← Фатава

Фатава · id 26332

موقع الإسلام سؤال وجواب

محمد صالح المنجد

Полный текст (16 344 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

حكم الإقامة في بلاد الكفار، والتشبه بهم، والتبرع لجمعياتهم بالمال [السُّؤَالُ] ـ[هناك مدرسة إسلامية بكندا، تجعل الأطفال يقومون بالمشي لمدة ساعتين؛ تضامناً مع مرضى السرطان؛ تقليداً لأحد الكفار الذي ابتدع هذا الأمر، ثم تبيع المدرسة " البيتزا " لزيادة المال، للتبرع لصالح مؤسسة خيرية كافرة تتعامل مع السرطان، فهل المشي من أجل السرطان، أو لأسباب أخرى يعتبر تشبهاً بالكفار؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: جاءت نصوص القرآن والسنة تنهي المسلم عن الإقامة في بلاد الكفار، إلا لضرورة أو مصلحة شرعية. قال الشيخ صالح الفوزان حفظه الله: والسفر إلى بلاد الكفار: محرَّم، إلا عند الضرورة - كالعلاج، والتجارة، والتعلم للتخصصات النافعة التي لا يمكن الحصول عليها إلا بالسفر إليهم - فيجوز بقدر الحاجة، وإذا انتهت الحاجة: وجب الرجوع إلى بلاد المسلمين، ويشترط كذلك لجواز هذا السفر: أن يكون مُظهِراً لدينه، معتزاً بإسلامه، مبتعداً عن مواطن الشر، حذراً من دسائس الأعداء ومكائدهم، وكذلك يجوز السفر، أو يجب، إلى بلادهم، إذا كان لأجل نشر الدعوة إلى الله، ونشر الإسلام. " الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد والرد على أهل الشرك والإلحاد " (ص ٣١٧) . وقال حفظه الله أيضاً – في بيان مظاهر موالاة الكفار -: الإقامة في بلادهم، وعدم الانتقال منها إلى بلد المسلمين؛ لأجل الفرار بالدين؛ لأن الهجرة بهذا المعنى ولهذا الغرض: واجبة على المسلم؛ لأن إقامته في بلاد الكفر تدل على موالاة الكافرين. ومن هنا حرَّم الله إقامة المسلم بين الكفار إذا كان يقدر على الهجرة، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا) فلم يعذر الله في الإقامة في بلاد الكفار إلا المستضعفين الذين لا يستطيعون الهجرة، وكذلك من كان في إقامته مصلحة دينية، كالدعوة إلى الله، ونشر الإسلام في بلادهم. " الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد والرد على أهل الشرك والإلحاد " (ص ٣١٦) . وانظر – لمزيد فائدة -: أجوبة الأسئلة: (١١٧٩٣) و (١٤٢٣٥) و (٢٧٢١١) . ثانياً: أما التشبه بالكفار، فالضابط في هذا التشبه المحرم، هو: "مماثلة الكافرين بشتى أصنافهم، في عقائدهم، أو عباداتهم، أو عاداتهم، أو في أنماط السلوك التي هي من خصائصهم". " من تشبه بقوم فهو منهم " للشيخ ناصر العقل (ص ٧) . فيحرم التشبه بغير المسلمين في عقائدهم، وعباداتهم، وما هو من شعائر دينهم، مثل لبس الصليب، أو الاحتفال بالأعياد الدينية. ويحرم التشبه بغير المسلمين فيما هو من خصائص عاداتهم , كلباس الرهبان، والأحبار، وغير ذلك مما يشبهه. قال الشيخ صالح الفوزان حفظه الله: فيحرم التشبه بالكفار فيما هو من خصائصهم، ومن عاداتهم، وعباداتهم، وسمتهم وأخلاقهم، كحلق اللحى، وإطالة الشوارب، والرطانة بلغتهم إلا عند الحاجة، وفي هيئة اللباس، والأكل، والشرب، وغير ذلك. " الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد والرد على أهل الشرك والإلحاد " (ص ٣١٦) . وعليه؛ فالمشي الي يفعله بعض المسلمين تضامناً مع حدثٍ ما، أو مع أشخاص معينين، يُخشى أن يكون من التشبه بالكفار، لأنه ليس له أصل من ديننا، ولا يفعله المسلمون في بلادهم ومجتمعاتهم، ثم إن هذا المشي ليس فيه فائدة تذكر، فهو تضييع للوقت والجهد، مع ما يحصل فيه من الاختلاط والتعرض للفتن ... إلخ. ثالثاً: أما التبرع لجمعيات الكفار: ففيها تفصيل بحسب نشاط الجمعية: أ. فإن كانت جمعية دينية، تدعو إلى دينها، وتفسد عقائد المسلمين، وكان من ضمن أعمالها: إعانة المرضى، والقيام على المشردين، وإيواء العجزة: فلا يجوز التبرع لهم، ولا مساعدتهم بشيء؛ لأن قيامهم بتلك الأعمال داخل في دعوتهم لدينهم، وإفساد عقائد المسلمين، ومثل هذا لا ينبغي الاختلاف فيه؛ لظهور حكمه في الشرع. ب. وإن كانت جمعية دنيوية، ومن أعمالها ما يساهم في إفساد أخلاق الناس، كالدعوة إلى التعارف بين الرجال والنساء، أو كان من أعمالها القيام بما هو محرَّم في شرعنا، كدعم الإجهاض، وغير ذلك مما يشبهه: فلا يجوز التبرع لهم، ولو كان هناك قسم من أقسامها لعلاج المرضى، وتقديم الأدوية، أو رعاية الأيتام؛ لأن دعم المسلم لها سيكون دعماً لنشاطها، ثم إن المتبرع لا يدري هل ينفقون أمواله في أشياء محرمة، أو في إعانة المرضى. ج. أن تكون الجمعية خاصة بعلاج المرضى، وليس لها أعمال محرمة، ولا مقاصد تنشر دينها من خلالها: فيجوز التبرع لهم، وإعانتهم على علاج المرضى، وتقديم الأدوية لهم. والنصيحة للمسلمين الذين اضطروا أو ابتلوا بالإقامة في البلاد الغربية أن تكون لهم جمعياتهم الخاصة بهم، وأن يقدموا من خلالها خدمات للمجتمعات التي يعيشون بينهم، مما هو مباح لهم فعله، وأن يقدموا صورة ناصعة عن الإسلام من خلال تلك الجمعيات، وأن يحرصوا على تحقيق الهدف الأسمى وهو إنقاذ الناس من الكفر، وعلاج قلوبهم من الشك، والشبهة، وهو أولى من علاج أبدانهم، ولو جمعوا بينهما لقدموا خيراً لأنفسهم، ولغيرهم. وإذا لم يكن هناك جمعية خاصة بالمسلمين في تلك البلاد، وكانت الجمعيات القائمة على ذلك ممن يُخشى إعانتها على الكفر، والفسوق، وشعر المسلمون بحرج من عدم المشاركة في علاج المرضى: فننصح بأن تكون مشاركتهم بتقديم الأدوية، لا المال؛ خشية من استعمال المال في أشياء محرمة، وتحقيقاً لمقصود التبرع. ويدل على جواز التبرع للكافر: قوله تعالى (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) الممتحنة/ ٨، وقد استدل بها الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ بجواز التبرع للكافر بالدم، كما في جواب السؤال رقم (١٢٧٢٩) . وانظر – للمزيد – جواب السؤال رقم (٢٧٥٦) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 947

مسلمة عمرها ١٢ عاماً والدها ملحد وأمها نصرانية يسبَّان ربها ونبيَّها فماذا تصنع ؟ [السُّؤَالُ] ـ[أبلغ من العمر اثني عشر عاماً، وأعيش مع أب ملحد، وأم مسيحية، وقد اعتنقتُ الإسلام مؤخراً، إن والداي لم يرحبا باعتناقي الإسلام، والأسوأ من ذلك: أنهما منعاني من قراءة القرآن، ودخول المواقع الإسلامية، وإخبار الناس بإسلامي، ومقابلة المسلمين - سواء على النت، أو في الواقع -، ومنعوني ارتداء ثياب متواضعة، وأشياء أخرى كثيرة، والسبب: " فوبيا الإسلام " الغبية، وغير العقلانية، لقد حاولت أن أريهم كيف هو الإسلام في الحقيقة، ولكن ما من شيء أقوله، أو أفعله يغيِّر من رأيهم. في الواقع: إنهما يحاولان الآن أن يرياني كيف يحتقران الإسلام في كل كلمة، وكل فعل، من إلقاء النكات الغبية عن الإرهاب، وحتى سب الله والرسول ﷺ بأقذع الألفاظ. إن المشكلة تزداد سوءاً؛ لأنه نظراً لأنني ما زلت صغيرة: فأنا لا استطيع القيام بأي شيء دون مساعدة والديَّ، فعلى سبيل المثال: لا تباع هنا الملابس الإسلامية؛ نظراً لوجود قلة من المسلمين، ومن ثم أضطر إلى شراء الحجاب من الإنترنت، وأحتاج إلى بطاقات الائتمان الخاصة بهما من أجل إتمام عملية الشراء، كما أنني أدرس في مدرسة مسيحية! وأحتاج إليهما لتغييرها، حيث إنني لا أستطيع القيام بذلك بنفسي، كما أنهما لا يتركاني أغادر البيت بمفردي، لذا فأنا أحتاج إليهما لكي يقوما بتوصيلي إلى المسجد، وهكذا، لذا فإن عدم موافقتهما تعني أيضاً عدم قدرتي على إتباع الدين بالكامل. كما أنهما يجبرانني على القيام بأشياء تخالف الإسلام، مثل: الذهاب إلى الكنيسة، والرقص، وارتداء ملابس تجعل ذراعي، وساقي، وشعري: عاريا جزئيّاً، أو تماماً. إنني قلقة بهذا الشأن، فالقرآن يأمرنا بطاعة الوالدين، واحترامهما، والإحسان إليهما، ولكنه لا يبدي أي تهاون عندما يتعلق الأمر بمن يكرهون الإسلام، وأنا لا أعلم ماذا أفعل، فإذا أطعت والديَّ: فسأقوم بالكثير من الأشياء التي تخالف الإسلام، وإذا قمت باحترامهما: فإنني بذلك أحترم من لا يحترمونني كمسلمة، وسأدعهما يقولان تلك الأشياء الرهيبة عن الإسلام، ولكني إذا لم أطعهما وأحترمهما فإنني بذلك أسلك مسلكا رهيباً من وجهة نظر الإسلام، وأنا أعتقد أن كِلا الفعلين خطأ، فما الذي يجب عليَّ فعله؟ . وبارك الله فيكم.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله ١. نحن في غاية الفرح أن وصلتنا رسالتك، وفيها البشارة بدخولك في الإسلام، ونعتقد أن فرحتك بالانتساب لهذا الإسلام هي فرحة العمر؛ فإن أجل نعم الله على عبد من عبيده: أن يهديه ويشرح صدره للإسلام، فنسأل الله أن يتم عليك نعمة الإيمان والعافية، وأن يثبتك على ذلك إلى يوم لقاء رب العالمين. ٢. وأفرحنا جدّاً حبُّكِ للإسلام، ورغبتك بالتمسك بشرائعه، ونرى أن هذا من فضل الله تعالى عليكِ، حيث إننا نشعر أنك قد تذوقت حلاوة الإيمان، في الوقت الذي حرم منها كثيرون ممن ينتسب إلى الإسلام في الاسم والصورة. ٣. وآلمنا جدّاً ما عليه والداك من الكفر بالله تعالى، وآلمنا أكثر: سبُّهم لله تعالى، ولرسوله محمد ﷺ ، مع أن الرب تعالى هو ربُّهم، وخالقهم، ورازقهم، والنبي محمد ﷺ هو خاتم النبيين، الذي أخذ الله ميثاقه على كل نبي ـ وعلى أتباعه من باب أولى ـ أن يكون تابعا لنبيه محمد ﷺ ، إذا بعث محمد وهو حي. قال الله تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ * فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) سورة آل عمران/٨١-٨٣. وأخبر ﷺ أن من سمع به، ولم يتبعه، ولم يؤمن به: فقد حرم الله عليه الجنة: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ: إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ) . رواه مسلم (١٥٣) . قال الإمام النووي ﵀: " وَقَوْلُهُ ﷺ : (لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ) : أَيْ مِمَّنْ هُوَ مَوْجُودٌ فِي زَمَنِي وَبَعْدِي، إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَكُلُّهُمْ يَجِبُ عَلَيْهِ الدُّخُولُ فِي طَاعَتِهِ. وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْيَهُودِيّ وَالنَّصْرَانِيَّ تَنْبِيهًا عَلَى مَنْ سِوَاهُمَا، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لَهُمْ كِتَابٌ فَإِذَا كَانَ هَذَا شَأْنَهُمْ مَعَ أَنَّ لَهُمْ كِتَابًا، فَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ لَا كِتَابَ لَهُ أَوْلَى. وَاللَّهُ أَعْلَمُ " انتهى. "شرح مسلم". ٤. إننا نقدر جدا صعوبة الظرف الذي أنت فيه، ونسأل الله ﷻ ، أن ييسر لك أمرك، وأن يجعل لك فرجا ومخرجا مما أنت فيه؛ لكن الأمر ـ رغم صعوبته ـ ليس لغزا محيرا؛ فأنت ـ أولا، وقبل كل شيء ـ مأمورة بطاعة الله ﷻ فيما فرض عليك؛ فتفعلي ما أمرك به من العبادات، وتتركي ما نهاك عنه من المحرمات، وهذا فقط هو سبيل الهداية، قال الله تعالى: (قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ) سورة النور/٥٤. وإذا كنت مأمورة بالإحسان إلى والديك وحسن صحبتهما، وإن كانا كافرين، فليس معنى ذلك أن تعصي ربك إرضاء لهما، أو أن تقدمي طاعتهما على طاعة الله تعالى، بل طاعة الله وطاعة رسوله مقدمة على كل شيء، وعلى طاعة كل أحد. قال الله تعالى: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) العنكبوت /٨. قال ابن كثير ﵀: " يقول تعالى آمرا عباده بالإحسان إلى الوالدين، بعد الحث على التمسك بتوحيده، فإن الوالدين هما سبب وجود الإنسان، ولهما عليه غاية الإحسان ... ومع هذه الوصية بالرأفة والرحمة والإحسان إليهما في مقابلة إحسانهما المتقدم، قال: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا﴾ أي: وإن حَرَصا عليك أن تتابعهما على دينهما إذا كانا مشركين، فإياك وإياهما، لا تطعهما في ذلك، فإن مرجعكم إليَّ يوم القيامة، فأجزيك بإحسانك إليهما، وصبرك على دينك، وأحشرك مع الصالحين، لا في زمرة والديك، وإن كنت أقرب الناس إليهما في الدنيا؛ فإن المرء إنما يحشر يوم القيامة مع مَنْ أحب، أي: حبا دينيا؛ ولهذا قال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ﴾ " انتهى. "تفسير ابن كثير" (٦/٢٦٤-٢٦٥) . وقد قال رسول الله ﷺ : (لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ) رواه البخاري (٧٢٥٧) ومسلم (١٨٤٠) . وقال ﷺ : (لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ رواه أحمد (١٠٨٩) وصححه الألباني. وبناء على ذلك: فحين يتعارض أمر والديك لك بأي شيء، مع أمر الله ورسوله لك: فلا تطيعي أبويك، بل قدمي طاعة الله ورسوله، وليس ها هنا شيء من الخطأ. لكن ذلك لا يعني سقوط كل حق لوالديك عليك، بل أمر الله تعالى بالإحسان إليهما، ومعاملتهما معاملة طيبة، رغم ذلك، قال الله تعالى: (وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) لقمان/١٥. ونعتقد أن ما قدمناه لك من بيان الموقف الشرعي من هذه المشكلة، هو حل كاف لها، من الناحية النظرية على الأقل. ٥. لكن تبقى بعد ذلك الناحية العملية، وهي الجانب الأصعب في مشكلتك، نظرا لظروفك المحيطة بك، وصغر سنك الذي لا يمكنك من الاستقلال بنفسك، وتطبيق ما ترينه صحيحا؛ فاعلمي – أختنا – أن الله تعالى لا يكلفك فوق ما تستطيعين وتقدرين، قال تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا) البقرة/ من الآية ٢٨٦، وقال تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا) الطلاق/ من الآية ٧، وقال تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) التغابن/ من الآية ١٦، وقال النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ) . رواه البخاري (٦٨٥٨) ومسلم (١٣٣٧) ، وقال النبي ﷺ : (إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ) رواه ابن ماجه (٢٠٤٥) وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه. ٦. وحينئذ؛ فالواجب عليك أن تجتهدي في عمل كل ما تسطيعينه من الواجبات الشرعية، وترك كل ما تقدرين على تركه من المحرمات، وأن تبادري إلى ذلك بقدر إمكانك؛ فإن منعوك من الصلاة أمامهم: فصلي من ورائهم، وإن منعوك من ارتداء الحجاب الكامل، أو لم تتمكني من الحصول على الملابس الإسلامية: فاجعلي ملابسك أقرب ما يمكنك إلى الملابس الإسلامي، ولو أن تتعلمي أنت أن تصنعي لنفسك شيئا من ذلك، أو قريبا منه. وإذا طلبوا منك أن تذهبي للكنيسة: فتعللي بأي شيء، وتهربي من ذلك قدر الإمكان، واخترعي الأعذار التي تعفيك من ذلك، وليس كل النصارى في الغرب، ولا في الشرق، يذهبون إلى الكنيسة، بل الأقل منهم من يفعلون ذلك. وهكذا: حاولي أن تتهربي من حفلات الرقص والغناء، وما يأمرانك به مما فيه معصية، بأي عذر تخترعينه لذلك، فإن أجبرت على حضور الحفل، فاهربي من ممارسة الرقص، خاصة إذا كان مع الرجال، أو في حضورهم، وأظهري المرض، أو نحو ذلك مما يعفيك منه. وما يجبرانك عليه من محرمات فافعلي منها الحد الأدنى، فاجعلي اللباس أستر ما يكون، ولا تسهري في مناسبتهم الحفلة كاملة، وهكذا في سائر المحرمات. وبصفة عامة: اجتهدي في أن تفعلي ما تستطيعينه من شعائر الإسلام، وأن تتركي ما تقدرين على تركه، فإن أكرهوك على شيء من ذلك، فاجعلي تصرفاتك من الخارج فقط، واجعلي قلبك دائم الصلة بالله، والذكر له، إلى أن ييسر الله لك فرجا مما أنت فيه، وأبشري فإن الفرج قريب، وإن مع العسر يسرا: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا) سورة الطلاق/٢-٣. ٧. وننصحك بالتواصل مع الأخوات المسلمات، سواء بالمواجهة، أو عن طريق الإنترنت، وكما ننصحك بالتواصل مع المواقع الإسلامية النافعة لك في دينك، والتي تستفيدين منها لتقوية إيمانك، وتزدادين بها علماً، وإذا أمكنك التواصل مع أحد المراكز الإسلامية القريبة منك: فسوف يكون في ذلك خير كثير، إن شاء الله، ولعلهم ـ بحكم خبرتهم بالمكان، وتعرضهم لكثير من هذه المشكلات ـ أن يكون عندهم من الحلول والمساعدات العملية أكثر مما اقترحناه عليك. ٨. واعلمي – أختنا – أن من سبقك بالإسلام قد عاش طائفة منهم في ظروف قاسية، حيث تعذيب الأبوين، وضربهم، ومنعهم من حقوقهم الإنسانية، وقد صبروا على ما أوذوا، واحتملوا ما أصابهم في سبيل الله، حتى جاءهم نصر الله، فنجاهم الله مما كانوا فيه، وانقلبوا بنعمة من الله وفضل، وكانوا من الفائزين، فلا تيأسي مما أصابك، ولا تحزني على حالك، فأنت في رعاية الله، وتحت سمعه وبصره، واثبتي على ما أنتِ عليه من الهدى والحق، كما صبر من قبلك، واعلمي أن هذا اختبار من الله تعالى ليرى صدق إيمانك، فيجازيك عليه خير الجزاء، في الدنيا، والآخرة، وعسى الله أن يجعل نصره وتأييده لك عاجلاً غير آجل. ٩. والداك بحاجة لك لإنقاذهما من نار جهنم، ومن سخط الله، فنوصيك بإظهار خير صورة للمسلمة المستقيمة، بحسن التصرف معهما، وبرهما، والتلطف في مخاطبتهما، والعناية بطعامهما وشرابهما، والقيام على خدمتهما، فلعلهما أن يراجعا نفسيهما، ويخففا عنك الضغط، أو يتركانه، كما نوصيك بصدق الدعاء والطلب من الله أن يهديهما للإسلام، وأن يميتهما على الإيمان، وما ذلك على الله بعزيز، واسمعي لهذه القصة: روى مسلم (٢٤٩١) عن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كُنْتُ أَدْعُو أُمِّي إِلَى الْإِسْلَامِ وَهِيَ مُشْرِكَةٌ، فَدَعَوْتُهَا يَوْمًا فَأَسْمَعَتْنِي فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا أَكْرَهُ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا أَبْكِي، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي كُنْتُ أَدْعُو أُمِّي إِلَى الإِسْلامِ فَتَأْبَى عَلَيَّ، فَدَعَوْتُهَا الْيَوْمَ فَأَسْمَعَتْنِي فِيكَ مَا أَكْرَهُ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَهْدِيَ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (اللَّهُمَّ اهْدِ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ) فَخَرَجْتُ مُسْتَبْشِرًا بِدَعْوَةِ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا جِئْتُ فَصِرْتُ إِلَى الْبَابِ، فَإِذَا هُوَ مُجَافٌ، فَسَمِعَتْ أُمِّي خَشْفَ قَدَمَيَّ فَقَالَتْ: مَكَانَكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، وَسَمِعْتُ خَضْخَضَةَ الْمَاءِ، قَالَ: فَاغْتَسَلَتْ وَلَبِسَتْ دِرْعَهَا وَعَجِلَتْ عَنْ خِمَارِهَا، فَفَتَحَتْ الْبَابَ ثُمَّ قَالَتْ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَتَيْتُهُ وَأَنَا أَبْكِي مِنْ الْفَرَحِ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَبْشِرْ، قَدْ اسْتَجَابَ اللَّهُ دَعْوَتَكَ وَهَدَى أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ خَيْراً. ١٠. ولا ننصحك بالهرب من البيت، والخروج منه؛ فإن مفاسد ذلك أكثر من بقائك فيه، وإن من قد يؤويك فإنه يعرِّض نفسك لأقسى العقوبات في قوانين بلادكم الجائرة، فليس أمامنا من نصح لك إلا الصبر، وقطع التفكير في الهروب من البيت. ونسأل الله العلي القدير أن يثبتك على الهدى والرشاد، وأن يعافيك في دينك وبدنك، وأن يهدي أبويك للإسلام، وأن يقر عينيك بهما مؤمنين صالحين، في الدنيا، والآخرة. ونرجو منك أن تبقي على تواصل معنا، ونحن أهلك، وإخوانك، ولعل الله أن يرزقك من دعوات إخوانك الذي يطالعون قصتك: ما ينفعك الله به، ويفرج عنك كربك ببركته. والله الموفق [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 948

هل يجوز للمسلم أن يهدي صليباً لنصراني ؟ [السُّؤَالُ] ـ[هل يجوز للمسلم أن يشتري صليباً لشخص مسيحي كهدية؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله لا يجوز اقتناء الصليب ولا صنعه ولا بيعه ولا شراؤه ولا إهداؤه؛ لما يرمز إليه ويدل عليه من معالم الكفر بالله العظيم. فالنصارى يعظمون الصليب، بل ويعبدونه، وهذا مبني على اعتقادهم بصلب المسيح ﵇. ونحن نعتقد أن المسيح ﵇ رفعه الله حياً إلى السماء، ونجاه من أعدائه، قال الله تعالى: (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ) النساء/١٥٧. ولهذا، إذا نزل المسيح عيسى ابن مريم ﵇ آخر الزمان سيكسر الصليب ويقتل الخنزير. رواه البخاري (٣٤٤٧) ومسلم (١٥٥) . وذلك ليبطل قصة الصلب التي يؤمن بها النصارى، ويبطل أيضاً تعظيمهم للصليب. ويقتل الخنزير ليبطل أيضاً ما هم عليه من استحلالهم لهذا الحيوان القذر. وإهداء الصليب للنصارى أو بيعه لهم يدل على الرضا بعبادتهم له، وإعانة لهم على عبادة غير الله، وذلك خطر على دين المسلم. وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن خياط خاط للنصارى سير حرير فيه صليب ذهب فهل عليه إثم في خياطته؟ وهل تكون أجرته حلالا أم لا؟ فقال: "إذا أعان الرجل على معصية الله كان آثما. . . ثم قال: والصليب لا يجوز عمله بأجرة ولا غير أجرة، كما لا يجوز بيع الأصنام ولا عملها. كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام) وثبت أنه لعن المصورين. وصانع الصليب ملعون لعنه الله ورسوله ... إلخ" انتهى. وانظر جواب السؤال رقم (١١٥٠٣٨) . وقد روى البخاري (٥٩٥٢) عن عَائِشَةَ ﵂ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَتْرُكُ فِي بَيْتِهِ شَيْئًا فِيهِ تَصَالِيبُ إِلَّا نَقَضَهُ) . والمقصود بالتصاليب في الحديث: صور الصليب. والنقض: إزالة الصورة مع بقاء الثوب على حاله. انظر: "فتح الباري" (١٠/٣٨٥) . فكان من هدي النبي ﷺ إزالة كل ما فيه تصاليب، حمايةً لجانب التوحيد، وبعداً عن مشابهة غير المسلمين. وقال علماء اللجنة الدائمة للإفتاء: "صنع الصليب حرام، سواء كان مجسماً، أم نقشاً، أم رسماً، أو غير ذلك، على جدار، أو فرش، أو غير ذلك، ولا يجوز إدخاله مسجداً، ولا بيوتاً، ولا دور تعليم: من مدارس، ومعاهد، ونحو ذلك. ولا يجوز الإبقاء عليه، بل يجب القضاء عليه، وإزالته بما يذهب بمعالمه: من كسر، ومحو، وطمس، وغير ذلك. ولا يجوز بيعه، ولا الصلاة عليه" انتهى. "فتاوى اللجنة الدائمة" (٣/٤٣٧) . وعلى هذا، فلا شك في تحريم إهداء الصليب أو بيعه للنصارى، بل قد يصل ذلك بفاعله إلى الخروج من الإسلام، لما يتضمنه من مساعدتهم على الشرك بالله وإقرارهم عليه. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 949

لا يقال للكافر أو الفاسق: يا سيد [السُّؤَالُ] ـ[هل يجوز أن يقال للكافر: يا سيد. مثل أن يكتب بالفاتورة أو غيرها: السيد فلان وهو يعلم أنه كافر، أو أثناء الحديث معه بالإنجليزية مثلاً مستر فلان؟ وإذا كان لا يجوز أن يقال للكافر يا سيد؛ فما الدليل؟ أفيدونا أفادكم الله؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله " نعم، لا يقال للكافر: سيد، ولا للفاسق: سيد، لأنه ورد عن النبي ﷺ أنه قال: (لا تقولوا للمنافق سيدنا) فنهى النبي ﵊ عن هذا الشيء، فلا نبغي للمؤمن أن يقول للكافر ولا للفاسق سيداً، لأن هذا وصف عظيم لا يليق بالكافر والفاسق، والسيد هو الرئيس والكبير والفقيه ـ فلا ينبغي أن يقال للكافر بالله أو المعروف بالمعاصي الظاهرة لا يقال له سيد، بل يدعى باسمه المعروف: فلان، أو: أبي فلان، كما قال النبي ﷺ في عبد الله بن أبي: (ما فعل أبو الحباب) . فإن دعي بلقبه أو باسمه أو قيل فلان المدعو كذا وكذا فلا بأس ويكفي هذا، أما أن يقال السيد فلان، أو يأتي بما هو أعظم من ذلك، فلا يجوز لكونه فاسقاً معروفاً بالفسق، ولا حول ولا قوة إلا بالله " انتهى. سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ "فتاوى نور على الدرب" (١/٣٠٠) . وانظر جواب السؤال رقم (١٢٦٢٥) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 950

حكم مشاركة المسلم للنصراني أو غيره في التجارة [السُّؤَالُ] ـ[هل يجوز للمسلم أن يكون شريكاً للنصراني في تربية الأغنام أو تجارتها أو أي تجارة أخرى؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله "اشتراك مسلم مع نصراني أو غيره من الكفرة في المواشي أو في الزراعة أو في أي شيء آخر، الأصل في ذلك جوازه إذا لم يكن هناك مولاة، وإنما تعاون في شيء من المال كالزراعة أو الماشية أو نحو ذلك، وقال جماعة من أهل العلم: بشرط أن يتولى ذلك المسلم، أي: أن يتولى العمل في الزراعة، أو في الماشية المسلم، ولا يتولى ذلك الكافر لأنه لا يؤمن. وهذا فيه تفصيل؛ فإن كانت هذه الشركة تجر إلى مولاة، أو لفعل ما حرم الله، أو ترك ما أوجب الله حرمت هذه الشركة لما تفضي إليه من الفساد، أما إن كانت لا تفضي لشيء من ذلك، والمسلم هو الذي يباشرها، وهو الذي يعتني بها حتى لا يخدع فلا حرج في ذلك. ولكن بكل حال فالأولى به السلامة من هذه الشركة، وأن يشترك مع إخوانه المسلمين دون غيرهم، حتى يأمن على دينه ويأمن على ماله، فالاشتراك مع عدو له في الدين فيه خطر على خلقه ودينه وماله، فالأولى بالمؤمن في كل حال أن يبتعد عن هذا الأمر، حفظاً لدينه، وحفظاً لعرضه، وحفظاً لماله، وحذراً من خيانة عدوه في الدين، إلا عند الضرورة والحاجة التي قد تدعو إلى ذلك، فإنه لا حرج عليه بشرط مراعاة ما تقدم. أي: بشرط أن لا يكون في ذلك مضرة على دينه أو عرضه أو ماله، وبشرط أن يتولى ذلك بنفسه، فإنه أحوط له، فلا يتولاه الكافر، بل يتولى الشركة والأعمال فيها المسلم، أو مسلم ينوب عنهما جميعاً" انتهى. سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ "فتاوى نور على الدرب" (١/٢٩٤) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 951

ما هي الأوصاف التي يُنادى بها على الكافر؟ وهل يجوز قول "أخي" و "سيدي "؟ [السُّؤَالُ] ـ[نحن طلاب ندرس في جامعة في أمريكا , ونعمل برامج دعوية لغير المسلمين للدعوة إلى الله، بعض الأحيان نستعمل بعض الطرق التي لا ندري عن صحتها مثل: "البرامج المختلطة بين الرجال والنساء " بحكم العادات، والتقاليد هنا في أمريكا، وبعض الأحيان نستعمل ألفاظ مثل "سيدي"، أو "صديقي"، أو "أخي"، وكلمة "أخي" تعتبر دارجة بين أوساط الشباب. أفتونا - مأجورين - في حكمها، ونرجو أن ترشدونا في كيفية التعامل مع غير المسلمين.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: الدراسة المختلطة بين الرجال والنساء فيها مفاسد كثيرة، ولها آثار سيئة على كلا الجنسين، فإذا كانت هذه الدراسة المختلطة في بلد غربي: ازداد الأمر سوءً، وعظمت المفاسد. وفي حكم الدراسة المختلطة: ينظر جواب السؤال رقم: (١١٠٢٦٧) . وفي حكم الإقامة في البلاد غير المسلمة وبيان شروط ذلك ينظر جواب السؤال رقم: (٢٧٢١١) . وفي الوقت الذي ننكر الدراسات المختلطة، لا سيما في مثل تلك الدول غير المسلمة: نشجع الطلبة على الالتزام ببرامج إيمانية فيها تزكية لنفوسهم؛ تعويضاً عما ينقص بالمشاهدات المحرَّمة، التي تضعف الإيمان، ونشجع على الالتزام ببرامج دعوية؛ استثماراً لوجودهم في هذه البلاد، لدعوة أهلها إلى الإسلام، وهي فرصة قد لا تتكرر. فنرجو الله أن يوفقكم في مسعاكم، ونسأله أن يعظم لكم الأجور، ومن الجيد أن يكون لكم اتصال مع أهل العلم، ومواقع الفتوى، للسؤال عما يشكل عليكم. ونحن يفرحنا وجود ترتيب لجهودكم في الدعوة إلى الله، وتنظيم لعملكم ذاك، ونرى أن الدعوة إلى الله في مثل تلك البلاد تحتاج لعقلاء، وحكماء، ومبدعين، لإيصال رسالة الإسلام لأكبر قدر ممكن من المدرسين، والطلبة، مع التنبيه أن يحاط ذلك كله بالالتزام بأحكام الشرع. ثانياً وجواباً على أسئلتكم تحديداُ نقول: ١- لا يجوز عمل برامج دعوية فيها اختلاط نساء برجال، ونرى أن التزامكم بالشرع في هذا الباب واجب عليكم؛ استجابة لأوامر الشرع في تحريم الاختلاط، ودفعاً للفتن المترتبة على ذلك. وهذا إذا كنتم أنتم من يقيم ذلك المعرض، أو البرنامج. وأما أن يكون قائماً من قبَل الجامعة، ويكون منكم استثمار له، بوجود زاوية أو فقرة تعرضون فيها مواد سمعية، ومرئية، ونصية، عن الإسلام: فلا نرى في ذلك بأساً، بشرط لا تشاركوا القائمين على هذا العمل في شيء من الأعمال المحرمة. ٢- لا يجوز لكم استعمال الألفاظ الشرعية الخاصة بالمسلمين، كلفظ " أخي "، ولا الألفاظ التي فيها إظهار المودة المنهي عن وجودها عند المسلم تجاه غير المسلم، كلفظ " صديقي "، ولا الألفاظ التي نهينا عن مخاطبة الكفار بها، كلفظ " سيِّد ". وقد سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: عن حكم قول: " أخي " لغير المسلم؟ وكذلك قول: " صديق " و " رفيق "؟ وحكم الضحك إلى الكفار لطلب المودة؟ . فأجاب: أما قول: " يا أخي " لغير المسلم: فهذا حرام، ولا يجوز، إلا أن يكون أخاً له من النسب، أو الرضاع؛ وذلك لأنه إذا انتفت أخوة النسب والرضاع: لم يبق إلا أخوَّة الدين، والكافر ليس أخاً للمؤمن في دينه، وتذكر قول نبي الله تعالى نوح: (رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ) . وأما قول: "صديق "، " رفيق "، ونحوهما: فإذا كانت كلمة عابرة يقصد بها نداء من جهل اسمه منهم: فهذا لا بأس به، وإن قصد بها معناها تودداً وتقربّاً منهم: فقد قال الله تعالى: (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ) ، فكل كلمات التلطف التي يقصد بها الموادة: لا يجوز للمؤمن أن يخاطب بها أحداً من الكفار. وكذلك الضحك إليهم لطلب الموادة بيننا وبينهم: لا يجوز، كما علمت من الآية الكريمة" انتهى. "مجموع فتاوى الشيخ العثيمين " (٣ / ٤٢، ٤٣) . وانظر جواب السؤال رقم: (١١٨٣٤٣) تجد فتاوى أخرى في الموضوع. وفي جواز معاملة الكفار بالرفق، واللين؛ طمعاً في إسلامهم: انظر جوابي السؤالين: (٥٩٨٧٩) و (٤١٦٣١) . ٣- وأما النهي عن قول "سيد"، أو "سيدي" لأحدٍ من الكفار: فقد جاء ذلك في نص صحيح. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لَا تَقُولُوا لِلْمُنَافِقِ سَيِّدٌ، فَإِنَّهُ إِنْ يَكُ سَيِّدًا فَقَدْ أَسْخَطْتُمْ رَبَّكُمْ . رواه أبو داود (٤٩٧٧) ، وصححه الألباني في " صحيح أبي داود ". وإذا كان هذا الحكم في المنافق فالكافر مثله، وقد جعل النووي ﵀ هذا الحكم شاملاً للفاسق، والظالم، والمبتدع، فقد بوَّب في كتابه "رياض الصالحين"، فقال: "باب النهي عن مخاطبة الفاسق والمبتدع ونحوهما بـ "سيِّد"، ونحوه ". وقال ابن القيم ﵀ تحت فصل "خطاب الكتابي بسيدي ومولاي": "وأما أن يُخاطب بـ "سيدنا"، و "مولانا"، ونحو ذلك: فحرام قطعاً، وفي الحديث المرفوع: (لا تقولوا للمنافق: سيدنا، فإن يكن سيدكم فقد أغضبتم ربكم) " انتهى. " أحكام أهل الذمة " (٣ / ١٣٢٢) . وقال الشيخ حمود التويجري ﵀: "ولا يجوز وصف أعداء الله تعالى بصفات الإجلال والتعظيم كالسيد، والعبقري، والسامي ونحو ذلك، لما رواه أبو داود والنسائي والبخاري في الأدب المفرد عن بريدة ﵁ ... . وقد قلَّت المبالاة بشأن هذا الحديث الشريف، حتى صار إطلاق اسم " السيد " ونحوه على كبراء الكفار، والمنافقين، مألوفاً عند كثير من المسلمين في هذه الأزمان، ومثل السيد " المستر " باللغة الإفرنجية، وأشد الناس مخالفة لهذا الحديث: أهل الإذاعات؛ لأنهم يجعلون كل مَن يستمع إلى إذاعاتهم من أصناف الكفار، والمنافقين، سادة، وسواء عندهم في ذلك الكبير، والصغير، والشريف، والوضيع، والذكر، والأنثى، بل الإناث هن المقدمات عندهم في المخاطبة بالسيادة، وفي الكثير من الأمور خلافاً لما شرعه الله من تأخيرهن. وبعض أهل الأمصار يسمُّون جميع نسائهم: " سيدات "، وسواء عندهم في ذلك المسلمة، والكافرة، والمنافقة، والصالحة، والطالحة. ويلي أهل الإذاعات في شدة المخالفة لحديث بريدة ﵁: أهل الجرائد، والمجلات، وما شابهها من الكتب العصرية؛ لأنهم لا يرون بموالاة أعداء الله، وموادتهم، وتعظيمهم بأساً، ولا يرون للحب في الله، والبغض في الله، والموالاة فيه، والمعاداة فيه: قدراً، وشأناً. " تحفة الإخوان بما جاء في الموالاة والمعاداة والحب والبغض والهجران " (ص ٢٠، ٢١) ترقيم الشاملة. ولا حرج من مناداة الكفار بأسمائهم أو "القرابة" – كما في قوله ﷺ لعمِّه أبي طالب "يَا عَمُّ" -، أو "المسمَّى الوظيفي" – كـ "رئيس الجامعة"، أو "عميد الكلية"، كما وصف النبي ﷺ هرقل ب " عظيم الروم " -، وغيرها من الأوصاف المباح مناداته بها. ثم ينبغي التنبيه إلى أن هذه الأحكام التي قررناها هي الأصل الذي يطالب به المسلم، ولكن قد يختلف الأمر باختلاف المصلحة المترتبة على مناداة الكافر بما قد يفهم منه تعظيمه، أو المفسدة المترتبة على عدم ذلك، فقد يكون الشخص قريباً جداً من الإسلام فمثل هذا لا بأس بتأليفه على الإسلام ويتسامح في حقه ما لا يتسامح في حق من عرف بالغلظة والشدة على المسلمين. وفي هذا يقول ابن القيم ﵀: "ومدار هذا الباب وغيره مما تقدم على المصلحة الراجحة، فإن كان في كنيته وتمكينه من اللباس وترك الغيار [يعني: عدم تغير أسمائهم ولباسهم إذا تسموا بأسماء المسلمين ولبسوا لباسهم] والسلام عليه أيضاً ونحو ذلك تأليفاً له ورجاء إسلامه وإسلام غيره كان فعله أولى، كما يعطيه من مال الله لتألفه على الإسلام، فتألفه بذلك أولى. وقد ذكر وكيع عن ابن عباس أنه كتب إلى رجل من أهل الكتاب: سلام عليك. ومَن تأمَّل سيرة النبي ﷺ وأصحابه في تأليفهم الناس على الإسلام بكل طريق: تبيَّن له حقيقة الأمر، وعلِم أن كثيراً مِن هذه الأحكام التي ذكرناها - من الغيار، وغيره - تختلف باختلاف الزمان، والمكان، والعجز، والقدرة، والمصلحة، والمفسدة. ولهذا لم يغيرهم النبي ﷺ ولا أبو بكر ﵁، وغيرهم عمر ﵁. والنبي ﷺ قال لأسقف نجران: أسلم أبا الحارث، تأليفاً له واستدعاء لإسلامه، ولا تعظيماً له وتوقيراً" انتهى. "أحكام أهل الذمة" (٢/٥٢٤) . والمناداة بالكنية، مثل: (أبا الحارث) فيها نوع توقير عند العرب، ففعله النبي ﷺ مع هذا النصراني تأليفا له على الإسلام. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 952

حكم وصية المسلم ببناء كنيسة [السُّؤَالُ] ـ[سمعت فتوى من أحد المشايخ أنه يجوز للمسلم أن يوصي ببناء كنيسة من أمواله بعد موته، وأن هذا لا يكون معصية، فهل هذا الكلام صحيح؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله لا نتصور أن مسلما عاقلاً عنده علم بالشرع يمكن أن يفتي بمثل هذه الفتوى، فقد يكون حصل خطأ ما في النقل عنه أو في فهم كلامه ... إلخ. ولكننا سنجيب على ما ورد في السؤال: لا يختلف المسلمون أن الوصية بإعانة أهل المعاصي لا تجوز، وذلك لقول الله تعالى: (وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) المائدة/٢. ولا نحتاج أن نقرر أن بيوت العبادة التي يتعبد فيها غير المسلمين هي بيوت معصية، فإنها يشرك فيها بالله، ويسب أنبياؤه، ويُكذَّبون، ويُسب القرآن، ويُستهزأ به، ويُحارب التوحيد، ويُنصر الشرك ويدعى إليه، وقد تحاك فيها المؤامرات على الموحدين المؤمنين، مع ما يكون فيها من أعياد محرمة، وشرب للخمور، وفعلٍ للفجور أحياناً ... ومثل هذه الأمور معلومة معروفة. وعليه، فلا يجوز للمسلم قطعاً أن يوصي بشيء من ماله لبناء كنيسة أو غيرها من معابد غير المسلمين. وهذا الحكم لا يختلف فيه العلماء، ولذلك نكتفي بنقل واحد فقط عن كل مذهب من مذاهب الأئمة المعتبرين (المذهب الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي والظاهري) . ١- المذهب الحنفي. قال الكاساني في "بدائع الصنائع" (٨/٣٤١) : "وَلَوْ أَوْصَى الْمُسْلِمُ لِبَيْعَةٍ أَوْ كَنِيسَةٍ بِوَصِيَّةٍ , فَهُوَ بَاطِلٌ ; لِأَنَّهُ مَعْصِيَةٌ" انتهى. ٢- المذهب المالكي. جاء في "المدونة" (٤/١٥٠) : "سئل ابن القاسم: قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ , أَيَحِلُّ لَهُ أَنْ يُؤَاجِرَ نَفْسَهُ فِي عَمَلِ كَنِيسَةٍ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا يَحِلُّ لَهُ ; لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَا يُؤَاجِرُ الرَّجُلُ نَفْسَهُ فِي شَيْءٍ مِمَّا حَرَّمَ اللَّهُ. قَالَ مَالِكٌ: وَلَا يُكْرِي دَارِهِ وَلَا يَبِيعَهَا مِمَّنْ يَتَّخِذُهَا كَنِيسَةً , وَلَا يُكْرِي دَابَّتَهُ مِمَّنْ يَرْكَبُهَا إلَى الْكَنِيسَةِ" انتهى. ٣- المذهب الشافعي. قال الإمام الشافعي في "الأم" (٤/٢٢٥) : "فَإِذَا أَوْصَى النَّصْرَانِيُّ بِأَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِهِ فَجَاءَنَا وَرَثَتُهُ أَبْطَلْنَا مَا جَاوَزَ الثُّلُثَ إنْ شَاءَ الْوَرَثَةُ، كَمَا نُبْطِلُهُ إنْ شَاءَ وَرَثَةُ الْمُسْلِمِ. وَلَوْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ أَوْ بِشَيْءٍ مِنْهُ يَبْنِي بِهِ كَنِيسَةً لِصَلَاةِ النَّصَارَى، أَوْ يَسْتَأْجِرُ بِهِ خَدَمًا لِلْكَنِيسَةِ، أَوْ يَعْمُرُ بِهِ الْكَنِيسَةَ، أَوْ يَسْتَصْبِحُ بِهِ فِيهَا، أَوْ يَشْتَرِي بِهِ أَرْضًا فَتَكُونُ صَدَقَةً عَلَى الْكَنِيسَةِ وَتَعْمُرُ بِهَا أَوْ مَا فِي هَذَا الْمَعْنَى كَانَتْ الْوَصِيَّةُ بَاطِلَةً" انتهى. ٤- المذهب الحنبلي. جاء في "المغني" (٦/١٢٢) : "وَلَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِمَعْصِيَةٍ وَفِعْلٍ مُحَرَّمٍ , مُسْلِمًا كَانَ الْمُوصِي أَوْ ذِمِّيًّا , فَلَوْ وَصَّى بِبِنَاءِ كَنِيسَةٍ أَوْ بَيْتِ نَارٍ , أَوْ عِمَارَتِهِمَا , أَوْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِمَا , كَانَ بَاطِلًا. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ" انتهى. ٥- المذهب الظاهري. قال ابن حزم في "المحلى" (٨/٣٧) : "وَلَا تَحِلُّ وَصِيَّةٌ فِي مَعْصِيَةٍ - لَا مِنْ مُسْلِمٍ وَلَا مِنْ كَافِرٍ - كَمَنْ أَوْصَى بِبُنْيَانِ كَنِيسَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ , لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: (وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) . وقوله تعالى: (وَأَنْ اُحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ) فَمَنْ تَرَكَهُمْ يُنَفِّذُونَ خِلَافَ حُكْمِ الْإِسْلَامِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى مَنْعِهِمْ فَقَدْ أَعَانَهُمْ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ" انتهى. فهذه نصوص الأئمة، وبعضها يصرح بالحكم ذاته - وهو المنع - في وصية النصراني لكنيسة ـ وهو نصراني ـ فكيف يكون الحكم في وصية المسلم لكنيسة! وقد نقل بعض العلماء الإجماع على ذلك. قال تقي الدين السبكي الشافعي ﵀: "بِنَاءُ الْكَنِيسَةِ حَرَامٌ بِالْإِجْمَاعِ , وَكَذَا تَرْمِيمُهَا، وَكَذَلِكَ قَالَ الْفُقَهَاءُ: لَوْ وَصَّى بِبِنَاءِ كَنِيسَةٍ فَالْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ ; لِأَنَّ بِنَاءَ الْكَنِيسَةِ مَعْصِيَةٌ، وَكَذَا تَرْمِيمُهَا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمُوَصِّي مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا" انتهى. "فتاوى السبكي" (٢/٣٩٦) . بل الأمر أخطر من كونه معصية، فبناء معبد لغير المسلمين – كنيسة أو غيرها - فيه محبة للكفر ونشر له، ومحاربة للتوحيد، وتشجيع للكفر برب العالمين ... وهذا يصل بصاحبه إلى الكفر. قَالَ الإمام أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ ﵀: "إرَادَةُ الْكُفْرِ كُفْرٌ، وَبِنَاءُ كَنِيسَةٍ يَكْفُرُ فِيهَا بِاَللَّهِ كُفْرٌ، لِأَنَّهُ إرَادَةُ الْكُفْرِ" انتهى. "الفروق" للقرافي (٤/١٢٤) . فكيف يقال بعد ذلك بجواز وصية المسلم بشيء من ماله لبناء كنيسة، وأن هذا ليس معصية! سبحانك هذا بهتان عظيم. نسأل الله تعالى أن يعز الإسلام والمسلمين، وأن يرد المسلمين إلى دينهم ردا جميلا. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 953

يمر بأزمة مالية، ويقيم في بلاد غربية مع والديه، ومحرج من طلب رجوعهما لبلدهما [السُّؤَالُ] ـ[يعيش كلٌّ من والداي وإخوتي البنات في بيتهم في الجزائر، وأعيش في لندن، وقد قمت مؤخراً بامتلاك بيت جديد، وجاء كل من أبواي وإخوتي ليسكنوا معي منذ ذلك الحين، وقد تركوا البيت القديم لإخوتي الذكور – اثنين -، والآن تغيرت الظروف ووجدت نفسي في ضائقة مالية صعبة، وقد أصبحت كبيراً أيضاً. وسؤالي هو: هل يمكنني أن أسال والداي العودة إلى بيتهم القديم في الجزائر الذي ما زالوا يملكونه، والذي يسكنه أخواي وزوجتاهما وأبناؤهما؟ كما أنه ليس لدي سوى خيارين إما أن أبيع البيت، أو أن أتزوج، وأعيش فيه مع زوجتي، وهذا ليس بالأمر الهين بالنسبة لي، على أية حال فلا أستطيع العيش وأنا أشعر بالإثم.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: نشكر لك حرصك على بر والديك، وخشيتك من الوقوع في الإثم فيما تسأل عنه من التصرف حيالهما، ونسأل الله أن يُعظم لك الأجر، وأن يوفقك لما فيه رضاه. ثانياً: لا شك أنه من المؤلم أن تواجه والديك بضرورة خروجهما من بيتك، ورجوعهما إلى بلدهما، مع بقائك أنت فيه، وخاصة إن كان السبب هو تزوجك، وإحضار تلك الزوجة لتحل محلهما، ونحن نقدِّر ذلك، ونشعر به، ولكن هناك خيار آخر لم تذكره، ونحن نرى أنه الخيار الموافق للشرع، والملائم لحالتك، وهو: أن تبيع بيتك في لندن، وترجع مع والديك إلى بلدكما الأصلي، وتتزوج من مسلمة تقية، وتشتري أو تستأجر بيتاً يسعك أنت ووالديك وزوجتك. وفي هذا الحل عدة فوائد: ١. ترك بلاد الكفر التي تسكنها، والتي أسكنتَ فيها والديك. ٢. عدم إيذاء والديك بإخراجهما من بيتك. ٣. تزوجك من امرأة من أهل دينك، وبلدك. ٤. تجميع الأسرة جميعها في مكان واحد، وعدم التسبب في تفرقها. ٥. بقاء أخويك في بيت والديك، وعدم خروجهما منه. هذا ما نرى أنه الخيار الأسلم، لك، ولأهلك جميعاً، فإن أبيتَه، وأبيت إلا البقاء في تلك الديار: فنرانا مضطرين لنصحك بالخيار الآخر، وهو أقل الشرَّيْن، وهو أن تبيع بيتك، ثم تنفق ثمنه في أمرين: الأول: في إرجاع والديك لبلدهما، مع توسعة بيتهما ببناء يسعهما، ويكفيهما. والثاني: في زواجك بذات دين، وإعفاف نفسك، والسكن في بيت مستأجَر، حتى يوسع الله عليك. فإن كنت ترغب بالزواج من نصرانية: فانظر جواب السؤال رقم (٢٥٢٧) ففيه بيان شروط الزواج من الكتابية. ونوصيك بالتأمل في الحكم الشرعي في بقائك في تلك الديار، فلعلك تستجيب لما نصحناك به، وأن تترك تلك البلاد لله تعالى، وأنت موعود بأن يعوضك الله خيراً منه. فعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّكَ لَنْ تَدَعَ شَيْئًا لِلَّهِ إِلَّا بَدَّلَكَ اللَّهُ بِهِ مَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ مِنْهُ) رواه أحمد (٢٢٥٦٥) ، وصححه الألباني في "حجاب المرأة المسلمة" (ص ٤٧) ، وصححه محققو مسند "أحمد بن حنبل" (٢٣٠٧٤) . قد ذكرنا في أجوبة كثيرة مسألة الإقامة في بلاد الكفر، والمفاسد المترتبة على ذلك، والشروط الواجب توفرها في المقيم إن أقام لعذر شرعي يبيح له تلك الإقامة، فانظر أجوبة الأسئلة: (١١٧٩٣) و (١٤٢٣٥) و (٢٧٢١١) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 954

تعليم أطفال المسلمين في المدارس في الدول الغربية [السُّؤَالُ] ـ[سمعنا أنه يحرم تعليم أطفال المسلمين في مدارس الكفار، أتكلم عن الأطفال الذين يعيشون في أوروبا وأمريكا (دار الكفر) للمعلومية يوجد مدارس للمسلمين ولكن جميعها خاصة وأقساطها غالية جداً، فما هو الحل بالنسبة للشخص الذي لا يستطيع أن يدفع أقساط لولده في مدارس المسلمين؟ أرجو أن تجيب على هذا السؤال لأن هذه أصبحت مشكلة عظمى يعاني منها الكثير من المسلمين الذين يهتمون بتدريس أبنائهم.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله إذا ترتب على دراستهم في مدارس الكفار مفسدة كالخوف عليهم من الانحلال واعتناق دين النصارى والزهد في دين المسلمين وتعظيم الكفار واحترامهم، واحتقار أهل الإسلام وعلومهم ونحو ذلك من الأخطاء، فنقول: يحرم تدريسهم في تلك المدارس الكفرية، وبقاؤهم على طبيعة آبائهم أولى من تدريسهم ما يصير سبباً في خروجهم من دين الإسلام، أم إذا لاحظهم أولياء أمورهم وربّوهم على الإسلام ودرسوهم بمدارس الكفار قدر ما يتعلمون به اللغة الأجنبية وما يتعلمون به الكتابة والقراءة والحساب ونحوه، فإن هذا جائز ولكن على أولياء أمورهم أن يلاحظوهم كل يوم أو كل أسبوع، ويتفقدوا معلوماتهم ويحذروهم من العقائد السيئة وينبهوهم على الكلمات الخاطئة، ويحذرونهم من الانخداع بدعاية الكفار حتى يكونوا سالمين من العقائد السيئة والملل الكفرية، وكل هذا خاص بمن يعجز عن دفع الأقساط في مدارس المسلمين. والله أعلم فضيلة الشيخ عبد الله بن جبرين ﵀. [الْمَصْدَرُ] سماحة الشيخ عبد الله بن جبرين رحمه الله

стр. 955

كيف يتعامل مع النصارى الموجودين الآن ؟ [السُّؤَالُ] ـ[كيف أتعامل مع النصارى الموجودون اليوم , باعتبارهم مشركين؟ وهل مصافحتهم والبيع والشراء منهم حرام لأنهم نجس؟ مع العلم أنني سمعت أن رسول الله ﷺ كان قد ابتاع من بعض النصارى جبن. وهل هذا صحيح؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله عليك أولا دعوتهم إلى الإسلام وشرح تعاليم الإسلام لهم، فإذا أصروا فعليك أن تظهر لهم البغضاء والمقت والاحتقار، فلا يجوز تصديرهم في المجالس ولا القيام لهم، ولا بدايتهم بالسلام ولا مصافحتهم أو مجالستهم أو ممازحتهم، بل يجب مقاطعتهم وإظهار البغض لهم واحتقارهم والتقليل من شأنهم، فقد قال النبي ﵊: (لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه) . وأما البيع والشراء منهم فإنه جائز عند الحاجة إذا لم توجد تلك السلع إلا عندهم. وأما ما ذكر أن النبي ﵊ ابتاع من بعض النصارى جُبناً فالظاهر أن هذا غير صحيح، ولكن لا مانع من شراء الجبن ونحوه منهم، كما لا مانع من أكل ذبائحهم إذا ذبحت على الطريقة الشرعية. والله أعلم فضيلة الشيخ عبد الله بن جبرين ﵀. [الْمَصْدَرُ] سماحة الشيخ عبد الله بن جبرين رحمه الله

стр. 956

لا حرج من الإحسان إلى غير المسلمين إذا لم يكونوا يقاتلوننا [السُّؤَالُ] ـ[أنا امرأة تعمل وأريد أن أعرف ما إذا كان يجوز لي أن أعطي الماء أو الطعام لغير المسلمين؟ يوجد غلام يهودي في عملي، وعندما أخرج أو أذهب لأحضر الماء، فإنه يطلب مني أن أحضر له الماء أيضا، فهل يجوز لي ذلك؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله لا حرج من الإحسان إلى غير المسلمين بشرط ألا يكونوا معروفين بعداء المسلمين، أو مساعدة أعدائنا علينا، قال الله تعالى: (لا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ) الممتحنة/٨، ٩. قال ابن كثير ﵀: "أي: لا ينهاكم عن الإحسان إلى الكفرة الذين لا يقاتلونكم في الدين، كالنساء والضعفة منهم، (أَنْ تَبَرُّوهُمْ) أي: تحسنوا إليهم (وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ) أي: تعدلوا (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) " انتهى. "تفسير ابن كثير" (٤/٤٤٦) . وقال الشيخ ابن عثيمين في تفسير سورة البقرة (٢/٢٩٤) : "وأما الكافر فلا بأس من بره، والإحسان إليه بشرط أن يكون ممن لا يقاتلوننا في ديننا، ولم يخرجونا من ديارنا؛ لقوله تعالى: (لا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) " انتهى. ويثاب المسلم على إحسانه إلى هؤلاء، وله على ذلك أجر، فقد ذكر الله تعالى من صفات الأبرار الذين هم أهل الجنة: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً) والأسير لا يكون إلا كافراً. قَالَ قَتَادَةَ ﵀، قَوْلُهُ: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا) . قَالَ: لَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ بِالأُسَرَاءِ أَنْ يُحْسَنَ إِلَيْهِمْ، وَإِنَّ أَسْرَاهُمْ يَوْمَئِذٍ لِأَهْلُ الشِّرْكِ. انظر: تفسير الطبري (١٠/٨٣٦٤) . وقال النووي ﵀ في "المجموع" (٦/٢٣٧) : "فلو تصدق على فاسق أو على كافر من يهودي أو نصراني أو مجوسي جاز , وكان فيه أجر في الجملة. قال صاحب البيان: قال الصيمري: وكذلك الحربي , ودليل المسألة: قول الله تعالى: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً) ومعلوم أن الأسير حربي" انتهى. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 957

حكم التجنس بجنسية أجنبية مع العزم على العمل والاستقرار في دولة إسلامية [السُّؤَالُ] ـ[سافرت إلى كندا للدراسة وأنا متزوج والحمد لله. وأريد أن أكمل دراستي وأستقر بعد ذلك في بلاد فيها الخير كالمملكة أو غيرها من دول الخليج لكن العمل في الخليج كثيراً ما يتطلب جنسية أوربية أو كندية للعمل هناك فاستفتيت مشايخ هنا فأفتوا لي بالجواز وقالوا لي: إن الموالاة غير موجودة في الجنسية الكندية وأنها مجرد ورقة يوقع عليها ولا تفقد الجنسية الأصلية. أيضا: بلدنا للأسف كثيرة الاضطهادات ولازال فيها مشاكل أمنية واجتماعية يخاف الإنسان أن ينقلب الحال بين ليلة وضحاها، وأيضاً فإن الخدمة الوطنية هناك إجبارية ويترتب عليها مخالفات شرعية كثيرة كحلق اللحية والوقوف للعلم وغير ذلك من المنكرات. ويمكن التخلص من كل هذه المشاكل بأخذ الجنسية والانتقال من هذه البلد بسهولة، فإن الجنسية للأسف سبب لرفع الحرج وتسهيل الطريق في الخليج وغيرها. وإذا ما اختلت الحالة الأمنية في بلدي كما وقع قبل سنين يمكن الانتقال بسهولة إلى بلد مسلم آخر. وعلما أنني سأنشغل بالبحث العلمي في الجامعات في مجال الكيمياء وأريد إعانة دولة مسلمة.. أفتونا بارك الله فيكم ونفع الله بكم.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: لا تجوز الإقامة في بلاد الكفر إلا لمن قدر على إظهار دينه، فإن لم يقدر على إظهار دينه وجبت عليه الهجرة إن قدر على ذلك، وقد سبق بيان ذلك في جواب السؤال رقم (١٣٣٦٣) . ثانياً: أما الحصول على الجنسية لدولة كافرة، فلا يجوز إلا في حال الاضطرار، لما يترتب عليه من مفاسد عظيمة، كالخضوع لأحكام الكفار، والقسم على الولاء لهم، وغير ذلك. قال الشيخ ابن جبرين حفظه الله: " من اضطر إلى طلب جنسية دولة كافرة كمطارَد من بلده ولم يجد مأوى، فيجوز له ذلك بشرط أن يظهر دينه، ويكون متمكنا من أداء الشعائر الدينية، وأما الحصول على الجنسية من أجل مصلحة دنيوية محضة فلا أرى جوازه " انتهى. وإذا كان الأمر كما ذكرت من عزمك على العودة إلى بلاد المسلمين، وعدم تنازلك عن جنسيتك الأولى، ومن حصول التضييق في بلدك والإلزام بالخدمة العسكرية المقتضية لارتكاب مخالفات شرعية، فالذي يظهر لنا جوز الحصول على الجنسية الكندية حينئذ. ونسأل الله تعالى أن يوفقك لكل خير. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 958

التبرع بالدم لغير المسلم [السُّؤَالُ] ـ[هل يجوز لي التبرع بنقل دم لمريض أوشك على الهلاك وهو على غير دين الإسلام؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله " لا أعلم مانعاً من ذلك، لأن الله تعالى يقول جل وعلا في كتابه العظيم: (لَا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) الممتحنة/٨. فأخبر سبحانه أنه لا ينهانا عن الكفار الذين لم يقاتلونا ولم يخرجونا من ديارنا أن نبرهم ونحسن إليهم، والمضطر في حاجة شديدة إلى الإسعاف، وقد جاءت أم أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄ وهي كافرة إلى بنتها؛ في المدينة في وقت الهدنة بين النبي ﷺ وأهل مكة تسألها الصلة، فاستفتت أسماءُ النبيَّ ﷺ في ذلك، فأفتاها أن تصلها، وقال: (صلي أمك) وهي كافرة. فإذا اضطر المعاهد أو الكافر المستأمن الذي ليس بيننا وبينه حرب؛ إذا اضطر إلى ذلك فلا بأس بالصدقة عليه من الدم، كما لو اضطر إلى الميتة، وأنت مأجور في ذلك؛ لأنه لا حرج عليك أن تسعف من اضطر إلى الصدقة " انتهى. سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ "فتاوى نور على الدرب" (١/٢٩٢، ٢٩٣) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 959

هل ينظر الإسلام لغير المسلمين بعين الرحمة والعطف ؟ [السُّؤَالُ] ـ[ما نظرة الإسلام إلى البشرية؟ هل يحث على حب وتقدير الآخرين ككائنات بشرية، بغض النظر عن أديانهم، أو أعراقهم؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: إن نظرة الإسلام إلى البشرية ملؤها الرحمة، والعطف، ولا يمكن أن يكون غير هذا؛ لأن الدين الإسلامي آخر الأديان التي شرعها الله تعالى، وأمر الناس كافة بالدخول فيه، كما أنه تعالى أوحى بهذا الدين، وأنزله على قلب أرحم الخلق محمد ﷺ ، ومصداق ذلك في كتاب الله تعالى قوله : (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) الأنبياء/١٠٧. ونستطيع أن ندلل من القرآن، والسنَّة، وسيرة النبي ﷺ ، ما يؤكد هذا المعنى، ويتجلى ذلك في صور كثيرة، منها: ١. الدعوة إلى الإسلام، وإنقاذ الناس من الشرك والكفر. وفي ذلك جاءت الأوامر في القرآن والسنَّة للمسلمين بدعوة الناس إلى توحيد الله، وبذل الأموال، والأوقات، والأنفس في سبيل ذلك؛ وما ذلك إلا رحمة بالعالَمين؛ لإنقاذهم من عبادة العبَاد إلى عبادة رب العبَاد، ولإخراجهم من ضيق الدنيا، إلى سعة الدنيا والآخرة. قال الله تعالى: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) آل عمران/١٠٤. ٢. برُّ الوالدين، والإحسان إليهما، وإن كانا كافرَين. بل وإن كانا يجاهدان في سبيل صد أولادهم عن الإسلام، وأمرهم بالشرك والكفر! ، وفي هذا يقول الله تعالى: (وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ. وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) لقمان/ ١٤، ١٥. ٣. الوصية بالجيران، ولو كانوا من غير المسلمين. ولعلك لا ترى دِيناً، ولا منهجاً، ولا قانوناً، يدعو الناس إلى العناية بالجار، والاهتمام به، والوصية بحفظه، ورعاية حقه، وحرمته، مثل الإسلام، قال الله تعالى: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً) النساء/ ٣٦. قال القرطبي ﵀: "قال نوف الشامي: (وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى) المسلم، (وَالْجَارِ الْجُنُبِ) اليهودي، والنصراني. قلت: وعلى هذا: فالوصية بالجار مأمور بها، مندوب إليها، مسلماً كان، أو كافراً، وهو الصحيح، والإحسان قد يكون بمعنى المواساة، وقد يكون بمعنى حسن العشرة، وكف الأذى والمحاماة دونه، روى البخاري عن عائشة عن النبي ﷺ قال: (ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه) ، وروي عن أبي شريح أن النبي ﷺ قال: (والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن) قيل: يا رسول الله ومن؟ قال: (الذي لا يأمن جارُه بوائقَه) ، وهذا عام في كل جار، وقد أكَّد ﵇ ترك إذايته بقسمه ثلاث مرات، وأنه لا يؤمن الإيمان الكامل من آذَى جارَه، فينبغي للمؤمن أن يحذر أذى جاره، وينتهي عما نهى الله ورسوله عنه، ويرغب فيما رضياه، وحضَّا الباد عليه. "تفسير القرطبي" (٥/١٨٣، ١٨٤) . ٤. العدل والإحسان في التعامل مع الكافر غير الحربي. وفي ذلك يقول تعالى: (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) الممتحنة/ ٨. قال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀: أي: لا ينهاكم الله عن البرِّ، والصلة، والمكافأة بالمعروف، والقسط، للمشركين، من أقاربكم، وغيرهم، حيث كانوا بحال لم ينتصبوا لقتالكم في الدِّين، والإخراج من دياركم، فليس عليكم جناح أن تَصِلُوهم؛ فإن صلتهم في هذه الحالة: لا محذور فيها، ولا مفسدة. " تفسير السعدي " (ص ٨٥٦) . ٥. تحريم قتل المعاهَد من الكفار، والوعيد الشديد في ذلك. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رضى الله عنهما عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: (مَنْ قَتَلَ مُعَاهَداً لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَاماً) رواه البخاري (٢٩٩٥) . قال الحافظ ابن حجر ﵀: والمراد به: مَن له عهد مع المسلمين، سواء كان بعقد جزية، أو هدنة من سلطان، أو أمان من مسلم. " فتح الباري " (١٢ / ٢٥٩) . ٦. تحريم ظلم المعاهَد، وتكليفه فوق طاقته. وقد جاء في ذلك الحديث عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (أَلَا مَنْ ظَلَمَ مُعَاهِدًا أَوْ انْتَقَصَهُ أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ فَأَنَا حَجِيجُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) رواه أبو داود (٣٠٥٢) وصححه الألباني في " صحيح أبي داود ". قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: فمن قدم إلى بلادنا من الكفار لعملٍ، أو تجارة، وسُمح له بذلك فهو: إما معاهَد، أو مستأمن: فلا يجوز الاعتداء عليه، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (أن من قتل معاهَداً لم يرح رائحة الجنة) ، فنحن مسلمون، مستسلمون لأمر الله ، محترِمون لما اقتضى الإسلام احترامه من أهل العهد، والأمان، فمَن أخلَّ بذلك: فقد أساء للإسلام، وأظهره للناس بمظهر الإرهاب، والغدر، والخيانة، ومَن التزم أحكام الإسلام واحترم العهود والمواثيق: فهذا هو الذي يُرجى خيرُه، وفلاحه. " فتاوى الشيخ العثيمين " (٢٥ / ٤٩٣) . ٧. تحريم الاعتداء، ووجوب العدل. وفي ذلك يقول تعالى: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ) ، وقال تعالى: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَاّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) . قال الشيخ الشنقيطي ﵀: فانظر ما في هذه الآيات من مكارم الأخلاق، والأمر بأن تُعامل مَن عَصى الله فيك: بأن تُطيعه فيه. " أضواء البيان " (٣ / ٥٠) . وانظر جواب السؤال رقم: (١٣٢٤١) ففيه بيان أحكام معاملة الأسير الكافر، وانظر جواب السؤال رقم: (١٠٥٩٠) ففيه بيان سماحة الإسلام في تشريعاته. ونكتفي بهذا القدر، ولو شئنا التفصيل فيما سبق، والزيادة عليه: لطال بنا المقام. ثانياً: مع ما سبق بيانه فإنه ينبغي التوكيد على حقائق مهمة: ١. ما يُرى في العالَم مما يخالف ما سبق ذِكره إنما هو من جرَّاء أفعال أصحابه، ولا ينبغي نسبته للإسلام، وفي كل دين يوجد من يخالف تعاليمه، ولا يلتزم بأحكامه. ٢. أن ما رأته الأرض وأهلها من " الكفار " لا يقارن البتة بما فعله المسلمون، فالحربان العالميتان اللتان راح ضحيتهما ٧٠ مليون شخص كانت " نصرانية ". وعشرات الملايين من المسلمين قتلوا على أيدي: النصارى في الحملات الصليبية وغيرها، والشيوعيين، واليهود، والهندوس، والسيخ، والتفصيل في ذلك يطول، وليس هناك من ينكر هذا إلا من عطَّل عقله. ثم احتلال بلاد المسلمين، وسلب خيراتها كان ولا يزال على أيدي " الكفار " من جميع الملل، فليكن هذا على البال أثناء الحديث عن نظرة الإسلام للبشرية، وعن الحب، والعطف، وليقارن المنصفون من أهل التاريخ بين فتوحات المسلمين للبلاد الأخرى، وبين الحملات الصليبية – مثالاً – كيف كان حال كلٍّ منهما، ليرى الفرق واضحاً جليّاً، بين الرحمة والقسوة، بين الحب والبغض، بين الحياة والموت. ٣. ما ذكرناه سابقاً عن الإسلام ونظرته للكفار وما جاء فيه من أحكام غاية في الحب، والعطف، والرحمة: لا يعني التبرؤ مما فيه من أحكام قد يطمسها بعض المميعين لديننا، ومن ذلك: أ. في الإسلام تحرم المودة القلبية، والموالاة، للكفار، ومن يعقل يستطيع التمييز بين البِرِّ، والقِسط، والعطف، والرحمة، التي أمرنا بها تجاه الكافر غير الحربي، وبين المنع من المودة القلبية، والتي منعنا منها تجاه أولئك الكفار بسبب كفرهم بالله رب العالمين، وعدم إسلامهم. ب. لا يحل لنا تزويج بناتنا وأخواتنا ونسائنا لأحدٍ من الكفار كائنا ما كان دينه، بينما يجوز لنا التزوج – فقط – من الكتابيات العفيفات من اليهود والنصارى؛ ولا شك أن للعقيدة والتوحيد دورها الرئيس في هذا الحكم، فإسلام المرأة الكتابية المتزوجة من واحد من المسلمين قريب، وممكن، وفتنة المسلمة عن دينها بتزويجها من غير مسلم ممكن وقريب، وهذا الحكم موافق جدّاً للرحمة التي جاءت بها أحكام هذا الدين العظيم، الرحمة بالكتابية لعلها تسلم، وبالمسلمة أن لا تترك دينها. ج. ليس في الإسلام إجبار للكافر أن يدخل في الإسلام؛ لأن الإخلاص، والصدق، من شروط قبول الإسلام، والله تعالى يقول: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) . د. وفي الإسلام رجم للزاني المحصَن، وقطع ليد السارق، وجلد للقاذف للعرض الغافل، ولسنا نخجل من هذه التشريعات، بل نعتقد جازمين أن الأرض كلها بحاجة لأن تطبقها، ومن فعلوا ذلك عاشوا آمنين على أعراضهم، وأموالهم، ونفوسهم، من التعرض لها بما يسوؤها، ومن تأمل من العقلاء هذه الأحكام علم أن تشريعها هو للمنع – ابتداء – من أن يتجرأ أحد على فعلها، ومن تأمل حال الغرب الكافر، ورأى انتشار الاغتصاب، وكثرة السرقات، وتفشي القتل: علم أن الحاجة ماسَّة لإيقاف هذا، وها هم جربوا غير أحكام الإسلام فماذا نفعهم هذا غير زيادة شقائهم أكثر فأكثر؟! . فهذا نزر يسير مما ينبغي التنبيه عليه، والتذكير به، ولعلَّ السائل يحتاج لزيادة المعرفة في بعض ما ذكرناه سابقاً، ونحن على استعداد لتلقي ذلك منه، وطبيعة الموقع أنه سؤال وجواب يقتضي منا الإيجاز، والاختصار، ومن احتاج الزيادة زدناه، راجين من غير المسلمين الذين سيطلعون على هذا الجواب أن يعيدوا النظر فيما هم فيه من حال، وأن يعلموا أن الله تعالى قد أمرهم بالدخول في الإسلام، وأن النبي محمَّداً ﷺ هو رسولٌ لأهل الأرض جميعاً، وليس للعرب وحدهم، فليحرص كل من يقرأ هذا على النجاة بنفسه قبل فوات الأوان، وليعلن توحيده لرب العالَمين، والشهادة للنبي محمد ﷺ بالرسالة، وسيرى تغيُّراً في حياته عند أول نطقه بالشهادتين، ليدخل عالَم السعادة الدنيوية والأخروية، وليفوز برضا ربه تعالى، ويتجنب سخطه وعذابه. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 960

هاجر من أوربا إلى المغرب لكن زوجته تريد العودة [السُّؤَالُ] ـ[هاجرت من إحدى الدول الأوربية إلى المغرب مع زوجتي وأولادي الأربعة منذ أربعة أشهر تقريبا ولدينا سكن بالإيجار وسأبدأ بالعمل قريبا إن شاء الله ولكن زوجتي التي اقتنعت بهذه الهجرة في بداية الأمر أصابها اكتئاب وإحباط شديدين ونقلتها إلى المستشفى مرارا وهي غير سعيدة في بيتها وبالتالي أنا غير سعيد ولم يعجبها شيء في المغرب قط وتشتكي من كل شيء. وأنا عرضت عليها بأن تعود إلى بلد الكفر التي هاجرنا منها وهي لم تقبل , وقلت لها خذي الأولاد وارجعي واتركوني اشتغل هنا وسآتي إلى زيارتكم بين فترة وأخرى ولم تقبل, وهي تريدني أن نرجع جميعا علما بأن أولادي صغار السن حيث أكبرهم عمره ١١ سنة وهم تارة يحبون وتارة لا يحبون ومن المعلوم بان حبهم وكرههم مرتبط بنا, أما أنا فليس لي بديل في الوقت الحالي وإن كان هنالك بعض الصعوبات وأريد أن أتحمل كل هذه الصعوبات لأن الغاية التي خرجت من أجلها عظيمة ألا وهي الهجرة إلى الله وإلى إرضاء الله تعالى خوفا لأنفسنا وأولادنا ولكن أرى بأنه صعب جدا مع حالة زوجتي التي تزداد سوءا يوما بعد يوم والتي بدورها تؤثر سلبا على سعادتنا وعلى تربية الأولاد , وأزيدكم علما بأني صابر معها صبرا جميلا إن شاء الله ولكن لا أعتقد بان صبري سيغير شيئا من اكتئابها وملاحظاتها عن المغرب. أرجوا منكم أن تجدوا لي حلا وأن تجيبوا على سؤالي في أسرع وقت ممكن لأن وضعنا لا يتحمل التأخير]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: الهجرة من بلاد الكفر يختلف حكمها باختلاف حال الإنسان ومدى قدرته على الهجرة وعلى إظهار دينه هناك. فتجب الهجرة على من عجز عن إظهار دينه، واستطاع الهجرة. وأما من قدر على إظهار دينه، فتستحب له الهجرة ولا تجب، ومن عجز عن الهجرة، فقد عذره الله تعالى. قال ابن قدامة ﵀: " فالناس في الهجرة على ثلاثة أضرب: أحدها: من تجب عليه , وهو من يقدر عليها , ولا يمكنه إظهار دينه , ولا تمكنه إقامة واجبات دينه مع المقام بين الكفار , فهذا تجب عليه الهجرة ; لقول الله تعالى: (إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا) . وهذا وعيد شديد يدل على الوجوب. ولأن القيام بواجب دينه واجب على من قدر عليه , والهجرة من ضرورة الواجب وتتمته , وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. الثاني: من لا هجرة عليه. وهو من يعجز عنها , إما لمرض , أو إكراه على الإقامة , أو ضعف ; من النساء والولدان وشبههم , فهذا لا هجرة عليه ; لقول الله تعالى: (إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا) . ولا توصف باستحباب ; لأنها غير مقدور عليها. والثالث: من تستحب له , ولا تجب عليه. وهو من يقدر عليها , لكنه يتمكن من إظهار دينه وإقامته في دار الكفر , فتستحب له , ليتمكن من جهادهم , وتكثير المسلمين , ومعونتهم , ويتخلص من تكثير الكفار , ومخالطتهم , ورؤية المنكر بينهم. ولا تجب عليه ; لإمكان إقامة واجب دينه بدون الهجرة" انتهى من "المغني" (٩/٢٣٦) . وعليه؛ فإذا كنت قادرا على إظهار دينك في البلد الأوربي، فإن الهجرة لا تجب عليك، لكن انتقالك إلى بلد من بلدان المسلمين أفضل وأسلم لك ولأولادك، فإن كان في ذلك مشقة على أهلك، فابذل الوسع في إقناعهم والتخفيف عنهم وبيان محاسن هذا الانتقال، فإن تم ذلك فالحمد لله، وإلا فلا حرج عليك في العودة إلى أوربا، ثم محاولة الهجرة مرة أخرى حين يتيسر ذلك لك ولأهلك. ولكن ... تبقى مشكلة المحافظة على الأولاد هناك دينياً وأخلاقياً، وهو أمر صعب للغاية. فإن لم يمكنك المحافظة عليهم فبقاؤك في بلاد المسلمين هو الواجب والمتعين عليك، وعلى زوجتك أن تصبر وترضى، وتقدم مصلحة الدين والمحافظة عليه على الراحة الدنيوية التي يجدها الإنسان في البلاد الغربية. ولا ينبغي أن تترك أولادك وزوجتك يعودون إلى أوروبا دونك، لما في ذلك من زيادة الخطر عليهم. وينظر للفائدة جواب السؤال رقم (١٣٣٦٣) . ونسأل الله لنا ولك التوفيق والسداد. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 961

حكم شراء المنتجات وعليها النجمة السداسية، وهل منها منتجات "مونت بلانك "؟ [السُّؤَالُ] ـ[فقد انتشر بين الناس ماركة عالمية " مون بلان " – للتصحيح فالماركة اسمها " مونت بلانك "، تحمل شكلاً مشابهاً لـ " نجمة إسرائيل "، فهل يجوز ارتداء حليهم، أو اقتناء أقلامهم، أو كباكتهم؟ وهل لهذه النجمة ارتباط ديني؟ أرجو توضيح ذلك؛ فقد عم يها البلاء. وهذا موقع الشركة www.montblanc.com.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: هناك اختلاف في حقيقة تاريخ اتخاذ النجمة شعاراً لليهود، والذي يعنينا الآن: أن هذه النجمة صارت شعاراً لهم، وجزءاً من علم دولتهم. جاء في " الموسوعة العربية العالمية ": " نجمة داود "، " Star of David ": وتسمَّى أيضاً " ترس داود "، وهي الرمز العالمي لليهودية، تظهر نجمة داود في علَم " دولة إسرائيل "! والمعابد اليهودية، وفي الأشياء التي تستخدم عند ممارسة الطقوس الدينية، وفي شعارات مختلف المنظمات. تتكون النجمة من مثلثين، يتشابكان لتكوين نجمة سداسية، وشكل هذه النجمة معروف منذ القدم، ولكن لا يعرف الباحثون متى اشتهر بوصفه رمزاً لليهودية، ويعتقد أنه ظهر قبل عام ٩٦٠ ق. م، أما المصطلح اليهودي " ماغن ديفيد " الذي يعني " ترس داود ": فيعود إلى أواخر القرن الثالث الميلادي" انتهى. تنبيه: من الخطأ أن نقول: " نجمة داود "، والصواب: أن يقال: " النجمة السداسية "؛ لأنه لا يُعرف لداود ﵇ نجمة، ثم هم يريدون نسبة أنفسهم لنبي من الأنبياء، مع أن الواقع أن الكفرة منهم ملعونون على لسانه ﵇، قال تعالى: (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ) المائدة/ ٧٨. ومن أراد الزيادة في معرفة تاريخ ظهور هذه النجمة السداسية: فلينظر كتاب " موسوعة المفاهيم والمصطلحات الصهيونية " تأليف الدكتور عبد الوهاب المسيري ﵀. ثانياً: لكون النجمة السداسية الآن صارت شعاراً لتلك العصابة الإجرامية، وجزءاً من رايتها: فإن المنع من نقشها، ورسمها على الثياب، والساعات، والجدُر، وغيرها: هو المتعيِّن، وهو الذي أفتى به العلماء. فقد سئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء: عن حكم بيع أو شراء أو عرض: " نجمة إسرائيل "! أو " الصليب "، أو ما يمت لليهود والنصارى بشيء من شعائرهم؟ . فأجابوا: "لا يجوز عمل هذه المصوغات بما يحمل شعارات الكفر ورموزه، كالصليب، ونجمة إسرائيل، وغيرهما، ولا يجوز بيعها، ولا شراؤها" انتهى. الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ بكر أبو زيد. " فتاوى اللجنة الدائمة " (١٣ / ٦٨ – ٧٠) . ثالثاً: أما بخصوص العلامة التجارية الوارد ذِكرها في السؤال: فالذي علمناه أنه لا يُقصد بذلك الشعار " النجمة السداسية "، وليست الشركة المنتجة شركة يهودية. فاسم الماركة " مونت بلانك "montblanc هو اسم " جبل " ثلجي في فرنسا، يقع على الحدود الفرنسية الإيطالية، ويعد أعلى الجبال الواقعة في " أوروبا الغربية "، والشركة المنتجة لهذه المصنوعات هي شركة ألمانية، تأسست سنة ١٩٠٦ م، وكان لها اسم غير هذا، وفي عام ١٩٠٩ تم تغيير الاسم، وفي عام ١٩١٣ تم ابتكار هذا الشعار، وقد قصدوا بالشعار قمة ذلك الجبل، وأن مصنوعاتهم تشبه تلك القمة، في بياضها، وعالميتها، وعلو مكانتها، وهذا كله بحسب موقعهم الذي أحالنا عليه السائل. وننبه هنا على أن بعض منتجات الشركة الوارد ذكرها في السؤال قد تكون محرَّمة باعتبار آخر، إما لذاتها كساعات ذهبية للرجال، أو لاستعمالها، كزينة محرّم على المرأة إظهارها، أو عطور نسائية تخرج بها من بيتها، ويجد ريحها الرجال الأجانب عنها. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 962

حكم تهنئة غير المسلمين في مناسبات غير دينية [السُّؤَالُ] ـ[قرأت الفتاوى المتعلقة بعدم جواز مشاركة غير المسلمين في احتفالاتهم، ولكنني أريد أن أعرف ما حكم الاحتفال معهم في مناسبة مدرسية أو جامعية؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: تهنئة الكفار بأعيادهم الدينية محرم لا شك في تحريمه، وقد سبق لنا في فتاوى متعددة بيان ذلك، والتحذير منه. (٩٤٧) و (١١٤٢٧) و (٤٥٢٨) و (١١٣٠) . ثانياً: وأما مناسباتهم الشخصية الخاصة، كزواج، أو نجاح في مدرسة، أو تعيين في وظيفة، أو شفاء من مرض، أو إنجاب ولد، أو قدوم من سفر، ونحوه: فهذا مما اختلف فيه العلماء إلى أقوال ثلاثة - وهي أقوال ثلاثة عن الإمام أحمد -: فمنهم من رأى الجواز، ومنهم من منع، ومنهم من أجاز بشرط وجود مصلحة شرعية، كتأليف قلوبهم للإسلام، أو دعوتهم إلى الدين. وهذا أرجح الأقوال، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. قال ابن مفلح الحنبلي – ﵀: وتحرم العيادة، والتهنئة، والتعزية لهم ... ، وعنه – أي: عن الإمام أحمد -: يجوز، وعنه: لمصلحة راجحة , كرجاء إسلام , اختاره شيخنا – أي: ابن تيمية - ومعناه اختيار الآجري , وأنه قول العلماء: يُعاد، ويعرض عليه الإسلام، نقل أبو داود: إن كان يريد يدعوه إلى الإسلام: فنعم. " الفروع وتصحيح الفروع " (١٠ / ٣٣٤) . على أننا ننبه إلى شروط أخرى يجب توفرها حتى يقال بالجواز، ومنها: ١. خلو بيئة التهنئة والزيارة من المنكرات، كالاختلاط، والمعازف، والأطعمة والأشربة المحرمة، فاحتفالات المسلمين غالباً – وللأسف – لا تخلو من منكرات، فكيف بغير المسلمين. وانظر جواب السؤال رقم: (٣٣٢٥) . ٢. أن تخلو عبارات التهنئة من مخالفات شرعية، كابتدائه بالسلام، أو الدعاء له بالعز والبقاء. قال ابن القيم – ﵀: فصل في تهنئتهم بزوجة، أو ولد، أو قدوم غائب، أو عافية، أو سلامة من مكروه، ونحو ذلك، وقد اختلفت الرواية في ذلك عن أحمد، فأباحها مرة، ومنعها أخرى، والكلام فيها كالكلام في التعزية، والعيادة، ولا فرق بينهما، ولكن ليحذر الوقوع فيما يقع فيه الجهال من الألفاظ التي تدل على رضاه بدينه، كما يقول أحدهم " متَّعك الله بدينك "، أو " نيَّحك فيه " – أي: قوَّاك فيه -، أو يقول له: " أعزك الله "، أو " أكرمك "، إلا أن يقول " أكرمك الله بالإسلام، وأعزك به "، ونحو ذلك، فهذا في التهنئة بالأمور المشتركة. " أحكام أهل الذمة " (١ / ٤٤١) . ٣. أن لا يهنَّأ ذلك الكافر – ولا المسلم كذلك – إن كان رجوعه من سفر معصية، أو حرب على المسلمين، أو لتولي وظيفة محرمة، كعمل في بنك، أو قضاء بين الناس بخلاف الشرع. قال ابن القيم – ﵀: فمن هنَّأ عبداً بمعصية، أو بدعة، أو كفر: فقد تعرض لمقت الله وسخطه، وقد كان أهل الورع من أهل العلم يتجنبون تهنئة الظلمة بالولايات، وتهنئة الجهال بمنصب القضاء، والتدريس، والإفتاء؛ تجنباً لمقت الله، وسقوطهم من عينه، وإن بُلي الرجل بذلك فتعاطاه دفعاً لشرٍّ يتوقعه منهم، فمشى إليهم، ولم يقل إلا خيراً، ودعا لهم بالتوفيق، والتسديد: فلا بأس بذلك. " أحكام أهل الذمة " (١ / ٤٤١، ٤٤٢) . ٤. تجنب تهنئة رؤوس الكفر كالقساوسة، والأحبار، وزعماء الكفر؛ لقطع الطمع في إسلامهم، ولما في تهنئتهم ومشاركتهم من عزٍّ لهم، وذل للمسلم، إلا أن يُطمع بأحد بعينه: فيجوز، كما في عيادة النبي ﷺ لعمِّه أبي طالب. قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀ – وسئل عن تهنئة " قس " بوصوله -: وأما ذهاب النبي ﷺ لليهودي الذي كان مريضاً: فإن هذا اليهودي كان غلاماً يخدم النبي ﷺ ، فلمَّا مرض عاده النبي ﷺ ليعرض عليه الإسلام، فعرَضه عليه، فأسلم، فأين هذا الذي يعوده ليعرض عليه الإسلام من شخص زار قسّاً ليهنئه بسلامة الوصول، ويرفع من معنويته؟! لا يمكن أن يقيس هذا على ذاك إلا جاهل، أو صاحب هوى. " مجموع فتاوى الشيخ العثيمين " (٣ / ٤٧) . والخلاصة: أن الراجح في المسألة هو جواز التهنئة، بالشروط التي قدمناها، وإن كان الأحوط أن يجتنبهم المرء تماما، وأن يبتعد عن مخالطتهم. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 963

تريد دعوة رافضي للإسلام وتسأل عن " الوطنية " وعلاجها عنده [السُّؤَالُ] ـ[أعرف رجلاً إيرانيّاً شيعيّاً , وهو مستعد لأن يكون سنيّاً , وهو رجل وطني للغاية , وأنا أتساءل دائماً: هل هو مهتم بالإخوة الإسلامية كما هو مهتم بإخوانه المنتمين لبلده؟ وأنا أعتقد أن المسلم يجب أن تكون أولويته في الحب لإخوانه المسلمين أكثر من أي حب آخر , هذا فضلاً عن محبة الله ورسوله الكريم ﷺ , وأريد أن أقول له ذلك الأمر إلا أنني أخشى أن أكون من الذين يقومون بعمل تفرقة بين الناس. أرجو بيان هذا الأمر , فهل اعتقادي صحيح أم لا؟ . إذا كان صحيحاً: أرجو من فضيلتكم بيان كيفية إخبار هذا الرجل بهذا الأمر , كيف أخبره أن محبة الإسلام والمسلمين أولى من محبة أبناء الوطن خصوصاً الشيعة؟ . وهل يجوز دفع الزكاة للشيعي - لأنهم ليسوا كلهم كفرة -؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: قبل الجواب لا بدَّ من تحذير وتنبيه الأخت السائلة من إثم وخطر علاقة المرأة بالرجال الأجانب، فالإسلام يحرِّم تلك العلاقات بين الطرفين إذا لم يربط بينهما رابط شرعي، وللشيطان طرقه في الإيقاع بعباد الله حتى من طريق الدعوة إلى الله؛ وذلك بتزيين مثل تلك العلاقة أنها نافعة للهداية إما للإسلام، أو للطاعة. كما أن الرجل – ولدينا كثير من الحالات – يوهم المرأة أنه قريب من دينها، ومنهجها، وأنه لا تبعده عن ذلك إلا خطوات؛ من أجل أن يجد مجالاً للحديث معها، والإيقاع بها، وقد يُعلن في الظاهر أنه على دينها ومنهجها، ثم سرعان ما يتركها بعد أن يحقق مأربه. وإنما نذكر هذا نصيحة وتحذيراً للمسلمات أن ينتبهن لأنفسهن، وأن يحذرن من تغليب العاطفة على الشرع، والعقل. وفي حالتنا هذه: يمكن أن توكل مهمة دعوة ذلك الرافضي لرجل من أهل السنة، من أهلك، أو ممن يوثق به من أهل العلم والحكمة ممن هو قريب منكِ، ليتولى هو أمر دعوته والكلام معه، وإذا هداه الله ووفقه فيُكتب ذلك في ميزانك إن شاء الله. فإن لم تجدي عندك من يقوم بهذه المهمة عنك، فدعيها له، وبإمكانه هو أن يستغل الخيط الذي ألقيتِ إليه طرفه، ويبحث عما ينفعه عند أهل العلم والدين، أو يراسل بنفسه المواقع المعنية بذلك لأهل السنة، إن كان حريصا على الهداية، وأما أنت فليس لك أن تغرري بنفسك ودينك، من أجل مصلحة موهومة مظنونة، قل أن تحصل في مثل ذلك الحال، وإن حصلت فحولها أضعافها من المفاسد لك ولغيرك، وإن سلمت حالة، هلكت عشرات الحالات، في مثل تلك العلاقات. ثانياً: قد أحسنتِ في قولك إن محبة الإسلام والمسلمين مقدَّمة على حب الوطن، وأبناء الوطن، فالوطنية مصطلح خبيث في أصله؛ إنما جاءنا من دول الكفر من أجل التفرقة بين أبناء الإسلام، فرابطة الإسلام أوسع وأوثق، فجاء المستعمر الخبيث فقسَّم الدول الإسلامية إلى دويلات، ثم ربط أبناء كل دولة بعضهم ببعض؛ ليقطع أواصر العلاقة الكبيرة المتينة بين أبناء الإسلام، فصارت الرابطة الوطنية، والتي تجمع أبناء البلد الواحد بغض النظر عن دينه ومنهجه وخلُقه، فنجح في ذلك – وللأسف – نجاحاً كبيراً، فصار الحب لأبناء الوطن مقدَّماً على الحب لأبناء الإسلام، وصار القتال في سبيل الوطن، لا في سبيل الله، ولا من أجل الإسلام، وها نحن نعيش أثر ذلك في أيامنا هذه، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ومما كذبه الكاذبون على نبينا ﷺ في هذا الباب ما نسبوه إليه من قوله (حُبُّ الوَطَن من الإيمان) ! وهو حديث مكذوب لا أصل له. [ينظر: السلسلة الضعيفة، للشيخ الألباني، ﵀، رقم (٣٦) ] . وما قلناه لا يعني منع حب الإنسان لبلده، ووطنه، بل هو شيء فطري لا انفكاك للإنسان منه، وإنما أردنا التحذير من أن تكون رابطة " الوطنية " هي المقدَّمة على رابطة " الإسلام " في الولاء، والمحبة، والنصرة، وأردنا التنبيه على أن المسلم الأعجمي الذي يعيش في أقصى الأرض أقرب وأحب إلينا من أبناء وطننا ممن ليس مسلماً، وإن كان من وطننا وبلدنا، بل وإن كان ابن أمنا وأبينا. وأما الحب للأرض التي يولد فيها المسلم، أو يعيش: فهذا لا يُتنازع في أنه مشروع، لكن من قاتل دفاعاً عن وطنه فينبغي أن يكون ذلك دفاعاً عن الإسلام الذي في وطنه، لا عن الأرض مجرداً. قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀: " ونحن إذا قاتلنا من أجل الوطن: لم يكن هناك فرق بيننا وبين الكافر؛ لأنه أيضاً يقاتل من أجل وطنه، والذي يُقتل من أجل الدفاع عن الوطن فقط: ليس بشهيد. ولكن الواجب علينا - ونحن مسلمون، وفي بلد إسلامي ولله الحمد ونسأل الله أن يثبتنا على ذلك -: الواجب أن نقاتل من أجل الإسلام في بلادنا. انتبه للفرق! نقاتِل من أجل الإسلام في بلادنا، فنحمي الإسلام الذي في بلادنا، سواء كان في أقصى الشرق أو الغرب، فيجب أن تصحَّح هذه النقطة، فيقال: نحن نقاتل من أجل الإسلام في وطننا، أو من أجل وطننا لأنه إسلامي، ندافع عن الإسلام الذي فيه. أما مجرد الوطنية: فإنها نية باطلة، لا تفيد الإسلام شيئاً، ولا فرق بين الإنسان الذي يقول إنه مسلم، والإنسان الذي يقول إنه كافر إذا كان القتال من أجل الوطن لأنه وطن. وما يُذكر من أن (حب الوطن من الإيمان) ، وأن ذلك حديث عن رسول الله ﷺ : فكذب. حب الوطن إن كان إسلاميّاً: فهذا تحبه لأنه إسلامي، ولا فرق بين وطنك الذي هو مسقط رأسك، أو الوطن البعيد عن بلاد المسلمين، كلها وطن إسلامي يجب أن نحميه. على كل حال: يجب أن نعلم أن النية الصحيحة هي أن نقاتل من أجل الإسلام في بلادنا، أو من أجل وطننا لأنه إسلامي، لا لمجرد الوطنية. أما قتال الدفاع: أي لو أحداً صال عليك في بيتك يريد أخذ مالك، أو أن ينتهك عرض أهلك مثلاً: فإنك تقاتله كما أمرك بذلك النبي ﵊. فقد سئل عن الرجل يأتيه الإنسان ويقول له: أعطني مالك؟ قال: (لا تعطه) قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: (قاتله) ، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: (إن قتلك فأنت شهيد) ، قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: (إن قتلتَه فهو في النار) ... والحاصل: أنه لابد من تصحيح النية، ونرجو منكم أن تنبهوا على هذه المسألة؛ لأننا نرى في الجرائد، والصحف: " الوطن "، " الوطن "، " الوطن "، وليس فيها ذكر للإسلام، وهذا نقص عظيم، يجب أن توجَّه الأمة إلى النهج، والمسلك الصحيح، ونسأل الله لنا، ولكم التوفيق لما يحب ويرضى " انتهى مختصراً. " شرح رياض الصالحين " (١ / ٦٥ – ٦٩) . ثالثاً: وأما بخصوص إيصال هذه الرسالة لذلك الرافضي: فنرى أن الرفض دين فاسد احتوى على مظاهر كثيرة من الشرك، والزندقة، والجاهلية، والبدع والخرافات، وليست هذه المسألة بالتي ستحول بين هداية ذلك الرافضي وبين الإسلام، فإن المطلوب منه أن يتخلى عن التعلق بالقبور، وأهلها، ومطلوب منه أن يُفرد الله تعالى بالتوحيد، وأن يعتقد بعدم تحريف القرآن، وأن يثبت إسلام الصحابة جميعهم، ويشهد لهم بالخير، وخاصة من ورد في فضله نصوص صحيحة، مطلوب منه عشرات الأصول، والسنن والعقائد، أن يعتقدها، ويعمل بها، على وفق ما جاء به كتاب الله، وهدت إليه سنة النبي ﷺ ، قبل أن نبحث معه في التخلي عن الوطنية التي تذكرينها. فإن تاب من بدع الرفض، وضلالاته، أوقفناه على حقيقة الولاء والبراء بين المسلمين، وأن المسلم لا يقدِّم محبة أحدٍ من أهله حتى لو كان أقرب الناس منه، ولا وطنه وبلده، ولا مالَه، على محبة الله ورسوله ودينه، كما قال تعالى: (قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) التوبة/ ٢٤، وبينا له: أن الإيمان الذي يقبله الله ليس في قلب صاحبه مودة لكافرٍ، ولو كان أقرب الناس منه، كما قال تعالى: (لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) المجادلة/ ٢٢. فهذا هو الواجب في دعوة هذا الرجل وأمثاله، على ألا يكون ذلك عن طريقك، كما نبهناك عليه في أول الجواب. رابعاً: أما بخصوص دفع الزكاة للشيعة – الرافضة -: فقد سبق تفصيل القول فيها في جواب السؤال رقم (١١٤٨) ، وفيه بيان عدم جواز ذلك. وهذا من حيث الأصل، أما إن كان السؤال عن ذلك الشخص القريب من الإسلام: فيجوز إعطاء الزكاة لغير المسلم طمعاً في إسلامه، ويصدق عليه أنه من " المؤلَّفة قلوبهم "، وقد ذكرنا جواز ذلك في جواب السؤال رقم (٣٩٦٥٥) فلينظر. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 964

تعليق أعلام وشعارات الدول الكافرة [السُّؤَالُ] ـ[انتشرت بين بعض الشباب ظاهرة التعلق بأعلام وشعارات بعض الدول غير المسلمة، ونراهم يقبلون على شرائها واقتنائها، ويطبعونها على القمص والبناطيل والأحزمة والنظارات، والقبعات والأحذية والمساطر والأقلام والخواتم والساعات، ويجعلونها غطاء لمقاعد السيارات، وملصقات على الزجاج، وبعضهم يشتري العلم كاملاً ويفرشه على مقدمة أو مؤخرة السيارة. فما حكم بيع وشراء واقتناء وتعليق هذه الأعلام؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله "من مقاصد الشريعة الإسلامية المطهرة: أن يكون المسلم متميزاً عن جميع الكفرة والفجار، في عقيدته وأخلاقه وسلوكه وتفكيره، بل وفي مظهره ولغته أيضاً، وقطع جميع علائق المحبة والولاء والنصرة لكل كافر بالله ورسوله، وقد تكاثرت الدلائل الشرعية نصية واستنباطية مؤكدة هذا الأصل الإسلامي، محذرة من نقضه أو التساهل به، عن طريق المحاكاة والتشبه بالذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله، فقال الله : (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنْ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) الجاثية/١٨، وقال سبحانه: (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنْ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنْ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ) البقرة/١٢٠، وقال جل وعلا: (وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ) المائدة/٤٩، وقال جل وتقدس: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنْ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمْ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) الحديد/١٦، والآيات في هذا المعنى كثيرة معلومة. وقال ﵊ لما رأى على عبد الله بن عمرو بن العاص ثوبين معصفرين: (إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها) خرجه مسلم في صحيحه، وثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ خالف أهل الكتاب في سدل الشعر. وقال ﵊: (خالفوا المشركين، وفروا اللحى، وأحفوا الشوارب) أخرجاه في الصحيحين. والأحاديث والآثار عن السلف الصالح في هذا الأمر كثيرة مشهورة. ومما تقدم يُعلم أن المرء لا يكون عاملاً بحقيقة الإسلام حتى يكون ظاهره وباطنه موافقاً لأمر الله ورسوله، فيكون ولاؤه لله ولرسوله ولإخوانه المؤمنين، كما قال الله سبحانه: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ) المائدة/٥٥. ويجب على المؤمن البراءة من الكفر وأهله، سواء كانوا من النصارى أو اليهود أو المجوس أو الملحدين أو غيرهم من سائر الملل والنحل المخالفة للإسلام. ومن أجل المحافظة على الأصل المتقدم لدى المسلم وصيانة لإسلامه من الزيغ والانحراف، جاءت النصوص الشرعية بتحريم التشبه بالكفار فيما هو من خصائصهم، في الأقوال والأفعال والألبسة والهيئة العامة؛ لما في ذلك من الخطر على عقيدة المسلم، وخشية أن يجره ذلك إلى استحسان ما هم عليه من الكفر والضلال، فقال ﵊: (بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم) رواه الإمام أحمد وغيره بسند جيد، وقال ﵊: (ليس منا من تشبه بغيرنا، لا تشبهوا باليهود ولا النصارى) حديث حسن، رواه الترمذي وغيره. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، مبيناً حكمة الشريعة في تحريم التشبه بالكفار، ووجوب مخالفتهم في الأمور الظاهرة؛ كالألبسة ونحوها: "وقد بعث الله محمداً ﷺ بالحكمة التي هي سنته، وهي الشرعة والمنهاج الذي شرعه له، فكان من هذه الحكمة: أن شرع له من الأعمال والأقوال ما يباين سبيل المغضوب عليهم والضالين، فأمر بمخالفتهم في الهدْي الظاهر – وإن لم يظهر لكثير من الخلق في ذلك مفسدة – لأمور: منها: أن المشاركة في الهدي الظاهر تورث تناسباً وتشاكلاً بين المتشابهين، يقود إلى موافقةٍ ما في الأخلاق والأعمال، وهذا أمر محسوس، فإن اللابس لثياب الجند المقاتلة مثلاً يجد من نفسه نوع تخلُّق بأخلاقهم، ويصير طبعه متقاضياً لذلك، إلا أن يمنعه مانع. ومنها: أن المخالفة في الهدي الظاهر توجب مباينةً ومفارقةً توجب الانقطاع عن موجبات الغضب وأسباب الضلال، والانعطاف على أهل الهدى والرضوان، وتحقق ما قطع الله من المولاة بين جنده المفلحين وأعدائه الخاسرين. وكلما كان القلب أتم حياة وأعرف بالإسلام الذي هو الإسلام – لست أعني مجرد التوسم به ظاهراً أو باطناً بمجرد الاعتقادات، من حيث الجملة – كان إحساس بمفارقة اليهود والنصارى باطناً وظاهراً أتم، وبُعْده عن أخلاقهم الموجودة في بعض المسلمين أشد. ومنها: أن مشاركتهم في الهدي الظاهر توجب الاختلاط الظاهر، حتى يرتفع التميز ظاهراً بين المهديين المرضيين، وبين المغضوب عليهم والضالين، إلى غير ذلك من الأسباب الحكيمة. هذا إذا لم يكن ذلك الهدي الظاهر إلا مباحاً محضاً، لو تجرد عن مشابهتهم، فأما إن كان من موجبات كفرهم كان شعبة من شعب الكفر، فموافقتهم فيه موافقة في نوع من أنواع معاصيهم، فهذا أصل ينبغي أن يتفطن له". وبناء على ما تقدم فمما لا شك فيه أن من مظاهر الولاء للكفار: التشبه بهم، وارتداء ملابس تحمل شعاراتهم؛ كالصليب ونحوه، والعناية بصورهم، وتشجيع أنديتهم الرياضية، وتعليق أعلامهم على السيارات والبيوتات والمحال التجارية، والتسمي بأسمائهم الخاصة بهم، والدعوة إلى محبتهم وصداقتهم، والافتخار بالانتساب إليهم، وإلى رؤسائهم وأعيانهم، والانبهار بأهوائهم وأفكارهم المخالفة للإسلام، وما دروا أنهم بصنيعهم هذا يهدمون أصلاً من أصول الإسلام في أنفسهم وفي نفوس المسلمين، ويزيدون الأمة وهناً على وهن، فإنا لله وإنا إليه راجعون. والواجب على جميع المسلمين التمسك بهدي الإسلام المستقيم، والحذر من الانحراف عنه إلى طريق المغضوب عليهم والضالين، من اليهود والنصارى وسائر المشركين، والتواصي بالبر والتقوى، وكل ما فيه خير وعز للإسلام والمسلمين، وترك كل ما فيه ضرر على المسلمين والإعانة عليه، وترويجه ونشره. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم" انتهى. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء. الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ... الشيخ عبد العزيز آل الشيخ ... الشيخ عبد الله بن غديان ... الشيخ صالح الفوزان ... الشيخ بكر أبو زيد. "فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء" (٢٦/٣٠٣) . [الْمَصْدَرُ]

стр. 965

هل تذهب للكنسية مع والديها إرضاء لهما ؟ [السُّؤَالُ] ـ[اعتدت أن أذهب الى الكنيسة برفقة والديَّ، ولكن لم أعد أذهب إليها مطلقاً، الأمر الذي جعلهما غاضبيْن مني، فما رأيكم: هل أذهب معهما لإرضائهما فقط؟ لا سيما أن والدتي مريضة في هذه الأيام.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: إن مجرد دخول المسلم لكنائس النصارى فيه خلاف بين أهل العلم، فالجمهور على التحريم، وذهبت طائفة من الحنابلة إلى الكراهة، وطائفة أخرى ذهبت إلى القول بالجواز، وقد سبق ذِكر ذلك في جواب السؤال رقم (١١١٨٣٢) ، ورجحنا هناك: الكراهة. لكن ينبغي التفريق بين الذهاب للكنيسة الذي ليس فيه شيء من التعظيم، والتبجيل، لهم، ولدينهم، وبين الذهاب الذي يقع فيه شيء من هذه الأحوال من المسلم الذاهب إلى تلك الكنائس. وقد سبق في جواب السؤال رقم (٨٢٨٣٦) ذِكر بعض المفاسد في الذهاب للكنائس لعقد اجتماعات علمية، كما سبق التنبيه على ترك الدعوة إلى الإسلام فيها إن كان المقصود من ذلك إذلال المسلم، وينظر في ذلك جواب السؤال رقم (١١٢٣٢) . وليست الكراهة في الذهاب إلى الكنيسة، أو جواز دخولها يشمل الداخل فيها لسماع ما يُقرأ من الإنجيل المحرَّف، أو ادعاء الولد لله تعالى، أو الافتراء عليه في التشريع، بل مثل هذا لا يُشك في حرمته، ولا يجوز لأحدٍ حضور ذلك مجاملة، أو إرضاء لأحدٍ، ولو كانا والديْن، كما سبق ذِكر ذلك عن علماء اللجنة الدائمة في الجواب المحال عليه أولاً، ومثل هذا الدخول يجوز في حال الضرورة، وذلك كأن يكون المسلمُ مُكرهاً إكراهاً حقيقيا من جهة أخرى، سواء شخص أو جماعة، قادرة على إيقاع عقوبة لا يحتملها به. ومتى استطاع التخلص من الذهاب لم يجز له الاستمرار في فعله. ثانياً: والذي نراه في مسألتِك: أن الأمر ليس إكراهاً، بل هو من أجل إرضاء والديكِ، وعليه: فلا نرى موافقتهما على الذهاب معهما إلى الكنيسة. والذي ننصحك به في هذا المقام: ١. التلطف في معاملة والديكِ، وإظهار أكبر درجات الاحترام، والعناية بهما، والرعاية لهما، وخاصة والدتك المريضة، ومن شأن هذه المعاملة أن تجعلهم يغضون النظر عن إلزامك بالذهاب معهما إلى الكنيسة، فضلاً عن الغضب منكِ في حال لم تذهبي. ٢. إبداء العذر المناسب الذي لا يجعلهما يغضبان منك، كالبقاء في البيت للدراسة، أو من أجل استقبال ضيفة من زميلاتك، وغير ذلك من الأعذار المناسبة. ٣. تجنب الطعن في دينهم مباشرة، أو تسفيه ما يقال في الكنسية. ٤. محاولة صرفهم عن الذهاب إلى هناك، مع إبداء عذر مقنع لك: وهو وجود الكم الهائل من أبناء دينهم ممن لا يذهبون لتلك الكنائس، ويفضل الإتيان بإحصائيات في ذلك، مما يتعلق ببلادكم. ٥. عدم التقصير في دعوتهم للإسلام بالتي هي أحسن، عن طريق الكتيبات، أو الأشرطة، أو زيارة المواقع الإسلامية، أو القنوات الفضائية الإسلامية، كقناة " الهدى " باللغة الإنجليزية. ٦. الصبر والاحتساب على ما تلاقينه من معاملة قاسية منهما، أو من غضب، بسبب عدم ذهابك معهما، ونسأل الله أن يجعل ذلك في ميزانك يوم تلقينه. ٧. المداومة على الدعاء لهما بالهداية، واحرصي على الأوقات الفاضلة للدعاء كالثلث الأخير من الليل، واحرصي عليه في خير حالات المؤمن، وهو السجود في الصلاة. ونسأل الله أن يوفقك في مسعاكِ، وأن يثبتك على الحق والهدى، وأن يهدي والديك، ويكرمك برؤيتهما مسلميْن، موحديْن لربهما تعالى، وأن يُدخلكم جميعاً جنته. ونرحب بتواصلك معنا، وتزويدنا بأخبارك مع والديك، وإذا قدَّر الله لهما الهداية أن تفرحينا بهذا الخبر. والله الموفق [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 966

حكم التجنس بجنسية " ترنيداد وتوباكو " [السُّؤَالُ] ـ[الدولة التي أعيش فيها اسمها " ترنيداد وتوباكو "، فهذا الاسم قد سماه " كريستوفر كولومبس "، وهو مكتشف هذه المنطقة من الأرض، فهل يجوز لي أن أستخدم اسم " ترينداديان" كاسم لجنسيتي؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: جمهورية " ترينيداد وتوباغو " (بالإنجليزية: Republic of Trinidad and Tobago) هي دولة تقع في جنوب " البحر الكاريبي "، على بعد ١١ كيلومتراً من " فنزويلا "، تعتبر " ترينيداد وتوباغو " أرخبيلاً مكوناً من جزيرتين رئيسيتين هما " ترينيداد " - أكبر جزر " ترينيداد وتوباغو " – و " توباغو "، بالإضافة إلى ٢١ جزيرة صغيرة أخرى، مساحتها: ٥١٢٨ كم٢، وعدد سكانها: ١٢٦٢٣٦٦ (عام ٢٠٠٠) ، اللغة الرسمية فيها هي: اللغة الإنجليزية. والبلاد مكونة من أعراق شتى، فالأفريقيون يشكلون حوالي نصف سكان البلاد - ٤٣ % -، ويشكل الهنود الآسيويون، والصينيون نسبة عالية تصل ٤١ %، أما الأديان: فيمثل النصارى ٥٣،٤ %،، والهندوس ٣٤،٦ %، والمسلمون ١٢ % من جملة السكان. وتعد الزراعة: الحرفة الأساسية لسكان " ترينداد وتوباغو ". باختصار من موقع " ويكيبديا ". ثانيا: أما بخصوص اسم جنسيتك: فليست المسألة في الاسم، بل في التجنس نفسه، وقد ذكرنا حال الدولة من حيث عدد المسلمين – اسماً لا واقعاً -، ولا شك أن حكومة تلك الدولة ليست مسلمة، والمسلمون فيها أقلية، والذي يفتي به علماؤنا الثقات هو جواز الحصول على الجنسية من دولة كافرة إذا دعت الضرورة إلى ذلك، نحو من كان مطارداً في بلده، أو مطروداً منها، ولم يجد بلداً مسلماً يتجنس بجنسيته، بشرط أن يظهر دينه، ويكون متمكناً من أداء الشعائر الدينية، لا سيما من كان من أهل البلد الأصليين، وليس ممن دخلها للعمل أو الإقامة، فالرخصة له في حمل جنسية هذه الدولة أولى وأقوى. أما الهجرة إلى مثل هذه البلاد، والتجنس بجنسيتها، لمجرد تحقيق مصالح دنيوية من هذه الجنسية: فلا يجوز في هذه الحال؛ لما في استخراجها من تولِّي الكفار ظاهراً، وما يلزم بسببها من النطق ظاهراً بما لا يجوز اعتقاده ولا التزامه، كالرضا بالكفر، أو بالقانون المخالف لشرع الله؛ ولأن استخراجها ذريعة إلى الإقامة في بلاد الكفار الدائمة، وهو أمر غير جائز، إلا لمن عجز عن تركها إلى بلد أفضل له في دينه منها. وهذا ملخص لما ذكرناه في جواب السؤالين (١٤٢٣٥) و (٦٢٤٧) ، وانظر زيادة على ذلك: جوابي السؤالين: (٦٧٧٨٢) (٧٢٩٥٥) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 967

السفر إلى الخارج لتعلم اللغة، والدراسة الجامعية المختلطة [السُّؤَالُ] ـ[أنا من بلاد الحرمين الشريفين وعلى وشك السفر إلى كندا والدراسة هناك لتعلم اللغة ومن ثم التفكير في مسألة الدراسة الجامعية أم لا، وأنا ولله الحمد ملتزم، ولا أخفيكم بأني رفضت هذه المسألة من البداية بعد أن قرأت بأنه لا يجوز الدراسة بالخارج، ولكن مع الضغوط من الأهل وأيضاً محاولة إقناعي بأن هناك في كندا لن أواجه مشكلة في إعلان ديني والقيام بكل ما أريد ولكن أواجه مشكلة مثلاً في [الاختلاط] حيث إن الدراسة هناك مختلطة. كيف أستطيع أن أواجه هذا الأمر؟ ، وأيضاً مسألة [اللحية] هل أقوم بإعفاء اللحية وهذا الذي أتمناه، أم أنه من الأفضل حلقها؟ خصوصاً وأنني باللحية ربما أكون ملفتاً للأنظار هناك، وأتمنى توجيه بعض النصائح لكل من يسافر لدراسة بالخارج.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: سبق لنا في فتاوى متعددة بيان حكم السفر لمثل تلك البلاد، والإقامة فيها، وقد بينَّا أن الأصل فيها التحريم، وأنه يجوز في بعض حالات، وضمن شروط معينة، وليس من تلك الحالات أن يذهب المسلم لدراسة علوم تتوفر في بلده، أو في غيرها من دول الإسلام مع تعريض نفسه للفتن والانحرافات. قال الشيخ ابن باز ﵀: " وأفيدك بأن الإقامة في بلد يظهر فيها الشرك والكفر , ودين النصارى وغيرهم من الكفرة لا تجوز , سواء كانت الإقامة بينهم للعمل أو للتجارة أو للدراسة , أو غير ذلك ; لقول الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا) . ولقول النبي ﷺ : (أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين) . وهذه الإقامة لا تصدر عن قلب عرف حقيقة الإسلام والإيمان , وعرف ما يجب من حق الله في الإسلام على المسلمين , ورضي بالله ربا , وبالإسلام دينا , وبمحمد ﷺ نبيا ورسولا. فإن الرضا بذلك يتضمن من محبة الله , وإيثار مرضاته , والغيرة لدينه , والانحياز إلى أوليائه ما يوجب البراءة التامة والتباعد كل التباعد من الكفرة وبلادهم , بل نفس الإيمان المطلق في الكتاب والسنة , لا يجتمع مع هذه المنكرات , وصح عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ أنه قال: يا رسول الله، بايعني واشترط، فقال رسول الله ﷺ : (تعبد الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتناصح المسلمين، وتفارق المشركين) أخرجه أبو عبد الرحمن النسائي، وصح عن رسول الله ﷺ الحديث السابق , وهو قوله ﵊: (أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين) وقال ﵊: (لا يقبل الله من مشرك عملا بعد ما أسلم; أو يفارق المشركين) والمعنى حتى يفارق المشركين. وقد صرح أهل العلم بالنهي عن ذلك , والتحذير منه , ووجوب الهجرة مع القدرة , اللهم إلا رجل عنده علم وبصيرة , فيذهب إلى هناك للدعوة إلى الله , وإخراج الناس من الظلمات إلى النور , وشرح محاسن الإسلام لهم , وقد دلت آية سورة براءة: (قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) على أن قصد أحد الأغراض الدنيوية ليس بعذر شرعي , بل فاعله فاسق متوعد بعدم الهداية إذا كانت هذه الأمور أو بعضها أحب إليه من الله ورسوله , ومن الجهاد في سبيل الله. وأي خير يبقى مع مشاهدة الشرك وغيره من المنكرات والسكوت عليها , بل وفعلها , كما حصل ذلك من بعض من ذكرت من المنتسبين للإسلام. وإن زعم المقيم من المسلمين بينهم أن له أغراضا من الأغراض الدنيوية , كالدراسة , أو التجارة , أو التكسب , فذلك لا يزيده إلا مقتا. وقد جاء في كتاب الله الوعيد الشديد والتهديد الأكيد على مجرد ترك الهجرة , كما في آيات سورة النساء المتقدم ذكرها , وهي قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ) الآيات وما بعدها. فكيف بمن يسافر إلى بلاد الكفرة , ويرضى الإقامة في بلادهم , وكما سبق أن ذكرت أن العلماء رحمهم الله تعالى حرموا الإقامة والقدوم إلى بلاد يعجز فيها المسلم عن إظهار دينه , والمقيم للدراسة أو للتجارة أو للتكسب , والمستوطن , حكمهم وما يقال فيهم حكم المستوطن لا فرق , إذا كانوا لا يستطيعون إظهار دينهم , وهم يقدرون على الهجر. وأما دعوى بغضهم وكراهتهم مع الإقامة في ديارهم فذلك لا يكفي , وإنما حرم السفر والإقامة فيها لوجوه , منها: ١ - أن إظهار الدين على الوجه الذي تبرأ به الذمة متعذر وغير حاصل. ٢ - نصوص العلماء رحمهم الله تعالى , وظاهر كلامهم وصريح إشاراتهم أن من لم يعرف دينه بأدلته وبراهينه , ويستطيع المدافعة عنه , ويدفع شبه الكافرين , لا يباح له السفر إليهم. ٣ - من شروط السفر إلى بلادهم: أمن الفتنة بقهرهم وسلطانهم وشبهاتهم وزخرفتهم , وأمن التشبه بهم والتأثر بفعلهم. ٤ - أن سد الذرائع وقطع الوسائل الموصلة إلى الشرك من أكبر أصول الدين وقواعده; ولا شك أن ما ذكرته في رسالتك مما يصدر عن الشباب المسلمين الذين استوطنوا هذه البلاد هو من ثمرات بقائهم في بلاد الكفر , والواجب عليهم الثبات على دينهم والعمل به , وإظهاره , واتباع أوامره , والبعد عن نواهيه , والدعوة إليه , حتى يستطيعوا الهجرة من بلاد الشرك إلى بلاد الإسلام " انتهى من "مجموع فتاوى الشيخ ابن باز" (٩/٤٠٣) . ثانيا: لا تجوز الدراسة المختلطة سواء كانت في بلادك أو في بلاد الغرب، وهي في بلاد الغرب أشد ضررا وإثما وخطرا، وقد أنعم الله عليك بجامعات غير مختلطة في بلادك فكيف تتركها وتذهب إلى أخرى مختلطة؟ وكيف تستبدل بنعمة الله عليك المقام في تلك البلدان مع البعد عن أهلك وإخوانك، ورؤية الكافرين صباحا ومساء، وما هم عليه من المنكر والباطل (أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ) . جاء في "فتاوى اللجنة الدائمة" (١٢/١٨٢) : " اختلاط الرجال والنساء في التعليم: حرام، ومنكر عظيم؛ لما فيه من الفتنة، وانتشار الفساد، وانتهاك المحرمات، وما وقع بسبب هذا الاختلاط من الشرِّ والفساد الخلقي لهو من أوضح الدلائل على تحريمه، وإذا انضاف إلى ذلك كونه في بلاد الكفار: كان أشد حرمةً ومنعاً ... " انتهى. الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد. وجاء فيها أيضا (١٢/١٧٣) : " لا يجوز للطالب المسلم أن يدرس في فصول مختلطة بين الرجال والنساء؛ لما في ذلك من الفتنة العظيمة، وعليك التماس الدراسة في مكان غير مختلط؛ محافظة على دينك، وعِرضك، (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا) " انتهى. الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد. ثالثا: يحرم على الرجل حلق لحيته؛ للأدلة الآمرة بإعفائها. وينظر جواب السؤال رقم ١١٠٤٦٢. والوصية لك أن تتقي الله تعالى، وأن تدع السفر إلى تلك البلاد، سواء كان لتعلم اللغة أو للدراسة الجامعية، وأن تبين لأهلك حرمة هذا السفر الذي يعرض الإنسان للفتنة، ويوقعه في الاختلاط المحرم. ولا يلزمك طاعة أهلك في هذا السفر؛ فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. فاحفظ دينك وأمانتك، واحمد الله على ما أنعم عليك، واطلب ما تريد من العلم في بلدك، ولَنَقْصٌ في أمر الدنيا أهون من عذاب في الآخرة. نسأل الله لك التوفيق والسداد. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 968

لماذا حرم الإسلام تشبه المسلمين بالكفار ؟ [السُّؤَالُ] ـ[لماذا حرم الإسلام على المسلمين أن يتشبهوا بغيرهم؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله التشبه بالغير حالة تطرأ على النفس البشرية، تدل على عظم محبة المتشبه بمن تشبه به، وهي في كثير من أحيانها ظاهرة غير صحية، وقد أولت الشريعة هذه القضية [تشبه المسلمين بالكفار] اهتماماً بالغاً، وحرمها الرسول ﷺ تحريماً قاطعاً، فقال: (مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ) رواه أبو داود (٤٠٣١) وصححه الألباني في صحيح أبي داود. قال شيخ الإسلام ﵀: "وهذا الحديث أقل أحواله أن يقتضي تحريم التشبه بهم، وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم، كما في قوله: (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) المائدة/٥١. فقد يحمل هذا على التشبه المطلق فإنه يوجب الكفر، ويقتضي تحريم أبعاض ذلك، وقد يحمل على أنه منهم في القدر المشترك الذي شابههم فيه، فإن كان كفرا، أو معصية، أو شعارا لها كان حكمه كذلك. وبكل حال يقتضي تحريم التشبه" انتهى باختصار من "اقتضاء الصراط المستقيم" (١/٢٧٠، ٢٧١) . ويمكن تلمس الحكمة من تحريم تشبه المسلمين بالكفار من معرفة أضرار هذا التشبه وآثاره السيئة، فمن ذلك: ١- أن تشبه المسلم بالكافر يدل على تفضيل المسلم لهيئة الكافر على هيئة نفسه، وهذا قد يكون فيه شيء من الاعتراض على شرع الله تعالى ومشيئته. فالمرأة التي تتشبه بالرجل كأنها معترضة على الهيئة التي خلقها الله عليها، وغير راضية عنها. وكذلك المسلم إذا تشبه بالكافر، فإنه يعلن أن هيئة الكافر خير له من الهيئة التي أكرمه الله بها، وأمره أن يكون عليها. ٢- التشبه بالغير دليل على الضعف النفسي، والهزيمة النفسية، والشريعة لا تقبل من المسلمين أن يعلنوا تلك الهزيمة، حتى وإن كانت واقعاً. إن الاعتراف بالهزيمة وإعلانها يزيد الضعيف ضعفاً، ويزيد القوي قوة، وهذا قد يكون من أكبر العوائق على نهوض الضعيف وتصحيحه لمساره. ولهذا فإن العقلاء من أي أمة من الأمم يأبون أن تقلد شعوبهم عدوهم، بل إنهم يحرصون على تميزهم بتراثهم وتقاليدهم وأزيائهم حتى ولو رأوا أن العدو له تراث وتقاليد وأزياء خير مما هم عليه؛ وما ذلك إلا لأنهم يدركون الأبعاد النفسية والاجتماعية، بل والسياسية للتبعية الشكلية للعدو. ٣- التشبه في المظهر الخارجي ملازم للمحبة والولاء القلبي، فلا يتشبه الإنسان إلا بمن يحبه، والمسلمون مأمورون بالبراءة من الكفار بشتى أنواعهم، قال الله تعالى: (لَا يَتَّخِذْ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنْ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمْ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ) آل عمران/٢٨. وقال تعالى: (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ) المجادلة/٢٢. وقال النبي ﷺ : (أوثق عرى الإيمان: الموالاة في الله، والمعاداة في الله، والحب في الله، والبغض في الله) . رواه الطبراني وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٩٩٨) . قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "اقتضاء الصراط المستقيم" (١/٥٤٩) : "المشابهة في الظاهر تورث نوع مودة ومحبة، وموالاة في الباطن، كما أن المحبة في الباطن تورث المشابهة في الظاهر، وهذا أمر يشهد به الحس والتجربة" انتهى. فالتشبه بالكفار فيه هدم لهذا الأصل من أصول الدين: وهو البراءة من الكفار وبغضهم. ٤- التشبه بالكفار في الظاهر يؤدي إلى ما هو أخطر، وهو التشبه بهم في الباطن، فيعتقد اعتقادهم، أو يرى تصحيح مذاهبهم وآرائهم، فبين الظاهر والباطن ارتباط وثيق، ويؤثر أحدهما على الآخر. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم (١/٥٤٨) : "فالمشابهة والمشاكلة في الأمور الظاهرة، توجب مشابهة ومشاكلة في الأمور الباطنة على وجه المسارقة والتدريج الخفي، وقد رأينا اليهود والنصارى الذين عاشروا المسلمين، هم أقل كفراً من غيرهم، كما رأينا المسلمين الذين أكثروا من معاشرة اليهود والنصارى، هم أقل إيماناً من غيرهم" انتهى. وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: "لأن المشابهة في الزي الظاهر تدعو إلى الموافقة في الهدي الباطن كما دل عليه الشرع والعقل والحس؛ ولهذا جاءت الشريعة بالمنع من التشبه بالكفار والحيوانات والشياطين والنساء والأعراب" انتهى من الفروسية ص (١٢٢) . فهذه بعض الحكم الظاهرة جداً لتحريم الشرع تشبه المسلمين بالمشركين، وعلى المسلم أن يمتثل حكم الله تعالى ويؤمن أن الله تعالى لن يأمره إلا بما فيه الحكمة والمصلحة والسعادة في الدنيا والآخرة. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 969

حديث لا تراءى ناراهما [السُّؤَالُ] ـ[ما صحة حديث ورد بمعنى أن نار المؤمن ونار الكافر لا تتراءيان، وأظن المعنى أنهما لا تتجاوران؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: عَنْ قَيْسٍ بن أبي حازم عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيَّةً إِلَى خَثْعَمٍ، فَاعْتَصَمَ نَاسٌ مِنْهُمْ بِالسُّجُودِ، فَأَسْرَعَ فِيهِمْ الْقَتْلَ، قَالَ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَأَمَرَ لَهُمْ بِنِصْفِ الْعَقْلِ وَقَالَ: (أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لِمَ؟ قَالَ: لَا تَرَاءَى نَارَاهُمَا) . جاء هذا الحديث على وجهين اثنين: ١. مسندا متصلا من رواية قيس بن أبي حازم عن جرير بن عبد الله البجلي: رواه أبو داود برقم (٢٤٦٥) ، والترمذي برقم (١٠٦٤) ، وغيرهم. ٢. مرسلا من رواية قيس بن أبي حازم عن النبي ﷺ : رواه النسائي برقم (٤٧٨٠) ، وغيره. وقد ذهب غير واحد من أئمة الحديث إلى ترجيح كون الحديث مرسلا وليس مسندا، منهم أبو حاتم والبخاري والترمذي والنسائي والدارقطني وغيرهم. قال الترمذي ﵀: " سألت محمدا عن هذا الحديث، فقال: الصحيح عن قيس بن أبي حازم مرسل. قلت له: فإن حماد بن سلمة روى هذا الحديث عن الحجاج بن أرطاة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير؟ فلم يَعُدَّهُ محفوظا " انتهى. "العلل الكبير" (٢/١٠٠) . وقال أبو داود ﵀، بعدما روى الحديث مسندا في سننه: " رَوَاهُ هُشَيْمٌ وَمَعْمَرٌ وَخَالِدٌ الْوَاسِطِيُّ وَجَمَاعَةٌ لَمْ يَذْكُرُوا جَرِيرًا " انتهى. وانظر: "البدر المنير" لابن الملقن (٩/١٦٣) . فالحديث على هذا ضعيف لا يثبت عن النبي ﷺ . ثانيا: أما عن شرح هذا الحديث، فننقل هنا أقوال أهل العلم فيه: قال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام ﵀: " أما قوله: (لا تراءى ناراهما) ففيه قولان: أما أحدهما: فيقول: لا يحل لمسلم أن يسكن بلاد المشركين، فيكون منهم بقدر ما يرى كل واحد منهم نار صاحبه، فيجعل الرؤية في هذا الحديث في النار، ولا رؤية للنار، وإنما معناه أن تدنو هذه من هذه، وكان الكسائي يقول: العرب تقول: داري تنظر إلى دار فلان ودورنا تناظر، ويقول: إذا أخذت في طريق كذا وكذا، فنظر إليك الجبل: فخذ عن يمينه أو يساره، هكذا كلام العرب. قال الله وذكر الأصنام فقال: (وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ. وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ) الأعراف/١٩٧-١٩٨، فهذا وجه. وأما الوجه الآخر فيقال: أراد بقوله: (لا تراءى ناراهما) يريد نار الحرب، قال الله تعالى: (كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَاراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ) المائدة/٦٤، فيقول: ناراهما مختلفتان، هذه تدعو إلى الله ﵎، وهذه تدعو إلى الشيطان، فكيف تتفقان؟ وكيف يساكن المسلم المشركين في بلادهم، وهذه حال هؤلاء وهؤلاء. ويقال: إن أول هذا أن قوما من أهل مكة أسلموا وكانوا مقيمين بها على إسلامهم قبل فتح مكة، فقال النبي ﵇ هذه المقالة فيهم، ثم صارت للعامة " انتهى. "غريب الحديث" (٢/٨٨-٨٩) . وقال ابن الأثير ﵀: " أي: يلزم المسلم ويجب عليه أن يباعد منزله عن منزل المشرك، ولا ينزل بالموضع الذي إذا أوقدت فيه ناره تلوح وتظهر لنار المشرك إذا أوقدها في منزله، ولكنه ينزل مع المسلمين في دارهم. وإنما كره مجاورة المشركين لأنهم لا عهد لهم ولا أمان، وحث المسلمين على الهجرة. والترائي: تفاعل من الرؤية، يقال: تراءى القوم: إذا رأى بعضهم بعضا، وتراءى لي الشيء: أي ظهر حتى رأيته. وإسناد الترائي إلى النارين مجاز من قولهم: داري تنظر إلى دار فلان: أي تقابلها. يقول: ناراهما مختلفتان، هذه تدعو إلى الله، وهذه تدعو إلى الشيطان، فكيف يتفقان؟! والأصل في " تراءى " تتراءى، فحذف إحدى التاءين تخفيفا " انتهى. "النهاية في غريب الحديث" (٢/٤٤٧) . وقد سبق في موقعنا العديد من الأسئلة التي توضح حكم إقامة المسلم بين أظهر المشركين، يمكن مراجعتها في قسم (الولاء والبراء) ، وانظر جواب السؤال رقم: (١١٧٩٣) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 970

حكم مشاركة المسلم في التجارة مع الكافر والفاسق [السُّؤَالُ] ـ[هل يجوز أن أشترك مع كافر أو فاسق في التجارة؟ وإذا كنتُ شريكاً في التجارة مع رجل مسلم فاسق، أو كافر، ثم انسحبت لكن بقي رأس مالي عنده على أساس يسدد لي المال نقداً بدل البضاعة في المستقبل، فهل عليَّ زكاة مالي الذي يتجر فيه، علماً بأني لا أحصل على أي فائدة من ذلك المال، أم الزكاة على شريكي؟ علماً بأن شريكي لا يدفع الزكاة، أو أنه قد يدفع الزكاة لكن في غير مصاريف الزكاة، فإذا لم يدفع زكاة ذلك المال فهل عليَّ زكاة ذلك؟ وأيضاً قررنا أن يسدد لي الدَّين الذي عليه بأن نبني بناية لنؤجرها، ففي هذه الحال كيف يكون الزكاة؟ يعني: أني لا أحصل الدَّين الذي على شريكي نقداً، بل عند سداد الدَّيْن الذي عليه سيذهب ذلك المال مباشرة في تكلفة البناية، نرجو منكم التوضيح.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: مشاركة المسلم للكافر والفاسق في التجارة أو العمل جائزة، فعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: أعطى رسول الله ﷺ " خيبر " اليهود أن يعملوها، ويزرعوها، ولهم شطر ما يخرج منها. رواه البخاري (٢٣٦٦) . فهذه مشاركة بين النبي ﷺ واليهود على العمل في الأرض، فالعمل من اليهود، والأرض من النبي ﷺ ، والزرع الناتج يقسم مناصفة. والحديث بوَّب عليه البخاري في كتاب الشركة من صحيحه بقوله: " باب مشاركة الذمي والمشركين في المزارعة ". ثانياً: مشاركة المسلم للكافر تكون ممنوعة إذا كانت ستؤدي إلى موالاة الكافر ومحبته. والذي ينبغي أيضاً إذا كانت المشاركة في التجارة أن يتولى المسلم التجارة بنفسه، أو يكون رقيباً على معاملات الكافر أو الفاسق، حتى لا يتعاملا بالربا أو غيره من المحرمات. قال الشيخ صالح الفوزان في " الملخص الفقهي " (٢ / ١٢٤) : "وتجوز مشاركة المسلم للكافر بشرط أن لا ينفرد الكافر بالتصرف، بل يكون بإشراف المسلم؛ لئلا يتعامل الكافر بالربا، أو المحرمات إذا انفرد عن إشراف المسلم" انتهى. وسئل الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: هل يجوز للمسلم أن يكون شريكاً للنصراني في تربية الأغنام، أو تجارتها، أو أي تجارة أخرى؟ فأجاب: "فإن اشتراك مسلم مع نصراني، أو غيره من الكفرة في المواشي، أو في الزراعة، أو في أي شيء آخر: الأصل في ذلك: جوازه إذا لم يكن هناك موالاة، وإنما تعاون في شيء من المال، كالزراعة، أو الماشية، أو نحو ذلك، وقال جماعة من أهل العلم: بشرط أن يتولى ذلك المسلم، أي: أن يتولى العمل في الزراعة، أو في الماشية: المسلم، ولا يتولى ذلك الكافر؛ لأنه لا يؤمن. وهذا فيه تفصيل: فإن كانت هذه الشركة تجر إلى موالاة، أو لفعل ما حرم الله، أو ترك ما أوجب الله: حرمت هذه الشركة؛ لما تفضي إليه من الفساد، أما إن كانت لا تفضي لشيء من ذلك، والمسلم هو الذي يباشرها، وهو الذي يعتني بها، حتى لا يخدع: فلا حرج في ذلك. ولكن بكل حال: فالأولى به السلامة من هذه الشركة، وأن يشترك مع إخوانه المسلمين، دون غيرهم، حتى يأمن على دينه، ويأمن على ماله، فالاشتراك مع عدو له في الدين: فيه خطر على خلُقه، ودينه، وماله، فالأولى بالمؤمن في كل حال أن يبتعد عن هذا الأمر؛ حفظاً لدينه، وحفظاً لعِرضه، وحفظاً لماله، وحذراً من خيانة عدوه في الدين، إلا عند الضرورة والحاجة التي قد تدعو إلى ذلك، فإنه لا حرج عليه بشرط مراعاة ما تقدم. أي: بشرط أن لا يكون في ذلك مضرة على دينه، أو عرضه، أو ماله، وبشرط أن يتولى ذلك بنفسه؛ فإنه أحوط له، فلا يتولاه الكافر، بل يتولى الشركة، والأعمال فيها: المسلم، أو مسلم ينوب عنهما جميعاً" انتهى. " فتاوى نور على الدرب " (١ / ٣٧٧، ٣٧٨) . ثالثاً: خروجك من الشركة وبقاء نصيبك فيها دَيناً على شريكك، يقطع علاقتك بالشركة، فلا زكاة عليك فيما يتعلق بمال الشركة. وإنما عليك زكاة هذا الدَّين الذي لك عند شريكك، حتى وإن كنت ستبني به بناية. فما دام الدين في ذمة شريكك، فعليك زكاته، وزكاة الدين فيها تفصيل ذكرناه في جواب السؤال رقم (١١١٧) ، وخلاصته: إن كان شريكك غنياً باذلا للدين فعليك أن تزكيه كلما مر عليه الحول، وإن كان فقيراً أو معسراً أو ماطلاً، فالأحوط أن تزكيه عن سنة واحدة إذا قبضته، حتى ولو مر عليه عند شريكك عدة سنوات. وانظر جواب السؤال (١١٩٠٤٧) ، فهو شبيه بسؤالك. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 971

حكم إدخال كلمات أجنبية في الكلام العربي أثناء الحديث [السُّؤَالُ] ـ[بعض الناس يتكلم بكلمات أجنبية أثناء كلامه العربي، وقد لا يكون هناك أي داع لهذه الكلمات، فما رأيكم في ذلك؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله اللغة العربية هي أشرف اللغات، وهي شعار الإسلام، ولهذا اختصها الله تعالى وأنزل بها أفضل كتبه، وهو القرآن الكريم، وجعلها لغة خاتم الرسل وأفضلهم، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. فينبغي للمسلم أن يعتز بتلك اللغة ويحرص عليها، ولا يتكلم بغيرها إلا لحاجة. وقد ورد عن بعض الصحابة ﵃ أنهم نهوا عن الكلام بغير العربية. روى ابن أبي شيبة عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: (لا تعلموا رطانة الأعاجم، ولا تدخلوا عليهم كنائسهم، فإن السخط ينزل عليهم) . والرطانة هي التكلم بالأعجمية. "مختار الصحاح" مادة (رطن) (ص٢٤٦) . وروى ابن أبي شيبة أيضاً عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أنه سمع قوماً يتكلمون بالفارسية، فقال: (ما بال الفارسية بعد الحنيفية!) . وكان بعض الناس يسمون التاجر بـ "السمسار" وهي كلمة أعجمية، فكره ذلك الإمام الشافعي ﵀، وقال: " سمى الله الطالبين من فضله في الشراء والبيع تجاراً، ولم تزل العرب تسميهم التجار، ثم سماهم رسول الله ﷺ بما سمى الله به من التجارة بلسان العرب، والسماسرة اسم من أسماء العجم، فلا نحب أن يسمى رجل يعرف العربية تاجراً إلا تاجراً، ولا ينطق بالعربية، فيسمى شيئاً بأعجمية، وذلك أن اللسان الذي اختاره الله لسان العرب، فأنزل به كتابه العزيز، وجعله لسان خاتم أنبيائه محمد ﷺ ، ولهذا نقول: ينبغي لكل أحد يقدر على تعلم العربية أن يتعلمها، لأنها اللسان الأولى بأن يكون مرغوباً فيه، من غير أن يحرم على أحد أن ينطق بالعجمية " انتهى نقلا من "اقتضاء الصراط المستقيم" (١/٥٢١) . فقد كره الإمام الشافعي ﵀ لمن يعرف العربية أن يخلط كلامه العربي بكلام أعجمي. فإن وجدت حاجة للكلام الأعجمي، كما لو كان المخاطَب لا يفهم العربية، فلا حرج من الكلام الأعجمي حينئذ. ونُقل عن بعض السلف أنهم كانوا يتكلمون في ثنايا كلامهم بكلمات أعجمية. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " وفي الجملة: فالكلمة بعد الكلمة من العجمية أمرها قريب، وأكثر ما يفعلون ذلك لإفهام المخاطب، إما لكونه أعجمياً، أو قد اعتاد العجمية، كما قال النبي ﷺ لأم خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص وقد كساها ثوباً: (يا أم خالد، هذا سنا) رواه البخاري (٥٨٤٥) . والسنا بلغة الحبشة: الحسن، وإنما خاطبها النبي ﷺ بهذا لأنها كانت صغيرة، وقد ولدت بأرض الحبشة لما هاجر أبوها. وأما اعتياد الخطاب بغير العربية – التي هي شعار الإسلام ولغة القرآن – حتى يصير ذلك عادة للمصر – أي: البلد -، وأهله، أو لأهل الدار، أو للرجل مع صاحبه ... ، فلا ريب أن هذا مكروه، فإنه من التشبه بالأعاجم " انتهى باختصار وتصرف من "اقتضاء الصراط المستقيم" (١/٥٢٥ - ٥٢٦) . وقد سئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: يدخل البعض في طيات كلامه العربي كلمات أجنبية عندما تتحدث معه , وربما كانت هذه الكلمات لا حاجة لها، فما تعليقكم على هذا الأمر؟ فأجاب: " تعليقي: أن المسلم ينبغي له أن لا يتكلم بغير العربية، إلا إذا دعت الحاجة إلى ذلك، لكون الشيء معروفاً باسمه غير العربي، أو كون المخاطب لا يفهم من العربية إلا قليلاً، فإن هذا لا بأس به. أما إذا كان الإنسان عربياً وهذا الشيء الذي تحدث عنه له اسم في اللغة العربية فلا ينبغي له أن يأتي بشيء آخر من اللغات الأخرى؛ لأن أفضل اللغات وأتمها وأحسنها هي اللغة العربية، ولهذا نزل القرآن باللغة العربية، وهو أفضل الكتب التي أنزلها الله تعالى على رسله، وكان أيضاً لسان آخر الأنبياء وخاتمهم محمد ﷺ اللسان العربي، وهو دليل واضح على فضيلة اللغة العربية " انتهى. "فتاوى علماء البلد الحرام" (١٠٨٤) . وللفائدة ينظر جواب السؤال رقم (٩٠٠٦٦) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 972

الأدلة من الكتاب والسنة على تحريم التشبه بالمشركين [السُّؤَالُ] ـ[هل يمكن أن تبين لي الأدلة من الكتاب والسنة على تحريم تشبه المسلمين بالكفار؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله جاء التشريع بتحريم تشبه المسلمين بالكفار، سواء في عباداتهم أو أعيادهم أو أزيائهم الخاصة بهم. وهذه قاعدة عظيمة في الشريعة الإسلامية، خرج عنها اليوم - مع الأسف - كثير من المسلمين، جهلاً بدينهم، أو اتباعاً لأهوائهم، أو انجرافاً مع العادات والتقاليد المخالفة للشرع. ومن العجيب أن هذا الأصل ـ الذي يجهله كثير من المسلمين اليوم ـ قد عرفه اليهود الذين كانوا في المدينة مع النبي ﷺ ، عرفوا أنه ﷺ يريد أن يخالفهم في كل شؤونهم الخاصة بهم. فعن أنس بن مالك ﵁: (أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا إِذَا حَاضَتْ الْمَرْأَةُ فِيهِمْ لَمْ يُؤَاكِلُوهَا، وَلَمْ يُجَامِعُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ، فَسَأَلَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ النَّبِيَّ ﷺ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ) .. إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا النِّكَاحَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ الْيَهُودَ، فَقَالُوا: مَا يُرِيدُ هَذَا الرَّجُلُ أَنْ يَدَعَ مِنْ أَمْرِنَا شَيْئًا إِلَّا خَالَفَنَا فِيهِ) رواه مسلم (٣٠٢) . وأدلة هذه القاعدة كثيرة في الكتاب والسنة. أما أدلة القرآن الكريم، فمنها: ١. قول الله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ. وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنْ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ. ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنْ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) الجاثية/١٦-١٨. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "أخبر سبحانه أنه أنعم على بني إسرائيل بنعم الدين والدنيا، وأنهم اختلفوا بعد مجيء العلم بغياً من بعضهم على بعض، ثم جعل محمداً ﷺ على شريعة من الأمر، شرعها له، وأمره باتباعها، ونهاه عن اتباع أهواء الذين لا يعلمون، وقد دخل في (الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) كل من خالف شريعته، و (أهواؤهم) هي ما يهوونه، وما عليه المشركون من هديهم الظاهر الذي هو من موجبات دينهم الباطل وتوابع ذلك فهم يهوونه، وموافقتهم فيه اتباع لما يهوونه، ولهذا يفرح الكافرون بموافقة المسلمين في بعض أمورهم، ويسرون به، ويودون أن لو بذلوا مالاً عظيماً ليحصل ذلك" انتهى. ومثل هذه الآية في الاستدلال، قوله تعالى: (وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمِنْ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ. وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنْ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنْ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ) الرعد/٣٦، ٣٧. فمتابعتهم والتشبه بهم فيما يختصون به هو من اتباع أهوائهم. ٢. قول الله تعالى: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنْ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمْ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) الحديد/١٦. قال شيخ الإسلام ﵀: " فقوله: (ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب) نهي مطلق عن مشابهتهم، وهو خاص أيضاً في النهي عن مشابهتهم في قسوة قلوبهم، وقسوة القلوب من ثمرات المعاصي" انتهى. وقال ابن كثير ﵀ عند تفسير هذه الآية (٤/٣٩٦) : "ولهذا نهى الله المؤمنين أن يتشبهوا بهم في شيء من الأمور الأصلية والفرعية " انتهى. ٣. قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ) البقرة/١٠٤. قال ابن كثير ﵀ (١/١٩٧) : " نهى الله تعالى عباده المؤمنين أن يتشبهوا بالكافرين في مقالهم وفعالهم، وذلك أن اليهود كانوا يعانون من الكلام ما فيه تورية لما يقصدونه من التنقيص، عليهم لعائن الله، فإذا أرادوا أن يقولوا: اسمع لنا قالوا: راعنا، ويورون بالرعونة، كما قال تعالى: (مِنْ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمْ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا) النساء/٤٦. وكذلك جاءت الأحاديث بالإخبار عنهم بأنهم كانوا إذا سلموا إنما يقولون: (السام عليكم) والسام هو الموت، ولهذا أمرنا أن نرد عليهم بـ (وعليكم) وإنما يستجاب لنا فيهم ولا يستجاب لهم علينا، والغرض أن الله تعالى نهى المؤمنين عن مشابهة الكافرين قولاً وفعلاً " انتهى. فهذه الآيات ـ وغيرها مما لم نذكره ـ تبين أن ترك التشبه بالكفار في أعمالهم وأقوالهم وأهوائهم من المقاصد والغايات التي جاء بها القرآن الكريم. وأما أدلة السنة على هذه القاعدة، فهي كثيرة جداً، منها: ١. عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ) رواه أبو داود (٤٠٣١) . وصحح إسناده العراقي في تخريج الإحياء (١/٣٤٢) ، وحسنه الحافظ في الفتح (١٠/٢٢٢) ، والألباني في كتاب "حجاب المرأة المسلمة" (ص٢٠٣) . قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وهذا الحديث أقل أحواله أنه يقتضي تحريم التشبه بهم، وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبِّه بهم، كما في قوله: (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) . فقد يحمل هذا على التشبه المطلق فإنه يوجب الكفر، ويقتضي تحريم أبعاض ذلك، وقد يحمل على أنه صار منهم في القدر المشترك الذي شابههم فيه، فإن كان كفراً أو معصية أو شعاراً للكفر أو للمعصية كان حكمه كذلك. وبكل حال، فهو يقتضي تحريم التشبه بهم بعلة كونه تشبهاً [أي: تحريم التشبه بهم من أجل أنه تشبه، لا لسبب آخر] " انتهى. ٢. روى أبو داود (٦٥٢) عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (خَالِفُوا الْيَهُودَ، فَإِنَّهُمْ لَا يُصَلُّونَ فِي نِعَالِهِمْ وَلَا خِفَافِهِمْ) وصححه الألباني في صحيح أبي داود. وهذا يدل على أن مخالفة اليهود أمر مقصود في الشرع. ٣. عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ قال: رأى رسول الله ﷺ عَلَيَّ ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ، فَقَالَ: (إِنَّ هَذِهِ مِنْ ثِيَابِ الْكُفَّارِ فَلَا تَلْبَسْهَا) رواه مسلم (٢٠٧٧) . فعلَّل الرسول ﷺ النهي عن لبس هذه الثياب بأنها من لباس الكفار. ٤. عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ، أَحْفُوا الشَّوَارِبَ، وَأَوْفُوا اللِّحَى) رواه مسلم (٢٥٩) . فأمر الرسول ﷺ بمخالفة المشركين أمراً مطلقاً، ثم ذكر من ذلك: قص الشوارب، وإعفاء اللحي. ٥. عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (إِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لَا يَصْبُغُونَ فَخَالِفُوهُمْ) رواه البخاري (٣٤٦٢) ومسلم (٢١٠٣) . وعنه ﵁ أن النبي ﷺ قال: (غَيِّرُوا الشَّيْبَ، وَلَا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ وَلَا بِالنَّصَارَى) رواه أحمد (٧٤٩٢) ، وقال الألباني في "حجاب المرأة المسلمة (ص١٨٩) : " إسناده حسن " انتهى. وهذا الحديث أدل على الأمر بمخالفتهم، والنهي عن مشابهتهم؛ لأن بياض الشيب ليس من فعلنا، وقد جعل النبي ﷺ إبقاءه وعدم تغييره من التشبه باليهود والنصارى، وقد نهى عن ذلك، فلأن ينهى عن إحداث التشبه بهم أولى. ٦. عَنْ أَبِي عُمَيْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ عُمُومَةٍ لَهُ مِنْ الْأَنْصَارِ قَالَ: (اهْتَمَّ النَّبِيُّ ﷺ لِلصَّلَاةِ كَيْفَ يَجْمَعُ النَّاسَ لَهَا، فَقِيلَ لَهُ: انْصِبْ رَايَةً عِنْدَ حُضُورِ الصَّلَاةِ فَإِذَا رَأَوْهَا آذَنَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَلَمْ يُعْجِبْهُ ذَلِكَ، قَالَ: فَذُكِرَ لَهُ الْقُنْعُ (يعني: البوق) ، فَلَمْ يُعْجِبْهُ ذَلِكَ، وَقَالَ: هُوَ مِنْ أَمْرِ الْيَهُودِ، قَالَ: فَذُكِرَ لَهُ النَّاقُوسُ، فَقَالَ: هُوَ مِنْ أَمْرِ النَّصَارَى، فَانْصَرَفَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ وَهُوَ مُهْتَمٌّ لِهَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأُرِيَ الْأَذَانَ فِي مَنَامِهِ) رواه أبو داود (٤٩٨) ، وصححه الألباني في صحيح أبي داود. فعَّلل النبي ﷺ كراهته للبوق بأنه من أمر اليهود، وكراهته للناقوس بأنه من أمر النصارى، وهذا يقتضي نهيه عما هو من أمر اليهود والنصارى. ٧. عن عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ السُّلَمِيُّ ﵁ قال: (قلت: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي عَمَّا عَلَّمَكَ اللَّهُ، وَأَجْهَلُهُ، أَخْبِرْنِي عَنْ الصَّلَاةِ، قَالَ: صَلِّ صَلَاةَ الصُّبْحِ، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنْ الصَّلَاةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، حَتَّى تَرْتَفِعَ، فَإِنَّهَا تَطْلُعُ حِينَ تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ، وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ، ثُمَّ صَلِّ فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ حَتَّى يَسْتَقِلَّ الظِّلُّ بِالرُّمْحِ، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنْ الصَّلَاةِ، فَإِنَّ حِينَئِذٍ تُسْجَرُ جَهَنَّمُ، فَإِذَا أَقْبَلَ الْفَيْءُ فَصَلِّ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ حَتَّى تُصَلِّيَ الْعَصْرَ، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنْ الصَّلَاةِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، فَإِنَّهَا تَغْرُبُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ، وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ) رواه مسلم (٨٣٢) . قال شيخ الإسلام بن تيمية: "فقد نهى النبي ﷺ عن الصلاة وقت طلوع الشمس ووقت الغروب معللاً ذلك النهي بأنها تطلع وتغرب بين قرني شيطان، وأنه حينئذ يسجد لها الكفار. ومعلوم أن المؤمن لا يقصد السجود إلا لله تعالى، وأكثر الناس قد لا يعلمون أن طلوعها وغروبها بين قرني شيطان، ولا أن الكفار يسجدون لها، ثم إنه ﷺ نهى عن الصلاة في هذا الوقت حسماً لمادة المشابهة بكل طريق..... وكان فيه تنبيه على أن كل ما يفعله المشركون من العبادات ونحوها مما يكون كفراً أو معصية بالنية، ينهى المؤمنون عن ظاهره وإن لم يقصدوا به قصد المشركين، سداً للذريعة، وحسماً للمادة" انتهى. ٨. وعن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ ﵄ قال: حِينَ صَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ يَوْمٌ تُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ صُمْنَا الْيَوْمَ التَّاسِعَ) ، قَالَ: فَلَمْ يَأْتِ الْعَامُ الْمُقْبِلُ حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . رواه مسلم (١١٣٤) . فعزم الرسول ﷺ على مخالفة اليهود والنصارى بصيام يوم آخر مع يوم عاشوراء. ولهذا قال ابن عباس ﵂: (صوموا التاسع والعاشر، خالفوا اليهود) أخرجه البيهقي، وصححه الألباني في "حجاب المرأة المسلمة" (ص١٧٧) . فهذه بعض الأدلة من الكتاب والسنة على النهي عن التشبه بالمشركين، والأمر بمخالفتهم، وهذا يدل على أن ذلك من مقاصد الشريعة الإسلامية، فعلى المسلمين أن يراعوا ذلك في شؤونهم كلها. وقد اختصرنا هذا البحث من كتاب اقتضاء الصراط المستقيم، فمن أراد التوسع فليرجع إليه، فإنه لم يؤلف في هذا الموضوع مثله. وانظر كتاب "حجاب المرأة المسلمة" للألباني ﵀ (ص١٦١-٢١٢) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 973

حكم بناء الكنائس والمعابد الكفرية في جزيرة العرب [السُّؤَالُ] ـ[ما حكم بناء الكنائس أو المعابد لغير المسلمين في جزيرة العرب؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله صدر من اللجنة الدائمة للإفتاء فتوى مطولة في هذا الموضوع، جاء فيها: "الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد: فقد اطلعت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، على ما ورد إلى سماحة المفتي العام، من عدد من المستفتين بشأن حكم بناء المعابد الكفرية في جزيرة العرب، مثل: بناء الكنائس للنصارى، والمعابد لليهود وغيرهم من الكفرة، أو أن يخصص صاحب شركة أو مؤسسة مكانا للعمالة الكافرة لديهم يؤدون فيه عباداتهم الكفرية. . . إلخ. وبعد دراسة اللجنة لهذه الاستفتاءات أجابت بما يلي: كل دين غير دين الإسلام فهو كفر وضلال، وكل مكان للعبادة على غير دين الإسلام فهو بيت كفر وضلال، إذ لا تجوز عبادة الله إلا بما شرع سبحانه في الإسلام، وشريعة الإسلام خاتمة الشرائع، عامة للثقلين الجن والإنس، وناسخة لما قبلها، وهذا مجمع عليه بحمد الله تعالى. ومن زعم أن اليهود على حق، أو النصارى على حق، سواء كان منهم أو من غيرهم فهو مكذب لكتاب الله تعالى وسنة رسوله محمد ﷺ وإجماع الأمة، وهو مرتد عن الإسلام إن كان يدعي الإسلام بعد إقامة الحجة عليه، إن كان مثله ممن يخفى عليه ذلك، قال الله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا) سبأ/٢٨، وقال عز شأنه: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا) الأعراف/١٥٨، وقال سبحانه: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) آل عمران/١٩، وقال جل وعلا: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ) آل عمران/٨٥، وقال سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ) البينة/٦، وثبت في الصحيحين وغيرهما أن النبي ﷺ قال: (كان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة) ، ولهذا صار من ضروريات الدين تحريم الكفر الذي يقتضي تحريم التعبد لله على خلاف ما جاء في شريعة الإسلام، ومنه: تحريم بناء معابد وفق شرائع منسوخة يهودية أو نصرانية أو غيرهما؛ لأن تلك المعابد سواء كانت كنيسة أو غيرها تعتبر معابد كفرية، لأن العبادات التي تؤدى فيها على خلاف شريعة الإسلام الناسخة لجميع الشرائع قبلها والمبطلة لها، والله تعالى يقول عن الكفار وأعمالهم: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا) الفرقان/٢٣. ولهذا أجمع العلماء على تحريم بناء المعابد الكفرية، مثل: الكنائس في بلاد المسلمين، وأنه لا يجوز اجتماع قبلتين في بلد واحد من بلاد الإسلام، وأن لا يكون فيها شيء من شعائر الكفار لا كنائس ولا غيرها، وأجمعوا على وجوب هدم الكنائس وغيرها من المعابد الكفرية إذا أحدثت في أرض الإسلام، ولا تجوز معارضة ولي الأمر في هدمها، بل تجب طاعته، وأجمع العلماء رحمهم الله تعالى على أن بناء المعابد الكفرية، ومنها الكنائس في جزيرة العرب، أشد إثما وأعظم جرما؛ للأحاديث الصحيحة الصريحة بخصوص النهي عن اجتماع دينين في جزيرة العرب، منها قول النبي ﷺ : (لا يجتمع دينان في جزيرة العرب) رواه الإمام مالك وغيره وأصله في الصحيحين. فجزيرة العرب حرم الإسلام، وقاعدته التي لا يجوز السماح أو الإذن لكافر باختراقها، ولا التجنس بجنسيتها، ولا التملك فيها، فضلا عن إقامة كنيسة فيها لعُبَّاد الصليب، فلا يجتمع فيها دينان، إلا دينا واحدا هو دين الإسلام الذي بعث الله به نبيه ورسوله محمدا ﷺ ، ولا يكون فيها قبلتان، إلا قبلة واحدة هي قبلة المسلمين إلى البيت العتيق، والحمد لله الذي وفق ولاة أمر هذه البلاد إلى صد هذه المعابد الكفرية عن هذه الأرض الإسلامية الطاهرة. وإلى الله المشتكى مما جلبه أعداء الإسلام من المعابد الكفرية من الكنائس وغيرها في كثير من بلاد المسلمين. نسأل الله أن يحفظ الإسلام من كيدهم ومكرهم. وبهذا يعلم أن السماح والرضا بإنشاء المعابد الكفرية مثل الكنائس أو تخصيص مكان لها في أي بلد من بلاد الإسلام من أعظم الإعانة على الكفر، وإظهار شعائره، والله عز شأنه يقول: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) المائدة/٢. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: (من اعتقد أن الكنائس بيوت الله، وأن الله يعبد فيها، أو أن ما يفعله اليهود والنصارى عبادة لله وطاعة لرسوله، أو أنه يحب ذلك أو يرضاه، أو أعانهم على فتحها وإقامة دينهم، وأن ذلك قربة أو طاعة - فهو كافر) ، وقال أيضا: (من اعتقد أن زيارة أهل الذمة كنائسهم قربة إلى الله فهو مرتد، وإن جهل أن ذلك محرم عرف ذلك، فإن أصر صار مرتدا) انته. عائذين بالله من الحَوْر بعد الكَوْر، ومن الضلالة بعد الهداية، وليحذر المسلم أن يكون له نصيب من قول الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ. ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ. فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ. ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ) محمد/٢٥-٢٨. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم" انتهى. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد. "فتاوى اللجنة الدائمة" (١/٢٦٨-٤٧١) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 974

أبناؤه يرفضون العودة إلى بلاد الإسلام ؟! [السُّؤَالُ] ـ[ذهبتُ مع اثنين من أبنائي منذ ٥ سنوات للدراسة في دولة غير مسلمة يحملون جنسيتها، وهي متقدمة جدّاً، ثم أحضرت الثالث في السنة التالية، ورغم أن الأول أكمل الماجستير: فإنه يرفض مساعدتي له في تكاليف الزواج، أو العودة، بحجة انخفاض الرواتب، أما الثاني: لم يسمع النصيحة، ولم ينهِ دراسته، وحوَّل لكليَّة أخرى تحتاج ٤ سنوات أخرى، وهو يقول إنها دولة غير مسلمة، ويكره العيش فيها، ومع ذلك يغير مجال الدراسة، ويرفض العودة لبلده، مع أنه يستطيع إنهاء الدراسة بعد سنتين ونصف بأقل من عشر المصاريف في بلد مسلم ويحصل على بكالوريوس، حيث أنني أعطيته الفرصة، وفشل، وهو يرفض العودة، فماذا أفعل؟ والثالث انتهى من دراسة دبلوم لمدة عامين في أربع سنوات، ويعمل به بدلاً من الانتهاء من البكالوريوس والعودة للعمل في بلاد المسلمين، ويرفض العودة بحجة أنه ربما يدرس مستقبلاً، والرواتب في البلاد العربية أقل بكثير من الغرب، ويرفض الزواج رغم قيامي بعرض دفع كل المصاريف من مهر، وشبكة، وشقة، فماذا أفعل؟ وما هو موقفي الشرعي من أبنائي الثلاثة؟ علماً بأن زوجتي تقول: إنه خطؤنا أن أرسلناهم هناك، مع أنهم يصلون، ويؤدون الفرائض، ولكنهم لا يسمعون النصيحة، وهي لجانبهم دوماً، وأنا لا أدري ماذا أفعل.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: أوجب الله تعالى على الآباء العناية بأولادهم، وأمرهم أن يقوهم نار جهنم، وهذا واضح في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) التحريم/٦. ومما يؤسف له في هذا الزمان أنه قد حصر كثير من الآباء أوجه تلك العناية والرعاية بالطعام، والشراب، واللباس، والدراسة، حتى لو كان ذلك على حساب دين أولادهم، وسلوكهم، ومن أخطر ما زلَّ فيه أولئك الآباء أنهم حرصوا أشد الحرص على تدريس أولادهم، وبذلوا في ذلك جهدهم، وطاقتهم، بل كثير منهم حمَّلوا أنفسهم ما لا يطيقون، وحرص الواحد منهم على اختيار جامعة، أو كلية، ليدرِّس فيها أولاده، الذكور منهم والإناث، ولم يلتفتوا إلى خطر تلك المعاهد والجامعات، ولا خطر تلك البلدان التي توجد فيها تلك المؤسسات التعليمية، ووافق ذلك كون أولئك الأولاد في أوائل فورة الشهوة الجنسية، وبداية تفتح العقل على الأشياء، فأغرتهم تلك الأشياء المادية في تلك البلاد، وسلبت عقولهم أولئك النسوة الشقراوات الحسناوات، فحصل كثير من المفاسد، حتى إنه ليتخلى كثير من أولئك الأولاد الطلاب عن دينهم، ويسفل سلوكهم، وتتردى أخلاقهم، والآباء يرون ذلك، ويسكت عنه كثير منهم؛ انتظاراً لشهادة تافهة يأتي بها ولده؛ ليرفع رأسه بين أقربائه وأقرانه وجيرانه! ؛ وليكن بعدها ما يكن من خراب ودمار. هذا للأسف هو حال كثير من أحوال بيوت المسلمين الذين يرضون لأولادهم ما ذكرناه، ثم عندما يأتي وقت قطاف ثمار عناء وتعب أولئك الآباء: تظهر آثار تلك البيئات السيئة التي درس فيها أولئك الأولاد، ويظهر تأثير مناهج الدراسة على حياتهم، فيلتفت الأب المسكين حوله، وتنظر تلك الأم المدهوشة، كلٌّ يبحث عن أولاده – وخاصة الأبناء – فلا يجدون منهم أحداً، ومن وجدوه فليس هو كما يريد عقلاء الأهل وصالحوهم. ثانياً: ذلك الواقع المرير هو ما عاشه ويعيشه الأب السائل، وإننا لنشعر معك، ونتألم لألمك، وما حصل من الأبناء بعد ذلك إنما هو نتيجة تأثير تلك الدراسة، وتلك البيئة، والتي لا تهتم لجمع الأسرة تحت سقف واحد، ولا للم شملها تحت قيادة واحدة، وكلٌّ يسير وفق المنهج الذي يريد، بزعم الحرية، وقوانين تلك البلاد تؤيدهم، وتقويهم على من يخالفهم. ثالثاً: والواجب عليك وعلى أمهم: ١. التوبة والاستغفار مما حصل من تقصير وتفريط منكما تجاه أبنائكما، ولا تضع الحِمل والوزر على أمهم فقط، فأنت تتحمل المسئولية الأكبر. ٢. عدم اليأس من محاولات إرجاعهم، بالتي هي أحسن، وابذلا في ذلك كل ممكن، من بيان حقكما عليهم، إلى إرسال من يثقون بهم من الناس لنصحهم وإرشادهم، إلى غير ذلك من الوسائل المباحة لتحقيق تلك الغاية. ولتحتفظ ـ أيها الوالد الكريم ـ دائما بأكبر قدر ممكن من العلاقة السوية الأسرية بينكم، ولا تقطعا ـ أنت وزوجك ـ حبال التواصل معهم، وكونا ـ في تلك البلد ـ بجانبهم، ما دام هناك أمل في أن يعودوا معكما، ولو بعد فترة من الدراسة، ولا تتخلوا ـ أبدا ـ عن واجبكما تجاهم. ٣. الإلحاح على الله تعالى بالدعاء، وخاصة من الأم، أن يهدي الله تعالى أبناءكم، وأن يرجعهم سالمين في دينهم وسلوكهم، وعليكما اختيار الأوقات والأحوال الفاضلة للدعاء، كالدعاء في ثلث الليل الآخر، وفي السجود. ٠٤ الاستعانة على ذلك بتعويضه عما يفوته في هذه البلاد، ببذلك المغريات المادية منكما، لمن ينفع فيه ذلك، إن هو عاد إلى بلاده، وأكمل مسيرته، حيث يكون أكثر أمنا على دينه. ٠٥ تذكير أبنائكما بمخاطر العيش في تلك البلاد، بحقارة ما يمكن أن يحصلوا عليه من أمر الدنيا، في جنب ما يفوتهم من راحة البال، واجتماع الشمل، وصلاح أمر الدين، مع الاستعانة بأمثلة من الواقع، لأناس أضاعوا شبابهم وأعمارهم في تلك البلاد، ثم صاروا جزءا من تلك المجتمعات البائسة، بكل ما فيها من ضياع وشتات، ثم من أجل ماذا، من أجل الحصول على قليل من أمر العيش: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ) الروم /٦-٧ ونسأل الله أن يردَّ عليكم أبناءكم وهم على أحسن حال، عاجلاً غير آجل، ونسأله تعالى أن يصبِّركم على فراقهم، وأن يكتب لكم أجور ذلك كاملاً موفوراً. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 975

حكم السفر إلى بلاد الكفار من أجل الدراسة [السُّؤَالُ] ـ[ما حكم السفر إلى بلاد الكفار من أجل الدراسة؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله "السفر إلى بلاد الكفار خطير، يجب الحذر منه إلا عند الضرورة القصوى، يقول النبي ﷺ : (أنا بريء من كل مسلم يقيم بين المشركين) ، وهذا خطر فيجب الحذر. فيجب على الدولة وفقها الله أن لا تبعث إلى بلاد المشركين إلا عند الضرورة، مع مراعاة أن يكون المبعوث ممن لا يخشى عليه لعلمه وفضله وتقواه , وأن يكون مع المبعوثين من يلاحظهم ويراقبهم ويتفقد أحوالهم , وهكذا إذا كان المبعوثون يقومون بالدعوة إلى الله سبحانه , ونشر الإسلام بين الكفار لعلمهم وفضلهم، فهذا مطلوب، ولا حرج فيه. أما إرسال الشباب إلى بلاد الكفار على غير الوجه الذي ذكرنا , أو السماح لهم بالسفر إليها فهو منكر، وفيه خطر عظيم , وهكذا ذهاب التجار إلى هناك فيه خطر عظيم؛ لأن بلاد الشرك - الشرك فيها ظاهر - والمعاصي فيها ظاهرة , والفساد منتشر , والإنسان على خطر من شيطانه وهواه ومن قرناء السوء فيجب الحذر من ذلك" انتهى. "مجموع فتاوى ابن باز" (٢٤/٤٦) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 976

مخاطر سفر الطلاب للدراسة في الخارج والإقامة مع العائلات هناك [السُّؤَالُ] ـ[تلقيت عرضاً للعمل كممثل لمدارس لغات إنجليزية تقع بكندا واستراليا وبريطانيا وأمريكا وذلك لكي أقوم بتمثيل هذه المدارس ببعض البلاد العربية، وستتمثل مهمتي في أن أقوم بالتسويق لهذه المدارس، وتسجيل الطلاب الذين يرغبون في استكمال دراستهم أو تدريبهم بهذه البلاد، كما سيكون من واجبي أيضاً حجز السكن بالمدارس أو الجامعات أو الفنادق أو مع الأسر المضيفة، وسأتلقى عمولة عن هذا العمل، فهل هذا العمل حلال؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله لا يخفى أن سفر الطلاب إلى الخارج، وسكنهم مع العائلات المضيفة، يحتوي على مجموعة من المحاذير الشرعية، ومنها: ١- الخطر العظيم على دينهم وأفكارهم وثقافتهم، لا سيما إذا كانوا في مرحلة الشباب، وانتقلوا إلى تلك البيئات التي يغلب عليها الانحلال الخلقي، والانحراف الفكري، ولهذا رجع كثير من أبناء المسلمين المبتعثين إلى تلك البلدان بلا دين، أو بلا هوية، أو بأمراض وانحرافات سلوكية وفكرية. ولهذا اشترط أهل العلم للدراسة في بلاد الغرب أن يكون الدارس ذا علم يمنعه من الشبهات، وذا دين يحجزه عن الشهوات، وأن يكون ذلك تحت رقابة من الدولة أو من الأسرة تحول بينه وبين التأثر بالانحرافات الموجودة هناك. ٢- أن إقامة الطالب مع ما يسمى بالعائلات المضيفة، يعرضه لمزيد من الخطر والفتنة؛ لما في ذلك من الاختلاط بأهل البيت، والتأثر بعاداتهم، والمحاكاة لهم، وقد يجره ذلك إلى علاقات محرمة مع أهل البيت أو من يحيط بهم، وينظر في الموقع حكم السكن مع العوائل في الخارج (١٣٦٩٤) . ٣- أن الاختلاط في التعليم أمر محرم، والغالب في مدارس تلك الدول ومعاهدها هو الاختلاط، فلا يجوز إرسال الأبناء إلى تلك الأماكن، لما في ذلك من إعانتهم على الحرام والإثم والعدوان، وينظر في تحريم الاختلاط جواب السؤال رقم (١٢٠٠) . ٤- أنه إذا كانت الدارسة فتاة، فإن المحذور في حقها أشد؛ لما يقتضيه ذلك من سفرها بلا محرم، وإقامتها بعيدا عن أهلها، مما يعرضها للفتنة، ويجرها للشر. ولهذا؛ فلا يستريت عاقل في أن إرسال أبناء المسلمين إلى تلك البلدان - دون رقابة ومتابعة وإشراف مباشر يمنعهم من الاندماج في المجتمع والتأثر بثقافته وفكره - أن ذلك من أعظم الجناية عليهم، والتفريط في حقهم، وهو من أسباب انحراف المجتمع المسلم، لكون هؤلاء الدارسين يعودون فيتبوؤن المناصب، ويحوزون التقديم، وهم قد انسلخوا من دينهم وعقيدتهم، وتحللوا من أخلاقهم وقيهم، إلا من عصم الله. والمتتبع لمسيرة التغريب في المجتمعات الإسلامية يجد أنها قامت على يد هؤلاء المبتعثين إلى الخارج، الذين أرادوا أن يكون مجتمعهم جزءا من المجتمعات المنحلة التي عاشوا فيها، وانبهروا بانحرافها. وما زال أهل العلم والغيرة يحذرون من المدارس الأجنبية المقامة في بلدان المسلمين، وما لها من أثر في التغريب وطمس الهوية، فكيف إذا كان الطالب سيذهب إلى بلادهم، ويجلس فيها دون رقيب أو حسيب. قال الشيخ ابن باز ﵀ مبينا ضوابط ابتعاث الطلاب إلى الخارج: " أما إذا اقتضت الضرورة ابتعاث بعض الطلاب إلى الخارج لعدم وجود بعض المعاهد الفنية المتخصصة لا سيما في مجال التصنيع وأشباهه فأرى أن يكون لذلك لجنة علمية أمينة لاختيار الشباب الصالح في دينه وأخلاقه المتشبع بالثقافة والروح الإسلامية , واختيار مشرف على هذه البعثة معروف بعلمه وصلاحه ونشاطه في الدعوة ليرافق البعثة المذكورة , ويقوم بالدعوة إلى الله هناك , وفي الوقت نفسه يشرف على البعثة , ويتفقد أحوالها وتصرفات أفرادها , ويقوم بإرشادهم وتوجيههم , وإجابتهم عما قد يعرض لهم من شبه وتشكيك وغير ذلك. وينبغي أن يعقد لهم دورة قبل ابتعاثهم ولو قصيرة يدرسون فيها جميع المشاكل والشبهات التي قد تواجههم في البلاد التي يبتعثون إليها , ويبين لهم موقف الشريعة الإسلامية منها , والحكمة فيها حسب ما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ , وكلام أهل العلم مثل أحكام الرق , وتعدد الزوجات بصفة عامة , وتعدد أزواج النبي ﷺ بصفة خاصة , وحكم الطلاق , وحكمة الجهاد ابتداء ودفاعا وغير ذلك من الأمور التي يوردها أعداء الله على شباب المسلمين حتى يكونوا على استعداد تام للرد على ما يعرض لهم من الشبه " انتهى من "فتاوى الشيخ ابن باز" (١/٣٨٧) . وقال علماء اللجنة الدائمة للإفتاء: " إذا كان الواقع كما ذكر من أن التخصص الذي تدرسه موجود في بلدك الإسلامي، وأن الدراسة في الخارج مشتملة على مفاسد كثيرة في الدين والأخلاق وعلى الزوجة والأولاد - فإنه لا يجوز لك السفر لهذه الدراسة؛ لأنها ليست من الضرورات، مع وجودها في بلدك الإسلامي، وقد ثبت عن النبي ﷺ أحاديث كثيرة في التحذير من الإقامة في بلاد الكفار من غير مسوغ شرعي؛ كقوله ﷺ : (أنا بريء من كل مسلم يقيم بين المشركين) وغيره من الأحاديث، وما وقع فيه بعض المسلمين من السفر إلى بلاد الكار من غير ضرورة هو من التساهل الذي لا يجوز في دين الله، وهو من إيثار الدنيا على الآخرة، وقد قال الله جل وعلا: (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا. وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى) الأعلى/١٦، ١٧، وقال سبحانه: (قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً) النساء/٧٧. قال النبي ﷺ : (من كان همه الآخرة جمع الله شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه فرق الله عليه ضيعته، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له) انتهى من "فتاوى اللجنة الدائمة" (٢٦/٩٣) . وبناء على ذلك، فإنه لا يجوز أن تشجع أو تعين أحداً على الدراسة في الخارج إلا إذا علمت انضباطه بالشرع، وخلو سفره من المحا ذير، وذلك إذا كان يسافر لدراسة لا تتوفر في بلده، وكان ضمن هيئة تشرف عليه وتراقبه، أو كان من السن والعلم والدين بحيث يؤمن عليه الاغترار بالشبهات والانجذاب للشهوات. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 977

المواصفات الواجب توافرها في البلاد المهاجر إليها [السُّؤَالُ] ـ[ما الشروط الواجب توفرها في بلد حتى تكون دار حرب أو دار كفر؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله كل بلاد أو ديار يقيم حكامها وذوو السلطان فيها حدود الله، ويحكمون رعيتها بشريعة الإسلام، وتستطيع فيها الرعية أن تقوم بما أوجبته الشريعة الإسلامية عليها؛ فهي دار إسلام، فعلى المسلمين فيها أن يطيعوا حكامها في المعروف، وأن ينصحوا لهم، وأن يكونوا عونا لهم على إقامة شؤون الدولة، ودعمها بما أوتوا من قوة علمية وعملية، ولهم أن يعيشوا فيها، وألا يتحولوا عنها إلا إلى ولاية إسلامية، تكون حالتهم فيها أحسن وأفضل، وذلك كالمدينة بعد هجرة النبي ﷺ إليها، وإقامة الدولة الإسلامية فيها، وكمكة بعد الفتح؛ فإنها صارت بالفتح وتولي المسلمين أمرها دار إسلام بعد أن كانت دار حرب تجب الهجرة منها على من فيها من المسلمين القادرين عليها. وكل بلاد أو ديار، لا يقيم حكامها وذوو السلطان فيها حدود الله، ولا يحكمون في الرعية بحكم الإسلام، ولا يقوى المسلم فيها على القيام بما وجب عليه من شعائر الإسلام؛ فهي دار كفر، وذلك مثل مكة المكرمة قبل الفتح، فإنها كانت دار كفر، وكذا البلاد التي ينتسب أهلها إلى الإسلام، ويحكم ذوو السلطان فيها بغير ما أنزل الله، ولا يقوى المسلمون فيها على إقامة شعائر دينهم، فيجب عليهم أن يهاجروا منها، فرارا بدينهم من الفتن، إلى ديار يحكم فيها بالإسلام، ويستطيعون أن يقوموا فيها بما وجب عليهم شرعا، ومن عجز عن الهجرة منها من الرجال والنساء والولدان فهو معذور، وعلى المسلمين في الديار الأخرى أن ينقذوه من ديار الكفر إلى بلاد الإسلام، قال الله تعالى: " إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيما كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا (٩٧) إلا المستضعفين من النساء والرجال والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا (٩٨) فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا " النساء:٩٧-٩٩، وقال تعالى: " وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا " النساء: ٧٥، أما من قوي من أهلها على إقامة شعائر دينه فيها، وتمكن من إقامة الحجة على الحكام وذوي السلطان، وأن يصلح من أمرهم، ويعدل من سيرتهم، فيشرع له البقاء بين أظهرهم؛ لما يرجى من إقامته بينهم من البلاغ والإصلاح، مع سلامته من الفتن. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 978

الاحتفال في المناسبات والأعياد، ما يجوز منه، وما لا يجوز [السُّؤَالُ] ـ[في هذا الزمن، حيث نعيش في القرية العالمية مع كل الجاليات الأخرى، هل يجوز الاحتفال بأعياد الميلاد الشخصية، ومناسبات الأعراس بطريقة إسلامية، والتي فيها لا نقحم أنفسنا في أي ممارسات غير إسلامية ما دام أن هذه المناسبات، والاحتفالات لا تنتسب إلى أي دين، مثل " الهالوين "، و " الكريسميس " و " الفالنتاين " المسيحية، و " الديسيرا " و " الديفالي " الهندوسيين، وغيرها؟ . هل يمكن الاحتفال بالمناسبات التي ليس لها ارتباط ديني؟ لقد عرفت أن هناك إمكانية لإقامة احتفال بسيط كما مذكور في الفتاوى على مواقع: daruliftaa.com; islamonline.net، أجده صعباً جدّاً أن أقنع أطفالي أن ما كنا نفعله في السنوات الخمس عشرة، وكل ما يمارس حولنا: ليس إسلاميّاً، وليس له قبول في ديننا. لطفاً، أجيبوا مع وضع كل ما مضى في ذهنكم.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله لا حرج في شرع الله تعالى من إقامة الاحتفالات في الأعراس، أو غيرها من المناسبات الدنيوية، بشرط خلوها من المنكرات، كالاختلاط، والمعازف، وهذه الاحتفالات ليست من العبادات التي يُتقرب فيها إلى الله تعالى، بل هو اجتماع لإظهار الفرح والسرور، والأصل في العادات الإباحة، بخلاف العبادات فإن الأصل فيها المنع والتحريم. ومن الاحتفالات الممنوعة في الشرع – عدا ما فيه منكرات ومعاصٍ -: ما كان فيه مشابهة لأهل الكفر، كالاحتفال بيوم الميلاد، ويوم الأم، ويشتد المنع إذا اتخذت صورة تشبه صورة الأعياد الشرعية؛ وهو أمر واقع حال تلك المناسبات، فيطلق عليها " عيد الميلاد "، و" عيد الأم "، وهي مناسبات فيها مشابهة لأهل الكفر، والذين نهينا على التشبه بهم، مما يختصون به، ويشتد المنع أكثر إذا كان يقصد المحتفل بها التقرب إلى الله تعالى، وحينئذٍ تجمع بين المعصية، والبدعة. وقد سئل علماء اللجنة الدائمة: ما حكم تعييد ميلاد الأولاد؟ يقال عندنا: إن من الأحسن الصوم في ذلك اليوم بدلا من التعييد، ما هو الصحيح؟ فأجابوا: " عيد الميلاد، أو الصيام لأجل عيد الميلاد: كل ذلك بدعة، لا أصل له، وإنما على المسلم أن يتقرب إلى الله بما افترضه عليه، وبنوافل العبادات، وأن يكون في جميع أحيانه شاكراً له، وحامداً له، على مرور الأيام، والأعوام عليه وهو معافى في بدنه، آمناً على نفسه، وماله، وولده " انتهى. الشيخ عبد العزيز بن باز , الشيخ صالح الفوزان , الشيخ بكر أبو زيد " فتاوى اللجنة الدائمة " (٢ / ٢٦٠ , ٢٦١) . وما ذكرته في شأن الكريسميس، من أنه لا ينتمي إلى دين معين، غير صحيح، بل هو عيد ديني عند النصارى، يتحفلون فيه بميلاد المسيح ﵇، وإذا كنا نمنع من الاحتفال بميلاد نبينا محمد ﷺ ، ونراه من الأعياد المبتدعة، فكيف بمن يوافق النصارى على عيدهم المبتدع. وانظر حول الكريسميس جواب السؤال رقم (١١٣٠) ، (٩٤٧) ، (٨٥١٠٨) . وانظر فتوى للشيخين عبد العزيز بن باز، وابن عثيمين رحمهما الله في حكم الاحتفال بعيد الميلاد في جوابي السؤالين: (١٠٢٧) ، (٢٦٨٠٤) . وانظر فتوى الشيخ ابن عثيمين ﵀ فيما يسمى " عيد الأم " في جواب السؤال رقم: (٥٩٩٠٥) . وفي موقعنا هذا مقال مفصَّل حول ما يسمى " عيد الأم "، وفيه نبذة عن تاريخه، وفتاوى أهل العلم في حكمه، فانظر هنا: http://www.islam-qa.com/index.php?pg=article&ln=ara&article_id=٩٢ وانظر كلمة عامة في الأعياد المبتدعة: جواب السؤال رقم: (١٠٠٧٠) . وللوقوف على منكرات الأعراس، وفتاوى أهل العلم فيها: انظر أجوبة الأسئلة: (٦٠٤٤٢) و (١٠٧٩١) و (٩٢٩٠) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 979

غريب بين أهله وأقربائه العصاة، يريد النصح والتوجيه [السُّؤَالُ] ـ[أنا مسلم، أعيش في بنجلاديش، والدي توفي عندما كنت في الثامنة من عمري، أمي، وكل أفراد العائلة، وقريباتي لا يلتزمون بالحجاب الإسلامي، هذا هو سبب أنني لم أزر أبدا أيّاً من قريباتي عندما يدعونني إلى منازلهم، أغلب أقاربي صغار السن مثلي لا يصلون الصلوات اليومية، يقولون: إن الله قسم رحمته إلى مائة جزء، واحتفظ بتسعة وتسعين جزءا منها عنده، مشيرين إلى أنهم إذا صلوا صلاة العيد فقط: الله سيغفر لهم، أعرف بنفسي الأحاديث عن الصلاة، وحاولت أن أخبرهم أنهم غير منطقيين جدّاً، ويتبعون شهوات نفوسهم فقط، كيف ينبغي عليَّ التصرف مع مثل هؤلاء الأقارب؛ لأن كل أقاربي مثل هؤلاء؟ وبسبب توقفي عن الذهاب إلى بيوتهم عندما يدعونني: بدؤوا ينادونني بأنني غير اجتماعي، كيف ينبغي أن أرد على هؤلاء الأشخاص عديمي المنطق والعقل، الذين يتبعون شهواتهم فقط؟ كيف أتصرف مع أمي وأخي الأصغر لأنهما يشاهدان الأفلام الهندية على تلفزيون " ... "، ويستمعان إلى الأغاني على قناة " ... "؟ . أخي يصلي وقتما يشاء، أحياناً خمس مرات، وأحياناً أخرى لا شيء.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: إننا نشعر معك أخي الفاضل، وشعورك بالغربة في بيئتك يشاركك فيه ألوف من الناس، بل ملايين، يعيشون بين ظهراني أهليهم، ولا يجدون منهم نصرة وتأييداً، بل يجدون كل شرٍّ وسوء، من التثبيط عن الطاعة، والتخذيل عن إقامة شرع الله في نفسه وحياته، وتزداد الغربة أكثر عندما يكون ذلك الغريب " أنثى " مكسورة الجناح، مهضومة الحقوق، ونبشرك أن هؤلاء الغرباء كان لهم من العمل لدين الله تعالى الشيء الكثير، وكانت نتائج دعوتهم عظيمة، وكل ذلك كان بفضل الله ورحمته، عندما صبروا واحتسبوا ما لا يلاقونه في سبيل الله تعالى. وفي الوقت ذاته نقول: إنَّ ما عانى منه أوائل هذه الأمة من القهر والأذى والضرر يهون معه ما يصيبنا من أهلينا وأقربائنا، فأين ما أصابك – مثلاً – من طعنهم بك أنك " غير اجتماعي " مع ما طعنوا به نبينا محمداً ﷺ ، حيث قالوا عنه: ساحر، وكذاب، ومجنون، ثم إن المنافقين طعنوا في عرضه، فاتهموا زوجته عائشة بالفاحشة! وليس هذا فحسب، بل أيضاً رفعوا السلاح في وجوه أشقائهم، وآبائهم، وأقربائهم، واستباحوا دماءهم، وقاتلوهم، فضلاً عما قام به بعضهم من السجن، والتعذيب، والقهر. فالصبر الصبر، والاحتساب الاحتساب، ولا تكن في ضيق مما يمكرون، وكن مع الله ولا تبالِ، واحرص على نفسك أن تنقذها من النار أولاً، ثم اسعَ في دعوة غيرك. ثانياً: مما نوصيك به في باب دعوتهم ونصحهم: ١. أن تخلص نيتك في الدعوة، وأن لا تبتغي بذلك إلا وجه الله. ٢. أن تكون قدوة حسنة عند أهلك وأقربائك، ومن ذلك: أن تلتزم بشرع الله تعالى في خاصة نفسك، وأن تلتزم بأخلاق الإسلام في كل أمورك. ٣. أن لا تتنازل عن شيء من شرع الله من أجلهم، فإن هذا من شأنه أن يقلل من مهابة التزامك بالشرع عندهم. ٤. أن تنتقي من أهلك وأقربائك العقلاء منهم، وأن تحاول أن تضم إلى صفك من يقوِّي جانبك، ويشد من أزرك، ولا تنتبه للسفهاء والحمقى، فتضيع منك أوقات أنت أولى بها. ٥. أن تستمر على مقاطعتك لمجالس أقربائك إن كان فيها ما يمكن أن يؤثر على دينك سلباً، وأما إن رأيت فائدة من زياراتك لهم: فاحرص عليها، ولا تتخل عنهم، فهم مرضى وأنت طبيبهم، فاسلك الطريق المناسبة لتقديم العلاج لهم مع رفضهم ذاك، شريطة أن تكون ماهرا في طبك وعلاجك، آخذا بالحيطة لدينك، ألا يصيبك من عدوى الذنب، وشؤم المعصية، وبلاء المنكر مثل ما أصابهم، كما قال ذو النورين عثمان بن عفان ﵁: (فَإِذَا أَحْسَنَ النَّاسُ فَأَحْسِنْ مَعَهُمْ وَإِذَا أَسَاءُوا فَاجْتَنِبْ إِسَاءَتَهُمْ) رواه البخاري (٦٩٥) . ٦. نوِّع وسائل دعوتهم وترغيبهم بالخير، بين الكتيبات الصغيرة، والأشرطة المؤثرة، للدعاة الموثوق في علمهم ودينهم، من أهل السنة. ٧. احرص على الدعاء، فرب دعوة صادقة تنطلق منك في جوف الليل الآخر تجد قبولاً عند رب العالمين، فترى آثارها الحميدة أمامك، فيسعد قلبك، وينشرح صدرك. سئل الشيخ صالح بن فوزان الفوزان حفظه الله: لي أقارب وأرحام، ومنهم خال لي، ووالداي في بعض الأيام يسهران عندهم، ويريداني أن أذهب معهم لزيارتهم، ولكني أرفض؛ لأن مجلسهم لا يخلو من المنكرات، ويقولون لي: الله غفور رحيم، وأنَّ علي أن أصل رحمي، فهل أذهب معهم وأتحمل الصبر على منكراتهم كي أصل الرحم أم أقطعهم؟ . فأجاب: " أما إذا كان في ذهابك إليهم رجاء أن تؤثر عليهم، وأن توعظهم إلى ترك المنكر، وتقوم بواجب إنكار المنكر: فإنه يجب عليك الذهاب إليهم من ناحيتين: الناحية الأولى: صلة الرحم. الناحية الثانية: إنكار المنكر الذي تقوم به إذا ذهبت. أما إذا لم يحصل منك إنكار المنكر، أو كان الإنكار لا يجدي، وهم يستمرون على منكرهم على الرغم مما تنكر عليهم، فإنك لا تذهب إليهم؛ لأنك إذا ذهبت إليهم: فإنك تجلس في مجلس يكون فيه منكر، وأنت لا تغيره، أو لا تقدر على تغييره، فعليك أن تبتعد عنهم؛ لعل الله يهديهم " انتهى. " المنتقى من فتاوى الشيخ الفوزان " (٢/٢٤٥) . ثالثاً: لستَ بحاجة للتنبيه على ضلال من استدل منهم بحديث النبي ﷺ الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (إِنَّ لِلَّهِ مِائَةَ رَحْمَةٍ أَنْزَلَ مِنْهَا رَحْمَةً وَاحِدَةً بَيْنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالْبَهَائِمِ وَالْهَوَامِّ فَبِهَا يَتَعَاطَفُونَ وَبِهَا يَتَرَاحَمُونَ وَبِهَا تَعْطِفُ الْوَحْشُ عَلَى وَلَدِهَا وَأَخَّرَ اللَّهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً يَرْحَمُ بِهَا عِبَادَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) ؛ والاستدلال بهذا الحديث على ترك ما أمر الله تعالى به من أوامر ضرب من السخرية والاستهزاء، فرحمة الله تعالى لا تكتب للأشقياء الذين يتعمدون فعل المنكرات التي حذرت منها الشريعة، بل إن بعض تلك المخالفات كفر يخرج من الملة مثل ترك الصلاة، قال تعالى: (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) الأعراف/ من الآية ٥٦، وتأمل أكثر قول الله تعالى: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنَا يُؤْمِنُونَ) الأعراف/ من الآية ١٥٦، وقال تعالى: (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ) غافر/ ٧. قال ابن كثير ﵀: " (إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) أي: إن رحمته مُرْصَدة للمحسنين، الذين يتبعون أوامره، ويتركون زواجره " انتهى. " تفسير ابن كثير " (٣ / ٤٢٩) . وكما أن الله تعالى واسع المغفرة: فهو أيضاً شديد العقاب، كما قال تعالى: (وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ) الرعد/ ٣٢، وقال: (غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ) غافر/ ٣، وقال تعالى: (نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ) إبراهيم/٤٩،٥٠، فأين العصاة عن هذه الصفة للرب تعالى، حتى يرتدعوا عن فعل ما يغضبه، ويوجب لهم الوعيد؟! . وانظر جوابي السؤالين: (٤٧٤٢٥) و (١١٢٦٦) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 980

حكم العمل في بلاد الغرب، وهل يدخل دفع الضرائب في توليهم ؟ [السُّؤَالُ] ـ[ي عن العيش، والعمل في بلاد الغرب، أريد أن أعرف: هل هو يجوز أن أعمل في الغرب حيث يجب عليَّ أدفع ضريبة للحكومة، وهذه الضريبة تنفق في أي شيء، داخلاً في ذلك الجيوش التي تشن حرباً على المسلمين؟ هل يدخل ذلك تحت الآيات التي عن مساعدة الكافرين وتوليهم؟ أيضاً: هل نستطيع العيش بين الكفار؟ وإذا كانت الإجابة بلا: فأين نذهب؟ لأنه لا يوجد دولة إسلامية اليوم؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله لا يجوز للمسلم أن يقيم في ديار الكفر من أجل العمل؛ إذ ليس العمل من الأعذار الشرعية التي تبيح له تلك الإقامة. والأعذار الشرعية التي تبيح الإقامة في تلك الديار: العلاج الذي لا يجده في بلاد المسلمين، والعلم الذي تحتاجه الأمة مما لا يتوفر إلا عندهم، والتجارة المباحة، والدعوة إلى الله، وكل ذلك يُعذر المسلم بالإقامة من أجله في ديار الكفر، بشرط أن يكون محصَّناً من الشهوات والشبهات، وبشرط أن تنقطع إقامته إذا انتهى عذره الذي من أجله أقام بين ظهرانيهم. وقد سئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء: هل تجوز الهجرة إلى بلاد الكفر للعمل فيه؟ . فأجابوا: "إذا أردتَ العمل، وطلب الرزق: فعليك بالسفر إلى بلاد المسلمين لأجل ذلك، وفيها غنية عن بلاد الكفار؛ لما في السفر إلى بلاد الكفر من الخطر على العقيدة، والدِّين، والأخلاق" انتهى. الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد. "فتاوى اللجنة الدائمة" (١٢/٥٨) . وأرض الله واسعة، وبلاد المسلمين شاسعة، فليس المسلم معذوراً في إقامته واستيطانه بين ظهراني الكفار، وهو يعلم ما صح عن النبي ﷺ في النهي عن تلك الإقامة، وهو يرى ما عندهم من فساد للخلُق والدِّين. قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ في تفسير قوله تعالى: (يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ) العنكبوت/ ٥٦: نادى الله جل وعلا عباده المؤمنين، وأكَّد لهم أن أرضه واسعة، وأمرهم أن يعبدوه وحده دون غيره ... والمعنى: أنهم إن كانوا في أرض لا يقدرون فيها على إقامة دينهم، أو يصيبهم فيها أذى الكفار: فإن أرض ربهم واسعة، فليهاجروا إلى موضع منها يقدرون فيه على إقامة دينهم، ويسلمون فيه من أذى الكفار، كما فعل رسول الله ﷺ والمسلمون. وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة جاء في آيات أخر، كقوله تعالى: (إِنَّ الذين تَوَفَّاهُمُ الملائكة ظالمي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرض قالوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا) النساء/ ٩٧، وقوله تعالى: (وَأَرْضُ الله وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصابرون أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) الزمر/١٠" انتهى. "أضواء البيان" (٦/٢٤١) . والكفار الآن يضيقون على المسلمين ليتركوا شعائر الإسلام الظاهرة، فلم يعد المسلم يستطيع إظهار تلك الشعائر من الأذان للصلوات، والحجاب للمرأة، فضلا عن الولاء للمسلمين، والبراء من الكفار المحتلين الغاصبين، فلذا لا نرى للمسلم أن يعيش بين أظهرهم، ومن يقيم في تلك الديار ويدفع الضرائب لها: فهو يساهم في تقوية اقتصادها، ويعينها على حرب الإسلام والمسلمين، وهو داخل – قطعاً – في إعانتهم على الباطل، والإثم، والكفر، والعدوان، وهذا من أبرز أنواع التولِّي للكافرين. إلا من كان معذوراً مضطراً للإقامة هناك، فإن الضرورة لها أحاكم خاصة، قال الله تعالى: (وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ) الأنعام/١١٩. وانظر أجوبة الأسئلة: (١٣٣٦٣) و (٨٣٩١٢) و (٢٧٢١١) . وينظر جواب السؤال رقم (١١١٥٦٤) فهو مهم. وقولك: "لا يوجد دولة إسلامية اليوم" غير صحيح. ومع الشر والفساد الموجود بكثير من البلاد الإسلامية فهي – بلا شك- لا تزال أقل شراً وفساداً من الدول الكافرة. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 981

زيادة العبادة في أيام تنتشر فيها المعصية [السُّؤَالُ] ـ[ما حكم عمل عبادة في وقت هرج الناس (مثل رأس السنة الميلادية) ، عملا بقوله ﷺ : (عبادة في الهرج كهجرة إلي) ؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله المسلم المتمسك بدينه هو الذي يذكر الله في السر والعلن، وفي السراء والضراء، لا يغيب ربه عن ذكره ولا عن قلبه، ولا تشغله عن عبادته الشواغل، ولا تصرفه عن حبه الصوارف، فتراه في جميع شأنه حريصا على عبادة الله، حريصا على شغل عمره بطاعة ربه ومولاه، إذا خالط العابدين نافسهم وسابقهم إلى رضوان الله، وإذا رأى الغافلين استشعر نعمة الله عليه بما حباه، فهؤلاء هم الشهداء الغرباء القابضون على الجمر، الذين وردت الأحاديث في فضل عملهم، وتمسكهم بالسنة في زمان الفتنة والمحنة والغربة. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ) رواه مسلم (١٤٥) فالفضل حاصل لمن يحافظ على السنة والطاعة والعبادة في أيام الفتنة والغفلة كما يحافظ عليها في أزمان الصلاح والتقوى، فهو عامل عابد على كل حال. هذا هو الذي جاءت الأحاديث في مدحه والثناء عليه. أما ما قد يفهمه بعض الناس، أن يترقب أحدهم أيام انتشار المعاصي والمنكرات، ليبادر إلى تخصيص ذلك اليوم بصيام أو قيام، ولا يكون ذلك من هديه وعادته في غالب أيامه وأحواله، فليس هذا من الفهم الصحيح للحديث، وليس مقصودا للشارع الحكيم، وإنما المقصود الحث على التمسك الدائم بالسنة، والقيام الكامل بأوامر الله تعالى، ليبقى المسلم منارة في الأرض في أزمنة الظلام، ويلقى الله تعالى وما استقال من بيعته التي بايع عليها حين أعلن استسلامه إليه . وهذا هو حال النبي ﷺ ، فقد كانت أيامه وساعاته خالصة لوجه الله تعالى، فلم يكن يدع فرصة لعبادة الله تفوته، حتى سأله أسامة بن زيد ﵁: قال: يا رسول الله، لم أرك تصوم شهرا من الشهور ما تصوم من شعبان؟ فقال: ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ. رواه النسائي في "السنن" (رقم/٢٣٥٧) وحسنه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (رقم/١٨٩٨) وهذا هو أيضا معنى الحديث الذي يرويه مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ ﵁، أن النَّبِيّ ﷺ قَالَ: (الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ) رواه مسلم (٢٩٤٨) قال النووي ﵀: " المراد بالهرج هنا الفتنة واختلاط أمور الناس، وسبب كثرة فضل العبادة فيه أن الناس يغفلون عنها، ويشتغلون عنها، ولا يتفرغ لها إلا أفراد " انتهى. "شرح مسلم" (١٨/٨٨) فلا نرى للأخت السائلة ولا لغيرها من المسلمين تخصيص ليالي رأس السنة الميلادية بعبادة، على وجه المقابلة للكفار الذين يملؤونها بالمعاصي، إلا إذا كان القيام أو الصيام من عادة المسلم في باقي أيامه، فلا بأس حينئذ من العبادة تلك الليالي، والله يجزيه خيرا على عمله ونيته. وقد سبق التحذير من تخصيص ليالي أعياد الكفار بعبادات معينة في جواب السؤال رقم: (١١٣٠٦٤) والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 982

جمع التبرعات لشراء هدايا للعوائل الفقيرة في الكريسمس [السُّؤَالُ] ـ[مدرستي فيها تقاليد في أعياد الميلاد فكل عام يقوم أحد الفصول بتولي أمر أسرة فقيرة يجمع لها التبرعات لشراء هدايا أعياد الميلاد ولكني رفضت ذلك لأن الأسرة حينما تتلقى هذه الهدايا تدعو "بارك الله في النصارى" فهل فعلي صحيح؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله يظهر أنك تعني ميلاد المسيح ﵇ الذي تعظمه النّصارى وتتخذه عيداً. وأعياد النصارى من دينهم، وتعظيم المسلمين لأعياد الكفّار بإظهار الفرح والسرور وتقديم الهدايا هو من التشبُّه بهم، وقد قال ﷺ (من تشبّه بقوم فهو منهم) . فيجب على المسلمين أن يحذروا من التشبه بالنصارى في أعيادهم، وفي العادات المختصة بهم، وقد أحسنت وأصبت حيث لم توافق على جمع التبرعات للأسر الفقيرة بمناسبة أعياد الميلاد، فاستقم على طريقك، وناصح إخوانك وبيِّن لهم أن هذا العمل لا يجوز فنحن المسلمين ليس لنا سوى عيد الفطر، وعيد الأضحى وقد أغنانا الله عن أعياد الكافرين بهذين العيدين. انتهى. كتبه: الشيخ عبد الرحمن البراك ونحن المسلمين إذا أردنا الصّدقة فإننا نبذلها للمستحقّين الحقيقيين ولا نتعمد جعْل ذلك في أيام أعياد الكفار بل نقوم به كلما دعت الحاجة وننتهز مواسم الخير العظيمة كرمضان والعشر الأوائل من ذي الحجّة وغيرها من المواسم الفاضلة التي تُضاعف فيها الأجور، وكذلك في أوقات العسرة كما قال الله تعالى: فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَءَامَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (١٨) سورة البلد وصلى الله على نبينا محمد. [الْمَصْدَرُ] الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 983

هل تحضر الكريسمس لتسلم على أقاربها [السُّؤَالُ] ـ[أريد أن أسلم وعائلتي تجتمع في عيد الكريسمس، وأريد أن أحضر وأسلم عليهم، ليس بنية الاحتفال ولا المشاركة، لكن فقط لا نتهاز فرصة اجتماع أقاربي، هل هذا مسموح؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله وجهت هذا السؤال لشيخنا محمد بن صالح العثيمين ﵀ فأجاب: لا، لا يجوز، إذا من الله عليها بالإسلام أول ما تفعله التبرؤ من (دينها الأول وأعياده) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الشيخ محمد بن صالح العثيمين

стр. 984

حجاب المرأة المسلمة أمام الكافرة [السُّؤَالُ] ـ[ما هي الأشياء التي تستطيع المرأة المسلمة كشفها أمام المرأة الكافرة كالبوذية مثلاً وهل صحيح أنه لا يجوز لها إلا كشف وجهها؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الصحيح أن المرأة تكشف للمرأة سواء كانت مسلمة أو كافرة ما فوق السرة وتحت الركبة أما ما بين السرة والركبة فهو عورة في حق الجميع لا تراه المرأة من المرأة سواء كانت مسلمة أو غير مسلمة قريبة أو بعيدة كالعورة للرجل مع الرجل فللمرأة أن ترى من المرأة صدرها ورأسها وساقها ونحو ذلك كالرجل يرى من الرجل صدره وساقه ورأسه وأما قول بعض أهل العلم أن المرأة الكافرة لا تكشف لها المؤمنة فهو قول مرجوح في أصح قولي العلماء لأن اليهوديات كن في عهد النبي ﷺ وهكذا الوثنيات يدخلن على أزواج النبي ﷺ لحاجتهن ولم يُحفظ أنهن كن يتحجبن منهن وهن أتقى النساء وأفضلهن. [الْمَصْدَرُ] الشيخ ابن باز في الفتاوى الجامعة للمرأة المسلمة ج/٣ ص ٨٣٠

стр. 985

حكم تهنئة الكفار بأعيادهم [السُّؤَالُ] ـ[ما حكم تهنئة الكفار بأعيادهم؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله تهنئة الكفار بعيد الكريسمس أو غيره من أعيادهم الدينية حرام بالاتفاق، كما نقل ذلك ابن القيم - يرحمه الله - في كتاب (أحكام أهل الذمة) حيث قال: " وأما التهنئة بشعائر الكفر المختصة به فحرام بالاتفاق، مثل أن يهنئهم بأعيادهم وصومهم، فيقول: عيد مبارك عليك، أو تهْنأ بهذا العيد ونحوه، فهذا إن سلم قائله من الكفر فهو من المحرمات وهو بمنزلة أن يهنئه بسجوده للصليب بل ذلك أعظم إثماً عند الله، وأشد مقتاً من التهنئة بشرب الخمر وقتل النفس، وارتكاب الفرج الحرام ونحوه، وكثير ممن لا قدر للدين عنده يقع في ذلك، ولا يدري قبح ما فعل، فمن هنّأ عبداً بمعصية أو بدعة، أو كفر فقد تعرض لمقت الله وسخطه." انتهى كلامه - يرحمه الله -. وإنما كانت تهنئة الكفار بأعيادهم الدينية حراماً وبهذه المثابة التي ذكرها ابن القيم لأن فيها إقراراً لما هم عليه من شعائر الكفر، ورضى به لهم، وإن كان هو لا يرضى بهذا الكفر لنفسه، لكن يحرم على المسلم أن يرضى بشعائر الكفر أو يهنّئ بها غيره، لأن الله تعالى لا يرضى بذلك كما قال الله تعالى: ﴿إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم﴾ وقال تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً﴾ ، وتهنئتهم بذلك حرام سواء كانوا مشاركين للشخص في العمل أم لا. وإذا هنؤنا بأعيادهم فإننا لا نجيبهم على ذلك لأنها ليست بأعياد لنا، ولأنها أعياد لا يرضاها الله تعالى، لأنها إما مبتدعة في دينهم وإما مشروعة لكن نسخت بدين الإسلام الذي بعث الله به محمداً إلى جميع الخلق، وقال فيه: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين﴾ . وإجابة المسلم دعوتهم بهذه المناسبة حرام، لأن هذا أعظم من تهنئتهم بها لما في ذلك من مشاركتهم فيها. وكذلك يحرم على المسلمين التشبه بالكفار بإقامة الحفلات بهذه المناسبة، أو تبادل الهدايا أو توزيع الحلوى، أو أطباق الطعام،أو تعطيل الأعمال ونحو ذلك لقول النبي ﷺ : ﴿من تشبّه بقوم فهو منهم﴾ . قال شيخ الإسلام ابن تيميه في كتابه: (اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم) : " مشابهتهم في بعض أعيادهم توجب سرور قلوبهم بما هم عليه من الباطل، وربما أطمعهم ذلك في انتهاز الفرص واستذلال الضعفاء ". انتهي كلامه يرحمه الله. ومن فعل شيئاً من ذلك فهو آثم سواء فعله مجاملة أو توددا أو حياء أو لغير ذلك من الأسباب لأنه من المداهنة في دين الله، ومن أسباب تقوية نفوس الكفار وفخرهم بدينهم. والله المسئول أن يعز المسلمين بدينهم، ويرزقهم الثبات عليه، وينصرهم على أعدائهم، إنه قوي عزيز. (مجموع فتاوى ورسائل الشيخ ابن عثيمين ٣/٣٦٩) . [الْمَصْدَرُ] الشيخ محمد صالح المنجد
следующие страницы →