Полный текст (16 344 стр.). Показаны 9031–9070 · переход к 9036.
стр. 9031
موقف المسلمين من فاحشة اللواط
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا حاليا أبحث مسألة اضطهاد اللوطية في قارة آسيا وخاصة في ماليزيا.
أرجو منك التكرم بالإجابة على بعض أسئلتي.
١- كيف يعامل اللوطية (من المسلمين وغير المسلمين) في ماليزيا؟
٢- ما مدى قسوة العقوبة عليهم؟
٣- ما مدى تفهم المجتمع للوطية؟
٤- هل اللواط قانوني (مسموح به قانونا) ؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ليس لدينا خبرة بوضع الشّذوذ في بلاد ماليزيا ولكنّ المفترض في المسلمين من ذلك الشّعب أن تكون لديهم الكراهية التامّة لهذا الفعل القذر، لأنّ الإسلام الذي يدينون به يحرّم هذا الفعل تحريما شديدا ويجعل عقوبته عظيمة أليمة في الدّنيا والآخرة. كيف لا وقد قال نبي الإسلام ﵇: " مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ. " أي إذا كان راضيا. والحديث رواه الترمذي في سننه ١٣٧٦
وقال علماء الإسلام كمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَقَ أنّه يُقام عليه حدّ الرجم أحصن أو لم يُحصن.
والذي يخالف فطرة الله، ويفعل ما يؤدي إلى اكتفاء الرّجال بالرّجال والنّساء بالنّساء، وفساد الأُسر، والتأثير على الإنجاب، ونشر الانحلال في المجتمع، وحدوث الأمراض الفتّاكة، والإضرار بالأبرياء، وسريان الأذيّة إلى الأطفال اغتصابا ونقلا للأمراض، والفساد في الأرض عموما لا شكّ أنّه آفة يجب أن تُستأصل.
ولعلّ ما تقوم به أيّها الباحث من العمل يقودك إلى التعرّف عن كثب على هذا الدّين وعظمة شرائعه ودقّة أحكامه، وحكمة من أنزله، أسأل الله لك التوفيق والنّجاح والله الهادي إلى سواء السّبيل.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 9032
حكم جريمة الاغتصاب ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم جريمة الاغتصاب شرعاً؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
الاغتصاب هو أخذ الشيء ظلماً وقهراً، وأصبح الآن مصطلحاً خاصا بالاعتداء على أعراض النساء قهراً.
وهي جريمة قبيحة محرمة في كافة الشرائع، وعند جميع العقلاء وأصحاب الفطَر السوية، وجميع النظم والقوانين الأرضية تقبح هذه الفعلة وتوقع عليها أشد العقوبات، باستثناء بعض الدول التي ترفع العقوبة عن المغتصب إذا تزوج من ضحيته! وهو يدل على انتكاس الفطرة واختلال العقل فضلاً عن قلة الدين أو انعدامه عند هؤلاء الذي ضادوا الله تعالى في التشريع، ولا ندري أي مودة ورحمة ستكون بين الجلاد وضحيته، وخاصة أن ألم الاغتصاب لا تزيله الأيام ولا يمحوه الزمن - كما يقال - ولذا حاولتْ كثيرات من المغتَصبات الانتحار وحصل من عدد كثير منهن ما أردن، وقد ثبت فشل هذه الزيجات، ولم يصاحبها إلا الذل والهوان للمرأة.
وحري بهذا الشرع المطهَّر أن يكون له موقف واضح بيِّن من تحريم هذه الفعلة الشنيعة، وإيقاع العقوبة الرادعة على مرتكبها.
وقد أغلق الإسلام الأبواب التي يدخل من خلالها المجرم لفعل جريمته، وقد أظهرت دراسات غربية أن أكثر هؤلاء المغتصبين يكونون من أصحاب الجرائم، ويفعلون فعلتهم تحت تأثير الخمور والمخدرات، وأنهم يستغلون مشي ضحيتهم وحدها في أماكن منعزلة، أو بقاءها في بيتها وحدها، وكذلك بينت هذه الدراسات أن ما يشاهده المجرمون في وسائل الإعلام، وما تخرج به المرأة من ألبسة شبه عارية، كل ذلك يؤدي إلى وقوع هذه الجريمة النكراء.
وقد جاءت تشريعات الإسلام لتحفظ عرض المرأة وحياءها، وتنهاها عن اللبس غير المحتشم، وتنهاها عن السفر من غير محرم، وتنهاها عن مصافحة الرجال الأجانب عنها،، وحث الشرع على المبادرة بزواج الشباب وتزويج الفتيات كل ذلك – وغيره كثير – يغلق الباب على المجرمين من افتراس ضحاياهم، ولذلك لا نعجب إذا سمعنا أو قرأنا أن أكثر هذه الجرائم إنما تحدث في المجتمعات المنحلة، والتي يريد أهلها من المسلمات أن يكنَّ مثلهن في التحضُّر والرقي! ففي أمريكا – مثلاً – ذكرت منظمة العفو الدولية في تقرير لها بعنوان " أوقفوا العنف ضد المرأة " لعام ٢٠٠٤ أنه في كل ٩٠ ثانية تُغتصب امرأة هناك! فأي حياة يعيشها هؤلاء؟! وأي رقي وحضارة يسعون لإدخال المسلمات فيها؟!
ثانياً:
وأما عقوبة الاغتصاب في الشرع: فعلى المغتصب حد الزنا، وهو الرجم إن كان محصناً، وجلد مائة وتغريب عام إن كان غير محصن.
ويوجب عليه بعض العلماء أن يدفع مهر المرأة.
قال الإمام مالك ﵀:
" الأمر عندنا في الرجل يغتصب المرأة بكراً كانت أو ثيبا: أنها إن كانت حرة: فعليه صداق مثلها , وإن كانت أمَة: فعليه ما نقص من ثمنها، والعقوبة في ذلك على المغتصب، ولا عقوبة على المغتصبة في ذلك كله " انتهى.
" الموطأ " (٢ / ٧٣٤) .
قال الشيخ سليمان الباجي ﵀:
" المستكرَهة؛ إن كانت حرة: فلها صداق مثلها على من استكرهها، وعليه الحد، وبهذا قال الشافعي، وهو مذهب الليث، وروي عن علي بن أبي طالب ﵁.
وقال أبو حنيفة والثوري: عليه الحد دون الصداق.
والدليل على ما نقوله: أن الحد والصداق حقان: أحدهما لله، والثاني للمخلوق، فجاز أن يجتمعا كالقطع في السرقة وردها " انتهى.
" المنتقى شرح الموطأ " (٥ / ٢٦٨، ٢٦٩) .
وقال ابن عبد البر ﵀:
" وقد أجمع العلماء على أن على المستكرِه المغتصِب الحدَّ إن شهدت البينة عليه بما يوجب الحد، أو أقر بذلك، فإن لم يكن: فعليه العقوبة (يعني: إذا لم يثبت عليه حد الزنا لعدم اعترافه، وعدم وجود أربعة شهود، فإن الحاكم يعاقبه وعزره العقوبة التي تردعه وأمثاله) ولا عقوبة عليها إذا صح أنه استكرهها وغلبها على نفسها، وذلك يعلم بصراخها، واستغاثتها، وصياحها " انتهى.
" الاستذكار " (٧ / ١٤٦)
ثالثاً:
وكون المغتصب عليه حد الزنا، هذا ما لم يكن اغتصابه بتهديد السلاح، فإن كان بتهديد السلاح فإنه يكون محارباً، وينطبق عليه الحد المذكور في قوله تعالى: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) المائدة/٣٣.
فيختار الحاكم من هذه العقوبات الأربعة المذكورة في الآية الكريمة ما يراه مناسباً، ومحققاً للمصلحة وهي شيوع الأمن والأمان في المجتمع، ورد المعتدين المفسدين.
وانظر السؤال رقم (٤١٦٨٢) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 9033
جامع أجنبية في دبرها وتابا فهل يجوز له تزوجها ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[لقد تبنا وندمنا من علاقة جنسية حدث فيها إيلاج من الدبر، ونحن نحب بعضنا حبّاً شديداً لا نستطيع الفراق، ونريد أن نتزوج ونعيش حياةً سعيدةً، هل يجوز لي الزواج منها؟ علما بأن مذهبنا الإباضية يحرم زواج الزاني بمزنيته وإن تابا، بدليل أن عمر بن الخطاب فصل بين رجل تزوج امرأة أثناء عدتها ثم قال: (لا يجتمعان أبداً) ، ودليل آخر ثبت عن علي وعائشة والبراء بن عازب بأنه (إذا تزوج اثنان زانيان فهما زانيان أبداً) ، ذلك بأن الطمأنينة ستكون معدومة بين اثنين اختبر كل منهما الآخر قبل الزواج، فما رأي سماحتكم؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
اعلم أن البحث عن الصواب في المسائل الفقهية العملية أمرٌ حسن، وهو يدل على أن صاحبه ينشد الحق الذي حكم الله تعالى به، وأحسن من هذا هو أن يبحث المسلم عن الاعتقاد الصحيح الذي ينجيه من فرق الضلال التي أخبر عنها النبي ﷺ وهي اثنتان وسبعون فرقة، وقد قال عنها: (كلها في النار) ومعناه: أنها ضالة تستحق الوعيد بالنار؛ لأنها تنكبت طريق الحق، وطريق الحق الذي ينجو صاحبه إذا عليه هو طريق الفرقة الناجية، والتي حكم لها النبي ﷺ بالنجاة في قوله: (كلها في النار إلا واحدة، قالوا: من هي؟ قال: هي من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي) .
واعلم أنه لا يسع المسلم أن يعتقد ما يشاء، بل لا بدَّ له حتى ينجو من الإثم والوزر أن يعتقد اعتقاد أهل السنة والجماعة في الإيمان والصفات والقرآن وغيرها من مسائل العقيدة والتوحيد.
ولا نريد إحراجك، لكننا لا نريد ترك نصحك، ونكون غاشين لك إن دللناك على الحق في مسألة فقهية، وتركنا أمر اعتقادك يمر هنا دون نصح وتوجيه.
لذا فإننا ندعوك – قبل الإجابة عن استفسارك – أن تنظر وتتأمل في جواب السؤال رقم (١١٥٢٩) راجين لك التوفيق والهداية.
ثانياً:
جماع الزوجة في دبرها من المحرمات ومن كبائر الذنوب، فكيف يكون حكم جماع الأجنبية في دبرها؟ لا شك أن إثم هذا الفعل أعظم بكثير من جماع الزوجة في دبرها.
ثالثاً:
قد أحسنتما بالتوبة من هذه المعصية الكبيرة، والندم عليها، ونسأل الله تعالى أن يتقبل توبتكما، وعليكما الاجتهاد في العمل الصالح، فإن ذلك من تمام التوبة وكمالها، قال الله تعالى: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى) طه/٨٢.
وأما بالنسبة لزواجكما: فلا حرج من ذلك ما دمتما قد تبتما إلى الله، وانظر جواب السؤال رقم (١٤٣٨١) و (١١١٩٥) .
فإذا ندمتما على فعلكما وتبتما توبة صادقة: جاز لكما الزواج، ولا يوجد ما يمنع منه.
وأما ما ذكرتَه عن عمر بن الخطاب من منعه من تزوج امرأة في عدتها أن يتزوجها أبداً: فالظاهر – إن صح هذا عنه – أنه من باب التعزير والعقاب لمن فعل معصية، وليس بياناً لحكم شرعي بأن هذا محرم.
وما نقلته عن بعض الصحابة من حكمهم على زانٍ تزوج زانية أنهما زانيان أبداً: فهو محمول على كونهما لم يتوبا.
قال ابن حزم ﵀:
"عن ابن مسعود في الذي يتزوج المرأة بعد أن زنى بها قال ابن مسعود: لا يزالان زانيين.
ثم روى عن سالم بن عبد الله بن عمر أنه سُئل عن الرجل يزني بالمرأة ثم ينكحها؟ فقال سالم: سئل عن ذلك ابن مسعود فقال: (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ) الشورى/٢٥.
قال ابن حزم:
القولان منه متفقان؛ لأنه إنما أباح نكاحها بعد التوبة" انتهى.
" المحلى " (٩ / ٦٣) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 9034
نصحتْه فجاء ليشكرها فوقعا في الزنا !
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا فتاة من عائلة معروفه جدّاً، طوال عمري ملتزمة وخلوقة بشهادة الجميع، ولكن لا أعرف ما السبب الذي دفعني للتعرف على شاب وكنت أريد مساعدته لأنه متعرض لصدمة من وفاة والده وهو المسؤول عن إخوته وأمه وذهب في طريق رفقاء السوء، نصحته وأحسست أنه من واجبي الوقوف بجانبه ونصحه، مع الأيام عاد لدراسته وترك رفقاء السوء وتغير كليّاً، سألتْه أمه عن السبب فحدَّثها عني، فكلمتني وشكرتني على صبري مع ولدها، أتى ذات يوم زيارة ليراني، لا أعرف لماذا لم أتردد، وذهبت لأراه، وأحسست كأنه أخي، وأخذنا الوقت وحدث ما حدث، للأسف، يريد الآن التقدم لخطبتي، ولكن مستحيل، فهو يصغرني بـ ٣ سنوات، وهو من غير جنسيتي، وأنا الآن حامل أريد الستر والتوبة.
أعلم أني أخطأت، وسوف تلومونني بشدة، ولكن أريد التوبة، وأريد الحل.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
لعلك رسالتك تكون عظة وعبرة للذين يزعمون " براءة " العلاقة بين الرجل والمرأة الأجنبية عنه، ولمن يزعم " شرعية " هذه العلاقات إذا كانت في النصح والتوجيه، ولمن يريد " تمييع " الدين فيفتح المجال للعلاقات بين الرجال والنساء بحجة تقدم العصر، وعدم وجود ما يمنع، وبقدرة المرأة على الحفاظ على نفسها. . . إلى آخر هذه المبررات الساقطة!!
وعظة وعبرة لكل من غفل عن شرع الله تعالى فتهاون في تحذير ربنا ﵎ من اتباع خطوات الشيطان، فراح يتساهل في الأمور حتى يقع على أم رأسه، وها أنتِ قد تهاونتِ مع هذا الشاب فتجرأتِ على الحديث معه ونصحه، ثم رضيتِ أن تستقبليه في بيتك، ثم رضيتِ الخلوة معه، ثم زيَّن لكِ الشيطان أنه بمثابة أخيك، ثم ماذا؟ ثم وقع الزنى في المجلس نفسه وفي بيتك وممن أوهمك الشيطان أنه مثل أخيك! فأين هي الخطوة الأولى للشيطان؟ إنها الحديث مع هذا الرجل الأجنبي، ثم تتابعت خطوات الشيطان حتى أوقعك فيما وقعت فيه من أقبح المعاصي، ومن هنا نعلم الحكمة في قوله تعالى: (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلا) الإسراء/٣٢، فهو تعالى لم ينه عن الزنا فحسب، بل نهى عن قربانه، والمقصود به النهي عن تعاطي أسبابه المؤدية إليه، ونسأل الله تعالى أن يستر عليك، وأن يغفر لك، وأن يعينك على تحقيق التوبة الصادقة.
ثانياً:
لا شك أن ذنب الزنا ذنب عظيم، وهو من كبائر الذنوب، ولذا جاء فيه من العقوبة ما يدل على عظَمه وقبحه في الشرع والعقل والفطرة.
قال ابن القيم ﵀:
" وخصَّ سبحانه حدَّ الزنا من بين الحدود بثلاث خصائص:
أحدها: القتل فيه بأشنع القتلات، وحيث خففه جمع فيه بين العقوبة على البدن بالجلد، وعلى القلب بتغريبه عن وطنه سنة.
الثاني: أنه نهى عباده أن تأخذهم بالزناة رأفة في دينه؛ بحيث تمنعهم من إقامة الحد عليهم، فإنه سبحانه من رأفته بهم شرع هذه العقوبة؛ فهو أرحم منكم بهم، ولم تمنعه رحمته من أمره بهذه العقوبة؛ فلا يمنعكم أنتم ما يقوم بقلوبكم من الرأفة من إقامة أمره ... .
الثالث: أنه سبحانه أمر أن يكون حدُّهما بمشهد من المؤمنين، فلا يكون في خلوة بحيث لا يراهما أحد، وذلك أبلغ في مصلحة الحد، وحكمة الزجر " انتهى.
" الجواب الكافي " (ص ١٤٤، ١١٥) .
ثالثاً:
ومع عظَم هذا الذنب، وقبح هذه المعصية إلا أن الله تعالى فتح باب التوبة لأصحابها، ووعدهم إن هم صدقوا في توبتهم أن يبدل سيئاتهم حسنات.
سئل الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀:
ماذا يجب على من وقع في جريمة الزنا للخلاص من آثار فعلته تلك؟
فأجاب:
" الزنا من أعظم الحرام وأكبر الكبائر، وقد توعد الله المشركين والقتلة بغير حق والزناة بمضاعفة العذاب يوم القيامة، والخلود فيه صاغرين مهانين، لعظم جريمتهم وقبح فعلهم، كما قال الله سبحانه: (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا. يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا. إِلا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا) الفرقان/٦٨، ٦٩، فعلى من وقع في شيء من ذلك التوبة إلى الله التوبة النصوح، واتباع ذلك بالإيمان الصادق والعمل الصالح، وتكون التوبة نصوحا إذا ما أقلع التائب عن الذنب، وندم على ما مضى من ذلك، وعزم عزما صادقا على أن لا يعود في ذلك، خوفا من الله سبحانه، وتعظيما له، ورجاء ثوابه، وحذر عقابه، قال الله تعالى: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى) طه/٨٢، فالواجب على كل مسلم ومسلمة أن يحذر هذه الفاحشة العظيمة ووسائلها غاية الحذر، وأن يبادر بالتوبة الصادقة مما سلف من ذلك، والله يتوب على التائبين الصادقين ويغفر لهم.
" مجموع فتاوى الشيخ ابن باز " (٩ / ٤٤٢) .
رابعاً:
ولا يجوز للزانييْن أن يتزوجا إلا بعد التوبة الصادقة؛ لأن الله تعالى حرَّم ذلك على المؤنين فقال: (الزَّانِي لا يَنْكِحُ إلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) النور/٣.
وقد سبق بيان حكم هذه المسألة في جواب السؤال رقم (١٤٣٨١) و (٢٢٤٤٨) و (١١١٩٥) فلتنظر.
خامساً:
وإذا كان الجنين قد تمَّ نفخ الروح فيه فإن إسقاطه جريمة أخرى غير جريمة الزنا، وقد سبق بيان حكم هذه المسألة في جواب السؤال رقم (١٣٣١٧) و (١١١٩٥) و (٤٠٢٦٩) فلتنظر.
سادساً:
والحل لمشكلتك أن تطلعي عقلاء أهلك على موضوعك، ولا بدَّ للمرء الذي يخالف شرع الله تعالى أن يتحمل تبعات معصيته في كثير من الأحيان، ولا بدَّ للأهل أن يقفوا مع ابنتهم الآن قبل غدٍ، فهي وإن أسقطت جنينها إن كان قبل نفخ الروح فيه: فهي لم تعد بكراً، وهذه – أيضاً – لها تبعات عند الزواج، فهم في كل الأحوال لا بدَّ لهم من أن يحلوا مشكلة ابنتهم، وهي قد تابت وأنابت و" التائب من الذنب كمن لا ذنب له " – رواه ابن ماجه (٤٢٥٠) ، وحسنه الألباني في " صحيح الترغيب " (٣١٤٥) – وهي إن لم يكن لها ذنب من حيث الإثم بعد توبتها، لكن لذنبها آثار عظيمة ينبغي حلها قبل استفحال الأمر وانتشاره بما يؤذي الأسرة كلها، وليس الحل في تزويجها لذلك الزاني قبل التوبة؛ لأن زواج الزاني محرم – كما سبق -، فإن تابا فلا حرج عليهما إن شاء الله تعالى في زوجهما.
كما لا يجوز لها التزوج من غيره إلا بعد استبراء رحمها، واستبراؤها يكون بوضع الحمل، والدليل على هذا: ما رواه أبو سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: (لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة) رواه أبو داود (٢١٥٧) ، وقال الحافظ ابن حجر في " التلخيص الحبير " (١ / ١٧١، ١٧٢) : إسناده حسن.
ولمعرفة عظيم فضل الله تعالى في توبته على عباده، وأنه تعالى يقبل التوبة من التائبين مهما بلغت ذنوبهم عظمة وكثرة: نرجو الإطلاع على أجوبة الأسئلة التالية: (٦٢٤) و (١٣٩٩٠) و (٤٧٨٣٤) و (٢٣٤٨٥) و (٢٠٩٨٣) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 9035
إذا زنت وهي كافرة وولدت ثم أسلمت ماذا تقول للناس وللولد
[السُّؤَالُ]
ـ[ما الواجب عليّ إذا كان لدي طفل من رجل عربي قبل إسلامي، ثم أسلمت بعد سنوات من إنجاب الطفل وابحث عن زوج مسلم، ماذا أعمل الآن بهذا الطفل، ماذا أقول له عن والده الحقيقي؟ ماذا أقول للناس؟ وهل إخبار الطفل عن والده أو إخبار الناس عن حقيقة الطفل واجبة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
فإن الزنا جريمة محرمة في الشرائع الإلهية، مستقبحة، يرفضها كل عقل سليم ولو لم يكن مسلما وقد ذم الله فاعلها في آيات كثيرة وأحاديث نبوية عديدة، وتوعد فاعلها بالعقوبة الشديدة والخزي في الدنيا والآخرة إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فإن الله يتوب عليه، وباب التوبة مفتوح، ويشترط في التوبة الإقلاع عن الذنب والندم، والإسلام يجبّ ويمحو ما كان قبله.
وأما عن الطفل فهو تبع لأمه ولا ينسب لأبيه؛ وهذا هو الحكم في ولد الزنا لا ينسب للأب لأنه أتى من سفاح لا من نكاح، والواجب رعاية هذا الطفل وتربيته على الأخلاق الإسلامية. وما دامت الفاحشة قد حصلت فالواجب التوبة منها، والسّتر وعدم الفضيحة، ولا يلزم إخبار النّاس بالحقيقة، وإذا أصرّ الطّفل على معرفة الحقيقة فيمكن إخباره بها بطريقة مناسبة، ويُقال له إنّ ما حصل كان أيام الكفر، والإسلام يجبّ ما كان قبله والتوبة تمحو ما كان قبلها، وأنّ الطّفل لا يتحمّل أية مسئولية فيما حصل، وأنّ أمه ما دامت قد أسلمت فلا سبيل إلى توبيخها أو معاقبتها، وأنّ الرضا بالقضاء والقدر واجب وأنه إذا عمل الصالحات دخل الجنّة ولا تزر وازرة وزر أخرى، نسأل الله العافية والمغفرة وصلى الله على نبينا محمد.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 9036
وقعت في الزنا وتفكّر بالانتحار
[السُّؤَالُ]
ـ[امرأة متزوجة وقعت في الفاحشة ثم تابت ولكنّ شبح الذّنب يطاردها وهي الآن تفكّر في الانتحار فما هو العمل؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قال ابن مسعود ﵁: إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ قَاعِدٌ تَحْتَ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ وَإِنَّ الْفَاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ مَرَّ عَلَى أَنْفِهِ فَقَالَ بِهِ هَكَذَا.. رواه البخاري ٦٣٠٨
فإحساس هذه المرأة بوطأة الذنب وشدّته على نفسها من علامات الإيمان والذي أنصحها به ما يلي:
١- التأكّد من صحة طلاقها شرعا من الرّجل الأول بأنّه طلّقها طلاقا شرعيا أو خلعت نفسها منه خلعا شرعيا.
٢- التأكّد من صحة عقد نكاحها على الرّجل الثاني لأن نكاح الزانيين لا يجوز شرعا إلا بعد توبتهما، يراجع جواب سؤال رقم (٦٤٩) فإن لم يكن صحيحا أعادا العقد.
٣- إذا صدقت هذه المرأة مع الله في توبتها وندمت على ما فعلت وعزمت على عدم العودة وأنابت إلى الله فإنّ الله يغفر الذنوب جميعا مهما كانت كبيرة فلا تيأس ولا تقنط من رحمة الله فإنه لا ييأس من رحمة الله إلا القوم الكافرون ومن يقنط من رحمة ربّه إلا الضالّون.
٤- المبادرة إلى عمل الصالحات والإكثار منها لتكفير ذلك الذّنب كما قال تعالى: (أقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إنّ الحسنات يُذهبن السيئات)
٥- استئناف حياة إسلامية نقيّة قائمة على الطّهر والعفاف، أما الانتحار فإنّه ليس حلاّ على الإطلاق بل هو ارتكاب لكبيرة من أكبر الكبائر لا يزيد صاحبه إلا عذابا. قال ﷺ : مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فِيهِ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا وَمَنْ تَحَسَّى سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَجَأُ (يطعن) بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا * رواه البخاري ٥٧٧٨
ونسأل الله تعالى أن يوفّق هذه المرأة إلى التوبة الخالصة وأن يغفر لها ذنبها ويُدخلها في رحمته إنه سميع مجيب.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 9037
توبة الزاني
[السُّؤَالُ]
ـ[لي صديق متزوّج أخبرني بأنّه قد استمتع بامرأة بالحرام دون إيلاج فهل عليه الرّجم وكيف يتوب.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ما قام به صاحبك جريمة عظيمة وذنب كبير يجب عليه أن يتوب إلى الله منه، وقد قال النبي ﷺ : " الْعَيْنَانِ تَزْنِيَانِ وَالْيَدَانِ تَزْنِيَانِ وَالرِّجْلانِ تَزْنِيَانِ وَالْفَرْجُ يَزْنِي ". رواه الإمام أحمد وهو في صحيح الجامع ٤١٥٠
وأخبر صاحبك أنّ عليه أن يُكثر من الحسنات لعلّ الله أن يكفّر عنه بها سيئاته كما روى عَبْد اللَّهِ بن مسعود قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَقِيتُ امْرَأَةً فِي الْبُسْتَانِ فَضَمَمْتُهَا إِلَيَّ وَبَاشَرْتُهَا وَقَبَّلْتُهَا وَفَعَلْتُ بِهَا كُلَّ شَيْءٍ غَيْرَ أَنِّي لَمْ أُجَامِعْهَا قَالَ فَسَكَتَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ) ، قَالَ فَدَعَاهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَرَأَهَا عَلَيْهِ فَقَالَ عُمَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَهُ خَاصَّةً أَمْ لِلنَّاسِ كَافَّةً فَقَالَ: " بَلْ لِلنَّاسِ كَافَّةً. " رواه الإمام أحمد
ولمزيد من التفاصيل عن التوبة من الزنا راجع سؤال رقم (٦٢٤)
وأمّا عن سؤالك هل يعتبر ما اقترفه زنا حدّه الرّجم؟ فالجواب أنّ الرّجم للزاني المحصن والجلد لغير المحصن لا يكون إلا بإيلاج ذكر الزاني في فرج الزانية. وما سوى ذلك يستحق عليه عقوبة أخرى بحسب درجة الحرام الذي اقترفه. ولا يجب عليه الاعتراف عند القاضي بما فعل بل تكفيه التوبة فيما بينه وبين الله وهو التوّاب الرحيم.
نسأل الله أن يتوب علينا وعليه وعلى سائر المسلمين. والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 9038
هل تتزوج ممن يمارس اللواط
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا لدي صديق شاذ جنسياً (لوطي) وقد ولد في دولة مسلمة والسبب في سلوكه ذلك هو فقدانه لوالده وأسباب أخرى، وأريد أن أسأل:
هل يعتبر مسلماً؟ هل يجوز لي أن أتزوجه على أمل أن يتوب ويرجع للصراط المستقيم؟ أنا أحاول إصلاحه وتغيير عاداته: هل يجوز لي أن أتحدث معه بشأن هذه الأمور الجنسية؟ ماذا لو وعدني أنه سيتوب ويسير على الصراط المستقيم بعد زواجي به؟ لو تزوجته وعاد يوماً ما إلى عادته (مارس الجنس مع ذكر) هل لهذا تأثير على زواجنا؟ إذا كان لوطياً هل له من توبة؟ هل يغفر الله له لو تاب بإخلاص؟ هذه أسئلة مهمة لأنني أريد إنقاذه.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
اللواط من كبائر الذنوب، ومستحق لأشدّ العقوبات في الدنيا والآخرة راجع السؤال رقم (٥١٧٧) لكن فاعله لا يكفّر بذلك إلا إذا استحلّه فزعم أنه حلال فإنه يكفر، أما مجرّد فعله مع الاعتراف بأنه حرام فإنه لا يخرج المسلم عن دائرة الإسلام فهو مسلم على خطر ومرتكب لكبيرة من الكبائر، ولا يجوز لك أن تقدمي على الزواج منه حتى يتوب توبة نصوحا، ومجرّد الوعد ليس بتوبة، ونصيحتي لك أن لا تقدمي بل عليك أن تبحثي عن رجل صالح يكون سببا لسعادتك في الدنيا والآخرة، واللواط كغيره من الذنوب قابل للتوبة فمن تاب يتوب الله عليه.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ عبد الكريم الخضير
стр. 9039
زنا ويؤنبه ضميره ويريد التخلص من الجنين
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا مسلم أعزب، لكني أعيش في أمريكا. لقد وقعت في الزنا عدة مرات مع نفس المرأة. والآن، فإنها حامل. وأريد أن أعرف إن كان علي أن أتزوج بها كي أحل المشكلة (أعني أغطي الفضيحة) وحتى يجد المولود أبا يعطيه اسمه. الواقع أني أفضل أن تتخلص المرأة من الحمل، للأسف، وأتمنى أن أقنعها بذلك، لكني لا أعرف إن كان ذلك يعتبر قتلا للنفس. وإذا كان كذلك، فسأشعر بالذنب من جرائه. أنا أظن أن الجنين في أسبوعه السادس إلى الثامن تقريبا. أرجوك، فأنا أحتاج إلى مساعدتك في هذا الخصوص في أسرع وقت ممكن.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً: أخي المسلم، أحسن الله عزاءك في إيمانك الذي فقدته حال ارتكابك للزنا فقد قال النبي ﷺ : (لا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ولا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ) رواه البخاري رقم (٢٤٧٥) .
ألم يمر بك قول ربك في كتابه: (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً) الإسراء/٣٢.
ألم تعلم بأن الله يراك حيث كنت.. ويسمعك إن تكلمت..
ألا تتذكر نعم الله العظيمة عليك فهو الذي يشفيك إن مرضت.. ويُطعمك إن جعت.. ويسقيك إن ظَمِئْت ووفقك لأعظم نعمة أنعم بها على الناس، نعمة الإسلام. فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟
أخي.. تأمل في نفسك.. تعيش في مُلْكِ مَنْ؟.. تأكل مِنْ رزق مَنْ؟ .. تعيش بأمر مَنْ؟
أليس مُلك الله؟ أليس رزق الله؟ أليس أمر الله؟ .. فكيف تعصي الله؟
لعلك غفلت عن الحديث العظيم والذي فيه: ( ... فَانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى مِثْلِ التَّنُّورِ قَالَ فَأَحْسِبُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فَإِذَا فِيهِ لَغَطٌ وَأَصْوَاتٌ قَالَ فَاطَّلَعْنَا فِيهِ فَإِذَا فِيهِ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ عُرَاةٌ وَإِذَا هُمْ يَأْتِيهِمْ لَهَبٌ مِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ فَإِذَا أَتَاهُمْ ذَلِكَ اللَّهَبُ ضَوْضَوْا قَالَ قُلْتُ لَهُمَا مَا هَؤُلاءِ قَالَ قَالا لِي انْطَلِقْ انْطَلِقْ ... قَالَ قُلْتُ لَهُمَا فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ مُنْذُ اللَّيْلَةِ عَجَبًا فَمَا هَذَا الَّذِي رَأَيْتُ قَالَ قَالا لِي أَمَا إِنَّا سَنُخْبِرُكَ ... َأَمَّا الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ الْعُرَاةُ الَّذِينَ فِي مِثْلِ بِنَاءِ التَّنُّورِ فَإِنَّهُمْ الزُّنَاةُ وَالزَّوَانِي) رواه البخاري في باب إثم الزناة رقم (٧٠٤٧) .
فعليك يا أخي أن تبادر بالتوبة النصوح قبل أن يَحِلَّ بك الموت، فإن باب التوبة مفتوح إلى طلوع الشمس من مغربها أو بلوغ الروح الحلقوم.وإن الله ليفرح بتوبة عبده، ويبدل سيئاته إلى حسنات قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا، يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً، إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً، وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَاباً) سورة الفرقان/٦٨-٧١.
ثانياً: أما قولك " هل يجب علي أن أتزوجها "
فهذه مسألة: (زواج الزاني بالمزني بها) والجواب: أنه لا يجوز زواجه منها ولا زواجها منه حتى يرتفع وصف الزنا عن كل منهما ولا يرتفع إلا بالتوبة.
فلا يجوز لك نكاحها ولو كانت يهودية أو نصرانية لأنها زانية، وإن كانت مسلمة فلا يجوز لك نكاحها أيضاً لأنها زانية، ولا يجوز لها أن تقبلك زوجاً؛ لأنك زانٍ؛ وقد قال الله تعالى: (الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) سورة النور/٣.
فقوله تعالى (وَحُرِّمَ ذلك على المؤمنين) دليل على حرمة هذا النكاح.
" والواجب على كل منكما أن يتوب إلى الله فيقلع عن هذه الجريمة ويندم على ما حصل من فعل الفاحشة، ويعزم على ألا يعود إليها، ويكثر من الأعمال الصالحة، عسى الله أن يتوب عليه ويبدل سيئاته حسنات، قال تعالى: (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا، يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَاَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً، إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً، وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَاباً) سورة الفرقان/٦٨-٧١.
وإذا أردت أن تتزوجها وجب عليك أن تستبرئها بحيضة قبل أن تعقد عليها النكاح وإن تبين حملها لم يجز لك العقد عليها إلا بعد أن تضع حملها عملاً بحديث نهي النبي ﷺ أن يسقي الإنسان ماءه زرع غيره." ا. هـ. فتاوى اللجنة الدائمة في مجلة البحوث الإسلامية (ج/٩، ص/٧٢) .
ثالثاً: قولك "حتى يجد الولد أباً يعطيه اسمه " هذه مسألة نسب ولد الزنى بمن يُلحق؟
والجواب:
ذهب جمهور العلماء إلى أن ولد الزنا لا يلحق الزاني؛ لقول النبي ﷺ : (الولد للفراش وللعاهر الحجر) متفق عليه (البخاري ٢٠٥٣ - مسلم ١٤٥٧) المغني لابن قدامة (ج/٧، ص/١٢٩) .
رابعاً: قولك "أُفضل أن تتخلص المرأة من الحمل" هذه مسألة الإجهاض وحكمه كما قرر مجلس هيئة كبار العلماء رقم/١٤٠، وتاريخ ٢٠/٦/١٤٠٧هـ ما يلي:
١- لا يجوز إسقاط الحمل في مختلف مراحله إلا لمبرر شرعي وفي حدود ضيقة جداً.
٢- إذا كان الحمل في الطور الأول وهي مدة الأربعين يوماً وكان في إسقاطه مصلحة شرعية أو دفع ضرر جاز إسقاطه، أما إسقاطه في هذه المدة خشية المشقة في تربية الأولاد أو خوفاً من العجز عن تكاليف معيشتهم وتعليمهم أو من أجل مستقبلهم أو اكتفاءً بما لدى الزوجين من الأولاد فغير جائز.
٣- لا يجوز إسقاط الحمل إذا كان علقة أو مضغة حتى تقرر لجنة طبية موثوقة أن استمراره خطر على سلامة أُمه بأن يُخشى عليها الهلاك من استمراره جاز إسقاطه بعد استنفاذ كافة الوسائل لتلافي تلك الأخطار.
بعد الطور الثالث وبعد إكمال الأربعة أشهر لا يحل لك إسقاطه حتى يقرر جمع من الأطباء المتخصصين الموثوقين من أن بقاء الجنين في بطن أمه يسبب موتها، وذلك بعد استنفاذ كافة الوسائل لإبقاء حياته، وإنما رخص في الإقدام على إسقاطه بهذه الشروط دفعاً لأعظم الضررين وجلباً لعظمى المصلحتين." ا. هـ. نقلاً من الفتاوى الجامعة (ج/٣، ص/١٠٥٥) .
نسأل الله السلامة والعافية وأن يتوب علينا، وصلى الله على نبينا محمد.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 9040
الإجهاض الناتج عن علاقة زنا
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز للمرأة إذا وقعت في الفاحشة أن تسقط الجنين؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لقد تركزت جهود الفقهاء واجتهاداتهم حول الإجهاض بصفة عامة وحكمه وما يترتب عليه ولم يهتموا بالدخول في تفاصيل ما إذا كان الحمل ناشئاً من سفاح، ذلك ربما يكون لأنهم اعتبروه مشاركاً أو تابعاً لحكم الإجهاض الناشئ من نكاح صحيح، فإذا كان إجهاض الحمل الناشئ من نكاح صحيح محرماً في الحالة العادية، فإنه من باب أولى يكون أشد تحريماً في حالة نشوء الحمل من سفاح، لأن في إباحة الإجهاض من سفاح تشجيعاً للرذيلة ولنشر الفاحشة، ومن قواعد الإسلام أنه يحرم الفاحشة وكل الطرق التي تؤدي إليها، كحرمة التبرج والاختلاط.
بالإضافة إلى أنه لا يضحى بجنين برئ لا ذنب له من أجل ذنب اقترفه غيره، وقد قال الله تعالى: (ولا تزر وازرة وزر أخرى) الإسراء/١٥.
ومن المعلوم أن الرسول ﷺ قد رد الغامدية وهي حامل من زنى حتى تلد ثم بعد الولادة حتى ترضعه وتفطمه، وقد عادت بالصبي ومعه كسرة خبز، فدفع النبي ﷺ الصبي إلى رجل من المسلمين، ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها، وأمر الناس فرجموها، وقد قال الإمام النووي في هذا الحديث: (لا ترجم الحبلى حتى تضع سواء كان حملها من زنى أو غيره، وهذا مجمع عليه لئلا يقتل جنينها، وكذا لو كان حدها الجلد وهي حامل لم تجلد بالإجماع حتى تضع) صحيح مسلم بشرح النووي ١١/٢٠٢.
فهذه الواقعة تبين لنا مدى اهتمام الشريعة بذلك الجنين ولو كان من زنى، حيث أخر النبي ﷺ إقامة الحد على أمه حفاظاً على حياته.
فهل يتصور أن يبيح الشارع قتل الأجنة بالإجهاض في سبيل تحقيق رغبات أهل الأهواء والشهوات؟.
بالإضافة إلى أن الذين قالوا بإباحة الإجهاض في حالة الحمل الصحيح خلال الأربعين يوماً الأولى من الحمل قد أخذوا برخصة مشروعة أفضى إليه اجتهادهم، مثل الفطر في رمضان لأصحاب الأعذار، وقصر الصلاة الرباعية في السفر، إلا أنه من المقرر شرعاً أن الرخص لا تناط بالمعاصي.
يقول الإمام القرافي: " فأما المعاصي فلا تكون أسباباً للرخص، ولذلك العاصي بسفره لا يقصر ولا يفطر، لأن سبب هذين السفر، وهو في هذه الصورة معصية، فلا يناسب الرخصة، لأن ترتيب الترخيص على المعصية سعى في تكثير تلك المعصية بالتوسعة على المكلف بسببها " الفروق ٢/٣٣.
وهكذا فإن قواعد الشريعة الإسلامية لا ترخص للحامل من زنى بما تجعله رخصة للحامل من نكاح صحيح حتى لا تعان على معصيتها، ولا تيسر لها سبل الخلاص من فعلتها الشنيعة هذه.
بالإضافة إلى أن الجنين في هذه الحالة يكون فاقداً لولاية الوالدين، لأن الأب في الشرع لا يطلق إلا على من استولد امرأة من نكاح صحيح، وذلك جزء من معنى قوله ﷺ : (الولد للفراش، وللعاهر الحجر) رواه البخاري ومسلم، ويكون ولي الجنين في هذه الحالة هو السلطان - ولي الأمر - فهو ولي من لا ولي له، وتصرف السلطان منوط بالمصلحة، ولا مصلحة في إزهاق روح الجنين في سبيل المحافظة على مصلحة الأم، لما في ذلك من تشجيع لها ولغيرها على ممارسة هذه الفعلة الشنيعة.
ويمكن اللجوء إلى إسقاط الجنين للزانية التي وقعت في هذه الفعلة الشنيعة، وأرادت التوبة الصادقة، مع الخوف الشديد وهي قاعدة كبرى من قواعد الشريعة الغراء، شريطة أن يتم ذلك في الأيام الأولى من الحمل ما استطاعت إلى ذلك، وأن تعطى الفتوى لكل حالة على حدة لا أن تكون الفتوى عامة حتى لا تستغل هذه الرخصة في جوانب متسعة مما يؤدي إلى إشاعة الرذيلة في المجتمع المسلم. والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
من كتاب أحكام الجنين في الفقه الإسلامي لعمر بن محمد بن إبراهيم غانم.
стр. 9041
تحريم الزنا والميسر والخنزير
[السُّؤَالُ]
ـ[لماذا حُرم الزنا والقمار وأكل لحم الخنزير في الإسلام؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
مع استغرابنا أن يصدر من شخص مسلم هذا السؤال في أمور من المسلّمات والبدهيات ولكن الجواب ببساطة أنّ هذه الأشياء محرّمة لأنّ الله الذي تجب علينا طاعته قد قال لنا في القرآن الكريم:
(وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلا) سورة الإسراء/٣٢
وقال لنا:
(إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ) سورة البقرة/١٧٣
وقال لنا:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ (٩١) سورة المائدة
فيجب علينا اجتناب كل ما حرم الله علينا إيمانا بشريعة الله واحتسابا لثوابه وخوفا من عقابه مع إيماننا أن الله لم يحرم علينا في شريعة الإسلام إلا ما هو ضرر وفساد، أدركنا ذلك بعقولنا أو لم ندركه عملا بقوله تعالى (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 9042
عقوبات الزنا وكيفية الحذر من الرجوع إليه
[السُّؤَالُ]
ـ[المشكلة أنى شاب أبلغ من العمر ٣٠ عام قد تعرفت بفتاة تبلغ ١٩ عام سعت هي إلى معرفتي والاقتراب منى بكافة الوسائل وبدون مفاوضة تذكر ذهبت معي إلى شقتي وقد جامعتها عشرات المرات أحسست في لحظة باقتراب الموت منى وأردت التوبة وذهبت إلى والدي وطلبت منه أن يزوجني وفعلاً تزوجت بفتاة صالحة ومن عائلة محترمة وكان اختياري الأساسي في الزواج أن أظفر بصاحبة الدين وقد كان فهي متدينة وابنة لشيخ جليل.
ولكن تكمن مشكلتي في الآتي أنني رغم مرور أكثر من سنة ونصف على زواجي الناجح في نظر الجميع أعاني من حبي المفاجئ للفتاة السابقة التي عاشرتها وعدم مقدرتي فراقها فمنذ زواجي لم أمسها ولم أقربها ولكن لا يمكن أن يمر يوم بدون اتصالي بها تليفونياً ولا أخفى عليكم أنني أستمني بيدي عليها في التليفون فأنا محاصر نفسياً بهذه الفتاة التي أصبحت لا تسعى هي إلى بقدر ما أسعى إليها وعندما أنالها أخاف أن أمسها خشية من معاودة الزنا.
المشكلة بالنسبة لي نفسية فقط وهى كيفية تهذيب نفسي وإقناعها بالابتعاد عن هذه الفتاة نهائيا رغم أن زوجتي أجمل منها وأفضل ولا تدخر جهداً لعفتي بصراحة، ولذلك فإنني قد سئمت من نفسي ولا أدري كيف أصلح حالي رغم أنني كما يصفني جميع من حولي طيب القلب محب للخير للناس غزير الدموع لمصائب الناس وحاجاتهم وأنني أسعى لخير الناس أكثر من سعيهم هم إليه بكل حب وسعادة وبدون علمهم بهذا مبتغياً بذلك قول رسول الله (ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه) .
ساعدوني كي أرضى على نفسي وكي أكون إنساناً صالحاً.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
نسأل الله أن يفرج عنك وعن كل مهموم، ولنا مع سؤالك وقفات:
١. إن قطعك الطريق على الشيطان من أن تصبح ألعوبة بيده بالزواج: أمرٌ تُشكر عليه ويدل – إن شاء الله – على الخير الذي عندك.
٢. وحتى تكون صادقاً مع ربك في توبتك ولأجل أن يبدل الله سيئاتك حسنات: لابدَّ من قطع التفكير في المرأة الأولى ولابد لك من عدم السير في خطوات الشيطان ولا حتى بمجرد الاسترسال في التفكير بها فضلا عن مكالمتها بالهاتف فضلا عن اللقاء فضلا عن غيره مما هو أعظم.
٣. ومادام أن التفكير بالموت هو الذي قادك لترك المرأة الأولى وللزواج فإنه لابد أن لا يفارقك التفكير به، وهو خير واعظ للإنسان سواء كان مقصراً في طاعة الله أو فاعلاً لما يغضب الله، فهو الذي يعطي المقصر الدافع للعمل إذ أن الموت يوقف كتابة الحسنات، وهو الذي يعطي الدافع لفعل المنكرات بالكف عنها وتركها لما يعلمه أن الأعمال بخواتيمها، ويكفي أن تفكر في أمرٍ واحد ماذا لو أن الله تعالى قبض روحك وأنت تستمني أثناء مكالمتك لها؟ وماذا لو أن الله قبض روحك وأنت تعاشرها بالحرام؟
أخي:
فكر في هذا فهل ترضى أن تخرج من قبرك يوم بعث الناس وأنت تمسك فرجك؟ وهل تشعر بالفرق العظيم بين هذا وبين أن تبعث ساجداً أو ملبيّاً أو ذاكراً لله؟
٤. صفاتك التي ذكرت عن نفسك تُشعر بأن فيك خيراً كثيراً فإياك أن تفرط في أجر هذا الخير بخاتمة سوء، وإياك أن تُحرم نفسك أجر تلك الفضائل بمثل هذه الكبيرة العظيمة التي تسبب غضب الرب عليك.
٥. لا ينقصك زواج فأنت متزوج بل ومن امرأة – كما تقول – أجمل وأفضل من الأولى فلماذا لا تشكر الله على أن أبدلك بأمرٍ حلالٍ تقضي فيه شهوتك؟ ولماذا لا ترضى بما قسم الله لك من الحلال؟
إن إثمك في مثل هذه الأفعال المحرمة أعظم مما لو لم تكن متزوجاً، فأنت لست أعزباً بل أنعم الله بما تقضي فيه شهوتك بالحلال فكلما جعلك الشيطان تفكر فيها إئتِ أهلك واستعذ بالله من الشيطان.
٦. ونوصيك بخير وصية وهي الدعاء، استيقظ آخر الليل وتبتل لربك واخشع له واخضع لجلاله، وذلل نفسك له واطلب منه تعالى أن يخلصك من هذا الذي أنت فيه، وألح على ربك بالدعاء فإنه خير مسئول – سبحانه – ولا يرد عباده الصادقين.
٧. وهل تعلم أنه بتفكيرك بتلك المرأة واتصالك بها ولقائك يمكن أن يوقعك الشيطان بما فعلته قديماً؟ وأرجو أن لا تغتر بنفسك فصاحب الشهوة ضعيف، ومن مشى مع الشيطان في خطوته الأولى تتابع به السير حتى النهاية، لكن لتعلم أنك تُغضب الجبار وأنك تقع في أحد أعظم ما عُصي الله به بعد الشرك.
قال الإمام أحمد ﵀: لا أعلم بعد القتل ذنباً أعظم من الزنى، واحتج بحديث عبد الله بن مسعود أنه قال: يا رسول الله أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندّاً وهو خلقك، قال: قلت: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك، قال: قلت: ثم أي؟ قال: أن تزني بحليلة جارك "، فأنزل تصديقها في كتابه (والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ... الآية) الفرقان/٦٨.
ولا بد لك من أن تعلم أثر الزنى على النفس، قال ابن القيم ﵀
والزنى يجمع خلال الشر كلها: من قلة الدين، وذهاب الورع، وفساد المروءة، وقلة الغيرة، فلا تجد زانيا معه ورع، ولا وفاء بعهد، ولا صدق في حديث، ولا محافظة على صديق، ولا غيرة تامة على أهله، فالغدر، والكذب، والخيانة، وقلة الحياء، وعدم المراقبة، وعدم الأنفة للحرام، وذهاب الغيرة من القلب: من شعبه وموجباته.
ومن موجباته: غضب الرب بإفساد حرمه وعياله، ولو تعرض رجل إلى ملِك من الملوك بذلك لقابله أسوأ مقابلة، ومنها: سواد الوجه وظلمته، وما يعلوه من الكآبة والمقت الذي يبدو عليه للناظرين، ومنها: ظلمة القلب، وطمس نوره، وهو الذي أوجب طمس نور الوجه وغشيان الظلمة له، ومنها: الفقر اللازم، ... ومنها: أنه يذهب حرمة فاعله ويسقطه من عين ربه ومن أعين عباده، ومنها: أنه يسلبه أحسن الأسماء وهو اسم العفة والبر والعدالة، ويعطيه أضدادها كاسم الفاجر والفاسق والزاني والخائن، ومنها: أنه يسلبه اسم المؤمن كما في الصحيحين عن النبي أنه قال " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن "، ... ومنها: أن يعرض نفسه لسكنى التنُّور الذي رأى النَّبيُّ فيه الزناةَ والزواني، ومنها: أنه يفارقه الطيب الذي وصف الله به أهل العفاف ويستبدل به الخبث الذي وصف الله به الزناة كما قال الله تعالى: (الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات) النور/٢٦، وقد حرم الله الجنة على كل خبيث، بل جعلها مأوى الطيبين، ولا يدخلها إلا طيب، قال الله تعالى: (الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون) النحل/٢٣، وقال تعالى: (وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين) الزمر/٧٣، فإنما استحقوا سلام الملائكة ودخول الجنة بطيبهم، والزناة: من أخبث الخلق، وقد جعل الله سبحانه جهنم دار الخبيث وأهله، فإذا كان يوم القيامة ميَّز الخبيث من الطيب وجعلَ الخبيثَ بعضه على بعض ثم ألقاه وألقى أهله في جهنم، فلا يدخل النار طيبٌ، ولا يدخل الجنةَ خبيثٌ، ومنها: الوحشة التي يضعها الله في قلب الزاني وهي نظير الوحشة التي تعلو وجهه، فالعفيف على وجهه حلاوة وفي قلبه أنس ومن جالسه استأنس به، والزاني تعلو وجهه الوحشة ومن جالسه استوحش به، ومنها: قلة الهيبة التي تُنزع من صدور أهله وأصحابه وغيرهم له، وهو أحقر شيء في نفوسهم وعيونهم، بخلاف العفيف فإنه يرزق المهابة والحلاوة، ومنها: أن الناس ينظرونه بعين الخيانة ولا يأمنه أحد على حرمته، ولا على ولده، ومنها: الرائحة التي تفوح عليه يشمها كل ذي قلب سليم تفوح من فيه وجسده، ولولا اشتراك الناس في هذه الرائحة لفاحت من صاحبها ونادت عليه، ولكن كما قيل:
كل به مثل ما بي غير أنهم من غيرة بعضهم للبعض عذال
ومنها: ضيقة الصدر وحرجه؛ فإن الزناة يعاملون بضد قصدهم، فإن مَن طلب لذة العيش وطيبه بما حرمه الله عليه: عاقبه بنقيض قصده، فإن ما عند الله لا ينال إلا بطاعته، ولم يجعل الله معصيته سبباً إلى خيرٍ قط، ولو علم الفاجر ما في العفاف من اللذة، والسرور، وانشراح الصدر، وطيب العيش: لرأى أن الذي فاته من اللذة أضعاف أضعاف ما حصل له، دع ربح العاقبة، والفوز بثواب الله وكرامته، ومنها: أنه يعرض نفسه لفوات الاستمتاع بالحور العين في المساكن الطيبة في جنات عدن، وقد تقدم أن الله إذا كان قد عاقب لابس الحرير في الدنيا بحرمانه لبسه يوم القيامة، وشارب الخمر في الدنيا بحرمانه إياها يوم القيامة: فكذلك من تمتع بالصور المحرمة في الدنيا بل كل ما ناله العبد في الدنيا فإن توسع في حلاله: ضيِّق من حظه يوم القيامة بقدر ما توسع فيه، وإن ناله من حرام: فاته نظيره يوم القيامة، ومنها: أن الزنى يُجرئه على قطيعة الرحم، وعقوق الوالدين، وكسب الحرام، وظلم الخلق، وإضاعة أهله وعياله، وربما قاده قسراً إلى سفك الدم الحرام، وربما استعان عليه بالسحر وبالشرك، وهو يدري أو لا يدري فهذه المعصية لا تتم إلا بأنواع من المعاصي قبلها ومعها، ويتولد عنها أنواع أخر من المعاصي بعدها، فهي محفوفة بجندٍ من المعاصي قبلها وجند بعدها، وهي أجلب شيءٍ لشرِّ الدنيا والآخرة، وأمنع شيء لخير الدنيا والآخرة، وإذا علقت بالعبد فوقع في حبائلها وأشراكها: عز على الناصحين استنقاذه، وعيى الأطباء دواؤه، فأسيرها لا يُفدى، وقتيلها لا يُودى، وقد وكَّلها الله سبحانه بزوال النعم، فإذا ابتلي بها عبدٌ: فليودع نِعَم الله؛ فإنها ضيف سريع الانتقال، وشيك الزوال، قال الله تعالى ﴿ذلك بأن الله لم يك مغيِّراً نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم﴾ وقال تعالى ﴿وإذا أراد الله بقومٍ سوءاً فلا مرد له وما لهم من دونه من وال﴾ ، فهذا بعض ما في هذه السبيل من الضرر.
" روضة المحبين " (ص ٣٦٠ – ٣٦٣) .
وننصحك أخي بكتاب لابن القيم نافع في هذا الباب وهو " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي ".
وأخيراً:
نسأل الله لك العافية في دينك ودنياك وتدارك نفسك قبل لقاء ربك. والله الهادي إلى سواء السبيل.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 9043
تريد أن تترك الصلاة حياءً من الله لأنها تقع في الزنا
[السُّؤَالُ]
ـ[اعلم أن الزنا من الفواحش، وأخجل من الوقوف بين يدي الله للصلاة بعد الاغتسال من الجنابة بسببه، وأسأل الله المغفرة وصدقني بأنني غير مرتاحة نفسياً لما أفعله لكنني أحاول إسكات ضميري، هل أعاود الصلاة أم لا؟ مع استمرار الزنا؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا شك أن الزنا كبيرة من الكبائر وجريمة من أقبح الجرائم، وفاحشة من أعظم الفواحش، يقول الله تعالى:
(وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلا) الإسراء / ٣٢، وقال تعالى: (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًاءَاخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) الفرقان.
ولذلك عاقب الله الزناة في الدنيا بعقوبات شديدة، وأوجب على ذلك الحد، فقال تعالى في بيان حد الزاني البكر: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) النور/٢
أما المحصن ـ وهو الذي قد سبق له الزواج ـ فجعل حده القتل فقد جاء في الحديث الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه عن النبي ﷺ أنه قال: (والثيب بالثيب جلد مائة والرجم) الحدود / ٣١٩٩.
ولشناعة هذا الفعل وبشاعته فقد تأذّى منه القردة، حتى إنهم أقاموا حد الرجم على قردة قد زنت كما ثبت في صحيح البخاري عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قَالَ: (رَأَيْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ قِرْدَةً اجْتَمَعَ عَلَيْهَا قِرَدَةٌ قَدْ زَنَتْ فَرَجَمُوهَا فَرَجَمْتُهَا مَعَهُمْ) المناقب /٥٣٦٠.
فكيف يرضى المسلم المكَلَّف المحاسب بعد أن شرّفه الله بالإسلام أن ينزل إلى مستوى الحيوانات والبهائم التي كلّما ثار فيها سُعار الشهوة أطفأتها كيفما شاءت، إن هذه الجريمة لا يقتصر خطرها على عقاب الدنيا العاجلة فقط، بل إن عذاب الآخرة أشد وأعظم، فقد جاء في الحديث الذي رواه الإمام البخاري عن سمرة بن جندب عن النبي ﷺ أنه قال: أتاني الليلة آتيان وإنهما ابتعثاني فانطلقا بي.... قال: فانطلقنا حتى إذا أتينا على مثل التنور، فإذا فيه لغط وأصوات، قال: فاطلعنا فإذا فيه رجال ونساء عراة وإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم، فإذا أتاهم اللهب ضوضوا، قال قلت لهما ما هؤلاء ... فقالا لي: وأما الرجال والنساء الذين في مثل بناء التنور فإنهم الزناة والزواني..) (٦٥٢٥) .
(والتنور: هو الكانون أو الفرن الذي يخبز فيه) .
ومعنى ضوضوا: أي ارتفع صوتهم ولغطهم.
فإذا مات الإنسان على مثل هذا الذنب فماذا يكون حاله!! بل ماذا يقول لربه إذا وقف للعرض عليه! أهكذا يكون شكر نعم الله المتوالية التي لا تحصى، أهكذا يكون شكر نعمة الصحة والعافية! أغاب عنك أن الله يراكِ وأنت متلبِّسة بهذا الذنب العظيم، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ) آل عمران/٥
ألم تعلمي أن هذه الجوارح التي عصيت بها خالقك ستشهد عليك يوم القيامة! ألم تسمعي قول الجبار جل وعلا: (حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١) سورة فُصِّلت.
فالواجب عليك المبادرة بالتوبة النصوح من هذا الذنب العظيم، والندم على ذلك أشد الندم، والإقلاع الفوري عنه، وعن كل وسيلة تكون سبباً إليه ومن ذلك:
١- السفور والتبرج بكشف الوجه أو الشعر أو شيء من البدن، فقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا ... قال: وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلَاتٌ مَائِلاتٌ رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ لا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلا يَجِدْنَ رِيحَهَا وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا) رواه الإمام مسلم (اللباس والزينة/٣٩٧١) .
٢- والخلوة بمن كان أجنبياً عنك، لأن رسول الله ﷺ يقول: (لا يَخلُوَنَّ رجلٌ بامرأة إلا مع ذي محرم) رواه البخاري (٣٨٤٢)
٣- وإياك الاختلاط بمن لا يحل لك، فإن الزنى لم يحصل إلا نتيجة لذلك، وعليك أن تستجيبي لداعي نفسك اللوامة ولا تلتفتي إلى وسوسة الشيطان وتزيناته وتهوينه من هذه الجريمة، فلقد أقسم الشيطان بعزّة الله على إغواء بني آدم. قال تعالى: (قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِين َ* إلا عبادك منهم المخلصين) سورة ص / ٨٢، فقد ظفر منك الشيطان بهذا. ثم إنه لم يقنع بوقوعك في بل إنه يسعى إلى خلودك في النار والعياذ بالله، وذلك بتزيَّن لك ترك الصلاة بهذه الحجة الواهية.
إنَّ ترك الصلاة كفر بالله في صحيح مسلم عن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلاةِ) الإيمان / ١١٦، وقال ﷺ : (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر) رواه الترمذي الإيمان / ٢٥٤٥، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي برقم (٢١١٣) .
فعليك بالإكثار من الاستغفار، والتوبة والدعاء، والمحافظة على الصلوات والإكثار منها، واحرصي على الخشوع فيها لأن الله تعالى يقول: (وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) العنكبوت /٤٥، وقال تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) سورة هود / ١١٤، وعليك أن لا تستثقلي التوبة أو تشعري بأن الله لن يتوب عليك فالشيطان حريص على أن يزرع اليأس والقنوط في قلبك.
واعلمي أن من تاب تاب الله عليه وبدَّل سيئاته حسنات قال تعالى: (إِلا مَنْ تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا) سورة الفرقان/٧١.
إن باب التوبة مفتوح، ولا أحد يحُول بينك وبين التوبة، قال ﵊: (إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ) رواه الترمذي (الدعوات/٣٤٦٠) وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي (٢٨٠٢) .
والله يفرح بهذه التوبة فقد جاء في الحديث الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه من حديث أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلاةٍ فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فَأَيِسَ مِنْهَا فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ) باب التوبة / ٤٩٣٢
وأخيراً:
عليك بعد التوبة بقطع طرق الفاحشة وذلك بالطريق الشرعي الذي أباحه الله وهو الزواج، وعليك أن تعلمي أنه لا يجوز للمسلم والمسلمة الزواج ممن وقع في الزنى إلا إذا تاب إلى الله، فإن تاب وترك ذلك فإنه يجوز لك الزواج منه بعد التوبة، ويراجع للأهمية جواب سؤال رقم (١١١٩٥) و (٢٦٢٧) ، وفقنا الله وإياك للتوبة النصوح والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 9044
هل لإتيان المرأة في الدبر كفارة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هي كفارة جماع الزوجة من دبرها؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
جماع الزوجة في الدبر حرام، وأخبر النبي ﷺ أن فاعله ملعون.
وقد سبق ذكر الأدلة من الكتاب والسنة على تحريمه وبيان شيء من مفاسده في جواب السؤال (١١٠٣) و (٦٧٩٢) .
ولم يجعل الشرع لهذا الفعل المحرم كفارة، فلا تكفره إلا التوبة والندم، والرجوع إلى الله.
سئل الشيخ ابن باز ﵀: ما حكم وطء المرأة في الدبر؟ وهل على من فعل ذلك كفارة؟
فأجاب:
" وطء المرأة في الدبر من كبائر الذنوب، ومن أقبح المعاصي، لما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (مَلْعُونٌ مَنْ أَتَى امْرَأَتَهُ فِي دُبُرِهَا) رواه أبو داود (٢١٦٢) وحسنه الألباني في صحيح أبي داود.
وقال ﷺ : (لا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى رَجُلٍ أَتَى رَجُلا أَوْ امْرَأَةً فِي الدُّبُرِ) رواه الترمذي (١١٦٦) وحسنه الألباني في صحيح الترمذي.
والواجب على من فعل ذلك البدار بالتوبة النصوح، وهي الإقلاع عن الذنب، وتركه تعظيما لله، وحذرا من عقابه، والندم على ما قد وقع فيه من ذلك، والعزيمة الصادقة على ألا يعود إلى ذلك، مع الاجتهاد في الأعمال الصالحة، ومن تاب توبة صادقة تاب الله عليه وغفر ذنبه
كما قال تعالى: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى) طه/٧٢.
وقال : (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) الفرقان/٦٨-٧٠. . . . .
وليس على من وطئ في الدبر كفارة في أصح قولي العلماء، ولا تحرم عليه زوجته بذلك، بل هي باقية في عصمته، وليس لها أن تطيعه في هذا المنكر العظيم، بل يجب عليها الامتناع من ذلك، والمطالبة بفسخ نكاحها منه إن لم يتب، نسأل الله العافية من ذلك" انتهى باختصار يسير من "فتاوى إسلامية" (٣/٢٥٦) .
وقال البهوتي ﵀:
" فإن فعل (أي وطئها في الدبر) عُزِّرْ (أي عاقبه الحاكم العقوبة التي تردعه وأمثاله) ، لارتكابه معصية لا حد فيها ولا كفارة " انتهى من "كشاف القناع" (٥/١٩٠) .
فصَرَّح بأنها معصية، ولا كفارة فيها.
وانظر: "أسنى المطالب" (٤/١٦٢) ، "مغني المحتاج" (٥/٦٢٤) .
ثانيا:
يخطئ كثير من الناس حين يظن أن عدم إيجاب الكفارة على الذنب المعين يعني أن أمره هين، وأنه من الصغائر، وهذا الظن ليس بصواب، بل لو قيل: إن الوطء في الدبر لم يجعل الله فيه كفارة لأنه أعظم من أن تكفره كفارة لم يكن بعيداً، كما قال الإمام مالك ﵀ في اليمين الغموس: " الْغَمُوسُ: الْحَلِفُ عَلَى تَعَمُّدِ الْكَذِبِ. . . وَهُوَ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تُكَفِّرَهُ الْكَفَّارَةُ " انتهى باختصار من "التاج والإكليل" (٤/٤٠٦) ، ونحوه في "المدونة" (١/٥٧٧) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 9045
لا يصلي ويقيم مع عشيقته ويريد أن يتوب ويتزوجها ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[شخص مسلم فرنسي ولكنه لا يصلي ولا يصوم ويقيم مع عشيقته المسيحية يرغب في التوبة والصيام، ولكنه يتحجج بوجود هذه المرأة معه، هل يجوز له أن يتزوجها الآن مع العلم بأن غداً هو أول أيام رمضان؟ وإذا جاز ذلك فكيف هو السبيل والإجراء الشرعي المتبع؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
ليعلم هذا الشخص وغيره أن ترك الصلاة كفر مخرج من الملَّة، والإسلام لا يرضى لأحدٍ من أتباعه أن لا يصلي ولا يصوم ويقيم مع عشيقته.
فالواجب عليكم أن تنصحوه وتبينوا له حقيقة الإسلام، وأنه استسلام لأحكام الشرع، والمسلم ينبغي أن يكون قدوة للآخرين لاسيما في تلك البلاد، وهو لا يمثل نفسه بل يمثل الإسلام الذي دخله والتزمه، فالواجب عليه ترك ما هو فيه من معاصٍ، والالتزام بأحكام الشرع وبخاصة الصلاة، التي هي الفاصل بين الإسلام والكفر.
ثانياً:
وقد سَرَّنا كثيراً أنه يريد التوبة فما الذي يحول بينه وبين التوبة؟ والله تعالى يفرح بتوبة عبده المؤمن، وإذا أقبل العبد على الله أقبل الله عليه، وغفر ذنبه , فعليه المبادرة بالتوبة، وعدم تسويفها، أو تعليقها بحصول أشياء خشية أن يموت ولم يتب، فيلقى ربه بذنوبه ومعاصيه، وقد يلقاه بالكفر.
وبيِّنوا له أن الله تعالى يبدِّل السيئات حسنات لمن تاب، قال الله تعالى: (إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) الفرقان/٧٠.
فعليه المبادرة بترك كل ما هو عليه مما يغضب الله تعالى من ترك الصلاة والإقامة مع عشيقته.
وانظر أجوبة الأسئلة: (٦٢٤) و (١٣٩٩٠) و (٣٤٩٠٥) و (٢٢٩١٢) .
ثالثاً:
إذا تاب وأناب إلى الله: فليعلم أنه لا يجوز له الزواج من تلك العشيقة، لا لأنها نصرانية، بل لأنها " زانية " – على حسب وصفه وكلامه -، ومن شروط نكاح الكتابية – اليهودية أو النصرانية – أن تكون محصنة، أي: عفيفة غير زانية ولا لها عشيق، قال الله تعالى: (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آَتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ) النساء/٥. فاشترط الله تعالى لنكاحها أن تكون عفيفة، ولا يجوز لمسلم أن ينكح كتابية وهي ليست كذلك، بل لو كانت مسلمة لكنها زانية ما جاز لمسلم عفيف أن يتزوجها، قال تعالى: (الزَّانِي لا يَنْكِحُ إلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) النور/٣.
وانظر تفصيل هذه المسألة في جواب السؤال رقم (١١١٩٥) و (٢٥٢٧) .
فإذا أراد أن يتزوجها فلا بد أن يكون ذلك بعد توبته ورجوعه للإسلام بأداء الصلاة، وبعد توبتهما معاً من الزنى.
هذا إذا أراد أن يتزوجها.
وواجب النصيحة يحتم علينا أن ندله على خير ما نعلم مما يصلح دينه ودنياه، وهو أن يتوب إلى الله تعالى توبة صادقة، ويبادر إلى ترك هذه المرأة دون تردد ولا تسويف، وأن يبحث عن غيرها من المسلمات المحصنات المؤمنات، فهو إن تاب إلى الله أحوج ما يكون إلى من تفهم دينها وتقف بجانبه وتحثه على طاعة الرحمن بعد ذلك الضياع، وأما تلك المرأة فإنها لو تابت من الزنى فلن تكون عوناً له على طاعة الله ، ولن تكون أمينة على بيته وماله وعرضه، ولن تصلح لتربية أبنائه وبناته، فلا نريد له بهذه النصيحة إلا الخير، وليستعمل عقله، ويبتعد عن العاطفة ليعلم أن هذا هو الصواب.
ولو قَلَّب نظره يميناً وشمالاً لرأى كثيراً من إخوانه المسلمين الذين تزوجوا من غير المسلمات قد ساءت أحوالهم، وندموا على ذلك، وتمنوا أنهم لم يتزوجوا من غير مسلمة.
وانظر جواب السؤال رقم (٢٠٢٢٧) و (٤٥٦٤٥) فهما مهمان.
والله الموفق.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 9046
المسؤولية تجاه ولد الزنا
[السُّؤَالُ]
ـ[قبل اعتناقي للإسلام ارتكبت فاحشة الزنا مع امرأة متزوجة ونتج عن ذلك طفل. وقد أخبر زوج المرأة بالحقيقة وهو على علم أن الطفل ليس ابنه، ولكنه يريد الاحتفاظ بالطفل وبزوجته. وهو لا يريد أن يفعل أي شئ لي حسبما فهمت ويأمل أن أبقى بعيدا عن ابني الذي أراه نادرا وهو لا يعرف من أنا.
الطفل عمره تقريبا ثلاث سنوات وأنا أسلمت منذ ما يقارب سنتان.
ما هو حكم الاسلام في مثل هذه الحالة؟
هل يمكنني اعتبار الطفل ابني؟
علما بأن المرأة وزوجها كافران.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الإسلام يمحو ما كان قبله وبعد أن هداك الله فإنّه ليس عليك من وزر ما مضى شيء، والقاعدة الشّرعية أنّ الولد للفراش ويتبع الزّوج إلا إذا تبرّأ منه، وعلى كلّ حال فإنّ ذلك الطّفل لا يُعتبر ولدا لك ولا تتعلّق بك أية مسؤولية تجاهه، فابدأ أنت حياة زوجية شرعية والله يتوب عليك ويتولاك بحفظه. وقد سبقت الإجابة عن سؤال مشابه برقم (١١٧) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 9047
مأساة لفتاة من زوج أمّ لا يخاف الله
[السُّؤَالُ]
ـ[أطرح سؤالي هذا والأسى يعتصرني. فمنذ عدة سنوات وصديقتي يغتصبها والدها. والدة صديقتي حملت بها خارج نطاق الزوجية ثم تزوجت بالرجل بعد ولادتها (لصديقتي) . لقد كشفت صديقتي عن أمر الاغتصاب بعد أن تزوجت. والدها رجل متدين جدا وله سمعة قوية. وقد سمعت مرة بأن والد الفتاة غير الشرعية يجوز له أن يقيم علاقة جنسية معها لأن الإسلام لا يعتبرها ابنته. أرجو أن توضح لي الموضوع.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إذا كان ما في السؤال صحيحاً فماذا نقول في زوج أمٍّ جمع الحقارة والدناءة والخسَّة من أطرافها، وجمع بين قلّة الدين والبعد عنه والتعدّي على حدود الله، فإنا لله وإنا إليه راجعون ولا حول ولا قوّة إلا بالله.
ألم يعلم أن الله حرّم على الرجل أن ينكح بنت زوجته المدخول بها فقال تعالى: (حرمت عليكم أمهاتكم.... وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن) النساء/٢٣. فضلاً عن فعل الفاحشة بها، ألم يعلم هذا الرجل بوعيد الله الأليم وعذابه الشديد للزاني، حيث قال تعالى: (وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا) الفرقان/٦٩، ألم يعلم أن الزنى بامرأة جاره أعظم من الزني بأمرأة أخرى فقد جاء في الحديث عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ قَالَ أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ قُلْتُ ثُمَّ أَيٌّ قَالَ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ قُلْتُ ثُمَّ أَيٌّ قَالَ أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ) رواه البخاري (الحدود/٦٣١٣) ، فجعل الزنى بامرأة الجار أعظم إثما من الزنى بغيرها، فكيف بالزنى بمن هي محرم له، كما فعل هذا الرجل الفاسق.
قال ابن أبي شيبة: مَسْأَلَةُ الزِّنَا بِالْمَحَارِمِ. حَدَّثَنَا حَفْصٌ عَنْ أَشْعَثَ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ ﴿الْبَرَاءِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَرْسَلَهُ إلَى رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةَ أَبِيهِ فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْتِيَهُ بِرَأْسِهِ﴾ . حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ حَسَنِ بْنِ صَالِحٍ عَنْ السُّدِّيِّ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ ﴿الْبَرَاءِ قَالَ: لَقِيتُ خَالِي وَمَعَهُ الرَّايَةُ فَقُلْت: أَيْنَ تَذْهَبُ؟ فَقَالَ: أَرْسَلَنِي النَّبِيُّ ﷺ إلَى رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةَ أَبِيهِ أَنْ أَقْتُلَهُ , أَوْ أَضْرِبَ عُنُقَهُ﴾ المصنف لابن أبي شيبة ج/٨ ص ٣٨٠ ورواه النسائي (النكاح / ٣٢٧٩) وصححه الألباني في صحيح النسائي (٣١٢٣)
كيف والحال أنه أكره هذه الفتاة على ذلك، وزنى بها رغماً عنها.
ومن العجائب ما ورد في السؤال من أنه متديِّن جداً. مع كل هذا التجاوز لحدود الله والتجرُّؤُ على محارمه نسأل الله العافية والسلامة.
ومن الأمور المعلومة من الدين بالضرورة حرمة الزنا ـ ولو بأي امرأة ـ وأنه من كبائر الذنوب، وتشتد الحرمة إذا كان المزني بها تحرم عليه على التأبيد. نعوذ بالله من موجبات سخطه وأليم عقابه.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 9048
إلحاق ولد الزنا بأمه
[السُّؤَالُ]
ـ[كنت أقرأ في موقعك ومر بي شئ لا أراه معقولا. تحت عنوان (التوبة) والوضع الشرعي الطفل. كتب المؤلف (الشيخ) بأنه ليس من مسئولية والد الطفل (الزاني) أن يربي أو يرعى الطفل بأي شكل من الأشكال وأن العبء يقع على الأم. هل من الممكن أن تقدم الدليل على هذه العبارة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً: أحكام الله كلها عدل، وأقواله كلها صدق (وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً) صدقاً في الأقوال وعدلاً في الأحكام , والأصول الدينية والضوابط الشرعية الثابتة في الكتاب والسنة وما أجمع عليه العلماء ليست مجالا للشكّ ولا تقبل المناقشة عند المسلم المستسلم لله.
ومرجع المسلم في الأحكام الشّرعية هو الكتاب والسنّة وفهم العلماء الثقات للكتاب والسنّة وليس ما يخطر بباله أو يستحسنه بعقله ولكنّ الإنسان قد تعرض له شبهة تدفعه للبحث عن الحكم الشرعي كما حصل لك أيها الأخ السائل فتعال بنا نرجع إلى الشريعة وكلام العلماء:
عن بُرَيْدَةَ ﵁ أَنَّ مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ الأَسْلَمِيَّ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي قَدْ ظَلَمْتُ نَفْسِي وَزَنَيْتُ وَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ تُطَهِّرَنِي فَرَدَّهُ فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ أَتَاهُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي قَدْ زَنَيْتُ فَرَدَّهُ الثَّانِيَةَ فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ أَتَعْلَمُونَ بِعَقْلِهِ بَأْسًا تُنْكِرُونَ مِنْهُ شَيْئًا فَقَالُوا مَا نَعْلَمُهُ إِلا وَفِيَّ الْعَقْلِ مِنْ صَالِحِينَا فِيمَا نُرَى فَأَتَاهُ الثَّالِثَةَ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ أَيْضًا فَسَأَلَ عَنْهُ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُ لا بَأْسَ بِهِ وَلا بِعَقْلِهِ فَلَمَّا كَانَ الرَّابِعَةَ حَفَرَ لَهُ حُفْرَةً ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ قَالَ فَجَاءَتِ الْغَامِدِيَّةُ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي قَدْ زَنَيْتُ فَطَهِّرْنِي وَإِنَّهُ رَدَّهَا فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ تَرُدُّنِي لَعَلَّكَ أَنْ تَرُدَّنِي كَمَا رَدَدْتَ مَاعِزًا فَوَاللَّهِ إِنِّي لَحُبْلَى قَالَ إِمَّا لا فَاذْهَبِي حَتَّى تَلِدِي فَلَمَّا وَلَدَتْ أَتَتْهُ بِالصَّبِيِّ فِي خِرْقَةٍ قَالَتْ هَذَا قَدْ وَلَدْتُهُ قَالَ اذْهَبِي فَأَرْضِعِيهِ حَتَّى تَفْطِمِيهِ فَلَمَّا فَطَمَتْهُ أَتَتْهُ بِالصَّبِيِّ فِي يَدِهِ كِسْرَةُ خُبْزٍ فَقَالَتْ هَذَا يَا نَبِيَّ اللَّهِ قَدْ فَطَمْتُهُ وَقَدْ أَكَلَ الطَّعَامَ فَدَفَعَ الصَّبِيَّ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَحُفِرَ لَهَا إِلَى صَدْرِهَا وَأَمَرَ النَّاسَ فَرَجَمُوهَا فَيُقْبِلُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بِحَجَرٍ فَرَمَى رَأْسَهَا فَتَنَضَّحَ الدَّمُ عَلَى وَجْهِ خَالِدٍ فَسَبَّهَا فَسَمِعَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبَّهُ إِيَّاهَا فَقَالَ مَهْلا يَا خَالِدُ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا صَاحِبُ مَكْسٍ لَغُفِرَ لَهُ ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَصَلَّى عَلَيْهَا وَدُفِنَتْ * رواه مسلم رقم ١٦٩٥
يُؤخذ من هذا الحديث أنّ أولى الناس بحضانة ابن الزنا هي أمه لأنها أقرب الناس إليه ولما جُبلت عليه الأم من الشفقة على مولودها وهو أمر مشاهد لا يُنكره أحد لكن ليس ذلك على سبيل الإلزام فإن تخلّت عنه كان على وليّ أمر المسلمين أن يهيّئ له مرضعة وحاضنة ومن يقوم بأمره.
ثانياً: أن من رحمة الله تعالى وكمال عدله أنه لم يُحمل الولد من الزنى معرَّة جناية والديه، وبالتالي فإنه يحكم له بالحرية وله حق الرعاية حتى يشب ويصير قادراً على الكسب.
ثالثاً: لا يخفى أن الأم لا يلزمها شرعاً تجاه ولدها الشرعي نفقة ولا رضاع ولا حضانة. أما النفقة فهي من واجبات الأب، وأما الرضاع فإنه يكون المنظور فيه مصلحة الزوج، أو الأم أو الولد. وعلى كل الأحوال فلو امتنعت من إرضاعه، أو طلبت الأجر على ذلك كان لها حق في هذا كله ويكون على الأب أن يسترضع لولده لأن ذلك على الأب وحده وليس له أن يجبر الأم على ذلك.
والله يقول: (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين ...) الآية. هذا في حال التراخي، أما في حال التعاسر فقد قال تعالى: (وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى)
أما الحضانة فإن الأم أحق بها من غيرها نظراً لعظم شفقتها على الولد، لكن لو أسقطت حقها في ذلك فإنه يسقط، وتنتقل الحضانة إلى غيرها من جدة أو غيرها على خلاف مدوَّن في محله في كتب الفقه.
فإذا كان ذلك كذلك بالنسبة للولد الشرعي فإن الولد من الزنى أحرى أن لا يلزمها نحوه رضاع ولا حضانة ... إلا إن خيف هلاكه. وإنما يتحمل أعباء ذلك من بسط الله يده من أهل الولايات أو من يقوم مقامهم.
وبهذا ينجلي الإشكال. والله أعلم.
الولد للفراش وللعاهر الحجر:
جاء في الحديث النبوي الذي أخرجه الإمام مسلم أن رسول الله ﷺ قال: " الولد للفراش وللعاهر الحجر " وقال الإمام النووي: العاهر هو الزاني، ومعنى " وللعاهر الحجر " أي له الخيبة ولا حق في الولد، وعادة العرب أن تقول: له الحجر، يريدون بذلك ليس له إلا الخيبة.
لا يثبت نسب الولد من الزنى:
وبناء على الحديث النبوي الشريف: " الولد للفراش وللعاهر الحجر " فقال الفقهاء بعدم ثبوت نسب الولد من الزنى، أي لا يثبت نسبه من الواطئ الزاني، ولا يلحق به بذلك قال الفقهاء.
من أقوال الفقهاء في عدم نسب الولد من الزنى:
أولاً: قال ابن حزم الظاهري: " نفى ﷺ أولاد الزنى جملة بقوله ﵊ " وللعاهر الحجر " فالعاهر - أي الزاني - عليه الحد فلا يلحق به الولد، والولد يلحق بالمرأة إذا أتت به، ولا يلحق بالرجل، ويرث أمه وترثه، لأنه ﵊ ألحق الولد بالمرأة في اللعان ونفاه عن الرجل "
ثانياً: ومن فقه المالكية: " إن ماء الزاني فاسد، ولذا لا يلحق به الولد ".
ثالثاً: من فقه الحنفية: " أقر أنه زنى بامرأة حرة وأن هذا الولد ابنه من الزنى وصدقته المرأة فإن النسب لا يثبت من واحد منهما لقوله ﵊: " الولد للفراش وللعاهر الحجر " ولا فراش للزاني، وقد جعل رسول الله ﷺ حظ الزاني الحجر فقط، والمراد هنا أنه لا حظّ للعاهر من النسب ... "
الولد من الزنى يلحق بالمرأة الزانية:
والولد من الزنى لا يلحق بالرجل الزاني كما ذكرنا، ولكن يلحق بالمرأة الزانية التي ولدته إذا ثبت ولادتها له، فقد جاء في " المبسوط " للسرخسي: " أقرَّ أنه زنى بامرأة حرة وإن هذا الولد ابنه من الزنى وصدقته المرأة، فغن النسب لا يثبت من واحد لقوله ﷺ : " الولد للفراش وللعاهر الحجر " ولا فراش للزاني ... فإن شهدت القابلة -أي شهدت بولادتها - ثبت بذلك نسب الولد من المرأة دون الرجل، لأن ثبوت النسب منها بالولادة وذلك يظهر بشهادة القابلة؛ لأن انفصال الولد عنها معاين فلهذا ثبت النسب منها "
زواج الزاني بمزنيته وأثره في نسب الولد:
جاء في " الفتاوى الهندية " في فقه الحنفية: " ولو زنى بامرأة فحملت ثم تزوجها فولدت، إن جاءت به لستة أشهر فصاعداً ثبت نسبه منه، وإن جاءت به لأقل من ستة أشهر لم يثبت نسبه إلا أن يدعيه - أي يدعي أن هذا الولد ابنه - ولم يقل أنه من الزنى، أما إن قال إنه مني من الزنى فلا يثبت نسبه ولا يرث منه ".
جاء في " المغني " لابن قدامة الحنبلي: " ولد الملاعنة يلحق الملاعن إذا استلحقه، وولد الزنى لا يلحق الزاني - أي لا يلحق الزاني ولد الزنى إذا استلحقه - في قول الجمهور.
والراجح أن ولد الزنى لا يثبت نسبه من الزاني سواء تزوج بمزنيته وهي حامل فجاءت بولد لأقل من ستة أشهر من وقت عقد النكاح، أو لم يتزوجها وجاءت بولد، ولكن إذا استلحقه بأن ادّعاه ولم يقل أنه ولده من الزنى، فإنه يثبت نسبه في أحكام الدنيا، وكذلك لو تزوج بمزنيته وهي حامل منه من الزنى فجاءت بولد لأقل من أدنى مدّة الحمل وسكت أو ادّعاه ولم يقل إنه من الزنى، فإن نسبه يثبت في أحكام الدنيا.
[الْمَصْدَرُ]
من كتاب المفصل في أحكام المرأة. ص ٩/٣٨١.
стр. 9049
هل يحرم الزاني من الحور العين؟ وما حكم حديث: " من زنى زني به .. "؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل إذا زنى الرجل وتاب يحرم من الحور في الآخرة، وما معنى " يزنى به ولو في جدار داره " وإذا كان المعنى أي من محارمه فما ذنبهم.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الزاني وغيره من أهل المعاصي إذا تابوا إلى الله توبة صادقة تاب الله عليهم، وكفر سيئاتهم، كما دلت على ذلك الأدلة المتكاثرة في الكتاب والسنة ومنها قوله تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) الزمر/٥٣، بل إذا حسنت توبته قد تبدل سيئاته إلى حسنات بسعة فضل الله ورحمته كما قال تعالى: (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً. يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيه مهانا. إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) الفرقان/٦٨،٦٩،٧٠. ومقتضى مغفرة الله للذنب وقبوله للتوبة أن لا يعاقب عليه.
أما من أصر على الزنى ولم يتب منه فقد ثبت في حقه أنواع من العقوبات في الدنيا، وفي القبر، وفي الآخرة، ولم نجد نصا يدل على منعه من الحور العين، لكن قاسه بعض العلماء على ما ثبت من الوعيد في حق من مات ولم يتب من شرب الخمر أنه لا يشربها في الآخرة، ووعيد من لم يتب من لبس الحرير في الدنيا بأنه لا يلبسه في الآخرة.
قال ابن القيم ﵀ وهو يعدد العقوبات التي تقع على الزاني إذا لم يتب:
" ومنها أنه يعرض نفسه لفوات الاستمتاع بالحور العين في المساكن الطيبة في جنات عدن والله إذا كان قد عاقب لابس الحرير في الدنيا بحرمانه لبسه يوم القيامة وشارب الخمر في الدنيا بحرمانه إياها يوم القيامة، فكذلك من تمتع بالصور المحرمة في الدنيا. بل كل ما ناله العبد في الدنيا من حرام فاته نظيره يوم القيامة " روضة المحبين لابن القيم (٣٦٥ - ٣٦٨)
وأما ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: " من زنى زني به ولو بحيطان داره " فهو حديث موضوع كما حكم عليه السيوطي وابن عراق والألباني في السلسلة الضعيفة (٢/١٥٥)
وعليه فلا وجه للاعتراض بما ذكر. على أن الحديث لو صح فيمكن حمله على معنى صحيح وهو: أن الرجل الذي يقع في الزنا ويصر عليه يكون من أهل الفسق والفساد، فيسري هذا الفساد إلى أهله، لأن المخالطة تؤثر، وإذا كان رب البيت مضيعا لنفسه فمن باب أولى أن يضيع أهله، ولا يربيهم على ما يصلح دينهم، فلا يبعد عند ذلك وقوعهم فيما يقع فيه من المعاصي لضعف إيمانهم. وفي الواقع قصص كثيرة تدل على حدوث مثل هذا، وهو من العقوبات الدنيوية العاجلة التي يعاقب الله بها أمثال هؤلاء الذين يهتكون عورات المسلمين، فيهتك الله عوراتهم جزاء وفاقا، والله سبحانه يفعل ما يشاء على وفق الحكمة البالغة، والعدل التام، لا يظلم أحدا، ولا يُسأل عما يفعل وهو الحكيم العليم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 9050
قبول الأعمال الصالحة ممن يرتكب الزنا
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يقبل الله صلاة وصيام من يقوم بالزنى وهل إذا تاب يتوب الله عليه؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
نعم يقبل الله منه ما عمل من الصالحات من صلاة وصيام وصدقة وغير ذلك، ويقبل توبته أيضا كما قال (وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفوا عن السيئات ويعلم ما تفعلون) الشورى/٢٥، ولكن بشرط أن تكون التوبة صحيحة فهل ندم هذا الشّخص حقّا على ما فات وهل عزم فعلا على عدم العودة وهل يا ترى قد تخلّص من كلّ شيء يؤدّي به إلى المعصية من علاقة أو عنوان أو رقم هاتف أو اقتراب من مكان حرام أو صديق سوء أو فيلم أو صورة ونحو ذلك. الذي نظنّه أنّ هذا الشّخص لو تاب حقا فسيقلع عن هذه المعصية.
ثمّ إنّ الزنا فاحشة من أكبر الفواحش قال الله تعالى: (ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا) الإسراء/٣٢.
والزانية والزاني المحصنان بالزواج يعاقبان بأشنع عقوبة وأشدها وهي رجمهما بالحجارة حتى الموت ليذوقا وبال أمرهما وليتألم كل جزء من جسديهما كما استمتعا به في الحرام مع وجود ما يُغني بالحلال، والزاني والزانية اللذّيْن لم يسبق لهما الوطء في نكاح صحيح يُجلدان بأكثر عدد في الجلد ورد في الحدود الشرعية وهو مائة جلدة مع ما يحصل له أو لها من الفضيحة بشهادة طائفة من المؤمنين لعذابهما والخزي بإبعادهما عن بلدهما وتغريبهما عن مكان الجريمة عاما كاملا.
وعذاب الزناة والزواني في البرزخ أنهم يكونون في تنور أعلاه ضيق وأسفله واسع يوقد تحته نار يكونون فيه عراة فإذا أوقدت عليهم النار صاحوا وارتفعوا حتى يكادوا أن يخرجوا فإذا أخمدت رجعوا فيها وهكذا يفعل بهم إلى قيام الساعة. فكيف سيكون عذابهم في نار جهنم؟
نسأل الله أن لا يمقتنا وأن يتوب علينا وأن يوفقنا لفعل الخيرات وترك المنكرات إنه سميع قريب.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 9051
زنى بامرأة ويريد الزواج بها وأبوها يرفض
[السُّؤَالُ]
ـ[كان لي صديقة مسلمة لمدة سنتين ومؤخراً جامعتها. وأريد أن أتزوجها لكن والداها حذراها مني. هل لو أخبرت والديها أنني أفقدت ابنتهم عذريتها يكون لي الحق في الزواج بها؟ أنا أعرف أن فعلي هذا كان خطيئة لكنني فعلته قبل أن أصبح مسلماً. في بلدهم الأصلية يوجد قانون أن الشخص الذي يفقد فتاة بكارتها يجبر على الزواج بها لكننا هنا في بريطانيا الآن. هل يؤثر هذا؟ أرجو الإفادة.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
يجب عليك أن تبادر بالتوبة إلى الله من هذا الفعل العظيم، والذنب الكبير، وأن تكثر من الاستغفار والأعمال الصالحة لعل الله أن يتوب عليك. وأما الفتاة التي زنيت بها فلا يجوز لك الزواج بها إلا إذا تاب كلاكما إلى الله وظهرت براءة رحمها ووافق وليها الشرعي أن يزوجك إياها، وإلا فابحث عن فتاة عفيفة وتذكَّر عِظم خطيئتك غفر الله لنا ولك.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 9052
التوبة من الفاحشة
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا لا أعلم ماذا أفعل لكنني اقترفت خطيئة عظيمة. أعلم أن مفهوم (الاعتراف للكاهن) لا وجود له في ديننا الجميل. لكنني اقترفت الزنا. أريد أن أتوب وأسأل الله الصفح والمغفرة. عندما قرأت سورة النور وجدت أنني لا أستطيع الزواج من امرأة عفيفة طاهرة، فماذا يجب أن أفعل؟ أرجو أن تدعو لي أن يخفف الله عقوبتي في نار جهنم.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
لا تيأس من رحمة الله وتدبّر قوله تعالى: (قُلْ يَاعِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) سورة الزمر / ٥٣
ثانيا:
اجعل توبتك خالصة لله وابتعد عن كلّ ما يؤدي بك إلى الحرام والعودة إلى الجريمة وأكثر من الصالحات فإن الحسنات يذهبن السيئات.
ثالثا:
إذا تبت إلى الله زال عنك وصف الزنا وبالتالي يجوز لك أن تتزوج امرأة طاهرة عفيفة.
رابعا:
المؤمن همته عالية في الدعاء فهو لا يدعو بأن يخفّف الله عنه عذاب جهنم بل يدعو الله أن يعتقه من النار ويدخله الجنة بل ويرزقه الفردوس الأعلى مع اجتهاده في عمل الصالحات والتوبة من السيئات.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 9053
حكم ولد الزنا
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يدخل ولد الزنا الجنة إن أطاع الله؟ وهل عليه أثم أو لا؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ولد الزنا لا يلحقه إثم من جراء زنا والديه وما ارتكبا من جريمة الزنا، لأن ذلك ليس من كسبه، بل إثمهما على أنفسهما، لقوله تعالى: (لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت) وقوله: (ولا تزر وازرة وزر أخرى) وشأنه في مصيره شأن غيره، فإن أطاع الله وعمل الصالحات ومات على الإسلام فله الجنة، وإن عصى الله ومات على الكفر فهو من أهل النار، وإن خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً ومات مسلماً فأمره إلى الله إن شاء غفر له وإن شاء عاقبه ومآله إلى الجنة بفضل من الله ورحمته، وأما الحديث الوارد في أنه لا يدخل الجنة ولد زنا فموضوع (مكذوب على النبي ﷺ ، والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
فتاوى إسلامية للجنة الدائمة ٥/٢٢
стр. 9054
استأجر امرأة لخدمته ثم اتفق معها على أن تكون امة له
[السُّؤَالُ]
ـ[قبل عدة سنوات احتجت لبعض الخدم لأجل راحتي ومساعدتي ولكي أتمكن من تحقيق أعمالي، كانت عندي الاستطاعة أن أدفع للخدم ما أرادوه وأن أريحهم حسب شروطهم.
كان بينهم امرأة صغيرة السن وقد وافقت على شروط العقد، هذه الخادمة تكون موجودة فقط حين حاجتي لها وتذهب حين عدم الحاجة لها.
بما أن تلك الفتاة لا زالت تسكن مع أهلها وليست متزوجة فقد وافقت بأن أكون سيدها وسمحت لي بأن ألمسها وأنظر إليها، أمضينا الكثير من الأوقات سويّاً ثم حررتها من العقد المبرم بيننا وتزوجتها.
- يمكن أن نتخذ العبيد وقت الحرب، ولكن متى يكون هذا؟
- كيف نتخذ العبيد وما هي الشروط الشرعية؟
- هل يجوز للسيد والأمة أن تكون بينهما علاقة جسدية وإلى أي حد؟
- هل هناك حدود للفارق في العمر بين السيد وأمته؟
- هل يمكن أن يتم هذا بالسر أم يجب إعلانه؟
- ما هو الحد الأدنى للعمر الذي يجب أن يكون عليه السيد والأمة؟
- هل توجد الإماء في وقت الحرب فقط؟ وهل هناك طريقة أخرى لامتلاك أمة؟
- هل صحيح أن الرسول ﷺ كان يملك العديد من العبيد؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
بعض الأسئلة متكررة ومتداخلة ولذا سنجيب عليها – إن شاء الله – جميعها في هذه النقاط:
أولاً:
فعلُك الذي فعلتَ مع الخادمة حرام لا يحل لك، والخادمة ليست أمَة حتى تستحل لمسها ومعاشرتها، فالخادمة حرَّة لا تحل لك إلا بالزواج وهو الذي فعلتَه لكن متأخراً – مع الأسف -.
والعقد الذي بينك وبين الخادمة هو عقد إجارة على عمل وهو الخدمة في المنزل، وليس عقداً تستحل فيه معاشرتها، فقولك "أنها وافقت بأن تكون سيدها وسمحت لك بلمسها والنظر إليها وأنك قد حررتها من العقد المبرم بينكما " كل هذا ليس له أصل من الصحة الشرعيَّة بالمعنى الذي ذهبتَ إليه. فالحرة لا يمكن أن تصير أمة إلا كانت كافرة من دولة محاربة للمسلمين وتم للمسلمين الإستيلاء عليها، وهذا مفقود في الحال التي تسأل عنها.
ثانياً:
يمكن اتخاذ العبيد والإماء من الحروب التي تكون بين المسلمين والكفار، لا ما يكون بين المسلمين أنفسهم في وقت الفِتَن.
فقد حصر الإسلام مصادر الرق التي كانت قبل الرسالة المحمدية في مصدر واحد وهو: رق الحرب الذي يفرض على الأسرى من الكفار وكذا على نسائهم وأولادهم.
قال الشيخ الشنقيطي ﵀: وسبب الملك بالرق: هو الكفر، ومحاربة الله ورسوله، فإذا أقدر اللهُ المسلمينَ المجاهدين الباذلين مُهَجهم وأموالهم وجميع قواهم وما أعطاهم الله فتكون كلمة الله هي العليا على الكفار: جعلهم ملكاً لهم بالسبي إلا إذا اختار الإمام المنَّ أو الفداء لما في ذلك من المصلحة للمسلمين. أ. هـ " أضواء البيان " (٣ / ٣٨٧) .
ثالثاً:
يمتلك المجاهدون الإماء كما يمتلكون الغنائم، ويجوز لمن تملَّك أمَةً أو عبداً أن يبيعهما، وفي كلا الحالتين – التملُّك من المعركة أو من البيع – لا يجوز للرجل أن يعاشر الأمَة إلا بعد أن تحيض حيضة يُعلم بها براءة رحمها من الحمل، فإن كانت حاملاً: فعليه أن ينتظر حتى تضع حملها.
فعن رويفع بن ثابت الأنصاري قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول يوم حنين قال: " لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقي ماءه زرع غيره - يعني: إتيان الحبالى -، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقع على امرأة من السبي حتى يستبرئها، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيع مغنما حتى يقسم ".
رواه أبو داود (٢١٥٨) ، وحسَّنه الشيخ الألباني في " صحيح أبي داود " (١٨٩٠) .
رابعاً:
يجوز أن تكون علاقة جسدية بين الرجل وأمَته كما يكون بين الرجل وزوجته إلا أن يكون قد زوجها من غيره فليس له أن يعاشرها لأن المرأة لا تحل لرجلين في وقت واحد.
خامساً:
لا حدود للفارق في السنِّ بين الرجل وأمَته، إلا أنه لا يجوز له معاشرتها إلا بعد أن تكون مطيقةً لذلك.
سادساً:
ينبغي أن تكون العلاقة بين الرجل وأمَته معلَنة غير سريَّة؛ وذلك لترتب أحكامٍ على هذا الإعلان، ومنها: ما قد يكون بينهما من أولاد، ومنه دفع الريبة عنه وعنها من قِبل الناس ومن يشاهدهما سويّاً.
سابعاً:
كان النبي ﷺ يملك بعض الإماء والعبيد، ومنهم:
قال ابن القيم:
زيد بن حارثة بن شراحيل، حِبُّ رسول الله ﷺ ، أعتقه وزوَّجه مولاته أمَّ أيمن، فولدت له أسامة، ومنهم أسلم، وأبو رافع، وثوبان، وأبو كبشة سُلَيم، وشقران - واسمه صالح -، ورباح - نوبي -، ويسار - نوبي أيضاً، وهو قتيل العرنيين -، ومِدْعَم، وكِرْكِرَة - نوبي أيضاً -، ... وكلاهما قُتل بخيبر، ومنهم: أنجَشَة الحادي، وسفينة بن فروخ - واسمه مهران، وسماه رسول الله ﷺ سفينة؛ لأنهم كانوا يحمِّلونه في السفر متاعهم، فقال: أنت سفينة – قال أبو حاتم: أعتقه رسول الله ﷺ ، وقال غيره: أعتقته أم سلمة، ومنهم أنَسَة، ويكنى أبا مِشرح، وأفلح، وعُبيد، وطهمان – وهو كيسان -، وذكوان، ومهران، ومروان – وقيل: هذا خلاف في اسم طهمان، والله أعلم -، ومنهم حُنين، وسندر، وفضالة – يماني -، ومابور – خصي -، وواقد، وأبو واقد، وقسام، وأبو عسيب، وأبو مُويهبة.
ومن النساء: سلمى - أم رافع -، وميمونة بنت سعد، وخضرة، ورضوى، ورزينة، وأم ضميرة، وميمونة بنت أبي عسيب، ومارية، وريحانة.
" زاد المعاد " (١ / ١١٤ – ١١٦) .
ثامناً:
يندر الآن وجود الرقيق بالمعنى الشرعي الذي يجوز معه ما ذُكر من أحكام الاستمتاع ونحوها، وذلك لتخلي عامة المسلمين عن فريضة الجهاد في سبيل الله منذ زمن بعيد مع ما يعانونه من ضعف وذل ومهانة أمام أعدائهم الكفار، حتى وقّعت كثير من الدول التي أكثر شعوبها من المسلمين البروتوكول الخاص بمنع الرق والعمل للقضاء عليه، والمحرر في مقر الأمم المتحدة عام ١٩٥٣ م.
وعليه فينبغي التحري الشديد في إثبات الرق لمن قد يُباع ويشترى الآن، وكذلك الحذر من الفهم الخاطيء لبعض الترجمات لكلمة الأمة والإماء حيث يفهم بعض المسلمين الجدد أن الاسترقاق يحصل بمجرد دفع المال للمرأة والاتفاق على الاستمتاع بها وذلك كالبغايا اللاتي ينتشرن الآن في أماكن الفسق والفجور والملاهي الليلية وخدمات الزنا بالهاتف.
ونسأل الله أن يبصرنا وإياك بأمور ديننا وأن يكفينا شر مساخطه.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 9055
نسخ آية حبس الزانية في البيت
[السُّؤَالُ]
ـ[أريد أن أعرف معنى الآية الخامسة عشر من سورة النساء التي تقول بحبس المرأة الزانية في البيت حتى الموت أو يحدث فرج بطريقة ما. هل يعنى هذا معاقبة الزانية بذلك أو سجنها بقية عمرها؟ وما معنى أن الله سيجعل لها طريقاً؟ أريد أن أتوصل لفهمٍ أحسن للإسلام بواسطة المسلمين أنفسهم. وشكراً على إتاحة الوقت.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قال الله تعالى في سورة النساء: (وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا (١٥)
قال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية:
كان الحكم في ابتداء الإسلام أن المرأة إذا ثبت زناها بالبينة العادلة حبست في بيت فلا تمكن من الخروج منه إلى أن تموت ولهذا قال: "واللاتي يأتين الفاحشة" يعني الزنا "من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا" فالسبيل الذي جعله الله هو الناسخ لذلك. قال ابن عباس ﵁: كان الحكم كذلك حتى أنزل الله سورة النور فنسخها بالجلد أو الرجم وكذا رُوِيَ عن عكرمة وسعيد بن جبير والحسن وعطاء الخراساني وأبي صالح وقتادة وزيد بن أسلم والضحاك أنها منسوخة وهو أمر متفق عليه - قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا سعيد عن قتادة عن الحسن عن حطان بن عبد الله الرقاشي عن عبادة بن الصامت قال: كان رسول الله ﷺ إذا نزل عليه الوحي أثر عليه وكرب لذلك وتغير وجهه فأنزل الله عليه ذات يوم فلما سرى عنه قال: "خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا الثيب بالثيب والبكر بالبكر الثيب جلد مائة ورجم بالحجارة والبكر جلد مائة ثم نفي سنة". وقد رواه مسلم وأصحاب السنن من طرق عن قتادة عن الحسن عن حطان عن عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ ولفظه " خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة والرجم ". قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وقال القرطبي ﵀ في تفسير هذه الآية:
هذه أول عقوبات الزناة، وكان هذا في ابتداء الإسلام.. قاله ابن عباس والحسن. زاد ابن زيد: وأنهم منعوا من النكاح حتى يموتوا عقوبة لهم حين طلبوا النكاح من غير وجهه.. غير أن ذلك الحكم كان ممدودا إلى غاية.. وهي قوله ﵇ في حديث عبادة بن الصامت: (خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة والرجم) .. وقد قال بعض العلماء: أن الأذى والتعيير باق مع الجلد، لأنهما لا يتعارضان بل يحملان على شخص واحد. وأما الحبس فمنسوخ بإجماع.. والله أعلم.
ولإتمام الفائدة يحسن معرفة تفسير الآية التي تليها أيضا في سورة النساء وهي قوله تعالى: وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (١٦)
قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية:
" وقوله تعالى "واللذان يأتيانها منكم فآذوهما" أي واللذان يفعلان الفاحشة فآذوهما قال ابن عباس ﵄ وسعيد بن جبير وغيرهما: أي بالشتم والتعيير والضرب بالنعال وكان الحكم كذلك حتى نسخه الله بالجلد أو الرجم وقال عكرمة وعطاء والحسن وعبد الله بن كثير: نزلت في الرجل والمرأة إذا زنيا.. وقوله "فإن تابا وأصلحا" أي أقلعا ونزعا عما كان عليه وصلحت أعمالهما وحسنت "فأعرضوا عنهما" أي لا تعنفوهما بكلام قبيح بعد ذلك لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له "إن الله كان توابا رحيما" وقد ثبت في الصحيحين "إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحد ولا يثرب عليها" أي لا يعيرها بما صنعت بعد الحد الذي هو كفارة لما صنعت. "
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 9056
كتاب يشتمل على الكذب على النبي ﷺ في حكم الزنى
[السُّؤَالُ]
ـ[قرأت في كتاب "الخلاف" ما يتعلق بقول نبينا الكريم (في حديث) أن أحدهم سأله قائلا: إني معجب بامرأة في مكان عملي، وأنا أحبها، فهل يجوز لي ممارسة الجنس معها، فكان الجواب من النبي نعم.
أشعر أن الجواب كما ورد في ذلك الكتاب خطأ، لكني أريد التحقق من ذلك.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً: هذا الكتاب المسمى بـ (الخلاف) غير معروف، ولعله من كتب الشيعة الروافض، فإن لهم كتاباً بهذا الاسم زعموا أنه يتناول المسائل الخلافية بين المذاهب الإسلامية.
والشيعة الروافض لا يتورعون عن الكذب على النبي ﷺ . وقد وصفهم شيخ الإسلام ابن تيمية بأنهم "من أكذب الناس وأنقضهم للعهد" مجموع الفتاوى (٢٨/٤٨٤) . وقال عنهم أيضاً في منهاج السنة النبوية (١/٨) : والقوم من أكذب الناس في النقليات، ومن أجهل الناس في العقليات، يصدقون من المنقول بما يعلم العلماء بالاضطرار أنه من الأباطيل، ويكذبون بالمعلوم من الاضطرار المتواتر أعظم تواتر في الأمة جيلا بعد جيل، ولا يميزون في نقلة العلم ورواة الأحاديث والأخبار بين المعروف بالكذب أو الغلط أو الجهل بما ينقل وبين العدل الحافظ الضابط المعروف بالعلم بالآثار اهـ. وفي منهاج السنة أيضاً (٢/٨٧) : فإنك لا تجد في طوائف أهل القبلة أعظم جهلا من الرافضة. . فهم أكذب الناس بلا ريب. . . وهم أعظم الطوائف نفاقا اهـ.
ثانياً: هذا الحديث المسؤول عنه لا يشك عاقل يدري ما يقول أنه كذب على النبي ﷺ . إذ كيف يبيح النبي ﷺ الزنى وتحريمه معلوم من الدين بالضرورة، بل إن النبي ﷺ حرم ما قد يفضي إلى الزنا من الوسائل كخلوة الرجل بالمرأة الأجنبية عنه، ومصافحته لها، والاختلاط المستهتر بين الرجال والنساء، وخضوع المرأة في القول وترقيقها له. . . إلخ.
ولهذا قال الله تعالى: (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً) الإسراء/٣٢. فتأمل كيف نهى الله تعالى عن قربان الزنى وهو أبلغ من مجرد فعله، لأن ذلك يشمل النهي عن جميع مقدماته ودواعيه. تفسير السعدي ص ٧٤٢.
وقال تعالى: (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً. يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً. إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً) الفرقان/٦٨ ـ٧٠.
فهذه الفاحشة البغيضة اقترنت بالشرك بالله، وقتل النفس، وذلك لما فيها من قتل الفضيلة، ونشر الرذيلة، وهتك العرض والشرف، وإضاعة الأنساب. . إلى غير ذلك من المفاسد والأمراض التي تفتك بالأمم والمجتمعات.
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) رواه البخاري (٢٤٧٥) ومسلم (٥٧) .
وروى البخاري (٧٠٤٧) عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ عن النبي ﷺ أنه قال في حديث طويل ذكر فيه صوراً من عذاب القبر: (فَانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى مِثْلِ التَّنُّورِ، أَعْلاهُ ضَيِّقٌ وَأَسْفَلُهُ وَاسِعٌ، فَإِذَا فِيهِ لَغَطٌ وَأَصْوَاتٌ، فَاطَّلَعْنَا فِيهِ فَإِذَا فِيهِ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ عُرَاةٌ وَإِذَا هُمْ يَأْتِيهِمْ لَهَبٌ مِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ، فَإِذَا أَتَاهُمْ ذَلِكَ اللَّهَبُ ضَوْضَوا – أي ارتفعت أصواتهم - وارْتَفَعُوا حَتَّى كَادَ أَنْ يَخْرُجُوا، فَإِذَا خَمَدَتْ رَجَعُوا فِيهَا. فَقُلْتُ لَهُمَا: مَا هَؤُلَاءِ؟ . . . قالا: وَأَمَّا الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ الْعُرَاةُ الَّذِينَ فِي مِثْلِ بِنَاءِ التَّنُّورِ فَإِنَّهُمْ الزُّنَاةُ وَالزَّوَانِي) .
وروى أحمد (٢١٧٠٨) عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: إِنَّ فَتًى شَابًّا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ائْذَنْ لِي بِالزِّنَا. فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ فَزَجَرُوهُ قَالُوا: مَهْ مَهْ، فَقَالَ: ادْنُهْ، فَدَنَا مِنْهُ قَرِيبًا، قَالَ: فَجَلَسَ. قَالَ: أَتُحِبُّهُ لأُمِّكَ؟ قَالَ: لا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ. قَالَ: وَلا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لأُمَّهَاتِهِمْ. قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لابْنَتِكَ؟ قَالَ: لا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ. قَالَ: وَلا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ. قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لأُخْتِكَ؟ قَالَ: لا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ. قَالَ: وَلا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لأَخَوَاتِهِمْ. قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ؟ قَالَ: لا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ. قَالَ: وَلا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ. قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ؟ قَالَ: لا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ. قَالَ: وَلا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِخَالَاتِهِمْ. قَالَ: فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ، وَطَهِّرْ قَلْبَهُ، وَحَصِّنْ فَرْجَهُ، فَلَمْ يَكُنْ بَعْدُ ذَلِكَ الْفَتَى يَلْتَفِتُ إِلَى شَيْءٍ.
قال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء: رواه أحمد بإسناد جيد رجاله رجال الصحيح اهـ.
والآيات والأحاديث الصحيحة التي تبين قبح وشناعة هذه الجريمة ومآل أهلها في الدنيا والآخرة كثيرة، فكيف بعد هذا كله ينسب هذا القول القبيح لرسول الله ﷺ ؟
وأيضاً: قول هذا الأفاك الأثيم: إن هذا الرجل أعجب بامرأة في مكان عمله!!
فهل كان في أصحاب النبي ﷺ وهم خير القرون أماكن للعمل تجمع بين الرجال والنساء ويختلط بعضهم ببعض فيها؟!
فعلى السائل وغيره أن يحذر من هذه الأغاليط الفاحشة المنكرة، ولا يلتفت إليها.
وما أجدر هذا الأفاك الذي كذب على رسول الله ﷺ أن يشمله قوله ﷺ : (مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ) رواه البخاري (١١١) ومسلم (٣) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 9057
كفارة الزنى مع المتزوجة
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هي كفارة من زنى مع متزِوجة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الزنا كله شر وبلاء، لكنه مع المتزوجة أعظم إثماً، لما فيه من الاعتداء على الزوج بانتهاك عرضه. قال الله تعالى في شأن الزنا: (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً) الإسراء/٣٢.
وقال النبي ﷺ : (إذا زنى الرجل خرج منه الإيمان كان عليه كالظلة فإذا انقطع رجع إليه الإيمان) رواه أبو داود (٤٦٩٠) والترمذي (٢٦٢٥) وصححه الألباني في صحيح أبي داود.
قال ابن حجر الهيتمي في " الزواجر عن اقتراف الكبائر " (٢/١٣٨) : (وعُلم من ذلك أيضا أن الزنا له مراتب: فهو بأجنبية لا زوج لها عظيم، وأعظم منه بأجنبية لها زوج، وأعظم منه بمحرم، وزنا الثيب أقبح من البكر بدليل اختلاف حديهما، وزنا الشيخ لكمال عقله أقبح من زنا الشاب، وزنا الحر والعالم لكمالهما أقبح من القن (العبد) والجاهل) انتهى.
وكفارة الزنا مع المتزوجة وغيرها: هي التوبة الصادقة المشتملة على شروطها، من الإقلاع عن هذه الجريمة إقلاعاً تاماً، والندم على ما فات، والعزم على عدم العودة إليها مطلقا. من فعل ذلك فقد تاب إلى الله تعالى، ومن تاب تاب الله عليه، وقبله، وبدل سيئاته حسنات، كما قال سبحانه: (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) التوبة/١٠٤، وقال: (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) الفرقان/٦٨- ٧٠
وروى البخاري (٤٤٣٦) ومسلم (١٧٤) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ كَانُوا قَدْ قَتَلُوا وَأَكْثَرُوا وَزَنَوْا وَأَكْثَرُوا، فَأَتَوْا مُحَمَّدًا ﷺ ، فَقَالُوا: إِنَّ الَّذِي تَقُولُ وَتَدْعُو إِلَيْهِ لَحَسَنٌ، لَوْ تُخْبِرُنَا أَنَّ لِمَا عَمِلْنَا كَفَّارَةً، فَنَزَل: (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ) وَنَزَلَتْ: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ) .
فمن وقع في الزنا فليبادر بالتوبة إلى تعالى، وليستتر بستره، فلا يفضح نفسه؛ لقول النبي ﷺ : (اجتنبوا هذه القاذورة التي نهى الله عنها، فمن ألم فليستتر بستر الله رواه البيهقي وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٦٦٣) .
وروى مسلم (٢٥٩٠) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (لا يستر الله على عبد في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 9058
وقعا في الزنا وتابا وتزوجا وتجزم بوقوع العذاب وتشويه أطفالهما
[السُّؤَالُ]
ـ[لدي صديقة تعرفت على شخص منذ ٦ سنوات والحمد لله تم الزواج، ولكن قبل الزواج تم فعل الفاحشة، وصديقتي نادمة جدّاً تبكي ليل نهار وتصلي الصلوات، مع كل يوم صلاة استغفار، وبعد الزواج ذهبوا للعمرة وينويان الحج، ولكن زوجها يريد أطفالاً وهي خائفة أن تنجب طفلاً مشوهاً عقاباً من الله وتقول: إن من زنى يلاقي عذاباً في الدنيا والآخرة حتى لو تاب، هل هذا صحيح؟ وهل سيدخل النار؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
نحمد الله تعالى على أن وفقهما للتوبة، ونسأله أن يثيبهما وأن يثبتهما، ولا شك أن ما فعلاه من الفاحشة سبب لعقاب الله تعالى في الدنيا والآخرة.
والتوبة الصادقة من هذا الفعل، والندم على فعله، والعزم على عدم العوْد إليه، والبكاء على ما وقع من تفريط في جنب الله تعالى وهتك حرمات المسلمين: يُرجى أن يكون خيراً لهذا التائب وأن يكون سبباً في تبديل سيئاته حسنات.
ولا ينبغي لهذه الأخت أن يصل بها المقام في التوبة إلى حدِّ القنوط من رحمة الله، فقد يدخل الشيطان عليها من هذا الباب ويصدها عن التوبة وفعل الخير.
فيحسن منها أن تندم وتبكي وتتوب وتستغفر تعظيماً لما وقع منها ومن زوجها من معصية، ولكن لا يحسن منها القنوط من رحمة الله وظن السوء به تعالى.
وقد أعلمنا ربنا تعالى أنه يغفر الذنوب جميعاً مهما عظمت وكثرث لمن تاب منها، ونهانا عن القنوط من رحمته، فقال تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) الزمر/٥٣.
وأعلمنا تعالى أنه يبدل السيئات حسنات لمن صدق في توبته، ولو وقع منه الشرك والقتل والزنا، وهي أعظم الذنوب، فقال تعالى: (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا. يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا. إِلا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) الفرقان/٦٨ – ٧٠.
وقد أخبرنا نبينا ﷺ أن الله تعالى يفرح بتوبة عبده، وأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له.
وبه يُعلم خطأ القول: (إن الزاني يعذَّب في الدنيا والآخرة ولو تاب) وما سبق من الأدلة يدل على بطلان هذا القول، بل يرغِّب الله تعالى عباده في التوبة، ويثيبهم عليها إن فعلوا، ولا يعاقبهم.
ولا داعي للخوف من الإنجاب، ولا داعي للقلق.
واسألوا الله تعالى الذرية الصالحة، واستعينوا بربكم ﵎، وأكثروا من الأعمال الصالحة، ونسأل الله تعالى أن يوفقكما لما فيه رضاه.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 9059
كيف يثبت الزنى
[السُّؤَالُ]
ـ[نعلم أنه لإثبات الزنى على شخص ما فإنه لا بد من توفر ٤ شهود فهل يجوز في هذا العصر إثبات الزنى على هذا الشخص بالفحص العلمي وفحص الحامض النووي بدلاً من ٤ شهود؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا يثبت الزنى في الشريعة الإسلامية إلا بالبينة وهي شهادة أربعة ثقات عدول يرونه حقيقة أو بالاعتراف أو بظهور حمل الزانية ولا يقوم فحص الحامض النووي ولا كاميرة التصوير أو الفيديو مقام الأمور السابقة المذكورة. والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 9060
هل يغفر لممارس اللواط وهل يجوز له الزواج ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هو رأي الإسلام في الذين يمارسون اللواط أو السحاق ولكنهم تابوا وأقلعوا عن هذا الفعل؟
هل يجب رجمهم حتى الموت؟ هل يمكن أن يُغفر لهم؟ هل يجوز لهم أن يتزوجوا من الجنس الآخر؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
لاشك أن فاحشة اللواط من أعظم المعاصي بل من الكبائر التي حرمها الله ، وقد أهلك الله قوم لوط ﵇ لما تمادوا في غيهم واستمرؤوا هذا الفعل الشنيع بأنواع رهيبة من العقوبة، قال الله تعالى: (فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل منضود. مسومة عند ربك) ثم قال سبحانه محذرا من يأتي بعدهم من الأمم التي تفعل فعلهم (وما هي من الظالمين ببعيد) . وقال تعالى: (ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم فذوقوا عذابي ونذر. ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر) ، وقال النبي ﷺ : (من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به) رواه أحمد ٢٧٢٧ وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته برقم ٦٥٨٩.
قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: (ثبت عنه ﷺ أنه قال: اقتلوا الفاعل والمفعول به. رواه أهل السنن الأربعة وإسناده صحيح، وقال الترمذي حديث حسن.
وحكم به أبو بكر الصديق، وكتب به إلى خالد بعد مشاورة الصحابة، وكان علي أشدهم في ذلك. وقال ابن القصار وشيخنا: أجمعت الصحابة على قتله، وإنما اختلفوا في كيفية قتله، فقال أبو بكر الصديق: يرمى من شاهق، وقال علي ﵁: يهدم عليه حائط، وقال ابن عباس: يقتلان بالحجارة. فهذا اتفاق منهم على قتله، وإن اختلفوا في كيفيته، وهذا موافق لحكمه ﷺ فيمن وطئ ذات محرم، لأن الوطء في الموضعين لا يباح للواطئ بحال، ولهذا جمع بينهما في حديث ابن عباس ﵄، فإنه روى عنه ﷺ أنه قال: (من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوه) وروى أيضا عنه: (من وقع على ذات محرم فاقتلوه) وفي حديثه أيضا بالإسناد: (من أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه) - أخرجه أحمد ٢٤٢٠وأبو داود ٤٤٦٤ والترمذي ١٤٥٤ والحاكم ٤/٣٥٥ -.
وهذا الحكم على وفق حكم الشارع، فإن المحرمات كلما تغلظت، تغلظت عقوباتها، ووطء من لا يباح بحال أعظم جرما من وطء من يباح في بعض الأحوال، فيكون حده أغلظ، وقد نصّ أحمد في إحدى الروايتين عنه) زاد المعاد ج٥ ص٤٠-٤١.
وكذلك الأمر بالنسبة لفاحشة السحاق، فإنه لاشك بين الفقهاء أن السحاق حرام، وهو من الكبائر كما نصّ عليه الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى. الموسوعة الفقهية ج٢٤ ص٢٥١.
أما بخصوص الحد المذكور في السؤال وهو الرجم حتى الموت فإن هذا النّوع من الحد متعلق بالزاني المحصن وأما الحدّ الشرعي لجريمة اللواط فهو القتل - بالسيف على الراجح - كما ورد في الحديث السابق على خلاف بين أهل العلم في كيفية هذا القتل، أما السحاق فإنه لا حد فيه لكن فيه التعزير. الموسوعة الفقهية ج٢٤ ص٢٥٣.
أما إذا تاب الفاعل لهذه الفاحشة أو كل ما يستوجب حدا وأقلع عن هذا الذنب واستغفر وندم ونوى ألا يعود إليه فقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عن ذلك فأجاب بقوله: (إذا تاب إلى الله توبة صحيحة تاب الله عليه من غير حاجة إلى أن يقر بذنبه حتى يقام عليه الحد) مجموع الفتاوى ج٣٤ ص١٨٠.
قال الله تعالى: (والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما. يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا. إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما. ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا) . فإن تاب إلى الله توبة صحيحة فلا مانع من أن يتزوّج بل قد يجب عليه ذلك إحصانا لنفسه واتّباعا لما أحلّه الله. والله تعالى أعلم وصلى الله على نبينا محمد.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 9061
جريمة الزنا تؤرّق ليلها وهي حزينة من أجل الولد
[السُّؤَالُ]
ـ[كنت فتاة على الموضة حتى قابلت زوجي وأرشدني إلى الإسلام والحمد لله. وقعت في الزنا ولم يكن يخطر ببالي أبدا أنه بذلك السوء وهذا ما جعلني اقضي ليالي بدون نوم (كنت اقضي بعضها بالدعاء)
اشعر أن الله لن يغفر لي بسبب كثرة ذنوبي.
حملت من زوجي ونحن مازلنا في فترة الخطوبة، عمر الطفل الآن ٧ سنوات انه ولد زنى
فهل سيُغفر لي على الإطلاق.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا: من تاب تاب الله عليه.
ثانيا: إذا حصل الحمل والولادة قبل العقد الشّرعي فالولد يُنسب للأم الزانية وليس للزاني. وهذا الولد له حقوق شرعية ولا بدّ من إحسان تربيته.
ثالثا: إياك أن تيأسي من رحمة الله أو تقولي لن يغفر الله لي فإنه لا ييأس من رحمة الله إلا القوم الكافرون ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون. وما دمت قد تبت فعليك برجاء رحمة الله ومغفرته.
رابعا: ستجدين الجواب المفصّل عن التوبة من الزنا وكل ما يريحك بإذن الله في كتاب " أريد أن أتوب ولكن.. " وهو منشور في ركن الكتب من هذا الموقع.
خامسا: علاج ما مضى بالتوبة، وعليك من الآن فصاعدا بالإكثار من فعل الحسنات لأنّ الحسنات يُذهبن السيئات ويرفعن الدرجات، ونسأل الله أن يغفر ذنبك وأن يثبتكِ على دينه ونرجو لك مستقبلا حافلا بالطاعات، وصلى الله على نبينا محمد
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 9062
يريد التوبة من اللواط ويحتاج مساعدة
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا مسلم ملتزم، وأسلمت قبل فترة طويلة، تم التحرش بي جنسياً وأنا طفل، وأصبحت الآن أُثار غريزيّاً للرجال والنساء، وهذا شيء أجده في نفسي، لا أدري كيف أتخلص منه.
أنا لا أفعل المعصية دائماً ولكنني أفعلها أحياناً وأندم على فعلها لأن الله لا يحب هذا الانحراف الجنسي، والمشكلة أنني لا أستطيع ولم أستطع أن أساعد نفسي، حاولت كثيراً أن أتغير ولكن دون فائدة، طلبت من الله المعونة واعترفت لبعض المسلمين لكي يساعدوني وذهبت للطبيب النفسي.
أحب الله وأحب دينه وتصرفاتي تعكس هذا الحب، ودائماً أحاول التقرب لله، حيث إنني وقعت في هذا المرض، فقد عرفت لماذا أمرت الشريعة بقتل اللوطي، جميع أصدقائي مسلمون ومتمسكون بالدين، ولكن الشيطان قد يحاول أن يدمر إيماني أنا وأصدقائي، أرجو أن تساعدني وتخبرني بالحل ولو تكلف هذا ذهابي لأي مكان في العالم لأنني لا أريد أن أقترف هذا الذنب مرة أخرى، ولا أريد أن أكون خطراً على أي شخص من عباد الله.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
سنتكلم معك في نقاط أربعة ولن نزيد عليها، فنرجو منك الانتباه والقراءة بتمهل وتمعن، وهذه النقاط الأربع هي: قبح وشناعة فاحشة اللواط، والآثار المترتبة عليها من حيث المخاطر الصحية، وبيان سعة رحمة الله للتائبين، وطرق العلاج لمن ابتلي بهذه الفاحشة.
أما الأمر الأول:
وهو قبح وشناعة فاحشة اللواط:
فقد قال ابن القيم – عن قوم لوط -:
قال أصحاب القول الأول - وهم جمهور الأمة، وحكاه غير واحد إجماعاً للصحابة -: ليس في المعاصي مفسدة أعظم من مفسدة اللواط، وهي تلي مفسدة الكفر، وربما كانت أعظم من مفسدة القتل - كما سنبينه إن شاء الله تعالى -.
قالوا: ولم يبتل الله تعالى بهذه الكبيرة قبل قوم لوطٍ أحداً من العالمين، وعاقبهم عقوبة لم يعاقب بها أمَّة غيرهم، وجمع عليهم أنواعاً من العقوبات: من الإهلاك، وقلب ديارهم عليهم، والخسف بهم، ورجمهم بالحجارة من السماء، وطمس أعينهم، وعذَّبهم، وجعل عذابهم مستمراً، فنكل بهم نكالاً لم ينكله بأمَّة سواهم، وذلك لعظم مفسدة هذه الجريمة، التي تكاد الأرض تميد من جوانبها إذا عُملت عليها، وتهرب الملائكة إلى أقطار السموات والأرض إذا شهدوها خشية نزول العذاب على أهلها فيصيبهم معهم، وتعج الأرض إلى ربها ﵎، وتكاد الجبال تزول عن أماكنها.
وقتْل المفعول به خيرٌ له من وطئه، فإنه إذا وطأه الرجل قتله قتلا لا تُرجي الحياة معه، بخلاف قتله فإنه مظلوم شهيد، وربما ينتفع به في آخرته.
وقال:
وأطبق أصحاب رسول الله ﷺ على قتله، لم يختلف منهم فيه رجلان، وإنما اختلفت أقوالهم في صفة قتله، فظنَّ بعض الناس ذلك اختلافاً منهم في قتله، فحكاها مسألة نزاع بين الصحابة، وهي بينهم مسألة إجماع.
ومن تأمل قوله سبحانه ﴿ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشةً وساء سبيلاً﴾ الإسراء / ٣٢ وقوله في اللواط: ﴿أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين﴾ الأعراف / ٨٠، تبين له تفاوت ما بينهما؛ فانه سبحانه نكَّر الفاحشة في الزنا، أي: هو فاحشة من الفواحش، وعرَّفها في اللواط، وذلك يفيد أنه جامع لمعاني اسم الفاحشة ...
ثم أكد سبحانه شأن فحشها بأنها لم يعملها أحد من العالمين قبلهم فقال: ﴿ما سبقكم بها من أحد من العالمين﴾ ، ثم زاد في التأكيد بأن صرَّح بما تشمئز منه القلوب، وتنبو عنها الأسماع، وتنفر منه أشد النفور، وهو إتيان الرجل رجلا مثله ينكحه كما ينكح الأنثى، فقال: ﴿أئنكم لتأتون الرجال﴾ ، ...
ثم أكد سبحانه قبح ذلك بأن اللوطية عكسوا فطرة الله التي فطر عليه الرجال، وقلبوا الطبيعة التي ركَّبها الله في الذكور، وهي شهوة النساء دون الذكور، فقلبوا الأمر، وعكسوا الفطرة والطبيعة فأتوا الرجال شهوة من دون النساء، ولهذا قلب الله سبحانه عليهم ديارهم فجعل عاليها سافلها، وكذلك قلبهم، ونكسوا في العذاب على رؤوسهم.
ثم أكد سبحانه قبح ذلك بأن حكم عليهم بالإسراف وهو مجاوزة الحد، فقال: ﴿بل أنتم قوم مسرفون﴾ .
فتأمل هل جاء ذلك – أو قريبٌ منه - في الزنا، وأكد سبحانه ذلك عليهم بقوله ﴿ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث﴾ ، ثم أكَّد سبحانه عليهم الذم بوصفين في غاية القبح فقال: ﴿إنهم كانوا قوم سوء فاسقين﴾ الأنبياء / ٧٤، وسماهم مفسدين في قول نبيهم فقال: ﴿رب انصرني على القوم المفسدين﴾ الأنبياء / ٧٥، وسماهم ظالمين في قول الملائكة لإبراهيم ﵇: ﴿إنا مهلكو أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين﴾ العنكبوت / ٣١.
فتأمل من عوقب بمثل هذه العقوبات ومن ذمه الله بمثل هذه الذمات.
وقال:
ذهبت اللذات، وأعقبت الحسرات، وانقضت الشهوات، وأورثه الشقوات، تمتعوا قليلاً، وعُذبوا طويلاً، رتعوا مرتعاً وخيماً، فأعقبهم عذاباً أليماً، أسكرتهم خمرة تلك الشهوات، فما استفاقوا منها إلا في ديار المعذَّبين، وأرقدتهم تلك الغفلة فما استيقظوا منها إلا وهم في منازل الهالكين، فندموا والله أشد الندامة حين لا ينفع الندم، وبكوا على ما أسلفوه بدل الدموع بالدم، فلو رأيت الأعلى والأسفل من هذه الطائفة والنار تخرج من منافذ وجوههم وأبدانهم وهم بين إطباق الجحيم وهم يشربون بدل لذيذ الشراب كؤوس الحميم، ويقال لهم وهم على وجوههم يسحبون: " ذوقوا ما كنتم تكسبون "، ﴿اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون﴾ الطور / ١٦.
" الجواب الكافي " (ص ٢٤٠ – ٢٤٥) مختصراً.
وأما الأمر الثاني:
فهو ما تسببه هذه الفاحشة من مضار صحيَّة:
قال الدكتور محمود حجازي في كتابه " الأمراض الجنسية والتناسلية " - وهو يشرح بعض المخاطر الصحية الناجمة عن ارتكاب اللواط -:
إن الأمراض التي تنتقل عن طريق الشذوذ الجنسي (اللواط) هي:
١. مرض الأيدز، وهو مرض فقد المناعة المكتسبة الذي يؤدي عادة إلى الموت. ٢. التهاب الكبد الفيروسي. ٣. مرض الزهري. ٤. مرض السيلان. ٥. مرض الهربس. ٦. التهابات الشرج الجرثومية. ٧. مرض التيفوئيد. ٨. مرض الأميبيا. ٩. الديدان المعوية. ١٠. ثواليل الشرج. ١١. مرض الجرب. ١٢. مرض قمل العانة. ١٣. فيروس السايتوميجالك الذي قد يؤدي إلى سرطان الشرج. ١٤. المرض الحبيبي اللمفاوي التناسلي.
ثالثاً:
ومما سبق يتبين عظم وقبح وشناعة هذه الفاحشة، وما يترتب على فعلها من آثار ضارة، ومع ذلك فالباب مفتوح لتوبة العاصين، والله تعالى يفرح بتوبتهم.
وتأمل قول الله تعالى: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرَّم الله إلا بالحق ولا يزنون. ومن يفعل ذلك يلق أثاماً. يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً. إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفوراً رحيماً﴾ الفرقان / ٦٨ – ٧٠.
وعند التأمل في قوله تعالى: ﴿فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات﴾ يتبين لك فضل الله العظيم.
وقد قال المفسرون هنا معنيين للتبديل:
الأول: تبديل الصفات السيئة بصفات حسنة كإبدالهم بالشرك إيماناً وبالزنا عفة وإحصاناً وبالكذب صدقاً وبالخيانة أمانة وهكذا.
والثاني: تبديل السيئات التي عملوها بحسنات يوم القيامة.
فالواجب عليك التوبة إلى الله توبة عظيمة، واعلم أن رجوعك إليه سبحانه هو خير لك ولأهلك ولإخوانك وللمجتمع كافة.
واعلم أن الحياة قصيرة، وأن الآخرة خير وأبقى، ولا تنس أن الله تعالى أهلك قوم لوط بما لم يهلك بمثله أحداً من الأمم غيرهم.
رابعاً:
وأما العلاج لمن ابتلي بهذه المصيبة:
١- الابتعاد عن الأسباب التي تيسر لك الوقوع في هذه المعصية وتذكرك بها مثل:
- إطلاق البصر، والنظر إلى النساء أو الشاشات.
- الخلوة بأحد من الرجال أو النساء.
٢- اشغل نفسك دائماً بما ينفعك في دينك أو دنياك كما قال الله تعالى: (فإذا فرغت فانصب) فإذا فرغت من عمل في الدنيا فاجتهد في عمل من عمل الآخرة كذكر الله وتلاوة القرآن وطلب العلم وسماع الأشرطة النافعة ...
وإذا فرغت من طاعة فابدأ بأخرى، وإذا فرغت من عمل من أعمال الدنيا فابدأ في آخر ... وهكذا، لأن النفس أن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل، فلا تدع لنفسك فرصة أو وقت فراغ تفكر في هذه الفاحشة.
٣- قارن بين ما تجده من لذة أثناء هذه الفاحشة، وما يعقب ذلك من ندم وقلق وحيرة تدوم معك طويلاً، ثم ما ينتظر فاعل هذه الفاحشة من عذاب في الآخرة، فهل ترى أن هذه اللذة التي تنقضي بعد ساعة يقدمها عاقل على ما يعقبها من ندم وعذاب، ويمكنك لتقوية القناعة بهذا الأمر والرضا به القراءة في كتاب ابن القيم (الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي) فقد ألفه ﵀ لمن هم في مثل حالك – فرج الله عنا وعنك -.
٤- العاقل لا يترك شيئاً يحبه إلا لمحبوب أعلى منه أو خشية مكروه. وهذه الفاحشة تفوت عليك نعيم الدنيا والآخرة، ومحبة الله لك، وتستحق بها غضب الله وعذابه ومقته.
فقارن بين ما يفوتك من خير، وما يحصل لك من شر بسبب هذه الفاحشة، والعاقل ينظر أي الأمرين يقدّم.
٥- وأهم من ذلك كله: الدعاء والاستعانة بالله أن يصرف عنك هذا السوء، واغتنم أوقات الإجابة وأحوالها، كالسجود، وقبل التسليم من الصلاة، وثلث الليل الآخر، ووقت نزول المطر، وفي السفر، وفي الصيام، وعند الإفطار من الصيام.
نسأل الله أن يلهمك رشدك، وأن يتوب عليك، ويجنبك سوء الأعمال والأخلاق.
والله تعالى أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 9063
اعترف له والداه أنه من الزنا فكيف ينتسب
[السُّؤَالُ]
ـ[والداي يعتقدان بأني من الزنى، فاسم من أحمل ومن هم أهلي؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
توجهنا بهذا السؤال إلى فضيلة الشيخ عبد الله بن جبرين فكتب إلينا ما يلي:
الصحيح أن ولد الزنى ليس عليه إثم من جناية أبويه حيث أنه لم يحدث منه معصية في هذا الأمر وإنما الإثم على والديه وعلى هذا فله أن ينتسب إلى أبيه الذي اعترف بأنه منه حتى يحصل على الانتماء إلى دولته (بالوثائق الرسمية) وله أن ينتسب إلى أمه التي ولدته فإنها هي عَصَبته ثم ينتسب إلى قبيلتها ودولتها وعليه أن يصلح عمله ويستقيم في سلوكه وديانته الإسلامية ولا يضره ما حصل من أبويه فإن من بطّأ به عمله لم يسرع به نسبه، والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ عبد الله بن جبرين
стр. 9064
هل كان ماعز متزوجاً ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل كان ماعز بن مالك متزوجا أو غير متزوج , وإذا كان أعزب , فلماذا رُجم؟ أسأل عن ذلك لأني قرأت أنه لم يكن متزوجا , وأنه رُجم لوقوعه المستمر في الزنا. لكن توجد أحاديث أخرى عن رجل من "بني أسلم" وكانت مشكلته تشابه مشكلة ماعز (الذي كان من أسلم) في كل التفاصيل لكن الأحاديث لم تذكر اسم الرجل, فهل ذلك الرجل هو ماعز؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الأحاديث التي ذكرت قصة ماعز ﵁ في الصحيحين جاءت على أوجه متعددة: فجاء في بعضها ذكره باسمه (ماعز) وهذه لم يرد وصفه فيها بالإحصان، وجاء في بعضها ذكره منسوباً إلى قبيلته (رجل من أسلم) ، وهذه ورد وصفه فيها بالإحصان.
وسياق هذه الأحاديث واحد مما يجعلنا نجزم أنها جميعاً تتحدث عن قصة واحدة وهي قصة ماعز ﵁ وأنه كان محصناً، وهذا قد ورد النص عليه في حديث واحد عند البيهقي كما سيأتي، وهذه بعض الروايات:
أنه جاء في رواية " مسلم ": أنهم ألجأوا ماعزاً إلى الحرة، فصرح باسمه، وجاء في رواية " البخاري ": أنهم رجموا رجلاً من أسلم - وماعز رجل من أسلم كما في الحديث الآتي من رواية أبي سعيد – فألجأوه إلى الحرة، ناهيك على ما في الروايتين من التشابه بأن الرسول أعرض عنه أربع مرات وغير ذلك.
هذا يجعلنا نجزم بأن الحديثين عن قصة رجل واحد، وعليه: فقد جاء في رواية البخاري أنه محصن، والروايتان هما:
أ. رواية مسلم (١٦٩٤) :
عن أبي سعيد: " أن رجلا من أسلم يقال له ماعز بن مالك أتى رسول الله ﷺ فقال إني أصبت فاحشة فأقمه عليَّ فرده النبي ﷺ مراراً قال ثم سأل قومه، فقالوا: ما نعلم به بأساً إلا أنه أصاب شيئاً يرى أنه لا يخرجه منه إلا أن يقام فيه الحد، قال فرجع إلى النبي ﷺ فأمرنا أن نرجمه، قال فانطلقنا به إلى بقيع الغرقد قال: فما أوثقناه ولا حفرنا له قال: فرميناه بالعظم والمدر والخزف، قال: فاشتد واشتددنا خلفه حتى أتى عرض الحرة (مكان بالمدينة) فانتصب لنا فرميناه بجلاميد الحرة - يعني: الحجارة - حتى سكت (أي مات) ".
ب. رواية البخاري (٤٩٦٩) :
عن جابر: " أن رجلاً من أسلم أتى النبي ﷺ وهو في المسجد فقال إنه قد زنى فأعرض عنه فتنحى لشقه الذي أعرض فشهد على نفسه أربع شهادات فدعاه فقال: هل بك جنون؟ هل أحصنت؟ قال: نعم، فأمر به أن يرجم بالمصلى فلما أذلقته الحجارة جمز حتى أدرك بالحرة فقتل ".
وعن أبي هريرة قال: " أتى رجل من أسلم رسول الله ﷺ وهو في المسجد فناداه فقال يا رسول الله إن الآخر قد زنى يعني نفسه فأعرض عنه فتنحى لشق وجهه الذي أعرض قبله فقال يا رسول الله إن الآخر قد زنى فأعرض عنه فتنحى لشق وجهه الذي أعرض قبله فقال له ذلك فأعرض عنه فتنحى له الرابعة فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه فقال هل بك جنون؟ قال: لا، فقال النبي ﷺ : اذهبوا به فارجموه، وكان قد أحصن.. فلما أذلقته الحجارة جمز حتى أدركناه بالحرة فرجمناه حتى مات ". رواه البخاري (٤٩٧٠) .
وجاء في سنن البيهقي مصرحاً بذلك:
عن جابر بن عبد الله عن رسول الله ﷺ : أن رجلا من أسلم شهد عنده بالزنا على نفسه أربع مرات فأمر به فرجم وكان قد أحصن قال زعموا أنه ماعز.
" سنن البيهقي الكبرى " (٨ / ٢١٨) .
وقد نص الحافظ ابن حجر في فتح الباري على أن هذه الأحاديث في قصة رجل واحد هو ماعز ﵁ فقال:
قوله (رجل من أسلم) أي: من بني أسلم القبيلة المشهورة، واسم هذا الرجل ماعز بن مالك كما سيأتي مُسمىً عن ابن عباس ﵄.
وقال الحافظ أيضاً:
حديث أنه ﷺ رجم ماعزا وقد أحصن هو في الصحيحين عن أبي هريرة فقال له هل أحصنت؟ قال: نعم، وكذا للبخاري عن جابر.
" الدراية في تخريج أحاديث الهداية " (٢ / ٩٦) .
فهذه الأحاديث مجتمعة تجعلنا نجزم أن ماعزاً لما رجم كان محصناً.
ولم يرجم ماعز لكثرة فعله فاحشة الزنا وليس هناك دليل يدل على أن ماعزاً كان من المكثرين للزنا.
والرجم يستحقه الزاني المحصن سواء تزوج وطلق أو ماتت زوجته أو لا يزال متزوجاً.
ولا فرق بين من زنى مرة واحدة أو تكرر منه الزنى فمن كان محصناً وجب رجمه، ومن كان غير محصن فحده جلد مائة وتغريب عام.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 9065
تدَّعى أن زوجها اغتصب ابنتها وهرب فهل تطلَّق تلقائيّاً ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[تزوجتْ امرأةٌ مسلمةٌ لها طفلة تبلغ بضعة أشهر من مسلم، وكان المذكور يتولى دور الأب بالنسبة لها، لكننا اكتشفنا بعد أن رجع المذكور لزيارة بلده أنه تحرش بالصغيرة جنسيّاً، ومن المحتمل أنه اغتصبها أيضا، المذكور ينكر ذلك، لكن التقارير الطبية تؤكد الموضوع، وبعد أسابيع من العلاج أقرت الطفلة بأنه هو الذي " لاعبها "، وهي لا تزال تظن أن الأمر الذي وقع كان ممتعا، ومنذ ذلك الحين لم يعد المذكور كما أن المسؤولين يبحثون عنه. سؤالي هو: هل ما وقع يبطل زواجي به تلقائيا؟ إن لم يكن كذلك: كيف يمكن للأم أن تبطل هذا الزواج؟ ، أرجو الإجابة.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
لا شك أن ما فعله الزوج في الطفلة الصغيرة – إن ثبت – جريمة عظيمة، يستحق عليها الرجم حتى الموت، ولعل مثل هذه الحوادث أن تدلل على مدى بُعد مثل هذه الحثالات عن شرع الله تعالى، وبالتالي يتحرى المسلم عندما يأتيه من يرغب بالتزوج منه، ويتحرى المسلم من التهاون في خلوة ضعاف الإيمان بقريبات الزوجة – ولو كنَّ صغيرات-.
ثانياً:
المعلوم أنه لا يجوز للرجل أن يجمع – في النكاح - بين الأختين، ولا يحل له الزواج بأم امرأته – بعد العقد عليها -، ولا ابنتها – بعد الدخول بأمها -، فهل إذا زنى الزوج بأخت الزوجة أو أمها أو ابنتها تحرم عليه زوجته فيجب تطليقها؟ وإذا كان غير متزوج منها، فهل يحل له الزواج بها؟ هذه من مسائل الخلاف بين العلماء، والأقوال فيها ثلاثة:
١. مذهب الجمهور: أنه لا تحرم عليه امرأته، وهو قول ابن عباس – ﵁ – وعروة وسعيد بن المسيب والزهري، وعليه جمهور العلماء، ونقل بعضهم عن ابن عباس أنه يحرم عليه امرأته، وهو ضعيف، والصواب عنه هو ما قدمناه.
قال الحافظ ابن حجر – ﵀:
وحجتهم – أي: الجمهور -: أن النكاح في الشرع إنما يطلق على المعقود عليها، لا على مجرد الوطء، وأيضا: فالزنا لا صداق فيه ولا عدة ولا ميراث، قال ابن عبد البر: وقد أجمع أهل الفتوى من الأمصار على أنه لا يحرم على الزاني تزوج من زنى بها، فنكاح أمها وابنتها أجوز.
٢. وقال إبراهيم النخعي والشعبي وأبو حنيفة وأصحابه وأحمد وإسحاق - وهي رواية عن مالك -: إذا زنى بامرأة حرُمت عليه أمها وبنتها.
٣. ومذهب الحنفية - وهو قول للشافعي -: تلتحق المباشرة بشهوة، بسبب مباح، بالجماع لكونه استمتاعا، أما المحرم فلا يؤثر كالزنا، فقالوا: تحرم عليه امرأته بمجرد لمس أمها والنظر إلى فرجها.
قال إبراهيم النخعي: وكانوا يقولون: إذا اطلع الرجل على المرأة، على ما لا تحل له، أو لمسها لشهوة: فقد حرمتا عليه جميعا.
" المصنف " (٣ / ٣٠٣) .
والراجح: هو مذهب الجمهور، وأن فعله المحرَّم مع أم امرأته أو ابنتها أو أختها لا يحرم عليه امرأته، سواء كان متزوجاً أم بعد الزواج، وبه يُعرف أن الزوج الذي اعتدى على ابنة الزوجة حتى لو ثبت أنه اغتصبها لا يحرِّم ذلك الفعل المحرم القبيح زوجته عليه.
روى البخاري – ﵀ – (٥ / ١٩٦٣) عن ابن عباس – ﵄: إذا زنى بأخت امرأته: لم تحرم عليه امرأته.
وروى البيهقي – وصححه الحافظ ابن حجر – (٧ / ١٦٨) عن ابن عباس في رجل غشي أم امرأته قال: تخطى حُرمتين، ولا تحرم عليه امرأته.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀:
" مسألة: لو زنى بامرأة، فهل يحرم عليها أصله وفرعه، وهل يحرم عليه أصلها وفرعها؟
الجواب: لا يحرم؛ لأنه لا يدخل في الآية؛ قال الله تعالى: (وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ) النساء /٢٣..، والزانية لا تدخل في هذا؛ فلو زنى شخص بامرأة، فلا نقول: إن هذه المرأة من حلائله، ولا نقول: إن أم هذه المرأة المزني بها من أمهات نسائكم؛ إذا تكون حلالا، لدخولها في قوله تعالى: (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ) النساء/٢٤ ... "
الشرح الممتع (٥/١٧٩) .
ثالثاً:
لكِ طلب فسخ النكاح من القاضي الشرعي لسببين شرعيين: أولهما: فسقه وفجوره بارتكابه لتلك الجريمة القبيحة – بعد ثبوتها عليه -، وثانيهما: غيابه عن البيت، وكلا السببين يجعلانك في حل من طلب فسخ النكاح من القاضي الشرعي، واستيفاء كامل حقوقك، ويسمى هذا " الطلاق للضرر " وقال به الإمامان مالك وأحمد – رحمهما الله -، والضرر الذي يسوغ طلب التفريق به بين الزوجين يشمل كل ما يسبِّب ضرراً للزوجة والإساءة إليها جسديّاً أو نفسيّاً أو معنويّاً، ويختلف ذلك باختلاف النساء والبيئات والأعراف، ومن أمثلة الضرر الذي تطلب الزوجة التفريق: ضربها من غير سبب شرعي، وإكراهها على فعل محرم أو ترك واجب، وفسقه وفجوره وسوء سلوكه.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 9066
أشهدا الملائكة على عقد الزواج !!
[السُّؤَالُ]
ـ[تعرفت على صديق لها في الجامعة وكلاهما متدينان، وكانت تساعده في بداية الأمر وتطورت العلاقة بينهما حتى قبلها يوما ما وندما على هذا الفعل، ولكنه عاد وقبلها مرة أخرى فقررا الزواج، بسبب ظروفهما المالية والاجتماعية لم يتمكنا من الزواج ولكنهما تعاهدا على الزواج وعدم الخيانة والله يعلم نيتهما وكان هذا بحضور الملائكة كشهود، أصبحا بعد هذا يمسكا أيدي بعضهما البعض ويقبلا بعضهما دون شعور بالذنب ثم أصبح بينهما جماع، قرأت في هذا الموقع عن سؤال مشابه أن هذا يعتبر من الزنا فأخبرته بالأمر.
هل زواجهما صالحاً وهل يعتبر ما فعلاه من الزنا وهل يغفر الله لهما إن تابا؟ نرجو النصيحة.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
فإن ما حصل بين ذلك الرجل وتلك المرأة - على ما هو مذكور في السؤال - هو من باب الزنا ولا شك، فأين ولي المرأة في ذلك الزواج، واعجب من زواج كانت الملائكة شهودا عليه، وهم لم يروا أولئك الشهود!!!
إن الواجب عليهما أن يتوبا إلى الله مما بدر منهما، وأن يعلما أنهما قد ارتكبا كبيرة من كبائر الذنوب، وإثما عظيما، وقد قال النبي ﷺ : " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن " [رواه البخاري برقم ٢٣٤٣، ومسلم برقم ٥٧] ، وللمزيد راجع السؤال رقم (١١١٩٥، ٢١٢٢٣)
وإذا تاب العبد فرح الله بتوبته وتاب عليه وغفر له ذنبه، كما قال تعالى (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً* يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) الفرقان/٦٨-٧٠ وانظر السؤال رقم (٢٧١١٣، ٦٢٤، ٢٠٩٤٩) .
وعليهما أن يقطعا علاقتهما مع بعضهما، وألا يفتحا على أنفسهما أبواب الفتن والشبهات، وإذا أرادا علاقة طيبة شرعية، فليأتوا البيوت من أبوابها كما شرع الله ، أو يتقوا الله ويصبروا عن محارمه، فإن العبد يصبر على ألم الفراق، لكن لا يصبر على حر النار، فليبتعدا عن بعضهما البعض، حتى لا يجرا أنفسهما إلى سخط الله وعقابه أو يعجلا بالزواج الشرعي الصحيح بعد توبتهما مما وقع منها من الزنى.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 9067
هل يجوز للزاني أو الزانية الزواج بعد التوبة
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا مسلمة، تحولت قبل ثلاثة سنوات، وما زلت أتعلم ولي سؤال:
لقد علمت أنه إذا مارستُ الجنس بعدما أصبحت مسلمة لن أستطيع الزواج على الطريقة الإسلامية. أريد أن أعرف إذا كان ذلك صحيحاً. وإذا كان صحيحاً، هل هناك طريقة لتصحيح صنيعي الذي أندم وآسف عليه.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
يجب على الزاني التوبة من الزنى فالزنى من كبائر الذنوب التي جاء الشرع بتحريمها والوعيد الشديد لفاعلها قال تعالى: (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) سورة الفرقان
وأوجب العقوبة في الدنيا على الزاني فقال: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ) النور/٢
وجاء في الحديث عن النبي ﷺ : " خُذُوا عَنِّي خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ " رواه مسلم (الحدود/ ٣١٩٩) .
وحرم الله زواج الزاني سواء كان رجلاً أو امرأة على المؤمنين فقال تعالى: (الزَّانِي لا يَنكِحُ إلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) النور/ ٣.
وإذا تاب الزاني إلى الله توبة نصوحاً صادقة، فإن الله يتوب عليه ويتجاوز عنه قال تعالى بعد ذكر الوعيد لأهل الزنا: (إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا) الفرقان / ٧٠-٧١
وإذا حصلت التوبة الصادقة جاز الزواج منها أو منه بعد الإقلاع عن هذه الكبيرة
وقد سئل الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ عن حكم الزواج بالزانية فقال:
لا يجوز الزواج من الزانية حتى تتوب ... وإذا أراد رجل أن يتزوجها وجب عليه أن يستبرأها بحيضة قبل أن يعقد عليها النكاح وإن تبين حملها لم يجز له العقد عليها إلا بعد أن تضع حملها ...
انظر الفتاوى الجامعة للمرأة المسلمة ٢/ ٥٨٤
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 9068
حكم مباشرة الأجنبية فيما دون الفرج
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم مداعبة امرأة أجنبية دون الفرج؟ وهل يعتبر زنى؟ وكذلك الوطء من الدبر هل هو لواط؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا: من تمام حكمة الله تعالى أنه إذا حرَّم شيئا حرَّم الأسباب المفضية إليه لما يؤدي إليه الوقوع في أسباب ومقدمات المحرَّم من تمكُّن تعلُّق القلب به بصورة تجعل الإنسان يعيش صراعا نفسيا قويا بين الوقوع في المنكر أو عذاب النفس بالوقوف في وسط الطريق فلا هو بالتارك للمحرم السليم القلب بالبعد عنه، ولا هو بالواقع فيه المحقق لرغبة النفس الأمَّارة بالسوء، والغالب في حال مثل هذا أن يقع فيما ظنَّ أنه لن يقع فيه من الكبائر المهلكة للإنسان المفسدة عليه أمر دينه ودنياه المنغِّصة عليه حياته الماحقة للبركة في ماله وولده جزاءً وفاقاً لبعده عن ربه وانتهاكه لحرماته واستهانته بمقام نظره إليه واطِّلاعه على حاله، والعاقل من الناس هو من لا يتساهل في أمور تؤدي به إلى كوارث حقيقية في دينه الذي هو رأس ماله قبل دنياه.
والمتأمِّل في ما في السؤال يعلم أن العادة تمنع أن يصل الإنسان إلى مثل هذا الأمر المستشنع شرعا، ثمَّ يستطيع بعد ذلك أن يكبح جماح نفسه ويتورَّع بها عن انتهاك هذه الحرمة المغلَّظة وعن الوقوع في تلك الفاحشة العظيمة التي لا يُقارن ما تسبِّبه من سخط وغضب ربَّاني وفساد في الدين والدنيا بما يتوهمه العاصي من تحصيل نزوة عارضة تعقبها حسرات لا تنتهي.
فعلى المسلم أن يدرك حقائق الأمور وما تؤدِّي إليه، وألا ينساق وراء تزيين الشيطان له وتهوين المنكرات أمام عينيه ليجرَّه ليكون من حزبه الخاسرين، وعليه أن يتقي الله ربَّه في السر والعلن وأن يعلم بأن الله سبحانه يراه ويعلم نواياه وأفعاله. كما قال تعالى: ﴿يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور﴾ غافر / ١٩. وليعلم أن ما عند الله خير وأبقى وأن الآخرة وما فيها من نعيم خير له من الأولى وأن عاقبة الصبر عن المنكر جنة عرضها السماوات والأرض فيها ما تشتهييه الأنفس من المُتع التامَّة الخالية عن المنغِّصات.
ويراجع في معرفة الحكم السؤال رقم ٢٧٢٥٩.
ثانياً:
أما الوطء في الدبر فإذا كان مع رجل فهو " اللواط " الذي جاء ذمه في الكتاب والسنَّة.
والذي كان من أسباب هلاك أمة من الأمم هي قوم لوط نبي الله.
وأما الوطء للمرأة في دبرها: فإن كانت زوجة له: فإنه لا يحل له ذلك ويسمى هذا " اللوطية الصغرى " فكيف إذا كان وطئاً لامرأةٍ لا تحل له؟ .
أ. ما جاء في اللوط:
قال ابن حزم:
فِعل قوم لوط من الكبائر الفواحش المحرمة: كلحم الخنزير , والميتة , والدم , والخمر , والزنى , وسائر المعاصي , مَن أحلَّه أو أحلَّ شيئاً مما ذكرنا: فهو كافر , مشركٌ حلال الدم والمال.
" المحلى " (١٢ / ٣٨٩) .
وقال ابن قدامة:
أجمع أهل العلم على تحريم اللواط , وقد ذمه الله تعالى في كتابه , وعاب من فعله , وذمَّه رسول الله ﷺ فقال الله تعالى: ﴿ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون﴾ . وقال النبي ﷺ : " لعن الله من عمل عمل قوم لوط , لعن الله من عمل عمل قوم لوط , لعن الله من عمل عمل قوم لوط ".
" المغني " (٩ / ٥٩) .
ونقل ابن القيم عن شيخه ابن تيمية وعن غير إجماع الصحابة على قتل من يعمل عمل قوم لوط، وأنهم إنما اختلفوا في كيفية قتله.
" زاد المعاد " (٥ / ٤٠) .، ويُراجع في تفاصيل حكمه أيضا السؤال رقم ١٠٠٥٠
ب. ما جاء في وطء المرأة في دبرها:
وأما وطء المرأة في دبرها فهو من كبائر الذنوب، ولعن النبي ﷺ من فعله.
روى أبو داود (٢١٦٢) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَلْعُونٌ مَنْ أَتَى امْرَأَتَهُ فِي دُبُرِهَا) . حسنه الألباني في صحيح أبي داود. وهذا اللعن لمن أتى امرأته في دبرها فكيف إذا كانت امرأة أجنبية عنه.
وروى الترمذي (١٣٥) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (مَنْ أَتَى حَائِضًا أَوْ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا أَوْ كَاهِنًا فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ . صححه الألباني في صحيح الترمذي.
وإذا اتفق الرجل مع امرأته على الوطء في الدبر ولم ينتهيا بعد التعزير فُرِّق بينهما.
سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن:
رجل ينكح زوجته في دبرها؟
فأجاب:
وطء المرأة في دبرها حرام بالكتاب والسنة , وهو قول جماهير السلف والخلف , بل هو " اللوطية الصغرى "، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: " إن الله لا يستحي من الحق , لا تأتوا النساء في أدبارهن "، وقد قال تعالى: ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾ ، والحرث هو موضع الولد , فإن الحرث محل الغرس والزرع، وكانت اليهود تقول: إذا أتى الرجل امرأته من دبرها جاء الولد أحول , فأنزل الله هذه الآية , وأباح للرجل أن يأتي امرأته من جميع جهاتها , لكن في الفرج خاصة , ومن وطئها في الدبر وطاوعته , عزرا جميعا , فإن لم ينتهيا وإلا فُرق بينهما , كما يفرق بين الرجل الفاجر ومن يفجر به , والله أعلم.
" الفتاوى الكبرى " (٣ / ١٠٤، ١٠٥) .
أما الوطء للمرأة الأجنبية في دبرها فقد اختلف فيه العلماء هل هو زنى أم لواط؟
انظر: المبسوط (٩/٧٧) . الفواكه الدواني (٢/٢٠٩) . مغنى المحتاج (٥/٤٤٣) الإنصاف (١٠/١٧٧) . الفروع (٦/٧٢) .
والذي اختاره الشيخ السعدي ﵀ أن وطء المرأة الأجنبية في دبرها يعتبر زنى، فإنه قال: والزنا هو فعل الفاحشة في قبل أو دبر اهـ. منهج السالكين (ص ٢٣٩) .
نسأل الله أن يسلَّمنا من الفواحش وأن يطهِّر قلوبنا من التفكير والهمِّ بها وأن يرزقنا الثبات على دينه وأمره.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 9069
عقوبة اللواط
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هي عقوبة اللواط، وهل هناك فرق بين الفاعل والمفعول به؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
جريمة اللواط من أعظم الجرائم، وأقبح الذنوب، وأسوأ الأفعال وقد عاقب الله فاعليها بما لم يعاقب به أمة من الأمم، وهي تدل على انتكاس الفطرة، وطمْس البصيرة، وضعف العقل، وقلة الديانة، وهي علامة الخذلان، وسلم الحرمان، نسأل الله العفو والعافية.
قال تعالى: (وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ. إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ. فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ. وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ) الأعراف/٨٠- ٨٤.
وقال سبحانه: (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ. فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ. فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ. إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ) الحجر/٧٢- ٧٦ إلى غير ذلك من الآيات.
وروى الترمذي (١٤٥٦) وأبو داود (٤٤٦٢) وابن ماجه (٢٥٦١) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ) وصححه الألباني في صحيح الترمذي.
وروى أحمد (٢٩١٥) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (لَعَنَ اللَّهُ مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ، لَعَنَ اللَّهُ مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ، ثَلاثًا) وحسنه شعيب الأرنؤوط في تحقيق المسند.
وقد أجمع الصحابة على قتل اللوطي، لكن اختلفوا في طريقة قتله، فمنهم من ذهب إلى أن يحرق بالنار، وهذا قول علي ﵁، وبه أخذ أبو بكر ﵁، كما سيأتي. ومنهم قال: يرمى به من أعلى شاهق، ويتبع بالحجارة، وهذا قول ابن عباس ﵁.
ومنهم من قال: يرجم بالحجارة حتى يموت، وهذا مروي عن علي وابن عباس أيضاً.
ثم اختلف الفقهاء بعد الصحابة، فمنهم من قال يقتل على أي حال كان، محصنا أو غير محصن.
ومنهم من قال: بل يعاقب عقوبة الزاني، فيرجم إن كان محصنا، ويجلد إن كان غير محصن.
ومنهم من قال: يعزر التعزير البليغ الذي يراه الحاكم.
وقد بسط ابن القيم ﵀ الكلام على هذه المسألة، وذكر حجج الفقهاء وناقشها، وانتصر للقول الأول، وذلك في كتابه "الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي" والذي وضعه لعلاج هذه الفاحشة المنكرة. ونحن ننقل طرفا من كلامه ﵀: قال:
" ولما كانت مفسدة اللواط من أعظم المفاسد، كانت عقوبته في الدنيا والآخرة من أعظم العقوبات.
وقد اختلف الناس هل هو أغلظ عقوبة من الزنا، أو الزنا أغلظ عقوبة منه، أو عقوبتهما سواء؟ على ثلاثة أقوال:
فذهب أبو بكر الصديق وعلى بن أبي طالب وخالد بن الوليد وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عباس ومالك وإسحق بن راهويه والإمام أحمد في أصح الروايتين عنه والشافعي في أحد قوليه إلى أن عقوبته أغلظ من عقوبة الزنا، وعقوبته القتل على كل حال، محصنا كان أو غير محصن.
وذهب الشافعي في ظاهر مذهبه والإمام أحمد في الرواية الثانية عنه إلى أن عقوبته وعقوبة الزاني سواء.
وذهب الإمام أبو حنيفة إلى أن عقوبته دون عقوبة الزاني وهى التعزير ".
إلى أن قال: " قال أصحاب القول الأول وهم جمهور الأمة وحكاه غير واحد إجماعا للصحابة: ليس في المعاصى مفسدة أعظم من مفسدة اللواط وهى تلي مفسدة الكفر وربما كانت أعظم من مفسدة القتل كما سنبينه إن شاء الله تعالى.
قالوا: ولم يبتل الله تعالى بهذه الكبيرة قبل قوم لوط أحدا من العالمين، وعاقبهم عقوبة لم يعاقب بها أمة غيرهم، وجمع عليهم أنواعا من العقوبات من الإهلاك، وقلب ديارهم عليهم، والخسف بهم ورجمهم بالحجارة من السماء، وطمس أعينهم، وعذّبهم وجعل عذابهم مستمرا فنكّل بهم نكالا لم ينكّله بأمة سواهم، وذلك لعظم مفسدة هذه الجريمة التي تكاد الأرض تميد من جوانبها إذا عُملت عليها، وتهرب الملائكة إلى أقطار السموات والأرض إذا شاهدوها خشية نزول العذاب على أهلها، فيصيبهم معهم، وتعج الأرض إلى ربها ﵎ وتكاد الجبال تزول عن أماكنها.
وقتل المفعول به خير له من وطئه، فإنه إذا وطأه الرجل قتله قتلا لا ترجي الحياة معه، بخلاف قتله فإنه مظلوم شهيد. قالوا: والدليل على هذا (يعني على أن مفسدة اللواط أشد من مفسدة القتل) أن الله سبحانه جعل حد القاتل إلى خيرة الولي إن شاء قتل وإن شاء عفى، وحتم قتل اللوطي دا كما أجمع عليه أصحاب رسول الله ودلت عليه سنة رسول الله الصريحة التي لا معارض لها، بل عليها عمل أصحابه وخلفائه الراشدين ﵃ أجمعين.
وقد ثبت عن خالد بن الوليد أنه وجد في بعض نواحي العرب رجلا ينكح كما تنكح المرأة، فكتب إلى أبي بكر الصديق ﵁، فاستشار أبو بكر الصديق الصحابة ﵃، فكان على بن أبي طالب أشدهم قولا فيه، فقال: ما فعل هذا إلا أمة من الأمم واحدة وقد علمتم ما فعل الله بها. أرى أن يحرق بالنار، فكتب أبو بكر إلى خالد فحرقه.
وقال عبد الله بن عباس: ينظر أعلى ما في القرية فيرمى اللوطي منها منكسا ثم يتبع بالحجارة.
وأخذ ابن عباس هذا الحد من عقوبة الله للوطية قوم لوط.
وابن عباس هو الذي روى عن النبي ﷺ : (من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به) رواه أهل السنن وصححه ابن حبان وغيره، واحتج الإمام أحمد بهذا الحديث وإسناده على شرط البخاري.
قالوا: وثبت عنه أنه قال: (لعن الله من عمل عمل قوم لوط، لعن الله من عمل عمل قوم لوط، لعن الله من عمل عمل قوم لوط) ولم يجىء عنه لعنة الزاني ثلاث مرات في حديث واحد، وقد لعن جماعة من أهل الكبائر، فلم يتجاوز بهم في اللعن مرة واحدة، وكرر لعن اللوطية فأكده ثلاث مرات، وأطبق أصحاب رسول الله على قتله لم يختلف منهم فيه رجلان، وإنما اختلفت أقوالهم في صفة قتله، فظن بعض الناس أن ذلك اختلاف منهم فى قتله، فحكاها مسألة نزاع بين الصحابه، وهي بينهم مسألة إجماع، لا مسألة نزاع.
قالوا: ومن تأمل قوله سبحانه: (ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا) وقوله في اللواط: (أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين) تبين له تفاوت ما بينهما، فإنه سبحانه نَكّرَ الفاحشة في الزنا، أي هو فاحشة من الفواحش، وعرّفها في اللواط وذلك يفيد أنه جامع لمعاني اسم الفاحشة، كما تقول: زيد الرجل، ونعم الرجل زيد، أي: أتأتون الخصلة التي استقر فحشها عند كل أحد، فهي لظهور فحشها وكماله غنيّة عن ذكرها، بحيث لا ينصرف الاسم إلى غيرها ..." انتهى من "الجواب الكافي" ص ٢٦٠- ٢٦٣
وقال شيخ الإسلام ﵀: " وأما اللواط فمن العلماء من يقول: حده كحد الزنا، وقد قيل دون ذلك. والصحيح الذي اتفقت عليه الصحابة: أن يقتل الاثنان الأعلى والأسفل. سواء كانا محصنين، أو غير محصنين. فإن أهل السنن رووا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، عن النبي ﷺ قال: (من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط، فاقتلوا الفاعل والمفعول به) وروى أبو داود عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: (في البكر يوجد على اللواطية، قال: يرجم) ويروى عن علي بن أبي طالب ﵁ نحو ذلك. ولم تختلف الصحابة في قتله، ولكن تنوعوا فيه، فروي عن الصديق ﵁ أنه أمر بتحريقه، وعن غيره قتله.
وعن بعضهم: أنه يلقى عليه جدار حتى يموت تحت الهدم.
وقيل: يحبسان في أنتن موضع حتى يموتا.
وعن بعضهم: أنه يرفع على أعلى جدار في القرية، ويرمى منه، ويتبع بالحجارة، كما فعل الله بقوم لوط وهذه رواية عن ابن عباس، والرواية الأخرى قال: يرجم، وعلى هذا أكثر السلف، قالوا: لأن الله رجم قوم لوط، وشرع رجم الزاني تشبيها برجم لوط، فيرجم الاثنان، سواء كانا حرين أو مملوكين، أو كان أحدهما مملوك الآخر، إذا كانا بالغين، فإن كان أحدهما غير بالغ عوقب بما دون القتل، ولا يرجم إلا البالغ " انتهى من "السياسة الشرعية" ص ١٣٨.
ثانيا:
المفعول به كالفاعل، لأنهما اشتركا في الفاحشة، فكان عقوبتهما القتل كما جاء في الحديث، لكن يستثنى من ذلك صورتان:
الأولى: من أكره على اللواط بضرب أو تهديد بالقتل ونحوه، فإنه لا حد عليه.
قال في "شرح منتهى الإرادات" (٣/٣٤٨) : " ولا حد إن أكره ملوط به على اللواط بإلجاءٍ بأن غلبه الواطئ على نفسه أو بتهديد بنحو قتل أو ضرب " انتهى بتصرف
الثانية: إذا كان المفعول به صغيرا لم يبلغ، فإنه لا يحد، لكن يؤدب ويعزر بما يردعه عن اقتراف هذه الجريمة، كما سبق في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية.
ونقل ابن قدامة ﵀ في "المغني" (٩/٦٢) أنه لا خلاف بين العلماء في أن الحد لا يُقام على المجنون ولا الصبيّ الذي لم يبلغ.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 9070
بنت زنى تقول أنا بنت من ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا طفلة غير شرعية، وقد تزوج والداي وكان عمري ١٠ أشهر وقد تطلقا قبل سنتين، استعملت اسم والدي منذ أن ولدت وهو معترف بأبوته لي. هل أغير أسمى إلى اسم والدتي؟
قرأت الأجوبة في موقعكم وهي تقول بأنني يجب أن أستعمل اسم والدتي، ولكن هناك جواب للشيخ ابن جبرين يقول العكس ورقم السؤال ٥٩٦٧ وقد ذكر بأن الوالد إذا اعترف بالأبوة فيجوز التسمي باسم الأب، فأرجو التوضيح.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً: نؤكد على أن "ولد الزنا" لا علاقة له بجريمة والديه، وأن له كامل الحقوق التي للمسلمين ذكرا كان أو أنثى، وأن عليه أن يتقي الله تعالى ليكون من أهل جنته ورضوانه.
ثانياً: اختلف العلماء في استلحاق الزاني ولده إذا لم تكن المرأة فراشا على قولين، هل يلحق به أولا.
وبيان ذلك: أن المرأة إذا كانت فراشا، أي متزوجة، وأتت بولد بعد ستة أشهر من زواجها، فإنه ينسب إلى الزوج، ولا ينتفي عنه إلا بملاعنته لزوجته. ولو ادعى رجل أنه زنى بالمرأة وأن هذا ابنه من الزنا، لم يلتفت إليه بالإجماع، وذلك لقول النبي ﷺ : " الولد للفراش وللعاهر الحجر" رواه البخاري (٢٠٥٣) ومسلم (١٤٥٧) .
قال ابن قدامة: (وأجمعوا على أنه إذا ولد على فراش رجل , فادعاه آخر. أنه لا يلحقه , وإنما الخلاف فيما إذا ولد على غير فراش) .
فإذا لم تكن المرأة فراشا (زوجة) ، وجاءت بولد من زنا، فادعاه الزاني، فهل ينسب إليه؟
ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا ينسب إليه.
ونقل عن الحسن وابن سيرين وعروة والنخعي وإسحاق وسليمان بن يسار، أنه ينسب إليه.
واختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
ونقله ابن قدامة ﵀ عن أبي حنيفة ﵀، قال: (وروى علي بن عاصم , عن أبي حنيفة , أنه قال: لا أرى بأسا إذا زنى الرجل بالمرأة فحملت منه , أن يتزوجها مع حملها , ويستر عليها , والولد ولد له) المغني ٩/١٢٢
وقال ابن مفلح ﵀: واختار شيخنا [ابن تيمية] أنه إن استلحق ولده من زنا ولا فراش لحقه اهـ. الفروع ٦/٦٢٥
وقال ابن قدامة ﵀: (وولد الزنى لا يلحق الزاني في قول الجمهور وقال الحسن , وابن سيرين: يلحق الواطئ إذا أقيم عليه الحد ويرثه. وقال إبراهيم: يلحقه إذا جلد الحد , أو ملك الموطوءة. وقال إسحاق: يلحقه. وذكر عن عروة , وسليمان بن يسار نحوه) .
وقال شيخ الإسلام: (وأيضا ففي استلحاق الزاني ولده إذا لم تكن المرأة فراشا قولان لأهل العلم , والنبي ﷺ قال: " الولد للفراش , وللعاهر الحجر " فجعل الولد للفراش ; دون العاهر. فإذا لم تكن المرأة فراشا لم يتناوله الحديث , وعمر ألحق أولادا ولدوا في الجاهلية بآبائهم , وليس هذا موضع بسط هذه المسألة) الفتاوى الكبرى ٣/١٧٨
وقد استدل جمهور العلماء على عدم لحوق ولد الزنى بالزاني بما رواه أحمد (٧٠٠٢) وأبو داود (٢٢٦٥) وابن ماجه (٢٧٤٦) عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَضَى النبي ﷺ أَنَّ مَنْ كَانَ مِنْ أَمَةٍ لَمْ يَمْلِكْهَا، أَوْ مِنْ حُرَّةٍ عَاهَرَ بِهَا فَإِنَّهُ لا يَلْحَقُ بِهِ وَلا يَرِثُ وَإِنْ كَانَ الَّذِي يُدْعَى لَهُ هُوَ ادَّعَاهُ فَهُوَ وَلَدُ زِنْيَةٍ مِنْ حُرَّةٍ كَانَ أَوْ أَمَةٍ.
والحديث حسنه الألباني في صحيح أبي داود، وحسنه الأرناؤوط في تحقيق المسند. واستدل به ابن مفلح لمذهب الجمهور.
فقضى النبي ﷺ أن ولد الزنى لا يلحق بالزاني ولا يرثه، حتى لو ادعاه الزاني.
ولاشك أن إلحاق الولد بشخص ما، أمر عظيم يترتب عليه أحكام كثيرة، من الإرث، والمحرمية له ولأقاربه.
والحاصل أن الفتاوى التي صرحت بانتفاء نسب ولد الزنا من الزاني، موافقة لما عليه جمهور العلماء.
وأما الشيخ ابن جبرين حفظه الله، فلعله بنى كلامه على القول الآخر الذي ذكرنا أصحابه فيما سبق.
وبناء على قول الجمهور، فإن ولد الزنا – ذكرا كان أو أنثى – لا ينسب إلى الزاني، ولا يقال إنه ولده، وإنما ينسب إلى أمه، وهو محرم لها، ويرثها كبقية أبنائها.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ (وأما الولد الذي يحصل من الزنا، يكون ولدا لأمه، وليس ولدا لأبيه؛ لعموم قول الرسول ﷺ : " الولد للفراش وللعاهر الحجر " العاهر: الزاني، يعني ليس له ولد. هذا معنى الحديث. ولو تزوجها بعد التوبة فإن الولد المخلوق من الماء الأول لا يكون ولدا له، ولا يرث من هذا الذي حصل منه الزنا ولو ادعى أنه ابنه، لأنه ليس ولدا شرعيا) انتهى، نقلا عن: فتاوى إسلامية ٣/٣٧٠
وفي فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ (١١/١٤٦) : الولد المخلوق من ماء الزاني لا يسمى ولدا للزاني اهـ.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
следующие страницы →