْ فَرْضًا فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَاسْتَمَرَّتْ بَعْدَهُ لِمَنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ اهـ. من "نيل الأوطار" (٨/٣٣) للشوكاني.
وقال الحافظ ابن حجر عن قوله ﷺ : (أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ) قال:
وَهَذَا مَحْمُول عَلَى مَنْ لَمْ يَأْمَن عَلَى دِينه اهـ. "فتح الباري" شرح حديث رقم (٢٨٢٥) .
وفي "الموسوعة الفقهية" (٢٠/٢٠٦) :
دَارُ الْحَرْبِ: هِيَ كُلُّ بُقْعَةٍ تَكُونُ أَحْكَامُ الْكُفْرِ فِيهَا ظَاهِرَةً. (من) الأَحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِدَارِ الْحَرْبِ: الْهِجْرَةُ. قَسَّمَ الْفُقَهَاءُ النَّاسَ فِي شَأْنِ الْهِجْرَةِ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ إلَى ثَلاثَةِ أَضْرُبٍ:
أ - مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْهِجْرَةُ , وَهُوَ مَنْ يَقْدِرُ عَلَيْهَا , وَلا يُمْكِنُهُ إظْهَارُ دِينِهِ مَعَ الْمُقَامِ فِي دَارِ الْحَرْبِ , وَإِنْ كَانَتْ أُنْثَى لا تَجِدُ مَحْرَمًا , إنْ كَانَتْ تَأْمَنُ عَلَى نَفْسِهَا فِي الطَّرِيقِ , أَوْ كَانَ خَوْفُ الطَّرِيقِ أَقَلَّ مِنْ خَوْفِ الْمُقَامِ فِي دَارِ الْحَرْبِ. . .
ب - مَنْ لا هِجْرَةَ عَلَيْهِ: وَهُوَ مَنْ يَعْجِزُ عَنْهَا , إمَّا لِمَرَضٍ , أَوْ إكْرَاهٍ عَلَى الإِقَامَةِ فِي دَارِ الْكُفْرِ , أَوْ ضَعْفٍ كَالنِّسَاءِ , وَالْوِلْدَانِ. لقوله تعالى: (إلا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلا) .
ج - مَنْ تُسْتَحَبُّ لَهُ الْهِجْرَةُ , وَلا تَجِبُ عَلَيْهِ , وَهُوَ: مَنْ يَقْدِرُ عَلَى الْهِجْرَةِ وَيَتَمَكَّنُ مِنْ إظْهَارِ دِينِهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ , فَهَذَا يُسْتَحَبُّ لَهُ الْهِجْرَةُ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ الْجِهَادِ , وَتَكْثِيرِ الْمُسْلِمِينَ اهـ. باختصار
وفي فتاوى اللجنة الدائمة ١٢/٥٠:
وتكون الهجرة أيضاً من بلاد شرك إلى بلاد شرك أخف شراً، وأقل خطراً على المسلم، كما هاجر بعض المسلمين من مكة بأمر النبي ﷺ إلى بلاد الحبشة. أ. هـ
نسأل الله تعالى أن يصلح أحوال المسلمين.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6802
هل يرجع للإقامة في بلاد الكفر ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[نصحني كثير من أهل العلم بعدم السكن في بلاد الكفار (أمريكا) ، أنا عربي أمريكي عشت طوال عمري في أمريكا وأعمل الآن في إحدى الدول الإسلامية، الأمور أصبحت صعبة بالنسبة لي لكي أستمر هنا - (قلة الدخل والسكن) -، وأفكر بالعودة لأمريكا، وسبب رئيسي آخر للعودة هو العناية الصحية المجانية لزوجتي المريضة.
أرجو أن تعطيني جواباً مفصلاً بالدليل من القرآن والسنة، هل أعاني وأبقى في هذا البلد أم أرجع لأمريكا؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الأصل هو حرمة الإقامة بين أظهر المشركين وفي ديارهم، ومن يسَّر الله له الخروج من تلك الديار إلى بلاد الإسلام: فلا ينبغي له أن يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير إلا لعذرٍ قاهر يجيز له الرجوع.
ونحن ننصحك بما نصحك به الآخرون بعدم السكن في بلاد الكفر، إلا أن تكون مضطراً إلى سكن مؤقت كعلاج لا يتيسر لك في بلاد المسلمين.
واعلم أن من ترك شيئا لله عوَّضه الله خيراً منه، وأن مع العسر يسراً، وأنه من يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب، واعلم أن الحفاظ على رأس المال خير من المخاطرة في الربح، ورأس مال المسلم هو دينه، فلا يفرِّط فيه لأجل دنيا زائلة.
وللشيخ ابن عثيمين – ﵀ – فتوى مفصَّلة في حكم الإقامة في بلاد الكفر، نذكر منها – الآن – ما يتيسر.
قال الشيخ ابن عثيمين:
الإقامة في بلاد الكفار خطر عظيم على دين المسلم، وأخلاقه، وسلوكه، وآدابه، وقد شاهدنا وغيرنا انحراف كثير ممن أقاموا هناك فرجعوا بغير ما ذهبوا به، رجعوا فُسّاقًا، وبعضهم رجع مرتدًا عن دينه وكافرًا به وبسائر الأديان - والعياذ بالله - حتى صاروا إلى الجحود المطلق والاستهزاء بالدين وأهله السابقين منهم واللاحقين، ولهذا كان ينبغي بل يتعين التحفظ من ذلك ووضع الشروط التي تمنع من الهويّ في تلك المهالك.
فالإقامة في بلاد الكفر لابد فيها من شرطين أساسين:
الشرط الأول: أمن المقيم على دينه بحيث يكون عنده من العلم والإيمان، وقوة العزيمة ما يطمئنه على الثبات على دينه والحذر من الانحراف والزيغ وأن يكون مضمراً العداوة للكافرين وبغضهم مبتعدًا عن موالاتهم ومحبتهم، فإن موالاتهم ومحبتهم مما ينافي الإيمان قال الله تعالى: ﴿لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يُوادّون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم﴾ المجادلة / ٢٢.
وقال - تعالى -: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين. فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمرٍ من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين﴾ المائدة / ٥١، ٥٢.
وثبت في الصحيح عن النبي ﷺ : " أن من أحب قومًا فهو منهم "، وأن " المرء مع من أحب ".
ومحبة أعداء الله عن أعظم ما يكون خطرًا على المسلم لأن محبتهم تستلزم موافقتهم واتباعهم، أو على الأقل عدم الإنكار عليهم ولذلك قال النبي ﷺ : " من أحب قومًا فهو منهم ".
الشرط الثاني: أن يتمكن من إظهار دينه بحيث يقوم بشعائر الإسلام بدون ممانع، فلا يمنع من إقامة الصلاة والجمعة والجماعات إن كان معه من يصلي جماعة ومن يقيم الجمعة، ولا يمنع من الزكاة والصيام والحج وغيرها من شعائر الدين، فإن كان لا يتمكن من ذلك لم تجز الإقامة لوجوب الهجرة حينئذ،....
وقال الشيخ ابن عثيمين – في بيان أقسام الناس من حيث الإقامة هناك -:
القسم الرابع: أن يقيم لحاجة خاصة مباحة كالتجارة والعلاج فتباح الإقامة بقدر الحاجة، وقد نص أهل العلم ﵏ على جواز دخول بلاد الكفار للتجارة وأثروا ذلك عن بعض الصحابة ﵃.
وقال الشيخ – في آخر الفتوى -:
وكيف تطيب نفس مؤمن أن يسكن في بلاد كفار تعلن فيها شعائر الكفر ويكون الحكم فيها لغير الله ورسوله وهو يشاهد ذلك بعينه ويسمعه بأذنيه ويرضى به، بل ينتسب إلى تلك البلاد ويسكن فيها بأهله وأولاده ويطمئن إليها كما يطمئن إلى بلاد المسلمين مع ما في ذلك من الخطر العظيم عليه وعلى أهله وأولاده في دينهم وأخلاقهم.
" مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين " (فتوى رقم ٣٨٨) .
وانظر جواب السؤال رقم (١٤٢٣٥) و (٣٢٢٥) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6803
هل منع الأذان بالمكبّر يعتبر عدم إقامة للشعيرة
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يعتبر منع المسليمن من إعلان أذانهم بالمكبرات داخلا في عدم القدرة على إظهار شعائر الدين الذي يلزم منه وجوب الهجرة وعدم الإقامة بتلك البلد؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
عرضنا هذا السؤال على فضيلة الشيخ عبد الله بن جبرين فأجاب حفظه الله:
لا يعتبر ذلك داخلا فيه لأن المكبرات أمر جديد، فيؤذنون بأصواتهم المجردة ويقيمون شعيرتهم. والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ عبد الله بن جبرين
стр. 6804
هل تجاهد المرأة
[السُّؤَالُ]
ـ[هل جهاد المرأة غير واجب؛ سواءٌ أكان جهاد الدعوة أو جهاد الكفار؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ليس جهاد الكفار بالقتال واجبا على المرأة، ولكن عليها جهاد بالدعوة إلى الحق، وبيان التشريع، في حدود لا تنتهك فيها حرمتها، مع لبس ما يستر عورتها، وعدم الاختلاط بالرجال غير المحارم، وعدم الخضوع بالقول والخلوة بالأجانب، قال الله تعالى في نساء رسول الله ﷺ : " واذكرن ما يتلى في بيوتكن من ءايات الله والحكمة " الأحزاب/٣٤ وثبت عن عائشة ﵂ قالت: قلت يا رسول الله هل على النساء من جهاد؟ قال: " نعم، عليهن جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة " أخرجه أحمد ٦/٦٨ وابن ماجه ٢/٩٦٨.
وثبت عنها أيضا أنها قالت: يا رسول الله نرى الجهاد أفضل العمل، أفلا نجاهد؟ قال: " لكن أفضل الجهاد حج مبرور " أخرجه أحمد ٦/٦٧ والبخاري ٢/١٤١.
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
[الْمَصْدَرُ]
فتاوى اللجنة الدائمة ١٢/٣٤.
стр. 6805
ما هو مِلك اليمين؟ وهل يشترط لمالك اليمين أن يكون متزوجاً ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هو " ملك اليمين "؟ وهل يجب أن يكون الشخص متزوجاً كي يحصل على واحدة منهن؟ وكيف لك أن تنهي الأمر وتحصل على واحدة، وتنص على أنها من ملك يمينك؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
إذا أقدر الله تعالى المجاهدين المسلمين على الكفار المحاربين: فإن رجالهم يكون أمرهم بين القتل أو الفداء أو العفو عنهم أو استرقاقهم وجعلهم عبيداً، ويكون الأمر راجعاً في اختيار واحدة من هذه الأربع إلى الإمام حسب ما يراه من المصلحة في ذلك.
وأما النساء فإنهن يصرنَ إماء وملك يمين، والأطفال الذكور يصيرون عبيداً، ويقسِّم القائد والإمام هؤلاء بين المحاربين المجاهدين.
قال الشيخ الشنقيطي ﵀: وسبب الملك بالرق: هو الكفر، ومحاربة الله ورسوله، فإذا أقدر اللهُ المسلمينَ المجاهدين الباذلين مُهَجهم وأموالهم وجميع قواهم وما أعطاهم الله لتكون كلمة الله هي العليا على الكفار: جعلهم ملكاً لهم بالسبي إلا إذا اختار الإمام المنَّ أو الفداء لما في ذلك من المصلحة للمسلمين.
" أضواء البيان " (٣ / ٣٨٧) .
فقد حصر الإسلام مصادر الرق التي كانت قبل الرسالة المحمدية في مصدر واحد وهو: رق الحرب الذي يفرض على الأسرى من الكفار.
وقد أكرمهن الإسلام في رقهن عما كنَّ يلقينه في غير بلاد الإسلام، فلم تعد أعراضهن نهباً مباحاً لكل طالب على طريقة البغاء، وكان هذا هو مصير أسيرات الحروب في أغلب الأحيان، وإنما جعلهن ملكاً لصاحبهن وحده، وحرَّم أن يشترك معه أحد في جماعها حتى لو كان ابنه، وجعل من حقهن نيل الحرية بالمكاتبة، ورغَّب في عتقها ووعد بالثواب على ذلك، وجعل عتقها واجباً شرعياً في بعض الكفارات ككفارة القتل الخطأ والظِهار واليمين، وكن يلقين أحسن المعاملة من أسيادهن كما أوصاهم بذلك الشرع المطهر.
ثانياً:
ولا يجب أن يكون المجاهد متزوجاً حتى يحصل على ملك اليمين، ولم يقل أحدٌ من أهل العلم بهذا.
ثالثاً:
إذا تملك المجاهد أمة أو عبداً فإنه يجوز له أن يبيعهما، وفي كلا الحالتين – التملُّك من المعركة أو من البيع – لا يجوز للرجل أن يعاشر الأمَة إلا بعد أن تحيض حيضة يُعلم بها براءة رحمها من الحمل، فإن كانت حاملاً: فعليه أن ينتظر حتى تضع حملها.
عن رويفع بن ثابت الأنصاري قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول يوم حنين قال: " لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقي ماءه زرع غيره - يعني: إتيان الحبالى -، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقع على امرأة من السبي حتى يستبرئها، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيع مغنما حتى يقسم ".
رواه أبو داود (٢١٥٨) ، وحسَّنه الشيخ الألباني في " صحيح أبي داود " (١٨٩٠) .
ولأسباب متعددة منها: ترك المسلمين الجهاد من أزمات متطاولة، وصار وجود الرقيق الآن نادراً جداً، مما يوجب على المسلم الإحتياط ومزيد التثبت من إثبات الرق لأحد رجلاً كان أم امرأةً.
وللمزيد يراجع السؤال رقم (٢٦٠٦٧)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6806
الإقامة في بلد لا يستطيع إظهار دينه فيه
[السُّؤَالُ]
ـ[ماذا يجب على المسلم الملتزم الذي يعيش في البلدان غير الإسلامية التي تفرض عليه حلق اللحية وعدم الصلاة والمجاهرة بالمعاصي؟ وهل تركه لأهله وماله يعتبر هجرة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الواجب على المسلم أن يحذر الإقامة في بلد يدعوه إلى ما حرم الله، أو يلزمه بذلك؛ من ترك الصلاة، أو حلق اللحى، أو إتيان الفواحش مثل الزنا والخمور، فيجب عليه ترك هذه البلاد؛ لأنها بلاد سوء فلا يجوز الإقامة فيها أبداً، بل يجب أن يهاجر منها، وإن خالف وعصى والديه؛ لأن طاعة الله مقدمة، وطاعة الوالدين إنما تكون في المعروف؛ لقول النبي ﷺ : (إنما الطاعة في المعروف) و (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) ، فكل بلد لا يستطيع إظهار دينه فيه، أو يجبر على المعاصي فيه يجب أن يهاجر منه.
[الْمَصْدَرُ]
كتاب مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لسماحة الشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀. م/٨ ص / ٢٧٨
стр. 6807
الحكمة من الجهاد
[السُّؤَالُ]
ـ[هل معنى الجهاد ببساطة هو قتل غير المسلمين؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الجهاد لغة: بذل الإنسان جهده وطاقته.
اصطلاحا: بذل المسلم جهده لإعلاء لكلمة الله تعالى والتمكين لدينه في الأرض.
وليس المقصود من الجهاد في الإسلام قتل غير المسلمين، وإنما المقصود هو إقامة دين الله في الأرض، وتحكيم شرعه وإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، قال الله تعالى: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله) الأنفال/٣٩.
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي في تفسير هذه الآية:
ذكر تعالى المقصود من القتال في سبيله، وأنه ليس المقصود به سفك دماء الكفار وأخذ أموالهم، ولكن المقصود به أن يكون الدين لله تعالى، فيظهر دين الله على سائر الأديان، ويدفع كل ما يعارضه من الشرك وغيره، وهو المراد بالفتنة، فإذا حصل المقصود فلا قتل ولا قتال.
" تفسير ابن سعدي " (ص ٩٨) .
والكفار الذين نجاهدهم هم أنفسهم مستفيدون من الجهاد، فإننا نجاهدهم ونقاتلهم حتى يدخلوا في دين الله المقبول عنده، وذلك سبب نجاتهم في الدنيا والآخرة، قال الله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) آل عمران/١١٠.
روى البخاري (٤٥٥٧) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) قَالَ: خَيْرَ النَّاسِ لِلنَّاسِ، تَأْتُونَ بِهِمْ فِي السَّلاسِلِ فِي أَعْنَاقِهِمْ حَتَّى يَدْخُلُوا فِي الإِسْلامِ.
قَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ: مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ أُسِرُوا وَقُيِّدُوا , فَلَمَّا عَرَفُوا صِحَّة الإِسْلام دَخَلُوا طَوْعًا فَدَخَلُوا الْجَنَّة اهـ.
وفي جواب السؤال رقم (٢٠٢١٤) ذكرنا مراتب الجهاد وهي أربع مراتب: جهاد النفس، وجهاد الشيطان، وجهاد الكفار، وجهاد المنافقين.
وفي جواب السؤال رقم (٣٤٦٤٧) بيان الحكمة من الجهاد فلينظر فهو مهم، وهو المطلوب معرفته في السؤال.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6808
تعمل في دار للعجزة وتطبخ الخنزير وتقدم الخمر
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا أسكن في بلاد الغربة، وبما أنني أدرس بالنهار بحثت عن عمل بالليل للضرورة؛ لأنَّ والدي لا يستطيع دفع تكاليف المدرسة، فأنا المرأة المسلمة الوحيدة التي تعمل هناك في مطبخ لدار العجزة، وعملي يحتم عليَّ طبخ لحم الخنزير، وصب الخمر في الكؤوس، وغير ذلك، فما حكم الشرع في ذلك؟ للعلم بحثت عن عمل في مكان آخر، ولم يتقبلوني؛ لأنني أرتدي الحجاب.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
شرعَ الله تعالى في الإسلام أحكاماً غاية في الحكمة، وجاءت الأحكام لتُصلح حال الفرد والمجتمع، ومن خالف هذه الأحكام فإنه يُعرض نفسه لعقوبة الآخرة، وقد يُعاقب في الدنيا قبل ذلك.
ولسنا في صدد تفصيل عظيم حكَم الله تعالى في تشريعاته، إلا أننا اضطررنا لهذه التقدمة بسبب سؤال أختٍ مسلمة تبحث عن حكم دراستها أو عملها، وهي تعيش بين الكفار، وفي بلادهم، ويضايقونها بسبب التزامها بدينها، فأي نفسية تعيش به تلك المسلمة وغيرها كثير من مثيلاتها؟! ومتى سينتبه الآباء والأمهات فيستيقظون من غفلتهم، ويتركون تلك الديار التي أضاعت على كثيرين دينهم وشخصيتهم، وها هم العقلاء يعضون أصابع الندم على اهتمامهم بالمال على حساب دينهم وأعراضهم.
ثانياً:
الإقامة في ديار الكفر محرَّمة على من يعجز عن إظهار دينه، أو يخشى أن يفتن في دينه.
وانظري أجوبة الأسئلة: (٢٧٢١١) و (١٤٢٣٥) و (٣٢٢٥) .
ثالثاً:
دراستك في تلك البلاد لا شك أنها مختلطة، ولا شك أنكِ ترين من المعاصي والفجور في تلك الأماكن ما يؤلم قلب المسلم العفيف، فلو كانت الدراسة في بلاد الإسلام مختلطة ما جازت، فكيف ستكون جائزة في ديار الكفر؟
قال علماء اللجنة الدائمة للإفتاء:
"دراسة المرأة للعلوم الشرعية وغيرها مما تحتاج إليه المرأة أو يعينها على معرفة أمور دينها مشروعة، إذا لم يترتب عليها محذور شرعي، أما إذا ترتب عليها محذور شرعي: كالاختلاط بالرجال غير المحارم، وعدم الحجاب: فإنها لا تجوز؛ لأن هذه أمور محرمة؛ ولأن ذلك يؤدي إلى الفساد" انتهى.
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (١٢ / ١٧٠، ١٧١) .
وقالوا – أيضاً -:
"الاختلاط بين الرجال والنساء في المدارس أو غيرها: من المنكرات العظيمة، والمفاسد الكبيرة في الدين والدنيا، فلا يجوز للمرأة أن تَدرس أو تعمل في مكان مختلط بالرجال والنساء، ولا يجوز لوليها أن يأذن لها بذلك" انتهى.
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (١٢ / ١٥٦) .
رابعاً:
عملك في دار العجزة أيضاً محرَّم؛ لكونه مختلطاً بالرجال؛ ولكونه يشتمل على صنع الطعام من لحم الخنزير الذي نصَّ الله تعالى على حرمته، وكذا السنَّة النبوية، وإجماع المسلمين؛ ولكونه يشتمل على تقديم الخمر التي جاء تحريمها في الكتاب والسنَّة والإجماع.
قال علماء اللجنة الدائمة:
"لا يجوز للمرأة أن تشتغل مع رجال ليسوا محارم لها؛ لما يترتب على وجودها معهم من المفاسد، وعليها أن تطلب الرزق من طرق لا محذور فيها، ومن يتق الله يجعل له من أمره يسراً، وقد صدر من اللجنة فتوى في ذلك، هذا نصها:
أما حكم اختلاط النساء بالرجال في المصانع، أو في المكاتب، بالدول غير الإسلامية: فهو غير جائز، ولكن عندهم ما هو أبلغ منه، وهو الكفر بالله جل وعلا، فلا يستغرب أن يقع بينهم مثل هذا المنكر، وأما اختلاط النساء بالرجال في البلاد الإسلامية وهم مسلمون: فحرام، وواجب على مسئولي الجهة التي يوجد فيها هذا الاختلاط أن يعملوا على جعل النساء على حدة والرجال على حدة؛ لما في الاختلاط من المفاسد الأخلاقية التي لا تخفى على من له أدنى بصيرة" انتهى.
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (١٧ / ٢٣٢، ٢٣٣) .
وللوقوف على زيادة فائدة حول حكم عمل المرأة، وشروط جوازه: انظري جواب السؤال رقم (٢٢٣٩٧) .
وفي جواب السؤال رقم (٦٦٦٦) وصايا مهمة فيما يتعلق بعمل المرأة المختلط.
وانظري جواب السؤال رقم (٢٦٧٨٨) فهو شبيه سؤالك.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6809
هل ننصحه بالسفر لبلاد الكفر ليتقوَّى ماديّاً ويرجع لبلده المسلم ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا أقيم في بلد عربي، والحالة المعيشية لنا لا تمكننا من بناء أسرة في ظل الفساد الخلقي الحاصل عندنا، إذ إنه من شبه المستحيلات أن نوفر مسكناً للزواج، والاستقرار في وقت كثر فيه الفحش، والعري، والإباحيات، وغلاء الأسعار، والكثير من الشباب يهاجر إلى أوروبا أو أمريكا لمواصلة الدراسات العليا، والعمل، والزواج، لتحسين ظروفنا المعيشية، والعودة بعد تكوين أنفسنا ماديّاً، ودراسيّاً للاستقرار في بلداننا، أو في البلدان العربية. هل يعتبر هذا من عدم التوكل على الله؟ أم أنه من باب الأخذ بالأسباب؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
يجب على المسلم أن يعتقد اعتقاداً جازماً أن الله تعالى قد قدَّر عليه رزقه في الأزل، وأنه تعالى أمر ملائكته أن يكتبوا رزقه وهو في بطن أمه، وعليه أن يعتقد أنه لن تموت نفسٌ حتى تستوفي رزقها الذي قدَّره الله لها، كما تستوفي أجلها الذي كتبه الله لها، وبذلك جاءت النصوص النبوية الواضحة، وسيأتي ذِكرها بعد قليل.
ثانياً:
ننبه في هذا السياق إلى أمور غاية في الأهمية، منها:
١. ما قلناه آنفاً لا ينافي الأخذ بالأسباب في تحصيل الرزق، والمسلم مأمور ببذل الأسباب التي تأتي له بالمال، لكن لا ينبغي له الاتكال على هذه الأسباب وجعلها مسبِّبات للرزق! .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
"فالالتفات إلى الأسباب: شرك في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسباباً: نقصٌ في العقل، والإعراض عن الأسباب المأمور بها: قدحٌ في الشرع، فعلى العبد أن يكون قلبُه معتمداً على الله، لا على سبب من الأسباب، والله ييسر له من الأسباب ما يصلحه في الدنيا والآخرة، فإن كانت الأسباب مقدورة له، وهو مأمور بها: فعَلَها مع التوكل على الله، كما يؤدي الفرائض، وكما يجاهد العدو، ويحمل السلاح، ويلبس جنَّة الحرب (الدرع) ، ولا يكتفي في دفع العدو على مجرد توكله بدون أن يفعل ما أمر به من الجهاد، ومَنْ تَرَكَ الأسباب المأمور بها: فهو عاجز، مفرِّط، مذموم" انتهى.
" مجموع الفتاوى " (٨ / ٥٢٨، ٥٢٩) .
٢. لا يجوز للمسلم سلوك الطرق المحرَّمة في تحصيل المال.
٣. لا ينبغي للمسلم أن يعيش مع همِّ الرزق، وهمِّ تأمين المستقبل لأولاده – كما يقول كثيرون -، وينذر حياته من أجل هذا الأمر، ومثل هذا الأمر فيه مفسدتان:
أ. أنه يدل على خلل في اعتقاده بأن رزقه مكتوب لا ريب فيه.
ب. أنه قد يجعله يرتكب المحرَّمات من أجل تحصيل المال، كأن يأخذ المال بالربا، أو يعمل في أماكن لا يحل له العمل بها، أو يسافر إلى بلاد الكفر لأجل تحصيل المال.
وقد سئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء:
هل يعتبر قول المرأة العاملة أو اعتقادها: (أنها تعمل من أجل أن تؤمِّن مستقبلها، ومستقبل أبنائها فيما لو طلقت أو توفي زوجها، فهي لا تدري ما تأتي به الأيام من أمور) : هل يعتبر هذا من القدح في عقيدة القضاء والقدر لدى المسلم؟ .
فأجابوا:
"المسلم يؤمن بقضاء الله وقدره، وأن الله كتب رزقه عند نفخ الروح فيه وهو في بطن أمه، وأن رزقه آتيه لا محالة؛ لما ثبت عن عبد الله بن مسعود قال: حدثنا رسول الله ﷺ : (إن أحدكم يُجمع خلقه في بطن أمه - إلى قوله -: ثم يبعث الله ملكا بأربع كلمات، فيكتُب عملَه وأجلَه ورزقَه وشقي أو سعيد) الحديث – متفق عليه -؛ ولما رواه جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (أيها الناس اتقوا الله، وأجملوا في الطلب، فإن نفساً لن تموت حتى تستوفي رزقها، وإن أبطأ عنها، فاتقوا الله، وأجملوا في الطلب، خذوا ما حل ودعوا ما حرم) رواه ابن ماجه في " سننه " (ج ٢ ص ٧٢٥) ، ورواه ابن حبان في " صحيحه ".
واعتقاد ذلك والإيمان به لا ينافي أن يسعى الإنسان في طلب الرزق، وبذل الأسباب المشروعة في ذلك، مع عدم الاعتماد عليها، والاعتقاد بأن الرازق، والنافع، والضار: هو الله وحده سبحانه.
وما يجري على ألسن بعض الناس من قوله: " أؤمِّن مستقبلي، أو مستقبل أولادي ": فهذه الألفاظ التي يستعملها من يغلو في الاعتماد على النفس والمناصب والماديات وحدها.
فينبغي للمسلم أن يبتعد عن مثل هذه الألفاظ، التي تقدح في كمال توكله على الله، وفي كمال رجائه لله، وخوفه منه، وأن يلجأ إلى الله سبحانه ويتضرع بين يديه في الشدة والرخاء، مع الأخذ بالأسباب المشروعة، كما أمر الله ورسوله ﷺ " انتهى.
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد.
" فتاوى اللجنة الدائمة " ٢ (٢ / ٥٠٥ – ٥٠٧) .
ثالثاً:
السفر إلى بلاد الكفر محرَّم إلا لضرورة علاج، أو تجارة، أو دعوة، لما يؤدي إليه من مفاسد دينيَّة وأخلاقيَّة لا تخفى على أحد.
والذي يعيش في تلك الديار قد يحصِّل مالاً، لكن ذلك – في غالب الأحيان – سيكون على حساب شيء كثير من دينه وسلوكه، وإن نجا هو من ذلك فلن تنجو أسرته من بنين وبنات بسهولة، فهو يخاطر ويغامر، ولكن للأسف يخاطر ويغامر بدينه، وقلَّ من يسلم.
وبما أن الله تعالى جعل لكم باب رزق في بلاد عربية مسلمة: فأنتم في غنى عن ارتكاب محرَّم يُبعدكم عن ربكم تعالى، فالتزم التقوى، واحرص على الفضيلة، ولا تلتفت لبناء دنيا على حساب دين، ولا تعمِّر دنياك بخراب آخرتك.
واعلم أن كثيرين عضوا - ويعضون - أصابع الندم على ذهابهم لتلك البلاد، وعدم قدرتهم على الرجوع لبلادهم، إما فتنة بالحياة هناك والمال، وإما بسبب عجزه وضعفه بسبب كبر أولاده، وعدم القدرة على السيطرة عليهم، فانظر إلى الهالك كيف هلك ولا تسلك طريقه، وانظر إلى الناجي كيف نجا واحرص على المشي على طريقه.
سئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء:
هل تجوز الهجرة إلى بلاد الكفر للعمل فيه، وهل يجوز أخذ جنسية غير جنسية إسلامية؟ .
فأجابوا:
"إذا أردت العمل وطلب الرزق: فعليك بالسفر إلى بلاد المسلمين لأجل ذلك، وفيها غنية عن بلاد الكفار؛ لما في السفر إلى بلاد الكفر من الخطر على العقيدة، والدين، والأخلاق، ولا يجوز التجنس بجنسية الكفار؛ لما في ذلك من الخضوع لهم، والدخول تحت حكمهم" انتهى.
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (١٢ / ٥٨) .
وقد بيّنا في جوابي السؤالين (١٣٣٤٢) و (٥٩٨٩٧) حكم السفر والإقامة في بلاد الكفر، فلينظرا.
ونسأل الله تعالى أن يرزقك رزقاً حسناً، وأن يوفقك لما فيه رضاه، وأن يثبتك على الحق، وأن يجمع شملك مع أسرتك على طاعته.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6810
نصائح وتوجيهات للمسلمين في " فنلندا "
[السُّؤَالُ]
ـ[نحن أفراد الجالية الإسلامية البالغ عددها حوالي ٣٥ ألفاً إلى ٤٠ ألفاً، والمكونة من فِرق متعددة، المكلفون بعمل الإحصاءات هنا لا يفرِّقون بين شيعي، وبهائي، وحبشي، وسنِّي! اندمج هؤلاء المسلمون مع مواطني الدولة المسيحية البالغ عدد سكانها حوالي ٥ مليون نسمة، حتى علم الدولة محتوي على رمز المسيحية، ألا وهو الصليب. خلال الأشهر الماضية قام جماعة من المنتمين حديثاً للإسلام (سنَّة) بتشكيل حزب سياسي، وجعلوا من بين أهدافهم: محاولة منع بيع الخمور في المحلات، بل ذهبوا لأبعد من ذلك بإعلانهم عن رغبتهم في إقامة الشريعة في هذه الدولة المسيحية! لا بدَّ أن تأخذوا في الاعتبار أن المسلمين هنا لا يتمتعون بالحقوق العادية، كالحق في أن يكون لديهم مقابر خاصة، أو الحق في إظهار شعائر معينة، كذبح الأضاحي، وما إلى ذلك. كان لدينا مقابر خاصة، ولكنها امتلأت، وبسبب حدوث بعض الأخطاء في تنظيمها، والخلاف بين الفرق المختلفة على مسك زمام المسؤولية، استفادت السلطات هنا من الخلاف، وجعلوا الأمر صعباً جدّاً على المسلمين، ولم يمكنوهم من امتلاك مقابر خاصة بهم، ولذلك إذا مات أحد المسلمين هنا: يُدفن بجوار المسيحي، والملحد! . تلك الجماعة من المنتمين حديثاً للإسلام يحاولون أن يتوحدوا، ويبتعدوا عن حزبية وقبلية الصوماليين، وعن محادثات العرب، الآن تركز وسائل الإعلام هنا على الإسلام والمسلمين بصورة سلبية، وذلك عن طريق مناقشة موضوعات مثل: - الطلاق في الإسلام بيد الرجل، ولا تستطيع المرأة أن تحصل على حقوقها كاملة، وعلى حريتها إذا ما أرادت أن تنهي زواجها. - العقاب البدني للأطفال في البيوت، فضرب الأبناء في هذه الدولة يعدُّ جريمة يعاقب عليها القانون. - تقوم العائلات المسلمة بعزل أبنائهم عن المجتمع، وحرمانهم من الاشتراك في ممارسة السباحة (بنات، وأولاد معاً) ، ويقومون أيضاً بحرمانهم من حضور دروس الموسيقى. وأيضا يناقشون (ماذا يريد المسلمون هنا: أن يتبعوا شريعتهم، أم نظام الدولة؟!) . وهدف الإعلام من ذلك هو تشويه صورة الإسلام، وزرع الكراهية في قلوب عامة الناس تجاه الإسلام والمسلمين. الناس هنا عموماً يشتكون أن المسلمين يتمتعون بأموالهم، والخدمات التي تقدمها الدولة للمواطنين، والآن يضاف إلى قائمة الشكاوى أن المسلمين يريدون أن يقيموا الشريعة على أرض الدولة، بينما بلدانهم الأصلية لا تطبق الشريعة، علماً بأن من يقومون بأداء الواجبات الدينية هنا من المسلمين: أقلية، بينما الأغلبية اندمجت تماماً في المجتمع. تبني وسائل الإعلام ومراكز الأبحاث نتائجها على رأي أي شخص يمكنه الإجابة، والذي قد يكون جاهلاً، خصوصاً أن معظم الناس حاليّاً يجرون وراء الشهرة، والمكاسب الدنيوية، وقد فاض بهم الكيل من بلدانهم الأصلية التي لا يحصلون فيها على حقوق، ولا تقدرهم كمواطنين، ومن أجل الحصول على تقدير غير المسلمين لهم يفعلون أي شيء! فقد سمعنا حتى عن أفراد ارتدوا عن الإسلام، وأصبحوا مسيحيين! . عندما نصح البعض رئيسَ ذلك الحزب الإسلامي بشأن الخطوات التي ينبغي عليه أن يتخذها قال: إنه فقط يسعى لعمل دعاية إيجابية للإسلام - هذا الشخص كان ناشطاً سياسيّاً في شبابه -. الآن نطلب منكم نصيحة عامة للمسلمين في هذا البلد، وخصوصاً لمكوني الحزب السياسي من المنتمين للإسلام حديثاً، وأن تذكرونا بواجبنا تجاه البلد، وتجاه مواطني البلد الأصليين ومسؤوليه، وأن تبينوا لنا الحدود التي لا ينبغي علينا تخطيها، حتى لا ندمر بيوتنا بأيدينا، أو على الأقل حتى لا نُحرم من الحقوق القليلة التي نتمتع بها في هذه الدولة، فليس كل مسلم هنا قادرا على الهجرة إلى بلد إسلامي. إذا أردتم المزيد من المعلومات حول الموضوع: فأرجوكم أن تراسلونا، وسنكون سعداء جدّاً بإرسال مزيد من التفاصيل إليكم، أرجوكم أن تردوا علينا بسرعة، حيث ما زال هناك المزيد من الوقت لغلق أبواب الفتنة، وقبل فوات الأوان.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قرأنا أكثر ما يتعلق بواقع الدولة التي تعيشون فيها – فنلندا – وقد ساءتنا أخبار، وأفرحتنا أخرى، ساءنا ما علمناه من تفرق بينكم، وساءنا تهاون كثيرين في الدعوة إلى الله والاهتمام بأسرته وأولاده، كما ساءنا ما علمناه من تزوج بعض المسلمات من نصارى تلك البلد، وهي عقود فاسدة باطلة، كما ساءنا تخلي كثيرين عن الالتزام بطاعة الله والاستقامة على دينه، وكل ذلك يجعل العبء على أهل الخير والعلم كبيراً، ويحملهم مسئوليات جمَّة تجاه تلك الجالية المسلمة في ذلك البلد الأوروبي.
والذي أفرحنا هو تزايد عدد المسلمين في تلك البلاد حتى وصل عدد الجالية المسلمة مئة ألف مسلم، وفق بعض التقديرات، وإن كنا لا ندري نسبة أهل السنَّة منهم، وأفرحنا دخول كثير من أهل تلك البلاد في دين الله تعالى.
والذي نوصيكم به، ونرجو أن يكون لكلامنا وقع حسن في قلوبكم وأعمالكم:
١. الحرص أولاً وقبل كل شيء أن يعود كل مسلم لبلده، وأن ينتقل من دخل في الإسلام إلى بلد إسلامي يمكنه أن يمارس فيه شعائر دينه، آمنا مطمئنا، وأن يترك تلك الديار التي أفسدت أديان وعقول وقلوب الكثير من المسلمين، متى قدر الواحد منكم على ذلك.
٢. ومن لم يستطع، أو لم يستجب لهذا: فليتق الله ربه في نفسه، وفي أهل بيته، ويجب عليه أن يخلص النصح لهم، وأن يحوطهم برعايته وعنايته، وأن يقي نفسه وإياهم نار الله تعالى.
٣. يجب عليكم العمل على إنشاء حلقات قرآنية وعلمية، يتم فيها تعليم الجاهل، وتربية النشء المسلم على طاعة الله تعالى، ولا يحل لكم التهاون في هذا الأمر، فقد قرأنا كيف حافظ " التتر " في " فنلندا " على لغتهم وثقافتهم وحضارتهم، فإسلامكم ولغتكم العربية أولى بأن يكون لهما الاهتمام الكبير في برنامج حياتكم.
٤. احرصوا على دعوة أهل العلم وطلبته إليكم؛ ليقوموا بواجب الدعوة، والوعظ، والإرشاد، والتعليم، ومثل هذه اللقاءات من شأنها أن تساهم في اجتماع كلمتكم، وإيقافكم على الأحكام الشرعية التي لها تعلق بواقع معيشتكم.
٥. لا تدَعوا مجالاً لشياطين الإنس والجن أن يفرقوا صفكم، ويشتتوا كلمتكم، ويجب أن تراعوا أنكم في مجتمع نصراني، ودولة نصرانية، يحمل علمُها الصليب! واعلموا أن ما يحدث بين المختلفين من المسلمين ليس هو كاختلافكم مع أهل الأديان الأخرى، فالخلاف بين أهل القبلة المسلمين خلاف بين السنة والبدعة، وقد يكون ـ في بعض الأحيان ـ خلافا بين الراجح والمرجوح، وأما الخلاف بينكم وبين أهل الأديان الأخرى فهو خلاف بين الإسلام والكفر، وشتان بين الأمرين.
٦. هذا الحزب الذي يسعى لإنشاء دولة إسلامية في " فنلندا ": فليفكِّر بعقله قبل قلبه، ولينظر لواقعه ولا يغمض عينيه، فأنتم لا تستطيعون دفن مسلم في مقبرة خاصة بكم، فهل أنتم قادرون على إغلاق محلات الخمور، وإقامة دولة إسلامية هناك؟!
ما هذا، يا عباد الله؛ إن هذا الطموح الخيالي، والتفكير البعيد، قد يعذر فيه رجل لم يعايش الواقع عندكم، ولم يعلم شيئا عن الصعوبات التي تواجهونها، وأما رجل يرى ما ترون، ويعي ما تعون، فالواجب عليه أن يفكر تفكيرا سليما في الفطرة والشرع والعقل، وليكن جهده وسعيه في تحصيل أكبر قدر من المصالح للمسلمين عندكم، ودفع ما يمكن دفعه عنهم من الشر والأذى والظلم.
وعليه: فإن كان لأولئك القوم حزب إسلامي فليستثمروا نفوذهم في إقامة مؤسسات إسلامية، ومدارس تربوية، ومقابر شرعية، وليدعوا عن أنفسهم التفكير في إقامة الدولة الإسلامية، فإن هذا بالفعل أشبه شيء بالمستحيل، وخيالات الأوهام، في ظل مانرى من عجز المسلمين عن ذلك، حتى في بلدانهم، فكيف في عقر دار القوم؟! وسيكون لمجرد المطالبة بدولة إسلامية من الشر والسوء ما الله به عليم، فكيف إن تقدم أولئك خطوة عملية نحو ذلك، وإذا كانت الدولة عاجزة عن صدهم – وليس الأمر كذلك – فليتخيلوا مصيرهم لو تدخل " الاتحاد الأوروبي " في صدِّ ذلك ومنعه، فكيف سيكون مصير البناء الذي بُني لعقود من الزمان؟! وقد قرأنا عن أحوال المسلمين والمسلمات في بلادكم الحالية بعد الحادي عشر من أيلول، فكيف لو نشرت المؤسسات الحاقدة على الإسلام أن المسلمين لا يريدون الحكم إلا من أجل تطبيق الإسلام، والحد من الحريات، والتضييق على النساء، نعم، هم يبالغون ويكذبون، لكننا نقدم لهم السلاح الذي يشهرونه في وجوهنا.
٧. وليكن من أولويات ذلك الحزب الإسلامي: الحفاظ على الهوية الإسلامية، والسعي نحو تقديم رسالة الإسلام الصافي من الشوائب، تقدمونه للمسلمين؛ ترجعونهم به إلى سابق عهدهم من الالتزام والاستقامة، وتثبتون لغير المسلمين أن دينكم دين الوحدة، والتآخي، والتعاون على البر والتقوى.
٨. استمرار الإخوة المسلمين من أهل البلد في الدعوة إلى الله بين أفراد أسرهم وأقربائهم، ومشاركة الناس الفرحة التي غمرتهم بدخولهم الإسلام، والظاهر أن هؤلاء يكونون أكثر تأثيراً على أهل بلدهم من المسلمين المهاجرين من دول شتَّى.
٩. السعي الفوري نحو شراء قطع أراضي وتخصيصها لقبر المسلمين الموحدين، والسعي الأكيد نحو نقل المسلمين الذين دفنوا مع غير المسلمين إلى هذه المقابر الإسلامية.
٠١٠ ينبغي أن يكون من أولويات التجمعات الإسلامية، والأحزاب السياسية، وخاصة تلك التي تسعى لإقامة دولة إسلامية، كما ذكرنا أن تحافظ على هوية المسلمين الذي يعيشون هناك، ومن أعظم وسائل المحافظة على الهوية تزويج المسلمين من المسلمات، والحرص على إشاعة جو إسلامي في الحياة الاجتماعية، وأن يوجد في الأحزاب والتجمعات الإسلامية من يصرف أمور المسلمين الخاصة في الزواج والطلاق والعلاقات الاجتماعية، بما يوافق شرع الله، ودون أن نحاول فرض ذلك فرضا عاما على الدولة النصرانية، فهو أمر ـ كما قلنا ـ بعيد المنال جدا، وعاقبته وآثاره وخيمة عليكم.
١١. نوصي الجميع بالرفق في الدعوة إلى الله، وسلوك طريق الأنبياء والمرسلين، والدعاة الناجحين، ولتصل دعوتكم للقادة والساسة وأصحاب القرار والصحفيين والكتاَّب وجميع أصناف الناس، فعسى الله تعالى أن يهدي رجلاً منهم فيكون أمَّة وحده، واحرصوا على إزالة المنكرات من حياة المسلمين بالتي هي أحسن.
٠١٢ ينبغي أن تكون لكم مراسلات واتصالات دائمة بإخوانكم المسلمين، في أوروبا وفي بلاد الإسلام، تشاورونهم في أموركم، وتستفتون أهل العلم منهم فيما ينزل بكم من القضايا والمشكلات؛ فالمؤمن مرآة أخيه، وضعيفان يغلبان قويا.
نسأل الله أن يوفقكم لما فيه رضاه.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6811
هل يجوز لها الدراسة في مكان مختلط في بلاد كافرة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[شيخنا الفاضل حفظك الله لي سؤال حول الدراسة في الدول الأوروبية وهو: ما حكم الدراسة في معهد مختلط علما بأنني مرافقة لزوجي، ومدة بعثته خمس سنوات، وأنا أريد كسب اللغة ودراسة الماجستير بعد ذلك، وملتزمة بالحجاب الكامل الفضفاض، لا أُخرج إلا عيني مع تحرزي الشديد، وأكمامي طويلة لا يخرج إلا أطراف الأصابع، جلوسي في القاعة يكون بجانب النساء، وعدد الطلاب لا يتجاوز (١٢) طالبا، ومحتاجة للغة للتخاطب مع من حولي وفي مجال الدعوة حتى أستطيع توضيح الإسلام لهم، خاصة وأنهم كثيراً ما يسألونني عن السر في ارتداء الحجاب. أرجو الإجابة، فأنا بانتظارها؛ لأنني أكملت السنة والأربعة أشهر في الغربة وأنا أبحث عن فتوى لسؤالي؛ لأنني أريد الدراسة، ولكن تحت فتوى شرعية منكم. والله يحفظكم ويرعاكم.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
نشكر لك - بدايةً – حرصك على تحري الصواب وموافقة الشرع في أفعالك، وهذا الذي ينبغي على كل مسلم فعله، على أن يكون ذلك قبل الإقدام على ما يريد القيام به، من تجارة، أو سفر، أو وظيفة؛ لأن مقتضى الصدق في الاتباع أن يسأل عن حكم فعله قبل الإقدام عليه.
ثانياً:
سؤالك فيه مسألتان، لا مسألة واحدة، أما الأولى: فهي السفر إلى بلاد الكفر، وأما الثانية: فهي الدراسة المختلطة في تلك البلاد.
وقد سبق في فتاوى متعددة حكم السفر لمثل تلك البلاد، والإقامة فيها، وقد بينَّا أن الأصل فيها التحريم، وأنه يجوز في حالات، وضمن شروط، وليس من الجواز أن يذهب المسلم لدراسة علوم تتوفر في بلده، أو في غيرها من دول الإسلام.
انظري أجوبة الأسئلة: (٢٧٢١١) و (١٤٢٣٥) و (٣٢٢٥) .
وعليه: فالأصل هو عدم ذهاب زوجك أصلاً للدراسة في تلك الديار، فإذا أصرَّ على الذهاب، ويمكنه المحافظة على نفسه لقوة دينه، أو لقصر مدة إقامته هناك: فلا داعي لذهابك معه؛ لأنه ليست ثمة حاجة ولا ضرورة، فإن صعب عليك البقاء في بلدك، أو تخافين على نفسك الفتنة من الوحدة، أو كان يخاف هو على نفسه الفتنة في تلك البلاد: ففي هذه الحال تُعذرين في مرافقته.
ثالثاً:
أما بخصوص دراستك في مكان مختلط في تلك البلاد: فإنه محرَّم ولا شك، ولو كانت دراستك المختلطة في بلدٍ مسلم لم تكن جائزة، فكيف أن تكون بتلك الديار؟! .
سئل علماء اللجنة:
هل يجوز للأخوات أن يدخلن ويتعلمن في المدارس والجامعات المختلطة، حيث لا يوجد في بلاد الغرب إلا التعليم المختلط، ولكن الأخوات يلتزمن بالزي الإسلامي، مع مضايقات الكفار؟ .
فأجابوا:
اختلاط الرجال والنساء في التعليم: حرام، ومنكر عظيم؛ لما فيه من الفتنة، وانتشار الفساد، وانتهاك المحرمات، وما وقع بسبب هذا الاختلاط من الشرِّ والفساد الخلقي لهو من أوضح الدلائل على تحريمه، وإذا انضاف إلى ذلك كونه في بلاد الكفار: كان أشد حرمةً ومنعاً، وتعلُّم المرأة بالمدارس والجامعات ليس من الضرورات التي تستباح بها المحرمات، وعليها أن تتعلم بالطرق السليمة البعيدة عن الفتن، وننصحها بأن تستفيد من الأشرطة السليمة التي صدرت من علماء السنَّة، كما ننصحها وغيرها بالاستفادة من " نور على الدرب " في إذاعة القرآن الكريم في المملكة العربية السعودية.
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (١٢ / ١٨١، ١٨٢) .
وقالوا:
لا يجوز للطالب المسلم أن يدرس في فصول مختلطة بين الرجال والنساء؛ لما في ذلك من الفتنة العظيمة، وعليك التماس الدراسة في مكان غير مختلط؛ محافظة على دينك، وعِرضك، (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا) .
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (١٢ / ١٧٣) .
وحتى لو وافق زوجك على دراستك، فإن هذا لا يبيح لكِ تلك الدراسة المختلطة.
قال علماء اللجنة:
الاختلاط بين الرجال والنساء في المدارس أو غيرها: من المنكرات العظيمة، والمفاسد الكبيرة في الدين والدنيا، فلا يجوز للمرأة أن تَدرس أو تعمل في مكان مختلط بالرجال والنساء، ولا يجوز لوليها أن يأذن لها بذلك.
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (١٢ / ١٥٦) .
فهذه فتاوى العلماء التي رغبت بمعرفتها قبل إقدامك على الالتحاق بذلك المعهد المختلط، وقد عرفتِ أنه لا يجوز لك ذلك، ولا ينفعك لبسك للحجاب كاملاً مع وجود أولئك الطلاب في القاعة، ويمكنك تعلم اللغة الإنجليزية عن طريق مدرسة تأتيك لبيتك، أو عن طريق أشرطة الصوت والفيديو والكتب، وهو متيسر جدّاً في الأسواق، كما يمكنك الانتساب لإحدى الجامعات أو المعاهد، وتقديم الامتحان بالمراسلة أو مع وجود زوجكِ، فتجمعين بين تحقيق هدفك في تعلم اللغة والحصول على شهادة، مع الحفاظ على الستر والنفس من أذية سفهاء القوم وشواذهم.
ونسأل الله تعالى أن يوفقك لما فيه رضاه.
وانظري أجوبة الأسئلة: (١٢٠٠) و (٣٣٧١٠) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6812
لم يتحلل جسمها بعد ستة أشهر من دفنها
[السُّؤَالُ]
ـ[ماتت امرأة، وبعد حوالي ستة أشهر توفيت امرأة أخرى، ففتحوا التربة لدفنها، فوجدوا المتوفية الأولى على حالتها، لم تتحلل، فهل هذا دليل على صلاحها، أو أنها من الشهداء لأنها ماتت بمرض بالمعدة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
روى البخاري (٢٨٢٩) ومسلم (١٩١٤) أن النبي ﷺ قال: (الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ: الْمَطْعُونُ، وَالْمَبْطُونُ، وَالْغَرِقُ، وَصَاحِبُ الْهَدْمِ، وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)
قال النووي ﵀:
" وَأَمَّا (الْمَبْطُون) فَهُوَ صَاحِب دَاء الْبَطْن , وَهُوَ الإسْهَال. قَالَ الْقَاضِي: وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي بِهِ الاسْتِسْقَاء وَانْتِفَاخ الْبَطْن , وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي تَشْتَكِي بَطْنه , وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي يَمُوت بِدَاءِ بَطْنه مُطْلَقًا " انتهى.
فنرجو لهذه المرأة ولكل من مات بداءٍ في معدته أن يكتب الله له أجر الشهداء.
ثانيا:
ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (يَبْلَى كُلُّ شَيْءٍ مِنْ الْإِنْسَانِ إِلَّا عَجْبَ ذَنَبِهِ فِيهِ يُرَكَّبُ الْخَلْقُ) رواه البخاري (٤٨١٤) ومسلم (٢٩٥٥) .
فظاهر هذا أن جميع بني آدم تأكلهم الأرض، ولا يبقى من أجسادهم شيء إلا عجب الذنب، وهو عظم صغير في أسفل الظهر.
ولم يرد - فيما نعلم – استثناء أحد لا تأكله الأرض إلا الأنبياء فقط، قال النبي ﷺ : (إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ) رواه أبو داود (١٠٤٧) وصححه الألباني في صحيح أبي داود.
وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن الشهيد لا تأكله الأرض أيضاً.
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (١٨/١٧٣) :
" روي في أجساد الأنبياء والشهداء أن الأرض لا تأكلهم، وحسبك ما جاء في شهداء أحد وغيرهم، وإذا جاز أن لا تأكل الأرض عجب الذنب جاز أن لا تأكل الشهداء، وذلك كله حكم الله وحكمته " انتهى باختصار.
وقال القرطبي في "المفهم شرح مسلم" (٧/٣٠٧) :
" وظاهر هذا: أن الأرض لا تاكل أجساد الشهداء، والمؤذنين المحتسبين، وقد شوهد هذا فيمن اطلع عليه من الشهداء، فوجدوا كما دفنوا بعد آماد طويلة، كما ذكر في السير وغيرها " انتهى.
ولكننا لا نعلم دليلا صحيحا من السنة النبوية يدل على أن الشهيد لا تأكله الأرض، غير أنه وجد في وقائع كثيرة بقاء بعض الشهداء مدة بعد دفنهم.
روى البخاري (١٣٥١) عَنْ جَابِرٍ رضى الله عنه، في قصة استشهاد والده في غزوة أحد، قال (فَأَصْبَحْنَا فَكَانَ أَوَّلَ قَتِيلٍ، وَدُفِنَ مَعَهُ آخَرُ فِى قَبْرٍ، ثُمَّ لَمْ تَطِبْ نَفْسِى أَنْ أَتْرُكَهُ مَعَ الآخَرِ، فَاسْتَخْرَجْتُهُ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَإِذَا هُوَ كَيَوْمِ وَضَعْتُهُ هُنَيَّةً، غَيْرَ أُذُنِهِ) .
وفي رواية أبي داود (٣٢٣٢) (فَمَا أَنْكَرْتُ مِنْهُ شَيْئًا إِلَاّ شُعَيْرَاتٍ كُنَّ فِى لِحْيَتِهِ مِمَّا يَلِى الأَرْضَ) .
وقد عقد القرطبي في "التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة" بابا ذكر فيه شيئا من ذلك.
ولكن لا نستطيع الجزم بأن ذلك يكون لكل شهيد، وأنه يبقى إلى يوم القيامة.
قال ابن أبي العز الحنفي في "شرح الطحاوية" (ص/٣٩٦) :
" وحرم الله على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء كما روي في السنن، وأما الشهداء: فقد شوهد منهم بَعدَ مُدَدٍ مِن دفنه كما هو لم يتغير، فيحتمل بقاؤه كذلك في تربته إلى يوم محشره، ويحتمل أنه يبلى مع طول المدة، والله أعلم، وكأنه - والله أعلم - كلما كانت الشهادة أكمل والشهيد أفضل، كان بقاء جسده أطول " انتهى.
وقال الشيخ ابن عثيمين في "لقاءات الباب المفتوح" (٢٠٤/سؤال رقم/١) :
" أما الشهداء والصديقون والصالحون فهؤلاء قد لا تأكل الأرض بعضهم كرامة لهم، وإلا فالأصل أنها تأكله ولا يبقى إلا عجب الذنب " انتهى.
وعلى هذا؛ فالمرأة المسؤول عنها نرجو أن يكون الله تعالى تقبلها شهيدة، وأبقى جسمها هذه المدة كرامة لها.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6813
أجبرها أهلها على زواج صوري ليحصل الزوج على إقامة وجنسية !
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا فتاة أبلغ من العمر ٢٣ سنة، أعيش في ألمانيا منذ ١٥ سنة مع والدتي وأخي، وذلك أثر طلاق والداي، قبل سنة أرغمتني والدتي على الزواج برجل ادَّعت أنه في حاجة ماسة للإعانة، وأمام غطرستها، وتهديدها الدائم لي بالغضب عليَّ، وانعدام المسؤولية عند أخي: لم يكن لي أي خيار، منذ قليل اكتشفت حماقتي، وجهلي , إذ إن أمي تبرر كل أوامرها بحجج تدَّعي أنها من الدين، وتم الزواج لدى المحاكم الألمانية , زواج صوري، يمكِّن هذا الرجل الذي لم أره سوى عند كتابة العقد من البقاء في ألمانيا والحصول على الجنسية الألمانية بعد سنتين، بعد محاولات عديدة أمكن لي الحصول على موافقة والدتي للبداية في إجراءات الطلاق، الرجل الذي أصبح اليوم قادراً على البقاء في ألمانيا موافق على طلاق التراضي، كما كان اتفاقه مع والدتي منذ البداية. سؤالي هو الآتي: كيف أكفِّر عن ذنبي؟ هل عليَّ عدة المطلقات؟ لقد تقدم شاب لي، ويود الزواج بي، وأنا حائرة، إن أعلمته أخشى أن يتركني، وإن لم أفعل أكون خدعته، ثم متى أحل له، أبعد الطلاق من الزواج الباطل أم قبل ذلك؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
لا يجوز لأحدٍ أن يُكره موليته على النكاح ممن لا ترغب، والعقد الذي يثبت أن المرأة البالغ زُوِّجت فيه بغير إرادتها: باطل عند بعض العلماء، ومتوقف عليها لإمضائه عند آخرين، وفي كل الأحوال لا يجوز أن تُجبر البالغ على الزواج.
وتفصيل ذلك في جواب السؤال رقم: (٤٧٤٣٩) .
ولا نرى أنك صغيرة بحيث يتحكم في تزويجك والدتك وأخوك، فكان الأجدر بك الوقوف في وجوههم، والاعتراض على مثل هذا الزوج والزواج، وبخاصة أنكم في بلد يدَّعي أهله أنهم ينصرون النساء! .
ثانياً:
العقود التي تُجرى في محاكم الدول الكافرة: قد تكون عقوداً باطلة، وقد تكون صحيحة، فإن كان سبقها عقد شرعي، اشتمل على إيجاب، وقبول، وموافقة ولي، وشهود أو إعلان: كانت العقود أمام تلك المحاكم للتوثيق، والتثبيت، لا للإنشاء، وإن لم يسبقها عقود شرعية: فلا قيمة لها، ولا يُبنى عليها أحكام؛ لأنها باطلة أصلاً.
وينظر جواب السؤال رقم: (٤٤٥٨) .
ثالثاً:
ثمة عقود زواج تُبرم في دول الكفر لا لأجل العفاف والستر وإنشاء أسرة، بل لغايات الإقامة والجنسية! وليُعلم أن الزواج هو " كلمة الله " وهو " الميثاق الغليظ "، وأنه لا يجوز الاستهانة بهذه العقود، وجعلها مجالاً للعبث.
وليُعلم أن هذه العقود " الصُّورية " أو " الشكلية " إذا تمَّت وفق الشرع فإنه تترتب عليها آثارها الشرعية، من المهر، والعدَّة، وغير ذلك، وأما إذا لم تتم وفق الأحكام الشروط الشرعية: فإنه لا تترتب عليها آثارها الشرعية، مع وجود الإثم.
سئل علماء اللجنة الدائمة:
نحن شباب مسلم - والحمد لله -، من مصر، ولكننا نقيم في هولندا، ونسأل عن حكم الإسلام في بعض الشباب المسلم الذي يلجأ للزواج من الأوربية، أو بعض النسوة الأجنبيات اللاتي معهن أوراق الإقامة، وذلك للحصول على الإقامة في هولندا، مع العلم أن هذا الزواج صوري، أي: حبر على ورق - كما يقولون – أي: أنه لا يعيش معها، ولا يعاشرها كزوجة، هو فقط يذهب معها إلى مبنى الحكومة، ومعه شاهدان، ويتم توثيق العقد، وبعد ذلك كل ينصرف لطريقه؟ .
فأجابوا:
عقد النكاح من العقود التي أكد الله عِظم شأنها، وسمَّاه " ميثاقاً غليظاً "، فلا يجوز إبرام عقد النكاح على غير الحقيقة من أجل الحصول على الإقامة.
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ بكر أبو زيد.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (١٨ / ٩٨، ٩٩) .
وفي جواب السؤال رقم: (٢٨٨٦) فتوى أخرى بالتحريم والمنع، فلتنظر.
فالذي يظهر لنا أن والدك موجود وعلى قيد الحياة، وهو في هذه الحال وليك في الزواج، ولو كان مطلِّقاً لأمك، وأخوك ليس وليّاً لك مع وجود والدكِ، فإذا تمَّ الزواج بموافقة والدك، وحضور شهود، مع رضاكِ به: فهو عقد شرعي تترتب عليه آثاره، ولو لم يكن من أجل العيش معه؛ لأن واقعه – والحالة هذه – أنه عقد شرعي مكتمل الأركان، فلا يحل لك الزواج بغيره إلا بعد أن تحصلي على الطلاق، وتنتهي عدتك.
وأما إن تمَّ العقد في الدوائر الرسمية فقط، ودون موافقتك أو موافقة والدك: فهو عقد غير شرعي، ولا تترتب عليه آثاره، ولا حاجة للحصول على الطلاق، إلا من أجل أنك زوجة في الأوراق الرسمية، لا من أجل أنك زوجة شرعاً، مع استحقاق من ساهم في وجوده للإثم؛ لاستهانته بالعقد الشرعي، وجعله مجالاً للعبث.
والخلاصة: أن الواجب عليك الاحتياط في أمر زواجك الجديد، على الأقل، وألا تقدمي على إتمام الخطبة الجديدة، إلا بعد طلاقك من الأول، وبإمكانك إتمام الخطبة والزواج الجديد بمجرد إنهاء الطلاق من الأول، وليس عليك عدة تنتظرينها، ولا فاصل زمني بين الزواجين.
وأما بخصوص إعلام الخاطب الجديد، فإن كان يغلب على ظنك أنه لن يعلم بما حدث، فلا ننصحك بإخباره، وأتمي زواجك به، كأن شيئاً لم يكن.
وإن كنت تظنين أنه سوف يعلم ذلك، فليعلمه منك أفضل وأكرم، والقلوب بيد الرحمن يقلبها كيف شاء، فاستعين بربك سبحانه، على صرف قلبه إليك، إن كان في زواجك منه خير لك.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6814
متى نصر الله ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[متى نصر الله؟ وما هي أسبابه؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
نصر الله للمسلمين على أعدائهم من الكفار المحاربين لهم وعدُ حقٍّ، وقولُ صدقٍ، وقد وعد الله تعالى به المؤمنين، وأخبرهم أنه قريب، وإنما يؤخره تعالى لحكَم جليلة، ومن كان قوي الإيمان، صادق اليقين فسيعلم أن ذلك يكون قريباً كما أخبر به الرب تعالى.
قال الله تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) البقرة/ ٢١٤.
قال الإمام ابن جرير الطبري ﵀:
" فمعنى الكلام: أم حسبتم أنكم أيها المؤمنون بالله ورسله تدخلون الجنة ولم يصبكم مثلُ ما أصاب مَن قبلكم مِن أتباع الأنبياء والرسل من الشدائد والمحن والاختبار، فتُبتلوا بما ابتُلوا واختبروا به من " البأساء "، وهو شدة الحاجة والفاقة، " والضراء "، وهي العلل والأوصاب، ولم تزلزلوا زلزالهم، يعني: ولم يصبهم من أعدائهم من الخوف والرعب شدة وجهدٌ، حتى يستبطئ القومُ نصرَ الله إياهم، فيقولون: متى الله ناصرنا؟ ثم أخبرهم الله أن نصره منهم قريبٌ، وأنه مُعليهم على عدوِّهم، ومظهرهم عليه، فنجَّز لهم ما وعدهم، وأعلى كلمتهم، وأطفأ نار حرب الذين كفروا " انتهى.
"تفسير الطبري" (٤/٢٨٨) .
وذكر الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀ – بعض الفوائد المستقاة من الآية –:
" ومنها:
١. أنه ينبغي للإنسان ألا يسأل النصر إلا من القادر عليه، وهو الله ؛ لقوله تعالى: (متى نصر الله) .
٢. أن المؤمنين بالرسل منهاجهم منهاج الرسل، يقولون ما قالوا؛ لقوله تعالى: (حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله) ، يتفقون على هذه الكلمة استعجالاً للنصر.
٣. تمام قدرة الله ؛ لقوله تعالى: (ألا إن نصر الله قريب) .
٤. حكمة الله حيث يمنع النصر لفترة معينة من الزمن، مع أنه قريب.
٥. أن الصبر على البلاء في ذات الله من أسباب دخول الجنة؛ لأن معنى الآية: اصبروا حتى تدخلوا الجنة.
٦. تبشير المؤمنين بالنصر ليتقووا على الاستمرار في الجهاد ترقباً للنصر المبشرين به " انتهى.
"تفسير سورة البقرة" (٣/٤٢) .
ثانياً:
نصر الله تعالى القريب ليس لكل من ادعى الإيمان، وزعم الإسلام، إنما هو لمن حقق الإيمان بقلبه، وعمل بالإسلام بجوارحه.
قال تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ. وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) النور/٥٥، ٥٦.
قال الحافظ ابن كثير ﵀:
" هذا وعدٌ من الله لرسوله ﷺ بأنه سيجعل أمته خلفاء الأرض، أي: أئمةَ الناس، والولاةَ عليهم، وبهم تصلح البلاد، وتخضع لهم العباد، ولَيُبدلَنّ بعد خوفهم من الناس أمناً وحكماً فيهم، وقد فعل ﵎ ذلك، وله الحمد والمنَّة، فإنه لم يمت رسول الله ﷺ حتى فتح الله عليه مكة، وخيبر، والبحرين، وسائر جزيرة العرب، وأرض اليمن بكمالها، وأخذ الجزية من مَجُوس هَجَر، ومن بعض أطراف الشام، وهاداه هرقل ملك الروم، وصاحب مصر والإسكندرية - وهو المقوقس -، وملوك عُمان، والنجاشي ملك الحبشة، الذي تَملَّك بعد أصْحَمة، ﵀ وأكرمه.
ثم لما مات رسول الله ﷺ واختار الله له ما عنده من الكرامة: قام بالأمر بعده خليفته أبو بكر الصديق " انتهى.
"تفسير ابن كثير" (٦/٧٧) .
وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀: " هذا من أوعاده الصادقة، التي شوهد تأويلها ومخبرها، فإنه وعدَ من قام بالإيمان والعمل الصالح من هذه الأمة أن يستخلفهم في الأرض، يكونون هم الخلفاء فيها، المتصرفين في تدبيرها، وأنه يمكِّن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وهو دين الإسلام، الذي فاق الأديان كلها، ارتضاه لهذه الأمة، لفضلها وشرفها ونعمته عليها، بأن يتمكنوا من إقامته، وإقامة شرائعه الظاهرة والباطنة، في أنفسهم، وفي غيرهم، لكون غيرهم من أهل الأديان وسائر الكفار مغلوبين ذليلين، وأنه يبدلهم من بعد خوفهم الذي كان الواحد منهم لا يتمكن من إظهار دينه، وما هو عليه إلا بأذى كثير من الكفار، وكون جماعة المسلمين قليلين جدّاً بالنسبة إلى غيرهم، وقد رماهم أهل الأرض عن قوس واحدة، وبغوا لهم الغوائل.
فوعدهم الله هذه الأمور وقت نزول الآية، وهي لم تشاهد الاستخلاف في الأرض والتمكين فيها، والتمكين من إقامة الدين الإسلامي، والأمن التام، بحيث يعبدون الله، ولا يشركون به شيئاً، ولا يخافون أحداً إلا الله، فقام صدر هذه الأمة من الإيمان والعمل الصالح بما يفوقون على غيرهم، فمكَّنهم من البلاد والعباد، وفتحت مشارق الأرض ومغاربها، وحصل الأمن التام والتمكين التام، فهذا من آيات الله العجيبة الباهرة، ولا يزال الأمر إلى قيام الساعة، مهما قاموا بالإيمان والعمل الصالح: فلا بد أن يوجد ما وعدهم الله، وإنما يسلط عليهم الكفار والمنافقين، ويديلهم في بعض الأحيان: بسبب إخلال المسلمين بالإيمان والعمل الصالح " انتهى.
"تفسير السعدي" (ص/٥٧٣) .
وانظر أيضا: "أضواء البيان" للشنقيطي (٦/٣٦) ، "فتح القدير" للشوكاني (٤/٦٩) .
ثالثاً:
صدق الناس في إيمانهم بربهم، وإقامتهم لشرعه، دليل على ما يكون من حالهم، حين يمكن الله تعالى لهم، وهؤلاء هم الذي وعدهم الله تعالى بالنصر والتمكين.
قال تعالى: (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) الحج/ ٤١.
قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ بعد أن ساق آيات فيها بيان نصر الله تعالى للمؤمنين -: " وفي قوله تعالى: (الذين إِنْ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأرض) الحج/ ٤١ الآية: دليل على أنه لا وعدَ من الله بالنصر إلا مع إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فالذين يمكِّن الله لهم في الأرض، ويجعل الكلمة فيها والسلطان لهم، ومع ذلك لا يقيمون الصلاة، ولا يؤتون الزكاة، ولا يأمرون بالمعروف، ولا ينهون عن المنكر: فليس لهم وعدٌ من الله بالنصر؛ لأنهم ليسوا من حزبه، ولا من أوليائه الذين وعدهم بالنصر، بل هم حزب الشيطان وأولياؤه، فلو طلبوا النصر من الله بناء على أنه وعدهم إياه: فمثلهم كمثل الأجير الذي يمتنع من عمل ما أجر عليه، ثم يطلب الأجرة، ومَن هذا شأنه: فلا عقل له.
وقوله تعالى: (إِنَّ الله لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) العزيز: الغالب الذي لا يغلبه شيء، كما قدمناه مراراً بشواهده العربية.
وهذه الآيات تدل على صحة خلافة الخلفاء الراشدين؛ لأن الله نصرهم على أعدائهم؛ لأنهم نصروه، فأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وأمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر، وقد مكَّن لهم، واستخلفهم في الأرض، كما قال: (وَعَدَ الله الذين آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرض) .
والحق: أن الآيات المذكورة تشمل أصحاب رسول الله ﷺ ، وكل من قام بنصرة دين الله على الوجه الأكمل، والعلم عند الله تعالى " انتهى.
"أضواء البيان" (٥/٢٧٢) .
رابعاً:
وبالإضافة لما سبق بيانه: فإنه يجب أن يُعلم أن للنصر أسبابه، ومن أراد النصر دون القيام بأسبابه فهو مخالف للشرع والعقل.
قال الشيخ سعيد بن علي بن وهف القحطاني – حفظه الله -: " من المعلوم يقينًا أن النصر على الأعداء له أسباب تحققه للمسلمين على عدوهم بإذن الله تعالى، ومن هذه الأسباب ما يأتي:
١. الإيمان والعمل الصالح.
قال الله تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) النور/٥٥.
٢. نصر دين الله تعالى.
ومن أعظم أسباب النصر: نصر دين الله تعالى، والقيام به، قولاً، واعتقاداً، وعملاً، ودعوةً.
قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ. وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ) محمد /٧، ٨.
٣. التوكل على الله، والأخذ بالأسباب.
التوكل على الله مع إعداد القوة من أعظم عوامل النصر.
قال تعالى: (فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) آل عمران/ ١٥٩.
ولابد من التوكل من الأخذ بالأسباب؛ لأن التوكل يقوم على ركنين عظيمين:
الأول: الاعتماد على الله والثقة بوعده ونصره تعالى.
الثاني: الأخذ بالأسباب المشروعة؛ ولهذا قال الله تعالى: (وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ) الأنفال/ ٦٠.
٤. المشاورة بين المسؤولين لتعبئة الجيوش الإسلامية.
كان رسول الله ﷺ يشاور أصحابه، مع كمال عقله، وسداد رأيه؛ امتثالاً لأمر الله تعالى، وتطييبًا لنفوس أصحابه، قال سبحانه: (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) الشورى/ ٣٨.
٥. الثبات عند لقاء العدو.
من عوامل النصر: الثبات عند اللقاء، وعدم الانهزام والفرار.
عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ عن النبي ﷺ قال: (يا أيها الناس، لا تمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف) .
٦. الشجاعة والبطولة والتضحية.
من أعظم أسباب النصر: الاتصاف بالشجاعة، والتضحية بالنفس، والاعتقاد بأن الجهاد لا يقدم الموت، ولا يؤخره.
قال الله تعالى: (أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ) النساء/ ٧٨.
٧. الدعاء وكثرة الذِّكر.
من أعظم وأقوى عوامل النصر: الاستغاثة بالله، وكثرة ذكره؛ لأنه القوي القادر على هزيمة أعدائه، ونصر أوليائه.
قال تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) البقرة/ ١٨٦
٨. طاعة الله، ورسوله ﷺ .
طاعة الله ورسوله ﷺ من أقوى دعائم وعوامل النصر.
قال تعالى: (وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ) النور/ ٥٢.
٩. الاجتماع وعدم النزاع.
يجب على المجاهدين أن يحققوا عوامل النصر ولا سيما الاعتصام بالله، والتكاتف، وعدم النزاع والافتراق.
قال الله تعالى: (وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) الأنفال/ ٤٦.
١٠. الصبر والمصابرة.
لابد من الصبر في الأمور كلها، ولا سيما الصبر على قتال أعداء الله ورسوله.
قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) آل عمران/ ٢٠٠.
١١. الإخلاص لله تعالى.
لا يكون المقاتل والغازي مجاهداً في سبيل الله إلا بالإخلاص.
قال الله تعالى: (وَلَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَراً وَرِئَاءَ النَّاسِ) الأنفال/ ٤٧.
١٢. الرغبة فيما عند الله تعالى.
مما يعين على النصر على الأعداء هو: الطمع في فضل الله، وسعادة الدنيا، والآخرة.
١٣. إسناد القيادة لأهل الإيمان.
من أسباب النصر: تولية قيادة الجيوش، والسرايا، والأفواج، والجبهات، لمن عُرفوا بالإيمان الكامل، والعمل الصالح، ثم الأمثل فالأمثل.
قال الله تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) الحجرات/ ١٣.
١٤. التحصن بالدعائم المنجيات من المهالك والهزائم ونزول العذاب.
وتتلخص في اتباع الدعائم المنجيات الآتية:
أولاً: التوبة، والاستغفار من جميع المعاصي والذنوب، كبيرها، وصغيرها، ولا تقبل التوبة إلا بشروط على النحو الآتي:
الإقلاع عن جميع الذنوب وتركها.
العزيمة على عدم العودة إليها.
الندم على فعلها.
فإن كانت المعصية في حق آدمي فلها شرط رابع وهو التحلل من صاحب ذلك الحق.
ثانياً: تقوى الله تعالى، وهي أن يجعل العبد بينه وبين ما يخشاه من ربه ومن غضبه وسخطه وعقابه وقاية تقيه من ذلك.
ثالثاً: أداء جميع الفرائض، وإتباعها بالنوافل.
رابعاً: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
خامساً: الاقتداء بالنبي ﷺ في جميع الاعتقادات، والأقوال، والأفعال.
سادساً: الدعاء، والضراعة " انتهى.
"الجهاد في سبيل الله، فضله، ومراتبه، وأسباب النصر على الأعداء" للشيخ سعيد بن علي بن وهف القحطاني (ص٢١ - ٣٠) باختصار.
وانظر أجوبة الأسئلة: (٣١٨٨٨) و (٣٤٨٣٠) و (٤٦٨٠٧) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6815
حكم الجهاد وأنواعه
[السُّؤَالُ]
ـ[في هذا الوقت وهذا العمر، هل الجهاد فرض على كل رجل قادر عليه؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
الجهاد مراتب، منها ما هو واجب على كل مكلف، ومنها هو واجب على الكفاية، إذا قام بعض المكلفين سقط التكليف عن الباقين، ومنها ما هو مستحب.
فجهاد النفس وجهاد الشيطان واجبان على كلِّ مكلف، وجهاد المنافقين والكفار وأرباب الظلم والبدع والمنكرات واجب على الكفاية، وقد يتعين جهاد الكفار باليد على كل قادر في حالات معينة يأتي ذكرها.
قال ابن القيم ﵀:
إذا عرف هذا فالجهاد أربع مراتب: جهاد النفس، وجهاد الشيطان، وجهاد الكفار، وجهاد المنافقين.
فجهاد النفس أربع مراتب أيضاً:
إحداها: أن يجاهدها على تعلم الهدى ودين الحق الذي لا فلاح لها ولا سعادة في معاشها ومعادها إلا به ومتى فاتها عمله شقيت في الدارين.
الثانية: أن يجاهدها على العمل به بعد عمله، وإلا فمجرد العلم بلا عمل إن لم يضرها لم ينفعها.
الثالثة: أن يجاهدها على الدعوة إليه وتعليمه من لا يعلمه وإلا كان من الذين يكتمون ما أنزل الله من الهدى والبينات ولا ينفعه علمه ولا ينجيه من عذاب الله.
الرابعة: أن يجاهدها على الصبر على مشاق الدعوة إلى الله وأذى الخلق ويتحمل ذلك كله لله.
فإذا استكمل هذه المراتب الأربع صار من الربانيين، فإن السلف مجمعون على أن العالم لا يستحق أن يسمى ربانيا حتى يعرف الحق ويعمل به ويعلّمه فمن علّم وعمل وعلم فذاك يدعى عظيما في ملكوت السماوات.
وأما جهاد الشيطان فمرتبتان:
إحداهما: جهاده على دفع ما يلقي إلى العبد من الشبهات والشكوك القادحة في الإيمان.
الثانية: جهاده على دفع ما يلقي إليه من الإرادات الفاسدة والشهوات.
فالجهاد الأول يكون بعده اليقين، والثاني يكون بعده الصبر، قال تعالى: ﴿وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون﴾ السجدة/٢٤، فأخبر أن إمامة الدين إنما تنال بالصبر واليقين، فالصبر يدفع الشهوات، والإرادات الفاسدة واليقين يدفع الشكوك والشبهات.
وأما جهاد الكفار والمنافقين فأربع مراتب:
بالقلب واللسان والمال والنفس.
وجهاد الكفار أخص باليد، وجهاد المنافقين أخص باللسان.
وأما جهاد أرباب الظلم والبدع والمنكرات فثلاث مراتب:
الأولى: باليد إذا قدر، فإن عجز انتقل إلى اللسان، فإن عجز جاهد بقبله.
فهذه ثلاثة عشر مرتبة من الجهاد، و " من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق " – رواه مسلم (١٩١٠) -.
" زاد المعاد (٣ / ٩ – ١١) .
وقال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀:
الجهاد أقسام: بالنفس، والمال، والدعاء، والتوجيه والإرشاد، والإعانة على الخير من أي طريق، وأعظم الجهاد: الجهاد بالنفس، ثم الجهاد بالمال والجهاد بالرأي والتوجيه، والدعوة كذلك من الجهاد، فالجهاد بالنفس أعلاها.
" فتاوى الشيخ ابن باز " (٧ / ٣٣٤، ٣٣٥) .
ثانياً:
وجهاد الكفار باليد مرَّ في مراحل متنوعة بحسب الحال الذي كانت عليه أمة الإسلام:
قال ابن القيم ﵀:
أول ما أوحى إليه ربه ﵎ أن يقرأ باسم ربه الذي خلق وذلك أول نبوته فأمره أن يقرأ في نفسه ولم يأمره إذ ذاك بتبليغ، ثم أنزل عليه (يا أيها المدثر قم فأنذر) المدثر فنبأه بقوله ﴿اقرأ﴾ ، وأرسله بـ ﴿يا أيها المدثر﴾ .
ثم أمره أن ينذر عشيرته الأقربين، ثم أنذر قومه، ثم أنذر من حولهم من العرب، ثم أنذر العرب قاطبة، ثم أنذر العالمين، فأقام بضع عشرة سنة بعد نبوته ينذر بالدعوة بغير قتال ولا جزية ويؤمر بالكف والصبر والصفح.
ثم أُذن له في الهجرة، وأذن له في القتال.
ثم أمره أن يقاتل مَن قاتله ويكف عمن اعتزله ولم يقاتله.
ثم أمره بقتال المشركين حتى يكون الدين كله له.
ثم كان الكفار معه بعد الأمر بالجهاد ثلاثة أقسام: أهل صلح وهدنة، وأهل حرب، وأهل ذمة.
" زاد المعاد " (٣ / ١٥٩) .
ثالثاً:
وحكم الجهاد باليد للكفار: فرض على الكفاية:
قال ابن قدامة:
قال: (والجهاد فرض على الكفاية، إذا قام به قوم، سقط عن الباقين) :
معنى فرض الكفاية، الذي إن لم يقم به من يكفي، أثم الناس كلهم، وإن قام به من يكفي، سقط عن سائر الناس. فالخطاب في ابتدائه يتناول الجميع، كفرض الأعيان، ثم يختلفان في أن فرض الكفاية يسقط بفعل بعض الناس له، وفرض الأعيان لا يسقط عن أحد بفعل غيره والجهاد من فروض الكفايات، في قول عامة أهل العلم.
" المغني " (٩ / ١٦٣) .
وقال الشيخ عبد العزيز بن باز:
سبق أن بينَّا أكثر من مرة أن الجهاد فرض كفاية لا فرض عين، وعلى جميع المسلمين أن يجاهدوا في نصر إخوانهم بالنفس والمال والسلاح والدعوة والمشورة، فإذا خرج منهم من يكفي: سلم الجميع من الإثم، وإذا تركوه كلهم أثموا جميعاً.
فعلى المسلمين في المملكة وإفريقيا والمغرب وغيرها أن يبذلوا طاقتهم، والأقرب فالأقرب، فإذا حصلت الكفاية من دولة أو دولتين أو ثلاث أو أكثر سقط عن الباقين، وهم مستحقون للنصر والتأييد، والواجب مساعدتهم ضد عدوهم؛ لأنهم مظلومون، والله أمر بالجهاد للجميع، وعليهم أن يجاهدوا ضد أعداء الله حتى ينصروا إخوانهم، وإذا تركوا ذلك أثموا، وإذا قام به من يكفي: سقط الإثم عن الباقين.
" فتاوى الشيخ ابن باز " (٧ / ٣٣٥) .
رابعاً:
ويكون الجهاد الكفار باليد واجباً في أربع حالات هي:
١- إذا حضر المسلم الجهاد.
٢- إذا حضر العدو وحاصر البلد.
٣- إذا استنفر الإمام الرعية يجب عليها أن تنفر.
٤- إذا احتيج إلى ذلك الشخص ولا يسد أحد مسدَّه إلا هو.
يقول الشيخ ابن عثيمين:
يجب الجهاد ويكون فرض عين إذا حضر الإنسان القتال وهذا هو الموضع الأول من المواضيع التي يتعين فيها الجهاد؛ لقول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً فلا تولوهم الأدبار ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفاً لقتال أو متحيزاً إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير﴾ الأنفال/١٦، وقد أخبر النبي ﷺ : أن التولي يوم الزحف من الموبقات حيث قال: " اجتنبوا السبع الموبقات، وذكر منها التولي يوم الزحف " متفق عليه إلا أن الله تعالى استثنى حالتين:
الأولى: أن يكون متحَرّفاً لقتال بمعنى أن يذهب لأجل أن يأتي بقوة أكثر.
الثانية: أن يكون منحازاً إلى فئة بحيث يذكر له أن فئة من المسلمين من الجانب الآخر تكاد تنهزم فيذهب من أجل أن يتحيز إليها تقوية لها، وهذه الحالة يشترط فيها: أن لا يخاف على الفئة التي هو فيها، فإن خيف على الفئة التي هو فيها فإنه لا يجوز أن يذهب إلى الفئة الأخرى، فيكون في هذا الحالة فرض عين عليه لا يجوز له الانصراف عنه.
الثاني: إذا حصر بلده العدو فيجب عليه القتال دفاعاً عن البلد، وهذا يشبه من حضر الصف في القتال؛ لأن العدو إذا حصر البلد فلا بد من الدفاع؛ إذ إن العدو سيمنع الخروج من هذا البلد، والدخول إليه، وما يأتي لهم من الأرزاق، وغير ذلك مما هو معروف، ففي هذا الحال يجب أن يقاتل أهل البلد دفاعاً عن بلدهم.
الثالث: إذا قال الإمام انفروا، والإمام هو ولي الأمر الأعلى في الدولة، ولا يشترط أن يكون إماماً للمسلمين؛ لأن الإمامة العامة انقرضت من أزمنة متطاولة، والنبي ﷺ قال: " اسمعوا وأطيعوا ولو تأمر عليكم عبد حبشي "، فإذا تأمر إنسان على جهة ما صار بمنزلة الإمام العام، وصار قوله نافذاً، وأمره مطاعاً.
" الشرح الممتع " (٨ /١٠
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 6816
حكم الجهاد
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يعتبر الجهاد فرض عين علينا الآن وقد انتهكت حقوق المسلمين عن طريق الغزو الأجنبي أو غيره؟ وما هو الحكم في القاعدين الذين لا يملكون حيلة، غير أنهم لو استنفروا لأجابوا، ولجاهدوا في سبيل الله، وإنما حبستهم تلك الظروف التي تعانيها الأمة الإسلامية، من أن الحكم فيها لغير الله، مع الأدلة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الجهاد لإعلاء كلمة الله، وحماية دين الإسلام، والتمكين من إبلاغه ونشره، وحفظ حرماته فريضة على من تمكن من ذلك وقدر عليه، ولكنه لا بد له من بعث الجيوش، وتنظيمها؛ خوفا من الفوضى، وحدوث ما لا تحمد عقباه؛ ولذلك كان بدؤه، والدخول فيه من شأن ولي أمر المسلمين، فعلى العلماء أن يستنهضوه لذلك، فإذا ما بدأ واستنفر المسلمين، فعلى من قدر عليه أن يستجيب للداعي إليه، مخلصا وجهه لله، راجيا نصرة الحق، وحماية الإسلام، ومن تخلف عن ذلك مع وجود الداعي، وعدم العذر؛ فهو آثم.
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
[الْمَصْدَرُ]
فتاوى اللجنة الدائمة ١٢/١٢.
стр. 6817
هل يجوز لها أن تعمل مربية لبنت تعمل أمها في " كازينو "؟
[السُّؤَالُ]
ـ[امرأة مسلمة تقيم في أمريكا، تعمل مربية وحاضنة لطفلة صغيرة أثناء غياب جدتها في العمل، وجدتها هي المسئولة عنها. وهي التي تدفع المال للمربية، وقد علمت مؤخراً أن أم الطفلة تعمل في "كازينو" وعملها فيه هو غسل الأواني فقط لا غير، ولها عدة أسئلة: ١. هل هذا العمل كله في حد ذاته لا يجوز الاستمرار فيه؟ . ٢. وهل المال التي تقبضه منها هو مال حرام؟ ، تقول هي: لما علمت بالأمر لم تتصرف بالمبلغ الأخير الذي حصلت عليه من هذه المرأة حتى تسأل ما حكم الشرع في هذا؟ ٣. تقول: وإذا كان هذا المال حراماً ماذا تعمل بالذي ما زال محفوظاً عندها؟ وماذا عليها فيما أخذته سابقا قبل أن تعلم بالحقيقة؟ . ٤. أيضاً تقول: إن " الجدَّة " هي التي تدفع هذا المبلغ المالي لهذه المسلمة؛ لأن هذه الجدة هي التي تحضن حفيدتها، وتقوم بمصالحها ورعايتها. ٥. أيضاً تقول: إن كانت هذه المرأة المسلمة محتاجة للضرورة لهذا العمل، ولهذا الدخل المالي، فهل لها أن تأخذه؟ وتستمر في هذا العمل أم لا؟ . مع العلم أني حاولت كثيراً دعوة هذه الجدة إلى الإسلام، ولكن دون جدوى.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
نقول للأخت المسئول عنها:
زادكِ الله حرصاً وتفقهاً في دينكِ، وشكر لكِ تحرِّيكِ الحلال من الرزق، ونسأل الله أن يتم عليك نعمه، ويزيدك من فضله، ونفصل لها في الجواب فنقول:
أولاً:
لا يجوز للمسلم الإقامة في بلاد الكفار إلا لعذر شرعي – كعلاج ودعوة وتجارة -؛ لما في ذلك من خطورة على دين المسلم، وعلى أسرته إن كان له زوجة وأولاد، ولا يستطيع المسلم أن يربي أولاده التربية الإسلامية الصحيحة، ولا أن يؤدي الأمانة على وجهها، وهو مستقر في تلك البلاد، ولا يعدُّ العمل من الأعذار التي تبيح لأحدٍ من المسلمين الإقامة في بلاد الكفر، ويتأكد النهي والمنع والمفسدة في حال كون المقيم والعامل هناك امرأة.
سئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء:
ما حكم العمل في دول الكفر، كدول أوربا وأمريكا؟ وهل يتغير الحكم لو عمل عند مسلم في مؤسسات مسلمة، ولكن في نفس البلد الكافر؟ .
فأجابوا:
" يجب على المسلم أن يهاجر من ديار الكفر إلى ديار الإسلام؛ محافظة على دينه؛ وتكثيراً لجماعة المسلمين؛ وليتعاون معهم على إقامة شعائر الإسلام، وسيجد لنفسه - بإذن الله - طرقاً عدة للكسب والمعيشة المباركة بين المسلمين، مع الأمن على دينه إن اتقى الله، قال الله تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا. وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً) الطلاق/ ٢،٣.
ومِن هذا يُعلم أن عمل المسلم في بلاد الكفر - وهو يقوى على الهجرة منها إلى بلاد الإسلام -: لا يجوز، سواء كان عمله في محل كافر أم مسلم، إلا أنَّ عمله في محل كافر أشدُّ منعاً؛ لما يتوقع في ذلك من مزيد الخطر والذل، لكن إذا كان عالِماً وله نشاط في الدعوة إلى الإسلام، ويرجى أن يتأثر الكفار بدعوته، وتقوم به الحجة عليهم، ولا يُخشى عليه فتنة في دينه أو نفسه: فله أن يقيم بينهم للقيام بواجب الدعوة إلى الله، ونشر الإسلام.
ومن كان مستضعفا لا يقوى على الهجرة: فهو معذور في إقامته بين الكفار، وعلى إخوانه المسلمين أن يساعدوه ليتمكن من الهجرة إلى بلد يأمن فيه على دينه " انتهى.
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (١٤ / ٤٧٥، ٤٧٦) .
وينظر جوابي السؤالين: (٣٨٢٨٤) و (١٣٣٦٣) .
ثانياً:
إذا أبى المسلم إلا الإقامة في بلاد الكفر، أو كان لا يستطيع الخروج منها لعذرٍ شرعي: فإنه إن تمكن من ترك العمل عند الكفار فهو أولى، وليُعلم أن عمله يكون محرَّماً – سواء كان عند مسلم أم عند كافر - إن كانت طبيعته محرَّمة، كأن يعمل في محل لبيع الخمور، أو في فندق تشتمل خدماته على المحرمات، أو في بنوك ربوية، أو شركات تعمل في مجالات تنشر الفساد والمعاصي والموبقات، كما لا يجوز أن تكون بيئة العمل مختلطة رجالاً ونساءً.
ومن عمل عند كافرٍ في عمل مباحٍ: فماله حلال، ولو كان أجيراً عند كافرٍ، مع أن الأولى أن لا يفعل ذلك.
قال ابن قدامة ﵀:
" ولو أجَّر مسلمٌ نفسَه لذميٍّ لعملٍ: صحَّ؛ لأن عليّاً ﵁ أجَّر نفسَه مِن يهوديٍّ يستقي له كل دلو بتمرة، وأخبر النبي ﷺ بذلك فلم ينكره " انتهى " المغني " (٤ / ٣٣٣) .
وسئل علماء اللجنة الدائمة:
ما حكم مَن يشتغل عند شخص غير مسلم، هذه النقود التي يقبضها مِن عنده هل هي حلال أم حرام؟ .
فأجابوا:
" تأجير المسلم نفسه للكافر: لا بأس به إذا كان العمل الذي يقوم به مباحاً: كبناء جدار، أو بيع سلعة مباحة، أو ما أشبه ذلك من الأعمال المباحة؛ لأن عليّاً ﵁ أجَّر نفسه ليهودي بتمرات على نضح الماء ل من البئر، فعن ابن عباس ﵄ (أن عليّاً ﵁ أجَّر نفسه من يهودي يسقي له كل دلو بتمرة) أخرجه البيهقي وابن ماجه " انتهى.
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (١٤ / ٤٨٦) .
وبخصوص عملك في رعاية وعناية حفيدة تلك الجدة: فالذي يظهر لنا هو أن عملكِ مباح، وأن المال الذي كسبتِه قديما وحديثاً حلال لكِ، وبخاصة أن عملك لا يتطلب الخروج من المنزل، ولا الاختلاط بالرجال، ولا الذل للكفار، بل أنتِ آمنة مستقرة في بيتك، وهم الذين يُحضرون ابنتهم عندك، وأما إن كنتِ أنتِ التي تذهبين إليهم: فلتحذري من وجود الرجال الأجانب عنك، وما فيه من مفاسد ومحرَّمات، ولتحذري من الخلوة مع أحدهم؛ فهو من المحرَّمات، واحرصي على أن يكون الأمر على الصورة الأولى، وهي أنهم هم الذين يحضرون ابنتهم إلى بيتكِ.
واحرصي وإستمري على دعوة الجدة وابنتها للإسلام، قال تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) فصلت/ ٣٣، وقَالَ سَهْلٌ بْنُ سَعْد ﵁ ٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَم) رواه البخاري (٢٨٤٧) ومسلم (٢٤٠٦) .
ونوصيكِ بإتقان عملك، حتى تكوني أنموذجاً للمسلم الذي يؤدي الأمانة على وجهها، وإن كنَّا نرى لك عدم البقاء في تلك الديار، كما سبق وذكرنا في أول الجواب، لكن هذا لا يمنعنا من ذِكر حكم عملك، ولا يمنع من نصحك وتوجيهك للأصلح لك ولدينك.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6818
حكم الإسلام في الدفاع عن النفس
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هو رأي الإسلام في الدفاع عن النفس؟ أهو من الحقوق؟ وهل توجد شروط لهذا الحق؟ وهل يتناول القرآن موضوع الدفاع عن النفس؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
حفظ النفس والعرض والعقل والمال والدين من الضرورات الشرعية المعروفة، وهي الضرورات الخمس المعروفة عند المسلمين، فيجب على الإنسان أن يحافظ على نفسه، ولا يجوز أن يتعاطى ما يضره، ولا يجوز له أيضا أن يمكّن أحدا من أن يُضرّ به، فإذا صال عليه إنسان أو سبع أو غيرهما وجب عليه الدفاع عن نفسه أو أهله أو ماله، فإن قتل فهو شهيد،والقاتل في النار.
وإذا كان الضرر المترتب على هذا الظلم شيئا يسيرا، وتركه لله، لاشك أن الله سوف يعوضه عنه ما لم يكن سببا في زيادة هذا الظلم عليه أو على غيره.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ: عبد الكريم الخضير.
стр. 6819
الفرق بين الجهاد والقتال، وأنواع الجهاد في سبيل الله
[السُّؤَالُ]
ـ[ما الفرق بين الجهاد والقتال؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الجهاد أعم من القتال، فالجهاد يكون باللسان، ويكون بالسنان - وهو القتال -، ويكون بالمال، وتحت كل مرتبة مراتب متعددة.
فالجهاد باللسان منه جهاد الكافرين، ومنه جهاد المنافقين، ومنه جهاد أهل البدع، ومنه جهاد أهل الضلال والشهوات.
وأما القتال فلا يكون إلا بالسنان، فمنه قتال الكفار، ومنه قتال البغاة، ومنه قتال الخوارج.
وأعظم أنواع القتال قتال الذين كفروا؛ فإن الله جل وعلا أمر بقتالهم والتنكيل بهم، قال تعالى: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) التوبة/٢٩، وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً) التوبة/١٢٣ أي: شدة.
وجهاد الكفار بالسنان نوعان: جهاد طلب، وجهاد دفع.
- فجهاد الطلب أن نغزو الكفار في ديارهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون.
قال النبي ﷺ : (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلا بِحَقِّ الإِسْلامِ وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ) رواه البخاري (٢٥) ومسلم (٢٠)
وليس المقصود من هذا النوع قتال الكفار وأخذ أموالهم، بل شُرِع الجهاد لحكم ومصالح عظيمة، قد سبق ذكرها في السؤال (٣٤٦٤٧)
والنوع الثاني وهو جهاد الدفع: فإذا داهم العدو بلدا إسلاميا، أو قاتل العدو إحدى البلاد الإسلامية، فالجهاد حينئذ واجب، فإن قامت الكفاية بأهل تلك البلاد، فَبِها ونِعْمَت، فالبقية يساندونهم بالمال والدعاء، وإن لم تقم الكفاية بأهل تلك البلاد، وجب على من قرب منهم أن يقوم معهم، كلٌّ على قدر طاقته، فهذا بماله، وهذا بلسانه، وهذا بنفسه وسلاحه.
والله أعلم راجع السؤال (٢٠٢١٤) (٣٤٨٣٠) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6820
الحيلة والخداع في الحرب
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يُجيز الإسلام الحيلة والخداع في الحروب؟ وهل مثل ذلك الغدر والخيانة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
فقد حرم الله تعالى الغدر وذمَّ فاعله فقال تعالى: " الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون " الأنفال ٥٦.
وقال ﷺ : " لكل غادر لواء يوم القيامة يُعرف به " رواه البخاري (٦٩٦٦) ومسلم (١٧٣٦) .
وأخرج البخاري عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: " أربع خلال من كنَّ فيه كان منافقاً خالصاً إذا حدَّث كذب وإذا وعد أخلف وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر ومن كان فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها " رواه البخاري (٣٨٧٨) ومسلم (٥٨) .
وعن مالك قال: بلغني أن عبد الله بن عباس قال: ما ختر قوم بالعهد إلا سلط الله عليهم العدو. الموطأ / باب ما جاء في الوفاء بالعهد.
ومع هذا التنفير من الغدر جَوَّزَ الشرع الخداع في الحرب لتحقيق الظفر قال النووي: اتفق العلماء على جواز خداع الكفار في الحرب كيف أمكن الخداع إلا أن يكون فيه نقض عهد أو أمان فلا يحل.
وقد قال النبي ﷺ : " الحرب خدعة " رواه البخاري (٣٠٢٩) ومسلم (٥٨) ، ومن أخطر عناصر الخديعة مفاجأة العدو وأخذه على غِرَّة قبل أن يستعد للقتال فعندما أراد الرسول ﷺ أن يتوجه إلى مكة لفتحها أمر المسلمين أن يتجهزوا دون أن يبوح لأحد بقصده إلا بعد التحرك نحو مكة وبعد أن أخذ كل الاحتياطات لمنع وصول الأخبار إلى المشركين.
وكان ﷺ يبعث بسرايا كثيرة فيوصيهم بالسير ليلاً والاستخفاء نهاراً حتى يباغتوا عدوهم.
ومع جواز الخداع في الحرب نقول: إن الإسلام قد بلغ شأواً عالياً في الالتزام بالوفاء بالعهد في استعمال هذه المعاريض والحيل الحربية ومن روائع الأمثلة:
أن عمر بن الخطاب كتب إلى عامل جيش كان بعثه: " قد بلغني أن رجالاً منكم يطلبون العلج (وهو الكافر غير العربي) حتى إذا اشتد في الجبل وامتنع يقول: لا تخف فإذا أدركه قتله، وإني والذي نفسي بيده لا يبلغني أن أحداً فعل ذلك إلا ضربت عنقه ".
وعن أبي مسلمة قال: قال عمر بن الخطاب والذي نفسي بيده لو أن أحدكم أشار إلى السماء بإصبعه إلى مشرك ثم نزل إليه على ذلك ثم قتله لقتلته به.
فالإسلام حرم الغدر، والغدر ليس من أبواب الحيلة والخداع الجائز في الحروب.
فالشريعة الإسلامية فرقت بين ما يجوز من وسائل الحيلة وما ينطوي على الغدر ونقض العهد.
أنظر العلاقات الخارجية في دولة الخلافة ١٩٧.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 6821
هل يتعطل الجهاد إذا لم يوجد خليفة
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يمكن أن نشارك في الجهاد إذا لم يكن لدينا خليفة ينظمنا أو ليس لنا قوة على القتال؟
هل يجب أن نتصرف كالرسول ﷺ ونمتلك الصبر والثقة بالله قبل الحصول على القوة لنقاتل الكفار؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الجهاد في سبيل الله تعالى ذروة سنام الإسلام وشعيرة ظاهرة من شعائر الدين لا يتوقف على وجود إمام.. لكن من المعلوم بداهة أن الجهاد يحتاج إلى إعداد وترتيب ووجود قائد للجيش وتراعى في ذلك المصالح والمفاسد وهذا مسلك العدل بين من تهوّر ولم ينضبط بضوابط الشرع وأحكامه وبين من أهمل هذه الشعيرة وعطلها علماً وعملاً..
والواجب التأسي برسول الله ﷺ في جميع شؤونه ومن ذلك إعداد العدة والقوة..
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ محمد آل عبد اللطيف
стр. 6822
لماذا فتح المسلمون الأندلس ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[فهم شخص يهودي من آية في القرآن الكريم أن الإسلام ينهى عن اعتراض الناس في ديارهم، فلماذا في السابق كانت هناك فتوحات إسلامية؟ خاصة عندما ذهب الفارس الإسلامي طارقُ بن زياد لفتح الأندلس، مع أن سكانها كانوا في ديارهم، وقال طارق بن زياد لجنوده: البحر من خلفكم، والعدو أمامكم. أرجو من فضيلتكم توضيح ذلك؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الأندلس حلقة من حلقات التاريخ الإسلامي العظيم، بل هي منارة في تاريخ البشرية كلها، حيث كانت مصدر العلم والمعرفة في الأرض لقرون متطاولة، تعلمت منها أوروبا كلها دروس الحضارة والمدنية، وكان فتحها - بلا شك – من أعظم أحداث القرن الهجري الأولى (٩٢هـ الموافق ٧١١م) ، وكان ذلك العهد أزهى وأرقى عهود بلاد الأندلس منذ بدء التاريخ ولعله إلى آخر الزمان.
ولأهمية هذا الموضوع، كان لا بد من بيان بعض الأمور المهمة المتعلقة بهذا الحدث العظيم:
أولا:
إن أهم مقاصد الجهاد التي شرع من أجلها تبليغ رسالة التوحيد، بكسر جميع الطواغيت التي تحول بينها وبين الناس، ودعوة الناس إلى الإسلام من غير إكراه ولا إجبار، بل عن طواعية واختيار.
يقول الله تعالى: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلَا عُدْوَانَ إِلَاّ عَلَى الظَّالِمِينَ) البقرة/١٩٣
قال قتادة ﵀: " حتى لا يكون شركٌ، "ويكون الدين لله": أن يقال: لا إله إلا الله، عليها قاتل نبيُّ الله، وإليها دعا. " تفسير الطبري (٣/٥٦٧) .
ثانيا:
كانت " الأندلس " واسمها القديم " أيبيرية " خاضعةً للإمبراطورية الرومانية، وفي مطلع القرن الخامس الميلادي – أي حوالي عام ٤١٠ م اجتاحتها قبائل " القُوط " الأريوسية المذهب، وأسسوا فيها دولةً قُوطِيَّة عاصمتها " طليطلة ".
ومن هنا نفهم أن شعوب " الأندلس " الأصلية من الكنعانيين الكاثوليك كانت - قبل الفتح الإسلامي - خاضعة للنفوذ القوطي، وتكوَّنَ سكانها من طبقات أربعة متناقضة متصارعة: طبقة القوط الحكام المستعمرين، وطبقة الأعيان الرومانيين ومعهم الإقطاعيون ورجال الدين، وطبقة اليهود، وطبقة الشعب العامل من سكان البلاد الأصليين.
فهي بلاد محتلة مضطهدة أصلا، ولم تكن تحت حكم سكانها الأصليين، ولم يكن المسلمون هم المبتدئين للاحتلال، إنما خلصوا البلاد من احتلال ظالم إلى بلد مسلم يختار أهله عقيدة المسلمين، وينتسبون إلى دولتهم.
ثالثا:
زيادة على الاحتلال الذي فرضته القبائل القوطية الغربية على بلاد الأندلس، كان التسلط والظلم والاضطراب سمةً بارزة في فترة حكمهم التي امتدت نحو ثلاثة قرون.
يقول حسين مؤنس في كتابه "فجر الأندلس" (ص/٨،١٨-١٩) :
" لكن سلطانهم لم يستقر في البلاد أول الأمر بسبب ما ثار بينهم وبين أهل البلاد من منازعات دينية، وبسبب ما شجر بين أمرائهم من خلافات، ولهذا ظلت البلاد طوال القرن السادس نهبا للحروب الأهلية، وما ينجم عنها من الفوضى وسوء الحال ... - حتى كان آخر حكام القوط – واحد اسمه " رودريكو " (لذريق) ... والظاهر الذي لا تستطيع المناقشة إخفاءه أن الرجل كان يشعر باضطراب الأمر عليه، وأنه ظل حياته متخوفا من وثبة تكون من أحد أعدائه الكثيرين؛ لأن هؤلاء الأعداء لم يكونوا أولاد " غيطشة " وحدهم – الذين استولى " لذريق " على ملكهم – بل كانوا في واقع الأمر جلة الشعب الإيبيري الروماني واليهود، أي معظم أهل البلاد التي اقتحمها القوط عليهم " انتهى باختصار.
وقد حاول كثير من المؤرخين الأسبان أن يدافعوا عن دولة القوط - تعصبا منهم في رفض الوجود الإسلامي في تلك البلاد - إلا أن كتب التاريخ مليئةٌ بالأدلة على ما ذكره الأستاذ حسين مؤنس في شأن رفض أهل البلاد حكم القوطيين، حتى نقل في (ص/١٠) عن " رفائيل بالستيروس " المؤرخ الإسباني قوله: إن العرب لو لم يتدخلوا في سنة ٧١١هـ في شؤون الجزيرة، ويضعوا نهاية لهذا العصر المضطرب، لَبَلَغَ القوطُ بإسبانيا مبلغا من السوء لا يسهل تصوره.
رابعا:
لما اشتد ظلم حكام القوط في تلك البلاد، وضاق الشعب بهم، أرسلوا إلى المسلمين يطلبون منهم تخليصهم والنجاة بهم، فقد أجمعت المصادر العربية على ذكر إرسال حاكم " سبتة " واسمه " يوليان " أو جوليان " إلى موسى بن نصير يطلب منه دخول البلاد وتخليصهم من شر " لذريق "، كما تذكر كثير من المصادر إرسال أبناء " غيطشة " إلى موسى بن نصير يستنجدون به على مَن غصبهم ملك أبيهم، بل إن المصادر التاريخية الغربية تنسب إلى اليهود المضطهدين في " الأندلس " من قبل القوط استنجادَهم بِمَن وراء البحر من " الأفارقة " أو " المسلمين " ليخلصوهم من ظلم " لذريق " وأعوانه، وهو أمر وإن أنكره بعض المؤرخين، غير أن المتفق عليه بينهم أن اليهود تعرضوا في تلك الفترة إلى اضطهاد كاد يفنيهم ولا يبقي لهم أثرا. انظر "فجر الأندلس" لحسين مؤنس (ص/١٤)
وفي النصوص الباقية الموروثة كثير من الأدلة على أن الأندلسيين استقبلوا المسلمين استقال الفاتحين، ومن ذلك:
يقول صاحب كتاب "أخبار مجموعة في فتح الأندلس" (ص/٢٤) متحدثاً عن الخدمات التي قدمها بعض الإسبان لموسى بن نصير:
" فلما نزل الجزيرة، قيل له: اسلك طريقه، قال: ما كنت لأسلك طريقه. قال له العلوج الأدلاء: نحن ندلك على طريق هو أشرف من طريقه، ومدائن هي أعظم خطباً من مدائنه، لم تُفتح بعد، يفتحها الله عليك إن شاء الله " انتهى.
ويقول أيضاً:
" ثم سار إلى مدينة قرمونة، فقدَّم إليها العلوج الذين معه، وهي مدينة ليس بالأندلس أحصن منها، ولا أبعد من أن ترجى بقتال أو حصار، وقد قيل له حين دنا منها: ليست تُؤخذ إلا باللطف، فقدَّم إليها علوجاً ممن قد أمنه واستأمن إليه، مثل " يليان "، ولعلهم أصحاب " يليان "، فأتوهم على حال الأفلال، معهم السلاح، فأدخلوهم مدينتهم، فلما دخلوها بعث إليهم الخيل ليلاً، وفتحوا لهم الباب، فوثبوا على حراسه، ودخل المسلمون قرمونة " انتهى.
بل إن بعض أساقفة النصارى شاركوا في مساعدة المسلمين على الفتح، منهم " أوباس " أسقف " إشبيلية " كما في كتاب "العرب لم يغزوا الأندلس" (ص/١٨٧)
وينقل صاحب كتاب "تاريخ النصارى في الأندلس" (ص/٤٥) عن ما جاء في سيرة القديس " سانت ثيودارد" رئيس أساقفة " أربونة " الذي عاش حوالي سنة (٢٦٦هـ) أنه لما دخل المسلمون لأول مرة إلى " لانجدوك "، انحاز اليهود إليهم، وفتحوا لهم أبواب مدينة
" طولوشة ".
والمسلمون يؤمنون بأن نصرة المظلوم وإحقاق العدل والسلم من أعظم مقاصد الجهاد في الشريعة الإسلامية، دليل ذلك ما وقع في "سيرة النبي ﷺ " من " حِلف الفضول "، حيث تعاهدت القبائل على كف الظالم ونصرة المظلوم ولو كان كافرا.
يقول الشيخ محمد أبو زهرة في كتابه "العلاقات الدولية في الإسلام" (٨٣) :
" الإسلام ينظر إلى الرعايا الذين يُحكَمون بالظلم ويُقيدون في حرياتهم نظرة رحيمة عاطفة، ينصرهم إذا استنصروه، ويرفع عنهم نير الطغيان إن هم استعانوا به " انتهى.
وذلك ما شهد به بعض اليهود حين أدركوا عظيم الفضل الذي أسداه المسلمون لهم في توفير حياة كريمة، وحرية لم يشهدوا لها مثيلا عبر تاريخ وجودهم في أوروبا كلها.
يقول حاييم الزعفراني اليهودي في كتابه "ألف سنة من حياة اليهود في المغرب" (ص/١٣) :
" لقد عرفت اليهودية الأندلسية في مجموعها حياة أكثر رخاء، وأكثر اطمئناناً، كما لم تعرفها في مكان آخر " انتهى.
ويقول نسيم رجوان - رئيس تحرير جريدة اليوم الإسرائيلية -:
" كان اليهود قد عانوا خلال قرون الكثير من الشقاء والبؤس، حيث كان الملوك الإسبان القساة الغلاظ بعيدين كل البعد عن الشفقة والرحمة. وعندما دخل المسلمون إسبانيا لم يكتفوا بتحرير اليهود من الاضطهاد، ولكنهم شجَّعوا بينهم نشر حضارة كانت توازي بخصبها وعمقها أشهر الحضارات في مختلف العصور " انتهى نقلا عن كتاب "أهل الكتاب في المجتمع الإسلامي" (ص/٤٩)
سادسا:
ويُتَوَّجُ ما سبق بالقطع واليقين، حين نستحضر أن فتح تلك البلاد لم يستغرق إلا نحو ثلاثة سنين (٩٢هـ - ٩٥هـ) وصل فيها المسلمون إلى فرنسا، ولم يشارك فيه إلا بضعة آلاف من الجنود، مما يقطع لك بأن الأمر لم يكن فتحا عسكريا بالقدر الذي كان فتحا فكريا وعقائديا، آمن فيه سكان " الأندلس " بعقيدة المسلمين، واختاروا – عن حب وطواعية – التسليم لهذا الدين الجديد، والتخلص من طغيان الكنيسة والإقطاع الذي كان سائدا قبل المسلمين، وقد كتب في ذلك واحد من أشهر المؤرخين الإسبان، واسمه " اغناسيو أولاغي " كتابا اشتهر في السبعينيات اسمه " الثورة الإسلامية في الغرب "، ترجمه واختصره الأستاذ المؤرخ المحقق " إسماعيل الأمين " تحت عنوان " العرب لم يغزوا الأندلس "، طباعة " رياض الريس للكتب والنشر "، أراد فيه المؤلف بيان أن التحول إلى الإسلام في الأندلس لم يتم إلا عبر حركة الأفكار وتصارعها، ثم هيمنة ما يسميه المؤلف بالفكرة/القوة، التي شكلت عصب الحضارة العربية الإسلامية في ثلاثة أرباع العالم يومها، ورغم ما في الكتاب من مغالاة في نقد كل ما اشتهر في تاريخ الأندلس، إلا أن الذي يهمنا فيه بعض النصوص التي توحي بأن دخول الإسلام الأندلس لم يكن اعتراضا وقهرا، بل كان فتحا للقلوب وتنويرا للعقول، وليتحمل القارئ الكريم طول النص المنقول، فإنه من أبدع النصوص التي كتبها أعداء الإسلام في أمر يثيره كثير من الحاقدين:
جاء في (ص/٥٥- ٦٦) :
" هكذا يتضاءل الغزو الأجنبي إلى حادث عرضي في حرب أهلية، فهل يبقى من صلة بين هذا الحدث العسكري من جهة، وبين اعتناق الأيبيريين الإسلام، ثم نشوء حضارة إسلامية في أيبيريا من جهة ثانية؟
في الأبحاث المتعلقة بخرافة الغزو جاءت الأرقام دقيقة، وصل طارق بسبعة آلاف رجل لهزيمة رودريك، وجاء موسى بن نصير على رأس ثمانية عشر ألف رجل ليخضع الأيبيريين لسلطانه، أحدث خمسةٌ وعشرون ألف رجل هذا التحول الهائل في اللاتينية والمسيحية والزواج الأحادي، في ضربة واحدة بدَّل الأيبيريون أعرافهم وتقاليدهم وديانتهم، بعد هذا الإنجاز العظيم يبادر العرب دون أي تعزيز لقواتهم ومواقعهم إلى غزو فرنسا!
مع ذلك يبقى من المطلوب تفسير كيف يمكن أن تتم عملية تحويل شعوب أيبيريا المحصَّنة جغرافيا وطبيعيا بهذه السرعة، ومن قبل حفنة ممن نسبت إليهم المجزات، خصوصا أن الأيبيريين والغزاة لم يكونا من أصل مشترك.
من البديهي أن جيشا من هذا النوع كان سيذوب بين الجموع إذا ما خاطر بنفسه وتوغل في عمق البلاد، هذا فضلا عن أن الأيبيريين خلال تاريخهم الطويل لم يكونوا شعبا مسالما في مواجهة مثل هذا النوع من الأحداث، ألم يكن من الممكن أن ينظموا حرب "العصابات" التي كانوا قد قدموا وصفتها إلى العالم بأكمله؟!
ماذا فعل الأيبيريون في هذه الأثناء؟ بعد سنة ٧١١م لم يحدثنا التاريخ عنهم، مع هذا فإن عشرة ملايين نسمة – على أقل تقدير – لم يختفوا هكذا بضربة سحرية في تلك الحقبة السعيدة، لم يكن هناك وسائل إبادة جماعية، وكان يلزم الفاتحون الكثير من الوقت والعمل لجزر هذا العدد بالسيف، لا يمكن لأودية "أشتورش" الصغيرة استقبال هذا العدد من اللاجئين، يكفي هذه الأودية أنها شكلت حصنا للمتمردين القلائل الذي سيشكلون فيما بعد نواة المملكة المسيحية، هكذا تم إخفاء عشرة ملايين من الأيبيريين من صفحات التاريخ، فإذا كان اجتياح أرض مسيحية من قبل " الكفار " قد بدا بهذه الضخامة، بماذا يمكننا إذن أن نصف اعتناق شعبها الإسلام، وتمثله الحضارة العربية الإسلامية؟ إما أن يكونوا جميعهم قد قتلوا، وإما تم استرقاقهم عبيدا، أو لجؤوا إلى الجبال، أو ببساطة قد تم تجاهل وجودهم من قبل المؤرخين.
لماذا وكيف اعتنقت الجماعات الإنسانية التي كانت متمركزة في المقاطعات البيزنطية في آسيا ومصر وأفريقيا الشمالية وشبه جزيرة أيبيريا إيمانا جديدا ومفهوما جديدا للوجود؟
قد يسهل تحويل خرافة الغزوات العربية المستحيلة جغرافيا وتاريخيا إلى حقيقة، ولكننا لا يمكننا أن ننكر أن حضارةً عربية إسلامية قد امتدت في جميع هذه الأصقاع.
يصاب الباحثون بالدهشة حين يعرفون من خلال الروايات عدد الغزاة: خمسة وعشرون ألف رجل أهلكوا عشرة ملايين!!
في الواقع استمرت عملية اعتناق الدين الإسلامي واكتملت خلال قرنين أو ثلاثة قرون، فكان اعتناقا كاملا أو نهائيا، لم يترك سوى بعض الجزر التي بدا وجودها مشكوكا فيه.
كيف إذًا يمكن تفسير هذه العودة عن المسيحية واعتناق الإسلام بقوة السلاح؟
وماذا كانت نتيجتها؟
بعض المؤرخين قَبِلَ الإجابة التقليدية الجاهزة عن هذه الأسئلة، وبعضهم الآخر أصيب بتشوش فكري.
لم يتمكن هؤلاء من فهم كيفية خضوع شعوب مصر والمقاطعات البيزنطية لما يسمونه بـ "قوانين البدو"، لقد أثبت " كزافيي بلان هول " في كتابه " العالم الإسلامي " أن الإسلام كان دائما دين المدن، مع هذا لنفترض أنهم أُخضعوا بالقوة من قبل جماعات البدو، فلماذا تنازلوا لهؤلاء البدو عن كامل حضارتهم؟
كانت المقاطعات البيزنطية تتمتع بحياة مدنية متقدمة، وكانت المدن المزدهرة كبيرة، كان عدد سكان أنطاكيا حوالي ٣٠٠ ألف نسمة، وكان من بين الأربع مائة أسقفية بيزنطية ثلاث مائة وواحد وسبعون أسقفية موجودة في آسيا، من هنا تظهر أهمية النصر الإسلامي على المستوى الفكري.
هل يتعين علينا أن نتصور أن أبناء المدن قد فُتنوا بمدنية أولئك المتدفقين من تلك الوحشة الواسعة؟ يبدو الأمر مستحيلا إذا لم يكن لدى هؤلاء البدو غير السيف.
التعصب الديني وسوء الفهم الناتجان أحيانا عن انعدام الوعي وأحيانا عن الإرادة الواعية والمتعاظمان مع الزمن أخفيا - تحت جملة من الأكاذيب والخرافات - قسما هاما من تاريخ انتشار الإسلام على طول السواحل الشرقية والجنوبية للبحر المتوسط، وانسجاما مع مفهوم بدائي للتاريخ فسرت التحولات الروحية والاجتماعية والثقافية العملاقة في القرنين السابع والثامن - في عالمي الشرق والبحر المتوسط - كنتيجة لغزوات عسكرية فرضت اللغة والحضارة والدين بالسيف المعقوف!!
الإكراه لا يفسر كل شيء.
في الواقع: إن المؤرخين قد خلطوا بين انتشار الأفكار العبقرية التي تحملها حضارة ما، وبين القدرات العسكرية التي لا تسمح إلا بنشوء إمبراطوريات وقتية تزول مع الزمن.
لقد خلطوا بين القوة العقلية والقوة المادية.
نستنتج من دراسة الحركات المشابهة أن انتشار الإسلام كان نتيجة الفكرة/القوة، وليس نتيجة للقدرة على الهجوم العسكري المسلح، فمثلما سيطرت " الهيلينية " فيما مضى، ويسيطر الغرب اليوم، فإن سيطرة الإسلام لا يمكن أن تكون إلا ثمرة لحركات أفكار/قوة.
أما الاستمرار في الاعتقاد بأن شعوبا تزدهم (أي تغزوهم) في بلادها حضارة هادمة، قد تركت معتقداتها وغيرت عاداتها لأن حفنة من الفرسان الميامين قهرتها عسكريا، فلا يوحي إلا بمفهوم صبياني سخيف للحياة الاجتماعية.
يجب أن يتقلص الجانب العسكري من الأحداث إلى دور ثانوي يتعلق بتفاصيل طرائف الحياة الشخصية. يجب فهم المشكلة في المجال الفكري والثقافي.
لم يكن هناك عدوان عسكري، بل أزمة ثورية، ودعوة حملها الفقهاء وليس الجنرالات.
إن العلماء وحدهم يدركون حركة الشعوب ويقدرون على قيادتها، أما السيادة العسكرية فلا يمكن أن تستمر ثمانية قرون في الأندلس، وإلى الأبد في مساحات شاسعة من العالم " انتهى باختصار.
(من المراجع التاريخية المستفاد منها: "البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب" لابن عذاري المراكشي (٢-٩) ، "نفح الطيب" للمقري ١/٢٢٩-٢٦٣ وغيرها) .
وفي موقعنا بعض الإجابات المتعلقة بموضوع الجهاد، يمكنكم مراجعتها، وهي:
(٢١٩٦١) ، (٢٦١٢٥) ، (٣٤٦٤٧) ، (٤٣٠٨٧)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6823
معاملة الأسرى في الإسلام
[السُّؤَالُ]
ـ[كيف يعامل أسرى الحرب في الإسلام؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
دين الإسلام دين رحمة وعدل، أمرنا بالدعوة إلى دين الله بالتي هي أحسن، وترغيب الناس في الدخول في هذا الدين العظيم، فإن أصر بعض الناس على رفض دين الله وقام في وجه الحكم بما أنزل الله في الأرض وحاربوا الدعوة إلى الله فإننا نخيرهم بين ثلاثة أشياء:
إما الإسلام، فإن أبوا فالجزية (وذلك بأن يدفعوا مبلغاً معيناً للمسلمين مقابل أن يبقوا في أرضهم ويقوم المسلمون بحمايتهم) فإن أبوا فحينئذٍ لم يبق لهم إلا الطريق الذي اختاروه لأنفسهم وهو القتال وإعمال السيف في رقاب الذين آذوا المسلمين وعرقلوا سير الدعوة الإسلامية ووقفوا حجر عثرة في طريق المسلمين لأن ذلك يجعل المسلمين أعزة، والأعداء أذلة حتى إذا أثخناهم في المعركة قتلاً وجرحاً، وتم لنا الرجحان عليهم رجحنا الأسر - المعبر عنه بشدِّ الوثاق -؛ لأنه يكون حينئذٍ من الرحمة الاختيارية وتكون الحرب ضرورة تُقدر بقدرها وليس المراد بها سفك الدماء، وحب الانتقام.
فإذا استولى المسلمون عليهم وساقوهم إلى المكان المُعدّ لهم فإنه لا ينبغي لهم أن يؤذوهم أو يُعذبوهم بضرب أو جوع أو عطش أو تركهم في الشمس أو البرد أو لسعهم بالنار المُحرقة، أو تكميم أفواههم وآذانهم وأعينهم ووضعهم في أقفاص الحيوانات، بل رفق ورحمة، وإطعام وترغيب في الإسلام.
فهذا ثمامة بن أثال – سيد بني حنيفة – جئ به أسيراً، فرُبط بسارية المسجد، فجاء إليه الرسول ﷺ فقال: ماذا عندك يا ثمامة؟
قال: عندي يا محمد خير، إن تقتل تقتل ذا دم – أي أستحق القتل لأني قتلت من المسلمين -، وإن تُنعم تُنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل تُعط منه ما شئت فتركه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ثلاثة أيام وفي كل يوم يأتي إليه فيسأله مثل هذه الأسئلة ويجيبه ثمامة بمثل إجابته تلك، وبعد اليوم الثالث أمر بفك أساره، فانطلق إلى نخلٍ قريب من المسجد فاغتسل ثم جاء إلى النبي ﷺ فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، ثم قال: يا رسول الله: والله ما كان على الأرض أبغض إلى من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه كلها إليَّ، والله ما كان من دين أبغض إليَّ من دينك فأصبح دينك أحب الدين كله إليَّ، والله ما كان من بلد أبغض إليَّ من بلدك فأصبح بلدك أحب إليَّ، وإن خيالتك أخذتني وأنا أريد العمرة فماذا ترى؟
فبشره رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأمره أن يعتمر، فلما قدم مكة قال له قائل: صبوت؟
فقال: لا، ولكني أسلمت مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولا والله لا يأتينكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
فتأمل رحمك الله هذه القصة، وكيف أثرت المعاملة الحسنة في ثمامة إلى أن اقتادته إلى الإسلام، وما كان ذلك ليحصل لولا توفيق الله ثم المعاملة الكريمة التي لقيها ثمامة.
أما في كتاب الله فقد قال الله تعالى في الأبرار: ﴿ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيرا إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكورا﴾ قال ابن كثير – ﵀: "قال ابن عباس كان أسراهم يومئذ مشركين ويشهد لهذا أن رسول الله ﷺ أمر أصحابه يوم بدر أن يكرموا الأسارى فكانوا يقدمونهم على أنفسهم عند الغداء ... قال مجاهد هو المحبوس أي يطعمون الطعام لهؤلاء وهم يشتهونه ويحبونه. انتهى
حكم ربط الأسرى: من المعلوم أن الأسرى لو تمكنوا من الفرار لما ترددوا لأنهم قد يخافون من نهاية مصيرهم، ولا يعلمون ماذا سيقابلهم، لذلك أُمر المسلمون بربط الأسير، وشدِّ يديه إلى عنقه خوفاً من فراره وهو أمرٌ لا يزال سارياً ومعروفاً لدى الناس جميعاً.
ويبدو أن الحكمة من مشروعية الأسر كسر شوكة العدو ودفع شرِّه بإبعاده عن ساحة القتال لمنع فاعليته وأذاه، فضلاً عن توفير أسباب افتكاك أسرى المسلمين بمن عندنا.
حبس الأسرى ...
وحبس الأسير سياسة لاستبانة الأصلح: فلإمام المسلمين حبس الأسرى حتى يرى فيهم وجه المصلحة، فإما أن يقبل فيهم الفداء بالمال، أو يبادلهم بأسرى مسلمين، أو يُطلقهم منّاً بلا مقابل أو يوزعهم على المسلمين رقيقاً وسبياً، أو يقتل الرجال دون النساء واأولاد لنهي النبي ﷺ عن قتلهم.
والغاية من حبس الأسير هي الاحتراز والتحفظ، وكان النبي ﷺ يوصي بهم خيراً، بينما كان الروم ومِن قبلهم الآشوريون والفراعنة يَسمِلُون عيون الأسرى (أي يفقأون أو يكحلون أعينهم بالمسامير المحمَّاة) ويسلخون جلودهم ويُطعمونها الكلاب، حتى فضَّل الأسرى السجناء الموت على الحياة.أحكام السجن ومعاملة السجناء في الإسلام لحسن أبي غدة ٢٥٦.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 6824
إذا كان لديه مال يكفي للحج أو الهجرة الواجبة فأيهما يقدم ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[إذا توفر لي مال يكفي للحج الواجب أو الهجرة من بلد كافر وتبرج عظيم ... إلى بلاد إسلام فماذا أختار؟ مع العلم أن والدي مقيمان الآن في هذا البلد الكافر.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
الحج واجب على الفور في أصح قولي العلماء، ومعنى ذلك: أنه يجب على المكلف الحج بمجرد التمكن من فعله، ولا يجوز له تأخيره من غير عذر، وراجع السؤال رقم (٤١٧٠٢)
ثانيا:
الهجرة من بلاد الكفر تكون واجبة أو مستحبة بحسب حال الإنسان، فإن قدر على إظهار دينه، وأمن الفتنة على نفسه، لم تجب عليه الهجرة، وإن لم يقدر على إظهار دينه، أو خشي الفتنة على نفسه، وجبت.
وإذا وجبت الهجرة، ولم يجد الإنسان مالا ليهاجر ويحج، فالهجرة مقدمة، لأن الحج لا يجب إلا عند وجود نفقة زائدة على الحوائج الأساسية، والهجرة الواجبة تدخل في الحوائج الأساسية، فتقدم على الحج.
وأيضا: تأخير الهجرة بعد وجوبها ضرر على المسلم في دينه، وأما الحج فيجوز تأخيره بعذر، ولا ضرر في ذلك.
وهذا الكلام إنما يتصور في حال وجوب الهجرة في وقت الحج، وإلا فإن وجبت الهجرة قبل الحج، تعين فعلها، ثم إن جاء الحج، وتوفر المال، وجب، وإن لم يكن مال لم يجب.
ونسأل الله تعالى أن يحفظك بحفظه، وأن يثبتك على طاعته.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6825
بعض أحكام الجهاد ودرجات الشهداء وحياتهم بعد الموت
[السُّؤَالُ]
ـ[نرجو من فضلتكم إفادتنا وبشيء من التفصيل حول موضوع " الجهاد في سبيل الله " وذلك من خلال المحاور التالية: ١. مفهوم الجهاد لغة وشرعاً؟ ٢. الشهادة لغة وشرعاً؟ ٣. درجات الشهداء وأنواعها؟ ٤. حياة الشهداء عند ربهم؟ ٥. تأثير إذن الإمام في إعلان الجهاد؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
الجهاد لغةً: بذل واستفراغ ما في الوسع والطاقة من قول أو فعل.
وشرعاً: بذل الجهد من المسلمين في قتال الكفار لإعلاء كلمة الله.
انظر " النهاية في غريب الحديث " لابن الأثير الجزري (١ / ٣١٩) ، و " المصباح المنير " (١ / ١١٢) و"أهمية الجهاد" للدكتور علي بن نفيع العلياني.
ثانياً:
الشهادة لغةً: تطلق على عدة معان: الخبر القاطع , والحضور والمعاينة والعلانية , والموت في سبيل الله.
وشرعاً: من مات من المسلمين في قتال الكفار وبسببه، ويلحق به في أمور الآخرة أنواع كما سيأتي بيانه.
انظر " الموسوعة الفقهية " (٢٦ / ٢١٤ و ٢٧٢) .
ثالثاً:
الشهداء أقسام:
قال النووي ﵀:
" واعلم أن الشهيد ثلاثة أقسام:
أحدها: المقتول في حرب الكفار بسبب من أسباب القتال، فهذا له حكم الشهداء في ثواب الآخرة وفى أحكام الدنيا، وهو أنه لا يغسل ولا يصلى عليه.
والثاني: شهيد في الثواب دون أحكام الدنيا، وهو المبطون والمطعون وصاحب الهدم ومن قتل دون ماله وغيرهم ممن جاءت الأحاديث الصحيحة بتسميته شهيداً، فهذا يغسل ويصلى عليه , وله في الآخرة ثواب الشهداء، ولا يلزم أن يكون مثل ثواب الأول.
والثالث: من غلَّ في الغنيمة وشبهه ممن وردت الآثار بنفي تسميته شهيداً إذا قتل في حرب الكفار، فهذا له حكم الشهداء في الدنيا فلا يغسل ولا يصلى عليه , وليس له ثوابهم الكامل في الآخرة " انتهى.
" شرح النووي على مسلم " (٢ / ١٦٤) .
درجات الشهداء:
مرتبة الشهداء مرتبة عظيمة تلي مرتبة النبيين والصدِّيقين:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
" وقد قال تعالى (فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين) وهذه الأربعة هي مراتب العباد، أفضلهم: الأنبياء ثم الصديقون ثم الشهداء ثم الصالحون " انتهى.
"مجموع الفتاوى" (٢ / ٢٢٣) .
وقد جعل الله تعالى الجنة درجات، وللمجاهدين منها مائة درجة كما جاء في الصحيح عن النبي ﷺ ، فالشهداء ليسوا في منزلة واحدة بل يتفاوتون في منازلهم.
قال ابن حجر ﵀ بعد أن عدَّد الشهداء غير من قتل في المعركة:
" وقد اجتمع لنا من الطرق الجيدة أكثر من عشرين خصلة ... .
قال ابن التين: هذه كلها ميتات فيها شدة، تفضَّل الله على أمة محمد ﷺ بأن جعلها تمحيصاً لذنوبهم، وزيادة في أجورهم، يبلغهم بها مراتب الشهداء.
قلت (ابن حجر) : والذي يظهر أن المذكورين ليسوا في المرتبة سواء، ويدل عليه ما روى أحمد وابن حبان في صحيحه من حديث جابر والدارمي وأحمد والطحاوي من حديث عبد الله بن حبشي وابن ماجه من حديث عمرو بن عنبسة (أن النبي ﷺ سئل: أي الجهاد أفضل؟ قال: من عُقر جوادُه وأُهريق دمه) " انتهى.
" فتح الباري " (٦ / ٤٣، ٤٤) باختصار.
وقد ورد في السنة الصحيحة عن النبي ﷺ ما يبيِّن هذا التفاوت بين الشهداء , ومن ذلك:
أ. عَنْ نُعَيْمِ بْنِ هَمَّارٍ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ : أَيُّ الشُّهَدَاءِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: (الَّذِينَ إِنْ يُلْقَوْا فِي الصَّفِّ لا يَلْفِتُونَ وُجُوهَهُمْ حَتَّى يُقْتَلُوا , أُولَئِكَ يَنْطَلِقُونَ فِي الْغُرَفِ الْعُلَى مِنْ الْجَنَّةِ , وَيَضْحَكُ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ , وَإِذَا ضَحِكَ رَبُّكَ إِلَى عَبْدٍ فِي الدُّنْيَا فَلا حِسَابَ عَلَيْهِ) .
رواه أحمد (٢١٩٧٠) ، وصححه الشيخ الألباني في "السلسلة الصحيحة " (٢٥٥٨) .
ب. عَنْ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدٍ السُّلَمِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (الْقَتْلى ثَلاثَةٌ: رَجُلٌ مُؤْمِنٌ قَاتَلَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا لَقِيَ الْعَدُوَّ قَاتَلَهُمْ حَتَّى يُقْتَلَ , فَذَلِكَ الشَّهِيدُ الْمُفْتَخِرُ فِي خَيْمَةِ اللَّهِ تَحْتَ عَرْشِهِ , لا يَفْضُلُهُ النَّبِيُّونَ إِلا بِدَرَجَةِ النُّبُوَّةِ، وَرَجُلٌ مُؤْمِنٌ قَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا جَاهَدَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا لَقِيَ الْعَدُوَّ قَاتَلَ حَتَّى يُقْتَلَ مُحِيَتْ ذُنُوبُهُ وَخَطَايَاهُ , إِنَّ السَّيْفَ مَحَّاءُ الْخَطَايَا , وَأُدْخِلَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شَاءَ , فَإِنَّ لَهَا ثَمَانِيَةَ أَبْوَابٍ , وَلِجَهَنَّمَ سَبْعَةَ أَبْوَابٍ , وَبَعْضُهَا أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ، وَرَجُلٌ مُنَافِقٌ جَاهَدَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ حَتَّى إِذَا لَقِيَ الْعَدُوَّ قَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى يُقْتَلَ فَإِنَّ ذَلِكَ فِي النَّارِ , السَّيْفُ لا يَمْحُو النِّفَاقَ) .
رواه أحمد (١٧٢٠٤) وجوَّد إسنادَه المنذري في " الترغيب والترهيب " (٢ / ٢٠٨) وحسنه الألباني في " صحيح الترغيب " (١٣٧٠) .
ج. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُبْشِيٍّ الْخَثْعَمِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ: أَيُّ الْجِهَادِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: (مَنْ جَاهَدَ الْمُشْرِكِينَ بِمَالِهِ وَنَفْسِهِ) قِيلَ: فَأَيُّ الْقَتْلِ أَشْرَفُ؟ قَالَ: مَنْ أُهَرِيقَ دَمُهُ وَعُقِرَ جَوَادُهُ. رواه أبو داود (١٤٤٩) والنسائي (٢٥٢٦) . وصححه الألباني في " صحيح الترغيب " (١٣١٨) .
د. عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب , ورجل قام إلى أمام جائر فأمره ونهاه , فقتله) رواه الحاكم وصححه الألباني في "السلسة الصحيحة" (٣٧٤) .
رابعاً:
وأما حياة الشهداء عند ربهم فهي حياة برزخية، يُكرمهم فيها ربهم بنعيم الجنة، وهم متفاوتون فيها بتفاوت أعمالهم في الدنيا ونياتهم.
قال الله تعالى: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ. فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَاّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ. يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ) آل عمران/ ١٦٩-١٧١.
وقال تعالى: (وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ) البقرة/١٥٤.
قال الشيخ ابن عثيمين:
" والمراد: أحياء عند ربهم، كما في آية آل عمران؛ وهي ياة برزخية لا نعلم كيفيتها؛ ولا تحتاج إلى أكل، وشرب، وهواء، يقوم به الجسد؛ ولهذا قال تعالى: (ولكن لا تشعرون) أي: لا تشعرون بحياتهم؛ لأنها حياة برزخية غيبية؛ ولولا أن الله أخبرنا بها ما كنا نعلم بها ...
ومن فوائد الآية: إثبات حياة الشهداء؛ لكنها حياة برزخية لا تماثل حياة الدنيا؛ بل هي أجلّ، وأعظم، ولا تعلم كيفيتها " انتهى.
" تفسير سورة البقرة " (٢ / ١٧٦، ١٧٧) .
وقال ابن رجب الحنبلي ﵀ تحت باب " في ذكر محل أصحاب أرواح الموتى في البرزخ " -:
" وأما الشهداء: فأكثر العلماء على أنهم في الجنة، وقد تكاثرت بذلك الأحاديث:
ففي صحيح مسلم (١٨٨٧) عن مسروق قال: سألْنا عبدَ الله بن مسعود عن هذه الآية (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) قال: أما إنا قد سألنا عن ذلك فقال: (أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى تلك القناديل) . . . .
وخرج الإمام أحمد وأبو داود والحاكم – وحسَّنه الألباني في " صحيح الترغيب " (١٣٧٩) - من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : (لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة , وتأكل من ثمارها , وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش , فلما وجدوا مأكلهم ومشربهم ومقلبهم قالوا: من يبلغ عنا إخواننا أنا أحياء في الجنة نرزق , لئلا ينكلوا عن الحرب , ولا يزهدوا في الجهاد , قال: فقال الله تعالى: أنا أبلغهم عنكم فأنزل الله تعالى: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون)) .
وخرَّج الترمذي والحاكم - وصححه الألباني في " صحيح الترغيب " (١٣٧٦٢) - من حديث ابن عباس عن النبي ﷺ قال: (رأيت جعفر بن أبي طالب ملكاً يطير في الجنة مع الملائكة بجناحين) " انتهى.
" أهوال القبور " (ص ٩٢ – ١٠٤) ط دار الكتاب العربي.
خامساً:
وأما استئذان الإمام في الجهاد، فقد سبق في جواب السؤال (٦٩٧٤٦) أن الكفار إذا هاجموا المسلمين، صار الجهاد فرض عين، وحينئذ لا يشترط إذن الإمام.
أما الجهاد الذي يقصد منه الفتح ونشر الإسلام فلا بد فيه من إذن الإمام.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6826
تريد النصيحة للمسلمات اللاتي يعشن في الغرب
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا امرأة مسلمة أعيش في دولة أجنبية مع زوجي لطلب العيش، أرجو أن تذكروا الالتزامات والقواعد والواجبات التي يجب على المرأة المسلمة الالتزام بها وتحافظ عليها؛ وذلك لكثرة عدد المسلمات في الدول الأجنبية.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
١. أول ما يجب عليكم هو ترك تلك الديار الكافرة؛ لأن النبي ﷺ بَرِئ ممن أقام بين أظهر المشركين، ولذلك فإنه يحرم عليكم البقاء في بلاد الكفر، وخاصة أنكم فيها من أجل العمل، وليس هذا من الأعذار الشرعية التي تجيز لكم البقاء فيها.
انظر السؤال (١٣٣٦٣) و (٢٧٢١١) عن تحريم الإقامة في بلاد الكفر، وشروط جواز ذلك في بعض الحالات.
٢. وعليكم أن تختاروا من البلاد الإسلامية الأقرب إلى الستر والعفاف والاستقامة على الدين، ومن المعلوم أن البلاد الإسلامية تتفاوت فيما بينها في هذه الأمور، وليست كل البلاد يمكنكم الإقامة فيها – للأسف – بل يتبع هذا لجنسيتكم وقوانين البلد.
٣. فإن لم يحصل منكم مغادرة لتلك البلاد: فعليكن بتقوى الله تعالى، والاستقامة على أمره في كل شئونكن، وأول ذلك: الحرص على أسركن من التفكك والضياع في تلك البلاد التي تساهم في هذا، فيجب عليكن الاهتمام بأولادكن ذكوراً وإناثاً وتربيتهم تربية إسلامية وربطهم بالتاريخ الإسلامي وتعليمهم الأحكام الشرعية، وتقوية اللغة العربية عندهم.
٤. يجب أن يكون مكان سكن الأسر المسلمة بعيداً عن أماكن الفجور والانحلال، ولا بدَّ من اجتماع الأسر المسلمة المحافظة في مكان واحد من أجل أن يقوِّي أحدهم الآخر، ويعين بعضهم بعضاً على طاعة الله تعالى، ويساهمون بالتالي في حسن تربية أنفسهم وأبنائهم.
٥. يحرم عليكن ترك الحبل على غاربه في علاقات أولادكم بأولاد الكفار، ولا يجوز لكم تمكينهم من مشاهدة البرامج والأفلام الهابطة التي تدمر الأخلاق، كما يجب الاهتمام بقراءاتهم ومراقبتها حتى لا تضل أفكارهم أو يفقدوا دينهم.
٦. ينبغي أن يكون لكم في أسرتكم أوقات محددة ولو كانت قصيرة تلتقي فيها الأسرة جميعها لمتابعة بعضهم بعضا، وللوقوف على مشاكل كل واحد من الأسرة قبل تفاقمها وصعوبة أو استحالة حلها.
٧. كما يجب عليكن حسن اختيار الصحبة للأسر التي تختلطون بها؛ خشية أن يكون لبعضهم تأثير سلبي على أفراد أسرتكم فتضيع جهودكم في التربية والتوجيه.
٨. عليكن تبغيض هذه الحضارة وأخلاقها في نفوس أولادكم، وإعلامهم بمخالفتها للشرائع والفطَر السليمة، وضرب الأمثلة على ذلك، وربطهم بالحضارة الإسلامية وأخلاقها، وتنبيههم على أن بقاءكم في تلك الديار لن يطول.
٩. وعليكن بكثرة زيارة البلد الله الحرام مكة المكرمة، فاحرصوا على الحج كل عام، وعلى العمرة أكثر من مرَّة في العام الواحد إن تيسر تقويةً لإيمانكم وتعليقاً لقلوب أولادكم بالإسلام والمسلمين، وللأسف نرى تقصيراً واضحاً من الجاليات المسلمة في بلاد الكفر في هذا الجانب.
١٠. تكوين مكتبة إسلامية من كتب وأشرطة وأقراص إسلامية لربط أفراد الأسرة بدينهم، وتسهيل الرجوع إلى معرفة الأحكام الشرعية، وإغلاق طرق التضليل التي تساهم في تجهيلهم وإفسادهم، وحبذا أن يكون لقناة " المجد " حضور في بيوتكم لما تقدمه من علم نافع، ولحرصهم أن لا يكون فيها نساء ولا موسيقى، وكذا ربطهم بالمواقع المفيدة في الإنترنت.
والحقيقة أن النصائح كثيرة، وكثرتها إنما هو بسبب كثرة ما في تلك الديار الكافرة من ضلال وانحلال وتفسخ وتهتك، وتحتاج كل جوانب الحياة لنصح وتوجيه وإرشاد، ولكن ما قلناه أولاً يوفر كثيراً من النصائح وهو الخروج من تلك الديار إلى بلاد الإسلام، ومن بقي في تلك الديار فليعلم أن الله تعالى سائله عن رعيته يوم القيامة، فليعد للسؤال جواباً، ونسأل الله تعالى أن يسهل لكم الخروج من تلك الديار، وأن يثبتكم على الإسلام والهداية والتوفيق والرشاد، وأن يصلح لكم ذريتكم، ويجعلهم دعاة للإسلام.
ونرجو الرجوع إلى السؤال رقم (٤٢٣٧) : ففيه زيادة بيان حول المحافظة على الأبناء وأفكارهم في الغرب.
والله الموفق.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6827
مقاطعة بضائع الكفار المحاربين
[السُّؤَالُ]
ـ[هل من العادة إباحة التعامل مع اليهود، أو شركات يملكها اليهود أو مساهمين يهود، أو شركات لها فروع في إسرائيل، إلخ.؟
مؤخرا ً كثير من المسلمين يقولون إنه حرام التعامل مع اليهود على الإطلاق. لحسب معلوماتي المحدودة، حتى عندما قاتل المسلمون اليهود في عهد النبيّ ﷺ ، لم يمنع التعامل معهم، وعندما توفي كان درعه مرهوناً عند يهودي على دَيْن. الرجاء إعلامنا بالموقف الصحيح لهذه القضية.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً: الأصل هو جواز التعامل بالبيع والشراء مع اليهود وغيرهم، لما ثبت من تعامل النبي ﷺ وأصحابه مع يهود المدينة بالبيع والشراء والقرض والرهن وغير ذلك من المعاملات المباحة في ديننا.
وهؤلاء اليهود الذين تعامل معهم النبي ﷺ كانوا من أهل العهد، ومن نقض العهد منهم فقد قُتِلَ أو أُخرِجَ، أو تُرِكَ لمصلحة.
على أنه قد ثبت ما يدل على جواز البيع والشراء مع الكفار المحاربين.
قال الإمام البخاري ﵀:
بَاب الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ مَعَ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْحَرْبِ.
ثم روى (٢٢١٦) عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ مُشْرِكٌ بِغَنَمٍ يَسُوقُهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : بَيْعًا أَمْ عَطِيَّةً أَوْ قَالَ أَمْ هِبَةً؟ قَالَ: لا، بَلْ بَيْعٌ، فَاشْتَرَى مِنْهُ شَاةً.
وقال النووي ﵀ في شرح صحيح مسلم (١١/٤١) :
وقد أجمع المسلمون على جواز معاملة أهل الذِّمَّة، وغيرهم من الكفَّار إذا لم يتحقَّق تحريم ما معه، لكن لا يجوز للمسلم أن يبيع أهل الحرب سلاحاً وآلة حرب، ولا ما يستعينون به في إقامة دينهم. . . اهـ.
وقَالَ اِبْنُ بَطَّالٍ: مُعَامَلَةُ الْكُفَّارِ جَائِزَةٌ , إِلا بَيْعَ مَا يَسْتَعِينُ بِهِ أَهْلُ الْحَرْبِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ اهـ.
ونقل في " المجموع" (٩/٤٣٢) الإجماع على تحريم بيع السلاح لأهل الحرب.
والحكمة من ذلك واضحة، وهي أن هذا السلاح يقاتلون به المسلمين.
ثانياً: لا شك في مشروعية جهاد أعداء الله المحاربين من اليهود وغيرهم، بالنفس والمال، ويدخل في ذلك كل وسيلة تضعف اقتصادهم وتلحق الضرر بهم، فإن المال هو عصب الحروب في القديم والحديث.
وينبغي على المسلمين عموما التعاون على البر والتقوى ومساعدة المسلمين في كل مكان بما يكفل لهم ظهورهم وتمكينهم في البلاد وإظهارهم شعائر الدين، وعملهم بتعاليم الإسلام وتطبيقهم للأحكام الشرعية وإقامة الحدود، وبما يكون سببا في نصرهم على القوم الكافرين من اليهود والنصارى وغيرهم، فيبذل جهده في جهاد أعداء الله بكل ما يستطيعه، وقد قال النبي ﷺ : (جَاهِدُوا الْمُشْرِكِينَ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ) . رواه أبو داود (٢٥٠٤) صححه الألباني في صحيح أبي داود.
فعلى المسلمين أن يساعدوا المجاهدين بكل ما يستطيعونه، وبذل كل الإمكانيات التي يكون فيها تقوية للإسلام والمسلمين، وعليهم أيضاً جهاد الكفار بما يستطيعونه من القدرة، وعمل كل ما فيه إضعاف للكفار أعداء الدين، فلا يستعملونهم كعمال بالأجرة كُتَّاباً أو محاسبين أو مهندسين أو خُداما بأي نوع من الخدمة التي فيها إقرار لهم وتمكين لهم بحيث يجمعون أموال المسلمين ويحاربونهم بها.
والحاصل:
أن من قاطع بضائع الكفار المحاربين وقصد بذلك إظهار عدم موالاتهم، وإضعاف اقتصادهم، فهو مثاب مأجور إن شاء الله تعالى على هذا القصد الحسن.
ومن تعامل معهم متمسكاً بالأصل وهو جواز التعامل مع الكفار – لاسيما بشراء ما يحتاج إليه – فلا حرج عليه إن شاء الله تعالى، ولا يكون ذلك قدحاً في أصل الولاء والبراء في الإسلام.
وقد سئلت اللجنة الدائمة: ما حكم ترك المسلمين التعاون بينهم بأن لا يرضى ولا يحب أن يشتري من المسلمين، ويرغب في الشراء من الكفار، هل هذا حلال أم حرام؟
فأجابت:
الأصل جواز شراء المسلم ما يحتاجه مما أحل الله له من المسلم أو من الكافر، وقد اشترى النبي ﷺ من اليهود، لكن إذا كان عدول المسلم عن الشراء من أخيه المسلم من غير سبب من غش ورفع أسعار ورداءة سلعة إلى محبة الشراء من كافر والرغبة في ذلك وإيثاره على المسلم دون مبرر فهذا حرام لما فيه من موالاة الكفار ورضاء عنهم ومحبة لهم، ولما فيه من النقص على تجار المسلمين وكساد سلعهم، وعدم رواجها إذا اتخذ المسلم ذلك عادة له، وأما إن كانت هناك دواع للعدول من نحو ما تقدم فعليه أن ينصح لأخيه المسلم بترك ما يصرفه عنه من العيوب، فإن انتصح فالحمد لله، وإلا عدل إلى غيره، ولو إلى كافر يحسن تبادل المنافع ويصدق في معاملته " اهـ. "فتاوى اللجنة الدائمة" (١٣/١٨) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6828
هل يشترط إذن الإمام للجهاد في سبيل الله ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يشترط إذن الإمام للجهاد في سبيل الله؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
سبق في جواب السؤال رقم (٢٠٢١٤) حكم الجهاد وأنواعه، وفيه أنه يكون فرض عين إذا هجم العدو على المسلمين، ففي هذه الحال يجب قتالهم على كل مسلم، ولا يشترط إذن الإمام حينئذٍ.
أما الجهاد الذي يقصد منه الفتح، ودعوة الكفار إلى الإسلام، وقتال من أبى الخضوع لحكم الله، فهذا لا بد فيه من إذن الإمام، وبذلك تنضبط الأمور.
قال ابن قدامة ﵀:
" وأمر الجهاد موكول إلى الإمام واجتهاده، ويلزم الرعية طاعته فيما يراه من ذلك " انتهى.
"المغني" (١٠ / ٣٦٨) .
وإذن الإمام مانع من الفوضى التي يمكن أن تنشأ من إعلان بعض المسلمين الحرب على أعداء الله دون تقدير لظروفهم وقوتهم وقوة عدوهم.
قال علماء اللجنة الدائمة:
" الجهاد لإعلاء كلمة الله وحماية دين الإسلام والتمكين من إبلاغه ونشره وحفظ حرماته فريضة على من تمكن من ذلك وقدر عليه، ولكنه لا بد له من بعث الجيوش وتنظيمها خوفاً من الفوضى وحدوث ما لا تحمد عقباه؛ ولذلك كان بدؤه والدخول فيه من شأن ولي أمر المسلمين، فعلى العلماء أن يستنهضوه لذلك، فإذا ما بدأ واستنفر المسلمين فعلى من قدر عليه أن يستجيب للداعي إليه مخلصاً وجهه لله، راجياً نصرة الحق، وحماية الإسلام، ومن تخلف عن ذلك مع وجود الداعي وعدم العذر: فهو آثم " انتهى.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (١٢ / ١٢) .
واجتماع الناس من قبَل الإمام يزيدهم قوة، فضلاً عن التزامهم بالواجب الشرعي في طاعته فيما لم يخالف فيه شرع الله، وبذلك يكون المسلمون المجاهدون صفّاً واحداً يجتمعون على نصرة الدين وحماية شرع الله.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
" يجب أن يعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين , بل لا قيام للدين ولا للدنيا إلا بها، فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع , لحاجة بعضهم إلى بعض , ولا بد لهم عند الاجتماع من رأس , حتى قال النبي ﷺ : (إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم) رواه أبو داود من حديث أبى سعيد وأبى هريرة , وروى الإمام أحمد في المسند عن عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ قال: (لا يحل لثلاثة يكونون بفلاة من الأرض إلا أمروا عليهم أحدهم) فأوجب تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر تنبيهاً بذلك على سائر أنواع الاجتماع؛ ولأن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة، وكذلك سائر ما أوجبه من الجهاد والعدل وإقامة الحج والجمع والأعياد ونصر المظلوم وإقامة الحدود , لا تتم إلا بالقوة والإمارة , ولهذا روي " أن السلطان ظل الله في الأرض "، ويقال: " ستون سنة من إمام جائر أصلح من ليلة واحدة بلا سلطان " والتجربة تبين ذلك " انتهى.
" مجموع الفتاوى " (٢٨ / ٣٩٠، ٣٩١) .
وقال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀:
" لا يجوز غزو الجيش إلا بإذن الإمام مهما كان الأمر؛ لأن المخاطب بالغزو والجهاد هم ولاة الأمور وليس أفراد الناس , فأفراد الناس تبع لأهل الحل والعقد , فلا يجوز لأحد أن يغزو دون إذن الإمام إلا على سبيل الدفاع، إذا فاجأهم عدو يخافون شره وأذاه فحينئذ لهم أن يدافعوا عن أنفسهم , لتعين القتال إذًا.
وإنما لم يجز ذلك لأن الأمر منوط بالإمام , فالغزو بلا إذنه افتيات عليه , وتعد على حدوده , ولأنه لو جاز للناس أن يغزوا بدون إذن الإمام لأصبحت المسألة فوضى , كل من شاء ركب فرسه وغزا , ولأنه لو مكن الناس من ذلك لحصلت مفاسد عظيمة , فقد تتجهز طائفة من الناس على أنهم يريدون العدو وهم يريدون الخروج على الإمام , أو يريدون البغي على طائفة من الناس , كما قال الله تعالى: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا) الحجرات/٩، فلهذه الأمور الثلاثة ولغيرها – أيضاً – لا يجوز الغزو إلا بإذن الإمام " انتهى.
" الشرح الممتع " (٨ / ٢٢) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6829
هل يحرم القتال إذا كان مقابل كل شخص أكثر من عشرة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[حينما يكثر عدد المعاندين والكافرين في الجهاد كثرة تزيد عن مائتين مقابل عشرين من المسلمين. لا يجوز أن نشارك في الحرب لأن الله تبارك وتعالي عين عددا في الحرب. هل هذا صحيح أم لا؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا خلاف بين الفقهاء في وجوب الثبات في الجهاد، وتحريم الفرار؛ لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ * وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) الأنفال/١٥، ١٦، وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) الأنفال/٤٥.
وقول النبي ﷺ : (اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ. وذكر منها: وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ) رواه البخاري (٢٥٦٠) ومسلم (١٢٩) .
إلا أنه يستثنى من ذلك ثلاثة مواضع:
الأول: أن يكون الفرار تحرُّفا لقتال، ويأتي بيان التحرّف.
الثاني: أن يكون الفرار تحيزا إلى فئة من المسلمين، ولو بَعُدَت.
الثالث: أن يزيد عدد الكفار على ضعف المسلمين، فيجوز الفرار حينئذ. وهذا ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من أهل المذاهب الأربعة، واستدل الجمهور بقوله تعالى: (الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) الأنفال/٦٦.
فلا يجوز لعشرة أن يفروا من عشرين، ولا لمائة أن يفروا من مائتين، فإن زاد الكفار عن الضعف جاز الفرار.
وهذا تخفيف من الله تعالى، وهو نسخ لوجوب مصابرة العشرين للمائتين، والمائة للألف، الوارد في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ) الأنفال/٦٥.
وقول السائل: إنه لا يجوز أن نشارك في الحرب حينئذ، غير صحيح. ففرق بين قولنا: يجوز الفرار، وقولنا: يجب الفرار أو يحرم القتال. فلو أن المسلمين ثبتوا مع أضعافهم جاز ذلك، وهذا ما كان عليه حال المسلمين في أكثر معاركهم، لا سيما المعارك العظيمة الفاصلة كالقادسية واليرموك.
وينبغي التنبه إلى أنه إن هجم العدو على بلاد المسلمين، وجب الدفع، ولو كان الكفار أضعاف المسلمين، ولا يجوز الفرار حينئذ إلا للتحرف لقتال أو التحيز إلى فئة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " وقتال الدفع: مثل أن يكون العدو كثيرا لا طاقة للمسلمين به، لكن يُخاف إن انصرفوا عن عدوهم عطف العدو على من يخلّفون من المسلمين. فههنا قد صرح أصحابنا بأنه يجب أن يبذلوا مهجهم ومهج من يخاف عليهم في الدفع حتى يَسْلَموا. ونظيرها: أن يهجم العدو على بلاد المسلمين وتكون المقاتِلة أقل من النصف، فإن انصرفوا استولوا على الحريم، فهذا وأمثاله قتال دفع، لا قتال طلب، لا يجوز الانصراف فيه بحال، ووقعة أحد من هذا الباب " انتهى من "الاختيارات الفقهية" ص ٢٥٨
وإليك كلاما نافعا لابن قدامة ﵀، يبين هذه المسألة، ويوضح معنى التحرّف والتحيز، قال ﵀: "إذا التقى المسلمون والكفار وجب الثبات، وحرم الفرار، بدليل قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار) الآية. وقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون) وذكر النبي ﷺ الفرار يوم الزحف، فعده من الكبائر ...
وإنما يجب الثبات بشرطين: أحدهما: أن يكون الكفار لا يزيدون على ضعف المسلمين، فإن زادوا عليه جاز الفرار، لقول الله تعالى: (الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين) . وهذا إن كان لفظه لفظ الخبر، فهو أمر ... قال ابن عباس: نزلت: (إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين) فشق ذلك على المسلمين حين فرض الله عليهم ألا يفر واحد من عشرة، ثم جاء تخفيف فقال: (الآن خفف الله عنكم) إلى قوله: (يغلبوا مائتين) فلما خفف الله عنهم من العدد، نقص من الصبر بقدر ما خفف من العدد. رواه أبو داود.
وقال ابن عباس: من فر من اثنين فقد فر، ومن فر من ثلاثة فما فر.
الثاني: أن لا يقصد بفراره التحيّز إلى فئة، ولا التحرف لقتال، فإن قصد أحد هذين: فهو مباح له؛ لأن الله تعالى قال: (إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة) . ومعنى التحرّف للقتال: أن ينحاز إلى موضع يكون القتال فيه أمكن، مثل أن ينحاز من مواجهة الشمس أو الريح إلى استدبارهما، أو من نزلة إلى علو، أو من معطشة إلى موضع ماء، أو يفر بين أيديهم لتنتقض صفوفهم، أو تنفرد خيلهم من رجالتهم، أو ليجد فيهم فرصة، أو ليستند إلى جبل، ونحو ذلك مما جرت به عادة أهل الحرب ...
وأما التحيز إلى فئة: فهو أن يصير إلى فئة من المسلمين ليكون معهم، فيقوى بهم على عدوهم، وسواء بعدت المسافة أو قربت. قال القاضي: لو كانت الفئة بخراسان والفئة بالحجاز، جاز التحيز إليها، ونحوه ذكر الشافعي، لأن ابن عمر روى أن النبي ﷺ قال: إني فئة لكم، وكانوا بمكان بعيد منه، وقال عمر: أنا فئة كل مسلم، وكان بالمدينة وجيوشه بمصر والشام والعراق وخراسان. رواهما سعيد.
وقال عمر: رحم الله أبا عبيدة لو كان تحيز إلي لكنت له فئة ".
ثم قال ابن قدامة ﵀: "وإذا كان العدو أكثر من ضعف المسلمين، فغلب على ظن المسلمين الظفر، فالأولى لهم الثبات؛ لما في ذلك من المصلحة، وإن انصرفوا جاز؛ لأنهم لا يأمنون العطب، والحكم عُلق على مظنته، وهو كونهم أقل من نصف عددهم، ولذلك لزمهم الثبات إذا كانوا أكثر من النصف وإن غلب على ظنهم الهلاك فيه.
ويحتمل أن يلزمهم الثبات إن غلب على ظنهم الظفر؛ لما فيه من المصلحة.
وإن غلب على ظنهم الهلاك في الإقامة، والنجاة في الانصراف، فالأولى لهم الانصراف، وإن ثبتوا جاز، لأن لهم غرضا في الشهادة، ويجوز أن يغلبوا أيضا" انتهى من "المغني" (٩/٢٥٤) .
وكلامه الأخير واضح في جواز القتال مع القلّة، بل ومع غلبة الظن بحصول الهلاك، خلافا لما ظنه السائل.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6830
ما معنى اتخاذ الكفار أولياء؟ وحكم مخالطة الكفار
[السُّؤَالُ]
ـ[ورد في القرآن أنه لا يجوز لنا اتخاذ الكفار أولياء، لكن ماذا يعني ذلك؟ أقصد إلى أي حدٍّ؟ هل يجوز لنا التعامل معهم؟ أنا أدرس، فهل يجوز لنا لعب كرة السلة معهم؟ هل يجوز أن نتحدث معهم فيما يتعلق بالسلة وما إلى ذلك؟ هل يجوز أن نصاحبهم طالما أنهم أبقوا أمور اعتقاداتهم لأنفسهم؟ .
أسأل عن ذلك لأني أعرف شخصاً يصاحبهم بمثل هذه الطريقة وتواجده معهم لا يؤثر على اعتقاده، لكني مع ذلك أقول له: " لماذا لا تبقى مع المسلمين بدلا من هؤلاء؟ " وهو يرد قائلا: إن أغلب - أو العديد - من المسلمين يشربون الخمر ويتناولون المخدرات في أماكن تجمعهم، كما أن لهم صديقات، وهو يخاف من أن معاصي هؤلاء المسلمين قد تغويه، لكنه متأكد تماما أن كفر الكفار لن يغريه لأنه شيء لا يُعتبر مغريا بالنسبة له، فهل تواجده ولعبه وحديثه حول أمور الرياضة مع الكفار يعتبر " من اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين "؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
حرم الله تعالى على المؤمنين اتخاذ الكافرين أولياء، وتوعد على ذلك وعيداً شديداً.
قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) المائدة/٥١.
قال الشيخ الشنقيطي ﵀:
" ذكر في هذه الآية الكريمة أن من تولى اليهود والنصارى مِن المسلمين فإنه يكون منهم بتوليه إياهم، وبيَّن في موضع آخر أن توَلِّيهم موجب لسخط الله، والخلود في عذابه، وأن متوليهم لو كان مؤمناً ما تولاهم، وهو قوله تعالى: (تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ * وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) المائدة/٨٠، ٨١.
ونهى في موضِع آخر عن تَوليهم مبيناً سبب التنفير منه، وهو قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنْ الآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ) الممتحنة/١٣.
وبيَّن في موضع آخر أن محل ذلك فيما إذا لم تكن الموالاة بسبب خوف، وتقية، وإن كانت بسبب ذلك فصاحبها معذور، وهو قوله تعالى: (لا يَتَّخِذْ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنْ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً) آل عمران/٢٨. فهذه الآية الكريمة فيها بيانٌ لكل الآيات القاضية بمنع موالاة الكفار مطلقاً وإيضاحٌ؛ أن محل ذلك في حالة الاختيار، وأما عند الخوف والتقية فيرخص في موالاتهم، بقدر المداراة التي يكتفي بها شرهم، ويشترط في ذلك سلامة الباطن من تلك الموالاة، ومن يأتي الأمور على اضطرار فليس كمثل آتيها اختياراً.
ويفهم من ظواهر هذه الآيات أن من تولى الكفار عمداً اختياراً رغبة فيهم أنه كافر مثلهم " انتهى.
"أضواء البيان" (٢ / ٩٨، ٩٩) .
ومن صور مولاة الكفار المحرمة: اتخاذهم أصدقاء وأصحاباً، ومخالطتهم في الطعام واللعب معهم.
وفي جواب السؤال رقم (١٠٣٤٢) نقلنا عن الشيخ ابن باز قوله:
" ليس الأكل مع الكافر حراماً إذا دعت الحاجة إلى ذلك أو المصلحة الشرعية، لكن لا تتخذوهم أصحاباً فتأكل معهم من غير سبب شرعي أو مصلحة شرعية ولا تؤانسهم، وتضحك معهم، ولكن إذا دعت إلى ذلك حاجة كالأكل مع الضيف أو ليدعوهم إلى الله ويرشدهم إلى الحق أو لأسباب أخرى شرعية فلا بأس.
وإباحة طعام أهل الكتاب لنا لا يقتضي اتخاذهم أصحاباً وجلساء ولا تقتضي مشاركتهم في الأكل والشرب من دون حاجة ولا مصلحة شرعية ". انتهى.
وسئل الشيخ محمد الصالح العثيمين ﵀:
عن حكم مخالطة الكفار ومعاملتهم بالرفق واللين طمعاً في إسلامهم؟
فأجاب:
لا شك أن المسلم يجب عليه أن يبغض أعداء الله ويتبرأ منهم؛ لأن هذه هي طريقة الرسل وأتباعهم، قال الله تعالى: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ) الممتحنة/٤. وقال تعالى: (لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الأِيمَانَ وَأَيََّهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ) المجادلة/٢٢.
وعلى هذا لا يحل لمسلم أن يقع في قلبه محبة ومودة لأعداء الله الذين هم أعداء له في الواقع، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ) الممتحنة/١.
أما كون المسلم يعاملهم بالرفق واللين طمعاً في إسلامهم وإيمانهم: فهذا لا بأس به؛ لأنه من باب التأليف على الإسلام، ولكن إذا يئس منهم عاملهم بما يستحقون أن يعاملهم به، وهذا مفصل في كتب أهل العلم ولاسيما كتاب " أحكام أهل الذمة " لابن القيم ﵀ ". انتهى.
" مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين " (٣ / السؤال رقم ٣٨٩) .
ثانياً:
وأما قول هذا القائل: إنه لا يخالط العصاة من المسلمين خوفا من أن تغويه معاصيهم، وأما الكفار فإن كفرهم لن يغريه.
فجوابه أن يقال:
أما عدم مخالطته لأهل المعاصي من المسلمين فَلَنِعْمَ ما فَعَلَ، إذا لم يكن قادراً على نصيحتهم، ونهيهم عن المنكر، وخاف على نفسه من الوقوع في معاصيهم واستحسانها.
وأما مخالطته للكفار، فليست العلة في منع مخالطة الكفار هي الخوف من الوقوع في الكفر فقط، بل مِنْ أظهرِ عِلَلِ هذا الحكم: عداوتُهم لله ورسوله والمؤمنين، وقد أشار الله تعالى إلى هذه العلة بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ) الممتحنة/١.
فكيف يليق بمسلم أن يصاحب عدو الله وعدوه ويصادقه؟!
ثم مِنْ أين يأمَنُ هذا مِنِ استحسانِ طريقتهم ومذهبهم؟ وقد وقع كثير من المسلمين في الكفر والإلحاد وارتدوا عن الإسلام بسبب مصاحبتهم للكفار، وإقامتهم في بلدانهم. فبعضهم تَهَوَّدَ، وبعضهم تَنَصَّر، وبعضهم اعتنق مذاهب فلسفية ملحدة.
نسأل الله أن يثبتنا على دينه.
وانظر جواب السؤال رقم (٢١٧٩) ففيه إيضاح القاعدة العظيمة: " تحريم موالاة الكفّار " وفيه ذِكر صور كثيرة من تلك الموالاة المحرَّمة.
وفي جواب السؤال رقم (٤٣٢٧٠) تجد حكم القول بأن أخلاق الكفّار أفضل من أخلاق المسلمين، وفيه النقل عن الشيخ ابن باز بتحريم هذا القول.
وفي جواب السؤال رقم (٢٦١١٨) ، (٢٣٣٢٥) بيان تحريم مصاحبة الكافر ومصادقته.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
следующие страницы →