← Фатава

Фатава · id 26332

موقع الإسلام سؤال وجواب

محمد صالح المنجد

Полный текст (16 344 стр.). Показаны 8891–8930 · переход к 8896.

стр. 8891

مات وترك مالا لم يزكه وفوائد ربوية [السُّؤَالُ] ـ[شاب لم يبلغ العشرين بعد ولديه أختان تكبرانه توفي والده وترك لهما ميراثا ولكن والده لم يكن يصلي إلا قليلا ولم يكن يخرج زكاة المال السنوية (٢.٥% من مجموع الأموال) وكان ينفق على أهل البيت من الفوائد البنكية الربوية والسؤال هو: ١- ما حكم زكاة المال التي لم تخرج لعدة سنوات؟ ٢- كيف يمكن التكفير عن تلك الفوائد المحرمة التي كان ينفق على أهل البيت منها لعدة سنوات؟ ٣- هذا الرجل ترك جزءا كبيراً من الميراث في صورة شهادات لها عائد ربوي كيف يمكن التخلص من هذه الشهادات المحرمة علما بأن الشاب لا خبرة له في إدارة الأموال في التجارة ولا حتى لديه وقت لهذا بسبب الدراسة؟ (هل يمكن وضعها في بنك إسلامي مثلا؟) ٤- ما هي صور الصدقة الجارية المقبولة في عصرنا هذا؟ ٥- الوالد مات متأثرا بسرطان الكبد ولم تظهر عليه علامات سوء الخاتمة قبل موته مباشرة وكان يردد قبيل موته "الحمد لله" كثيرا , فهل هو شهيد لأنه مبطون؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله إذا كان المتوفى قد تاب إلى الله تعالى من ترك الصلاة، وحرص على أدائها قبل موته، فيرجى أن يكون شهيدا؛ لقول النبي ﷺ : " الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ الْمَطْعُونُ وَالْمَبْطُونُ وَالْغَرِقُ وَصَاحِبُ الْهَدْمِ وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ " رواه البخاري (٢٨٢٩) ومسلم (١٩١٤) . قال النووي ﵀: (وَأَمَّا (الْمَبْطُون) فَهُوَ صَاحِب دَاء الْبَطْن , وَهُوَ الإسْهَال. قَالَ الْقَاضِي: وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي بِهِ الاسْتِسْقَاء وَانْتِفَاخ الْبَطْن , وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي تَشْتَكِي بَطْنه , وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي يَمُوت بِدَاءِ بَطْنه مُطْلَقًا) انتهى من شرح مسلم. ١- والواجب إخراج زكاة ما عليه من السنين الماضية، وذلك بتقدير ما كان يملكه – في كل عام - من الأموال الزكوية المباحة، كالنقود والذهب، مما بلغ نصابا وحال عليه الحول - دون ما انضاف إليها من الفوائد الربوية المحرمة - فيُخرج عن ذلك ربع العشر أي ٢.٥ %، ثم يقدر ما بقي للعام الذي يليه ويخرج منه ربع العشر أيضاً وهكذا. ٢- وما أكله الورثة من أموال الربى، يلزمهم التوبة منه، إذا كانوا عالمين بحرمته، وينبغي لهم الاجتهاد في الدعاء لوالدهم أن يتجاوز الله عنه، فإن أكل الربا كبيرة من كبائر الذنوب. وقانا الله والمسلمين ذلك. ٣- وليس للورثة من الشهادات المذكورة إلا رأس المال، وأما الفوائد المحرمة فلا يجوز أخذها، فإن أبى البنك إلا أن يأخذها الورثة، فإنها تؤخذ من البنك وتعطى للفقراء والمساكين أو تصرف في مصالح المسلمين تخلصاً منها انظر السؤال رقم ٢٠٦٩٥. وإذا وُجد بنك إسلامي، تنضبط معاملاته بالشرع، جاز استثمار المال عن طريقه. والصدقة الجارية لها صور كثيرة منها بناء مسجد أو المساهمة في بنائه، أو شراء كتب لطلبة العلم الشرعي، أو شراء مصاحف توضع في مسجد، أو وقف بيت أو محل، على أن يصرف ريعهما على الفقراء أو الأيتام أو الأقارب أو طلبة العلم أو غيرهم حسبما يحدد الواقف، أو المساهمة بمال في بناء مستشفى خيري، ونحو ذلك، وتوجد في بعض البلدان هيئات مسئولة عن الوقف، يمكن الاتصال بها، وإنشاء الوقف أو المساهمة فيه عن طريقها. وخير ما تنفعون به إباكم بعد موته الدعاء له، فاجتهدوا له في الدعاء بأن يتغمده الله برحمته الواسعة، ويتجاوز عن سيئاته. نسأل الله تعالى أن يتقبل منك ويعينكم على بر والدكم. والله تعالى أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 8892

الدية توزع على الورثة كسائر التركة [السُّؤَالُ] ـ[إذا مات رجل بحادث سيارة، وأخذت الدية من السائق لأنه كان هو المخطئ، فهل تقسم الدية على الورثة كالميراث؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله دية المقتول تقسم على ورثته كالميراث، وقد روى أبو داود (٢٩٢٧) أَنْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ كَانَ يَقُولُ: الدِّيَةُ لِلْعَاقِلَةِ [العصبة] ، وَلَا تَرِثُ الْمَرْأَةُ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا شَيْئًا، حَتَّى قَالَ لَهُ الضَّحَّاكُ بْنُ سُفْيَانَ ﵁: كَتَبَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أُوَرِّثَ امْرَأَةَ أَشْيَمَ الضِّبَابِيِّ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا. فَرَجَعَ عُمَرُ. وصححه الألباني في صحيح أبي داود. وروى أبو داود (٤٥٦٤) عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (قَضَى إِنَّ الْعَقْلَ [الدية] مِيرَاثٌ بَيْنَ وَرَثَةِ الْقَتِيلِ عَلَى قَرَابَتِهِمْ، فَمَا فَضَلَ فَلِلْعَصَبَةِ) وحسنه الألباني في صحيح أبي داود. فهذان الحديثان يدلان على أن دية المقتول تقسم على ورثته كسائر الأموال التي تركها. ولهذا قال ابن قدامه ﵀: "ودية المقتول موزعة عنه، كسائر أمواله" انتهى. "المغني" (٩/١٨٤) . وسئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء: من الجاري بقريتنا أنه إذا قتل رجل فإن ديته توزع كالآتي: ثلث لورثته، ثلث لأقاربه، ثلث لعامة الجماعة بصندوقهم، نرجو إفتاءنا هل هذا جائز أما لا؟ فأجابوا: "توزيع الدية كما ذكر في السؤال غير جائز، والحكم الشرعي فيها أن توزع على ورثة الميت كسائر تركته بعد تسديد دينه إن كان مديناً، وتنفيذ وصيته الشرعية إن كان أوصى، فإن تنازل الورثة أو بعضهم عن شيء من ميراثه للأقارب أو للصندوق بعد سداد الدين وتنفيذ الوصية فهو جائز، بل من باب البر والإحسان، وإنما يعتبر التنازل من البالغ الراشد" انتهى. الشيخ عبد العزيز بن باز ... الشيخ عبد الرزاق عفيفي ... الشيخ عبد الله بن غديان ... الشيخ عبد الله بن قعود. "فتاوى اللجنة الدائمة" (١٦/٤٣٥) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 8893

إذا كان المقتول عليه دين أو له وصية فلا يجوز لورثته أن يتنازلوا عن الدية [السُّؤَالُ] ـ[هل لأولياء المقتول خطأ العفو عن الدية، والمقتول عليه دينٌ وله وصية؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله "إذا كان المقتول عليه دين وله وصية فإنه لا يحل للورثة أن يتنازلوا عن شيء من الدية إلا بعد قضاء الدين والوصية؛ لأن حق الورثة لا يَرِدْ إلا بعد الدين والوصية، كما قال تعالى: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ) النساء/١١.. (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ) النساء/١٢.. (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ) النساء/١٢.. (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ) النساء/١٢، وإذا تنازلوا فالتنازل غير صحيح، وإذا كان تنازلهم عند المحكمة يجب أن يرجعوا إلى المحكمة ويخبروا القاضي أن المقتول عليه دين وله وصية فيؤخذ الدين أولاً، ثم الوصية ثانياً، والباقي للورثة. وأيضاً: لا بد أن يكون الورثة راشدين، أي: بالغين عاقلين، حسني التصرف، فإن كان فيهم قُصَّر فليس لأحدٍ من الورثة أن يتنازل عن حق هؤلاء القُصَّر إلا إذا ضِمِنَهُ لهم" انتهى. فضيلة الشيخ محمد بن عثيمين ﵀. "لقاءات الباب المفتوح" (١/٢٦٠) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 8894

حكم الإجهاض وطلاق الحامل والتضييق على الزوجة لتتنازل عن حقها [السُّؤَالُ] ـ[ما حكم الدين في: زوج حاول إجهاض زوجته في شهرها الثاني لرغبته في تطليقها بإعطائها دواء لذلك رغماً عنها إلا أنه لم يتم إجهاضها؟ وهل ذلك حلال أم حرام؟ وما هي كفارة ذلك العمل؟ وهل يجوز تطليق الزوجة وهى حامل؟ وما الحكم أيضاً في إجبار الزوجة في التنازل عن حقوقها قبل طلاقها؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله: أولاً: إجهاض الحمل لا يجوز سواء نفخت في الروح أم لا، غير أنه بعد نفخ الروح فيه تحريمه أشد ومن أمرها زوجها بالإجهاض فلا يحل لها أن تطيعه. قال الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀: أما السعي لإسقاط الحمل فلا يجوز ذلك ما لم يتحقق موته فإن تحقق ذلك جاز. " مجموع فتاوى الشيخ ابن إبراهيم " (١١ / ١٥١) . قال الشيخ صالح الفوزان حفظه الله: أولاً: إجهاض الحمل لا يجوز، فإذا وجد الحمل فإنه يجب المحافظة عليه، ويحرم على الأم أن تضر بهذا الحمل، وأن تضايقه بأي شيء؛ لأنه أمانة أودعها الله في رحمها وله حق فلا يجوز الإساءة إليه أو الإضرار به أو إتلافه. والأدلة الشرعية تدل على تحريم الإجهاض وإسقاط الحمل. وكونها لا تلد إلا بعملية ليس هذا مسوغًا للإجهاض، فكثير من النساء لا تلد إلا بعملية فهذا ليس عذراً لإسقاط الحمل. ثانيًا: إذا كان هذا الحمل قد نفخت فيه الروح وتحرك ثم أجهضته بعد ذلك ومات: فإنها تعتبر قد قتلت نفسًا فعليها الكفارة وهي عتق رقبة، فإن لم تجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله، وذلك إذا مضت له أربعة أشهر، فإنه حينئذ يكون قد نفخت فيه الروح، فإذا أجهضته بعد ذلك وجبت عليها الكفارة كما ذكرنا، فالأمر عظيم لا يجوز التساهل فيه، وإذا كانت لا تتحمل الحمل لحالة مرضية: فعليها أن تتعاطى من الأدوية ما يمنع الحمل قبل وجوده، كأن تأخذ الحبوب التي تؤخر الحمل عنها فترة حتى تعود إليها صحتها وقوتها. " المنتقى " (٥ / ٣٠١، ٣٠٢) . باختصار. وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: عن رجل قال لزوجته: أسقطي ما في بطنك والإثم عليَّ، فإذا فعلتْ هذا وسمعتْ منه، فما يجب عليهما من الكفارة؟ . فأجاب: إن فعلتْ ذلك: فعليهما كفارة عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجدا فصيام شهرين متتابعين وعليهما غُرَّةٌ عبدٌ أو أَمَةٌ لوارثه الذي لم يقتله، لا للأب فإن الأب هو الآمر بقتله، فلا يستحق شيئًا. وقوله (غُرَّةٌ عبدٌ أو أَمَةٌ) هذه هي دية الجنين، قيمة عبدٍ أو أمة ٍ. ويقدرها العلماء بعشر دية الأم. وقد سبق ذِكر حكم الإجهاض في أكثر من جواب فانظر: (١٣٣١٧) و (٤٢٣٢١) و (١٢٧٣٣) ثانياً: وأما طلاق الحامل فهو طلاق سنة، وقد انتشر بين كثير من العامة أنه مخالف للسنة، وقولهم لا أصل له ولا دليل عليه. وقد روى مسلم (١٤٧١) قصة طلاق ابن عمر لامرأته وفيه قول النبي ﷺ (مُرْه فليراجعها ثم ليطلقها طاهراً أو حاملاً) . قال ابن عبد البر: وأما الحامل فلا خلاف بين العلماء أن طلاقها للسنة من أول الحمل إلى آخره لأن عدتها أن تضع حملها وكذلك ثبت عن النبي ﷺ في حديث ابن عمر أنه أمره أن يطلقها طاهرا أو حاملا ولم يخص أول الحمل من آخره. " التمهيد " (١٥ / ٨٠) . وقد ذكرنا فتوى الشيخ عبد العزيز بن باز – ﵀ – في حكم طلاق الحامل في جواب السؤال رقم (١٢٢٨٧) . ثالثاً: لا يحل للزوج أن يأخذ شيئًا من مال زوجته شيئاً إلا إذا طابت به نفسها ومنه مال مهرها إلا إن جاءت بفاحشة مبينة؛ لقول الله : (فإن طبن لكم عن شيء منه نفسًا فكلوه هنيئًا مريئًا) [النساء / ٤] ؛ ولقوله : (وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ) [النساء / ١٩] . قال ابن قدامة: وأجمعوا على تحظير أخذ مالها إلا أن يكون النشوز وفساد العشرة من قِبَلها، وحكى ابن المنذر عن النعمان أنه قال: إذا جاء الظلم والنشوز من قِبَله وخالعتْه: فهو جائز ماض وهو آثم لا يحل له ما صنع ولا يجبر على رد ما أخذه! قال ابن المنذر: وهذا من قوله خلاف ظاهر كتاب الله، وخلاف الخبر الثابت عن النبي ﷺ ، وخلاف ما أجمع عليه عامة أهل العلم. " المغني " (٣ / ١٣٧) . قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٣٢/٢٨٣) : فلا يحل للرجل أن يعضل المرأة بأن يمنعها ويضيِّق عليها حتى تعطيه بعض الصداق، ولا أن يضربها لأجل ذلك، لكن إذا أتت بفاحشة مبينة: كان له أن يعضلها لتفتدي منه، وله أن يضربها، وهذا فيما بين الرجل وبين الله، وأما أهل المرأة فيكشفون الحق مع من هو فيعينونه عليه، فإن تبيَّن لهم أنها هي التي تعدت حدود الله وآذت الزوج في فراشه: فهي ظالمة متعدية فلتفتد منه. اهـ. ومعنى الفاحشة المبينة المذكورة في قوله تعالى: (وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ) [النساء / ١٩] الزنا وعدم الفقه، وسوء العشرة، كالكلام الفاحش وأذيتها لزوجها. انظر تفسير السعدي ص٢٤٢ـ. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 8895

هل يأخذون دية ميتهم من شركة التأمين ؟ [السُّؤَالُ] ـ[تفرض الدولة في بلدنا تأمينا إجباريّاً على السيارات، ولا يستفيد منه صاحب السيارة بشيء، فإذا قامت هذه السيارة بضرب شخصٍ ما وأدى هذا الحادث لإصابته أو وفاته يقوم أهله برفع قضية على شركة التأمين ويؤدي هذا لتعويض أهل المصاب أو المتوفى، وهذا التعويض لا يتأثر به صاحب السيارة سلباً أو إيجاباً، فما الحكم في ذلك؟ مع العلم أن أهل المتوفى يعفون عن صاحب السيارة والدولة تحكم بالقوانين الوضعية؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: التأمين التجاري من العقود المحرمة، وهو حرام بجميع صوره، ولا يجوز لأحد أن يشترك فيه إلا أن يضطر لذلك كأن يكون مكرهاً، وقد سبق بيان حكمه في جواب السؤال رقم (٨٨٨٩) و (٣٩٤٧٤) فلينظرا. ثانياً: حرمة الاشتراك في التأمين لا تعني حرمة أخذ الحق من شركة التأمين إن التزمت بدفع الحق عمن وقع منه الحادث. وعليه: فلا مانع من أخذ دية المقتول خطأً أو المصاب في الحادث من أي جهة أحيل عليها مستحقوها من قِبَل القاتل أو من القضاء، سواء كانت شركة تأمين أو غيرها؛ لأن مستحقي الدية أصحاب حق، وهم غير مسؤولين عن حلِّ معاملة الطرف الآخر مع شركة تأمينه. وقد سألنا فضيلة الشيخ ابن جبرين عن أخذ التعويض من شركة التأمين، فأجاب: " يجوز ذلك، لأن هذه الشركات التزمت أنها تتحمل ما يحدث من هذا الإنسان الذي أمَّن عندها، ولا يتورع عن ذلك مادام أنهم ملتزمون بدفع التعويض، ولا يبقى على من ارتكب الحادث - في حال حصول وفاة - إلا كفارة القتل الخطأ، إذا كان الحادث بسبب خطأ منه ". والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 8896

أخذ الإرث من والده الكافرعلى أنه دية لقتله والدته [السُّؤَالُ] ـ[قتل والدي والدتي وأنا صغير حيث كنت آنذاك في ١٥ من عمري. والداي كافران, وعندما وقع القتل كنت على غير الإسلام أنا أيضا. لم يُسجن والدي بسبب جريمته , وهو الآن في أرذل العمر, وقد يموت قريبا. والدي يخطط في أن يترك لي مالا كثيرا. فهل يجوز لي قبول هذا المال؟ وهل تعتبر ديّة؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله عرضنا السؤال التالي على فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين فأجاب حفظه الله بقول: إذا كان سيعطيك إياه على أنه دية فلا تأخذه لأنه كافر وأنت مسلم ولا يرث المسلم من الكافر، والدية من الإرث، وإذا كان سيعطيك إياه تطييباً لخاطرك فلا بأس أن تأخذه، والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 8897

قتل رجلاً ثم انتحر فهل لأولياء القتيل المظلوم حق مالي [السُّؤَالُ] ـ[قتل شخص آخر ثم نحر نفسه، هل لأولياء القتيل المظلوم أي حق مالي عند أولياء القاتل المنتحر؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله عرضنا هذا السؤال على فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين فأجاب حفظه الله: لأولياء المقتول الدية في مال القاتل إن كان له مال، فإن لم يكن له مال فما لهم على العاقلة (من حقّ) . [الْمَصْدَرُ] الشيخ محمد بن صالح العثيمين

стр. 8898

زوج يجبر امرأته على إسقاط الحمل [السُّؤَالُ] ـ[ما الحكم في زوج حاول إجهاض زوجته في شهرها الثاني لرغبته في تطليقها بإعطائها دواء لذلك رغماً عنها إلا أنه لم يتم إجهاضها؟ وهل ذلك حلال أم حرام؟ وما هي كفارة ذلك العمل؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله إجهاض الحمل لا يجوز، سواء نفخت فيه الروح أم لا، غير أنه بعد نفخ الروح فيه تحريمه أشد. ومن أمرها زوجها بالإجهاض فلا يحل لها أن تطيعه. قال الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀: أما السعي لإسقاط الحمل فلا يجوز ذلك ما لم يتحقق موته فإن تحقق ذلك جاز. " مجموع فتاوى الشيخ ابن إبراهيم " (١١ / ١٥١) . وقال الشيخ صالح الفوزان حفظه الله: أولاً: إجهاض الحمل لا يجوز، فإذا وجد الحمل فإنه يجب المحافظة عليه، ويحرم على الأم أن تضر بهذا الحمل، وأن تضايقه بأي شيء؛ لأنه أمانة أودعها الله في رحمها وله حق فلا يجوز الإساءة إليه أو الإضرار به أو إتلافه. والأدلة الشرعية تدل على تحريم الإجهاض وإسقاط الحمل. وكونها لا تلد إلا بعملية ليس هذا مسوغًا للإجهاض، فكثير من النساء لا تلد إلا بعملية فهذا ليس عذراً لإسقاط الحمل. ثانيًا: إذا كان هذا الحمل قد نفخت فيه الروح وتحرك ثم أجهضته بعد ذلك ومات: فإنها تعتبر قد قتلت نفسًا فعليها الكفارة وهي عتق رقبة، فإن لم تجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله، وذلك إذا مضت له أربعة أشهر، فإنه حينئذ يكون قد نفخت فيه الروح، فإذا أجهضته بعد ذلك وجبت عليها الكفارة كما ذكرنا، فالأمر عظيم لا يجوز التساهل فيه، وإذا كانت لا تتحمل الحمل لحالة مرضية: فعليها أن تتعاطى من الأدوية ما يمنع الحمل قبل وجوده، كأن تأخذ الحبوب التي تؤخر الحمل عنها فترة حتى تعود إليها صحتها وقوتها. " المنتقى " (٥ / ٣٠١، ٣٠٢) . باختصار. وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: عن رجل قال لزوجته: أسقطي ما في بطنك والإثم عليَّ، فإذا فعلتْ هذا وسمعتْ منه، فما يجب عليهما من الكفارة؟ . فأجاب: إن فعلتْ ذلك: فعليهما كفارة عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجدا فصيام شهرين متتابعين وعليهما غُرَّةٌ عبدٌ أو أمَةٌ لوارثه الذي لم يقتله، لا للأب فإن الأب هو الآمر بقتله، فلا يستحق شيئًا اهـ. وقوله: (غُرَّةٌ عبدٌ أو أمةٌ) هذه هي دية الجنين، قيمة عبد أو أمة، ويقدرها العلماء بعشر دية أمه. وقد سبق ذِكر حكم الإجهاض في أكثر من جواب فانظر: (١٣٣١٧) و (٤٢٣٢١) و (١٢٧٣٣) وأما كفارة ذلك، فحيث إن الحمل في الشهر الثاني أي قبل نفخ الروح فيه، ولم يتم إسقاطه فلا تجب بذلك كفارة، وإنما تجب التوبة إلى الله تعالى من هذا الفعل المحرم. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 8899

معنى التعزير [السُّؤَالُ] ـ[ما معنى الحكم بالقتل تعزيرا؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله العقوبات في الشريعة الإسلامية ثلاثة أنواع: ١- القصاص: في جرائم القتل والتعدي على الأطراف والجنايات. ٢- الحدود: وهي العقوبات المقدرة شرعا: كحد الزنى، وحد السرقة، ونحوهما. ٣- التعزير: وهو التأديب على ذنوب لم تشرع فيها الحدود. " الأحكام السلطانية " للماوردي (ص/٢٣٦) . فإذا ارتكب أحدهم مخالفة شرعية لم يرد الشرع بتقدير عقوبة خاصة بها، ورأى القاضي أنها من الخطورة بقدر بحيث تستحق العقوبة عليها، فإن له أن يعاقب هذا المتعدي بما يراه مناسبا لجرمه وذنبه، وهذا ما يسميه الفقهاء بـ " التعزير "، وله أحكام وتفصيلات كثيرة مذكورة في مطولات الفقه. ولما كان مقصد التعزير هو التأديب، كان الأصل ألا يبلغ التعزير إلى حد القتل بحال من الأحوال، لكن لما رأى الفقهاء أن بعض الأدلة الصريحة من الكتاب والسنة تدل على إيقاع عقوبة القتل على هذا الوجه، كانت لهم بعض الاستثناءات التي تجيز القتل كعقوبة تعزيرية وليست حدية، وذلك لخطر بعض الجرائم العظيمة، ولتحقيق المصلحة العامة للدولة والمجتمع الإسلامي. جاء في " الموسوعة الفقهية " (١٢/٢٦٣) : " الأصل: أنه لا يبلغ بالتعزير القتل، وذلك لقول الله تعالى: (ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق) الأنعام/١٥١، وقول النبي ﷺ : (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة) متفق عليه. وقد ذهب بعض الفقهاء إلى جواز القتل تعزيرا في جرائم معينة بشروط مخصوصة، من ذلك: ١- قتل الجاسوس المسلم إذا تجسس على المسلمين: وذهب إلى جواز تعزيره بالقتل مالك، وبعض أصحاب أحمد، ومنعه أبو حنيفة، والشافعي، وأبو يعلى من الحنابلة، وتوقف فيه أحمد. ومن ذلك: ٢- قتل الداعية إلى البدع المخالفة للكتاب والسنة كالجهمية: ذهب إلى ذلك كثير من أصحاب مالك، وطائفة من أصحاب أحمد. ٣- وأجاز أبو حنيفة التعزير بالقتل فيما تكرر من الجرائم، إذا كان جنسه يوجب القتل، كما يقتل من تكرر منه اللواط أو القتل بالمثقل. ٤- وقال ابن تيمية: وقد يستدل على أن المفسد إذا لم ينقطع شره إلا بقتله فإنه يقتل، بما رواه مسلم في صحيحه عن عرفجة الأشجعي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم، أو يفرق جماعتكم فاقتلوه) " انتهى. قال الشيخ بكر أبو زيد ﵀: " يظهر من مباحث القتل تعزيرا على سبيل الإجمال والتفصيل: أن القتل تعزيرا مشروع عند عامة الفقهاء، على التوسع عند البعض، والتضييق عند آخرين في قضايا معينة. وأن القول الصحيح الذي يتمشى مع مقاصد الشرع وحماية مصالح الأمة وحفظ الضروريات من أمر دينها ودنياها: هو القول بجواز القتل تعزيرا حسب المصلحة، وعلى قدر الجريمة، إذا لم يندفع الفساد إلا به، على ما اختاره ابن القيم رحمه الله تعالى." انتهى. " الحدود والتعزيرات عند ابن القيم " (ص/٤٩٣) وقال الشيخ عبد القادر عودة ﵀: " الأصل في الشريعة أن التعزير للتأديب، وأنه يجوز من التعزير ما أمنت عاقبته غالباً، فينبغي أن لا تكون عقوبة التعزير مهلكة، ومن ثم فلا يجوز في التعزير قتل ولا قطع. لكن الكثيرين من الفقهاء أجازوا ـ استثناءً من هذه القاعدة العامة ـ أن يعاقب بالقتل تعزيراً إذا اقتضت المصلحة العامة تقرير عقوبة القتل، أو كان فساد المجرم لا يزول إلا بقتله، كقتل الجاسوس والداعية إلى البدعة ومعتاد الجرائم الخطيرة. وإذا كان القتل تعزيراً قد جاء استثناء من القاعدة، فإنه لا يتوسع فيه، ولا يترك أمره للقاضي ككل العقوبات التعزيرية، بل يجب أن يعين ولي الأمر الجرائم التي يجوز فيها الحكم بالقتل. وقد اجتهد الفقهاء في تعيين هذه الجرائم وتحديدها، ولم يبيحوا القتل إلا إذا اقتضت الضرورة ذلك، بأن كان المجرم قد تكررت جرائمه ويُئِس من إصلاحه، أو كان استئصال المجرم ضرورياً لدفع فساده وحماية الجماعة منه. ويبيح الحنفيون عامة القتل تعزيراً ويسمونه القتل سياسة، ويرى بعض الحنابلة هذا الرأي وعلى الأخص ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، ويأخذ بهذا الرأي قليل من المالكية، ولكن أكثر الجرائم التي يبيح فيها الحنفية القتل تعزيراً، أو سياسةً، يعاقب عليها حداً أو قصاصاً في المذاهب الأخرى، فما يظن توسعاً في مذهب الحنفية من هذه الوجهة، هو توسع ظاهري في أكثر الحالات. فمثلاً يبيح الحنفية القتل تعزيراً في جريمة القتل بالمثقل، وفي جريمة اللواط، ولا يرون القتل قصاصاً في الحالة الأولى، أو حداً في الحالة الثانية، بينما يرى مالك والشافعي وأحمد قتل القاتل بالمثقل قصاصاً، وقتل اللائط والملوط به حداً، ويرى بعض الحنابلة والمالكية قتل الداعية إلى البدعة تعزيراً، بينما يراه غيرهم مرتداً بدعوته للبدعة فيقتل حداً. والقتل تعزيراً بالشروط السابقة لا يمكن أن يكون إلا في جرائم تعزيرية محدودة العدد، وقد رأينا فيما سبق أن الشريعة جعلت القتل عقوبة في أربع جرائم من جرائم الحدود، وهي: الزنا، والحرابة، والردة، والبغي. وجعلته عقوبة في جريمة واحدة من القصاص، وهي القتل العمد. فإذا قدرنا أن الجرائم التعزيرية التي يمكن العقاب عليها بالقتل تصل إلى خمس جرائم أيضاً، كانت كل الجرائم المعاقب عليها بالقتل في الشريعة لا تزيد على عشر جرائم عند من يجيزون القتل تعزيراً، وكان عددها لا يزيد على خمس جرائم عند من لا يبيحون القتل تعزيراً، وتلك ميزة انفردت بها الشريعة الإسلامية من يوم نزولها، فهي لا تسرف في عقوبة القتل ولا تفرضها دون مقتض. ونستطيع أن نحيط بمدى تفوق الشريعة في هذه الوجهة إذا علمنا أن القوانين الوضعية كانت إلى أواخر القرن الثامن عشر تسرف في عقوبة القتل إلى حد بعيد، بحيث كان القانون الإنجليزي ـ مثلاً ـ يعاقب على مائتي جريمة بالإعدام، والقانون الفرنسي يعاقب على مائة وخمس عشرة جريمة بالإعدام. " انتهى. " التشريع الجنائي في الإسلام " (١/٦٨٧-٦٨٩) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 8900

تعريف العقوبة التعزيرية [السُّؤَالُ] ـ[ما هي التعزيرات، ومتى تنفذ؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: "التعزير" في اللغة مصدر من الفعل المضعف: عزَّر، بتشديد الزاي. قال المرتضى الزبيدي: " العَزْرُ: اللَّوْمُ، يُقَال: عَزَرَه يَعْزِرُه، بالكَسْر، عَزْراً، بالفَتح، وعَزَّرَهُ تَعْزِيراً: لامَهُ ورَدَّهُ " انتهى. " تاج العروس " (١٣/٢٠) . ثانيا: التعزير شرعا: تختلف كلمة أهل الاصطلاح في تعريفه، على وجوه، منها ما يلي: الحنفية: قال الجرجاني وابن الهمام: التعزير: هو تأديب دون الحد. " التعريفات " (ص/٥٥) ، " شرح فتح القدير " (٥/١١٢) المالكية: أما المالكية فلم نر لهم تعريفا للتعزير، لأنهم لا يعقدون للتعزير بابا ولا فصلا مستقلا، بل يدرجون أحكامه في أخريات (باب الشرب) مع أحكام الصيال والضمان ونحو ذلك. لكن نستطيع أن نأخذ تعريفهم له من بيانهم لمواضع التعزير على ما ذكره خليل، وابن عرفة، فيقال: التعزير هو التأديب لحق الله أو لآدمي غير موجب للحد. " جواهر الإكليل " (٢/٣٩٦) الشافعية: قال الماوردي، وعنه نقل النووي: التعزير: هو التأديب على ذنوب لم تشرع فيها الحدود. " الأحكام السلطانية " (ص/٢٣٦) وقال الرملي: التعزير: هو التأديب في كل معصية لله أو لآدمي لا حد لها ولا كفارة. " نهاية المحتاج " (٨/١٦) الحنابلة: اختلفت كلمة الحنابلة في حد التعزير على وجوه، منها: مثل تعريفه لدى الحنفية سواء، الثاني: تعريف بمطلق التأديب. الثالث: نحو تعريف الماوردي لدى الشافعية. الرابع: تعريف المجد ابن تيمية إذ يقول: التعزير: هو التأديب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة. فنخلص من هذه التعاريف أن نقول: إن الفصل الأول من التعريف: وهو التأديب، محل اتفاق لدى الجميع في التعريف. والفصل الثاني: وهو قولهم: في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة ينبغي أن يكون محل اتفاق أيضا. فيكون التعريف المتفق عليه أن يقال: التعزير هو: التأديب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة. هذه المباحث منقولة باختصار من كتاب " الحدود والتعزيرات عند ابن القيم "، للشيخ بكر أبو زيد ﵀ (٤٥٩-٤٦٢) . ثالثا: أما في دواعي تنفيذ التعزير، فننقل فيه هنا ما جاء في " الموسوعة الفقهية " (١٢/٢٥٧-٢٥٨) : " المعاصي التي شرع فيها التعزير: المعصية: فعل ما حرم، وترك ما فرض، يستوي في ذلك كون العقاب دنيويا أو أخرويا. أجمع الفقهاء على: أن ترك الواجب أو فع المحرم معصية فيها التعزير، إذا لم يكن هناك حد مقدر، ومثال ترك الواجب عندهم: منع الزكاة، وترك قضاء الدين عند القدرة على ذلك، وعدم أداء الأمانة، وعدم رد المغصوب، وكتم البائع ما يجب عليه بيانه، كأن يدلس في المبيع عيبا خفيا ونحوه، والشاهد والمفتي والحاكم يعزرون على ترك الواجب. ومثال فعل المحرم: سرقة ما لا قطع فيه، لعدم توافر شروط النصاب أو الحرز مثلا، وتقبيل الأجنبية، والخلوة بها، والغش في الأسواق، والعمل بالربا، وشهادة الزور. وقد يكون الفعل مباحا في ذاته لكنه يؤدي لمفسدة، وحكمه عند كثير من الفقهاء - وعلى الخصوص المالكية - أنه يصير حراما، بناء على قاعدة سد الذرائع، وعلى ذلك فارتكاب مثل هذا الفعل فيه التعزير، ما دام ليست له عقوبة مقدرة. وقد اختلف في تعزير تارك المندوب، وفاعل المكروه، ففريق من الفقهاء على عدم جوازه؛ لعدم التكليف، ولا تعزير بغير تكليف. وفريق أجازه، استنادا على فعل عمر ﵁، فقد عزر رجلا أضجع شاة لذبحها، وأخذ يحد شفرته وهي على هذا الوضع، وهذا الفعل ليس إلا مكروها، ويأخذ هذا الحكم من يترك المندوب. وقال القليوبي: قد يشرع التعزير ولا معصية، كتأديب طفل، وكافر، وكمن يكتسب بآلة لهو لا معصية فيها " انتهى باختصار. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 8901

قذف الزوج لزوجته لا يلغي النكاح بينهما [السُّؤَالُ] ـ[تفاقمت المشاكل بيني وبين زوجي في الفترة الأخيرة حيث يتهمني بالخيانة وهذا ما لم أفعله، كما أنه يسبني بأقبح الألفاظ، وهو مما ينكسر له قلبي. ولقد أخبرني أئمة المساجد في منطقتي وأهلي بأنه باتهامه لي بالزنا بلا بينة أو شهود لم أعد زوجته ولم يعد زواجنا صحيحا شرعا. فهل هذا الرأي صحيح؟ ... ]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: الرأي الذي قيل لك غير صحيح، فقذف الزوج لزوجته بالزنا لا يترتب عليه فساد النكاح، لكن إذا طالبت الزوجة بحقها الشرعي في ذلك، (وهو إقامة حد القذف على الزوج) فيُلزم الزوج أحد أمرين: إما أن يأتي بأربعة شهود يشهدون على الزنا، وإما أن يلاعن زوجته، فإن لم يفعل واحدا من الأمرين استحق أن يجلد حد القذف، وحُكم بفسقه، وردت شهادته، وحد القذف أن يجلد ثمانين جلدة، كما قال تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ* إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ * وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنْ الْكَاذِبِينَ * وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنْ الْكَاذِبِينَ * وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنْ الصَّادِقِينَ) النور/٤-٩. وينظر في بيان صفة اللعان جواب السؤال رقم (١٠١٧٧١) . ثانياً: الواجب على الزوج أن يتقي الله في نفسه، وأن يكف لسانه عن الكلام المحرم، من السب وغيره، وأن يعلم أنه محاسب مسؤول عن ذلك كله. وينبغي أن تجدي الوسيلة المناسبة لنصحه وتذكيره، ولو بالاستعانة بأحد أصدقائه أو أقاربه، لعل الله أن يهديه ويرده إلى صوابه. والزوج إن قامت لديه الشكوك في حال زوجته، ولم يجد بينة على زناها، ولم يكن هناك ولد يحتاج أن ينفيه باللعان، فإما أن يمسكها بالمعروف، ويحسن إليها، وإما أن يطلقها بالمعروف، فإن الله تعالى شرع الطلاق مخرجا للزوجين حين تسوء العلاقة بينهما، ولا يجوز له أن يمسكها ويؤذيها ويقترف الحرام بالسب والقذف والإهانة. ولك أيتها الأخت الكريمة أن تطلبي الطلاق لما يلحقك من الضرر، فإن اخترت البقاء معه، ورضيت بالصبر، رجاء أن ينصلح حاله، فهذا لك، وأنت مأجورة إن شاء الله. ونوصيك بالإقبال على الله تعالى، وسؤاله أن يهدي زوجك، وأن يصلح حالكما، فإن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 8902

قصة باطلة منسوبة إلى عمر بن الخطاب ﵁ [السُّؤَالُ] ـ[أخبرني شخص أن عمر أو أبو بكر ﵄ قد جاء إلى علي ﵁ وقت توليه القضاء، وقال: إنه رأى فلانا قد ارتكب الزنا، فما كان من علي إلا أن قال: إن لم يكن لديك أربعة شهود فالتزم الصمت ولا تنطق بشيء. فهل هناك ما يثبت صحة هذه الرواية؟ وهل هذا حديث صحيح؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله: أولاً: من الأحكام المتفق عليها بين علماء المسلمين أن الزنا لا يثبت إلا بشهادة أربعة رجال؛ لقوله تعالى: (وَاللَاّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ) النساء/١٥، وقَوْله: (لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ) النور/١٣. قال ابن المنذر: "وأجمعوا على أن الشهادة على الزنا أربعة لا يُقبل أقل منهم" انتهى. "الإجماع " ص ٤٢. فإن نقص عدد الشهود عن أربعة، وجب عليهم السكوت، ولم يجز لهم اتهامه بالزنا، فإن تكلموا بذلك رُدت شهادتهم، وأُقيم عليهم حد القذف، لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً) النور/٤. ولما رواه النسائي (٣٤٦٩) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ شَرِيكَ بْنَ السَّحْمَاءِ بِامْرَأَتِهِ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : (أَرْبَعَةَ شُهَدَاءَ، وَإِلَّا فَحَدٌّ فِي ظَهْرِكَ) . وصححه الألباني. قال ابن قدامة: "وإذا لم تَكمل شهود الزنا، فعليهم الحدُّ في قول أكثر أهل العلم" انتهى. "المغني " (١٠ /١٧٥) . وذلك حتى لا تُتَّخذ صورةُ الشهادة ذريعةً إلى الوقيعة في أعراض الناس. ثانياً: أما القصة التي أشرت إليها، فقد ذكرها أبو حامد الغزالي في كتابه "إحياء علوم الدين" (٢/٢٠٠) ، فقال: "روى أن عمر ﵁ كان يَعُسُّ [يطوف ليلاً] بالمدينة ذات ليلة، فرأى رجلاً وامرأةً على فاحشة. فلما أصبح قال للناس: أرأيتم لو أن إماماً رأى رجلاً وامرأةً على فاحشة، فأقام عليهما الحد، ما كنتم فاعلين. قالوا: إنما أنت إمام. فقال علي ﵁: ليس ذلك لك، إذاً يقام عليك الحد، إن الله لم يأمن على هذا الأمر أقل من أربعة شهود. ثم تركهم ما شاء الله أن يتركهم. ثم سألهم، فقال القوم مقالتهم الأولى، فقال علي ﵁ مثل مقالته الأولى" انتهى. ثم قال أبو حامد الغزالي: "وهذا يشير إلى أن عمر ﵁ كان متردداً في أن الوالي هل له أن يقضي بعلمه في حدود الله، فلذلك راجعهم ... خيفة من أن لا يكون له ذلك فيكون قاذفاً بإخباره، ومالَ رأى علي إلى أنه ليس له ذلك" انتهى. وهذه القصة التي ذكرها الغزالي لم نقف عليها ـ بعد البحث ـ مروية بسندها، حتى نستطيع الحكم بصحتها، ومن المعروف أنَّ الغزالي ممن يتساهل في إيراد الأحاديث والروايات الضعيفة والموضوعة، خاصة في كتابه: " إحياء علوم الدين". وقد سبق الكلام عن هذا الكتاب وما فيه من أغاليط في جواب السؤال (٢٧٣٢٨) . وقد ورد عن أبي بكر وعمر ﵄ ما يخالف هذا الأثر الذي ذكره الغزالي، وذكره السائل بمعناه. فعن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: لَوْ رَأَيْتَ رَجُلًا عَلَى حَدٍّ: زِنًا أَوْ سَرِقَةٍ، وَأَنْتَ أَمِيرٌ، فَقَالَ: شَهَادَتُكَ شَهَادَةُ رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. قَالَ: صَدَقْتَ. رواه البخاري معلقاً، ووصله عبد الرزاق في المصنف (٨ / ٣٤٠) ، وأشار ابن القيم إلى ثبوته في " الطرق الحكمية" صـ ١٦٨. وقال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": "وقد جاء عن أبي بكر الصديق نحو هذا" انتهى. فهذا يدل على أن أبا بكر وعمر ﵄ كانا يريان أن الحاكم لا يحكم بما علمه ولم يشهد عليه شهود، وإنما يحكم بشهادة الشهود. ولا نستبعد أن يكون أعداء الصحابة الذين يسمون بـ "الشيعة" أو "الرافضة" هم الذين يرجون لمثل هذه الروايات، حتى يثبتوا بها أن علياً أعلم من عمر ﵄. وعِلْمُ عليٍّ ﵁ وفضله وحسن قضائه معلوم ظاهر، وأظهر منه: أن أبا بكر وعمر ﵄ كانا أفضل منه وأعلم، وهذا لا ينكره إلا من طمس الله بصيرته، وأعماه عن نور الوحي. قال ابن أبي العز في "شرح العقيدة الطحاوية": "وَتَرْتِيبُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ ﵃ أَجْمَعِينَ فِي الْفَضْلِ، كَتَرْتِيبِهِمْ فِي الْخِلَافَةِ. وَلِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ مِنَ الْمَزِيَّةِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَنَا بِاتِّبَاعِ سُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَلَمْ يَأْمُرْنَا بالاقْتِدَاءِ فِي الْأَفْعَالِ إِلَّا بِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَقَالَ: (اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي: أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ) ، وَفَرْقٌ بَيْنَ اتِّبَاعِ سُنَّتِهِمُ وَالِاقْتِدَاءِ بِهِمْ، فَحَالُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فَوْقَ حَالِ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ ﵃ أَجْمَعِينَ ... وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ تَقْدِيمُ عَلِيٍّ عَلَى عُثْمَانَ، وَلَكِنْ ظَاهِرُ مَذْهَبِهِ تَقْدِيمُ عُثْمَانَ عَلَى عَلِيٍّ. وَعَلَى هَذَا عَامَّةُ أَهْلِ السُّنَّةِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ لِعَلِيٍّ ﵁: إِنِّي قَدْ نَظَرْتُ فِي أَمْرِ النَّاسِ فَلَمْ أَرَهُمْ يَعْدِلُونَ بِعُثْمَانَ. وَقَالَ أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ: مَنْ لَمْ يُقَدِّمْ عُثْمَانَ عَلَى عَلِيٍّ فَقَدْ أَزْرَى بِالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: (كُنَّا نَقُولُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَيٌّ: أَفْضَلُ أُمَّةِ النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَهُ - أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ، ثُمَّ عُثْمَانُ) " انتهى. وعلق الشيخ أحمد شاكر ﵀ هنا بأن هذا الحديث الأخير رواه البخاري بلفظين آخرين، ولم يروه مسلم. وأن هذا اللفظ الذي ذكره ابن أبي العز ﵀ هو لفظ أبي داود في سننه. فرضي الله عن الصحابة أجمعين، وجعلنا ممن اتبعوهم بإحسان، (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 8903

حكم التهرب من دفع الغرامات والمخالفات المرورية [السُّؤَالُ] ـ[إذا أوقفت سيارتي في أماكن مخصصة تم منع الوقوف فيها، فإنه تفرض علي غرامة بسبب ذلك قد تصل إلى حوالي ١٠٠ دولار، وهذا مبلغ كبير جداً كي أدفعه. مع العلم أن الشارع خال من الناس ولا أسبب أي أذى لأحد. فهل يجوز لي أن أتجاهل دفعه، وهل من حقهم فرض مثل هذه الغرامات؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الغرامات التي تُفرَض على الناس بسبب مخالفة الأنظمة والقواعد المرورية تعد من باب التعزير بالمال. وفي جوازه خلاف بين العلماء. والذي نصره شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم جواز ذلك للأدلة الشرعية الكثيرة الدالة على ذلك. ينظر: "مجموع الفتاوى" (٢٨ /١٠٩) ، " الطرق الحكمية" صـ ٣٨٦. وقد سبق بيان ذلك في جواب السؤال (٢١٩٠٠) (٦٩٨٧٢) . وبناء على ذلك؛ فلا يجوز لمن وقع في شيء من مخالفة هذه القواعد والأنظمة التهرب من دفع الغرامات المترتبة عليها. ومن قرارات مجمع الفقه الإسلامي: "مما تقتضيه المصلحة سنُّ الأنظمة الزاجرة بأنواعها، ومنها: التعزير المالي لمن يخالف تلك التعليمات المنظمة للمرور؛ لردع من يُعرّض أمن الناس للخطر في الطرقات والأسواق من أصحاب المركبات ووسائل النقل الأخرى، أخذاً بأحكام الحسبة المقررة" انتهى. ومن المعلوم أن أنظمة المرور تمنع من إيقاف السيارات في أماكن معينة منعاً لحدوث الحوادث، أو منعاً للزحام.. أو لغير ذلك من المصالح، والواجب التقيد بهذه الأنظمة حفاظاً على السلامة العامة. وتقدير وجود الضرر في الوقوف في هذا المكان من عدمه لا يرجع فيه إلى الأفراد، وإنما يقدره أصحاب الشأن في هذه الأمور. فمن خالف تلك الأنظمة وفرضت عليه الغرامة، فلا يجوز له التهرب منها، لأنه عقوبة فرضت عليه بحق. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 8904

عقوبة ترويج المخدرات [السُّؤَالُ] ـ[ما الحكم الشرعي والقانوني في بيع وترويج المخدرات وحبوب الكابتجون؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله حرم الله تعالى الخمر وأمر باجتنابها، وبَيَّن أنها رجس من عمل الشيطان فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) المائدة/٩٠، ٩١. وبَيَّن النبي ﷺ أن الخمر ملعون بائعها وشاربها وحاملها، كما جاء في الحديث الذي رواه أبو داود (٣٦٧٤) وابن ماجه (٣٣٨٠) عن ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لَعَنَ اللَّهُ الْخَمْرَ، وَشَارِبَهَا، وَسَاقِيَهَا، وَبَائِعَهَا، وَمُبْتَاعَهَا، وَعَاصِرَهَا، وَمُعْتَصِرَهَا، وَحَامِلَهَا، وَالْمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ) . وصححه الألباني في صحيح أبي داود. ورواه الترمذي (١٢٩٥) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: (لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْخَمْرِ عَشْرَةً: عَاصِرَهَا، وَمُعْتَصِرَهَا، وَشَارِبَهَا، وَحَامِلَهَا، وَالْمَحْمُولَةُ إِلَيْهِ، وَسَاقِيَهَا، وَبَائِعَهَا، وَآكِلَ ثَمَنِهَا، وَالْمُشْتَرِي لَهَا، وَالْمُشْتَرَاةُ لَهُ) . والخمر: كل ما غطَّى العقل مما يحدث شيئاً من اللذة والنشوة. فيدخل في ذلك كل مسكر جامد وسائل. ولا شك أن كثيرا من أنواع المخدرات أعظم ضررا وفتكا وخطرا من الخمر، ولهذا لزم التشديد في شأن مروجيها ومهربيها؛ لما ينبني على عملهم من الشر والفساد. وقد صدر قرار من هيئة كبار العلماء بشأن ترويج المخدرات، وهذا نصه: " الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين، وبعد: فإن مجلس هيئة كبار العلماء في دورته التاسعة والعشرين المنعقدة بمدينة الرياض بتاريخ ٩ ٦ ١٤٠٧هـ وحتى ٢٠ ٦ ١٤٠٧هـ وقد اطلع على برقية خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز - حفظه الله - ذات الرقم س ٨٠٣٣ وتاريخ ١١ ٦ ١٤٠٧هـ والتي جاء فيها (نظراً لما للمخدرات من آثار سيئة، وحيث لاحظنا كثرة انتشارها في الآونة الأخيرة، ولأن المصلحة العامة تقتضي إيجاد عقوبة رادعة لمن يقوم بنشرها وإشاعتها، سواء عن طريق التهريب أو الترويج، نرغب إليكم عرض الموضوع على مجلس هيئة كبار العلماء بصفة عاجلة وموافاتنا بما يتقرر) . وقد درس المجلس الموضوع وناقشة من جميع جوانبه في أكثر من جلسة، وبعد المناقشة والتداول في الرأي واستعراض نتائج انتشار هذا الوباء الخبيث القتال تهريباً واتجاراً وترويجاً واستعمالاً، المتمثلة في الآثار السيئة على نفوس متعاطيها، وحملها إياهم على ارتكاب جرائم الفتك، وحوادث السيارات، والجري وراء أوهام تؤدي إلى ذلك، وما تسببه من إيجاد طبقة من المجرمين شأنهم العدوان وطبيعتهم الشراسة وانتهاك الحرمات، وتجاوز الأنظمة وإشاعة الفوضى لما تؤدي إليه بمتعاطيها من حالة من المرح والتهيج، واعتقاد أنه قادر على كل شيء، فضلاً عن اتجاهه إلى اختراع أفكار وهمية تحمله على ارتكاب الجريمة، كما أن لها آثاراً ضارة بالصحة العامة، وقد تؤدي إلى الخلل في العقل والجنون، نسأل الله العافية والسلامة، لهذا كله، فإن المجلس يقرر بالإجماع ما يلي: أولاً: بالنسبة للمهرب للمخدرات فإن عقوبته القتل، لما يسببه تهريب المخدرات وإدخالها البلاد من فساد عظيم لا يقتصر على المهرب نفسه، وأضرار جسيمة وأخطار بليغة على الأمة بمجموعها. ويلحق بالمهرب الشخص الذي يستورد أو يتلقى المخدرات من الخارج فيموّن بها المروجين. ثانياً: أما بالنسبة لمروج المخدرات فإن ما أصدره المجلس بشأنه في قراره رقم (٨٥) وتاريخ ١١/ ١١ /١٤٠١ـ كافٍ في الموضوع ونصه كما يلي: (الثاني: من يروجها سواء كان ذلك بطريق التصنيع أو الاستيراد بيعا وشراء أو إهداء ونحو ذلك من ضروب إشاعتها ونشرها، فإن كان ذلك للمرة الأولى فيعزر تعزيراً بليغاً بالحبس أو الجلد أو الغرامة المالية أو بهما جميعا حسبما يقتضيه النظر القضائي، وإن تكرر منه ذلك فيعزز بما يقطع شره عن المجتمع ولو كان ذلك بالقتل، لأنه بفعله هذا يعتبر من المفسدين في الأرض، وممن تأصل الإجرام في نفوسهم، وقد قرر المحققون من أهل العلم أن القتل ضَرْبٌ [أي: نوع] من التَعزير، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: " ومن لم يندفع فساده في الأرض إلا بالقتل قُتِل، مثل قتل المفرق لجماعة المسلمين الداعي للبدع في الدين ". إلى أن قال " وأمر النبي ﷺ بقتل رجل تعمد الكذب عليه، وسأله ابن الديلمي عن من لم ينته عن شرب الخمر فقال: من لم ينته عنها فاقتلوه ". وفي موضع آخر قال ﵀ في تعليل القتل تعزيراً ما نصه: " وهذا لأن المفسد كالصائل، وإذا لم يندفع الصائل إلا بالقتل قتل " انتهى. ثالثاً: يرى المجلس أنه لابد قبل إيقاع أي من تلك العقوبات المشار إليها في فقرتي (أولاً) و (ثانياً) من هذا القرار استكمال الإجراءات الثبوتية اللازمة من جهة المحاكم الشرعية وهيئات التمييز ومجلس القضاء الأعلى، براءةً للذمة، واحتياطاً للأنفس. رابعاً: لابد من إعلان هذه العقوبات عن طريق وسائل الإعلان قبل تنفيذها إعذاراً وإنذاراً. هذا وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. هيئة كبار العلماء " انتهى نقلاً: "فتاوى إسلامية" (٣/٣٧٩) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 8905

لا يثبت الزنا بالشهادة إلا إذا كان الشهود أربعة رجال [السُّؤَالُ] ـ[ذكرتم في إجابة السؤال رقم (٧٢٣٣٨) أن حد الاغتصاب هو حد الحرابة. مع أن الاغتصاب هو نوع من أنواع الزنا، وعليه فيطبق فيه حكم الزنا، لا سيما إذا لم يستخدم المغتصب أي نوع من أنواع الأسلحة. فما دليلكم على أن حد الاغتصاب هو حد الحرابة؟ وهل كان هدي الصحابة ضرورة أن يشهد أربعة شهود على الجريمة، وإذا كان كذلك فأنّى للمرأة أن تحضر الشهود؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: المغتصب إذا لم يحمل السلاح فإنه يحد حد الزنى، وهذا مضمون ما ذكرناه في السؤال رقم (٧٢٣٣٨) ، وفيه قولنا: " كون المغتصب عليه حد الزنا، هذا ما لم يكن اغتصابه بتهديد السلاح، فإن كان بتهديد السلاح فإنه يكون محارباً " انتهى. وانظر جواب السؤال رقم (٤١٦٨٢) . ثانياً: يشترط لإقامة حد الزنا: ثبوته، وذلك إما بشهادة أربعة رجال، أو بالإقرار، أو بظهور الحمل مع انتفاء الشبهة وانتفاء دعوى الغصب والإكراه على الراجح. والدليل على اشتراط أربعة شهود: قوله تعالى: (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ) النساء/١٥، وقوله: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) النور/٤، وقوله: (لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ) النور/١٣. وروى مسلم (١٤٩٨) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ ﵁ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ وَجَدْتُ مَعَ امْرَأَتِي رَجُلًا أَؤُمْهِلُهُ حَتَّى آتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ؟ قَالَ: (نَعَمْ) . وثبوت الزنا بشهادة الشهود أمر متعذر؛ لأنه من الصعب أن يوجد أربعة يشهدون وقوع إيلاج الفرج في الفرج. ولهذا قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: " قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ولم يثبت الزنا بطريق الشهادة من فجر الإسلام إلى وقته، وإنما ثبت بطريق الإقرار؛ لأن الشهادة صعبة، كما سيتبين إن شاء الله " انتهى من "الشرح الممتع" (١٤/٢٥٧) . ثم قال: " فلو قالوا: رأيناه عليها متجردين، فإن ذلك لا يقبل حتى لو قالوا: نشهد بأنه قد كان منها كما يكون الرجل من امرأته، فإنها لا تكفي الشهادة، بل لا بد أن يقولوا: نشهد أن ذكره في فرجها، وهذا صعب جدا، مثلما قال الرجل الذي شُهِدَ عليه في عهد عمر: لو كنت بين أفخاذنا لم تشهد هذه الشهادة، وأظن هذا لا يمكن، ولكن لا أدري هل يمكن بالوسائل الحديثة أم لا كالتصوير؟ الظاهر أنه لا يمكن أيضاً؛ لأن الذي تدركه الصورة تدركه العين، فإذا لم تدركه العين لم تدركه الصورة، ولهذا يقول شيخ الإسلام: إنه لم يثبت الزنا عن طريق الشهادة من عهد النبي ﷺ إلى عهده، وإذا لم يثبت من هذا الوقت إلى ذاك الوقت، فكذلك لا نعلم أنه ثبت بطريق الشهادة إلى يومنا هذا؛ لأنه صعب جدا. فلو شهد الأربعة بأنهم رأوه كما يكون الرجل على امرأته، فإنه لا يحد للزنا، ولكن هل نقول: إن هذه تهمة قوية بشهادة هؤلاء الشهود العدول، فيعزر؟ نعم، فإذا لم يثبت الزنا الذي يثبت به الحد الشرعي، فإنه يعزر لأجل التهمة " انتهى من "الشرح الممتع" (١٤/٢٧١) . والمغتصب إذا لم يقر بالزنا، ولم تقم البينة على زناه، فإن للحاكم أن يعزره إذا وجدت التهمة والقرائن على فجوره وفساده. ولو قُدّر نجاته من العقوبة في الدنيا، فإن ذلك لا يلغي عقوبة الآخرة إلا أن يشاء الله تعالى. ولله الحكمة التامة في ما شرع من اشتراط الشهود مع تعذر ذلك، والمراد عدم إشاعة هذه الفاحشة، فإن المنكر إذا تكرر ظهوره وكثرت فيه الدعاوى والإثباتات وتعددت الحالات فإنه يسهل على النفوس اقترافه. قال في "الهداية": "ولأن في اشتراط الأربعة يتحقق معنى الستر وهو مندوب إليه والإشاعة ضده". قال ابن الهمام في "فتح القدير" (٥/٢١٤) : " أما إن فيه تحقيق معنى الستر فلأن الشيء كلما كثرت شروطه قلّ وجوده , فإن وجوده إذا توقف على أربعة ليس كوجوده إذا توقف على اثنين منها فيتحقق بذلك الاندراء " انتهى. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 8906

قتل الساحر قد يكون ردة وقد يكون حداً [السُّؤَالُ] ـ[هل قتل الساحر ردة أو حداً؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله "قتل الساحر قد يكون حداً، وقد يكون ردة بناءً على التفصيل في كفر الساحر، فمتى حكمنا بكفره فقتله ردة، وإذا لم نحكم بكفره فقتله حد. وانظر جواب السؤال رقم (٦٩٩١٤) . والسحرة يجب قتلهم سواءً قلنا بكفرهم أم لا، لعظم ضررهم، وفظاعة أمرهم، فهم يفرقون بين المرء وزوجه، وكذلك العكس، فهم قد يعطفون فيؤلفون بين الأعداء، ويتوصلون بذلك إلى أغراضهم، كما لو سحر امرأة ليزني بها، فيجب على ولي الأمر قتلهم بدون استتابة ما دام أنه حد؛ لأن الحد إذا بلغ الإمام، لا يستتاب صاحبه، بل يقام بكل حال. أما الكفر فإنه يستتاب صاحبه، وبهذا نعرف خطأ من أدخل حكم المرتد في الحدود، وذكروا من الحدود حد الردة؛ لأن قتل المرتد ليس من الحدود، لأنه إذا تاب انتفى عنه القتل، ثم إن الحدود كفارة لصاحبها، وليس بكافر، والقتل بالردة ليس بكفارة وصاحبه كافر لا يصلى عليه، ولا يغسل ولا يدفن في مقابر المسلمين. فالقول بقتل السَحَرَةِ موافق للقواعد الشرعية؛ لأنهم يسعون في الأرض فساداً، وفسادهم من أعظم الفساد، وإذا قُتِلوا سلم الناس من شرهم، وارتدع الناس عن تعاطي السحر" انتهى. "مجموع فتاوى ورسائل الشيخ محمد صالح العثيمين" (٢/١٧٩) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 8907

هل يجوز للحاكم أن يعطل بعض الحدود في بعض الأوقات ؟ [السُّؤَالُ] ـ[هل يجوز للحاكم المسلم تعطيل بعض الحدود في أوقات كما فعل عمر ﵁ عندما أسقط حد السرقة عام الرمادة؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله " الواجب على المسلمين أن يقيموا فرائض الله في حدوده، كما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، وهو يخطب على منبر النبي ﷺ حين ذكر رجم الزاني المحصن قال: (وإني أخاف إن طال بالناس زمان أن يقولوا: لا نجد الرجم في كتاب الله؛ فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله فبين أن هذا فريضة، ولا شك أنه فريضة، لأن الله أمر به فقال: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) المائدة/٣٨، وقال: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ) النور/٢، وقال: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنْ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا) المائدة/٣٣، وقال النبي ﷺ : (إنما أهلك من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) . ولا يجوز أن تعطل هذه الحدود بأي حال من الأحوال، وما روي عن عمر ﵁ أنه أسقط الحد عام المجاعة فإن هذا يحتاج إلى شيئين: الشيء الأول: صحة النقل، فإننا نطالب من ادعى ذلك بصحة النقل إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁. الأمر الثاني: أن عمر ﵁ إنما رفع الحد من أجل الشبهة القائمة، فإن الناس في مجاعة، والإنسان قد يأخذ الشيء للضرورة إليه لا لتشبعٍ به، ومعلوم أن المضطر إلى الطعام يجب على المسلمين إطعامه؛ فخشي عمر ﵁ أن يكون هذا السارق مضطراً إلى الطعام ومُنع منه، فتحين الفرصة فسرق، هذا هو اللائق بعمر ﵁ إن صح الأثر المنسوب إليه في أنه أسقط أو رفع الحد: حد السارق عام المجاعة. أما حكامنا اليوم فلا يوثق بدينهم، يعني أكثرهم لا يوثق بدينه، ولا يوثق بنصحه للأمة، ولو فتح الباب لقال هؤلاء الحكام – وأعني بذلك بعضهم – لقالوا: إقامة الحد في هذا العصر لا يناسب؛ لأن أعداءنا من الكفار يتهموننا بأننا همج، وأننا وحوش، وأننا نخالف ما يجب من مراعاة حقوق الإنسان؛ ثم يرفع الحدود كلياً كما هو الواقع الآن في أكثر بلاد المسلمين مع الأسف؛ حيث عطلت الحدود من أجل مراعاة أعداء الله. ولهذا لما عطلت الحدود كثرت الجرائم وصار الناس – حتى الحكام الذين تابعوا الكفار في هذا الأمر – في حيرة ماذا يفعلون في هذه الجرائم " انتهى. فضيلة الشيخ محمد بن عثيمين ﵀. "فتاوى علماء البلد الحرام" (ص ٤٨٣، ٤٨٤) . وبيان هذا: أن من شروط وجوب إقامة الحد على السارق: ألا يكون له شبهة في المال المسروق، فعمر ﵁ لم يقم الحد لأنه لم تتوفر فيه شروط وجوبه، والذي يسرق في زمن المجاعة له شبهة في هذا المال، فلم يسقط عمر ﵁ الحد أو عطله بعد وجوبه. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 8908

حكم تدخين أنواع الحشيشة [السُّؤَالُ] ـ[هل يحرم على تدخين الماريجوانا من حين لآخر وخاصة عندما أكون متوترا؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الحشيشة محرمة بجميع أنواعها الماريجوانا وغيرها. قال العلامة ابن حجر الهيتمي في "الفتاوى الفقهية" (٤/٢٣٣) وهو يتحدث عن الحشيشة: " والأصل في تحريمها ما رواه أحمد في مسنده وأبو داود في سننه بسند صحيح عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها قالت: (نهى رسول الله ﷺ عن كل مسكر ومفتر) قال العلماء المفتر كل ما يورث الفتور والخدر في الأطراف، وهذا الحديث فيه دليل على تحريم الحشيش بخصوصه، فإنها تسكر وتخدر وتفتر، ولذلك يكثر النوم لمتعاطيها، وحكى القرافي وابن تيمية الإجماع على تحريمها، قال: ومن استحلها فقد كفر. قال: وإنما لم تتكلم فيها الأئمة الأربعة رضي الله ﵎ عنهم لأنها لم تكن في زمنهم، وإنما ظهرت في آخر المائة السادسة وأول المائة السابعة حين ظهرت دولة التتار " انتهى. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في "الفتاوى الكبرى" (٣/٤٢٥) : " أكل هذه الحشيشة الصلبة حرام , وهي من أخبث الخبائث المحرمة , وسواء أكل منها قليلا أو كثيرا " انتهى. وتعاطي المسكرات حرام مهما كانت طريقة التعاطي. قال العلامة ابن قاسم الشافعي في "حاشيته على تحفة المحتاج بشرح المنهاج" (٩/١٦٧) وهو يبين من هو شارب المسكر قال: " والمراد بالشارب المتعاطي، شرباً كان أو غيره، وسواء فيه المتفق على تحريمه والمختلف فيه، وسواء جامده ومائعه، مطبوخه ونيئه " انتهى. والشريعة إنما حرمت تناول المخدرات والمسكرات لما فيها من أضرار بالغة على العقل والنفس والأسرة والمجتمع وقد بَيَّنا بعضا من تلك الأضرار في جواب السؤال رقم ٦٦٢٢٧. أما التوتر والقلق فكن على يقين أن دواءه ليس في تدخين الحشيشة أو غيرها من المحرمات، فلم يجعل الله شفاء هذه الأمة فيما حرم عليها، ففي صحيح مسلم (٣٦٧٠) : أَنَّ طَارِقَ بْنَ سُوَيْدٍ الْجُعْفِيَّ ﵁ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ الْخَمْرِ، فَنَهَاهُ، أَوْ كَرِهَ أَنْ يَصْنَعَهَا، فَقَالَ إِنَّمَا أَصْنَعُهَا لِلدَّوَاءِ، فَقَالَ: (إِنَّهُ لَيْسَ بِدَوَاءٍ، وَلَكِنَّهُ دَاءٌ) . وإذا أردت طرد القلق عن نفسك فإننا نوصيك بجملة أمور منها: ١ـ كثرة الاستغفار بحضور قلب. ٢- التوضؤ والصلاة فإنها من أعظم أسباب العون على الصبر على المكاره وطرد الغم. ٣ـ كثرة ذكر الله تعالى، فإنه سبيل أكيد لحصول الطمأنينة والسكينة. ٤ـ كثرة الصلاة على النبي ﷺ ، ففي سنن الترمذي (٢٣٨١) : قَالَ أُبَيٌّ ﵁: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُكْثِرُ الصَّلَاةَ عَلَيْكَ، فَكَمْ أَجْعَلُ لَكَ مِنْ صَلَاتِي؟ فَقَالَ: (مَا شِئْتَ) قَالَ: قُلْتُ الرُّبُعَ؟ قَالَ: (مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ) قُلْتُ: النِّصْفَ؟ قَالَ: (مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ) قَالَ: قُلْتُ: فَالثُّلُثَيْنِ؟ قَالَ: (مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ) قُلْتُ: أَجْعَلُ لَكَ صَلَاتِي كُلَّهَا. قَالَ: (إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ، وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ) . وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي. هذا بالإضافة إلى اجتناب أسباب التوتر والقلق بقدر المستطاع، فإن كان مصدر ذلك القلق التوتر هموم مستقبلة كأسباب الرزق ونحوها، فعليك بحسن الظن بالله تعالى وصدق الاعتماد عليه، فقد قال جل شأنه: (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً) الطلاق/٣. وفقنا الله وإياك لكل خير [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 8909

أسباب عقوبة القتل في الإسلام [السُّؤَالُ] ـ[أود أن أعرف أسباب ومسوغات وشروط تطبيق حد الإعدام (القتل) في الإسلام.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله عقوبة الإعدام (القتل) تثبت في حق الشخص إذا انطبقت عليه الأوصاف التالية: ١- المرتد، وهو من كفر بعد إسلامه؛ لقوله ﷺ : " من بدل دينه فاقتلوه " رواه البخاري (٦٥٢٤) . ٢- الزاني المحصن: وعقوبته الرجم بالحجارة حتى الموت. والمحصن: هو من تزوج ووطيء زوجته في قبلها في نكاح صحيح، وهما حران عاقلان بالغان، فإذا زنى المُحصن أو زنت المُحصنة فإنهما يُرجمان حتى الموت؛ لقول النبي ﷺ : " خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة والثيب بالثيب جلد مائة والرجم " رواه مسلم (١٦٩٠) . ولما روى البخاري (٢٧٢٥) ومسلم (١٦٩٨) عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني ﵄ أنهما قالا: " إن رجلا من الأعراب أتى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله: أنشدك الله إلا قضيت لي بكتاب الله. فقال الخصم الآخر - وهو أفقه منه - نعم فاقض بيننا بكتاب الله وأذن لي. فقال رسول الله ﷺ قل. قال: إن ابني كان عسيفا على هذا (أي استأجره ليعمل عنده) فزنى بامرأته. وإني أُخبرت أن على ابني الرجم، فافتديت منه بمائة شاة ووليدة. فسألت أهل العلم فأخبروني أنما على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم. فقال رسول الله ﷺ : والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله؛ الوليدة والغنم رد، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام. واغد يا أنيس (وهو أحد الصحابة) إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها. قال فغدا عليها فاعترفت فأمر بها رسول الله ﷺ فرجمت. والعسيف: الأجير. ٣- القاتل عمدا: يقتل قصاصا إلا إن عفى عنه أولياء المقتول أو رضوا بالدية؛ لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ) البقرة / ١٧٨ وقوله: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) البقرة / ١٧٩ ولقوله ﷺ : " لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة" رواه البخاري (٦٤٨٤) ومسلم (١٦٧٦) . ٤- قاطع الطريق، وهو المحارب؛ لقوله تعالى: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) المائدة / ٣٣. ٥- الجاسوس. وهو من يتجسس على المسلمين وينقل أخبارهم إلى أعدائهم. ودليل ذلك ما رواه البخاري (٣٠٠٧) ومسلم (٢٤٩٤) أن حَاطِب بْن أَبِي بَلْتَعَةَ كتب إِلَى أُنَاسٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ يُخْبِرُهُمْ بِبَعْضِ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَا حَاطِبُ، مَا هَذَا؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لا تَعْجَلْ عَلَيَّ، إِنِّي كُنْتُ امْرَأً مُلْصَقًا فِي قُرَيْشٍ، وَلَمْ أَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهَا، وَكَانَ مَنْ مَعَكَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ لَهُمْ قَرَابَاتٌ بِمَكَّةَ يَحْمُونَ بِهَا أَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالَهُمْ، فَأَحْبَبْتُ إِذْ فَاتَنِي ذَلِكَ مِنْ النَّسَبِ فِيهِمْ أَنْ أَتَّخِذَ عِنْدَهُمْ يَدًا يَحْمُونَ بِهَا قَرَابَتِي، وَمَا فَعَلْتُ كُفْرًا وَلا ارْتِدَادًا وَلا رِضًا بِالْكُفْرِ بَعْدَ الإِسْلامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَقَدْ صَدَقَكُمْ. قَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ. قَالَ: إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَكُونَ قَدْ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ. ووجه الاستدلال من الحديث إقرار النبي ﷺ عمر على استحقاق حاطب القتل على هذا الفعل، غير أن النبي ﷺ أخبره أن هناك مانعاً وهو أنه ممن شهدوا غزوة بدر. قال ابن القيم في "زاد المعاد" (٢/١١٥) عن حديث حاطب بن أبي بلتعة: استدل به من لا يرى قتل المسلم الجاسوس كالشافعي وأحمد وأبي حنيفة ﵏، واستدل به من يرى قتله كمالك وابن عقيل من أصحاب أحمد ﵀ وغيرهما، قالوا: لأنه علل بعلة مانعة من القتل غير موجودة وهي شهود بدر، ولو كان الإسلام مانعا من قتله لم يعلل بأخص منه وهو شهوده بدراً اهـ بتصرف. وقال في موضع آخر من " زاد المعاد " (٣/٤٢٢) : والصحيح أن قتله –يعني الجاسوس- راجع إلى رأي الإمام فإن كان قتله مصلحة للمسلمين قتله، وإن كان استبقاؤه أصلح استبقاه والله أعلم اهـ. ويدخل فيما سبق: قتل تارك الصلاة والساحر والزنديق، لدخولهم تحت قوله ﷺ " التارك لدينه المفارق للجماعة ". وأما شروط تنفيذ هذه العقوبة، فكثيرة، ولكل جريمة شروطها الخاصة بها، وينظر تفصيلها في كتب الفقهاء. ولمعرفة الحكمة من قتل المرتد والزاني المحصن، انظر السؤال رقم ٢٠٣٢٧ والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 8910

الشهود الأربعة في حد الزنى فقط [السُّؤَالُ] ـ[أتساءل: ما هي الأمور المطلوبة من الأربعة الشهود في المحاكمة المقامة في محكمة إسلامية؟ وما المقصود من هذه المتطلبات؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الشهادة في الفقه الإسلامي إحدى بينات الإثبات، ذكرها الله في كتابه الكريم في مواضع عدة، وأثبت الحكم بها النبي الكريم ﷺ ، ولها في كتب الفقه حظ وافر من الشرح والتفصيل والبيان. والذي نحب التنبيه عليه في هذا الباب – مما يتعلق بالسؤال – أمور ثلاثة: الأمر الأول: أن نصاب الشهود المطلوب يختلف بحسب الأمر المشهود به، وليس ثمة عدد محدد لجميع أنواع الشهادة، فمن الأمور ما تقبل فيها شهادة عدل واحد، ومنها ما يشترط لها شاهدان، ومنها ما يشترط لها أربعة شهود. ولا شك أن هذا من كمال التشريع الإسلامي وحكمته البالغة، حيث روعيت فيه أقدار المواضيع من حيث الأهمية والخطورة والتأثير، ووضعت لها ما يناسبها في أبواب الشهادة ونصاب الشهود. جاء في "الموسوعة الفقهية" (٢٦/٢٢٦-٢٢٩) : " يختلف عدد الشهود في الشهادات بحسب الموضوع المشهود به: أ - من الشهادات ما لا يقبل فيه أقل من أربعة رجال، لا امرأة بينهم، وذلك في الزنا، لقوله تعالى: (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء. .) الآية. وعن أبي هريرة أن سعد بن عبادة قال: يا رسول الله! إن وجدت مع امرأتي رجلا أأمهله حتى آتي بأربعة شهداء؟ قال: نعم. رواه مسلم. ب - ومنها ما يقبل فيه شاهدان لا امرأة فيهما، وهو ما سوى الزنى من الحدود والقصاص، كالقطع في السرقة، وحد الحرابة، والجلد في الخمر، وهذا باتفاق الفقهاء. وذهب جمهور الفقهاء إلى أن ما يطلع عليه الرجال غالبا، مما ليس بمال ولا يقصد منه مال: كالنكاح، والطلاق، والرجعة، والإيلاء، والظهار، والنسب، والإسلام، والردة، والجرح، والتعديل، والموت والإعسار، والوكالة، والوصاية، والشهادة على الشهادة، ونحو ذلك، فإنه يثبت عندهم بشهادة شاهدين لا امرأة فيهما. ودليلهم في ذلك أن الله تعالى نص على شهادة الرجلين في الطلاق والرجعة والوصية.فأما الطلاق والرجعة فقوله تعالى: (فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم) . وأما الوصية فقوله: (إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم) . وأن النبي ﷺ قال في النكاح: (لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل) أخرجه البيهقي. وروى مالك عن الزهري أنه قال: " مضت السنة بأنه لا تجوز شهادة النساء في الحدود ولا في النكاح والطلاق " وقيس عليها ما شاركها في الشرط المذكور. ج - وقال الحنفية: ما يقبل فيه شاهدان، أو شاهد وامرأتان هو ما سوى الحدود والقصاص سواء أكان الحق مالا أم غير مال، كالنكاح والطلاق والعتاق والوكالة والوصاية. ودليله قوله تعالى: (واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء) وقصر الجمهور قبول شهادة الرجلين أو الرجل والمرأتين على ما هو مال أو بمعنى المال، كالبيع، والإقالة، والحوالة، والضمان، والحقوق المالية، كالخيار، والأجل، وغير ذلك. د - ومنها ما تقبل فيه شهادة النساء منفردات، وهو الولادة والاستهلال والرضاع، وما لا يجوز أن يطلع عليه الرجال الأجانب من العيوب المستورة. ولكنهم اختلفوا في العدد الذي تثبت به هذه الأمور من النساء على خمسة أقوال. و ومنها ما تقبل فيه شهادة شاهد واحد، فتقبل شهادة الشاهد الواحد العدل بمفرده في إثبات رؤية هلال رمضان استدلالا بحديث ابن عمر ﵄ قال: تراءى الناس الهلال، فأخبرت النبي ﷺ أني رأيته فصامه وأمر الناس بصيامه. رواه أبوداود. " انتهى باختصار. الأمر الثاني: أن شهادة الأربعة على وقوع الزنى يشترط فيه – زيادة على الإسلام والحرية والعدالة – الوصف بالمعاينة وصفا دقيقا، ولا يكفي وصف المشهد العام لاجتماع الرجل والمرأة الأجنبية ولو كانا عاريين، وهذا من خصائص هذه الشهادة أيضا. يقول ابن رشد ﵀: " وأما ثبوت الزنا بالشهود: فإن العلماء اتفقوا على أنه يثبت الزنا بالشهود، وأن العدد المشترط في الشهود أربعة بخلاف سائر الحقوق، لقوله تعالى: (ثم لم يأتوا بأربعة شهداء) وأن من صفتهم أن يكونوا عدولا، وأن من شرط هذه الشهادة أن تكون بمعاينة فرجه في فرجها، وأنها تكون بالتصريح لا بالكناية " انتهى. "بداية المجتهد" (٢/٤٣٩) . يقول الإمام الماوردي ﵀: " أما صفة الشهادة في الزنا فلا يجزئ أن يقول الشهود: رأيناه يزني. حتى يصفوا ما شاهدوه من الزنا، وهو أن يقولوا: رأينا ذكره يدخل في فرجها كدخول المرود في المكحلة: لثلاثة أمور: أحدها: أن النبي ﷺ تثبت ماعزا في إقراره فقال: أدخلت ذلك منك في ذلك منها، كدخول المرود في المكحلة والرشا في البئر؟ فقال: نعم. فأمر برجمه. فلما استثبته في الإقرار كان أولى أن يستثبت في الشهادة. والثاني: أن الشهود على المغيرة بن شعبة بالزنا لما شهدوا به عند عمر ﵁، وهم أبو بكرة، ونافع، ونفيع، وزياد، فصرح بذلك أبو بكرة، ونافع، ونفيع، فأما زياد فقال له عمر: قل ما عندك، وأرجو أن لا يهتك الله صحابيا على لسانك. فقال زياد: رأيت نفسا تعلو، أو استا تنبو، ورأيت رجليها على عنقه كأنهما أذنا حمار، ولا أدري يا أمير المؤمنين ما وراء ذلك، فقال عمر: الله أكبر. فأسقط الشهادة ولم يرها تامة. ولمعرفة براءة المغيرة بن شعبة من هذه التهمة انظر جواب السؤال رقم ١٢٠٠٣٠ والثالث: أن الزنا لفظ مشترك. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: العينان تزنيان وزناهما النظر، واليدان تزنيان وزناهما اللمس، ويصدق ذلك ويكذبه الفرج. فلذلك لزم في الشهادة نفي هذا الاحتمال بذكر ما شاهده من ولوج الفرج في الفرج " انتهى. "الحاوي" (١٣/٢٢٧) . الأمر الثالث: أن تخصيص الشهادة على الزنا بهذا التشديد فيه مزيد احتياط وصيانة للأعراض، كي لا يتساهل الناس في الطعن ولا في القذف. وباشتراط البينة بهذا التدقيق لا يكاد حد الزنى يقام على أحد إن لم يعترف، ومن أقيم عليه بسبب مشاهدة أربعة رجال له هذه المشاهدة الدقيقة فذلك دليل على جرأة ووقاحة يستحق عليها العقوبة الرادعة. يقول الإمام الماوردي ﵀: " الشهادات تتغلظ بتغليظ المشهود فيه، فلما كان الزنا واللواط من أغلظ الفواحش المحظورة وآخرها، كانت الشهادة فيه أغلظ: ليكون أستر للمحارم، وأنفى للمعرة " انتهى. "الحاوي" (١٣/٢٢٦) . ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " والشهادة على الزنا لا يكاد يقام بها حد وما أعرف حدا أقيم بها وإنما تقام الحدود إما باعتراف وإما بحبل..". "منهاج السنة النبوية" (٦/٩٥) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 8911

حكم أخذ الكتب خلسة من جده للاستفادة منها والاحتفاظ بها [السُّؤَالُ] ـ[لي جدٌّ بخيل بمالهِ.. وعنده شيءٌ من الكتب المفيدة التي اشتراها لما كان في مرحلة شبابه.. منها كتبٌ علميةٌ مفيدةٌ وبعضها منقطع من الأسواق ولا يوجد.. وأنا طالب علمٍ أريد الاستفادة منها وهو يمنعني من ذلك.. فهل يجوز لي أخذها خلسةً والاستفادة منها والاحتفاظ بها؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله لا يجوز الاعتداء على مال الغير بالسرقة أو النهب أو الغصب أو أخذه من غير إذنه، ولو على سبيل الاستعارة، وحكم الكتب في ذلك حكم غيرها من الأموال، ولهذا أوجب جمهور العلماء قطع يد سارقها. قال ابن قدامة ﵀ في "المغني" (٩/٩٨) : " فإن سرق مصحفا , فقال أبو بكر والقاضي: لا قطع فيه. وهو قول أبي حنيفة ... واختار أبو الخطاب وجوبَ قطعه , وقال: هو ظاهر كلام أحمد , فإنه سئل عمن سرق كتابا فيه علم لينظر فيه , فقال: كل ما بلغت قيمته ثلاثة دراهم فيه القطع. وهذا قول مالك , والشافعي , وأبو ثور , وابن المنذر ; لعموم الآية في كل سارق ... ولا خلاف بين أصحابنا في وجوب القطع بسرقة كتب الفقه والحديث وسائر العلوم الشرعية" انتهى باختصار. وجاء في "الموسوعة الفقهية" (٣٤/١٩٣) : " ذهب المالكية والشافعية والحنابلة وأبو يوسف من الحنفية إلى إقامة الحد على من سرق كتبا نافعة , كالتفسير والحديث والفقه وغيرها من العلوم النافعة إذا بلغت قيمة المسروق نصابا" انتهى. فليس لك أن تأخذ هذه الكتب خلسة، ولا أن تحتفظ بها، وإنما يلزمك الاستئذان، فإن أذن لك فبها ونعمت، وإلا فلا حق لك في أخذها، وقد قال النبي ﷺ : (لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ) رواه أحمد (٢٠١٧٢) وصححه الألباني في "صحيح الجامع" (٧٦٦٢) . وليس هذا هو الطريق الوحيد لطلب العلم، فيمكنك الاتفاق مع جدك أن تذهب إلى بيته وتقرأ هذه الكتب عنده، ولا تخرج بها. أو تذهب إلى المكتبات العامة، وستجد فيها إن شاء الله من الكتب المفيدة الشيء الكثير. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 8912

من أتى بهيمة عزر وقتلت البهيمة [السُّؤَالُ] ـ[هل يجوز أكل لحم شاة اعتدى عليها شخص جنسيا؟ وهل يجوز شرب حليبها؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله البهيمة التي يعتدى عليها بالوطء، تقتل، ولا يؤكل لحمها، فإن كانت للواطيء فهي هدر، وإن كانت لغيره لزمه ضمانها. وأما الفاعل فإنه يعزّر، وقيل: يقتل؛ لحديث ورد في ذلك لكنه ضعيف. روى الترمذي (١٤٥٥) وأبو داود (٤٤٦٤) وابن ماجه (٢٥٦٤) عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ وَجَدْتُمُوهُ وَقَعَ عَلَى بَهِيمَةٍ فَاقْتُلُوهُ وَاقْتُلُوا الْبَهِيمَةَ) فَقِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: مَا شَأْنُ الْبَهِيمَةِ؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي ذَلِكَ شَيْئًا، وَلَكِنْ أَرَى رَسُولَ اللَّهِ كَرِهَ أَنْ يُؤْكَلَ مِنْ لَحْمِهَا أَوْ يُنْتَفَعَ بِهَا وَقَدْ عُمِلَ بِهَا ذَلِكَ الْعَمَلُ. والحديث ضعفه أبو داود والطحاوي، وقال الترمذي عقبه: " وقد روى سفيان الثوري عن عاصم عن أبي رزين عن ابن عباس أنه قال: (من أتى بهيمة فلا حد عليه) حدثنا بذلك محمد بن بشار حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا سفيان الثوري، وهذا أصح من الحديث الأول، والعمل على هذا عند أهل العلم وهو قول أحمد وإسحاق ". وجاء في "الموسوعة الفقهية" (٢٤/٣٣) : " ذهب جماهير الفقهاء إلى أنه لا حد على من أتى بهيمة لكنه يعزر , لما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: من أتى بهيمة فلا حد عليه. ومثل هذا لا يقوله إلا عن توقيف , ولأن الطبع السليم يأباه فلم يحتج إلى زجر بحد. وعند الشافعية قول: إنه يحد حد الزنى وهو رواية عن أحمد , وعند الشافعية قول آخر: بأنه يقتل مطلقا محصنا كان أو غير محصن ... ومذهب جمهور الفقهاء (الحنفية والمالكية والشافعية) أنه لا تقتل البهيمة , وإذا قتلت فإنها يجوز أكلها من غير كراهة إن كانت مما يؤكل عند المالكية والشافعية , ومنع أبو يوسف ومحمد أكلها. وقالا: تذبح وتحرق. وأجازه أبو حنيفة , وقد صرح الحنفية بكراهة الانتفاع بها حية وميتة. وذهب الحنابلة إلى أن البهيمة تقتل سواء كانت مملوكة له أو لغيره. وسواء كانت مأكولة أو غير مأكولة. وهذا قول عند الشافعية , لما روى ابن عباس مرفوعا قال: (من وقع على بهيمة فاقتلوه واقتلوا البهيمة) . وعند الشافعية قول آخر: إنها تذبح إن كانت مأكولة , وصرحوا بحرمة أكلها إن كانت من جنس ما يؤكل " انتهى. وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: " فلو أولج الإنسان في بهيمة عزّر، وقتلت البهيمة على أنها حرام جيفة، فإن كانت البهيمة له فاتت عليه، وإن كانت لغيره وجب عليه أن يضمنها لصاحبها. وقيل إن من أتى بهيمة قتل لحديث ورد في ذلك أن النبي ﷺ قال: (من وجدتموه على بهيمة فاقتلوه واقتلوا البهيمة) وهذا عام أخذ به بعض أهل العلم، وقالوا: إن فرج البهيمة لا يحل بحال، فيكون كاللواط، ولكن الحديث ضعيف، ولهذا عدل أهل العلم لمّا ضعف الحديث عندهم إلى أخف الأمرين، وهو قتل البهيمة، وأما الآدمي فلا يقتل؛ لأن حرمته أعظم، ولكن يعزر لأن ذلك معصية، والقاعدة العامة أن التعزير واجب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة " انتهى من "الشرح الممتع" (١٤/٢٤٥) . وقال ابن قدامة ﵀ في "المغني" (٩/٦٠) : " واختلف في علة قتلها , فقيل: إنما قتلت لئلا يعير فاعلها , ويذكر برؤيتها. وقد روى ابن بطة بإسناده عن النبي ﷺ أنه قال: (من وجدتموه على بهيمة فاقتلوه، واقتلوا البهيمة. قالوا: يا رسول الله ما بال البهيمة؟ قال: لا يقال هذه وهذه) . وقيل: لئلا تلد خلقا مشوها. وقيل: لئلا تؤكل. وإليها أشار ابن عباس في تعليله " انتهى. وبهذا يعلم أن الشاة الموطوءة لا ينتفع بلبنها ولا تترك، بل تقتل ويتخلص منها. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 8913

لم ينفرد عمر بن الخطاب بمعرفة آية الرجم [السُّؤَالُ] ـ[في صحيح البخاري في باب الأحكام أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: (لولا أن يقول الناس عن آية الرجم لكتبتها بيدي) لماذا لا يعلم هذه الآية سوى عمر؟ وكيف نحاجج من يسأل ذلك؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: روى البخاري (٦٨٣٠) ومسلم (١٦٩١) عن ابن عباس ﵄ أن عمر بن الخطاب صعد المنبر فخطب الجمعة، وكان مما قال ﵁ فقال: (إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ بِالْحَقِّ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ، فَكَانَ مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ آيَةُ الرَّجْمِ، فَقَرَأْنَاهَا، وَعَقَلْنَاهَا، وَوَعَيْنَاهَا، رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ، فَأَخْشَى إِنْ طَالَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: وَاللَّهِ مَا نَجِدُ آيَةَ الرَّجْمِ فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللَّهُ، وَالرَّجْمُ فِي كِتَابِ اللَّهِ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى إِذَا أُحْصِنَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، إِذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ، أَوْ كَانَ الْحَبَلُ، أَوْ الِاعْتِرَافُ) . زاد أبو داود (٤٤١٨) : (وَايْمُ اللَّهِ، لَوْلَا أَنْ يَقُولَ النَّاسُ: زَادَ عُمَرُ فِي كِتَابِ اللَّهِ ، لَكَتَبْتُهَا) وصححه الألباني في صحيح أبي داود. هذا الحديث رواه البخاري في صحيحه في عدة مواضع: (٦٨٢٩) و (٦٨٣٠) في كتاب الحدود. و (٧٦٢٦) في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، وليس فيها اللفظ الوارد في السؤال (لولا أن يقول الناس.......إلخ) . وقد ذكرها البخاري في كتاب الأحكام معلقة، بلا إسناد: قال عمر: لولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله لكتبت آية الرجم بيدي. ومثل هذا لا يقال فيه: رواه البخاري في صحيحه، إلا أن يقال مع ذلك: إنه رواه معلقاً، فيقال: رواه البخاري معلقاً. وقد رواها أبو داود موصولةً وصححه الألباني كما سبق. ثانياً: يجاب على من يسألون: لماذا لم يعلم هذه الآية سوى عمر؟ بأن يقال: لم ينفرد عمر بن الخطاب ﵁ بمعرفة هذه الآية، فقد ورد عن جماعة من الصحابة إثباتها. روى ابن ماجه (١٩٤٤) عن عائشة ﵂ قالت: (لقد نزلت آية الرجم، وكانت في صحيفة تحت سريري) وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجه. وروى الإمام أحمد (١٢١٤) عن علي بن أبي طالب ﵁ إثباتها، غير أن إسناده ضعيف. وذكر الحافظ في "فتح الباري" أنه ورد إثبات هذه الآية عن أبي بن كعب وزيد بن ثابت ﵄. وقد أثبت عمر ﵁ هذه الآية على المنبر في خطبة الجمعة، وكان حاضراً في تلك الخطبة علماء الصحابة وفقهاؤهم وكبراؤهم، وأقروه على إثبات هذه الآية، ولم ينكر عليه أحد منهم، فكيف يقال بعد ذلك: إنها لم يعلمها غير عمر؟! ثالثاً: آية الرجم مما يذكره العلماء في "أصول الفقه" من مبحث "النسخ" أنها مما نسخ لفظه وبقي حكمه، فلم تَعُدْ أية من القرآن الكريم، ولكن حكمها باقٍ لم ينسخ، ولعل هذا هو السبب الذي جعل عمر ﵁ لا يكتبها في المصحف، لأنها لما نسخت تلاوتها لم تَعُدْ من القرآن فلا يجوز أن تكتب فيه. وانظر: "المنتقي شرح الموطأ" حديث رقم (١٥٦٠) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 8914

إذا تاب القاذف هل تقبل شهادته ؟ [السُّؤَالُ] ـ[إذا تاب القاذف من القذف، واستقام، هل تقبل شهادته، أم لا؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله رتب الله تعالى على القذف ثلاث عقوبات، وهي: الحد، وعدم قبول الشهادة، والوصف بالفسق. فقال الله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) النور/٤-٥. أما الحد فقد أجمع العلماء على أن حد القذف ثمانون جلدة إذا كان القاذف حراً، رجلاً كان أم امرأة؛ لقول الله تعالى: (فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً) النور/٤. وأما عدم قبول شهادته، فقد اتفق العلماء على أن القاذف لا تقبل له شهادة ما دام لم يتب، لأنه ارتكب معصية كبيرة وهي القذف ولم يتب منها ففقد العدالة، والعدالة شرط لقبول الشهادة، ولأنه كاذب وفاسق بنص الآية الكريمة: (وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ) ، (لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمْ الْكَاذِبُونَ) النور/١٣. والفاسق والكاذب لا تقبل له شهادة، لقول الله تعالى: (وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ) فيشترط في الشاهد أن يكون عدلاً، والفاسق والكاذب ليس عدلاً. فإن تاب من القذف وكَذَّب نفسه، فذهب جمهور العلماء (مالك والشافعي وأحمد) إلى قبول شهادته، قالوا: ١- لأن التوبة تهدم ما كان قبلها من الذنوب، فإذا تاب فقد محي ذلك الذنب وأثره تماماً، وعدم قبول الشهادة من آثار ذلك الذنب. قال الإمام الشافعي في "الأم" (٧/٩٤) : "فإذا أكذب نفسه قبلت شهادته، وإن لم يفعل لم تقبل، حتى يفعل، لأن الذنب الذي ردت به شهادته هو القذف، فإذا أكذب نفسه فقد تاب" انتهى. ٢- ولأن تأبيد عدم قبول الشهادة في الآية مقيد بما إذا استمر على الفسق، ولذلك ذكر بعدها الحكم عليه بالفسق: (وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ) فإذا زال عنه وصف الفسق زال عنه سبب رد شهادته. ٣- أنه ورد عن عمر ﵁ أنه قال لمن قذفوا المغيرة بن شعبة بعدما جلدهم الحد، قال: (من تاب قبلت شهادته) رواه البخاري تعليقاً مجزوماً به. وتوبته: أن يكذب نفسه في اتهام المقذوف بالزنى، ولهذا جاء لفظ عمر عند ابن جرير: (من كذب نفسه قبلت شهادته) . فإذا تاب القاذف واستقام قُبلت شهادته، كغيره من المسلمين العدول. "المغني" (١٢/٣٨٦) ، "المجموع" (٢٢/٩٨-١٠١) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 8915

لا يجوز استبدال رجم الزاني بقتله بطريقة أخرى [السُّؤَالُ] ـ[هل يجوز تبديل رجم الزاني المحصن بالحجارة بقتله بالسيف أو بإطلاق النار؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الواجب رجم الزاني المحصن المكلف حتى يموت اقتداءً بسنة الرسول ﷺ حيث ثبت عنه ذلك بقوله وفعله وأمره، فقد رجم رسول الله ﷺ ماعزاً والجهنية والغامدية واليهوديين وثبت ذلك بأحاديث صحيحة عن النبي ﷺ وأجمع أهل العلم من الصحابة ﵃ والتابعين ومن بعدهم على ذلك، ولم يخالف في ذلك إلا من لا يعتد بخلافه، فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن ابن عابس ﵄ عن عمر ﵁ أنه قال: (إن الله بعث محمداً بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل الله آية الرجم، فقرأناها وعقلناها ووعيناها، فرجم رسول الله ورجمنا بعده فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، والرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البيّنة أو كان الحبل أو الاعتراف ... ) إلخ. وعلى ذلك لا يجوز استبدال الرجم بالقتل بالسيف أو إطلاق النار عليه لأن الرجم أشد نكالاً وتغليظاً وردعاً عن فاحشة الزنا الذي هو أعظم ذنب بعد الشرك، وقتل النفس التي حرّم الله، ولأن حد الزنا بالرجم للمحصن من الأمور التوقيفية التي لا مجال للاجتهاد والرأي فيها، ولو كان القتل بالسيف أو إطلاق النار جائزاً في حق الزاني المحصن لفعله الرسول ﷺ ولبيّنه لأمته ولفعله صحابته من بعده ﵃. [الْمَصْدَرُ] فتاوى اللجنة الدائمة (٢٢/٤٨-٤٩) .

стр. 8916

من ارتكب حداً في بلد لا يحكم بما أنزل الله، ماذا يفعل ؟ [السُّؤَالُ] ـ[إذا ارتكتب المسلم معصية فيها حد، كالزنى، وأراد أن يطهر نفسه بإقامة الحد عليه، ولكن حكومته لا تحكم بما أنزل الله، فماذا يفعل؟ وإذا طلب من بعض أقاربه أو أصدقائه أن يقيموا الحد عليه، فهل هذا صحيح، ويغفر له ذنبه؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله " اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لا يُقِيمُ الْحَدَّ إلا الإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ , وَذَلِكَ لِمَصْلَحَةِ الْعِبَادِ , وَهِيَ صِيَانَةُ أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَأَعْرَاضِهِمْ. وَالإِمَامُ قَادِرٌ عَلَى الإِقَامَةِ لِشَوْكَتِهِ , وَمَنَعَتِهِ , وَانْقِيَادِ الرَّعِيَّةِ لَهُ قَهْرًا وَجَبْرًا , كَمَا أَنَّ تُهْمَةَ الْمَيْلِ وَالْمُحَابَاةِ وَالْتَوَانِي عَنْ الإِقَامَةِ مُنْتَفِيَةٌ فِي حَقِّهِ , فَيُقِيمُهَا عَلَى وَجْهِهِ فَيَحْصُلُ الْغَرَضُ الْمَشْرُوعُ بِيَقِينٍ " اهـ. " الموسوعة الفقهية" (١٧/١٤٥) . وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة (٢١/٧) : " ولا يقيم الحدود إلا الحاكم المسلم أو من يقوم مقام الحاكم، ولا يجوز لأفراد المسلمين أن يقيموا الحدود لما يلزم على ذلك من الفوضى والفتنة " وجاء فيها أيضاً (٢١/٥-٦) : " لا يقيم الحدود إلا السلطان المسلم أو من ينوب عنه، من أجل ضبط الأمن، ومنع التعدي، والأمن من الحيف (الظلم) ، وعلى العاصي الاستغفار والتوبة إلى الله والإكثار من العمل الصالح، وإذا أخلص لله في التوبة تاب الله عليه، وغفر له بفضله وإحسانه. قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) الفرقان/٦٧-٧٠، وقال: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى) طه/٨٢، وقال النبي ﷺ : (الإسلام يهدم ما كان قبله، والتوبة تهدم ما كان) اهـ. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 8917

هل هذا الحديث مخالف لمبدأ المساواة والعدل في الإسلام ؟ [السُّؤَالُ] ـ[ما صحة الحديث الذي رواه أبو داود وغيره ونصه: (أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم) لأنني قرأت أن بعض الناس شكك فيه لأنه يعارض القرآن الكريم وآياته الداعية إلى إقامة المساواة والعدل.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله هذا الحديث رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والبيهقي وغيرهم عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود) وله طرق كثيرة لا تخلو من مقال، ولكنه بمجموعها يكون حديثاً حسناً. ومعنى الحديث: استحباب ترك مؤاخذه ذي الهيئة إذا وقع في زلة أو هفوة لم تعهد عنه إلا ما كان حداً من حدود الله تعالى وبلغ الحاكم فيجب إقامته. والمراد بـ (ذوي الهيئات) أهل المروءة والخصال الحميدة من عامة الناس، الذين دامت طاعتهم واشتهرت عدالتهم، ولكن زلت في بعض الأحايين أقدامهم، فوقعوا في ذنب وخطأ، ورد هذا المعنى العلامة ابن القيم ﵀ قائلاً: إن النبي ﷺ لا يعبر عن أهل التقوى والطاعة والعبادة بأنهم ذوو الهيئات، ولا عهد بهذه العبارة في كلام الله ورسوله للمطيعين المتقين، والظاهر أنهم ذوو الأقدار بين الناس من الجاه والشرف والسؤدد، فإن الله تعالى خصّهم بنوع تكريم وتفضيل على بني جنسهم، فمن كان منهم مستوراً مشهوراً بالخير حتى كبا به جواده، وأديل عليه شيطانه فلا نسارع إلى تأنبيه وعقوبته، بل تقال عثرته ما لم يكن حداً من حدود الله فإنه يتعيّن استيفاؤه من الشريف كما يتعيّن أخذه من الوضيع، فإن النبي ﷺ قال: (إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرق لقطعت يدها) متفق على صحته، وهذا باب عظيم من أبواب محاسن هذه الشريعة الكاملة، وسياستها للعالم وانتظامها لمصالح العباد في المعاش والمعاد. انتهى كلامه. وبما تقدم ذكره يتبيّن أن معنى الحديث ليس معارضاً لمبدأ المساواة والعدل في الإسلام وإنما فيه رفع المؤاخذة بالخطأ والذنب الذي ليس فيه حد إذا صدر عمن لم يكن من عادته ذلك، لم يترتب على ترك تعزيره مفسدة. [الْمَصْدَرُ] فتاوى اللجنة الدائمة (٢٢/١٨-٢٠) .

стр. 8918

تاب من الزنى، فهل لا بد من إقامة الحد عليه ؟ [السُّؤَالُ] ـ[أنا متزوج وزوجتي في بلدي، وأنا أعمل في دولة غربية من أجل المعيشة وتعليم أولادي ولكني اقترفت جريمة الزنا، وقد ندمت وتبت إلى الله، فهل يكفي ذلك أو لا؟ أو لا بد معه من إقامة الحد؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله لا شك أن الزنا من كبائر الذنوب، وإن من وسائله عري النساء واختلاط الرجال بالنساء الأجنبيات، وانحلال الأخلاق وفساد البيئة على العموم، فإذا كنت قد زنيت لبعدك عن زوجتك واختلاطك بأهل الشر والفساد ثم ندمت على جريمتك وتبت إلى الله توبة صادقة، فنرجو أن يتقبل الله توبتك، ويغفر ذنبك، لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) الفرقان/٦٨-٧٠، وقد ثبت عن عبادة بن الصامت ﵁ في حديث بيعة النساء أن النبي ﷺ قال: (فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب فهو كفارة له، ومن أصاب منها شيئاً من ذلك فستره الله فهو إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له) لكن يجب عليك أن تهاجر عن البيئة الفاسدة التي تغريك بالمعاصي، وتطلب المعيشة في غيرها من البلاد التي هي أقل شراً منها، محافظةً على دينك، فإن أرض الله واسعة، ولن يعدم الإنسان أرضاً يكسب فيها ما كتب الله له من الأرزاق، ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب. [الْمَصْدَرُ] فتاوى اللجنة الدائمة (٢٢/٤١-٤٢) .

стр. 8919

هل للسارق أن يعيد تركيب يده المقطوعة بعملية جراحية ؟ [السُّؤَالُ] ـ[في حالة تنفيذ عقوبة قطع اليد، هل يستحق المجرم استرداد اليد المقطوعة لتركيبها مرة أخرى بعملية جراحية.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله لا يحق للسارق استرداد يده المقطوعة، لما في ذلك من الذهاب بمعالم العقوبة على الجريمة، ويتبع ذلك إضعاف معنى الزجر والردع والعظة والاعتبار، وهو مناف لكمال الجزاء والنكال في وقوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) المائدة/٣٨ [الْمَصْدَرُ] فتاوى اللجنة الدائمة (٢٢/٢٢٠) .

стр. 8920

لماذا يقتل من كفر بعد إسلامه ؟ [السُّؤَالُ] ـ[عقوبة المرتد هو القتل، فلماذا هذا التشدد؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله عقوبة المرتد عن دين الإسلام هي القتل، قال الله تعالى: (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) البقرة/٢١٧، وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (من بدّل دينه فاقتلوه) رواه البخاري في صحيحه، ومعنى الحديث: من انتقل عن دين الإسلام إلى غيره واستمر على ذلك ولم يتب فإنه يقتل، وثبت أيضاً عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيّب الزاني، المارق من الدين التارك للجماعة) رواه البخاري ومسلم. وهذا التشديد في عقوبة المرتد لأمور عديدة منها: ١. أن هذه العقوبة زجر لمن يريد الدخول في الإسلام مصانعة أو نفاقاً، وباعث له على التثبت في الأمر فلا يقدم إلا على بصيرة وعلم بعواقب ذلك في الدنيا والآخرة، فإن من أعلن إسلامه فقد وافق على التزامه بكل أحكام الإسلام برضاه واختياره، ومن ذلك أن يعاقب بالقتل إذا ارتد عنه. ٢. من أعلن إسلامه فقد دخل في جماعة المسلمين، ومن دخل في جماعة المسلمين فهو مطالب بالولاء التام لها ونصرتها ودرء كل ما من شأنه أن يكون سبباً في فتنتها أو هدمها أو تفريق وحدتها، والردة عن الإسلام خروج عن جماعة المسلمين ونظامها الإلهي وجلب للآثار الضارة إليها والقتل أعظم الزواجر لصرف الناس عن هذه الجريمة ومنع ارتكابها. ٣. أن المرتد قد يرى فيه ضعفاء الإيمان من المسلمين وغيرهم من المخالفين للإسلام أنه ما ترك الإسلام إلا عن معرفة بحقيقته وتفصيلاته، فلو كان حقاً لما تحوّل عنه، فيتلقون عنه حينئذ كل ما ينسبه إليه من شكوك وكذب وخرافات بقصد إطفاء نور الإسلام وتنفير القلوب منه، فقتل المرتد إذاً هو الواجب؛ حماية للدين الحق من تشويه الأفّاكين، وحفظاً لإيمان المنتمين إليه وإماطة للأذى عن طريق الداخلين فيه. ٤. ونقول أيضاً: إذا كانت عقوبة القتل موجودة في قوانين البشر المعاصرة حماية للنظام من الاختلال في بعض الأحوال ومنعاً للمجتمع من الانسياق في بعض الجرائم التي تفتك به، كالمخدرات وغيرها، فإذا وُجد هذا لحماية قوانين البشر فدين الله الحق الذي لا يأيته الباطل من بين يديه ولا من خلفه والذي كله خير وسعادة وهناء في الدنيا والآخرة أولى وأحرى بأن يُعاقب من يعتدي عليه، ويطمس نوره، ويشوه نضارته، ويختلق الأكاذيب نحوه لتسويغ ردته وانتكاسه في ضلالته. فتاوى اللجنة الدائمة (٢١/٢٣١-٢٣٤) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 8921

حكم القتل من أجل الشرف [السُّؤَالُ] ـ[أود معرفة حكم القتل من أجل الشرف وكيف يمكن الأخذ بهذه العقوبة طبقا لأحكام الشريعة؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله: قتل المسلم بغير حق أمر عظيم وجرم كبير، قال الله : (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) النساء/٩٣. وروى البخاري (٦٣٥٥) عن ابن عمر رضى الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال: (لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما) . وقد بين لنا النبي ﷺ الأسباب التي بها يباح هذا الدم فقال: (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمفارق لدينه التارك للجماعة) رواه البخاري (٦٣٧٠) ومسلم (٣١٧٥) ، فتبين من هذا أن زنى الثيب هو أحد الأسباب المبيحة للقتل، لكن لا يقتل الزاني إلا بشرطين: الأول: أن يكون محصنا (وهو المراد بالثيب في الحديث المتقدم) ، وقد بين العلماء معنى الإحصان هنا: قال زكريا الأنصاري ﵀ في "أسنى المطالب" (٤/١٢٨) : "المحصن ذكرا كان أو أنثى كل مكلف حر وطئ أو وطئت في قُبُلٍ في نكاح صحيح " انتهى باختصار. وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀ في الشرح الزاد (٦/١٢٠) الطبعة المصرية: "فالإحصان شروطه خمسة: ١ـ الجماع ٢ـ في نكاح صحيح ٣ـ البلوغ ٤ـ العقل ٥ـ الحرية" انتهى. الشرط الثاني: ثبوت الحد عليه بأربعة شهود رجال يشاهدون الفرج في الفرج، أو أن يقر على نفسه بالزنا مختارا غير مكره. وإذا ثبت الحد عليه؛ فإنه لا يجوز لآحاد الناس أن يقيموا هذا الحد بأنفسهم، بل يجب الرجوع فيه إلى الحاكم أو من ينوب عنه، سواء كان في إجراءات الإثبات أو التنفيذ، لأن إقامة آحاد الرعية الحدود يؤدي إلى فساد واضطراب كبيرين. قال ابن مفلح الحنبلي ﵀ في "الفروع" (٦/٥٣) : "تحرم إقامة حد إلا لإمام أو نائبه". وهذا محل اتفاق بين فقهاء الإسلام، كما ورد هذا في "الموسوعة الفقهية" (٥/٢٨٠) : "يتفق الفقهاء على أن الذي يقيم الحد هو الإمام أو نائبه، سواء كان الحد حقا لله تعالى كحد الزنى، أو لآدمي كحد القذف" انتهى. والستر على من وقع في هذه الفاحشة ليتوب ويصلح عمله قبل الموت خير من فضحه فضلا عن قتله، وقد أعرض النبي ﷺ عن ماعز رضى الله عنه بعد أن اعترف بالزنى وتركه حتى عاد مرارا فأقام عليه الحد. وعلى هذا؛ فما يسمى القتل من أجل الشرف اعتداء وظلم، فإنه يقتل فيه من لا تستحق القتل، وهي البكر إذا زنت، فإن عقوبتها الشرعية الجلد والنفي سنة، وليست عقوبتها القتل، لقول النبي ﷺ : (البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام) رواه مسلم، فمن قتلها فقد قتل نفسا مؤمنة حرم الله تعالى قتلها، وقد ورد في ذلك الوعيد الشديد إذ قال سبحانه في سورة الفرقان: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا) الفرقان/٦٨، ٦٩. وعلى فرض أنها تستحق القتل (إذا كانت ثيبا وزنت) فلا يقوم بذلك إلا الحاكم – كما سبق -. ثم إنه في حالات كثيرة يتم القتل لمجرد الشبهة والظن، من غير تحقق وقوع الفاحشة. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 8922

إذا اتهمت زوجها بالزنا هل لها أن تلاعنه ؟ [السُّؤَالُ] ـ[أود معرفة ما هو الإجراء الذي تتبعه المرأة التى تتهم زوجها بالزنا. هل عليها أن تقسم يمين اللعان على نفسها كما فى سورة النور؟ أم أن هذا يسري فقط على الزوج الذى يتهم زوجته؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله اللعان إنما يشرع لأمرين: الأول: إذا قذف الزوج زوجته بالزنا، ولم يأت بأربعة شهود، فله إسقاط حد القذف عنه باللعان. والثاني: أن يريد نفي الولد عنه. والأصل في ذلك قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ... الآيات) النور/٦ قال ابن كثير ﵀ في تفسيره: " هذه الآية الكريمة فيها فَرَجٌ للأزواج وزيادة مخرج إذا قذف أحدهم زوجته، وتعسّر عليه إقامة البينة أن يلاعنها كما أمر الله وهو أن يحضرها إلى الإمام فيدّعي عليها بما رماها به، فيحلفه الحاكم أربع شهادات بالله في مقابلة أربعة شهداء إنه لمن الصادقين أي فيما رماها به من الزنا، والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، فإذا قال ذلك، بانت منه بنفس هذا اللعان عند الشافعي وطائفة كثيرة من العلماء، وحرمت عليه أبداً، ويعطيها مهرها ويتوجب عليها حد الزنا، ولا يدرأ عنها العذاب إلا أن تلاعن فتشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، أي فيما رماها به والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين، ولهذا قال: (ويدرأ عنها العذاب) يعني الحد (أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين * والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين) " انتهى. وأما الزوجة فإذا قذفت زوجها بالزنا، ولم تأت بأربعة شهود، فإنها تحد حدّ القذف؛ لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) النور/٤. وهذه الآية تشمل قذف النساء والرجال سواء. قال القرطبي ﵀ في تفسيره: " ذكر الله تعالى في الآية النساء من حيث هنّ أهم، ورميهن بالفاحشة أشنع وأنكى للنفوس. وقذف الرجال داخل في حكم الآية بالمعنى، وإجماع الأمة على ذلك " انتهى. وقال الماوردي في "الأحكام السلطانية" ص ٢٨٧: " وإذا قذفت المرأة زوجها حُدَّت , ولم تلاعن " انتهى. وإذا علمت المرأة بزنا زوجها، ولم يكن لديها البينة، وهي أربعة شهود، فإن عليها أن تنصحه وتذكره وتخوفه بالله تعالى، فإن استمر في غيه، فلتطلب الطلاق منه، أو تخالعه، لأنه لا خير لها في البقاء معه، ولما قد يترتب على مجامعته لها من مضرة عليها. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 8923

اختراق مواقع البنوك وتحويل أموال منها هل تعدُّ سرقة توجب القطع ؟ [السُّؤَالُ] ـ[هل يعتبر اختراق مواقع البنوك عن طريق الإنترنت وتحويل مبالغ مالية من البنك إلى حساب المخترق , هل يعتبر ذلك سرقة؟ وهل يقام على المخترق حد السرقة؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله السرقة حرام، بل هي من كبائر الذنوب، حتى قال النبي ﷺ : (وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ) رواه البخاري (٥٥٧٨) ومسلم (٥٧) . ولا شك أن اختراق مواقع البنوك وتحويل الأموال منها أمر محرّم، وأكل لأموال الناس بالباطل. وأما كون ذلك يوجب قطع اليد، فالأمر في ذلك راجع إلى القاضي الشرعي الذي رفعت له القضية. وقطع يد السارق لا بد له من شروط، منها أن يكون المال مسروقاً من حرز (وهو ما يُحفظ فيه المال عادة) قال الإمام القرطبي ﵀: " اتفق جمهور الناس على أن القطع لا يكون إلا على مَن أخرج مِن حرزٍ ما يجب فيه القطع ... الحزر هو: ما نُصب عادةً لحفظ أموال الناس، وهو يختلف في كل شيء بحسب حاله. قال ابن المنذر: ليس في هذا الباب خبر ثابت لا مقال فيه لأهل العلم، وإنما ذلك كالإجماع من أهل العلم " انتهى. " تفسير القرطبي " (٦ / ١٦٢) . وسئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء: ما هي شروط قطع اليد في السرقة؟ . فأجابوا: " يشترط لقطع يد السارق تسعة شروط: ١. السرقة، وهي: أخذ المال مختفياً، فإن اختطفه أو اختلسه: فلا قطع عليه. ٢. أن يكون السارق مكلَّفاً، فلا يجب الحد على الصبي، ولا المجنون. ٣. أن يكون المسروق نِصاباً، فلا قطع فيما دونه، والنصاب: ربع دينار من الذهب، أو ما قيمته ذلك من غيره. ٤. أن يكون المسروق مما يتمول عادة. ٥. أن يكون المسروق مما لا شبهة فيه. ٦. أن يسرق مِن حرز. ٧. أن يُخرجه مِن الحرز. ٨. أن تثبت السرقة عند الحاكم بشهادة عدلين، أو إقرار من السارق. ٩. أن يأتي مالك المسروق ويدعيه. والنظر في هذه الشروط , وتنزيلها على السرقة راجع إلى القضاء الشرعي " انتهى. الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ بكر أبو زيد. " فتاوى اللجنة الدائمة " (٢٢ / ٢٢٣، ٢٢٤) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 8924

عقوبة من حمل الخمر وأوصلها لغيره [السُّؤَالُ] ـ[أنا شاب أعمل في إحدى الدول الأجنبية، والحمد لله وظيفتي جيدة. بالأمس جاء أحد الأشخاص لزيارة الشركة. وقام بجلب هدايا لي ولمديري ولأحد الأشخاص الذي يعمل معي, والهدايا كانت والعياذ بالله زجاجات خمر. أنا رفضت تماماً أن أقبل هذه الهدية، ولكن طلب مني أخذ هذه الزجاجات لأعطيها لمديري والموظف الآخر، مع العلم أن أيا منهما لم يكن موجوداً في الشركة في ذلك الوقت، والشخص الضيف لا يستطيع الصعود لكي يقوم هو بإيصالها. وقمت - والله كنت خائفا جدا - بنقلهم للأعلى. أرجو من حضرتكم إبلاغي بالحكم الشرعي وهل ينطبق علي الحديث. لعن الله شارب الخمر وحاملها ... إلى نهاية الحديث. (والله إني ندمان أشد الندم) ]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الخمر يحرم شربها وبيعها وحملها والإعانة عليها بأي وجه من الوجوه، لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) المائدة/٩٠ وروى أبو داود (٣٦٧٤) وابن ماجه (٣٣٨٠) عن ابْنِ عُمَرَ قال قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لَعَنَ اللَّهُ الْخَمْرَ وَشَارِبَهَا وَسَاقِيَهَا وَبَائِعَهَا وَمُبْتَاعَهَا وَعَاصِرَهَا وَمُعْتَصِرَهَا وَحَامِلَهَا وَالْمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ) . وصححه الألباني في صحيح أبي داود. ورواه الترمذي (١٢٩٥) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: (لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْخَمْرِ عَشْرَةً عَاصِرَهَا وَمُعْتَصِرَهَا وَشَارِبَهَا وَحَامِلَهَا وَالْمَحْمُولَةُ إِلَيْهِ وَسَاقِيَهَا وَبَائِعَهَا وَآكِلَ ثَمَنِهَا وَالْمُشْتَرِي لَهَا وَالْمُشْتَرَاةُ لَهُ) . وقد أحسنت في عدم قبول هذه الهدية الخبيثة، فهكذا فعل رسول الله ﷺ ، كما في صحيح مسلم (١٥٧٩) (إِنَّ رَجُلًا أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَاوِيَةَ خَمْرٍ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : هَلْ عَلِمْتَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَهَا؟ قَالَ: لَا. فَسَارَّ إِنْسَانًا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : بِمَ سَارَرْتَهُ؟ فَقَالَ: أَمَرْتُهُ بِبَيْعِهَا. فَقَالَ: إِنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا حَرَّمَ بَيْعَهَا) . لكنك أخطأت في حملها، وقبولها لغيرك، وكان الواجب عليك أن ترفض هذا، وأن تبين لهذا المهدي حرمة الخمر، وحرمة الإعانة عليها، وألا تخشى في الله لومة لائم. والواجب عليك الآن أن تتوب إلى الله تعالى، وأن تعزم على عدم العود لذلك أبدا. وعليك أن تنصح لمديرك ومن معه ألا يشربوا الخمر، وأن يحذروا سوء عاقبتها فإنها أم الخبائث. عَنْ جَابِرٍ ﵁ أن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: " إِنَّ عَلَى اللَّهِ عَهْدًا لِمَنْ يَشْرَبُ الْمُسْكِرَ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا طِينَةُ الْخَبَالِ قَالَ عَرَقُ أَهْلِ النَّارِ أَوْ عُصَارَةُ أَهْلِ النَّارِ. " رواه مسلم (٣٧٣٢) . وفق الله الجميع لما يحب ويرضى. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 8925

إذا كان شارب الخمر لا تقبل صلاته أربعين يوما فهل لا يقبل حجه أيضا [السُّؤَالُ] ـ[طلعت مع أصدقائي وشربت معهم خمر، وأنوي الحج هذه السنة , وسمعت أن الذي يشرب الخمر لا تقبل صلاته أربعين يوم ,, هل إذا حججت هذه السنة لن يقبل حجي بسبب فعلتي القبيحة؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله شرب الخمر كبيرة من كبائر الذنوب، وقد جاء في وعيد من فعل ذلك أحاديث كثيرة تدل على عظم هذه الجريمة، وعظم عقوبتها عند الله، ومن ذلك عدم قبول الصلاة مدة أربعين يوما. وقد سبق بيان ذلك في الجواب رقم (٢٠٠٣٧) و (٣٨١٤٥) و (٢٧١٤٣) . وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الأمر ليس خاصا بالصلاة، بل لا تقبل العبادات الأخرى أيضا، نسأل الله العفو والعافية. قال المباركفوري في تحفة الأحوذي "وَقِيلَ: إِنَّمَا خَصَّ الصَّلاةَ بِالذِّكْرِ لأَنَّهَا أَفْضَلُ عِبَادَاتِ الْبَدَنِ , فَإِذَا لَمْ تُقْبَلْ فَلأَن لا يُقْبَلُ غيرها من العبادات أَوْلَى" اهـ من تحفة الأحوذي بتصرف وكذا قال العراقي والمناوي. وقد نبهنا في الأجوبة المحال عليها إلى أمرين: الأول: أن عدم القبول، يعني عدم حصول الثواب، ولا يعني أن يترك الإنسان العبادة، بل إذا تركها فقد اقترف ذنبا آخر، وربما كان أعظم من شرب الخمر، كترك الصلاة. ومن كان مستطيعا للحج، فإنه يجب عليه فورا، عند جمهور العلماء، ولا يجوز له تأخيره، فإذا أخره كان آثما. الثاني: أن هذه العقوبة على شرب الخمر إنما هي في حق من لم يتب، أما من تاب وأناب إلى الله فإن الله يتوب عليه ويتقبل منه أعماله. وبهذا تعلم أنه يجب عليك أن تتوب إلى الله تعالى، وأن تعزم على عدم العود لذلك أبدا. وينبغي أن تكثر من الأعمال الصالحة، ومنها الحج، فإن الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة، وإذا اجتمع الحج المبرور مع التوبة، كُفّرت جميع السيئات، صغيرها وكبيرها. والحذر الحذر من هذه الرفقة السيئة التي جرّتك إلى هذه المعصية العظيمة، وأوقعتك في هذا الإثم الكبير، فبادر بنصحهم ودعوتهم للتوبة والرجوع إلى الله، فإن استجابوا وإلا ففر منهم فرارك من الأسد، فإن المرء يحشر مع من أحب يوم القيامة، وإن صحبة الفاجر لا يأتي من ورائها إلا الخسران والبوار، قال تعالى: (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا) الفرقان/٢٧- ٢٩ نسأل الله تعالى أن يتوب عليك ويصفح ويتجاوز عنك وأن يهديك صراطه المستقيم، ويثبتك عليه، ويصرف عنك شياطين الإنس والجن. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 8926

تحصين المجتمعات من الزنا [السُّؤَالُ] ـ[كيف يتم إحضار أربعة شهود على الزاني والزانية، في الوقت الحاضر؟ وكيف تتم نصيحة شبابنا المسلم من هذا العمل القبيح؟ جزاكم الله خير الجزاء.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد للَّه أولا: يعد العلماء في طرق ثبوت الزنا أربعة طرق: ١- الشهادة. ٢- والإقرار. ٣- وحمل من لا زوج لها ولا سيد. ٤- وإذا تم لعان الزوج ولم تدافعه الزوجة. ويشترط في الشهود على الزنا أن يكونوا أربعة ممن تجوز شهادتهم، يصفون الزنا بصريح لفظه – وهو أنهم رأوا ذكر الرجل في فرج المرأة -، فإن اكتفى بعضهم بالشهادة برؤيتهما متجردين من اللباس، أو وصفوا هيئة وحركة معينة، فلا يكفي ذلك لثبوت الزنا. يقول الشيخ ابن عثيمين ﵀ في "الشرح الممتع" (٦/١٥٧) : " يصفون الزنا بلفظ صريح بأن يقولوا: رأينا ذكره في فرجها. لا بد من هذا، فلو قالوا رأيناه عليها متجردين، فإن ذلك لا يقبل، حتى لو قالوا نشهد بأنه كان منها كما يكون الرجل من امرأته، فإنها لا تكفي الشهادة، لا بد أن يقولوا نشهد أن ذكره في فرجها، وهذا صعب جدا، مثلما قال الرجل الذي شهد عليه في عهد عمر، لو كنت بين الأفخاذ لن تشهد هذه الشهادة. ولهذا ذكر شيخ الإسلام في عهده أنه لم يثبت الزنا عن طريق الشهادة من عهد النبي ﷺ إلى عهد شيخ الإسلام ابن تيمية، وإذا لم يثبت من هذا الوقت إلى ذلك الوقت، فكذلك لا نعلم أنه ثبت بطريق الشهادة إلى يومنا هذا؛ لأنه صعب جدا " انتهى. وليس هذا التشديد في أمر الشهادة على الزنا إلا لتحقيق مقصد أراده الشارع، وهو الستر على العباد، وعدم إشاعة الفاحشة، وتجنيب المجتمعات الاتهام في الأعراض والطعن في الأنساب. يقول القرطبي ﵀ في "الجامع لأحكام القرآن" (٥/٨٣) : " جعل الله الشهادة على الزنا خاصةً أربعةً: تغليظاً على المدَّعِي، وسترا على العباد " انتهى ويقول الشيخ عبد الرحمن السعدي في "تفسيره" (١/٥٦٣) : " (لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ) أي: هلا جاء الرامون على ما رموا به، (بأربعة شهداء) أي: عدول مرضيين. (فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ) وإن كانوا في أنفسهم قد تيقنوا ذلك، فإنهم كاذبون في حكم الله، لأن الله حرم عليهم التكلم بذلك من دون أربعة شهود، ولهذا قال: (فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ) ولم يقل (فأولئك هم الكاذبون) وهذا كله من تعظيم حرمة عرض المسلم، بحيث لا يجوز الإقدام على رميه من دون نصاب الشهادة بالصدق " انتهى. وانظر جواب السؤال رقم (٨٣٩) ، (٦٩٢٦) ثانيا: أما تحصين شبابنا ومجتمعاتنا من هذه الفاحشة المهلكة، فلا بد له من عمل عام تقوم عليه الدول والمجتمعات، وتتضافر له جهود الجهات المختلفة، فهي مسؤولية جماعية وليست فردية، ولا يمكن تحقيق سلامة المجتمعات إلا بتكامل الأخذ بالأسباب التي تحفظ من الزنا والولوغ فيه، ومن تلك الأسباب: ١- نشر التوعية العامة بعظم إثم الزنا، وأنه من الكبائر التي اتفق العقل والشرع على قبحه وشناعته وتحريمه، وبيان أنه سبب لهلاك الأمم وحلول المصائب والكوارث في الدنيا، وأن جزاءه النار يوم القيامة. قال الإمام أحمد: ليس بعد قتل النفس أعظم من الزنا. "غذاء الألباب" (٢/٤٣٥) يقول الله تعالى: (وَلَا تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً) الإسراء/٣٢ يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي في "تفسيره" (١/٤٥٧) : " ووصف الله الزنى وقبحه بأنه (كَانَ فَاحِشَةً) أي: إثما يستفحش في الشرع والعقل والفِطَر؛ لتضمنه التجري على الحرمة في حق الله وحق المرأة وحق أهلها أو زوجها وإفساد الفراش واختلاط الأنساب وغير ذلك من المفاسد. وقوله: (وَسَاءَ سَبِيلا) أي: بئس السبيل سبيل من تجرأ على هذا الذنب العظيم " انتهى. ٢- توعية الشباب بالآثار السيئة المترتبة على انتشار هذه الفاحشة، والتي يتهدد استقرار الأسر والمجتمعات، كانتشار الأمراض القاتلة، وظهور أولاد الحرام، وانهيار التكوين الأسري، وتشرد الأبناء، وتلقيهم السلوكات السيئة، وارتفاع معدلات الطلاق، وانتشار الجريمة، وغير ذلك، وهي آثار تعيشها المجتمعات التي تنتشر فيها الإباحية في أسوأ صورها، مما ينذر بانحلال مجتمعاتهم، وسقوط حضارتهم. ٣- العمل على تيسير الطريق الشرعي للعلاقات الجنسية، بالزواج الحلال الطيب، وذلك بالترغيب فيه وبيان ندب الشريعة إليه، وأنه من سنن المرسلين، وأن من تزوج فقد استكمل نصف الدين، وأن له أجرا في إعفافه نفسه وزوجه. ٤- ومن مسؤولية المجتمع في هذا السبيل إزالة العوائق التي تؤخر الزواج، فتعالج الفقر الذي قد يكون مانعا من الزواج، وتوفر الدعم المادي للشباب الذي لا يملك ما يعف به نفسه، حتى قال القرطبي في تفسير قوله تعالى: (وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) النور/٣٢ " زوجوا من لا زوج له منكم، فإنه طريق التعفف " انتهى. (١٢/٢٣٩) . وفي كتاب "الأموال" لأبي عبيد القاسم بن سلام (٢٥١) أن عمربن عبد العزيز كتب إلى واليه بالعراق: أن انظر كل بكر وليس له مال فشاء أن تزوجه فزوجه وأصدق عنه. ويقول ابن قدامة ﵀ في "المغني" (٧/٥٨٧) : " يلزم الرجل إعفاف ابنه إذا احتاج إلى النكاح، وهذا ظاهر مذهب الشافعي " انتهى. ٥- وأدنى ما يمكن أن يتحمله المجتمع والآباء تجاه هذه المسألة المهمة ترك المغالاة في المهور، أو التفاخر والمباهاة بتكاليف الزواج، أو السعي إلى التكسب منها. خطب عمر بن الخطاب على المنبر فقال: (أَلَا لَا تُغَالُوا بِصُدُقِ النِّسَاءِ – أي مهورهن - فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَكْرُمَةً فِي الدُّنْيَا أَوْ تَقْوَى عِنْدَ اللَّهِ لَكَانَ أَوْلَاكُمْ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ مَا أَصْدَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ وَلَا أُصْدِقَتْ امْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِهِ أَكْثَرَ مِنْ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً) رواه أبو داود (٢١٠٦) وصححه الألباني في صحيح أبي داود. ولا يختلف المصلحون في أن استغلال الآباء مهور البنات كان واحدا من أسباب انتشار الفساد والرذيلة في المجتمعات. يقول وول ديورانت وهو يحكي أسباب انتشار الرذيلة في بعض المجتمعات الغربية في فترة من التاريخ في كتاب "مباهج الفلسفة" (١٢٧-١٢٨) : " ولا نزاع في أن ذلك يرجع إلى حد ما إلى ما كان يقتضيه الآباء المغرمون ببناتهم من مهر غال ثمنا لعفتهن، وقت أن كان الزواج يشترى صراحة " انتهى. ٦- ومن أهم ما يقي المجتمعات رذيلة الزنا إشاعة جو المحبة والمودة بين الأزواج، والحرص على سعادة الأسرة بالحب والاحترام والصدق والوفاء وأداء الحقوق والواجبات، فإن الأسرة السعيدة والزوجين المتفاهمين المتآلفين وقاءٌ للمجتمع من الانحراف والسقوط في الفواحش بحثا عن سعادة موهومة. ٧- وأخيرا لا بد من العمل على تهيئة المناخ المحافظ الملتزم المتعلق بالله ، والذي تختفي فيه مظاهر التبرج والسفور، وتستر فيه العورات، وتمنع فيه الخمور والمعازف التي هي رقية الزنا، فإن هذه الأمور هي الوقود التي تشعل نار الفاحشة، فإذا تخلص المجتمع منها فقد أمِن من النار. ويمكن الاستفادة بأجوبة الأسئلة الآتية المنشورة في موقعنا (٢٠١٦١) ، (٣٢٣٤) . ومن الكتب المفيدة في هذا الموضوع كتاب " التدابير الواقية من الزن ا" تأليف د فضل إلهي فيمكن الاستفادة منه والرجوع إليه. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 8927

الزنا بالمحارم أعظم إثما وجرما [السُّؤَالُ] ـ[ما هو حد زنا المحارم؟ وهل هناك توبة منه؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: الزنى بذوات المحارم أعظم إثما من الزنى بغير المحارم، لما فيه من القطيعة والأذى والاعتداء على الرحم المأمور بصلتها، ولهذا ذهب بعض العلماء إلى أن الزاني بالمحارم يقتل مطلقا، سواء كان محصنا أو غير محصن، وهي رواية عن أحمد ﵀. والجمهور على أنه يحد حد الزاني، فيرجم المحصن، ويجلد غير المحصن مائة جلدة، وإن كان إثمه أعظم. وقال في "مطالب أولي النهى" (٦/١٨١) : " وزان بذات محرم كأخته كزان بغيرها ; لعموم الأخبار وعنه ; أي: الإمام أحمد: يقتل زان بذات محرم بكل حال أي: محصنا كان أو لا , قيل له: فالمرأة؟ قال: كلاهما في معنى واحد. والمذهب ما تقدم (يعني أن الزنا بذات المحرم كغيرها) " انتهى. وقال ابن القيم ﵀ عن وطء الأم والبنت والأخت: " فإن النفرة الطبيعية عنه كاملة، مع أن الحد فيه من أغلظ الحدود في أحد القولين وهو القتل بكل حال محصنا كان أو غير محصن، وهذه إحدي الروايتين عن الإمام أحمد، وهو قول إسحاق بن راهويه وجماعة من أهل الحديث. وقد روى أبو داود من حديث البراء بن عازب قال: لقيت عمى ومعه الراية فقلت له: إلى أين تريد؟ قال بعثني رسول الله إلى رجل نكح امرأة أبيه من بعده أن أضرب عنقه وآخذ ماله. [صححه الألباني في إرواء الغليل (٢٣٥١) ] . وفي سنن أبي داود وابن ماجه من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : (من وقع على ذات محرم فاقتلوه) . [ضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥٥٢٤) ] . ..... وقد اتفق المسلمون على أن من زنا بذات محرم فعليه الحد، وإنما اختلفوا في صفة الحد هل هو القتل بكل حال أو حده حد الزاني؟ على قولين، فذهب الشافعي ومالك وأحمد في إحدى روايتيه إلى أن حده حد الزاني، وذهب أحمد وإسحق وجماعة من أهل الحديث إلى أن حده القتل بكل حال " انتهى من "الجواب الكافي" ص (٢٧٠) باختصار. وقد اختار الشيخ ابن عثيمين ﵀ القول بقتل الزاني بذات المحرم بكل حال. قال: " وظاهر كلام المؤلف أنه لا فرق بين الزنا بذوات المحارم وغيرهم، ولكن بذوات المحارم فيه القتل بكل حال، لحديث صحيح ورد في ذلك، واختار ذلك ابن القيم في كتاب الجواب الكافي على أن الذي يزني بذات محرم منه فإنه يقتل بكل حال. مثلا: لو زنى بأخته والعياذ بالله أو بعمته أو خالته أو أم زوجته أو بنت زوجته التي دخل بها، وما أشبه ذلك فإنه يقتل بكل حال؛ لأن هذا الفرج لا يحل بأي حال من الأحوال، لأنه من محارمه، ولأن هذه فاحشة عظيمة , وورد في ذلك أيضا حديث عن الرسول ﷺ في قتل من أتى محرما من محارمه، وهو رواية عن أحمد، وهي الصحيحة أن من زنى بذوات المحارم يقتل ولو كان غير محصن " انتهى من "الشرح الممتع" (٦/١٣٢) ط. هجر. وجاء في "الموسوعة الفقهية" (٢٤/٢٠) : " يتفاوت إثم الزنى ويعظم جرمه بحسب موارده. فالزنى بذات المحرم أو بذات الزوج أعظم من الزنى بأجنبية أو من لا زوج لها , إذ فيه انتهاك حرمة الزوج , وإفساد فراشه , وتعليق نسب عليه لم يكن منه , وغير ذلك من أنواع أذاه. فهو أعظم إثما وجرما من الزنى بغير ذات البعل والأجنبية. فإن كان زوجها جارا انضم له سوء الجوار. وإيذاء الجار بأعلى أنواع الأذى , وذلك من أعظم البوائق , فلو كان الجار أخا أو قريبا من أقاربه انضم له قطيعة الرحم فيتضاعف الإثم. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه) . ولا بائقة أعظم من الزنى بامرأة الجار. فإن كان الجار غائبا في طاعة الله كالعبادة , وطلب العلم , والجهاد , تضاعف الإثم، حتى إن الزاني بامرأة الغازي في سبيل الله يوقف له يوم القيامة , فيأخذ من عمله ما شاء. قال رسول الله ﷺ : (حرمة نساء المجاهدين على القاعدين كحرمة أمهاتهم , وما من رجل من القاعدين يخلف رجلا من المجاهدين في أهله فيخونه فيهم , إلا وقف له يوم القيامة فيأخذ من عمله ما شاء، فما ظنكم؟) رواه مسلم (١٨٩٧) . أي: ما ظنكم أن يترك له من حسناته؟ قد حكم في أنه يأخذ ما شاء على شدة الحاجة إلى حسنة واحدة , فإن اتفق أن تكون المرأة رحما له انضاف إلى ذلك قطيعة رحمها , فإن اتفق أن يكون الزاني محصنا كان الإثم أعظم , فإن كان شيخا كان أعظم إثما وعقوبة , فإن اقترن بذلك أن يكون في شهر حرام , أو بلد حرام , أو وقت معظم عند الله كأوقات الصلوات وأوقات الإجابة تضاعف الإثم " انتهى. ثانيا: من ابتلي بشيء من ذلك فليبادر بالتوبة إلى الله تعالى، فإن التوبة تصح من كل ذنب مهما كان عظيما، قال تعالى: (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) التوبة/١٠٤. وقال سبحانه: (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ َعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) الفرقان/٦٨- ٧٠. وقال تعالى: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى) طه/٨٢، وفي هذه الآية إرشاد إلى أن التائب ينبغي له أن يكثر من الأعمال الصالحة، وأن يسلك طريق الهداية، ويبتعد عن أسباب الغواية. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 8928

طلقها مقابل نصف المهر بعد أن قذفها فهل له الحق في هذا المال ؟ [السُّؤَالُ] ـ[إنني فتاه ملتزمة، ولله الحمد، ولقد حدثت بيني وبين زوجي - الذي لي منه ابنة - مشكلة ذهبت بسببها إلى بيت والدي؛ حيث إنه شك فيَّ واتهمني في عرضي وشرفي بدون أي أسباب مقنعة، ثم يعتذر، ويرجع مرة أخرى للاتهامات، وتكرر ذلك منه عدة مرات؛ مما أكد لي أن به مرض الوسواس، فلم أعد أحتمل، فذهبت إلى أهلي، وبعد ذهابي إليهم مكثت عندهم أربعة أشهر، لم يزدد فيها زوجي إلا عناداً وإصراراً على موقفه بدون إثبات أي دليل ضدي، وبعدما ذهب إليه أخي للتفاهم معه وجده مصرّاً على موقفة، وأنه يطلب مني أن أستتاب، وازداد الموقف سوءًا بينهما، وأساء إلى والدي وإلى تربيته لي، عندها أصرَّ أخي ووالدي على طلاقي منه، وإلا فسوف يحيل مشكلتنا للقضاء، وعليه أن يثبت ما لديه من اتهامات ضدي، فطلب زوجي مقابل طلاقه لي نصف المهر، ولكن بعد فترة طلقني من غير أن نعطيه أي مبلغ، وسكت هو عن ذلك، ولم يعد يطالب مرة أخرى بالمال. والآن، قد عوضني الله بزوج آخر ملتزم، ولله الحمد، وقد نبهني زوجي الثاني إلى أنه قد يكون لزوجي الأول مال لدي، وبسبب خشيتي من الحرام وأكل مال الناس وحقوقهم، أرجو إفتائي في هذا الأمر، مع العلم أنني لا أملك ذلك المال، وأنني لم أطالبه بأي مصاريف لابنته، وهو أحيانا يرسلها، وأحيانا لا يرسل، فهل له أي حق مالي عندي؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: قذف الزوج زوجتَه واتهامها بشرفها من كبائر الذنوب، وهو موجب للحدِّ ورد شهادته، ولا بدَّ له من بينة شرعية لإثبات الفاحشة، أو يلاعن. قال ابن قدامة – ﵀: إذا قذف زوجته المحصنة وجب عليه الحد , وحُكم بفسقه , وردِّ شهادته , إلا أن يأتي ببيِّنة أو يلاعن , فإن لم يأت بأربعة شهداء , أو امتنع من اللعان: لزمه ذلك كله، وبهذا قال مالك، والشافعي ... [ويدل لذلك] : قول الله تعالى (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) ، وهذا عام في الزوج وغيره , وإنما خص الزوج بأن أقام لعانه مقام الشهادة في نفي الحد والفسق ورد الشهادة عنه. وأيضا: قول النبي ﷺ : (البيِّنة وإِلَاّ حدٌّ في ظَهْركِ) ، وقوله لما لاعن: (عَذابُ الدنْيا أَهْونُ مِنْ عَذابِ الآخِرَة) ؛ ولأنه قاذف يلزمه الحد لو أكذب نفسه , فلزمه إذا لم يأت بالبينة المشروعة، كالأجنبي. " المغني " (٩ / ٣٠) . وعليه: فالواجب على الزوج أن يتقي الله تعالى في نفسه وفي زوجته، وعليه أن يكف عن الكلام المسيء، والكلام على زوجته طعن في شرفه وعرضه هو، وعليه أن يكذِّب نفسه ويبرئ زوجته مما افتراه عليها، فإن لم يفعل فإنه مستحق لما رَّتبه الله تعالى على فعله من الحد ورد الشهادة والفسق، ولها حق طلب الطلاق منه، وعليه أن يؤدي لها حقوقها كاملة. ثانياً: التضييق على الزوجة باتهامها بالباطل وإيذائها وضربها لتتنازل عن مهرها أو عن شيء منه يسمى " العضل "، وهو محرَّم إلا أن تأتي بفاحشة مبينة، فإن فعل الزوج فإنه غير مستحق لما تتنازل عنه زوجته، ويجب عليه أن يرجعه لها، وإن رفض تطليقها فلها أن تفتدي نفسها منه وتتنازل عن مهرها أو أقل أو أكثر، فإن كان كاذبا ظالماً فما أخذه منها سحت وحرام، وإن كان صادقاً فما أخذه حلال له، على أن يُثبت ما يستوجب الحد بشهود أربعة أو ملاعنة، وهذا في حال أنه يشهر بها ويقذفها علانية، أما إذا رأى فاحشة عليها فيما بينه وبين ربه، فإن له أن يعضلها ليضيق عليها لتفتدي نفسها. سئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: عن رجل اتهم زوجته بفاحشة؛ بحيث إنه لم ير عندها ما ينكره الشرع، إلا ادَّعى أنه أرسلها إلى عرس ثم تجسس عليها فلم يجدها في العرس، فأنكرت ذلك، ثم إنه أتى إلى أوليائها وذكر لهم الواقعة، فاستدعوا بها لتقابل زوجها على ما ذكر، فامتنعت خوفا من الضرب فخرجت إلى بيت خالها، ثم إن الزوج بعد ذلك جعل ذلك مستندا في إبطال، حقها وادعى أنها خرجت بغير إذنه، فهل يكون ذلك مبطلا لحقها، والإنكار الذي أنكرته عليه يستوجب إنكارا في الشرع؟ . فأجاب: قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة) فلا يحل للرجل أن يعضل المرأة بأن يمنعها ويضيق عليها حتى تعطيه بعض الصداق، ولا أن يضربها لأجل ذلك، لكن إذا أتت بفاحشة مبينة كان له أن يعضلها لتفتدي منه، وله أن يضربها، وهذا فيما بين الرجل وبين الله. وأما أهل المرأة فيكشفون الحق مع من هو، فيعينونه عليه فإن تبين لهم أنها هي التي تعدت حدود الله وآذت الزوج في فراشه، فهي ظالمة متعدية فلتفتد منه، وإذا قال إنه أرسلها لى عرس ولم تذهب إلى العرس فليسأل إلى أين ذهبت، فإن ذكر أنها ذهبت إلى قوم لا ريبة عندهم وصدقها أولئك القوم، أو قالوا لم تأت إلينا، وإلى العرس لم تذهب؛ كان هذا ريبة ن وبهذا يقوى قول الزوج. وأما الجهاز الذي جاءت به من بيت أبيها، فعليه أن يرده عليها بكل حال، وإن اصطلحوا فالصلح خير. ومتى تابت المرأة جاز لزوجها أن يمسكها ولا حرج في ذلك، فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له. وإذا لم يتفقا على رجوعها إليه فلتبرئه من الصداق وليخلعها الزوج؛ فإن الخلع جائز بكتاب الله وسنة رسوله كما قال الله تعالى (فان خفتم أن لا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به) . " مجموع الفتاوى " (٣٢ / ٢٨٣، ٢٨٤) . ثالثاً: والذي يظهر لنا أنه لا حق له عندكِ، وأن ما طلبه من نصف المهر ليس حقّاً شرعيّاً له، ويبدو أنه راجع نفسه أو أن أحداً أخبره بذلك، ولذلك لم يطالب به، كما أنه قد يكون جعل نصف المهر مقابل رعايتك لابنته ونفقتك عليها. وبكل حال: فهو لم يأتِ بشهود على ما قذفك به، ولم يلاعن، ولم يرَ شيئاً يجعله غير آثم بينه وبين ربه، وكل ذلك يجعل الحق لكِ لا له – بحسب سؤالك وما جاء فيه -، فليس له ما اشترطه من نصف المهر. وبارك الله لك في زوجك الجديد الذي يسره الله لكِ؛ وجزاه خيرا على ما وجهك للسؤال والاستفسار عن حقوق زوجك الأول، وهو يدل على خلق عظيم ودين متين. نسأل الله أن يجزيه خير الجزاء، وأن يجعله خير خلَفٍ لك ولابنتك، وأن يجمع بينكما في خير، وأن يرزقكما ذرية طيبة. ونسأل الله تعالى أن يوفق زوجك الأول للتوبة الصادقة، وأن يشفيه إن كان مريضاً، وأن يخلف عليه خيراً. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 8929

حكم من تكررت منه الردة [السُّؤَالُ] ـ[تنص سورة النساء على أن الله لن يقبل إسلام من يكفر أكثر من ٣ مرات، ولن يهديه، فهل يشمل ذلك ترك الصلاة على سبيل المثال ٣ مرات؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد للَّه القاعدة العظيمة التي يقررها الله في وحيه، ويذكر أنها قاعدة الحساب ومبدأ الثواب والعقاب، أن التوبة تَجُبُّ ما قبلها، وأن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن باب التوبة مفتوح لكل عبد، ولو وقع في الذنب والكفر مرّاتٍ ومرّاتٍ، فإنَّ كرمه ورحمته بعباده اقتضت أن تقبل توبة التائب ويغفر له ذنبه. يقول الله : (قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينِ) الأنفال/٣٨ ويقول النبي ﷺ : (أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ، وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلِهَا، وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ) رواه مسلم (١٢١) كما جاءت الآيات تدل على قبول توبة المرتد إذا عاد إلى الإسلام وصدقت توبته: يقول : (كَيْفَ يَهْدِي اللهُ قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُواْ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللهِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ) وبعد ذلك كله قال سبحانه: (إِلَاّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ) آل عمران/٨٦-٨٩ أما من ارتد ثم ازداد كفرا وطغيانا، ولم يتب، ولم يرجع إلى الإسلام، فهذا هو الذي جاءت الآية في سورة النساء – التي قصدها السائل الكريم – وجاءت آية آل عمران أيضا بعدم قبول توبته. يقول : (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْراً لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الضَّآلُّونَ * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الأرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ) آل عمران/٩٠-٩١ وقال سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْراً لَّمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً) النساء/١٣٧ يقول ابن كثير ﵀ في "تفسير القرآن العظيم" (١/٧٥٣) : " يخبر تعالى عمن دخل في الإيمان ثم رجع عنه، ثم عاد فيه، ثم رجع واستمر على ضلاله، وازداد حتى مات، فإنه لا توبة بعد موته، ولا يغفر الله له، ولا يجعل له مما هو فيه فرجا ولا مخرجا ولا طريقا إلى الهدى، ولهذا قال: (لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا) قال ابن أبي حاتم.. عن ابن عباس في قوله تعالى: (ثم ازدادوا كفرا) قال: تمادوا على كفرهم حتى ماتوا. وكذا قال مجاهد " انتهى. ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في "مجموع الفتاوى" (١٦/٢٨-٢٩) : " وهؤلاء الذين لا تقبل توبتهم قد ذكروا فيهم أقوالا: قيل لنفاقهم، وقيل: لأنهم تابوا مما دون الشرك ولم يتوبوا منه، وقيل لن تقبل توبتهم بعد الموت، وقال الأكثرون كالحسن وقتادة وعطاء الخراساني والسدى: لن تقبل توبتهم حين يحضرهم الموت، فيكون هذا كقوله (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ) النساء/١٨ وكذلك قوله (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْراً لَّمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً) النساء/١٣٧ قال مجاهد وغيره من المفسرين: (ازدادوا كفرا) ثبتوا عليه حتى ماتوا. قلت (هو ابن تيمية) : وذلك لأن التائب راجع عن الكفر، ومن لم يتب فإنه مستمر، يزداد كفرا بعد كفر، فقوله: (ثم ازدادوا) بمنزلة قول القائل: ثم أصروا على الكفر، واستمروا على الكفر، وداموا على الكفر، فهم كفروا بعد إسلامهم، ثم زاد كفرهم وما نقص، فهؤلاء لا تقبل توبتهم، وهي التوبة عند حضور الموت؛ لأن من تاب قبل حضور الموت فقد تاب من قريب، ورجع عن كفره، فلم يزدد، بل نقص، بخلاف المصر إلى حين المعاينة " انتهى. ولم يختلف أهل العلم في أن المرتد إذا صدقت توبته ورجع إلى الإسلام، فإن الله يقبله عنده ويغفر له ما قد مضى وسلف، وإن تكررت ردته. هذا بالنسبة لما عند الله تعالى في الآخرة. وأما بالنسبة لأحكام الظاهر في الدنيا فقد قال بعض أهل العلم بأن من تكررت ردته فإننا نقتله ولا نقبل توبته، فالخلاف بين أهل العلم هو في قبول التوبة من حيث أحكام الظاهر، وليس النسبة لما عند الله . يقول ابن قدامة في "المغني" (١٢/٢٧١ط هجر) : " وفي الجملة، فالخلاف بين الأئمة في قبول توبتهم في الظاهر من أحكام الدنيا وترك قتلهم وثبوت أحكام الإسلام في حقهم. وأما قبول الله تعالى لها في الباطن، وغفرانه لمن تاب وأقلع باطنا وظاهرا، فلا خلاف فيه " انتهى. ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ "مجموع الفتاوى" (١٦/٣٠) : " والفقهاء إذا تنازعوا فى قبول توبة من تكررت ردته أو قبول توبة الزنديق، فذاك إنما هو فى الحكم الظاهر؛ لأنه لا يوثق بتوبته، أما إذا قدر أنه أخلص التوبة لله فى الباطن، فإنه يدخل فى قوله: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) الزمر/٥٣ " انتهى. على أن الصحيح من قولي أهل العلم أن توبة من تكررت ردته مقبولة في أحكام الظاهر أيضا، وتجري عليه أحكام الإسلام، وهو قول جماهير أهل العلم: الحنفية والشافعية والمشهور عند المالكية، وآخر قولي أحمد بن حنبل. انظر حاشية تبيين الحقائق (٣/٢٨٤) ، فتح القدير (٦/٦٨) ، الإنصاف (١٠/٣٣٢-٣٣٥) تحفة المحتاج (٩/٩٦) ، كشاف القناع (٦/١٧٧-١٧٨) ، "الموسوعة الفقهية" (١٤/١٢٧-١٢٨) وعزا في المبسوط (١٠/٩٩-١٠٠) لعلي وابن عمر عدم قبول توبة من تكررت ردته. وعليه فإن توبة تارك الصلاة مقبولة إذا صدق، ولو تكرر منه الترك مرات كثيرة، ولكن على العبد أن يحذر، فقد تأتيه المنية قبل أن يوفق للتوبة، وقد يعجل الله تعالى عقوبته في الدنيا قبل الآخرة. نسأل الله تعالى أن يرحمنا وإياكم برحمته الواسعة. والله تعالى أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 8930

هل يجوز له قتل السحرة دون إذن ولي الأمر ؟ [السُّؤَالُ] ـ[ينتشر في بلادنا السحرة، ويؤذون الناس ويضرونهم، فهل يجوز قتلهم حتى نريح الناس من شرهم؟ مع العلم أن حكومتنا ترخص لهم في العمل وتأخذ منهم الضرائب.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: إذا ثبت أن هذا الشخص يعمل بالسحر فالواجب قتله؛ دفعاً لضرره وشره عن الناس، وقد سبق بيان ذلك في جواب السؤال (١٣٩٤١) . والواجب على من ولاه الله أمر العباد أن يحكم فيهم بما أنزل الله، قال تعالى: (وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ) المائدة /٤٩، وقال: (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) المائدة/٤٤، وفي آية أخرى قال: (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) المائدة /٤٥، وفي آية ثالثة: (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) المائدة /٤٧. ولا يجوز أبدا إسقاط العقوبة الشرعية وإلغاؤها، وأقبح من ذلك وأشنع إقرار هذا العمل المحرم والترخيص للساحر أن يعمل بسحره مقابل دفعه الضرائب!! . فهذا تضييع وخيانة للأمانة التي سيسأل عنها الحاكم يوم القيامة، يوم يعض على يديه ندماً، ولكن بعد فوات الأوان، قال تعالى: (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً يَا وَيْلَتِي لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنْ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولاً) الفرقان /٢٧-٢٩ ثانياً: إذا كان الحاكم لا يفعل ما وجب عليه من إقامة العقوبات الشرعية، فليس لأحد من عامة المسلمين أن يفعل ذلك؛ لأن العقوبة تحتاج أولاً إلى إثبات أن هذا الشخص يستحق هذه العقوبة، ثم تحتاج ثانياً إلى قوة لتنفيذها. ولو فتح الباب للناس في إقامة العقوبات الشرعية لعَمَّت الفوضى في المجتمع، ولم يأمن أحد على نفسه وماله. قال علماء اللجنة الدائمة: والذي يتولى إثبات السحر وتلك العقوبة: هو الحاكم المتولي شؤون المسلمين؛ درءاً للمفسدة؛ وسداً لباب الفوضى. " فتاوى اللجنة الدائمة " (١ / ٥٥٢) . وقد نقلنا في جواب السؤال رقم (١٣٩٤١) عن الشيخ سليمان العلوان قوله: وحين يثبت وصف السحر على شخص ما: فإنه يقتل وجوباً، فقد ثبت ذلك عن جماعة من الصحابة، ولكن ليس لآحاد الناس إقامة الحدود دون أمر السلطان أو من يقوم مقامه؛ لأنه يترتب على إقامة الحدود دون ولاة الأمور فساد وزعزعة للأمن وذهاب هيبة السلطان. انتهى. وقد ذكرنا مسألة اشتراط السلطان في إقامة الحدود في جواب السؤال رقم (٨٩٨٠) ونقلنا هناك اتفاق العلماء على ذلك. وعليك تحذير الناس من هذا الساحر، ومن الذهاب إليه، وبيان أن هذا الفعل قد يصل بصاحبه إلى الكفر والخروج من الإسلام. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب
следующие страницы →