Полный текст (16 344 стр.). Показаны 8961–9000 · переход к 8966.
стр. 8961
حد السرقة
[السُّؤَالُ]
ـ[يظهر أن العقوبات الجنائية في البلدان الإسلامية تخالف السنة. مثلا قطع أصابع السارق وترك إبهامه، إن كان سرق لأول مرة (وقد حدث ذلك في إيران) . فهل هذا من السنة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
السرقة محرّمة بالكتاب والسنة والإجماع، وقد ذم الله هذا الفعل الشنيع وجعل له عقوبة تناسبه فجعل حد السارق أن تقطع يده، قال تعالى (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاءً بما كسبا نكالاً من الله والله عزيز حكيم) المائدة/٣٨، وقال النبي ﷺ (تقطع اليد في ربع دينار فصاعداً) رواه البخاري (الحدود/٦٢٩١) ولعن النبي ﷺ السارق لأنه عنصر فاسد في المجتمع إذا تُرك سرى فساده وتعدّى إلى غيره في جسم الأمة فقال ﵊ (لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده) البخاري (الحدود/٦٢٨٥) ومما يدل على أن هذا الحكم مؤكّد أن امرأة مخزومية شريفة سرقت في عهد النبي ﷺ ، فأراد أسامة بن زيد أن يشفع فيها فغضب النبي ﷺ وقال: أتشفع في حد من حدود الله، إنما أهلك الذين من قبلكم كانوا إذا سرق فيهم الغني تركوه وإذا سرق فيهم الوضيع أقاموا عليه الحد وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) البخاري (أحاديث الأنبياء/٣٢١٦)
وهذا هو حكم الله في السرقة أن تقطع يد السارق من الرُّسْغِ.
قال النووي في شرحه لصحيح مسلم: قال الشافِعِيُّ وأبو حنيفة ومالك والجماهير: " تُقْطَعُ اليد من الرسغ، وهو المِفْصَلُ بين الكَفِّ والذِّرَاع، قال القرطبي: قال الكَافَّة: " تقطع اليد من الرُسْغِ، لا كما يفعله بعض المبتدعة من قطع أصابع اليد وترك الإِبْهَام.
ولأن قطع اليد أمر عظيم، فإن قطع يد السارق لا يكون عند أي سرقة بل لا بد من اجتماع شروط حتى تقطع يد السارق , وهذه الشروط هي:
١- أن يكون أخذ الشيء على وجه الخِفْيَةِ، فإن لم يكن على وجه الخفية فلا تُقْطَع، كما لو انْتَهَب المال على وجه الغَلَبَةِ والقَهْرِ على مَرْآى من الناس، أو اغْتَصَبَه، لأن صاحب المال يمكنه النَّجدة والأَخْذ على يده.
٢- أن يكون المسروق مالا محترماً , لأن ما ليس بمال لا حرمة له، كآلات اللهو والخمر والخنزير.
٣- أن يكون المسروق نصاباً، وهو ثلاثة دراهم إسلامية أو ربع دينار إسلامي، أو ما يقابل أحدهما من النقود الأخرى.
٤- أن يأخُذَ المسروق من حرزه، وحرز المال: ما تَعَوَّدَ الناس على حفظ أموالهم فيه كالخِزَانَة مثلاً.
٥- لا بد من ثُبُوتِ السرقة، وتكون إما بشهادة عَدْلَيْنِ، أو بإقرار السارق على نفسه مرتين.
٦- لابد أن يطالب المسروق منه بماله فإذا لم يطالِب لم يجب القطع.
فإذا تحققت هذه الشروط وجب قطع اليد، ولو طبق هذا الحكم في المجتمعات التي ارتضت القوانين الوضعية، التي نَحَّت شريعة الله واستبدلت بها قوانين البشر لكان أنفع علاج لهذه الظاهرة ولكن الأمر كما قال : (أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون) المائدة/٥٠
[الْمَصْدَرُ]
المراجع: الجامع لأحكام القرآن (٦/١٥٩) الملخص الفقهي (٢/٤٤٢) .
стр. 8962
الحكم فيمن يسطو ويسرق ويغتصب بالسلاح
[السُّؤَالُ]
ـ[ما الحكم في العصابات أو الأفراد الذي يسرقون الناس، ويخطفون النساء ويعتدون على الأعراض، كل ذلك تحت تهديد السلاح؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذه الجرائم التي يفعلها بعض من لا دين لهم، جعل الشرع عقوبتها عقوبة شديدة، وهي تعرف عند العلماء بـ " حد الحرابة " أو " قطاع الطريق " وهو المذكور في قول الله تعالى: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) المائدة/٣٣.
ولمجلس هيئة كبار العلماء ببلاد الحرمين الشريفين برئاسة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ قرار في شأن هذه الجرائم، جاء فيه:
" لقد اطلع المجلس على ما ذكره أهل العلم من الأحكام الشرعية تدور من حيث الجملة على وجوب حماية الضروريات الخمس والعناية بأسباب بقائها مصونة سالمة، وهي: الدين والنفس والعرض والعقل والمال، وقدر تلك الأخطار العظيمة التي تنشأ عن جرائم الاعتداء على حرمات المسلمين في نفوسهم أو أعراضهم أو أموالهم وما تسببه من التهديد للأمن العام في البلاد.
والله قد حفظ للناس أديانهم وأبدانهم وأرواحهم وأعراضهم وعقولهم بما شرعه من الحدود والعقوبات التي تحقق الأمن العام والخاص، وأن تنفيذ مقتضى آية الحرابة وما حَكَمَ به ﷺ في المحاربين كفيلٌ بإشاعة الأمن والاطمئنان، وردع من تسول له نفسه الإجرام والاعتداء على المسلمين.
إذ قال الله تعالى: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنْ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) المائدة/٣٣.
وفي الصحيحين واللفظ للبخاري عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَدِمَ رَهْطٌ مِنْ عُكْلٍ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ كَانُوا فِي الصُّفَّةِ فَاجْتَوَوْا الْمَدِينَةَ (أي أصابهم مرض) فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَبْغِنَا رِسْلا (أي اطلب لنا لبناً) فَقَالَ: مَا أَجِدُ لَكُمْ إِلا أَنْ تَلْحَقُوا بِإِبِلِ رَسُولِ اللَّهِ، فَأَتَوْهَا فَشَرِبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا حَتَّى صَحُّوا وَسَمِنُوا وَقَتَلُوا الرَّاعِيَ وَاسْتَاقُوا الذَّوْدَ (الإبل) فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ الصَّرِيخُ، فَبَعَثَ الطَّلَبَ فِي آثَارِهِمْ، فَمَا تَرَجَّلَ النَّهَارُ (أي ارتفع) حَتَّى أُتِيَ بِهِمْ فَأَمَرَ بِمَسَامِيرَ فَأُحْمِيَتْ فَكَحَلَهُمْ، وَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، وَمَا حَسَمَهُمْ، ثُمَّ أُلْقُوا فِي الْحَرَّةِ يَسْتَسْقُونَ فَمَا سُقُوا حَتَّى مَاتُوا. قَالَ أَبُو قِلابَةَ: سَرَقُوا وَقَتَلُوا وَحَارَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ.
وبناء على ما تقدم فإن المجلس يقرر الأمور التالية:
أـ إن جرائم الخطف والسطو لانتهاك حرمات المسلمين على سبيل المكابرة والمجاهرة من ضروب المحاربة والسعي في الأرض فساداً المستحقة للعقاب الذي ذكره الله سبحانه في آية المائدة، سواء وقع ذلك على النفس أو المال أو العرض، أو أحدث إخافة السبيل وقطع الطريق، ولا فرق في ذلك بين وقوعه في المدن والقرى أو في الصحارى والقفار كما هو الراجح من آراء العلماء رحمهم الله تعالى.
قال ابن العربي يحكي عن وقت قضائه: رُفِعَ إلي قومٌ خرجوا محاربين إلى رفقة فأخذوا منها امرأة مغالبة على نفسها من زوجها ومن جملة المسلمين معه، فاحتملوها، ثم جد فيهم الطلب فأُخذوا وجيء بهم، فسألت من كان ابتلاني الله به من المفتين فقالوا: ليسوا محاربين! لأن الحرابة إنما تكون في الأموال لا في الفروج! فقلت لهم: إنا لله وإنا إليه راجعون! ألم تعلموا أن الحرابة في الفروج أفحش منها في الأموال؟! وأن الناس كلهم ليرضون أن تذهب أموالهم وتحرب من بين أيديهم ولا يحرب المرء من زوجته وبنته، ولو كان فوق ما قال الله عقوبة لكانت لمن يسلب الفروج. انتهى.
ب ـ يرى المجلس في قوله تعالى: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنْ الأَرْضِ)
أن (أو) للتخيير كما هو الظاهر من الآية الكريمة. وقول الأكثرين من المحققين من أهل العلم ﵏.
ج ـ يرى المجلس بالأكثرية أن يتولى نواب الإمام ـ القضاة ـ إثبات نوع الجريمة والحكم فيها، فإذا ثبت لديهم أنها من المحاربة لله ورسوله والسعي في الأرض فساداً فنهم مخيرون في الحكم فيها بالقتل أو الصلب أو قطع اليد والرجل من خلاف أو النفي من الأرض، بناءً على اجتهادهم، مراعين واقع المجرم وظروف الجريمة وأثرها في المجتمع وما يحقق المصلحة العامة للإسلام والمسلمين إلا إذا كان المحارب قد قتل فإنه يتعين قتله حتماً كما حكاه ابن العربي المالكي إجماعاً، وقال صاحب الإنصاف من الحنابلة: " لا نزاع فيه " انتهى من بحث لهيئة كبار العلماء بعنوان: "الحكم في السطو والاختطاف والمسكرات" (ص ١٩٢-١٩٤) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 8963
اشترى أشياء ولم يدفع قيمتها
[السُّؤَالُ]
ـ[اشترى زوجي أشياء بواسطة الفيزا من بعض الكفار ولم يدفع قيمتها فهل هي سرقة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا شك أن من اشترى أشياء ولم يدفع قيمتها أنه يكون سارقاً لها، والسرقة من كبائر الذنوب، وقد جعل الشرع الحدَّ فيها قطع اليد اليمنى ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاءً بما كسبا نكالاً من الله﴾ المائدة / ٣٨.
وأوجب على فاعلها رد الحقوق إلى أهلها، ومن لم يفعل كان له العقاب والخزي.
عن أبي حميد الساعدي قال: قال رسول الله ﷺ : " والله لا يأخذ أحد منكم شيئاً بغير حقه إلا لقي الله يحمله يوم القيامة، فلأعرفن أحداً منكم لقي الله يحمل بعيراً له رغاء، أو بقرةً لها خوار، أو شاة تيعر، ثم رفع يده حتى رئي بياض إبطه يقول: اللهم هل بلغت؟ ". رواه البخاري (٦٥٧٨) ومسلم (١٨٣٢) .
ويمكن لهذا الشخص إرجاع المال لصاحبه بالطريقة التي يراها مناسبة دون الكشف عن نفسه له، فإن كان المسروق منه في مكانٍ لا يمكن الوصول إليه أو خفي على السارق تعيينه: فعليه أن يتصدق بثمنه عن صاحبه، فإن عرفه: خيَّره بين إمضاء الصدقة عنه أو أخذ حقه، فإن اختار الصدقة كان له أجرها، وإلا وجب عليه دفع حقه له وتكون الصدقة للتائب إذا كانت توبته توبة صادقة.
قال الشيخ ابن عثيمين – ﵀:
... فإذا سرقتَ من شخصٍ أو من جهة ما سرقة: فإن الواجب عليك أن تتصل بمن سرقت منه وتبلغه وتقول أن عندي لكم كذا وكذا، ثم يصل الاصطلاح بينكما على ما تصطلحان عليه، لكن قد يرى الإنسان أن هذا الأمر شاق عليه وأنه لا يمكن أن يذهب – مثلاً – إلى شخص ويقول أنا سرقت منك كذا وكذا وأخذت منك كذا وكذا، ففي هذه الحال يمكن أن توصل إليه هذه الدراهم – مثلاً – من طريق آخر غير مباشر مثل أن يعطيها رفيقاً لهذا الشخص وصديقاً له، ويقول له هذه لفلان ويحكي قصته ويقول أنا الآن تبت إلى الله – – فأرجو أن توصلها إليه.
وإذا فعل ذلك فإن الله يقول ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً﴾ الطلاق / ٢، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً﴾ الطلاق / ٤.
فإذا قُدِّر أنك سرقتَ من شخصٍ لا تعلمه الآن ولا تدري أين هو: فهذا أيضاً أسهل من الأول؛ لأنه يمكنك أن تتصدق بما سرقتَ بنيَّة أنه لصاحبه، وحينئذٍ تبرأ منه.
إن هذه القصة التي ذكرها السائل توجب للإنسان أن يبتعد عن مثل هذا الأمر؛ لأنه قد يكون في حال طيش وسفهٍ فيسرق ولا يهتم، ثم إذا منَّ الله عليه بالهداية يتعب في التخلص من ذلك.
" فتاوى إسلاميَّة " (٤ / ١٦٢) .
وقال علماء اللجنة الدائمة – في جندي سرق مالا من عبدٍ -:
إن كان يعرف العبدَ أو يعرف من يعرفه: فيتعين عليه البحث عنه ليسلم له نقوده فضة أو ما يعادلها أو ما يتفق معه عليه، وإن كان يجهله وييأس من العثور عليه: فيتصدق بها أو بما يعادلها من الورق النقدي عن صاحبها، فإن عثر عليه بعد ذلك فيخبره بما فعل فإن أجازه فبها ونعمت، وإن عارضه في تصرفه وطالبه بنقوده: ضمنها له وصارت له الصدقة، وعليه أن يستغفر الله ويتوب إليه ويدعو لصاحبها.
" فتاوى إسلاميَّة " (٤ / ١٦٥) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 8964
من قال للقيط: يا ابن الزنا فعليه حد القذف
[السُّؤَالُ]
ـ[السؤال: لدي سؤال بخصوص اللقيط فقد سمعت محاضرة حول هذه الفئة وجاء فيها أن اللقيط إذا قال له أحد بعينه: يا ابن الزنا أو يا ابن الحرام يحق لهذا اللقيط من الناحية الشرعية رفع دعوى قضائية في المحكمة على من قال له ذلك ويقام على القائل الحد ويجلد وذلك لأن كونه لقيطاً هذا ليس دليلاً شرعياً على هذه التهمة، فلذلك يستوجب ذلك إقامة الحد لأنه داخل في القذف، دون دليل شرعي من القائل. فهل ما جاء في المحاضرة صحيح أم هناك خلاف بين العلماء بخصوص إقامة الحد في هذه المسألة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
اللَّقِيطُ هو الطفل الذي يوجد مرمياً على الطرق لا يعرف أبوه ولا أمه.
وتعريفات العلماء له من المذاهب الأربعة لا تخرج عن هذا التعريف.
انظر: "الموسوعة الفقهية" (٣٥/٣١٠) .
فليس من اللازم أن يكون اللقيط ابن زنا، لاحتمال أن يكون ضاع من أهله أو نبذوه خوفاً من الفقر أو لسبب آخر غير الزنا.
فمن قذفه – وكان اللقيط محصنا- فقد قذف مسلماً محصناً، ولم يأت على قذفه ببينة شرعية وهي أربعة شهود، فيجب عليه حد القذف.
قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) النور/٤.
قال ابن كثير:
" هذه الآية الكريمة فيها بيان حكم جلد القاذف للمحصنة، وهي الحرة البالغة العفيفة، فإذا كان المقذوف رجلا فكذلك يجلد قاذفه أيضًا، ليس في هذا نزاع بين العلماء. فأما إن أقام القاذف بينة على صحة ما قاله، رُدّ عنه الحد " انتهى.
"تفسير ابن كثير" (٦/١٣) .
وقد روى أحمد (٦٩٨٩) من حديث عَمْرُو بْن شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: (قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي وَلَدِ الْمُتَلَاعِنَيْنِ: أَنَّهُ يَرِثُ أُمَّهُ، وَتَرِثُهُ أُمُّهُ، وَمَنْ قَفَاهَا بِهِ [أي: رماها بالزنا] جُلِدَ ثَمَانِينَ، وَمَنْ دَعَاهُ وَلَدَ زِنًا جُلِدَ ثَمَانِينَ) والحديث مختلف في تصحيحه، وقد صحح إسناده الشيخ أحمد شاكر في تحقيق المسند (٧٠٢٨) .
وقد ذهب جمهور أهل العلم إلى أن من قذف ولد المتلاعنين بأنه ولد زنا وجب عليه حد القذف، وهو مذهب الأئمة الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد ﵏، للحديث المتقدم، ولأنه لم يثبت الزنا بطريق شرعي.
انظر: "المغني" (١٢/٤٠١) ، "زاد المعاد" (٥/٤٠٢) .
فإذا كان هذا في "ولد المتلاعنين" مع قيام التهمة بأمه، غير أنها لم تثبت، فيحد من قذف اللقيط بأنه ولد زنا من باب أولى.
جاء في "الموسوعة الفقهية" (٣٣/١٨) :
"مَنْ قَذَفَ اللَّقِيطَ بَعْدَ بُلُوغِهِ مُحْصَنًا فَعَلَيْهِ الْحَدُّ ; لِأَنَّ قَذْفَ الْمُحْصَنِ مُوجِبٌ لِلْحَدِّ. وَمَنْ قَالَ لَهُ: يَا ابْنَ الزِّنَا , فَفِيهِ قَوْلَانِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: الْأَوَّلُ: يُحَدُّ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ نُبِذَ مَعَ كَوْنِهِ مِنْ نِكَاحٍ صَحِيحٍ , وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ وَهُوَ الرَّاجِحُ.
الثَّانِي: لَا يُحَدُّ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِي الْمَنْبُوذِ أَنْ يَكُونَ ابْنَ زِنًا , وَهُوَ قَوْلُ اللَّخْمِيِّ" انتهى.
ولمزيد الفائدة راجع جواب السؤال رقم: (١٠٨٩٥٥) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 8965
ألفاظ القذف
[السُّؤَالُ]
ـ[إذا شتم رجل آخر وقال له: يا فاجر، فهل هذا يعتبر قذفا؟ ويجب عليه حد القذف؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً: القذف الذي يوجب الحد على القاذف هو الرمي بالزنى أو اللواط، ويجب على القاذف أن يجلد ثمانين جلدة، إذا لم يأت بأربعة شهود يشهدون على صحة ما قال، لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً) النور/٤.
ثانياً: الألفاظ التي يقذف بها نوعان: صريحة، وكناية.
أما اللفظ الصريح، فهو الذي لا يفهم منه إلا القذف بالزنى أو اللواط، ولا يقبل من القاذف أن يدعي أنه أراد به معنى آخر غير القذف.
مثاله: يا زاني، زنيتَ، زنيتِ، يا لوطي.
ولا يقبل منه إذا قال: أردت بقولي له: "يا لوطي" أنه على دين لوط ﵇، أو أنه يعمل عمل قومه إلا إتيان الفاحشة، لأن هذا اللفظ "يا لوطي" لا يفهم منه عند الإطلاق إلا القذف بالفاحشة.
وأما الكناية، فهو اللفظ الذي يحتمل أن يكون قذفاً، ويحتمل غير ذلك احتمالاً قوياً.
فهذا يُسأل القاذف عما أراد ويجب عليه أن يصدق، لأن إقامة الحد عليه في الدنيا أهون عليه من عقوبته في الآخرة، فإن قال: أردت القذف، فهو قذف، وإن قال: أردت غير القذف، فلا حد عليه، ولكن يعزر لسبه الناس.
مثال ذلك: يا خبيث، يا خبيثة، يا فاجر، يا فاجرة ...
انظر: "المغني" (١٢/٣٩٢) ، "المجموع" (٢٢/١١٣) ، "حاشية الدسوقي" (٦/٣٢٤) .
وينبغي أن يُعلم أنه يرجع في معاني الألفاظ إلى العرف، وذلك يختلف باختلاف البلاد والأزمان، فقد يكون اللفظ كناية عند قوم، صريحاً عند آخرين، فيجب أن يراعى ذلك.
"حاشية الدسوقي" (٦/٣٢٨) ، "الشرح الممتع" (١٤/٢٨٩) .
فعلى هذا، إذا شتم أحداً وقال: يا فاجر، فإنه يسأل عما أراد، بهذا اللفظ، فإن قال أردت القذف بالزنى فهو قذف، وإن قال: لم أرد القذف بالزنى، فلا حد عليه، ولكنه يعزر، يعاقبه الحاكم بما يراه مناسبا، كما سبق.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 8966
هل يجوز للمقذوف أن يعفو عن القاذف ويسقط عنه الحد ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز للمقذوف أن يعفو عن القاذف ويسقط عنه الحد؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
القذف هو رمي الشخص بالزنا، فمن قذف محصناً (عفيفاً عن الزنا) وجب عليه حد القذف، لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً) النور/٤.
وحد القذف حق للمقذوف، لأن المقصود منه إظهار براءته، وكذب القاذف، ولهذا لا يقام حد القذف إلا إذا طالب بذلك المقذوف، وهو مذهب الأئمة الأربعة، (أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد) .
بل لو طالب المقذوف بإقامة الحد ثم عفا سقط الحد، كما لو طالب بالقصاص ثم عفا.
قال ابن قدامة ﵀ في "المغني" (١٢/٣٨٦) :
"ويعتبر لإقامة الحد [حد القذف] مطالبة المقذوف، لأنه حق له فلا يستوفى قبل طلبه، كسائر حقوقه.....
فلو طلب [يعني: إقامة الحد] ثم عفا عن الحد، سقط، وبهذا قال الشافعي" انتهى بتصرف واختصار.
وقال في "زاد المستقنع": "وَهُوَ حَقٌّ لِلْمَقْذُوفِ".
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ في شرحه:
" «وهو» ـ أي: حد القذف ـ «حق للمقذوف» وليس حقاً لله، وقال أبو حنيفة: إنه حق لله .
وبناءً على أنه حق للمقذوف يسقط بعفوه، فلو عفا بعد أن قذفه بالزنا فإن حد القذف يسقط؛ لأنه حق له، كما لو كان عليه دراهم فعفا عنها فإنها تسقط عنه، ولا يُستوفى بدون طلبه، فما دام المقذوف ساكتاً فلا نقول للقاذف شيئاً، حتى لو بلغت الإمام فإنه لا يقام عليه الحد؛ لأنه حق للمقذوف، وإذا كان حقّاً للمقذوف فإننا لا نتعرض له، حتى يأتي صاحبُ الحق ويطالب....
إذاً يترتب على كون حد القذف حقاً للمقذوف أمور، منها:
أولاً: أنه يسقط بعفوه.
الثاني: أنه لا يقام حتى يُطَالَب به ... والراجح أنه حق للمقذوف" انتهى باختصار وتصرف.
"الشرح الممتع" (١٤/٢٨٤- ٢٨٦) .
وانظر: "المجموع" (٢٢/١٢٨) ، حاشية الدسوقي" (٦/٣٣١) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 8967
كيف يسقط القاذف الحد عن نفسه ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[إذا قذف إنسان آخر بالزنى، وأراد التوبة، فكيف يسقط عن نفسه حد القذف؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
حد القذف ثمانون جلدة، لقول الله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً) النور/٤.
فإذا قذف رجل آخر وكان المقذوف محصناً، وجب حد القذف على القاذف.
ويسقط حد القذف عن القاذف في عدة حالات:
الأولى: أن يأتي بأربعة شهود فيشهدون على المقذوف بأنه زنى، لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً) النور/٤.
الثانية: أن يقر المقذوف على نفسه بالزنى، باتفاق العلماء. انظر: "المغني" (١٢/٣٨٦) .
الثالثة: إذا كان القاذف هو الزوج وقد قذف زوجته، فله أن يسقط الحد عن نفسه باللعان، لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ * وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنْ الْكَاذِبِينَ) النور٦، ٧.
ولما قذف هلال بن أمية امرأته لاعن النبي ﷺ بينهما ولم يحد هلالاً حد القذف. رواه مسلم (١٤٩٦) .
الرابعة: أن يعفو المقذوف عن حقه، ولا يطالب بإقامة الحد على القاذف، وقد سبق بيان ذلك في جواب السؤال رقم (١١٢١١٦) .
وعلى هذا، فإذا قذف الرجل رجلاً آخر، وكان كاذباً، فليس أمامه لإسقاط الحد عن نفسه إلا الاعتذار للمقذوف، وطلب العفو منه، فإن عفا، فالحمد لله، وإن طالب بحقه من إقامة الحد، فالحق له.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 8968
حد القذف
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هو حد القذف؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
المراد بـ "القذف" في الحدود: هو الرمي بالزنى أو اللواط، وهذا مناسب لأصل معنى "القذف" في اللغة، فإن معناه: الرمي بقوة، فمن اتهم إنساناً بالزنى أو شتمه به فقد قذفه، ورماه بشيء شنيع.
والقذف محرم، بل من كبائر الذنوب إذا كان المقذوف محصناً وعفيفاً عن الزنى.
قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) النور/٢٣.
قال السعدي ﵀:
"ذكر الله تعالى الوعيد الشديد على رمي المحصنات فقال: (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ) أي: العفائف عن الفجور (الْغَافِلاتِ) التي لم يخطر ذلك بقلوبهن (الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ) واللعنة لا تكون إلا على ذنب كبير.
وأكد اللعنة بأنها متواصلة عليهم في الدارين (وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) وهذا زيادة على اللعنة، أبعدهم عن رحمته، وأحل بهم شدة نقمته" انتهى.
وقال النبي ﷺ : (اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ [أي: المهلكات] . قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ) رواه البخاري (٢٧٦٧) ومسلم (٨٩) .
قال الحافظ ابن حجر: "والمراد بالموبقات هنا: الكبائر" انتهى.
وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة (٢٢/٧٦) : "قذف المسلم لأخيه لا يجوز، وهو كبيرة من الكبائر، يجب التوبة من ذلك، وطلب العفو من المقذوف، ومن حقه إذا لم يعف أن يطالبه شرعا بحقه.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم" انتهى.
الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ... الشيخ عبد الرزاق عفيفي ... الشيخ عبد الله بن غديان.
وأجمع العلماء على وجوب الحد على من قذف محصناً، وهو أن يجلد ثمانين جلدةً، لقول الله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ) النور/٤.
الحكمة من مشروعية حد القذف
١- منع الترامي بالفاحشة.
٢- صيانة أعراض الناس عن الانتهاك، وحماية سمعتهم من التدنيس.
٣- لئلا تحصل عداءات وبغضاء، وربما تحصل حروب بسبب الاعتداء على العرض وتدنيسه.
٤- تنزيه الرأي العام من أن يسري فيه هذا القول، ويسمعه الناس بآذانهم.
٥- منع إشاعة الفاحشة في المؤمنين، فإن كثرة الترامي بها، وكثرة سماعها، وسهولة قولها، يجرئ السفهاء على ارتكابها.
فكان من الحكمة تشريع حد القذف حتى ينكف الناس عن الترامي بالفاحشة.
والله أعلم.
انظر: "المغني" (١٢/٣٨٣) ، "المحلى" (١١/٢٦٨، ٢٦٩) ، "المجموع" (٢٢/٩٤، ٩٨) ، "حاشية ابن قاسم" (٧/٣٣٠) ، "الشرح الممتع" (١٤/٢٧٨) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 8969
كان مسلماً ثم رجع إلى بلاده وارتد ثم عاد إلى بلدٍ إسلامي فهل هو معاهد؟ وكيف نعامله؟
[السُّؤَالُ]
ـ[رجل كان يعمل في بلاد إسلامية، وهو مسلم، ثم خرج إلى بلاده، وارتد عن الإسلام، ثم عاد إلى البلاد الإسلامية التي كان يعمل فيها، وهو غير مسلم. السؤال: هل ينطبق عليه إذا عاد ليعمل في البلاد الإسلامية أحكام المرتد، أم إنه ينطبق عليه أحكام المعاهد؟ . أرجو التوضيح، وما هي الطريقة المُثلى للتعامل معه؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
من كان مسلماً ثم ارتدَّ عنه إلى الإلحاد: فهو مرتد، لا إشكال في ذلك، ومن ارتد عن الإسلام إلى غيره الأديان لم يُنسب إلى ذلك الدين، ولم يأخذ أحكامه، بل هو مرتد كسابقه، يعامل معاملة المرتدين، يستتاب ليرجع إلى الإسلام، فإن تاب ورجع وإلا قُتل كفراً.
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀:
لو ارتد أحدٌ إلى اليهودية، أو النصرانية: لا نقرُّه؛ لقول النبي ﷺ ﵌: (مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوه) – رواه البخاري (٢٨٥٤) - يعني: مَن بدَّل دين الإسلام: فإننا نقتله.
" الشرح الممتع على زاد المستقنع " (١١ / ٣٠٦) .
وعليه: فمن كان مسلماً ثم صار نصرانيّاً أو يهوديّاً: لم تحل ذبيحته؛ لأنه ليس كتابيّاً، بل هو مرتد لا تؤكل ذبيحته، وإن كانت امرأة: لم يحل نكاحها؛ للسبب نفسه، وهؤلاء لا يكونون ذميين، ولا معاهِدين، ولا مستأمَنين؛ لأن هذه الأحوال إنما تكون لكافرٍ أصلي، لا لمرتد، فليس أمام المرتد عن الإسلام إلا أن يرجع لدينه، أو يختار القتل كفراً على ذلك.
قال الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله -:
والمرتد في الاصطلاح: هو الذي يكفر بعد إسلامه طوعاً، بنطق، أو اعتقاد، أو شك، أو فعل.
والمرتد: له حكم في الدنيا، وحكم في الآخرة:
أما حكمه في الدنيا: فقد بيَّنه الرسول ﷺ بقوله: (مَنْ بدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ) ، وأجمع العلماء على ذلك، وما يتبع ذلك من عزل زوجته عنه، ومنعه من التصرف في ماله قبل قتله.
وأما حكمه في الآخرة: فقد بيَّنه الله تعالى: بقوله (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) .
والردة تحصل بارتكاب ناقض من نواقض الإسلام، سواء كان جادّاً، أو هازلاً، أو مستهزئاً، قال تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) .
" الملخص الفقهي " (٢ / ٥٦٥، ٥٦٦) .
وانظر جواب السؤال رقم: (٢٠٠٦٠) ففيه زيادة بيان.
وينبغي التنبه إلى حدَّ الردة – ومثله بقية الحدود – لا يقيمه إلا الخليفة، أو نائبه، بإجماع العلماء، ولا يجوز لآحاد الناس تنفيذ الحدود بأنفسهم.
وقد بينا هذا في أجوبة الأسئلة (١٠٧١٠٥) و (١٢٤٦١) و (٨٩٨٠) .
ثانياً:
أما بخصوص طريقة التعامل معه: فتكون كغيره من الكفار الذين يُتلطف بدعوتهم للإسلام، متى كنا نرجو منه لخير؛ وليس ثمة حدود تطبق – وللأسف – على المرتدين، فلم يبق أمامكم إلا دعوته بالحسنى، وتذكيره بسالف أيامه يوم كان مسلماً، وأنه لا بدَّ ويشعر بالفرق بين حياته في الإسلام، وحياته خارجه، ويستعان على ذلك بمن يعرف لغته، من بني جلدته، ليكون أفهم له. وللهدية مفعولها الطيب في نفوس الأحرار، فتعاهدوه بهدايا يحتاجها، تصلون من خلالها لقلبه، وإن كان عنده معاملة متعسرة أن تعينوه عليها، وتسهلوا أمر معاشه، فمن شأن ذلك كله أن يجعله يعيد النظر بفعله، ولعله أن يعود الإسلام قبل موته، ويُكتب ذلك في ميزان حسناتكم.
وإذا كانت السلطات في بلدك: لا تسمح بوجود مثل هذا المرتد: فإننا ننبه السلطات إلى حاله، حتى يتم ترحيله إلى بلده، لكن بعد أن نحاول معه، ونسلك طريق الدعوة إلى قلبه: فلعل الله أن يهديه، ويرده إلى دينه.
وهذا كله في المعاملة، أما الحكم: فسبق أنه ليس كالكافر الأصلي، فالمرتد لا يجوز للمسلم أن يرثه، ولا هو يرث مسلماً، والمرتدة لا تُنكح، وإن كان تحت المرتد امرأة مسلمة: فسخ عقد نكاحها، وغير ذلك من الأحكام، فينبغي التفريق بين الأحكام، والمعاملة، ولو كانت تطبق الحدود الشرعية على المرتدين لما احتجنا لهذا كله؛ لأن المرتد – كما سبق – ليس أمامه إلا أن يرجع إلى الإسلام، أو يُقتل في حال إبائه.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 8970
معنى قوله تعالى (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ... ) والرد على الرافضة
[السُّؤَالُ]
ـ[ما معنى تفسير قوله تعالى (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ) ، قرأت تفسير الشيعة لهذه الآية، وهم يرمون بها الصحابة رضوان الله عليهم، فاحترت لعدم علمي بالتفسير الصحيح، فما تفسير هذه الآية لدينا؟ وهل كان أحد ارتد بعد وفاة الرسول؟ ومن هم؟ وهل ذكر الحديث بقوله " ما تدري ماذا فعلوا من بعدك " يصلح تطبيقه على من ولدوا بعد عهد الرسول، أي: الرسول لم يشهد صلاحهم، فكيف يقال " بعدُ "؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أما قوله تعالى: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ) آل عمران/ ١٤٤: فإنها آية محكمة، وللوقوف على معناها بتفصيل: نذكر الآتي:
١. أن هذه الآيات أنزلها الله تعالى بعد غزوة " أُحد "، وهي مقدمة، وتهيئة لموت النبي ﷺ ، ففيها التذكير بأن الإسلام لا ينقطع بموت أو قتل نبيكم، كما فيها بيان ما حصل مع أنبياء سابقين حيث لم يؤثر قتلهم على أتباعهم، ولم يستفد من هذا التنبيه والتذكير من ارتدَّ على عقبه من القبائل، فخسروا الدنيا والآخرة.
قال ابن القيم – ﵀:
وقعةَ " أُحُدٍ " كانت مُقَدِّمَةً، وإرهاصاً، بين يدي موتِ رسول الله ﷺ ، فثبَّتهم، ووبَّخهم على انقلابهم على أعقابهم إنْ ماتَ رسولُ الله ﷺ ، أو قُتِلَ، بل الواجبُ له عليهم أن يثبتُوا على دِينه، وتوحِيدهِ، ويموتوا عليه، أو يُقتلُوا، فإنهم إنما يعبدُون ربَّ محمد، وهو حيٌّ لا يموت، فلو ماتَ محمد أو قُتِلَ: لا ينبغي لهم أن يَصْرِفَهم ذلِكَ عن دينه، وما جاء به، فكلُّ نفسٍ ذائِقةُ الموت، وما بُعِثَ محمد ﷺ لِيخلَّد، لا هُوَ، ولا هُم، بل لِيمُوتُوا على الإسلامِ، والتَّوحيدِ، فإن الموت لا بُدَّ منه، سواء ماتَ رسول الله ﷺ ، أو بَقِيَ، ولهذا وبَّخَهُم على رجوع مَن رجع منهم عن دينه لما صرخ الشَّيْطَانُ: إنَّ محمَّداً قد قُتِلَ، فقال: (وَمَا مُحَمَّدٌ إلَاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإن مَّاتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِى اللهُ الشَّاكِرِينَ) آل عمران/ ١٤٤، والشاكرون: هم الذين عرفوا قدر النعمة، فثبتوا عليها، حتى ماتوا، أو قُتِلُوا، فظهر أثرُ هذا العِتَابِ، وحكمُ هذا الخطاب يومَ مات رسولُ الله ﷺ ، وارتدَّ مَن ارتدَّ على عقبيه، وثبت الشاكِرُون على دينهم، فنصرهم الله، وأعزَّهم، وظفَّرهم بأعدائهم، وجعل العاقبة لهم.
ثم أخبر سبحانه أنه جعل لكل نفسٍ أجلاً لا بُدَّ أن تستوفيه، ثم تلحَقَ به، فيَرِدُ الناسُ كُلُّهم حوضَ المنايا مَوْرِداً واحِداً، وإن تنوَّعت أسبابه، ويصدُرونَ عن موقف القِيامة مصادِرَ شتَّى، فريقٌ في الجنة، وفريقٌ في السعير.
ثم أخبر سبحانه أن جماعةً كثيرةً من أنبيائه قُتِلُوا، وقُتِلَ معهم أتباعٌ لهم كثيرون، فما وَهَنَ مَنْ بقيَ منهم لِما أصابهم في سبيله، وما ضَعُفُوا، وما استكانُوا، وما وَهَنُوا عندَ القتل، ولا ضعفُوا، ولا استكانوا، بل تَلَقَّوا الشهادةَ بالقُوَّةِ، والعزِيمةِ، والإقْدَامِ، فلم يُسْتَشْهَدُوا مُدَبِرِينَ، مستكينين، أذلةً، بل استُشْهِدُوا أعزَّةً، كِراماً، مقبلينَ، غير مدبرين، والصحيح: أن الآية تتناول الفريقين كليهما.
" زاد المعاد في هدي خير العباد " (٣ / ٢٢٤، ٢٢٥) .
٢. هذه الآية تدل على تزكية أبي بكر الصدِّيق خاصة، والصحابة الأجلاء عامة؛ حيث وصف الله تعالى من يثبت في مثل هذه المصيبة، ويعلم أن نبيه ما هو إلا بشر يبلغ ما أرسله الله تعالى به، ثم يغادر هذه الدنيا، وصفهم الله تعالى بـ " الشاكرين "، وأما ما في الآية من تزكية الصدِّيق: فمن جهتين:
الأولى: استدلاله بها – مع قوله تعالى (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ) - عند موت النبي ﷺ .
والثانية: أنه قاتل من ارتد على عقبه.
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – ﵀:
وفي هذه الآية الكريمة إرشاد من الله تعالى لعباده أن يكونوا بحالة لا يزعزعهم عن إيمانهم، أو عن بعض لوازمه فقدُ رئيسٍ، ولو عظم؛ وما ذاك إلا بالاستعداد في كل أمر من أمور الدِّين بعدة أناس من أهل الكفاءة فيه، إذا فقد أحدهم قام به غيره، وأن يكون عموم المؤمنين قصدهم إقامة دين الله، والجهاد عنه، بحسب الإمكان، لا يكون لهم قصد في رئيس دون رئيس، فبهذه الحال يستتب لهم أمرهم، وتستقيم أمورهم.
وفي هذه الآية أيضاً أعظم دليل على فضيلة الصدِّيق الأكبر أبي بكر، وأصحابه الذين قاتلوا المرتدين بعد رسول الله ﷺ لأنهم هم سادات الشاكرين.
" تفسير السعدي " (ص ١٥٠) .
وبمعرفة ما مضى يتبين أن الصحابة الأجلاء قد استفادوا من درس " أحد "، وأن ما أصاب بعضهم من صدمة عند موت النبي ﷺ ليست صدمة أعقبتها ردَّة، بل لعدم تحملهم عظَم الخبر، حتى ثبتهم الله تعالى بما تلاه على مسامعهم أبو بكر الصدِّيق من الآيات البينات، وأخبرهم بثبات المؤمن:
( ... فَحَمِدَ اللَّهَ أَبُو بَكْرٍ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ أَلَا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا ﷺ فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ وَقَالَ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ وَقَالَ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ قَالَ فَنَشَجَ النَّاسُ يَبْكُونَ ... )
رواه البخاري (٣٦٧٠) .
فرجعوا إلى صوابهم، وكأنهم لأول مرة تطرق هذه الآية مسامعهم، وقد عصم الله تعالى المهاجرين والأنصار من الردة، وسقط فيها طوائف من العرب تصدَّى لهم الصدِّيق وأصحابه، فعاد من عاد، وبقي منهم على الكفر جماعات.
وانظر جواب السؤال رقم (١٢٥٩١٩) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 8971
أسلوب عامي يقرن لفظ الجلالة في كل تعبير للدلالة على المبالغة
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم قول حلوة ل الله، أو بعيدة ل الله، للدلالة على الكثرة والزيادة: فمثلاً إذا أريد التدليل على أن الشيء بعيد جداً فيقال: بعيدة ل الله، فيقرن اسم الله تعالى بقوله، بعيدة ل الله؛ لأن الله تعالى يدل على العظمة. فإن عظم عليه شيء أو صعب عليه فيقول صعب ل الله. وهذا قول منتشر بين بعض الناس، ويقرن كثيراً بكل شيء، يراد به التدليل على الكثرة، مثل: قصير ل الله، طويل ل الله، حقير ل الله، قوي ل الله، غير لذيذ ل الله. وقول آخر للدلالة على الانزعاج فيقول: أنا واصلة معي لعند الله. فإن كانت الأقوال السابقة مخالفة لشرع الله تعالى، ومحرمة، فما سبب ذلك، وما الدليل على التحريم؟ ، وهل يختلف القول على حسب اقترانه بشيء حسن أو شيء قبيح في الحكم، فمثلا: جميل ل الله، تختلف عن قبيح ل الله؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إذا قصد قائل هذه العبارات الاستخفاف بِقَدْرِ الله، أو الاستهانة بجلاله : كَفَرَ باتفاق علماء المسلمين.
أما إِن لم يقصد ذلك: فلا يجوز للمسلم – على جميع الأحوال - أن يعتاد مثل هذه الألفاظ في كلامه وخطابه، وذلك:
١- لأن في اعتيادها جرأة على لفظ الجلالة، وإشعارا بالتعدي على عظمته وجلالته، والاستخفاف بحقه، والواجب على المسلم تعظيم أسماء الله تعالى، وصيانتها، وحفظ جلالتها عن كل سبيل قد يؤدي إلى الاستخفاف بها، أو الوقوع في الخطأ فيها.
٢- ثم إن الذي يظهر لنا – من قرائن أحوال قائلي هذه الكلمات – أنها تصدر في أحيان كثيرة عن حَنَقٍ وغضب يَشْعُرُ قائلُها نفسُه أنه قد تجاوز الأدب والحدود مع الله ، نخص من ذلك قوله: " أنا واصلة معي لعند الله "، فسوء أدب هذه العبارة ظاهر، يخشى على قائلها من عقوبتها يوم القيامة، وكذلك إرداف لفظ الجلالة لبعض الأوصاف السيئة، كما جاء في السؤال من قول بعض العامة: " حقير ل الله "، فهذا فيما نرى لفظ كفري يخشى على قائله من الردة والعياذ بالله.
٣- والله يقول: (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ) الحج/٣٠، ويقول : (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) الحج/٣٢. يقول الشيخ محمد الخادمي الحنفي ﵀: " من آفات اللسان (ما فيه خوف الكفر) ، وهو الذي لم يجزم الفقهاء بإيجابه كفرا، بل قالوا فيه خوف الكفر، أو خيف فيه الكفر، أو خطأ عظيم، (وحُكمُهُ أن يؤمر بالتوبة وتجديد النكاح احتياطا) لاحتمال كونه كفرا " انتهى. "بريقة محمودية" (٣/١٦٨) .
٤- وقد فسر بعض أهل العلم قوله : (وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأيْمَانِكُمْ) البقرة/٢٢٤ بأن المقصود النهي عن الإكثار من حلف الأيمان ولو كانت بوجه حق، فكيف إذن بالإكثار من ذكر لفظ الجلالة في كل عبارة تليق أو لا تليق. يقول العلامة الطاهر ابن عاشور: " أي لا تجعلوا اسم الله كالشيء المعرَّض للقاصدين " انتهى. "التحرير والتنوير" (٢/٣١٠) وانظر: "تفسير القرطبي" (٣/٩٧) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 8972
رب البيت يسب الله ودينه! فماذا يصنع أهله وأولاده ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[رجل يكفر بالله، وعندما يكفر يخرج للحديقة، ويقول: أنا أريد أن أرى السماء عندما أكفر , يعتقد أن العرب شعوب لا تستحق الحياة، والغرب أفضل منهم , ويعتبر الحج تبذيراً للمال، والكعبة كومة أحجار، الناس يدورون حولها، وغيرها من ألفاظ الكفر التي أخاف ترديدها. إذا زجره أولاده: ازداد كفره، وإذا انتظروا هدوؤه: فإنه لا يقول استغفر الله، بل يقول: أنتم أغضبتموني، لكنه يصلي ويصوم! . أهله أناس يخافون الله، ويخافون أن يشملهم الله بعذاب من عنده بسبب ألفاظ الكفر التي يقولها أبوهم، الزوجة هل تطلق منه إن كان يكفر لكنه يصوم ويصلي؟ وأولاده كيف يتصرفون معه إن كان مصرّاً على الكفر عند حصول أي مشكلة بالبيت؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
صدق نبينا محمد ﷺ حين قال: (لَيْسَ أَحَدٌ أَصْبَرَ عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنَ اللَّهِ، إِنَّهُمْ لَيَدْعُونَ لَهُ وَلَدًا، وَإِنَّهُ لَيُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ) رواه البخاري برقم (٦٠٩٩) .
ولولا حلم الله على من سبَّه وشتمه لعاجلهم بالعقوبة، كأن يمسخهم قردة وخنازير، أو يحرق ألسنتهم، أو يسلبهم عقولهم فيسيرون في الطرقات لا يدرون ما يفعلون، وكل هذه نعم من الله تعالى أنعمها على عبيده، ولو شاء لعطلها عنهم، ولكن الله تعالى يمهلهم، ويؤخرهم، فلعل أحداً منهم أن يتوب ويرجع لربه تعالى.
وليُعلم أن حكم ذلك الساب البغيض هو الخروج من الملة، وأنه بسبِّه ذاك صار مرتداً، حبطت أعماله الصالحة كلها، وفُسخ عقد زواجه، فحرمت عليه امرأته المسلمة، وأنه إن مات على تلك الحال ولم يدخل في الإسلام: فلا يُغسَّل، ولا يكفَّن، ولا يُصلَّى عليه، ولا يُدفن في مقابر المسلمين، كما أنه لا يرث، ولا يورث، وأما كونه يصلِّي: فإن هذا ليس بشافع ولا بنافع، ولا بمانع، فلا تشفع له صلاته عند ربه تعالى، ولا في عدم ترتب أحكام الردة عليه، ولا تنفعه صلاته عند ربه؛ لأن الله تعالى سيحبطها، ويحبط أعماله الصالحة جميعها، ولن تمنعه صلاته من أن يكون مع المرتدين، ومنهم.
قال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ في "فتاوى الشيخ ابن باز" (٢٨ / ٢١٦ , ٢١٧) : " لو أن إنساناً يسبُّ الله ورسوله، أو يسبُّ دين الله، أو يستهزئ بدين الله، أو بالجنَّة، أو بالنَّار: فإنه لا ينفعه كونه يصلي، ويصوم، إذا وجد منه الناقض من نواقض الإسلام: بطلت الأعمال، حتى يتوب إلى الله من ذلك.
هذه قاعدة مهمة، قال تعالى: (وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) الأنعام/ ٨٨، وقال سبحانه: (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ. بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ) الزمر/ ٦٥ , ٦٦ " انتهى.
وسئل ﵀: لقد سمعت من بعض العلماء المسلمين أن الرجل إذا سب الدين طلقت عليه امرأته، ويلزم له التوبة والاستغفار وعقد قران جديد، وكثيراً ما يحدث هذا الأمر، خاصة وقت الغضب الشديد، فما مدى صحة هذا الكلام؟ .
فأجاب: " سبَّ الدين: ردة عن الإسلام، وكذلك سبُّ القرآن، وسب الرسول: ردة عن الإسلام، وكفر بعد الإيمان، نعوذ بالله، لكن لا يكون طلاقاً للمرأة، بل يفرق بينهما من دون طلاق، فلا يكون طلاقاً، بل تحرم عليه؛ لأنها مسلمة، وهو كافر، وتحرم عليه حتى يتوب، فإن تاب وهي في العدة: رجعت إليه من دون حاجة إلى شيء، أي: إذا تاب، وأناب إلى الله: رجعت إليه، وأما إذا انتهت العدة وهو لم يتب: فإنها تنكح من شاءت، ويكون ذلك بمثابة الطلاق، لا أنه طلاق، لكن بمثابة الطلاق؛ لأن الله حرَّم المسلمة على الكافر، فإن تاب بعد العدة، وأراد أن يتزوجها: فلا بأس، ويكون بعقٍد جديدٍ أحوط؛ خروجاً من خلاف العلماء، وإلا فإنَّ بعض أهل العلم يرى أنها تحل له بدون عقدٍ جديدٍ، إذا كانت تختاره، ولم تتزوج بعد العدة بل بقيت على حالها، ولكن إذا عقد عقداً جديداً فهو أولى؛ خروجاً من خلاف جمهور أهل العلم، فإن الأكثرين يقولون: متى خرجت من العدة: بانت منه، وصارت أجنبية لا تحل إلا بعقدٍ جديدٍ، فالأولى والأحوط أن يعقد عقداً جديداً، هذا إذا كانت قد خرجت من العدة قبل أن يتوب، فأما إذا تاب وهي في العدة: فهي زوجته؛ لأن النبي ﷺ أقر الذين أسلموا بعد إسلام زوجاتهم على أنكحتهم قبل خروج زوجاتهم من العدة " انتهى. " فتاوى نور على الدرب " (١ / ١٠٦، ١٠٧) ط دار الوطن.
وحكم الاستهزاء بشيء من شعائر دين الله تعالى هو ردة أيضاً، ولا خلاف بين العلماء من أهل السنَّة في حكم سبِّ الله تعالى ورسوله ودينه، ولا في حكم الاستهزاء بشيء من شعائر دين الله تعالى.
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀ –:
الحكم فيمن سبَّ الدين الإسلامي: أنه يكفر؛ فإن سبَّ الدين، والاستهزاء به: ردة عن الإسلام، وكفر بالله ، وبدينه، ... .
انتهى
وانظر تتمة الفتوى في جواب السؤال رقم: (٤٢٥٠٥) .
وانظر - في حكم سب الله تعالى - أجوبة الأسئلة: (٧١١٧٤) و (٧٩٠٦٧) و (١٤٣٠٥) و (٦٥٥٥١) .
وانظر - في حكم سب النبي ﷺ جواب السؤال رقم: (٢٢٨٠٩) .
ثانياً:
هذا، وليُعلم أن زعمه أن أولاده أغضبوه: ليس بعذرٍ شرعي له، بل هو يدل على غاية الاستهانة بالله تعالى، ودليل ذلك أن الذي يغضب، ويغلق عليه بسبب الغضب: لا يتذكر إلا ربَّه تعالى ليسبه ويشتمه! فلماذا لم يتذكر أمه ليسبها؟! لم يتذكر حاكمه ليسبه؟! إنه لما كان محبَّاً، أو معظِّماً، أو خائفاً لهؤلاء: لم يخطروا بباله عند غضبه ليسبهم، وهو يدل على ما قلناه، وهو أن هؤلاء قد سبُّوا ربهم تعالى تنفيساً عما في قلوبهم من زيغ ودخن، واستهانة برب العالمين.
ويجب عليكِ هجره حتى يعود لدينه وإسلامه، ولا يحل لك تمكينه منك، فهو ليس زوجاً لك، إلا أن يعود لدينه، وعلى الأولاد معاملته معاملة المرتد، لا يُبدأ بالسلام، ولا يود، ولا يُحب، ومع ذلك فعليهم الترفق في دعوته، وإظهار الخلق الحسن له، لعله يتوب، أو يئوب إلى رشده.
وانظري جواب السؤال رقم: (٩٦٥٧٦) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 8973
الاستهزاء بملك الموت
[السُّؤَالُ]
ـ[توفي قريب لأحد معارفي منذ فترة، وبعدها بفترة وجيزة توفي له قريب آخر، فبعدها بفترة طويلة عندما كنا نتحدث عنهما قلت له وبلا قصد: يبدو أن هناك ثأرا ما بين عائلتكم وبين ملك الموت، على سبيل المزاح، فهل يعتبر هذا كفرا بالله؛ لأني قلت هذا على أحد ملائكة الله، أم ماذا، وماذا أفعل؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الواجب على المسلم أن يحفظ لسانه، فلا يتكلم بما يغضب الله تعالى، ورُبَّ كلمة يتكلم بها الإنسان، وهو لا يظن أن لها شأناً، تكون سبب هلاكه وعذابه، والعياذ بالله.
فعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهَا، يَزِلُّ بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مِمَّا بَيْنَ الْمَشْرِقِ) رواه البخاري (٦٤٧٧) ومسلم (٢٩٨٨) .
وفي رواية الترمذي (٢٣١٤) : (إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ لَا يَرَى بِهَا بَأْسًا يَهْوِي بِهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا فِي النَّارِ) وصححه الألباني في صحيح الترمذي.
وعن بلال المزني ﵁ أن النبي ﷺ قال: (وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللهِ مَا يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ، فَيَكْتُبُ اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا سَخَطَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ) رواه الترمذي (٢٣١٩) وصححه الألباني في صحيح الترمذي.
والإيمان بالملائكة وإجلالهم وتقديرهم من أركان الإيمان الستة، وملك الموت لا يتصرف إلا بما يأمره الله به، كما قال : (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ) الأنعام/٦١.
فهم موكلون من الله بتقدير حكيم، وليس ذلك عن ثأر ولا عن بغض أو انتقام – تعالى الله عن ذلك -: قال الله : (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ) السجدة/١١.
وقد ذكر أهل العلم أن الاستهزاء بالملائكة أو بأحد منهم كفر، وخروج عن الإسلام واستدلوا بقول الله : (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ. لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ) التوبة/٦٥-٦٦.
قال ابن حزم ﵀:
" وصح بالنص أن كل من استهزأ بالله تعالى، أو بملك من الملائكة، أو بنبي من الأنبياء ﵈، أو بآية من القرآن، أو بفريضة من فرائض الدين، فهي كلها آيات الله تعالى، بعد بلوغ الحجة إليه، فهو كافر " انتهى.
"الفصل في الملل والأهواء والنحل" (٣/١٤٢) .
وقال أيضا:
" كل من سب الله تعالى أو استهزأ به، أو سب ملكا من الملائكة أو استهزأ به، أو سب نبيا من الأنبياء أو استهزأ به، أو سب آية من آيات الله تعالى أو استهزأ بها، والشرائع كلها والقرآن من آيات الله تعالى، فهو بذلك كافر، مرتد، له حكم المرتد " انتهى.
"المحلى" (١١/٤١٣) .
وقال ابن نجيم الحنفي ﵀:
" يكفر بعيبه ملكا من الملائكة أو الاستخفاف به " انتهى.
"البحر الرائق" (٥/١٣١) .
بل ذكر بعض العلماء أنه يكفر مَن تكلم بما فيه مجرد إشعار بالاستهزاء والسخرية.
قال ابن نجيم الحنفي:
"ويكفر بقوله لغيره: " رؤيتي إياك كرؤية ملك الموت " عند البعض، خلافاً للأكثر " انتهى.
والكلمة التي تكلمت بها فيها شيء من الاستهزاء بملك الموت، فعليك التوبة منها والاستغفار، وسؤال الله تعالى العفو والعافية، والعزم على عدم العودة لذلك مرة أخرى، وتجديد إيمانك بالنطق بالشهادتين، وأكثر من الأعمال الصالحة – الصدقة وغيرها – فإن الله تعالى يقبل توبة من تاب إليه.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 8974
إشكال حول حديث الأعمى الذي قتل أمَتَه التي تسب النبي ﷺ
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يمكنك رجاء أن تشرح لي الخلفية والمبرر لما جاء في حديث سنن أبي داود، حيث قُتل العبد الذي أهان الرسول ﷺ ، قتله سيدُه ولم يعاقَب، هل ذلك بسبب أن الدية لا تدفع للأولياء الكفار الذين يؤذون المسلمين؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
القصة المقصودة في السؤال يرويها ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ فيقول:
(أَنَّ أَعْمَى كَانَتْ لَهُ أُمُّ وَلَدٍ تَشْتُمُ النَّبِيَّ ﷺ وَتَقَعُ فِيهِ، فَيَنْهَاهَا فَلَا تَنْتَهِي، وَيَزْجُرُهَا فَلَا تَنْزَجِرُ.
قَالَ: فَلَمَّا كَانَتْ ذَاتَ لَيْلَةٍ جَعَلَتْ تَقَعُ فِي النَّبِيِّ ﷺ وَتَشْتُمُهُ، فَأَخَذَ الْمِغْوَلَ فَوَضَعَهُ فِي بَطْنِهَا، وَاتَّكَأَ عَلَيْهَا فَقَتَلَهَا، فَوَقَعَ بَيْنَ رِجْلَيْهَا طِفْلٌ فَلَطَّخَتْ مَا هُنَاكَ بِالدَّمِ.
فَلَمَّا أَصْبَحَ ذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَجَمَعَ النَّاسَ، فَقَالَ:
أَنْشُدُ اللَّهَ رَجُلًا فَعَلَ مَا فَعَلَ لِي عَلَيْهِ حَقٌّ إِلَّا قَامَ.
فَقَامَ الْأَعْمَى يَتَخَطَّى النَّاسَ وَهُوَ يَتَزَلْزَلُ حَتَّى قَعَدَ بَيْنَ يَدَيْ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَنَا صَاحِبُهَا، كَانَتْ تَشْتُمُكَ وَتَقَعُ فِيكَ، فَأَنْهَاهَا فَلَا تَنْتَهِي وَأَزْجُرُهَا فَلَا تَنْزَجِرُ، وَلِي مِنْهَا ابْنَانِ مِثْلُ اللُّؤْلُؤَتَيْنِ، وَكَانَتْ بِي رَفِيقَةً، فَلَمَّا كَانَ الْبَارِحَةَ جَعَلَتْ تَشْتُمُكَ وَتَقَعُ فِيكَ، فَأَخَذْتُ الْمِغْوَلَ فَوَضَعْتُهُ فِي بَطْنِهَا وَاتَّكَأْتُ عَلَيْهَا حَتَّى قَتَلْتُهَا.
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَلَا اشْهَدُوا أَنَّ دَمَهَا هَدَرٌ)
رواه أبو داود (٤٣٦١) وغيره، وقد سبق في جواب السؤال رقم: (١٠٣٧٣٩) بيان صحة أصل القصة، وأنها جاءت بألفاظ وأحداث مختلفة، تدل بمجموعها على وقوع الحادثة رغم التردد في بعض الجمل والعبارات.
وليس قتل هذه المرأة لأنها ذميّة، بل لأنها سبّت رسول الله ﷺ ، فاستحقت القتل لذلك، ولو كانت مسلمة، كفرت بهذا السب، واستحقت القتل أيضاً.
قال الصنعاني ﵀
" دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يُقْتَلُ مَنْ سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ وَيُهْدَرُ دَمُهُ، فَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا كَانَ سَبُّهُ لَهُ ﷺ رِدَّةً فَيُقْتَلُ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ مِنْ غَيْرِ اسْتِتَابَةٍ "
سبل السلام (٣/٥٠١)
وسبق ان نقلنا جواب شيخ الإسلام عن الإشكال الواقع في القصة من قتل الأعمى لهذه المرأة- التي استحقت القتل- من دون إذن الإمام. انظر جواب السؤال رقم (١٠٣٧٣٩) .
وفي هذه القصة دليل على العدل الذي كان المسلمون يعاملون به أهل الكتاب، والذي جاءت به الشريعة رحمة للعالمين، فحقوق اليهود المعاهدين مصانة محفوظة، ولا يجوز التعرض لهم بشيء من الأذى والضرر، لذلك لما وجد الناس يهودية مقتولة ضجوا ورفعوا أمرها إلى النبي ﷺ الذي أعطاهم العهد والأمان ولم يكن يأخذ منهم الجزية، فغضب وناشد المسلمين بالله تعالى أن يظهر من فعل تلك الفعلة، لينظر في عقابه ويقضي في أمره، ولكن لَمَّا عَلِمَ أنها نقضت العهد مرات ومرات بأذاها لرسول الله ﷺ ووقوعها فيه، حُرمت جميع حقوقها، واستحقت حد القتل الذي توجبه الشريعة على كل من يسب النبي ﷺ ، سواء كان مسلما أو ذميا أو معاهدا، فإن التعرض لمقام الأنبياء كفر بالله العظيم، ونقض لكل حرمة وحق وعهد، وخيانة عظمى توجب أشد العقوبات.
انظر " أحكام أهل الذمة " (٣/١٣٩٨) ، وفي موقعنا جواب السؤال رقم: (٢٢٨٠٩)
هذا هو التوجيه الصحيح، والفهم السليم للقصة، وليس كما ينشره كثير من الحاقدين الطاعنين في حكم الشريعة وشخص النبي ﷺ ، فهو ﷺ لم يختر قتلها بهذه الطريقة، ولكنها لما استحقت القتل حدا لنقضها العهد ووقوعها في النبي ﷺ ، لم يقتص من قاتلها، فقد كانت تُسمعه من شتم النبي ﷺ الشيء الكثير، مرات ومرات، حتى كان ينهاها فلا تنتهي ويزجرها فلا تنزجر، إلى أن طفح الكيل به فلم يصبر حتى أسكت صوتها الذي يؤذيه في دينه ونبيه.
وأما قتل الذمي بغير حقّ، فهو كبيرة من الكبائر، والوعيد فيه شديد، كما ثبت في صحيح البخاري (٣١٦٦) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا) ، وترجم عليه الإمام البخاري في صحيحه: باب إثم من قتل معاهداً بغير جرم.
قال الحافظ ابن حجر ﵀: " كَذَا قَيَّدَهُ فِي التَّرْجَمَة، وَلَيْسَ التَّقْيِيد فِي الْخَبَر، لَكِنَّهُ مُسْتَفَاد مِنْ قَوَاعِد الشَّرْع، وَوَقَعَ مَنْصُوصًا فِي رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة الْآتِي ذِكْرُهَا بِلَفْظِ " بِغَيْرِ حَقّ " وَفِيمَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيث أَبِي بَكْرَة بِلَفْظِ " مَنْ قَتَلَ نَفْسًا مُعَاهَدَة بِغَيْرِ حِلِّهَا حَرَّمَ اللَّه عَلَيْهِ الْجَنَّة " اهـ
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 8975
من ارتد ثم عاد إلى الإسلام هل يعيد الحج ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ما الحكم فيمن ارتد عن الإسلام ثم عاد إليه، هل يعيد ما فاته من أعمال من أركان الإسلام، كالحج والصوم والصلاة، أم تكفي توبته وعودته إلى الإسلام، ويبدأ من جديد؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"الصحيح من قولي العلماء، أن المرتد إذا تاب إلى الله ودخل في الإسلام، مرة أخرى، تائباً منيباً إلى الله ، أنه لا يُعيد الأعمال التي أداها قبل الردة، لأن الله اشترط لحبوط الأعمال بالردة أن يموت الإنسان عليها، قال تعالى: (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) البقرة/٢١٧، فشرط لحبوط الأعمال استمرار الإنسان على الردة إلى أن يموت.
فدلت الآية بمفهومها على أنه لو تاب قبل الوفاة فإن أعماله التي أداها قبل الردة تكون صحيحة، ومجزئة إن شاء الله " انتهى.
"مجموع فتاوى الشيخ صالح الفوزان" (١/٦١) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 8976
هل يترك ابنته لمطلقته المرتدة
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هو الأفضل لي، أن أتخلى عن تربية ابنتي البالغة من العمر عاماً واحداً، والتي لم أنجح حتى الآن في أن أجعل منها طفلة مسلمة. لقد طلقت والدتها لأنها مرتدة عن الدين، وقد بينت (والدتها) معارضتها للمحاولات التي بذلتها لتربية ابنتي على الإسلام أثناء الفترة التي سمحت مطلقتي وسمح نظام المحكمة الكافر في أمريكا لي أثناءها بإبقاء ابنتي معي أسبوعياً، والتي تمتد من يوم إلى ٣ أيام؛ أم أن الأفضل لي أن أترك كل ذلك، كما فعل بعض الإخوة عندما تعرضوا لظروف مشابهة، وأهاجر إلى بلد إسلامية وأطلب العلم هناك، وأترك ابنتي لتواجه مستقبل ضياع غالباً بين يدي نظام كافر لتربية الأطفال؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أنصحك أن تحرص على تربية ابنتك وأن لا تتخلى عنها أبداً، فإنك مسؤول عنها يوم القيامة (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) ، وأمر آخر وهو أن لك مثل أجرها إذا اهتدت وعملت صالحاً بسبب تربيتك، وكيف تترك فلذة كبدك لمن يهديها إلى عذاب السعير، قال تعالى عن الكفار: (أولئك يدعون إلى النار والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه) سورة البقرة، فاحرص على ابنتك، وسيعينك الله تعالى، وييسر أمرك، وفقك الله تعالى.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 8977
حول حديث الأعمى الذي قتل أم ولده لشتمها النبي ﷺ
[السُّؤَالُ]
ـ[ي يتعلق بالحديثين التاليين: (أن أعمى كانت له أم ولد تشتم النبي ﷺ وتقع فيه، فينهاها فلا تنتهي ويزجرها فلا تتزجر، قال فلما كانت ذات ليلة جعلت تقع في النبي ﷺ وتشتمه، فأخذ المغول - سيف قصير - فوضعه في بطنها، واتكأ عليها، فقتلها، فوقع بين رجليها طفل، فلطخت ما هناك بالدم، فلما أصبح ذكر ذلك لرسول الله ﷺ ، فجمع الناس فقال: أنشد الله رجلا فعل ما فعل لي عليه حق إلا قام، فقام الأعمى يتخطى رقاب الناس وهو يتزلزل، حتى قعد بين يدي النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله! أنا صاحبها، كانت تشتمك وتقع فيك، فأنهاها فلا تنتهي، وأزجرها فلا تنزجر، ولي منها ابنان مثل اللؤلؤتين، وكانت بي رفيقة، فلما كانت البارحة جعلت تشتمك وتقع فيك، فأخذت المغول، فوضعته في بطنها، واتكأت عليها حتى قتلتها. فقال النبي ﷺ : ألا اشهدوا أن دمها هدر) [رواه أبو داود، وقال عنه الألباني: صحيح، في كتابه " صحيح سنن أبي داود " الحديث رقم (٤٣٦١) [" أن أعمى كان على عهد رسول الله ﷺ ، وكانت له أم ولد، وكان له منها ابنان، وكانت تكثر الوقيعة برسول الله ﷺ ، وتسبه فيزجرها، فلا تنزجر، وينهاها فلا تنتهي، فلما كان ذات ليلة ذكرت النبي ﷺ ، فوقعت فيه، فلم أصبر أن قمت إلى المغول، فوضعته في بطنها، فاتكأت عليه، فقتلتها، فأصبحت قتيلا، فذكر ذلك للنبي ﷺ ، فجمع الناس، وقال: أنشد الله! رجلا لي عليه حق فعل ما فعل إلا قام. فأقبل الأعمى يتدلدل فقال: يا رسول الله! أنا صاحبها، كانت أم ولدي، وكانت بي لطيفة رفيقة، ولي منها ابنان مثل اللؤلؤتين، ولكنها كانت تكثر الوقيعة فيك وتشتمك، فأنهاها فلا تنتهي، وأزجرها فلا تنزجر. فلما كانت البارحة ذكرتك فوقعت فيك، قمت إلى المغول فوضعته في بطنها، فاتكأت عليها حتى قتلتها. فقال رسول الله: ألا؛ اشهدوا أن دمها هدر) [رواه النسائي، وقال عنه الألباني: إسناده صحيح. في كتابه " صحيح سنن النسائي " الحديث رقم ٤٠٨١] يلاحظ أن رواية أبي داود فيها عبارة غير موجودة في رواية النسائي، وهي: " فوقع بين رجليها طفل فلطخت ما هناك بالدم " أنا أعلم حكم المرتد، وأن المختص بتوقيع حد الردة هو السلطان أو نائبه. إن الذي لفت نظري هي العبارة المشار إليها أعلاه، حيث أنه قد يتبادر إلى الذهن أن حد الردة يطبق أيضا على الجنين. هل هذه العبارة المشار إليها صحيحة وثابتة عن رسول الله ﷺ ؟ وإذا كانت هذه العبارة صحيحة، هل يمكن تفسير ذلك بأن الرجل كان أعمى ولم يكن يعلم أن أمته حامل؟ وإذا كانت هذه العبارة صحيحة، هل يمكن تفسير ذلك بأن الطفل لم يمت كما قال بذلك السيد لا أقصد من سؤالي إثارة الشكوك حول أن الإسلام هو الدين الحق، ولكني أردت الرجوع إلى العلماء حتى يوافوني بالرد الذي أستطيع به الرد على من يطعن بالإسلام. وفقكم الله لما يحب ويرضى.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الكلام على هذه الحادثة المذكورة في السؤال في المسائل الآتية:
أولا: الحكم على الحديث.
الحديث رواه أبو داود (٤٣٦١) ، ومن طريقه الدارقطني (٣ / ١١٢) ومن طرق أخرى أيضا، ورواه النسائي في " المجتبى " (٤٠٧٠) وفي " السنن الكبرى " (٢ / ٣٠٤) ، وابن أبي عاصم في " الديات " (رقم ٢٤٩) والطبراني في " المعجم الكبير " (١١ / ٣٥١) والحاكم في " المستدرك " (٤ / ٣٩٤) والبيهقي في " السنن الكبرى " (٧ / ٦٠) جميعهم من طرق عن عثمان الشحام، عن عكرمة، عن ابن عباس به، على اختلاف في ألفاظ الروايات وتطويل وتقصير.
وهذا سند حسن، رواته ثقات، ولذلك فقد قبل الحديث: أبو داود والنسائي بإخراجهما له وسكوتهما عنه، والإمام أحمد أيضا، فقد قال المجد ابن تيمية: " واحتج به أحمد في رواية ابنه عبد الله " انتهى من " نيل الأوطار " (٧ / ٢٠٨) ، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وصححه الذهبي في " تلخيصه "، وابن حجر في " بلوغ المرام " (٣٦٣) وقال: رواته ثقات، وقال الشيخ الألباني في " إرواء الغليل " (٥ / ٩١) : إسناده صحيح على شرط مسلم. انتهى.
ويشهد له ما جاء عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَلِيٍّ ﵁: (أَنَّ يَهُودِيَّةً كَانَتْ تَشْتُمُ النَّبِيَّ ﷺ وَتَقَعُ فِيهِ، فَخَنَقَهَا رَجُلٌ حَتَّى مَاتَتْ، فَأَبْطَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَمَهَا) .
رواه أبو داود في " السنن " (٤٣٦٢) ، ومن طريقه: البيهقي في " السنن الكبرى " (٧ / ٦٠) ، والضياء المقدسي في " المختارة " (٢ / ١٦٩) .
قال الشيخ الألباني في " إرواء الغليل " (١٢٥١) : إسناده صحيح على شرط الشيخين، لكنه ضعفه في " ضعيف أبي داود " بالانقطاع.
ولعل الأقرب هو الحكم بإرسال الحديث، فقد قال الحافظ ابن حجر في " تهذيب التهذيب " (٥ / ٦٨) : " وقال الدارقطنى فى " العلل ": لم يسمع الشعبي من عليٍّ إلا حرفاً واحداً، ما سمع غيره.
كأنه عنى ما أخرجه البخاري فى " الرجم " عنه عن علي حين رجم المرأة قال: رجمتها بسنَّة النب ﵌ " انتهى كلام ابن حجر.
لكن مراسيل الشعبي مقبولة عند كثير من أهل العلم، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في " الصارم المسلول " (ص ٦٥) : وهذا الحديث جيد؛ فإن الشعبي رأى عليّاً، وروى عنه حديث شراحة الهمدانية، وكان على عهد علي قد ناهز العشرين سنة، وهو كوفي، فقد ثبت لقاؤه، فيكون الحديث متصلا، ثم إن كان فيه إرسال لأن الشعبي يبعد سماعه من علي: فهو حجة وفاقاً؛ لأن الشعبي عندهم صحيح المراسيل، لا يعرفون له مرسلا إلا صحيحا، ثم هو من أعلم الناس بحديث علي، وأعلمهم بثقات أصحابه. انتهى.
وللقصة شاهد آخر يرويه ابن سعد في " الطبقات الكبرى " (٤ / ٢١٠) فيقول:
أخبرنا قبيصة بن عقبة قال: حدثنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن معقل قال: (نزل ابن أم مكتوم على يهودية بالمدينة عمة رجل من الأنصار، فكانت ترفقه وتؤذيه في الله ورسوله، فتناولها فضربها فقتلها، فرفع إلى النبي ﷺ فقال: أما والله يا رسول الله إن كانت لترفقني، ولكنها آذتني في الله ورسوله، فضربتها فقتلتها.
فقال رسول الله ﷺ : أبعدها الله تعالى، فقد أبطلت دمها) .
وهذا السند رواته ثقات.
والحاصل بمجموع هذه الروايات: أن أصل القصة ثابتة في السنة النبوية.
ولكن: هل هي حادثة واحدة أم متعددة؟ .
الذي يبدو أنها حادثة واحدة، وإليه مال شيخ الإسلام ابن تيمية حين قال:
ويدل عليه – أي: على أنها حادثة واحدة -: كلام الإمام أحمد؛ لأنه قيل له في رواية عبد الله: في قتل الذمي إذا سَبَّ أحاديث؟ قال: نعم، منها حديث الأعمى الذي قتل المرأة، قال: سمعها تشتم النبي ﷺ ، ثم روى عنه عبد الله كلا الحديثين.
ويؤيد ذلك: أن وقوع قصتين مثل هذه لِأَعْمَيَيْنِ، كل منهما كانت المرأة تحسن إليه وتكرر الشتم، وكلاهما قتلها وحده، وكلاهما نشد رسولَ الله ﷺ فيها الناسُ: بَعِيدٌ في العادة.
" الصارم المسلول " (ص ٧٢، ٧٣) باختصار.
ويبقى إشكال في الجمع بين الاختلاف الذي جاء في الروايات في طريقة قَتل اليهودية: هل كان خنقاً أم طعناً بالسيف في بطنها؟ .
ذكر ابن تيمية فيه احتمالين: احتمال أن ابن أم مكتوم خنقها ثم طعنها، والاحتمال الثاني وجود الخطأ في إحدى الروايتين.
انظر " الصارم " (ص ٧٢) .
ثانياً:
ليس في الرواية ما يدل على أنه كان في بطن اليهودية جنين، ومَن فهم ذلك مِن السياق فقد أخطأ، وأما قوله في بعض ألفاظ الروايات: (فوقع بين رجليها طفل فلطخت ما هناك بالدم) : فلا يدل على هذا بوجه من الوجوه؛ بل الظاهر أنه طفل من طفليها الذين وصفهما بقوله:
(مثل اللؤلؤتين) ، جاء إلى أمه مشفقا عليها فتلطخ بالدم، والدليل على ذلك أن لفظ رواية الطبراني للحديث فيه: (فَأَصْبَحَ طِفْلَيْهَا بَيْنَ رِجْلَيْهَا مُلَطَّخَيْنِ بِالدَّمِ) – كذا بالياء: " طفليها " -، وأيضا في لفظ رواية البيهقي: (فَوَقَعَ طِفْلَاهَا بَيْنَ رِجْلَيْهَا مُتَضَمِّخَانِ بِالدَّمِ) .
ويدل على ذلك: ما جاء في " سؤالات الآجري أبا داود السجستاني " (ص ٢٠١) :
قال أبو داود: سمعت مصعبا الزبيري يقول: عبد الله بن يزيد الخطمي: ليس له صحبة، قال: وهو الذي قتل الأعمى أمه، وهو الطفل الذي سقط بين رجليها، التي سبَّت النبي ﷺ .
انتهى.
إذاً فليس هناك جنين مقتول، ولا يمكن أن تأتي الشريعة بأخذ الجنين بجريرة أمه، والله يقول: (وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) ، على أن اختلاف ألفاظ الحديث ورواياته، ومجيئها مرسلة أحيانا عن عكرمة، كما رواه أبو عبيد القاسم بن سلام في " الأموال " (رقم ٤١٦) ، ونقد بعض الحفاظ لمرويات عثمان الشحام بوجود المناكير فيها، كما قال يحيى القطان: تعرف وتنكر، ولم يكن عندي بذاك، وقال أبو أحمد الحاكم: لم يكن بالمتين عندهم. وقال الدارقطني: بصري يعتبر به: كل ذلك يوجب الشك والتوقف في بعض التفاصيل المذكورة في القصة، لكنه لا يرقى إلى رد أصل الرواية ونفي قيام الحادثة، فقد جاءت لها شواهد أخرى سبق ذكرها، وقبلها أهل العلم من المتقدمين والمتأخرين.
ثالثاً:
في هذه القصة دليل على العدل الذي كان المسلمون يعاملون به أهل الكتاب، والذي جاءت به الشريعة رحمة للعالمين، فحقوق اليهود المعاهدين مصونة محفوظة، ولا يجوز التعرض لهم بشيء من الأذى والضرر، لذلك لما وجد الناس يهودية مقتولة ضجوا ورفعوا أمرها إلى النبي ﷺ الذي أعطاهم العهد والأمان، ولم يكن يأخذ منهم الجزية، فغضب وناشد المسلمين بالله تعالى أن يظهر من فعل تلك الفعلة، لينظر في عقابه ويقضي في أمره، ولكن لَمَّا عَلِمَ أنها نقضت العهد مرات ومرات، بأذاها لرسول الله ﷺ ووقوعها فيه، حُرِمَت جميعَ حقوقها، واستحقت حد القتل الذي توجبه الشريعة على كل من يسب النبي ﷺ ، سواء كان مسلما أو ذميّاً أو معاهداً، فإن التعرض لمقام الأنبياء كفر بالله العظيم، ونقض لكل حرمة وحق وعهد، وخيانة عظمى توجب أشد العقوبات.
انظر " أحكام أهل الذمة " (٣ / ١٣٩٨) ، وفي موقعنا جواب السؤال رقم: (٢٢٨٠٩) .
وأما أن " المختص بتوقيع حد الردة هو السلطان أو نائبه "، فقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ هذا الإشكال، فقال:
" يبقى أن يقال: الحدود لا يقيمها إلا الإمام أو نائبه؟ "، ثم قال ﵀:
" وجوابه من وجوه:
أحدها: أن السيد له أن يقيم الحد على عبده، بدليل قوله ﷺ : (أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم) [رواه أحمد (٧٣٦) وغيره، وحسنه الأرناؤوط لغيره، ومال الألباني إلى أن هذه الجملة من كلام علي، كما في الإرواء (٢٣٢٥) ] ، وقوله: (إذا زنت أمة أحدكم فليحدها) [رواه أبو داود (٤٤٧٠) وهو في الصحيحين بلفظ: " فليجلدها الحد "] ، ولا أعلم خلافا بين فقهاء الحديث أن له أن يقيم عليه الحد، مثل حد الزنا والقذف والشرب، ولا خلاف بين المسلمين أن له أن يعززه، واختلفوا هل له أن يقيم عليه قتلا أو قطعا، مثل قتله لردته، أو لسبه النبي ﷺ وقطعه للسرقة؟ وفيه عن الإمام أحمد روايتان: إحداهما: يجوز، وهو المنصوص عن الشافعي، والأخرى: لا يجوز، كأحد الوجهين لأصحاب الشافعي، وهو قول مالك، وقد صح عن ابن عمر أنه قطع يد عبد له سرق، وصح عن حفصة أنها قتلت جارية لها اعترفت بالسحر، وكان ذلك برأي ابن عمر؛ فيكون الحديث حجة لمن يجوز للسيد أن يقيم الحد على عبده بعلمه مطلقا ...
الوجه الثاني:: أن ذلك أكثر ما فيه أنه افتئات على الإمام، والإمام له أن يعفو عمن أقام حدا واجبا دونه.
الوجه الثالث: أن هذا، وإن كان حدا، فهو قتل حربي أيضا؛ فصار بمنزلة قتل حربي تحتم قتله، وهذا يجوز قتله لكل أحد ...
الوجه الرابع: أن مثل هذا قد وقع على عهد رسول الله ﷺ ، مثل المنافق الذي قتله عمر بدون إذن النبي ﷺ ، لما لم يرض بحكمه، فنزل القرآن بإقراره، ومثل بنت مروان التي قتلها ذلك الرجل، حتى سماه النبي ﷺ ناصر الله ورسوله؛ وذلك أن من وجب قتله لمعنى يكيد به الدين ويفسده، ليس بمنزلة من قتل لأجل معصيته من زنا ونحوه. " انتهى من الصارم المسلول (٢٨٥-٢٨٦) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 8978
الاستخفاف بالله سبحانه على جهة الهزل
[السُّؤَالُ]
ـ[ي بخصوص صديق لي كان يمزح بجهل، فأثناء ما كان يمزح مع صديق آخر استفزه الأخير، فالتقط الأول سماعة الهاتف وقال بكل جهل: "لابد أن أخبر الله". ثم استمر قائلا في الهاتف: "مرحبا الله" كأنه يتكلم إلى الله، وأنا أعلم أن هذا لا يجوز لكن هل هذا شرك؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
وبعد، فالإيمان بالله تعالى مبني على تعظيمه سبحانه وإجلاله والانقياد له، ولذا عاب الله الكافرين وأخبر أنهم إنما أشركوا به سبحانه غيره لما لم يقدروا الله حق قدره فقال:
(وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) الزمر /٦٧.
فالله جل شأنه هو العظيم الذي تكاد السماوات تتفطر من عظمته كما قال سبحانه:
(تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) الشورى/٥.
ومن تفكر في مخلوقات الله رأى طرفا من آثار عظمته سبحانه، يقول النبي صلى الله وسلم في وصف الكرسي والعرش: (ما السماوات السبع في الكرسي إلا كحلقة بأرض فلاة وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة) صححه الألباني في السلسلة الصحيحة (١/٢٢٣) .
ولا يجتمع في القلب الواحد تعظيم الله مع الاستخفاف به ولذا كان الاستهزاء بالله تعالى أو بآياته ورسله كفر كيفما وقع جدا أو هزلا قال الله تعالى في سورة التوبة:
(يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ * وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ) التوبة ٦٤-٦٦.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " وهذا نص في أن الاستهزاء بالله وبآياته وبرسوله كفر وقد دلت هذه الآية على أن كل من تنقص رسول الله جادا أو هازلا فقد كفر"
الصارم المسلول (٢/٧٠)
وقال القاضي أبو بكر بن العربي في أحكام القرآن عند هذه الآية: " لا يخلو أن يكون ما قالوه ـ أي المنافقين ـ من ذلك جدا أو هزلا، وهو ـ كيفما كان ـ كفر؛ فإن الهزل بالكفر كفر لا خلاف فيه بين الأمة " اهـ.
وقال العلامة السعدي: " إن الاستهزاء بالله ورسوله كفر يخرج عن الدين لأن أصل الدين مبني على تعظيم الله وتعظيم دينه ورسله والاستهزاء بشيء من ذلك مناف لهذا الأصل ومناقض له أشد المناقضة ".
وما قاله هذا الرجل فيه استخفاف بالله سبحانه ـ تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا ـ، وتنزيل لله ـ جل شانه وعز سلطانه ـ منزلة البشر، في الخطاب والكلام، وهذا كفر لا يشك فيه من له أدنى معرفة بدين الله، ولا يقدم عليه إلا جاهل طافح الجهل، أو رجل لا يعرف قلبه لله وقارا!!
ثم زاد كفر الاستهزاء واللعب كفرا وضلالا، قول هذا البائس: (لا بد أن أخبر الله) ؛ فهل يحتاج الله تعالى إلى خبر الجاهل الظلوم؟!!
(إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ) آل عمران/٥.
فعلى هذا المسكين أن يجدد إيمانه، ويدخل في الإسلام من جديد، ويتوب إلى الله تعالى من هذا الكفر الصراح، وليستكثر ـ فيما بقي من عمره ـ من الصالحات والخيرات، ما استطاع إلى ذلك سبيلا، لعل الله تعالى أن يتجاوز عنه، ويغفر له جهله وعدوانه.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 8979
نزلت به مصيبة فارتد عن الإسلام فهل له من توبة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[كنت محافظا على الصلاة كلما تيسر لي ذلك، وكنت من المتفوقين في دراستي مما مكنني من دخول مدرسة الهندسة وكنت من الحامدين لله. وكباقي الشباب كنت طموحا في نيل بيت وزوجة جميلة ومرتب محترم وكنت كثير الدعاء في الليل والنهار. فابتليت في دراستي بفشلي في نيل رتبة تمكنني من المواصلة في دراسة الهندسة فأحسست أنني ظلمت فرحت أقول فلان لا يصلي ويسر له الله ليصبح مهندسا وأنا من أصلي لم أنجح؟ ولم أصبر فقلت في نفسي أقوالا تخرجني من الملة كسب الله والدين وبالضبط سب القدر وانقطعت عن الصلاة مدة قصيرة وأنا كاره أن لا ألبي الأذان فقلبي أصبح معلقا بالصلاة. وبعد أن انزاح الغضب أدركت عظمة ما اقترفت في حق الله وخفت أن أموت والله غاضب عني فبكيت ولم أستطع أن أواصل دراستي لأني دائما مشغول بذنوبي. فرحت أبحث عن فتوى تريحني هل يغفر لي الله ذنبا قال فيه: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) . فاستفتيت في هذا الأمر ففرحت بقول الله: (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ... ) فبحثت ووجدت أن هذه الآية نزلت في قوم لم يكونوا مسلمين وسألوا الرسول هل لهم من توبة؟ أما أنا فمسلم وبالتالي فرحتي سرعان ما تحطمت.
ففقدت الأمل بالمغفرة، فلم أبق محافظا على الصلاة كما كنت وعلى النوافل وصيام الاثنين. وأسئلتي هي كالتالي: هل ورغم توبتي لن أبقى مع أمة محمد لما روى البخاري أن الرسول قال يأخذ الله يوم القيامة أناسا عن يميني فأقول أصحابي.. فيقول الله إنهم ليسوا أصحابك إنهم أناس ارتدوا من بعدك؟ وهل صحيح أني وإن أصدق في توبتي ورغم استعدادي لإقامة الحد عن نفسي وإن أفعل ما أفعل لن يغفر الله لي؟ لأنه لا يغفر أن يشرك به؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
إن كان ما ذكرت من السب للدين والقدر، قد تلفظت به، فلا شك أن ما صدر منك أمر عظيم، وهو ردة عن الإسلام، وقد أسأت بذلك إلى الله العظيم الذي أنعم عليك، وخلقك، وهداك، وهو أرحم بك من كل أحد، ولعله صرفك عن الهندسة، لخير عظيم أراد أن يسوقه إليك، أو شر كبير، أراد أن يصرفه عنك، فكان عليك أن تسلّم وترضى.
وإن كان مجرد حديث في النفس، لم تتلفظ به، ولم يستقر في قلبك، فكان عليك أن تبادر برفضه، واستحضار نعمة الله وفضله عليك.
وفي كل حال، تركك للصلاة ذنب آخر، ومصيبة أخرى، ومعلوم أن تارك الصلاة كسلا، مختلف في كفره بين أهل العلم، والراجح أنه كافر، لدلالة النصوص على ذلك.
ثانيا:
مهما عظم ذنبك فإن حلم الله تعالى أعظم.
ومهما كان ذنبك، ثم تبت منه، فإن الله تعالى يتقبل توبتك، ويعفو عنك، وقد وعد بذلك، وهو أصدق القائلين .
والآية الكريمة التي ذكرتها، وهو قوله سبحانه: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) النساء/٤٨، هي في حق من لقي ولم يتب من الشرك، فالله لا يغفر له، وأما من تاب قبل الغرغرة وقبل طلوع الشمس من مغربها، فإن الله تعالى يتقبل منه، ويبدل سيئاته حسنات، سواء وقع في الكفر والشرك أو في الكبائر أو الصغائر، والمهم أن يتوب توبة صادقة، يندم على ما فات، ويعزم على عدم العود إليه أبدا.
والدليل على ذلك قوله سبحانه: (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) الفرقان/٦٨- ٧٠.
وقال سبحانه: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى) طه/٨٢.
وقال: (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) التوبة/١٠٤.
ولا فرق في ذلك بين من كان كافرا في الأصل ثم هداه الله، وبين من كان مسلما ثم ارتد – عياذا بالله – ثم تاب وأناب، فالتوبة تهدم ما قبلها من الذنوب، والإسلام يهدم ما كان قبله.
وقوله سبحانه: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) الزمر/ ٥٣، عام في كل من أذنب ثم تاب، سواء كان كافرا من الأصل أو كان مسلماً وارتد، بل تشمل كل أصحاب المعاصي.
قال ابن كثير ﵀: " هذه الآية الكريمة دعوة لجميع العصاة من الكفرة وغيرهم إلى التوبة والإنابة، وإخبار بأن الله ﵎ يغفر الذنوب جميعاً لمن تاب منها ورجع عنها وإن كانت مهما كانت، وإن كثرت وكانت مثل زبد البحر، ولا يصح حمل هذه على غير توبةٍ لأن الشرك لا يغفر لمن لم يتب منه " انتهى من "تفسير كثير" (٤/٧٥) .
وأما الذين يزادون عن الحوض، ويقال فيهم: (إنهم أحدثوا بعدك) فهذا في حق من لم يتب، بل لقي الله تعالى محدِثا مرتدا.
فإذا كنت قد تبت إلى الله تعالى، فأبشر، واحمد الله تعالى أن مدّ في عمرك حتى رجعت إلى الإسلام، وأكثر من الصالحات، واجتهد في الطاعات، ليكون حالك بعد التوبة أفضل من حالك قبلها، واحذر من التهاون في الصلاة أو تأخيرها عن أوقاتها، فإن الصلاة شأنها عظيم، وهي صلة بين العبد وربه، وباب إلى السعادة والراحة وانشراح الصدر، نسأل الله أن يتقبل منك، وأن يتجاوز عن ذنبك.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 8980
كيف يعود المرتد إلى الإسلام ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[إذا ارتد شخص عن الإسلام ثم قرر العودة إلى الإسلام مؤخراً. فما هي الطريقة التي يجب عليه اتباعها للعودة إلى الإسلام؟ وهل هناك مدة محددة يمكن خلالها العودة للإسلام؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إذا ارتد شخص عن الإسلام ثم قرر العودة إليه، فالطريقة التي يجب عليه اتباعها أن يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، وإن كانت الردة بسبب جحد أمرٍ من الدين بالضرورة، فلا يتم رجوعه إلا بالإقرار بما جحده، وليست هناك مده يمكن خلالها العودة إلى الإسلام فتقبل توبته وعودته ما لم يغرغر وتخرج روحه، فإذا وُفِّق للرجوع إلى الإسلام في وقت الإمكان وأدى ما أمكنه من شرائعه فهو مسلم.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ: عبد الكريم الخضير.
стр. 8981
أسلم ثم خرج من الإسلام
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم الشرع في الرجل المسلم الذي ينتقل إلى دين آخر فيما بعد؟ أرجو أن تزودني بالإجابة لأنني أريدها للضرورة.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الردة هي الكفر بعد الإسلام، وليس شيء من السيئات يُحبط جميع الأعمال إلا هي، فإن مات على ردته: حبط عمله، فإن رجع إلى الإسلام: رجع ثواب عمله ولا يجب عليه قضاء ما تركه حال الردة من صلاة أو صوم.
قال شيخ الإسلام:
وأما الردة عن الإسلام بأن يصير الرجل كافراً مشركاً أو كتابيّاً: فإنه إذا مات على ذلك حبط عمله باتفاق العلماء كما نطق بذلك القرآن في غير موضع كقوله: ﴿ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة﴾ ، وقوله: ﴿ومن يكفر بالإيمان فقط حبط عمله﴾ ، وقوله: ﴿ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون﴾ ، وقوله: ﴿لئن أشركتَ ليحبطن عملك﴾ .
" مجموع الفتاوى " (٤ / ٢٥٧، ٢٥٨) .
وأما حكم الشرع في المرتد فإنه إذا لم يرجع إلى الإسلام وجب قتله.
عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : " لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة ".
رواه البخاري (٦٤٨٤) ومسلم (١٦٧٦) .
وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : (من بدل دينه فاقتلوه) .
رواه البخاري (٦٩٢٢)
ثم إذا قُتل فإنه يموت كافراً فلا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين، ويوم القيامة يكون من أصحاب النار الذي هم فيها خالدون.
وقد لفظت الأرض مرتدّاً في زمان النبي ﷺ ، عبرةً وعظة للناظرين.
عن أنس ﵁ قال: كان رجلٌ نصرانيّاً فأسلم وقرأ البقرة وآل عمران فكان يكتب للنبي ﷺ فعاد نصرانيّاً فكان يقول: ما يدري محمَّدٌ إلا ما كتبتُ له، فأماته الله، فدفنوه، فأصبح وقد لفظتْه الأرض، فقالوا: هذا فعل محمَّدٍ وأصحابه لما هرب منهم نبشوا عن صاحبنا، فألقوه فحفروا له فأعمَقوا، فأصبح وقد لفظتْه الأرض، فقالوا: هذا فعل محمَّد وأصحابه نبشوا عن صاحبنا لما هرب منهم فألقوه فحفروا له وأعمقوا له في الأرض ما استطاعوا فأصبح وقد لفظتْه الأرض فعلموا أنه ليس من الناس فألقوه.
رواه البخاري (٣٤٢١) ومسلم (٢٧٨١) وفي آخره – عنده – " فتركوه منبوذاً " -.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 8982
حكم من سب النبي ﷺ
[السُّؤَالُ]
ـ[سمعت في أحد الأشرطة أن من سب النبي ﷺ يقتل وإن أظهر التوبة. فهل يقتل حدا أم كفرا؟ وإن كانت توبته نصوحا فهل يغفر الله له أم أنه في النار وليس له من توبة؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الجواب على هذا السؤال يكون من خلال المسألتين الآتيتين:
المسألة الأولى: حكم من سب النبي ﷺ .
أجمع العلماء على أن من سب النبي ﷺ من المسلمين فهو كافر مرتد يجب قتله.
وهذا الإجماع قد حكاه غير واحد من أهل العلم كالإمام إسحاق بن راهويه وابن المنذر والقاضي عياض والخطابي وغيرهم. الصارم المسلول ٢/١٣-١٦.
وقد دل على هذا الحكم الكتاب والسنة:
أما الكتاب؛ فقول الله تعالى: (يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ (٦٤) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) التوبة / ٦٦.
فهذه الآية نص في أن الاستهزاء بالله وبآياته وبرسوله كفر، فالسب بطريق الأولى، وقد دلت الآية أيضاً على أن من تنقص رسول الله ﷺ فقد كفر، جاداً أو هازلاً.
وأما السنة؛ فروى أبو داود (٤٣٦٢) عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّ يَهُودِيَّةً كَانَتْ تَشْتُمُ النَّبِيَّ ﷺ وَتَقَعُ فِيهِ، فَخَنَقَهَا رَجُلٌ حَتَّى مَاتَتْ، فَأَبْطَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَمَهَا.
قال شيخ الإسلام في الصارم المسلول (٢/١٢٦) : وهذا الحديث جيد، وله شاهد من حديث ابن عباس وسيأتي اهـ
وهذا الحديث نص في جواز قتلها لأجل شتم النبي ﷺ .
وروى أبو داود (٤٣٦١) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَجُلاً أَعْمَى كَانَتْ لَهُ أُمُّ وَلَدٍ تَشْتُمُ النَّبِيَّ ﷺ ، وَتَقَعُ فِيهِ، فَيَنْهَاهَا فَلَا تَنْتَهِي، وَيَزْجُرُهَا فَلَا تَنْزَجِرُ، فَلَمَّا كَانَتْ ذَاتَ لَيْلَةٍ جَعَلَتْ تَقَعُ فِي النَّبِيِّ ﷺ وَتَشْتُمُهُ، فَأَخَذَ الْمِغْوَلَ [سيف قصير] فَوَضَعَهُ فِي بَطْنِهَا وَاتَّكَأَ عَلَيْهَا فَقَتَلَهَا. فَلَمَّا أَصْبَحَ ذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجَمَعَ النَّاسَ فَقَالَ: أَنْشُدُ اللَّهَ رَجُلًا فَعَلَ مَا فَعَلَ لِي عَلَيْهِ حَقٌّ إِلَّا قَامَ. فَقَامَ الْأَعْمَى فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَا صَاحِبُهَا، كَانَتْ تَشْتُمُكَ وَتَقَعُ فِيكَ فَأَنْهَاهَا فَلَا تَنْتَهِي، وَأَزْجُرُهَا فَلَا تَنْزَجِرُ، وَلِي مِنْهَا ابْنَانِ مِثْلُ اللُّؤْلُؤَتَيْنِ، وَكَانَتْ بِي رَفِيقَةً، فَلَمَّا كَانَ الْبَارِحَةَ جَعَلَتْ تَشْتُمُكَ وَتَقَعُ فِيكَ، فَأَخَذْتُ الْمِغْوَلَ فَوَضَعْتُهُ فِي بَطْنِهَا وَاتَّكَأْتُ عَلَيْهَا حَتَّى قَتَلْتُهَا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (أَلا اشْهَدُوا أَنَّ دَمَهَا هَدَرٌ) . صححه الألباني في صحيح أبي داود (٣٦٥٥) .
والظاهر من هذه المرأة أنها كانت كافرة ولم تكن مسلمة، فإن المسلمة لا يمكن أن تقدم على هذا الأمر الشنيع. ولأنها لو كانت مسلمة لكانت مرتدةً بذلك، وحينئذٍ لا يجوز لسيدها أن يمسكها ويكتفي بمجرد نهيها عن ذلك.
وروى النسائي (٤٠٧١) عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ: أَغْلَظَ رَجُلٌ لِأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، فَقُلْتُ: أَقْتُلُهُ؟ فَانْتَهَرَنِي، وَقَالَ: لَيْسَ هَذَا لِأَحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . صحيح النسائي (٣٧٩٥) .
فعُلِم من هذا أن النبي ﷺ كان له أن يقتل من سبه ومن أغلظ له، وهو بعمومه يشمل المسلم والكافر.
المسألة الثانية: إذا تاب من سب النبي ﷺ فهل تقبل توبته أم لا؟
اتفق العلماء على أنه إذا تاب توبة نصوحا، وندم على ما فعل، أن هذه التوبة تنفعه يوم القيامة، فيغفر الله تعالى له.
واختلفوا في قبول توبته في الدنيا، وسقوط القتل عنه.
فذهب مالك وأحمد إلى أنها لا تقبل، فيقتل ولو تاب.
واستدلوا على ذلك بالسنة والنظر الصحيح:
أما السنة فروى أبو داود (٢٦٨٣) عَنْ سَعْدٍ بن أبي وقاص قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ أَمَّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ إِلَّا أَرْبَعَةَ نَفَرٍ وَامْرَأَتَيْنِ وَسَمَّاهُمْ وَابْنُ أَبِي سَرْحٍ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ قَالَ: وَأَمَّا ابْنُ أَبِي سَرْحٍ فَإِنَّهُ اخْتَبَأَ عِنْدَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، فَلَمَّا دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ إِلَى الْبَيْعَةِ جَاءَ بِهِ حَتَّى أَوْقَفَهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، بَايِعْ عَبْدَ اللَّهِ. فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَنَظَرَ إِلَيْهِ ثَلاثًا كُلُّ ذَلِكَ يَأْبَى، فَبَايَعَهُ بَعْدَ ثَلاثٍ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: أَمَا كَانَ فِيكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ يَقُومُ إِلَى هَذَا حَيْثُ رَآنِي كَفَفْتُ يَدِي عَنْ بَيْعَتِهِ فَيَقْتُلُهُ؟ فَقَالُوا: مَا نَدْرِي يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا فِي نَفْسِكَ، أَلا أَوْمَأْتَ إِلَيْنَا بِعَيْنِكَ؟ قَالَ: إِنَّهُ لا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ تَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ الأَعْيُنِ. صححه الألباني في صحيح أبي داود (٢٣٣٤) .
وهذا نص في أن مثل هذا المرتد الطاعن لا يجب قبول توبته، بل يجوز قتله وإن جاء تائبا.
وكان عبد الله بن سعد من كتبة الوحي فارتد وزعم أنه يزيد في الوحي ما يشاء، وهذا كذب وافتراء على النبي ﷺ ، وهو من أنواع السب. ثم أسلم وحسن إسلامه، فرضي الله عنه. الصارم ١١٥.
وأما النظر الصحيح:
فقالوا: إن سب النبي ﷺ يتعلق به حقان؛ حق لله، وحق لآدمي. فأما حق الله فظاهر، وهو القدح في رسالته وكتابه ودينه. وأما حق الآدمي فظاهر أيضا فإنه أدخل المَعَرَّة على النبي ﷺ بهذا السب، وأناله بذلك غضاضة وعاراً. والعقوبة إذا تعلق بها حق الله وحق الآدمي لم تسقط بالتوبة، كعقوبة قاطع الطريق، فإنه إذا قَتَل تحتم قتله وصلبه، ثم لو تاب قبل القدرة عليه سقط حق الله من تحتم القتل والصلب، ولم يسقط حق الآدمي من القصاص، فكذلك هنا، إذا تاب الساب فقد سقط بتوبته حق الله تعالى، وبقي حق الرسول ﷺ لا يسقط بالتوبة.
فإن قيل: ألا يمكن أن نعفو عنه، لأن النبي ﷺ قد عفا في حياته عن كثير ممن سبوه ولم يقتلهم؟
فالجواب:
كان النبي ﷺ تارة يختار العفو عمن سبه، وربما أمر بقتله إذا رأى المصلحة في ذلك، والآن قد تَعَذَّر عفوُه بموته، فبقي قتل الساب حقاًّ محضاً لله ولرسوله وللمؤمنين لم يعف عنه مستحقه، فيجب إقامته. الصارم المسلول ٢/٤٣٨.
وخلاصة القول:
أن سب النبي ﷺ من أعظم المحرمات، وهو كفر وردة عن الإسلام بإجماع العلماء، سواء فعل ذلك جاداًّ أم هازلاً. وأن فاعله يقتل ولو تاب، مسلما كان أم كافراً. ثم إن كان قد تاب توبة نصوحاً، وندم على ما فعل، فإن هذه التوبة تنفعه يوم القيامة، فيغفر الله له.
ولشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، كتاب نفيس في هذه المسألة وهو (الصارم المسلول على شاتم الرسول) ينبغي لكل مؤمن قراءته، لاسيما في هذه الأزمان التي تجرأ فيها كثير من المنافقين والملحدين على سب الرسول ﷺ ، لما رأوا تهاون المسلمين، وقلة غيرتهم على دينهم ونبيهم، وعدم تطبيق العقوبة الشرعية التي تردع هؤلاء وأمثالهم عن ارتكاب هذا الكفر الصراح.
نسأل الله تعالى أن يعز أهل طاعته، ويذل أهل معصيته.
والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 8983
التعامل مع الأم المطلّقة التي تحنّ إلى دين الكفر
[السُّؤَالُ]
ـ[أرجو مساعدتي في مشكلتي فوالدي مطلقان حديثاً وأصبحت أمي تعيش وحدها بعيداً عن أبنائها وهي ترفض العيش معهم ثم أعلنت قريباً أنه حين تموت لا بد أن تحرق جثتها وهي تعود إلى ديانتها الأولى (الهندوسية) ثم تعود إلى الإسلام وهكذا دواليك وباعتباري أكبر الأبناء فإنني بجانبها دائماً ولا أدري ماذا أفعل؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
يبدو أن والدتك محتاجة إلى عطف وعناية وفي الوقت نفسه دبّ إليها شيء من الحنين إلى الماضي متمثّلا في ديانتها المنحرفة، فأما الأمر الأول فأهميته نابعة من فقدانها مكانتها بالطلاق الذي حصل، فعليك أنت وإخوانك بمحاولة تعويضها بعض ما فقدت لتخفّ عليها مصيبتها وتنسى مرارة الإنكسار الذي حصل بالطلاق، وسيكون عليك العبء الأكبر في هذا لأنّك أقرب أولادها إليها كما ذكرت، وتتواصى مع بقيّة إخوانك وأخواتك في القيام بواجب العناية والرعاية والعطف وذلك بالكلمة الطيّبة والمواساة الرقيقة وخدمتها والقيام بشؤونها والإنفاق عليها والاستمرار في الزيارة والصلة حتى تستقر حالتها النّفسية ويهدأ بالها ويطيب خاطرها.
وأما بالنسبة للأمر الثاني وهو الحنين إلى ديانتها الأولى المنحرفة فعليكم مواجهته بالقيام بموعظتها وبذل الجهد في تبيان خطر الردّة في العودة إلى الكفر: ذكّروها بحديث النبي ﷺ : " ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلاوَةَ الْإِيمَانِ مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّهِ وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ. " رواه البخاري ومسلم وهذا لفظ مسلم في صحيحه رقم٤٦٠
وخوّفوها بقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (٢٥) سورة محمد، وبيّنوا لها مصير المرتدّ الوارد في قوله سبحانه: (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧) سورة البقرة.
وإذا بذلتم جهدكم فلستم بملومين بعد ذلك إذا حصل ما تكرهون، ولكن يجب عليكم بكل حال عدم تنفيذ أي رغبة أو وصية بحرق الجثمان بعد الموت لأنّه أمر منكر لا تقرّه شريعة الإسلام (يُنظر السؤال ٦٧٥) ، ونسأل الله الهداية والثبات على الإسلام وحسن الخاتمة لأمكم ولجميع المسلمين وصلى الله على نبينا محمد.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 8984
ارتدت زوجته عن الإسلام
[السُّؤَالُ]
ـ[لقد تقدم إليَّ أحد الأخوة سائلا: "ماذا يفعل إذا أخبرته زوجته بأنها لا ترغب أن تكون مسلمة بعد الآن. إنها تؤمن بوجود رب , لكنها لا تريد أن تكون مسلمة. وقد قالت بأنها لا تهتم إذا كان ذلك يؤدي بها إلى النار. لقد توقفت عن تأدية الصلاة، وخلعت الغطاء عنها وعن بنتها (وهذه البنت ليست بنتا لهذا الأخ السائل) ، وقالت بأنهما لا يتبعان الإسلام بعد الآن." وقد قالت أيضا بأنها تريد أن تنتقل. فضيلة الشيخ, نحن نريد أن نعرف كيف نتصرف بسرعة. إذا كانت هذه المرأة قد ارتدّت , فهل يؤثر ذلك في زواج ذلك الأخ بها؟ وهل زواجهما ساري المفعول؟ وهل تدخل في حكم المعتدة؟ وهل يجوز للأخ أن يخلو بها؟ وهل يبقى معها في البيت نفسه (لقد طلبت منه مغادرة البيت, وقد أدخلت بعض التماثيل وغيرها من الأمور المحرمة إلى البيت) ؟ إن ذلك قد يؤدي إلى حصول فتنة, ويضعف من إيمان الأخ بسبب انفعالاته.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا شك أنها والحالة هذه قد اختارت الكفر على الإيمان، ولا تريد البقاء على الإسلام، وتطعن في الإسلام وفي شعائره، وتخالف تعاليمه فتكون والحال هذه كافرة مرتدة لا يجوز له أن يُمسكها في ذمته لقوله تعالى: (ولا تمسكوا بعصم الكوافر) أي إذا كان له زوجة كافرة فلا يجوز أن يمسك بعصمتها فعليه أن يناصحها ويقيم عليها الحجة ثم يفارقها، وإذا كان في مكان فيه سلطة إسلامية وقضاء شرعي أن يرفع أمرها إلى القاضي الشرعي ليستتيبها فإن لم تتب نُفذ فيها حكم الله وهو القتل لقوله ﵊: " من بدّل دينه فاقتلوه ".
أما إذا لم يستطع ذلك ولم يوجد في بلده حكم إسلامي ولا قضاء شرعي فلا أقل من أن يفارقها فراقا كاملا، ولا يجوز له معاشرتها بعد تصريحها بالكفر.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ عبد الله بن جبرين
стр. 8985
ارتد عن الإسلام ثلاث مرات
[السُّؤَالُ]
ـ[لقد تركت الإسلام وعدت ثلاث مرات وأشعر أن هذا بسبب المعتقدات التي أشربتها فكيف أرسخ إيماني والتقوى في قلبي؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
فقد قال الله تعالى: (إن الدين عند الله الإسلام) ، وقال تعالى: (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) . وحقيقة الإسلام هي الاستسلام لله وحده بعبادته وحده لا شريك له وطاعته، وطاعة رسوله ﷺ ، وأصل دين الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فيجب على كل مسلم أن يدين بالإسلام، فيخلص العبادة لله، ويتبع النبي ﵊، فمن استقام على ذلك حتى يموت كان من أهل الجنة، ومن لم يدخل في الإسلام حتى مات كان من أهل النار، ومن دخل فيه ثم رجع عنه وتركه كان مرتدا كافرا، فإن مات على كفره كان من أهل النار، وإن تاب ورجع إلى الإسلام واستقام على ذلك حتى الممات لم تضره ردته، وكان من أهل الجنة، ولو وقعت منه الردة أكثر من مرة. ولكن يُخشى على من تكررت منه الردة عن الإسلام عدة مرات أن لا يوفق إلى التوبة (وقد قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنْ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلا (١٣٧)) . فبادر أيها الأخ السائل بالتوبة النصوح واستقم على الإسلام وحافظ على فرائضه التي فرضها الله على عباده، وأعظم ذلك الصلوات الخمس، واجتنب المعاصي، وسل ربك الثبات على دينه وإذا عرض لك فتور فاستعن بالله، واستعذ بالله من الشيطان، وإذا عرض لك في نفسك وسواس يشكك في الإسلام أو في بعض أصوله فأعرض عنه، واستعذ بالله من الشيطان، وقل آمنت بالله ورسوله. وعليك بتلاوة القرآن، وقراءة الكتب التي تحبب إليك الإسلام، وترغبك في طاعة الله، مثل كتاب (رياض الصالحين للإمام النووي) و (تفسير العلامة عبد الرحمن السعدي، تيسير كلام الرحمن في تفسير كلام المنان) . واحذر من الكتب التي تشكك في الإسلام، وتزين لك المعاصي، واحذر من قرناء السوء فإنهم من شياطين الإنس، وعليك بالأصحاب الذين يعينونك على الاستقامة، واحذر من الجدال في أمور الدين فإنه يسبب القلق، والحيرة وجاهد نفسك في طاعة الله فإنه يهدي المجاهدين إلى طريق الرشاد، قال تعالى: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين) .
[الْمَصْدَرُ]
فضيلة الشيخ عبد الرحمن البراك.
стр. 8986
أعلن ردّته فراراً من الكفارة ثم تاب وندم !!
[السُّؤَالُ]
ـ[سأبدأ بطرح سؤالي مباشرة , والذي يؤرقني منذ مدة. عندما كنت في الخامسة عشر من عمري وفي إحدى ساعات نهار شهر رمضان المبارك استمنيت. وبعدها تداركت نفسي وصرت أبحث عن حكم الذنب الذي اقترفته , اعتقدت أن علي كفارة جماع , ولأني لا أستطيع لها جهدا فقلت لنفسي سأصبح كافرا, والعياذ بالله, ثم اسلم من جديد وبهذا سيغفر الله لي وتسقط عني الكفارة. وفعلا وكالمخبول قلت أنا الآن كافر وسأسلم غدا. والآن عمري ثلاثين سنة ولازلت أفكر في تلك الحادثة , وكلما أتذكرها أستغفر الله وأشهد أن لا إله إلا هو وأن محمدا عبده ورسوله. طوال عمري أصوم وصلي وإلى الآن والحمد لله. ولكن هل يجب إقامة الحد علي , وهو القتل, حتى يقبل الله توبتي؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
لم يزل الشيطان يزيِّن للإنسان الباطل ويستدرجه من حيث لا يشعر حتى يوقعه في أقبح القبائح وأكبر الكبائر (الشرك بالله) وهو يظن أنه بذلك يحسن إلى نفسه، وكيف يفر إنسان من صيام شهرين متتابعين إلى الكفر بالله العظيم الذي حرم الله تعالى الجنة على من لقيه به!!
إن مثل من يفعل ذلك كمثل المستجير من الرمضاء بالنار، فَرَّ من شيء فوقع فيما هو أقبح منه وأشد.
هذا، مع أن هذه الحيلة لا تنفعه في إسقاط ما وجب عليه، لأنه حيلة محرمة، بل هي أعظم المحرمات على الإطلاق، والقاعدة عند العلماء: (أن الحيلة لا تسقط واجباً ولا تبيح محرّماً)
وهل يضمن الإنسان أنه إذا أقدم على هذا الذنب العظيم أن الله سيهمله حتى يتوب ويرجع، أفلا يمكن أن تكون آخر لحظات حياته هي تلك التي أعلن فيها كفره والعياذ بالله. فيكون ممن حبطت أعماله في الدنيا والآخرة، وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون.
أفلا يخشى أن يعاقبه الله تعالى على هذه الفعلة الشنيعة فيحول بينه وبين التوبة والرجوع إلى الإسلام (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) الصف/٥.
والحاصل " أن الذي أقدمت عليه أمر عظيم تقشعرّ منه جلود الذين آمنوا، والحمد لله الذي وفقك للتوبة، ونرجو أن يكون الله تعالى قد قبِل توبتك وغفر لك ذنبك.
ومن تمام توبتك الإكثار من الأعمال الصالحة من ذكر الله تعالى وقراءة القرآن والاستغفار وتعلُّم العلم وتعليمه والصدقة. والدعوة إلى الله.. إلخ وأبواب الطاعات كثيرة، فاجتهد فيها يغفر الله لك. قال الله تعالى: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى) طه/٨٢.
ثانياً:
عقوبة المرتد عن الإسلام هي القتل، لقول النبي ﷺ : (مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ) رواه البخاري (٣٠١٧)
وجمهور العلماء (منهم الحنفية والشافعية والحنابلة) على أن هذه العقوبة تسقط عمن تاب ورجع إلى الإسلام، وهو الموافق لحالتك.
وانظر: " المغني" (٩/١٨) ، و "شرح مسلم للنووي" (١٢/٢٠٨)
ثالثاً:
وأما حكم الاستمناء في نهار رمضان فهو مفسد للصيام والواجب عليك هو قضاء هذا اليوم فقط، وليس كفارة الجماع، وقد سبق في جواب السؤال (٥٠٦٣٢) أن الكفارة في إفساد الصيام لا تجب إلا بالجماع.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 8987
هل يجوز له قتل السحرة دون إذن ولي الأمر ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ينتشر في بلادنا السحرة، ويؤذون الناس ويضرونهم، فهل يجوز قتلهم حتى نريح الناس من شرهم؟
مع العلم أن حكومتنا ترخص لهم في العمل وتأخذ منهم الضرائب.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
إذا ثبت أن هذا الشخص يعمل بالسحر فالواجب قتله؛ دفعاً لضرره وشره عن الناس، وقد سبق بيان ذلك في جواب السؤال (١٣٩٤١) .
والواجب على من ولاه الله أمر العباد أن يحكم فيهم بما أنزل الله، قال تعالى: (وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ) المائدة /٤٩، وقال: (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) المائدة/٤٤، وفي آية أخرى قال: (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) المائدة /٤٥، وفي آية ثالثة: (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) المائدة /٤٧.
ولا يجوز أبدا إسقاط العقوبة الشرعية وإلغاؤها، وأقبح من ذلك وأشنع إقرار هذا العمل المحرم والترخيص للساحر أن يعمل بسحره مقابل دفعه الضرائب!! .
فهذا تضييع وخيانة للأمانة التي سيسأل عنها الحاكم يوم القيامة، يوم يعض على يديه ندماً، ولكن بعد فوات الأوان، قال تعالى: (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً يَا وَيْلَتِي لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنْ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولاً) الفرقان /٢٧-٢٩
ثانياً:
إذا كان الحاكم لا يفعل ما وجب عليه من إقامة العقوبات الشرعية، فليس لأحد من عامة المسلمين أن يفعل ذلك؛ لأن العقوبة تحتاج أولاً إلى إثبات أن هذا الشخص يستحق هذه العقوبة، ثم تحتاج ثانياً إلى قوة لتنفيذها.
ولو فتح الباب للناس في إقامة العقوبات الشرعية لعَمَّت الفوضى في المجتمع، ولم يأمن أحد على نفسه وماله.
قال علماء اللجنة الدائمة:
والذي يتولى إثبات السحر وتلك العقوبة: هو الحاكم المتولي شؤون المسلمين؛ درءاً للمفسدة؛ وسداً لباب الفوضى.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (١ / ٥٥٢) .
وقد نقلنا في جواب السؤال رقم (١٣٩٤١) عن الشيخ سليمان العلوان قوله:
وحين يثبت وصف السحر على شخص ما: فإنه يقتل وجوباً، فقد ثبت ذلك عن جماعة من الصحابة، ولكن ليس لآحاد الناس إقامة الحدود دون أمر السلطان أو من يقوم مقامه؛ لأنه يترتب على إقامة الحدود دون ولاة الأمور فساد وزعزعة للأمن وذهاب هيبة السلطان. انتهى.
وقد ذكرنا مسألة اشتراط السلطان في إقامة الحدود في جواب السؤال رقم (٨٩٨٠) ونقلنا هناك اتفاق العلماء على ذلك.
وعليك تحذير الناس من هذا الساحر، ومن الذهاب إليه، وبيان أن هذا الفعل قد يصل بصاحبه إلى الكفر والخروج من الإسلام.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 8988
الحكم في من سب دين رجل مسلم
[السُّؤَالُ]
ـ[هل تجب الكفارة على من سب مسلما.كالقول لمسلم: لعن دين أمك؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
سب الدين أو الملة أو الإسلام كفر أكبر، بإجماع أهل العلم، يُستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قتل، عياذا بالله من ذلك. وانظر السؤال رقم (٤٢٥٠٥) ، (٦٥٥٥١)
وأما سب دينِ شخصٍ مسلمٍ معين، كقوله: يلعن دينك، أو دين أمك – والحال أن أمّه مسلمة - فظاهره سب الدين أيضا، وهو كفر كما سبق، وأبدى بعض أهل العلم احتمالا، وهو أن يكون مراده حالة الشخص وتدينه، وهذا قد يؤخذ من القرائن المحيطة، فحينئذ يعزر ويؤدب، وبكل حال فإنه يستتاب ويراجع.
جاء في "الموسوعة الفقهية" (٢٤/١٣٩) : " اتفق الفقهاء على أن من سب ملة الإسلام أو دين المسلمين يكون كافرا , أما من شتم دين مسلم، فقد قال الحنفية كما جاء في جامع الفصولين: ينبغي أن يكفر من شتم دين مسلم , ولكن يمكن التأويل بأن المراد أخلاقه الرديئة ومعاملته القبيحة لا حقيقة دين الإسلام فينبغي أن لا يكفر حينئذ " انتهى.
وقال الشيخ عليش المالكي: " وفيه أيضا [أي البرزلي] نزلت مسألة وهي أن رجلا كان يزدري الصلاة وربما ازدرى المصلين وشهد عليه ملأ كثير من الناس منهم من زكي ومنهم من لم يزك، فمن حمله على الازدراء بالمصلين لقلة اعتقاده فيهم فهو من سباب المسلم فيلزمه الأدب على قدر اجتهاد الحاكم، ومن يحمله على ازدراء العبادة فالأصوب أنه ردة لإظهاره إياه وشهرته به كهذه المسألة المذكورة، لا زندقة ويجرى على أحكام المرتد اهـ.
قلت: يؤخذ من هذا الحكم فيمن سب الدين أو الملة أو المذهب وهو يقع كثيرا من بعض سفلة العوام كالحمّارة والجمّالة والخدامين وربما وقع من غيرهم وذلك أنه إن قصد الشريعة المطهرة والأحكام التي شرعها الله تعالى لعباده على لسان نبيه ﷺ فهو كافر قطعا، ثم إن أظهر ذلك فهو مرتد يستتاب فإن تاب وإلا قتل، وإن لم يظهره فهو زنديق يقتل ولو تاب.
وإن قصد حالة شخص وتديّنه فهو سب المسلم ففيه الأدب باجتهاد الحاكم، ويفرق بين القصدين بالإقرار والقرائن، وبعضهم يجعل القصد الثاني كالأول في الحكم، ففي البدر عن بهرام في مبحث الردة: إذا قال تارك الصلاة لمن قال له صل: إذا دخلت الجنة فأغلق الباب خلفك، فإن أراد أن الصلاة لا تأثير لها في الدين فقد ارتد اتفاقا، وإن أراد أن صلاة القائل لا تأثير لها لكونها لم تنهه عن الفحشاء والمنكر ففي ردته قولان اهـ. ومن المعلوم أن من الدين والملة القرآن العزيز، وسبه كفر كما ذكره البرزلي في مواضع " انتهى من "فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك" (٢/٣٤٦) .
والاحتمال الذي ذكره، ربما وقع نادرا، وإلا فالأصل أن لعن دين الشخص هو لعن للإسلام، ولا يقدم على هذا إلا متهور مجترئ على حدود الله، مقتحم لهذه المهلكة العظيمة، ولندرة هذا الاحتمال فإن الشيخ عليش ﵀ لم يذكره في موضع آخر، حيث سئل ما نصه: " (ما قولكم) في رجل لعن دين آخر، وفي آخر لعن مذهبه، وفي آخر قال له: يلعن مذهبك مذهب القطط، هل يرتدون أفيدوا الجواب.
فأجبت بما نصه: الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله، نعم قد ارتدوا بذلك، واستحقوا القتل إن لم يتوبوا اتفاقا؛ لأن سب الدين أو المذهب لا يقع إلا من كافر، ولأنه أشد من الاستخفاف به الموجب للكفر، ولأنه داخل في القسم الثاني المتقدم عن ابن عبد السلام والقرافي وابن رشد وغيرهم، والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم ". انتهى من "فتح العلي المالك" (٢/٣٥٥) .
ثانيا:
كفارة السب، سواء كان سبا للدين أو للشخص، هي التوبة النصوح، فمن تاب تاب الله عليه، إلا أن الساب يستحق التعزير والتأديب. سئل النووي ﵀: " ماذا يجب على من يقول للمسلم: يا كلب، أو يا خنزير، ونحوه من الألفاظ القبيحة هل يأثم؟.
فأجاب: الحمد لله، يأثم ويعزر، وعليه التوبة. والله أعلم ". انتهى من "فتاوى النووي" ص ٢٢٤
وانظر السؤال رقم (٤٢٥٠٥) ففيه تفصيل الكلام في توبة من سب الدين.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 8989
بعض أحكام الردة والمرتدين
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا مسرور لأني وصلت إلى موقعك هذا، وقد ولدت مسلماً وتلقيت الكثير من التعليم الإسلامي بعد بلوغي، وأحاول استيعاب وفهم أمور ديني.
وقد قرأت في بعض إجابتك المتعلقة بموضوع الردة أن عقوبة المرتد القتل، لكني قرأت في أحد المواقع في الانترنت أن المرتد الذي يقتل هو الذي يتخذ موقفاً محارباً للدين. وأنا أميل إلى الرأي الثاني أكثر.
والسبب في ذلك أن لي اصدقاء ولدوا من عائلات إسلامية ويتسمون بأسماء إسلامية لكن بعضهم لا يعرف كيف يتوضأ وكيف يصلي ولكنهم يعرفون الشهادتين.
فهل يمكن أن نعتبر هؤلاء مرتدين ونقتلهم؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
على المسلم أن لا يميل إلى قول دون قول لمجرد موافقة القول لهواه أو لعقله، بل لا بد أن يأخذ الحكم بدليله من الكتاب والسنة، ولا بد أن يقدِّم نصوص الشريعة وأحكامها على كل شيء مما عداها.
ثانيا:
الردة والخروج من الإسلام قد تكون بالقلب أو اللسان أو العمل.
فقد تكون الردة بالقلب كتكذيب الله تعالى، أو اعتقاد وجود خالق مع الله ، أو بغض الله تعالى أو رسوله ﷺ .
وقد تكون الردة قولاً باللسان كسبِّ الله تعالى أو رسوله ﷺ .
وقد تقع الردة بعمل ظاهر من أعمال الجوارح كالسجود للصنم، أو إهانة المصحف، أو ترك الصلاة.
والمرتد شرٌّ من الكافر الأصلي.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – في الرد على الاتحادية الباطنية -:
"ومعلوم أن التتار الكفار خير من هؤلاء فإن هؤلاء مرتدون عن الإسلام من أقبح أهل الردة، والمرتد شرٌّ من الكافر الأصلي من وجوه كثيرة" اهـ.
مجموع الفتاوى " (٢ / ١٩٣) .
ثالثاً:
ليس كل مسلم وقع في الكفر يكون كافرا مرتداً، فهناك أعذار قد يعذر بها المسلم ولا يحكم بكفره، منها:
الجهل، والتأويل، والإكراه، الخطأ.
أما الأول: فهو أن يكون الرجل جاهلاً لحكم الله تعالى، بسبب بعده عن ديار الإسلام كالذي ينشأ في البادية أو في ديار الكفر أو أن يكون حديث عهد بجاهلية، وقد يدخل في هؤلاء كثير من المسلمين الذين يعيشون في مجتمعات يغلب فيها الجهل، ويقل العلم، وهم الذي استشكل السائل الحكم بتكفيرهم وقتلهم.
والثاني: هو أن يفسر الرجل حكم الله تعالى على غير مراد الشرع، كمن قلد أهل البدع فيما تأولوه كالمرجئة والمعتزلة والخوارج ونحوهم.
والثالث: كما لو تسلط ظالم بعذابه على رجل من المسلمين فلا يخلي سبيله حتى يصرح بالكفر بلسانه ليدفع عنه العذاب، ويكون قلبه مطمئناً بالإيمان.
والرابع: ما يسبق على اللسان من لفظ الكفر دون قصد له.
وليس كل واحدٍ ممن جهل الوضوء والصلاة يمكن أن يكون معذوراً وهو يرى المسلمين يقومون بالصلاة ويؤدونها، ثم هو يقرأ ويسمع آيات الصلاة، فما الذي يمنعه من أدائها أو السؤال عن كيفيتها وشروطها؟ .
رابعاً:
المرتد لا يقتل مباشرة بعد وقوعه في الردة، لا سيما إذا كانت ردته بسبب شبهة حصلت له، بل يستتاب ويعرض عليه الرجوع إلى الإسلام وتزال شبهته إن كان عنده شبهة فإن أصر على الكفر بعد ذلك قتل.
قال ابن قدامة ﵀ في "المغني" (٩/١٨) :
المرتد لا يُقْتَلُ حَتَّى يُسْتَتَابَ ثَلاثًا. هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ; مِنْهُمْ عُمَرُ , وَعَلِيٌّ , وَعَطَاءٌ , وَالنَّخَعِيُّ , وَمَالِكٌ , وَالثَّوْرِيُّ , وَالأَوْزَاعِيُّ , وَإِسْحَاقُ , وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. . . . لأَنَّ الرِّدَّةَ إنَّمَا تَكُونُ لِشُبْهَةٍ , وَلا تَزُولُ فِي الْحَالِ , فَوَجَبَ أَنْ يُنْتَظَرَ مُدَّةً يَرْتَئِي فِيهَا , وَأَوْلَى ذَلِكَ ثَلاثَةُ أَيَّامٍ اهـ.
وقد دلت السنة الصحيحة على وجوب قتل المرتد.
روى البخاري (٦٩٢٢) عن ابْن عَبَّاسٍ قَالَ: قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ) .
وروى البخاري (٦٤٨٤) ومسلم (١٦٧٦) عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة) .
وعموم هذه الأحاديث يدل على وجب قتل المرتد سواء كان محاربا أو غير محارب.
والقول بأن المرتد الذي يقتل هو المحارب للدين فقط مخالف لهذه الأحاديث، وقد جعل النبي ﷺ السبب في قتله هو ردته لا محاربته للدين.
ولا شك أن بعض أنواع الردة أقبح من بعض، وأن ردة المحارب أقبح من ردة غيره، ولذلك فرّق بعض العلماء بينهما، فلم يوجب استتابة المحارب ولا قبول توبته، بل يقتل ولو تاب، وأما غير المحارب فتقبل توبته ولا يقتل. وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
قال ﵀:
الردة على قسمين: ردة مجردة، وردة مغلظة شرع القتل على خصوصها، وكلتاهما قد قام الدليل على وجوب قتل صاحبها؛ والأدلة الدالة على سقوط القتل بالتوبة لا تعمّ القسمين، بل إنما تدل على القسم الأول أي: الردة المجردة -، كما يظهر ذلك لمن تأمل الأدلة على قبول توبة المرتد، فيبقى القسم الثاني – أي: الردة المغلظة - وقد قام الدليل على وجوب قتل صاحبه، ولم يأت نص ولا إجماع بسقوط القتل عنه، والقياس متعذر مع وجود الفرق الجلي، فانقطع الإلحاق، والذي يحقق هذه الطريقة أنه لم يأت في كتاب ولا سنة ولا إجماع أن كل من ارتد بأي قول أو أي فعل كان فإنه يسقط عنه القتل إذا تاب بعد القدرة عليه، بل الكتاب والسنة والإجماع قد فرّق بين أنواع المرتدين....
" الصارم المسلول " (٣ / ٦٩٦) .
والحلاّج من أشهر الزنادقة الذين تمّ قتلهم دون استتابة، قال القاضي عياض:
وأجمع فقهاء بغداد أيام المقتدر من المالكية على قتل الحلاج وصلبه لدعواه الإلهية والقول بالحلول، وقوله: " أنا الحق " مع تمسكه في الظاهر بالشريعة، ولم يقبلوا توبته.
" الشفا بتعريف حقوق المصطفى " (٢ / ١٠٩١) .
وعليه: فيتبين خطأ ما قاله الأخ السائل من كون المرتد لا يقتل إلا إن كان محارباً للدين، والتفريق الذي ذكرناه عن شيخ الإسلام ابن تيمية لعله أن يزيل الإشكال ويوضح المراد.
والمحاربة للدين ليست قاصرة على محاربة السلاح فقط، بل المحاربة تكون باللسان كسب الإسلام أو النبي ﷺ أوالطعن في القرآن ونحو ذلك. بل قد تكون المحاربة باللسان أشد من المحاربة بالسلاح في بعض الصور.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
المحاربة نوعان: محاربة باليد، ومحاربة باللسان، والمحاربة باللسان في باب الدين قد تكون أنكى من المحاربة باليد - كما تقدم تقريره في المسألة الاولى -، ولذلك كان النبي ﷺ يَقتل من كان يحاربه باللسان مع استبقائه بعض من حاربه باليد، خصوصاً محاربة الرسول ﷺ بعد موته؛ فإنها إنما تمكن باللسان، وكذلك الإفساد قد يكون باليد، وقد يكون باللسان، وما يفسده اللسان من الأديان أضعاف ما تفسده اليد، كما أن ما يصلحه اللسان من الأديان أضعاف ما تصلحه اليد، فثبت أن محاربة الله ورسوله ﷺ باللسان أشد، والسعي في الأرض لفساد الدين باللسان أوكد.
" الصارم المسلول " (٣ / ٧٣٥) .
خامساً:
وأما ترك الصلاة: فالصحيح أن تاركها كافر مرتد. راجع السؤال (٥٢٠٨) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 8990
تحليل الربا
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم تحليل الربا؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الربا محرم بالكتاب والسنة والإجماع القطعي، فمن استحله كان كافرا.
لأن القاعدة: أن من أنكر شيئاً أجمع العلماء عليه إجماعاً ظاهراً أنه كافر.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
إن الإيمان بوجوب الواجبات الظاهرة المتواترة، وتحريم المحرمات الظاهرة المتواترة هو من أعظم أصول الإيمان، وقواعد الدين، والجاحد لها كافر بالاتفاق اهـ مجموع الفتاوى (١٢/٤٩٧) .
وقال ابن قدامة ﵀:
ومن اعتقد حل شيء أجمع على تحريمه وظهر حكمه بين المسلمين وزالت الشبهة فيه للنصوص الواردة فيه كلحم الخنزير والزنى وأشباه ذلك مما لا خلاف فيه كَفَر اهـ المغني (١٢/٢٧٦) .
وقال النووي ﵀:
فَأَمَّا الْيَوْم وَقَدْ شَاعَ دِينُ الْإِسْلَام وَاسْتَفَاضَ فِي الْمُسْلِمِينَ عِلْمُ وُجُوب الزَّكَاة حَتَّى عَرَفَهَا الْخَاصّ وَالْعَامّ , وَاشْتَرَكَ فِيهِ الْعَالِم وَالْجَاهِل , فَلَا يُعْذَر أَحَد بِتَأْوِيلِ يَتَأَوَّلهُ فِي إِنْكَارهَا. وَكَذَلِكَ الْأَمْر فِي كُلّ مَنْ أَنْكَرَ شَيْئًا مِمَّا أَجْمَعَتْ الْأُمَّة عَلَيْهِ مِنْ أُمُور الدِّين إِذَا كَانَ عِلْمه مُنْتَشِرًا كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْس وَصَوْم شَهْر رَمَضَان وَالاغْتِسَال مِنْ الْجَنَابَة وَتَحْرِيم الزِّنَا وَالْخَمْر وَنِكَاح ذَوَات الْمَحَارِم وَنَحْوهَا مِنْ الْأَحْكَام إِلَّا أَنْ يَكُون رَجُلًا حَدِيث عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ وَلَا يَعْرِف حُدُوده فَإِنَّهُ إِذَا أَنْكَرَ شَيْئًا مِنْهَا جَهْلًا بِهِ لَمْ يَكْفُر. . . فَأَمَّا مَا كَانَ الْإِجْمَاع فِيهِ مَعْلُومًا مِنْ طَرِيق عِلْم الْخَاصَّة كَتَحْرِيمِ نِكَاح الْمَرْأَة عَلَى عَمَّتهَا وَخَالَتهَا , وَأَنَّ الْقَاتِل عَمْدًا لَا يَرِث وَأَنَّ لِلْجَدَّةِ السُّدُس , وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَام فَإِنَّ مَنْ أَنْكَرَهَا لا يَكْفُر , بَلْ يُعْذَر فِيهَا لِعَدَمِ اِسْتِفَاضَة عِلْمهَا فِي الْعَامَّة اهـ.
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: (حكم الربا: أنه محرم بالقرآن والسنة وإجماع المسلمين. ومرتبته: أنه من كبائر الذنوب؛ لأن الله تعالى قال: (ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) ، وقال تعالى: (فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله) ؛ ولأن الرسول ﷺ " لعن آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه " فهو من أعظم الكبائر.
وهو مجمع على تحريمه، ولهذا من أنكر تحريمه ممن عاش في بيئة مسلمة فإنه مرتد؛ لأن هذا من المحرمات الظاهرة المجمع عليها.
ولكن إذا قلنا هذا، هل معناه أن العلماء أجمعوا على كل صورة؟ الجواب: لا، فقد وقع خلاف في بعض الصور، وهذا مثل ما قلنا في أن الزكاة واجبة بالإجماع، ومع ذلك ليس الإجماع على كل صورة، فاختلفوا في الإبل والبقر العوامل (التي تستخدم في الحرث والسقي) ، واختلفوا في الحلي وما أشبه ذلك، لكن في الجملة العلماء مجمعون على أن الربا حرام بل من كبائر الذنوب) انتهى من الشرح الممتع على زاد المستقنع ٨/٣٨٧
وعلى هذا فيقال:
من أنكر تحريم الربا فهو كافر لأن تحريمه من الأمور التي دلت النصوص عليها، وأجمع العلماء على تحريمه إجماعا ظاهراً وانتشر ذلك بين المسلمين.
لكن إذا أنكر تحريم صورة من صور الربا والتي وقع الخلاف فيها بين العلماء أو لم يكن الإجماع على تحريمها ظاهراً فهذا لا يكفر بل ينظر في حاله فقد يكون مجتهداً مأجوراً على اجتهاده، وقد يكون معذوراً، وقد يكون فاسقاً إذا كان استحلاله لها اتباعاً للهوى.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 8991
تسليم نصرانية تريد الإسلام إلى أهلها
[السُّؤَالُ]
ـ[أسلمت طالبة في مدرستنا، وأفصحت عن رغبتها في اعتناق الإسلام إلى مدير المدرسة فأسلمها إلى النصارى في القرية خوفا من تحمل مسؤوليتها أمام السلطات، فما حكم ذلك المدير؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إذا كان أهل الطالبة المذكورة، لو علموا بإسلامها منعوها من الإسلام، واضطروها للبقاء على الكفر، وكان تسليمها إليهم يعني احتمال تعرضها للأذى والفتنة، فلا شك أن ما قام به مدير المدرسة منكر عظيم، وإثم كبير، لما قد يترتب على عمله هذا من الضرر لتلك الفتاة المسلمة. وقد قال النبي ﷺ : (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يُسْلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة) رواه البخاري (٢٣١٠) ومسلم (٢٥٨٠) .
ومعنى: (لا يُسلمه) : أي لا يلقيه إلى الهلكة، ولا يتركه عند من يؤذيه، بل ينصره ويدفع عنه. "فتح الباري" (٥/٩٧) .
وقال ﷺ : (ما من امرئ يخذل امرءا مسلما في موطن يُنتقص فيه من عرضه , وينتهك فيه من حرمته , إلا خذله الله تعالى في موطن يحب فيه نصرته، وما من أحد ينصر مسلما في موطن ينتقص فيه من عرضه , وينتهك فيه من حرمته , إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته) رواه أحمد (١٦٤١٥) وأبو داود (٤٨٨٤) وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٥٦٩٠) .
وهذا المدير إن كان عاجزا عن نصرتها وتأييدها، فلا أقل من أن يدعها وشأنها، دون أن يقع في هذا المنكر العظيم، نسأل الله العافية.
أما إذا انضم إلى ذلك الإشارة عليها ألا تسلم، فذلك الكفر الأكبر والخروج من الإسلام.
قال ابن حجر الهيتمي الشافعي ﵀ في "الإعلام بقواطع الإسلام" (ص ٣١) : " ومن المكفرات أيضا: أن يرضى بالكفر ولو ضمنا، كأن يسأله كافر يريد الإسلام أن يلقنه كلمة الإسلام فلم يفعل، أو يقول له: اصبر حتى أفرغ من شغلي أو خطبتي لو كان خطيبا، وكأن يشير عليه بأن لا يسلم، وإن لم يكن طالبا للإسلام فيما يظهر " انتهى.
وقال النووي ﵀ في "روضة الطالبين" (١٠/٦٥) : " والرضى بالكفر كفر، حتى لو سأله كافر يريد الإسلام أن يلقنه كلمة التوحيد فلم يفعل، أو أشار عليه بأن لا يسلم، أو على مسلم بأن يرتد فهو كافر " انتهى.
والواجب على كل من علم بحال هذه الفتاة من المسلمين أن يسعى لرفع الظلم عنها وتمكينها من اعتناق الإسلام، وأداء شعائره، وإبلاغ السلطات بما يمكن أن يقع عليها من الأذى لصرفها عن الإسلام، نسأل الله أن يوفقها ويثبتها على الحق، ويصرف عنها السوء بما شاء، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 8992
في خِصامٍ حادٍّ، أخبر عن نفسِه أنَّه كفر، فما الحُكمُ ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[حينَما ازدادَ نقاشِي مع أحدِ أقاربي لفظت بقولِ: "أنا كفرت "، ولطمتُ على وجهي، مع العِلمِ أَنِّي نادمٌ على ما حدث، فأريدُ التوجيهَ والإرشادَ، وما حكمُ الدينِ في ذلك؟ وهل عليَّ كفارة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إنَّا للهِ وإنَّا إليه راجعون، ونسألُ الله العفوَ والعافيةَ في الدنيا والآخرة، ونسألُه حسنَ الختامِ والوفاةَ على الإيمان.
اعلم - أخي السائل - بأنَّك وقعتَ في أعظمِ ذنبٍ وأقبحِ معصيةٍ، وهي معصيةُ الكفرِ والردَّةِ، والعياذ بالله تعالى.
وهذه الكلمةُ التي ذكرتَ عن نفسِك، صريحةٌ في الكفرِ والردةِ، والعلماءُ يقولون:
عندَ ظهورِ لفظِ الكفرِ يُحكَمُ بالردةِ (إن كان يعلم معنى الكلمة) ، ولا يُسأل عن نيته، كما قالَ تعالى:
(وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ) التوبة/٦٥.
فأخبرَ سبحانَه أنهم كفروا بعدَ إيمانهم، مع قولِهم: إنا تكلمنا من غيرِ اعتقاد، بل كنَّا نخوض ونلعب.
قال ابنُ نُجَيم:
" إنَّ من تكلَّمَ بكلمةِ الكفرِ هازلا أو لاعبًا كفرَ عند الكلِّ، ولا اعتبارَ باعتقادِه " انتهى.
"البحر الرائق" (٥/١٣٤) ، وانظر: "نواقض الإيمان القولية والعملية" (ص٩٥) .
وقال الشيخُ ابنُ عثيمين:
" وإن أتى بقولٍ يُخرجُه عن الإسلامِ، مثلَ أن يقول: هو يهوديٌّ أو نصرانيٌّ أو مجوسيٌّ أو بريءٌ من الإسلام، أو من القرآنِ أو النبيِّ ﵊ فهو كافرٌ مرتدٌ، نأخذه بقولِه هذا " انتهى.
"الشرح الممتع" (٦/٢٧٩) .
والردُّة أمرُها خطيرٌ وشأنُها عظيم، فقد اختلفَ العلماءُ فيمن ارتدَّ ثم تاب، هل يبقى له من ثوابِ أعمالِه السابقةِ شيءٌ، أم تحبط كلُّها بالردة؟
وقد سئلَ الشيخُ الفوزانُ السؤالَ التالي:
ما الحكمُ فيمن ارتدَّ عن الإسلامِ ثم عاد إليه، هل يعيدُ ما فاتُه من أعمالٍ من أركانِ الإسلامِ، كالحجِّ والصومِ والصلاةِ، أم تكفي توبتُه وعودتُه إلى الإسلامِ؟
فأجابَ:
" الصحيحُ من قولي العلماء: أن المرتدَّ إذا عادَ إلى الإسلامِ، ودخلَ في الإسلامِ مرةً أخرى تائبًا منيبًا للهِ تعالى، فإنه لا يعيدُ الأعمالَ التي أدَّاها قبلَ الردةِ؛ لأنَّ اللهَ اشترطَ لحبوطِ الأعمالِ بالردَّةِ أن يموتَ الإنسانُ عليها.
قالَ تعالى: (وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) البقرة/٢١٧.
فَشَرَطَ لحبوطِ الأعمالِ استمرارَ الإنسانِ على الردةِ حتى يموتَ الإنسانُ عليها، فدلت الآيةُ بمفهومِها على أنَّ الإنسانَ لو تابَ فإنَّ أعمالَه التي أدَّاها قبلَ الردةِ تكونُ صحيحةً ومُجزيةً إن شاءَ الله تعالى " انتهى.
"المنتقى من فتاوى الفوزان" (٥/٤٢٩) .
وأما لطم الوجه فهو من أعمال الجاهلية التي حذرنا منها النبي ﷺ , وقد ثبت أن النبي ﷺ تبرأ من فاعله فقال: (لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الْخُدُودَ , وَشَقَّ الْجُيُوبَ , وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ) رواه البخاري (١٢٩٤) , وهذا يدل على أن لطم الخدود كبيرة من كبائر الذنوب.
وحيث قد ندمت على ما فعلت فنرجو من الله تعالى أن يقبل توبتك , فعليك أن تنطق الشهادتين لتدخل بذلك في الإسلام بعد أن خرجت منه , ولْتحسن العمل , وعليك بحفظ اللسان , فإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً فيهوى بها في النار سبعين خريفاً.
وأما الكفارة، فليس هناك كفارة لما بدر منك إلا التوبة والندم والعزم على عدم العودة إلى ذلك.
ونسأل الله أن يتقبل توبتك , ويرزقك الاستقامة على دينه.
والله اعلم.
راجع الأسئلة التالية: (١٠٧٩) (٥٧٣٣) (٤٢٥٠٥) .
واللهُ أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 8993
دعت ولم يُستجب لها فقالت: لا وجود لله !
[السُّؤَالُ]
ـ[طلبت من الله قبل عدة سنوات أن يحقق لي شيئاً ما، لم يتحقق طلبي فغضبت وقلت إن الله غير موجود، ندمت الآن لأني قلت هذا لأنني أعلم أن ما قلته يعتبر شركاً، فهل يمكن أن أتشهد مرة أخرى وأتوب وأصبح مسلمة من جديد؟ هل يعتبر هذا شركاً؟ لأنني قلت هذا عندما كنت في غضب شديد، فهل يعتبر هذا؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
ما قالته السائلة هو الكفر بعينه، وكان الواجب عليها ضبط النفس وكبت القول والفعل عند الغضب، وها هو قد أدى بها إلى الوقوع في الكفر.
لذا فإننا نرى أن تشهد الشهادتين وتنوي الدخول في الإسلام، وهذا إذا كانت في وعيها وعقلها عند قول تلك الكلمة المنكرة، والغضب ليس بعذرٍ إلا إن كان قد أغلق عليها عقلها فلم تعد تدري ما تقول.
وقد بيَّن النبي ﷺ أن المسلم قد يتكلم بالكلمة وتودي به إلى جهنم وتكون بسبب سخط الله.
عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالاً يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالا يهوي بها في جهنم ". رواه البخاري (٦١١٣) .
ولفظ مسلم (٢٩٨٨) : " إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين ما فيها يهوي بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب ".
فإذا دخلتِ في الإسلام من جديد بالشهادتين، وحصل منكِ ندمٌ على ما قلتِ: فإنه يرجى ألا يضيع ما عملتِ من خير.
عن حكيم بن حزام ﵁ قال: قلت: يا رسول الله أرأيت أشياء كنت أتحنث (أي: أتعبد) بها في الجاهلية من صدقة أو عتاقة وصلة رحم فهل فيها من أجر؟ فقال النبي ﷺ : " أسلمتَ على ما سلف من خير ". رواه البخاري (١٣٦٩) ومسلم (١٢٣) .
وعليك أختي المسلمة وعلى جميع إخواننا المسلمين جعل أمر الدين والاعتقاد بمعزل عن مثل هذه المساومات إذ دين الإنسان وسلامة معتقده هو رأس مال الإنسان الذي به يحقق سعادة الدارين ورضا المولى سبحانه.
ثانياً:
ومَن دعا ربَّه ﵎ فإنه يُستجاب له على كل حال، وليست الاستجابة هي – فقط – تحقيق المطلوب في الدعاء، بل الاستجابة لها وجهان آخران وهما: صرف شرٍّ وسوء عن الداعي بقدر دعوته، وادخار أجر الدعاء ثوباً يلقاه الداعي يوم القيامة.
وقد وعد الله تعالى على لسان رسوله من دعاه مستوفياً الشروط بأحد هذه الثلاث فعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " ما مِن مسلمٍ يدعو الله بدعوةٍ ليس فيها إثمٌ ولا قطيعةُ رحمٍ إلا أعطاه بها إحدى خصال ثلاث: إما أنْ يعجِّل له دعوتَه، وإمَّا أنْ يدَّخر له من الخير مثلها، وإما أنْ يصرف عنه من الشرِّ مثلها، قالوا: يا رسول الله إذا نكثر؟ قال: الله أكثر ". رواه أحمد (١٠٧٠٩) ، وقد جوَّد إسنادَه المنذري في " الترغيب والترهيب " (٢ / ٤٧٩) ، وصحَّحه الحافظ ابن حجر في " الفتح " (١١ / ١١٥) .
وكل هذا هو معنى قوله ﵎: ﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين﴾ غافر / ٦٠، وقوله تعالى: ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون﴾ البقرة / ١٨٦.
وقد يكون الخير للداعي هو عدم تحقيق مطلوبه لما في حصوله من الشر أو الفتنة له، وهو جاهل بهذا لا يدريه، فصرفه الله تعالى عنه وأعطاه ما هو خير له في الدنيا بصرف شر عنه أو في الآخرة بادخار ثواب الدعاء.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
فالدعوة التى ليس فيها اعتداء يحصل بها المطلوب أو مثله، وهذا غاية الإجابة، فإن المطلوب بعينه قد يكون ممتنعاً أو مفسداً للداعى أو لغيره، والداعي جاهل لايعلم ما فيه المفسدة عليه، والرب قريب مجيب وهو أرحم بعباده من الوالدة بولدها، والكريم الرحيم إذا سئل شيئاً بعينه وعلم أنه لا يصلح للعبد إعطاؤه: أعطاه نظيره، كما يصنع الوالد بولده إذا طلب منه ما ليس له، فإنه يعطيه من ماله نظيره، ولله المثل الأعلى.
" مجموع الفتاوى " (١٤ / ٣٦٨) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 8994
الأصل أن الزنا أعظم إثما، وأكبر جرما من الميسر وشرب الخمر
[السُّؤَالُ]
ـ[أريد أن أعرف أيها إثمها أعظم وأكبر: الزنا أو شرب الخمر ولعب الميسر؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
دلت النصوص من الكتاب والسنة على أن الزنا والخمر والميسر من كبائر الذنوب:
قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) المائدة / ٩٠
وقال تعالى: (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا) الإسراء / ٣٢
وروى البخاري (٥٥٧٨) ومسلم (٥٧) عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ) .
وقد جعل الله تعالى مجانبة هذه البلايا والخبائث شرطا في تكفير السيئات ورفع الدرجات، قال الله تعالى: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً) النساء/٣١.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ: (الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ) رواه مسلم (٢٣٣) .
ثانيا:
أعظم هذه الكبائر الثلاثة هو الزنا؛ فإن الله تعالى قرن ذكره بعبادة الأصنام وقتل النفس، فقال تعالى: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ) الفرقان / ٦٨
ولأنه مع كونه كبيرة بالنظر إلى حق الله تعالى، فهو اعتداء على أعز وأشرف ما يملك العبد، وهو عرضه، مع ما يترتب عليه من المفاسد العظام، والشرور الجسام، والتلطخ بأوضار العار، وقد يستمر ذلك مد الزمان، فتتوارثه الأجيال وراء الأجيال – عياذا بالله -.
قال المنذري ﵀:
" وقد صح أن مدمن الخمر إذا مات لقي الله كعابد وثن، ولا شك أن الزنا أشد وأعظم عند الله من شرب الخمر " انتهى.
"الترغيب والترهيب" (٣ / ١٩٠)
وقال السفاريني ﵀:
" الزِّنَا أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ بَعْدَ الشِّرْكِ وَالْقَتْلِ " انتهى ملخصا.
"غذاء الألباب" (٢ / ٣٠٥)
ولذلك كان حد الزنا أشد من حد شرب الخمر، وخاصة إذا كان الزاني محصنا.
وشرب الخمر أشد من الميسر؛ فقد لعن النبي ﷺ فِي الْخَمْرِ عَشْرَةً: عَاصِرَهَا وَمُعْتَصِرَهَا وَشَارِبَهَا وَحَامِلَهَا وَالْمَحْمُولَةُ إِلَيْهِ وَسَاقِيَهَا وَبَائِعَهَا وَآكِلَ ثَمَنِهَا وَالْمُشْتَرِي لَهَا وَالْمُشْتَرَاةُ لَهُ.
رواه الترمذي (١٢٩٥) وصححه الألباني.
وهي المفضية إلى كل شر وخلق رديء، وهي أم الخبائث.
ولكن قد يختلف الأمر، وذلك بحسب ما يترتب عليه من الشر والفساد، فقد يزني الرجل مرة ثم لا يعود، وقد يشرب الرجل الخمر فيدمنها فيسوء خلقه ويكثر فحشه ويهجر بيته ولا ينفق على ولده ويدعوه حبه للخمر إلى السرقة ومصاحبة أهل الفساد، إلى غير ذلك مما قد يقع فيه بعض هؤلاء، فيكون حيئذ حاله أشد وذنبه أعظم ممن زنا مرة ثم ترك الزنا.
وقد روى النسائي (٥٦٦٦) عن عُثْمَانَ ﵁ قال: " اجْتَنِبُوا الْخَمْرَ فَإِنَّهَا أُمُّ الْخَبَائِثِ، إِنَّهُ كَانَ رَجُلٌ مِمَّنْ خَلَا قَبْلَكُمْ تَعَبَّدَ فَعَلِقَتْهُ امْرَأَةٌ غَوِيَّةٌ فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ جَارِيَتَهَا فَقَالَتْ لَهُ: إِنَّا نَدْعُوكَ لِلشَّهَادَةِ. فَانْطَلَقَ مَعَ جَارِيَتِهَا فَطَفِقَتْ كُلَّمَا دَخَلَ بَابًا أَغْلَقَتْهُ دُونَهُ حَتَّى أَفْضَى إِلَى امْرَأَةٍ وَضِيئَةٍ عِنْدَهَا غُلَامٌ وَبَاطِيَةُ خَمْرٍ (إناء فيه خمر) فَقَالَتْ إِنِّي وَاللَّهِ مَا دَعَوْتُكَ لِلشَّهَادَةِ وَلَكِنْ دَعَوْتُكَ لِتَقَعَ عَلَيَّ أَوْ تَشْرَبَ مِنْ هَذِهِ الْخَمْرَةِ كَأْسًا أَوْ تَقْتُلَ هَذَا الْغُلَامَ. قَالَ فَاسْقِينِي مِنْ هَذَا الْخَمْرِ كَأْسًا، فَسَقَتْهُ كَأْسًا قَالَ زِيدُونِي. فَلَمْ يَرِمْ حَتَّى وَقَعَ عَلَيْهَا وَقَتَلَ النَّفْسَ. فَاجْتَنِبُوا الْخَمْرَ فَإِنَّهَا وَاللَّهِ لَا يَجْتَمِعُ الْإِيمَانُ وَإِدْمَانُ الْخَمْرِ إِلَّا لَيُوشِكُ أَنْ يُخْرِجَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ "
صححه الألباني في "صحيح النسائي".
وقال الصاوي في حاشيته على الشرح الصغير (٤/٥٠٠) في شرب الخمر:
" مفاسِدُهُ أَشَدُّ مِنْ مَفَاسِدِ الزِّنَا لِكَثْرَتِهَا؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا حَصَلَ بِشُرْبِهِ زِنًا وَسَرِقَةٌ وَقَتْلٌ، وَلِذَا وَرَدَ أَنَّهَا أُمُّ الْخَبَائِثِ " انتهى.
فالأصل أن الزنا أعظم الثلاثة، ثم الخمر، ثم الميسر، ولكن الأمر قد يختلف، وذلك بحسب ما يترتب عليه من الفساد؛ والواجب الابتعاد عن ذلك كله وما شابهه من الكبائر المحرمات.
فمن ابتلي بشيء من هذه القاذورات يوما من الدهر، فليستتر بستر الله، وليبادر بالتوبة قبل فوات الأوان، وقبل أن يطبع على قلبه بتوالي السيئات، وسواد الخطيئات.
قال الله تعالى ـ بعد ما عدد كبائر الإثم والفواحش، من الشرك بالله وقتل النفس والزنا وغير ذلك ـ: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا * وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا) الفرقان/٦٨-٧١.
والله تعالى أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 8995
وعدها أن يسلم ويتزوجها ثم وقع معها في الفاحشة وحملت منه، ولا يريد أن يُسلم
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا امرأة مطلقة ولدي صبي عمره ١٠ سنوات. تعرفت على رجل مسيحي وعرّفته لاسرتي وكلنا موافقين عليه ولكنا وضعنا شرطنا وهو: أنه يجب أن يسلم. الرجل أبدى استعداده وما زلت أمده بالكتب وكل ما يحتاج اليه ليتعرف على الإسلام أكثر وما زال يبدي استعداده، وخلال هذه المدة كاملة الحمد لله لم يكن بيني وبينه أي علاقة جنسية الأمر الذي اعتز به كوني من أسرة محافظة جداً وأحمد لله على ذلك. ولكن في لحظة تغلب علي الشيطان فيها في حفلة رٍأس السنة وقعنا في المحظور. بعد مرور الوقت وجدت أني حامل في الأسبوع الثامن. أعلمت هذا الرجل وطلبت منه سرعة أن يسلم ونتزوج ولكنه لم يعد الآن يأبه وإنما زاد تمسكه بدينه. وأخبرت أختي بالخبر فأشارت علي أن أسارع في إسقاطه فوراً لان والديّ لو علموا بذلك سيجن جنونهم وسينابذونني ويناصبوني العداء كما أني لا أريد لولدي الموجود حالياً أن يدخل في معمعة هذا الأمر لأن أسرتي هي من تساعدنا مادياً. كما أني لا أريد أن أضاعف الخطأ وأسقط الجنين. أما بالنسبة للرجل فانه يرفض فكرة الإسقاط وأشار علي أن أنتقل معه إلى ولاية أخرى ونعيش فيها معاً. ما رأيكم ما الحل وما النصيحة التي يمكن ان تسدوها إلي؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الذي ننصحك به أولا وأخيرا هو أن توبي إلى الله.
كيف تقيمين علاقة مع رجل أجنبي عنك، ويكون نصرانيا، وتقعين معه في الفاحشة، ثم تريدين أن تختمي هذه الموبقات بالإجهاض؟
والشرع لا يقر علاقة بين رجل وامرأة إلا في نطاق الزواج الشرعي، وإذا كان الزنا من كبائر الذنوب، ومن أسباب عذاب القبر، ودخول النار، فالزنا بغير المسلم أكبر، وأشد قبحا، ويدل على خلل عظيم في عقيدة المسلم التي تحرم عليه موالاة الكفار ومصادقتهم، قال الله تعالى: (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ) المجادلة/٢٢، وقال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) المائدة/٥١، وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنْ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ) الممتحنة/١.
وشروط التوبة:
١- الندم.
٢- والإقلاع عن الذنب، فيجب عليك قطع علاقتك بهذا الرجل وبغيره من الرجال الأجانب عنك.
٣- العزم على عدم العودة إلى المعصية مرة أخرى.
فتوبة من غير استقامة وترك للمعصية، لا معنى لها.
ومن كمال التوبة: أن يستقيم التائب، ويجتهد في الطاعات، ويكثر من الصدقة، لعل الله تعالى يغفر له. قال الله تعالى: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى) طه/٨٢.
وإننا لنجزم بأنك لو تبت فإن الله تعالى سيجعل لك مخرجا من كل هم نزل بك، قال الله تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا) الطلاق/٢.
أما مع عدم التوبة، فلا ينتظر العبد من الله تعالى أن ييسر له أموره، ويفرج عنه كروبه، بل ينتظر التضييق والهم والكرب، قال الله تعالى: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا) طه/٨٢.
نسأل الله تعالى أن يوفقك للتوبة ويغفر لك
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 8996
جريمة الزنا والخلاص من آثاره
[السُّؤَالُ]
ـ[ماذا يجب على من وقع في جريمة الزنا للخلاص من آثار فعلته تلك؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"الزنا من أعظم الحرام، وأكبر الكبائر، وقد توعد الله المشركين، والقتلة بغير حق، والزناة، بمضاعفة العذاب يوم القيامة والخلود فيه صاغرين مهانين لعظم جريمتهم، وقبح فعلهم، كما قال الله سبحانه: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا) الفرقان/٦٨-٧٠، فعلى من وقع في شيء من ذلك التوبة إلى الله التوبة النصوح، وإتباع ذلك بالإيمان الصادق، والعمل الصالح، وتكون التوبة نصوحا إذا ما أقلع التائب من الذنب، وندم على ما مضى من ذلك، وعزم عزما صادقا على أن لا يعود في ذلك، خوفا من الله سبحانه، وتعظيما له، ورجاء ثوابه، وحذر عقابه، قال الله تعالى: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى) طه/٨٢، فالواجب على كل مسلم ومسلمة أن يحذر هذه الفاحشة العظيمة، ووسائلها غاية الحذر، وأن يبادر بالتوبة الصادقة مما سلف من ذلك، والله يتوب على التائبين الصادقين ويغفر لهم" انتهى.
"مجموع فتاوى ابن باز" (٢٢/٣٩٧) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 8997
ادعاء بإكراه والد زوجها لها على الزنا ربع قرن! وما يترتب على ذلك من أحكام
[السُّؤَالُ]
ـ[لو أن زوجة الابن كانت تُجبر على أن تضاجع أبا زوجها لمدة خمسة وعشرين سنَة! فهل هذا يفسد الزواج بزوجها الأصلي الذي هو الابن؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
ما في السؤال هو محض خيال، وتدليس على النفس، وتلبيس من إبليس! فكيف لإجبارٍ على الزنا أن يستمرَّ ربع قرن من الزمان؟! يمكن أن يحدث أن تُجبرالمرأة على الزنا من والد زوجها، أو من غيره، مرة أو مرتين؛ يوما أو يومين؛ لكن استمرار ذلك الإجبار خمساً وعشرين سنة هو أمر غير متخيَّل، وهل عجزت عن إخبار زوجها طيلة هذه المدة؟ وكيف لم تخبر أهلها؟ وكيف لم تهرب منه ومن إجباره المزعوم؟!! وكيف، وكيف..؟
أسئلة كثيرة ترد في الذهن على مثل ذلك الادعاء الغريب تجعلنا نرفض حتى مجرد التفكير فيه.
ثانياً:
من المعلوم في الشرع المطهَّر: أن زوجة الابن محرَّمة على والد زوجها إلى يوم القيامة، قال تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ ... وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً) النساء/ ٢٣، ومن كانت من النساء محرَّمة النكاح: كان الزنا بها أشد إثماً، وأعظم جرماً من الزنا بغيرها ممن يجوز له نكاحها، ولذا كانت عقوبة الزنا بالمحارم: القتل على كل حال، محصناً كان الزناة أو غير محصنِين، على الصحيح من أقوال العلماء.
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀:
الصحيح: أن الزنا بذوات المحارم فيه القتل بكل حال؛ لحديث صحيح ورد في ذلك – وهو حديث (مَنْ وَقَعَ عَلَى ذَاتِ مَحْرَمٍ فَاقْتُلُوهُ) رواه الترمذي وغيره، واختلف في رفعه ووقفه -، وهو رواية عن أحمد، وهي الصحيحة، واختار ذلك ابن القيم في كتاب " الجواب الكافي " أن الذي يزني بذات محرم منه: فإنه يُقتل بكل حال، مثل: ما لو زنا بأخته - والعياذ بالله -، أو بعمته، أو خالته، أو أم زوجته، أو بنت زوجته التي دخل بها، وما أشبه ذلك؛ لأن هذا الفرج لا يحل بأي حال من الأحوال، لا بعقد، ولا بغيره؛ ولأن هذه فاحشة عظيمة.
" الشرح الممتع على زاد المستقنع " (١٤ / ٢٤٦، ٢٤٧) .
وقال ابن قيم الجوزية ﵀ في التعليق على عقوبة قتل من وقع على ذات محرَم -:
وهذا الحكم على وِفق حكم الشارع؛ فإن المحرَّمات كلما تغلظت: تغلظت عقوباتها، ووطء من لا يباح بحال: أعظم جُرماً مِن وطء مَن يباح في بعض الأحوال، فيكون حدُّه أغلظ.
" زاد المعاد " (٥ / ٣٦) .
ومن نازع في الحديث فضعفه، ونازع في الحكم فقال: إنه لا يُقتل: فيقال له: لكن هذا لا ينطبق على حالتنا هذه؛ لأن والد الزوج محصن! فإن ثبت أنه زنا بزوجة ابنه: قتل رجماً؛ لأنه زانٍ محصن، وحد الزاني المحصن: الرجم بالحجارة حتى الموت، وهو الذي ينبغي أن يقال في مثل هذه المسألة وشبيهاتها، وهو أن من وقع على ذات محرم وهو محصن: فإنه يطبَّق عليه الحكم المتفق عليه في حالته، وهو الرجم بالحجارة حتى الموت، وأما إن كان غير محصن: ففيه خلاف هل هو كالزنا أم يقتل على كل حال، والراجح: أنه يُقتل.
ولا يختلف حكم الزوجة عن حكم والد زوجها إن ثبت أنها مطاوعة له في الزنا؛ لأنها محصنة، فحدها: الرجم بالحجارة حتى الموت، ولا يمكن لقاضٍ أن يصدِّق أنه ثمة من تُكره على الزنا ربع قرن، ولا تستطيع فع ذلك عن نفسها.
وانظر في مسألة الزنا بالمحارم: جوابي السؤالين: (٨٤٩٨٢) و (١٠٤٤٨٦) ففيهما تفصيل مفيد.
وبكل حال: فما ذكرناه هو حكم الله تعالى، والواجب على من تلبس بتلك القاذورة أن يتوب إلى الله قبل أن يلقاه على هذه الكبيرة، وأن يصلح حاله وشأنه، وأن يبتعد عن مكان تلك المعصية دون تأخير، أو تردد.
وينظر في حكم الرجم للمحصن: أجوبة الأسئلة: (٨٣٠٣٤) و (٢٠٨٢٤) و (٨٩٨١) .
ثالثاً:
لو ثبت زنا الأب بزوجة ابنه: لم يكن ذلك مفسداً للنكاح على الراجح من أقوال العلماء، وقد وقع في المسألة خلاف، فالحنفية والحنابلة يرون أن الزنا موجب لفسخ النكاح، وهو قول عند المالكية، وذهب الشافعية إلى أن زنا الأب بزوجة ابنه: لا يحرم الزوجة على الابن، ولا يوجب فسخ النكاح، وهو القول الآخر عند المالكية، وهو الأشهر والمعتمد عندهم.
قال الشافعي – ﵀:
فإن زنى بامرأة أبيه، أو ابنه، أو أم امرأته: فقد عصى الله تعالى، ولا تحرم عليه امرأته، ولا على أبيه، ولا على ابنه، امرأته، لو زنى بواحدة منهما.
" الأم " (٥ / ١٥٣) .
والراجح: هو مذهب الشافعي ﵀، أن النكاح في الآية ليس هو الوطء، بل العقد، وأن الحرام لا يحرِّم الحلال؛ للفروقات الكثيرة بين العقد، والوطء الحرام، من جهة النسب، والعدة، والميراث، وغيرها.
وهو الذي رجحه طائفة من المحققين المعاصرين.
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀:
لو أن رجلاً زنى بامرأة فهل يحرم عليه أصلها وفرعها؟ وهل يحرم عليها أصله وفرعه؟ لا يحرم؛ لأنه لا يدخل في قول: (وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَاّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ) ، وقوله: (وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ) ، وقوله: (وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ) ، والزانية لا تدخل في هذا، فالمزني بها ليست من حلائل الأبناء، وكذلك أمُّ المزني بها ليست من أمهات نسائك، إذاً: فتكون حلالاً؛ لدخولها في قوله تعالى: (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ) ، وفي قراءة و " أَحلَّ لكم ما وراء ذلك ".
والمذهب: أن الزنا كالنكاح، فإذا زنا بامرأةٍ: حرُم عليه أصولها، وفروعها، وحرم عليها أصوله، وفروعه، تحريماً مؤبَّداً، وهذا من غرائب العلم، أن يُجْعل السفاح كالنكاح، وهو من أضعف الأقوال.
" الشرح الممتع " (١٢ / ١١٩، ١٢٠) .
وقال – ﵀:
هذا الواطئ وطئ مَن ليست زوجةً له، لا شرعاً، ولا اعتقاداً، ولا يمكن أن يلحق السفاح بالنكاح، فإلحاق هذا بهذا: من أضعف ما يكون.
" الشرح الممتع على زاد المستقنع " (١٣ / ٣٣٢) .
وينظر جواب السؤال رقم: (٧٨٥٩٧) .
وبخصوص العدة على المغتصبة: ينظر تفصيلها في جواب السؤال رقم: (١٢١٤٣٨) .
ولعل مثل هذه الحوادث أن تبين للناس مدى الظُّلْمة التي يعيش فيها من ابتعد عن دين الله تعالى، وسواء ثبتت تلك الواقعة أو لم تثبت: فقد ثبت غيرها كثير، فالواجب على المسلمين أن ينتبهوا قبل أن يصبحوا عبرة لغيرهم، وليراعوا فروقات الأعمار بين آبائهم وزوجاتهم، وبين الرجال وأمهات نسائهم، فالأب الفتي الشاب ليس كالشيخ الكبير، وأم الزوجة الكبيرة ليست كالشابة الفتية، ومن لم يراعِ مثل هذا، وسمح لنفسه بالتساهل في اللمس، والتقبيل، والخلوة: فقد يسقط على أم رأسه، وفي الحوادث الكثيرة عبر لمن اعتبر.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 8998
هل يلزم المغتصبة عدة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[بنت اغتصبت بالقوة هل عليها العدة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
اختلف الفقهاء في المرأة إذا زنت- ولو بالإكراه- هل يلزمها العدة أم لا؟ على ثلاثة أقوال:
الأول: أنه لا عدة عليها، وهو مذهب الحنفية والشافعية.
وينظر: "الموسوعة الفقهية" (٢٩/٣٣٧) .
الثاني: أنها تعتد بثلاث حيضات، وهذا مذهب المالكية والحنابلة.
قال ابن قدامة ﵀ معللا لهذا القول: " أنه وطء يقتضي شغل الرحم , فوجبت العدة منه , كوطء الشبهة، وأما وجوبها كعدة المطلقة , فلأنها حرة فوجب استبراؤها بعدة كاملة , كالموطوءة بشبهة " انتهى.
"المغني" (٨/٨٠) .
وقال الدسوقي في حاشيته (٢/٤٧١) : " قال في الجلاب: وإذا زنت المرأة أو غصبت وجب عليها الاستبراء من وطئها بثلاث حيض، وإن كانت أمة استبرئت بحيضة، كانت ذات زوج أو غير ذات زوج " انتهى.
الثالث: أنها تستبرئ بحيضة واحدة، وهو قولٌ للمالكية، ورواية عن الإمام أحمد ﵀، واختارها شيخ الإسلام ابن تيمية.
قال المرداوي في "الإنصاف": " وعنه [يعني الإمام أحمد] : تُستبرأ بحيضة، اختارها الحلواني , وابن رزين , والشيخ تقي الدين [يعني: شيخ الإسلام ابن تيمية] " انتهى.
"الإنصاف" (٩/٢٩٥) .
ورَجَّح الشيخ ابن عثيمين ﵀ أنها إن كانت ذات زوج، فلا يلزمها عدة ولا استبراء، وإن كانت غير مزوجة فإنها تستبرئ بحيضة.
قال ﵀: " القول الثالث: أنها لا عدة عليها ولا استبراء، وهو مروي عن أبي بكر وعمر وعلي ﵃ وهو مذهب الشافعي، وهذا القول أصح الأقوال، لكن إن حملت على هذا القول لم يصح العقد عليها حتى تضع الحمل؛ لأنه لا يمكن أن توطأ في هذه الحال؛ لأن النبي ﷺ (نهى أن توطأ ذات حمل حتى تضع) .
والفائدة من ذلك: أنها إذا كانت ذات زوج ما نقول للزوج: تجنبها إذا زنت مثلاً، بل نقول: لك أن تجامعها، ولا يجب عليك أن تتجنبها، إلا إن ظهر بها حمل فلا تجامعها، أما إذا لم يظهر بها فإنها لك.
فلو قال قائل: ألا يحتمل أن تكون نشأت بحمل من وطء الزنا؟
نقول: هذا الاحتمال وارد، لكن قال النبي ﵊: (الولد للفراش، وللعاهر الحَجَر) ، فما دمنا ما تيقّنا أنها حملت من الزاني فإن الولد يحكم بأنه للفراش، وإذا حملت من الزاني وقلنا لزوجها: لا تطأها، فإنه يجوز أن يستمتع بها بغير الوطء؛ لأنها زوجته، وإنما مُنع من الوطء من أجل أن لا يسقي ماءه زرع غيره " انتهى.
"الشرح الممتع" (١٣/٢٣٢) .
وقال أيضاً ﵀: في (١٣/٣٨٢) : " بل إن القول المروي عن أبي بكر وجماعة من الصحابة ﵃ أن المزني بها لا عدة عليها إطلاقاً ولا تستبرأ، لا سيما إذا كانت ذات زوج؛ لقول الرسول عليه الصلاة السلام: (الولد للفراش) ، بل ينبغي للإنسان إذا علم أن زوجته زنت ـ والعياذ بالله ـ وتابت أن يجامعها في الحال، حتى لا يبقى في قلبه شك في المستقبل، هل حملت من جماع الزنا أو لم تحمل؟ فإذا جامعها في الحال حُمِلَ الولد على أنه للزوج، وليس للزاني، أما إذا كانت المرأة الزانية ليس لها زوج فلا بد أن تستبرئ بحيضة على القول الراجح " انتهى.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 8999
شروط الإحصان الذي يترتب عليه عقوبة الرجم في الزنا
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم زنى الزوجة المعقودة القران ولم يدخل بها؟ يعني أنها تزوجت ولا تزال في دار أبيها لم تقم عرساً والزوج لم يلمسها بعد، أهو الرجم حتى الموت أو الجلد؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الزنا كبيرة عظيمة، وفاحشة منكرة، تسلب صاحبها اسم الإيمان، وتعرضه للعذاب والهوان، إلا أن يتوب، قال الله تعالى: (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً) الإسراء/٣٢.
وقال النبي ﷺ : (لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ) رواه البخاري (٢٤٧٥) ومسلم (٥٧) ، وقال ﷺ : (إِذَا زَنَى الرَّجُلُ خَرَجَ مِنْهُ الْإِيمَانُ كَانَ عَلَيْهِ كَالظُّلَّةِ، فَإِذَا انْقَطَعَ رَجَعَ إِلَيْهِ الْإِيمَانُ) رواه أبو داود (٤٦٩٠) والترمذي (٢٦٢٥) وصححه الألباني في صحيح أبي داود.
وأخبر ﷺ عن عذاب الزناة في القبر، وأنهم يعذبون بالنار. رواه البخاري (١٣٢٠) .
ولقبح هذه الجريمة جعل الله عقوبة من فعلها الرجم حتى الموت إن كان محصنا، والجلد مائة جلدة إن لم يكن محصنا.
قال الله تعالى في بيان حد الزاني البكر - أي غير المحصن -: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) النور/٢.
أما المحصن فحده الرجم بالحجارة حتى الموت، كما جاء في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه (١٦٩٠) عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا، الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ) .
والثيب: هو المحصن، رجلا كان أو امرأة.
والمحصن: هو الحر البالغ العاقل الذي وطئ في نكاح صحيح.
فلا يحصل الإحصان بمجرد عقد النكاح ولو حصلت معه خلوة، بغير خلاف بين الفقهاء، بل لابد من الوطء في القبل.
قال ابن قدامة ﵀ في "المغني" (٩/٤١) : " الرجم لا يجب إلا على المحصن بإجماع أهل العلم، وفي حديث عمر: (أن الرجم حق على من زنى وقد أحصن) ، وقال النبي ﷺ : (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: ذكر منها: أو زنا بعد إحصان) .
وللإحصان شروط سبعة:
أحدها: الوطء في القبل , ولا خلاف في اشتراطه ; لأن النبي ﷺ قال: (الثيب بالثيب جلد مائة والرجم) ، والثيابة تحصل بالوطء في القبل , فوجب اعتباره، ولا خلاف في أن عقد النكاح الخالي عن الوطء , لا يحصل به إحصان ; سواء حصلت فيه خلوة , أو وطء دون الفرج , أو في الدبر , أو لم يحصل شيء من ذلك ; لأن هذا لا تصير به المرأة ثيبا , ولا تخرج به عن حد الأبكار , الذين حدهم جلد مائة وتغريب عام , بمقتضى الخبر، ولا بد من أن يكون وطئا حصل به تغييب الحشفة في الفرج ; لأن ذلك حد الوطء الذي يتعلق به أحكام الوطء.
الثاني: أن يكون في نكاح ; لأن النكاح يسمى إحصانا ; بدليل قول الله تعالى: (والمحصنات من النساء) ، يعني المتزوجات، ولا خلاف بين أهل العلم , في أن الزنى , ووطء الشبهة , لا يصير به الواطئ محصنا، ولا نعلم خلافا في أن التسري [وطء الأمة] لا يحصل به الإحصان لواحد منهما ; لكونه ليس بنكاح , ولا تثبت فيه أحكامه.
الثالث: أن يكون النكاح صحيحا، وهذا قول أكثر أهل العلم، منهم عطاء , وقتادة , ومالك , والشافعي , وأصحاب الرأي.
الرابع: الحرية وهي شرط في قول أهل العلم كلهم , إلا أبا ثور.
الشرط الخامس والسادس: البلوغ والعقل , فلو وطئ وهو صبي أو مجنون , ثم بلغ أو عقل , لم يكن محصنا، هذا قول أكثر أهل العلم , ومذهب الشافعي.
الشرط السابع: أن يوجد الكمال فيهما جميعا حال الوطء , فيطأ الرجل العاقل الحر امرأة عاقلة حرة، وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه.
وقال مالك: إذا كان أحدهما كاملا صار محصنا , إلا الصبي إذا وطئ الكبيرة , لم يحصنها " انتهى مختصرا.
وينظر: "الموسوعة الفقهية" (٢/٢٢٤) .
وبهذا يُعلم أن الزوجة المعقود عليها إذا زنت قبل أن يطأها زوجها، فعقوبتها الجلد، لا الرجم؛ لأنها لم تحصن بعد.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 9000
زنت وستر عليها زوجها، فهل الأفضل أن يقام عليها الحد أم تتوب ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أرجو منكم إعطائي الجواب الوافي الذي يبرِّد نار قلبي مما جنيتُ في حق ربي، ونفسي، وزوجي، لن أطيل بسرد القصة، علماً بأني تائبة، والله، أتفكر كل يوم بما جنتْ يدي، أو كيف انسقتُ لتلك المعصية، لأني تربيتُ مع عائلة محافظة، متمسكة بالكتاب والسنة، أسألكم بالله أفيدوني. كنت قد ارتكبتُ معصية يقام فيها حدٌّ، وزوجي علِم، وطلقني بدون فضح أمري، ثم أرجعني، وستر عليَّ وقد اتفقنا على أن يقيم عليَّ الحد! فذهب لأحد الشيوخ، فقال له: استر عليها، ولتتب لربها، أَصلَح لها، وأنا من معرفتي بالدِّين علمتُ بأن الله يعذب الزاني في القبر، فهل إن تبت، وصلح أمري: فإني سأنال من عذاب ربي بعد موتي؟ . أرجوكم، أفيدوني بجواب وافٍ، فقد قرأتُ جميع الآراء والأحكام، ولم أعرف ما الصح والخطأ، أرجوكم، أفيدوني، فهل يجب أن أقيم الحدَّ، أم أن توبتي كافية وأعيش ذليلة طيلة حياتي؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
إنْ كان منْ شيءٍ نبدأ به جوابنا: فهو أن نذكر المسلمين والمسلمات بتقوى الله وطاعته، وأن يأخذوا العبرة والعظة من أحوال الناس، وأن لا يعتقدوا في أنفسهم البُعد عن الوقوع في الفواحش والمنكرات، وأن يبتعدوا عن الصحبة السيئة والمهيجات، وأن لا يجني الواحد منهم على نفسه بلذة تزول وتبقى حسرتها وألمها حتى يلقى ربه، وليس كل واحد ممن عصى ربَّه يوفَّق لتوبة صادقة، ويأتي بحسنات ماحية.
ثانياً:
نثني على ربنا التواب الرحيم بما هو أهله، هو أهل التقوى وأهل المغفرة، ونحمده تعالى وشكره أن وفقكِ للتوبة، وأن يسَّر لك أن ترجعي لصوابك، فليس كل من فعل معصية وُفق للتخلص منها، والتوبة بعد فعلها، وها قد وفقك ربك لتلك التوبة فاحمديه، واشكريه، وأكثري من الثناء عليه ، فلولا أن وفقك لها لما كنت تنعمين بها، وما بقى في نفسك من حسرة وألم جراء تلك المعصية، فلعلَّ الله يجعل منها جداراً مانعاً من إعادة الوقوع فيها، ولعلَّ ذلك الألم أن ينزل دمعة تطهر ما أصاب النفس من خبث المعصية، ولعلَّ ألمك بعدها أن يُحدث طاعة تدومين عليها، إلى أن تلقي ربك، قال الله تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ) هود/١١٤
ثالثاً:
ونثلِّث بالثناء على ذلك الزوج الشهم الأصيل، والذي لم يفضح أمر زوجته النادمة التائبة، وهذا إن دلَّ على شيء فيدل على عقل راجح، وشهامة وطيب معدن، ودين متين، ونبشره بقول النبي ﷺ : (مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا: نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ) رواه مسلم (٢٦٩٩) من حديث أبي هريرة ﵁، وأصله في الصحيحين من حديث ابن عمر ﵄.
رابعاً:
نقول للزوج الشهم الموفق: إن ما قاله ذلك الشيخ من الستر على زوجتك، وإصلاح حالها: هو المتعين، وأنه لا يجوز لأحدٍ أن يقيم الحدَّ على من فعل ما يستوجبه به، بل الحدود لا يقيمها إلا الولاة الشرعيون، ومن يقوم مقامهم، وأنتم تعيشون في بلاد لا يقام فيها حد، ولا يحكم فيها بشرع الله تعالى.
قال النووي – ﵀: " قال العلماء: لا يستوفي الحدَّ إلا الإمام، أو من فوَّض ذلك إليه " انتهى.
" شرح مسلم " (١١ / ١٩٣) .
وليعلم الزوج والزوجة: أنه لو كان عيشهما في بلاد المسلمين، وعندهم الحاكم الذي يقيم الحدود الشرعية على من يستحقها، ما كنا سننصحه بالذهاب للقاضي أو الحاكم ليقيم على زوجته الحد؛ وذلك لأن ستر العاصي على نفسه خير له من فضح نفسه، ولو كان بعد ذلك يقام عليه الحد المطهِّر، وإننا لننصح بما نصح به النبي ﷺ ، ونصح به الخليفة الراشد أبو بكر الصدِّيق، وعمر بن الخطاب ﵄.
ففي صحيح مسلم (١٦٩٥) جاء " ماعز " يقول للنبي ﷺ " طهِّرني "، قال له: (ويحك ارجع فاستغفر الله وتب إليه) .
قال الحافظ ابن حجر – ﵀: " ويؤخذ من قضيته – أي: ماعز عندما أقرَّ بالزنى - أنه يستحب لمن وقع في مثل قضيته أن يتوب إلى الله تعالى ويستر نفسه ولا يذكر ذلك لأحدٍ، كما أشار به أبو بكر وعمر على " ماعز "، وأن مَن اطَّلع على ذلك يستر عليه بما ذكرنا ولا يفضحه ولا يرفعه إلى الإمام كما قال ﷺ في هذه القصة " لو سترتَه بثوبك لكان خيراً لك "، وبهذا جزم الشافعي ﵁ فقال: أُحبُّ لمن أصاب ذنباً فستره الله عليه أن يستره على نفسه ويتوب، واحتج بقصة ماعز مع أبي بكر وعمر " انتهى.
" فتح الباري " (١٢ / ١٢٤، ١٢٥) .
خامساً:
نقول للأخت السائلة: إن باب التوبة مفتوح، وإن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، واعلمي أن الله تعالى يقبل التوبة من عباده، ويبدلها لهم حسنات إن هم صدقوا فيها.
قال الله تعالى: (وإني لغفار لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى) طه/ ٨٢، وقال تعالى: (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً. يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً. إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) الفرقان/ ٦٨ – ٧٠، وقال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ. وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ) الشورى/٢٥-٢٦.
وحتى تكون التوبة صحيحة: فلا بد من تحقيق شروطها، وهذه الشروط هي:
١. الإقلاع عن الذنب.
٢. الندم على فعله.
٣. العزم على عدم العود إليه.
واعلمي ـ يا أمة الله ـ أن الله تعالى قد تفضَّل على عباده التائبين، ووعدهم بتبديل سيئاتهم حسنات، فاحذري أن يتسلط الشيطان على قلبك ليحول بينك وبين التوبة، أو يوقعك في اليأس من رحمة الله تعالى؛ واعلمي أن الخبيث لم يكتف بإيقاع العباد في المعصية، حتى بدأ معهم جولة أخرى ليصدهم عن التوبة منها، فاحذري أشد الحذر.
واعلمي أن فضل الله واسع، فليس عليك إلا أن تصلحي بينك وبين ربك، وهو تعالى يتولاك، ويسددك، ويوفقك، واعلمي أن التوبة ليس فيها ذل، إنما الذل في معصية الله، بل ستعيشين مع التوبة سعيدة، هنية، بذكر الله تعالى، وطاعته، بتوفيق منه وإعانة.
وانظري – للأهمية -: جوابي السؤالين: (٤٧٨٣٤) و (٢٧١١٣) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
следующие страницы →