Полный текст (16 344 стр.). Показаны 8996–9035 · переход к 9001.
стр. 8996
جريمة الزنا والخلاص من آثاره
[السُّؤَالُ]
ـ[ماذا يجب على من وقع في جريمة الزنا للخلاص من آثار فعلته تلك؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"الزنا من أعظم الحرام، وأكبر الكبائر، وقد توعد الله المشركين، والقتلة بغير حق، والزناة، بمضاعفة العذاب يوم القيامة والخلود فيه صاغرين مهانين لعظم جريمتهم، وقبح فعلهم، كما قال الله سبحانه: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا) الفرقان/٦٨-٧٠، فعلى من وقع في شيء من ذلك التوبة إلى الله التوبة النصوح، وإتباع ذلك بالإيمان الصادق، والعمل الصالح، وتكون التوبة نصوحا إذا ما أقلع التائب من الذنب، وندم على ما مضى من ذلك، وعزم عزما صادقا على أن لا يعود في ذلك، خوفا من الله سبحانه، وتعظيما له، ورجاء ثوابه، وحذر عقابه، قال الله تعالى: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى) طه/٨٢، فالواجب على كل مسلم ومسلمة أن يحذر هذه الفاحشة العظيمة، ووسائلها غاية الحذر، وأن يبادر بالتوبة الصادقة مما سلف من ذلك، والله يتوب على التائبين الصادقين ويغفر لهم" انتهى.
"مجموع فتاوى ابن باز" (٢٢/٣٩٧) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 8997
ادعاء بإكراه والد زوجها لها على الزنا ربع قرن! وما يترتب على ذلك من أحكام
[السُّؤَالُ]
ـ[لو أن زوجة الابن كانت تُجبر على أن تضاجع أبا زوجها لمدة خمسة وعشرين سنَة! فهل هذا يفسد الزواج بزوجها الأصلي الذي هو الابن؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
ما في السؤال هو محض خيال، وتدليس على النفس، وتلبيس من إبليس! فكيف لإجبارٍ على الزنا أن يستمرَّ ربع قرن من الزمان؟! يمكن أن يحدث أن تُجبرالمرأة على الزنا من والد زوجها، أو من غيره، مرة أو مرتين؛ يوما أو يومين؛ لكن استمرار ذلك الإجبار خمساً وعشرين سنة هو أمر غير متخيَّل، وهل عجزت عن إخبار زوجها طيلة هذه المدة؟ وكيف لم تخبر أهلها؟ وكيف لم تهرب منه ومن إجباره المزعوم؟!! وكيف، وكيف..؟
أسئلة كثيرة ترد في الذهن على مثل ذلك الادعاء الغريب تجعلنا نرفض حتى مجرد التفكير فيه.
ثانياً:
من المعلوم في الشرع المطهَّر: أن زوجة الابن محرَّمة على والد زوجها إلى يوم القيامة، قال تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ ... وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً) النساء/ ٢٣، ومن كانت من النساء محرَّمة النكاح: كان الزنا بها أشد إثماً، وأعظم جرماً من الزنا بغيرها ممن يجوز له نكاحها، ولذا كانت عقوبة الزنا بالمحارم: القتل على كل حال، محصناً كان الزناة أو غير محصنِين، على الصحيح من أقوال العلماء.
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀:
الصحيح: أن الزنا بذوات المحارم فيه القتل بكل حال؛ لحديث صحيح ورد في ذلك – وهو حديث (مَنْ وَقَعَ عَلَى ذَاتِ مَحْرَمٍ فَاقْتُلُوهُ) رواه الترمذي وغيره، واختلف في رفعه ووقفه -، وهو رواية عن أحمد، وهي الصحيحة، واختار ذلك ابن القيم في كتاب " الجواب الكافي " أن الذي يزني بذات محرم منه: فإنه يُقتل بكل حال، مثل: ما لو زنا بأخته - والعياذ بالله -، أو بعمته، أو خالته، أو أم زوجته، أو بنت زوجته التي دخل بها، وما أشبه ذلك؛ لأن هذا الفرج لا يحل بأي حال من الأحوال، لا بعقد، ولا بغيره؛ ولأن هذه فاحشة عظيمة.
" الشرح الممتع على زاد المستقنع " (١٤ / ٢٤٦، ٢٤٧) .
وقال ابن قيم الجوزية ﵀ في التعليق على عقوبة قتل من وقع على ذات محرَم -:
وهذا الحكم على وِفق حكم الشارع؛ فإن المحرَّمات كلما تغلظت: تغلظت عقوباتها، ووطء من لا يباح بحال: أعظم جُرماً مِن وطء مَن يباح في بعض الأحوال، فيكون حدُّه أغلظ.
" زاد المعاد " (٥ / ٣٦) .
ومن نازع في الحديث فضعفه، ونازع في الحكم فقال: إنه لا يُقتل: فيقال له: لكن هذا لا ينطبق على حالتنا هذه؛ لأن والد الزوج محصن! فإن ثبت أنه زنا بزوجة ابنه: قتل رجماً؛ لأنه زانٍ محصن، وحد الزاني المحصن: الرجم بالحجارة حتى الموت، وهو الذي ينبغي أن يقال في مثل هذه المسألة وشبيهاتها، وهو أن من وقع على ذات محرم وهو محصن: فإنه يطبَّق عليه الحكم المتفق عليه في حالته، وهو الرجم بالحجارة حتى الموت، وأما إن كان غير محصن: ففيه خلاف هل هو كالزنا أم يقتل على كل حال، والراجح: أنه يُقتل.
ولا يختلف حكم الزوجة عن حكم والد زوجها إن ثبت أنها مطاوعة له في الزنا؛ لأنها محصنة، فحدها: الرجم بالحجارة حتى الموت، ولا يمكن لقاضٍ أن يصدِّق أنه ثمة من تُكره على الزنا ربع قرن، ولا تستطيع فع ذلك عن نفسها.
وانظر في مسألة الزنا بالمحارم: جوابي السؤالين: (٨٤٩٨٢) و (١٠٤٤٨٦) ففيهما تفصيل مفيد.
وبكل حال: فما ذكرناه هو حكم الله تعالى، والواجب على من تلبس بتلك القاذورة أن يتوب إلى الله قبل أن يلقاه على هذه الكبيرة، وأن يصلح حاله وشأنه، وأن يبتعد عن مكان تلك المعصية دون تأخير، أو تردد.
وينظر في حكم الرجم للمحصن: أجوبة الأسئلة: (٨٣٠٣٤) و (٢٠٨٢٤) و (٨٩٨١) .
ثالثاً:
لو ثبت زنا الأب بزوجة ابنه: لم يكن ذلك مفسداً للنكاح على الراجح من أقوال العلماء، وقد وقع في المسألة خلاف، فالحنفية والحنابلة يرون أن الزنا موجب لفسخ النكاح، وهو قول عند المالكية، وذهب الشافعية إلى أن زنا الأب بزوجة ابنه: لا يحرم الزوجة على الابن، ولا يوجب فسخ النكاح، وهو القول الآخر عند المالكية، وهو الأشهر والمعتمد عندهم.
قال الشافعي – ﵀:
فإن زنى بامرأة أبيه، أو ابنه، أو أم امرأته: فقد عصى الله تعالى، ولا تحرم عليه امرأته، ولا على أبيه، ولا على ابنه، امرأته، لو زنى بواحدة منهما.
" الأم " (٥ / ١٥٣) .
والراجح: هو مذهب الشافعي ﵀، أن النكاح في الآية ليس هو الوطء، بل العقد، وأن الحرام لا يحرِّم الحلال؛ للفروقات الكثيرة بين العقد، والوطء الحرام، من جهة النسب، والعدة، والميراث، وغيرها.
وهو الذي رجحه طائفة من المحققين المعاصرين.
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀:
لو أن رجلاً زنى بامرأة فهل يحرم عليه أصلها وفرعها؟ وهل يحرم عليها أصله وفرعه؟ لا يحرم؛ لأنه لا يدخل في قول: (وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَاّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ) ، وقوله: (وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ) ، وقوله: (وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ) ، والزانية لا تدخل في هذا، فالمزني بها ليست من حلائل الأبناء، وكذلك أمُّ المزني بها ليست من أمهات نسائك، إذاً: فتكون حلالاً؛ لدخولها في قوله تعالى: (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ) ، وفي قراءة و " أَحلَّ لكم ما وراء ذلك ".
والمذهب: أن الزنا كالنكاح، فإذا زنا بامرأةٍ: حرُم عليه أصولها، وفروعها، وحرم عليها أصوله، وفروعه، تحريماً مؤبَّداً، وهذا من غرائب العلم، أن يُجْعل السفاح كالنكاح، وهو من أضعف الأقوال.
" الشرح الممتع " (١٢ / ١١٩، ١٢٠) .
وقال – ﵀:
هذا الواطئ وطئ مَن ليست زوجةً له، لا شرعاً، ولا اعتقاداً، ولا يمكن أن يلحق السفاح بالنكاح، فإلحاق هذا بهذا: من أضعف ما يكون.
" الشرح الممتع على زاد المستقنع " (١٣ / ٣٣٢) .
وينظر جواب السؤال رقم: (٧٨٥٩٧) .
وبخصوص العدة على المغتصبة: ينظر تفصيلها في جواب السؤال رقم: (١٢١٤٣٨) .
ولعل مثل هذه الحوادث أن تبين للناس مدى الظُّلْمة التي يعيش فيها من ابتعد عن دين الله تعالى، وسواء ثبتت تلك الواقعة أو لم تثبت: فقد ثبت غيرها كثير، فالواجب على المسلمين أن ينتبهوا قبل أن يصبحوا عبرة لغيرهم، وليراعوا فروقات الأعمار بين آبائهم وزوجاتهم، وبين الرجال وأمهات نسائهم، فالأب الفتي الشاب ليس كالشيخ الكبير، وأم الزوجة الكبيرة ليست كالشابة الفتية، ومن لم يراعِ مثل هذا، وسمح لنفسه بالتساهل في اللمس، والتقبيل، والخلوة: فقد يسقط على أم رأسه، وفي الحوادث الكثيرة عبر لمن اعتبر.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 8998
هل يلزم المغتصبة عدة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[بنت اغتصبت بالقوة هل عليها العدة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
اختلف الفقهاء في المرأة إذا زنت- ولو بالإكراه- هل يلزمها العدة أم لا؟ على ثلاثة أقوال:
الأول: أنه لا عدة عليها، وهو مذهب الحنفية والشافعية.
وينظر: "الموسوعة الفقهية" (٢٩/٣٣٧) .
الثاني: أنها تعتد بثلاث حيضات، وهذا مذهب المالكية والحنابلة.
قال ابن قدامة ﵀ معللا لهذا القول: " أنه وطء يقتضي شغل الرحم , فوجبت العدة منه , كوطء الشبهة، وأما وجوبها كعدة المطلقة , فلأنها حرة فوجب استبراؤها بعدة كاملة , كالموطوءة بشبهة " انتهى.
"المغني" (٨/٨٠) .
وقال الدسوقي في حاشيته (٢/٤٧١) : " قال في الجلاب: وإذا زنت المرأة أو غصبت وجب عليها الاستبراء من وطئها بثلاث حيض، وإن كانت أمة استبرئت بحيضة، كانت ذات زوج أو غير ذات زوج " انتهى.
الثالث: أنها تستبرئ بحيضة واحدة، وهو قولٌ للمالكية، ورواية عن الإمام أحمد ﵀، واختارها شيخ الإسلام ابن تيمية.
قال المرداوي في "الإنصاف": " وعنه [يعني الإمام أحمد] : تُستبرأ بحيضة، اختارها الحلواني , وابن رزين , والشيخ تقي الدين [يعني: شيخ الإسلام ابن تيمية] " انتهى.
"الإنصاف" (٩/٢٩٥) .
ورَجَّح الشيخ ابن عثيمين ﵀ أنها إن كانت ذات زوج، فلا يلزمها عدة ولا استبراء، وإن كانت غير مزوجة فإنها تستبرئ بحيضة.
قال ﵀: " القول الثالث: أنها لا عدة عليها ولا استبراء، وهو مروي عن أبي بكر وعمر وعلي ﵃ وهو مذهب الشافعي، وهذا القول أصح الأقوال، لكن إن حملت على هذا القول لم يصح العقد عليها حتى تضع الحمل؛ لأنه لا يمكن أن توطأ في هذه الحال؛ لأن النبي ﷺ (نهى أن توطأ ذات حمل حتى تضع) .
والفائدة من ذلك: أنها إذا كانت ذات زوج ما نقول للزوج: تجنبها إذا زنت مثلاً، بل نقول: لك أن تجامعها، ولا يجب عليك أن تتجنبها، إلا إن ظهر بها حمل فلا تجامعها، أما إذا لم يظهر بها فإنها لك.
فلو قال قائل: ألا يحتمل أن تكون نشأت بحمل من وطء الزنا؟
نقول: هذا الاحتمال وارد، لكن قال النبي ﵊: (الولد للفراش، وللعاهر الحَجَر) ، فما دمنا ما تيقّنا أنها حملت من الزاني فإن الولد يحكم بأنه للفراش، وإذا حملت من الزاني وقلنا لزوجها: لا تطأها، فإنه يجوز أن يستمتع بها بغير الوطء؛ لأنها زوجته، وإنما مُنع من الوطء من أجل أن لا يسقي ماءه زرع غيره " انتهى.
"الشرح الممتع" (١٣/٢٣٢) .
وقال أيضاً ﵀: في (١٣/٣٨٢) : " بل إن القول المروي عن أبي بكر وجماعة من الصحابة ﵃ أن المزني بها لا عدة عليها إطلاقاً ولا تستبرأ، لا سيما إذا كانت ذات زوج؛ لقول الرسول عليه الصلاة السلام: (الولد للفراش) ، بل ينبغي للإنسان إذا علم أن زوجته زنت ـ والعياذ بالله ـ وتابت أن يجامعها في الحال، حتى لا يبقى في قلبه شك في المستقبل، هل حملت من جماع الزنا أو لم تحمل؟ فإذا جامعها في الحال حُمِلَ الولد على أنه للزوج، وليس للزاني، أما إذا كانت المرأة الزانية ليس لها زوج فلا بد أن تستبرئ بحيضة على القول الراجح " انتهى.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 8999
شروط الإحصان الذي يترتب عليه عقوبة الرجم في الزنا
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم زنى الزوجة المعقودة القران ولم يدخل بها؟ يعني أنها تزوجت ولا تزال في دار أبيها لم تقم عرساً والزوج لم يلمسها بعد، أهو الرجم حتى الموت أو الجلد؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الزنا كبيرة عظيمة، وفاحشة منكرة، تسلب صاحبها اسم الإيمان، وتعرضه للعذاب والهوان، إلا أن يتوب، قال الله تعالى: (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً) الإسراء/٣٢.
وقال النبي ﷺ : (لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ) رواه البخاري (٢٤٧٥) ومسلم (٥٧) ، وقال ﷺ : (إِذَا زَنَى الرَّجُلُ خَرَجَ مِنْهُ الْإِيمَانُ كَانَ عَلَيْهِ كَالظُّلَّةِ، فَإِذَا انْقَطَعَ رَجَعَ إِلَيْهِ الْإِيمَانُ) رواه أبو داود (٤٦٩٠) والترمذي (٢٦٢٥) وصححه الألباني في صحيح أبي داود.
وأخبر ﷺ عن عذاب الزناة في القبر، وأنهم يعذبون بالنار. رواه البخاري (١٣٢٠) .
ولقبح هذه الجريمة جعل الله عقوبة من فعلها الرجم حتى الموت إن كان محصنا، والجلد مائة جلدة إن لم يكن محصنا.
قال الله تعالى في بيان حد الزاني البكر - أي غير المحصن -: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) النور/٢.
أما المحصن فحده الرجم بالحجارة حتى الموت، كما جاء في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه (١٦٩٠) عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا، الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ) .
والثيب: هو المحصن، رجلا كان أو امرأة.
والمحصن: هو الحر البالغ العاقل الذي وطئ في نكاح صحيح.
فلا يحصل الإحصان بمجرد عقد النكاح ولو حصلت معه خلوة، بغير خلاف بين الفقهاء، بل لابد من الوطء في القبل.
قال ابن قدامة ﵀ في "المغني" (٩/٤١) : " الرجم لا يجب إلا على المحصن بإجماع أهل العلم، وفي حديث عمر: (أن الرجم حق على من زنى وقد أحصن) ، وقال النبي ﷺ : (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: ذكر منها: أو زنا بعد إحصان) .
وللإحصان شروط سبعة:
أحدها: الوطء في القبل , ولا خلاف في اشتراطه ; لأن النبي ﷺ قال: (الثيب بالثيب جلد مائة والرجم) ، والثيابة تحصل بالوطء في القبل , فوجب اعتباره، ولا خلاف في أن عقد النكاح الخالي عن الوطء , لا يحصل به إحصان ; سواء حصلت فيه خلوة , أو وطء دون الفرج , أو في الدبر , أو لم يحصل شيء من ذلك ; لأن هذا لا تصير به المرأة ثيبا , ولا تخرج به عن حد الأبكار , الذين حدهم جلد مائة وتغريب عام , بمقتضى الخبر، ولا بد من أن يكون وطئا حصل به تغييب الحشفة في الفرج ; لأن ذلك حد الوطء الذي يتعلق به أحكام الوطء.
الثاني: أن يكون في نكاح ; لأن النكاح يسمى إحصانا ; بدليل قول الله تعالى: (والمحصنات من النساء) ، يعني المتزوجات، ولا خلاف بين أهل العلم , في أن الزنى , ووطء الشبهة , لا يصير به الواطئ محصنا، ولا نعلم خلافا في أن التسري [وطء الأمة] لا يحصل به الإحصان لواحد منهما ; لكونه ليس بنكاح , ولا تثبت فيه أحكامه.
الثالث: أن يكون النكاح صحيحا، وهذا قول أكثر أهل العلم، منهم عطاء , وقتادة , ومالك , والشافعي , وأصحاب الرأي.
الرابع: الحرية وهي شرط في قول أهل العلم كلهم , إلا أبا ثور.
الشرط الخامس والسادس: البلوغ والعقل , فلو وطئ وهو صبي أو مجنون , ثم بلغ أو عقل , لم يكن محصنا، هذا قول أكثر أهل العلم , ومذهب الشافعي.
الشرط السابع: أن يوجد الكمال فيهما جميعا حال الوطء , فيطأ الرجل العاقل الحر امرأة عاقلة حرة، وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه.
وقال مالك: إذا كان أحدهما كاملا صار محصنا , إلا الصبي إذا وطئ الكبيرة , لم يحصنها " انتهى مختصرا.
وينظر: "الموسوعة الفقهية" (٢/٢٢٤) .
وبهذا يُعلم أن الزوجة المعقود عليها إذا زنت قبل أن يطأها زوجها، فعقوبتها الجلد، لا الرجم؛ لأنها لم تحصن بعد.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 9000
زنت وستر عليها زوجها، فهل الأفضل أن يقام عليها الحد أم تتوب ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أرجو منكم إعطائي الجواب الوافي الذي يبرِّد نار قلبي مما جنيتُ في حق ربي، ونفسي، وزوجي، لن أطيل بسرد القصة، علماً بأني تائبة، والله، أتفكر كل يوم بما جنتْ يدي، أو كيف انسقتُ لتلك المعصية، لأني تربيتُ مع عائلة محافظة، متمسكة بالكتاب والسنة، أسألكم بالله أفيدوني. كنت قد ارتكبتُ معصية يقام فيها حدٌّ، وزوجي علِم، وطلقني بدون فضح أمري، ثم أرجعني، وستر عليَّ وقد اتفقنا على أن يقيم عليَّ الحد! فذهب لأحد الشيوخ، فقال له: استر عليها، ولتتب لربها، أَصلَح لها، وأنا من معرفتي بالدِّين علمتُ بأن الله يعذب الزاني في القبر، فهل إن تبت، وصلح أمري: فإني سأنال من عذاب ربي بعد موتي؟ . أرجوكم، أفيدوني بجواب وافٍ، فقد قرأتُ جميع الآراء والأحكام، ولم أعرف ما الصح والخطأ، أرجوكم، أفيدوني، فهل يجب أن أقيم الحدَّ، أم أن توبتي كافية وأعيش ذليلة طيلة حياتي؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
إنْ كان منْ شيءٍ نبدأ به جوابنا: فهو أن نذكر المسلمين والمسلمات بتقوى الله وطاعته، وأن يأخذوا العبرة والعظة من أحوال الناس، وأن لا يعتقدوا في أنفسهم البُعد عن الوقوع في الفواحش والمنكرات، وأن يبتعدوا عن الصحبة السيئة والمهيجات، وأن لا يجني الواحد منهم على نفسه بلذة تزول وتبقى حسرتها وألمها حتى يلقى ربه، وليس كل واحد ممن عصى ربَّه يوفَّق لتوبة صادقة، ويأتي بحسنات ماحية.
ثانياً:
نثني على ربنا التواب الرحيم بما هو أهله، هو أهل التقوى وأهل المغفرة، ونحمده تعالى وشكره أن وفقكِ للتوبة، وأن يسَّر لك أن ترجعي لصوابك، فليس كل من فعل معصية وُفق للتخلص منها، والتوبة بعد فعلها، وها قد وفقك ربك لتلك التوبة فاحمديه، واشكريه، وأكثري من الثناء عليه ، فلولا أن وفقك لها لما كنت تنعمين بها، وما بقى في نفسك من حسرة وألم جراء تلك المعصية، فلعلَّ الله يجعل منها جداراً مانعاً من إعادة الوقوع فيها، ولعلَّ ذلك الألم أن ينزل دمعة تطهر ما أصاب النفس من خبث المعصية، ولعلَّ ألمك بعدها أن يُحدث طاعة تدومين عليها، إلى أن تلقي ربك، قال الله تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ) هود/١١٤
ثالثاً:
ونثلِّث بالثناء على ذلك الزوج الشهم الأصيل، والذي لم يفضح أمر زوجته النادمة التائبة، وهذا إن دلَّ على شيء فيدل على عقل راجح، وشهامة وطيب معدن، ودين متين، ونبشره بقول النبي ﷺ : (مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا: نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ) رواه مسلم (٢٦٩٩) من حديث أبي هريرة ﵁، وأصله في الصحيحين من حديث ابن عمر ﵄.
رابعاً:
نقول للزوج الشهم الموفق: إن ما قاله ذلك الشيخ من الستر على زوجتك، وإصلاح حالها: هو المتعين، وأنه لا يجوز لأحدٍ أن يقيم الحدَّ على من فعل ما يستوجبه به، بل الحدود لا يقيمها إلا الولاة الشرعيون، ومن يقوم مقامهم، وأنتم تعيشون في بلاد لا يقام فيها حد، ولا يحكم فيها بشرع الله تعالى.
قال النووي – ﵀: " قال العلماء: لا يستوفي الحدَّ إلا الإمام، أو من فوَّض ذلك إليه " انتهى.
" شرح مسلم " (١١ / ١٩٣) .
وليعلم الزوج والزوجة: أنه لو كان عيشهما في بلاد المسلمين، وعندهم الحاكم الذي يقيم الحدود الشرعية على من يستحقها، ما كنا سننصحه بالذهاب للقاضي أو الحاكم ليقيم على زوجته الحد؛ وذلك لأن ستر العاصي على نفسه خير له من فضح نفسه، ولو كان بعد ذلك يقام عليه الحد المطهِّر، وإننا لننصح بما نصح به النبي ﷺ ، ونصح به الخليفة الراشد أبو بكر الصدِّيق، وعمر بن الخطاب ﵄.
ففي صحيح مسلم (١٦٩٥) جاء " ماعز " يقول للنبي ﷺ " طهِّرني "، قال له: (ويحك ارجع فاستغفر الله وتب إليه) .
قال الحافظ ابن حجر – ﵀: " ويؤخذ من قضيته – أي: ماعز عندما أقرَّ بالزنى - أنه يستحب لمن وقع في مثل قضيته أن يتوب إلى الله تعالى ويستر نفسه ولا يذكر ذلك لأحدٍ، كما أشار به أبو بكر وعمر على " ماعز "، وأن مَن اطَّلع على ذلك يستر عليه بما ذكرنا ولا يفضحه ولا يرفعه إلى الإمام كما قال ﷺ في هذه القصة " لو سترتَه بثوبك لكان خيراً لك "، وبهذا جزم الشافعي ﵁ فقال: أُحبُّ لمن أصاب ذنباً فستره الله عليه أن يستره على نفسه ويتوب، واحتج بقصة ماعز مع أبي بكر وعمر " انتهى.
" فتح الباري " (١٢ / ١٢٤، ١٢٥) .
خامساً:
نقول للأخت السائلة: إن باب التوبة مفتوح، وإن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، واعلمي أن الله تعالى يقبل التوبة من عباده، ويبدلها لهم حسنات إن هم صدقوا فيها.
قال الله تعالى: (وإني لغفار لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى) طه/ ٨٢، وقال تعالى: (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً. يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً. إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) الفرقان/ ٦٨ – ٧٠، وقال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ. وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ) الشورى/٢٥-٢٦.
وحتى تكون التوبة صحيحة: فلا بد من تحقيق شروطها، وهذه الشروط هي:
١. الإقلاع عن الذنب.
٢. الندم على فعله.
٣. العزم على عدم العود إليه.
واعلمي ـ يا أمة الله ـ أن الله تعالى قد تفضَّل على عباده التائبين، ووعدهم بتبديل سيئاتهم حسنات، فاحذري أن يتسلط الشيطان على قلبك ليحول بينك وبين التوبة، أو يوقعك في اليأس من رحمة الله تعالى؛ واعلمي أن الخبيث لم يكتف بإيقاع العباد في المعصية، حتى بدأ معهم جولة أخرى ليصدهم عن التوبة منها، فاحذري أشد الحذر.
واعلمي أن فضل الله واسع، فليس عليك إلا أن تصلحي بينك وبين ربك، وهو تعالى يتولاك، ويسددك، ويوفقك، واعلمي أن التوبة ليس فيها ذل، إنما الذل في معصية الله، بل ستعيشين مع التوبة سعيدة، هنية، بذكر الله تعالى، وطاعته، بتوفيق منه وإعانة.
وانظري – للأهمية -: جوابي السؤالين: (٤٧٨٣٤) و (٢٧١١٣) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 9001
هل يجوز للزاني الزواج من مؤمنة
[السُّؤَالُ]
ـ[أرجو أن تخبرني ما إذا كان يجوز لي أن أتزوج بمؤمنة إن أنا مارست الجنس مع امرأة غير مسلمة في الماضي.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إذا تاب الزاني توبة نصوحاً، فإن الله يتوب عليه، لأن الله تعالى قال: (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابا (٧١) الفرقان.
يراجع سؤال ٧٢٨، وإذا تاب فله أن يتزوج بمؤمنة، وينبغي على الزاني إذا تاب أن يستر على نفسه، ولا ينشر ذلك. والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 9002
منعها والدها من التزوج برجل فوقعت في الزنا معه !
[السُّؤَالُ]
ـ[أواجه مشكلة عويصة، منذ عام تقريباً، فأنا فتاة تركية، أبلغ من العمر ٢١ عاماً، وأعيش بألمانيا، وبالرغم من عدم تدين أسرتي: فإني أحاول - والحمد لله - التمسك بتعاليم الإسلام، ومع هذا: فهناك مشكلات كثيرة تنشأ بيني وبين أسرتي، لأنهم يرفضون تمسكي بأمور الدين، كالحجاب، وما إلى ذلك، وأريد الآن أن أتزوج من أفغاني، متدين أيضاً، وقد أخبرت والدي بذلك، لكنه وطني، متعصب، ويرفض هذه الزيجة، وقد ضربني لهذا السبب، ولم يعد بوسعي التحمل، ولا تستطيع والدتي مساعدتي؛ لأنها تخاف من والدي كثيراً، ونحن ننتظر منذ عام، ولم يوافق على الزواج بعدُ، وفى أثناء هذه المدة وقعنا في الزنا، ولا ندري ماذا نفعل، ونحن محطمون داخليّاً، ونريد الزواج، لكنَّا لا نستطيع دون موافقة والدي، ولهذا فأنا لا أدري ماذا أفعل، فهل يجوز الزواج دون موافقة والد الفتاة؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
نعجب منكِ حين تقولين إنك تحاولين التمسك بتعاليم الإسلام، ثم نراك تفرطين في أغلى ما تملكه الفتاة بعد دينها، وهو عفتها، وشرفها! فكيف رضيت لنفسك الدون، والسوء؟! وكيف أسلمتِ عرضك لأجنبي لينتهكه؟! وهل عدم موافقة أهلك على زوج بعينه يبيح لك الوقوع في الزنا، وارتكاب تلك الكبيرة البشعة؟!
ثم العجب، أيضاً، من المتدين الآخر الذي أوقعك، أو وقع معك في تلك القاذورة؛ فإننا لم نعد ندري صراحة: ما هو التدين في نظركم؟!
والواجب عليك الآن: التوبة الصادقة مما وقعتِ به، ويلزم من ذلك: الندم على ما حصل منك، والعزم على عدم العوْد لمثل تلك المعصية، وقطع العلاقة بالكلية بذلك الفاجر الأثيم، ولا يحل لك محادثته، أو مراسلته، فضلاً عن اللقاء به، وهذا مقتضى التوبة الصادقة التي أمر الله تعالى بها المذنبين في قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) التحريم/ من الآية ٨.
ثانياً:
اعلمي أن فعلكما هذا قد جعل زواجكما محرَّماً، حتى وإن وافق والدك على الزواج؛ ذلك أن الله تعالى لم يحل نكاح الزاني، والزانية، إلا أن يتوبا.
قال ابن قدامة – ﵀:
وإذا زنت المرأة: لم يحلَّ لمن يعلم ذلك نكاحها إلا بشرطين:
أحدهما: انقضاء عدتها، فإن حملت من الزنا فقضاء عدتها بوضعه، ولا يحل نكاحها قبل وضعه.
والشرط الثاني: أن تتوب من الزنا.
وقال:
وإذا وُجد الشرطان: حلَّ نكاحها، للزاني، وغيره، في قول أكثر أهل العلم، منهم: أبو بكر، وعمر، وابنه، وابن عباس، وجابر، وسعيد بن المسيب، وجابر بن زيد، وعطاء، والحسن، وعكرمة، والزهري، والثوري، والشافعي، وابن المنذر، وأصحاب الرأي " انتهى.
"المغني" (٧ / ١٠٨، ١٠٩) .
وقد بينا حكم هذه المسألة في أجوبة الأسئلة التالية: (١١١٩٥) و (٨٥٣٣٥) و (٩٦٤٦٠) و (٨٧٨٩٤) و (١٤٣٨١) .
وحينئذ، إذا منّ الله عليك بالتوبة النصوح من ذلك الإثم المبين، والفعل المشين، فبإمكانك أن تتزوجي من هذا الرجل، إنْ رأيت منه التوبة الصادقة هو الآخر، وأمكنك أن تقنعي والدك، أو أمكنه هو أن يستميله إلى الموافقة، فإن لم يتيسر ذلك فعسى الله أن يبدلك خيراً منه.
ثالثاً:
أما وصيتنا للأولياء عموماً: أن اتقوا الله في مولياتكم، ولا تُقدموا على فعلٍ تندمون على آثاره طوال عمركم، وليس الندم بنافعكم، (فإذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه) ، هذه وصية نبيكم ﷺ ، (فإن لم تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير) كما في تكملة الحديث، فمن جاءكم راغباً بالتزوج من بناتكم أو أخواتكم فلا تضعوا العراقيل أمام تزوجه، ولا تقدموا اللغة، والجنس، والعرق، واللون، على الدِّين، ولا تدعوا فرصة للشيطان لأن يوقع مولياتكم في شباكه وشراكه، واحذروا من تسويل الشيطان لهنَّ بفعل أمرين خطيرين، وإثمين عظيمين، وهما: الزنا، أو الزواج من المتقدم لها والمرفوض من قبلكم بغير ولي، وهو ما يجعل العقد فاسداً، وها أنتم الآن أمام قصة واقعية جاءت في هذا السؤال، فها هي الفتاة وقعت في الزنا مع المتقدم لها، وها هي تسأل عن التزوج بغير إذن وليها، وليس هذا بعذر لها، لكن أنتم ما هو عذركم عند خالقكم عندما يحاسبكم على الأمانة التي توكلتم بحفظها؟ فهل سيكون عذركم عند الله عندما تردون صاحب الدِّين إذا أراد التزوج ببناتكم، أو أخواتكم، وفق الكتاب والسنَّة؟! .
ونحن لا نختلق أعذراً لتلك الفتاة، فقد وقعتْ في إثم عظيم، وإن هي تزوجت بغير إذن وليها فنكاحها فاسد، ولكننا في الوقت نفسه نلوم الأولياء الذين لا يتقون ربهم تعالى، ويفرطون في الأمانة المودعة عندهم.
ونقول للفتاة أيضاً: قد يكون من الخير لك أن يرد أهلك بعض المتقدمين لك إن رأوا مصلحة لك في دينك ودنيا، فلا ينبغي الإصرار على شخص بعينه، والأولياء الذين يمنعون تزوج مولياتهم بالكلية هم آثمون، وللمرأة أن ترفع أمرها لقاضٍ شرعي، أو من يقوم مقامه، لينقل الولاية لغير ذلك الولي الرافض تزويجها، فإن لم يوجد أحد يستحق الولاية غيره: كان القاضي الشرعي، أو من يقومه مقامه: في حكم الولي، ويزوجها هو بنفسه، وأما أن تعقد المرأة لنفسها بغير ولي مطلقاً: فعقدها فاسد.
وينظر في ذلك كله: أجوبة الأسئلة التالية: (٧١٩٣) و (١٠١٩٦) و (٣٦٢٠٩) و (٢١٢٧) و (٧٩٨٩) .
وفي الأجوبة المحال عليها بيان أدلة فساد العقد إن كان بغير موافقة الولي، وفيها بيان لما تفعله المرأة إن منعها وليها من التزوج، وفوائد أخرى.
وانظري جواب السؤال رقم (٢٠١٦٢) لتقفي على قصة بعض النساء اللاتي خالفن رأي أهلهن وتزوجن بمن يرغبن.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 9003
الحكَم الجليلة في تحريم الزنا
[السُّؤَالُ]
ـ[عندي صديق يحاول أن يفهم لماذا حُرِّم الزنا! كلانا يتصفح هذا الموقع، لكن كل ما وجدناه هو أن هناك نصوصاً من الكتاب والسنَّة تخبرنا بعدم ارتكاب الزنا، وأن العقوبة تنتظرهم، على أية حال: هل يمكنكم أن تبيِّنوا الحكمة من عدم ارتكاب الزنا؟ هل هناك أي مثال في القرآن يبين سبب جعله حراماً؟ هناك أسباب واضحة مثل قطع البنية الاجتماعية، وإيجاد نساء مومسات، لكن هل هناك أي قصة في القرآن والحديث؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً: الواجب على المؤمن أن يمتثل حكم الله تعالى سواء عرف الحكمة أم لم يعرفها، مع تسلميه بأن الله تعالى لم يشرع هذا الحكم إلا لحكم عظيمة، تحقق المصلحة والخير للناس، وتدفع عنهم الشرور والمفاسد.
قال الله تعالى: (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون) النور/٥١.
ومع ذلك ... فلا مانع من أن يبحث المؤمن عن الحكمة حتى يزداد يقينه بكمال هذه الشريعة، وأنها ـ حقاًّ ـ من عند الله تعالى، وليستطيع بذلك مجادلة غير المسلمين، وإقناعهم بأن هذه الشريعة حق.
ثانياً:
لقد حرم الله تعالى الزنا، تحريماً قطعياً، وأوجب على من ارتكبه عقوبة تقام عليه في الدنيا، وهي الحد، ولسنا بحاجة إلى ذكر بعض النصوص في ذلك، لأنها معلومة، ولكننا نذكر هنا بعض الحكم لتحريم الزنا.
فمن هذه الحكَم:
١. موافقة هذا التحريم للفطرة التي فطر الله الناس عليها، من الغَيْرة على العِرْض، وبعض الحيوانات تغار على عرضها، فقد ثبت في صحيح البخاري (٣٨٤٩) عن عمرو بن ميمون الأودي قال: رأيت في الجاهلية قرداً زنا بقردة، فاجتمع القرود عليها، فرجموها حتى ماتت! .
فإذا كان القرد يغار على عرضه، ويستقبح الزنا، فكيف لا يغار الإنسان على عرضه؟
فأي رجل يقبل أن يجعل زوجته أو ابنته أو أمه أو أخته متاعاً للناس وسلعة مجانية، فقد رضي لنفسه أن ينزل عن مرتبة بعض الحيوانات، كما يوجد الآن في بعض البلاد الغربية ما يسمونه بـ "نوادي تبادل الزوجات"!!
٢. المنع من اختلاط الأنساب، فمن أباح الزنا فإنما يبيح إدخال ما ليس من صلبه في أسرته وعائلته، فيشارك أفراد الأسرة في الميراث وهو ليس منهم، ويعاملهم معاملة المحارم وهو ليس محرماً لهم.
٣. المحافظة على الأسرة والحياة العائلية فإن الزنا يُفسد البيوت ويدمرها، فإذا اتخذ الزوج عشيقة، أو اتخذت الزوجة عشيقاً، فلا شك أن ذلك سيدمر الأسرة ويشتتها.
٤. الحماية من الأمراض، التي هي عقوبة ربانية على انتشار تلك الفاحشة، ولا يخفى ما تعانيه كثير من الشعوب الإباحية من أمراضٍ خطيرة، كالزهري والسيلان، والإيدز الذي أفنى ملايين الناس، وما يزال الملايين مصابين به، ففي عام ١٤٢٧ هجري، الموافق ٢٠٠٦ م بلغ عدد المصابين بهذا المرض: ٤٥ مليوناً، وقد مات بسببه: ٢٠ مليوناً، وحوالي ٣٠١ مليوناً نتيجة لأسباب مرتبطة بذلك المرض.
ويعتبر الإيدز السبب الرئيس للوفاة في أفريقيا، والسبب الرابع للوفاة على مستوى العالم.
فأي عاقل يرضى بانتشار هذه الأمراض في المجتمعات؟
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لَمْ تَظْهَرْ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا، إِلَّا فَشَا فِيهِمْ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمْ الَّذِينَ مَضَوْا) . رواه ابن ماجه (٤٠١٩) ، وحسنه الألباني في " صحيح ابن ماجه ".
وقد وقع ما أخبر به الرسول ﷺ .
٥. المحافظة على كرامة المرأة؛ فإن إباحة الزنا يعني سلب المرأة كرامتها، وجعلها سلعة مهانة، والإسلام جاء لإكرام الناس، وبخاصة المرأة، بعد أن كانت في الجاهلية متاعاً يورَث، ومحلاًّ للإهانة والتحقير.
٦. المنع من انتشار الجرائم، فالزنا من أسباب انتشار جرائم القتل وكثرتها، فقد يقتل الزوج زوجته وعشيقها، وقد يقتل الزاني زوج معشوقته أو من ينازعه عليها، وقد تقتل المرأة من زنى بها، إن كان قد زنا بها بالإكراه مثلاً.
قال ابن القيم – ﵀:
"ولمَّا كانت مفسدة الزنا من أعظم المفاسد، وهي منافية لمصلحة نظام العالم في حفظ الأنساب، وحماية الفروج، وصيانة الحرمات، وتوقي ما يوقع أعظم العداوة والبغضاء بين الناس، من إفساد كل منهم امرأة صاحبه، وبنته، وأخته، وأمه، وفي ذلك خراب العالم: كانت تلي مفسدة القتل في الكبَر، ولهذا قرنها الله سبحانه بها في كتابه، ورسوله ﷺ في سننه، قال الإمام أحمد: " ولا أعلم بعد قتل النفس شيئاً أعظم من الزنا "، وقد أكد سبحانه حرمته بقوله: (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاما * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيما) الفرقان/٦٨-٧٠.
فقرنَ الزنا بالشرك، وقتل النفس، وجعل جزاء ذلك: الخلود في النار في العذاب المضاعف المهين، ما لم يرفع العبد موجب ذلك بالتوبة، والإيمان، والعمل الصالح، وقد قال تعالى: (ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا) ، فأخبر عن فُحشه في نفسه، وهو القبيح الذي قد تناهى قبحه حتى استقر فحشه في العقول، حتى عند كثير من الحيوانات" انتهى.
" الجواب الكافي " (ص ١٠٥) .
والله الموفق
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 9004
هل ينفسخ نكاح الزانية ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[إذا زنت المرأة وهي متزوجة هل لا تزال زوجة، أم ينفسخ نكاحها وتطلق بهذا الفعل؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إذا زنت المرأة وهي متزوجة فلا ينفسخ نكاحها ولا تطلق بمجرد وقوعها في هذه المعصية، لكن.. يؤمر زوجها إذا لم تتب وأصرت على هذه الفاحشة أن يطلقها، حفاظاً على عرضه، وأولاده.
قال ابن قدامة ﵀:
"وإن زنت امرأة رجل , أو زنى زوجها , لم ينفسخ النكاح , سواء كان قبل الدخول أو بعده , في قول عامة أهل العلم. وبذلك قال مجاهد وعطاء والنخعي والثوري والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي ... ولكن أحمد استحب للرجل مفارقة امرأته إذا زنت , وقال: لا أرى أن يمسك مثل هذه. وذلك أنه لا يؤمن أن تفسد فراشه , وتلحق به ولدا ليس منه. قال ابن المنذر: لعل من كره هذه المرأة إنما كرهها على غير وجه التحريم , فيكون مثل قول أحمد هذا.
قال أحمد: ولا يطؤها حتى يستبرئها بثلاث حيض ...
والأولى أنه يكفي استبراؤها بالحيضة الواحدة" انتهى بتصرف.
"المغني" (٩/٥٦٥) .
وقال في "كشاف القناع" (٥/٢) :
"وإن زنت امرأة قبل الدخول أو بعده لم ينفسخ النكاح، أو زنى رجل قبل الدخول بزوجته أو بعده لم ينفسخ النكاح بالزنا، لأنه معصية لا تخرج عن الإسلام أشبه السرقة , لكن لا يطؤها حتى تعتد إذا كانت هي الزانية " انتهى بتصرف.
وقال الشيخ الشنقيطي ﵀:
"اعلم أن من تزوج امرأة يظنها عفيفة، ثم زنت وهي في عصمته: أن أظهر القولين: أن نكاحها لا يفسخ، ولا يحرم عليه الدوام على نكاحها، وقد قال بهذا بعض من منع نكاح الزانية مفرِّقاً بين الدوام على نكاحها، وبين ابتدائه.
واستدل من قال هذا بحديث عمرو بن الأحوص الجشمي ﵁ أنه شهد حجة الوداع مع رسول الله ﷺ ، فحمد الله، وأثنى عليه، وذَكَّر، ووعظ ثم قال: (استوصوا بالنساء خيراً، فإنهن عندكم عوانٍ ليس تملكون منهن شيئاً غير ذلك إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع، واضربوهن ضرباً غير مبرح، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً) .
قال الشوكاني في حديث عمرو بن الأحوص هذا: أخرجه ابن ماجه والترمذي وصححه، وقال ابن عبد البر في " الاستيعاب " في ترجمة عمرو بن الأحوص المذكور، وحديثه في الخطبة صحيح ا. هـ.
وحديثه في الخطبة هو هذا الحديث بدليل قوله " فحمد الله وأثنى عليه وذَكَّر ووعظ "، وهذا التذكير والوعظ هو الخطبة كما هو معروف ... .
وبه تعلم أن قول من قال: إن من زنت زوجته فسخ نكاحها وحرمت عليه: خلاف التحقيق، والعلم عند الله تعالى " انتهى.
" أضواء البيان " (٦ / ٨٢، ٨٣) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 9005
هل تحذر أولادها من عمتهم ؟!!
[السُّؤَالُ]
ـ[أخت زوجي لها سوابق في الزنا بالمحرمات، وقطعنا عنهم فترة ١٥ سنة، ثم رجع زوجي يكلمهم، فخفت على أولادي فطعنت بشرفها أمامهم ليبعدوا عنها، قلت: إن عمتكم مارست الجنس مع خالها، فهل يجوز ذلك لأبعد أطفالي - مع أن أطفالي منقطعون عنها، ولكن خفت من زوجي يؤثر عليهم -؟ فتكلمت على شرفها، هل يجوز؟ . وجزاكم الله خيراً.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
حفظت الشريعة المطهرة أعراض الناس من أن تنال بالسوء، فشرعت لذلك حدَّ الزنى، وحدَّ القذف، حتى لا يجرؤ أحد على انتهاك أعراض الناس بالفعل وهو يعلم أن مصيره الجلد، أو الرجم حتى الموت، إلا أن يكون مفضلاً للخزي والعار والموت، على الطهارة والنقاء والسلامة، كما لا يجرؤ أحد على انتهاك أعراض الناس بالقول وهو يعلم أنه سيقام عليه حدُّ القذف، وسترد شهادته، ويكون من الفاسقين، إلا أن يكون متجرِّئا على الباطل، راضياً بالسوء والمنكر، على طهارة اللسان وعفته.
وأنت أيتها الأخت السائلة: لا يخلو ما قلتيه في حق أخت زوجك من أمرين:
الأول: أن تكون الجريمة منها غير ثابتة عليها شرعاً، وإنما هي أقاويل وافتراءات.
والثاني: أن تكون تلك الجريمة ثابتة عليها.
وثبوت تلك الجريمة لا يكون بادعاء الناس، ولا بأقاويلهم المفتراة، بل لا بدَّ من ثبوتها بإحدى الطرق الشرعية؛ حماية للأعراض؛ وحفظاً لها من طعن السفهاء، ومن طرق ثبوت جريمة الزنى – بالمحارم وبغيرهم -:
١. شهادة أربعة رجال، يرون الفرج في الفرج – الميل في المكحلة -.
٢. اعتراف الزانية على نفسها أنها فعلت تلك الجريمة.
ولا يعد اعتراف الطرف الآخر بينة على طرفه المقابل حتى يعترف هو بفعله.
وعليه:
فلو أن تلك الجريمة المدعاة على أخت زوجتك لم تكن ثابتة بشهادة الشهود، ولا باعترافها: فإن قولك لأبنائك عنها: يعد قذفاً تستحقين عليه الحدَّ الشرعي، فيلزمك أن تتوبي وتستغفري ربك تعالى، وتكذِّبي نفسك أمام أولادك.
قال تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) النور/ ٤، ٥.
وقال سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) النور/ ٢٣.
قال الإمام ابن جرير الطبري – ﵀:
والذين يَشْتمون العفائف من حرائر المسلمين، فيرمونهنّ بالزنا، ثم لم يأتوا على ما رمَوْهن به من ذلك بأربعة شهداء عدول يشهدون عليهنّ أنهنّ رأوهن يفعلن ذلك: فاجلدوا الذين رموهن بذلك ثمانين جلدة، ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً، وأولئك هم الذين خالفوا أمر الله وخرجوا من طاعته ففسقوا عنها.
" تفسير الطبري " (١٩ / ١٠٢) .
وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – ﵀:
قوله تعالى في هذه الآية: (يرمون) معناه: يقذفون المحصنات بالزنا صريحاً، أو ما يستلزم الزنا، كنفي نسب ولد المحصنة عن أبيه؛ لأنه إن كان مِن غير أبيه: كان مِن زنى، وهذا القذف هو الذي أوجب الله تعالى به ثلاثة أحكام:
الأول: جلد القاذف ثمانين جلدة.
والثاني: عدم قبول شهادته.
والثالث: الحكم عليه بالفسق.
فإن قيل: أين الدليل من القرآن على أن معنى (يرمون المحصنات) في هذه الآية: هو القذف بصريح الزنى، أو بما يستلزمه كنفي النسب؟ .
فالجواب: أنه دلت عليه قرينتان من القرآن:
الأولى قوله تعالى: (ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ) بعد قوله (يَرْمُونَ المحصنات) ، ومعلوم أنه ليس شيء من القذف يتوقف إثباته على أربعة شهداء إلا الزنى، ومن قال: إن اللواط حكمه حكم الزنى: أجرى أحكام هذه الآية على اللائط.
القرينة الثانية: هي ذكر (المحصنات) بعد ذكر الزواني في قوله تعالى (الزاني لَا يَنكِحُ إِلَاّ زَانِيَةً) النور/ ٣، وقوله تعالى: (الزانية والزاني فاجلدوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ) النور/ ٢، فذِكْر المحصنات بعد ذكر الزواني: يدل على إحصانهن، أي: عفتهن عن الزني، وأّن الذين يرمونهن إنما يرمونهن بالزنى.
" أضواء البيان " (٥ / ٤٣١) .
وأما إن كانت تلك الجريمة المنكرة قد ثبتت على أخت زوجك أنها فعلتها بشهادة أربعة عدول، أو باعترافها: فإنها تكون مرتكبة لجريمة نكراء، وإذا كان الزنى من كبائر الذنوب: فإن الزنى بالمحارم أقبح منه، وأشد إثماً، وأعظم جرماً.
قال ابن نجيم الحنفي – ﵀:
والزنا محرم بجميع أنواعه، وحرمة الزنا بالمحارم أشد، وأغلظ، فيجتنب الكل.
" البحر الرائق شرح كنز الدقائق " (٨ / ٢٢١) .
وقال ابن حجر الهيتمي – ﵀:
وأعظم الزنا على الإطلاق: الزنا بالمحارم.
" الزواجر عن اقتراف الكبائر " (٢ / ٢٢٦) .
وقد ذهب بعض العلماء إلى أن من زنى بمحرم من محارمه قتل، سواء أكان محصناً أم غير محصن، وذهب جمهر الفقهاء إلى أن عقوبة الزنى بالمحارم هي عقوبة الزاني بالأجنبية، فيجلد مئة جلدة إن كان غير محصن، ويرجم حتى الموت إن كان محصناً.
قال الإمام ابن القيم ﵀:
قد اتفق المسلمون على أن من زنا بذات محرم فعليه الحد، وإنما اختلفوا في صفة الحد هل هو القتل بكل حال، أو حده حد الزاني، على قولين، فذهب الشافعي، ومالك، وأحمد - في إحدى روايتيه -: إلى أن حدَّه حد الزاني، وذهب أحمد، وإسحق، وجماعة من أهل الحديث إلى أن حدَّه القتل بكل حال.
" الجواب الكافي " (ص ١٢٣) .
ومن آثار ثبوت تلك الجريمة على أخت زوجك: أنه لا يعد ما قلتيه في حقِّها قذفاً، إلا إن كانت قد تابت من ذلك الفعل توبة نصوحاً، أو أقيم عليها الحد الشرعي – إن كان الحد هو الجلد -، فإن ثبتت جريمتها، ولم تتب منها، ولم يقم عليها حد الجلد: جاز تحذير أولادك وغيرهم ممن يمكن أن يتأثروا بها، أو تسوء أخلاقهم بمصاحبتها وزيارتها، وليس هذا من الغيبة المحرمة، بل هو من الغيبة الجائزة.
قال النووي – ﵀:
اعلم أنَّ الغيبةَ وإن كانت محرّمة: فإنها تُباح في أحوال، للمصلحة، والمُجوِّزُ لهَا غرض صحيح شرعي، لا يمكن الوصولُ إليه إلا بها، وهو أحد ستة أسباب:
...
الرابع: تحذير المسلمين من الشرّ، ونصيحتهم.
" الأذكار للنووي " (ص ٧٩٢) .
على أن يكون ذلك التحذير لا يكون دافعه وجود خلاف شخصي، بل يجب أن يكون على وجه النصح.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀ –:
وهذا كله يجب أن يكون على وجه النصح، وابتغاء وجه الله تعالى، لا لهوى الشخص مع الإنسان، مثل أن يكون بينهما عداوة دنيوية، أو تحاسد، أو تباغض، أو تنازع على الرئاسة، فيتكلم بمساويه مظهراً للنصح، وقصده في الباطن الغض من الشخص، واستيفاؤه منه، فهذا مِن عمل الشيطان، و (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) ، بل يكون الناصح قصده أنَّ الله يصلح ذلك الشخص، وأن يكفي المسلمين ضرره في دينهم، ودنياهم، ويسلك في هذا المقصود أيسر الطرق التي تمكنه.
" مجموع الفتاوى " (٢٨ / ٢٢١) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 9006
تابت من علاقة محرمة وفقدت بكارتها فهل تتزوج من زنى بها ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا على علاقة بشاب أفقدني عذريتي، وأنا الآن لست بكراً، وأنا تبت من هذا الفعل، أدعو الله أن يتقبل التوبة، وهذا الشاب تقدم لخطبتي، ولكن هو ليس ملتزماً، ومثل أي شاب في شرب الحشيش، والسجاير، والخمر، ماذا أفعل هو أولى بي بعد فعلته، أم أتركه وأعمل عملية ترقيع غشاء وأتزوج بآخر ملتزم؟ علماً بأني كنت حامل منه وأجهضت نفسي، ويعلم الله صدق توبتي؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
الزنا من كبائر الذنوب، وقد حرَّم الله تعالى فعل الأسباب المؤدية له، وشرع الحد على فاعله، وتوعد الزناة بالعذاب في الآخرة.
قال الله تعالى: (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا) الإسراء/ ٣٢.
قال ابن جرير الطبري – ﵀ –:
(لا تَقْرَبُوا) أيها الناس.
(الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً) يقول: إِن الزّنا كان فاحشة.
(وَساءَ سَبِيلاً) يقول: وساء طريق الزنا طريقاً؛ لأنه طريق أهل معصية الله، والمخالفين أمره، فأسوئ به طريقاً، يورد صاحبه نار جهنم.
" تفسير الطبري " (١٧ / ٤٣٨) .
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – ﵀ –:
والنهي عن قربانه أبلغ من النهي عن مجرد فعله؛ لأن ذلك يشمل النهي عن جميع مقدماته ودواعيه فإن: (من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه) خصوصاً هذا الأمر الذي في كثير من النفوس أقوى داع إليه، ووصف الله الزنى وقبحه بأنه (كَانَ فَاحِشَةً) أي: إثما يستفحش في الشرع، والعقل، والفِطَر؛ لتضمنه التجري على الحرمة في حق الله، وحق المرأة، وحق أهلها، أو زوجها، وإفساد الفراش، واختلاط الأنساب، وغير ذلك من المفاسد.
وقوله: (وَسَاءَ سَبِيلا) أي: بئس السبيل سبيل من تجرأ على هذا الذنب العظيم.
" تفسير السعدي " (ص ٤٥٧) .
وانظري أجوبة الأسئلة: (٧٦٠٦٠) و (٢٠٩٨٣) و (٩٥٧٥٤) .
ثانياً:
أما بخصوص الإجهاض: فإن كان الجنين قد نفخت فيه الروح: فتكون هذه جريمة أخرى غير جريمة الزنا، وإن لم ينفخ فيه الروح: فالأمر أهون.
وانظري تفصيل هذا في أجوبة الأسئلة: (١١١٩٥) و (١٣٣١٩) و (١٣٣٣١) و (٩٠٠٥٤) .
ثالثاً:
نحمد الله أن وفقك للتوبة، ونرجو أن تكون توبة صادقة، ومن شروط التوبة الصادقة: الندم على ما اقترفتِ من جرم، والإقلاع المباشر عن تلك الفاحشة، وعن كل ما يؤدي إليها، من اتصال، أو مراسلة، أو مواعيد، ومن شروط التوبة – كذلك -: العزم على عدم الرجوع لهذا الفعل المبتذل.
كما أنه عليكِ الإكثار من الأعمال الصالحة، من صلاة، وقراءة للقرآن، وصيام، حتى يتقوى جانب الإيمان والتقوى في نفسك، والحسنات يذهبن السيئات، والتوبة الصادقة تجبُّ ماقبلها، وتبدل السيئات حسنات، قال تعالى – بعد أن ذكر جرائم الشرك، والقتل، والزنا -: (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) الفرقان/ ٧٠.
رابعاً:
أما بخصوص زواجك من ذلك المجرم: فاعلمي أنه يشترط لصحة زواج الزاني والزانية التوبة الصادقة، والذي ظهر لنا من سؤالك أنه ليس تائباً من فعله، بل زاد على بلائه الأول أنه ما عليه من سوء الحال، وتناول الحشيش، وشرب المسكرات، والذي نظنه – كذلك – فيمن هذه حاله: أنه لا يصلي، فإن صدق هذا الظن: فإنه يُجزم بعدم جواز القبول به زوجاً؛ لأن ترك الصلاة كفر مخرج من الإسلام، ولا يحل للمسلمة نكاح الكافر.
وانظري تفصيل القول في مسألة نكاح الزاني: أجوبة الأسئلة: (٨٥٣٣٥) و (٨٧٨٩٤) و (٩٦٤٦٠) .
خامساً:
أما بخصوص إجراء عملية رتق لغشاء البكارة: فهو أمر محرَّم، وفيه غش وتدليس على الزوج الذي يتقدم للزواج منك.
وانظري تفصيل المسألة في جوابي السؤالين: (٨٤٤) .
وبخصوص إخبار زوجك عن فقدانك غشاء البكارة من تلك العلاقة المحرمة: لا يجوز؛ لما فيه من الفضح لنفسك، والمسلم مأمور بالستر على نفسه، ويمكنك استعمال التورية في كلامك، والمعروف أن غشاء البكارة يُفقد من غير جماع في بعض الأحيان، فيمكن استثمار ذلك في التورية.
وانظري – في ذلك – جوابي السؤالين: (٤٢٩٩٢) .
على أنه إذا أمكن أن يوجه هذا الشخص إلى التوبة النصوح، وإقام الصلاة، وظهر على حاله أن جاد في ذلك، وأنه أظهر التوبة، وأقام الصلاة؛ فلا بأس من قبوله زوجا؛ وهذا الحل لا شك أنه أيسر الأمر لك، وأستره عليك، لكن من لنا بصدق هذا؟!
نسأل الله أن يتقبل توبتك، ويصلح أمرك، ويستر علينا وعليك في الدنيا والآخرة.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 9007
لا يصلي، ويشكون في أنه يعمل بالدعارة ؟!!
[السُّؤَالُ]
ـ[اكتشفت أن زوج أختي يكسب ماله عن طريق الحرام، فهو يُحضر فتيات من بلده إلى دولة خليجية ليعملوا هناك بالحرام، حتى إنه يمارس الحرام معهن، وهو اعترف لزوج أختي الثانية بذلك، أخبرتُ والدي ولكنه لم يصدق تعليلا بأن ذلك مستحيل، فهو إنسان جيد، وعلَّل بأن زوج أختي الثاني غيور، لذلك يلفق الأكاذيب، ولكني - والله أعلم - أصدقه لأنه دائما غائب عن البيت، وخاصة مساء، حتى إن أختي أخبرتني ببعض الأشياء، وأنها تشك بخيانته لها، لكنه يعود ليلفق الكذب، وتصدقه، هي حامل الآن، وعندها طفلة، ولم أخبرها بما سمعت عنه، أرجوك أريد معرفة واجبي نحو أختي، فهي من وقت الذي تزوجته من سنتين تقريبا وهي مريضة نفسيّاً، وهو إنسان لا يصلي، ولا يخشى الله، والله أعلم. أرجوك دلني ماذا يجب عليَّ فعله، هل يجب أن أخبرها بما سمعت، أم علي كتم الموضوع؟ فأنا أدعو الله دائما أن يهديه. إن أكثر ما يقلقني أن يصاب بمرض خطير، وينقله لها، وكذلك أخشى على أطفالها من الضياع.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الذي ننصحك بفعله ـ أختنا الكريمة ـ في هذه المشكلة أمور ثلاثة: التأكد من فعل زوج أختك، والنصح له إن ثبت ما فعله من منكرات، والسعي في فسخ النكاح إن أصرَّ على فعله، سواء فعل الفاحشة أم ترك الصلاة.
أما الأمر الأول:
فليُعلم أن الأصل في المسلم البراءة، ولا يجوز اتهامه بما ليس فيه، وإلا تعرَّض المتهِّم للإثم، قال تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً) الأحزاب/ ٥٨.
ويجب التأكد من صحة خبر المخبِر قبل أن يبني عليه السامع حكماً، قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) الحجرات/ ٦.
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – ﵀ –:
وهذا أيضاً من الآداب التي على أولي الألباب التأدب بها واستعمالها، وهو أنه إذا أخبرهم فاسق بخبر أن يتثبتوا في خبره، ولا يأخذوه مجرداً؛ فإن في ذلك خطراً كبيراً، ووقوعاً في الإثم، فإن خبره إذا جُعل بمنزلة خبر الصادق العدل: حكم بموجب ذلك ومقتضاه، فحصل من تلف النفوس والأموال بغير حق بسبب ذلك الخبر ما يكون سبباً للندامة، بل الواجب عند خبر الفاسق التثبت والتبيُّن، فإن دلت الدلائل والقرائن على صدقه: عمل به وصدق، وإن دلت على كذبه: كذِّب، ولم يعمل به، ففيه دليل على أن خبر الصادق مقبول، وخبر الكاذب مردود، وخبر الفاسق متوقف فيه كما ذكرنا.
" تفسير السعدي " (ص ٧٩٩) .
فالأصل عدم الاتهام، والأصل البراءة، وقد يكون الكذب ممن زعم أنه اعترف له، ولا يُستبعد هذا، فإن تبين صدق المخبِر، وصحة واقع حاله: فإننا ننتقل إلى:
الأمر الثاني:
وهو: النصح والوعظ.
عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (الدِّينُ النَّصِيحَةُ، قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ) رواه مسلم (٥٥) .
وعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ. رواه البخاري (٥٠١) ومسلم (٥٦) .
وعلى أن تكون النصيحة بالتي هي أحسن لتقويم المعوج، وتصحيح مساره.
قال تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ْضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) النحل/ ١٢٥.
وأولى ما تنصحونه به هو الصلاة، فلا بدَّ أن يعلم أن ترك الصلاة كفر مخرج من ملة الإسلام، وأنه إن مات وهو تارك للصلاة مات ميتة جاهلية، ومات على الردة، ثم يُنصح بعد ذلك بترك أفعاله المحرمة من الفواحش والمنكرات مع تلك الخادمات، فعلاً للفاحشة معهن، والإعانة في استقدامهن لغيره، بل إن استقدام الخادمات أصلا ولو للعمل فيه مفاسد كثيرة، وقد تقدم الكلام عن الخادمات وحكم إحضارهن من بلادهن، والمحاذير التي يقع فيها أهل البيوت التي تعمل فيها الخادمات، وذلك عند الجواب على السؤال رقم (٢٦٢٨٢) .
فإن تبين صدق القول فيه، ولم يستجب للنصح وأصرَّ على ترك الصلاة وفعل المنكرات: فإن ما عليكم فعله هو:
الأمر الثالث:
وهو التفريق بينه وبين زوجته بفسخ النكاح؛ لأن تارك الصلاة مرتد، ويفسخ عقده على المسلمة؛ ولأنه لا يحل للعفيفة البقاء على عقد نكاحها مع زانٍ فاجر، وترك الصلاة موجب لفسخ النكاح، وأما فعله للمنكرات فليس بموجب للفسخ، لكن رضاها بأفعاله يجعلها شريكة له فيها، ومثله لا يؤتمن على ابنة ولا على زوجة، ولا يؤمن – كذلك – أن يتسبب في انتقال الأمراض المهلكة المعدية لها.
قال لشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀:
ترك الصلاة كفر مخرج عن الملة، وإذا كان له زوجة: انفسخ نكاحه منها، ولا تحل ذبيحته، ولا يقبل منه صوم، ولا صدقة، ولا يجوز أن يذهب إلى مكة فيدخل الحرم، وإذا مات فإنه لا يجوز أن يغسل، ولا يكفَّن، ولا يُصلَّى عليه، ولا يُدفن مع المسلمين، وإنما يُخرج به إلى البر، ويحفر له حفرة يُرمس فيها، ومن مات له قريب وهو يعلم أنه لا يصلي: فإنه لا يَحل له أن يخدع الناس ويأتي به إليهم ليصلوا عليه؛ لأن الصلاة على الكافر محرَّمة؛ لقوله تعالى: (وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) التوبة/ ١١٣؛ ولأن الله يقول: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) التوبة/ ٨٤.
" مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين " (١٢ / السؤال رقم ٢٦
وانظر أجوبة الأسئلة: (١٠٠٩٤) و (٢١٨٢) و (٥٢٠٨) .
غير أننا نعود ونذكرك أيتها السائلة الكريمة بعدم التسرع في الحديث بمثل ذلك عنه، أو نقله لأختك، وتكدير عيشها، وتخريب بيتها، من دون بينة شرعية، ولتكن غيرتنا على انتهاك حرمات الله أشد من خوفنا من انتقال الأمراض، أو أنفتنا من " الخيانة الزوجية "، واجتهدي في الدعاء له بالهداية، ولأختك بصلاح الحال، وأن يحفظها وذريتها من شره، ومن شر كل ذي شر.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 9008
زنى بها ويريد أن يتزوجها سراً
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا شاب وقعت في الخطأ مع فتاة فافتضضت بكارتها، لا أعمل، ومازلت صغيراً، فهل أستطيع الزواج بها سرّاً إلى أن أستطيع تحمل المسؤولية لكي تطمئن على نفسها، وتحصن فرجها.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
الواجب عليك وعلى تلك المرأة التوبة الصادقة، وتدارك نفسيكما قبل فوات الأوان، فقد ارتكبتما فاحشة قبيحة، شرع تعالى على فاعلها الحدَّ في الدنيا، وتوَّعد على فعلها العذاب في الآخرة.
وحتى تتحقق فيكما التوبة، وتكون صادقة: فإنه ينبغي لكما تحقيق شروط التوبة، وهي: الإخلاص، والندم، والعزم على عدم الرجوع إلى الذنب، وأن تكون توبتكما في الوقت الذي يقبلها الله تعالى فيه، فلا يقبل الله التوبة عند الغرغرة قبل قبض الروح، ولا بعد طلوع الشمس من مغربها.
وراجع جواب السؤال رقم (١٣٩٩٠) .
ثانياً:
وبخصوص سؤالك عن التزوج بها: فاعلم أنه لا يحل لك ذلك، إلا أن تتوبا من معصيتكما، فإن تزوجتها قبل التوبة: لم يصح النكاح.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
" ولهذا كان الصحيح من قولي العلماء أن الزانية لا يجوز تزوجها إلا بعد التوبة " انتهى.
" مجموع الفتاوى " (٣٢ / ١٤١) .
وسئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء:
زنى رجل ببكرٍ ويريد أن يتزوجها فهل يجوز له ذلك؟ .
فأجابوا:
" إذا كان الواقع كما ذكر: وجب على كلٍّ منهما أن يتوب إلى الله فيقلع عن هذه الجريمة، ويندم على ما حصل منه من فعل الفاحشة، ويعزم على ألا يعود إليها، ويكثر من الأعمال الصالحة، عسى الله أن يتوب عليه ويبدل سيئائه حسنات، قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً. يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً. إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً. وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَاباً) الفرقان/ ٦٨ - ٧١ " انتهى.
" فتاوى إسلامية " (٣ / ٢٤٧) .
وانظر جواب السؤال رقم (٨٥٣٣٥) .
ثالثاً:
وأما زواجك بها سراً، فإن كان ذلك بموافقة وليّها وحضور شاهدين، غير أنكم تواصيتم على عدم إعلانه، فلا حرج في ذلك. – وإن كان الأفضل إعلان النكاح.
أما إذا كان ذلك بدون علم أهلها ولا موافقة وليها فإن النكاح لا يصح.
وقد صحَّ الحديث بالمنع من التزوج من غير ولي.
فعن أبي موسى ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (لَا نِكَاحَ إِلَاّ بِوَليٍّ) .
رواه الترمذي (١١٠١) وأبو داود (٢٠٨٥) وابن ماجه (١٨٨١) ، وصححه الألباني في " صحيح الترمذي ".
وقال النبي ﷺ : (أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل) رواه الترمذي وحسَّنه (١١٠٢) وأبو داود (٢٠٨٣) ابن ماجه (١٨٧٩) من حديث عائشة، وصححه الألباني في "إرواء الغليل" (١٨٤٠) .
ولك أن تتزوجها من غير معرفة أهلك وإذنهم، إذ لا يشترط هذا في حقك، وإن كان الأفضل أن تقنعهم بالموافقة على تزوجك.
ونسأل الله تعالى أن يوفقكما لتوبة صادقة، وأن يستر عليكما في الدنيا والآخرة.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 9009
إذا وُلد لكافرين زانيين ولدٌ فهل يُنسب للزاني ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[قرأت إجابتكم الخاصة باتخاذ المرأة اسم زوجها وفهمت أن ذلك لا يجوز، ولا أزال أود معرفة ما إذا كان يجوز ذلك لامرأة دخلت في الإسلام، وتحمل في الأصل اسم أمها؛ لأن والديها لم يكونا متزوجيْن عند ولادتها ولا يمكنها أن تحمل اسم والدها؛ لأنه لم يعد على قيد الحياة.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الزنا محرَّم في جميع الشرائع التي أنزلها الله تعالى على رسله، والإسلام يقر نكاح أهل الأديان الأخرى الذين لم يدخلوا في الإسلام بشرطين:
الأول: أن يكون هذا موافقاً لشريعتهم.
والثاني: أن لا يتحاكموا إلينا في العقد.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
" وقد ذكر أصحاب مالك، والشافعي، وأصحاب أحمد، كالقاضي أبي يعلى، وابن عقيل، والمتأخرين: أنه يُرجع في نكاح الكفار إلى عادتهم، فما اعتقدوه نكاحاً بينهم: جاز إقرارهم عليه إذا أسلموا وتحاكموا إلينا، إذا لم يكن حينئذٍ مشتملاً على مانع، وإن كانوا يعتقدون أنه ليس بنكاح: لم يجُز الإقرار عليه " انتهى.
" مجموع الفتاوى " (٢٩ / ١٢) .
وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀:
إذا كان النكاح صحيحاً على مقتضى الشريعة الإسلامية: فهو صحيح، وإن كان فاسداً - على مقتضى الشريعة الإسلامية -: فإنهم يقرون عليه بشرطين:
الأول: أن يروا أنه صحيح في شريعتهم.
الثاني: ألا يرتفعوا إلينا.
فإن لم يعتقدوه صحيحاً: فرِّق بينهما، وإن ارتفعوا إلينا: نظرنا، فإن كان قبل العقد: وجب أن نعقده على شرعنا، وإن كان بعده: نظرنا، إن كانت المرأة تباح حينئذٍ: أقررناهم عليه، وإن كانت لا تباح: فرَّقنا بينهما، ودليل هذه الأشياء: إسلام الكفار في عهد النبي ﷺ ، فأبقى مَن كان معه زوجته على نكاحه في الجاهلية، ولم يتعرض له، فدلَّ هذا على أنه يبقى على أصله " انتهى.
" الشرح الممتع " (١٢ / ٢٣٩، ٢٤٠) .
وأما الزنا، وما يسمى بعلاقات الصداقة: فكل ذلك باطل في شريعتهم وشريعتنا، وهو نتاج المسخ الذي يعيشونه في سلوكهم وعاداتهم.
وقد روى مسلم (١٧٠٠) من حديث البراء بن عازب قصة رجم اليهوديين الزانيين، وكيف أنهم حتى عندما حرَّفوا التوراة وكتموا ما أنزل الله فيها: فإنهم لم يبيحوا الزنا، بل حرَّفوا عقوبته، وجعلوها الجلد والتسويد بالفحم بدلا من الرجم.
وهو كذلك عند النصارى، كما في إنجيل " متى ": (١٩ / ١٨) : " فقال يسوع: لا تقتل، لا تزن، لا تسرق، لا تشهد بالزور "، وفي إنجيل " مرقس " (١٠ / ١٩) وإنجيل " لوقا " (١٨ / ٢٠) : " أنت تعرف الوصايا: لا تزن، لا تقتل، لا تسرق، لا تشهد بالزور ".
ولذلك نقول:
لو أن هذين الوالدين كانا متزوجين – ولو على ملة النصرانية أو اليهودية -: فإنه يقر نكاحهما، وتنسب الابنة لأبيها، أما وقد كانت الابنة نتيجة لعلاقة غير موثقة بعقد، بل كانت نتيجة سفاح: فإنها لا تنسب للزاني، بل تنسب لأمها، كما هو واقعها الآن.
وفي شرعنا المطهَّر: قد اتفق العلماء جميعهم على عدم إلحاق ولد الزنا بالزاني إذا لم يطلب الزاني إلحاقه به، بل جمهور أهل العلم قالوا بعدم إلحاقه به ولو أراد الزاني ذلك.
وليست المسألة – كما جاء في السؤال – أن الزاني ليس على قيد الحياة، بل لأن العلاقة بينهما لم تكن علاقة زواج، وكانت الابنة تلك نتيجة تلك العلاقة.
وقد جاءت شريعتنا المطهرة بتحريم نسبة الولد لغير والده،، قال الله تعالى: (ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آَبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيماً) الأحزاب/ ٥.
وعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: (لَيْسَ مِنْ رَجُلٍ ادَّعَى لِغَيْرِ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُهُ إِلَّا كَفَرَ، وَمَنْ ادَّعَى قَوْمًا لَيْسَ لَهُ فِيهِمْ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ) .
رواه البخاري (٣٣١٧) ومسلم (٦١) .
قال الحافظ ابن حجر ﵀:
وقال بعض الشرَّاح: سبب إطلاق الكفر هنا: أنه كذب على الله، كأنه يقول: خلقني الله من ماء فلان، وليس كذلك؛ لأنه إنما خلقه من غيره.
" فتح الباري " (١٢ / ٥٥) .
وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْفِرَى أَنْ يَدَّعِيَ الرَّجُلُ إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ) . رواه البخاري (٣٣١٨) .
وقَالَ النَّبِيَّ ﷺ : (مَنْ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُ فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ) . رواه البخاري (٤٠٧٢) ومسلم (٦٣) .
والخلاصة:
أن ولد في الزنا - سواء كان الزانيان مسلمين أو غير مسلمين -: لا ينسب للزاني، بل يُنسب لأمه، فالحال التي عليها تلك الأخت المسلمة حديثاً صحيح، وإن كان لا يمكنها إلا أن تنسب لرجل لا امرأة: فيمكنها – للضرورة – أن تنسب لاسم رجل غير معيَّن ولا معروف، بل تختار اسماً مركباً من مقاطع وتنتسب له، ولا يجوز لها أن تُنسب إلى زوجها.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 9010
تشك في صحّة نسبها إلى أبيها
[السُّؤَالُ]
ـ[إذا كنت ابنة زنى ونسبت للرجل الذي أعيش معه وهو والدي بالهوية وما هو مصيري للجنة أم النار؟ وماذا أفعل؟ أقوم بفضح أهلي وأذهب للرعاية الاجتماعية أم أسكت عن وضعي وأستر على أهلي وكيف أعيش مع أخ مختلف الأب، سامح الله أمي هي سبب دماري أفتوني أنا فتاة مستقيمة والحمد لله لا تقولوا لي من يثبت أنك لست ابنة هذا الرجل لأني أشبه الرجل الذي زنت أمي معه. ساعدوني ماذا أفعل؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
ولد الزنا ليس مسئولا عن الجريمة التي اقترفتها أمه، ولا يؤاخذ بها، بل هو مسئول عن عمله، فإن كان صالحا طائعا كان من أهل الجنة، وإن كان عاصيا فاسقا، كان مستحقاً لدخول النار، فشأنه في ذلك شأن غيره من الناس، لا فرق بينه وبينهم.
ثانيا:
من كان لها زوج، وأتت بولد يمكن أن يكون من ذلك الزوج، (بأن تكون ولادته بعد ستة أشهر من الزواج) فهذا الولد ينسب شرعاً لزوجها، ولا يجوز نفي نسبه منه، إلا أن ينفيه الزوج نفسه، ويلاعن زوجته على ذلك.
ودليل ذلك: ما رواه البخاري (٢٠٥٣) ومسلم (١٤٥٧) أَنَّ َسَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ تنازع هو وعَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ فِي عبدٍ لزَمْعَةَ فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هذا ابن أَخِي عتبة بن أبي وقاص، عهد به إليَّ فهو ابنه، وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: هذا أَخِي وَابْنُ أَمَةِ أَبِي وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي، فَرَأَى النَّبِيُّ ﷺ شَبَهًا بَيِّنًا بِعُتْبَةَ، فَقَالَ: هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ. ثم قال لسودة بنت زمعة وهي إحدى أمهات المؤمنين ﵂: (َاحْتَجِبِي عنْهُ يَا سَوْدَةُ) .
فحيث ولد المولود على فراش الزوجية، فإنه ينسب للزوج، ولا ينفى عنه إلا باللعان، بأن يلاعن الزوج زوجته وينفي الولد عنه، ولا عبرة بوجود الشبه، وقد بان من الحديث السابق أن الولد الذي وقع عليه النزاع، كان به شبه بيّن بالزاني وهو عتبة بن أبي وقاص، وهذا الزنا وقع في الجاهلية، وسعد ﵁ يريد أن ينسب العبد لأخيه الذي أوصاه بذلك، لكن النبي ﷺ حكم بأن الولد للفراش، ونسبه لزمعة وهو صاحب الأمة، وراعى الاحتياط لأجل الشبه فأمر سودة بنت زمعة أن تحتجب من أخيها هذا.
فاجتمع هنا: الإقرار بالزنا، ووجود الشبه البيّن، ومع ذلك أثبت النبي ﷺ النسب لصاحب الفراش، وهذا من احتياط الشريعة للأنساب، ورغبتها في الستر، فإن النسب حق للمولود.
قال النووي ﵀ في شرح مسلم: " وَأَمَّا قَوْله ﷺ : (وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَة) فَأَمَرَهَا بِهِ نَدْبًا وَاحْتِيَاطًا , لِأَنَّهُ فِي ظَاهِر الشَّرْع أَخُوهَا لِأَنَّهُ أُلْحِقَ بِأَبِيهَا , لَكِنْ لَمَّا رَأَى الشَّبَه الْبَيِّن بِعُتْبَةَ بْن أَبِي وَقَّاص خَشِيَ أَنْ يَكُون مِنْ مَائِهِ فَيَكُون أَجْنَبِيًّا , مِنْهَا فَأَمَرَهَا , بِالِاحْتِجَابِ مِنْهُ اِحْتِيَاطًا ...
قَالَ الْقَاضِي عِيَاض ﵁: كَانَتْ عَادَة الْجَاهِلِيَّة إِلْحَاق النَّسَب بِالزِّنَا وَكَانُوا يَسْتَأْجِرْنَ الْإِمَاء لِلزِّنَا فَمَنْ اِعْتَرَفَتْ الْأُمّ بِأَنَّهُ لَهُ أَلْحَقُوهُ بِهِ فَجَاءَ الْإِسْلَام بِإِبْطَالِ ذَلِكَ وَبِإِلْحَاقِ الْوَلَد بِالْفِرَاشِ الشَّرْعِيّ , فَلَمَّا تَخَاصَمَ عَبْد بْن زَمْعَة وَسَعْد بْن أَبِي وَقَّاص وَقَامَ سَعْد بِمَا عَهِدَ إِلَيْهِ أَخُوهُ عُتْبَة مِنْ سِيرَة الْجَاهِلِيَّة وَلَمْ يَعْلَم سَعْد بُطْلَان ذَلِكَ فِي الْإِسْلَام وَلَمْ يَكُنْ حَصَلَ إِلْحَاقه فِي الْجَاهِلِيَّة , إِمَّا لِعَدَمِ الدَّعْوَى , وَإِمَّا لِكَوْنِ الْأُمّ لَمْ تَعْتَرِف بِهِ لِعُتْبَة , وَاحْتَجَّ عَبْد بْن زَمْعَة بِأَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِرَاش أَبِيهِ فَحَكَمَ لَهُ بِهِ النَّبِيّ ﷺ " انتهى.
وقال ابن قدامة ﵀: " وأجمعوا على أنه إذا ولد على فراش رجل , فادعاه آخر، أنه لا يلحقه " انتهى من "المغني" (٦/٢٢٨) .
وبناء على ذلك، فإذا كنت ولدت بعد ستة أشهر من نكاح والدك لأمك، فأنت منسوبة لأبيك، ولا يمكن نفي نسبك إلا باللعان، وليس لك أن تشكّي في أمك وتسيئي بها الظن لوجود الشبه، فإن الشبه قد يحصل من غير زنا.
ومهما كان الأمر فإن الشبه أو إقرار المرأة بالزنا لا يوجب نفي نسب الولد، حتى يلاعن الزوج، وينظر جواب السؤال رقم (٣٣٦١٥) لبيان حقيقة اللعان وما يترتب عليه.
والذي ينبغي لك هو الإعراض عن هذا الأمر وعدم التكفير فيه، والاهتمام بإصلاح العمل، والاستقامة على هذا الدين.
نسأل الله تعالى أن يلهمك رشدك ويوفقك لما يبح ويرضى.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 9011
كان ملتزماً وعمله مختلط وصار على علاقة محرَّمة مع امرأة فهل يتزوجها ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[لي ابن كان ملتزماً، وفي عمله اختلاط، وتعرَّف على بنت، وصار بينهم علاقة محرمة، هل يجوز منعه من الزواج بها أم نتركه يتزوجها؟ ولكن نخشى منها عليه، علماً أن سلوكها كأي بنت ترتبط بشباب، ولكن لم يتم أي شيء مع أي شاب إلا هو وهو متمسك بها جدّاً، وهل يجوز أن نتركه يتزوجها ثم يطلقها؟ وهل نية الطلاق في هذه الحالة تفسد العقد وأنا أخشى الله؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
ذكرنا في فتاوى متعددة حرمة الاختلاط المستهتر، الذي لا ينضبط بضوابط الشرع في الحجاب، وأدب المعاملة المتبادلة، وذكرنا حرمة العمل والدراسة إن كان فيهما اختلاط، ونأسف أنه يوجد من المفتين من يتساهل في هذا الأمر، ويقر هذه الفوضى العارمة في أماكن الدراسة والعمل، وكأنَّ هؤلاء يعيشون في عالم آخر، لا يرون فيه أثر الاختلاط المحرَّم من إتلافٍ للقلوب، وذَهابٍ للعقول، وضَياع للأديان.
وقد سبق بيان ذلك في جواب السؤال (١٢٠٠)
ولم ينج من هذا الأثر أحدٌ، فالمرأة العفيفة المصونة وقعت في مستنقع الاختلاط الآسن، فجاءها من قَذَرِهِ وقبح منظره ورديء رائحته شيء كثير، وقُلْ مثل ذلك في الشباب المستقيم على طاعة الله، كيف كان وكيف صار.
وقد جعل الله تعالى في الرجال ميلاً نحو الإناث، وجعل في الإناث ميلاً نحو الرجال، ولم يبح الله تعالى من العلاقة بين الأجانب منهم إلا بالنكاح، ولذا فإن في الشريعة من الأحكام شيئاً كثيراً يغلَق فيه الطريق على السائر فيه نحو الفاحشة، فجاء تحريم النظر إلى الأجنبية، وتحريم مصافحتها، والخلوة بها، وجاء تحريم سفر المرأة وحدها، وغير ذلك من الأحكام التي تقطع على الشيطان طريقه في إيقاع المسلم في فاحشة الزنا.
ثانياً:
قلتِ - أختنا الفاضلة –: " وصار بينهما علاقة محرمة "، ولا ندري معنى هذه الجملة، وهي تحتمل أمرين:
الأول: الزنا – والعياذ بالله -.
والثاني: المصاحبة والخلوة، وما دون الزنا.
فإن كان الاحتمال الأول هو الواقع: فقد وقعا في ذنب عظيم، وجريمة منكرة، وقد حكم الله تعالى على الزاني والزانية غير المحصنين بالجلد مائة جلدة، وعلى المحصن منهما الرجم حتى الموت، وأخبر النبي ﷺ عن سلب الإيمان عن الزاني، ورأى في منامه الزناة والزانيات في تنور في نار جهنم.
ومن الأحكام المترتبة على الزناة: أنه يحرم على الزاني تزوج الزانية، ويحرم عليها تزوجه؛ لأن نكاح الزاني والزانية محرَّم، إلا أن يتوبا توبة صادقة من أجل ما وقعا فيه من الذنب العظيم.
فإن تابا وأصلحا، واعتدت المرأة حيضة واحدة: جاز لهما النكاح، ونسأل الله أن يعفو عنهما بمنه وكرمه.
وينظر للزيادة: أجوبة الأسئلة (١٤٣٨١) و (٨٥٣٣٥) و (٩٦٤٦٠) و (٨٧٨٩٤) .
وإن كان الاحتمال الثاني هو الواقع – كما هو الغالب في مثل هذه العلاقات، خاصة وهو يريد الزواج بها - فلا يوجد ما يمنع من نكاحه لها من حيث بطلان العقد، لكن قد يُمنع من باب أنه لا يُرضى دينها، وخلُقها، ولا تصلح زوجة تحافظ على بيته، وتربي له ولده، ولكننا لا نستطيع أن نقول هذا في حال ابنكما، فإذا كانت متهاونة، فهو مثلها؛ وهكذا كل ما نقدره فيها من العيب والخلل، هو موجود فيه.
وإذا كان الدين يأمره بأن يبحث عن المرأة الصالحة التقية الطيبة، فهكذا يأمرها: (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ) النور/٢٦) ، (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ) النور/٣٢.
فلنكن ـ أيتها السائلة الكريمة ـ واقعيين، ومنصفين!! ولا تنظري في المقارنة بينهما إلى ما كان عليه حال ابنك، بل انظري إلى حاله الآن.
وحينئذ فإذا رأيت أنهما قد تعلق كل منهما بصاحبه واشتدت رغبتهما في الزواج، فإن أقرب طريق لإصلاحهما، وإتقاء الشر من علاقتهما، أن يتزوجها، وقد روى ابن ماجة (١٨٤٧) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لَمْ نَرَ لِلْمُتَحَابَّيْنِ مِثْلَ النِّكَاحِ) وصححه الألباني في صحيح ابن ماجة.
وربما تكون هذه فرصة مناسبة لمساومتهما على التوبة والاستقامة والصلاح،قبل إتمام زواجهما.
ثالثاً:
والزواج بنية الطلاق محرَّم، ولا يجوز لمسلم أن ينويه قبل عقد النكاح.
وينظر – للأهمية -: جوابي السؤالين (٢٧١٠٤) و (٩١٩٦٢) .
ونحن معك، ونأمرك بخشية الله في مثل ذلك، لو كانت هذه ابنتك يا أمة الله، أترضين لأحد أن يتزوجها بهذه النية؟!
أيليق بك أن تفكري في مصلحة ابنك، وتبحثي عن الخير له، ولو على حساب الناس؟!
عن عبد الله بن عمرو بن العاص َقَالَ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، فقال ﵊: (َمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنْ النَّارِ وَيُدْخَلَ الْجَنَّةَ فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ.. الحديث) رواه مسلم برقم (١٨٤٤) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 9012
تزوجت ممن زنى بها بعد وضع الحمل وانقطاع دم النفاس
[السُّؤَالُ]
ـ[امرأة حملت من شخص ثم أنجبت وعندما انقطع عنها الدم تزوجت بهذا الشخص قبل أن تنتهي أربعون يوما فهل عقدهما صحيح أم لا؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
الواجب على هذه المرأة أن تتوب إلى الله تعالى مما اقترفت، فإن الزنا ذنب عظيم، وجرم كبير، وفاحشة منكرة، والزاني متوعَّد بالعقاب الشديد في الدنيا والآخر، لكن من تاب وأناب وأصلح، تاب الله عليه وبدل سيئاته حسنات، كما قال تعالى: (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) الفرقان/٦٨- ٧٠.
وقال تعالى: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى) طه/٨٢.
وعليها أن تستتر بستر الله ، فلا تخبر أحدا بذلك، فقد قال ﷺ يقول: (اجتنبوا هذه القاذورات التي نهى الله عنها، فمن ألمّ بشيء منها فليستتر بستر الله رواه البيهقي وصححه الألباني في صحيح الجامع (١٤٩)
ثانيا:
لا يجوز للزاني أن ينكح الزانية إلا بعد التوبة؛ لقوله تعالى: (الزَّانِي لا يَنكِحُ إلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) النور/ ٣.
فإذا كانا قد تابا إلى الله تعالى قبل الزواج، فنكاحهما صحيح، وأما إذا عقدا النكاح قبل التوبة فإن النكاح لا يصح وقد سبق بيان ذلك في جواب السؤال رقم (٨٥٣٣٥)
وأما العقد عليها بعد انقطاع الدم وقبل مضي أربعين يوماً فهذا لا يؤثر على صحة العقد، لأن الواجب عليها – عند كثير من العلماء – أن تنتظر حتى تنقضي عدتها من الزنا ثم تعقد النكاح، إن شاءت ولو في فترة النفاس، وانقضاء عدتها تكون بوضع الحمل.
وقد سئلت اللجنة الدائمة للإفتاء إذا زنا رجل بامرأة ثم تزوجها، وبعد أربعة أشهر تاب هو إلى الله فهل يكون العقد صحيحا؟
فأجابت: " لا يجوز التزوج من الزانية ولا يصح العقد عليها حتى تتوب وتنتهي عدتها " انتهى من "فتاوى اللجنة الدائمة" (١٨/٣٨٣) .
وخلاصة الجواب: أنهما إذا كانا تابا من الزنا قبل العقد فالنكاح صحيح، وإن لم يكونا تابا فالنكاح غير صحيح، فيلزمها إعادة العقد بعد توبتهما. ونسأل الله أن يقبل توبتهما.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 9013
حكم من زنى بغير مسلمة وهو غير محصن
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم الزنا بغير المسلمة وهو غير محصن؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
الزنا كبيرة من كبائر الذنوب، وجريمة من أقبح الجرائم، قال الله تعالى: (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلا) الإسراء / ٣٢. وقال تعالى: (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًاءَاخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا) الفرقان/٦٨، ٦٩.
ولا فرق في ذلك بين أن يكون الزنا بمسلمة أو غير مسلمة.
ثانياً:
أما عقوبة الزنا في الدنيا فقد أوجب الله فيه الحد، قال الله تعالى في بيان حد الزاني البكر – أي: الغير محصن -: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) النور/٢.
أما المحصن ـ وهو الذي قد سبق له الزواج ـ فجعل حده الرجم بالحجارة حتى الموت، كما جاء في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه (٣١٩٩) عن النبي ﷺ أنه قال: (والثيب بالثيب جلد مائة والرجم) .
ولا فرق في هذا أيضا بين من زنى بمسلمة أو زنى بكافرة.
وهذه الجريمة لا يقتصر خطرها على عقاب الدنيا العاجلة فقط، بل إن عذاب الآخرة أشد وأعظم، فقد جاء في الحديث الذي رواه البخاري (٧٠٤٧) عن سمرة بن جندب ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (أتاني الليلة آتيان وإنهما ابتعثاني فانطلقا بي قال: فانطلقنا حتى إذا أتينا على مثل التنور، فإذا فيه لغَط وأصوات، قال: فاطّلعنا فإذا فيه رجال ونساء عراة وإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم، فإذا أتاهم اللهب ضَوضَوْا [أي: صاحوا] ، قال قلت لهما: ما هؤلاء؟ فقالا لي: وأما الرجال والنساء الذين في مثل بناء التنور فإنهم الزناة والزواني..)
(والتنور: هو الفرن الذي يخبز فيه) .
فالواجب على من وقع في هذه المعصية الكبيرة أن يتوب إلى الله توبة نصوحا، وأن يبتعد عن كلّ ما يؤدي به إلى الحرام والعودة إليه، والله تعالى يفرح بتوبة العاصين ويقبل منهم، قال سبحانه: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) الزمر/٥٣.
قال ابن كثير ﵀: "هذه الآية الكريمة دعوة لجميع العصاة من الكفرة وغيرهم إلى التوبة والإنابة، وإخبار بأن الله يغفر الذنوب جميعا لمن تاب منها ورجع عنها، وإن كانت مهما كانت، وإن كثرت وكانت مثل زبد البحر" انتهى من "تفسير ابن كثير" (٧/١٠٦) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 9014
من زنى بامرأة هل يدفع لها المهر ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل من زنى بامرأة وفض بكارتها وقد تاب من ذلك، هل عليه أن يدفع لها المهر؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إذا كان الزنا قد حصل برضاها، فلا يدفع لها شيئاً عند جمهور العلماء، وأما إذا كان باغتصاب (إكراه) فعليه ضمان ذلك.
جاء في " الموسوعة الفقهية " (٥ / ٢٩٧) :
" إذا أفضى امرأةً في زنًى: فإن كانت مطاوعةً: حُدّا، ولا غُرم عند الحنفيّة، والمالكيّة، والحنابلة؛ لأنّه ضررٌ حصل من فعلٍ مأذونٍ فيه منها، فلم يضمنه.
وقال الشّافعيّة: عليه ديةٌ مع الحدّ؛ ...
وإن كانت المرأة مغتصبةً (غير مطاوعةٍ) : فعلى المغتصب الحدّ، والضّمان إجماعاً، غير أنّهم اختلفوا في مقداره " انتهى.
والذي رجحه الشيخ العثيمين ﵀ أن على المغتصب أرش البكارة، وهو الفرق بين مهرها ثيِّباً ومهرها بكراً.
قال ﵀:
" وعلى القول الذي رجحنا - وهو أن المزني بها كرهاً أو طوعاً لا مهر لها – نقول: يجب عليه أرش البكارة، إذا كانت بكراً وزنى بها كرهاً؛ لأنه أتلف البكارة بسبب يتلفها عادة.
وأرش البكارة هو: فرق ما بين مهرها ثيِّباً، ومهرها بكراً، فإذا قلنا: إن مهرها ثيِّباً ألف ريال، ومهرها بكراً ألفان: فيكون الأرش ألف ريال " انتهى.
" الشرح الممتع " (١٢ / ٣١٣، ٣١٤) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 9015
زنى في إحدى ليالي رمضان ويريد التوبة
[السُّؤَالُ]
ـ[أحد أصدقائي مارس الجنس مع فتاة في أحد ليالي شهر رمضان مع العلم أنه أعزب ويسأل عن الحكم وما يجب عليه فعله.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إذا كان المقصود أنه زنى – عياذا بالله – فإن الزنى ذنب عظيم، وجرم كبير، حذر الله تعالى منه، وبَيَّن سوء عاقبته، فقال: (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا) الإسراء/٣٢، وجعل سبحانه عقوبة الزاني الرجم بالحجارة إن كان محصنا، والجلد إن كان بكرا، وذلك لشناعة ما أقدما عليه من الاستمتاع المحرم، قال سبحانه: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) النور/٢.
ولكن من رحمة الله تعالى أن باب التوبة مفتوح، وأنه سبحانه غفور رحيم يحب توبة عبده ويقبلها إذا جاء إليه، قال سبحانه: (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) التوبة/١٠٤ وقال سبحانه: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً) النساء/١٧.
وقال سبحانه: (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) الفرقان/٦٨- ٧٠.
فما أحلم الله، وما أكرمه. خيره إلى العباد نازل، وشرهم إليه صاعد، يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، وما على المذنب إلا أن يقرّ بذنبه ويقلع عنه، ويطلب من ربه العفو والمغفرة، ويعزم على عدم العود إليه، ويصلح أعماله، ويجتهد فيما يرضي ربه ﵎.
فمن فعل هذا فليثق بالفرج، فإن الرحمن الرحيم يفرح بتوبة عبده، ويقبلها منه، ويثيبه عليها، ويمحو بها سيئاته، ويرفع بها درجاته، لأنه الحليم الكريم البر الرحيم جل في علاه.
قال الله تعالى: (وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى) طه/٨٢.
ثم نقول لهذا الأخ: إياك ثم إياك أن تهتك ستر الله عليك، وأن تخبر أحدا بما صدر منك، فإن النبي ﷺ يقول: (اجتنبوا هذه القاذورات التي نهى الله عنها، فمن ألمّ بشيء منها فليستتر بستر الله وليتب إلى الله) رواه البيهقي وصححه الألباني صحيح الجامع برقم (١٤٩) .
وروى مسلم (٢٥٩٠) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (لا يستر الله على عبد في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة) .
فبادر بالتوبة والندم، وابك على خطيئتك وذنبك، واستتر بستر الله تعالى ولا تجاهر بمعصيتك، وأكثر من الأعمال الصالحة من صلاة وصدقة وذكر وتسبيح، فإن ذلك من أسباب المغفرة.
واحذر من التسويف في التوبة، أو الاغترار بحلم الله وستره، فإنه سبحانه يمهل ولا يهمل، ويغضب فينتقم، ولربما نظر إلى عبده المجترئ على معصيته فقال: اذهب فلن أقبل منك عملا، فيبوء بالخسران، وتكون عاقبته النيران، نسأل الله العفو والعافية، والسلامة والنجاة.
ونسأله سبحانه أن يصلح أحوال المسلمين، وأن يردهم إليه ردا جميلا.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 9016
زنت وهي متزوجة فلمن ينسب الولد ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[استغفر الله وأتوب إليه لقد ارتكبت أعظم وأكبر الكبائر وهي الزنا وأنا متزوجة وحملت بطفلة والآن عمرها ٦ سنوات ونسبت إلى زوجي، لم أستطع أن أعترف لزوجي بالقذارة التي فعلتها، خفت على أهلي وابني منه وقد تبت إلى الله توبة نصوحة وتحجبت والتزمت بصلاتي، طلبت المغفرة والعفو من الله على هذا الجرم الذي ارتكبته فهل يغفر الله لي؟ ماذا أفعل حتى تكتمل توبتي أرجوكم أفيدوني هل أعترف لزوجي حتى يغفر الله لي؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
نسأل الله تعالى أن يغفر لك وأن يتجاوز عنك، فإن الزنا ذنب عظيم، وجرم كبير، لا سيما ممن أنعم الله عليها بالزواج، فبدلت نعمة الله كفرا، وخانت زوجها، ودنست عرضه، ولوثت فراشه. ولهذا كان عقاب هذه المتزوجة أن ترجم بالحجارة حتى تموت، نكالا من الله ، والله عزيز حكيم.
لكن من رحمته سبحانه أنه يلطف بعبده، ويمهله، ويدعوه للتوبة، ويقبلها منه، ويثيبه عليها، فما أرحمه، وما أعظمه، وما أكرمه .
قال :) وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) الفرقان/٦٨- ٧٠
فاستمري في توبتك وإنابتك، وتضرعي إلى الله تعالى أن يقبلها منك، والله تعالى يتوب على من تاب.
وإن من مبشرات قبول التوبة أن يستر الله عبده، ولا يفضحه، وأن يمد له في العمر حتى يتقرب إليه، ويصلح حاله معه، ونحمد الله تعالى أن وفقك للالتزام والحجاب، والطاعة والإنابة، ولعل الله الكريم الرحيم أن يكون قد عفى عنك وغفر لك، نسأل الله ذلك.
وإذا كان الله قد سترك، فلا تهتكي ستر الله عليك، ولا تخبري زوجك ولا أحداً غيره بشيء مما كان، وتوبتك هي الندم والاستقامة وإصلاح الأعمال.
وأما الولد، فإنه ينسب لزوجك، ولا ينتفي نسبه منه إلا إذا نفاه باللعان، لأن الأصل أن الولد للفراش كما قال النبي ﷺ .
وقد سئل علماء اللجنة الدائمة: امرأة متزوجة زنت وهي في عصمة زوج، ومن ثم حملت ووضعت حملها بولد ذكرا كان أو أنثى، فلمن يبقى معه ذلك الولد، أيبقى مع زوجها بدليل الحديث: (الولد للفراش وللعاهر الحجر) أم لا؟ وإن بقي مع زوج أمه الشرعي أيتبنى به ويحسبه كأحد أولاده في جميع الحقوق أم يكون عنده في ملكه فقط، أما إذا لحقه بالعاهر أيحسبه بأولاده الحقيقي أم يمسكه معهم وهو لم يزل على حالة ولد زنا؟
فأجابوا: "إذا زنت امرأة متزوجة وحملت فالولد للفراش؛ للحديث الصحيح، وإن أراد صاحب الفراش نفيه بالملاعنة فله ذلك أمام القضاء الشرعي، ولا يكون مملوكا لأحد بإجماع المسلمين، وأما التبني فلا يجوز ولا يصير به الولد المتبنَّى ولدا لمن تبناه. وبالله التوفيق " انتهى. "فتاوى اللجنة الدائمة" (٢٠/٣٣٩) .
وينظر جواب السؤال رقم (٨٥٠٤٣) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 9017
زنت وحملت من أجنبي وهي متزوجة! فماذا تصنع ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[امرأة متزوجة، كانت قبل زواجها على علاقة حب مع شاب، فلما تزوجت استمرت هذه العلاقة المحرمة من دون علم زوجها، حتى مارست معه الفاحشة، وحملت منه، ولكنها رجعت إلى الله، وتابت، فتقول: هل لها من توبة؟ وماذا تعمل بالجنين الذي في أحشائها؟ لو أخبرت زوجها فالمصير محتوم، وهو الطلاق، وممكن تحدث مشكلة كبيرة لو أفشت هذا الأمر بين أهلها وأهل زوجها، وإن أخفيت الموضوع عن زوجي وأهلي فالطفل غير شرعي وسوف يترتب عليه أحكام كثيرة من نفقة وخلوة وصلة وغيرها. فأرجو مساعدتي في هذا الأمر، فقد بلغ مني الهم والغم مبلغه، وأنا الآن تائبة نادمة على ما فعلت.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
لا شك أن ما فعلتيه من الزنا وأنتِ متزوجة من كبائر الذنوب، وإذا كان الزنا كبيرة فإنه يشتد إثمه من المتزوجين، ولذا كانت عقوبة الزاني البكر الجلد مائة جلدة، وعقوبة الزاني المحصن – وهو من سبق له الزواج والدخول – الرجم حتى الموت.
ثانياً:
ومع عظَم ذنبك الذي اقترفتيه، وقبحه في الفطَر والعقول: فإنه لا يحول بينك وبين التوبة شيء، والله تعالى يفرح بتوبة العاصين ويقبل منهم.
قال الله تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) الزمر/٥٣.
قال ابن كثير ﵀:
"هذه الآية الكريمة دعوة لجميع العصاة من الكفرة وغيرهم إلى التوبة والإنابة، وإخبار بأن الله يغفر الذنوب جميعا لمن تاب منها ورجع عنها، وإن كانت مهما كانت، وإن كثرت وكانت مثل زبد البحر" انتهى.
" تفسير ابن كثير " (٧ / ١٠٦) .
فنرجو أن تكون توبتك صادقة، فيها الندم على ما حصل منكِ، وفيها العزم على عدم العوْد إلى الذنب بعد التوبة.
ثالثاً:
وأما نسب هذا الطفل، فإنه ينسب لزوجك إذا كان قد دخل بك، لقول النبي ﷺ : (الولد للفراش) ومعناه: أن المرأة إذا صارت فراشا للزوج بعقد النكاح والدخول بها، فإذا أتت بولد، فهذا الولد ينسب لزوجها.
وقد سئل الشيخ ابن باز ﵀ عن امرأة متزوجة ولها ثلاثة أطفال، وحملت بالطفل الرابع سفاحا، فهل يجوز لها أن تجهض الجنين، أو تحتفظ به. وإذا احتفظت به فهل تخبر زوجها أم لا؟ ثم ما هو الواجب على الزوج في هذه الحالة؟
فأجاب: "لا يجوز لها إجهاض الجنين. والواجب عليها التوبة إلى الله سبحانه، وعدم إفشاء الأمر، والولد لاحق بالزوج؛ لقول النبي ﷺ : (الولد للفراش، وللعاهر الحجر) أصلح الله حال الجميع " انتهى.
"فتاوى الشيخ ابن باز" (٢١/٢٠٥) .
وبهذا أفتى علماء اللجنة الدائمة للإفتاء، وقد نقلنا فتواهم في جواب السؤال رقم (٩٥٠٢٤) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 9018
ادَّعت أنها حامل بولد منه فأجهضت ودفع التكاليف
[السُّؤَالُ]
ـ[صديق ادَّعت علية فتاة سيئة السمعة والأفعال أنها حامل، وهذا الحمل منه هو، وهو متزوج ولديه طفلة صغيرة، وهو يقسم أنه لم يباشرها مباشرة الأزواج , وإن كان هناك بعض الأفعال بينهم التي لم ترق إلى المباشرة الفعلية كالأزواج، ولكنها صممت أنه والد الطفل الحامل فيه، وكان الحل أن ذهبت إلى طبيبٍ لإجهاض هذا الطفل، وبسبب خوفه من الفضيحة التي يمكن أن تسببها هذه الفتاة - وهو متزوج ولديه طفلة كما ذكرت - قام بدفع تكاليف عملية الإجهاض , وتبيَّن أنها كانت حاملاً في طفل عمره ثلاثة شهور إلا ستة أيام، وهو نادم جدّاً على ما فعله، وعلى المساعدة في دفع تكاليف عملية الإجهاض التي لم يكن سبباً فيها.
والسؤال هو:
ما هو حكم الشرع في هذا الفعل؟ وكيف يتوب من هذا الفعل؟ وهل يعتبر مشاركاً في عملية قتل؟ وكيف الخلاص والتوبة إلى الله من هذا الذي حدث؟ وماذا كان يفعل شرعاً عند ادِّعاء هذه الفتاة بأنه والد الطفل الذي هي حامل فيه؟ أريد الإجابة شافية، وجزاكم الله خيراً.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
قال الله تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً) الطلاق/٢.
وإن صديقك لم يتق الله فلم يجعل له مخرجا، حيث إنك تقول إنه باشر تلك المرأة، ولكنه لم يباشرها مباشرة الأزواج، فهذا التساهل والجرأة على فعل الحرام مع تلك المرأة، هو الذي أوقعه في الجريمة الثانية (الإجهاض) ، وجعله عاجزا عن دفع التهمة عن نفسه، والوقوف بقوة في وجه تلك المرأة، لأنه يعلم من نفسه أنه ليس عفيفاً، ولم يمنع نفسه من الحرام، مع أن الله قد مَنَّ عليه وأنعم عليه بالزوجة الحلال، وكيف يليق بعاقل أن يترك لحما طيبا بأكله حلالاً، ويذهب إلى لحم ميتة يتلذذ بأكله!
لو كان صديقك عف نفسه عن الحرام لجعل الله له مخرجا، ولكنه تجرأ على حرمات الله فعوقب بالوقوع في معصية أخرى، كما قال بعض السلف: إن من عقوبة المعصية المعصية بعدها، كما أن من جزاء الحسنة الحسنة بعدها.
ثانيا:
مازال في صديقك بقية خير، يدل على ذلك ندمه على ما فات وحرصه على التوبة، فليعلم أن التوبة لا تكون صحيحة مقبولة إلا إذا توفر فيها ثلاثة شروط:
الأول: الندم على ما فعل.
الثاني: الإقلاع عن المعصية، فلابد من قطع العلاقة نهائيا بتلك الفاجرة، والعجيب أنك تذكر أن صاحبك له طفلة، فهل يرضى هذا لابنته؟ فكذلك الناس كلهم لا يرضون هذا لبناتهم.
فلا توبة له وهو مستمر في علاقته مع تلك المرأة أو غيرها.
الثالث: العزم الأكبر على عدم العودة إلى المعصية مرة أخرى، فيعزم على العفة عن الحرام وصون نفسه وأهله، وليحذر أنه قد يبتلى في أقرب الناس إليه عقوبة على فعله.
كما قيل:
من زنى في بيت بألفي درهم في بيته يزنى بغير الدرهم.
وعليه أن يجتهد في الطاعات، فيحافظ على الصلوات جماعة في المسجد إن كان متهاونا بها، وعليه بكثرة قراءة القرآن الكريم، وحضور مجالس العلم، والإكثار من الصدقة بالمال.
فإن الله تعالى يقول: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى) طه/٨٢.
وليجعل هذه المعصية بداية خير له، بإقباله على الله، وابتعاده عن معصيته، فإن كثيراً من الناس قد يكونون بعد المعصية والتوبة خيراً من حالهم قبلها، وذلك إذا أحسنوا التوبة واجتهدوا في إصلاح أنفسهم.
والله تعالى الموفق.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 9019
زنت وتريد إجهاض الجنين
[السُّؤَالُ]
ـ[يوجد امرأة كانت متزوجة وعندها ثلاثة أولاد وزوجها توفى من ثلاث سنوات وتعرفت على شاب وكان بينهما علاقة في الحرام ونتج عن هذه العلاقة جنين عمره حوالي شهر ونصف
وبعد ما علمنا ذلك كتبنا عليها عرفي بحيث يكون تخفيف الحساب عند الله وعند أولادها لما يعرفوا أنها تزوجت
للعلم الجنين تكون بدون زواج، فهل هذا زنا أو هي تزوجت؟
ونزول الجنين في الحالة هذه حرام أم حلال؟ ومن ستذهب معها لتنزيل الجنين أختها فهي محتارة إن كانت لو راحت معها لتنزيل الجنين فهي تستر عليها أو تشارك في ارتكاب جريمة، وهى جريمة الزنا والإجهاض؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ما فعلته هذه المرأة هو الزنا الذي نهانا الله عنه بقوله: (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً) الإسراء/٣٢.
وما قمتم به من العقد العرفي لا يغير من الأمر شيئاً، لأن الزنى وتكون الجنين حصل قبل هذا العقد.
ثم إن العقد العرفي الذي تعقد فيه المرأة النكاح لنفسها من غير علم وليها ولا حضوره لا يصح، لقوله ﷺ : (لا نكاح إلا بولي) رواه أبو داود (٢٠٨٥) والترمذي (١١٠١) وابن ماجه (١٨٨١) من حديث أبي موسى الأشعري، وصححه الألباني في صحيح الترمذي.
وقوله ﷺ : (أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل) رواه أحمد (٢٤٤١٧) وأبو داود (٢٠٨٣) والترمذي (١١٠٢) وصححه الألباني في صحيح الجامع (٢٧٠٩) .
وعلى هذا، فهذا العقد الذي تم عليها لا حقيقة له، ولا تكون زوجة لهذا الزاني بهذا العقد، ولا يمكن أن يكون سبباً يخفف عنها الحساب عند الله، بل هو معصية أخرى تضيفها إلى معصيتها الأولى.
وأما الإجهاض فهو جريمة ثالثة، وإن كان بعض الفقهاء يرخص في إجهاض الحمل في مراحله الأولى، إلا أن ذلك لا ينبغي أن يكون لزانية، لأن في ذلك تشجيعاً على الفاحشة ونشراً للرذيلة، ومن قواعد الإسلام: أنه يحرم الفاحشة، وكلَّ الطرق التي تؤدي إليها. وراجعي السؤال (١٣٣٣١) .
وعلى هذه المرأة أن تتوب إلى الله تعالى توبة صادقة، وتندم على ما فعلت، وتصلح أعمالها، فإن صدقت في توبتها فإن الله سيجعل له مخرجاً، قال تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً) الطلاق/٢.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 9020
ما صحة حديث (بشر الزاني بالفقر) ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ما صحة الحديث القائل: (بشر الزانى والزانية بالفقر ولو بعد حين) ؟ وإذا كان حديثا صحيحا أرجو تفسيره.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد للَّه
أولا:
الحديث بلفظه المذكور ليس له أصل؛ إذ لم يروه أحد من أصحاب الحديث، ولا هو موجود في شيء من كتب السنة المعتمدة.
يقول العجلوني في "كشف الخفاء" (١/٢٨٦) :
" (بشر القاتل بالقتل) قال في المقاصد: لا أعرفه، والمشهور على الألسنة بزيادة:
(والزاني بالفقر ولو بعد حين) ولا صحة لها أيضا، وإن كان الواقع يشهد لذلك " انتهى.
يقول الشيخ أحمد العامري في "الجد الحثيث" (٧٣) عنه إنه " ليس بحديث " انتهى.
وجاء في "النخبة البهية في بيان الأحاديث المكذوبة على خير البرية" لمحمد الأمير الكبير المالكي (١٢٢٨هـ) (ص/٤٣) : " لا يُعرَف " انتهى.
وجاءت أحاديث أخرى تدل على هذا المعنى، لكنها أيضا لا تصح، منها حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (الزنا يورث الفقر)
رواه أبو حاتم كما في "العلل" (١/٤١٠-٤١١) ، والقضاعي في "مسند الشهاب" (١/٧٣) وابن عدي في "الكامل" (٦/٤٣٢) ، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٤/٣٦٣) من طريق الماضي بن محمد عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن ابن عمر به.
قال أبو حاتم بعد روايته الحديث: " هذا حديث باطل، وماضي لا أعرفه " انتهى.
وذكره ابن حبان في "المجروحين" (٢/٢٣٧) في منكر حديث ليث بن أبي سليم.
وقال ابن عدي في "الكامل" (٨/١٨٣) : غير محفوظ. وقال الذهبي في "الميزان" (٣/٤٢٣) : منكر. وقال الألباني في "السلسلة الضعيفة" (١٤٠) : باطل.
وانظر في "السلسلة الضعيفة" (١/٢٧٠-٢٧٤) أحاديث أخرى كلها موضوعة أو منكرة في بيان ما يورثه الزنى من الشرور والآفات.
ثانيا:
من المقرر أن الذنوب لا تأتي إلا بالسوء والمصائب، كما قال الله تعالى: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) الروم:٤١، وقال تعالى: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) الشورى:٣٠ وبسب الذنوب والمعاصي يحرم العبد من الرزق والخير، بل بسببها تحرم الأرض من القطر، ولو كانت ذنوبا صغيرة، فكيف إذا كانت من الكبائر؟!
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: (يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ؛ خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ:
لَمْ تَظْهَرْ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا، إِلَّا فَشَا فِيهِمْ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمْ الَّذِينَ مَضَوْا!!
وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ.
وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنْ السَّمَاءِ، وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا.
وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ، إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ، فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ.
وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ!!)
رواه ابن ماجة (٤٠١٩) وحسنه الألباني.
فليس ببعيد أن يبتلي الله تعالى الزاني بالفقر، عقوبة على معصيته؛ حيث تناول لذة من غير حلها، فعوقب بأن حرمه الله الفضل والغنى، وأرسل عليه الفقر والعنا، والجزاء من جنس العمل.
روى ابن حبان في "الثقات" (٧/٥٧٤) من طريق مكحول الشامي قال لي ابن عمر:
(يا مكحول! إياك والزنا، فإنه يورث الفقر)
وعن أسماء ﵂ قالت: (رأيت زيد بن عمرو شيخا كبيرا مسندا ظهره إلى الكعبة وهو يقول: ويحكم يا معشر قريش! إياكم والزنى، فإنه يورث الفقر)
رواه أبو نعيم في "معرفة الصحابة" (٨/١٢٠ ش٢) وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (١٩/٥١٢-٥١٣) وذكره ابن كثير في "البداية والنهاية" (٢/٢٤١)
يقول المناوي في "فيض القدير" (٤/٧٢) :
" (الزنا يورث الفقر) أي: اللازم الدائم؛ لأن الغنى من فضل الله، والفضل لأهل الفرح بالله وبعطائه، وقد أغنى الله عباده بما أحل لهم من النكاح من فضله، فمن آثر الزنا عليه فقد آثر الفرح الذي من قبل الشيطان الرجيم على فضل ربه الرحيم، وإذا ذهب الفضل ذهب الغِنى وجاء العَنا، فالزِّنا موكَّلٌ بزوال النعمة، فإذا ابتلي به عبد ولم يُقلع ويرجع فليُوَدِّع نِعَمَ الله، فإنها ضيفٌ سريع الانفصال، وشيكُ الزوال (ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) لأنفال/٥٣
قال في "شرح الشهاب": الفقر نوعان: فقر يد، وفقر قلب؛ فيُذهب شؤمُ الزنا بركةَ ماله فيمحقه؛ لأنه كَفر النعمةَ واستعان بها على معصية المنعم، فيسلبها ثم يبتلى بفقر قلبه لضعف إيمانه، فيفتقر قلبه إلى ما ليس عنده، ولا يعطَى الصبر عنه، وهو العذاب الدائم " انتهى.
ويقول ابن القيم في "روضة المحبين" (٣٦٠) :
" والزنى يجمع خلال الشر كلها: من قلة الدين وذهاب الورع وفساد المروءة وقلة الغيرة، فلا تجد زانيا معه ورع، ولا وفاء بعهد، ولا صدق في حديث، ولا محافظة على صديق، ولا غيرة تامة على أهله.
فالغدر والكذب والخيانة وقلة الحياء وعدم المراقبة وعدم الأنفة للحرم وذهاب الغيرة من القلب من شعبه وموجباته.
ومن موجباته غضب الرب بإفساد حرمه وعياله، ولو تعرض رجل إلى ملك من الملوك بذلك لقابله أسوأ مقابلة.
ومنها: سواد الوجه وظلمته، وما يعلوه من الكآبة والمقت الذي يبدو عليه للناظرين.
ومنها: ظلمة القلب وطمس نوره، وهو الذي أوجب طمس نور الوجه وغشيان الظلمة له. ومنها: الفقر اللازم، وفي أثر يقول الله تعالى: (أنا الله مهلك الطغاة ومفقر الزناة) .
ومنها: أنه يذهب حرمة فاعله ويسقطه من عين ربه ومن أعين عباده.
ومنها: أنه يسلبه أحسن الأسماء،وهو اسم العفة والبر والعدالة، ويعطيه أضدادها كاسم الفاجر والفاسق والزاني والخائن.
ومنها: أنه يسلبه اسم المؤمن كما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) فسلبه اسم الإيمان المطلق، وإن لم يسلب عنه مطلق الإيمان. وسئل جعفر بن محمد عن هذا الحديث، فخط دائرة في الأرض وقال: هذه دائرة الإيمان، ثم خط دائرة أخرى خارجة عنها وقال: هذه دائرة الإسلام، فإذا زنى العبد خرج من هذه ولم يخرج من هذه.
ولا يلزم من ثبوت جزء ما من الإيمان له أن يسمى مؤمنا، كما أن الرجل يكون معه جزء من العلم والفقه ولا يسمى به عالما فقيها، ومعه جزء من الشجاعة والجود ولا يسمى بذلك شجاعا ولا جوادا، وكذلك يكون معه شيء من التقوى ولا يسمى متقيا، ونظائره، فالصواب إجراء الحديث على ظاهره ولا يتأول بما يخالف ظاهره والله أعلم.
ومنها: أن يعرض نفسه لسكنى التنور الذي رأى النبي ﷺ فيه الزناة والزواني.
ومنها: أنه يفارقه الطيب الذي وصف الله به أهل العفاف، ويستبدل به الخبيث الذي وصف الله به الزناة، كما قال الله تعالى: (الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات)
وقد حرم الله الجنة على كل خبيث، بل جعلها مأوى الطيبين ولا يدخلها إلا طيب، قال الله تعالى: (الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون) وقال تعالى: (وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين)
فإنما استحقوا سلام الملائكة ودخول الجنة بطيبهم، والزناة من أخبث الخلق، وقد جعل الله سبحانه جهنم دار الخبيث وأهله، فإذا كان يوم القيامة ميز الخبيث من الطيب، وجعل الخبيث بعضه على بعض ثم ألقاه وألقى أهله في جهنم، فلا يدخل النار طيب، ولا يدخل الجنة خبيث.
ومنها: الوحشة التي يضعها الله في قلب الزاني، وهي نظير الوحشة التي تعلو وجهه، فالعفيف على وجهه حلاوة وفي قلبه أنس، ومن جالسه استأنس به، والزاني تعلو وجهه الوحشة، ومن جالسه استوحش به.
ومنها: قلة الهيبة التي تنزع من صدور أهله وأصحابه وغيرهم له، وهو أحقر شيء في نفوسهم وعيونهم، بخلاف العفيف؛ فإنه يرزق المهابة والحلاوة.
ومنها: أن الناس ينظرونه بعين الخيانة، ولا يأمنه أحد على حرمته، ولا على ولده.
ومنها: الرائحة التي تفوح عليه يشمها كل ذي قلب سليم، تفوح من فيه وجسده، ولولا اشتراك الناس في هذه الرائحة لفاحت من صاحبها ونادت عليه ولكن كما قيل
كل به مثل ما بي غير أنهم ... من غيرة بعضهم للبعض عذال
ومنها: ضيقة الصدر وحرجه؛ فإن الزناة يعاملون بضد قصودهم، فإن من طلب لذة العيش وطيبه بما حرمه الله عليه عاقبه بنقيض قصده، فإن ما عند الله لا ينال إلا بطاعته، ولم يجعل الله معصيته سببا إلى خير قط، ولو علم الفاجر ما في العفاف من اللذة والسرور وانشراح الصدر وطيب العيش لرأى أن الذي فاته من اللذة أضعاف أضعاف ما حصل له، دع ربح العاقبة والفوز بثواب الله وكرامته.
ومنها: أنه يعرض نفسه لفوات الاستمتاع بالحور العين في المساكن الطيبة في جنات عدن، وقد تقدم أن الله إذا كان قد عاقب لابس الحرير في الدنيا بحرمانه لبسه يوم القيامة، وشارب الخمر في الدنيا بحرمانه إياها يوم القيامة، فكذلك من تمتع بالصور المحرمة في الدنيا، بل كل ما ناله العبد في الدنيا فإن توسع في حلاله ضيق من حظه يوم القيامة بقدر ما توسع فيه، وإن ناله من حرام فاته نظيره يوم القيامة.
ومنها: أن الزنى يجرئه على قطيعة الرحم وعقوق الوالدين وكسب الحرام وظلم الخلق وإضاعة أهله وعياله، وربما قاده قسرا إلى سفك الدم الحرام، وربما استعان عليه بالسحر وبالشرك وهو يدري أو لا يدري، فهذه المعصية لا تتم إلا بأنواع من المعاصي قبلها ومعها، ويتولد عنها أنواع أخر من المعاصي بعدها، فهي محفوفة بجند من المعاصي قبلها، وجند بعدها، وهي أجلب شيء لشر الدنيا والآخرة، وأمنع شيء لخير الدنيا والآخرة، وإذا علقت بالعبد فوقع في حبائلها وأشراكها عز على الناصحين استنقاذه، وأعيى الأطباء دواؤه، فأسيرها لا يفدى، وقتيلها لا يودى، وقد وكلها الله سبحانه بزوال النعم، فإذا ابتلي بها عبد فليودع نعم الله، فإنها ضيف سريع الانتقال، وشيك الزوال، قال الله تعالى: (ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم) وقال تعالى: (وإذا اراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال) " انتهى.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 9021
تحصين المجتمعات من الزنا
[السُّؤَالُ]
ـ[كيف يتم إحضار أربعة شهود على الزاني والزانية، في الوقت الحاضر؟ وكيف تتم نصيحة شبابنا المسلم من هذا العمل القبيح؟ جزاكم الله خير الجزاء.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد للَّه
أولا:
يعد العلماء في طرق ثبوت الزنا أربعة طرق:
١- الشهادة. ٢- والإقرار. ٣- وحمل من لا زوج لها ولا سيد. ٤- وإذا تم لعان الزوج ولم تدافعه الزوجة.
ويشترط في الشهود على الزنا أن يكونوا أربعة ممن تجوز شهادتهم، يصفون الزنا بصريح لفظه – وهو أنهم رأوا ذكر الرجل في فرج المرأة -، فإن اكتفى بعضهم بالشهادة برؤيتهما متجردين من اللباس، أو وصفوا هيئة وحركة معينة، فلا يكفي ذلك لثبوت الزنا.
يقول الشيخ ابن عثيمين ﵀ في "الشرح الممتع" (٦/١٥٧) :
" يصفون الزنا بلفظ صريح بأن يقولوا: رأينا ذكره في فرجها. لا بد من هذا، فلو قالوا رأيناه عليها متجردين، فإن ذلك لا يقبل، حتى لو قالوا نشهد بأنه كان منها كما يكون الرجل من امرأته، فإنها لا تكفي الشهادة، لا بد أن يقولوا نشهد أن ذكره في فرجها، وهذا صعب جدا، مثلما قال الرجل الذي شهد عليه في عهد عمر، لو كنت بين الأفخاذ لن تشهد هذه الشهادة. ولهذا ذكر شيخ الإسلام في عهده أنه لم يثبت الزنا عن طريق الشهادة من عهد النبي ﷺ إلى عهد شيخ الإسلام ابن تيمية، وإذا لم يثبت من هذا الوقت إلى ذلك الوقت، فكذلك لا نعلم أنه ثبت بطريق الشهادة إلى يومنا هذا؛ لأنه صعب جدا " انتهى.
وليس هذا التشديد في أمر الشهادة على الزنا إلا لتحقيق مقصد أراده الشارع، وهو الستر على العباد، وعدم إشاعة الفاحشة، وتجنيب المجتمعات الاتهام في الأعراض والطعن في الأنساب.
يقول القرطبي ﵀ في "الجامع لأحكام القرآن" (٥/٨٣) :
" جعل الله الشهادة على الزنا خاصةً أربعةً: تغليظاً على المدَّعِي، وسترا على العباد " انتهى
ويقول الشيخ عبد الرحمن السعدي في "تفسيره" (١/٥٦٣) :
" (لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ) أي: هلا جاء الرامون على ما رموا به، (بأربعة شهداء) أي: عدول مرضيين. (فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ) وإن كانوا في أنفسهم قد تيقنوا ذلك، فإنهم كاذبون في حكم الله، لأن الله حرم عليهم التكلم بذلك من دون أربعة شهود، ولهذا قال: (فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ) ولم يقل (فأولئك هم الكاذبون) وهذا كله من تعظيم حرمة عرض المسلم، بحيث لا يجوز الإقدام على رميه من دون نصاب الشهادة بالصدق " انتهى.
وانظر جواب السؤال رقم (٨٣٩) ، (٦٩٢٦)
ثانيا:
أما تحصين شبابنا ومجتمعاتنا من هذه الفاحشة المهلكة، فلا بد له من عمل عام تقوم عليه الدول والمجتمعات، وتتضافر له جهود الجهات المختلفة، فهي مسؤولية جماعية وليست فردية، ولا يمكن تحقيق سلامة المجتمعات إلا بتكامل الأخذ بالأسباب التي تحفظ من الزنا والولوغ فيه، ومن تلك الأسباب:
١- نشر التوعية العامة بعظم إثم الزنا، وأنه من الكبائر التي اتفق العقل والشرع على قبحه وشناعته وتحريمه، وبيان أنه سبب لهلاك الأمم وحلول المصائب والكوارث في الدنيا، وأن جزاءه النار يوم القيامة.
قال الإمام أحمد: ليس بعد قتل النفس أعظم من الزنا. "غذاء الألباب" (٢/٤٣٥)
يقول الله تعالى: (وَلَا تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً) الإسراء/٣٢
يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي في "تفسيره" (١/٤٥٧) :
" ووصف الله الزنى وقبحه بأنه (كَانَ فَاحِشَةً) أي: إثما يستفحش في الشرع والعقل والفِطَر؛ لتضمنه التجري على الحرمة في حق الله وحق المرأة وحق أهلها أو زوجها وإفساد الفراش واختلاط الأنساب وغير ذلك من المفاسد. وقوله: (وَسَاءَ سَبِيلا) أي: بئس السبيل سبيل من تجرأ على هذا الذنب العظيم " انتهى.
٢- توعية الشباب بالآثار السيئة المترتبة على انتشار هذه الفاحشة، والتي يتهدد استقرار الأسر والمجتمعات، كانتشار الأمراض القاتلة، وظهور أولاد الحرام، وانهيار التكوين الأسري، وتشرد الأبناء، وتلقيهم السلوكات السيئة، وارتفاع معدلات الطلاق، وانتشار الجريمة، وغير ذلك، وهي آثار تعيشها المجتمعات التي تنتشر فيها الإباحية في أسوأ صورها، مما ينذر بانحلال مجتمعاتهم، وسقوط حضارتهم.
٣- العمل على تيسير الطريق الشرعي للعلاقات الجنسية، بالزواج الحلال الطيب، وذلك بالترغيب فيه وبيان ندب الشريعة إليه، وأنه من سنن المرسلين، وأن من تزوج فقد استكمل نصف الدين، وأن له أجرا في إعفافه نفسه وزوجه.
٤- ومن مسؤولية المجتمع في هذا السبيل إزالة العوائق التي تؤخر الزواج، فتعالج الفقر الذي قد يكون مانعا من الزواج، وتوفر الدعم المادي للشباب الذي لا يملك ما يعف به نفسه، حتى قال القرطبي في تفسير قوله تعالى: (وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) النور/٣٢
" زوجوا من لا زوج له منكم، فإنه طريق التعفف " انتهى. (١٢/٢٣٩) .
وفي كتاب "الأموال" لأبي عبيد القاسم بن سلام (٢٥١) أن عمربن عبد العزيز كتب إلى واليه بالعراق: أن انظر كل بكر وليس له مال فشاء أن تزوجه فزوجه وأصدق عنه.
ويقول ابن قدامة ﵀ في "المغني" (٧/٥٨٧) :
" يلزم الرجل إعفاف ابنه إذا احتاج إلى النكاح، وهذا ظاهر مذهب الشافعي " انتهى.
٥- وأدنى ما يمكن أن يتحمله المجتمع والآباء تجاه هذه المسألة المهمة ترك المغالاة في المهور، أو التفاخر والمباهاة بتكاليف الزواج، أو السعي إلى التكسب منها.
خطب عمر بن الخطاب على المنبر فقال:
(أَلَا لَا تُغَالُوا بِصُدُقِ النِّسَاءِ – أي مهورهن - فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَكْرُمَةً فِي الدُّنْيَا أَوْ تَقْوَى عِنْدَ اللَّهِ لَكَانَ أَوْلَاكُمْ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ مَا أَصْدَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ وَلَا أُصْدِقَتْ امْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِهِ أَكْثَرَ مِنْ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً) رواه أبو داود (٢١٠٦) وصححه الألباني في صحيح أبي داود.
ولا يختلف المصلحون في أن استغلال الآباء مهور البنات كان واحدا من أسباب انتشار الفساد والرذيلة في المجتمعات.
يقول وول ديورانت وهو يحكي أسباب انتشار الرذيلة في بعض المجتمعات الغربية في فترة من التاريخ في كتاب "مباهج الفلسفة" (١٢٧-١٢٨) :
" ولا نزاع في أن ذلك يرجع إلى حد ما إلى ما كان يقتضيه الآباء المغرمون ببناتهم من مهر غال ثمنا لعفتهن، وقت أن كان الزواج يشترى صراحة " انتهى.
٦- ومن أهم ما يقي المجتمعات رذيلة الزنا إشاعة جو المحبة والمودة بين الأزواج، والحرص على سعادة الأسرة بالحب والاحترام والصدق والوفاء وأداء الحقوق والواجبات، فإن الأسرة السعيدة والزوجين المتفاهمين المتآلفين وقاءٌ للمجتمع من الانحراف والسقوط في الفواحش بحثا عن سعادة موهومة.
٧- وأخيرا لا بد من العمل على تهيئة المناخ المحافظ الملتزم المتعلق بالله ، والذي تختفي فيه مظاهر التبرج والسفور، وتستر فيه العورات، وتمنع فيه الخمور والمعازف التي هي رقية الزنا، فإن هذه الأمور هي الوقود التي تشعل نار الفاحشة، فإذا تخلص المجتمع منها فقد أمِن من النار.
ويمكن الاستفادة بأجوبة الأسئلة الآتية المنشورة في موقعنا (٢٠١٦١) ، (٣٢٣٤) .
ومن الكتب المفيدة في هذا الموضوع كتاب " التدابير الواقية من الزن ا" تأليف د فضل إلهي فيمكن الاستفادة منه والرجوع إليه.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 9022
يريد أن يتزوج من فتاة كان على علاقة بها
[السُّؤَالُ]
ـ[أرجو من سماحتكم أن تساعدوني لأني في ورطة، أنا تعرفت على بنت تعمل في منطقة بعيده عن أهلها، واستمرت علاقتنا لمدة سنتين في حب وغرام ومقابلات وزنى، لكن اتفقت معها على الزواج لأني لا أستطيع نسيانها، وهي كذلك، المهم من أول ما دخلت حياتها وهي تغيرت عن الأول، واستقامت؛ ويعلم الله أني أحببتها ولا أستطيع نسيانها، فهل تنصحني بالارتباط بها؟ لأني أعيش حالة عصبيّة جدّاً.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
قبل الإجابة على سؤالك لا بدَّ لنا من تذكيرك بوجوب التوبة والندم على ما فعلتَ مع تلك المرأة، وغير خافٍ عليك أنك وقعتَ في كبائر من الذنوب، وأعظمها الزنا الذي نُصَّ على تحريمه في الكتاب والسنَّة، وأجمع العلماء على تحريمه، وأجمع العقلاء على قبحه وسوئه.
قال الله تعالى: (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً) الإسراء / ٣٢.
وقال النبي ﷺ : (لا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ) رواه البخاري (٢٤٧٥) ومسلم (٥٧) .
وللزناة عذاب عظيم في البرزخ قبل عذابه في الآخرة، فقد جاء في حديث الرؤيا المشهور – حديث سمرة بن جندب ﵁: ( ... فَانْطَلَقْنَا – أي: النبي ﷺ وجبريل وميكائيل - فَأَتَيْنَا عَلَى مِثْلِ التَّنُّورِ، فَإِذَا فِيهِ لَغَطٌ وَأَصْوَاتٌ فَاطَّلَعْنَا فِيهِ فَإِذَا فِيهِ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ عُرَاةٌ، وَإِذَا هُمْ يَأْتِيهِمْ لَهَبٌ مِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ، فَإِذَا أَتَاهُمْ ذَلِكَ اللَّهَبُ ضَوْضَوْا (أي صاحوا) قَالَ: قُلْتُ لَهُمَا: مَا هَؤُلاءِ؟ ... قَالَ: قَالا لِي: أَمَا إِنَّا سَنُخْبِرُكَ ... َأَمَّا الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ الْعُرَاةُ الَّذِينَ فِي مِثْلِ بِنَاءِ التَّنُّورِ فَإِنَّهُمْ الزُّنَاةُ وَالزَّوَانِي) رواه البخاري (٦٦٤٠) .
وقد أوجب الله تعالى في الزنا الحدّ، فقال تعالى في بيان حدِّ الزاني البكر: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) النور/٢.
أما المحصن - وهو الذي قد سبق له الزواج - فجعل حدّه القتل فقد جاء في الحديث الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه (٣١٩٩) عن النبي ﷺ أنه قال: (وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائة وَالرَّجْمُ) .
وما قلناه لكَ فهو موجه للمرأة كذلك، ولتعلم أن ذنبها أقبح، وبما أنها – كما تقول – قد استقامت فنرجو أن تكون توبتها صادقة، وأن يعفو الله عنها بمنِّه وكرمه.
ثانياً:
اعلم أنكما إذا لم تتوبا من ذنب الزنا: فإنه لا يحل لك الزواج بها؛ لأن الله تعالى حرَّم نكاح الزاني والزانية حتى يتوبا، قال تعالى: (الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) النور/٣.
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀:
" هذا بيان لرذيلة الزنا، وأنه يدنس عرض صاحبه، وعرض من قارنه ومازجه، ما لا يفعله بقية الذنوب، فأخبر أن الزاني لا يقدم على نكاحه من النساء إلا أنثى زانية، تناسب حاله حالها، أو مشركة بالله لا تؤمن ببعث ولا جزاء، ولا تلتزم أمر الله، والزانية كذلك، لا ينكحها إلا زان أو مشرك (وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) أي: حرِّم عليهم أن يُنْكحوا زانياً، أو يَنكحوا زانية.
ومعنى الآية: أن من اتصف بالزنا من رجل أو امرأة، ولم يتب من ذلك: أن المقدم على نكاحه مع تحريم الله لذلك لا يخلو إما أن لا يكون ملتزماً لحكم الله ورسوله: فذاك لا يكون إلا مشركاً، وإما أن يكون ملتزماً لحكم الله ورسوله، فأقدم على نكاحه مع علمه بزناه: فإن هذا النكاح زنا، والناكح زانٍ مسافحٍ، فلو كان مؤمناً بالله حقّاً: لم يقدم على ذلك، وهذا دليل صريح على تحريم نكاح الزانية حتى تتوب، وكذلك إنكاح الزاني حتى يتوب، فإن مقارنة الزوج لزوجته، والزوجة لزوجها، أشد الاقترانات والازدواجات، وقد قال تعالى: (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ) أي: قرناءهم، فحرَّم الله ذلك؛ لما فيه من الشر العظيم، وفيه من قلة الغيرة، وإلحاق الأولاد الذين ليسوا من الزوج، وكون الزاني لا يعفها بسبب اشتغاله بغيرها، مما بعضه كاف للتحريم " انتهى.
" تفسير السعدي " (ص ٥٦١) .
وسئل علماء اللجنة الدائمة:
زنى رجل ببكرٍ ويريد أن يتزوجها فهل يجوز له ذلك؟
فأجابوا:
" إذا كان الواقع كما ذكر: وجب على كلٍّ منهما أن يتوب إلى الله فيقلع عن هذه الجريمة، ويندم على ما حصل منه من فعل الفاحشة، ويعزم على ألا يعود إليها، ويكثر من الأعمال الصالحة، عسى الله أن يتوب عليه ويبدل سيئائه حسنات، قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً. يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً. إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً. وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَاباً) الفرقان/٦٨ – ٧١. وإذا أراد أن يتزوجها: وجب عليه أن يستبرئها بحيضة قبل أن يعقد عليها النكاح، وإن تبين حملها: لم يجز له العقد عليها إلا بعد أن تضع حملها، عملاً بحديث نهي النبي ﷺ أن يسقي الإنسان ماءه زرع غيره " انتهى.
" فتاوى إسلامية " (٣ / ٢٤٧) .
فتوبا إلى الله تعالى، وأصلِحا حاليكما، وأكثرا من الأعمال الصالحة، ويجوز لكم بعد ذلك التزوج، ونسأل الله تعالى أن يقبل توبتكما ويعفو عنكما بفضله ورحمته.
وانظر السؤال رقم (٨٥٣٣٥)
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 9023
لا يصح نكاح الزانية والزاني حتى يتوبا
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز الزواج من امرأة كانت تمارس الزنى؟]ـ
[الْجَوَابُ]
لا يصح نكاح الزانية أو الزاني حتى يتوبا، فإن لم تتب المرأة أو الرجل لم يصح النكاح.
قال الله تعالى: (الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) النور/٣.
وقد ورد في سبب نزول الآية ما يزيد الحكم بيانا، وهو ما رواه أبو داود (٢٠٥١) عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ مَرْثَدَ بْنَ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيَّ كَانَ يَحْمِلُ الْأَسَارَى بِمَكَّةَ وَكَانَ بِمَكَّةَ بَغِيٌّ يُقَالُ لَهَا عَنَاقُ وَكَانَتْ صَدِيقَتَهُ. قَالَ: جِئْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْكِحُ عَنَاقَ؟ قَالَ: فَسَكَتَ عَنِّي، فَنَزَلَتْ (وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ) فَدَعَانِي فَقَرَأَهَا عَلَيَّ، وَقَالَ: لَا تَنْكِحْهَا. صححه الألباني في صحيح أبي داود.
قال في "عون المعبود":
"فِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّهُ لَا يَحِلّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَتَزَوَّج بِمَنْ ظَهَرَ مِنْهَا الزِّنَا , وَيَدُلّ عَلَى ذَلِكَ الْآيَة الْمَذْكُورَة فِي الْحَدِيث لِأَنَّ فِي آخِرهَا: (وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) فَإِنَّهُ صَرِيح فِي التَّحْرِيم" انتهى.
قال السعدي ﵀ في تفسير الآية السابقة:
"هذا بيان لرذيلة الزنا, وأنه يدنس عرض صاحبه , وعرض من قارنه ومازجه , ما لا يفعله بقية الذنوب. فأخبر أن الزاني لا يقدم على نكاحه من النساء, إلا أنثى زانية, تناسب حالُه حالَها, أو مشركةٌ بالله, لا تؤمن ببعث ولا جزاء, ولا تلتزم أمر الله. والزانية كذلك, لا ينكحها إلا زان أو مشرك (وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) أي: حرم عليهم أن يُنْكِحوا زانيا, أو يَنْكِحوا زانية.
ومعنى الآية: أن من اتصف بالزنا, من رجل أو امرأة , ولم يتب من ذلك , أن المقدم على نكاحه , مع تحريم الله لذلك , لا يخلو إما أن لا يكون ملتزما لحكم الله ورسوله, فذاك لا يكون إلا مشركا. وإما أن يكون ملتزما لحكم الله ورسوله, فأقدم على نكاحه مع علمه بزناه, فإن هذا النكاح زنا, والناكح زان مسافح. فلو كان مؤمنا بالله حقا, لم يقدم على ذلك.
وهذا دليل صريح على تحريم نكاح الزانية, حتى تتوب, وكذلك نكاح الزاني حتى يتوب. فإن مقارنة الزوج لزوجته, والزوجة لزوجها, أشد الاقترانات, والازدواجات. وقد قال تعالى: (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ) أي: قرناءهم. فحرم الله ذلك, لما فيه من الشر العظيم. وفيه من قلة الغيرة, وإلحاق الأولاد, الذين ليسوا من الزوج, وكون الزاني لا يعفها بسبب اشتغاله بغيرها, مما بعضه كاف في التحريم" انتهى.
وبمثل ذلك قال الشيخ ابن عثيمين ﵀، وأن معنى الآية:
أن من اعتقد تحريم نكاح الزانية ومع ذلك نكحها، فقد عقد عقداً محرماً، يعتقد أنه حرام، والعقد الحرام وجوده كعدمه، فلا يحل له الاستمتاع بالمرأة، فيكون هذا الرجل زانيا في هذه الحال.
وأما إذا أنكر تحريم نكاح الزانية، وقال: هو حلال، فيكون هذا الرجل مشركا في هذه الحال، لأنه أحل ما حرم الله، وجعل نفسه مشرعا مع الله. وهكذا نقول لمن زوج ابنته رجلا زانيا.
"فتاوى المرأة المسلمة" جمع أشرف عبد المقصود (٢/٦٩٨) .
وبهذا (أي تحريم نكاح الزانية) أفتى الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀، وعلماء اللجنة الدائمة للإفتاء برئاسة الشيخ ابن باز ﵀.
انظر: "فتاوى محمد بن إبراهيم" (١٠/١٣٥) ، "فتاوى اللجنة الدائمة" (١٨/٣٨٣) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:
" لما أمر الله تعالى بعقوبة الزانيين حرم مناكحتهما على المؤمنين، هجرا لهما، ولما معهما من الذنوب والسيئات. .. فأخبر أنه لا يفعل ذلك إلا زان أو مشرك.
أما المشرك فلا إيمان له يزجره عن الفواحش ومجامعة أهلها.
وأما الزاني ففجوره يدعوه إلى ذلك وإن لم يكن مشركا. . .
والله قد أمر بهجر السوء وأهله ما داموا عليه، وهذا المعنى موجود في الزاني. . .
والله سبحانه شرط في الرجال أن يكونوا محصنين غير مسافحين فقال: (وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين) وهذا المعنى مما لا ينبغي إغفاله ; فإن القرآن قد نصه وبينه بيانا مفروضا.
فأما تحريم نكاح الزانية فقد تكلم فيه الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم وفيه آثار عن السلف وإن كان الفقهاء قد تنازعوا فيه، وليس مع من أباحه ما يعتمد عليه " انتهى.
"مجموع الفتاوى" (١٥/٣١٦) .
وقال أيضاً (٣٢/١١٠) :
" نكاح الزانية حرام حتى تتوب، سواء كان زنى بها هو أو غيره. هذا هو الصواب بلا ريب وهو مذهب طائفة من السلف والخلف: منهم أحمد بن حنبل وغيره. .
وهذا هو الذي دل عليه الكتاب والسنة والاعتبار ; والمشهور في ذلك آية النور قوله تعالى: (الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين) وفي السنن حديث أبي مرثد الغنوي في عناق " انتهى.
وعلى من ابتلي بذلك وعقد النكاح قبل التوبة أن يتوب إلى الله تعالى ويندم على ما فعل ويعزم على عدم العودة إلى هذا الذنب، ثم يعيد عقد النكاح مرة أخرى.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 9024
نسب ولد الزنا والأحكام المترتبة عليه
[السُّؤَالُ]
ـ[بعد مرور ٣٢ عاما على ميلاد ابن زنا من أجنبية كتابية، وهو شاب ذو أخلاق عالية وقلب طيب، عندما بلغ ٢٥ عاما أصبح يبحث عن والديه، فوجد أمه، ووجدني أنا الأب قبل أسبوع، حيث ثبت بواسطة الحامض النووي dna على أنني الأب، وقد تزوجت قبل ٣١ سنة من مسلمة، وعندي منها بنت وولدان، وعندي ٤ أحفاد، الحمد لله الذي هداني وعدت إلى مخافة الله، وأنني ملتزم حيث إنني أصلي وأزكي واعتمرت وحجيت قبل ٣ أعوام أنا وزوجتي، نسأل الله الهداية والتوبة على الدوام.
أرجو إفادتي: هل هو محرم على زوجتي وابنتي، هل هو أخ لأولادي؟ هل أعتبره أحد أفراد العائلة؟ أرجو شرح كل ما يتعلق بالموضوع.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
نسأل الله تعالى أن يعفو عنا وعنك، وأن يوفقنا لحسن التوبة والإنابة إليه سبحانه، وأن يرزقنا الذرية الصالحة الطيبة بمنه وفضله وكرمه.
واعلم أن التوبة والهداية خير ما يوفق له العبد في الدنيا، وهي أعظم نعمة يمن الله تعالى بها علينا، فالواجب شكر الله تعالى عليها، والحرص على تجديدها، فقد كان النبي ﷺ يستغفر الله ويتوب إليه في اليوم الواحد مائة مرة، كما رواه مسلم (٢٧٠٢) .
ثانياً:
أما نسب الأبناء غير الشرعيين فقد فصل فيه الفقهاء تفصيلا واسعا فقالوا:
لا يخلو حال المزني بها من أحد أمرين:
١. أن تكون فراشاً: يعني أن تكون متزوجة: فكل ولد تأتي به حينئذ إنما ينسب للزوج وليس لأحد غيره، ولو جَزَمت أنه من غيره ممن زنا بها، إلا إذا تبرأ الزوج من هذا الولد بملاعنة الزوجة، فحينئذ ينتفي نسب الولد عن الزوج ويلتحق بأمه وليس بالزاني.
٢. أن تكون غير متزوجة: فإذا جاءت بولد من الزنا، فقد اختلف العلماء في نسب هذا الولد، هل ينسب إلى أبيه الزاني أو إلى أمه، على قولين، سبق ذكرهما وبيان أدلتهما في جواب السؤال رقم (٣٣٥٩١) وانظر أيضا أجوبة الأسئلة: (١١٧) و (٢١٠٣) و (٣٦٢٥) .
وفيها: أن الراجح هو عدم صحة النسب من السفاح، فلا يجوز نسبة ولد الزنا إلى الزاني، إنما ينسب إلى أمه، ولو بلغ القطع بأن هذا الولد لذلك الزاني المعين درجة اليقين.
جاء في " فتاوى اللجنة الدائمة " (٢٠ / ٣٨٧) :
" الصحيح من أقوال العلماء أن الولد لا يثبت نسبه للواطئ إلا إذا كان الوطء مستنداً إلى نكاح صحيح أو فاسد أو نكاح شبهة أو ملك يمين أو شبهة ملك يمين، فيثبت نسبه إلى الواطئ ويتوارثان، أما إن كان الوطء زنا فلا يلحق الولد الزاني، ولا يثبت نسبه إليه، وعلى ذلك لا يرثه ". انتهى.
وجاء - أيضاً - في " فتاوى اللجنة الدائمة " (٢٢ / ٣٤) :
" أما ولد الزنا فيلحق نسبا بأمه، وحكمه حكم سائر المسلمين إذا كانت أمه مسلمة، ولا يؤاخذ ولا يعاب بجرم أمه، ولا بجرم من زنا بها، لقوله سبحانه: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) " انتهى.
ثالثاً:
معلوم أن إثبات النسب يتبعه الحديث عن الكثير من الأحكام: أحكام الرضاع، والحضانة، والولاية، والنفقة، والميراث، والقصاص، وحد السرقة، والقذف، والشهادة، وغيرها.
ولما كان الراجح هو عدم ثبوت نسب ابن الزنا من الزاني، فلا يثبت شيء من الأحكام السابقة على الأب غير الشرعي، وإنما تتحمل الأم كثيراً منها.
ولكن يبقى للأب غير الشرعي (الزاني) قضية تحريم النكاح، فإن الولد الناتج عن زناه يثبت بينه وبين أبيه وأرحام أبيه أحكام التحريم في النكاح في قول عامة أهل العلم.
قال ابن قدامة ﵀:
" ويحرم على الرجل نكاح بنته من الزنا، وأخته، وبنت ابنه، وبنت بنته، وبنت أخيه، وأخته من الزنا، وهو قول عامة الفقهاء " انتهى.
" المغني " (٧ / ٤٨٥) .
وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: عن بنت الزنا هل تزوج بأبيها؟
فأجاب:
" الحمد لله، مذهب الجمهور من العلماء أنه لا يجوز التزويج بها، وهو الصواب المقطوع به " انتهى.
" مجموع الفتاوى " (٣٢ / ١٣٤) .
وجاء في " الموسوعة الفقهية " (٣٦ / ٢١٠) :
" ويحرم على الإنسان أن يتزوّج بنته من الزّنا بصريح الآية: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ) لأنّها بنته حقيقةً ولغةً , ومخلوقة من مائه , ولهذا حرّم ابن الزّنا على أمّه.
وهذا هو رأي الحنفيّة وهو المذهب عند المالكيّة , والحنابلة " انتهى.
رابعاً:
وبناء على ما سبق فإن ابنك هذا من الزنا لا يجوز له أن ينكح بناتك، فإنهن بمنزلة أخواته، وكذلك زوجتك.
ولكن ذلك لا يعني أنه مَحرَمٌ لهن فنُجَوِّز له الخلوة بهن أو وضعهن الحجاب في حضرته، فإن التحريم في النكاح لا يلزم منه دائما المحرمية المبيحة للخلوة ونحوها، فهي حكم زائد لا يثبت إلا للمحارم الشرعيين؛ فيجب التنبه لهذا.
قال ابن قدامة – ﵀:
" الحرام المحض: وهو الزنا: يثبت به التحريم، ولا تثبت به المحرمية ولا إباحة النظر " انتهى بتصرف.
" المغني " (٧ / ٤٨٢) .
ولا يمنع ذلك كله الإحسان إلى هذا الشاب، ومعاملته بالحسنى، والسعي في إسلامه وربطه بالعائلة، على ألا ينسب إلى أبيه من الزنا، ولا يتساهل في حجاب البنات في الأسرة عنه.
ونسأل الله لك الخير والتوفيق والرشاد.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 9025
حكم التحاكم إلى العادات والأعراف القبلية
[السُّؤَالُ]
ـ[إذا زنى رجل بامرأة، تقوم القبائل بتعويض أهل البنت بمال يقدره العرف القبلي، علما أن هذا المال يشاركه في دفعه قبيلته، ما حكم المشاركة في دفع هذا المبلغ إن كنت من قبيلة الفاعل، وما حكم أخذ هذا المال إن كنت من قبيلة البنت. علما أنّ هذا البلد يحكمه نصراني ولا يحكم فيه بما أنزل الله، ولذلك تلجأ القبائل للحكم القبلي مع ما فيه من حكم بغير ما أنزل الله.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
هذا التعويض المالي له صورتان:
الأولى: أن يكون خاصا بحالة الإكراه على الزنا، فيُلزم الزاني بدفع المهر للمزني بها المكرهة على ذلك، أو بدفع المهر مع أرش البكارة – إن كانت بكرا -، عند من يقول بذلك، وأرش البكارة هو الفرق بين مهر البكر والثيب.
على أن يكون هذا المال واجبا على الزاني، مع إقامة الحد عليه، ويعطى للمزني بها، التي ثبت إكراهها على الزنا.
وإذا كان الأمر كذلك، فهذا لا إشكال فيه، بل هو من تحكيم الشرع، ولو وافق العادة والعرف.
ولو فرض أنهم عجزوا عن إقامة الحد، واستطاعوا إلزام الزاني بدفع المهر للمكرهة، لكان هذا سائغا، فإن مالا يدرك كله لا يُترك جُلّه، وقد قال الله تعالى: (فاتقوا الله ما استطعتم) .
وأما إلزام القبيلة بدفع المهر أو المشاركة فيه، فلا وجه له، بل هو واجب في مال الزاني كما سبق، ومساعدته في دفعه يعني تسهيل القضية وترويج الزنا. ويأتي بيان الخلاف في وجوب المهر والأرش.
الصورة الثانية: أن يكون ذلك نظاما متبعا في جميع حالات الزنى، لا فرق بين من أكرهت عليه، ومن طاوعت فيه، وتلزم القبيلة بمشاركة الزاني في دفع هذا التعويض، ويعد ذلك حكما عاما ترجع إليه القبائل فيما بينها، فهذا تنظيم وتقنين لمهور البغايا؛ وقد قال النبي ﷺ : (ثَمَنُ الْكَلْبِ خَبِيثٌ وَمَهْرُ الْبَغِيِّ خَبِيثٌ وَكَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ) رواه مسلم (١٥٦٨)
وقال: (لا يَحِلُّ ثَمَنُ الْكَلْبِ وَلا حُلْوَانُ الْكَاهِنِ وَلا مَهْرُ الْبَغِيِّ) رواه النسائي (٤٢٩٣)
ومن البين أن هذا الحكم القبلي، أو ما يسمى بالسلوم، هو من أحكام الجاهلية، التي لا يجوز الحكم بها، ولا التحاكم إليها، ولا الإعانة عليها؛ لقوله تعالى: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) المائدة/٤٩، ٥٠، وقوله: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) المائدة/٤٤، وقوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً) النساء/٦٠، وقوله: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) النساء/٦٥. إلى غير ذلك من الآيات الدالة على وجوب تحكيم شرع الله ونبذ ما خالفه من أحكام الجاهلية.
وقد حكم الله تعالى وشرَع أن يجلد الزاني إذا كان بكرا، ويرجم إن كان ثيبا، رجلا كان أو امرأة، فكل حكم يخالف هذا فهو من أحكام الجاهلية، التي يجب البراءة منها، والسعي في إبطالها.
وقد نص أهل العلم على أن التحاكم إلى سلوم البادية، وأعراف القبائل المخالفة للشريعة المحمدية، أن ذلك من الكفر.
قال الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀: " (السادس) [أي من أنواع الكفر الأكبر في مسألة تحكيم القوانين] : ما يحكم به كثير من رؤساء العشائر والقبائل من البوادي ونحوهم من حكايات آبائهم وأجدادهم وعاداتهم التي يسمونها " سلومهم " يتوارثون ذلك منهم ويحكمون به ويحملون على التحاكم إليه عند النزاع، بناء على أحكام الجاهلية، وإعراضاً ورغبة عن حكم الله ورسوله فلا حول ولا قوة إلا بالله " انتهى من رسالة "تحكيم القوانين".
وقال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ في رسالة له بعنوان: " حكم التحاكم إلى العادات والأعراف القبلية
من عبد العزيز بن باز إلى من يطلع عليه من المسلمين، وفقني الله وإياهم لمعرفة الحق واتباعه آمين.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. . . . أما بعد.
فالداعي لهذا هو الإجابة عن أمور سأل عنها بعض الإخوة الناصحين في المملكة؛ حيث ذكر أنه يوجد في قبيلته، وفي قبائل أخرى عادات قبلية سيئة ما أنزل الله بها من سلطان منها: -
ترك التحاكم إلى كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، إلى عادات قبلية وأعراف جاهلية.
منها كتمان الشهادة، وعدم أدائها حمية وتعصبا، أو الشهادة زورا وبهتانا، حمية وعصبية أيضا. إلى غير ذلك من الأسباب التي قد تدعو بعض الناس إلى مخالفة الشرع المطهر.
ولوجوب النصيحة لله ولعباده أقول وبالله التوفيق:
يجب على المسلمين أن يتحاكموا إلى كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ في كل شيء، لا إلى القوانين الوضعية والأعراف والعادات القبلية. قال الله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالا بَعِيدًا وقال تعالى: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) .
فيجب على كل مسلم أن لا يقدم حكم غير الله على حكم الله ورسوله كائنا من كان، فكما أن العبادة لله وحده، فكذلك الحكم له وحده، كما قال سبحانه: (إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ) .
فالتحاكم إلى غير كتاب الله وسنة رسوله ﷺ من أعظم المنكرات، وأقبح السيئات، وفي كفر صاحبه تفصيل، قال تعالى: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) ؛ فلا إيمان لمن لم يحكم الله ورسوله ﷺ في أصول الدين وفروعه، وفي كل الحقوق، فمن تحاكم إلى غير الله ورسوله، فقد تحاكم إلى الطاغوت.
وعلى هذا يجب على مشايخ القبائل، ألا يحكموا بين الناس بالأعراف التي لا أساس لها في الدين، وما أنزل الله بها من سلطان. . بل يجب عليهم أن يردوا ما تنازع فيه قبائلهم إلى المحاكم الشرعية، ولا مانع من الإصلاح بين المتنازعين بما لا يخالف الشرع المطهر، بشرط الرضا وعدم الإجبار. . لقوله ﷺ : (الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا حرم حلالا أو أحل حراما) ، كما يجب على القبائل جميعا ألا يرضوا إلا بحكم الله ورسوله.... " انتهى من "مجموع فتاوى ومقالات الشيخ ابن باز" (٥/١٤٢) .
وسئلت "اللجنة الدائمة للإفتاء" ما نصه: " س: ما الحكم إذا تخاصم اثنان مثلا وتحاكما إلى الأحكام العرفية، فمثلا يضع كل منهما معدالا، كما يسمونه، ويرضون من مشايخ القبائل من يحكم بينهما، ويجلسان بين يديه، ويبث كل منهما دعواه ضد الآخر، فإذا كانت القضية بسيطة حكم فيها بذبيحة على المخطئ يذبحها لخصمه، وإذا كانت القضية كبيرة حكم فيها (بجنبية) أي: كانوا في القدم يضربونه على رأسه بآلة حادة حتى يسيل دمه، ولكن اليوم تقدر (الجنبية بدراهم) ويسمون هذا: صلحا، وهذا الشيء منتشر بين القبائل ويسمونه: مذهبا، بمعنى: إذا لم ترض بفعلهم هذا فيقولون عنك: (قاطع المذهب) ، فما الحكم في هذا يا فضيلة الشيخ؟
ج: يجب على المسلمين أن يتحاكموا إلى الشريعة الإسلامية، لا إلى الأحكام العرفية، ولا إلى القوانين الوضعية، وما ذكرته ليس صلحا في الحقيقة، وإنما هو تحاكم إلى مبادئ وقواعد عرفية ; ولذا يسمونها: مذهبا، ويقولون لمن لم يرض بالحكم بمقتضاها: إنه قاطع المذهب، وتسميته صلحا لا يخرجه عن حقيقته من أنه تحاكم إلى الطاغوت، ثم الحكم الذي عينوه من الذبح أو الضرب بآلة حادة على الرأس حتى يسيل منه الدم ليس حكما شرعيا.
وعلى هذا يجب على مشايخ القبائل ألا يحكموا بين الناس بهذه الطريقة، ويجب على المسلمين ألا يتحاكموا إليهم، إذا لم يعدلوا عنها إلى الحكم بالشرع، واليوم -ولله الحمد- قد نصب ولي الأمر قضاة يحكمون بين الناس، ويفصلون في خصوماتهم بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ويحلون مشكلاتهم بما لا يتنافى مع شرع الله تعالى، فلا عذر لأحد في التحاكم إلى الطاغوت بعد إقامة من يتحاكم إليه من علماء الإسلام ويحكم بحكم الله سبحانه.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد, وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، انتهى.
وإذا كان الأمر كذلك: فلا يجوز لك أن تشارك في هذا الحكم، ولا في دفع المال، أو أخذه، بل يجب أن تبرأ من ذلك، كما يجب أن تنصح لهؤلاء، وتبين لهم خطر ما هم عليه من تحكيم غير الشرع، وأنه لا عذر لهم في ذلك، ولو كان حاكمهم نصرانيا لا يطبق أحكام الله، وعليهم أن يتناصحوا فيما بينهم ويسعوا إلى تطبيق أحكام الشريعة قدر استطاعتهم، وما عجزوا عن تطبيقه فلا يجوز لهم إحداث حكمٍ فيه، مهما رأوا فيه من المصلحة، وإلا كانوا مشرّعين آثمين مبتغين في الإسلام سنة الجاهلية.
ثانيا:
ذهب جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة إلى أن المرأة إذا أكرهت على الزنا، فإن الزاني يلزم بمهر مثلها.
فإن كانت بكرا، فهل لها مع المهر أرش البكارة؟
ذهب إلى ذلك بعض الفقهاء، وهو رواية عن أحمد ﵀، لكن المذهب المعتمد عند الحنابلة هو عدم وجوب أرش البكارة، وإنما تأخذ المكرهة على الزنا مهر المثل فقط.
ونبه المالكية على أن هذا المهر لا تتحمله العاقلة، لأن الزنى من باب العمد، لا الخطأ.
وخالف الحنفية فلم يوجبوا مهرا للمكرهة على الزنا، بكرا كانت أو ثيبا.
وهو رواية عن أحمد ﵀، اختارها شيخ الإسلام، وقال عن المهر: إنه خبيث.
ثالثا:
لو أكرهها على الزنا، فأفضاها، فإنه يلزمه المهر، مع الضمان، واختلف في تقديره، فالحنفية والحنابلة على أنه ثلث الدية، والمالكية على أن فيه حكومة عدل، والشافعية على أن فيه الدية كاملة، ووافقهم الحنفية فيما إذا أفضاها فلم تمسك البول.
وينظر: "المبسوط (٩/٥٣) ، المنتقى للباجي (٧/٧٧) ، التاج والإكليل (٨/٣٤٢) ، مغني المحتاج (٤/٧٥) ، المغني (٧/٢٠٩) ، (٨/٣٧٣) ، الإنصاف (٨/٣٠٦- ٣٠٨) ، الموسوعة الفقهية (٥/٢٩٧) ، (٢١/٩٥) ".
والإفضاء: إزالة الحاجز بين مخرج البول ومحل الجماع.
والحاصل: أن دفع المهر للمكرهة على الزنا، أو دفع المهر وأرش البكارة، للبكر المكرهة على الزنا، إنما يكون في مال الزاني، ولا تتحمله العاقلة، ويذهب للمرأة المزني بها، وليس إلى عاقلتها، وأما المطاوعة على الزنى فلا شيء لها.
وهذا كله بعد ثبوت الزنا وإقامة الحد. وبهذا يظهر الفرق بين ما ورد في الشرع، وبين ما يحكّم من العادات والأعراف القبلية.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 9026
الحكمة من قتل المفعول به في اللواط
[السُّؤَالُ]
ـ[لماذا يقتل المفعول به في اللواط كما يقتل الفاعل؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
روى الترمذي (١٤٥٦) وأبو داود (٤٤٦٢) وابن ماجه (٢٥٦١) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ) وصححه الألباني في صحيح الترمذي.
وقد أجمع الصحابة على قتل اللوطي، لكن اختلفوا في طريقة قتله.
فمنهم من يرى تحريقه، كأبي بكر الصديق وعلي بن أبي طالب ﵄، ومنهم من يرى أنه يُرمَى من بناءٍ عالٍ ويتبع بالحجارة، كابن عباس ﵄، ومنهم من يرى أنه يرجم بالحجارة حتى يموت، وهو مروي عن علي وابن عباس أيضاً ﵃.
وانظر "المغني" (٩/٥٨) .
وأما الحكمة من معاقبة المفعول به، فلأنه شريك في المعصية، فإن هذه المعصية لا توجد إلا إذا اشترك فيها طرفان، فكان العدل أن يقام الحد عليهما، ومثل هذا: الزنا، فإنه يقام فيه الحد على الرجل والمرأة، ثم إن المفعول به لا خير في بقائه حيا، لعظم الفساد الذي حل به، وعظم المفسدة الناشئة عن وجوده.
قال في "مطالب أولي النهى" (٦/١٧٤) : " وإن كان الزنا واللواط مشتركين في الفحش، وفي كل فساد ينافي حكمة الله في خلقه وأمره، فإن في اللواط من المفاسد ما يفوت الحصر والتعداد، ولَأنْ يقتل المفعول به خير له من أن يؤتى، فإنه يَفْسد فسادا لا يرجى له بعده صلاح أبدا، ويذهب خيره كله، وتمتص الأرض ماء الحياء من وجهه، فلا يستحي بعد ذلك من الله تعالى ولا من خلقه، وتعمل في قلبه وروحه نطفة الفاعل ما يعمل السم في البدن، وهو جدير أن لا يوفق لخير، وأن يحال بينه وبينه، وكلما عمل خيرا قيض له ما يفسده عقوبة له ; وقل أن ترى من كان كذلك في صغره إلا وهو في كبره شر مما كان، ولا يوفق لعلم نافع، ولا عمل صالح، ولا توبة نصوح غالبا. إذا تقرر هذا، فمفسدة اللواط من أعظم المفاسد، وعقوباته من أعظم العقوبات في الدنيا والآخرة.
وقد أطبق أصحاب رسول الله ﷺ على قتله، لم يختلف فيه منهم رجلان، وإنما اختلفت أقوالهم في صفة قتله، فظن بعض الناس أن ذلك اختلاف منهم في قتله، فحكاها مسألة نزاع بين الصحابة، وهي بينهم مسألة إجماع، لا مسألة نزاع " انتهى باختصار.
وأصل هذا الكلام لابن القيم ﵀، ذكره في "الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي".
ولكن إذا كان المفعول به مكرهاً فإنه لا عقوبة عليه، لقول النبي ﷺ : (إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ) رواه بن ماجة (٢٠٤٥) وصححه الألباني في صحيح ابن ماجة.
وانظر جواب السؤال (٣٨٦٢٢) ففيه زيادة فائدة.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 9027
الآثار الشرعية لزنا الزوج بأم زوجته قبل النكاح وبعده
[السُّؤَالُ]
ـ[امرأة متزوجة، وزوجها قد زنى بأمها مرات عديدة وهذه الزوجة لا تعلم، ماذا تفعل مع أمها ومع زوجها، فهي في حيرة من أمرها؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
لا يحل لأحدٍ أن يدَّعي على غيره أنه وقع في الزنا إلا أن يَثبت ذلك بطريق شرعي، كاعتراف الزاني، أو شهادة أربعة رجال عدول شهدوا وقوعه في الزنا، ومن نسب لغيره الوقوع في الزنا من غير بينة: فقد وقع في القذف، وهو من كبائر الذنوب، ويستحق صاحبه ثمانين جلدة، وهو الحد المترتب على القذف.
قال تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ. إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) النور/٤-٥.
ثانياً:
إن ثبت عند السائلة ما جاء في السؤال من وقوع الزوج في جريمة الزنا بأم زوجته: فليُعلم أنهما مستحقان لعذاب الله وسخطه، ومستحقان للعقوبة في الدنيا، أما المرأة: فلأنها محصنة؛ فإنها تستحق الرجم حتى الموت، وأما هو فإن كان محصناً: فمثل حكمها، وإن لم يكن محصناً، وإنما وقع منه الزنى قبل زواجه: فحدُّه مائة جلدة.
قال تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) النور/٢.
وعن أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَجُلٌ مِنْ النَّاسِ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ فَنَادَاهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي زَنَيْتُ - يُرِيدُ نَفْسَهُ - فَأَعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ فَتَنَحَّى لِشِقِّ وَجْهِهِ الَّذِي أَعْرَضَ قِبَلَهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي زَنَيْتُ فَأَعْرَضَ عَنْهُ فَجَاءَ لِشِقِّ وَجْهِ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي أَعْرَضَ عَنْهُ فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ دَعَاهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: أَبِكَ جُنُونٌ؟ قَالَ: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: أَحْصَنْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ.
رواه البخاري (٦٤٣٩) ومسلم (١٦٩١) .
والمحصَن: هو من سبق له الزواج والدخول، ولو حصل بعد زواجه طلاق أو وفاة زوج أو زوجة.
بل قال الإمام أحمد – في رواية عنه – فيمن فعل ذلك " يقتل على كل حال " يعني أن من زنى بمحرم من محارمه، قتل، سواء كان محصناً أو لا، وسواء كان محرماً من النسب أو المصاهرة أو الرضاع.
قال ابن قدامة: " وبهذا قال جابر بن زيد، وإسحاق، وأبو أيوب، وابن أبي خيثمة " اهـ "المغني" (١٢/٣٤١)
قال ابن القيم ﵀: " وأما إن كانت الفاحشة مع ذي محرم، فذلك الهُلك كل الهُلك، ويجب قتل الفاعل بكل حال، عند الإمام أحمد وغيره.. "
" روضة المحبين" ص (٣٧٤)
وهل يوجب زناه بأمها تحريم نكاحه ابنتها، أو فسخ النكاح القائم: وقع خلاف بين العلماء في هذا، والراجح عدم تحريم نكاحها، وعدم فسخ النكاح.
وقد بيَّنا حكم هذه المسألة وفصَّلناها في جواب السؤال رقم (٧٨٥٩٧) فلينظر.
ثالثاًً:
الواجب على الزوجة الآن:
١. عدم بناء أحكام أو تصرفات على هذا الأمر إلا أن يثبت لديها قطعاً.
٢. نصح أمها – إن ثبت الادعاء بالزنى – بضرورة التوبة الصادقة.
٣. نصح زوجها بالتوبة الصادقة إن كان وقع الزنا بأمها بعد نكاحها، وضرورة إبعاده عن أمها في السكن واللقاء حتى لا يتكرر الفعل، وإن لم يتب من الفعل فلتسع في الطلاق، ولا يحل لها البقاء معه؛ لأن الله تعالى حرَّم نكاح الزاني للمؤمنة العفيفة.
على أننا نعلم شدة البلاء الذي نزل بالأخت الكريمة، فكم يحزن المرأة، ويشق عليها أن يزني زوجها!! وأشق من ذلك على النفس وأغيظ للقلب، ألف مرة ومرة أن تزني أمها!! فكيف إذا كان زوجها هو الزاني بأمها!! إن هذا لبلاء مبين.
نسأل الله تعالى أن يفرج همها، ويزيل كربها، وأن يرزقها الصبر والحكمة
على أننا ننصحها – قبل اتخاذ قرار كبير في حياتها – أن تتدبر جيداً في عاقبته:
إذا قررت الانفصال عن زوجها فهل يمكنها – حينئذ – أن تعيش مع أمها في بيتها، وهي التي فعلت وفعلت، ثم كان خرب بيتها على يدها؟!
نحسب أنه – إذا لم يكن عندها مأوى مناسب، ومحرم يقوم على شأنها ويرعاها – أن البقاء مع زوجها مع نصحه بالتوبة والاستقامة أهون من طلاقها والعيش في بيت أمها!!
فلتوازن هذه الأخت الكريمة بين نتائج قرارها، وبعض الشر أهون من بعض!!
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 9028
زنى بامرأة فهل له أن يتزوج بابنتها ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا رجل أبلغ من العمر ثلاثون عاماً، وقد أغواني الشيطان وزنيت بامرأة، وبفضل الله عليَّ ورحمته تبت إلى الله توبة نصوحا لعل الله يتقبلها منى، وأنا إلى الآن لم أتزوج، وقد قررت الزواج، وقامت أمي بترشيح فتاة ما، ولكن هذه الفتاه هي ابنة المرأة التي سبق وزنيت بها (مع العلم بأن واقعة الزنا كانت منذ سنتين وأن هذه الابنة تبلغ من العمر الآن عشرون عاما) ، ولذلك أرجو الإفادة إن كان هذا الزواج محرَّما أم لا؟ وأرجو من سيادتكم توضيح الأمر باستفاضة تامة.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
نسأل الله تعالى أن يتقبل توبتك، واحرص على أن تكون توبة صادقة؛ لأن جريمة الزنا إثمها عظيم، ويترتب عليها مفاسد كثيرة، والزاني المحصن يستحق الرجم حتى الموت، وليس في الحدود ما هو أعظم من هذا؛ وذلك لقبح هذه الجريمة وشناعتها.
والنصيحة لك ألاّ تنكِح هذه الفتاة، لا لأن نكاحها محرم، بل لأنك بهذا النكاح ستكون قريباً من أمها التي زنيت بها، والقرب منها فيه تذكير لك بتلك الفاحشة الشنيعة، ولعل الشيطان أن يوسوس لك ثانية، ويزين لك المعصية فتقع فيها، والبُعد عن مواطن الفاحشة والمعصية من تمام التوبة، ويدل على ذلك حديث الذي قتل مائة نفس، فإن العالِم دلَّه على ترك قريته لأن أهلها كانوا أهل شر وفساد , وهذا من تمام التوبة.
أما من حيث جواز نكاح تلك الفتاة: فقد وقع في هذه المسألة خلاف بين العلماء، فالشافعي ومالك - في إحدى الروايتين عنه - يبيحون ذلك، وأبو حنيفة وأحمد ومالك - في الرواية الأخرى - يحرمون هذا النكاح، والراجح هو القول الأول.
قال ابن عبد البر:
واختلفوا في الرجل يزني بالمرأة هل يحل له نكاح ابنتها وأمها، وكذلك لو زنا بالمرأة هل ينكحها ابنه أو ينكحها أبوه، وهل الزنى في ذلك كله يحرم ما يحرم النكاح الصحيح أو النكاح الفاسد أم لا؟
فقال مالك في " موطئه ": إن الزنى بالمرأة لا يحرم على من زنا بها نكاح ابنتها ولا نكاح أمها، ومن زنا بأم امرأته لم تحرم عليه امرأته بل يقتل ولا يحرِّم الزنى شيئا بحرمة النكاح الحلال.
وهو قول ابن شهاب الزهري وربيعة، وإليه ذهب الليث بن سعد والشافعي وأبو ثور وداود، وروي ذلك عن ابن عباس وقال في ذلك: " لا يحرم الحرام الحلال " ... .
وذكر ابن القاسم عن مالك خلاف ما في " الموطأ "، فقال: من زنا بأم امرأته فارق امرأته وهو عنده في حكم من نكح أم امرأته ودخل بها.
وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي كلهم يقولون: من زنا بأم امرأته حرمت عليه امرأته.
قال سحنون: أصحاب مالك كلهم يخالفون ابن القاسم فيها ويذهبون إلى ما في " الموطأ " ...
والله إنما حرم على المسلم تزوج أم امرأته وابنتها وكذلك إذا ملكت يمينه امرأة فوطئها بملك اليمين حرمت عليه أمها وابنتها
وكذلك ما وطىء أبوه بالنكاح وملك اليمين وما وطىء ابنه بذلك فدل على المعنى في ذلك الوطء الحلال، والله المستعان
وقد أجمع هؤلاء الفقهاء - أهل الفتوى بالأمصار المسلمين - أنه لا يحرم على الزاني نكاح المرأة التي زنا بها إذا استبرأها فنكاح أمها وابنتها أحرى، وبالله التوفيق.
" الاستذكار " (٥ / ٤٦٣، ٤٦٤) باختصار.
وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀:
" القول الراجح: أن أم المزني بها ليست حراماً على الزاني، وأن بنت المزني بها ليست حراماً على الزاني؛ لأن الله تعالى قال: (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ) النساء/٢٤، وفي قراءة أخرى: (وأَحَلَّ لَكُم ما وَرَاء ذَلِكُم) بالبناء للفاعل، ولم يذكر الله أم المزني بها وبنتها في المحرمات، وإنما قال: (وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ) النساء/٢٣، ومعلوم أن المزني بها ليست من نسائه قطعاً؛ لأن نساءه زوجاته، فإذا لم تكن من نسائه فإنه لا يصح أن يلحق السفاح بالنكاح الصحيح، فإذا تاب من الزنا جاز له أن يتزوج أم المزني بها وبنتها " انتهى
" الشرح الممتع " (٧ / ٣٨، ٣٩) .
والخلاصة: أن المسألة محل خلاف بين العلماء، وأن الراجح جواز نكاح بنت المزني بها إذا لم تكن مخلقة من مائه، والنصيحة لك: أن لا تتزوج لسببين:
احتياطاً، لأنها محرمة عليك عند كثير من العلماء.
وحتى لا يكون زواجك بها سبباً للقرب من أمها والاتصال بها، مما قد يكون سبباً لعودتك إلى المعصية التي تبت منها.
والله تعالى أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 9029
متى يجب على الرجل حد الزنا ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[متى يحق على العبد حد الزنا هل يحق إذا التمس الختانان، وهل يحق إذا تم الجماع من الخارج أي يلقى الرجل منيه خارج الرحم كما يفعل البعض ممن لا يريد الإنجاب أم أنه لا يحق إلا إذا تم الجماع التام؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
يشترط لإقامة حد الزنا أن يتم الإيلاج، وهو إدخال حشفة الذكر في الفرج، وحينئذ يلتقي الختانان، أي موضع ختان الرجل مع ختان الأنثى، فإذا تم الإيلاج فقد وقع الزنى الذي يوجب الحد، سواء أنزل الرجل أو لم ينزل، أو أولج ثم أنزل في الخارج، وسواء انتشر ذكره وانتصب أو لم يحصل ذلك.
جاء في "الموسوعة الفقهية" (٢٤/٢٣) في بيان شروط حد الزنا المتفق عليها بين الفقهاء: " لا خلاف بين الفقهاء في أنه يشترط في حد الزنا إدخال الحشفة أو قدرها من مقطوعها في الفرج. فلو لم يدخلها أصلا أو أدخل بعضها فليس عليه الحد لأنه ليس وطئا. ولا يشترط الإنزال ولا الانتشار عند الإدخال. فيجب عليه الحد سواء أنزل أم لا. انتشر ذكره أم لا " انتهى.
ثانياً:
وليس معنى ذلك أن يتهاون الإنسان في فعل المحرمات ما دام لم يصل إلى الزنى! وإنما المراد فقط بيان الزنى الذي يجب به الحد، أما خلوة الرجل بالمرأة الأجنبية ولمسها وتقبيلها فلا شك أن ذلك حرام، يحب على المسلم أن يتركه خوفاً من عقاب الله تعالى العاجل في الدنيا، قبل عقاب الآخرة.
نسأل الله تعالى أن يلهمنا رشدنا، ويرزقنا الهدى والتقى والعفاف والغنى.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 9030
لماذا حرم الإسلام السحاق واللواط
[السُّؤَالُ]
ـ[لماذا يعتبر اللواط والسحاق حراماً في الإسلام؟ أعرف أنها حرام لكن لماذا؟ وما هو المذكور عنها في القرآن والسنة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
١. لا ينبغي أن يشك المسلم ولو للحظة في أن شرع الله حكيم، وينبغي أن يعلم أن ما أمر الله به وما نهى عنه فيه الحكمة البالغة، والطريق القويم، والسبيل الوحيد لأن يعيش الإنسان آمناً مطمئنّاً، ويحفظ عرضه وعقله وصحته، ويوافق الفطرة التي فطر الله الناس عليها.
وقد حاول بعض الملحدين الطعن في الإسلام وأحكامه، فأنكروا الطلاق وتعدد الزوجات وأباحوا الخمور، ومن نظر في أحوال مجتمعاتهم عرف الحال المزري الذي وصلت إليه تلك المجتمعات.
فلما أنكروا الطلاق: حصل القتل بدلاً منه، ولما أنكروا التعدد: حصل اتخاذ العشيقات بدلا منه، ولما أباحوا الخمور: انتشرت الرذائل والفواحش بجميع ألوانها وأشكالها.
وهما مخالفان لفطرة الله تعالى التي فطر الناس عليها – بل البهائم كذلك – من ميل الذكر للأنثى والعكس، ومن خالف في هذا خالف الفطرة.
وانتشارهما سبَّب أمراضاً كثيرة لا يستطيع الشرق والغرب أن ينكر وجودها بسببهما، ولو لم يكن من نتائج هذا الشذوذ إلا مرض " الأيدز " – الذي يقضي على جهاز المناعة في الإنسان – لكفى.
وسبَّب – كذلك - تفكك الأسَر وانحلالها، وترك الأعمال والدراسة والانشغال بمثل هذه الشذوذات.
ولا ينتظر المسلم – وقد جاءه التحريم من ربه تعالى – أن يُثبت الطب حصول الضرر على مرتكب ما نهى الله عنه، بل لا بدَّ أن يجزم أن الله تعالى لا يشرع إلا ما فيه خير الناس، ولا تزيده هذه الاكتشافات الحديثة إلا يقيناً وطمأنينة بعظيم حكمة الله تعالى.
قال ابن القيم:
وفى كل منهما – أي: الزنى واللواط - فساد يناقض حكمة الله في خلقه وأمره؛ فإن في اللواط من المفاسد ما يفوت الحصر والتعداد؛ ولَأَن يقتل المفعول به خيرٌ له من أن يُؤتى فإنه يَفسد فساداً لا يرجى له بعده صلاح أبداً، ويَذهب خيرُه كله، وتمص الأرضُ ماء الحياء من وجهه فلا يستحي بعد ذلك لا من الله ولا من خلقه، وتعمل في قلبه وروحه نطفة الفاعل ما يعمل السم في البدن، وقد اختلفَ الناس هل يدخل الجنة مفعول به؟ على قولين سمعت شيخ الإسلام ﵀ يحكيهما.
" الجواب الكافي " (ص ١١٥) .
٢. السحاق والمساحقة لغةً واصطلاحاً: أن تفعل المرأة بالمرأة مثل صورة ما يفعل بها الرجل.
واللواط لغةً: إتيان الذكور في الدبر، وهو عمل الملعونين قوم نبي الله لوط ﵇. يقال: لاط الرجل لواطا ولاوط، أي عمل عمل قوم لوط.
واصطلاحا: إدخال الحشفة في دبر ذكر.
ومما ذُكر عنهما في القرآن والسنَّة:
أ. قال تعالى: ﴿ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين. إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون﴾ الأعراف/٨٠، ٨١.
ب. ﴿إنا أرسلنا عليهم حاصباً إلا آل لوط نجيناهم بسحر﴾ القمر/٣٤. الحاصب: الريح ترمي بالحجارة.
ت. ﴿ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين﴾ الأعراف/٨٠.
وقال تعالى: ﴿ولوطا إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين﴾ العنكبوت/٢٨.
ث. ﴿ولوطا آتيناه حكما وعلما ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث إنهم كانوا قوم سوء فاسقين﴾ الأنبياء/٧٤.
ج. ﴿ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون. أنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم تجهلون. فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون. فأنجيناه وأهله إلا امرأته قدرناها من الغابرين. وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين﴾ النمل/ ٥٤ – ٥٨.
هذا من حيث العقوبة التي وقعت على قوم لوط، أما من حيث ما جاء في أحكامهم:
ح. قال تعالى: ﴿واللذان يأتيانها منكم فآذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما إن الله كان تواباً رحيماً﴾ النساء / ١٦.
قال ابن كثير:
وقوله تعالى ﴿واللذان يأتيانها منكم فآذوهما﴾ أي: واللذان يفعلان الفاحشة فآذوهما، قال ابن عباس ﵄ وسعيد بن جبير وغيرهما: أي: بالشتم والتعيير والضرب بالنعال وكان الحكم كذلك حتى نسخه الله بالجلد أو الرجم، وقال عكرمة وعطاء والحسن وعبد الله بن كثير: نزلت في الرجل والمرأة إذا زنيا، وقال السدي: نزلت في الفتيان من قبل أن يتزوجوا، وقال مجاهد: نزلت في الرجلين إذا فعلا لا يكنى (أي يصرح ولا يستعمل الكناية) - وكأنه يريد اللواط -، والله أعلم.
" تفسير ابن كثير " (١ / ٤٦٣) .
خ. عن جابر ﵁ قال: قال النبي ﷺ " إن أخوف ما أخاف على أمتي عمل قوم لوط ".
رواه الترمذي (١٤٥٧) وابن ماجه (٢٥٦٣) .
والحديث: قال صححه الشيخ الألباني ﵀ في " صحيح الجامع " رقم: (١٥٥٢) .
د. عن ابن عباس قال: قال النبي ﷺ : " ... ملعون من وقع على بهيمة، ملعون من عمل بعمل قوم لوط ". رواه أحمد (١٨٧٨) .
والحديث: صححه الشيخ الألباني في " صحيح الجامع " رقم: (٥٨٩١) .
ذ. عن ابن عباس قال: قال النبي ﷺ : " من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به ".
رواه الترمذي (١٤٥٦) وأبو داود (٤٤٦٢) وابن ماجه (٢٥٦١) .
والحديث: صححه الشيخ الألباني في " صحيح الجامع " رقم: (٦٥٨٩) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 9031
موقف المسلمين من فاحشة اللواط
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا حاليا أبحث مسألة اضطهاد اللوطية في قارة آسيا وخاصة في ماليزيا.
أرجو منك التكرم بالإجابة على بعض أسئلتي.
١- كيف يعامل اللوطية (من المسلمين وغير المسلمين) في ماليزيا؟
٢- ما مدى قسوة العقوبة عليهم؟
٣- ما مدى تفهم المجتمع للوطية؟
٤- هل اللواط قانوني (مسموح به قانونا) ؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ليس لدينا خبرة بوضع الشّذوذ في بلاد ماليزيا ولكنّ المفترض في المسلمين من ذلك الشّعب أن تكون لديهم الكراهية التامّة لهذا الفعل القذر، لأنّ الإسلام الذي يدينون به يحرّم هذا الفعل تحريما شديدا ويجعل عقوبته عظيمة أليمة في الدّنيا والآخرة. كيف لا وقد قال نبي الإسلام ﵇: " مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ. " أي إذا كان راضيا. والحديث رواه الترمذي في سننه ١٣٧٦
وقال علماء الإسلام كمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَقَ أنّه يُقام عليه حدّ الرجم أحصن أو لم يُحصن.
والذي يخالف فطرة الله، ويفعل ما يؤدي إلى اكتفاء الرّجال بالرّجال والنّساء بالنّساء، وفساد الأُسر، والتأثير على الإنجاب، ونشر الانحلال في المجتمع، وحدوث الأمراض الفتّاكة، والإضرار بالأبرياء، وسريان الأذيّة إلى الأطفال اغتصابا ونقلا للأمراض، والفساد في الأرض عموما لا شكّ أنّه آفة يجب أن تُستأصل.
ولعلّ ما تقوم به أيّها الباحث من العمل يقودك إلى التعرّف عن كثب على هذا الدّين وعظمة شرائعه ودقّة أحكامه، وحكمة من أنزله، أسأل الله لك التوفيق والنّجاح والله الهادي إلى سواء السّبيل.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 9032
حكم جريمة الاغتصاب ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم جريمة الاغتصاب شرعاً؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
الاغتصاب هو أخذ الشيء ظلماً وقهراً، وأصبح الآن مصطلحاً خاصا بالاعتداء على أعراض النساء قهراً.
وهي جريمة قبيحة محرمة في كافة الشرائع، وعند جميع العقلاء وأصحاب الفطَر السوية، وجميع النظم والقوانين الأرضية تقبح هذه الفعلة وتوقع عليها أشد العقوبات، باستثناء بعض الدول التي ترفع العقوبة عن المغتصب إذا تزوج من ضحيته! وهو يدل على انتكاس الفطرة واختلال العقل فضلاً عن قلة الدين أو انعدامه عند هؤلاء الذي ضادوا الله تعالى في التشريع، ولا ندري أي مودة ورحمة ستكون بين الجلاد وضحيته، وخاصة أن ألم الاغتصاب لا تزيله الأيام ولا يمحوه الزمن - كما يقال - ولذا حاولتْ كثيرات من المغتَصبات الانتحار وحصل من عدد كثير منهن ما أردن، وقد ثبت فشل هذه الزيجات، ولم يصاحبها إلا الذل والهوان للمرأة.
وحري بهذا الشرع المطهَّر أن يكون له موقف واضح بيِّن من تحريم هذه الفعلة الشنيعة، وإيقاع العقوبة الرادعة على مرتكبها.
وقد أغلق الإسلام الأبواب التي يدخل من خلالها المجرم لفعل جريمته، وقد أظهرت دراسات غربية أن أكثر هؤلاء المغتصبين يكونون من أصحاب الجرائم، ويفعلون فعلتهم تحت تأثير الخمور والمخدرات، وأنهم يستغلون مشي ضحيتهم وحدها في أماكن منعزلة، أو بقاءها في بيتها وحدها، وكذلك بينت هذه الدراسات أن ما يشاهده المجرمون في وسائل الإعلام، وما تخرج به المرأة من ألبسة شبه عارية، كل ذلك يؤدي إلى وقوع هذه الجريمة النكراء.
وقد جاءت تشريعات الإسلام لتحفظ عرض المرأة وحياءها، وتنهاها عن اللبس غير المحتشم، وتنهاها عن السفر من غير محرم، وتنهاها عن مصافحة الرجال الأجانب عنها،، وحث الشرع على المبادرة بزواج الشباب وتزويج الفتيات كل ذلك – وغيره كثير – يغلق الباب على المجرمين من افتراس ضحاياهم، ولذلك لا نعجب إذا سمعنا أو قرأنا أن أكثر هذه الجرائم إنما تحدث في المجتمعات المنحلة، والتي يريد أهلها من المسلمات أن يكنَّ مثلهن في التحضُّر والرقي! ففي أمريكا – مثلاً – ذكرت منظمة العفو الدولية في تقرير لها بعنوان " أوقفوا العنف ضد المرأة " لعام ٢٠٠٤ أنه في كل ٩٠ ثانية تُغتصب امرأة هناك! فأي حياة يعيشها هؤلاء؟! وأي رقي وحضارة يسعون لإدخال المسلمات فيها؟!
ثانياً:
وأما عقوبة الاغتصاب في الشرع: فعلى المغتصب حد الزنا، وهو الرجم إن كان محصناً، وجلد مائة وتغريب عام إن كان غير محصن.
ويوجب عليه بعض العلماء أن يدفع مهر المرأة.
قال الإمام مالك ﵀:
" الأمر عندنا في الرجل يغتصب المرأة بكراً كانت أو ثيبا: أنها إن كانت حرة: فعليه صداق مثلها , وإن كانت أمَة: فعليه ما نقص من ثمنها، والعقوبة في ذلك على المغتصب، ولا عقوبة على المغتصبة في ذلك كله " انتهى.
" الموطأ " (٢ / ٧٣٤) .
قال الشيخ سليمان الباجي ﵀:
" المستكرَهة؛ إن كانت حرة: فلها صداق مثلها على من استكرهها، وعليه الحد، وبهذا قال الشافعي، وهو مذهب الليث، وروي عن علي بن أبي طالب ﵁.
وقال أبو حنيفة والثوري: عليه الحد دون الصداق.
والدليل على ما نقوله: أن الحد والصداق حقان: أحدهما لله، والثاني للمخلوق، فجاز أن يجتمعا كالقطع في السرقة وردها " انتهى.
" المنتقى شرح الموطأ " (٥ / ٢٦٨، ٢٦٩) .
وقال ابن عبد البر ﵀:
" وقد أجمع العلماء على أن على المستكرِه المغتصِب الحدَّ إن شهدت البينة عليه بما يوجب الحد، أو أقر بذلك، فإن لم يكن: فعليه العقوبة (يعني: إذا لم يثبت عليه حد الزنا لعدم اعترافه، وعدم وجود أربعة شهود، فإن الحاكم يعاقبه وعزره العقوبة التي تردعه وأمثاله) ولا عقوبة عليها إذا صح أنه استكرهها وغلبها على نفسها، وذلك يعلم بصراخها، واستغاثتها، وصياحها " انتهى.
" الاستذكار " (٧ / ١٤٦)
ثالثاً:
وكون المغتصب عليه حد الزنا، هذا ما لم يكن اغتصابه بتهديد السلاح، فإن كان بتهديد السلاح فإنه يكون محارباً، وينطبق عليه الحد المذكور في قوله تعالى: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) المائدة/٣٣.
فيختار الحاكم من هذه العقوبات الأربعة المذكورة في الآية الكريمة ما يراه مناسباً، ومحققاً للمصلحة وهي شيوع الأمن والأمان في المجتمع، ورد المعتدين المفسدين.
وانظر السؤال رقم (٤١٦٨٢) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 9033
جامع أجنبية في دبرها وتابا فهل يجوز له تزوجها ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[لقد تبنا وندمنا من علاقة جنسية حدث فيها إيلاج من الدبر، ونحن نحب بعضنا حبّاً شديداً لا نستطيع الفراق، ونريد أن نتزوج ونعيش حياةً سعيدةً، هل يجوز لي الزواج منها؟ علما بأن مذهبنا الإباضية يحرم زواج الزاني بمزنيته وإن تابا، بدليل أن عمر بن الخطاب فصل بين رجل تزوج امرأة أثناء عدتها ثم قال: (لا يجتمعان أبداً) ، ودليل آخر ثبت عن علي وعائشة والبراء بن عازب بأنه (إذا تزوج اثنان زانيان فهما زانيان أبداً) ، ذلك بأن الطمأنينة ستكون معدومة بين اثنين اختبر كل منهما الآخر قبل الزواج، فما رأي سماحتكم؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
اعلم أن البحث عن الصواب في المسائل الفقهية العملية أمرٌ حسن، وهو يدل على أن صاحبه ينشد الحق الذي حكم الله تعالى به، وأحسن من هذا هو أن يبحث المسلم عن الاعتقاد الصحيح الذي ينجيه من فرق الضلال التي أخبر عنها النبي ﷺ وهي اثنتان وسبعون فرقة، وقد قال عنها: (كلها في النار) ومعناه: أنها ضالة تستحق الوعيد بالنار؛ لأنها تنكبت طريق الحق، وطريق الحق الذي ينجو صاحبه إذا عليه هو طريق الفرقة الناجية، والتي حكم لها النبي ﷺ بالنجاة في قوله: (كلها في النار إلا واحدة، قالوا: من هي؟ قال: هي من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي) .
واعلم أنه لا يسع المسلم أن يعتقد ما يشاء، بل لا بدَّ له حتى ينجو من الإثم والوزر أن يعتقد اعتقاد أهل السنة والجماعة في الإيمان والصفات والقرآن وغيرها من مسائل العقيدة والتوحيد.
ولا نريد إحراجك، لكننا لا نريد ترك نصحك، ونكون غاشين لك إن دللناك على الحق في مسألة فقهية، وتركنا أمر اعتقادك يمر هنا دون نصح وتوجيه.
لذا فإننا ندعوك – قبل الإجابة عن استفسارك – أن تنظر وتتأمل في جواب السؤال رقم (١١٥٢٩) راجين لك التوفيق والهداية.
ثانياً:
جماع الزوجة في دبرها من المحرمات ومن كبائر الذنوب، فكيف يكون حكم جماع الأجنبية في دبرها؟ لا شك أن إثم هذا الفعل أعظم بكثير من جماع الزوجة في دبرها.
ثالثاً:
قد أحسنتما بالتوبة من هذه المعصية الكبيرة، والندم عليها، ونسأل الله تعالى أن يتقبل توبتكما، وعليكما الاجتهاد في العمل الصالح، فإن ذلك من تمام التوبة وكمالها، قال الله تعالى: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى) طه/٨٢.
وأما بالنسبة لزواجكما: فلا حرج من ذلك ما دمتما قد تبتما إلى الله، وانظر جواب السؤال رقم (١٤٣٨١) و (١١١٩٥) .
فإذا ندمتما على فعلكما وتبتما توبة صادقة: جاز لكما الزواج، ولا يوجد ما يمنع منه.
وأما ما ذكرتَه عن عمر بن الخطاب من منعه من تزوج امرأة في عدتها أن يتزوجها أبداً: فالظاهر – إن صح هذا عنه – أنه من باب التعزير والعقاب لمن فعل معصية، وليس بياناً لحكم شرعي بأن هذا محرم.
وما نقلته عن بعض الصحابة من حكمهم على زانٍ تزوج زانية أنهما زانيان أبداً: فهو محمول على كونهما لم يتوبا.
قال ابن حزم ﵀:
"عن ابن مسعود في الذي يتزوج المرأة بعد أن زنى بها قال ابن مسعود: لا يزالان زانيين.
ثم روى عن سالم بن عبد الله بن عمر أنه سُئل عن الرجل يزني بالمرأة ثم ينكحها؟ فقال سالم: سئل عن ذلك ابن مسعود فقال: (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ) الشورى/٢٥.
قال ابن حزم:
القولان منه متفقان؛ لأنه إنما أباح نكاحها بعد التوبة" انتهى.
" المحلى " (٩ / ٦٣) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 9034
نصحتْه فجاء ليشكرها فوقعا في الزنا !
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا فتاة من عائلة معروفه جدّاً، طوال عمري ملتزمة وخلوقة بشهادة الجميع، ولكن لا أعرف ما السبب الذي دفعني للتعرف على شاب وكنت أريد مساعدته لأنه متعرض لصدمة من وفاة والده وهو المسؤول عن إخوته وأمه وذهب في طريق رفقاء السوء، نصحته وأحسست أنه من واجبي الوقوف بجانبه ونصحه، مع الأيام عاد لدراسته وترك رفقاء السوء وتغير كليّاً، سألتْه أمه عن السبب فحدَّثها عني، فكلمتني وشكرتني على صبري مع ولدها، أتى ذات يوم زيارة ليراني، لا أعرف لماذا لم أتردد، وذهبت لأراه، وأحسست كأنه أخي، وأخذنا الوقت وحدث ما حدث، للأسف، يريد الآن التقدم لخطبتي، ولكن مستحيل، فهو يصغرني بـ ٣ سنوات، وهو من غير جنسيتي، وأنا الآن حامل أريد الستر والتوبة.
أعلم أني أخطأت، وسوف تلومونني بشدة، ولكن أريد التوبة، وأريد الحل.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
لعلك رسالتك تكون عظة وعبرة للذين يزعمون " براءة " العلاقة بين الرجل والمرأة الأجنبية عنه، ولمن يزعم " شرعية " هذه العلاقات إذا كانت في النصح والتوجيه، ولمن يريد " تمييع " الدين فيفتح المجال للعلاقات بين الرجال والنساء بحجة تقدم العصر، وعدم وجود ما يمنع، وبقدرة المرأة على الحفاظ على نفسها. . . إلى آخر هذه المبررات الساقطة!!
وعظة وعبرة لكل من غفل عن شرع الله تعالى فتهاون في تحذير ربنا ﵎ من اتباع خطوات الشيطان، فراح يتساهل في الأمور حتى يقع على أم رأسه، وها أنتِ قد تهاونتِ مع هذا الشاب فتجرأتِ على الحديث معه ونصحه، ثم رضيتِ أن تستقبليه في بيتك، ثم رضيتِ الخلوة معه، ثم زيَّن لكِ الشيطان أنه بمثابة أخيك، ثم ماذا؟ ثم وقع الزنى في المجلس نفسه وفي بيتك وممن أوهمك الشيطان أنه مثل أخيك! فأين هي الخطوة الأولى للشيطان؟ إنها الحديث مع هذا الرجل الأجنبي، ثم تتابعت خطوات الشيطان حتى أوقعك فيما وقعت فيه من أقبح المعاصي، ومن هنا نعلم الحكمة في قوله تعالى: (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلا) الإسراء/٣٢، فهو تعالى لم ينه عن الزنا فحسب، بل نهى عن قربانه، والمقصود به النهي عن تعاطي أسبابه المؤدية إليه، ونسأل الله تعالى أن يستر عليك، وأن يغفر لك، وأن يعينك على تحقيق التوبة الصادقة.
ثانياً:
لا شك أن ذنب الزنا ذنب عظيم، وهو من كبائر الذنوب، ولذا جاء فيه من العقوبة ما يدل على عظَمه وقبحه في الشرع والعقل والفطرة.
قال ابن القيم ﵀:
" وخصَّ سبحانه حدَّ الزنا من بين الحدود بثلاث خصائص:
أحدها: القتل فيه بأشنع القتلات، وحيث خففه جمع فيه بين العقوبة على البدن بالجلد، وعلى القلب بتغريبه عن وطنه سنة.
الثاني: أنه نهى عباده أن تأخذهم بالزناة رأفة في دينه؛ بحيث تمنعهم من إقامة الحد عليهم، فإنه سبحانه من رأفته بهم شرع هذه العقوبة؛ فهو أرحم منكم بهم، ولم تمنعه رحمته من أمره بهذه العقوبة؛ فلا يمنعكم أنتم ما يقوم بقلوبكم من الرأفة من إقامة أمره ... .
الثالث: أنه سبحانه أمر أن يكون حدُّهما بمشهد من المؤمنين، فلا يكون في خلوة بحيث لا يراهما أحد، وذلك أبلغ في مصلحة الحد، وحكمة الزجر " انتهى.
" الجواب الكافي " (ص ١٤٤، ١١٥) .
ثالثاً:
ومع عظَم هذا الذنب، وقبح هذه المعصية إلا أن الله تعالى فتح باب التوبة لأصحابها، ووعدهم إن هم صدقوا في توبتهم أن يبدل سيئاتهم حسنات.
سئل الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀:
ماذا يجب على من وقع في جريمة الزنا للخلاص من آثار فعلته تلك؟
فأجاب:
" الزنا من أعظم الحرام وأكبر الكبائر، وقد توعد الله المشركين والقتلة بغير حق والزناة بمضاعفة العذاب يوم القيامة، والخلود فيه صاغرين مهانين، لعظم جريمتهم وقبح فعلهم، كما قال الله سبحانه: (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا. يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا. إِلا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا) الفرقان/٦٨، ٦٩، فعلى من وقع في شيء من ذلك التوبة إلى الله التوبة النصوح، واتباع ذلك بالإيمان الصادق والعمل الصالح، وتكون التوبة نصوحا إذا ما أقلع التائب عن الذنب، وندم على ما مضى من ذلك، وعزم عزما صادقا على أن لا يعود في ذلك، خوفا من الله سبحانه، وتعظيما له، ورجاء ثوابه، وحذر عقابه، قال الله تعالى: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى) طه/٨٢، فالواجب على كل مسلم ومسلمة أن يحذر هذه الفاحشة العظيمة ووسائلها غاية الحذر، وأن يبادر بالتوبة الصادقة مما سلف من ذلك، والله يتوب على التائبين الصادقين ويغفر لهم.
" مجموع فتاوى الشيخ ابن باز " (٩ / ٤٤٢) .
رابعاً:
ولا يجوز للزانييْن أن يتزوجا إلا بعد التوبة الصادقة؛ لأن الله تعالى حرَّم ذلك على المؤنين فقال: (الزَّانِي لا يَنْكِحُ إلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) النور/٣.
وقد سبق بيان حكم هذه المسألة في جواب السؤال رقم (١٤٣٨١) و (٢٢٤٤٨) و (١١١٩٥) فلتنظر.
خامساً:
وإذا كان الجنين قد تمَّ نفخ الروح فيه فإن إسقاطه جريمة أخرى غير جريمة الزنا، وقد سبق بيان حكم هذه المسألة في جواب السؤال رقم (١٣٣١٧) و (١١١٩٥) و (٤٠٢٦٩) فلتنظر.
سادساً:
والحل لمشكلتك أن تطلعي عقلاء أهلك على موضوعك، ولا بدَّ للمرء الذي يخالف شرع الله تعالى أن يتحمل تبعات معصيته في كثير من الأحيان، ولا بدَّ للأهل أن يقفوا مع ابنتهم الآن قبل غدٍ، فهي وإن أسقطت جنينها إن كان قبل نفخ الروح فيه: فهي لم تعد بكراً، وهذه – أيضاً – لها تبعات عند الزواج، فهم في كل الأحوال لا بدَّ لهم من أن يحلوا مشكلة ابنتهم، وهي قد تابت وأنابت و" التائب من الذنب كمن لا ذنب له " – رواه ابن ماجه (٤٢٥٠) ، وحسنه الألباني في " صحيح الترغيب " (٣١٤٥) – وهي إن لم يكن لها ذنب من حيث الإثم بعد توبتها، لكن لذنبها آثار عظيمة ينبغي حلها قبل استفحال الأمر وانتشاره بما يؤذي الأسرة كلها، وليس الحل في تزويجها لذلك الزاني قبل التوبة؛ لأن زواج الزاني محرم – كما سبق -، فإن تابا فلا حرج عليهما إن شاء الله تعالى في زوجهما.
كما لا يجوز لها التزوج من غيره إلا بعد استبراء رحمها، واستبراؤها يكون بوضع الحمل، والدليل على هذا: ما رواه أبو سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: (لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة) رواه أبو داود (٢١٥٧) ، وقال الحافظ ابن حجر في " التلخيص الحبير " (١ / ١٧١، ١٧٢) : إسناده حسن.
ولمعرفة عظيم فضل الله تعالى في توبته على عباده، وأنه تعالى يقبل التوبة من التائبين مهما بلغت ذنوبهم عظمة وكثرة: نرجو الإطلاع على أجوبة الأسئلة التالية: (٦٢٤) و (١٣٩٩٠) و (٤٧٨٣٤) و (٢٣٤٨٥) و (٢٠٩٨٣) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 9035
إذا زنت وهي كافرة وولدت ثم أسلمت ماذا تقول للناس وللولد
[السُّؤَالُ]
ـ[ما الواجب عليّ إذا كان لدي طفل من رجل عربي قبل إسلامي، ثم أسلمت بعد سنوات من إنجاب الطفل وابحث عن زوج مسلم، ماذا أعمل الآن بهذا الطفل، ماذا أقول له عن والده الحقيقي؟ ماذا أقول للناس؟ وهل إخبار الطفل عن والده أو إخبار الناس عن حقيقة الطفل واجبة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
فإن الزنا جريمة محرمة في الشرائع الإلهية، مستقبحة، يرفضها كل عقل سليم ولو لم يكن مسلما وقد ذم الله فاعلها في آيات كثيرة وأحاديث نبوية عديدة، وتوعد فاعلها بالعقوبة الشديدة والخزي في الدنيا والآخرة إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فإن الله يتوب عليه، وباب التوبة مفتوح، ويشترط في التوبة الإقلاع عن الذنب والندم، والإسلام يجبّ ويمحو ما كان قبله.
وأما عن الطفل فهو تبع لأمه ولا ينسب لأبيه؛ وهذا هو الحكم في ولد الزنا لا ينسب للأب لأنه أتى من سفاح لا من نكاح، والواجب رعاية هذا الطفل وتربيته على الأخلاق الإسلامية. وما دامت الفاحشة قد حصلت فالواجب التوبة منها، والسّتر وعدم الفضيحة، ولا يلزم إخبار النّاس بالحقيقة، وإذا أصرّ الطّفل على معرفة الحقيقة فيمكن إخباره بها بطريقة مناسبة، ويُقال له إنّ ما حصل كان أيام الكفر، والإسلام يجبّ ما كان قبله والتوبة تمحو ما كان قبلها، وأنّ الطّفل لا يتحمّل أية مسئولية فيما حصل، وأنّ أمه ما دامت قد أسلمت فلا سبيل إلى توبيخها أو معاقبتها، وأنّ الرضا بالقضاء والقدر واجب وأنه إذا عمل الصالحات دخل الجنّة ولا تزر وازرة وزر أخرى، نسأل الله العافية والمغفرة وصلى الله على نبينا محمد.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
следующие страницы →