Полный текст (16 344 стр.). Показаны 6826–6865 · переход к 6831.
стр. 6826
تريد النصيحة للمسلمات اللاتي يعشن في الغرب
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا امرأة مسلمة أعيش في دولة أجنبية مع زوجي لطلب العيش، أرجو أن تذكروا الالتزامات والقواعد والواجبات التي يجب على المرأة المسلمة الالتزام بها وتحافظ عليها؛ وذلك لكثرة عدد المسلمات في الدول الأجنبية.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
١. أول ما يجب عليكم هو ترك تلك الديار الكافرة؛ لأن النبي ﷺ بَرِئ ممن أقام بين أظهر المشركين، ولذلك فإنه يحرم عليكم البقاء في بلاد الكفر، وخاصة أنكم فيها من أجل العمل، وليس هذا من الأعذار الشرعية التي تجيز لكم البقاء فيها.
انظر السؤال (١٣٣٦٣) و (٢٧٢١١) عن تحريم الإقامة في بلاد الكفر، وشروط جواز ذلك في بعض الحالات.
٢. وعليكم أن تختاروا من البلاد الإسلامية الأقرب إلى الستر والعفاف والاستقامة على الدين، ومن المعلوم أن البلاد الإسلامية تتفاوت فيما بينها في هذه الأمور، وليست كل البلاد يمكنكم الإقامة فيها – للأسف – بل يتبع هذا لجنسيتكم وقوانين البلد.
٣. فإن لم يحصل منكم مغادرة لتلك البلاد: فعليكن بتقوى الله تعالى، والاستقامة على أمره في كل شئونكن، وأول ذلك: الحرص على أسركن من التفكك والضياع في تلك البلاد التي تساهم في هذا، فيجب عليكن الاهتمام بأولادكن ذكوراً وإناثاً وتربيتهم تربية إسلامية وربطهم بالتاريخ الإسلامي وتعليمهم الأحكام الشرعية، وتقوية اللغة العربية عندهم.
٤. يجب أن يكون مكان سكن الأسر المسلمة بعيداً عن أماكن الفجور والانحلال، ولا بدَّ من اجتماع الأسر المسلمة المحافظة في مكان واحد من أجل أن يقوِّي أحدهم الآخر، ويعين بعضهم بعضاً على طاعة الله تعالى، ويساهمون بالتالي في حسن تربية أنفسهم وأبنائهم.
٥. يحرم عليكن ترك الحبل على غاربه في علاقات أولادكم بأولاد الكفار، ولا يجوز لكم تمكينهم من مشاهدة البرامج والأفلام الهابطة التي تدمر الأخلاق، كما يجب الاهتمام بقراءاتهم ومراقبتها حتى لا تضل أفكارهم أو يفقدوا دينهم.
٦. ينبغي أن يكون لكم في أسرتكم أوقات محددة ولو كانت قصيرة تلتقي فيها الأسرة جميعها لمتابعة بعضهم بعضا، وللوقوف على مشاكل كل واحد من الأسرة قبل تفاقمها وصعوبة أو استحالة حلها.
٧. كما يجب عليكن حسن اختيار الصحبة للأسر التي تختلطون بها؛ خشية أن يكون لبعضهم تأثير سلبي على أفراد أسرتكم فتضيع جهودكم في التربية والتوجيه.
٨. عليكن تبغيض هذه الحضارة وأخلاقها في نفوس أولادكم، وإعلامهم بمخالفتها للشرائع والفطَر السليمة، وضرب الأمثلة على ذلك، وربطهم بالحضارة الإسلامية وأخلاقها، وتنبيههم على أن بقاءكم في تلك الديار لن يطول.
٩. وعليكن بكثرة زيارة البلد الله الحرام مكة المكرمة، فاحرصوا على الحج كل عام، وعلى العمرة أكثر من مرَّة في العام الواحد إن تيسر تقويةً لإيمانكم وتعليقاً لقلوب أولادكم بالإسلام والمسلمين، وللأسف نرى تقصيراً واضحاً من الجاليات المسلمة في بلاد الكفر في هذا الجانب.
١٠. تكوين مكتبة إسلامية من كتب وأشرطة وأقراص إسلامية لربط أفراد الأسرة بدينهم، وتسهيل الرجوع إلى معرفة الأحكام الشرعية، وإغلاق طرق التضليل التي تساهم في تجهيلهم وإفسادهم، وحبذا أن يكون لقناة " المجد " حضور في بيوتكم لما تقدمه من علم نافع، ولحرصهم أن لا يكون فيها نساء ولا موسيقى، وكذا ربطهم بالمواقع المفيدة في الإنترنت.
والحقيقة أن النصائح كثيرة، وكثرتها إنما هو بسبب كثرة ما في تلك الديار الكافرة من ضلال وانحلال وتفسخ وتهتك، وتحتاج كل جوانب الحياة لنصح وتوجيه وإرشاد، ولكن ما قلناه أولاً يوفر كثيراً من النصائح وهو الخروج من تلك الديار إلى بلاد الإسلام، ومن بقي في تلك الديار فليعلم أن الله تعالى سائله عن رعيته يوم القيامة، فليعد للسؤال جواباً، ونسأل الله تعالى أن يسهل لكم الخروج من تلك الديار، وأن يثبتكم على الإسلام والهداية والتوفيق والرشاد، وأن يصلح لكم ذريتكم، ويجعلهم دعاة للإسلام.
ونرجو الرجوع إلى السؤال رقم (٤٢٣٧) : ففيه زيادة بيان حول المحافظة على الأبناء وأفكارهم في الغرب.
والله الموفق.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6827
مقاطعة بضائع الكفار المحاربين
[السُّؤَالُ]
ـ[هل من العادة إباحة التعامل مع اليهود، أو شركات يملكها اليهود أو مساهمين يهود، أو شركات لها فروع في إسرائيل، إلخ.؟
مؤخرا ً كثير من المسلمين يقولون إنه حرام التعامل مع اليهود على الإطلاق. لحسب معلوماتي المحدودة، حتى عندما قاتل المسلمون اليهود في عهد النبيّ ﷺ ، لم يمنع التعامل معهم، وعندما توفي كان درعه مرهوناً عند يهودي على دَيْن. الرجاء إعلامنا بالموقف الصحيح لهذه القضية.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً: الأصل هو جواز التعامل بالبيع والشراء مع اليهود وغيرهم، لما ثبت من تعامل النبي ﷺ وأصحابه مع يهود المدينة بالبيع والشراء والقرض والرهن وغير ذلك من المعاملات المباحة في ديننا.
وهؤلاء اليهود الذين تعامل معهم النبي ﷺ كانوا من أهل العهد، ومن نقض العهد منهم فقد قُتِلَ أو أُخرِجَ، أو تُرِكَ لمصلحة.
على أنه قد ثبت ما يدل على جواز البيع والشراء مع الكفار المحاربين.
قال الإمام البخاري ﵀:
بَاب الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ مَعَ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْحَرْبِ.
ثم روى (٢٢١٦) عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ مُشْرِكٌ بِغَنَمٍ يَسُوقُهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : بَيْعًا أَمْ عَطِيَّةً أَوْ قَالَ أَمْ هِبَةً؟ قَالَ: لا، بَلْ بَيْعٌ، فَاشْتَرَى مِنْهُ شَاةً.
وقال النووي ﵀ في شرح صحيح مسلم (١١/٤١) :
وقد أجمع المسلمون على جواز معاملة أهل الذِّمَّة، وغيرهم من الكفَّار إذا لم يتحقَّق تحريم ما معه، لكن لا يجوز للمسلم أن يبيع أهل الحرب سلاحاً وآلة حرب، ولا ما يستعينون به في إقامة دينهم. . . اهـ.
وقَالَ اِبْنُ بَطَّالٍ: مُعَامَلَةُ الْكُفَّارِ جَائِزَةٌ , إِلا بَيْعَ مَا يَسْتَعِينُ بِهِ أَهْلُ الْحَرْبِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ اهـ.
ونقل في " المجموع" (٩/٤٣٢) الإجماع على تحريم بيع السلاح لأهل الحرب.
والحكمة من ذلك واضحة، وهي أن هذا السلاح يقاتلون به المسلمين.
ثانياً: لا شك في مشروعية جهاد أعداء الله المحاربين من اليهود وغيرهم، بالنفس والمال، ويدخل في ذلك كل وسيلة تضعف اقتصادهم وتلحق الضرر بهم، فإن المال هو عصب الحروب في القديم والحديث.
وينبغي على المسلمين عموما التعاون على البر والتقوى ومساعدة المسلمين في كل مكان بما يكفل لهم ظهورهم وتمكينهم في البلاد وإظهارهم شعائر الدين، وعملهم بتعاليم الإسلام وتطبيقهم للأحكام الشرعية وإقامة الحدود، وبما يكون سببا في نصرهم على القوم الكافرين من اليهود والنصارى وغيرهم، فيبذل جهده في جهاد أعداء الله بكل ما يستطيعه، وقد قال النبي ﷺ : (جَاهِدُوا الْمُشْرِكِينَ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ) . رواه أبو داود (٢٥٠٤) صححه الألباني في صحيح أبي داود.
فعلى المسلمين أن يساعدوا المجاهدين بكل ما يستطيعونه، وبذل كل الإمكانيات التي يكون فيها تقوية للإسلام والمسلمين، وعليهم أيضاً جهاد الكفار بما يستطيعونه من القدرة، وعمل كل ما فيه إضعاف للكفار أعداء الدين، فلا يستعملونهم كعمال بالأجرة كُتَّاباً أو محاسبين أو مهندسين أو خُداما بأي نوع من الخدمة التي فيها إقرار لهم وتمكين لهم بحيث يجمعون أموال المسلمين ويحاربونهم بها.
والحاصل:
أن من قاطع بضائع الكفار المحاربين وقصد بذلك إظهار عدم موالاتهم، وإضعاف اقتصادهم، فهو مثاب مأجور إن شاء الله تعالى على هذا القصد الحسن.
ومن تعامل معهم متمسكاً بالأصل وهو جواز التعامل مع الكفار – لاسيما بشراء ما يحتاج إليه – فلا حرج عليه إن شاء الله تعالى، ولا يكون ذلك قدحاً في أصل الولاء والبراء في الإسلام.
وقد سئلت اللجنة الدائمة: ما حكم ترك المسلمين التعاون بينهم بأن لا يرضى ولا يحب أن يشتري من المسلمين، ويرغب في الشراء من الكفار، هل هذا حلال أم حرام؟
فأجابت:
الأصل جواز شراء المسلم ما يحتاجه مما أحل الله له من المسلم أو من الكافر، وقد اشترى النبي ﷺ من اليهود، لكن إذا كان عدول المسلم عن الشراء من أخيه المسلم من غير سبب من غش ورفع أسعار ورداءة سلعة إلى محبة الشراء من كافر والرغبة في ذلك وإيثاره على المسلم دون مبرر فهذا حرام لما فيه من موالاة الكفار ورضاء عنهم ومحبة لهم، ولما فيه من النقص على تجار المسلمين وكساد سلعهم، وعدم رواجها إذا اتخذ المسلم ذلك عادة له، وأما إن كانت هناك دواع للعدول من نحو ما تقدم فعليه أن ينصح لأخيه المسلم بترك ما يصرفه عنه من العيوب، فإن انتصح فالحمد لله، وإلا عدل إلى غيره، ولو إلى كافر يحسن تبادل المنافع ويصدق في معاملته " اهـ. "فتاوى اللجنة الدائمة" (١٣/١٨) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6828
هل يشترط إذن الإمام للجهاد في سبيل الله ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يشترط إذن الإمام للجهاد في سبيل الله؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
سبق في جواب السؤال رقم (٢٠٢١٤) حكم الجهاد وأنواعه، وفيه أنه يكون فرض عين إذا هجم العدو على المسلمين، ففي هذه الحال يجب قتالهم على كل مسلم، ولا يشترط إذن الإمام حينئذٍ.
أما الجهاد الذي يقصد منه الفتح، ودعوة الكفار إلى الإسلام، وقتال من أبى الخضوع لحكم الله، فهذا لا بد فيه من إذن الإمام، وبذلك تنضبط الأمور.
قال ابن قدامة ﵀:
" وأمر الجهاد موكول إلى الإمام واجتهاده، ويلزم الرعية طاعته فيما يراه من ذلك " انتهى.
"المغني" (١٠ / ٣٦٨) .
وإذن الإمام مانع من الفوضى التي يمكن أن تنشأ من إعلان بعض المسلمين الحرب على أعداء الله دون تقدير لظروفهم وقوتهم وقوة عدوهم.
قال علماء اللجنة الدائمة:
" الجهاد لإعلاء كلمة الله وحماية دين الإسلام والتمكين من إبلاغه ونشره وحفظ حرماته فريضة على من تمكن من ذلك وقدر عليه، ولكنه لا بد له من بعث الجيوش وتنظيمها خوفاً من الفوضى وحدوث ما لا تحمد عقباه؛ ولذلك كان بدؤه والدخول فيه من شأن ولي أمر المسلمين، فعلى العلماء أن يستنهضوه لذلك، فإذا ما بدأ واستنفر المسلمين فعلى من قدر عليه أن يستجيب للداعي إليه مخلصاً وجهه لله، راجياً نصرة الحق، وحماية الإسلام، ومن تخلف عن ذلك مع وجود الداعي وعدم العذر: فهو آثم " انتهى.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (١٢ / ١٢) .
واجتماع الناس من قبَل الإمام يزيدهم قوة، فضلاً عن التزامهم بالواجب الشرعي في طاعته فيما لم يخالف فيه شرع الله، وبذلك يكون المسلمون المجاهدون صفّاً واحداً يجتمعون على نصرة الدين وحماية شرع الله.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
" يجب أن يعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين , بل لا قيام للدين ولا للدنيا إلا بها، فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع , لحاجة بعضهم إلى بعض , ولا بد لهم عند الاجتماع من رأس , حتى قال النبي ﷺ : (إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم) رواه أبو داود من حديث أبى سعيد وأبى هريرة , وروى الإمام أحمد في المسند عن عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ قال: (لا يحل لثلاثة يكونون بفلاة من الأرض إلا أمروا عليهم أحدهم) فأوجب تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر تنبيهاً بذلك على سائر أنواع الاجتماع؛ ولأن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة، وكذلك سائر ما أوجبه من الجهاد والعدل وإقامة الحج والجمع والأعياد ونصر المظلوم وإقامة الحدود , لا تتم إلا بالقوة والإمارة , ولهذا روي " أن السلطان ظل الله في الأرض "، ويقال: " ستون سنة من إمام جائر أصلح من ليلة واحدة بلا سلطان " والتجربة تبين ذلك " انتهى.
" مجموع الفتاوى " (٢٨ / ٣٩٠، ٣٩١) .
وقال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀:
" لا يجوز غزو الجيش إلا بإذن الإمام مهما كان الأمر؛ لأن المخاطب بالغزو والجهاد هم ولاة الأمور وليس أفراد الناس , فأفراد الناس تبع لأهل الحل والعقد , فلا يجوز لأحد أن يغزو دون إذن الإمام إلا على سبيل الدفاع، إذا فاجأهم عدو يخافون شره وأذاه فحينئذ لهم أن يدافعوا عن أنفسهم , لتعين القتال إذًا.
وإنما لم يجز ذلك لأن الأمر منوط بالإمام , فالغزو بلا إذنه افتيات عليه , وتعد على حدوده , ولأنه لو جاز للناس أن يغزوا بدون إذن الإمام لأصبحت المسألة فوضى , كل من شاء ركب فرسه وغزا , ولأنه لو مكن الناس من ذلك لحصلت مفاسد عظيمة , فقد تتجهز طائفة من الناس على أنهم يريدون العدو وهم يريدون الخروج على الإمام , أو يريدون البغي على طائفة من الناس , كما قال الله تعالى: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا) الحجرات/٩، فلهذه الأمور الثلاثة ولغيرها – أيضاً – لا يجوز الغزو إلا بإذن الإمام " انتهى.
" الشرح الممتع " (٨ / ٢٢) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6829
هل يحرم القتال إذا كان مقابل كل شخص أكثر من عشرة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[حينما يكثر عدد المعاندين والكافرين في الجهاد كثرة تزيد عن مائتين مقابل عشرين من المسلمين. لا يجوز أن نشارك في الحرب لأن الله تبارك وتعالي عين عددا في الحرب. هل هذا صحيح أم لا؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا خلاف بين الفقهاء في وجوب الثبات في الجهاد، وتحريم الفرار؛ لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ * وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) الأنفال/١٥، ١٦، وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) الأنفال/٤٥.
وقول النبي ﷺ : (اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ. وذكر منها: وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ) رواه البخاري (٢٥٦٠) ومسلم (١٢٩) .
إلا أنه يستثنى من ذلك ثلاثة مواضع:
الأول: أن يكون الفرار تحرُّفا لقتال، ويأتي بيان التحرّف.
الثاني: أن يكون الفرار تحيزا إلى فئة من المسلمين، ولو بَعُدَت.
الثالث: أن يزيد عدد الكفار على ضعف المسلمين، فيجوز الفرار حينئذ. وهذا ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من أهل المذاهب الأربعة، واستدل الجمهور بقوله تعالى: (الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) الأنفال/٦٦.
فلا يجوز لعشرة أن يفروا من عشرين، ولا لمائة أن يفروا من مائتين، فإن زاد الكفار عن الضعف جاز الفرار.
وهذا تخفيف من الله تعالى، وهو نسخ لوجوب مصابرة العشرين للمائتين، والمائة للألف، الوارد في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ) الأنفال/٦٥.
وقول السائل: إنه لا يجوز أن نشارك في الحرب حينئذ، غير صحيح. ففرق بين قولنا: يجوز الفرار، وقولنا: يجب الفرار أو يحرم القتال. فلو أن المسلمين ثبتوا مع أضعافهم جاز ذلك، وهذا ما كان عليه حال المسلمين في أكثر معاركهم، لا سيما المعارك العظيمة الفاصلة كالقادسية واليرموك.
وينبغي التنبه إلى أنه إن هجم العدو على بلاد المسلمين، وجب الدفع، ولو كان الكفار أضعاف المسلمين، ولا يجوز الفرار حينئذ إلا للتحرف لقتال أو التحيز إلى فئة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " وقتال الدفع: مثل أن يكون العدو كثيرا لا طاقة للمسلمين به، لكن يُخاف إن انصرفوا عن عدوهم عطف العدو على من يخلّفون من المسلمين. فههنا قد صرح أصحابنا بأنه يجب أن يبذلوا مهجهم ومهج من يخاف عليهم في الدفع حتى يَسْلَموا. ونظيرها: أن يهجم العدو على بلاد المسلمين وتكون المقاتِلة أقل من النصف، فإن انصرفوا استولوا على الحريم، فهذا وأمثاله قتال دفع، لا قتال طلب، لا يجوز الانصراف فيه بحال، ووقعة أحد من هذا الباب " انتهى من "الاختيارات الفقهية" ص ٢٥٨
وإليك كلاما نافعا لابن قدامة ﵀، يبين هذه المسألة، ويوضح معنى التحرّف والتحيز، قال ﵀: "إذا التقى المسلمون والكفار وجب الثبات، وحرم الفرار، بدليل قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار) الآية. وقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون) وذكر النبي ﷺ الفرار يوم الزحف، فعده من الكبائر ...
وإنما يجب الثبات بشرطين: أحدهما: أن يكون الكفار لا يزيدون على ضعف المسلمين، فإن زادوا عليه جاز الفرار، لقول الله تعالى: (الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين) . وهذا إن كان لفظه لفظ الخبر، فهو أمر ... قال ابن عباس: نزلت: (إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين) فشق ذلك على المسلمين حين فرض الله عليهم ألا يفر واحد من عشرة، ثم جاء تخفيف فقال: (الآن خفف الله عنكم) إلى قوله: (يغلبوا مائتين) فلما خفف الله عنهم من العدد، نقص من الصبر بقدر ما خفف من العدد. رواه أبو داود.
وقال ابن عباس: من فر من اثنين فقد فر، ومن فر من ثلاثة فما فر.
الثاني: أن لا يقصد بفراره التحيّز إلى فئة، ولا التحرف لقتال، فإن قصد أحد هذين: فهو مباح له؛ لأن الله تعالى قال: (إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة) . ومعنى التحرّف للقتال: أن ينحاز إلى موضع يكون القتال فيه أمكن، مثل أن ينحاز من مواجهة الشمس أو الريح إلى استدبارهما، أو من نزلة إلى علو، أو من معطشة إلى موضع ماء، أو يفر بين أيديهم لتنتقض صفوفهم، أو تنفرد خيلهم من رجالتهم، أو ليجد فيهم فرصة، أو ليستند إلى جبل، ونحو ذلك مما جرت به عادة أهل الحرب ...
وأما التحيز إلى فئة: فهو أن يصير إلى فئة من المسلمين ليكون معهم، فيقوى بهم على عدوهم، وسواء بعدت المسافة أو قربت. قال القاضي: لو كانت الفئة بخراسان والفئة بالحجاز، جاز التحيز إليها، ونحوه ذكر الشافعي، لأن ابن عمر روى أن النبي ﷺ قال: إني فئة لكم، وكانوا بمكان بعيد منه، وقال عمر: أنا فئة كل مسلم، وكان بالمدينة وجيوشه بمصر والشام والعراق وخراسان. رواهما سعيد.
وقال عمر: رحم الله أبا عبيدة لو كان تحيز إلي لكنت له فئة ".
ثم قال ابن قدامة ﵀: "وإذا كان العدو أكثر من ضعف المسلمين، فغلب على ظن المسلمين الظفر، فالأولى لهم الثبات؛ لما في ذلك من المصلحة، وإن انصرفوا جاز؛ لأنهم لا يأمنون العطب، والحكم عُلق على مظنته، وهو كونهم أقل من نصف عددهم، ولذلك لزمهم الثبات إذا كانوا أكثر من النصف وإن غلب على ظنهم الهلاك فيه.
ويحتمل أن يلزمهم الثبات إن غلب على ظنهم الظفر؛ لما فيه من المصلحة.
وإن غلب على ظنهم الهلاك في الإقامة، والنجاة في الانصراف، فالأولى لهم الانصراف، وإن ثبتوا جاز، لأن لهم غرضا في الشهادة، ويجوز أن يغلبوا أيضا" انتهى من "المغني" (٩/٢٥٤) .
وكلامه الأخير واضح في جواز القتال مع القلّة، بل ومع غلبة الظن بحصول الهلاك، خلافا لما ظنه السائل.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6830
ما معنى اتخاذ الكفار أولياء؟ وحكم مخالطة الكفار
[السُّؤَالُ]
ـ[ورد في القرآن أنه لا يجوز لنا اتخاذ الكفار أولياء، لكن ماذا يعني ذلك؟ أقصد إلى أي حدٍّ؟ هل يجوز لنا التعامل معهم؟ أنا أدرس، فهل يجوز لنا لعب كرة السلة معهم؟ هل يجوز أن نتحدث معهم فيما يتعلق بالسلة وما إلى ذلك؟ هل يجوز أن نصاحبهم طالما أنهم أبقوا أمور اعتقاداتهم لأنفسهم؟ .
أسأل عن ذلك لأني أعرف شخصاً يصاحبهم بمثل هذه الطريقة وتواجده معهم لا يؤثر على اعتقاده، لكني مع ذلك أقول له: " لماذا لا تبقى مع المسلمين بدلا من هؤلاء؟ " وهو يرد قائلا: إن أغلب - أو العديد - من المسلمين يشربون الخمر ويتناولون المخدرات في أماكن تجمعهم، كما أن لهم صديقات، وهو يخاف من أن معاصي هؤلاء المسلمين قد تغويه، لكنه متأكد تماما أن كفر الكفار لن يغريه لأنه شيء لا يُعتبر مغريا بالنسبة له، فهل تواجده ولعبه وحديثه حول أمور الرياضة مع الكفار يعتبر " من اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين "؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
حرم الله تعالى على المؤمنين اتخاذ الكافرين أولياء، وتوعد على ذلك وعيداً شديداً.
قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) المائدة/٥١.
قال الشيخ الشنقيطي ﵀:
" ذكر في هذه الآية الكريمة أن من تولى اليهود والنصارى مِن المسلمين فإنه يكون منهم بتوليه إياهم، وبيَّن في موضع آخر أن توَلِّيهم موجب لسخط الله، والخلود في عذابه، وأن متوليهم لو كان مؤمناً ما تولاهم، وهو قوله تعالى: (تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ * وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) المائدة/٨٠، ٨١.
ونهى في موضِع آخر عن تَوليهم مبيناً سبب التنفير منه، وهو قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنْ الآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ) الممتحنة/١٣.
وبيَّن في موضع آخر أن محل ذلك فيما إذا لم تكن الموالاة بسبب خوف، وتقية، وإن كانت بسبب ذلك فصاحبها معذور، وهو قوله تعالى: (لا يَتَّخِذْ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنْ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً) آل عمران/٢٨. فهذه الآية الكريمة فيها بيانٌ لكل الآيات القاضية بمنع موالاة الكفار مطلقاً وإيضاحٌ؛ أن محل ذلك في حالة الاختيار، وأما عند الخوف والتقية فيرخص في موالاتهم، بقدر المداراة التي يكتفي بها شرهم، ويشترط في ذلك سلامة الباطن من تلك الموالاة، ومن يأتي الأمور على اضطرار فليس كمثل آتيها اختياراً.
ويفهم من ظواهر هذه الآيات أن من تولى الكفار عمداً اختياراً رغبة فيهم أنه كافر مثلهم " انتهى.
"أضواء البيان" (٢ / ٩٨، ٩٩) .
ومن صور مولاة الكفار المحرمة: اتخاذهم أصدقاء وأصحاباً، ومخالطتهم في الطعام واللعب معهم.
وفي جواب السؤال رقم (١٠٣٤٢) نقلنا عن الشيخ ابن باز قوله:
" ليس الأكل مع الكافر حراماً إذا دعت الحاجة إلى ذلك أو المصلحة الشرعية، لكن لا تتخذوهم أصحاباً فتأكل معهم من غير سبب شرعي أو مصلحة شرعية ولا تؤانسهم، وتضحك معهم، ولكن إذا دعت إلى ذلك حاجة كالأكل مع الضيف أو ليدعوهم إلى الله ويرشدهم إلى الحق أو لأسباب أخرى شرعية فلا بأس.
وإباحة طعام أهل الكتاب لنا لا يقتضي اتخاذهم أصحاباً وجلساء ولا تقتضي مشاركتهم في الأكل والشرب من دون حاجة ولا مصلحة شرعية ". انتهى.
وسئل الشيخ محمد الصالح العثيمين ﵀:
عن حكم مخالطة الكفار ومعاملتهم بالرفق واللين طمعاً في إسلامهم؟
فأجاب:
لا شك أن المسلم يجب عليه أن يبغض أعداء الله ويتبرأ منهم؛ لأن هذه هي طريقة الرسل وأتباعهم، قال الله تعالى: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ) الممتحنة/٤. وقال تعالى: (لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الأِيمَانَ وَأَيََّهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ) المجادلة/٢٢.
وعلى هذا لا يحل لمسلم أن يقع في قلبه محبة ومودة لأعداء الله الذين هم أعداء له في الواقع، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ) الممتحنة/١.
أما كون المسلم يعاملهم بالرفق واللين طمعاً في إسلامهم وإيمانهم: فهذا لا بأس به؛ لأنه من باب التأليف على الإسلام، ولكن إذا يئس منهم عاملهم بما يستحقون أن يعاملهم به، وهذا مفصل في كتب أهل العلم ولاسيما كتاب " أحكام أهل الذمة " لابن القيم ﵀ ". انتهى.
" مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين " (٣ / السؤال رقم ٣٨٩) .
ثانياً:
وأما قول هذا القائل: إنه لا يخالط العصاة من المسلمين خوفا من أن تغويه معاصيهم، وأما الكفار فإن كفرهم لن يغريه.
فجوابه أن يقال:
أما عدم مخالطته لأهل المعاصي من المسلمين فَلَنِعْمَ ما فَعَلَ، إذا لم يكن قادراً على نصيحتهم، ونهيهم عن المنكر، وخاف على نفسه من الوقوع في معاصيهم واستحسانها.
وأما مخالطته للكفار، فليست العلة في منع مخالطة الكفار هي الخوف من الوقوع في الكفر فقط، بل مِنْ أظهرِ عِلَلِ هذا الحكم: عداوتُهم لله ورسوله والمؤمنين، وقد أشار الله تعالى إلى هذه العلة بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ) الممتحنة/١.
فكيف يليق بمسلم أن يصاحب عدو الله وعدوه ويصادقه؟!
ثم مِنْ أين يأمَنُ هذا مِنِ استحسانِ طريقتهم ومذهبهم؟ وقد وقع كثير من المسلمين في الكفر والإلحاد وارتدوا عن الإسلام بسبب مصاحبتهم للكفار، وإقامتهم في بلدانهم. فبعضهم تَهَوَّدَ، وبعضهم تَنَصَّر، وبعضهم اعتنق مذاهب فلسفية ملحدة.
نسأل الله أن يثبتنا على دينه.
وانظر جواب السؤال رقم (٢١٧٩) ففيه إيضاح القاعدة العظيمة: " تحريم موالاة الكفّار " وفيه ذِكر صور كثيرة من تلك الموالاة المحرَّمة.
وفي جواب السؤال رقم (٤٣٢٧٠) تجد حكم القول بأن أخلاق الكفّار أفضل من أخلاق المسلمين، وفيه النقل عن الشيخ ابن باز بتحريم هذا القول.
وفي جواب السؤال رقم (٢٦١١٨) ، (٢٣٣٢٥) بيان تحريم مصاحبة الكافر ومصادقته.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6831
هل يسافر لدول الكفر أم يعمل في مدينة سياحية ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا طالب بكلية التجارة السنة الرابعة، وأود أن تنتهي فترة الدراسة بأسرع ما يمكن لتحقيق هدفين:
١. تلبية متطلبات عائلية هامة وعاجلة.
٢. البدء في مشروع حياتي ...
وأمامي الآن عرضان:
١. العمل ابتداء من الصيف المقبل (بعيداً عن تخصصي) بمنطقة سياحية ساحلية – بمرتب مُغري.
٢. السفر لأي دولة غربية حيث أنوي إكمال دراسة معتمدة، وفي نفس الوقت أعمل أي عمل لسداد تكاليف هذه الدراسة بالإضافة إلى تحقيق الهدف.
أرجو نصيحتكم في اختيار أحد الأمرين مع اعتبار أن المشكلة المشتركة بين هذين الأمرين أنني شاب أعزب وأخشى على نفسي الفتنة لكني أتساءل كيف يعيش الشباب المسلمون الملتزمون في المجتمعات الغربية؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
نشكر لك حرصك على تحري العمل الحلال وطلب المشورة، وكذا حرصك على أهلك في تلبية مطالبهم، ونسأل الله تعالى أن يوفقك لما فيه خيرك وسعادتك في الدنيا والآخرة.
ثانياً:
بما أن دراستك في " كلية التجارة " فإن عليك تحري الوظيفة المباحة؛ لأن فرص العمل الحلال لمثل هذه التخصصات قليلة، فإن عامة الشركات والمؤسسات الآن تتعامل بالربا أو التأمين أو غير ذلك من المعاملات المحرمة، مما يجعل عمل المحاسب فيها نوعاً من معاونتهم على الإثم والعدوان.
ثالثاً:
السفر إلى الدول الغربية محفوف بالمخاطر على دين المرء وخلقه، وقَلَّ من سافر إلى هناك وحافظ على دينه ولم يضيعه، بسبب ما تعج به تلك البلاد من أفكار ومذاهب باطلة، وانحراف في السلوك والأخلاق لا يخفى على أحد، حتى صار بعض عقلائهم يحذرونهم من عاقبة هذا.
ولذلك كان من محاسن شرعنا الحكيم أن حرم على المسلم الإقامة في بلاد الكفر، وقد سبق بيان ذلك في عدة أجوبة، منها: (١٠٣٣٨) ، (١٤٢٣٥) .
ومن اضطر أو احتاج إلى السفر إلى هذه البلاد فلا بد من توفر شروط حتى يكون سفره مباحا، وأهم ذلك: أن يكون على علم يقي به نفسه من الشبهات، وأن يكون على دين وتقوى يقي به نفسه من الشهوات، وقد يتعين عليه أن يصطحب معه زوجته إذا كان لا يعصم نفسه من الشهوات إلا بهذا.
وقد ذكرت أنك أعزب، وتخاف على نفسك الفتنة فلا ينبغي لك الإقدام على مثل هذا الأمر والمخاطرة بدينك.
رابعاً:
وأما العمل في مكان في منطقة سياحية ساحلية بعيد عن تخصصك فهو بلا شك خير من ذهابك إلى تلك البلاد الكافرة، لكن يجب عليك التنبه لما يلي:
١ - أن تكون طبيعة العمل حلالاً.
٢- أن تكون بعيداً عن مواطن الفتنة، كأن يكون العمل فيه اختلاط، أو أن تكون طبيعة المنطقة فيها فسق وفجور لكونها سياحيَّة.
٣- أن لا يكون عملك فيه إعانة لبعض هؤلاء السياح على ما يفعلونه من منكر، فإنك بذلك تكون شريكاً لهم في الإثم.
فإذا خلا العمل من هذه المحظورات فلا حرج فيه إن شاء الله تعالى.
ونسأل الله لك التوفيق والسداد.
وأما سؤالك: كيف يعيش الشباب المسلمون الملتزمون في المجتمعات الغربية؟
فلا شك أنهم يعانون كثيراً، وكثير منهم ندم على قدومه إلى تلك البلاد، وتجد كثيراً من مشكلاتهم في أسئلتهم الواردة إلى هذا الموقع، مع أننا لا ننكر أن منهم من هو متمسك بدينه، بل بعضهم كان السفر خيراً له، غير أن هؤلاء قلة قليلة.
نسأل الله تعالى أن يثبتنا والمسلمين حتى نلقاه على دينه.
والله الموفق.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6832
متى يُقتل غير المسلم
[السُّؤَالُ]
ـ[قرأت أن قتل المسلم في الدين الإسلامي يعد معصية كبيرة بالمقارنة مع قتل غير المسلم. لكن عند الموت، فإن المسلم يدخل الجنة بينما يدخل غير المسلم النار.
إن قتل غير المسلم فيه حرمان له من إمكانية دخوله في الإسلام للأبد، وحكم عليه بدخول النار.
أليست تلك (قتل غير المسلم) معصية عظيمة إذن؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قتل غير المسلم إذا كان مُعاهدا معصية وكبيرة من كبائر الذنوب، فقد روى البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال ﷺ : " من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة وإنّ ريحها يوجد من مسيرة أربعين يوما ". وأما الكافر الحربي غير المعاهد وغير الذمّي فالمسلم مأمور بقتله لقوله تعالى: (قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة) وهذا إنما يكون في الجهاد مع إمام من أئمة المسلمين أو من ينوب عنه.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ عبد الكريم الخضير.
стр. 6833
صحة حديث قتال اليهود
[السُّؤَالُ]
ـ[هل هذا الحديث صحيح " أنه سيأتي يوم ينتصر فيه المسلمون على اليهود، حتى الحجر الذي يختفي فيه يهودي يتكلم وينادي بأنه تحتي يهودي فاقتله "؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
عن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " تقاتلكم اليهود فتسلطون عليهم ثم يقول الحجر يا مسلم هذا يهودي ورائي فاقتله " (رواه البخاري برقم ٣٥٩٣) ، وعن ابن عمر أيضاً ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: " تقاتلكم اليهود فتسلطون عليهم حتى يقول الحجر يا مسلم هذا يهودي ورائي فاقتله " رواه أحمد والترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح. وعن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ينزل الدجال بهذه السبخة بمر قناة فيكون أكثر من يخرج إليه النساء، حتى إن الرجل ليرجع إلى حميمه وإلى أمه وابنته وأخته وعمته يوثقها رباطاً مخافة أن تخرج إليه ثم يسلط الله المسلمين عليه فيقتلونه ويقتلون شيعته حتى إن اليهودي ليختبئ تحت شجرة أو حجر فيقول الحجر أو الشجرة للمسلم هذا يهودي تحتي فاقتله " رواه أحمد في مسنده وكذا رواه ابن ماجه عن أبي أمامة الباهلي عن النبي ﷺ في شأن المسيح الدجال. وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
[الْمَصْدَرُ]
فتاوى اللجنة الدائمة ٣/٩١
стр. 6834
هل يشترط وجود الإمام للقيام بالجهاد
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يشترط وجود الإمام للجهاد دفعاً وطلباً، فقد ذكر الإمام عبد الرحمن بن حسن ﵀، أنه لم يشترطه أحد من أهل العلم، فهل علمتم أحداً اشترطه؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ليس هو من شروط الجهاد لا دفعاً ولا طلباً، أما الدفع فهذا واضح لأن العدو إذا داهم البلاد يجب على كل من قدر على دفعه حتى النساء يجب عليهن أن يقاتلن، كما ذكر الفقهاء ذلك، لأن هذا واجب على الأعيان، والإمام يكون للتنظيم، فإذا وجد فهو خير وحسن، وإذا لم يوجد فإنه يجب على المسلمين القتال.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ عبد الله الغنيمان.
стр. 6835
هل تجب الهجرة على من أسلم في بلاد الكفار
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم من أسلم في بلاد الكفار هل يشمله حديث (أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين) وتجب عليه الهجرة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
من أسلم من أهل بلاد الكفر ولم يتمكن من إظهار دينه والقيام بشعائر عبادته، أو خاف على نفسه الفتنة في الدين، ولم يستطع حماية عرضه فإنه يجب عليه الهجرة لقول النبي ﷺ : (أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين)
أما إن كان قادراً على إظهار دينه، وإقامة الشعائر، وقدر على الهجرة، فإنه تستحب له الهجرة في هذه الحالة لا تجب.
قال ابن قدامة رحمه الله تعالى في كتاب المغني: فتستحب له ليتمكن من جهادهم (يعني الكفار) ، وتكثير المسلمين ومعونتهم. اهـ
وأما إن كان قادراً على إظهار الدين، وأمن الفتنة، ويقوم بالدعوة إلى الله وتعليم المسلمين أمر دينهم فإنه يبقى ولا يهاجر؛ لأن بقاءه فيه مصلحة وقد قال النبي ﷺ لمالك بن الحويرث ﵁ لما جاء عند النبي ﷺ هو وأصحابه وجلسوا عند النبي ﷺ ثم رأى اشتياقهم لأهليهم فأمرهم بالرجوع وتعليم من وراءهم فقال: (ارجعوا إلى أهليكم فعلموهم) رواه البخاري (٦٠٠٨) ومسلم (٦٧٤) ، وروى البخاري (١٤٥٢) ومسلم (١٨٦٥) عن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ ﵁ أَنَّ أَعْرَابِيًّا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْهِجْرَةِ، فَقَالَ: وَيْحَكَ، إِنَّ شَأْنَ الْهِجْرَةِ لَشَدِيدٌ، فَهَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَهَلْ تُؤْتِي صَدَقَتَهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَاعْمَلْ مِنْ وَرَاءِ الْبِحَارِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَنْ يَتِرَكَ مِنْ عَمَلِكَ شَيْئًا.
قال النووي ﵀:
(لَنْ يَتِرَكَ مِنْ عَمَلِكَ شَيْئًا) مَعْنَاهُ: لَنْ يُنْقِصك مِنْ ثَوَاب أَعْمَالك شَيْئًا , حَيْثُ كُنْت , قَالَ الْعُلَمَاء: وَالْمُرَاد بِالْبِحَارِ هُنَا الْقُرَى , وَالْعَرَب تُسَمِّي الْقُرَى الْبِحَار , وَالْقَرْيَة الْبُحَيْرَة. قَالَ الْعُلَمَاء: وَالْمُرَاد بِالْهِجْرَةِ الَّتِي سَأَلَ عَنْهَا هَذَا الأَعْرَابِيّ مُلازَمَة الْمَدِينَة مَعَ النَّبِيّ ﷺ وَتَرْك أَهْله وَوَطَنه، فَخَافَ عَلَيْهِ النَّبِيّ ﷺ أَلا يَقْوَى لَهَا، وَلا يَقُوم بِحُقُوقِهَا , وَأَنْ يَنْكُص عَلَى عَقِبَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّ شَأْن الْهِجْرَة الَّتِي سَأَلْت عَنْهَا لَشَدِيد وَلَكِنْ اِعْمَلْ بِالْخَيْرِ فِي وَطَنك، وَحَيْثُ مَا كُنْت فَهُوَ يَنْفَعك , وَلا يُنْقِصك اللَّه مِنْهُ شَيْئًا اهـ.
فالهجرة تدور على القدرة على إظهار الشعائر الدينية والتعبد، فإن لم يستطع وخشي الفتنة وجبت الهجرة، وإن استطاع أن يظهر الشعائر وتمكن من الهجرة استحبت، وإن تمكن من إظهار الشعائر وكان يقوم بالدعوة وتعليم المسلمين بقي والله أعلم وأحكم، وفقنا الله جميعاً لما يحب ويرضى..
وانظر السؤال رقم (١٣٣٦٣) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6836
الجهاد بالمال واجب على الأغنياء
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا امرأة مسلمة عندي أموال كثيرة والحمد لله، فهل يجب عليّ أن أدفع من هذه الأموال للمسلمين المضطهدين الذين يحاول الأعداء احتلال أرضهم وقتلهم كما في الشيشان وفي فلسطين وغيرهما من بلاد المسلمين؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الواجب على المسلمين مساعدة إخوانهم المضطهدين في كل مكان، قال الله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) الحجرات /١٠. وقال النبي ﷺ : (الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لا يَظْلِمُهُ وَلا يُسْلِمُهُ) . رواه البخاري (٢٤٤٢) ومسلم (٢٥٨٠) . وزاد مسلم في حديث آخر (٢٥٤٦) : (وَلا يَخْذُلهُ) .
قال الحافظ:
(وَلا يُسْلِمُهُ) أَيْ لا يَتْرُكُهُ مَعَ مَنْ يُؤْذِيه وَلا فِيمَا يُؤْذِيه , بَلْ يَنْصُرُهُ وَيَدْفَعُ عَنْهُ. . . وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ وَاجِبًا وَقَدْ يَكُونُ مَنْدُوبًا بِحَسَبِ اِخْتِلاف الأَحْوَالِ اهـ.
وقَالَ فِي النِّهَايَةِ: أَسْلَمَ فُلانٌ فُلانًا إِذَا أَلْقَاهُ فِي التَّهْلُكَةِ , وَلَمْ يَحْمِهِ مِنْ عَدُوِّهِ اهـ من تحفة الأحوذي.
وقال النووي:
(لا يَخْذُلهُ) قَالَ الْعُلَمَاء: الْخَذْل تَرْك الإِعَانَة وَالنَّصْر , وَمَعْنَاهُ إِذَا اِسْتَعَانَ بِهِ فِي دَفْع ظَالِم وَنَحْوه لَزِمَهُ إِعَانَته إِذَا أَمْكَنَهُ , وَلَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْر شَرْعِيّ اهـ.
والجهاد في الشيشان وفلسطين ونحوهما من البلاد الإسلامية المحتلة أو التي يحاول الكفار احتلالها والاستيلاء عليها من باب جهاد الدفع. وقد سبق بيان حكمه في إجابة السؤال رقم (٣٤٨٣٠) .
وإذا لم يستطع الرجل نصرة إخوانه المسلمين بنفسه فإنه يلزمه أن ينصرهم ويجاهد معهم بماله إن كان غنياًّ.
وكذلك المرأة يجب عليها الجهاد بمالها.
والجهاد بالمال قرين الجهاد بالنفس في كتاب الله.
قال تعالى: (انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُون َ) التوبة /٤١.
وقال: (لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيما ً) النساء /٩٥.
وقال: (الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ) التوبة/٢٠.
وقال: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) الحجرات /١٥.
وروى أبو داود (٢٥٠٤) عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (جَاهِدُوا الْمُشْرِكِينَ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ) . صحيح أبي داود (٢١٨٦) .
قال الصنعاني في "سبل السلام" (٤/٨٧) :
الْحَدِيث دَلِيل عَلَى وُجُوب الْجِهَاد بِالنَّفْسِ، وَهُوَ بِالْخُرُوجِ وَالْمُبَاشَرَة لِلْكُفَّارِ , وَبِالْمَالِ وَهُوَ بَذْله لِمَا يَقُوم بِهِ مِنْ النَّفَقَة فِي الْجِهَاد وَالسِّلَاح وَنَحْوه , وَبِاللِّسَانِ بِإِقَامَةِ الْحُجَّة عَلَيْهِمْ وَدُعَائهُمْ إِلَى اللَّه تَعَالَى، وبالأصوات عند اللقاء وَالزَّجْر وَنَحْوه مِنْ كُلّ مَا فِيهِ نِكَايَة لِلْعَدُوِّ اهـ.
وقال الشوكاني في "نيل الأوطار" (٨/٢٩) :
فيه دليل على وجوب المجاهدة للكفار بالأموال والأيدي والألسن. وقد ثبت الأمر القرآني بالجهاد بالأنفس والأموال في مواضع، وظاهر الأمر الوجوب اهـ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في: الاختيارات" ص ٥٣٠:
"ومن عجز عن الجهاد ببدنه وقدر على الجهاد بماله وجب عليه الجهاد بماله، فيجب على الموسرين النفقة في سبيل الله.
وعلى هذا: فيجب على النساء الجهاد في أموالهن إن كان فيها فضل، وكذلك في أموال الصغار إن احتيج إليها كما تجب النفقات والزكاة. فأما إذا هجم العدو فلا يبقى للخلاف وجه، فإن دفع ضررهم عن الدين والنفس والحرمة واجب إجماعاً اهـ.
والنفقة في سبيل الله من أفضل الصدقات، وقد وعد الله تعالى صاحبها ثواباً جزيلاً، فقال: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) البقرة /٢٦١.
قال السعدي ﵀:
"مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله" أي: في طاعته ومرضاته، وأولاها إنفاقها في الجهاد في سبيله "كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة" وهذا إحضار لصورة المضاعفة بهذا المثل الذي كأن العبد يشاهده ببصره، فيشاهد هذه المضاعفة ببصيرته فيقوى شاهد الإيمان مع شاهد العيان فتنقاد النفس مذعنة للإنفاق سامحة بها مؤملة لهذه المضاعفة الجزيلة والمنة الجليلة "والله يضاعف" هذه المضاعفة "لمن يشاء" أي: بحسب حال المنفق وإخلاصه وصدقه وبحسب حال النفقة وحلها ونفعها ووقوعها موقعها ويحتمل أن يكون "والله يضاعف" أكثر من هذه المضاعفة "لمن يشاء" فيعطيهم أجرهم بغير حساب "والله واسع" الفضل واسع العطاء فلا يتوهم المنفق أن تلك المضاعفة فيها نوع مبالغة لأن الله تعالى لا يتعاظمه شيء ولا ينقصه العطاء على كثرته ومع هذا فهو "عليم" بمن يستحق هذه المضاعفة ومن لا يستحقها فيضع المضاعفة في موضعها لكمال علمه وحكمته" اهـ.
نسأل الله تعالى أن ينصر المسلمين على عدوهم.
والله تعالى أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6837
من عقوبات ترك الجهاد في سبيل الله
[السُّؤَالُ]
ـ[هل هناك عقوبة معينة يستحقها من ترك الجهاد في سبيل الله؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ورد في الأمر بالجهاد في سبيل الله، والترهيب من تركه الكثير من الآيات والأحاديث.
وإذا ترك المسلمون الجهاد في سبيل الله، وآثروا حياة الدعة والراحة، وركنوا إلى الدنيا، أصابهم الذل والهوان، وفسدت أمورهم، وعرضوا أنفسهم لمقت الله تعالى وغضبه. وتعرض الإسلام للضياع، وطغيان الكفر عليه. ولذلك كان ترك الجهاد من كبائر الذنوب.
قال ابن حجر في "الزواجر":
(الكبيرة التسعون والحادية والثانية والتسعون بعد الثلاثمائة ترك الجهاد عند تعينه، بأن دخل الحربيون دار الإسلام أو أخذوا مسلماً وأمكن تخليصه منهم. وترك الناس الجهاد من أصله. وترك أهل الإقليم تحصين ثغورهم بحيث يخاف عليها من استيلاء الكفار بسبب ترك ذلك التحصين) اهـ.
ولذلك صار معلوما ومقررا عند الصحابة أنه لا يقعد عن الجهاد إذا كان فرض عين إلا ضعيف معذور أو منافق، وهذا ما يحكيه كعب بن مالك ﵁ حين تخلف عن تبوك: (فَكُنْتُ إِذَا خَرَجْتُ فِي النَّاسِ بَعْدَ خُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَطُفْتُ فِيهِمْ أَحْزَنَنِي أَنِّي لَا أَرَى إِلَّا رَجُلًا مَغْمُوصًا عَلَيْهِ النِّفَاقُ، أَوْ رَجُلًا مِمَّنْ عَذَرَ اللَّهُ مِنْ الضُّعَفَاءِ) . رواه البخاري (٤٠٦٦) ومسلم (٤٩٧٣) .
وقد بينت تلك الأدلة بعض ما يترتب عليه من عقوبات، فمنها:
١- ترك الجهاد سبب للهلاك في الدنيا والآخرة.
أما في الدنيا فإن الجبان الرعديد يكون ذليلاً مستعبداً تابعا غير متبوع. وأما في الآخرة فترك الجهاد سبب لعذاب الله تعالى.
قال الله تعالى: (وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) البقرة/١٩٥.
روى الترمذي (٢٩٧٢) عَنْ أَسْلَمَ أَبِي عِمْرَانَ قَالَ: كُنَّا بِمَدِينَةِ الرُّومِ فَأَخْرَجُوا إِلَيْنَا صَفًّا عَظِيمًا مِنْ الرُّومِ، فَحَمَلَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى صَفِّ الرُّومِ حَتَّى دَخَلَ فِيهِمْ، فَصَاحَ النَّاسُ وَقَالُوا: سُبْحَانَ اللَّهِ! يُلْقِي بِيَدَيْهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ! فَقَامَ أَبُو أَيُّوبَ الأَنْصَارِيُّ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ تَتَأَوَّلُونَ هَذِهِ الآيَةَ هَذَا التَّأْوِيلَ، وَإِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةَ فِينَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، لَمَّا أَعَزَّ اللَّهُ الإِسْلامَ، وَكَثُرَ نَاصِرُوهُ، فَقَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ سِرًّا دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ أَمْوَالَنَا قَدْ ضَاعَتْ، وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعَزَّ الإِسْلامَ، وَكَثُرَ نَاصِرُوهُ، فَلَوْ أَقَمْنَا فِي أَمْوَالِنَا فَأَصْلَحْنَا مَا ضَاعَ مِنْهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ يَرُدُّ عَلَيْنَا مَا قُلْنَا (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) فَكَانَتْ التَّهْلُكَةُ الإِقَامَةَ عَلَى الأَمْوَالِ وَإِصْلاحِهَا، وَتَرْكَنَا الْغَزْوَ. فَلَمْ يَزَلْ أَبُو أَيُّوبَ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى دُفِنَ بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ. وصححه الألباني في صحيح الترمذي.
قال في "تحفة الأحوذي":
وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِإِلْقَاءِ الْأَيْدِي إِلَى التَّهْلُكَةِ هُوَ الإِقَامَةُ فِي الأَهْلِ وَالْمَالِ وَتَرْكُ الْجِهَادِ اهـ.
٢- ترك الجهاد سبب للذل والهوان.
روى أبو داود (٣٤٦٢) عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمْ الْجِهَادَ، سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلا لا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ، سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلا لا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ، سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلا لا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ) . صححه الألباني في صحيح أبي داود.
ولقد صدق رسولنا ﷺ ، فإن الناظر إلى أحوال المسلمين اليوم يرى أنهم قد فرطوا في دينهم تفريطا عظيما. . فأكلوا الربا، وركنوا إلى الدنيا، وتركوا الجهاد في سبيل الله. فماذا كانت النتيجة؟!! ألزمهم الله الذل في أعناقهم، فهم يلجأون إلى الشرق أو الغرب خاضعين ذليلين يطلبون منهم النصر على الأعداء، وما عرف أولئك أن الذل لا يرفع عنهم حتى يرجعوا إلى دينهم كما أخبر الصادق المصدوق ﷺ .
وصدق الله العظيم: (بَشِّرْ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٣٨) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمْ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا) النساء/١٣٨-١٣٩.
٣- وترك الجهاد سبب لنزول العذاب في الدنيا والآخرة.
روى أبو داود (٢٥٠٣) عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (مَنْ لَمْ يَغْزُ، أَوْ يُجَهِّزْ غَازِيًا، أَوْ يَخْلُفْ غَازِيًا فِي أَهْلِهِ بِخَيْرٍ، أَصَابَهُ اللَّهُ بِقَارِعَةٍ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ) . حسنه الألباني في صحيح أبي داود.
والقارعة هي الدَاهِيَة المُهْلِكَة التي تأتي فجأة , يقال: قَرَعَهُ أَمْرٌ إِذَا أَتَاهُ فَجْأَة.
وقال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلا قَلِيلٌ (٣٨) إِلا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) التوبة/٣٨-٣٩.
"وليس العذاب الذي يتهددهم هو عذاب الآخرة فقط، بل عذاب الدنيا والآخرة، عذاب الذل الذي يصيب القاعدين عن الجهاد، عذاب الحرمان من الخيرات التي يستفيد منها العدو الكافر ويحرمها أهلها، وهم مع ذلك كله يخسرون من النفوس والأموال أضعاف ما يخسرون في الجهاد، ويقدمون على مذابح الذل أضعاف ما تتطلبه منهم الكرامة لو قدموا لها الفداء، وما من أمة تركت الجهاد إلا ضرب الله عليها الذل فدفعت مرغمة صاغرة أضعاف ما كان يتطلبه منها جهاد الأعداء" اهـ. الظلال (٣/١٦٥٥) .
وقال السعدي ﵀ ص (٥٣٢) :
(يا أيها الذين آمنوا) ألا تعملون بمقتضى الإيمان، ودواعي اليقين، من المبادرة لأمر الله، والمسارعة إلى رضاه، وجهاد أعدائه لدينكم، فـ (مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثّاقلتم إلى الأرض) أي: تكاسلتم، وملتم إلى الأرض والدعة والكون فيها.
(أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة) أي: ما حالكم إلا حال من رضي بالدنيا، وسعي لها، ولم يبال بالآخرة فأنه ما آمن بها.
(فما متاع الحياة الدنيا) التي مالت بكم، وقدمتموها على الآخرة (إلا قليل) أفليس قد جعل الله لكم عقولاً، تزنون بها الأمور وأيها أحق بالإيثار؟
أفليست الدنيا ـ من أولها إلى آخرها ـ لا نسبة لها في الآخرة.
فما مقدار عمر الإنسان القصير جداً من الدنيا، حتى يجعله الغاية، التي لا غاية وراءها فيجعل سعيه، وكده وهمه وإرادته لا يتعدى الحياة الدنيا القصيرة المملوءة بالأكدار المشحونة بالأخطار.
فبأي رأي رأيتم إيثارها على الدار الآخرة، الجامعة لكل نعيم التي فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، وأنتم فيها خالدون. فوالله ما آثر الدنيا على الآخرة من وقر الإيمان في قلبه، ولا من جزل رأيه، ولا من عُدَّ من أولى الألباب، ثم توعدهم على عدم النفير فقال:
(إلا تنفروا يعذبكم عذاباً أليماً)
في الدنيا والآخرة، فإن عدم النفير في حال الاستنفار من كبائر الذنوب الموجبة لأشد العقاب، لما فيه من المضار الشديدة فإن المتخلف قد عصى الله تعالى، وارتكب لنهيه، ولم يساعد على نصر دين الله، ولا ذَبَّ عن كتاب الله وشرعه، ولا أعان إخوانه المسلمين على عدوهم، الذي يريد أن يستأصلهم، ويمحق دينهم، وربما اقتدى به غيره من ضعفاء الإيمان، بل ربما فَثّ في أعضاد من قاموا بجهاد أعداء الله، فحقيق بمن هذا حاله أن يتوعده الله بالوعيد الشديد، فقال: (إلا تنفروا يعذبكم عذاباً أليماً ويستبدل قوماً غيركم ولا تضروه شيئاً) فإنه تعالى متكفل بنصرة دينه وإعلاء كلمته، فسواء امتثلتم لأمر الله أو ألقيتموه وراءكم ظهرياً.
(والله على كل شيء قدير) لا يعجزه شيء أراده، ولا يغالبه أحد اهـ.
نسأل الله تعالى أن يرد المسلمين إلى دينهم رداً جميلاً. وأن يرفع عنهم الذل والهوان.
والله تعالى أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6838
حكم الجهاد للمرأة
[السُّؤَالُ]
ـ[مهم جدا حيرني ما هو حكم الجهاد للمرأة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الجهاد غير واجب على المرأة، قال ابن قدامة ﵀: (ويشترط لوجوب الجهاد سبعة شروط ; الإسلام , والبلوغ , والعقل , والحرية , والذكورية , والسلامة من الضرر , ووجود النفقة. فأما الإسلام والبلوغ والعقل , فهي شروط لوجوب سائر الفروع , ولأن الكافر غير مأمون في الجهاد , والمجنون لا يتأتى منه الجهاد والصبي ضعيف البنية , وقد روى ابن عمر , قال: ﴿عرضت على رسول الله ﷺ يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة , فلم يجزني في المقاتلة﴾ . متفق عليه. ......وأما الذكورية فتشترط ; لما روت عائشة , قالت ﴿: يا رسول الله , هل على النساء جهاد؟ فقال: جهاد لا قتال فيه ; الحج , والعمرة﴾ . ولأنها ليست من أهل القتال ; لضعفها..) انتهى من المغني ٩/١٦٣
وحديث عائشة ﵂ رواه أحمد (٢٥٣٦١) وابن ماجه (٢٩٠١) وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه.
وهل تخرج المرأة لمساعدة المجاهدين ومداواة الجرحى؟
قال السرخسي في شرح السير الكبير (١/١٨٤) : (باب قتال النساء مع الرجال وشهودهن الحرب. قال: لا يعجبنا أن يقاتل النساء مع الرجال في الحرب ; لأنه ليس للمرأة بنية صالحة للقتال , كما أشار إليه رسول الله ﷺ في قوله:" هاه , ما كانت هذه تقاتل". وربما يكون في قتالها كشف عورة المسلمين , فيفرح به المشركون وربما يكون ذلك سببا لجرأة المشركين على المسلمين , ويستدلون به على ضعف المسلمين فيقولون: احتاجوا إلى الاستعانة بالنساء على قتالنا , فليتحرز عن هذا , ولهذا المعنى لا يستحب لهم مباشرة القتال , إلا أن يضطر المسلمون إلى ذلك , فإنّ دفع فتنة المشركين عند تحقق الضرورة بما يقدر عليه المسلمون جائز بل واجب. واستدل عليه بقصة حنين.
وفي أواخر تلك القصة: " قالت أم سليم بنت ملحان , وكانت يومئذ تقاتل شادة على بطنها بثوب: يا رسول الله أرأيت هؤلاء الذين فروا منك وخذلوك , فلا تعف عنهم إن أمكنك الله منهم , فقال ﷺ : يا أم سليم عافية الله أوسع , فأعادت ذلك ثلاث مرات , وفي كل ذلك يقول رسول الله ﷺ : عافية الله أوسع ". وفي المغازي أنها قالت: ألا نقاتل يا رسول الله هؤلاء الفرارين فنقتلهم كما قاتلنا المشركين؟ فقال ﷺ : عافية الله أوسع. وأية حاجة إلى قتال النساء أشد من هذه الحاجة حين فروا عن رسول الله ﷺ وأسلموه , وفي هذا بيان أنه لا بأس بقتالهن عند الضرورة ; لأن الرسول لم يمنعها في تلك الحالة , ولم ينقل أنه أذن للنساء في القتال في غير تلك الحالة.
قال: ولا بأس بأن يحضر منهن الحرب العجوز الكبيرة فتداوي الجرحى , وتسقي الماء , وتطبخ للغزاة إذا احتاجوا إلى ذلك , لحديث عبد الله بن قرط الأزدي قال: كانت نساء خالد بن الوليد ونساء أصحابه مشمرات , يحملن الماء للمجاهدين يرتجزن , وهو يقاتل الروم , والمراد العجائز , فالشواب يمنعن عن الخروج لخوف الفتنة , والحاجة ترتفع بخروج العجائز. وذكر عن أم مطاع , وكانت شهدت خيبر مع النبي ﷺ قالت: رأيت أسلم (وهي قبيلة من قبائل العرب) حيث شكوا إلى رسول الله ﷺ ما يلقون من شدة الحال فندبهم إلى الجهاد فنهضوا. ولقد رأيت أسلم أول من انتهى إلى الحصن فما غابت الشمس من ذلك اليوم حتى فتحه الله علينا.
ففي هذا بيان أنها كانت خرجت مع رسول الله ﷺ ولم يمنعها من ذلك فعرفنا أنه لا بأس للعجوز أن تخرج لإعانة المجاهدين بما يليق بها من العمل والله الموفق) انتهى.
وقال في كشاف القناع (٣/٦٢) : ((و) يمنع (نساء) للافتتان بهن , مع أنهن لسن من أهل القتال , لاستيلاء الخور (أي الضعف) والجبن عليهن ; ولأنه لا يؤمن ظفر العدو بهن , فيستحلون منهن ما حرم الله تعالى قال بعضهم: (إلا امرأة الأمير لحاجته) لفعله ﷺ . (و) إلا امرأة (طاعنة في السن لمصلحة فقط كسقي الماء ومعالجة الجرحى) لقول الربيع بنت معوذ: " كنا نغزو مع النبي ﷺ نسقي الماء ونخدمهم , ونرد الجرحى , والقتلى إلى المدينة " رواه البخاري وعن أنس معناه رواه مسلم ; ولأن الرجال يشتغلون بالحرب عن ذلك , فيكون معونة للمسلمين وتوفيرا في المقاتلة) .
وهذا كله ما لم يتعين الجهاد بأن دهم العدو بلد المسلمين، فإنه يجب الجهاد على كل قادر رجلاً كان أم امرأة، فتخرج المرأة بغير إذن زوجها، قال الكاساني الحنفي ﵀: (فأما إذا عم النفير بأن هجم العدو على بلد , فهو فرض عين يفترض على كل واحد من آحاد المسلمين ممن هو قادر عليه ; لقوله (انفروا خفافا وثقالا) قيل: نزلت في النفير. وقوله (ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه) ....) انتهى من بدائع الصنائع ٧/٩٨.
وجاء نحو هذا في الشرح الصغير من كتب المالكية (٢/٢٧٤) : أن الجهاد إذا تعيّن بأن هجم العدو على بلاد المسلمين فإنه يجب على كلّ قادر عليه من الرجال والنساء.
وخلاصة الجواب:
أن الجهاد لا يجب على المرأة في الأصل، إلا نه عند الضرورة، كما لو هجم الكفار على بلاد المسلمين فإنه يجب عليها الجهاد، وحينئذ عل حسب قدرتها واستطاعتها، فإن كانت غير مستطيعة فلا يجب عليها لقول الله تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا وُسْعَهَا) سورة البقرة/٢٨٦
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6839
والدها يرفض الخاطب لأنه مجاهد وقد يموت في المعركة
[السُّؤَالُ]
ـ[أريد أن أتزوج برجلٍ يعد نفسه للذهاب إلى الجهاد في غضون سنوات، لكن عندما ذكرت أمره لوالدي رفض؛ لأنه يقول بأنه لا يستطيع أن يراني أرملة في حياته، أنا أعي عواقب الزواج بشخصٍ قد يموت في المعركة (ومن منظور دنيوي: أي: أني سأعيش بدون زوج لأشهر كل مرة " يذهب فيها للجهاد "، وهناك احتمال كبير بأن أصبح أرملة، إلخ) ، لكن الأجر هو أعظم بكثيرٍ من المنافع الدنيوية.
وعليه، فهل يجب عليَّ أن أطيع والدي؟ وهل سبب رفضه مقبول إسلاميّاً لأن يرفض هذا الخاطب، وأنا أكثر من موافقة على أن أصبح زوجة لمجاهد؟ أرجو المساعدة.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
فإن النكاح رابطة شرعية شريفة حث عليها ديننا في مواضع من كتاب الله وسنة رسوله، وإن من المهم في هذه الرابطة حسن اختيار الزوج أو الزوجة، فقد قال ﵊: " تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها وجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك " رواه البخاري (٤٨٠٢) ومسلم (١٤٦٦) ، وقال مخاطباً ولي المرأة: " إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض " – رواه الترمذي (١٠٨٤) وابن ماجه (١٩٦٧) – وصححه الشيخ الألباني في " السلسلة الصحيحة " (١٠٢٢) -.
ثم إن الجهاد من أعظم أبواب الخير وهو ذروة سنام الإسلام، وأهله هم من خيرة عباد الله، ومن حزبه المفلحين، وفضل الجهاد والمجاهدين مما يطول ذكره.
ثانياً:
الذهاب للجهاد لا يعني الموت المحقق، فإن الله قد خلق الخلائق وقدر أزراقها وآجالها، وإنه لمن العجب أن يظن المسلم أن ذهاب المجاهد إلى أرض المعركة يعني أنه سيقتل فيها، ويظن أنه إن لم يجاهد فسينجو من الموت، وهذا ظن خاطىء فالذهاب إلى الجهاد لا يعجِّل ساعة الإنسان، وعدم الذهاب لا يؤخرها، وقد يعيش الإنسان عمره كله في الجهاد ولا يُقتل فيه، ومن أحسن الأمثلة على ذلك: الصحابي الجليل خالد بن الوليد – ﵁ – والذي قضى كثيراً من عمره في ساحات القتال ثم كان موته على فراشه، بينما آلاف الناس يموتون في كل لحظة في بيوتهم أو متاجرهم أو في الشوارع، قال الله : ﴿ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون﴾ النحل / ٦١، وقال تعالى: ﴿وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير﴾ لقمان / ٣٤.
وقد أخبر الله تعالى عن مثل من يظن هذا الظن وردَّ عليهم.
قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم والله يحيي ويميت والله بما تعملون بصير﴾ آل عمران / ١٥٦.
قال ابن كثير:
ينهى الله تعالى عباده المؤمنين عن مشابهة الكفار في اعتقادهم الفاسد الدال عليه قولهم عن إخوانهم الذين ماتوا في الأسفار والحروب لو كانوا تركوا ذلك لما أصابهم ما أصابهم فقال تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم﴾ أي: عن إخوانهم ﴿إذا ضربوا في الأرض﴾ أي: سافروا للتجارة ونحوها ﴿أو كانوا غزى﴾ أي: كانوا في الغزو ﴿لو كانوا عندنا﴾ أي: في البلد ﴿ما ماتوا وما قتلوا﴾ أي: ما ماتوا في السفر وما قتلوا في الغزو، وقوله ﴿ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم﴾ أي: خلق هذا الاعتقاد في نفوسهم ليزدادوا حسرة على موتاهم وقتلاهم.
ثم قال تعالى ردّاً عليهم ﴿والله يحيي ويميت﴾ أي: بيده الخلق، وإليه يرجع الأمر، ولا يحيا أحد ولا يموت أحد إلا بمشيئته وقدره، ولا يزاد في عمر أحد ولا ينقص منه شيء إلا بقضائه وقدره.
" تفسير ابن كثير " (١ / ٤٢٠) .
وقال:
أي: كما أن الحذر لا يغني من القدَر، كذلك الفرار من الجهاد وتجنبه لا يقرب أجلاً ولا يُبعده، بل الإحياء المحتوم والرزق المقسوم مقدَّر مقنَّن لا يُزاد فيه ولا ينقص منه كما قال تعالى ﴿الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرؤا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين﴾ ، وقال تعالى ﴿وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة﴾ ، وروينا عن أمير الجيوش ومقدَّم العساكر وحامى حوزة الإسلام وسيف الله المسلول على أعدائه أبي سليمان خالد بن الوليد ﵁ أنه قال - وهو في سياق الموت -: " لقد شهدت كذا وكذا موقفاً، وما من عضوٍ من أعضائي إلا وفيه رمية أو طعنة أو ضربة وها أنا ذا أموت على فراشي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء "، يعني: أنه يتألم لكونه ما مات قتيلاً في الحرب، ويتأسف على ذلك، ويتألم أن يموت على فراشه.
" تفسير ابن كثير " (١ / ٣٠٠) .
ثالثاً:
ومما تقدم يتبين خطأ ما قاله والدك من أنه لا يريد أن يراك أرملة في حياته، إذ لو قدر الله ذلك لحصل حتى لو تزوجت من غير المجاهد، فرفضه لأنه يعد نفسه للجهاد ليس له مسوغٌ شرعاً، أما إن كان هناك أسباب أخَ تتعلق بخلُقه ودينه: فيمكن للوالد أن يردَّ هذا الزوج.
رابعاً:
والنصيحة لك أن تطيعي والدكِ، وليس لك أن تتزوجي من غير إذن الوليِّ، فقد أبطل الشرع الحكيم زواج المرأة من غير إذن الولي.
أ. عن أبي موسى قال: قال النبي ﷺ : " لا نكاح إلا بولي ".
رواه الترمذي (١١٠١) وأبو داود (٢٠٨٥) وابن ماجه (١٨٨١) .
والحديث: صححه الشيخ الألباني ﵀ في " صحيح الترمذي " (١ / ٣١٨) .
ب. عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : " أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فإن دخل بها فلها المهر لما استحل من فرجها، فإن لم يكن لها ولي فالسلطان ولي من لا ولي له.
رواه الترمذي (١١٠٢) وأبو داود (٢٠٨٣) وابن ماجه (١٨٧٩) .
والحديث: حسَّنه الترمذي وصححه ابن حبان (٩ / ٣٨٤) والحاكم (٢ / ١٨٣) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6840
هل انتشر الإسلام بالسيف ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل انتشر الإسلام بالسيف؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
سبق في السؤال رقم (٣٤٨٣٠) أن الجهاد نوعان: جهاد طلب، وجهاد دفع.
ولا شك أن جهاد الطلب كان له أثر كبير في نشر الإسلام، ودخول الناس في دين الله أفواجا.
ولذلك ملئت قلوب أعداء الإسلام رعباً من الجهاد.
جاء في مجلة العالم الإسلامي الإنجليزية: إن شيئاً من الخوف يجب أن يسيطر على العالم الغربي، ولهذا الخوف أسباب منها أن الإسلام منذ ظهر بمكة لم يضعف عددياً بل دائما في ازدياد واتساع. ثم إن الإسلام ليس ديناً فحسب، بل إن من أركانه الجهاد اهـ.
وقال روبرت بين: إن المسلمين قد غزوا الدنيا كلها من قبل وقد يفعلونها مرة ثانية اهـ.
وقد أراد المستشرقون الطعن في الإسلام بأنه انتشر بالسيف.
وألف المستشرق توماس أرنولد كتابه (الدعوة إلى الإسلام) يهدف منه إلى إماتة الروح الجهادية عند المسلمين، وبرهن بزعمه على أن الإسلام لم ينتشر بالسيف، وإنما انتشر بالدعوة السلمية المتبرئة من كل قوة.
وقد وقع المسلمون في الفخ الذي نُصِبَ لهم، فإذا سمعوا من يتهجم على الإسلام بأنه انتشر بالسيف من المستشرقين، قالوا: أخطأتم واسمعوا الرد عليكم من بني جلدتكم، فهذا توماس يقول كذا وكذا.
وخرج الانهزاميون من المسلمين يدافعون عن الإسلام، وأرادوا تبرئة الإسلام من هذه الفرية على زعمهم، فنفوا أن يكون الإسلام انتشر بالسيف، ونفوا مشروعية الجهاد في الإسلام إلا على سبيل الدفاع فقط، وأما جهاد الطلب فلا وجود له عندهم. وهذا خلاف ما قرره أئمة الهدى علماء المسلمين، فضلا عن مخالفته للقرآن والسنة.
قال شيخ الإسلام في "مجموع الفتاوى" (٢٨/٢٦٣) :
"فالمقصود أن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الله اسم جامع لكلماته التي تضمنها كتابه، وهكذا قال الله تعالى: (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط) فالمقصود من إرسال الرسل وإنزال الكتب أن يقوم الناس بالقسط في حقوق الله وحقوق خلقه ثم قال تعالى: (وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب) فمن عدل عن الكتاب قوم بالحديد، ولهذا كان قوام الدين بالمصحف والسيف. وقد روى عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نضرب بهذا يعنى السيف من عدل عن هذا يعنى المصحف اهـ.
وقال ابن القيم ﵀ في "الفروسية" (ص ١٨) :
(وبعثه الله تعالى – يعني النبي ﷺ بالكتاب الهادي، والسيف الناصر، بين يدي الساعة حتى يعبد سبحانه وحده لا شريك له، وجعل رزقه تحت ظل سيفه ورمحه. . . فإن الله سبحانه أقام دين الإسلام بالحجة والبرهان، والسيف والسنان، كلاهما في نصره أخوان شقيقان اهـ.
وهذه بعض أدلة الكتاب والسنة والتي تدل دلالة بينة واضحة على أن السيف كان من أهم الأسباب التي أدت إلى انتشار الإسلام:
١- قال الله تعالى: (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) الحج /٤٠. وقال: (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتْ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) البقرة /٢٥١.
٢- وأمر الله تعالى بإعداد العدة لمجاهدة الكفار وإرهابهم، قال تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ) الأنفال /٦٠.
فلو كان الإسلام لا ينتشر إلا بالدعوة السلمية فقط، فمم يخاف الكفار؟ أمن كلام يقال باللسان فقط؟ وفي الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (نصرت بالرعب مسيرة شهر) وهل يرعب الكفار أن يقال لهم أسلموا، فإن لم تسلموا فأنتم أحرار فيما تعتقدون وتفعلون. أم كان يرعبهم الجهاد وضرب الجزية والصغار. مما يحملهم على الدخول في الإسلام لرفع ذلك الصغار عنهم.
٣- وكان الرسول ﷺ يدعو الناس إلى الإسلام دعوة مقرونة بالسيف، ويأمر بذلك قواده، لعل الناس إذا رأوا القوة وجد المسلمين في الدعوة إلى دينهم تزول عنهم الغشاوة.
روى البخاري (٣٠٠٩) ومسلم (٢٤٠٦) عن سَهْل بْنَ سَعْدٍ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ: لأُعْطِيَنَّ الرَّايََ غَدًا رَجُلا يُفْتَحُ عَلَى يَدَيْهِ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ فَبَاتَ النَّاسُ لَيْلَتَهُمْ أَيُّهُمْ يُعْطَى فَغَدَوْا كُلُّهُمْ يَرْجُوهُ فَقَالَ أَيْنَ عَلِيٌّ فَقِيلَ يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ فَبَصَقَ فِي عَيْنَيْهِ وَدَعَا لَهُ فَبَرَأَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعٌ فَأَعْطَاهُ الراية. فَقَالَ: أُقَاتِلُهُمْ حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا؟ فَقَالَ: انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلامِ، وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ، فَوَاللَّهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ.
فهذه دعوة إلى الله سبحانه مقرونة بقوة السلاح.
وروى مسلم (٣٢٦١) عَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا، ثُمَّ قَالَ: اغْزُوا بِاسْمِ اللَّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ، اغْزُوا، وَلا تَغُلُّوا، وَلا تَغْدِرُوا، وَلا تَمْثُلُوا، وَلا تَقْتُلُوا وَلِيدًا، وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلاثِ خِصَالٍ أَوْ خِلالٍ فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلامِ فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ. . . فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَسَلْهُمْ الْجِزْيَةَ، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَقَاتِلْهُمْ. . . الحديث.
فهذا رسول الله ﷺ يأمر أمراءه أن يدعو الكفار إلى الإسلام وهم يرفعون السيوف فوق رؤوسهم، فإن أبوا الإسلام دفعوا الجزية وهم أذلة صاغرون، فإن أبوا فما لهم إلا السيف (فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَقَاتِلْهُمْ) .
٤- وقال ﷺ : (بُعِثْتُ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ بِالسَّيْفِ حَتَّى يُعْبَدَ اللَّهُ وَحْدَهُ، لا شَرِيكَ لَهُ، وَجُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي، وَجُعِلَ الذِّلَّةُ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي، وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ) أحمد (٤٨٦٩) . صحيح الجامع (٢٨٣١) .
وكون السيف والقوة من أسباب انتشار الإسلام، هذا لا يعيب الإسلام، بل هو من مزاياه ومحاسنه أنه يلزم الناس بما فيه نفعهم في الدنيا والآخرة، وكثير من الناس يغلب عليهم السفه وقلة الحكمة والعلم، فلو تُرِك وشأنه لعمي عن الحق، ولانغمس في الشهوات، فشرع الله الجهاد لرد هؤلاء إلى الحق، وإلى ما فيه نفعهم، ولا شك أن الحكمة تقتضي منع السفيه مما يضره، وحمله على ما فيه نفعه.
وروى البخاري (٤٥٥٧) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) قَالَ: خَيْرَ النَّاسِ لِلنَّاسِ [أي كنتم أنفع الناس للناس] تَأْتُونَ بِهِمْ فِي السَّلَاسِلِ فِي أَعْنَاقِهِمْ، حَتَّى يَدْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ. وهل يؤتى بالناس في السلاسل من غير جهاد؟ !
وهذا مما يُمدح عليه الإسلام ولا يذم، فعلى الانهزاميين (أن يتقوا الله في مسخ هذا الدين، وإصابته بالهزال بحجة أنه دين السلم والسلام. نعم، إنه دين السلم والسلام، ولكن على أساس إنقاذ البشرية كلها من عبادة غير الله، وإخضاع البشرية كافة لحكم الله، إنه منهج الله وليس منهج عبد من العبيد ولا مذهب مفكر من البشر حتى يخجل الداعون إليه من إعلان أن هدفهم الأخير هو أن يكون الدين كله لله. إنه حين تكون المذاهب التي يتبعها الناس مذاهب بشرية من صنع العبيد وحين تكون الأنظمة والشرائع التي تصرف حياتهم من وضع العبيد أيضاً فإنه في هذه الحالة يصبح لكل مذهب ولكل نظام الحق في أن يعيش داخل حدوده آمنا ما دام أنه لا يعتدي على حدود الآخرين ويصبح من حق هذه المذاهب والأنظمة والأوضاع المختلفة أن تتعايش وألا يحاول أحدها إزالة الآخر. فأما حين يكون هناك منهج إلهي وشريعة ربانية وإلى جانبه مناهج ومذاهب من صنع البشر فإن الأمر يختلف من أساسه، ويصبح من حق المنهج الإلهي أن يجتاز الحواجز البشرية ويحرر البشر من العبودية للعباد. . .) فقه الدعوة لسيد قطب (٢١٧-٢٢٢) . بتصرف يسير.
وجاء في "فتاوى اللجنة الدائمة" (١٢/١٤) : "الإسلام انتشر بالحجة والبيان بالنسبة لمن استمع البلاغ واستجاب له، وانتشر بالقوة والسيف لمن عاند وكابر حتى غُلِب على أمره، فذهب عناده فأسلم لذلك الواقع" اهـ.
تنبيه:
يجب أن يعلم أنه ليس معنى الجهاد في سبيل الله لدعوة الناس إلى الإسلام وإزالة معالم الشرك من الوجود، ليس معنى هذا أن الإسلام يكره الناس على الدخول فيه، كلا، فإن الله تعالى يقول: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) البقرة/٢٥٦.
ولذلك من رفض من المشركين الدخول في الإسلام تُرِكَ ودينَه، ولكن بشروط نعقدها معه، وهو ما يسمى بـ "عقد الجزية" أو "عقد الذمة".
فلليهودي أن يبقى على يهوديته في دولة الإسلام، وكذلك النصراني وغيرهم من أهل سائر الأديان.
وتاريخ المسلمين شاهد على بقاء غير المسلمين في دولة الإسلام من غير أن يكرهوا على تغيير دينهم. وقد اعترف بذلك كثير من المستشرقين أنفسهم.
قال المستشرق الألماني أولرش هيرمان:
" الذي لفت نظري أثناء دراستي لهذه الفترة – فترة العصور الوسطى- هو درجة التسامح التي تمتع بها المسلمون، وأخص هنا صلاح الدين الأيوبي، فقد كان متسامحاً جداً تجاه المسيحيين.
إن المسيحية لم تمارس الموقف نفسه تجاه الإسلام " انتهى.
(العالم) ، العدد ٢٩٠، السبت ٢ سبتمبر ١٩٨٩م.
وقال هنري دي كاستري (مفكر فرنسي) :
"قرأت التاريخ وكان رأيي بعد ذلك أن معاملة المسلمين للمسيحيين تدل على ترفع في المعاشرة عن الغلظة وعلى حسن مسايرة ولطف مجاملة وهو إحساس لم يشاهد في غير المسلمين آن ذاك" انتهى.
وقال ول ديورانت (فيلسوف ومؤرخ أمريكي) :
"كان أهل الذمة المسيحيون، والزردشتيون، واليهود، والصابئون يستمتعون في عهد الخلافة الأموية بدرجة من التسامح لا نجد نظيرًا لها في المسيحية في هذه الأيام. فلقد كانوا أحرارًا في ممارسة شعائر دينهم، واحتفظوا بكنائسهم ومعابدهم.. وكانوا يتمتعون بحكم ذاتي يخضعون فيه لزعمائهم وقضاتهم وقوانينهم" انتهى.
وقال الدكتور جورج حنا من نصارى لبنان:
"إن المسلمين العرب لم يعرف عنهم القسوة والجور في معاملتهم للمسيحيين بل كانوا يتركون لأهل الكتاب حرية العبادة وممارسة طقوسهم الدينية، مكتفين بأخذ الجزية منهم" انتهى.
وأما إكراه النصارى للمسلمين على تغيير دينهم، وقتلهم وتعذيبهم إن رفضوا ذلك، فشواهده من التاريخ القديم والمعاصر واضحة للعيان، وما محاكم التفتيش إلا مثال واحد فقط من هذه الوقائع.
ولعلنا نبين ذلك في أجوبة أخرى إن شاء الله.
ونسأل الله تعالى أن يعز دينه، ويعلي كلمته.
انظر: "التسامح في الإسلام بين المبدأ والتطبيق" للدكتور شوقي أبو خليل، "الإسلام خواطر وسوانح".
والله تعالى أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6841
حكم من يموت دفاعاً عن وطنه من غير المسلمين
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم من يموت دفاعاً عن وطنه من غير المسلمين فهل يعتبر شهيداً؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
من قتل في سبيل الله فهو شهيد ومعنى (في سبيل الله) أنه يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، هذا هو حد شهيد المعركة كما بينه النبي ﷺ .
فقد روى البخاري (٣١٢٦) ومسلم (١٩٠٤) عن أَبُي مُوسَى الأَشْعَرِيُّ ﵁ قَالَ قَالَ أَعْرَابِيٌّ لِلنَّبِيِّ ﷺ الرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلْمَغْنَمِ وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُذْكَرَ وَيُقَاتِلُ لِيُرَى مَكَانُهُ مَنْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَقَالَ: "مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ".
وروى مسلم (١٩١٥) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا تَعُدُّونَ الشَّهِيدَ فِيكُمْ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ قَالَ إِنَّ شُهَدَاءَ أُمَّتِي إِذًا لَقَلِيلٌ قَالُوا فَمَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَمَنْ مَاتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَمَنْ مَاتَ فِي الطَّاعُونِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَمَنْ مَاتَ فِي الْبَطْنِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَالْغَرِيقُ شَهِيدٌ ".
فجمع النبي ﷺ بين شهيد المعركة، وبين من يلحق به في فضل الشهادة.
قال النووي ﵀: (قال العلماء: المراد بشهادة هؤلاء كلهم غير المقتول في سبيل الله أنهم يكون لهم في الآخرة ثواب الشهداء وأما في الدنيا فيغسلون ويصلى عليهم وقد سبق في كتاب الإيمان بيان هذا والشهداء ثلاثة أقسام شهيد في الدنيا والآخرة وهو المقتول في حرب الكفار وشهيد في الآخرة دون أحكام الدنيا وهم هؤلاء المذكورون هنا، وشهيد في الدنيا دون الآخرة وهو من غل (أي سرق) في الغنيمة أو قُتل مدبرا (أي: وهو يفر من القتال) انتهى.
والشهادة منزلة عالية، لا تكون إلا لأهل الإيمان.
وأما من بلغته دعوة النبي محمد ﷺ ولم يؤمن به فهو كافر بالله، من أهل النار سواء قتل في المعركة أو مات على فراشه، يهودياً كان أو نصرانياً أو غيرهما من ملل الشرك والكفر، والنصارى يكفرون لتكذيبهم النبي ﷺ ، ولدعواهم ألوهية المسيح عيس ابن مريم ﵇، ودعواهم أن الله اتخذ صاحبة وولداً تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً.
قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً) النساء /١٠٥-١٥١.
وقال: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) التوبة / ٣٠.
وقال: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرائيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ) المائدة / ٧٢
وقال: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) المائدة / ٧٣
وقال النبي ﷺ : (وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ) . رواه مسلم (١٥٣) .
وهذا الكلام الذي سبق هو في أحكام الآخرة إذا قُتل، أما في أحكام الدنيا فإذا قام أحد من غير المسلمين بالمشاركة بالدفاع عن بلاد المسلمين دون تقديم أي تنازلات من المسلمين عن الحق فلا بأس أن يُشكر ويكافأ على ذلك.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6842
عليه دين لشخص فهل يذهب للجهاد ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[إذا كان الشخص لا يملك مالاً للسفر للجهاد وعليه ديون لمسلم آخر، فهل لا يزال الجهاد فرضاً عليه؟
إذا حصل هذا الشخص على بعض المال وكان الجهاد ضرورة في ذلك الوقت فهل يجب عليه أن يسدد القرض أولاً أم يذهب للجهاد؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
إذا كان الجهاد فرض عين في حالة من الحالات المعروفة، فمن عليه دين يخرج للجهاد ولا يجب عليه أن يستأذن صاحب الدَّين.
وإذا كان الجهاد فرض كفاية كجهاد طلب الأعداء فإنه لا يجوز الخروج إلا بإذن صاحب الدَّين، فإن أَذِن له خرج، وإن لم يأذن لم يخرج، إلا إن ترك وفاء لدينه أو وثقة بِرَهْن أو أقام ضامناً فلا يلزم إذن المدين.
ولمعرفة حكم الجهاد ومتى يكون فرض عين، ومتى يكون فرض كفاية يراجع السؤال رقم (٣٤٨٣٠)
قال ابن قدامة ﵀ في المغني (١٣/٢٨) : " وَمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ حَالٌّ أَوْ مُؤَجَّلٌ , لَمْ يَجُزْ لَهُ الْخُرُوجُ إلَى الْغَزْوِ إلا بِإِذْنِ غَرِيمِهِ , إلا أَنْ يَتْرُكَ وَفَاءً , أَوْ يُقِيمَ بِهِ كَفِيلا , أَوْ يُوَثِّقَهُ بِرَهْنٍ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. . .
ودليل ذلك أَنَّ رَجُلا جَاءَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ , إنْ قُتِلْت فِي سَبِيلِ اللَّهِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا , تُكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ قَالَ: نَعَمْ , إلا الدَّيْنَ , فَإِنَّ جِبْرِيلَ قَالَ لِي ذَلِكَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ولأَنَّ الْجِهَادَ تُقْصَدُ مِنْهُ الشَّهَادَةُ الَّتِي تَفُوتُ بِهَا النَّفْسُ، فَيَفُوتُ الْحَقُّ بِفَوَاتِهَا.
وَأَمَّا إذَا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْجِهَادُ , فَلا إذْنَ لِغَرِيمِهِ ; لأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِعَيْنِهِ , فَكَانَ مُقَدَّمًا عَلَى مَا فِي ذِمَّتِهِ , كَسَائِرِ فُرُوضِ الأَعْيَانِ. . .
وَإِنْ تَرَكَ وَفَاءً , أَوْ أَقَامَ كَفِيلا , فَلَهُ الْغَزْوُ بِغَيْرِ إذْنِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِيمَنْ تَرَكَ وَفَاءً , لأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حَرَامٍ أَبَا جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ خَرَجَ إلَى أُحُدٍ , وَعَلَيْهِ دَيْنٌ كَثِيرٌ , فَاسْتُشْهِدَ , وَقَضَاهُ عَنْهُ ابْنُهُ بِعِلْمِ النَّبِيِّ , وَلَمْ يَذُمَّهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى ذَلِكَ , وَلَمْ يُنْكِرْ فِعْلَهُ , بَلْ مَدَحَهُ , وَقَالَ: (مَا زَالَتْ الْمَلائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا , حَتَّى رَفَعْتُمُوهُ) . وَقَالَ لابْنِهِ جَابِرٌ: أَشَعَرْت أَنَّ اللَّهَ أَحْيَا أَبَاك , وَكَلَّمَهُ كِفَاحًا! " اهـ. بتصرف واختصار
وجاء في الموسوعة الفقهية (١٦/١٣٥) :
" وَأَمَّا إذَا تَعَيَّنَ الْجِهَادُ فَلا خِلَافَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ لا إذْنَ لِغَرِيمِهِ " اهـ.
ثانياً:
وأما إذا كان المدين معه من المال ما يفي بالدين، فهل يقدم الخروج للجهاد، أو وفاء الدين.
فجواب ذلك: إذا كان الجهاد فرض كفاية فإنه يقدم وفاء الدين.
وأما إذا كان الجهاد فرض عين فله حالان:
١- إذا تعيّن الجهاد لكونه حضر الصف، أو حصر العدو بلده فإنه يقدم الجهاد.
٢- إذا تعين الجهاد لكون الإمام طلب منه الخروج للجهاد فإنه يقدم وفاء الدين.
قال شيخ الإسلام في "الاختيارات" (ص ٣٠٨) :
" سُئِلْت عَمَّنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَلَهُ مَا يُوفِيه وَقَدْ تَعَيَّنَ الْجِهَادُ، فَقُلْت:
مِنْ الْوَاجِبَاتِ مَا يُقَدَّمُ عَلَى وَفَاءِ الدَّيْنِ كَنَفَقَةِ النَّفْسِ وَالزَّوْجَةِ وَالْوَلَدِ الْفَقِيرِ، وَمِنْهَا مَا يُقَدَّمُ وَفَاءُ الدَّيْنِ عَلَيْهِ كَالْعِبَادَاتِ مِنْ الْحَجِّ وَالْكَفَّارَاتِ , وَمِنْهَا مَا يُقَدَّمُ عَلَيْهِ إلا إذَا طُولِبَ بِهِ كَصَدَقَةِ الْفِطْرِ , فَإِنْ كَانَ الْجِهَادُ الْمُتَعَيِّنُ لِدَفْعِ الضَّرَرِ كَمَا إذَا حَضَرَهُ الْعَدُوُّ أَوْ حَضَرَ الصَّفَّ قُدِّمَ عَلَى وَفَاءِ الدَّيْنِ كَالنَّفَقَةِ وَأَوْلَى، وَإِنْ كَانَ اسْتِنْفَارٌ (يعني طلب الخروج للجهاد من الإمام) فَقَضَاءُ الدَّيْنِ أَوْلَى، إذْ الإِمَامُ لا يَنْبَغِي لَهُ اسْتِنْفَارُ الْمَدِينِ مَعَ الاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ، وَلِذَلِكَ قُلْت: لَوْ ضَاقَ الْمَالُ عَنْ إطْعَامِ جِيَاعٍ وَالْجِهَادِ الَّذِي يَتَضَرَّرُ بِتَرْكِهِ قَدَّمْنَا الْجِهَادَ وَإِنْ مَاتَ الْجِيَاعُ،.....
وَقُلْت أَيْضًا: إذَا كَانَ الْغُرَمَاءُ يُجَاهِدُونَ بِالْمَالِ الَّذِي يَسْتَوْفُونَهُ فَالْوَاجِبُ وَفَاؤُهُمْ لِتَحْصِيلِ الْمَصْلَحَتَيْنِ: الْوَفَاءِ وَالْجِهَادِ. وَنُصُوصُ الإِمَامِ أَحْمَدَ تُوَافِقُ مَا كَتَبْتُهُ " اهـ.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6843
هل يهاجر إلى المدينة النبوية كما فعل الرسول ﷺ ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[من السنة الهجرة إلى بلد إسلامي، فهل يجوز الانتقال من بريطانيا إلى المدينة النبوية في السعودية، كما فعل النبي ﷺ ؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
تجب الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام لمن لم يقدر على إظهار دينه، قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) النساء/٩٧.
وقال النبي ﷺ : (أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ) . رواه أبو داود (٢٦٤٥) . وصححه الألباني في صحيح أبي داود.
وأما من كان قادرا على إظهار دينه فلا تجب عليه الهجرة.
انظر السؤال (١٣٣٦٣) .
وإذا رأى أن بقاءه في بلاده أنفع لقيامه بواجب الدعوة إلى الله وإرشاد الناس، وكان آمناً على دينه فإن إقامته فيها أفضل من الهجرة منها.
انظر السؤال (٤٧٦٧٢) .
ولا يشترط في الهجرة أن تكون إلى المدينة النبوية، بل إلى أي بلد إسلامي يستطيع المسلم أن يقيم شعائر دينه، ويأمن فيه على دينه.
وانظر تفصيل الهجرة إلى بلاد الإسلام في أجوبة الأسئلة: (٣٢٢٥) و (٧١٩١) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6844
مناصرة المسلمين المستضعفين
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم المساعدة المادية والبدنية لإخواننا في الشيشان؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
سُئل الشيخ محمد ابن عثيمين ﵀ عن هذا الموضوع فقال:
" من استطاع أن يساعدهم بالنفس والمال فليفعل ".
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى
стр. 6845
هل من قتل في حرب مع الشيوعيين يعتبر شهيداً
[السُّؤَالُ]
ـ[تحدث من حين لآخر اشتباكات ومعارك بين الجيش XXX الذي يضم أعداداً من المسلمين والعصابات الشيوعية في أنحاء متفرقة XXX، وتسفر هذه المعارك عن قتلى من الطرفين. ما حكم قتلى المسلمين الذين يحاربون العصابات الشيوعية في صفوف الجيش التايلاندي، وهل يمكن أن نعتبرهم شهداء؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أمرهم إلى الله الذي يعلم نياتهم، لقول النبي ﷺ لما سئل عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء أي ذلك في سبيل الله؟ فقال: " من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله " متفق على صحته (البخاري ١/٤٠، مسلم ٣/١٥١٣) .
وعلى ذلك يعتبر شهيدا من كان قتاله في سبيل الله لإعلاء كلمة الله.
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
[الْمَصْدَرُ]
فتاوى اللجنة الدائمة ١٢/٢٣.
стр. 6846
حكم الجهاد بالنفس
[السُّؤَالُ]
ـ[هل الواجب على كل مسلم أن يخرج للجهاد؟ أم أن الجهاد مستحب وليس بواجب؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الجهاد بالنفس هو ذروة سنام الإسلام، وعده بعض العلماء الركن السادس من أركان الإسلام.
وقد تقاعس المسلمون عن الجهاد منذ أزمان متطاولة، فاستحقوا أن يعاقبهم الله تعالى بالذلّ والصغار المضروب عليهم، ولن يرفع ذلك الذل والصغار عنهم حتى يرجعوا إلى دينهم، كما قال النبي ﷺ : (إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمْ الْجِهَادَ، سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلا لا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ) . رواه أبو داود (٢٩٥٦) وصححه الألباني في صحيح أبي داود.
ومن عجائب الأمور أننا أصبحنا في زمن نرى فيه أناساً من المسلمين، يستحون أن يذكروا آيات الجهاد وأحاديثه أمام أصدقائهم من الكفار!! وتحمّر وجوههم خجلاً من ذكر أحكام الجزية والاسترقاق وقتل الأسرى. . . وودوا لو محوا تلك الآيات والأحاديث من القرآن والسنة حتى لا ينتقدهم العالم المتخلف في مبادئه، الذي يزعمون أنه متحضر!! وإذا لم يستطيعوا محوها، عمدوا إلى تأويلها وتحريفها ولي أعناقها حتى توافق أهواء ساداتهم. ولا أقول حتى توافق أهواءهم، "فإنهم أضعف من أن تكون لهم أهواء، وأشد جهلاً، بل أهواء سادتهم ومعلميهم من المبشرين والمستعمرين أعداء الإسلام". عمدة التفسير (١/٤٦) .
ونتيجة لذلك لا تكاد تسمع اليوم إلا رنين العبارات الآتية: السلام العالمي. . التعايش السلمي. . الحدود الآمنة. . النظام الدولي الجديد. . ويلات الحروب.
وصار من يعلن اليوم آيات الجهاد وأحاديثه متهما بشتى الاتهامات. فهم. . إرهابيون. . متطرفون. . أعداء السلام. . مصاصون للدماء. . يريدون القضاء على حضارة القرن العشرين.
هذا هو الواقع التعيس الذي تعيشه الأمة الإسلامية اليوم. وذلك بسبب تقاعسنا عن نصرة ديننا، والقيام بما أوجب الله علينا.
وقد أوجب الله تعالى علينا نصر دينه، وإظهار حجته، وجهاد أعدائه.
فما أكثر الآيات الآمرة بجهاد المشركين وقتالهم حتى يكون الدين كله لله، والمصرحة بوجوبه وكتابته وفرضيته، قال الله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) البقرة /٢١٦.
حكم الجهاد
وقد ذكر العلماء ﵏ حكم الجهاد، فذكروا أن الجهاد نوعان:
١- جهاد الطلب والابتداء
وهو تطلب الكفار في عقر دارهم ودعوتهم إلى الإسلام وقتالهم إذا لم يقبلوا الخضوع لحكم الإسلام.
وهذا النوع فرض كفاية على المسلمين، قال الله تعالى: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنْ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) الأنفال /٣٩. وقال تعالى: (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) التوبة /٥. وقال تعالى: (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) التوبة /٣٦. وقال تعالى: (انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) التوبة /٤١.
وعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلا بِحَقِّ الإِسْلامِ وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ) . رواه البخاري (٢٤) ومسلم (٢٩) .
وروى مسلم (٣٥٣٣) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِالْغَزْوِ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ) .
فكل هذه النصوص - وغيرها كثير في الكتاب والسنة - تفرض على المسلمين جهاد الكفار ابتداءً. وقد أجمع العلماء على أن جهاد الكفار، وتطلبهم في عقر دارهم، ودعوتهم إلى الإسلام، وجهادهم إذا لم يقبلوه أو يقبلوا الجزية، فريضة محكمة غير منسوخة.
قال شيخ الإسلام (٢٨/٣٤٩) :
فكل من بلغته دعوة رسول الله ﷺ إلى دين الله الذي بعثه به فلم يستجب له فإنه يجب قتاله حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله اهـ.
وقال ابن عطية (٢/٤٣) : واستمر الإجماع على أن الجهاد على أمة محمد ﷺ فرض كفاية، فإذا قام به من قام من المسلمين يسقط عن الباقين اهـ.
٢-جهاد الدفاع:
فإذا نزل الكفار ببلاد المسلمين واستولوا عليها، أو تجهزوا لقتال المسلمين فإنه يجب على المسلمين قتالهم حتى يندفع شرهم، ويُرد كيدُهم. وجهاد الدفاع فرض عين على المسلمين بإجماع العلماء.
قال القرطبي ﵀ في "تفسيره: (٨/١٥) :
"إذا تعين الجهاد بغلبة العدو على قطر من الأقطار، أو بحلوله بالعقر فإذا كان ذلك وجب على جميع أهل تلك الدار أن ينفروا، ويخرجوا إليه خفافا وثقالا، شبابا وشيوخا، كلٌّ على قدر طاقته، من كان له أب بغير إذنه، ومن لا أب له. ولا يتخلف أحدٌ يقدر على الخروج من مقاتل أو مُكَثِّر، فإن عجز أهل تلك البلدة عن القيام بعدوهم كان على من قاربهم وجاورهم أن يخرجوا، على حسب ما لزم أهل تلك البلدة، حتى يعلموا أن فيهم طاقةً على القيام بهم ومدافعتهم، وكذلك كل من علم بضعفهم عن عدوهم، وعلم أنه يدركهم ويمكنه غياثهم لزمه أيضا الخروج إليهم، فالمسلمون كلهم يد على من سواهم، حتى إذا قام بدفع العدو أهل الناحية التي نزل بها العدو عليها واحتل بها سقط الفرض عن الآخرين. ولو قارب العدوُ دارَ الإسلام ولم يدخلوها لزمهم أيضاً الخروجُ إليه حتى يظهر دين الله، وتحمى البيضة، وتحفظ الحوزة، ويُخزى العدو، ولا خلاف في هذا" اهـ.
وقال شيخ الإسلام (٢٨/٣٥٨-٣٥٩) :
فأما إذا أراد العدو الهجوم على المسلمين فإنه يصير دفعه واجبا على المقصودين كلِّهم، وعلى غير المقصودين لإعانتهم، كما قال الله تعالى: (وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ) الأنفال /٧٢. وكما أمر النبي ﷺ بنصر المسلم. . وهذا يجب بحسب الإمكان على كل أحد بنفسه وماله. . كما كان المسلمون لما قصدهم العدو عام الخندق لم يأذن الله في تركه لأحد. . بل ذم الذين يستأذنون النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا. فهذا دفع عن الدين والحرمة والأنفس وهو قتال اضطرار اهـ
هذا حكم الجهاد بالنفس في الإسلام، جهاد طلب لدعوة الكفار إلى الدخول في هذا الدين، وإخضاعهم لحكم الإسلام أذلة صاغرين، وجهاد دفاع عن دين المسلمين وحرماتهم.
نسأل الله تعالى أن يرد المسلمين إلى دينهم رداًّ جميلاً.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6847
الحكمة من مشروعية الجهاد
[السُّؤَالُ]
ـ[لماذا يجاهد المسلمون؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
فرض الله تعالى على المسلمين الجهاد في سبيله، وذلك للمصالح العظيمة المترتبة عليه، ولما في تركه من أضرار ومفاسد سبق ذكر بعضها في السؤال رقم (٣٤٨٣٠) .
فمن الحكم في مشروعية الجهاد في سبيل الله:
١- الهدف الرئيس للجهاد هو تعبيد الناس لله وحده، وإخراجهم من العبودية للعباد إلى العبودية لرب العباد.
قال الله تعالى: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنْ انتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلا عَلَى الظَّالِمِينَ) البقرة /١٩٣. وقال: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنْ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) الأنفال /٣٩.
وقال ابن جرير:
فقاتلوهم حتى لا يكون شرك، ولا يعبد إلا الله وحده لا شريك له، فيرتفع البلاء عن عباد الله من الأرض، وهو الفتنة ويكون الدين كله لله، وحتى تكون الطاعة والعبادة كلها خالصة دون غيره اهـ.
وقال ابن كثير:
أمر تعالى بقتال الكفار حتى لا تكون فتنة أي شرك ويكون الدين لله أي يكون دين الله هو الظاهر على سائر الأديان اهـ.
وقال ﷺ : (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلا بِحَقِّ الإِسْلامِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ) رواه البخاري (٢٤) ومسلم (٣٣) .
وقال ﷺ : (بُعِثْتُ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ بِالسَّيْفِ حَتَّى يُعْبَدَ اللَّهُ وَحْدَهُ، لا شَرِيكَ لَهُ) . رواه أحمد (٤٨٦٩) . وصححه الألباني في "صحيح الجامع" (٢٨٣١) .
وقد كان هذا الهدف من الجهاد حاضراً في حس الصحابة ﵃ أثناء معاركهم مع أعداء الله، روى البخاري (٢٩٢٥) عَنْ جُبَيْرِ بْنِ حَيَّةَ قَالَ بَعَثَ عُمَرُ النَّاسَ فِي أَفْنَاءِ الأَمْصَارِ يُقَاتِلُونَ الْمُشْرِكِينَ ... فَنَدَبَنَا عُمَرُ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْنَا النُّعْمَانَ بْنَ مُقَرِّنٍ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِأَرْضِ الْعَدُوِّ وَخَرَجَ عَلَيْنَا عَامِلُ كِسْرَى فِي أَرْبَعِينَ أَلْفًا، فَقَامَ تَرْجُمَانٌ فَقَالَ: لِيُكَلِّمْنِي رَجُلٌ مِنْكُمْ. فَقَالَ الْمُغِيرَةُ: سَلْ عَمَّا شِئْتَ. قَالَ: مَا أَنْتُمْ؟ قَالَ: نَحْنُ أُنَاسٌ مِنْ الْعَرَبِ، كُنَّا فِي شَقَاءٍ شَدِيدٍ، وَبَلاءٍ شَدِيدٍ، نَمَصُّ الْجِلْدَ وَالنَّوَى مِنْ الْجُوعِ، وَنَلْبَسُ الْوَبَرَ وَالشَّعَرَ، وَنَعْبُدُ الشَّجَرَ وَالْحَجَرَ، فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ الأَرَضِينَ، تَعَالَى ذِكْرُهُ وَجَلَّتْ عَظَمَتُهُ، إِلَيْنَا نَبِيًّا مِنْ أَنْفُسِنَا نَعْرِفُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ، فَأَمَرَنَا نَبِيُّنَا رَسُولُ رَبِّنَا ﷺ أَنْ نُقَاتِلَكُمْ حَتَّى تَعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ أَوْ تُؤَدُّوا الْجِزْيَةَ، وَأَخْبَرَنَا نَبِيُّنَا ﷺ عَنْ رِسَالَةِ رَبِّنَا أَنَّهُ مَنْ قُتِلَ مِنَّا صَارَ إِلَى الْجَنَّةِ فِي نَعِيمٍ لَمْ يَرَ مِثْلَهَا قَطُّ، وَمَنْ بَقِيَ مِنَّا مَلَكَ رِقَابَكُمْ.
وتلك حقيقة كان يعلنها الصحابة وقادة المسلمين في غزواتهم.
وقال ربعي بن عامر لما سأله رستم أمير جيوش الفرس: ما جاء بكم؟ فقال: الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله.
ولما بلغ عقبة بن نافع طنجة أوطأ فرسه الماء، حتى بلغ الماء صدرها، ثم قال: اللهم اشهد أني قد بلغت المجهود، ولولا هذا البحر لمضيت في البلاد أقاتل من كفر بك، حتى لا يعبد أحدٌ من دونك.
٢- رد اعتداء المعتدين على المسلمين.
وقد أجمع العلماء على أن رد اعتداء الكفار على المسلمين فرض عين على القادر عليه.
قال الله تعالى: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) البقرة /١٩٠.
وقال تعالى: (أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ) التوبة/١٣.
٣- إزالة الفتنة عن الناس.
والفتنة أنواع:
الأول: ما يمارسه الكفار من أشكال التعذيب والتضييق على المسلمين ليرتدوا عن دينهم. وقد ندب الله تعالى المسلمين للجهاد لإنقاذ المستضعفين، قال تعالى: (وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا) النساء /٧٥.
الثاني: فتنة الكفار أنفسهم وصدهم عن استماع الحق وقبوله، وذلك لأن الأنظمة الكفرية تفسد فطر الناس وعقولهم، وتربيهم على العبودية لغير الله، وإدمان الخمر، والتمرغ في وحل الجنس، والتحلل من الأخلاق الفاضلة، ومن كان كذلك قَلَّ أن يعرف الحق من الباطل، والخير من الشر، والمعروف من المنكر. فشرع الجهاد لإزالة تلك العوائق التي تعوق الناس عن سماع الحق وقبوله والتعرف عليه.
٤- حماية الدولة الإسلامية من شر الكفار.
ولذلك أمر النبي ﷺ بقتل رؤوس الكفر الذي كانوا يألبون الأعداء على المسلمين، ككعب بن الأشرف، وابن أبي الحقيق اليهوديين.
ومن ذلك: الأمر بحفظ الثغور (الحدود) من الكفار، وقد رغب النبي ﷺ في ذلك فقال: (رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا) البخاري (٢٦٧٨) .
٥- إرهاب الكفار وإذلالهم وإخزاؤهم.
قال تعالى: (قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمْ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) التوبة /١٤-١٥. وقال: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ) الأنفال /٦٠.
ولذلك شرع في القتال ما يسبب الرعب في قلوب الأعداء.
سئل شيخ الإسلام ﵀ هل يجوز للجندي أن يلبس شيئا من الحرير والذهب والفضة في القتال أو وقت يصل رسل العدو إلي المسلمين؟
فأجاب: الحمد لله، أما لباس الحرير لإرهاب العدو ففيه للعلماء قولان أظهرهما أن ذلك جائز، فإن جند الشام كتبوا إلى عمر بن الخطاب إنا إذا لقينا العدو ورأيناهم قد كَفَّرُوا أي غطوا أسلحتهم بالحرير وجدنا لذلك رعبا في قلوبنا، فكتب إليهم عمر: وأنتم فَكَفِّرُوا أسلحتكم كما يكفرون أسحلتهم. ولأن لبس الحرير فيه خيلاء، والله يحب الخيلاء حال القتال، كما في السنن عن النبي ﷺ أنه قال: (إن من الخيلاء ما يحبه الله، ومن الخيلاء ما يبغضه الله، فأما الخيلاء التي يحبها الله، فاختيال الرجل عند الحرب، وأما الخيلاء التي يبغضها الله فالخيلاء في البغي والفخر) . ولما كان يوم أحد اختال أبو دجانة الأنصاري بين الصفين فقال النبي ﷺ : إنها لمشية يبغضها الله إلا في هذا الموطن اهـ. مجموع الفتاوى ٢٨/١٧.
٦- كشف المنافقين.
قال الله تعالى: (فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنْ الْمَوْتِ) محمد/٢٠.
فإن المسلمين في حال الرخاء والسعة، قد ينضم إليهم غيرهم ممن يطمعون في تحقيق مكاسب مادية، ولا يريدون رفع كلمة الله على كلمة الكفر، وهؤلاء قد يخفى أمرهم على كثير من المسلمين، وأكبر كاشف لهم هو الجهاد، لأن في الجهاد بذلا لروح الإنسان وهو ما نافق إلا ليحفظ روحه.
وكان كشف المنافقين إحدى الحكم الجليلة التي أرادها الله مما حصل للمؤمنين يوم أحد.
قال الله تعالى: (مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ) آل عمران/١٧٩. قال ابن القيم: أي ما كان الله ليذركم على ما أنتم عليه من التباس المؤمنين بالمنافقين، حتى يميز أهل الإيمان من أهل النفاق، كما ميزهم بالمحنة يوم أحد، وما كان الله ليطلعكم على الغيب الذي يميز به بين هؤلاء وهؤلاء، فإنهم متميزون في غيبه وعلمه، وهو سبحانه يريد أن يميزهم تمييزا مشهودا، فيقع معلومُه الذي هو غيبٌ شهادةً اهـ.
٧- تمحيص المؤمنين من ذنوبهم.
أي: تنقيتهم من ذنوبهم، وتخليصهم منها.
قال الله تعالى: (وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (١٤١) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمْ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) آل عمران/١٤٠-١٤٢.
٨- الحصول على الغنائم.
قال النبي ﷺ : (بُعِثْتُ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ بِالسَّيْفِ حَتَّى يُعْبَدَ اللَّهُ وَحْدَهُ، لا شَرِيكَ لَهُ، وَجُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي، وَجُعِلَ الذِّلَّةُ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي، وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ) أحمد (٤٨٦٩) . صحيح الجامع (٢٨٣١) .
قال الحافظ:
وَفِي الْحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى حِلِّ الْغَنَائِمِ لِهَذِهِ الأُمَّةِ، وَإِلَى أَنَّ رِزْقَ النَّبِيِّ ﷺ جُعِلَ فِيهَا لا فِي غَيْرِهَا مِنْ الْمَكَاسِبِ، وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّهَا أَفْضَلُ الْمَكَاسِبِ اهـ.
وقال القرطي:
فجعل الله رزق نبيه ﷺ في كسبه لفضله، وخصه بأفضل أنواع الكسب، وهو أخذ الغلبة والقهر لشرفه اهـ.
وقد خرج النبي ﷺ في غزوة بدر لملاقاة قافلة أبي سفيان.
قال القرطبي: ودل خروج النبي ﷺ ليلقى العير على جواز النفير للغنيمة لأنها كسب حلال وهو يرد ما كره مالك من ذلك إذ قال ذلك قتال على الدنيا اهـ.
وقال الشوكاني: (قال ابن أبي جمرة: ذهب المحققون إلى أنه إذا كان الباعث الأول قصد إعلاء كلمة الله لم يضره ما ينضاف إليه) اهـ.
٩- اتخاذ شهداء.
قال الله تعالى: (إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ) آل عمران/١٤٠-١٤١.
(فالشهادة عند الله من أعلى مراتب أوليائه، والشهداء هم خواصه والمقربون من عباده، وليس بعد درجة الصديقية إلا الشهادة، وهو سبحانه يحب أن يتخذ من عباده شهداء، تراق دماؤهم في محبته ومرضاته، ويؤثرون رضاه ومحابه على نفوسهم، ولا سبيل إلى نيل هذه الدرجة إلا بتقدير الأسباب المفضية إليها من تسليط العدو) اهـ. قاله ابن القيم في "زاد المعاد".
فأين هذه الحكمة العظيمة الجليلة من هؤلاء الذين ينفرون المسلمين من الجهاد، ويخوفونهم منه، ويصورون الجهاد على أنه موت، وترمل للنساء، ويتم للأطفال؟!
١٠- إخلاء العالم من الفساد
قال الله تعالى: (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) الحج/٤٠.
وقال: (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتْ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) البقرة /٢٥١.
قال مقاتل:
لولا دفع الله المشركين بالمسلمين، لغلب المشركون على الأرض فقتلوا المسلمين، وخربوا المساجد اهـ
قال شيخ الإسلام في الجواب الصحيح: ٢/٢١٦:
فيدفع بالمؤمنين الكفار، ويدفع شر الطائفتين بخيرهما، كما دفع المجوس بالروم النصارى، ثم دفع النصارى بالمؤمنين أمة محمد اهـ.
وقال السعدي: لفسدت الأرض باستيلاء الكفرة والفجار، وأهل الشر والفساد اهـ.
هذه بعض الحكم الجليلة من مشروعية الجهاد.
نسأل الله تعالى أن يرد المسلمين إلى دينهم رداًّ جميلاً. وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6848
هل تجب الهجرة على من لا يأمن على دينه
[السُّؤَالُ]
ـ[إذا كان الإنسان لا يستطيع أن يأمن على نفسه وعلى دينه من الفتن في بلده، فهل في هذه الحالة تكون الهجرة فرض على المسلم، وإلى أين يهاجر؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إذا كان الواقع ما ذكر، من أن المسلم لا يستطيع أن يأمن على نفسه وعلى دينه من الفتن في بلده؛ شرع له الهجرة منها - إذا استطاع - إلى بلد يأمن فيها على نفسه ودينه.
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
[الْمَصْدَرُ]
فتاوى اللجنة الدائمة ١٢/٥١.
стр. 6849
تسلية من فاته الجهاد لأجل بر أمه
[السُّؤَالُ]
ـ[نفسي لا تطيق القعود عن الجهاد، وأمي ترفض ذهابي. أوصني جزاك الله خيراً، كما أني لم أقدم للإسلام شيئاً.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لعل الاشتغال بالدعوة يعوضك شيئاً مما فاتك من أمر الجهاد، وتذكّر أنك لم تتخلف عن الجهاد كسلاً وإنما لطاعة والديك وهو أمر واجب، وتذكّر أن بر الوالدين فيه أجر عظيم
ولا تنس قوله ﷺ : (من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه) مسلم ٣٥٣٢.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 6850
هل تأخذ المرأة المقاتلة من غنائم الحروب
[السُّؤَالُ]
ـ[هل تأخذ المرأة المسلمة من غنائم الحروب كما يأخذ الرجل؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أجاب الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين عن هذا السؤال بما يلي: المرأة في الأصل لا تتولى القتال كالرجال فلا تقارع بالسيوف أو الرماح ولا تركب الأفراس وتلاحق الكفار، وإنما كانت تسقي العطشى وتداوي المرضى والجرحى من المسلمين، ولذلك لا يقسم لها من الغنائم سهام كالرجال وإنما يُرضخ لها كعطية بدون إسهام، أما إذا قُدِّر أنها قاتلت بالأسلحة الحديثة وكان لها تأثير فإنها تُلحق بالرجال، إن أُسهم لمن هو مثلها أُسْهم لها، وإن رُضِخ لهم رُضِخ لها مثلهم، وإن أُعطي الرجال مكافأة أو سَلَباً أو تعويضا فهي كذلك، والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين
стр. 6851
حكم الاستئذان في الذهاب إلى الجهاد
[السُّؤَالُ]
ـ[متى يجب على الشخص أن يستأذن والديه في الذهاب للجهاد؟ هل الإذن مطلوب إذا كان الوالدان لا زالا صغيرين أو غنيين ويملكان الكثير من المال؟ هل لا يزال يحتاج الإذن؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الأصل في الجهاد أنه فرض كفاية إذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين، فإذا كان فرض كفاية فإن الاستئذان قبل الذهاب إليه واجب على المجاهد، فيجب عليه أن يستأذن والديه إذا كانا مسلمين سواء كانا غنيين أم لا وسواء استغنيا عنه أم لا؛ لأن النصوص الواردة صريحة وواضحة في وجوب الاستئذان ومنها ما جاء في الصحيحين عن عبد الله بن عمرو أن رجلا استأذن النبي ﷺ في الجهاد فقال: " أحي والداك؟ قال: نعم، قال: ففيهما فجاهد "، وروى الإمام أحمد وأبو داود وابن حبان عن أبي سعيد أن رسول الله ﷺ رد رجلا هاجر من اليمن لوالديه، " قال له: أذنا لك؟ قال: لا، قال: ارجع إليهما فاستأذنهما فإن أذنا لك فجاهد وإلا فبرهما ".
هذا إذا لم يتعين الجهاد ويصبح فرض عين، فإذا أصبح الجهاد فرض عين فإن الاستئذان لا يجب لأن فروض الأعيان لا يستأذن أحد فيها، ويكون الجهاد فرض عين إذا حضر في ساحة القتال، أو إذا دهم العدو بلاد المسلمين، أو إذا عينه الإمام، أو استنفره للقتال، أو يتعين عليه بالواقع كأن يحسن نوعا من العلوم القتالية أو الأسلحة مما يحتاج المجاهدون إليه ولا يحسنه غيره. والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 6852
حكم غنائم المعارك التي يخوضها المسلمون
[السُّؤَالُ]
ـ[في موقف يكون المسلمون مشتركون في الجهاد ضد معتدين مثلما حدث في البوسنة، حينما يقاتل المجاهدون فإنهم يأسرون أرضاً ومغانم، مال، أسلحة الخ حينما نتكلم من الناحية الإسلامية فإن السرقة في الإسلام حرام ولكن هل هذه سرقة؟ إذا لم تكن كذلك حينئذ:
كيف يجب أن يستخدم هذا المال؟ من يستطيع أن يستخدمه؟ هل يجب أن يوزع؟ إلى من؟
ماذا يقصد بالخمس؟ جزاك الله خير.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
شرع الله تعالى الجهاد في سبيله لغايات ومقاصد عظيمة، منها نشر هذا الدين، وتعريف الناس به وبحقيقة الغاية التي من أجلها خلقهم الله تعالى، ومنها ردُّ ودفع عدوان أعداء هذا الدين الذين يحاربونه لإطفاء نوره، ويسعون للقضاء عليه وعلى أهله، والأصل فيه قوله تعالى (أُذِنَ للذين يقاتَلون بأنهم ظلموا وإنَّ الله على نصرهم لقدير، الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله) [سورة النور] . وإنَّ ما يحدث في البوسنة وكوسوفا والشيشان ونحوها من بلاد الإسلام هو مما أخبر الله تعالى عنه بقوله عن الكفار (ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء) وقال تعالى (وودوا لو تكفرون) وقال سبحانه (ودَّ كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق) وقال تعالى (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم) .
وكذلك فإن القتال الدّائر بين المسلمين والكفّار هو من التدافع الذي هو من سنن الله الكونية وقد ذكرها الله بقوله: (فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وءاتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (٢٥١) سورة البقرة، وكذلك في قوله: (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) سورة الحج
وقتال المسلمين اليوم لأعدائهم من الصرب والروس وغيرهم من الكفرة ما هو إلا ردٌ للعدوان والبغي والظلم، وهو من جهاد الدّفع المشروع وتنطبق عليه أحكام الجهاد في الإسلام، وما يأخذه المسلمون في هذه الحروب من أموال وأسلحة وآلات وأمتعة وعقارات ونحوها هي في الجملة للمسلمين، وهي مال حلال لهم كما قال تعالى (فكلوا مما غنتم حلالاً طيباً) والمقصود بالغنيمة هي هذه الأموال النقدية والعينية ونحوها مما ينتفع به التي يأخذها المجاهدون في سبيل الله في حربهم مع الكفار. وليس هذا من باب السرقة أبداً، وذلك لعدة أمور:
١ - أن السرقة هي أخذ مال على وجه الاختفاء من حرزه بغير حق، وهذا مخالف له تماماً، إذ أن أموال الجهاد من الفيء والغنيمة تؤخذ من الكفار بحقّ وهو الإذن الشرعي فيه بإباحته لنا بقوله تعالى (فكلوا مما غنتم حلالاً طيباً) ولفعله ﷺ في حروبه وجهاده مع الكفار، وسلبه لأمتعتهم وأموالهم.
٢ - أن السرقة تكون في الأموال المعصومة المحترمة، وأموال الكفار المحاربين ليست معصومة ولا محترمة.
٣ - أن أقل ما يقال فيه أن هذا من باب الأخذ بالمثل، وذلك لأن المسلمين هناك أخذت أموالهم وهضمت حقوقهم وسلبت ديارهم، فهذا من استرداد حقوقهم وما اغتصب من أيديهم، وهو من باب إرجاع الحق لهم، والله تعالى يقول (ولمن انتصر من بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل) أي إثم وجناح (إنما السبيل على الذين يظلمون الناس بغير حق) . إذ عُلِمَ هذا فإن جميع الأموال التي يحصل عليها المجاهدون في حربهم مع الكفار تسمى شرعاً (غنيمة) و (فيئا) والفرق بينهما أن الأول يكون في المال الذي أُخِذَ بقتال، وأما الثاني فيكون مما أخذَ بدون قتال أي تركه الكفار وانهزموا أو استسلموا دون معركة ولا عمليات عسكرية، والواجب الشرعي في الغنيمة هو أن يقوم الإمام أو أمير المجاهدين أو المسؤول والقائد فيهم بجمعها وتقسيمها إلى خمسة أقسام، قسم منها يوزّع على الجهات التي ذكرها الله تعالى في قوله (واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل) وأما الأربعة أقسام الأخرى فتوزع بين المجاهدين المقاتلين الذين شاركوا في القتال، وذلك بإعطاء سهم للراجل وللفارس ثلاثة أسهم؛ (سهم له وسهمان لفرسه وهذا إذا استعملت الخيل في القتال) . ويكون هذا المال حلالا طيبا لجيش المسلمين قد أباحه الله تعالى لهم بقوله (فكلوا مما غنتم حلالاً طيباً) .
وأما المقصود بالخمس فهو ما أشارت إليه الآية الكريمة وهي مصرف هذه القسم الأول
وهم:
١ - سهم لله ولرسوله: يصرف في مصالح المسلمين العامة، من غير تعيين، لأن الله جله له ولرسوله ﷺ ، والله ورسوله غنيان عنه، فعلم أنه لعباد الله، فإذا لم يعين الله له مصرفاً، دلَّ على أن مصرفه للمصالح العامة. (تفسير ابن سعدي ٣ / ١٦٩) .
٢ - سهم منه لقرابة النبي ﷺ وآل بيته الكرام من بني هاشم وبني المطلب، ويستوي فيه غنيهم وفقيرهم، ذكرهم وأنثاهم.
٣ - اليتامى: وهم الذين فقدوا آباءهم وهم صغار دون البلوغ.
٤ - الفقراء المحتاجون.
٥ - ابن السبيل وهو المسافر المنقطع الذي يحتاج إلى مال ليرجع إلى بلده.
وقال بعض المفسرين (إن خمس الغنيمة لا يخرج عن هذه الأصناف، ولا يلزم أن يكونوا فيه على السواء، بل ذلك تبع للمصلحة) وهذا ما رجحه الشيخ ابن سعدي ﵀.
ولمزيد من الفائدة انظر تفسير ابن كثير (٢ / ٢٦٩) وزاد المعاد لابن القيم (٣/ ١٠٠ - ١٠٥) .
والله تعالى اعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 6853
هل يعتبر قتال الجندي في الجيش النظامي للكفار جهادا
[السُّؤَالُ]
ـ[إن شاء الله سوف ألتحق بالجيش في الشهور القليلة القادمة، واحتمال - وهذا في علم الغيب ولكني أقدره أن يقع في أي وقت - أن تقوم الحرب بين المسلمين واليهود، فإذا قدر الله لي أن أكون من جنده المقاتلين لأعدائه اليهود فكيف أقاتل اليهود؟ بحيث إذا كتب لي الموت أن أكون شهيدا في سبيل الله، ولا أكتب شهيدا في سبيل الوطن، أو شهيدا في سبيل غير الله، حيث أن القتال سوف يكون لاسترداد أرض، أو لهوى بعض الناس، وليس لإعلاء كلمة الله (والعياذ بالله) ، فكيف أقاتلهم لإعلاء كلمة الله، وكيف تكون نيتي لكي استشهد في سبيل الله؟ وجزاكم الله كل خير.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إذا قدر لك أن تكون جنديا، في جيش يقاتل اليهود أو غيرهم من الكفار؛ فأخلص قلبك لله في قتالك إياهم، واقصد بذلك نصرة الإسلام والمسلمين، وأن تكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الكفر هي السفلى، بهذا يكون قتالك في سبيل الله؛ فقد ثبت أن رجلا سأل النبي ﷺ فقال: " الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذكر، والرجل يقاتل ليرى مكانه؛ فأي ذلك في سبيل الله؟ فقال رسول الله ﷺ : " من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله " متفق على صحته من حديث أبي موسى الأشعري ﵁. (البخاري ٣/٢٠٦، مسلم ٣/١٥١٢-١٥١٣) وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
[الْمَصْدَرُ]
فتاوى اللجنة الدائمة ١٢/٢٥.
стр. 6854
يريد الهجرة إلى بلاد المسلمين وأبواه يرفضان
[السُّؤَالُ]
ـ[ماذا يجب على الشخص الذي يتوق للهجرة من بلاد الكفر ولكن أبواه لا يريدان أن يهاجرا ويمنعانه من الهجرة؟
هل يجوز أن يهاجر بنفسه وهذا يتطلب أن يترك والديه على اعتبار أن هذا أقل الضررين بالإضافة إلى أنه طاعة للخالق في معصية للمخلوق؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
عرضنا هذا السؤال على فضيلة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين فأجاب بأنّه إذا كان الولد يحتاج إليه أبواه، وكان مستطيعا لإظهار دينه في بلاد الكفر فيجوز بقاؤه هناك، والله تعالى أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ محمد بن صالح العثيمين
стр. 6855
هل يجوز للمرتهن الانتفاع بالرهن ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[رهن شخصٌ عندي قطعةً من الأرض لمدة ثلاث سنوات، وخلال هذه السنوات قمت بحرثها وزراعتها فهل الارباح الناتجة عن ذلك تُعد رباً؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
انتفاع المرتهن بالرهن: إذا كان بغير إذن الراهن فلا يجوز بحال؛ لقوله ﷺ : (لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ) رواه أحمد (٢٠١٧٢) وصححه الألباني في "الإرواء" (٥/٢٧٩) .
ولقوله ﷺ : (كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ) .
رواه مسلم (٢٥٦٤) .
ثانيا:
فإذا أذن الراهن للمرتهن بالانتفاع: فإن كان الدين دين قرض لم يجز للمرتهن الانتفاع بالرهن، وإن أذن الراهن؛ لأنه قرض جر نفعا فهو ربا.
قال البيهقي ﵀ في "السنن الصغرى" (٤ / ٣٥٣) :
" روينا عن فضالة بن عبيد، أنه قال: كل قرض جر منفعة فهو وجه من وجوه الربا. وروينا عن ابن مسعود، وابن عباس، وعبد الله بن سلام، وغيرهم في معناه، وروي عن عمر، وأبي بن كعب، ﵄ " انتهى.
ثالثا:
إذا لم يكن الدين الذي رهنت فيه الأرض قرضا، كأن يكون ثمن مبيع أو أجرة دار ونحو ذلك، وأذن مالك الرهن (المدين) للمرتهن (الدائن) في الانتفاع به: فلا حرج عليه في ذلك.
جاء في "المدونة" (٤/١٤٩) :
" قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمُرْتَهِنَ , هَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِطَ شَيْئًا مِنْ مَنْفَعَةِ الرَّهْنِ؟ قَالَ: إنْ كَانَ مِنْ بَيْعٍ فَذَلِكَ جَائِزٌ , وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ مِنْ قَرْضٍ فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ يَصِيرُ سَلَفًا جَرَّ مَنْفَعَةً. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ ... " انتهى.
وقال ابن قدامة ﵀:
" ما لَا يَحْتَاجُ إلَى مُؤْنَةٍ , كَالدَّارِ وَالْمَتَاعِ وَنَحْوِهِ , فَلَا يَجُوزُ لِلْمُرْتَهِنِ الِانْتِفَاعُ بِهِ بِغَيْرِ إذْنِ الرَّاهِنِ بِحَالٍ. لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا ; لِأَنَّ الرَّهْنَ مِلْكُ الرَّاهِنِ , فَكَذَلِكَ نَمَاؤُهُ وَمَنَافِعُهُ , فَلَيْسَ لِغَيْرِهِ أَخْذُهَا بِغَيْرِ إذْنِهِ , فَإِنْ أَذِنَ الرَّاهِنُ لِلْمُرْتَهِنِ فِي الِانْتِفَاعِ بِغَيْرِ عِوَضٍ , وَكَانَ دَيْنُ الرَّهْنِ مِنْ قَرْضٍ , لَمْ يَجُزْ ; لِأَنَّهُ يُحَصِّلُ قَرْضًا يَجُرُّ مَنْفَعَةً , وَذَلِكَ حَرَامٌ. قَالَ أَحْمَدُ: أَكْرَهُ قَرْضَ , الدُّورِ , وَهُوَ الرِّبَا الْمَحْضُ. يَعْنِي: إذَا كَانَتْ الدَّارُ رَهْنًا فِي قَرْضٍ يَنْتَفِعُ بِهَا الْمُرْتَهِنُ.
وَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ بِثَمَنِ مَبِيعٍ , أَوْ أَجْرِ دَارٍ , أَوْ دَيْنٍ غَيْرِ الْقَرْضِ , فَأَذِنَ لَهُ الرَّاهِنُ فِي الِانْتِفَاعِ , جَازَ ذَلِكَ " انتهى.
"المغني" (٤/٢٥٠) .
رابعا:
يشترط في الانتفاع بالرهن، على الوجه السابق، ألا يكون هذا الانتفاع في مقابل تأخير مدة سداد الدين، فإن كان انتفاعه بالرهن في مقابل ذلك لم يجز للمرتهن الانتفاع بالرهن، لأنه يكون ـ حينئذ ـ من باب: قرض جر نفعا.
سئلت اللجنة الدائمة:
رجل عليه دين لرجل آخر، رهن المدين به قطعة أرض فهل لرب الدين أن ينتفع بتلك الأرض المرهونة بالزراعة أو الإيجار أو نحوها؟
فأجابت اللجنة:
" إذا كان المرهون مما لا يحتاج إلى مؤونة وعناية، كالمتاع والعقارات من الأراضي والدور، وكانت مرهونة في دين غير دين قرض، فإنه لا يجوز للمرتهن أن ينتفع بها بالزراعة أو الإيجار، إلا بإذن الراهن؛ لأنه ملكه فكذلك نماؤه من حق الراهن، فإن أذن الراهن للمرتهن بالانتفاع بهذه الأرض ولم يكن الدين دين قرض، جاز انتفاع المرتهن بها ولو بغير عوض، ما لم يكن ذلك في مقابل تأخير مدة وفائه، فإن كان انتفاعه بالرهن في مقابل ذلك لم يجز للمرتهن الانتفاع به.
أما إن كانت هذه الأرض المرهونة رهنت في دين قرض، فإنه لا يجوز للمرتهن الانتفاع بها مطلقا؛ لكونه قرضا جر نفعا، وكل قرض جر نفعا فهو ربا بإجماع أهل العلم " انتهى.
"فتاوى اللجنة الدائمة" (١٤ / ١٧٦-١٧٧)
خامسا:
إن كان الانتفاع بالرهن بغير إذن مالكه، أو كان بإذنه لكن الدين الذي بينهما عبارة عن قرض، على ما سبق، أو كانت مقابل تأخير مدة الوفاء بالدين: لم يجز أخذ شيء من غلة هذه الأرض، أو الانتفاع بشيء من ربحها.
فإن كان المرتهن ـ الذي في يده الرهن ـ قد قام بحرثها وزراعتها: فإنه يحسب من غلتها وثمرتها: أجرة المثل، على حرثه وزرعه، وما بقي من ذلك يرده على مالك الأرض، أو يخصم من دينه.
وينظر: جواب السؤال: (١٠٥٤٥٧) .
والله تعالى أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6856
اشتركت معه زوجته في بناء البيت بالثلث فهل يكتبه باسمها ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا موظف وزوجتي موظفة ومنذ زواجنا لم نكن نفصل بين أموالنا فهي مشتركة تماما وقمنا بشراء أرض وبنينا فوقها بيتا لنا. وتم كتابة الأرض باسمي فأصبح المنزل بعد ذلك باسمي أيضا علما بأن مساهمتها في المنزل والأرض حوالي الثلث. ولأن ذلك اتفاق بيني وبينها فقط، فأرجو من فضيلتكم أن تفيدوني بأفضل طريقة شرعية لإثبات نسبة ملكيتها في العقار (الثلث) . فهل يمكن شرعا أن أجعل ما في الصك مشترك بيني وبينها بالنسبة التي ذكرتها (الثلث مقابل الثلثين) . علما بأن لدينا ٣ أولاد وبنت كما أن زوجتي لا تطالبني حاليا بأي شي إلا أنني أسأل عن ذلك إبراءً لذمتي.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ما دمتما قد اتفقتما على أن يكون لها من العقار بمقدار ما أنفقت وهو الثلث، فينبغي تسجيل ذلك وإثباته في الأوراق الرسمية حفظاً للحقوق.
وعلى هذا، فينبغي أن تجعل ما في الصك مشتركاً بينك وبين زوجتك بالنسبة التي ذكرتها، فيكون لك الثلثان، ولها الثلث.
وقد سئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء:
أنا رجل طاعن في السن، وسبق لي أن اشتريت قطعة أرض بمبلغ قدره خمسة وثمانون ألف ريال، ولي ولدان ذكران، وقمت أنا وأبنائي الأولاد بعمارتها سواء، ودفعنا مبلغ التعمير سواء، فدفعت أنا مبلغا وقدره مائتان وسبعة عشر ألف ريال، ودفعوا هم الاثنان مبلغا وقدره مائة وخمسة وسبعون ألف ريال. سؤالي: هل يجوز لي أن أكتب لهم بأنهم شركاء بالنصيفة بمبلغهم الذي دفعوه؟ علما بأنني راض بذلك، علما أن لي غيرهم بنات.
فأجابوا:
"إذا كان الأمر كما ذكر فلا مانع من أن تكتب العمارة بينك وبين أبنائك، وأنهم شركاء لك فيها على قدر ما دفعوا لك من المال، غير متبرعين به لك" انتهى.
"فتاوى اللجنة الدائمة" (١٤ / ٣٠٣-٣٠٤)
وسئل الشيخ صالح الفوزان حفظه الله:
نحن سبعة أشقاء، أربع إناث وثلاثة ذكور، وقد منَّ الله علينا بشراء قطعة أرض زراعية، فجمعنا كل ما نملك، حتى أخذنا حلي نسائنا ودفعناها ثمنًا لها، ومن حرصنا على رضا والدنا سجلنا باسمه نصف هذه المساحة، وقد توفي، ولم نعط أخواتنا البنات شيئًا منها، وهن لم يطلبن شيئًا؛ لعلمهن بظرف شرائها والظروف المعيشية، ولم نعط نساءنا شيئًا أيضًا، وذلك عن طيب نفس منهن، فما رأيكم في أخواتي أولاً؟ وكذلك في نسائنا هل لهن حق على ذلك أم لا؟
فأجاب:
"أما بالنسبة للأخوات: فإن كان تسجيلكم نصف الأرض لوالدكم بمعنى أنكم أعطيتموه هذا النصف: فإنه حينئذ يكون تركة له تورث عنه لأولاده الذكور والإناث ولمن ترك من الورثة على فرائض الميراث التي شرعها الله، فتكون تركة تقسم على ورثته، ومن ورثته: أخواتكم، فلهن نصيب في هذه الأرض على حسب الميراث من نصيب والدهن.
أما بالنسبة لزوجاتكم: فإذا كن أيضًا قد اشتركن معكم في شرائها، ودفعن الحلي على أنه اشتراك معكم في شرائها؛ فيكون لهن نصيب في هذه الأرض، أما إذا كن دفعن هذا الحلي من باب الهبة لكم، وإعانة لكم على شرائها: فهي من اختصاصكم" انتهى.
"المنتقى من فتاوى الفوزان" (٥٤/٢) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6857
هل يسقط وجود جائع واحد في المسلمين حق الملكية الفردية ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ (أيما أهل عرصة - منطقة أو حي سكن - أصبح فيهم امرؤ جائعاً، فقد برئت منهم ذمة الله ورسوله) ثم هذا الحديث الخطير في مدلوله: (إذا بات المؤمن جائعاً فلا مال لأحد) ويعلق الدكتور علي البارودي على هذا الحديث في كتابه " دروس في الاشتراكية العربية " بقوله: " إنه ما دام في المجتمع جائع واحد أو عارٍ واحد فإن حق الملكية لأي فرد من أفراد هذا المجتمع لا يمكن أن يكون شرعياً، ولا يجب احترامه، ولا تجوز حمايته، ومعنى ذلك أن هذا الجائع يسقط شرعية حقوق الملكية إلى أن يشبع ". وقد حدث في عهد عمر بن الخطاب ﵁ أن أصاب بعض المسلمين عطش شديد، فمروا على بئر، ولكن أصحابه رفضوا أن يشربوا منه، فلما وفدوا على عمر بالأمر فقال: هلا وضعتم فيهم السلاح. ومشهور بيننا قول الصحابي أبو ذر الغفاري: عجبت لمسلم لا يجد قوت يومه ولا يخرج على الناس شاهرا سيفه!]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
حق الملكية الفردية من أركان قواعد الاقتصاد الإسلامي، امتاز به عن النظام الاشتراكي الذي خالف الفطرة والعقل والشرع حين ألغى هذا الحق، وامتاز به أيضاً عن النظام الرأسمالي حين أطلق العنان للحرية الفردية حتى أصبحت غولاً يأكل الأخضر واليابس.
وقد حاول بعض الناس في القديم والحديث التنظير للاشتراكية من خلال نصوص الشريعة، والتأصيل لمبادئها من خلال بعض الأحاديث والآثار التي أساؤوا فهمها.
والعلة التي أصابت هذا المنهج في التفكير فلبَّست عليه فهمَ حقيقة النظام الاقتصادي الإسلامي: هي إخراج النصوص عن سياقها وإطارها المقيد، ونقلها إلى الإطار العام والتقعيد المطلق المناقض لقواعد الاقتصاد الإسلامي.
فمثلاً:
الحديث الوارد في السؤال، وهو حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (أَيُّمَا أَهْلُ عَرْصَةٍ أَصْبَحَ فِيهِمْ امْرُؤٌ جَائِعٌ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُمْ ذِمَّةُ اللَّهِ تَعَالَى) رواه أحمد في " المسند " (٨/٤٨٢) .
أولاً:
هذا الحديث ضعيف، فقد قال أبو حاتم في " العلل " (٢/٢٣٨) : منكر. وكذا قال الشيخ الألباني في " ضعيف الترغيب " (١/٢٧٥) ، وقال محققو المسند بإشراف الشيخ شعيب الأرنؤوط: " إسناده ضعيف لجهالة أبي بشر " انتهى. وينظر: المسند (٨/٤٨٦) – ط الرسالة ـ.
ثانياً:
غاية ما في الحديث الحث على إطعام الجائع والإحسان إلى الفقير، وليس فيه من قريب ولا من بعيد إلغاء حق الملكية الفردية إلغاء تاماً، كما هي النظرة الاشتراكية، وكما فهم بعض الناس خطأ وأشكل عليهم الأمر.
ومثله الآثار التي ذُكرت في السؤال، يرويها الحنفية، ومنهم أبو يوسف القاضي في كتاب "الآثار" (رقم/٨٩٩) عن أبي حنيفة النعمان ﵀، عن الهيثم: أن قوماً مروا بماء، فسألوا أهلها: أين البئر؟ فأبوا أن يدلوهم، وأبوا أن يعطوهم الدلو. فقالوا: ويحكم، إن أعناقنا وأعناق ركابنا قد كادت تقطع عطشاً، فأبوا أن يعطوهم أو يدلوهم، فذكروا ذلك لعمر بن الخطاب ﵁، فقال: ألا وضعتم فيهم السلاح.
فهي – رغم أنها مرسلة منقطعة – إنما جاءت تبين حكما مخصوصاً في حالة مقيدة، فيما إذا اضطر المسلم، فلم يجد طعاماً ولا شراباً وأشرف على الهلاك، فله حينئذ – وحينئذ فقط – أن يأكل من أموال المسلمين القادرين ولو بغير رضاهم، ولو اضطره الأمر إلى مقاتلتهم على سد ضرورته بالسلاح، أما أن يُستدل بهذا الأثر على إلغاء حق الملكية مطلقاً فهذا أيضاً فهم خاطئ للنصوص.
وأما حديث: (إذا بات المؤمن جائعاً فلا مال لأحد) فليس هو بحديث أصلاً، ولا وجود له في كتب السنة والآثار.
ونحن نعلم أن بعض الناس يورد الكلام الوارد في السؤال على محمل حسن، وليس دعوة منه إلى الاشتراكية الكاملة.
جاء في " مجموع فتاوى الشيخ ابن باز " ﵀ (٧/٣٩٤) :
" إنكار النظام الاشتراكي في العراق: برقية:
فخامة رئيس الجمهورية أخذ الله بيده إلى الحق:
إن الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة تستنكر ما أصدرته الحكومة العراقية من القرارات الاشتراكية , وتضم صوتها إلى صوت علماء العراق وغيرهم من العلماء في إنكار النظام الاشتراكي , وتؤكد بأنه نظام كفري يصادم نظام الإسلام ويناقضه , وتنصح حكومة العراق بالرجوع إلى نظام الإسلام وتطبيقه في البلاد , لكونه أعدل نظام وأصلح تشريع عرفته البشرية , وهو كفيل بتحقيق العدالة الاجتماعية السليمة، وحل للمشاكل الاقتصادية وغيرها , وإيصال حق الفقير إليه على خير وجه إذا أخلص المسلمون في تطبيقه. والإسلام يحرم على المسلم دم أخيه وماله وعرضه، ويعطيه حرية التصرف الكامل في ماله في ظل الحكم الشرعي , وتصرح تعاليمه بأن ما يزعمه بعض الناس من أن النظام الاشتراكي مستمد من روح الإسلام زعم باطل، لا يستند لأي أساس من الصحة " انتهى.
ومن أراد المزيد فليرجع إلى كتاب " حكم الإسلام في الاشتراكية " للشيخ عبد العزيز البدري ﵀.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6858
هل يجوز لهم بيع المسجد لمن يحتمل اتخاذه كنيسة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[نحن نعيش في أحد المدن الأمريكية، ومنذ ما يزيد على ٣٠ عاماً اشترى المسلمون كنيسة، وعدلوها لتصبح مسجداً , الآن نظراً لقدم البناية، وصغر مساحة المسجد: نريد بيعه، واستخدام قيمته في تكملة بناء مسجد أكبر في حي مجاور , المعضلة: أنه يغلب على ظننا أنه سيشتريه منَّا بعض النصارى، ثم يجعلونه كنيسة، وخاصة أصحاب كنيسة مجاورة للمسجد، يصدر منها أحياناً أصوات موسيقى عالية تسمع من داخل المسجد , ما هو حكم بيع المسجد لمن يرغب في جعله كنيسة؟ وهل فِعْل ذلك يعدُّ مِن معاونتهم على ما هم فيه من الشرك، والضلال؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
اتفق العلماء على حرمة بيع المسجد الذي لم تتعطل منافعه، ولم يهجره أهله، وأن من فعل ذلك فهو آثم، ولا يتملكه من اشتراه.
واختلفوا في حكم بيع المسجد الذي تعطلت منافعه، أو هجره أهله:
فذهب بعضهم إلى أنه يجوز بيع المسجد إذا كان ذلك هو حاله، وإذا بيع: فيصرف ثمنه إلى مسجد آخر، وإن كان قريباً من الأول فهو أفضل.
وهذا قول أبي حنيفة، وصاحبه أبي يوسف، وهو رواية عن الإمام أحمد، وهو الذي عليه مذهب الحنابلة.
وذهب آخرون إلى أنه لا يصح بيع الوقف بحال عموماً، والمسجد لا يكون إلا وقفاً، وعليه: فلا يصح عندهم بيعه، وإن تعطلت منافعه، وهجره المصلون.
وهو رواية أخرى عن أبي حنيفة، وهي المذهب عند الحنفية، وهو مذهب مالك، والشافعي، ورواية عن الإمام أحمد.
والقول بالجواز هو الأصح من القولين.
وانظر المسألة بتفصيلها، وترجيحها في جواب السؤال رقم: (١٠٣٢٣٦) .
ثانياً:
إذا تقرر جواز بيع مسجد القديم ذاك: فهل يجوز لكم بيعه لمن يتخذه كنيسة، أو لإقامة محل يُعصى فيه الله تعالى، كخمارة، أو مؤسسة ربوية؟
والجواب: قطعاً لا يجوز؛ فالوسائل لها حكم الغايات، فالوسيلة إلى فعل المعصية تكون معصية، والوسيلة إلى فعل الطاعة تكون طاعة، ولذلك حرم بيع السلاح وقت الفتنة، وحرم بيع العنب لمن يعصره خمراً، ويقال هنا: يحرم بيع أرض للنصارى بقصد بنائها كنيسة، أو لليهود بقصد بنائها بيعة، ونحو ذلك، كما يحرم تأجيرهم دوراً لإقامة شعائر الكفر فيها.
وفي " الموسوعة الفقهية " (٣٨ / ١٥٧، ١٥٨) :
نصَّ جمهور الفقهاء على أنّه يمنع المسلم من بيع أرضٍ أو دارٍ لتتّخذ كنيسةً:
قال الحنفيّة: إن اشتروا دوراً في مصرٍ من أمصار المسلمين فأرادوا أن يتّخذوا داراً منها كنيسةً، أو بيعةً، أو بيت نارٍ في ذلك لصلواتهم: منعوا عن ذلك.
وقال المالكيّة: يمنع - أي: يحرم - بيع أرضٍ لتتّخذ كنيسةً، وأجبر المشتري من غير فسخٍ للبيع على إخراجه من ملكه، ببيع، أو نحوه.
روى الخلال عن المروذيّ أنّ أبا عبد الله سئل عن رجلٍ باع داره من ذمّيٍّ وفيها محاريب فاستعظم ذلك، وقال: نصراني؟! لا تباع، يضرب فيها النّاقوس وينصب فيها الصلبان؟ وقال: لا تباع من الكافر، وشدّد في ذلك.
وعن أبي الحارث أنّ أبا عبد الله سئل عن الرّجل يبيع داره وقد جاء نصراني فأرغبه وزاده في ثمن الدّار , ترى أن يبيع منه وهو نصراني، أو يهودي، أو مجوسي , قال: لا أرى له ذلك , قال: ولا أرى أن يبيع داره من كافرٍ يكفر فيها بالله تعالى.
إذا اشترى أو استأجر ذمّي داراً على أنّه سيتّخذها كنيسةً: فالجمهور على أنّ الإجارة فاسدة , أمّا إذا استأجرها للسكنى، ثمّ اتّخذها معبداً: فالإجارة صحيحة , ولكن للمسلمين عامّةً منعه حسبةً. انتهى
ثالثاً:
المشتري من الكفار لا ندري ما يصنع بهذا المسجد إن اشتراه، فمتى يكون البيع له محرَّماً؟.
والجواب: أنه يكون محرَّماً في حال العلم باتخاذه له كنيسة، بتصريه، أو بقرائن قوية، أو بغلبة الظن الراجحة، وما عدا ذلك: فلا يحرم بيعه له.
قال أحمد الصاوي – ﵀:
ويمنع أيضاً بيع التوراة، والإنجيل لهم؛ لأنها مبدَّلة، ففيه إعانة لهم على ضلالهم، وكما يُمنع بيع ما ذُكر لهم: يُمنع الهبة، والتصدق، وتمضي الهبة، والصدقة، ويجبرون على إخراجها من ملكهم كالبيع.
تنبيه: كذلك يُمنع بيع كل شيءٍ عُلم أن المشتري قصد به أمراً لا يجوز؛ كبيع جارية لأهل الفساد، أو مملوك، أو بيع أرض لتتخذ كنيسة، أو خمارة، أو خشبة لتتخذ صليباً، أو عنباً لمن يعصره خمراً، أو نحاساً لمن يتخذه ناقوساً، أو آلة حرب للحربيين، وكذا كل ما فيه قوة لأهل الحرب.
" بلغة السالك " (٣ / ٨) .
وقال ابن قدامة – ﵀:
إذا ثبت هذا: فإنما يحرم البيع، ويبطل إذا علم البائع قصْد المشتري ذلك، إما بقوله، وإما بقرائن مختصة به تدل على ذلك، فأما إن كان الأمر محتملاً مثل أن يشتريها مَن لا يُعلم حالُه، أو من يَعمل الخل والخمر معاًً، ولم يلفظ بما يدل على إرادة الخمر: فالبيع جائز، وإذا ثبت التحريم: فالبيع باطل، ويحتمل أن يصح، وهو مذهب الشافعي ...
ولنا: أنه عقد على عين لمعصية الله بها فلم يصح، كإجارة الأمَة للزنا، والغناء ... .
" المغني " (٤ / ٣٠٦) .
والخلاصة:
أنه لا يحل لكم بيع المسجد إذا لم تتعطل منافعه، وأمكن الانتفاع به، ويحل لكم بيعه إن تعطلت منافعه، وصار مهجوراً من أهله، والنصيحة لكم: عدم بيعه، وإبقاؤه وقفاً، وجعله مكتبة، أو مؤسسة خيرية، في حال تعطله عنه الانتفاع به في الصلاة.
وإن لم يتيسر لكم هذا، وتعين عليكم بيعه: فيجوز لكم بيعه لنصراني وغيره، إلا إذا علمتم، أو غلب على ظنكم أنه سيحوله كنيسة ونحوها من دور الكفر: فلا يجوز لكم ذلك البيع، وعليكم تحري من يشتريه لاستخدام مباح، فإن جهلتم حال المشتري، ولم تعلموا نيته: فالبيع له جائز، والاحتياط: التورع بالتحري عن نيته.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6859
الحكمة من مشروعية الرهن
[السُّؤَالُ]
ـ[ما السبب في ضرورة الرهن في الإسلام؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الرَّهْنُ فِي الشَّرْعِ: الْمَالُ الَّذِي يُجْعَلُ وَثِيقَةً بِالدَّيْنِ، لِيُسْتَوْفَى مِنْ ثَمَنِهِ إنْ تَعَذَّرَ اسْتِيفَاؤُهُ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ.
والرهن جائز بالكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب؛ فقوله تعالى: (وَإِنْ كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ) البقرة/٢٨٣،
وأما السنة؛ فقد ثبت: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اشْتَرَى طَعَامًا مِنْ يَهُودِيٍّ إِلَى أَجَلٍ وَرَهَنَهُ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ) رواه البخاري (٢٠٦٨) ومسلم (١٦٠٣) .
وأجمع العلماء على جواز الرهن في الجملة.
وانظر: "المغني" (٤/٢١٥) ، "بدائع الصنائع" (٦/١٤٥) ، "مواهب الجليل" (٥/٢) ، "الموسوعة الفقهية" (٢٣/١٧٥-١٧٦) .
واتفق الفقهاء على أن الرهن من الأمور الجائزة وأنه ليس بواجب.
قال ابن قدامة في "المغني" (٤/٢١٥) :
"الرَّهْنُ غَيْرُ وَاجِبٍ. لَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا" انتهى.
فللدائن أن لا يأخذ رهناً من المدين.
والحكمة من تشريع الرهن: أنه من الوسائل التي يستوثق بها صاحب الدين من دينه، فكما أمر الله توثيق الدين بالكتابة، أمر كذلك بتوثيقه بالرهن.
فإذا جاء وقت سداد الدين، وامتنع المدين من سداد الدين، أو عجز، فإن الرهن يباع ويأخذ الدائن حقه، وإن بقى من الثمن شيء رده إلى صاحبه (المدين) .
والرهن من محاسن هذه الشريعة، لأن فيه مصلحة للدائن والمدين معاً.
وبيان ذلك: أن الدائن يستوثق من حقه، فيكون هذا مشجعاً له على إقراض أخيه المسلم، فيستفيد من ذلك المقترض، لأنه سيجد من يقرضه.
وإذا منع الرهن، فقد يمتنع كثير من الناس من الإقراض خوفاً على أموالهم من الضياع.
وانظر: "الشرح الممتع" (٩/١٢١) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6860
حكم مشاركة المسلم للنصراني أو غيره في التجارة
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز للمسلم أن يكون شريكاً للنصراني في تربية الأغنام أو تجارتها أو أي تجارة أخرى؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"اشتراك مسلم مع نصراني أو غيره من الكفرة في المواشي أو في الزراعة أو في أي شيء آخر، الأصل في ذلك جوازه إذا لم يكن هناك مولاة، وإنما تعاون في شيء من المال كالزراعة أو الماشية أو نحو ذلك، وقال جماعة من أهل العلم: بشرط أن يتولى ذلك المسلم، أي: أن يتولى العمل في الزراعة، أو في الماشية المسلم، ولا يتولى ذلك الكافر لأنه لا يؤمن.
وهذا فيه تفصيل؛ فإن كانت هذه الشركة تجر إلى مولاة، أو لفعل ما حرم الله، أو ترك ما أوجب الله حرمت هذه الشركة لما تفضي إليه من الفساد، أما إن كانت لا تفضي لشيء من ذلك، والمسلم هو الذي يباشرها، وهو الذي يعتني بها حتى لا يخدع فلا حرج في ذلك.
ولكن بكل حال فالأولى به السلامة من هذه الشركة، وأن يشترك مع إخوانه المسلمين دون غيرهم، حتى يأمن على دينه ويأمن على ماله، فالاشتراك مع عدو له في الدين فيه خطر على خلقه ودينه وماله، فالأولى بالمؤمن في كل حال أن يبتعد عن هذا الأمر، حفظاً لدينه، وحفظاً لعرضه، وحفظاً لماله، وحذراً من خيانة عدوه في الدين، إلا عند الضرورة والحاجة التي قد تدعو إلى ذلك، فإنه لا حرج عليه بشرط مراعاة ما تقدم.
أي: بشرط أن لا يكون في ذلك مضرة على دينه أو عرضه أو ماله، وبشرط أن يتولى ذلك بنفسه، فإنه أحوط له، فلا يتولاه الكافر، بل يتولى الشركة والأعمال فيها المسلم، أو مسلم ينوب عنهما جميعاً" انتهى.
سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀
"فتاوى نور على الدرب" (١/٢٩٤) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6861
التعامل مع وسيط تعاملاته مشبوهه
[السُّؤَالُ]
ـ[هناك شخص صديق لصاحب الشركة التي أعمل بها يمتلك قاعدة علاقات كبيرة من جميع المستويات في القطاعين الخاص والعام. ويقوم هذا الشخص بإحضار مناقصات لشركتنا لكي نقدم عرض أسعار لهذه الجهات ومن خلالها ويقوم هو بمتابعة هذه المناقصات ونقل أسئلة العميل واستفساراته وتعديلاته على المناقصة من جميع النواحي التقنية والمالية والمواصفات والشروط والأحكام وغيرها ونقوم نحن بدورنا بتعديل عرضنا ويقوم هو بدوره بتقديم المناقصة عن طريقنا وفي أحيان أخرى نقدمها نحن بأنفسنا مباشرة وبالتنسيق معه. وعطفاً على ما تم ذكره أعلاه يكون دوره كدور البائع والمسوق لنا، فعليه نعطيه نسبه من مربح المناقصات حسب الاتفاق الذي يتم على كل مناقصة، وفي أحيان نتناصف الربح بيننا وبينه. مشكلتي أنني يراودني الشك كلما جلست معه من طريقة طرحه وكلامه بأن علاقاته الداخلية مع المؤسسات والقطاعات التي يعرفها ليست نزيهة. وفي أحيان أخرى يلمح أنه يعرف شخص بالمكان الفلاني سوف يساعده بالمناقصة وسوف يتفاهم هو معه عن طريق أنه سوف يعطيه حصة من نصيبه ونحن ليس لنا دخل بشيء. سؤالي: هل يجوز شرعاً التقديم على هذه النوعية من المناقصات عن طريق هذا الشخص مع أنه لا يعمل في أي من القطاعات التي قدمنا كموظف ولا يعمل عندنا ومع علمنا من بعض كلماته وتلميحاته بأنه يعرف أشخاص يساعدونه بالداخل؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إذا كان هذا الوسيط يقتصر عمله على إحضار المناقصات للشركة، ومتابعتها من النواحي التقنية والمالية والمواصفات والشروط والأحكام وغيرها، فلا حرج في التعامل معه.
وأما إذا كان يستعين بماله أو جاهه أو معارفه وعلاقاته لإرساء المناقصة على شركتكم، فلا يجوز التعامل معه في هذه الحال.
وما ذكرته من قرائن تشير إلى وجود شبهة في تعاملاته، توجب عليكم مزيداً من التحري عن هذا الشخص، وأخذ الحيطة الزائدة عند التعامل معه.
والواجب عليكم في هذا أن تعملوا بما يغلب على ظنكم، فإن غلب على ظنكم أن الرجل يعمل بطرق ملتوية غير شرعية فلا يجوز لكم التعامل معه، والواجب عليكم التوقف عن تقديم المناقصات عن طريقه.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6862
منحتهم الحكومة أرضا ودفع أخوهم الرسوم وأخذها وقد وافق بعضهم مجاملة
[السُّؤَالُ]
ـ[تم منحنا قطعة أرض من الحكومة باسم والدنا وإخوتي الأربعة وتم دفع الرسوم الحكومية بواسطة أحد الإخوة ومن ثَمَّ تم الاتفاق على التنازل عن ملكية الأرض لهذا الأخ إلا أن أحد الإخوة وافق مجاملة على هذا التنازل، فهل تجوز هذه المعاملة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إذا كانت الأرض ممنوحة باسمكم جميعا، وكانت بثمن أقل من سعرها في السوق، وتنازل الجميع للأخ الذي دفع الرسوم، فلا حرج في ذلك إذا كانوا بالغين راشدين، ومن عُلم رفضه لذلك أو قبوله بسيف الحياء فلابد من تعويضه عن حقه - ويقدّر هذا الحق بواسطة أهل الخبرة -، أو يحتفظ بنصيبه من الأرض ويدفع قسطه من الرسوم.
وذلك أنه لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه، فما أُخذ بسيف الحياء فهو حرام.
قال ﷺ : (لا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ إِلا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ) رواه أحمد (٢٠١٧٢) وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (٧٦٦٢) .
وينظر في تحريم ما أخذ بسيف الحياء: "تحفة المحتاج" (٦/٣١٧) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6863
هل يستخرج أوراقا لشخص تفيد ملكيته لأراضٍ مهملة تابعة للدولة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[توجد أرض مهملة في مكان ناءٍ في المدينة تابعة للدولة ولا أحد مستفيد منها، هل يجوز أن أستخرج أوراقاً تفيد بتبعية هذه الأرض لشخص ما بحيث يمكنه أن يبيعها ويستفيد منها؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الأراضي التي لا مالك لها، والخالية عن "الاختصاصات" - والاختصاصات: كمجاري السيول، ومواضع الحطب، ومواضع المراعي، والمصالح العامة - يملكها الشخص بالإحياء؛ لقوله ﷺ : (مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ) رواه أبو داود (٣٠٧٣) ؛ والترمذي (١٣٧٨) وحسنه الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام (٨٩٧) وذكر له طرقا أخرى في "الفتح" (٥/١٩) ثم قال: " وفي أسانيدها مقال لكن يتقوى بعضها ببعض "، وينظر: "إرواء الغليل" (٥/٥٥٣) .
وإحياء الأرض يكون بوضع سور عليها، أو بحفر بئر فيها واستخراج الماء منه، أو بإجراء عين إليها.
قال في "زاد المستقنع": " ومن أحاط مواتا، أو حفر بئرا فوصل إلى الماء، أو أجراه إليه من عين ونحوها، أو حبسه عنه ليزرع فقد أحياه " انتهى. وينظر: "الشرح الممتع" (١٠/٣٢٩) .
فإذا كان هذا الشخص قد أحيا الأرض على النحو السابق، فإنه يجوز أن تستخرج له أوراقا تفيد ملكيته لها.
وإذا لم يكن أحياها لم يجز؛ لما فيه من الكذب وشهادة الزور وأكل المال بالباطل.
وينظر للفائدة جواب السؤال رقم (٢٦٣٤٤) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6864
حكم قراءة الفاتحة على نية التوفيق في الخطبة أو الشراكة أو غير ذلك
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز قراءة الفاتحة على نية التوفيق: ١- عند الاتفاق على الشراكة في أمر ما. ٢-عند الخطبة. ٣- في المعاملات التجارية. ٤- في باقي الحالات؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا تشرع قراءة الفاتحة عند الاتفاق على الشراكة في أمر ما أو عند الخِطْبة أو في المعاملات التجارية أو غير ذلك من الأمور، بل هذا من البدع المحدثة، ولم يكن من فعل سلفنا الصالح، من الصحابة والتابعين، ولو كان خيراً، لكانوا أسبق الناس إليه.
جاء في فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء (١٩/١٤٦) :
"قراءة الفاتحة عند خِطْبة الرجل امرأة أو عقد نكاحه عليها بدعة" انتهى.
وسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀:
قراءة الفاتحة عند عقد الزواج حتى قد أصبح البعض يطلق عليها قراءة الفاتحة وليس العقد فيقول قرأت فاتحتي على فلانة هل هذا مشروع؟
فأجاب: "هذا ليس بمشروع، بل هذا بدعة، وقراءة الفاتحة أو غيرها من السور المعينة لا تقرأ إلا في الأماكن التي شرعها الشرع، فإن قرأت في غير الأماكن تعبداً فإنها تعتبر من البدع، وقد رأينا كثيراً من الناس يقرؤون الفاتحة في كل المناسبات حتى إننا سمعنا من يقول: اقرءوا الفاتحة على الميت، وعلى كذا وعلى كذا، وهذا كله من الأمور المبتدعة ومنكرة؛ فالفاتحة وغيرها من السور لا تقرأ في أي حال وفي أي مكان وفي أي زمان إلا إذا كان ذلك مشروعاً بكتاب الله أو بسنة رسوله ﷺ ، وإلا فهي بدعة ينكر على فاعلها" انتهى.
"فتاوى نور على الدرب" (١٠/٩٥) .
والمشروع فيما يتعلق بأمر الزواج أو غيره من الأمور التي يريد الإنسان فعلها أن يستشير أهل الخبرة والمعرفة، ثم إذا هم بالأمر استخار الله تعالى، ثم يعزم على ما يريد فعله.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6865
يشتري السلع وقت توفرها ثم يبيعها إذا ارتفع سعرها، فهل هذا احتكار ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[لقد وجد بعض الناس عندنا يحتكرون السلع الاستهلاكية وقت الوفرة خاصة ثم يقومون بتخزينها حتى تتصاعد أسعارها ويغلو ثمنها فيبيعونها بما يشتهون. فبماذا ينصح الإسلام مثل هؤلاء؟ وما موقف الشرع من كسبهم هذا؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"المحتكر هو الذي يشتري السلع وقت مضايقة الناس، وقد جاء في الأحاديث لعن ذلك والوعيد فيه والنبي ﷺ قال: (لَا يَحْتَكِرُ إِلَّا خَاطِئٌ) وقال: (مَنْ احْتَكَرَ فَهُوَ خَاطِئٌ) يعني فهو آثم.
قال العلماء: هم الذين يشترون السلع من الطعام ونحوه مما يحتاجه الناس في وقت الشدة ويخزنه ليشتد الغلاء حتى يبيع بأكثر، هذا لا يجوز، وهو منكر وصاحبه آثم، ويجب على ولي الأمر إذا كان في البلاد ولي أمر ينفذ أمور الشرع أن يمنعه من ذلك، وأن يلزمه بيع الطعام بسعر المثل. بسعر الوقت الحاضر الموجود في الأسواق ولا يمكنه من خزانته، هذا إذا كان في وقت الشدة.
أما الذي يشتري الطعام أو غير الطعام مما يحتاجه الناس في وقت الرخاء وكثرته في الأسواق وعدم الضرر على أحد ثم إذا تحركت السلع باعه مع الناس بدون أن يؤخره إلى شدة الضرورة، بل متى تحركت وجاءت الفائدة باعه فلا حرج عليه. وهذا عمل التجار من قديم الزمان وحديثه" انتهى.
سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀
"فتاوى نور على الدرب" (٣/١٤٤٢) .
[الْمَصْدَرُ]
فتاوى سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز
فتاوى نور على الدرب
следующие страницы →