Полный текст (16 344 стр.). Показаны 8926–8965 · переход к 8931.
стр. 8926
تحصين المجتمعات من الزنا
[السُّؤَالُ]
ـ[كيف يتم إحضار أربعة شهود على الزاني والزانية، في الوقت الحاضر؟ وكيف تتم نصيحة شبابنا المسلم من هذا العمل القبيح؟ جزاكم الله خير الجزاء.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد للَّه
أولا:
يعد العلماء في طرق ثبوت الزنا أربعة طرق:
١- الشهادة. ٢- والإقرار. ٣- وحمل من لا زوج لها ولا سيد. ٤- وإذا تم لعان الزوج ولم تدافعه الزوجة.
ويشترط في الشهود على الزنا أن يكونوا أربعة ممن تجوز شهادتهم، يصفون الزنا بصريح لفظه – وهو أنهم رأوا ذكر الرجل في فرج المرأة -، فإن اكتفى بعضهم بالشهادة برؤيتهما متجردين من اللباس، أو وصفوا هيئة وحركة معينة، فلا يكفي ذلك لثبوت الزنا.
يقول الشيخ ابن عثيمين ﵀ في "الشرح الممتع" (٦/١٥٧) :
" يصفون الزنا بلفظ صريح بأن يقولوا: رأينا ذكره في فرجها. لا بد من هذا، فلو قالوا رأيناه عليها متجردين، فإن ذلك لا يقبل، حتى لو قالوا نشهد بأنه كان منها كما يكون الرجل من امرأته، فإنها لا تكفي الشهادة، لا بد أن يقولوا نشهد أن ذكره في فرجها، وهذا صعب جدا، مثلما قال الرجل الذي شهد عليه في عهد عمر، لو كنت بين الأفخاذ لن تشهد هذه الشهادة. ولهذا ذكر شيخ الإسلام في عهده أنه لم يثبت الزنا عن طريق الشهادة من عهد النبي ﷺ إلى عهد شيخ الإسلام ابن تيمية، وإذا لم يثبت من هذا الوقت إلى ذلك الوقت، فكذلك لا نعلم أنه ثبت بطريق الشهادة إلى يومنا هذا؛ لأنه صعب جدا " انتهى.
وليس هذا التشديد في أمر الشهادة على الزنا إلا لتحقيق مقصد أراده الشارع، وهو الستر على العباد، وعدم إشاعة الفاحشة، وتجنيب المجتمعات الاتهام في الأعراض والطعن في الأنساب.
يقول القرطبي ﵀ في "الجامع لأحكام القرآن" (٥/٨٣) :
" جعل الله الشهادة على الزنا خاصةً أربعةً: تغليظاً على المدَّعِي، وسترا على العباد " انتهى
ويقول الشيخ عبد الرحمن السعدي في "تفسيره" (١/٥٦٣) :
" (لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ) أي: هلا جاء الرامون على ما رموا به، (بأربعة شهداء) أي: عدول مرضيين. (فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ) وإن كانوا في أنفسهم قد تيقنوا ذلك، فإنهم كاذبون في حكم الله، لأن الله حرم عليهم التكلم بذلك من دون أربعة شهود، ولهذا قال: (فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ) ولم يقل (فأولئك هم الكاذبون) وهذا كله من تعظيم حرمة عرض المسلم، بحيث لا يجوز الإقدام على رميه من دون نصاب الشهادة بالصدق " انتهى.
وانظر جواب السؤال رقم (٨٣٩) ، (٦٩٢٦)
ثانيا:
أما تحصين شبابنا ومجتمعاتنا من هذه الفاحشة المهلكة، فلا بد له من عمل عام تقوم عليه الدول والمجتمعات، وتتضافر له جهود الجهات المختلفة، فهي مسؤولية جماعية وليست فردية، ولا يمكن تحقيق سلامة المجتمعات إلا بتكامل الأخذ بالأسباب التي تحفظ من الزنا والولوغ فيه، ومن تلك الأسباب:
١- نشر التوعية العامة بعظم إثم الزنا، وأنه من الكبائر التي اتفق العقل والشرع على قبحه وشناعته وتحريمه، وبيان أنه سبب لهلاك الأمم وحلول المصائب والكوارث في الدنيا، وأن جزاءه النار يوم القيامة.
قال الإمام أحمد: ليس بعد قتل النفس أعظم من الزنا. "غذاء الألباب" (٢/٤٣٥)
يقول الله تعالى: (وَلَا تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً) الإسراء/٣٢
يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي في "تفسيره" (١/٤٥٧) :
" ووصف الله الزنى وقبحه بأنه (كَانَ فَاحِشَةً) أي: إثما يستفحش في الشرع والعقل والفِطَر؛ لتضمنه التجري على الحرمة في حق الله وحق المرأة وحق أهلها أو زوجها وإفساد الفراش واختلاط الأنساب وغير ذلك من المفاسد. وقوله: (وَسَاءَ سَبِيلا) أي: بئس السبيل سبيل من تجرأ على هذا الذنب العظيم " انتهى.
٢- توعية الشباب بالآثار السيئة المترتبة على انتشار هذه الفاحشة، والتي يتهدد استقرار الأسر والمجتمعات، كانتشار الأمراض القاتلة، وظهور أولاد الحرام، وانهيار التكوين الأسري، وتشرد الأبناء، وتلقيهم السلوكات السيئة، وارتفاع معدلات الطلاق، وانتشار الجريمة، وغير ذلك، وهي آثار تعيشها المجتمعات التي تنتشر فيها الإباحية في أسوأ صورها، مما ينذر بانحلال مجتمعاتهم، وسقوط حضارتهم.
٣- العمل على تيسير الطريق الشرعي للعلاقات الجنسية، بالزواج الحلال الطيب، وذلك بالترغيب فيه وبيان ندب الشريعة إليه، وأنه من سنن المرسلين، وأن من تزوج فقد استكمل نصف الدين، وأن له أجرا في إعفافه نفسه وزوجه.
٤- ومن مسؤولية المجتمع في هذا السبيل إزالة العوائق التي تؤخر الزواج، فتعالج الفقر الذي قد يكون مانعا من الزواج، وتوفر الدعم المادي للشباب الذي لا يملك ما يعف به نفسه، حتى قال القرطبي في تفسير قوله تعالى: (وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) النور/٣٢
" زوجوا من لا زوج له منكم، فإنه طريق التعفف " انتهى. (١٢/٢٣٩) .
وفي كتاب "الأموال" لأبي عبيد القاسم بن سلام (٢٥١) أن عمربن عبد العزيز كتب إلى واليه بالعراق: أن انظر كل بكر وليس له مال فشاء أن تزوجه فزوجه وأصدق عنه.
ويقول ابن قدامة ﵀ في "المغني" (٧/٥٨٧) :
" يلزم الرجل إعفاف ابنه إذا احتاج إلى النكاح، وهذا ظاهر مذهب الشافعي " انتهى.
٥- وأدنى ما يمكن أن يتحمله المجتمع والآباء تجاه هذه المسألة المهمة ترك المغالاة في المهور، أو التفاخر والمباهاة بتكاليف الزواج، أو السعي إلى التكسب منها.
خطب عمر بن الخطاب على المنبر فقال:
(أَلَا لَا تُغَالُوا بِصُدُقِ النِّسَاءِ – أي مهورهن - فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَكْرُمَةً فِي الدُّنْيَا أَوْ تَقْوَى عِنْدَ اللَّهِ لَكَانَ أَوْلَاكُمْ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ مَا أَصْدَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ وَلَا أُصْدِقَتْ امْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِهِ أَكْثَرَ مِنْ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً) رواه أبو داود (٢١٠٦) وصححه الألباني في صحيح أبي داود.
ولا يختلف المصلحون في أن استغلال الآباء مهور البنات كان واحدا من أسباب انتشار الفساد والرذيلة في المجتمعات.
يقول وول ديورانت وهو يحكي أسباب انتشار الرذيلة في بعض المجتمعات الغربية في فترة من التاريخ في كتاب "مباهج الفلسفة" (١٢٧-١٢٨) :
" ولا نزاع في أن ذلك يرجع إلى حد ما إلى ما كان يقتضيه الآباء المغرمون ببناتهم من مهر غال ثمنا لعفتهن، وقت أن كان الزواج يشترى صراحة " انتهى.
٦- ومن أهم ما يقي المجتمعات رذيلة الزنا إشاعة جو المحبة والمودة بين الأزواج، والحرص على سعادة الأسرة بالحب والاحترام والصدق والوفاء وأداء الحقوق والواجبات، فإن الأسرة السعيدة والزوجين المتفاهمين المتآلفين وقاءٌ للمجتمع من الانحراف والسقوط في الفواحش بحثا عن سعادة موهومة.
٧- وأخيرا لا بد من العمل على تهيئة المناخ المحافظ الملتزم المتعلق بالله ، والذي تختفي فيه مظاهر التبرج والسفور، وتستر فيه العورات، وتمنع فيه الخمور والمعازف التي هي رقية الزنا، فإن هذه الأمور هي الوقود التي تشعل نار الفاحشة، فإذا تخلص المجتمع منها فقد أمِن من النار.
ويمكن الاستفادة بأجوبة الأسئلة الآتية المنشورة في موقعنا (٢٠١٦١) ، (٣٢٣٤) .
ومن الكتب المفيدة في هذا الموضوع كتاب " التدابير الواقية من الزن ا" تأليف د فضل إلهي فيمكن الاستفادة منه والرجوع إليه.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 8927
الزنا بالمحارم أعظم إثما وجرما
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هو حد زنا المحارم؟ وهل هناك توبة منه؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
الزنى بذوات المحارم أعظم إثما من الزنى بغير المحارم، لما فيه من القطيعة والأذى والاعتداء على الرحم المأمور بصلتها، ولهذا ذهب بعض العلماء إلى أن الزاني بالمحارم يقتل مطلقا، سواء كان محصنا أو غير محصن، وهي رواية عن أحمد ﵀. والجمهور على أنه يحد حد الزاني، فيرجم المحصن، ويجلد غير المحصن مائة جلدة، وإن كان إثمه أعظم.
وقال في "مطالب أولي النهى" (٦/١٨١) : " وزان بذات محرم كأخته كزان بغيرها ; لعموم الأخبار وعنه ; أي: الإمام أحمد: يقتل زان بذات محرم بكل حال أي: محصنا كان أو لا , قيل له: فالمرأة؟ قال: كلاهما في معنى واحد. والمذهب ما تقدم (يعني أن الزنا بذات المحرم كغيرها) " انتهى.
وقال ابن القيم ﵀ عن وطء الأم والبنت والأخت: " فإن النفرة الطبيعية عنه كاملة، مع أن الحد فيه من أغلظ الحدود في أحد القولين وهو القتل بكل حال محصنا كان أو غير محصن، وهذه إحدي الروايتين عن الإمام أحمد، وهو قول إسحاق بن راهويه وجماعة من أهل الحديث. وقد روى أبو داود من حديث البراء بن عازب قال: لقيت عمى ومعه الراية فقلت له: إلى أين تريد؟ قال بعثني رسول الله إلى رجل نكح امرأة أبيه من بعده أن أضرب عنقه وآخذ ماله. [صححه الألباني في إرواء الغليل (٢٣٥١) ] .
وفي سنن أبي داود وابن ماجه من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : (من وقع على ذات محرم فاقتلوه) . [ضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥٥٢٤) ] .
..... وقد اتفق المسلمون على أن من زنا بذات محرم فعليه الحد، وإنما اختلفوا في صفة الحد هل هو القتل بكل حال أو حده حد الزاني؟ على قولين، فذهب الشافعي ومالك وأحمد في إحدى روايتيه إلى أن حده حد الزاني، وذهب أحمد وإسحق وجماعة من أهل الحديث إلى أن حده القتل بكل حال " انتهى من "الجواب الكافي" ص (٢٧٠) باختصار.
وقد اختار الشيخ ابن عثيمين ﵀ القول بقتل الزاني بذات المحرم بكل حال.
قال: " وظاهر كلام المؤلف أنه لا فرق بين الزنا بذوات المحارم وغيرهم، ولكن بذوات المحارم فيه القتل بكل حال، لحديث صحيح ورد في ذلك، واختار ذلك ابن القيم في كتاب الجواب الكافي على أن الذي يزني بذات محرم منه فإنه يقتل بكل حال.
مثلا: لو زنى بأخته والعياذ بالله أو بعمته أو خالته أو أم زوجته أو بنت زوجته التي دخل بها، وما أشبه ذلك فإنه يقتل بكل حال؛ لأن هذا الفرج لا يحل بأي حال من الأحوال، لأنه من محارمه، ولأن هذه فاحشة عظيمة , وورد في ذلك أيضا حديث عن الرسول ﷺ في قتل من أتى محرما من محارمه، وهو رواية عن أحمد، وهي الصحيحة أن من زنى بذوات المحارم يقتل ولو كان غير محصن " انتهى من "الشرح الممتع" (٦/١٣٢) ط. هجر.
وجاء في "الموسوعة الفقهية" (٢٤/٢٠) : " يتفاوت إثم الزنى ويعظم جرمه بحسب موارده. فالزنى بذات المحرم أو بذات الزوج أعظم من الزنى بأجنبية أو من لا زوج لها , إذ فيه انتهاك حرمة الزوج , وإفساد فراشه , وتعليق نسب عليه لم يكن منه , وغير ذلك من أنواع أذاه. فهو أعظم إثما وجرما من الزنى بغير ذات البعل والأجنبية. فإن كان زوجها جارا انضم له سوء الجوار. وإيذاء الجار بأعلى أنواع الأذى , وذلك من أعظم البوائق , فلو كان الجار أخا أو قريبا من أقاربه انضم له قطيعة الرحم فيتضاعف الإثم. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه) . ولا بائقة أعظم من الزنى بامرأة الجار. فإن كان الجار غائبا في طاعة الله كالعبادة , وطلب العلم , والجهاد , تضاعف الإثم، حتى إن الزاني بامرأة الغازي في سبيل الله يوقف له يوم القيامة , فيأخذ من عمله ما شاء. قال رسول الله ﷺ : (حرمة نساء المجاهدين على القاعدين كحرمة أمهاتهم , وما من رجل من القاعدين يخلف رجلا من المجاهدين في أهله فيخونه فيهم , إلا وقف له يوم القيامة فيأخذ من عمله ما شاء، فما ظنكم؟) رواه مسلم (١٨٩٧) . أي: ما ظنكم أن يترك له من حسناته؟ قد حكم في أنه يأخذ ما شاء على شدة الحاجة إلى حسنة واحدة , فإن اتفق أن تكون المرأة رحما له انضاف إلى ذلك قطيعة رحمها , فإن اتفق أن يكون الزاني محصنا كان الإثم أعظم , فإن كان شيخا كان أعظم إثما وعقوبة , فإن اقترن بذلك أن يكون في شهر حرام , أو بلد حرام , أو وقت معظم عند الله كأوقات الصلوات وأوقات الإجابة تضاعف الإثم " انتهى.
ثانيا:
من ابتلي بشيء من ذلك فليبادر بالتوبة إلى الله تعالى، فإن التوبة تصح من كل ذنب مهما كان عظيما، قال تعالى: (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) التوبة/١٠٤.
وقال سبحانه: (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ َعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) الفرقان/٦٨- ٧٠. وقال تعالى: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى) طه/٨٢، وفي هذه الآية إرشاد إلى أن التائب ينبغي له أن يكثر من الأعمال الصالحة، وأن يسلك طريق الهداية، ويبتعد عن أسباب الغواية.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 8928
طلقها مقابل نصف المهر بعد أن قذفها فهل له الحق في هذا المال ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[إنني فتاه ملتزمة، ولله الحمد، ولقد حدثت بيني وبين زوجي - الذي لي منه ابنة - مشكلة ذهبت بسببها إلى بيت والدي؛ حيث إنه شك فيَّ واتهمني في عرضي وشرفي بدون أي أسباب مقنعة، ثم يعتذر، ويرجع مرة أخرى للاتهامات، وتكرر ذلك منه عدة مرات؛ مما أكد لي أن به مرض الوسواس، فلم أعد أحتمل، فذهبت إلى أهلي، وبعد ذهابي إليهم مكثت عندهم أربعة أشهر، لم يزدد فيها زوجي إلا عناداً وإصراراً على موقفه بدون إثبات أي دليل ضدي، وبعدما ذهب إليه أخي للتفاهم معه وجده مصرّاً على موقفة، وأنه يطلب مني أن أستتاب، وازداد الموقف سوءًا بينهما، وأساء إلى والدي وإلى تربيته لي، عندها أصرَّ أخي ووالدي على طلاقي منه، وإلا فسوف يحيل مشكلتنا للقضاء، وعليه أن يثبت ما لديه من اتهامات ضدي، فطلب زوجي مقابل طلاقه لي نصف المهر، ولكن بعد فترة طلقني من غير أن نعطيه أي مبلغ، وسكت هو عن ذلك، ولم يعد يطالب مرة أخرى بالمال.
والآن، قد عوضني الله بزوج آخر ملتزم، ولله الحمد، وقد نبهني زوجي الثاني إلى أنه قد يكون لزوجي الأول مال لدي، وبسبب خشيتي من الحرام وأكل مال الناس وحقوقهم، أرجو إفتائي في هذا الأمر، مع العلم أنني لا أملك ذلك المال، وأنني لم أطالبه بأي مصاريف لابنته، وهو أحيانا يرسلها، وأحيانا لا يرسل، فهل له أي حق مالي عندي؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
قذف الزوج زوجتَه واتهامها بشرفها من كبائر الذنوب، وهو موجب للحدِّ ورد شهادته، ولا بدَّ له من بينة شرعية لإثبات الفاحشة، أو يلاعن.
قال ابن قدامة – ﵀:
إذا قذف زوجته المحصنة وجب عليه الحد , وحُكم بفسقه , وردِّ شهادته , إلا أن يأتي ببيِّنة أو يلاعن , فإن لم يأت بأربعة شهداء , أو امتنع من اللعان: لزمه ذلك كله، وبهذا قال مالك، والشافعي ...
[ويدل لذلك] : قول الله تعالى (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) ، وهذا عام في الزوج وغيره , وإنما خص الزوج بأن أقام لعانه مقام الشهادة في نفي الحد والفسق ورد الشهادة عنه.
وأيضا: قول النبي ﷺ : (البيِّنة وإِلَاّ حدٌّ في ظَهْركِ) ، وقوله لما لاعن: (عَذابُ الدنْيا أَهْونُ مِنْ عَذابِ الآخِرَة) ؛ ولأنه قاذف يلزمه الحد لو أكذب نفسه , فلزمه إذا لم يأت بالبينة المشروعة، كالأجنبي. " المغني " (٩ / ٣٠) .
وعليه: فالواجب على الزوج أن يتقي الله تعالى في نفسه وفي زوجته، وعليه أن يكف عن الكلام المسيء، والكلام على زوجته طعن في شرفه وعرضه هو، وعليه أن يكذِّب نفسه ويبرئ زوجته مما افتراه عليها، فإن لم يفعل فإنه مستحق لما رَّتبه الله تعالى على فعله من الحد ورد الشهادة والفسق، ولها حق طلب الطلاق منه، وعليه أن يؤدي لها حقوقها كاملة.
ثانياً:
التضييق على الزوجة باتهامها بالباطل وإيذائها وضربها لتتنازل عن مهرها أو عن شيء منه يسمى " العضل "، وهو محرَّم إلا أن تأتي بفاحشة مبينة، فإن فعل الزوج فإنه غير مستحق لما تتنازل عنه زوجته، ويجب عليه أن يرجعه لها، وإن رفض تطليقها فلها أن تفتدي نفسها منه وتتنازل عن مهرها أو أقل أو أكثر، فإن كان كاذبا ظالماً فما أخذه منها سحت وحرام، وإن كان صادقاً فما أخذه حلال له، على أن يُثبت ما يستوجب الحد بشهود أربعة أو ملاعنة، وهذا في حال أنه يشهر بها ويقذفها علانية، أما إذا رأى فاحشة عليها فيما بينه وبين ربه، فإن له أن يعضلها ليضيق عليها لتفتدي نفسها.
سئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
عن رجل اتهم زوجته بفاحشة؛ بحيث إنه لم ير عندها ما ينكره الشرع، إلا ادَّعى أنه أرسلها إلى عرس ثم تجسس عليها فلم يجدها في العرس، فأنكرت ذلك، ثم إنه أتى إلى أوليائها وذكر لهم الواقعة، فاستدعوا بها لتقابل زوجها على ما ذكر، فامتنعت خوفا من الضرب فخرجت إلى بيت خالها، ثم إن الزوج بعد ذلك جعل ذلك مستندا في إبطال، حقها وادعى أنها خرجت بغير إذنه، فهل يكون ذلك مبطلا لحقها، والإنكار الذي أنكرته عليه يستوجب إنكارا في الشرع؟ .
فأجاب:
قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة) فلا يحل للرجل أن يعضل المرأة بأن يمنعها ويضيق عليها حتى تعطيه بعض الصداق، ولا أن يضربها لأجل ذلك، لكن إذا أتت بفاحشة مبينة كان له أن يعضلها لتفتدي منه، وله أن يضربها، وهذا فيما بين الرجل وبين الله.
وأما أهل المرأة فيكشفون الحق مع من هو، فيعينونه عليه فإن تبين لهم أنها هي التي تعدت حدود الله وآذت الزوج في فراشه، فهي ظالمة متعدية فلتفتد منه، وإذا قال إنه أرسلها لى عرس ولم تذهب إلى العرس فليسأل إلى أين ذهبت، فإن ذكر أنها ذهبت إلى قوم لا ريبة عندهم وصدقها أولئك القوم، أو قالوا لم تأت إلينا، وإلى العرس لم تذهب؛ كان هذا ريبة ن وبهذا يقوى قول الزوج.
وأما الجهاز الذي جاءت به من بيت أبيها، فعليه أن يرده عليها بكل حال، وإن اصطلحوا فالصلح خير.
ومتى تابت المرأة جاز لزوجها أن يمسكها ولا حرج في ذلك، فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له.
وإذا لم يتفقا على رجوعها إليه فلتبرئه من الصداق وليخلعها الزوج؛ فإن الخلع جائز بكتاب الله وسنة رسوله كما قال الله تعالى (فان خفتم أن لا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به) .
" مجموع الفتاوى " (٣٢ / ٢٨٣، ٢٨٤) .
ثالثاً:
والذي يظهر لنا أنه لا حق له عندكِ، وأن ما طلبه من نصف المهر ليس حقّاً شرعيّاً له، ويبدو أنه راجع نفسه أو أن أحداً أخبره بذلك، ولذلك لم يطالب به، كما أنه قد يكون جعل نصف المهر مقابل رعايتك لابنته ونفقتك عليها.
وبكل حال: فهو لم يأتِ بشهود على ما قذفك به، ولم يلاعن، ولم يرَ شيئاً يجعله غير آثم بينه وبين ربه، وكل ذلك يجعل الحق لكِ لا له – بحسب سؤالك وما جاء فيه -، فليس له ما اشترطه من نصف المهر.
وبارك الله لك في زوجك الجديد الذي يسره الله لكِ؛ وجزاه خيرا على ما وجهك للسؤال والاستفسار عن حقوق زوجك الأول، وهو يدل على خلق عظيم ودين متين.
نسأل الله أن يجزيه خير الجزاء، وأن يجعله خير خلَفٍ لك ولابنتك، وأن يجمع بينكما في خير، وأن يرزقكما ذرية طيبة.
ونسأل الله تعالى أن يوفق زوجك الأول للتوبة الصادقة، وأن يشفيه إن كان مريضاً، وأن يخلف عليه خيراً.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 8929
حكم من تكررت منه الردة
[السُّؤَالُ]
ـ[تنص سورة النساء على أن الله لن يقبل إسلام من يكفر أكثر من ٣ مرات، ولن يهديه، فهل يشمل ذلك ترك الصلاة على سبيل المثال ٣ مرات؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد للَّه
القاعدة العظيمة التي يقررها الله في وحيه، ويذكر أنها قاعدة الحساب ومبدأ الثواب والعقاب، أن التوبة تَجُبُّ ما قبلها، وأن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن باب التوبة مفتوح لكل عبد، ولو وقع في الذنب والكفر مرّاتٍ ومرّاتٍ، فإنَّ كرمه ورحمته بعباده اقتضت أن تقبل توبة التائب ويغفر له ذنبه.
يقول الله : (قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينِ) الأنفال/٣٨
ويقول النبي ﷺ : (أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ، وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلِهَا، وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ) رواه مسلم (١٢١)
كما جاءت الآيات تدل على قبول توبة المرتد إذا عاد إلى الإسلام وصدقت توبته:
يقول : (كَيْفَ يَهْدِي اللهُ قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُواْ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللهِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ)
وبعد ذلك كله قال سبحانه: (إِلَاّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ) آل عمران/٨٦-٨٩
أما من ارتد ثم ازداد كفرا وطغيانا، ولم يتب، ولم يرجع إلى الإسلام، فهذا هو الذي جاءت الآية في سورة النساء – التي قصدها السائل الكريم – وجاءت آية آل عمران أيضا بعدم قبول توبته.
يقول : (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْراً لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الضَّآلُّونَ * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الأرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ) آل عمران/٩٠-٩١
وقال سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْراً لَّمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً) النساء/١٣٧
يقول ابن كثير ﵀ في "تفسير القرآن العظيم" (١/٧٥٣) :
" يخبر تعالى عمن دخل في الإيمان ثم رجع عنه، ثم عاد فيه، ثم رجع واستمر على ضلاله، وازداد حتى مات، فإنه لا توبة بعد موته، ولا يغفر الله له، ولا يجعل له مما هو فيه فرجا ولا مخرجا ولا طريقا إلى الهدى، ولهذا قال: (لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا) قال ابن أبي حاتم.. عن ابن عباس في قوله تعالى: (ثم ازدادوا كفرا) قال: تمادوا على كفرهم حتى ماتوا. وكذا قال مجاهد " انتهى.
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في "مجموع الفتاوى" (١٦/٢٨-٢٩) :
" وهؤلاء الذين لا تقبل توبتهم قد ذكروا فيهم أقوالا:
قيل لنفاقهم، وقيل: لأنهم تابوا مما دون الشرك ولم يتوبوا منه، وقيل لن تقبل توبتهم بعد الموت، وقال الأكثرون كالحسن وقتادة وعطاء الخراساني والسدى: لن تقبل توبتهم حين يحضرهم الموت، فيكون هذا كقوله (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ) النساء/١٨
وكذلك قوله (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْراً لَّمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً) النساء/١٣٧
قال مجاهد وغيره من المفسرين: (ازدادوا كفرا) ثبتوا عليه حتى ماتوا.
قلت (هو ابن تيمية) : وذلك لأن التائب راجع عن الكفر، ومن لم يتب فإنه مستمر، يزداد كفرا بعد كفر، فقوله: (ثم ازدادوا) بمنزلة قول القائل: ثم أصروا على الكفر، واستمروا على الكفر، وداموا على الكفر، فهم كفروا بعد إسلامهم، ثم زاد كفرهم وما نقص، فهؤلاء لا تقبل توبتهم، وهي التوبة عند حضور الموت؛ لأن من تاب قبل حضور الموت فقد تاب من قريب، ورجع عن كفره، فلم يزدد، بل نقص، بخلاف المصر إلى حين المعاينة " انتهى.
ولم يختلف أهل العلم في أن المرتد إذا صدقت توبته ورجع إلى الإسلام، فإن الله يقبله عنده ويغفر له ما قد مضى وسلف، وإن تكررت ردته.
هذا بالنسبة لما عند الله تعالى في الآخرة.
وأما بالنسبة لأحكام الظاهر في الدنيا فقد قال بعض أهل العلم بأن من تكررت ردته فإننا نقتله ولا نقبل توبته، فالخلاف بين أهل العلم هو في قبول التوبة من حيث أحكام الظاهر، وليس النسبة لما عند الله .
يقول ابن قدامة في "المغني" (١٢/٢٧١ط هجر) :
" وفي الجملة، فالخلاف بين الأئمة في قبول توبتهم في الظاهر من أحكام الدنيا وترك قتلهم وثبوت أحكام الإسلام في حقهم.
وأما قبول الله تعالى لها في الباطن، وغفرانه لمن تاب وأقلع باطنا وظاهرا، فلا خلاف فيه " انتهى.
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ "مجموع الفتاوى" (١٦/٣٠) :
" والفقهاء إذا تنازعوا فى قبول توبة من تكررت ردته أو قبول توبة الزنديق، فذاك إنما هو فى الحكم الظاهر؛ لأنه لا يوثق بتوبته، أما إذا قدر أنه أخلص التوبة لله فى الباطن، فإنه يدخل فى قوله: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) الزمر/٥٣ " انتهى.
على أن الصحيح من قولي أهل العلم أن توبة من تكررت ردته مقبولة في أحكام الظاهر أيضا، وتجري عليه أحكام الإسلام، وهو قول جماهير أهل العلم: الحنفية والشافعية والمشهور عند المالكية، وآخر قولي أحمد بن حنبل.
انظر حاشية تبيين الحقائق (٣/٢٨٤) ، فتح القدير (٦/٦٨) ، الإنصاف (١٠/٣٣٢-٣٣٥)
تحفة المحتاج (٩/٩٦) ، كشاف القناع (٦/١٧٧-١٧٨) ، "الموسوعة الفقهية" (١٤/١٢٧-١٢٨)
وعزا في المبسوط (١٠/٩٩-١٠٠) لعلي وابن عمر عدم قبول توبة من تكررت ردته.
وعليه فإن توبة تارك الصلاة مقبولة إذا صدق، ولو تكرر منه الترك مرات كثيرة، ولكن على العبد أن يحذر، فقد تأتيه المنية قبل أن يوفق للتوبة، وقد يعجل الله تعالى عقوبته في الدنيا قبل الآخرة.
نسأل الله تعالى أن يرحمنا وإياكم برحمته الواسعة.
والله تعالى أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 8930
هل يجوز له قتل السحرة دون إذن ولي الأمر ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ينتشر في بلادنا السحرة، ويؤذون الناس ويضرونهم، فهل يجوز قتلهم حتى نريح الناس من شرهم؟
مع العلم أن حكومتنا ترخص لهم في العمل وتأخذ منهم الضرائب.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
إذا ثبت أن هذا الشخص يعمل بالسحر فالواجب قتله؛ دفعاً لضرره وشره عن الناس، وقد سبق بيان ذلك في جواب السؤال (١٣٩٤١) .
والواجب على من ولاه الله أمر العباد أن يحكم فيهم بما أنزل الله، قال تعالى: (وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ) المائدة /٤٩، وقال: (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) المائدة/٤٤، وفي آية أخرى قال: (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) المائدة /٤٥، وفي آية ثالثة: (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) المائدة /٤٧.
ولا يجوز أبدا إسقاط العقوبة الشرعية وإلغاؤها، وأقبح من ذلك وأشنع إقرار هذا العمل المحرم والترخيص للساحر أن يعمل بسحره مقابل دفعه الضرائب!! .
فهذا تضييع وخيانة للأمانة التي سيسأل عنها الحاكم يوم القيامة، يوم يعض على يديه ندماً، ولكن بعد فوات الأوان، قال تعالى: (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً يَا وَيْلَتِي لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنْ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولاً) الفرقان /٢٧-٢٩
ثانياً:
إذا كان الحاكم لا يفعل ما وجب عليه من إقامة العقوبات الشرعية، فليس لأحد من عامة المسلمين أن يفعل ذلك؛ لأن العقوبة تحتاج أولاً إلى إثبات أن هذا الشخص يستحق هذه العقوبة، ثم تحتاج ثانياً إلى قوة لتنفيذها.
ولو فتح الباب للناس في إقامة العقوبات الشرعية لعَمَّت الفوضى في المجتمع، ولم يأمن أحد على نفسه وماله.
قال علماء اللجنة الدائمة:
والذي يتولى إثبات السحر وتلك العقوبة: هو الحاكم المتولي شؤون المسلمين؛ درءاً للمفسدة؛ وسداً لباب الفوضى.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (١ / ٥٥٢) .
وقد نقلنا في جواب السؤال رقم (١٣٩٤١) عن الشيخ سليمان العلوان قوله:
وحين يثبت وصف السحر على شخص ما: فإنه يقتل وجوباً، فقد ثبت ذلك عن جماعة من الصحابة، ولكن ليس لآحاد الناس إقامة الحدود دون أمر السلطان أو من يقوم مقامه؛ لأنه يترتب على إقامة الحدود دون ولاة الأمور فساد وزعزعة للأمن وذهاب هيبة السلطان. انتهى.
وقد ذكرنا مسألة اشتراط السلطان في إقامة الحدود في جواب السؤال رقم (٨٩٨٠) ونقلنا هناك اتفاق العلماء على ذلك.
وعليك تحذير الناس من هذا الساحر، ومن الذهاب إليه، وبيان أن هذا الفعل قد يصل بصاحبه إلى الكفر والخروج من الإسلام.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 8931
هل له أن يأخذ مالاً مقابل ضربه وإهانته أمام الناس ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أتاني مال نتيجة ضربي بالحذاء أمام جمع كبير من الناس، وأقر هذا المال مجلس عرفي، فما حكم هذا المال؟ وهل لي أن أتصدق منه على الفقراء والمحتاجين؟ وهل يحق لي تصريف أمور معيشتي من هذا المبلغ؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
لا حرج من التحاكم إلى تلك المجالس العرفية التي يعملها الناس لفض المنازعات والخصومات، بشرط أن يكون الحاكم فيها من أهل العلم بالشرع حتى يحكم بين الناس بما أنزل الله، لا بالأهواء والعادات والتقاليد التي كثيرا ما تكون مخالفة لحكم الله تعالى، فإن حكموا بما يوافق حكم الله فهو المطلوب، وإن حكموا بما يخالف حكم الله فلا عبرة بحكمهم، وهو حكم باطل، يجب رده، قال تعالى: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) المائدة/٥٠.
ثانياً:
اختلف العلماء في حكم " اللطمة " و "اللكمة" ونحوها، هل توجب القصاص أم التعزير؟ فذهب جمهورهم إلى أنها توجب التعزير وليس فيها القصاص، والذي عليه الصحابة ﵃، والمحققون من أهل العلم أنها توجب القصاص.
قال الإمام البخاري ﵀ في كتاب الديات، تحت بَاب " إِذَا أَصَابَ قَوْمٌ مِنْ رَجُلٍ هَلْ يُعَاقِبُ أَوْ يَقْتَصُّ مِنْهُمْ كُلِّهِمْ؟ ":
"وَأَقَادَ (أي: اقتص) أَبُو بَكْرٍ وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَعَلِيٌّ وَسُوَيْدُ بْنُ مُقَرِّنٍ مِنْ لَطْمَةٍ، وَأَقَادَ عُمَرُ مِنْ ضَرْبَةٍ بِالدِّرَّةِ، وَأَقَادَ عَلِيٌّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَسْوَاطٍ، وَاقْتَصَّ شُرَيْحٌ مِنْ سَوْطٍ وَخُمُوشٍ (أي: جروح) ". انتهى
وهذا القول هو الصحيح، ومن نقل الإجماع على خلافه فما أصاب، بل لو ادعى أحد إجماع الصحابة على هذا الحكم لم يكن ذلك بعيداً.
قال ابن القيم ﵀:
"وقد اختلف الناس في هذه المسألة - وهي القصاص في اللطمة والضربة ونحوها مما لا يمكن للمقتص أن يفعل بخصمه مثل ما فعله به من كل وجه - هل يسوغ القصاص في ذلك، أو يعدل إلى عقوبته بجنس آخر وهو التعزير؟ على قولين:
أصحهما: أنه شرع فيه القصاص، وهو مذهب الخلفاء الراشدين، ثبت ذلك عنهم، حكاه عنهم أحمد وأبو إسحاق الجوزجاني في " المترجم "، ونص عليه الإمام أحمد، قال شيخنا ﵀ (أي: ابن تيمية) : وهو قول جمهور السلف.
والقول الثاني: أنه لا يشرع فيه القصاص، وهو المنقول عن الشافعي ومالك وأبي حنيفة وقول المتأخرين من أصحاب أحمد حتى حكى بعضهم الإجماع على أنه لا قصاص فيه! وليس كما زعم، بل حكاية إجماع الصحابة على القصاص أقرب من حكاية الإجماع على منعه؛ فإنه ثبت عن الخلفاء الراشدين، ولا يعلم لهم مخالف فيه.
ومأخذ القولين: أن الله تعالى أمر بالعدل في ذلك، فبقي النظر في أي الأمرين أقرب إلى العدل؟
فقال المانعون: المماثلة لا تمكن هنا، فكأن العدل يقتضي العدول إلى جنس آخر، وهو التعزيز؛ فإن القصاص لا يكون إلا مع المماثلة، ولهذا لا يجب في الجرح، ولا في القطع إلا إذا أمكنت المماثلة، فإذا تعذرت في القطع والجرح: صرنا إلى الدية، فكذا في اللطمة ونحوها لما تعذرت صرنا إلى التعزير.
وقال المجوزون للقصاص: القصاص في ذلك أقرب إلى الكتاب والسنة والقياس والعدل من التعزير، أما الكتاب فإن الله سبحانه قال: (وجزاء سيئة سيئة مثلها) وقال: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) ، ومعلوم أن المماثلة مطلوبة بحسب الإمكان، واللطمة أشد مماثلة للطمة، والضربة للضربة من التعزيز لها؛ فإنه (أي: التعزير) ضرب في غير الموضع، غير مماثل لا في الصورة ولا في المحل ولا في القدر، فأنتم فررتم من تفاوت لا يمكن الاحتراز منه بين اللطمتين، فصرتم إلى أعظم تفاوتا منه بلا نص ولا قياس.
قالوا: وأما السنة [فذكر ابن القيم ﵀ عدة أحاديث فيها إثبات القصاص في مثل ذلك] ثم قال: ولو لم يكن في الباب إلا سنة الخلفاء الراشدين لكفى بها دليلا وحجة.
" حاشية ابن القيم على تهذيب سنن أبي داود " (٧ / ٣٣٦، ٣٣٧) ، وانظر " الفتاوى الكبرى " (٣ / ٤٠٢) .
ثالثاً:
وإذا ثبت لك القصاص في الضربة التي وجهها لك الطرف الآخر: فإن لك أن تعفو عنه بالمجان إن رأيته ندم واستغفر واعتذر وصلح حاله، ولك أن تقتص منه بمثل ما فعل بك دون تعدٍّ ولا ظلم، ولك أن تعفو عن حقك في القصاص مقابل عوضٍ مادي، يحكم لك به القاضي الشرعي.
وإذا اقتصصتَ منه بمثل ما فعل بك فلا يجوز لك أن تأخذ مالاً مقابل الإهانة؛ لأنك أخذت حقك مماثلة، كما أن العوض الذي يُحكم لك به إنما هو مقابل الضربة لا مقابل الإهانة؛ لأن الإهانة ضرر معنوي، وهذا النوع من الضرر لا يجوز أخذ تعويض مالي مقابله، وعلى هذا عامة العلماء.
وقد جاء في قرار " مجمع الفقه الإسلامي " رقم ١٠٩ (٣ / ١٢) بشأن موضوع " الشرط الجزائي " ما نصه:
"الضرر الذي يجوز التعويض عنه يشمل الضرر المالي الفعلي ... ولا يشمل الضرر الأدبي أو المعنوي" انتهى.
وقد جاء في " الموسوعة الفقهية " (١٣ / ٤٠) تحت عنوان " التعويض عن الأضرار المعنوية ":
"لم نجد أحداً من الفقهاء عبَّر بهذا، وإنما هو تعبير حادث، ولم نجد في الكتب الفقهية أن أحداً من الفقهاء تكلم عن التعويض المالي في شيء من الأضرار المعنوية" انتهى.
والخلاصة:
أن حقك: القصاص، أو العفو بالمجان - وهو أفضل إن كان ظهر من ذاك صلاح أو ندم، أو أخذ عوض عن حقك مقابل الضربة، وإذا استوفيتَ حقك بالقصاص فلا حق لك بعد ذلك في المال، أما إذا كنت ستأخذ حقك مالاً فقط ـ وهو الظاهر من سؤالك، فلا حرج عليك من الانتفاع به لنفسك أو التصدق به.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 8932
حكم من قتل آخر دفاعاً عن نفسه ومات وهل عليه دية وكفارة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[توفي والدي وقد قتل نفساً دفاعاً عن نفسه، وقد قَبِل أهل المقتول بالدية، فما هي الكفارة؟ مع العلم أنه لم يصم شهرين أو يعتق رقبة أو يطعم مساكين، وإن لديه أبناء، ما الواجب عليهم؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
يجب على المسلم أن يدفع عن نفسه وأهله كل من يصول ويعتدي عليه، وليدفع بالأسهل، فإن لم يندفع الصائل إلا بالقتل: جاز للمصول عليه قتله، وليس عليه قصاص ولا دية ولا كفارة؛ لأن الشرع قد أذن له في قتله، والمقتول المعتدي متوعد بالنار، والمصول عليه إن قُتل فهو شهيد إن شاء الله، ولا فرق بين كون المعتدي مسلماً أو كافراً.
فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي؟ قَالَ: فَلَا تُعْطِهِ مَالَكَ، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلَنِي؟ قَالَ: قَاتِلْهُ، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلَنِي؟ قَالَ: فَأَنْتَ شَهِيدٌ، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلْتُهُ؟ قَالَ: هُوَ فِي النَّارِ. رواه مسلم (١٤٠) .
وعَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ) رواه الترمذي (١٤٢١) والنسائي (٤٠٩٥) وأبو داود (٤٧٧٢) وصححه الألباني في " إرواء الغليل " (٧٠٨) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
" السنة والإجماع متفقان على أن الصائل المسلم إذا لم يندفع صوله إلا بالقتل قتل، وإن كان المال الذي يأخذه قيراطا من دينار (يعني مقدار يسيرا) ، كما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون حرمه فهو شهيد) .... فإن قتال المعتدين الصائلين ثابت بالسنة والإجماع " انتهى بتصرف.
" مجموع الفتاوى " (٢٨ / ٥٤٠، ٥٤١) .
وفي " الروض المربع " (ص ٦٧٧) :
" ومن صال على نفسه أو حرمته كأمه وبنته وأخته وزوجته أو ماله آدميٌّ أو بهيمةٌ: فله - أي: للمصول عليه - الدفع عن ذلك بأسهل ما يغلب على ظنه دفعه به، فإذا اندفع بالأسهل حرم الأصعب لعدم الحاجة إليه.
فإن لم يندفع الصائل إلا بالقتل: فله - أي: للمصول عليه - ذلك أي: قتل الصائل، ولا ضمان عليه؛ لأنه قتله لدفع شره " انتهى.
وقال الشيخ صالح الفوزان حفظه الله:
"ومن صال على نفسه من يريد قتله أو صال على حرمته كأمه وبنته وأخته وزوجته من يريد هتك أعراضهن، أو صال على ماله من يريد أخذه أو إتلافه؛ فله الدفع عن ذلك، سواء كان الصائل آدميّاً أو بهيمة، فيدفعه بأسهل ما يغلب على ظنه دفعه؛ لأنه لو منع من الدفع لأدى ذلك إلى تلفه وأذاه في نفسه وحرمته وماله؛ ولأنه لو لم يجز ذلك: لتسلط الناس بعضهم على بعض، وإن لم يندفع الصائل إلا بالقتل: فله قتله، ولا ضمان عليه؛ لأنه قتله لدفع شره، وإن قُتل المصول عليه: فهو شهيد لقوله ﵊: (من أريد ماله بغير حق فقاتل، فقتل؛ فهو شهيد) وروى مسلم وغيره عن أبي هريرة ﵁؛ قال: (جاء رجل، فقال: يا رسول الله، أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي ... وذكر الحديث المتقدم) .
" الملخص الفقهي " (٢ / ٤٤٣) .
ولا يجوز للمصول عليه أن يبادر بقتل الصائل إلا بعد أن يستنفذ وسائل دفعه، كتذكيره بالله تعالى، وتخويفه وتهديده، وطلب النجدة من الناس، أو الاستعانة بالأجهزة الأمنية، وله المبادرة بقتله إذا خشي أن يبادر المعتدي بقتله.
فعَنْ قَابُوسَ بْنِ مُخَارِقٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: الرَّجُلُ يَأْتِينِي فَيُرِيدُ مَالِي، قَالَ: ذَكِّرْهُ بِاللَّهِ، قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَذَّكَّرْ؟ قَالَ: فَاسْتَعِنْ عَلَيْهِ مَنْ حَوْلَكَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَوْلِي أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ؟ قَالَ: فَاسْتَعِنْ عَلَيْهِ بِالسُّلْطَانِ، قَالَ: فَإِنْ نَأَى السُّلْطَانُ عَنِّي؟ قَالَ: قَاتِلْ دُونَ مَالِكَ حَتَّى تَكُونَ مِنْ شُهَدَاءِ الْآخِرَةِ أَوْ تَمْنَعَ مَالَكَ.
رواه النسائي (٤٠٨١) وصححه الألباني في " صحيح النسائي ".
ثانياً:
وهذا إذا ثبت أنه قتله دفاعاً عن النفس ببينة، كشهود يشهدون بذلك، أو صدقه أولياء المقتول أنه قتله دفاعاً عن النفس، أو وجدت قرائن قوية تدل على ذلك، كما لو كان المقتول معروفاً بالشر والفساد، وقد هدده ـ مثلا ـ بالقتل أمام الناس ونحو ذلك.
قال الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀:
"إذا كان هذا الشخص اعترف بالقتل وادعى أنه دفاعاً عن نفسه ولم يصدقه الولي: فإنه يجب القصاص، قال في " الإنصاف ": وهذا المذهب، وعليه الأصحاب، لكن إن كان القتيل معروفاً بالصيالة والفساد وكان ثمََّ قرائن تدل على ما ادعاه القاتل: فقد قال في " الإنصاف ": قال في " الفروع ": ويتوجه عدمه (يعني: القصاص) في معروف بالفساد، قلت: وهو الصواب، ويعمل بالقرائن" انتهى.
" مجموع فتاوى ابن إبراهيم " (١١ / ٢٥٥، ٢٥٦) .
فعلى هذا، إذا كان والدك قتل هذا الرجل دفاعاً عن نفسه، فلا يلزمه شيء، لا كفارة ولا دية.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 8933
الزنا الذي يوجب الحد
[السُّؤَالُ]
ـ[قرأت في أحد مواقع الإفتاء عن شاب مارس مع فتاة جميع الأعمال الزوجية إلا الإدخال فقط، فما حكم ذلك في الدين؟ وهل عليه حد الزنا؟ وهل يعتبر أنه زنا بها؟ وهل زواجه منها يعتبر تكفيرا له؟ وما عليه فعله كي يتوب؟ وكان الرد في هذا الموقع أو ما فهمته أنا منه أنه يعتبر زانيا لأن الإقدام على فعل الجرم كفاعله.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
يشترط في الزنا الذي يوجب الحد أن يتم الإيلاج، وهو إدخال حشفة الذكر في الفرج، فلو لم يدخلها أو أدخل بعضها فليس عليه الحد. جاء في "الموسوعة الفقهية" (٢٤/٢٣) في بيان شروط حد الزنا المتفق عليها بين الفقهاء: " لا خلاف بين الفقهاء في أنه يشترط في حد الزنا إدخال الحشفة أو قدرها من مقطوعها في الفرج. فلو لم يدخلها أصلا أو أدخل بعضها فليس عليه الحد لأنه ليس وطئا. ولا يشترط الإنزال ولا الانتشار عند الإدخال. فيجب عليه الحد سواء أنزل أم لا. انتشر ذكره أم لا " انتهى.
ثانيا:
مقدمات الزنا من اللمس والتقبيل ووضع الفرج على الفرج من غير إيلاج، لا تأخذ حكم الزنا، ولا يحد فاعلها حد الزنا ولكنه يعزر ويؤدب؛ لارتكابه حراما ومنكرا بينا، ولما قد تفضي إليه هذه الأعمال من الوقوع في الزنا الحقيقي، وقد سمى الشرع هذه الأعمال زنا، كما في الحديث الذي رواه البخاري (٦٢٤٣) ومسلم (٢٦٥٧) عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قال: (إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنْ الزِّنَا أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، فَزِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ، وَزِنَا اللِّسَانِ الْمَنْطِقُ، وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ كُلَّهُ وَيُكَذِّبُهُ) .
قَالَ اِبْن بَطَّال ﵀: " سُمِّيَ النَّظَر وَالنُّطْق زِنًا لأَنَّهُ يَدْعُو إِلَى الزِّنَا الْحَقِيقِيّ , وَلِذَلِكَ قَالَ (وَالْفَرْج يُصَدِّق ذَلِكَ وَيُكَذِّبهُ) " انتهى نقلا عن "فتح الباري".
وراجع السؤال رقم (٨١٩٩٥) .
ثالثا:
الواجب على من صدرت منه هذه الأعمال أن يتوب إلى الله تعالى توبة صادقة، وذلك بالإقلاع عنها، والندم على فعلها والعزم على عدم العودة إليها، وترك الأسباب والوسائل التي تفضي إلى ذلك كالخلوة والنظر والمصافحة.
وأما الزواج من هذه الفتاة، فإن كانت عفيفة لم تقترف الزنا، أو ألمت بذلك ثم تابت إلى الله تعالى فلا حرج في الزواج منها، ولم نقف على دليل يفيد أن هذا الزواج يكفّر تلك المعصية، بل الذي يكفرها هو التوبة إلى الله، وإصلاح العمل، قال الله تعالى: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى) طه/٨٢.
رابعا:
لا يصح إطلاق القول بأن الإقدام على فعل الجرم كفعله، بل هذا فيه تفصيل:
فمن هم بالمنكر ثم تركه، كان مأجورا مثابا، كما في الحديث عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ قَالَ: قَالَ: إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً) رواه البخاري (٦٤٩١) ومسلم (١٣١) .
وإن همّ بالمنكر وعزم عليه وشرع في فعله، أو سعى في تحصيله، لكن لم يتمكن منه، لأمر خارج عنه، فهو مأزور غير مأجور، كما دل عليه حديث: (إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ) رواه البخاري (٣١) ومسلم (٢٨٨٨) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " وبهذا ينفصل النزاع في مؤاخذة العبد بالهمة، فمن الناس من قال: يؤاخذ بها إذا كانت عزما، ومنهم من قال: لا يؤاخذ بها، والتحقيق أن الهمة إذا صارت عزما فلابد أن يقترن بها قول أو فعل؛ فإن الإرادة مع القدرة تستلزم وجود المقدور.
والذين قالوا يؤاخذ بها احتجوا بقوله: (إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول فى النار) الحديث، وهذا لا حجة فيه [أي على المؤاخذة بمجرد الهم] ؛ فإنه ذكر ذلك في رجلين اقتتلا كل منهما يريد قتل الآخر وهذا ليس عزما مجردا، بل هو عزم مع فعل المقدور لكنه عاجز عن إتمام مراده، وهذا يؤاخذ باتفاق المسلمين، فمن اجتهد على شرب الخمر وسعى في ذلك بقوله وعمله، ثم عجز فإنه آثم باتفاق المسلمين، وهو كالشارب وإن ل يقع منه شرب. وكذلك من اجتهد على الزنا والسرقة ونحو ذلك بقوله وعمله، ثم عجز فهو آثم كالفاعل، ومثل ذلك في قتل النفس وغيره " انتهى من "مجموع الفتاوى" (١٤/١٢٢) .
وهذا إنما هو في حصول الإثم واستحقاقا العقوبة في الآخرة، أما العقوبة المترتبة على فعل المعصية في الدنيا، كالحد المترتب على الزنا، فإنه لا يعاقب به إلا من زنى حقيقة، لا من سعى في الزنى ثم عجز عنه.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 8934
متى يجب على الرجل حد الزنا ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[متى يحق على العبد حد الزنا هل يحق إذا التمس الختانان، وهل يحق إذا تم الجماع من الخارج أي يلقى الرجل منيه خارج الرحم كما يفعل البعض ممن لا يريد الإنجاب أم أنه لا يحق إلا إذا تم الجماع التام؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
يشترط لإقامة حد الزنا أن يتم الإيلاج، وهو إدخال حشفة الذكر في الفرج، وحينئذ يلتقي الختانان، أي موضع ختان الرجل مع ختان الأنثى، فإذا تم الإيلاج فقد وقع الزنى الذي يوجب الحد، سواء أنزل الرجل أو لم ينزل، أو أولج ثم أنزل في الخارج، وسواء انتشر ذكره وانتصب أو لم يحصل ذلك.
جاء في "الموسوعة الفقهية" (٢٤/٢٣) في بيان شروط حد الزنا المتفق عليها بين الفقهاء: " لا خلاف بين الفقهاء في أنه يشترط في حد الزنا إدخال الحشفة أو قدرها من مقطوعها في الفرج. فلو لم يدخلها أصلا أو أدخل بعضها فليس عليه الحد لأنه ليس وطئا. ولا يشترط الإنزال ولا الانتشار عند الإدخال. فيجب عليه الحد سواء أنزل أم لا. انتشر ذكره أم لا " انتهى.
ثانياً:
وليس معنى ذلك أن يتهاون الإنسان في فعل المحرمات ما دام لم يصل إلى الزنى! وإنما المراد فقط بيان الزنى الذي يجب به الحد، أما خلوة الرجل بالمرأة الأجنبية ولمسها وتقبيلها فلا شك أن ذلك حرام، يحب على المسلم أن يتركه خوفاً من عقاب الله تعالى العاجل في الدنيا، قبل عقاب الآخرة.
نسأل الله تعالى أن يلهمنا رشدنا، ويرزقنا الهدى والتقى والعفاف والغنى.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 8935
لماذا تقطع اليد في السرقة بخلاف النهب والغصب ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ما الفرق بين السارق والمنتهب؟ ولم كان القطع على الأول دون الثاني؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قال ابن القيم:
وأما قطع يد السارق في ثلاثة دراهم، وترك قطع المختلس والمنتهب والغاصب فمن تمام حكمة الشارع أيضا؛ فإن السارق لا يمكن الاحتراز منه؛ فإنه ينقب الدور، ويهتك الحرز، ويكسر القفل، ولا يمكن صاحب المتاع الاحتراز بأكثر من ذلك، فلو لم يشرع قطعه لسرق النَّاس بعضُهم بعضاً، وعظم الضرر، واشتدت المحنة بالسرَّاق، بخلاف المنتهب والمختلس؛ فإن المنتهب هو الذي يأخذ المال جهرة بمرأى من الناس، فيمكنهم أن يأخذوا على يديه، ويخلِّصوا حقَّ المظلوم، أو يشهدوا له عند الحاكم، وأما المختلس فإنه إنما يأخذ المال على حين غفلةٍ من مالكه وغيره، فلا يخلو من نوع تفريطٍ يمكن به المختلس من اختلاسه، وإلا فمع كمال التحفظ والتيقظ لا يمكنه الاختلاس، فليس كالسارق، بل هو بالخائن أشبه.
وأيضاً: فالمختلس إنما يأخذ المال من غير حرز مثله غالباً، فإنه الذي يغافلك ويختلس متاعك في حال تخلِّيك عنه وغفلتك عن حفظه، وهذا يمكن الاحتراز منه غالباً، فهو كالمنتهب؛ وأما الغاصب فالأمر فيه ظاهر، وهو أولى بعدم القطع من المنتهب، ولكن يسوغ كف عدوان هؤلاء بالضرب والنكال والسجن الطويل والعقوبة بأخذ المال.
[الْمَصْدَرُ]
" أعلام الموقعين " (٢ / ٤٨) .
стр. 8936
عقوبة السحاق
[السُّؤَالُ]
ـ[أعلم بأن السحاق محرم ولكنني أريد أن أعرف العقوبة، قالت لي إحدى الأخوات بأن حده مثل حد الزنى، الجلد لغير المتزوجة والرجم للمتزوجة. فما هو الصحيح في هذه العقوبة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
السحاق هو إتيان المرأة المرأة، وهو محرم بلا شك، وقد عدَّه بعض العلماء من الكبائر.
انظر: "الزواجر عن اقتراف الكبائر" كبيرة رقم (٣٦٢) .
وقد اتفق الأئمة على أن السحاق لا حد فيه لأنه ليس بزنى. وإنما فيه التعزير فيعاقب الحاكم من فعلت ذلك العقوبة التي تردعها وأمثالها عن هذا الفعل المحرم.
وجاء في الموسوعة الفقهية (٢٤/٢٥٢) :
اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لا حَدَّ فِي السِّحَاقِ ; لأَنَّهُ لَيْسَ زِنًى. وَإِنَّمَا يَجِبُ فِيهِ التَّعْزِيرُ ; لأَنَّهُ مَعْصِيَةٌ اهـ.
وقال ابن قدامة (٩/٥٩) :
وَإِنْ تَدَالَكَتْ امْرَأَتَانِ , فَهُمَا زَانِيَتَانِ مَلْعُونَتَانِ ; لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (إذَا أَتَتْ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ , فَهُمَا زَانِيَتَانِ) . وَلا حَدَّ عَلَيْهِمَا لأَنَّهُ لا يَتَضَمَّنُ إيلاجًا (يعني الجماع) , فَأَشْبَهَ الْمُبَاشَرَةَ دُونَ الْفَرْجِ , وَعَلَيْهِمَا التَّعْزِيرُ اهـ.
وقال في تحفة المحتاج (٩/١٠٥) :
وَلا حَدَّ بِإِتْيَانِ الْمَرْأَةِ الْمَرْأَةَ، بَلْ تُعَزَّرَانِ اهـ.
وقد يتوهم البعض أن عقوبة السحاق هي عقوبة الزنى للحديث الذي ذكره ابن قدامة آنفاً.
وهذا الحديث قد رواه البيهقي عن أبي موسى ﵁ أن النبي ﷺ قال: إذا أتى الرجلُ الرجلَ فهما زانيان، وإذا أتت المرأةُ المرأةَ فهما زانيتان.
وهذا الحديث ضعيف، ضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٢٨٢) .
وقال الشوكاني في نيل الأوطار (٧/٢٨٧) :
فِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ كَذَّبَهُ أَبُو حَاتِمٍ , وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: لا أَعْرِفُهُ، وَالْحَدِيثُ مُنْكَرٌ بِهَذَا الإِسْنَادِ اِنْتَهَى.
ولو صح الحديث لكان معناه أنهما زانيتان في الإثم لا في الحد. قاله السرخسي في "المبسوط" (٩/٧٨) .
كما قال النبي ﷺ : (لِكُلِّ بَنِي آدَمَ حَظٌّ مِنْ الزِّنَا، فَالْعَيْنَانِ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا النَّظَرُ، وَالْيَدَانِ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا الْبَطْشُ، وَالرِّجْلانِ يَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا الْمَشْيُ، وَالْفَمُ يَزْنِي وَزِنَاهُ الْقُبَلُ، وَالْقَلْبُ يَهْوَى وَيَتَمَنَّى، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ) رواه البخاري ومسلم وأحمد (٨٣٢١) واللفظ له.
والله تعالى أعلم.
ثانياً:
على من ابتليت بهذا البلاء المبادرة بالتوبة إلى الله، والعمل على معالجة هذا الداء، ومن طرق معالجته:
- تقوى الله والإخلاص في عبادته ومحبته والإحسان في ذلك قال عن يوسف (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ) يوسف / ٢٤.
ومنها: غض البصر فإنه من أعظم تزكية النفوس فإذا رأى الإنسان ما يستحسنه فلا يعاود النظر.
ومنها: أن يتذكر الإنسان الموتى الذين حبسوا على أعمالهم فلا يقدرون على محو خطيئة ولا على زيادة حسنة ومنها الاشتغال بما ينفع.
ومنها: الزواج والتعجيل به ما أمكن.
ثالثا:
لا شك أن الوقوع في المعاصي وانتهاك حرمات الله تعالى سبب من أسباب العقوبات التي تنزل بالناس عامة وخاصة وهذه العقوبات نوعان: قدرية بسبب معصيته تصيبه في دينه وفي قلبه وبدنه، تصيبه في الدنيا وفي القبر وفي الآخرة، وقد ذكر ابن القيم ﵀: ما يزيد على خمسين نوعاً من أثار الذنوب والمعاصي تناولها بالبيان والتفصيل في كتاب (الداء والدواء) وفي معرض كلامه عن أسباب الصبر عن المعصية في كتاب (طريق الهجرتين) فمن أثار الذنوب: سواد الوجه وظلمة القلب وضيقه وغمه وحزنه وقلقه واضطرابه وقسوته وتخلى الله عنه فلا يتولاه ولا ينصره ومرض القلب الذي إذا استحكم فيه فهو الموت ولا بد فإن الذنوب تميت القلب، ومنها: أن يصير في ذلة بعد عزة وفي وحشة بعد أُنسٍ بالطاعة وفي طرد وبُعدٍ عن الله بعد الطمأنينة به والسكون إليه، ومنها: فقره بعد غناه فإنه كان غنياً بما معه من رأس المال وهو الإيمان فإذا سلب رأس ماله أصبح فقيراً معدماً ولا يعود إليه ماله إلا بتوبة نصوح وجِدٍّ وتشمير ومنها نقصان الرزق فإن العبد يحرم الرزق بالذنب يصيبه.
ومنها الطبع والرين على قلبه فالعبد إذا أذنب نكت في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب منها ذهبت عنه.
ومنها إعراض الله وملائكته وعباده عنه فإن العبد إذا أعرض عن الطاعة واشتغل بالمعصية أعرض الله عنه وملائكته.
وبالجملة فأثار المعصية أكثر من أن يحيط بها العبد علماً، وآثار الطاعة أكثر من أن يحيط بها العبد علماً فخير الدنيا والآخرة كله في طاعة الله وشر الدنيا والآخرة كله في معصية الله.
والله تعالى أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 8937
الرعاية الصحية للمسجونين في الإسلام
[السُّؤَالُ]
ـ[لدي بحث عن جودة العناية الصحية في السجن، فهل للمسجونين نفس الرعاية الصحية التي يلقاها بقية الناس؟
ما هو رأي الإسلام في المساواة في هذا الشأن؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
لقد اعتنى الإسلام بأمر السجون وأحوال المسجونين عناية عظيمة قلَّ أن يوجد لها نظير في أي مكان أو زمان، وذلك بما قرره الفقهاء في كتبهم من الأحكام المتعلقة بالسجناء وأحوالهم وكيفية التعامل معهم، وهذا الاهتمام نابع من اهتمام الإسلام بكرامة الإنسان وحفظه لآدميته.
ولتسهيل الأمر وتوضيح الأحكام في هذا الشأن فقد قسم أهل العلم الكلام في هذه المسألة إلى قسمين: أحكام متعلقة بصحة السجين الشخصية، وأحكام متعلقة بالعناية الصحية بالمكان المتخذ للسجن.
أولاً: الأحكام المتعلقة بصحة السجين الشخصية:
١ - سجن المريض: بحث الفقهاء مسألة سجن المريض ابتداء، هل يحق للوالي أن يسجن الشخص المريض؟ والجواب أن هذه المسألة مسألة اجتهادية يرجع فيها البَتّ إلى القاضي، من خلال تقديره لموجب السجن وخطورة المرض وإمكان رعاية السجين في سجنه. فمتى توفرت الرعاية الصحية الكافية للمريض في سجنه ولم يكن ذا مرض خطير قد يفضي به إلى الهلاك لو سجن، جاز سجنه، وإذا لم يتوفر ذلك يوكل به القاضي من يعالجه ويحفظه دون تركه كُليّة حتى يعود بالإمكان سجنه.
٢ - إذا مرض السجين داخل السجن: إذا مرض المسجون في سجنه وأمكن علاجه داخله فإنه يجب علاجه دون إخراجه، ولا يمنع الطبيب والخادم من الدخول عليه لمعالجته وخدمته، ولو تسبب عدم علاجه في هلاكه يترتب على ذلك مسؤولية جزائية وعقوبة على المتسبب في ذلك. وقد مَرَّ النبي ﷺ بأسير في وثاقه، فناداه: يا محمد يا محمد، فأتاه فقال: ما شأنك؟ قال: إني جائع فأطمعني وظمآن فاسقني. فأمر له النبي ﷺ بقضاء حاجته. رواه مسلم ٣/١٢٦٣. ولا شكّ أن العلاج من حاجة المريض.
أما إذا لم يمكن علاجه داخل السجن، فيجب إخراجه إلى حيث يمكن معالجته تحت إشراف السجن وأن يوكل به من يراقبه ويحرسه.
هذا ولم يفرّق الفقهاء بين الأمراض العضوية أو النفسية (النفسية الحقيقية وليست النفسية الكاذبة أو العاديّة التي يتّخّذها كثير من المحامين وسيلة لتبرئة المجرمين) ، لذا ذكر الفقهاء ﵏ أنه لا يجوز قفل باب السجن على المسجون - إذا أمن عدم هربه - ولا جعله في بيت مظلم ولا إيذاؤه بحال أو أي شيء من شأنه إثارة الذعر في نفسه. كما لا ينبغي منع أقاربه من زيارته لما في ذلك من أثر صحي ونفسي عليه.
٣ - يشرع للوالي أو من ينوبه تخصيص قسم طبي في السجن يهتم بشؤون المسجونين الصحية وأحوالهم، وهذا يغني عن إخراجهم إلى المستشفيات العامة وتعريضهم للإهانة أو التحقير.
٤ - ينبغي تمكين السجين من رؤية زوجته، ومعاشرتها إذا توفر المكان المناسب لذلك في السجن، حفاظا عليه وعلى أهله.
٥ - نص الفقهاء على وجوب تمكين السجين من الوضوء والطهارة، ولا شك أن هذا من العوامل الوقائية المهمة من المرض.
ثانياً: الأحكام المتعلقة بالعناية الصحية بالمكان المتخذ للسجن:
ينبغي أن يكون المكان المتخذ للسجن مكانا واسعا نظيفا ذا تهوية جيدة تصله أشعة الشمس تتوفر فيه كل المرافق الصحية التي تستلزمها طبيعة الحياة.
ولا يجوز جمع عدد كبير من المسجونين في مكان واحد بحيث لا يستطيعون الوضوء والصلاة.
ثالثاً: هذه بعض الأمور التي نص الفقهاء على تحريم استخدامها في تأديب المسجون أو التعامل معه:
١- التمثيل بالجسم: فلا تجوز معاقبة السجين بقطع شيء من جسمه أو كسر شيء من عظمه وقد نهى النبي ﷺ عن التمثيل بالأسرى فقال ﷺ : (لا تمثلوا) رواه مسلم ٣/١٣٥٧.
٢- ضرب الوجه ونحوه، لما فيه من الإهانة، كما لا يجوز وضع الأغلال في أعناق المسجونين أو مدّهم على الأرض لجلدهم ولو حدا، لما فيه من الإهانة والضرر الصحي والجسدي على المسجون.
٣- التعذيب بالنار ونحوها أو خنقه أو غطّه في الماء، إلا إذا كان هذا على وجه المماثلة والقصاص، كأن يكون السجين قد اعتدى على غيره بأن حرقه بالنار ونحوه فيجوز استيفاء الحق منه على نفس الوجه.
٤- التجويع والتعريض للبرد، أو إطعامه ما يضرّه ويؤذيه، أو منعه من اللباس، فإن مات المحبوس بسبب هذه الحال، فحابسه معرّض للقتل قصاصا أو دفع الدية.
٥- التجريد من الملابس لما فيه من كشف العورة وتعريض السجين للمرض البدني والنفسي.
٦- منعه من قضاء حاجته ومن الوضوء والصلاة: ولا يخفى ما في ذلك من ضرر صحي على السجين.
صور من اهتمام المسلمين بالسجناء:
- الحديث السابق الذكر الذي أمر النبي ﷺ فيه بالاهتمام بالأسير وتلبية حاجته من الطعام والشراب، وكثيرا ما كان النبي ﷺ يدفع بالأسرى ونحوهم على أصحابه ويوصيهم بهم خيرا.
- كان الخليفة الراشد علي بن أبي طالب ﵁ يتفقد السجون ويشاهد من فيها من المسجونين ويفحص عن أحوالهم.
- كتب عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد الخامس إلى عماله يقول: انظروا من في السجون وتعهدوا المرضى.
- جعل الخليفة المعتضد العباسي من الميزانية ١٥٠٠ دينار شهريا لنفقة المسجونين وحاجاتهم وعلاجهم ونحوه.
- لما سجن الخليفة العباسي المقتدر أحد وزرائه وهو ابن مقلة، ساءت أحوال الوزير فأرسل له الطبيب المشهور ثابت بن سنان بن ثابت بن قرة ليعالجه في سجنه وأوصاه به خيرا. وكان الطبيب يطعم السجين بيده ويرفق به وبحاله.
- وكتب الوزير علي بن عيسى الجراح في زمن الخليفة المقتدر إلى رئيس مستشفيات العراق حينذاك يقول له: (فكرت مد الله في عمرك في أمر من بالحبوس - أي السجون - وأنه لا يخلو مع كثرة عددهم وجفاء أماكنهم أن تنالهم الأمراض، وهم معوّقون عن التصرف في منافعهم ولقاء من يشاورونه من الأطباء فيما يعرض لهم، فينبغي أن تفرد لهم أطباء يدخلون إليهم في كل يوم، وتحمل لهم الأدوية والأشربة، ويطوفون على سائر الحبوس ويعالجون فيها المرضى ويزيحون عللهم فيما يصفونه لهم) واستمر هذا الحال خلافة المقتدر والقاهر والراضي والمتقي. للمزيد يُراجع: أحكام السجن ومعاملة السجناء في الإسلام ص٣٦٧-٣٧٩، والموسوعة الفقهية ج١٦ ص٣٢٠-٣٢٧.
والله تعالى أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 8938
ما الفرق بين اليد في الدية وفي السرقة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[وما الحكمة في كون القطع في ربع دينار ودية اليد خمسمائة دينار؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قال ابن القيم:
وأما قطع اليد في ربع دينار وجعل ديتها خمسمائة دينار فمن أعظم المصالح والحكمة؛ فإنه احتاط في الموضعين للأموال والأطراف، فقطعها في ربع دينار حفظاً للأموال، وجعل ديتها خمسمائة دينار حفظاً لها وصيانةً، وقد أورد بعض الزنادقة هذا السؤال وضمَّنه بيتين، فقال:
يد بخمسمئين من عسجد وُديت ما بالها قطعت في ربع دينار
تناقض ما لنا إلا السكوت له ونستجير بمولانا من العار
فأجابه بعض الفقهاء: بأنها كانت ثمينةً لما كانت أمينةً، فلما خانت هانت، وضمَّنه الناظم قوله:
يد بخمس مئين من عسجدٍ وُديت لكنها قطعت في ربع دينار
حماية الدم أغلاها وأرخصها خيانة المال فانظر حكمة الباري
وروي أن الشافعي ﵀ أجاب بقوله:
هناك مظلومة غالت بقيمتها وها هنا ظلمت هانت على الباري
[الْمَصْدَرُ]
" أعلام الموقعين " (٢ / ٤٩، ٥٠) .
стр. 8939
لماذا يُقتل المرتد عن الإسلام
[السُّؤَالُ]
ـ[رغم أني غير مسلم، إلا إنني من المغرمين جدًا بعقيدتكم. لكن من الصعب فهم الداعي إلى الحكم بالموت على رجل بسبب كلام قاله فقط، أعني سلمان رشدي. أعتقد أننا بصفتنا بشر ليس من حقنا إصدار مثل هذه القرارات، فقط الله هو الذي يحكم في مثلها.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
نشكر لك ثقتك لإرسال هذا السؤال، وغرامك بعقيدتنا، وحرصك على معرفة الجواب، فأهلاً بك زائراً وقارئاً ومستفيداً.
أيها السائل: إن مما استوقفنا كثيراً في رسالتك هو تصريحك بالإعجاب بدين الإسلام، وهذه بشارة خير لنا ولك، أما من جهتنا فإننا نسعد بوصول ديننا إلى أمثالك ممن يبحث عن الحق، وهو ما أخبرنا به نبينا ﷺ من أن هذا الدين سيبلغ كل مكان على هذه الأرض فعَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَلا يَتْرُكُ اللَّهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلا وَبَرٍ إِلا أَدْخَلَهُ اللَّهُ هَذَا الدِّينَ بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ عِزًّا يُعِزُّ اللَّهُ بِهِ الإِسْلَامَ وَذُلا يُذِلُّ اللَّهُ بِهِ الْكُفْرَ " رواه أحمد (١٦٣٤٤) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٣) .
وأما بالنسبة لك فإن إعجابك بهذا الدين سيكون دافعاً لك للإطلاع على ما جاء به هذا الدين الحنيف، من موافقته للفِطَر السليمة، والعقول المُستَقِيمة، فننصحك بالتجرد الكامل من كل مؤثر، والقراءة المتأنية لتعاليم دين الإسلام، ولعلك أن تقرأ ما يتعلق بالإسلام في هذا الموقع مثل الأسئلة (٢١٩) ، (٢١٦١٣) ، (٢٠٧٥٦) ، (١٠٥٩٠) .
أما قولك: " من الصعب فهم الداعي إلى الحكم بالموت على رجل بسبب كلام قاله فقط.... أعتقد أننا بصفتنا بشر ليس من حقنا إصدار مثل هذه القرارات، فقط الله هو الذي يحكم في مثلها " فكلامك صحيح، إذ ليس لأحد أن يحكم على شخص بالقتل بدون دليل من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
والحكم بالقتل من أجل كلمة يسمى عند علماء المسلمين بـ" الردة "، فما هي الردة؟ بماذا تكون الردة؟
وما هو حكم المرتد؟
أولاً: الردة ... هي الكفر بعد الإسلام.
ثانياً: بماذا تكون الردة ...
تنقسم الأمور التي تحصل بها الردة إلى أربعة أقسام:
أ - ردة بالاعتقاد، كالشرك بالله أو جحده أو نفي صفةٍ ثابتة من صفاته أو إثبات الولد لله فمن اعتقد ذلك فهو مرتد كافر.
ب -ردة بالأقوال، كسب الله تعالى أو سب الرسول ﷺ .
ج- ردة بالأفعال، كإلقاء المصحف في محلٍ قذر؛ لأن فعل ذلك استخفاف بكلام الله تعالى، فهو أمارة عدم التصديق، وكذلك السجود لصنم أو للشمس أو للقمر.
د- الردة بالترك، كترك جميع شعائر الدين، والأعراض الكلي عن العمل به.
ثالثاً: ما هو حكم المرتد؟
إذا ارتد مسلمٌ، وكان مستوفياً لشروط الردة – بحيث كان عاقلاً بالغاً مختاراً - أُهدر دمه، ويقتله الإمام – حاكم المسلمين – أو نائبه – كالقاضي – ولا يُغسَّل ولا يُصلى عليه ولا يُدفن مع المسلمين.
ودليل قتل المرتد هو قول النبي ﷺ : " من بدل دينه فاقتلوه " رواه البخاري (٢٧٩٤) . والمقصود بدينه أي الإسلام.
وقول النبي ﷺ : " لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة " رواه البخاري ٦٨٧٨ ومسلم ١٦٧٦
أنظر الموسوعة الفقهية ٢٢/١٨٠
وبهذا يتبين لك أيها السائل أن قتل المرتد حاصلٌ بأمر الله سبحانه حيث أمرنا بطاعة الرسول ﷺ فقال: ﴿وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ ، وقد أمرنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بقتل المرتد كما تقدم بقوله: " من بدل دينه فاقتلوه ".
وقد تحتاج هذه المسألة منك إلى وقت للاقتناع، وإلى تأملٍ فيها، ولعلك تفكر في مسألة أن الإنسان إذا اتبع الحق ودخل فيه واعتنق هذا الدين الوحيد الصحيح الذي أوجب الله، ثم نجيز له أن يتركه بكل سهولة في أي وقت يشاء وينطق بعبارة الكفر التي تُخرج منه، فيكفر بالله ورسوله وكتابه ودينه ثم لا تحدث العقوبة الرادعة له، كيف سيكون تأثير ذلك عليه وعلى الداخلين الآخرين في الدين.
ألا ترى أن ذلك يجعل الدين الصحيح الواجب اتباعه كأنه محل أو دكان يدخل فيه الشخص متى شاء ويخرج متى شاء وربما يُشجع غيره على ترك الحق.
ثم هذا ليس شخصاً لم يعرف الحق ولم يمارس ويتعبد، وإنما شخص عرف ومارس وأدى شعائر العبادة، فليست العقوبة أكبر مما يستحق وإنما مثل هذا الحكم القوي لم يُوضع إلا لشخص لم تعد لحياته فائدة لأنه عرف الحق واتبع الدين، ثم تركه وتخلى عنه، فأي نفس أسوأ من نفس هذا الشخص.
وخلاصة الجواب أن الله الذي أنزل هذا الدين وفرضه هو الذي حكم بقتل من دخل فيه ثم تخلى عنه، وليس هذا الحكم من أفكار المسلمين واقتراحاتهم واجتهاداتهم، وما دام الأمر كذلك فلابد من إتباع حكم الله ما دمنا ارتضيناه رباً وإلهاً.
والله يوفقنا وإياك لما يحب ويرضى، ونشكرك مرة أخرى
والسلام على من اتبع الهدى.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 8940
هل يرشي الشرطي لئلا يعطيه مخالفة على تكلمه بالجوال في السيارة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[في بلادنا إذا تكلمت بالهاتف النقال أثناء قيادة السيارة يخالفك شرطي المرور بمخالفة قدرها ٥٠٠ دينار، فهل تعطي رشوة لإعفائك منها إذا كان معك مال أو لم يكن لديك مال مع العلم إذا لم يكن لديك مال فستسجن فماذا أفعل؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
جاءت الشرائع الربانية بحفظ الضرورات الخمس: الدين والعقل والنفس والمال والعرض، ومما لا شك فيه أن الالتزام بقواعد السير وأنظمة المرور مما يساهم في الحفاظ على النفس والمال، وعليه: فإن الشريعة الإسلامية تُلزم المسلمين بالالتزام بهذه القواعد والأنظمة، وخاصة أنه ليس فيها ما يخالف الشرع، إنما هي للحفاظ على أرواح الناس وممتلكاتهم.
وليست مخالفة هذه القواعد والأنظمة مما يعود ضرره على السائق وحده، بل إنه يتعدى ذلك إلى غيره من الناس، فالحوادث التي تحصل في الطرق نتيجة مخالفة تلك القواعد والأنظمة يكون فيها – غالباً – أطراف متعددة، وهذا يزيد من مسئولية المخالف ويشغل ذمته بأحكام متعددة كالدية والصيام وتعويض الضرر وغيرها.
وتعزير المخالف بدفع الغرامة المالية جائز شرعاً، وهو قول إسحاق بن راهويه وأبي يوسف صاحب أبي حنيفة، وابن فرحون من المالكية، وشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم، بل قد ذكر ابن القيم ﵀ في كتابه " الطرق الحكمية " أدلة كثيرة على جواز التعزير بالمال، ونقل كلام شيخ الإسلام فيه، ورد على من قال بنسخه.
وفي " حاشيته على تهذيب سنن أبي داود " (٤ / ٣١٩) قال:
" وفي ثبوت شرعية العقوبات المالية عدة أحاديث عن النبي ﷺ لم يثبت نسخها بحجة وعَمِل بها الخلفاء بعده " انتهى
وينبغي أن تكون الغرامة معقولةً بحيث تحصل المصلحة المقصودة منها، وهي ردع الناس عن هذه المخالفة، ولا بأس بأن تكون مرتفعة بحسب طبيعة المخالفة وقوة أثرها على النفس والآخرين.
وانظر هذه المسألة في جواب السؤال رقم (٢١٩٠٠) .
ومما لا شك فيه أن استعمال السائق للجوال أثناء قيادة السيارة مما يسبب حوادث قد تؤدي إلى إزهاق أرواح، فضلاً عن إتلاف أموال.
وقد تنادى العقلاء في كل أرجاء الأرض إلى ضرورة التشديد في العقوبة لمنع استعمال الجوال أثناء القيادة، وقد قامت أبحاث ميدانية في " بريطانيا " تبيَّن بها أن التأثير السلبي لاستعمال الجوال يفوق ما تحدثه الخمور من تأثير على قدرة السائق في التحكم بالسيارة!
وهذه الأبحاث بيَّنت أن قائد السيارة الذي يستعمل الهاتف الجوال أثناء القيادة أقل تحكماً بالقيادة بنسبة ثلاثين بالمائة بالمقارنة بمن يقودها وهو في حالة السكر!! أما بالمقارنة مع الشخص العادي فإن تحكم من يستعمل الهاتف الجوال أثناء القيادة أقل بنسبة خمسين بالمائة!
بل إن بعض الخبراء يقولون: إن استعمال السائقين للجوال أثناء قيادة سياراتهم حتى ولو كان عن طريق سماعات الأذن فإنه يضاعف احتمالات وقوع حوادث بنسبة ٤٠٠ بالمائة!
وانظر تفصيل ذلك في " جريدة الوطن " القطرية، الأربعاء ٢٠ / ٧ / ٢٠٠٥.
والخلاصة: أن استعمال الهاتف الجوال أثناء قيادة السيارة سبب رئيس لحصول الحوادث، فترتيب عقوبة على هذه المخالفة سواء كانت بتغريم مال، أو السجن له ما يبرره، وعليه: لا يجوز لك دفع رشوة للشرطي حتى لا يوقع عليك هذه العقوبة، لأنك أنت المقصّر والمتعدي، إلا إذا كان الشرطيّ ظالماً، بحيث ادَّعى عليك شيئاً لم تفعله، فلا حرج في هذه الحالة إذا لم تستطع التخلص من ظلمه إلا بدفع رشوة له أو لغيره، وانظر بيان ذلك في جواب السؤال رقم (٧٢٢٦٨)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 8941
لا يجوز التنازل عن حد القذف مقابل تعويض مادي
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يلزمني إحضار شهود إذا قذفني شخص ما وأردت أن أشتكي عليه؟ . وهل لي أن أتنازل عن حد القذف مقابل تعويض مالي؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
جاء الشرع بحماية الضرورات الخمس وهي: الدين، والعقل، والعِرْض، والنسب، والمال.
والقذف: هو تعرضٌ للعرض برميه بزنى أو لواط، وقد كُلِّفَ القاذف أن يأتي بما يثبت قوله بأربعة شهداء، فإن لم يفعل أقيم عليه حد القذف، وهو ثمانون جلدة، ولا تُقبل له شهادة، وهو من الفاسقين إلا أن يتوب أو يقام عليه الحد فإنه يرتفع عنه لقب " الفسق " وتقبل شهادته، ولا فرق بين أن يكون القاذف أو المقذوف رجلا أو امرأة.
قال الحافظ ابن حجر ﵀:
"وقد انعقد الإجماع على أن حكم قذف المحصن من الرجال حكم قذف المحصنة من النساء" انتهى.
" فتح الباري " (١٢ / ١٨٨) .
وأما إذا قذفه بغير الزنا، كما لو اتهمه بأنه سارق أو آكل للحرام ... فلا يُحد حد القذف، وإنما يعزره الحاكم بما يردعه عن هذا العدوان.
وقذف الأعراض محرَّم في الكتاب والسنة والإجماع، وهو من كبائر الذنوب، وقد أوجب الله على القاذف عقوبات مغلظة في الدنيا والآخرة:
١. قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ) النور/٤.
قال ابن كثير ﵀:
فأوجب على القاذف إذا لم يقم البينة على صحة ما قال ثلاثة أحكام: أحدها: أن يُجلد ثمانين جلدة، الثاني: أنه ترد شهادته أبداً، الثالث: أن يكون فاسقاً ليس بعدل لا عند الله، ولا عند الناس.
" تفسير القرآن العظيم " (٣ / ٢٩٢) .
٢. وقال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) النور/٢٣.
٣. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله، وما هنَّ؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات) رواه البخاري (٢٦١٥) ومسلم (٨٩) .
ولا يثبت حد القذف على القاذف، إلا بإقراره بالقذف، أو شهادة رجلين عدلين بأنه قاذف، وأما مجرد الدعوى فلا يثبت بها القذف أو غيره، لقول النبي ﷺ : (البينة على المدعي) رواه الترمذي (١٣٤١) وصححه الألباني في "إرواء الغليل" (١٩٣٨) .
وانظر: "المغني" (١٤/١٢٦) .
ثانياً:
أما التنازل عن حد القذف مقابل مبلغ مالي: فهو غير جائز؛ لأن العِرْض لا تجوز المعاوضة عليه بالمال.
قال الحطاب المالكي ﵀:
"ومن صالح من قذفٍ على مال: لم يجز، ورُدَّ، بلغ الإمام أو لا ... لأنه من باب الأخذ على العرض مالاً" انتهى بتصرف.
" مواهب الجليل " (٦ / ٣٠٥) .
وقال ابن قدامة الحنبلي ﵀:
"وإن صالحه عن حد القذف: لم يصح الصلح؛ لأنه إن كان لله تعالى: لم يكن له أن يأخذ عوضه لكونه ليس بحق له، فأشبه حد الزنا والسرقة، وإن كان حقّاً له: لم يجز الاعتياض عنه؛ لكونه حقّاً ليس بمالي، ولهذا لا يسقط إلى بدل، بخلاف القصاص؛ ولأنه شرع لتنزيه العرض فلا يجوز أن يعتاض عن عرضه بمال" انتهى.
" المغني " (٥ / ٣٣) .
وسئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء:
ما حكم تقويم عقوبة ثابتة بنصوص القرآن والسنَّة بقيمة (مبلغ) معينة، كأن يُقوَّم قطع يد السارق، فبدلاً من أن تُقطع يده يطالِب هو بقيمة (مبلغ) ، وكأن يقوَّم الرجم أو الجلد، فلا يُرجم أو يُجلد الزاني، بل يطالِب هو بدفع قيمة معينة (مبلغ معين) ؟ .
فأجابوا:
"لا يجوز تقويم عقوبات الحدود بمبالغ نقدية؛ لأن الحدود توقيفية، ولا يجوز تغييرها عما حدَّه الشارع" انتهى.
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان
" فتاوى اللجنة الدائمة " (٢٢ / ١٧) .
كما لا يجوز بعد إقامة الحد على القاذف أن يطالب المقذوف بتعويض مالي؛ إذ عامة العلماء على عدم جواز أخذ تعويض مالي مقابل ضرر معنوي – ويسمى كذلك " الضرر الأدبي ".
وقد جاء في قرار " مجمع الفقه الإسلامي " رقم ١٠٩ (٣ / ١٢) بشأن موضوع " الشرط الجزائي " ما نصه:
"الضرر الذي يجوز التعويض عنه يشمل الضرر المالي الفعلي ... ولا يشمل الضرر الأدبي أو المعنوي" انتهى.
وجاء في " الموسوعة الفقهية " (١٣ / ٤٠) تحت عنوان " التعويض عن الأضرار المعنوية:
"لم نجد أحداً من الفقهاء عبَّر بهذا، وإنما هو تعبير حادث، ولم نجد في الكتب الفقهية أن أحداً من الفقهاء تكلم عن التعويض المالي في شيء من الأضرار المعنوية" انتهى.
فتبين بهذا أنه لا يجوز استبدال حد القذف بمال، ولا يجوز المطالبة بتعويض بعد إقامة الحد على القاذف، ولك أن تعفو عمن قذفك ولا تطالب بإقامة الحد عليه.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 8942
صفة جلد الزاني غير المحصن
[السُّؤَالُ]
ـ[حد الزنى لغير المحصن ١٠٠ جلدة كما ورد في الآية، وحتى يتم تطبيق هذه العقوبة فيجب أن تتوفر عدة شروط فرضها الله، منها أن يكون هناك أربعة شهود رجال عدول على الواقعة، والاعتراف يلغي الحاجة للشهود.
١- بعد ١٠٠ جلدة، إذا كان الشخص عادياً وليس قوياً جداً فهل يبقى على قيد الحياة؟
٢- كم ستكون قوة هذه الجلدات؟ وهل هناك قوة متعارف عليها في الجلد؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الجلد في الحدود لا يراد منه القتل، وإنما يراد به التأديب والزجر وتطهير المحدود من الذنب، ولذلك نبه كثير من الفقهاء على أنه يكون ضربا متوسطا، لا يرفع الضارب فيه يده بحيث يبدو إبطه، ولا يستعمل سوطا جديدا، ولا يُجرد المجلود من ثيابه إلا ما كان كالفرو فإنه ينزع منه، ويجلد المحدود قائما عند جمهور العلماء، ولا يمد ولا يربط، ويُتقى ضربه في وجهه ورأسه وفرجه.
قال ابن قدامة ﵀: (فإن الضرب يفرق على جميع جسده ; ليأخذ كل عضو منه حصته , ويكثر منه في مواضع اللحم , كالأليتين والفخذين , ويتقي المقاتل , وهي الرأس والوجه والفرج , من الرجل والمرأة جميعا)
وقال عن المحدود: إنه لا يمد , ولا يربط. ولا نعلم عنهم في هذا خلافا.
قال ابن مسعود: ليس في ديننا مد , ولا قيد , ولا تجريد. وجلد أصحاب رسول الله ﷺ فلم ينقل عن أحد منهم مد ولا قيد ولا تجريد.
ولا تنزع عنه ثيابه , بل يكون عليه الثوب والثوبان. وإن كان عليه فرو أو جبة محشوة , نزعت عنه ; لأنه لو ترك عليه ذلك لم يبال بالضرب. قال أحمد: لو تركت عليه ثياب الشتاء ما بالى بالضرب. وقال مالك: يجرد ; لأن الأمر بجلده يقتضي مباشرة جسمه. ولنا قول ابن مسعود , ولم نعلم عن أحد من الصحابة خلافه، والله تعالى لم يأمر بتجريده , إنما أمر بجلده , ومن جلد من فوق الثوب فقد جلد) .
وقال: (إذا ثبت هذا , فإن السوط يكون وسطا , لا جديدا فيجرح , ولا خَلَقاً (أي: بالياً قديماً) فيقل ألمه ; لما روي أن رجلا اعترف عند رسول الله ﷺ بالزنا , فدعا له رسول الله ﷺ بسوط , فأتي بسوط مكسور , فقال: فوق هذا. فأتي بسوط جديد لم تكسر ثمرته. فقال: بين هذين. رواه مالك عن زيد بن أسلم مرسلا. وروي عن أبي هريرة مسندا.
وقد روي عن علي ﵁ أنه قال: ضرب بين ضربين , وسوط بين سوطين وهكذا الضرب يكون وسطا , لا شديد فيقتل , ولا ضعيف فلا يردع. ولا يرفع باعه كل الرفع , ولا يحطه فلا يؤلم. قال أحمد: لا يبدي إبطه في شيء من الحدود. يعني: لا يبالغ في رفع يده , فإن المقصود أدبه , لا قتله)
انتهى من المغني ٩/١٤١- ١٤٢
ومما سبق يتبين أن الشخص العادي لا يقتله الجلد غالبا، وأن المطلوب هو الزجر والتأديب، وشهود المؤمنين لهذه العقوبة، كما قال سبحانه: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) النور / ٢
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 8943
حكم جريمة الاغتصاب ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم جريمة الاغتصاب شرعاً؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
الاغتصاب هو أخذ الشيء ظلماً وقهراً، وأصبح الآن مصطلحاً خاصا بالاعتداء على أعراض النساء قهراً.
وهي جريمة قبيحة محرمة في كافة الشرائع، وعند جميع العقلاء وأصحاب الفطَر السوية، وجميع النظم والقوانين الأرضية تقبح هذه الفعلة وتوقع عليها أشد العقوبات، باستثناء بعض الدول التي ترفع العقوبة عن المغتصب إذا تزوج من ضحيته! وهو يدل على انتكاس الفطرة واختلال العقل فضلاً عن قلة الدين أو انعدامه عند هؤلاء الذي ضادوا الله تعالى في التشريع، ولا ندري أي مودة ورحمة ستكون بين الجلاد وضحيته، وخاصة أن ألم الاغتصاب لا تزيله الأيام ولا يمحوه الزمن - كما يقال - ولذا حاولتْ كثيرات من المغتَصبات الانتحار وحصل من عدد كثير منهن ما أردن، وقد ثبت فشل هذه الزيجات، ولم يصاحبها إلا الذل والهوان للمرأة.
وحري بهذا الشرع المطهَّر أن يكون له موقف واضح بيِّن من تحريم هذه الفعلة الشنيعة، وإيقاع العقوبة الرادعة على مرتكبها.
وقد أغلق الإسلام الأبواب التي يدخل من خلالها المجرم لفعل جريمته، وقد أظهرت دراسات غربية أن أكثر هؤلاء المغتصبين يكونون من أصحاب الجرائم، ويفعلون فعلتهم تحت تأثير الخمور والمخدرات، وأنهم يستغلون مشي ضحيتهم وحدها في أماكن منعزلة، أو بقاءها في بيتها وحدها، وكذلك بينت هذه الدراسات أن ما يشاهده المجرمون في وسائل الإعلام، وما تخرج به المرأة من ألبسة شبه عارية، كل ذلك يؤدي إلى وقوع هذه الجريمة النكراء.
وقد جاءت تشريعات الإسلام لتحفظ عرض المرأة وحياءها، وتنهاها عن اللبس غير المحتشم، وتنهاها عن السفر من غير محرم، وتنهاها عن مصافحة الرجال الأجانب عنها،، وحث الشرع على المبادرة بزواج الشباب وتزويج الفتيات كل ذلك – وغيره كثير – يغلق الباب على المجرمين من افتراس ضحاياهم، ولذلك لا نعجب إذا سمعنا أو قرأنا أن أكثر هذه الجرائم إنما تحدث في المجتمعات المنحلة، والتي يريد أهلها من المسلمات أن يكنَّ مثلهن في التحضُّر والرقي! ففي أمريكا – مثلاً – ذكرت منظمة العفو الدولية في تقرير لها بعنوان " أوقفوا العنف ضد المرأة " لعام ٢٠٠٤ أنه في كل ٩٠ ثانية تُغتصب امرأة هناك! فأي حياة يعيشها هؤلاء؟! وأي رقي وحضارة يسعون لإدخال المسلمات فيها؟!
ثانياً:
وأما عقوبة الاغتصاب في الشرع: فعلى المغتصب حد الزنا، وهو الرجم إن كان محصناً، وجلد مائة وتغريب عام إن كان غير محصن.
ويوجب عليه بعض العلماء أن يدفع مهر المرأة.
قال الإمام مالك ﵀:
" الأمر عندنا في الرجل يغتصب المرأة بكراً كانت أو ثيبا: أنها إن كانت حرة: فعليه صداق مثلها , وإن كانت أمَة: فعليه ما نقص من ثمنها، والعقوبة في ذلك على المغتصب، ولا عقوبة على المغتصبة في ذلك كله " انتهى.
" الموطأ " (٢ / ٧٣٤) .
قال الشيخ سليمان الباجي ﵀:
" المستكرَهة؛ إن كانت حرة: فلها صداق مثلها على من استكرهها، وعليه الحد، وبهذا قال الشافعي، وهو مذهب الليث، وروي عن علي بن أبي طالب ﵁.
وقال أبو حنيفة والثوري: عليه الحد دون الصداق.
والدليل على ما نقوله: أن الحد والصداق حقان: أحدهما لله، والثاني للمخلوق، فجاز أن يجتمعا كالقطع في السرقة وردها " انتهى.
" المنتقى شرح الموطأ " (٥ / ٢٦٨، ٢٦٩) .
وقال ابن عبد البر ﵀:
" وقد أجمع العلماء على أن على المستكرِه المغتصِب الحدَّ إن شهدت البينة عليه بما يوجب الحد، أو أقر بذلك، فإن لم يكن: فعليه العقوبة (يعني: إذا لم يثبت عليه حد الزنا لعدم اعترافه، وعدم وجود أربعة شهود، فإن الحاكم يعاقبه وعزره العقوبة التي تردعه وأمثاله) ولا عقوبة عليها إذا صح أنه استكرهها وغلبها على نفسها، وذلك يعلم بصراخها، واستغاثتها، وصياحها " انتهى.
" الاستذكار " (٧ / ١٤٦)
ثالثاً:
وكون المغتصب عليه حد الزنا، هذا ما لم يكن اغتصابه بتهديد السلاح، فإن كان بتهديد السلاح فإنه يكون محارباً، وينطبق عليه الحد المذكور في قوله تعالى: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) المائدة/٣٣.
فيختار الحاكم من هذه العقوبات الأربعة المذكورة في الآية الكريمة ما يراه مناسباً، ومحققاً للمصلحة وهي شيوع الأمن والأمان في المجتمع، ورد المعتدين المفسدين.
وانظر السؤال رقم (٤١٦٨٢) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 8944
حكم العقوبات المالية في الإسلام ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم العقوبات المالية في الإسلام؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ذهب جمهور العلماء ومنهم الأئمة الأربعة إلى أن التعزير بأخذ المال لا يجوز. وأجاب بعضهم عن القضايا التي وردت بالعقوبة بأخذ المال بأنها منسوخة، إذ كان مشروعاُ في ابتداء الإسلام ثم نسخ بعد ذلك، وعللوا عدم جواز التعزير بأخذ المال بأن هذا النوع من العقوبة يكون ذريعة إلى أخذ ظلمة الحكّام والولاة أموال الناس بغير حق.
وذهب شيخ الإسلام ابن تيمة وتلميذه ابن القيم إلى جواز التعزير بأخذ المال إذا رأى الولاة أن هذا يحقق المصلحة، ويردع الظلمة، ويكف الشر، لأن التعزير باب واسع، فأوله التوبيخ بالكلام، وأعلاه التعزير بالقتل إذا لم ينكف الشر إلا بالقتل، وأخذ المال نوع من أنواع التعزير الذي يحصل به ردع المعتدين.
وقد رد الشيخان دعوى النسخ ونفياها نفياً باتاً، ودللا على ذلك بما ورد من القضايا العديدة المؤيدة لوجود العقوبات المالية.
قال الشيخ: مدّعو النسخ ليس معهم حجة شرعية لا من كتاب ولا من سنة، وهو جائز على أصل أحمد، لأنه لم يختلف أصحابه أن العقوبات في المال غير منسوخة كلها.
ومن أدلة التعزير بأخذ المال ما يأتي:
أباح النبي ﷺ سلب الذي يصطاد في حرم المدينة لمن يجده.
أمر بكسر دِنان الخمر وشق ظروفه.
أمر عبد الله بن عمر بحرق الثوبين المعصفرين.
أضعف الغرامة على من سرق من غير حرز.
هدم مسجد الضرار.
حَرَم القاتل من الميراث والوصية.
قال شيخ الإسلام: إن العقوبات المالية ثلاثة أقسام:
أولاً:
الإتلاف: هو إتلاف محل المنكرات تبعاً لها، مثل الأصنام بتكسيرها وإحراقها وتحطيم آلات اللهو، وتمزيق أوعية الخمور، وتحريق الحوانيت التي يباع فيها الخمر، وإتلاف كتب الزندقة والإلحاد والأفلام الخليعة والصور المجسمة ونحو ذلك.
ثانياً:
التغير: مثل تكسير العملة المزيفة والستائر التي فيها التصاوير، وجعله وسادة ونحو ذلك.
ثالثاً:
التمليك: مثل سرقة التمر المعلّق، والتصدق بالزعفران المغشوش، فمصادرة مثل هذه الأشياء والصدقة بها أو بأثمانها.
[الْمَصْدَرُ]
توضيح الأحكام من بلوغ المرام ص ٣١.
стр. 8945
هل يعاقب العاصي في الآخرة إذا أقيم عليه الحدّ في الدنيا
[السُّؤَالُ]
ـ[إذا أذنب الإنسان في هذه الدنيا وعوقب على ذنبه فهل سيعاقب عليه بعد موته؟
مثلاً: إذا زنى الرجل أو سرق وعوقب بالقتل أو قطع اليد في الدنيا فهل سيعاقب على ذنبه يوم القيامة؟ إذا كان شاذا ورُمي حتى الموت فهل سينجو من العذاب في النار؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أخرج البخاري ﵀ في صحيحه (٣/١٤٣) رقم (٣٦٧٩) بسنده " أن عبادة بن الصامت من الذين شهدوا بدراً مع رسول الله ﷺ قال كنت من أصحابه ليلة العقبة أخبره أن رسول الله ﷺ قال وحوله عصابة من أصحابه: تعالوا بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوني في معروف فمن وفى منكم فأجره على الله ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب به في الدنيا فهو له كفارة، ومن أصاب من ذلك شيئاً فستره الله فأمره إلى الله إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه قال فبايعته على ذلك ".
قال الحافظ في الفتح (١/٦) : " ويستفاد من الحديث أن إقامة الحدّ كفارة للذنب ولو لم يتب المحدود وهو قول الجمهور وقيل لا بدّ من التوبة وبذلك جزم بعض التابعين.
والحديث السابق رواه الترمذي أيضا في سننه وقال بعده: قَالَ الشَّافِعِيُّ لَمْ أَسْمَعْ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّ الْحُدُودَ تَكُونُ كَفَّارَةً لأَهْلِهَا شَيْئًا أَحْسَنَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأُحِبُّ لِمَنْ أَصَابَ ذَنْبًا فَسَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتُرَ عَلَى نَفْسِهِ وَيَتُوبَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ أَنَّهُمَا أَمَرَا رَجُلا أَنْ يَسْتُرَ عَلَى نَفْسِهِ. سنن الترمذي ١٤٣٩. فلا يحتاج إذن من أصاب حدّا أن يذهب إلى القاضي ويعترف ويطلب إقامة الحدّ عليه وإنما يُندب له أن يستر نفسه ويتوب فيما بينه وبين الله ، ويُكثر من عمل الصّالحات، والحسنات يُذهبن السيئات والتائب من الذّنب كمن لا ذنب له. نسأل الله العافية والمغفرة وصلى الله على نبينا محمد.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 8946
زنت وهي صغيرة فهل يُقام عليها الحد
[السُّؤَالُ]
ـ[ما عقوبة الفتاة التي لم تبلغ الحلم وزنت وهي ما تزال قاصرة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إن ذنب الزنا من أعظم الكبائر عند الله وقد قرنه الله بالكفر والشرك وقتل النفس كما قال تعالى: ﴿والذين لا يدعون مع الله إله آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا﴾ الفرقان / ٦٩.
قال القرطبي:
وقد أجمع أهل الملل على تحريمه، فلم يحل في ملة قط، ولذا كان حده أشد الحدود؛ لأنه جناية على الأعراض والأنساب، وهو من جملة الكليات الخمس، وهي حفظ النفس والدين والنسب والعقل والمال.
" تفسير القرطبي " (٢٤ / ٢٠، ٢١) .
١. فإذا كانت المرأة محصنة - أي: سبق الدخول بها بعقد شرعي - فعقوبتها الرجم بالحجارة حتى الموت.
وعمر بن الخطاب ﵁ وهو جالس على منبر رسول الله ﷺ : إن الله قد بعث محمَّداً ﷺ بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل عليه آية الرجم، قرأناها ووعيناها، وعقلناها، فرجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل ما نجد الرجم في كتاب الله؛ فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، وإن الرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف.
رواه البخاري (٢٤٦٢) ومسلم (١٦٩١) .
٢. وإذا كانت المرأة بكراً – أي: لم تتزوج بعدُ أو عقد عليها زوجها ولم يدخل بها –: فعقوبتها جلد مائة وتغريب عام عن بلدها كما في حديث عبادة بن الصامت ﵁ أن النبي ﷺ : (خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلاً البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام ... ) الحديث رواه مسلم (١٦٩٠) .
وإذا كان الزاني أو الزانية صغيراً دون البلوغ فإنه لاحد عليه عند جميع العلماء.
قال ابن قدامة ﵀:
أما البلوغ والعقل فلا خلاف في اعتبارهما في وجوب الحد.
" المغني " (٨ / ١٣٤) .
والدليل على ذلك قول رسول الله ﷺ : " رفع القلم عن ثلاثة عن النائم حتى يستيقظ وعن الصغير حتى يكبر وعن المجنون حتى يعقل) رواه النسائي (٣٤٣٢) وصححه الألباني في صحيح النسائي (٣٢١٠) .
ولكن يجب أن يعزر الصغير أو الصغيرة بما دون الحد ويعاقب بما يردعه عن هذا الفعل، ويجب أن يعزر وليه إن كان القصور منه كأن سمح لابنته بالاختلاط أو تهاون في مثل ذلك.
ويجب على الفتاة أن تستر على نفسها، وعلى وليها أن يستر عليها، فإن النبي ﷺ يقول: (اجتنبوا هذه القاذورات التي نهى الله عنها، فمن ألم بشيء منها فليستتر بستر الله وليتب إلى الله ... ) الحديث رواه الحاكم، وصححه الألباني في صحيح الجامع (١٤٩)
وهذا وإن للبلوغ علامات إذا وجدت في الولد أو البنت حصل بها التكليف وهي موجودة في السؤال (٢١٢٤٦) (١٣٢٦٢)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 8947
عقوبة شارب الخمر، وهل تصح منه الصلاة والصيام ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هي عقوبة شارب الخمر؟ هل يمكن للشارب الخمر أن يصلي ويصوم رمضان؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) المائدة/٩٠
وفي صحيح البخاري (٢٢٩٥) ومسلم (٨٦) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " لا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ. " أي لا يكون مؤمناً كامل الإيمان بل يكون قد نقص إيمانه نقصا عظيما بهذا الفعل الشنيع.
وفي البخاري أيضا (٥١٤٧) ومسلم (٣٧٣٦) عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ:" مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا حُرِمَهَا فِي الآخِرَة "ِ
وفي سنن أبي داود (٣١٨٩) عن ابْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ قال: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "لَعَنَ اللَّهُ الْخَمْرَ وَشَارِبَهَا وَسَاقِيَهَا وَبَائِعَهَا وَمُبْتَاعَهَا وَعَاصِرَهَا وَمُعْتَصِرَهَا وَحَامِلَهَا وَالْمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ " وصححه الألباني كما في صحيح أبي داود (٢/٧٠٠) .
وفي سنن النسائي (٥٥٧٠) أَنَّ ابْنَ الدَّيْلَمِيِّ قال لعبد الله بن عمرو هَلْ سَمِعْتَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ شَأْنَ الْخَمْرِ بِشَيْءٍ فَقَالَ نَعَمْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " لا يَشْرَبُ الْخَمْرَ رَجُلٌ مِنْ أُمَّتِي فَيَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ صَلاةً أَرْبَعِينَ يَوْمًا " وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٧٠٩) . والمعنى: أنه لا يثيبه عليها لا أنه لا تجب عليه الصلاة، بل يتوجب عليه أن يأتي بجميع الصلوات، ولو ترك الصلاة في هذا الوقت لكان مرتكبا لكبيرة من أعظم الكبائر، حتى أوصلها بعض العلماء إلى الكفر، والعياذ بالله.
والأحاديث والآثار الدالة على شدة تحريم الخمر كثيرة جدا، وهي أم الخبائث، فمن وقع فيها جَرَّأته على ما سواها من الخبائث والجرائر. نسأل الله العافية.
وأما عقوبة شاربها في الدنيا فهي الْجَلْدُ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ. لِما رواه مُسْلِمٍ (٣٢٨١) عَنْ أَنَسٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : ﴿جَلَدَ فِي الْخَمْرِ بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَالِ﴾ .
ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي عَدَدِ الْجَلَدَاتِ: فَذَهَبَ جماهير العلماء إلَى أَنَّهَا ثَمَانُونَ جَلْدَةً فِي الْحُرِّ , وَفِي غَيْرِهِ أَرْبَعُونَ.
واستدلوا بما جاء في حديث أنس السابق وفيه: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَجَلَدَهُ بِجَرِيدَتَيْنِ نَحْوَ أَرْبَعِينَ قَالَ وَفَعَلَهُ أَبُو بَكْرٍ فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ اسْتَشَارَ النَّاسَ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ أَخَفَّ الْحُدُودِ ثَمَانِينَ فَأَمَرَ بِهِ عُمَرُ."
ووافق الصحابة عمر ﵁ على ذلك ولم يخالفوه. وقد قرر مجلس هيئة كبار العلماء أن عقوبة شارب الخمر هي الحد، وأن الحد ثمانون جلدة.
وبعض العلماء كابن قدامة ﵀، وشيخ الإسلام في الاختيارات يرون أن الزيادة على الأربعين تابعة لنظر الإمام المسلم فإن رأى الحاجة داعية إلى الزيادة على أربعين كما حصل في عهد عمر ﵁ فله أن يجعلها ثمانين. والله أعلم (ينظر توضيح الأحكام ٥ / ٣٣٠) .
وأما الصلاة والصيام من شارب الخمر، فلا شك أنه يجب عليه أن يؤدي الصلاة في أوقاتها، وأن يصوم رمضان، ولو أخل بشيء من صلاته أو صيامه لكان مرتكباً لكبيرة عظيمة هي أشد من ارتكابه لجريمة شرب الخمر، فلو أنه شرب الخمر ي نهار رمضان لكان قد عصى الله بمعصيتين كبيرتين: الأولى الإفطار في نهار رمضان، الثانية شرب الخمر. وليعلم أن وقوع المسلم في معصية وعجزه عن التوبة منها لضعف إيمانه لا ينبغي أن يُسوِّغ له استمراء المعاصي وإدمانها، أو ترك الطاعات والتفريط فيها بل يجب عليه أن يقوم بما يستطيعه من الطاعات ويجتهد في ترك ما يقترفه من الكبائر والموبقات، نسأل الله أن يجنبنا الذنوب صغيرها وكبيرها إنه سميع قريب. والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 8948
زنا ثم أسلم فهل يحد
[السُّؤَالُ]
ـ[إذا زنى كافر ثم أسلم، فهل يقام عليه الحد؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إذا زنى الذمي ثم أسلم، وقامت بينة بزناه سقط عنه الحد، فلا يحد ولا يعزر؛ نص عليه الشافعي بقوله الله تعالى: " قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف " سورة الأنفال: ٣٨، ويستدل أيضا بقوله ﷺ : " الإسلام يهدم ما قبله " رواه مسلم من رواية عمرو بن العاص، ولأن نص القرآن يدل على سقوط الحد عن السارق وقاطع الطريق إذا تابا، فعن الكافر أولى، ولأن في إيجاب الحد تنفيرا عن الإسلام، وبمثل هذه العلة عللوا سقوط قضاء الصلاة عنه. والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
فتاوى الإمام النووي ٢٢٣.
стр. 8949
حكم مقدمات الزنى من التقبيل واللمس والخلوة
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم من كان يتمتع في النساء بحيث لا يزني من قبلات وغيره؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ليس الزنا هو فقط زنا الفرْج، بل هناك زنا اليد وهو اللمس المحرَّم، وزنا العين وهو النظر المحرَّم، وإن كان زنا الفرْج هو الذي يترتب عليه الحد.
عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا، أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين النظر، وزنا اللسان المنطق، والنفس تمنَّى وتشتهي، والفرْج يصدق ذلك كله ويكذبه ". رواه البخاري (٥٨٨٩) ومسلم (٢٦٥٧) .
ولا يحل للمسلم أن يستهين بمقدمات الزنا كالتقبيل والخلوة والملامسة والنظر فهي كلها محرّمات، وهي تؤدي إلى الفاحشة الكبرى وهي الزنا.
قال الله تعالى: ﴿ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلاً﴾ الإسراء / ٣٢.
والنظرة المحرمة سهم من سهام الشيطان، تنقل صاحبها إلى موارد الهلكة، وإن لم يقصدها في البداية ولهذا قال تعالى: ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون. وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن﴾ النور / ٣٠ – ٣١.
فتأمل كيف ربط الله تعالى بين غض البصر وبين حفظ الفرج في الآيات، وكيف بدأ بالغض قبل حفظ الفرج لأن البصر رائد القلب.
قال الشيخ عبد العزيز بن باز – ﵀:
أمر الله سبحانه في هاتين الآيتين الكريمتين المؤمنين والمؤمنات بغض الأبصار، وحفظ الفروج، وما ذاك إلا لعظم فاحشة الزنا وما يترتب عليها من الفساد الكبير بين المسلمين، ولأن إطلاق البصر من وسائل مرض القلب ووقوع الفاحشة، وغض البصر من أسباب السلامة من ذلك، ولهذا قال سبحانه: ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون﴾ ، فغض البصر وحفظ الفرج أزكى للمؤمن في الدنيا والآخرة، وإطلاق البصر والفرج من أعظم أسباب العطب والعذاب في الدنيا والآخرة، نسأل الله العافية من ذلك.
وأخبر أنه خبير بما يصنعه الناس، وأنه لا يخفى عليه خافية، وفي ذلك تحذير للمؤمن من ركوب ما حرم الله عليه، والإعراض عما شرع الله له، وتذكير له بأن الله سبحانه يراه ويعلم أفعاله الطيبة وغيرها. كما قال تعالى: ﴿يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور﴾ غافر / ١٩.
" انتهى من التبرج وخطره ".
فعلى المسلم أن يتقي الله ربَّه في السر والعلن، وأن يبتعد عما حرَّمه الله عليه من الخلوة والنظر والمصافحة والتقبيل وغيرها من المحرَّمات والتي هي مقدمات لفاحشة الزنا.
ولا يغتر العاصي بأنه لن يقع في الفاحشة وأنه سيكتفي بهذه المحرمات عن الزنا، فإن الشيطان لن يتركه. وليس في هذه المعاصي كالقبلة ونحوها حد لأن الحد لا يجب إلا بالجماع (الزنى) ، ولكن يعزره الحاكم ويعاقبه بما يردعه وأمثاله عن هذه المعاصي.
قال ابن القيم:
(وأما التعزير ففي كل معصية لا حد فيها ولا كفارة ; فإن المعاصي ثلاثة أنواع: نوع فيه الحد ولا كفارة فيه , ونوع فيه الكفارة ولا حد فيه , ونوع لا حد فيه ولا كفارة ; فالأول - كالسرقة والشرب والزنا والقذف - , والثاني: كالوطء في نهار رمضان، والوطء في الإحرام , والثالث: كوطء الأمة المشتركة بينه وبين غيره وقبلة الأجنبية، والخلوة بها، ودخول الحمام بغير مئزر، وأكل الميتة والدم ولحم الخنزير , ونحو ذلك) " إعلام الموقعين " (٢ / ٧٧) .
وعلى من أبتلي بشيء من ذلك أن يتوب إلى الله تعالى، فإن من تاب تاب الله عليه، والتائب من الذنب من لا ذنب له.
ومن أعظم ما يكفر هذه المعاصي المحافظة على الصلوات الخمس، قال النبي ﷺ : " الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر " رواه مسلم (١/٢٠٩)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 8950
حكم إسقاط الجنين المشوّه
[السُّؤَالُ]
ـ[إذا وجد أن الجنين به تشوهات (وهو في منتصف الشهر الخامس) أي أن الطفل به تشوهات في الجزء الأعلى من الجمجمة. والأطباء ينصحون بشدة بعمل إجهاض، حيث أن أطول فترة يعيشها الطفل المولود بهذه التشوهات هي ٢١ يوما ومعظم هذه الحالات من الحمل تنتهي بالإسقاط في آخر وأخطر مرحلة من الحمل .........
ماذا يفعل الزوجان المسلمان في هذه الحالة؟ وخاصة بعد سؤال عالمين مسلمين كل واحد منهما أعطى جوابا مختلفا، بمعنى أن أحدهما نصح بالإجهاض والآخر نصح بالاستمرار في الحمل. والزوجان الآن بحاجة لاتخاذ قرار بأسرع ما يمكن. فما هو حكم الشرع في المسألة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إذا أتمّ الجنين أربعة أشهر نُفخت فيه الرّوح فيكون تعمّد إسقاطه حينئذ قتلا للنّفس وإزهاقا للرّوح وهذه كبيرة عظيمة من الكبائر، وقول الأطبّاء إنّ الجنين به تشوّهات لا يبرّر قتله إطلاقا. ثمّ لو سقط من تلقاء نفسه ميّتا أو وُلد حيّا ثمّ مات فإنّهما يُؤجران على مصيبة فقْده، ولو عاش وبه عاهة فيُؤجران على صبرهم وإعالتهم له، وكلّ أمر يحدث للمؤمن فهو له خير، أمّا إزهاق روحه فليس فيه إلا الشرّ والإثم. هذا مع الأخذ بعين الاعتبار الخطأ الذي قد يحدث في تقديرات الأطبّاء وكذلك ما قد يجري على الجنين من التغيّرات في حالته. والله تعالى أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 8951
زوجها يسرق من المحل بحجة أنه يرفع الأسعار
[السُّؤَالُ]
ـ[عرفت زوجي لمدة ٣ سنوات وهو مسلم مخلص ومنذ شهرين ذهب ليشتري شيئاً من أحد المحلات فوجد هذا المحل يبيعه بأغلى من باقي المحلات فسرقه وكان عذره أنه لا يرضى أن يخدع.
ومنذ أسبوعين استأجر بدلة لحضور إحدى الحفلات ثم ذهب ليشتري قميصاً وربطة عنق ووجد قميصاً وربطة عنق في كيس فأخذهما واتهمه المحل بوضعهما سوياً ليحصل على تخفيض في السعر ولم يكن هذا صحيحاً ومن أجل معاقبة المحل سرق بدلة بـ ٩٠٠ دولار وترك لهم البدلة المؤجرة بـ ٥٠ دولار. فقلت له أن هذا حرام.
هو ليس لصاً وهو مسلم ملتزم.
فماذا أقول له لأقنعه بأن هذا سرقة وحرام؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
١. إننا لنعجب من فعل زوجك هذا الذي ذكرتيه لنا، ونعجب من وصفك له بأنه ليس لصّاً، وأنه ملتزم، وهو يقوم بفعلٍ لا يخفى على أحدٍ من عامة المسلمين فضلاً عن علمائهم أنه حرام.
وليس عندنا شيء تخبرينه به إلا حكم السرقة، وأنها حرام، وأن الله تعالى قال في كتابه العزيز: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاءً بما كسبا نكالاً من الله﴾ [المائدة / ٣٨] . فحدّ السرقة في الشرع قطع اليد اليمنى، والسارق لا تبرأ ساحته بعد القطع حتى يُرجع الحق إلى أهله.
وقال تعالى أيضا: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ [البقرة / ١٨٨] .
وعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ خطب الناس يوم النحر فقال: " يا أيها الناس أي يوم هذا؟ قالوا: يوم حرام، قال: فأي بلد هذا؟ قالوا: بلد حرام قال: فأي شهر هذا؟ قالوا: شهر حرام، قال: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا - فأعادها مراراً - ثم رفع رأسه فقال: اللهم هل بلغت؟ اللهم هل بلغت؟ قال ابن عباس ﵄: فوالذي نفسي بيده إنها لوصيته إلى أمته، فليبلغ الشاهد الغائب. رواه البخاري (١٦٥٢) .
وفي الصحيحين عن أبي بكرة نحوه.
وعن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: فلا تعطه مالك، قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: قاتله، قال أرأيت إن قتلني؟ قال: فأنت شهيد، قال: أرأيت إن قتلته؟ قال هو في النار. رواه مسلم (١٤٠) .
وعن أبي هريرة أيضاً عن النبي ﷺ قال: " لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده ". رواه البخاري (٦٤٠١) ومسلم (١٦٨٧) .
وأما أنه يبيح ذلك لنفسه كونه يخدع: فإن هذا من تلبيس الشيطان، فإن الحرام لا يقابل بحرامٍ مثله.
هذا تنزلاً على قوله، وإلا فالأصل أنّ البائع يحقّ له أن يبيع بأي سعر شاء وقد قال النبي صلى اله عليه وسلم: " البيِّعان بالخيار ما لم يتفرقا " كما في البخاري (١٩٧٣) ومسلم (١٥٣٢) ، فإذا لم يعجبه سعر البضاعة فله إلا أن يماكسه، لا أن ينهبه، فإن أعجبه السعر وإلا ذهب إلى محل آخر.
وأما معاقبته للمحل بسرقة (٩٠٠) دولار: فهذا أيضاً حرام، والله تعالى يقول: ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به﴾ ، وليس للإنسان أن يأخذ ما يشتهيه إن كان مظلوماً، بل إن زاد عن حقِّه المسلوب: صار ظالماً هو الآخر.
هذا إذا كان المحل قد ظلم زوجكِ، والذي يظهر خلاف ذلك، والأمر لا يعدو كونه ظنّاً في غير محله، فهل يرضى زوجك لو فعل أحد معه ذلك، فيسرق منه نصف هذا المبلغ لشكه فيه؟
والجواب معلوم وهو النفي، فكذلك لا يحل له أن يفعل هذا مع صاحب المحل.
ونوصيكِ بإخباره أن الدنيا إلى زوال، وأن الإنسان يلقى الله يوم القيامة بعمله، وأن السرقة خزي وفضيحة في الدنيا والآخرة.
أما الدنيا: فهي في نزع البركة من مال السارق بل من حياته كلها، ثم الفضيحة بين الناس.
وأما في الآخرة: فهو أشد وأخزى، وليتفكر في هذا الحديث:
عن أبي حميد الساعدي قال: قال رسول الله ﷺ : والله لا يأخذ أحد منكم شيئاً بغير حقه إلا لقي الله يحمله يوم القيامة، فلأعرفن أحداً منكم لقي الله يحمل بعيراً له رغاء، أو بقرةً لها خوار، أو شاة تيعر، ثم رفع يده حتى رئي بياض إبطه يقول: اللهم هل بلغت؟ . رواه البخاري (٦٥٧٨) ومسلم (١٨٣٢) . والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 8952
هل يُغفر للزاني التائب ولو لم يُقم عليه الحد ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أريد أن أعرف إذا ارتكب الشخص كبيرة الزنا وندم ندماً حقيقيّاً لله وتاب توبة صادقة لله هل سيعفو الله عنه يوم القيامة حتى لو لم يقم عليه الحد بجلده مائة جلدة في الدنيا؟ .
وهل التوبة وحدها تكفر هذا الذنب؟ أم أنه لن يغفر الله له وسيعاقب يوم القيامة ما لم يطبق بحقه الحد الشرعي حد الزنا؟ أرجو الإجابة من الكتاب والسنة وجزاكم الله خيراً.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إقامة الحدِّ على الذنب الذي شرع فيه الحد: يكفِّر الذنب وما يترتب عليه من إثم.
والتوبة الصادقة من الذنوب تكفِّر ما يترتب عليه من إثم، و " التائب من الذنب كمن لا ذنب له "، بل إن الله تعالى يبدِّل سيئاته حسنات.
فإن صدق في التوبة، وأكثر من الاستغفار فلا يلزمه أن يعترف ليقام عليه الحد، بل التوبة كافية إن شاء الله تعالى.
قال الله تعالى: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاماً. يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً. إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيماً. ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متاباً﴾ الفرقان / ٦٨ – ٧١.
وعن عبادة بن الصامت ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوا في معروف، فمن وفَّى منكم: فأجره على الله، ومَن أصاب مِن ذلك شيئاً فعوقب في الدنيا: فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئاً ثم ستره الله: فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه ".
رواه البخاري (١٨) ومسلم (١٧٠٩) .
وفي صحيح مسلم (١٦٩٥) عندما جاء "ماعز" إلى النبي ﷺ وأقر بالزنى وقال: "طهِّرني" (يعني بإقامة الحد) ، قال له: ويحك ارجع فاستغفر الله وتب إليه.
قال النووي:
وَفِي هَذَا الْحَدِيث دَلِيل عَلَى سُقُوط إِثْم الْمَعَاصِي الْكَبَائِر بِالتَّوْبَةِ , وَهُوَ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر:
ويؤخذ من قضيته – أي: ماعز عندما أقرَّ بالزنى - أنه يستحب لمن وقع في مثل قضيته أن يتوب إلى الله تعالى ويستر نفسه ولا يذكر ذلك لأحدٍ. . . وبهذا جزم الشافعي ﵁ فقال: أُحبُّ لمن أصاب ذنباً فستره الله عليه أن يستره على نفسه ويتوب اهـ.
" فتح الباري " (١٢ / ١٢٤، ١٢٥) .
وعن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: " اجتنبوا هذه القاذورات التي نهى الله عنها فمن ألَمَّ بشيء منها فليستتر بستر الله وليتب إلى الله فإنه من يُبد لنا صفحته نُقم عليه كتاب الله تعالى ". والقاذورات: يعني المعاصي.
رواه الحاكم في " المستدرك على الصحيحين " (٤ / ٤٢٥) والبيهقي (٨ / ٣٣٠) . وصححه الألباني في صحيح الجامع (١٤٩)
وللاستزادة يرجى النظر في أجوبة الأسئلة: (٦٢٤) و (٢٣٤٨٥) و (٢٠٩٨٣) و (٧٢٨) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 8953
ضم أخته وهما عاريان
[السُّؤَالُ]
ـ[عندما كان عمري ١٣ سنة وكنت بالغاً قمت بضم أختي وهي عارية وقد تلامس الفرجان ولكن لم يحصل إدخال، الآن وقد أصبح عمري ٢٣ سنة أشعر بالتعاسة بسبب ما حصل وأريد أن أعرف هل يجب أن يطبق على الحد؟ وإذا تبت فهل يجب أن أعترف بما فعلت ليقام علي الحد؟ أم أن التوبة تكفي؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الواجب عليك أن تتوب إلى الله تعالى من هذا العمل القبيح المنكر، وأن تندم عليه، وتعزم على عدم العود لشيء من ذلك، ومن تاب تاب الله عليه، كما قال النبي ﷺ : " ويتوب الله على من تاب" رواه البخاري ٦٤٢٦ ومسلم ١٠٤٨.
والتوبة واجبة من الذنب العظيم الذي أرتكبته، نسأل الله أن يعفو عنا وعنك، وأن يوفقك للتوبة الصادقة النصوح.
وحق لك أن تشعر بالتعاسة والخزي، فإن الرجل يحمي أهله، ويُقاتل دفاعا عن عرضه (ومن قُتل دون عرضه فهو شهيد) ، فكيف يكون هو الجاني المعتدي الآثم، ولعل هذا الحدث يزيدك يقينا بأهمية تربية الأبناء وتنشئتهم على الأخلاق والقيم، والتفريق بينهم في المضاجع، وإبعادهم عن أسباب الرذيلة، ووسائل المنكر التي تهيج فيهم الغريزة، وتقودهم إلى الهاوية.
وننصحك بعد هذا كله أن تستر على نفسك وألا تخبر أحداً بما جرى، وليس عليك حدٌ، بل عليك التوبة النصوح، وأكثر من الأعمال الصالحة فـ (إن الحسنات يذهبن السيئات) .
والله اعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 8954
تاب من سرقة الكفار
[السُّؤَالُ]
ـ[أعيش في دولة غير مسلمة وظللت أرتكب الذنوب لفترات طويلة ولكن الحمد لله الذي هداني إلى الصواب وإلى التوبة. وقبل توبتي اعتدت أن أسرق من المحلات وأغش الجهات الحكومية في الحصول على أموال من الضمان الإجتماعي (التأمينات الإجتماعية) وأركب المواصلات العامة بدون أن أدفع تذاكر وإذا أخبرت السلطات بهذه الأمور (التي توقفت عنها) فسوف يسجنونني في بلد غير مسلم أرجو منكم أن تدلوني على ما يجب فعله واسألكم الدعاء ليغفر الله لنا.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الحمد لله الذي أكرمك بالتوفيق للتوبة، ونسأل الله تعالى أن يهدينا جميعاً إلى صراطه المستقيم، ويثبتنا عليه حتى الممات.
اعلم يا أخي أنه لا يجوز للمسلم أن يغش أحداً أو أن يأخذ ماله بغير حق ولو كافراً.
وإذا ارتكب المسلم شيئاُ من الذنوب – السرقة أو غيرها – ثم تاب قبل رفع الأمر إلى الحاكم فإنه تسقط عنه العقوبة حينئذ، ولا تجوز معاقبته، لقول الله تعالى في قطاع الطرق: (إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَاّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (سورة النساء / ٣٣-٣٤، وقال النبي ﷺ : (التائب من الذنب كمن لا ذنب له) ومن لا ذنب له لا عقاب عليه. الاختيارات الفقهية ص (٥١٠ – ٥٢٦) المغني (١٢/٤٨٤)
وعن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال - بعد أن رجم الأسلمي -: " اجتنبوا هذه القاذورات التي نهى الله عنها فمن ألَمَّ بشيء منها فليستتر بستر الله وليتب إلى الله؛ فإنه مَن يُبدِ لنا صفحته: نقم عليه كتاب الله تعالى ". رواه الحاكم في " المستدرك على الصحيحين " (٤ / ٤٢٥) والبيهقي (٨ / ٣٣٠) .
والحديث: صححه الحاكم وابن السكن وابن الملقن.
انظر: " التلخيص الحبير " (٤ / ٥٧) و" خلاصة البدر المنير " لابن الملقِّن (٢ / ٣٠٣) .
وعلى هذا فلا يلزمك أن تذهب إلى السلطات وتعترف بالسرقة، بل تكفيك التوبة الصادقة، ولكن يجب عليك رد الأموال إلى أصحابها، ولا تصح توبتك إلا بذلك، ولا يشترط أن تخبرهم بأن هذه الأموال سرقتها منهم، لاسيما إذا خشيت أن يقدموا فيك شكوى ويسجنوك، فالمهم هو رجوع المال إلى أصحابه، فإما أن تجعله في مظروف، أو تعطيه من يوصله إليهم ... أو غير ذلك من الطرق.
فأموال الحكومة يجب ردها إليها، وكذا أموال الأشخاص الآخرين، وإذا لم تعرف مقدار المال بالتحديد فإنك تجتهد في تحديده وتغلّب جانب الاحتياط، بمعنى أنك تخرج من المال حتى تتيقن أنك فعلت الواجب عليك.
وإذا لم تعرف أصحاب الأموال فإنك تتصدق به عنهم وتجعله في سبيل الخير والإحسان.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 8955
حكم تناول المخدرات وهل تأخذ أحكام الخمر ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[زادت مؤخرا ظاهرة تناول المخدرات وخاصة الحشيش، ظنا من الناس أنها ليست خمرا تخامر العقل.
سؤالي: هل هي فعلا من الخمر؟ وهل إذا شرب المرء الخمر لا تقبل صلاته أربعين يوما؟ وبالتالي ما صحة صوم من يشرب الحشيش في رمضان؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا شك في تحريم تناول المخدرات، من الحشيش والأفيون والكوكايين والمورفين وغير ذلك، لوجوه عديدة، منها:
١- أنها تغيّب العقل وتخامره، أي تغطيه، وما كان كذلك فهو حرام؛ لقول النبي ﷺ : (كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام، ومن شرب الخمر في الدنيا فمات وهو يدمنها لم يتب لم يشربها في الآخرة) رواه مسلم (٢٠٠٣) .
وروى البخاري (٤٠٨٧) ومسلم (١٧٣٣) عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: بَعَثَنِي النَّبِيُّ ﷺ أَنَا وَمُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ إِلَى الْيَمَنِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ شَرَابًا يُصْنَعُ بِأَرْضِنَا يُقَالُ لَهُ الْمِزْرُ مِنْ الشَّعِيرِ، وَشَرَابٌ يُقَالُ لَهُ الْبِتْعُ مِنْ الْعَسَلِ، فَقَالَ: (كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ) .
وروى البخاري (٤٣٤٣) ومسلم (٣٠٣٢) عن ابن عمر ﵄ قال: سمعت عمر ﵁ على منبر النبي ﷺ يقول: (أما بعد، أيها الناس، إنه نزل تحريم الخمر وهي من خمسة: من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير، والخمر ما خامر العقل) .
ولا شك أن المخدرات تخامر العقل وتغيبه.
قال الحافظ ابن حجر: " واستُدل بمطلق قوله: (كل مسكر حرام) على تحريم ما يسكر ولو لم يكن شرابا، فيدخل في ذلك الحشيشة وغيرها، وقد جزم النووي وغيره بأنها مسكرة، وجزم آخرون بأنها مخدرة، وهو مكابرة؛ لأنها تحدث بالمشاهدة ما يحدث الخمر من الطرب والنشوة، والمداومة عليها والانهماك فيها.
وعلى تقدير تسليم أنها ليست بمسكرة فقد ثبت في أبي داود (النهي عن كل مسكر ومفتّر) والله أعلم " انتهى من "فتح الباري" (١٠/٤٥) .
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْمُفْتِر كُلّ شَرَاب يُورِث الْفُتُور وَالرَّخْوَة فِي الأَعْضَاء وَالْخَدَرَ فِي الأَطْرَاف وَهُوَ مُقَدِّمَة السُّكْر , وَنَهَى عَنْ شُرْبه لِئَلا يَكُون ذَرِيعَة إِلَى السُّكْر.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " وكل ما يغيب العقل فإنه حرام وإن لم تحصل به نشوة ولا طرب، فإن تغييب العقل حرام بإجماع المسلمين. وأما تعاطي البنج الذي لم يسكر، ولم يغيب العقل ففيه التعزير.
وأما المحققون من الفقهاء فعلموا أنها (أي الحشيشة) مسكرة، وإنما يتناولها الفجار، لما فيها من النشوة والطرب، فهي تجامع الشراب المسكر في ذلك، والخمر توجب الحركة والخصومة، وهذه توجب الفتور واللذة، وفيها مع ذلك من فساد المزاج والعقل، وفتح باب الشهوة، وما توجبه من الدياثة: مما يجعلها من شر الشراب المسكر، وإنما حدثت في الناس بحدوث التتار.
وعلى تناول القليل منها والكثير حد الشرب: ثمانون سوطا، أو أربعون. إذا كان مسلما يعتقد تحريم المسكر " انتهى من "الفتاوى الكبرى" (٣/٤٢٣) .
وقال في "السياسة الشرعية" (ص٩٢) : " والحشيشة المصنوعة من ورق العنب حرام أيضا يُجلد صاحبها كما يجلد شارب الخمر، وهي أخبث من الخمر من جهة أنها تفسد العقل والمزاج، حتى يصير في الرجل تخنث ودياثة وغير ذلك من الفساد. والخمر أخبث من جهة أنها تفضي إلى المخاصمة والمقاتلة، وكلاهما يصد عن ذكر الله تعالى وعن الصلاة. وقد توقف بعض الفقهاء المتأخرين في حدها ورأى أن آكلها يعزر بما دون الحد، حيث ظنها تغير العقل من غير طربٍ بمنزلة البنج. ولم نجد للعلماء المتقدمين فيها كلاما، وليس كذلك بل آكلوها ينشَون عنها ويشتهونها كشراب الخمر وأكثر، وتصدهم عن ذكر الله وعن الصلاة إذا أكثروا منها، مع ما فيها من المفاسد الأخرى من الدياثة والتخنث وفساد المزاج والعقل وغير ذلك. ولكن لما كانت جامدة مطعومة ليست شرابا تنازع الفقهاء في نجاستها على ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره، فقيل: هي نجسة كالخمر المشروبة، وهذا هو الاعتبار الصحيح، وقيل: لا؛ لجمودها. وقيل: يفرق بين جامدها ومائعها.
وبكل حال فهي داخلة فيما حرمه الله ورسوله من الخمر والمسكر لفظا أو معنى. قال أبو موسى الأشعري ﵁: يا رسول الله أفتنا في شرابين كنا نصنعهما باليمن: البتع وهو من العسل ينبذ حتى يشتد، والمِزر وهو من الذرة والشعير حتى يشتد قال: وكان رسول الله ﷺ قد أعطي جوامع الكلم بخواتيمه فقال: (كل مسكر حرام) متفق عليه في الصحيحين " انتهى.
وقال أيضا: " فكيف المصر على أكل الحشيشة، لا سيما إن كان مستحلا للمسكر منها، كما عليه طائفة من الناس، فإن مثل هذا ينبغي أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، إذ السكر منها حرام بالإجماع، واستحلال ذلك كفر بلا نزاع " انتهى "الفتاوى الكبرى" (٢/٣٠٩) .
٢- أن فيها من الأضرار العظيمة ما قد يكون أعظم من الضرر الحاصل بشرب الخمر، وقد قال النبي ﷺ : (لا ضرر ولا ضرار) رواه أحمد وابن ماجه (٢٣٤١) وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه.
" ففيها ضرر بالشخص ذاته، وبأسرته وأولاده، وبمجتمعه وأمته.
أما الضرر الشخصي: فهو التأثير الفادح في الجسد والعقل معا؛ لما في المسكر والمخدر من تخريب وتدمير الصحة والأعصاب والعقل والفكر ومختلف أعضاء جهاز الهضم وغير ذلك من المضار والمفاسد التي تفتك بالبدن كله، بل وبالاعتبار الآدمي والكرامة الإنسانية، حيث تهتز شخصية الإنسان، ويصبح موضع الهزء والسخرية، وفريسة الأمراض المتعددة.
وأما الضرر العائلي: فهو ما يلحق بالزوجة والأولاد من إساءات، فينقلب البيت جحيما لا يطاق من جراء التوترات العصبية والهيجان والسب والشتم وترداد عبارات الطلاق والحرام، والتكسير والإرباك، وإهمال الزوجة والتقصير في الإنفاق على المنزل، وقد تؤدي المسكرات والمخدرات إلى إنجاب أولاد معاقين متخلفين عقليا. . .
وأما الضرر العام: فهو واضح في إتلاف أموال طائلة من غير مردود نفعي، وفي تعطيل المصالح والأعمال، والتقصير في أداء الواجبات، والإخلال بالأمانات العامة، سواء بمصالح الدولة أو المؤسسات أو المعامل أو الأفراد. هذا فضلا عما يؤدي إليه السكر أو التخدير من ارتكاب الجرائم على الأشخاص والأموال والأعراض، بل إن ضرر المخدرات أشد من ضرر المسكرات؛ لأن المخدرات تفسد القيم الخلقية " انتهى من "الفقه الإسلامي وأدلته" للدكتور وهبة الزحيلي (٧/٥٥١١) .
والحاصل أن هذه المخدرات لا يستريب في حرمتها عاقل، لدلالة النصوص على تحريمها، ولما فيها من أضرار بالغة.
وأما العقوبة اللازمة لمتعاطي المخدرات: فهي أن يحد حد الخمر، كما سبق في كلام شيخ الإسلام عن الحشيشة، فالمخدرات داخلة فيما حرمه الله ورسوله من الخمر والمسكر لفظا أو معنى.
والواجب على العلماء والدعاة أن يبينوا للناس تحريم هذه المخدرات، والمضار العظيمة المترتبة عليها.
وأما سؤالك عن شارب الخمر وما جاء في عدم قبول صلاته أربعين يوما، وعن حكم صيامه، فقد سبق بيانه في جواب السؤال رقم (٢٠٠٣٧) و (٢٧١٤٣) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 8956
أطعمت والدتها ما يضرها فماتت
[السُّؤَالُ]
ـ[أمرتني والدتي بعدم طبخ نوع معين من الأعشاب، وأردفت قائلة: إذا طبخت هذه الأعشاب ممكن تسبب لي الوفاة لعدم قدرتي على رائحتها، علماً أن هذه الأعشاب مشروعة ومباحة، وبالفعل بعد أن تعشيت أنا ووالدتي من تلك الأعشاب توفيت والدتي بعدها بعدة ساعات، فهل أنا آئمة في ذلك؟ وهل لي يد في وفاتها؟ وهل علي ذنب في ذلك؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إذا كان الواقع هو ما ذكرت في السؤال فقد أثمت لأن ذلك من العقوق والإساءة إليها، وعليك ذنب في ذلك ما دمت تعلمين أن أمك تتأذى به وأنها نصحتك ونهتك، فأنت مجرمة في هذا العمل عاصية قاطعة للحرم عاقة لوالدتك، وعليك الدية، لأن هذا العمل الذي فعلت يعتبر من القتل شبه العمد، وعليك أيضاً الكفارة وهي عتق رقبة مؤمنة، فإن عجزت فصومي شهرين متتابعين ستين يوماً، مع التوبة إلى الله
نسأل الله لنا ولك قبول التوبة والتوفيق لكل خير.
[الْمَصْدَرُ]
مجموع فتاوى ومقالات متنوعة للشيخ ابن باز ٦ / ٢٢
стр. 8957
من هو الذي يُقيم حد الزنا
[السُّؤَالُ]
ـ[هل قتل المرأة للانتقام لشرف العائلة جائز إذا اكتشفوا أنها أخطأت وارتكبت الزنا مع شخص أو أن لها علاقة مع غير محارمها ولم تثبت كاملة؟
وإن لم يكن كذلك نرجو إيراد الآيات والأحاديث التي تبين ذلك وتبين أنه غير جائز بدون إرسال القضية إلى المحكمة الشرعية.
هل حدثت مثل هذه الأمور على عهد النبي ﷺ ؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إن من أعظم الكبائر التي يلقى العبد بها ربَّه قتل النفس التي حرَّم الله.
قال الله تعالى: ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعدَّ له عذاباً عظيماً﴾ النساء / ٩٢.
عن أنس ﵁ قال: سئل النبي ﷺ عن الكبائر، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، وشهادة الزور ". رواه البخاري (٢٥١٠) ومسلم (٨٨) .
وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : " لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يُصب دماً حراماً ". رواه البخاري (٦٤٦٩) .
ولا يجوز قذف المحصنات بالزنا، ولا يثبت الزنا إلا بشهادة أربعة رجال يرون واقعة الزنا رأي العين، ويرون الفرْج في الفرْج، أو باعتراف الزاني أو الزانية بغير إكراه.
وما عدا ذلك فمن قذف امرأة مسلمة بالزنا فإنه يجلد ثمانين جلدة.
قال تعالى ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً وأولئك هم الفاسقون﴾ النور / ٤.
وعن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني ﵄ أنهما قالا: قال رسول الله ﷺ : " ... اغدُ يا أُنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها، قال: فغدا عليها فاعترفت فأمرَ بها رسول الله ﷺ فرُجمت ". رواه البخاري (٢٥٧٥) ومسلم (١٦٩٨) .
وقد جعل الله تعالى عقوبة محدودة للزاني والزانية، فجعل حدَّ الرجم للمحصن منهما، وجلد مائة لمن لم يحصن.
قال تعالى: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين﴾ النور / ٢.
وعن جابر أن رجلا من " أسلَم " أتى النبيَّ ﷺ وهو في المسجد فقال إنه قد زنى، فأعرض عنه، فتنحى لشقه الذي أعرض، فشهد على نفسه أربع شهادات، فدعاه فقال: " هل بك جنون؟ " قال: لا، قال: " هل أحصنت؟ " قال: نعم فأَمر به أن يرجم بالمصلى فلما أذلقته الحجارة جمز حتى أدرك بالحرة فقتل. رواه البخاري (٤٩٦٩) ومسلم (١٦٩١) .
فإن قيل من هو الذي يقيم هذا الحد على الزناة؟
فالجواب:
لا ينبغي لأحد أن يقيم الحدود إلا بإذن السلطان، فإن لم يكن سلطان يحكم بالشرع فلا يجوز لعامة الناس أن تقيم الحدود، ومن فعل ذلك أثم، لإن إقامة الحد يحتاج في إثباته وإقامته إلى اجتهاد وعلم شرعي حتى يُعلم متى يثبت ومتى ينتفى وما هي شروطه ... إلخ
وعامة الناس لا يعلمون ذلك، ولأن إقامة العامة للحدود يترتب عليها مفاسد عظسمة وإخلال بالأمن، فيعتدي الناس بعضهم على بعض قتلاً وتقطيعاً بحجة إقامة الحدود.
قال القرطبي:
لا خلاف أن القصاص في القتل لا يقيمه إلا أولو الأمر الذين فرض عليهم النهوض بالقصاص وإقامة الحدود وغير ذلك لأن الله سبحانه خاطب جميع المؤمنين بالقصاص ثم لا يتهيأ للمؤمنين جميعا أن يجتمعوا على القصاص فأقاموا السلطان مقام أنفسهم في إقامة القصاص وغيره من الحدود. " تفسير القرطبي " (٢ / ٢٤٥، ٢٤٦) .
وقال ابن رشد القرطبي:
وأما من يقيم هذا الحد – أي: جلد شارب الخمر - فاتفقوا على أن الإمام يقيمه وكذلك الأمر في سائر الحدود. " بداية المجتهد " (٢ / ٢٣٣) .
وقال الشوكاني:
عن أبي الزناد عن أبيه عن الفقهاء الذين ينتهي إلى أقوالهم من أهل المدينة أنهم كانوا يقولون لا ينبغي لأحد يقيم شيئاً من الحدود دون السلطان إلا أن للرجل أن يقيم حد الزنا على عبده وأمَته. " نيل الأوطار " (٧ / ٢٩٥، ٢٩٦) .
وعلى أهل المرأة أن يمنعوها من الفاحشة وأسبابها فيمنعوها من الخروج ومحادثة الرجال الأجانب، ومن كل ما يُمكنها من فعل المنكر فإذا لم تمتنع إلا بحبسها أو تقييدها فلهم ذلك فيحبسونها في البيت.
أما القتل فلا، وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن امرأة مزوَّجة ولها أولاد فتعلقت بشخصٍ أقامت معه على الفجور، فلما ظهر أمرها سعَت فى مفارقة الزوج، فهل بقيَ لها حق على أولادها بعد هذا الفعل؟ وهل عليهم إثم في قطعها؟ وهل يجوز لمن تحقق ذلك منها قتلها سرّاً؟ وإن فعل ذلك غيره يأثم؟
فأجاب:
الحمد لله
الواجب على أولادها وعصبتها أن يمنعوها من المحرمات، فإن لم تمتنع إلا بالحبس: حبسوها، وإن احتاجت إلى القيد قيَّدوها، وما ينبغي للولد أن يضرب أمََّه، وأمَّا برُّها: فليس لهم أن يمنعوها برَّها، ولا يجوز لهم مقاطعتها بحيث تتمكن بذلك من السوء، بل يمنعوها بحسب قدرتهم، وإن احتاجت إلى رزق وكسوة رزقوها وكسوها، ولا يجوز لهم إقامة الحد عليها بقتلٍ ولا غيره، وعليهم الإثم في ذلك.
" مجموع الفتاوى " (٣٤ / ١٧٧، ١٧٨) .
وقد حصل أن زنت بعض النسوة في عهد النبي ﷺ ، فلم يقتل أحدٌ من أهلهن امرأة منهن، ومنهن " الغامدية " ﵂.
عن بريدة بن الحصيب قال: ... جاءت امرأة من غامد من الأزد فقالت: يا رسول الله طهرني، فقال: ويحك ارجعي فاستغفري الله وتوبي إليه، فقالت: أراكَ تريد أن تردَّني كما رددتَ ماعز بن مالك، قال: وما ذاك؟ قالت: إنها حبلى من الزنى فقال: آنت؟ قالت: نعم فقال لها: حتى تضعي ما في بطنك، قال: فكفلها رجل من الأنصار حتى وضعت، قال: فأتى النبيَّ ﷺ فقال: قد وضعت الغامدية فقال: إذاً لا نرجمها وندع ولدها صغيراً ليس له من يرضعه فقام رجل من الأنصار فقال: إلي رضاعه يا نبي الله قال: فرجمها.
رواه مسلم (١٦٩٥) .
هذا، وإن ما يفعله أهل هذه المرأة المسئول عنها التي يدَّعون أنها تستحق القتل: خطأ من وجوه أخرى وهي:
١- أنهم لا يفعلون الأمر نفسه فيما لو زنى أحد أبنائهم أو إخوانهم، وهذا يشبه فعل أهل الجاهلية حيث أباحوا لأنفسهم الزنا دون نسائهم، وهؤلاء يُلوَّث شرفهم وتظهر حميتهم إذا فعلت نساؤهم المنكر دون أن يكون عندهم حمية لدينهم فيما لو فعل أحد أبنائهم أو إخوانهم الأمر نفسه، بل قد يفتخر بعض الآباء بمنكر ولده، ويشجعه عليه.
٢- أنهم فتحوا المجال أمام النساء للوقوع في الفاحشة فسمحوا للمرأة بالدراسة المختلطة والصحبة السيئة والمشاهدة المحرمة والمجالسة المنكرة، فأدى هذا إلى تلف قلبها وتعلقه بالفاحشة، وبعضهم لا يزوِّج ابنته أو أخته ويشترط شروطاً تعجيزية، ثم يريد هؤلاء معاقبتها وهم أولى منها بالعقوبة.
٣- أنهم يقتلون لا على فاحشة الزنا بل حتى على مجرد المحادثة أو التعارف المحرم والذي ليس له حد في الشرع بالقتل.
٤- أنهم يفتحون الباب لكل من أراد قتل أخته أو ابنته بهذه الحجة الفارغة، وقد يكون سبب القتل: مالها، أو أنها عرفت عنهم أشياء يرغبون إخفائها أو ما شابه ذلك من الأسباب.
ونسمع بين الفينة والأخرى دعوات من الغرب الكافر أو الشرق المنحرف يدعون فيها إلى قتل كل من قتل أخته أو ابنته بسبب الشرف، وذلك بسبب أن كثيراً من القوانين تعفي القاتل إذا قتل أحد أهله لهذا السبب.
وهذه الدعوى وإن كانت صحيحة إلا أننا لا ينبغي لنا أن ننخدع بهؤلاء وبدعوتهم، حيث أن المقصود بهذه الدعوات نزع الغيرة من قلوب أهل المرأة، وفتح الباب أمام النساء ليرتكبن الفاحشة.
والواجب على أولياء النساء أن يتقوا الله فيمن تحت ولايتهم ويمنعوهن من الفاحشة وأسبابها من غير تساهل أو تشدد يأباه الشرع.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 8958
هل السحر يقتل ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أريد معلومات عن السحر. ما هي آثاره؟ وهل يستطيع الإنسان استخدامه لقتل الناس؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
نعم من السحر ما يقتل وقد ذكر العلماء في صور القتل العمد أن من قتل غيره بسحر يقتل غالبا يلزمه القود (القصاص) لأنه قتله بما يقتل غالبا. قال ابن قدامة في المغني (٩/٣٣٠) : النوع السادس أن يقتله بسحر يقتل غالبا فيلزمه القود لأنه قتله بما يقتل غالبا فأشبه ما لو قتله بسكين , وإن كان مما لا يقتل غالبا أو كان مما يقتل ولا يقتل ففيه الديه دون القصاص لأنه عمد الخطأ فأشبه ضرب العصا. أ.هـ.
وجاء في الموسوعة الفقهية (٢٤/٢٦٧) في حكم الساحر إذا قتل بسحره: ذهب الجمهور.. إلى أن القتل بالسحر يمكن أن يكون عمدا وفيه القصاص ويثبت ذلك عند المالكية بالبينة أو الإقرار. وذهب الشافعية إلى أن الساحر إن قتل بسحره من هو مكافىء له ففيه القصاص إن تعمد قتله به، وذلك بأن يثبت ذلك بإقرار الساحر به حقيقة أو حكما كقوله قتلته بسحري أو قوله: قتلته بنوع كذا ويشهد عدلان يعرفان ذلك وقد كانا تابا، بأن ذلك النوع يقتل غالبا. فإن كان لا يقتل غالبا فيكون شبه العمد. والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 8959
هل تقبل التوبة إذا لم يُقم الحد على الشخص ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا عندي سؤال محيرني وأفكر فيه، إذا أقدم شخص متزوج أو غير متزوج على الفواحش والكبائر من سرقة وغيبة وربا وغيره ودام عليها وقتاً طويلاً، وثم عرف الله وتاب لله توبة نصوحاً خالصة لوجه الله تعالى واستسمح الذين اغتابهم ورد الذي سرق وتخلص من الربا والذي بينه وبين الله من زنا وشرب وتقصير في صلاة تاب منه ولم يعد إليه ولكنه لم يُحدَّ فهل الله تعالى يقبل توبته ويقبل عبادته مهما كثرت ذنوبه أو يمكن أن لا يقبل الله توبته وتكون عبادته مردودة؟ وهل الله ينجيه من عذاب القبر ومن دخول النار؟ وماذا عليه أن يعمل ليتلافى العذاب ويرضي الله ؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
اعلم – أخي – أنه لا يجوز للمسلم أن يستعظم ذنبه الذي تاب منه؛ لأن رحمة الله وعفوه ومغفرته أعظم من ذنوبه.
وما كان من الذنوب متعلقاً بالعباد فالواجب إرجاع الحقوق إلى أصحابها، وما كان بين العبد وبين ربه تعالى فيكفي فيه التوبة والاستغفار والندم والعزم على عدم الرجوع إلى تلك الذنوب، وليس من شرط التوبة أن يقام الحد على التائب، فالستر بستر الله تعالى منها، وتحقيق التوبة الصادقة خير من الاعتراف لإقامة الحد.
وهذا الشخص قد أحسن بتوبته وإرجاع الحقوق إلى أهلها، فلا يأتينه الشيطان من قبَل توبته ليفسدها عليه.
واعلم أن الله تعالى يبدل سيئات التائب حسنات، فقال الله تعالى: (والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاماً. يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً. إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيماً. ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متاباً) الفرقان/٦٨ – ٧١.
والحدود التي بلغت السلطان هي التي يجب إقامتها، وأما التي لم تبلغه: فإن الأفضل التوبة منها والاستتار بستر الله تعالى.
قال علماء اللجنة الدائمة:
الحدود إذا بلغت الحاكم الشرعي وثبتت بالأدلة الكافية: وجب إقامتها، ولا تسقط بالتوبة بالإجماع، قد جاءت الغامدية إلى النبي ﷺ طالبة إقامة الحد عليها بعد أن تابت، وقال في حقها: " لقد تابت توبة لو تابها أهل المدينة لوسعتهم "، ومع ذلك قد أقام عليها الحد الشرعي، وليس ذلك لغير السلطان.
أما إذا لم تبلغ العقوبة السلطان: فعلى العبد المسلم أن يستتر بستر الله، ويتوب إلى الله توبة صادقة، عسى الله أن يقبل منه.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (٢٢ / ١٥) .
وقالوا – ردا على من رغب بإقامة الحد وشك في قبول التوبة من الزنا -:
إذا تاب الإنسان إلى ربه توبة صادقة خالصة: فإن الله قد وعد بأنه سيقبل توبة التائب، بل ويعوضه حسنات، وهذا من كرمه وجوده ، قال تعالى: (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَاّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً. يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً. إِلَاّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) الفرقان/٦٨ – ٧٠.
والتوبة من شروطها: الإقلاع عن الذنب، والندم على ما تقدم منه، والعزم على أن لا يعود إليه، وإن كان حق من حقوق الآدميين: فيطلب منهم المسامحة.
وقد ثبت عن عبادة بن الصامت ﵁ في بيعة النساء أن النبي ﷺ قال: " ... فمن وفَّى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب به فهو كفارة له، ومن أصاب منها شيئاً من ذلك فستره الله فهو إلى الله، إن شاء عذَّبه وإن شاء غفر له "، وقد حثَّ ﷺ على التوبة الصادقة، وقال في قصة ماعز " هلا تركتموه لعله أن يتوب فيتوب الله عليه "، وروى مالك في " الموطأ " عن زيد بن أسلم وفيه " أن رسول الله ﷺ قال " أيها الناس قد آن لكم أن تنتهوا عن حدود الله، مَن أصاب من هذه القاذورات شيئاً فليستتر بستر الله، فإنه مَن يُبدِ لنا صفحته: نُقِم عليه كتاب الله ".
فعليك بالتوبة الصادقة، والمحافظة على الصلوات مع الجماعة، والإكثار من الحسنات.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (٢٢ / ٤٤، ٤٥) .
وللاستزادة يرجى النظر في أجوبة الأسئلة: (٦٢٤) و (٢٣٤٨٥) و (٢٠٩٨٣) و (٧٢٨) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 8960
رد الأموال المسروقة إلى أصحابها الكفار
[السُّؤَالُ]
ـ[بدأت الصلاة مؤخرًا وأسعى إلى التوبة من أعمالي السيئة التي اقترفتها في الماضي. وأعلم أن من شروط التوبة رد المظالم إلى أصحابها المسلمين. فماذا عن غير المسلمين؟ قالوا لي إن مثلهم رفض الإسلام وبالتالي لا كرامة لهم. فإذا كنت قد سرقت من شخص غير مسلم، فهل يجب رد الحق إليه علمًا بأني قد أتعرض بسبب هذا إلى مضايقات جنائية من قِبل غير المسلمين؟ وماذا ينبغي أن أفعل مع هذه الأشياء التي اغتصبتها من غير المسلمين؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً: نهنئك بمحافظتك على الصلاة وسعيك إلى التوبة، ونبشرك بأن الله تعالى يقبل توبة من تاب إليه ويغفر ذنبه، وقد قال النبي ﷺ : (التائب من الذنب كمن لا ذنب له) رواه الترمذي وحسنه الألباني.
ثانياً: لا شك أن السرقة كبيرة من كبائر الذنوب وقد رتب الله عليها الحد في الدنيا والعقاب الشديد في الآخرة.
قال الله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ) المائدة/٣٨. وقال النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ) . رواه البخاري (٦٧٨٣) ومسلم (١٦٨٧) .
والسرقة حرام سواء كان المسروق منه مسلماً أم كافراً معصوم الدم والمال، أما الكافر المحارب للمسلمين فيجوز أخذ ماله، لأن ذلك في حالة الحرب يعتبر غنيمة ولا يعتبر سرقة.
ثالثاً: أما أخذ أموال الكفار على سبيل الغدر والخيانة فهو محرم، لأن الغدر محرم في الإسلام سواء مع المسلم أم مع الكافر.
روى البخاري (٢٥٨٣) عن المغيرة بن شعبة أنه كان قد صحب قوماً في الجاهلية، فقتلهم وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم، فقال النبي ﷺ : " أما الإسلام أقبلُ، وأما المال فلستُ منه في شيء "، ورواية أبي داود (٢٧٦٥) : " أما الإسلام فقد قبلنا، وأما المال فإنه مال غدرٍ لا حاجة لنا فيه) ، وصححه الألباني في صحيح أبي داود.
قال الحافظ ابن حجر: " قوله (وأما المال فلستُ منه في شيءٍ) أي: لا أتعرض له لكونه أخذه غدراً، ويستفاد منه: أنه لا يحل أخذ أموال الكفار في حال الأمن غدراً؛ لأن الرفقة يصطحبون على الأمانة، والأمانة تؤدَّى إلى أهلها مسلِماً كان أو كافراً، وأن أموال الكفار إنما تحل بالمحاربة والمغالبة، ولعل النبي ﷺ ترك المال في يده لإمكان أن يسلم قومه فيرد إليهم أموالهم. فتح الباري (٥ / ٣٤١) .
ومن أمثلة الغدر أن يكون الكافر قد دخل بلاد المسلمين بأمان، أو دخل المسلم بلاد الكفار بأمان (كالتأشيرة) فإن مقتضى هذه التأشيرة أنهم يؤمنونه على نفسه وماله، وفي هذه الحال يكونون هم أيضاً في أمان منه على أنفسهم وأموالهم، فلا يجوز له الاعتداء عليهم أو غصب أموالهم أو سرقتها.
قال الشافعي ﵀ فيمن دخل بلاد الكفار واستطاع أن يأخذ شيئا من أموالهم: ": وإذا دخل رجل مسلم دار الحرب بأمان.. وقدر على شيء من أموالهم لم يحل له أن يأخذ منه شيئاً قلّ أو كثر؛ لأنه إذا كان منهم في أمان فهم منه في مثله، ... ، ولأن المال ممنوع بوجوه: أولها: إسلام صاحبه. والثاني: مال من له ذمة. والثالث: مال من له أمان إلى مدة أمانه". الأم (٤ / ٢٨٤) .
وقال السرخسي::" أكره للمسلم المستأمِن إليهم في دينه أن يغدر بهم لأن الغدر حرام. . . فإن غدر بهم وأخذ مالهم وأخرجه إلى دار الإسلام كرهت للمسلم شراءه منه إذا علم ذلك لأنه حصله بكسب خبيث، وفي الشراء منه إغراء له على مثل هذا السبب وهو مكروه للمسلم، والأصل فيه حديث المغيرة بن شعبة ﵁. . . ثم ذكر الحديث السابق". المبسوط (١٠ / ٩٦) .
فإذا وفق اللهُ المسلمَ للتوبة من أخذ أموال الناس بغير حق، فمن شروط هذه التوبة إرجاع الحقوق إلى صاحبها وإن كان كافرا، فإن كان هناك خوف من الفضيحة أو مضايقات جنائية في رد الحقوق إلى أهلها فإنه يجوز له أن يبحث عن الطريقة المناسبة التي تحفظ له كرامته ويُرجع فيه الحق لأهله من غير أن يحرج نفسه بأن يرسل له المبلغ بالبريد أو يوكل أحدا بإبلاغه دون أي يذكر اسمه وسرقته وذلك لأنه لا يشرط على من أراد أن يرجع الحقوق لأهلها أن يكشف عن نفسه وهويته؛ إذ المقصود هو رجوع الحق إلى صاحبه.
قال الشيخ ابن عثيمين – ﵀: "... فإذا سرقتَ من شخصٍ أو من جهة ما سرقة: فإن الواجب عليك أن تتصل بمن سرقت منه وتبلغه وتقول إن عندي لكم كذا وكذا، ثم يصل الاصطلاح بينكما على ما تصطلحان عليه، لكن قد يرى الإنسان أن هذا الأمر شاق عليه وأنه لا يمكن أن يذهب – مثلاً – إلى شخص ويقول أنا سرقت منك كذا وكذا وأخذت منك كذا وكذا، ففي هذه الحال يمكن أن توصل إليه هذه الدراهم – مثلاً – من طريق آخر غير مباشر مثل أن يعطيها رفيقاً لهذا الشخص وصديقاً له، ويقول له هذه لفلان ويحكي قصته ويقول أنا الآن تبت إلى الله – – فأرجو أن توصلها إليه". فتاوى إسلاميَّة (٤ / ١٦٢) .
ويراجع للأهمية جواب سؤال رقم (٧٥٤٥) (١٤٣٦٧) (٣١٢٣٤) من هذا الموقع.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 8961
حد السرقة
[السُّؤَالُ]
ـ[يظهر أن العقوبات الجنائية في البلدان الإسلامية تخالف السنة. مثلا قطع أصابع السارق وترك إبهامه، إن كان سرق لأول مرة (وقد حدث ذلك في إيران) . فهل هذا من السنة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
السرقة محرّمة بالكتاب والسنة والإجماع، وقد ذم الله هذا الفعل الشنيع وجعل له عقوبة تناسبه فجعل حد السارق أن تقطع يده، قال تعالى (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاءً بما كسبا نكالاً من الله والله عزيز حكيم) المائدة/٣٨، وقال النبي ﷺ (تقطع اليد في ربع دينار فصاعداً) رواه البخاري (الحدود/٦٢٩١) ولعن النبي ﷺ السارق لأنه عنصر فاسد في المجتمع إذا تُرك سرى فساده وتعدّى إلى غيره في جسم الأمة فقال ﵊ (لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده) البخاري (الحدود/٦٢٨٥) ومما يدل على أن هذا الحكم مؤكّد أن امرأة مخزومية شريفة سرقت في عهد النبي ﷺ ، فأراد أسامة بن زيد أن يشفع فيها فغضب النبي ﷺ وقال: أتشفع في حد من حدود الله، إنما أهلك الذين من قبلكم كانوا إذا سرق فيهم الغني تركوه وإذا سرق فيهم الوضيع أقاموا عليه الحد وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) البخاري (أحاديث الأنبياء/٣٢١٦)
وهذا هو حكم الله في السرقة أن تقطع يد السارق من الرُّسْغِ.
قال النووي في شرحه لصحيح مسلم: قال الشافِعِيُّ وأبو حنيفة ومالك والجماهير: " تُقْطَعُ اليد من الرسغ، وهو المِفْصَلُ بين الكَفِّ والذِّرَاع، قال القرطبي: قال الكَافَّة: " تقطع اليد من الرُسْغِ، لا كما يفعله بعض المبتدعة من قطع أصابع اليد وترك الإِبْهَام.
ولأن قطع اليد أمر عظيم، فإن قطع يد السارق لا يكون عند أي سرقة بل لا بد من اجتماع شروط حتى تقطع يد السارق , وهذه الشروط هي:
١- أن يكون أخذ الشيء على وجه الخِفْيَةِ، فإن لم يكن على وجه الخفية فلا تُقْطَع، كما لو انْتَهَب المال على وجه الغَلَبَةِ والقَهْرِ على مَرْآى من الناس، أو اغْتَصَبَه، لأن صاحب المال يمكنه النَّجدة والأَخْذ على يده.
٢- أن يكون المسروق مالا محترماً , لأن ما ليس بمال لا حرمة له، كآلات اللهو والخمر والخنزير.
٣- أن يكون المسروق نصاباً، وهو ثلاثة دراهم إسلامية أو ربع دينار إسلامي، أو ما يقابل أحدهما من النقود الأخرى.
٤- أن يأخُذَ المسروق من حرزه، وحرز المال: ما تَعَوَّدَ الناس على حفظ أموالهم فيه كالخِزَانَة مثلاً.
٥- لا بد من ثُبُوتِ السرقة، وتكون إما بشهادة عَدْلَيْنِ، أو بإقرار السارق على نفسه مرتين.
٦- لابد أن يطالب المسروق منه بماله فإذا لم يطالِب لم يجب القطع.
فإذا تحققت هذه الشروط وجب قطع اليد، ولو طبق هذا الحكم في المجتمعات التي ارتضت القوانين الوضعية، التي نَحَّت شريعة الله واستبدلت بها قوانين البشر لكان أنفع علاج لهذه الظاهرة ولكن الأمر كما قال : (أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون) المائدة/٥٠
[الْمَصْدَرُ]
المراجع: الجامع لأحكام القرآن (٦/١٥٩) الملخص الفقهي (٢/٤٤٢) .
стр. 8962
الحكم فيمن يسطو ويسرق ويغتصب بالسلاح
[السُّؤَالُ]
ـ[ما الحكم في العصابات أو الأفراد الذي يسرقون الناس، ويخطفون النساء ويعتدون على الأعراض، كل ذلك تحت تهديد السلاح؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذه الجرائم التي يفعلها بعض من لا دين لهم، جعل الشرع عقوبتها عقوبة شديدة، وهي تعرف عند العلماء بـ " حد الحرابة " أو " قطاع الطريق " وهو المذكور في قول الله تعالى: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) المائدة/٣٣.
ولمجلس هيئة كبار العلماء ببلاد الحرمين الشريفين برئاسة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ قرار في شأن هذه الجرائم، جاء فيه:
" لقد اطلع المجلس على ما ذكره أهل العلم من الأحكام الشرعية تدور من حيث الجملة على وجوب حماية الضروريات الخمس والعناية بأسباب بقائها مصونة سالمة، وهي: الدين والنفس والعرض والعقل والمال، وقدر تلك الأخطار العظيمة التي تنشأ عن جرائم الاعتداء على حرمات المسلمين في نفوسهم أو أعراضهم أو أموالهم وما تسببه من التهديد للأمن العام في البلاد.
والله قد حفظ للناس أديانهم وأبدانهم وأرواحهم وأعراضهم وعقولهم بما شرعه من الحدود والعقوبات التي تحقق الأمن العام والخاص، وأن تنفيذ مقتضى آية الحرابة وما حَكَمَ به ﷺ في المحاربين كفيلٌ بإشاعة الأمن والاطمئنان، وردع من تسول له نفسه الإجرام والاعتداء على المسلمين.
إذ قال الله تعالى: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنْ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) المائدة/٣٣.
وفي الصحيحين واللفظ للبخاري عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَدِمَ رَهْطٌ مِنْ عُكْلٍ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ كَانُوا فِي الصُّفَّةِ فَاجْتَوَوْا الْمَدِينَةَ (أي أصابهم مرض) فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَبْغِنَا رِسْلا (أي اطلب لنا لبناً) فَقَالَ: مَا أَجِدُ لَكُمْ إِلا أَنْ تَلْحَقُوا بِإِبِلِ رَسُولِ اللَّهِ، فَأَتَوْهَا فَشَرِبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا حَتَّى صَحُّوا وَسَمِنُوا وَقَتَلُوا الرَّاعِيَ وَاسْتَاقُوا الذَّوْدَ (الإبل) فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ الصَّرِيخُ، فَبَعَثَ الطَّلَبَ فِي آثَارِهِمْ، فَمَا تَرَجَّلَ النَّهَارُ (أي ارتفع) حَتَّى أُتِيَ بِهِمْ فَأَمَرَ بِمَسَامِيرَ فَأُحْمِيَتْ فَكَحَلَهُمْ، وَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، وَمَا حَسَمَهُمْ، ثُمَّ أُلْقُوا فِي الْحَرَّةِ يَسْتَسْقُونَ فَمَا سُقُوا حَتَّى مَاتُوا. قَالَ أَبُو قِلابَةَ: سَرَقُوا وَقَتَلُوا وَحَارَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ.
وبناء على ما تقدم فإن المجلس يقرر الأمور التالية:
أـ إن جرائم الخطف والسطو لانتهاك حرمات المسلمين على سبيل المكابرة والمجاهرة من ضروب المحاربة والسعي في الأرض فساداً المستحقة للعقاب الذي ذكره الله سبحانه في آية المائدة، سواء وقع ذلك على النفس أو المال أو العرض، أو أحدث إخافة السبيل وقطع الطريق، ولا فرق في ذلك بين وقوعه في المدن والقرى أو في الصحارى والقفار كما هو الراجح من آراء العلماء رحمهم الله تعالى.
قال ابن العربي يحكي عن وقت قضائه: رُفِعَ إلي قومٌ خرجوا محاربين إلى رفقة فأخذوا منها امرأة مغالبة على نفسها من زوجها ومن جملة المسلمين معه، فاحتملوها، ثم جد فيهم الطلب فأُخذوا وجيء بهم، فسألت من كان ابتلاني الله به من المفتين فقالوا: ليسوا محاربين! لأن الحرابة إنما تكون في الأموال لا في الفروج! فقلت لهم: إنا لله وإنا إليه راجعون! ألم تعلموا أن الحرابة في الفروج أفحش منها في الأموال؟! وأن الناس كلهم ليرضون أن تذهب أموالهم وتحرب من بين أيديهم ولا يحرب المرء من زوجته وبنته، ولو كان فوق ما قال الله عقوبة لكانت لمن يسلب الفروج. انتهى.
ب ـ يرى المجلس في قوله تعالى: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنْ الأَرْضِ)
أن (أو) للتخيير كما هو الظاهر من الآية الكريمة. وقول الأكثرين من المحققين من أهل العلم ﵏.
ج ـ يرى المجلس بالأكثرية أن يتولى نواب الإمام ـ القضاة ـ إثبات نوع الجريمة والحكم فيها، فإذا ثبت لديهم أنها من المحاربة لله ورسوله والسعي في الأرض فساداً فنهم مخيرون في الحكم فيها بالقتل أو الصلب أو قطع اليد والرجل من خلاف أو النفي من الأرض، بناءً على اجتهادهم، مراعين واقع المجرم وظروف الجريمة وأثرها في المجتمع وما يحقق المصلحة العامة للإسلام والمسلمين إلا إذا كان المحارب قد قتل فإنه يتعين قتله حتماً كما حكاه ابن العربي المالكي إجماعاً، وقال صاحب الإنصاف من الحنابلة: " لا نزاع فيه " انتهى من بحث لهيئة كبار العلماء بعنوان: "الحكم في السطو والاختطاف والمسكرات" (ص ١٩٢-١٩٤) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 8963
اشترى أشياء ولم يدفع قيمتها
[السُّؤَالُ]
ـ[اشترى زوجي أشياء بواسطة الفيزا من بعض الكفار ولم يدفع قيمتها فهل هي سرقة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا شك أن من اشترى أشياء ولم يدفع قيمتها أنه يكون سارقاً لها، والسرقة من كبائر الذنوب، وقد جعل الشرع الحدَّ فيها قطع اليد اليمنى ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاءً بما كسبا نكالاً من الله﴾ المائدة / ٣٨.
وأوجب على فاعلها رد الحقوق إلى أهلها، ومن لم يفعل كان له العقاب والخزي.
عن أبي حميد الساعدي قال: قال رسول الله ﷺ : " والله لا يأخذ أحد منكم شيئاً بغير حقه إلا لقي الله يحمله يوم القيامة، فلأعرفن أحداً منكم لقي الله يحمل بعيراً له رغاء، أو بقرةً لها خوار، أو شاة تيعر، ثم رفع يده حتى رئي بياض إبطه يقول: اللهم هل بلغت؟ ". رواه البخاري (٦٥٧٨) ومسلم (١٨٣٢) .
ويمكن لهذا الشخص إرجاع المال لصاحبه بالطريقة التي يراها مناسبة دون الكشف عن نفسه له، فإن كان المسروق منه في مكانٍ لا يمكن الوصول إليه أو خفي على السارق تعيينه: فعليه أن يتصدق بثمنه عن صاحبه، فإن عرفه: خيَّره بين إمضاء الصدقة عنه أو أخذ حقه، فإن اختار الصدقة كان له أجرها، وإلا وجب عليه دفع حقه له وتكون الصدقة للتائب إذا كانت توبته توبة صادقة.
قال الشيخ ابن عثيمين – ﵀:
... فإذا سرقتَ من شخصٍ أو من جهة ما سرقة: فإن الواجب عليك أن تتصل بمن سرقت منه وتبلغه وتقول أن عندي لكم كذا وكذا، ثم يصل الاصطلاح بينكما على ما تصطلحان عليه، لكن قد يرى الإنسان أن هذا الأمر شاق عليه وأنه لا يمكن أن يذهب – مثلاً – إلى شخص ويقول أنا سرقت منك كذا وكذا وأخذت منك كذا وكذا، ففي هذه الحال يمكن أن توصل إليه هذه الدراهم – مثلاً – من طريق آخر غير مباشر مثل أن يعطيها رفيقاً لهذا الشخص وصديقاً له، ويقول له هذه لفلان ويحكي قصته ويقول أنا الآن تبت إلى الله – – فأرجو أن توصلها إليه.
وإذا فعل ذلك فإن الله يقول ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً﴾ الطلاق / ٢، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً﴾ الطلاق / ٤.
فإذا قُدِّر أنك سرقتَ من شخصٍ لا تعلمه الآن ولا تدري أين هو: فهذا أيضاً أسهل من الأول؛ لأنه يمكنك أن تتصدق بما سرقتَ بنيَّة أنه لصاحبه، وحينئذٍ تبرأ منه.
إن هذه القصة التي ذكرها السائل توجب للإنسان أن يبتعد عن مثل هذا الأمر؛ لأنه قد يكون في حال طيش وسفهٍ فيسرق ولا يهتم، ثم إذا منَّ الله عليه بالهداية يتعب في التخلص من ذلك.
" فتاوى إسلاميَّة " (٤ / ١٦٢) .
وقال علماء اللجنة الدائمة – في جندي سرق مالا من عبدٍ -:
إن كان يعرف العبدَ أو يعرف من يعرفه: فيتعين عليه البحث عنه ليسلم له نقوده فضة أو ما يعادلها أو ما يتفق معه عليه، وإن كان يجهله وييأس من العثور عليه: فيتصدق بها أو بما يعادلها من الورق النقدي عن صاحبها، فإن عثر عليه بعد ذلك فيخبره بما فعل فإن أجازه فبها ونعمت، وإن عارضه في تصرفه وطالبه بنقوده: ضمنها له وصارت له الصدقة، وعليه أن يستغفر الله ويتوب إليه ويدعو لصاحبها.
" فتاوى إسلاميَّة " (٤ / ١٦٥) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 8964
من قال للقيط: يا ابن الزنا فعليه حد القذف
[السُّؤَالُ]
ـ[السؤال: لدي سؤال بخصوص اللقيط فقد سمعت محاضرة حول هذه الفئة وجاء فيها أن اللقيط إذا قال له أحد بعينه: يا ابن الزنا أو يا ابن الحرام يحق لهذا اللقيط من الناحية الشرعية رفع دعوى قضائية في المحكمة على من قال له ذلك ويقام على القائل الحد ويجلد وذلك لأن كونه لقيطاً هذا ليس دليلاً شرعياً على هذه التهمة، فلذلك يستوجب ذلك إقامة الحد لأنه داخل في القذف، دون دليل شرعي من القائل. فهل ما جاء في المحاضرة صحيح أم هناك خلاف بين العلماء بخصوص إقامة الحد في هذه المسألة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
اللَّقِيطُ هو الطفل الذي يوجد مرمياً على الطرق لا يعرف أبوه ولا أمه.
وتعريفات العلماء له من المذاهب الأربعة لا تخرج عن هذا التعريف.
انظر: "الموسوعة الفقهية" (٣٥/٣١٠) .
فليس من اللازم أن يكون اللقيط ابن زنا، لاحتمال أن يكون ضاع من أهله أو نبذوه خوفاً من الفقر أو لسبب آخر غير الزنا.
فمن قذفه – وكان اللقيط محصنا- فقد قذف مسلماً محصناً، ولم يأت على قذفه ببينة شرعية وهي أربعة شهود، فيجب عليه حد القذف.
قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) النور/٤.
قال ابن كثير:
" هذه الآية الكريمة فيها بيان حكم جلد القاذف للمحصنة، وهي الحرة البالغة العفيفة، فإذا كان المقذوف رجلا فكذلك يجلد قاذفه أيضًا، ليس في هذا نزاع بين العلماء. فأما إن أقام القاذف بينة على صحة ما قاله، رُدّ عنه الحد " انتهى.
"تفسير ابن كثير" (٦/١٣) .
وقد روى أحمد (٦٩٨٩) من حديث عَمْرُو بْن شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: (قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي وَلَدِ الْمُتَلَاعِنَيْنِ: أَنَّهُ يَرِثُ أُمَّهُ، وَتَرِثُهُ أُمُّهُ، وَمَنْ قَفَاهَا بِهِ [أي: رماها بالزنا] جُلِدَ ثَمَانِينَ، وَمَنْ دَعَاهُ وَلَدَ زِنًا جُلِدَ ثَمَانِينَ) والحديث مختلف في تصحيحه، وقد صحح إسناده الشيخ أحمد شاكر في تحقيق المسند (٧٠٢٨) .
وقد ذهب جمهور أهل العلم إلى أن من قذف ولد المتلاعنين بأنه ولد زنا وجب عليه حد القذف، وهو مذهب الأئمة الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد ﵏، للحديث المتقدم، ولأنه لم يثبت الزنا بطريق شرعي.
انظر: "المغني" (١٢/٤٠١) ، "زاد المعاد" (٥/٤٠٢) .
فإذا كان هذا في "ولد المتلاعنين" مع قيام التهمة بأمه، غير أنها لم تثبت، فيحد من قذف اللقيط بأنه ولد زنا من باب أولى.
جاء في "الموسوعة الفقهية" (٣٣/١٨) :
"مَنْ قَذَفَ اللَّقِيطَ بَعْدَ بُلُوغِهِ مُحْصَنًا فَعَلَيْهِ الْحَدُّ ; لِأَنَّ قَذْفَ الْمُحْصَنِ مُوجِبٌ لِلْحَدِّ. وَمَنْ قَالَ لَهُ: يَا ابْنَ الزِّنَا , فَفِيهِ قَوْلَانِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: الْأَوَّلُ: يُحَدُّ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ نُبِذَ مَعَ كَوْنِهِ مِنْ نِكَاحٍ صَحِيحٍ , وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ وَهُوَ الرَّاجِحُ.
الثَّانِي: لَا يُحَدُّ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِي الْمَنْبُوذِ أَنْ يَكُونَ ابْنَ زِنًا , وَهُوَ قَوْلُ اللَّخْمِيِّ" انتهى.
ولمزيد الفائدة راجع جواب السؤال رقم: (١٠٨٩٥٥) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 8965
ألفاظ القذف
[السُّؤَالُ]
ـ[إذا شتم رجل آخر وقال له: يا فاجر، فهل هذا يعتبر قذفا؟ ويجب عليه حد القذف؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً: القذف الذي يوجب الحد على القاذف هو الرمي بالزنى أو اللواط، ويجب على القاذف أن يجلد ثمانين جلدة، إذا لم يأت بأربعة شهود يشهدون على صحة ما قال، لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً) النور/٤.
ثانياً: الألفاظ التي يقذف بها نوعان: صريحة، وكناية.
أما اللفظ الصريح، فهو الذي لا يفهم منه إلا القذف بالزنى أو اللواط، ولا يقبل من القاذف أن يدعي أنه أراد به معنى آخر غير القذف.
مثاله: يا زاني، زنيتَ، زنيتِ، يا لوطي.
ولا يقبل منه إذا قال: أردت بقولي له: "يا لوطي" أنه على دين لوط ﵇، أو أنه يعمل عمل قومه إلا إتيان الفاحشة، لأن هذا اللفظ "يا لوطي" لا يفهم منه عند الإطلاق إلا القذف بالفاحشة.
وأما الكناية، فهو اللفظ الذي يحتمل أن يكون قذفاً، ويحتمل غير ذلك احتمالاً قوياً.
فهذا يُسأل القاذف عما أراد ويجب عليه أن يصدق، لأن إقامة الحد عليه في الدنيا أهون عليه من عقوبته في الآخرة، فإن قال: أردت القذف، فهو قذف، وإن قال: أردت غير القذف، فلا حد عليه، ولكن يعزر لسبه الناس.
مثال ذلك: يا خبيث، يا خبيثة، يا فاجر، يا فاجرة ...
انظر: "المغني" (١٢/٣٩٢) ، "المجموع" (٢٢/١١٣) ، "حاشية الدسوقي" (٦/٣٢٤) .
وينبغي أن يُعلم أنه يرجع في معاني الألفاظ إلى العرف، وذلك يختلف باختلاف البلاد والأزمان، فقد يكون اللفظ كناية عند قوم، صريحاً عند آخرين، فيجب أن يراعى ذلك.
"حاشية الدسوقي" (٦/٣٢٨) ، "الشرح الممتع" (١٤/٢٨٩) .
فعلى هذا، إذا شتم أحداً وقال: يا فاجر، فإنه يسأل عما أراد، بهذا اللفظ، فإن قال أردت القذف بالزنى فهو قذف، وإن قال: لم أرد القذف بالزنى، فلا حد عليه، ولكنه يعزر، يعاقبه الحاكم بما يراه مناسبا، كما سبق.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
следующие страницы →