Полный текст (16 344 стр.). Показаны 9521–9560 · переход к 9526.
стр. 9521
لبس الشراب الواحد أثناء اللعب هل ينهى عنه كما ينهى عن النعل الواحدة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[في إحدى المدارس انتشر بين الطلاب بشكل واضح بل يعد (ظاهرة) لبس شراب برجل واحدة أثناء لعب كرة القدم حيث إن غالبيتهم يلبسون الشراب بالرجل التي يستعملونها لضرب الكرة، فأنكر عليهم أحد المعلمين ممن تخصصهم شرعي وقال: إما أن تلبس على جميع الأرجل أو تخلع جميع الأرجل، ويقول إنه قد ورد النهي عن الانتعال بهذه الطريقة والشراب مثل النعلين، فما هو رأيكم بارك الله فيكم؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ورد النهي عن المشي في نعل واحدة في عدة أحاديث، منها ما رواه البخاري (٥٨٥٥) ومسلم (٢٠٩٧) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (لَا يَمْشِي أَحَدُكُمْ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ، لِيُحْفِهِمَا جَمِيعًا، أَوْ لِيُنْعِلْهُمَا جَمِيعًا) .
وروى مسلم (٢٠٩٩) عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ انْقَطَعَ شِسْعُ نَعْلِهِ فَلَا يَمْشِ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ حَتَّى يُصْلِحَ شِسْعَهُ، وَلَا يَمْشِ فِي خُفٍّ وَاحِدٍ) .
والشسع: السير الذي يوضع فيه أصبع الرِّجل من النعل.
وقد اختلف العلماء في علة ذلك، فقال الحافظ ابن حجر ﵀ في الفتح: " قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْحِكْمَة فِي النَّهْي: أَنَّ النَّعْل شُرِعَتْ لِوِقَايَةِ الرِّجْل عَمَّا يَكُون فِي الْأَرْض مِنْ شَوْك أَوْ نَحْوه , فَإِذَا اِنْفَرَدَتْ إِحْدَى الرِّجْلَيْنِ اِحْتَاجَ الْمَاشِي أَنْ يَتَوَقَّى لِإِحْدَى رِجْلَيْهِ مَا لَا يَتَوَقَّى لِلْأُخْرَى، فَيَخْرُج بِذَلِكَ عَنْ سَجِيَّة مَشْيه , وَلَا يَأْمَن مَعَ ذَلِكَ مِنْ الْعِثَار.
وَقِيلَ: لِأَنَّهُ لَمْ يَعْدِل بَيْن جَوَارِحه , وَرُبَّمَا نُسِبَ فَاعِل ذَلِكَ إِلَى اِخْتِلَال الرَّأْي أَوْ ضَعْفه.
وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ: قِيلَ: الْعِلَّة فِيهَا أَنَّهَا مِشْيَة الشَّيْطَان , وَقِيلَ: لِأَنَّهَا خَارِجَة عَنْ الِاعْتِدَال. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: الْكَرَاهَة فِيهِ لِلشُّهْرَةِ فَتَمْتَدّ الْأَبْصَار لِمَنْ تَرَى ذَلِكَ مِنْهُ، وَقَدْ وَرَدَ النَّهْي عَنْ الشُّهْرَة فِي اللِّبَاس، فَكُلّ شَيْء صَيَّرَ صَاحِبه شُهْرَة فَحَقّه أَنْ يَجْتَنِب " انتهى.
وإذا كانت العلة هي العدل بين الجوارح، أو كراهة الشهرة، فإن هذا ينطبق على غير النعلين، فيشمل الجوربين، والقفازين وكل لباس شفع.
قال الحافظ ﵀: " قَدْ يَدْخُل فِي هَذَا كُلّ لِبَاس شَفْع كَالْخُفَّيْنِ وَإِخْرَاج الْيَد الْوَاحِدَة مِنْ الْكُمّ دُون الْأُخْرَى والتَّرَدِّي [أي لبس الرداء] عَلَى أَحَد الْمَنْكِبَيْنِ دُون الْآخَر. قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ. قُلْت: وَقَدْ أَخْرَجَ اِبْن مَاجَهْ حَدِيث الْبَاب مِنْ رِوَايَة مُحَمَّد بْن عَجْلَان عَنْ سَعِيد الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بلفظ: (لَا يَمْشِ أَحَدكُمْ فِي نَعْل وَاحِدَة وَلَا خُفّ وَاحِد) وَهُوَ عِنْد مُسْلِم أَيْضًا مِنْ حَدِيث جَابِر , وَعِنْد أَحْمَد مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد , وَعِنْد الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس , وَإِلْحَاق إِخْرَاج الْيَد الْوَاحِدَة مِنْ الْكُمّ وَتَرْك الْأُخْرَى بِلُبْسِ النَّعْل الْوَاحِدَة وَالْخُفّ الْوَاحِد بَعِيد , إِلَّا إِنْ أُخِذَ مِنْ الْأَمْر بِالْعَدْلِ بَيْن الْجَوَارِح وَتَرْك الشُّهْرَة , وَكَذَا وَضْع طَرَف الرِّدَاء عَلَى أَحَد الْمَنْكِبَيْنِ , وَاَللَّه أَعْلَم " انتهى.
وعليه؛ فإنْ لعب الإنسان بالشراب دون لبس النعلين، لزمه أن يلبس الشرابين معا أو أن يخلعهما معا، لأنهما في حكم الخف المذكور في الحديث.
وقد أحسن المعلم في تنبيه الطلاب على ذلك، فجزاه الله خيرا.
وقولك: إن لبس الشراب الواحد أصبح ظاهرة بين الطلاب، يخشى أن يكون الباعث عليه هو التشبه بأحد الكافرين أو الفاسقين، فينبغي معالجة ذلك، وبيان ما في التشبه بهؤلاء من نقص العقل والدين، وحثهم على الاقتداء بأهل الخير والصلاح من المسلمين.
وقد قال ﷺ يقول: (مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ) رواه أبو داود (٤٠٣١) وصححه الألباني في " إرواء الغليل " (٥/١٠٩) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 9522
حضور حفل التخرج في الجامعة الأمريكية
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم حضور حفل التخرج في الجامعة الأمريكية، أنا طالب دكتوراه وسأتخرج هذا الفصل، حضور هذا الحفل اختياري ولكن من المهم جداً لطلاب الدكتوراه ومشرفيهم أن يحضروا الحفل، أثناء هذا الحفل يجب على جميع الطلاب أن يلبسوا العباءة والطاقية الخاصة بالحفل ولست أدري ما هي الخلفية التاريخية لهذا النوع من اللباس.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
حيث أن الحضور اختياري، فلا تشارك فيه؛ لتسلم من التشبه بالكافرين في لبس هذا الزي الخاص بهم، وتسلم أيضا مما يكون في هذه الاحتفالات عادة من منكرات.
وقد قال النبي ﷺ : " من تشبه بقوم فهو منهم " رواه أبو داود (٤٠٣١) من حديث ابن عمر ﵁، وصححه الألباني في صحيح أبي داود.
وللمزيد يراجع سؤال رقم ٢١٦٤٣
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 9523
أيهما أفضل الثوب أم الإزار والرداء ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل الثوب والإزار أو السروال والقميص (اللباس الأفغاني) هو مثال على لباس الرسول ﷺ أم هي تقاليد فقط في بلاد العرب وباكستان؟ هل من الأفضل لبس هذه الملابس بدلاً من لبس الملابس الغربية إذا استطاع الشخص لبسها هناك؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
فقد لبس النبي ﷺ الثوب (القميص) والرداء والإزار والسروال، وأما القميص الباكستاني، فلم يرد – فيما نعلم - أن النبي ﷺ لبس القميص على هذه الصفة.
ولا شك أن التمسك بهذا اللباس العربي يدخل ضمن احتفاظ الأمة بعاداتها وخصائصها، ويحفظها من التقليد والذوبان في غيرها. وهو أفضل ولا شك من اللباس الغربي.
ومع هذا فاللباس يعتبر من باب العادات، فلكل بلد عاداته وتقاليده، ولا حرج في متابعة البلد الذي يسكنه المسلم في اللباس، بشرط ألا يشتمل على محرم في ذاته أو وصفه، فلا يجوز لبس الحرير ولا الضيق ولا الشفاف الذي يكشف العورة، أو ما اختص به الكفار من اللباس أو كان مصنوعاً من الحرير.
كما لا يجوز أن يلبس لباس شهرة – وهو ما يشتهر به لابسه عند الناس – لقول النبي ﷺ : " مَنْ لَبِسَ ثَوْبَ شُهْرَةٍ أَلْبَسَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَوْبًا مِثْلَهُ " زَادَ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ " ثُمَّ تُلَهَّبُ فِيهِ النَّارُ " رواه أبو داوود ٤٠٢٩ وحسنه الألباني في صحيح أبي داوود (٣٣٩٩)
وعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ لَبِسَ ثَوْبَ شُهْرَةٍ أَلْبَسَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَوْبَ مَذَلَّةٍ " رواه ابن ماجه ٣٦٠٦وحسنه الألباني ٢٩٠٥.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 9524
ترسيخ محبة النبي في نفس الطفل
[السُّؤَالُ]
ـ[كيف ننمي محبة النبي ﷺ في نفوس أطفالنا، عندي طفلة صغيرة ماذا أفعل معها في هذا الشأن؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لتنمية محبة النبي ﷺ في قلوب أطفالنا عدة طرق منها:
- أن يقص عليها الوالدان ما ورد من قصص أطفال الصحابة في عهده ﷺ ، وقتالهم لمن يؤذيه، وسرعة استجابتهم لندائه، وتنفيذ أوامره، وحبهم لما يحبه ﷺ ، وحفظهم للأحاديث النبوية.
- أن يحاولا أن يحفّظاها ما تيسر من الأحاديث، ويكافئاها على حفظها، ومما ورد في ذلك قول الزبيري: كانت لمالك بن أنس ابنة تحفظ علمه – يعني الموطأ – وكانت تقف خلف الباب، فإذا غلط القارئ نقرت الباب فيفطن مالك فيرد عليه، وعن النضر بن الحارث قال: سمعت إبراهيم بن أدهم يقول: قال لي أبي: يا بُني اطلب الحديث، فكلما سمعتَ حديثاً وحفظتَه فلك درهم فطلبتُ الحديث على هذا.
- أن يشرحا لها ما يناسب إدراكها من سيرة المصطفى ﷺ ومغازيه، وسير الصحابة والصحابيات رضوان الله عليهم، حتى تنشأ على حب هؤلاء الصفوة، وتتأثر بسلوكهم، وتتحمس للعمل والإخلاص في سبيل تقويم نفسها ونصر دينها.
ولقد حرص الصحابة والسلف على دراسة سيرة النبي ﷺ ، وتلقينها لأطفالهم، حتى إنهم لَيُقرئونها مع تعليم القرآن، لأنها الترجمان لمعاني القرآن مع ما فيها من إثارة العاطفة، ومشاهدة الواقع الإسلامي، ولما لها من تأثير عجيب في النفس، ولما تحمل في طياتها من معاني الحب والجهاد في إنقاذ البشرية من الضلال إلى الهدى، ومن الباطل إلى الحق، ومن ظلمات الجاهلية إلى نور الإسلام.
ولابد أن ينتقي الأب أو الأم وهما يقصان على الطفلة من سيرة الرسول ﷺ وحياة الصحابة والصحابيات رضوان الله عليهم ما يثير وجدانها مثل: طفولته ﷺ ، وبعض حياته عند حليمة السعدية، وكيف أغدق الله تعالى الخير والنعم على حليمة وأسرتها بسببه ﷺ ، وليلة الهجرة كيف أغشى الله أبصار المشركين، وغير ذلك من الجوانب التي تظهر العناية الربانية به، فتملأ قلب الطفلة بحب الله وحب رسوله ﷺ ، فقد روي عن علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: (أدبوا أولادكم على ثلاث خصال: حُب نبيكم، وحب أهل بيته، وقراءة القرآن، فإن حملة القرآن في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله مع أنبيائه وأصفيائه) أورده السيوطي في الجامع الصغير ص ٢٥، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع الصغير ص ٣٦ رقم ٢٥١، وحبذا لو خصص الوالدان لسيرة رسول الله ﷺ وقتاً مناسباً من درس الأسرة اليومي، يقوم فيه الأطفال بالقراءة من الكتب المبسطة، أو ينتقي منها الأب أو الأم ما يلائم سن الأطفال.
[الْمَصْدَرُ]
من كتاب تنشة الفتاة المسلمة لـ حنان الطوري ص ١٧١
стр. 9525
الماركة المسجلة المشهورة باسم (NIKE)
[السُّؤَالُ]
ـ[علامة أو كلمة (NIKE) المطبوعة على القمصان والطاقيات، هل ينبغي على المسلمين أن يتجنبوا شراء ولبس هذه الأنواع من المواد؛ لأنني سمعت بعض الناس يقول أنها شرك، وتعني أننا نطيع أي إله آخر غير الله - نعوذ بالله -، فأرجوا تزويدي بإجابة مختصرة، وبتاريخ: (NIKE) إذا كانت حقيقية.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذه الماركة المشهورة (NIKE) التي لعلها أشهر الماركات الرياضية العالمية تحمل اسم آلهة النصر عند اليونان، أسس هذه الشركة واختار اسمها كل من: (فيل نايت) ، و (بيل باورمان) ، يريدان بهذا الاسم التيمن بنصر من ينافس من الرياضيين الذين يلبسون هذه الماركة، ويرفعون شعار هذا الإله.
وهذا أمر مشهور تنص عليه الموسوعات العالمية، انظر موسوعة ويكيبيديا على الانترنت
وفي شرح هذه المادة من قاموس "المورد" الشهير: " نايكي: إله النصر عند الإغريق، وتمثل عادة على صورة فتاة مجنحة، تحمل بإحدى يديها إكليلا، وبالأخرى سعفة من نخيل" انتهى.
"المورد - قاموس إنجليزي عربي-" (ص/٦١٣) .
وهي نفس المعلومة التي نجدها في كتاب: المعتقدات الدينية عند الشعوب، أشرف على تحريره: جفري بارندر، نشر بالعربية في سلسلة عالم المعرفة، رقم (١٧٣) ، ص (٤٠٩) .
وبهذا يتبين أنه لا يجوز للمسلم أن يرضى برفع هذا الرمز، ولا أن يتشبه بمن يرفعونه، فهو يعتقد توحيد الله سبحانه، ويؤمن بأن النصر والعون والقوة منه وحده ، ورَفعُ هذا الشعار يناقض معتقدَه وإيمانه، فإن كان ولا بد من شراء منتجات الشركة فلا أقل من إتلاف شعارهم، ومحو اسمهم عن أن يكون على الصدر أو القدم أو الطاقية، وبهذا يسلم دين المرء، وتسلم عقيدته.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: " أما بالنسبة للصور، كالصور التي في الملابس للكبار أو الصغار فهي سواء، لا يجوز للإنسان أن يلبس ما فيه صورة، ولا أن يلبس أولاده من بنين وبنات ما فيه صورة.
وأما الكتابات الموجودة، مكتوب: (أنا نصرانية) على فانيلة، ومكتوب (أنا يهودية) ، ومكتوب أيضاً (مسيحية) ، ومكتوب (سائل الجنسية) (ماء الرجل الدافق) ، ومكتوب برمز (آنسة) وهي ترمز لفعل الفاحشة، ومكتوب أيضاً (إله الحب عند الإغريق) ، ومكتوب أيضاً (شراب خمر) ومن الكتابات أيضاً (اسم رجل وامرأة) ، ومن الكتابات (عيد المسيح) ، ومكتوب – أيضاً - (أنا مسيحي) .
المهم يا إخواني! نحن شعب مسلم، والواجب علينا أن نقاطع هذه الألبسة، كما أن الواجب علينا أن نكتب إلى وزارة التجارة، نخوفها بالله ، ونقول: يجب أن تحرصي غاية الحرص على ما يرد إلى أسواقنا من مثل هذه الأمور.
سبحان الله! صبي أو صبية من المسلمين يُكتب على لباسها أنها نصرانية أو يهودية، أنحن لا نفهم؟ أنحن غنم؟ سبحان الله! الواجب أن نكون أمة واحدة، وأن المسئولين إذا كانوا في غفلة عن هذا ولم يعلموا به: أن يكتب إليهم ويبين ويرسل نماذج من هذه الألبسة، هذا بالنسبة للمسئولين، ويجب علينا أن ننصحهم وأن نبين لهم الأمر وإذا فعلنا ذلك برئت ذمتنا، هم المسئولون أمام الله: (يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ. إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) الشعراء /٨٨-٨٩
ويا ويلهم إن قصروا في الأمانة وفي رعاية الرعية، فستكون الأمة خصمهم يوم القيامة.
وأما بالنسبة لنا نحن فالواجب علينا مقاطعة هذا الشيء، وألا نبذل دراهمنا بما يسيء إلينا؛ لأن هذا أدنى ما فيه أن الصبي يستسيغ كلمة (إنه نصراني) أو (إنه يهودي) وأنتم تعلمون أن اليهود والنصارى أعداء لنا من قديم الزمان.
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ. فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ) المائدة/٥١-٥٢
أي: نخشى أن تصيبنا دائرة، فإذا واليناهم كانوا معنا؛ قال الله تعالى: (فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ) المائدة/٥٢.
الواجب علينا أن نقاطع هذا مقاطعة تامة، وإذا رأيناه عند صاحب دكان نصحناه، وقلنا له: اتق الله ونبين له؛ لأن بعض أهل الدكاكين أيضاً لا يفهمون اللغة الإنجليزية، ولا يدرون ما الذي كتب، لكن نبلغهم، هذا إذا كان الأمر الذي أمامنا الآن واقعاً، أما إذا كان غير واقع، فحسبنا الله على من كتبه وغر الناس به.
حتى أسماء المغنين وأسماء المهرة من أصحاب الكرة وغيرهم ممن ليسوا مسلمين: كل هذا لا يجوز؛ لأنه سيقع في قلب المسلم تعظيم هؤلاء وهم كفار.
أما الصور فقد ذكرنا أنها حرام سواء على الفنايل أو على القمص أو على السراويل " انتهى باختصار.
"لقاء الباب المفتوح" (٤/ رقم السؤال: ١٤) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 9526
النظر إلى الأجنبية للحاجة
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز للرجل النظر إلى المرأة الأجنبية، سواء المحجبة أو غير المحجبة؟ والنظر ليس بشهوة، بل هو لقضاء مصلحة، مثل البيع والشراء أو سؤال أو غير ذلك.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الأصل الذي جاءت به الشريعة هو المنع من النظر إلى النساء عموما، والحث على غض البصر وحفظ القلب عن التطلع إلى صور النساء وعوراتهن، ومراعاة العفاف والحياء في علاقة كل من الجنسين بالآخر.
ومع ذلك فقد راعت الشريعة اختلاف الظروف والأحوال، وقيام الحاجات التي تقتضي التوسع في هذا الباب، إلا أنه ينبغي التفريق بين المرأة المحجبة، وغير المحجبة، في أحكام النظر:
فالمرأة غير المحجبة قد كشفت جزءًا من عورتها المُحرَّمَة كالشعر والنحر والساعد، وهذه عورات باتفاق العلماء، وقد حرم الله تعالى في كتابه النظر إلى عورات النساء ومواضع الزينة منهن، فقال : (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ. وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آَبَائِهِنَّ أَوْ آَبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) النور/٣٠-٣١
ففي هذه الآية الكريمة نص على وجوب غض البصر عن عورات النساء ومفاتنهن، فلا ينبغي للمسلم أن يتجاوز الحد الذي حده الله سبحانه، كما يفعل بعض الناس – هداهم الله – حين يجالسون النساء المتبرجات، أو يحادثونهن، أو يجرون معهن المقابلات وقد اتخذن كامل زينتهن، وقد يزيدون إلى ذلك ضحكا ومزاحا، ولا يرون فيما يصنعون بأسا، فليعلم هؤلاء جميعا أن الله لا يرضى أن تنتهك حرمته مجاهرة، ولا أن تتخذ الأحكام الشرعية هزؤا وامتهانا، فكيف إذا أصبح التبرج ظاهرة لا يستنكرها كثير من الناس؟! تلك هي الانتكاسة الحقيقية في الدين والخلق والإيمان، نسأل الله تعالى لنا ولكم السلامة والعافية.
يقول ابن القطان الفاسي ﵀:
" إن كانت هذه الأجنبية – أي غير المحرم – كبيرة، وهي مسلمة، فلا خفاء بتحريم النظر من الأجنبي إلى ما عدا وجهها وكفيها وقدميها: كالصدر والبطن والعنق والشعر وما فوق السرة والظهر، هذه مواضع لا يجوز له النظر إلى شيء منها أصلا، وهذا مما لا خلاف فيه " انتهى.
"أحكام النظر" (ص/١٤٣)
أما المرأة المحجبة التي كشفت وجهها فقط، فهذه – رغم أنها خالفت الحكم الشرعي الراجح المقتضي لوجوب تغطية وجه المرأة – إلا أن قيام الحاجة إلى تعامل الرجال معها: من بيع، وشراء، ومساعدة، وتعليم، وعلاج، وشهادة، وخطبة، ونحو ذلك، يقتضي جواز النظر بقدر الحاجة إلى وجهها، بشرط ألا تصحبه شهوة، ولا تُخشى منه الفتنة، فإن الحاجة تنزل منزلة الضرورة، والضرورات تبيح المحظورات. انظر "الأشباه والنظائر" للسيوطي (ص/٨٨)
يقول الإمام النووي ﵀:
" إذا كانت حاجة شرعية فيجوز النظر، كما في حالة البيع، والشراء، والتطبب، والشهادة ونحو ذلك، ولكن يحرم النظر في هذه الحال بشهوة، فإن الحاجة تبيح النظر للحاجة إليه، وأما الشهوة فلا حاجة إليها " انتهى.
"شرح مسلم" (٤/٣١)
ويقول الإمام الرملي الشافعي ﵀:
" (ويباح النظر) للوجه فقط (لمعاملة) : كبيع، وشراء، ليرجع بالعهدة ويطالب بالثمن مثلا، (أو شهادة) تحملا وأداء لها وعليها " انتهى.
"نهاية المحتاج" (٦/١٩٨)
وقد سبق تفصيل الحالات التي تجيز النظر إلى الأجنبية، في جواب السؤال رقم: (٢١٩٨)
أما المرأة غير المحجبة فالواجب دائما التباعد عن النظر إليها إلا للضرورة، ولا يتوسع فيها كما هو في شأن المرأة المحجبة، فالمتبرجة قد كشفت أجزاءً من عورتها لم يرد في الشريعة جواز كشفها بحال من الأحوال باتفاق العلماء، أما المحجبة فقد كشفت ما توسعت الشريعة في كشفه – وهو الوجه – في أحوال مخصوصة باتفاق العلماء، ثم إن الخلاف في كشفه معتبر بين أهل العلم، وإن كانت ممن يتدين بجواز ذلك، فلا إثم عليها في كشفه، إن شاء الله.
وفرقٌ ظاهرٌ بين الحالتين.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 9527
حكم الملابس التي تحتوي على كتابات إنجليزية
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم الملابس التي تحتوي على كتابات باللغة الإنجليزية ولا نعلم ربما دلت هذه الحروف على معان سيئة وهل هذا من التشبه؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الواجب أن نسأل عن هذه الكلمات أو الحروف التي كتبت بغير اللغة العربية لأنها قد تكون دالة على معنى فاسد هادم للأخلاق ولا يجوز أن يلبس ما فيه كتابة إنجليزية مما ليس بعربي إلا بعد أن يتأكد الإنسان من نزاهة هذه الكتابة وأنه ليس فيها ما يخل بالشرف وليس فيها تعظيم للكفار كاللاعبين والفنانين أو المبدعين الذين أبدعوا شيئاً لم يسبقهم عليه أحد أو ما أشبه ذلك فإن كان فيه تعظيم للكفار فإن هذا حرام ولا يجوز، وإذا كان يشتمل على معان سافلة هابطة فكذلك لا يجوز، لهذا لابد أن يسأل عن معنى هذه الكلمات المكتوبة قبل أن يلبس هذا الثوب.
[الْمَصْدَرُ]
الشيح ابن عثيمين في الفتاوى الجامعة للمرأة المسلمة ج/٣ ص ٨٥٧
стр. 9528
حكم إطالة الثوب إن كان للخيلاء أو لغير الخيلاء
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم إطالة الثوب إن كان للخيلاء أو لغير الخيلاء؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"حكمه التحريم في حق الرجال؛ لقول النبي ﷺ : (ما أسفل من الكعبين من الإزار فهو في النار) رواه البخاري في صحيحه، وروى مسلم في الصحيح عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: المسبل إزاره، والمنان فيما أعطى، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب) ، وهذان الحديثان وما في معناهما يعمان من أسبل ثيابه تكبراً أو لغير ذلك من الأسباب؛ لأنه ﷺ عمَّم وأطلق ولم يقيد، وإذا كان الإسبال من أجل الخيلاء صار الإثم أكبر والوعيد أشد لقوله ﷺ : (ومن جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة) ، ولا يجوز أن يظن أن المنع من الإسبال مقيد بقصد الخيلاء؛ لأن الرسول ﵊ لم يقيد ذلك في الحديثين المذكورين آنفا، كما أنه لم يقيد ذلك في الحديث الآخر وهو قوله لبعض أصحابه: (وإياك والإسبال فإنه من المخيلة) ، فجعل الإسبال كله من المخيلة؛ لأنه في الغالب لا يكون إلا كذلك، ومن لم يسبل للخيلاء فعمله وسيلة لذلك، والوسائل لها حكم الغايات؛ ولأن ذلك إسراف وتعريض ملابسه للنجاسة والوسخ، ولهذا ثبت عن عمر ﵁ أنه لما رأى شابا يمس ثوبه الأرض قال له: ارفع ثوبك فإنه أتقى لربك وأنقى لثوبك" انتهى.
"مجموع فتاوى الشيخ ابن باز" (٦/٤٨٣) .
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀:
"إسبال الإزار إذا قصد به الخيلاء فعقوبته أن لا ينظر الله تعالى إليه يوم القيامة، ولا يكلمه، ولا يزكيه، وله عذاب أليم.
وأما إذا لم يقصد به الخيلاء فعقوبته أن يعذَّب ما نزل من الكعبين بالنار؛ لأن النبي ﷺ قال: (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: المسبل، والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب) ، وقال ﷺ : (من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة) ، فهذا فيمن جر ثوبه خيلاء.
وأما من لم يقصد الخيلاء: ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار) ، ولم يقيد ذلك بالخيلاء، ولا يصح أن يقيد بها بناء على الحديث الذي قبله؛ لأن أبا سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أزرة المؤمن إلى نصف الساق ولا حرج - أو قال -: لا جناح عليه فما بينه وبين الكعبين، وما كان أسفل من ذلك فهو في النار، ومن جر بطراً لم ينظر الله إليه يوم القيامة) رواه مالك وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه ذكره في كتاب " الترغيب والترهيب " في الترغيب في القميص (ص ٨٨ ج ٣) .
ولأن العملين مختلفان، والعقوبتين مختلفتان، ومتى اختلف الحكم والسبب امتنع حمل المطلق على المقيد، لما يلزم على ذلك من التناقض" انتهى.
" مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين " (١٢ / السؤال رقم ٢٢٣) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 9529
حكم بيع وشراء ملابس الرياضة التي عليها صور وأسماء اللاعبين وشعارات أنديتهم
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا أحد تجار التجزئة للملابس الرياضية، وحيث أنه في هذه الأيام انتشر وبشكل واضح وملموس في محلات الرياضة، وبين الشباب لبس الفنايل التي تحمل أسماء لاعبين لمنتخبات وأندية أوروبية، وبعض تلك الأندية تحمل في شعاراتها الصليب! حيث أصبحت تلك الملابس هي الأكثر بيعاً وتداولا في محلات الرياضة , وعند سؤال من يرتدي تلك الفنايل يقولون: نحن لا نتشبه بدينهم، ولا بأشخاصهم، وإنما نعجب بلعبهم ومهاراتهم فقط، ونحن أصحاب المحلات في حرج من هذا الأمر إذا امتنعنا عن بيعها: تضررنا، وسوف ينتهي الأمر إلى إغلاق محلاتنا لوجودها وبكل سهوله في المحلات الأخرى، ولكن يهمنا المطعم الحلال. آمل بيان ما يأتي: ١. ما حكم شراء فنايل الأندية الأوربية، وبيعها، وارتدائها؟ وهل يجوز الصلاة بها وقد كتب عليها اسم ذلك اللاعب؟ . ٢. ما حكم بيع فنايل الأندية الأوربية التي لا تحمل أسماء، بل أرقاماً فقط؟ . ٣. ما حكم بيع فنايل الأندية الأوربية التي لا تحمل أسماء، ولا أرقاماً؟ . ٤. ما حكم بيع فنايل الأندية الأوربية التي طمس من شعارها الصليب؟ . ٥. وهل هذا يعتبر مما عمت به البلوى، وكل محاسب على حسب نيته؟ وهل هو حرام أم مكروه؟ . ٦. إذا كان هذا البيع لا يجوز فماذا يجب على تجار الجملة، والتجزئة تجاه هذه الملابس؟ . آمل إرسال فتوى شاملة، ومفصلة في هذا الموضوع؛ لنشرها بين الناس، وفي محلات الرياضة، وتجار الجملة بإذن الله. وجزاكم الله خيراً.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
لا يخفى على عاقل الحال التي وصل إليها الناس في زماننا هذا – ومعهم المسلمون – من الإدمان لكرة القدم، والتعلق بلاعبيها، والتعظيم لنواديها، فانتشار صور اللاعبين في كل مكان، والتسمي بأسمائهم، ولبس ملابس عليها أرقامهم، وتقليدهم في حركاتهم، ولعبهم، وتصرفاتهم، كل ذلك – وغيره كثير – من علامات ذلك الإدمان، والتعلق، والتعظيم، لتلك اللعبة، ولاعبيها.
وقد أشبع القول في حكم هذه اللعبة الشيخ ذياب الغامدي حفظه الله في كتابه " حقيقة كرة القدم " وذكر واحداً وأربعين محظوراً من محظورات تلك اللعبة، بتفصيل وافٍ، وتتبع كافٍ، فلينظره من أراد الوقوف على حقيقة تلك اللعبة، ومفاسدها.
ثانياً:
ما جاء في السؤال هو جزء من الحقيقة التي ذكرناها أولاً، وهي تدل دلالة واضحة على تعلق المسلمين – تبعاً للهمج الرعاع من غيرهم – بتلك اللعبة، وتدل على تعظيمهم لأولئك اللاعبين، ونواديهم، ويغضون النظر عن كونهم فسقة يظهرون عوراتهم للناس، وعما ينشر عن حياتهم من أحوال الفسق والمجون، بل لا يبالون بكونهم كفاراً! .
ثالثاً:
لا يجوز لمسلم أن يلبس قمصاناً فيها نوع تعظيم لأولئك الكفار، أو نواديهم، فلا يضع عليها اسم اللاعب، ولا ناديه، ولا رقمه، كما لا ينبغي أن يضع على قميصه صورة أولئك اللاعبين، أو أحدهم.
سئل علماء اللجنة الدائمة:
ما حكم لبس الملابس الرياضية التي تحمل شعارات خاصة بالكفار، مثل " الفنايل " الرياضية التي عليها شعارات إيطاليا، أو ألمانيا، أو أمريكا، أو التي مكتوب عليها أسماء بعض اللاعبين الكفار؟ .
فأجابوا: الملابس التي تحمل شعارات الكفار فيها تفصيل كما يلي:
١. إن كانت هذه الشعارات ترمز إلى ديانات الكفار كالصليب، ونحوه: ففي هذه الحالة لا يجوز استيراد هذه الملابس، ولا بيعها، ولا لبسها.
٢. إن كانت هذه الشعارات ترمز إلى تعظيم أحدٍ من الكفار، بوضع صورته، أو كتابة اسمه، ونحو ذلك: فهي أيضاً حرام، كما سبق.
٣. إذا كانت هذه الشعارات لا ترمز إلى عبادة، ولا تعظيم شخص، وإنما هي علامات تجارية مباحة، وهي ما يسمى بـ " الماركات ": فلا بأس بها.
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ بكر أبو زيد.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (٢٤ / ٢٤، ٢٥) .
وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀:
طُرحت في الآونة الأخيرة بعض البضائع عليها صور اللاعبين، فما حكم ذلك؟ وإذا كانت هذه الصور عبارة عن ملصق، وقام المشتري بإزالته وجد تحتها جائزة، فما الحكم؟ .
فأجاب:
أرى أن هذه البضاعة التي عليها صور اللاعبين: تُهجر، وتقاطع؛ لأننا نسأل: ما فائدة الإسلام والمسلمين من بروز هذا اللاعب وظهوره على غيره؟ أعتقد أن كل إنسان سيكون جوابه بالنفي: لا فائدة من ذلك، فكيف نعلن عن أسماء هؤلاء، وننشر صورهم، وما أشبه ذلك؟! وكان الذي ينبغي أن يعدل عن هذا إلى مناصحة اللاعبين بالتزام الآداب الإسلامية: من ستر العورة، والمحافظة على الصلاة في الجماعة، وعدم التنافر فيما بينهم، وعدم التشاتم، وألا يستولي عليهم تعظيم الكافر إذا نجح في هذه اللعبة على غيره، هذا الذي ينفع.
فأرى أن تهجر هذه البضاعة، وتقاطع، ثم إن الغالب أن هذه الشركة لم تضع الجوائز إلا لأنها تعرف أنها ستربح أضعافاً مضاعفة بالنسبة لما وضعت.
فنسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم من أهل البصيرة في دين الله ، وأن يحمي بلادنا، وشبابنا، وديننا من كل مكروه وسوء، إنه على كل شيء قدير.
" مجموع فتاوى الشيخ العثيمين " (١٢ / جواب السؤال رقم ٢٥٨) ، و " لقاء الباب المفتوح " (٥٧ / السؤال رقم ٣٣) .
وانظر جواب السؤال رقم: (١١٥٠٣٨) في بيان حكم بيع وشراء المنتجات وعليها رسوم الصلبان.
رابعاً:
مع تحريم لبس تلك القمصان التي تحمل أسماء أولئك اللاعبين، أو أسماء نواديهم، أو صورهم: فإن الصلاة لا تبطل إذا كان المصلي لابساً لها أثناء صلاته، فهي صحيحة مع الإثم.
وانظر فتاوى أهل العلم في هذا في جواب السؤال رقم: (٨٣١٥٤) .
خامساً:
بيع وشراء هذه الملابس مما عمَّت به البلوى، لكن لا يستفاد من ذلك الترخيص ببيعها وشرائها، بل بالتشدد في منع ذلك؛ لما للقول بإباحة ذلك من مفاسد على دين وخلُق الناس، وهو مما جاءت الشريعة للمحافظة عليه، لا التفريط فيه، وقد أُمرنا ببغض الكفر وأهله، ولا يلتقي الإيمان بالله مع مودة الكفار في قلب مسلم، فكيف إذا كان الأمر أعظم من الود، كالحب، والتعظيم؟! قال تعالى: (لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) المجادلة/ ٢٢.
ومع هذا التعظيم المحرَّم في قلوب المسلمين لأولئك الكفار، وأنديتهم: فقد نهبت شركاتهم أموال المسلمين بصنع تلك الملابس وعليها صور اللاعبين، أو أسماءهم، أو شعارات أنديتهم، ولا فرق في الحكم بين تجار الجملة، والمجزَّأ، وكل ذلك مما لا يجوز التهاون فيه.
سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀:
ما تقولون فيما يفعله بعض الشباب من أبناء المسلمين اليوم في الألبسة التي يرتدونها للرياضة، وهي تحمل شعارات لدول كافرة، أو لبعض اللاعبين من الكفار، أو فيها شعارات تعصب لبعض الفرق الرياضية الكافرة إعجاباً بهم؟ هل هذا من موالاة الكفار، أفتونا وفقكم الله؟ .
فأجاب:
قد يكون هذا ليس من موالاة الكفار ظاهراً، لكن من فعله: فإن في قلبه من تعظيم الكفار ما ينافي الإيمان، أو كمال الإيمان، والواجب علينا نحن المسلمين أن نقاطع مثل هذه الألبسة وألا نشتريها؛ وفيما أحل الله لنا من الألبسة شيء كثير؛ لأننا إذا أخذنا بهذه الألبسة: صار فيها عزٌّ للكفار، حيث أصبحنا نفتخر أن تكون صورهم، أو أسماؤهم، ملبوساً لنا، هم يفتخرون بهذا، ويرون أن هذا من إعزازهم وإكرامهم.
ثانياً: هم يسلبون أموالنا بهذه الألبسة، مصانعهم حامية، وجيوبنا منفتحة لبذل الدراهم لهم، وهذا خطأ.
الآن لو أنك ذهبت إلى بعض البيوت: لوجدت المرأة عندها أكثر من عشرين ثوباً كلما ظهرت موضة اشترتها، وكذلك بالنسبة للاعبين، والذي أشير به على إخواننا هؤلاء أن يقاطعوا هذه الألبسة نهائيّاً، وأن يكتفوا بالألبسة التي تفصَّل هنا على الطراز الإسلامي الموافق لهدي النبي ﷺ . " اللقاء الشهري " (٢ / السؤال رقم ١١) .
والخلاصة:
لا يجوز بيع وشراء قمصان الرياضة التي يوجد عليها صور اللاعبين، وأسماءهم، ولا أسماء الأندية، وشعارها، ولا فرق في ذلك الحكم بين أن يبيعها المسلم جملة، أو مجزَّأة.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 9530
ضابط التشبه بالمشركين المحرم
[السُّؤَالُ]
ـ[سمعت بعض الناس يقول: إن لبس البنطلون والبدلة محرم لأن فيه تشبهاً بالكفار، فهل هذا الكلام صحيح؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
حرم الله تعالى على المسلم أن يتشبه بالكفار، وَشَّدد النبي ﷺ في ذلك حتى قال: (مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ) رواه أبو داود (٤٠٣١) ، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود.
وتحريم التشبه بالكفار إنما يكون فيما هو من خصائصهم، ولا يشاركهم فيه المسلمون.
ومما يوضح معنى الخصوصية: أنه إذا رئي الفاعل لذلك الفعل لقيل عنه: إنه من الطائفة التي منع من مشابهتها، وهذا لا يكون إلا في الفعل الذي لا يفعله إلا هذه الطائفة، أما الفعل المشترك بينهم وبين المسلمين، فلا يصح أن يقال: إن فِعْلَه يُعَدُّ من التشبه الممنوع؛ لأن الفعل ليس خاصاً بهم.
وعلى هذا؛ فالأشياء التي لا تمنع إلا بسبب كونها تشبهاً بالمشركين، قد يختلف حكمها باختلاف الزمان أو المكان، حسب اختلاف العادات والتقاليد.
فإذا كان هذا النوع من اللباس في بلد ما لا يلبسه إلى الكفار، كان لبس المسلم له في هذا البلد محرماً، وإذا كان في بلد آخر يلبسه المسلمون والكفار كان لبسه جائزاً مباحاً في ذلك البلد.
ولبس البنطلون أو البدلة ليس اليوم خاصاً بالكفار، بل يلبسه المسلمون في عامة البلدان، ولا يرون في لبسه تشبهاً بالكفار، لكونه ليس من خصائصهم.
فعلى هذا؛ يكون لبسه مباحاً، ولا حرج فيه.
وسبق أن ذكرنا فتوى اللجنة الدائمة للإفتاء من إباحة لبس البنطلون والبدلة وأنه ليس من التشبه بالكفار في جواب السؤالين (١٠٥٤١٢) و (١٠٥٤١٣) .
وقد سئل الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: ما الضابط في مسألة التشبه بالكفار؟
فأجاب:
" التشبه بالكفار يكون في المظهر واللباس والمأكل وغير ذلك لأنها كلمة عامة، ومعناها أن يقوم الإنسان بشيء يختص به الكفار، بحيث يدل من رآه أنه من الكفار وهذا هو الضابط، أما إذا كان الشيء قد شاع بين المسلمين والكفار فإن التشبه يجوز، وإن كان أصله مأخوذاً من الكفار، ما لم يكن محرماً لعينه كلباس الحرير" انتهى.
"مجموع دروس وفتاوى الحرم المكي" (٣/٣٦٧) .
وسئل أيضاً: ما هو مقياس التشبه بالكفار؟
فأجاب:
" مقياس التشبه أن يفعل المتشبِّه ما يختص به المتشَّبه به، فالتشبه بالكفار أن يفعل المسلم شيئاً من خصائصهم، أما ما انتشر بين المسلمين وصار لا يتميز به الكفار فإنه لا يكون تشبهاً، فلا يكون حراماً من أجل أنه تشبه، إلا أن يكون محرماً من جهة أخرى، وهذا الذي قلناه هو مقتضى مدلول هذه الكلمة، وقد صرح بمثله صاحب الفتح [ابن حجر] حيث قال (١٠/٢٧٢) : (وقد كره بعض السلف لبس البرنس؛ لأنه من لباس الرهبان، وقد سئل مالك عنه فقال: لا بأس به. قيل: فإنه من لبوس النصارى، قال كان يُلْبَسُ ههنا. ا.هـ) .
قلت (ابن عثيمين) : لو استدل مالك بقول النبي ﷺ حين سئل ما يلبس المحرم، فقال: (لا يلبس القميص ولا العمامة ولا السراويل ولا البرنس ... الحديث) ، لكان أولى.
وفي الفتح أيضاً (١/٣٠٧) : وإن قلنا النهي عنها (أي المياثر الأرجوان) من أجل التشبه بالأعاجم فهو لمصلحة دينية، لكن كان ذلك شعارهم حينئذ وهم كفار، ثم لما لم يصر الآن يختص بشعارهم زال ذلك المعنى، فتزول الكراهة. والله أعلم. اهـ. " انتهى.
"فتاوى العقيدة" (ص٢٤٥) .
والمياثر الأرجوان تشبه المخدة يجعلها الراكب على الفرس تحته.
وللفائدة ينظر جواب السؤال رقم (٢١٦٩٤) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 9531
متدين ويريد أن يلبس الثوب بدلا من السراويل
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا طالب جامعي متدين والحمد لله، على مذهب السلف ﵏، أسألكم: هل يجب أن ألبس القميص أو يمكنني أن ألبس السراويل؟ وإن كان السراويل فما شروطه؟ مع العلم أني متخوف قليلا من لبس القميص، وأظن أنه ستواجهني عراقيل؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
نسأل الله تعالى أن يثبتنا وإياك على دينه، وأن يعيننا على اتباع السلف الصالح بإحسان.
ثم ننصحك أخانا السائل في باب اللباس أن تلبس ما يعتاده الناس في بلدك، وألا تخرج عن لباسهم المألوف الساتر للعورة، فقد وَسَّعت الشريعة في أبواب العادات، وتركت شأنها – في الغالب – لما يعرفه الناس ويعتادونه، فلا يجوز أن نضيق واسعا، وأن ننسب إلى الدين ما ليس منه، سواء كان مذهبا أو لباسا.
كما أن الخروج عن عوائد الناس في هذه الأمور يسبب من الحرج والمشقة الشيء الكبير، وقد يؤدي في كثير من الأحيان إلى المفاخرة والعجب والمراءاة، خاصة إذا كان اللباس متعلقا بالدين أو شعارا لطائفة أو مذهب معين.
وقد يؤدي بصاحبه إلى ترك الالتزام بالأحكام الشرعية، والرجوع إلى الوراء، لأنه وجد أن التمسك بالأحكام الشرعية فيه مشقة شديدة لا يحتملها، وهو الذي شق على نفسه فيما ظنه من الشرع، والأمر ليس كذلك. وقد قال النبي ﷺ : (إِنَّ هَذَا الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ) رواه البخاري (٣٩) والنسائي (٥٠٣٤) .
وقد سئل الإمام مالك ﵀ عن الذي يعتم بالعمامة ولا يجعلها من تحت حلقه، فأنكرها، وقال:
" ذلك من عمل القبط، وليست من عمل الناس، إلا أن تكون عمامة قصيرة لا تبلغ " انتهى. "عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة" (٣/٥٢٥) .
ورأى الإمام أحمد رجلا لابسا بردا مخططا بياضا وسوادا فقال:
" ضع هذا، والبس لباس أهل بلدك " انتهى.
"غذاء الألباب شرح منظومة الآداب" (٢/١٢٥) .
وقال ابن بطال في "شرح البخاري" (٩/١٢٣) :
" الذي ينبغي للرجل أن يتزيا في كل زمان بزي أهله، ما لم يكن إثماً؛ لأن مخالفة الناس في زيهم ضرب من الشهرة " انتهى.
وقال ابن عقيل الحنبلي – كما في " مطالب أولي النهي" (١/٢٧٩) -:
" لا ينبغي الخروج عن عادات الناس، مراعاة لهم، وتأليفا لقلوبهم، إلا في الحرام إذا جرت عاداتهم بفعله، أو عدم المبالاة به، فتجب مخالفتهم رضوا بذلك أو سخطوا " انتهى.
فهؤلاء الأئمة أنكروا على من خرج عن عادات الناس فيما يلبسونه.
وقد سئلت اللجنة الدائمة للإفتاء: شاع في كثير من بلاد المسلمين لبس البدلة، ذلك اللباس المكون من جاكيت وبنطلون، وقد تقتصر الملابس على بنطلون وقميص أو فانيلا بكم أو بنصف كم، في الصيف لشدة الحر، فهل لبس هذا اللباس يدخل تحت باب التشبه بغير المسلمين أو لا؟
فأجابت: " الأصل في أنواع اللباس الإباحة؛ لأنه من أمور العادات، قال تعالى: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) الأعراف/٣٢، ويستثنى من ذلك ما دل الدليل الشرعي على تحريمه أو كراهته كالحرير للرجال، والذي يصف العورة؛ لكونه شفافا يرى من ورائه لون الجلد أو لكونه ضيقا يحدد العورة، لأنه حينئذ في حكم كشفها وكشفها لا يجوز، وكالملابس التي هي من سيما الكفار الخاصة بهم، فلا يجوز لبسها لا للرجال ولا للنساء؛ لنهي النبي ﷺ عن التشبه بهم، وكلبس الرجال ملابس النساء ولبس النساء ملابس الرجال؛ لنهي النبي ﷺ عن تشبه الرجال بالنساء والنساء بالرجال، وليس اللباس المسمى بالبنطلون والقميص مما يختص لبسه بالكفار، بل هو لباس عام في المسلمين والكافرين في كثير من البلاد والدول، وإنما تنفر النفوس من لبس ذلك في بعض البلاد لعدم الإلف ومخالفة عادة سكانها في اللباس، وإن كان ذلك موافقا لعادة غيرهم من المسلمين، لكن الأولى بالمسلم إذا كان في بلد لم يعتد أهلها ذلك اللباس ألا يلبسه في الصلاة ولا في المجامع العامة ولا في الطرقات.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم" انتهى.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز.. الشيخ عبد الرزاق عفيفي.. الشيخ عبد الله بن غديان.. الشيخ عبد الله بن قعود.
"فتاوى اللجنة الدائمة" (٢٤/٣٩) .
فلا حرج عليك من لبس البنطلون الذي عليه أكثر المسلمين، وصار لباساً معتاداً لهم. وليس في ذلك ما يخالف الشرع.
وانظر في الضوابط الشرعية للباس الرجل جواب السؤال رقم: (٣٦٨٩١)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 9532
ما حكم الملبوسات الجلدية المصنوعة في الغرب ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم الأحزمة والأحذية الجلدية المصنوعة في الغرب؟ هل يجوز لنا ارتداؤها أو لا يجوز، بحيث لا نعرف أهي من حيوان مذكى أو من خنزير؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"الأصل الطهارة وجواز لبسها حتى يثبت ما يوجب الحكم بنجاستها وتحريم لبسها، من كونها من جلد خنزير أو من حيوان غير مذكى ذكاة شرعية ولم يدبغ.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم" انتهى.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء.
الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ... الشيخ عبد الرزاق عفيفي ... الشيخ عبد الله بن غديان
"فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء" (٢٤/٢٨) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 9533
حكم الملابس الرياضية التي عليها شعار الكفار
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم لبس الملابس الرياضية التي تحمل شعارات خاصة بالكفار، مثل الفنايل الرياضية التي عليها شعارات إيطاليا أو ألمانيا أو أمريكا، أو التي مكتوب عليها أسماء بعض اللاعبين الكفار؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"الملابس التي تحمل شعارات الكفار فيها تفصيل كما يلي:
١- إن كانت هذه الشعارات ترمز إلى ديانة الكفار كالصليب ونحوه، ففي هذه الحالة لا يجوز استيراد هذه الملابس ولا بيعها ولا لبسها.
٢- إن كانت هذه الشعارات ترمز إلى تعظيم أحد من الكفار بوضع صورته أو كتابه اسمه ونحو ذلك فهي أيضاً حرام كما سبق.
٣- إذا كانت هذه الشعارات لا ترمز إلى عبادة ولا تعظيم شخص، وإنما هي علامات تجارية مباحة، وهي ما يسمى بالماركات فلا بأس بها.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم" انتهى.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء.
الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ... الشيخ عبد الله بن غديان ... الشيخ صالح الفوزان ... الشيخ عبد العزيز آل الشيخ ... الشيخ بكر أبو زيد.
"فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء" (٢٤/٢٤) .
وينظر للفائدة سؤال رقم (١١٤٦٣١) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 9534
الرمز إلى محبة الرسول ﷺ برسم قلب
[السُّؤَالُ]
ـ[يوجد بعض سلاسل المفاتيح نحتت على شكل قلب، وهو رمز الحب، وكتب عليها: (أنا، ثم رسم القلب، الرسول) أي: أنا أحب الرسول ﷺ ، ومن الخلف كتب عليها: (يا حبيبي يا رسول الله) والأخرى دائرية تعلق على الصدر، وكتب عليها نفس العبارة، كما أنه انتشر بين بعض النساء لبس قمص نسوية مكتوب على الجهة اليسرى منها فوق الصدر هذه العبارة أيضاً، فما حكم هذه الأشياء؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"عمل الشكل المذكور وكتابة العبارة المذكورة على الملابس والميداليات ونحوها ليس من هدي سلف الأمة الذين هم أفضل القرون وأشد تعظيماً وحباً للرسول ﷺ ممن جاء بعدهم، كما أن فيه تشبهاً بأهل الفسق الذين يتخذون مثل هذه الرموز دلالة على حبهم وعشقهم المحرم لغيرهم، ويتفانون فيه من غير التفات لحكم الشريعة المطهرة فيه، كما أن الشكل المذكور يفهم منه أيضاً: أن حب رسول الله ﷺ كحب غيره من المخلوقين، وهذا غلط كبير؛ لأن محبة رسول الله ﷺ واجبة شرعاً، ولا يتم الإيمان إلا بها، أما محبة غيره فقد تكون مشروعة، وقد تكون محرمة، وبناء على ما تقدم فإن كتابة العبارة المذكورة وبيعها وشراءها واستعمالها لا يجوز.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم" انتهى.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء.
الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ ... الشيخ عبد الله بن غديان ... الشيخ صالح الفوزان ... الشيخ أبو زيد.
"فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء" (٢٤/٩٠) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 9535
ما هو لباس الشهرة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يعتبر اللباس الذي يلبسه الرياضيون والمغنون من لباس الشهرة المنهي عنه؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
التوجيه الشرعي في أمر اللباس يستحب للناس أن يتوسطوا ويعتدلوا فيه، من غير إسراف ولا مخيلة، ومن غير رداءة ولا رثاثة، فالاعتدال مندوب في جميع الأمور، ومنها اللباس الذي يقي الإنسان من الحر أو البرد ويتزين به للناس.
يقول الله : (يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) الأعراف/٣١
عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ قال: (كُلُوا وَتَصَدَّقُوا وَالْبَسُوا فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلَا مَخِيلَةٍ) رواه النسائي (٢٥٥٩) وحسنه الألباني في "صحيح النسائي"
وقال ابن عباس ﵄: " كل ما شئت، والبس ما شئت، ما أخطأتك خصلتان: سرَف ومَخِيلة " انتهى.
رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٥/١٧١) .
وقد ورد في خصوص لباس الشهرة أحاديث منها حديث ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ لَبِسَ ثَوْبَ شُهْرَةٍ فِي الدُّنْيَا أَلْبَسَهُ اللَّهُ ثَوْبَ مَذَلَّةٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) . رواه أبو داود (٤٠٢٩) والنسائي في "السنن الكبرى" (٥/٤٦٠) وابن ماجه (٣٦٠٦) وأحمد في "المسند" (٢/٩٢) وغيرهم، وحسنه الألباني والأرناؤوط.
فمن لبس ما فيه إسراف ظاهر – بالنسبة لمجتمعه - يوحي بالتكبر والخيلاء، أو لبس الرديء الرث – بالنسبة لمجتمعه – يشعر بالزهادة والعبادة، فقد تجاوز القصد والاعتدال وحاد عن السبيل.
يقول السرخسي في "المبسوط" (٣٠/٢٦٨) :
" والمراد أن لا يلبس نهاية ما يكون من الحسن والجودة في الثياب على وجه يشار إليه بالأصابع، أو يلبس نهاية ما يكون من الثياب الخَلِقِ – القديم البالي - على وجه يشار إليه بالأصابع , فإن أحدهما يرجع إلى الإسراف والآخر يرجع إلى التقتير، وخير الأمور أوسطها " انتهى.
وجاء في "الموسوعة الفقهية" (٦/١٣٦) :
" ويكره لبس زي مُزْرٍ بِهِ لأنه من الشهرة , فَإِن قَصَدَ به الاختيال أو إظهارَ التواضع حَرُمَ لأنه رياء " انتهى.
والمقياس والميزان هو عادة الناس والمجتمع الذي يعيش فيه الإنسان، فما كان بالنسبة لهم إسرافا ومخيلة أو كان رديئا رثا فهو مكروه مذموم، وهو من الشهرة التي نهى عنها بعض السلف من الصحابة والتابعين:
قال ابن عمر ﵄:
" من لبس رداء شهرة أو ثوب شهرة ألبسه الله نارا يوم القيامة "
رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٦/٨١) .
وقال سفيان الثوري:
(كانوا يكرهون الشهرتين: الثياب الجياد التي يشتهر فيها ويرفع الناس إليه فيها أبصارهم، والثياب الرديئة التي يحتقر فيها ويستذل دينه)
ثانيا:
ومن الشهرة أيضا لباس ما تنكره عادات المجتمع وتقاليده، وما يخالف في هيئته أو لونه ما يعرفونه ويألفونه، مما يؤدي إلى حديث الناس عنه وغيبته والوقوع في نيته وقصده، والمسلم مأمور بكف الغيبة عن نفسه، أما اللباس الذي لا يستنكرونه ولا يستغربونه، ويعتادون على رؤيته أو يأخذونه بالقبول، فلا حرج من لبسه إذا كان ساترا للعورة.
عن عدي بن الفضل قال: قال لي أيوب:
" اُحْذُ نعلين على نحو حذو نعل رسول الله ﷺ . قال: ففعلت، فلبسها أياما ثم تركها، فقلت له في ذلك فقال: لم أر الناس يلبسونها " انتهى.
ابن أبي الدنيا في "التواضع والخمول" (رقم/٦٢)
وعن الحصين قال: كان زبيد اليامي يلبس برنسا، قال: فسمعت إبراهيم النخعي عابه عليه، قال: فقلت له: إن الناس كانوا يلبسونها، قال: أجل! ولكن قد فني من كان يلبسها، فإن لبسها أحد اليوم شهروه وأشاروا إليه بالاصابع.
رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٦/٨١)
جاء في "الموسوعة الفقهية" (٦/١٣٦-١٣٧) :
" لبس الألبسة التي تخالف عادات الناس مكروه لما فيه من شهرة , أي ما يشتهر به عند الناس ويشار إليه بالأصابع , لئلا يكون ذلك سببا إلى حملهم على غيبته , فيشاركهم في إثم الغيبة، قال في لسان العرب: الشهرة ظهور الشيء في شُنعة حتى يشهره الناس " انتهى مختصرا.
ثالثا:
هناك عدة عوامل مؤثرة في الحكم على لباس الشهرة في زماننا هذا، منها:
١- اتساع حال الناس اليوم، وانفتاح الدنيا عليهم، وانتشار المال بين أيديهم، مما يسر عليهم شراء أفضل أنواع الثياب وأجودها.
٢- التضخم الصناعي الهائل لأشكال وأنواع وألوان الألبسة اليوم، فملايين المصانع تقدم يوميا آلاف التصاميم التي تنتشر في جميع أنحاء العالم اليوم، فاعتاد الناس على لبس كل جديد، وتقبل كل تغيير، وقلت أنواع الألبسة التي ترفضها المجتمعات مطلقا.
٣- الاختلاط بين الأجناس والأعراق، وكثرة أسفار الناس وتنقلاتهم بين البلدان، فلم تعد البلاد حكرا على أهلها، بل صار البلد الواحد يحوي من أهل الشرق والغرب أعدادا كبيرة، فكان له الأثر الظاهر أيضا في تقبل أنواع الألبسة الكثيرة.
٤- ثم إن انتشار وسائل الإعام بجميع أشكالها كان له الأثر الأكبر في تنويع ثقافات الألبسة، وتناقلها بين الناس، واستفادة بعضهم من بعض في هذا المجال.
كل ذلك أثَّر في فقه اللباس الشرعي، فقد أحال الشرع الأمر إلى عرف الناس وعاداتهم، وهي قد تأثرت اليوم بالعوامل الأربعة السابقة، مما غير كثيرا من أحكام اللباس التي كانت في العصور السابقة.
فلا نرى أن لباس الرياضيين – إذا كان ساترا للعورة – أو لباس "البدلة الإفرنجية"، أو خروج الرجل حاسر الرأس أو اللباس الخاص بأصحاب المهن والحرف المعينة، كلباس الأطباء ولباس القضاة ولباس العمال ونحو ذلك: مِن الشهرة المذمومة، فهي لا تحمل معنى الشهرة أصلا، لا من حيث الإسراف والخيلاء، ولا من حيث مخالفة المجتمع.
ولكن إذا وُجِدَ أَنْ لَبِسَهَا أحدٌ في مجتمعه الذي ما زال محافظا على تراثه وعادته، ولم يتأثر بالعوامل الأربعة السابقة، فكان مستغربا مستنكرا في قومه، فهذا يكره في حقه، ولا ينبغي له المشاقة والمخالفة، فإن قصد بها الرياء والسمعة والتزكية، أو إظهار الزهد أو إظهار الخيلاء والكبرياء أثم وحرم لباسه ذلك.
رابعا:
لا يخفى أن الشرط المهم الذي يقيد جميع الكلام السابق هو كون اللباس ساترا للعورة، غير شفاف ولا واصف للون العورة ولا حجمها، وليس فيه تشبهٌ بلباس الديانات الأخرى ولا تشبهٌ بالنساء أو أهل الفسق والمجون، وليس حريرا بالنسبة للرجال، فإن لم تنطبق فيه هذه الشروط فلا يجوز لبسه ولا بيعه ولا شراؤه.
وبالتأمل في كثير من لباس الرياضيين اليوم نجدها غير منضبطة بالستر الشرعي المطلوب، فهي إما قصيرة تكشف أكثر الفخذ، أو ضيقة تحجم العورة المغلظة، فمثل هذه الألبسة لا يجوز لبسها بسبب مخالفتها الضوابط الشرعية.
وأما من أراد أن يلبس لباس المغنين والممثلين، فقد تقحم باب سوء وفتنة وشر، حين سعى نحو التشبه بأهل الفسق وأصحاب المعاصي والفساد، وقد كان الواجب عليه كره المعصية وبغض شعارها ولباسها، وتجنب أهلها والمفتونين بها؛ لأن النبي ﷺ يقول: (مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ) رواه أبو داود (٤٠٣١)
فلا يجوز لبس ما يتميز به المغنون والممثلون، والأصل أن يقلد المسلم قدوة الخير والعلم والفضل، وأما قدوة المعصية فهي سبيل غضب الله .
وانظر جواب السؤال رقم (٣٦٨٩١)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 9536
مذهب الجمهور في مسألة إسبال الثياب
[السُّؤَالُ]
ـ[سمعت أن مذهب الجمهور على الكراهة في إسبال الثياب، بسبب فعل أبي بكر ﵁، وقول الرسول ﷺ لأبي بكر: لست منهم. أي ممن يفعل ذلك خيلاء.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إذا أسبل الرجل ثيابه إلى ما تحت الكعبين بقصد الكبر والخيلاء فهذا محرم من غير خلاف بين العلماء، بل هو من كبائر الذنوب.
وقد سبق في جواب السؤال رقم (٧٦٢) ذكر بعض الأحاديث الواردة في تحريم ذلك.
وأما إسبال الثياب بدون قصد الكبر والخيلاء، فهذا قد اختلف العلماء في حكمه على ثلاثة أقوال: التحريم، والكراهة، والجواز بلا كراهة.
وجمهور العلماء من المذاهب الأربعة على عدم التحريم، وهذه بعض أقوال علماء المذاهب في ذلك:
ذكر ابن مفلح في "الآداب الشرعية" (٣/٥٢١)
" أَبَا حَنِيفَةَ ﵀ ارْتَدَى بِرِدَاءٍ ثَمِينٍ وَكَانَ يَجُرُّهُ عَلَى الْأَرْضِ، فَقِيلَ لَهُ: أَوَلَسْنَا نُهِينَا عَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: إنَّمَا ذَلِكَ لِذَوِي الْخُيَلَاءِ وَلَسْنَا مِنْهُمْ " انتهى.
وانظر "الفتاوى الهندية" (٥/٣٣٣) .
وأما المالكية: فذهب بعضهم إلى التحريم كابن العربي والقرافي.
قال ابن العربي في "عارضة الأحوذي" (٧/٢٣٨) :
" لا يجوز لرجل أن يجاوز بثوبه كعبه ويقول: لا أتكبر فيه؛ لأن النهي تناوله لفظاً، وتناول علته، ولا يجوز أن يتناول اللفظ حكماً فيقال إني لست ممن يمتثله لأن العلة ليست فيَّ، فإنه مخالفة للشريعة، ودعوى لا تسلم له، بل مِن تكبره يطيل ثوبه وإزاره فكذبه معلوم في ذلك قطعًا " انتهى.
وذهب آخرون منهم إلى الحكم بالكراهة وليس التحريم.
قال الحافظ ابن عبد البر في "التمهيد" (٣/٢٤٤) :
" وهذا الحديث يدل على أن من جر إزاره من غير خيلاء ولا بطر أنه لا يلحقه الوعيد المذكور، غير أن جر الإزار والقميص وسائر الثياب مذموم على كل حال " انتهى.
وجاء في "حاشية العدوي" (٢/٤٥٣) :
" َالْحَاصِلُ أَنَّ النُّصُوصَ مُتَعَارِضَةٌ فِيمَا إذَا نَزَلَ عَنْ الْكَعْبَيْنِ بِدُونِ قَصْدِ الْكِبْرِ: فَمُفَادُ "الْحَطَّابِ" – من علماء المالكية - أَنَّهُ لَا حُرْمَةَ بَلْ يُكْرَهُ، ومُفَادُ "الذَّخِيرَةِ" – كتاب للإمام القرافي -: الْحُرْمَةُ.
وَالظَّاهِرُ: أَنَّ الَّذِي يَتَعَيَّنُ الْمَصِيرُ إلَيْهِ الْكَرَاهَةُ الشَّدِيدَةُ " انتهى.
وأما الشافعية: فصرحوا بأنه لا حرمة إلا بقصد الخيلاء.
قال الإمام الشافعي ﵀ – كما نقله عنه النووي في "المجموع" (٣/١٧٧) : " لا يجوز السدل في الصلاة ولا في غيرها للخيلاء، فأما السدل لغير الخيلاء في الصلاة فهو خفيف؛ لقوله ﷺ لأبي بكر رضى الله عنه وقال له: إن إزاري يسقط من أحد شقي. فقال له: (لست منهم) " انتهى.
وقال النووي في "شرح مسلم" (١٤/٦٢) :
" لا يجوز إسباله تحت الكعبين إن كان للخيلاء، فإن كان لغيرها فهو مكروه، وظواهر الأحاديث فى تقييدها بالجر خيلاء تدل على أن التحريم مخصوص بالخيلاء، وهكذا نص الشافعى على الفرق " انتهى.
واختار بعض الشافعية – كالذهبي والحافظ ابن حجر – القول بالتحريم.
قال الذهبي في " سير أعلام النبلاء" (٣/٢٣٤) : رداً على من يسبل إزاره ويقول لا أفعل ذلك خيلاء. قال:
" فتراه يكابر ويبرِّء نفسه الحمقاء، ويعمد إلى نص مستقل عام، فيخصه بحديث آخر مستقل بمعنى الخيلاء!
ويترخّص بقول الصديق: إنه يا رسول الله! يسترخي إزاري، فقال: (لست يا أبا بكر ممن يفعله خيلاء) !
فقلنا: أبو بكر ﵁ لم يكن يشد إزاره مسدولا على كعبيه أولا، بل كان يشده فوق الكعب، ثم فيما بعد يسترخي.
وقد قال ﵇: (إزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه، لا جناح عليه فيما بين ذلك وبين الكعبين) ، فمثل هذا في النهي من فصّل سراويل مغطيا لكعابه، ومنه طول الاكمام زائدا، وكل هذا من خيلاء كامن في النفوس " انتهى.
وأما الحنابلة: فقد نصوا على عدم التحريم.
قال في: "الإقناع" (١/١٣٩) :
" ويكره أن يكون ثوب الرجل تحت كعبه بلا حاجة " انتهى باختصار.
وقال ابن قدامة في: "المغني" (٢/٢٩٨) : " ويكره إسبال القميص والإزار والسراويل؛ فإن فعل ذلك على وجه الخيلاء حَرُم " انتهى.
وقال ابن مفلح "الآداب الشرعية" (٣/٥٢١) :
" وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀ (ابن تيمية) عَدَمَ تَحْرِيمِهِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِكَرَاهَةٍ وَلَا عَدَمِهَا " انتهى.
وانظر: " شرح العمدة" لشيخ الإسلام ابن تيمية ص (٣٦١-٣٦٢) .
وقد اختار الصنعاني ﵀ التحريم، وكتب في ذلك كتاباً سماه "استيفاء الأقوال في تحريم الإسبال على الرجال".
والقول بالتحريم هو اختيار أكثر علمائنا المعاصرين: كالشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين والشيخ ابن جبرين والشيخ صالح الفوزان وعلماء اللجنة الدائمة للإفتاء وغيرهم.
ولمعرفة الموقف من المسائل الاجتهادية راجع جواب السؤال رقم (٧٠٤٩١)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 9537
هل يراعي ذوق الناس وعرفهم فيسبل المسلم ثوبه؟ وهل في البنطال إسبال ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم لبس السروال تحت الكعب في مجتمعاتنا الحاضرة من غير مخيلة؟ إذ أن رفعه فوق الكعب يفسد منظر الشخص، ويلفت انتباه الغير، أرجو ألا تروا في سؤالي مجادلة أو ازدراء، إنما هو استفسار جاد، وهذا الأمر يهمني كثيراً، خصوصا في مجال العمل.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
اعلم أخي السائل أن أحكام الشريعة المطهرة لم تأتِ لتجعل المسلم ذليلاً أو أضحوكة بين الناس، بل جاءت بما فيه الخير للناس جميعاً في دينهم ودنياهم، وتأمَّل في أحوال العالم تجد صدق هذا القول، فقد فشت مخالفات الأمم للإسلام في حياتهم الدنيوية كثيراً، وانظر – على سبيل المثال – آثار الاختلاط بين النساء والرجال على أحوال الأمم، وانظر آثار إباحة الخمور، وانظر آثار التبرج والسفور، وانظر آثار الحرية الزائفة على تلك الأمم، إنهم أكثر الأمم إصابة بالقلق، والاكتئاب، إنهم أكثر الأمم انتحاراً، إنهم أكثر الأمم ضرباً للزوجات وقتلاً لهنَّ، والأمثلة كثيرة جدّاً، وما نقوله موثق من إحصائيات أنفسهم، وليس هذا مجال تفصيل ذلك، وإنما هي إيماءة لما نريد إيصاله لك ولغيرك من القراء الذين قد يوسوس لهم الشيطان بقبح القيام ببعض الشعائر الثابتة في الإسلام، ولا نراك – إن شاء الله – من أولئك، ولكن لا يمنع هذا من التنبيه عليه، والإشارة إليه.
ثانياً:
واعلم أخي الفاضل أنه لا ينبغي للمسلم مراعاة الناس وأعرافهم إذا تعلَّق الأمر بواجب أمره الله تعالى به، أو بمحرَّم نهاه الله تعالى عن فعله.
نعم، يمكن للمسلم مراعاة أحوال الناس وأعرافهم في باب المستحبات، والمباحات، والمكروهات، أما باب الواجبات والمحرمات: فلا يجوز له البتة التنازل عنهما من أجل الناس.
ويستدل بعض الناس خطأ بحديث عائشة في ترك النبي ﷺ لهدم الكعبة وبنائها على قواعد إبراهيم ﵇، فيجعلونه دليلاً على التنازل عن الواجبات، وهو خطأ ظاهر، ولو كان هذا واجباً عليه ﷺ ما تركه من أجل تأليف قلوب الناس، بل كان جائزاً، وإليك الحديث كاملاً، وكلام أهل العلم حوله.
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال لهَا: يَا عَائِشَةُ لوْلا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِليَّةٍ لأَمَرْتُ بِالبَيْتِ فَهُدِمَ فَأَدْخَلتُ فِيهِ مَا أُخْرِجَ مِنْهُ وَأَلزَقْتُهُ بِالأَرْضِ وَجَعَلتُ لهُ بَابَيْنِ بَابًا شَرْقِيًّا وَبَابًا غَرْبِيًّا فَبَلغْتُ بِهِ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ.
رواه البخاري (١٥٠٩) ومسلم (١٣٣٣) .
وفي لفظ عندهما: (فأخافُ أنْ تُنْكِرَ قُلُوبُهم) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀:
ومعلوم أن الكعبة أفضل وقف على وجه الأرض، ولو كان تغييرها وإبدالها بما وصفه واجباً: لم يتركه، فعُلم أنه كان جائزاً، وأنه كان أصلح، لولا ما ذكره من حدثان عهد قريش بالإسلام، وهذا فيه تبديل بنائها ببناء آخر، فعُلم أن هذا جائز في الجملة، وتبديل التأليف بتأليف آخر هو أحد أنواع الإبدال.
" مجموع الفتاوى " (٣١ / ٢٤٤) .
وقال – ﵀:
فترك الأفضل عنده لئلا ينفر الناس، وكذلك لو كان رجل يرى الجهر بالبسملة فأم بقوم لا يستحبونه أو بالعكس ووافقهم: كان قد أحسن.
" مجموع الفتاوى " (٢٢ / ٢٦٨، ٢٦٩) .
وقال – ﵀:
وقد ينتقل – أي: النبي ﷺ عن الأفضل إلى المفضول؛ لما فيه من الموافقة، وائتلاف القلوب، كما قال لعائشة (لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لنقضت الكعبة ولجعلت لها بابين) ، فهنا تركَ ما هو الأولى؛ لأجل الموافقة، والتأليف الذي هو الأدنى من هذا الأولى.
" مجموع الفتاوى " (٢٦ / ٩١) .
ثالثاً:
وبخصوص إسبال الثياب عموماً، والسروال خصوصاً: ينبغي التنبيه على أمور:
١. إسبال الثياب حتى تلامس الكعبين من كبائر الذنوب، وليس تحريم الإسبال مقيَّداً بالكِبْر، بل هو محرَّم لذاته، وهو نفسه من الكِبْر، فإذا أضيف إليه كِبْر قلبي: كان الإثم أكبر.
قال الحافظ ابن حجر – ﵀:
قال ابن العربي ﵀: لا يجوز للرجل أن يجاوز بثوبه كعبه ويقول " لا أجره خيلاء "؛ لأن النهي قد تناوله لفظا، ولا يجوز لمن تناوله اللفظ حكماً أن يقول " لا أمتثله؛ لأن تلك العلة ليست فيَّ ": فإنها دعوى غير مسلَّمة، بل إطالته ذيله دالة على تكبره ا. هـ ملخصاً.
وحاصله: أن الإسبال يستلزم جرَّ الثوب، وجرُّ الثوب يستلزم الخيلاء، ولو لم يقصد اللابس الخيلاء، ويؤيده: ما أخرجه أحمد بن منيع من وجه آخر عن ابن عمر في أثناء حديث رفعه: (وإياك وجر الإزار؛ فإن جر الإزار من المَخِيلة) .
" فتح الباري " (١٠ / ٢٦٤) .
وقال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀:
(وإياك والإسبال فإنه من المَخِيلة) ، فجعل الإسبال كلَّه من المَخِيلة؛ لأنه في الغالب لا يكون إلا كذلك، ومَن لم يسبل للخيلاء: فعمله وسيلة لذلك، والوسائل لها حكم الغايات.
" مجموع فتاوى الشيخ ابن باز " (٦ / ٣٨٣) .
وينظر في ذل جواب السؤال رقم (٧٦٢) ففيه بيان أدلة تحريم الإسبال.
٢. لا يحل لأحدٍ أن يقسِّم الدين إلى لبٍّ وقشور، ويجعل هؤلاء المقسِّمون إسبال الإزار وحلق اللحية من القشور! وهذا خطأ وسببه الجهل بحكم الشرع، وهذا الفعلان من كبائر الذنوب، فانظر لتهوين هؤلاء المقسمين من ارتكاب الكبائر بقولهم السوء ذاك.
وانظر الرد عليهم في جواب السؤال رقم (١٢٨٠٨) .
٣. الإسبال ليس فقط في الثوب، بل في الإزار والسراويل والبناطيل والعباءات، وكل ما يلبسه المسلم من ثياب.
٤. وننبه إلى أن الذي يُلبس إلى نصف الساق هو الإزار، أما الثوب والبنطال فلا يُلبسان كذلك، بل يُلبسان فوق الكعبين، ولا يحل أن يلمسا الكعبين.
وقد بيَّنا هاتين المسألتين (٤ و ٥) في جواب السؤال رقم: (١٠٥٣٤) فلينظر.
٥. لا يحل لبس البنطال – وهو المقصود فيما ظهر لنا من قول السائل " السروال " إذا كان ضيقاً يصف العورة.
ولينظر جواب السؤال رقم: (٦٩٧٨٩) .
وأخيراً:
٧. إسبال البنطال من كبائر الذنوب، وعليه: فلا اعتبار لذوق الناس ورأيهم في تقصيره وفقاً للسنَّة النبويَّة، كما بينَّا في أول الجواب، ونعجب – حقيقة – ممن ينظر لهذا التقصير على أنه مفسد لمنظر المسلم، ولا يرى تقصير ثياب النساء إلى نصف الفخذ كذلك، ولا يرى البناطيل الضيقة المقززة التي يلبسها بعض الشباب كذلك، ولا يرى البناطيل الساحلة! التي خرج بها علينا بعض الشباب كذلك، ولا يرى قصات الشباب والشابات التي تشبهوا بها بالحيوانات كذلك – قصة الأسد، وعُرف الديك، والبطة، والفأر -.
وعلى الأخ الذي يلتزم تقصير الثوب أن لا يبالغ في ذلك، فحكم إسبال الثياب محرَّم، وليس فيه مجال مراعاة للناس، أما المبالغة في التقصير فهي التي فيها المجال، وعلى الإخوة الذين يلتزمون هذا الهدي أن لا يعرِّضوا أنفسهم للسخرية، وأن لا يفتحوا مع الناس هذه المسألة على حساب غيرها، وأن لا يجعلوا بينهم وبين الناس حاجزاً بمثل هذه الأفعال التي وسَّعت فيها الشريعة، ويمكنهم مراعاة أعراف بلدانهم، ولو أطال ثيابه إلى ما قبل الكعبين بقليل من أجل منع الناس من السخرية، ومن أجل عدم وضع حواجز بينه وبين الناس: لرُجي أن يؤجر أكثر من أجر تقصير ثيابه بأكثر مما فعل.
فإسبال البنطال إلى ما تحت الكعبين من المحرمات التي لا يراعى فيها ذوق الناس وعرفهم، وليس للمكلف أن يخالف في هذا من أجل الناس، أما حد التقصير: فلو راعى المكلَّف عرف بلده، ونظرة الناس له: لكان أفضل له وأسلم.
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀:
اللباس إلى نصف الساق سنَّة، وإلى ما تحت نصف الساق سنَّة، الممنوع: أن يكون أسفل من الكعبين، فإن الصحابة رضوان الله عليهم وهم أجلُّ قدراً ممن بعدهم، وأحب للخير لمن بعدهم: كانت ألبستهم تصل إلى الكعب، أو إلى ما فوقه يسيراً، كما قال أبو بكر ﵁ للنبي ﷺ : " يا رسول الله، إن أحد شقي إزاري يسترخي عليَّ إلا أن أتعهده "، وهذا يدل على أن إزاره ينزل عن نصف ساقه؛ لأنه لو كان إلى نصف ساقه واسترخى عليه حتى يصل إلى الأرض لزم من ذلك انكشاف عورته من فوق، وهذا هو المعروف بين الصحابة.
فإذا رأيت مثلاً: أن الناس يكرهون اللبس إلى نصف الساق أو أعلى، وأنك لو لبست كما يلبس الناس في غير إسراف ولا مخيلة أدعى لقبول كلامك: الحمد لله، اترك هذا الذي تريد أن تفعله؛ تأليفاً للقلوب؛ وقبولاً للكلام، ولهذا أجد الناس الآن تلين قلوبهم للناصح إذا كان لباسه على العادة، لكنه ليس محرَّماً، أكثر مما تميل إلى الذين يرفعون لباسهم إلى نصف الساق أو أكثر، والإنسان قد يدع المستحب لحصول ما هو أفضل منه، هذا وأرى أنه إذا قال له والداه: أنزل ثوبك إلى أسفل من نصف الساق: أرى أنه يطيعهما في هذا الحال؛ لأنه كله سنَّة، والحمد لله، كلٌّ عمل به الصحابة ﵃.
" لقاءات الباب المفتوح " (٨٣ / السؤال رقم ١٤) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 9538
هل لبس رخيص الثمن من الثياب من الزهد؟ ضوابط ومسائل مهمة
[السُّؤَالُ]
ـ[١. كثيراً ما تجادلني زوجتي حول ثيابي، حيث إني أقوم بخياطتها ورقعها أحياناً، ولا ألبس غالي الأثمان إطلاقاً، بل دائما أشتري ما هو رخيص من الثياب، فثيابي بالية نوعاً ما، وكثيراً ما يقال لي إن ذلك يعطي صورة سيئة عن " الملتزمين "، وأنا أفعل ذلك من باب الزهد، وأسوة بنبينا الكريم ﷺ ، ولا ننسى قصة عمر ﵁ وقميصه، فما الحل؟ وخاصة أننا نعلم أن في هذا الزمان من لا يعلم معنى الزهد، فأنا لا ألبس الساعات الغالية، ولا أشتري أقلاماً وأي تحف، من جهة أخرى: فإن عملي كموظف بنك يتطلب أن أكون في قمة الأناقة، أرشدوني، وكيف نوفق بين ذلك وبين أن هناك من الصحابة (لا أذكره) رضوان الله عليهم من كان إذا لبس الأبيض والجديد استبشر به الرسول الكريم. ٢. أنا لا ألبس الجيد من النعال، حيث إني أذكر أنه عن عمر ﵁ عندما نصح أحد الصحابة باستبدال نعله المريح بآخر رخيص، ولكن إن فعلت ذلك فسوف تقسو قدمي، وأتهم بعدم الاهتمام بمنظري، وأني مخالف، وكيف نوفق مع مدخل الرياء في هذا المطلب؟ وهل يعد ذلك إيذاءً للنفس - وبخاصة أنه مثلا في الشتاء لا أتكلف بتدفئة نفسي، بل لا أمانع من التعرض للبرد للإحساس وتذكر الفقراء -؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
قولك عن نفسك إنك " تعمل في بنك ": إن كان هذا البنك من البنوك الربوية: فلا يحل لك العمل به، ولو في أي وظيفة فيه.
وقد ذكرنا في هذا في الموقع فتاوى متعددة في حكم العمل في البنوك الربوية، وأنه حرام، ولا يجوز العمل بها، فانظر أجوبة الأسئلة: (٢١١١٣) و (٢٦٧٧١) .
ثانياً:
ثمة حقائق وأحكام لا بدَّ لك من الوقوف عليها لتعلم ما أخطأت فيه وما أصبتَ:
١. خير الهدي هدي النبي محمد ﷺ ، فقد لبس من أنواع الثياب، وكان يتجمل للوفود، ولصلاة العيد، ولصلاة الجمعة، وندب للتجمل لها، وأقرَّ من رغب أن يكون ثوبه حسناً، ورغَّب بظهور أثر نعمة الله على عباده، مع تواضع تام، وزهد شرعي، وهذا أكمل الهدي لمن اقتدى به ﷺ .
عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ رَأَى عُمَرُ عُطَارِدًا التَّمِيمِيَّ يُقِيمُ بِالسُّوقِ حُلَّةً سِيَرَاءَ وَكَانَ رَجُلًا يَغْشَى الْمُلُوكَ وَيُصِيبُ مِنْهُمْ فَقَالَ عُمَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي رَأَيْتُ عُطَارِدًا يُقِيمُ فِي السُّوقِ حُلَّةً سِيَرَاءَ فَلَوْ اشْتَرَيْتَهَا فَلَبِسْتَهَا لِوُفُودِ الْعَرَبِ إِذَا قَدِمُوا عَلَيْكَ وَلَبِسْتَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ - (وفي رواية " والعيد ") - فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّمَا يَلْبَسُ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ. رواه البخاري (٨٤٦) ومسلم (٢٠٦٨) .
حُلة: ثوب من قطعتين.
سيراء: مخطط بالحرير.
لا خلاق: لا نصيب ولا حظ.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ: (مَا عَلَى أَحَدِكُمْ لَوْ اشْتَرَى ثَوْبَيْنِ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ سِوَى ثَوْبِ مِهْنَتِهِ) . رواه ابن ماجه (١٠٩٥) وصححه البوصيري، والألباني في " صحيح ابن ماجه ".
والشاهد من الحديث إقرار النبي ﷺ لعمر ﵁ على قوله بالتجمل منه ﷺ للوفود والجمعة والعيد، وهذا هو واقعه ﷺ ، وإنما أنكر النبي ﷺ كونها من حرير.
والحديث: بوَّب عليه البخاري قوله " باب من تجمَّل للوفود ".
قال الحافظ ابن حجر ﵀:
وشاهد الترجمة منه: قول عمر " تجمَّل بها للوفود "، وأقرَّه النبي ﷺ على ذلك.
" فتح الباري " (١٠ / ٥٠١) .
وقال بدر الدين العيني – ﵀:
المطابقة – أي: مع ترجمة البخاري - تُفهم من كلام عمر ﵁؛ لأن عادة النبي ﷺ كانت جارية بالتجمل للوفد؛ لأن فيه تفخيم الإسلام، ومباهاة للعدو، وغيظا لهم غير أن النبي هنا أنكر على عمر لبس الحرير بقوله إنما يلبس الحرير مَن لا خلاق له، ولم ينكر عليه مطلق التجمل للوفد، حتى قالوا: وفي هذا الحديث لبس أنفس الثياب عند لقاء الوفود.
" عمدة القاري " (٢٢ / ١٤٧) .
٢. لك أن تلبس ملابس رخيصة الثمن، لكن ليس لك أن تلبس ملابس بالية ومرقعة، فالثياب البالية المرقعة ممنوعة في حقك من جهات متعددة:
أ. أنها قد تكون ثياب شهرة.
عن ابن عمر قال: قال النبي ﷺ : (مَنْ لَبِسَ ثَوْبَ شُهْرَةٍ أَلْبَسَهُ الله يَوْمَ القِيَامَةِ ثَوْباً مِثْلَه) . وفي رواية بزيادة (ثُمَّ تَلهبُ فِيهِ النَّار) ، وفي رواية أخرى (ثَوْبَ مَذَلَّة) . رواه أبو داود (٤٠٢٩) وابن ماجه (٣٦٠٦) و (٣٦٠٧) ، وحسَّنه الألباني في " صحيح الترغيب " (٢٠٨٩) .
وليس ثوب الشهرة هو الثوب الغالي الثمن فقط، كما يظن بعض الناس، ل قد يكون الثوب البالي إذا كان اللابس يجد غيره مما هو أفضل منه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀:
وتكره الشهرة من الثياب، وهو المترفع الخارج عن العادة، والمتخفض الخارج عن العادة؛ فإن السلف كانوا يكرهون الشهرتين: المترفع والمتخفض، وفى الحديث " من لبس ثوب شهرة ألبسه الله ثوب مذلة "، وخيار الأمور أوساطها.
" مجموع الفتاوى " (٢٢ / ١٣٨) .
وقال – ﵀:
والثوب الذي هو للشهرة: هو الثوب الذي يُقصد به الارتفاع عند الناس، وإظهار الترفع، أو التواضع والزهد.
" مختصر الفتاوى المصرية " (٢ / ٥٠) .
ب. أنها مخالفة لشكر نعمة الله تعالى عليك، وإظهار تلك الثياب فيه ادعاء الفقر والشكوى من الله!
عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ، عَنْ أَبِيهِ مَالِكٍ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، الرَّجُلُ أَمُرُّ بِهِ، فَلَا يُضَيِّفُنِي وَلَا يَقْرِينِي، فَيَمُرُّ بِي فَأَجْزِيهِ؟ قَالَ: لَا بَلْ اقْرِهِ. قَالَ: فَرَآنِي رَثَّ الثِّيَابِ، فَقَالَ: هَلْ لَكَ مِنْ مَالٍ؟ فَقُلْتُ: قَدْ أَعْطَانِي اللَّهُ مِنْ كُلِّ الْمَالِ مِنَ الإِِبِلِ وَالْغَنَمِ، قَالَ: فَلْيُرَ أَثَرُ نِعْمَةِ اللهِ عَلَيْكَ. رواه أبو داود (٤٠٦٣) وأحمد (١٧٢٣١) – واللفظ له -، وصححه الأرناؤط والألباني.
قال الحافظ ابن حجر – ﵀ – في معنى الحديث -:
يلبس ثيابا تليق بحاله من النفاسة والنظافة؛ ليعرفه المحتاجون؛ للطلب منه، مع مراعاة القصد، وترك الإسراف.
" فتح الباري " (١٠ / ٢٦٠) .
ج. أنك تقدِّم للمتربصين فرصة للطعن بالملتزمين، وبسلوكهم، وبأفعالهم.
د. أن هذا الفعل ليس من هدي سلف الأمة، وإنما كانوا يرقِّعون ثيابهم للضرورة.
هـ. أن فيه تشبهاً بالضالين من أهل التصوف والمخرقة، الذين يحرمون ما أحل الله ادعاءً للزهد.
قال القرطبي – ﵀:
قال أبو الفرج بن الجوزي ﵀:
وأنا أكره لبس الفُوط والمرقعات لأربعة أوجه:
أحدها: أنه ليس من لبس السلف، وإنما كانوا يرقعون ضرورة.
والثاني: أنه يتضمن ادعاء الفقر، وقد أُمر الإنسان أن يُظهر أثرَ نِعَم الله عليه.
والثالث: إظهار التزهد، وقد أُمرنا بستره.
والرابع: أنه تشبه بهؤلاء المتزحزحين عن الشريعة، ومَن تشبه بقوم فهو منهم.
وقال الطبري: ولقد أخطأ من آثر لباس الشَّعر، والصوف على لباس القطن، والكتان، مع وجود السبيل إليه من حلِّه.
" تفسير القرطبي " (٧ / ١٩٧) .
٣. لا يحل لك أن تحرم على نفسك شيئا من زينة اللباس ونحوه، مما أحله الله لك، ولو كان نفيسا غالي الثمن، أو تتركه تركا مطلقا، تقرباً إلى الله تعالى بهذا الترك.
قال تعالى: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) الأعراف/ ٣٢.
قال القرطبي – ﵀:
دلت الآية على لباس الرفيع من الثياب، والتجمل بها في الجمع، والأعياد، وعند لقاء الناس، ومزاورة الإخوان.
قال أبو العالية: كان المسلمون إذا تزاوروا تجمَّلوا.
" تفسير القرطبي " (٧ / ١٩٦) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀:
ومن امتنع عن نوع من الأنواع التي أباحها الله على وجه التقرب بتركها: فهو مخطئ، ضالٌّ.
" مجموع الفتاوى " (٢٢ / ١٣٧) .
وقال – ﵀:
وكذلك اللباس: فمَن ترك جميل الثياب بُخلاً بالمال: لم يكن له أجر، ومَن تركه متعبِّداً بتحريم المباحات: كان آثماً.
" مجموع الفتاوى " (٢٢ / ١٣٨) .
٤. إذا لبستَ ما أباحه الله لك من الثياب مظهراً لنعمة الله عليه: فإنك مأجور على ذلك، ولو كانت ثيابك في غاية النفاسة والرفعة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀:
ومن تناول ما أباحه الله من الطعام واللباس مُظهراً لنعمة الله، مستعيناً على طاعة الله: كان مُثاباً على ذلك.
" مجموع الفتاوى " (٢٢ / ١٣٧) .
وقال – ﵀:
ومَن لبس جميل الثياب إظهاراً لنعمة الله واستعانة على طاعة الله: كان مأجوراً، ومَن لبسه فخراً وخيلاء: كان آثماً؛ فإن الله لا يحب كل مختال فخور.
" مجموع الفتاوى " (٢٢ / ١٣٩) .
وقال الإمام ابن القيم ﵀:
لبس الدنيِّ من الثياب يذمّ في موضع، ويحمد في موضع: فيُذم إذا كان شهرة وخيلاء، ويُمدح إذا كان تواضعاً واستكانةً، كما أن لبس الرفيع من الثياب يُذمّ إذا كان تكبّراً وفخراً وخيلاء، ويُمدح إذا كان تجملاً وإظهاراً لنعمة الله.
" زاد المعاد " (١ / ١٤٦) .
وقال الحافظ ابن حجر – ﵀:
والذي يجتمع من الأدلة: أنَّ مَن قصد بالملبوس الحسن إظهار نعمة الله عليه، مستحضراً لها، شاكراً عليها، غير محتقر لمن ليس له مثله: لا يضره ما لبس من المباحات، ولو كان في غاية النفاسة، ففي صحيح مسلم عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة مِن كِبْر، فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة، فقال: إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق، وغمط الناس) ، وقوله (وغَمْط) بفتح المعجمة وسكون الميم ثم مهملة: الاحتقار.
" فتح الباري " (١٠ / ٢٥٩، ٢٦٠) .
٥. لا يُلزم المسلم بشراء الثياب الغالية الثمن، بل قد يُنهى عنه إذا كان لا يجد المال الذي يشتري به، أو إذا قصد الفخر والخيلاء، وقد يؤجر على تركه شراء تلك الثياب بشرطين:
أ. أن يكون ذلك الترك للشراء تواضعاً لا بُخلاً.
ب. أن لا يلتزم الترك مطلقاً، بل يشتريها أحياناً لمناسبة زواج، أو غيرها، أو إذا أُهديت له، والمهم أن لا يلتزم ترك لباسها مطلقاً.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀:
ومَن ترك لبس الرفيع من الثياب تواضعاً لله، لا بخلاً، ولا التزاماً للترك مطلقاً: فإنَّ الله يثيبه على ذلك، ويكسوه مِن حلل الكرامة.
" مجموع الفتاوى " (٢٢ / ١٣٨) .
٦. التوسط في الأمور حسن، فلِمَ تحصر نفسك بين منعها من الغالي من الثياب، وبين إلباسها البالي منها؟! وأين أنت من الثياب الوسط بينهما؟ .
قال أبو الفرج ابن الجوزي: كان السّلف يلبسون الثّياب المتوسّطة، لا المترفّعة، ولا الدّون، ويتخيّرون أجودها للجمعة والعيدين وللقاء الإخوان، ولم يكن تخيّر الأجود عندهم قبيحاً.
انظر " تفسير القرطبي " (٧ / ١٩٧) و " الموسوعة الفقهية " (٦ / ١٣٩) .
وقال الحافظ ابن حجر ﵀: " والحق أن ملازمة استعمال الطيبات تفضي إلى الترفه والبطر، ولا يأمن من الوقوع في الشبهات؛ لأن من اعتاد ذلك قد لا يجده أحيانا، فلا يستطيع الانتقال عنه فيقع في المحظور، كما أن منع تناول ذلك أحيانا يفضي إلى التنطع المنهي عنه، ويرد عليه صريح قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ كما أن الأخذ بالتشديد في العبادة يفضي إلى الملل القاطع لأصلها، وملازمة الاقتصار على الفرائض ـ مثلا ـ وترك التنفل يفضي إلى إيثار البطالة وعدم النشاط إلى العبادة، وخير الأمور الوسط. " انتهى من فتح الباري (٩/١٠٦) .
٧. وليس كل ثوب رخيص الثمن يكون لبسه من الزهد، فأهل العلم والزهد لم يتعارض زهدهم مع اللباس الجيد الرفيع، ومن نظر للزهد على أنه في الثياب ـ فقط ـ فهو مخطئ، فترى الرجل يتمتع بأنواع الفرش في بيته والسيارات والمأكولات والمشروبات، ويحصر زهده في ثوبه ونعله! ولم يكن هذا هدي سلف هذه الأمة من العُبَّاد والزهَّاد والعلماء.
قال القرطبي – ﵀:
وقد اشترى تميم الداري حلة بألف درهم كان يصلي فيها، وكان مالك بن دينار يلبس الثياب العدنية الجياد، وكان ثوب أحمد بن حنبل يُشترى بنحو الدينار.
أين هذا ممن يرغَب عنه، ويؤثر لباس الخشن من الكتان والصوف من الثياب! ، ويقول: " ولباس التقوى ذلك خير " هيهات! أتَرى مَن ذكرنا تركوا لباس التقوى، لا والله! بل هم أهل التقوى، وأولو المعرفة والنُّهى، وغيرهم أهل دعوى، وقلوبهم خالية من التقوى.
" تفسير القرطبي " (٧ / ١٩٦) .
٨. فإن قلتَ إن هذا من جهاد النفس! وإن أفعالنا إنما تكون لله لا للخلق! : فالجواب:
قال القرطبي – ﵀:
إن قال قائل: تجويد اللباس هوى النفس، وقد أُمرنا بمجاهدتها، وتزينٌ للخلْق وقد أمرنا أن تكون أفعالنا لله لا للخلق! .
فالجواب:
ليس كل ما تهواه النفس يُذم، وليس كل ما يُتزين به للناس يكره، وإنما يُنهى عن ذلك إذا كان الشرع قد نهى عنه، أو على وجه الرياء في باب الدِّين.
فإن الإنسان يجب أن يُرى جميلاً، وذلك حظ للنفس لا يلام فيه، ولهذا يسرِّح شعرَه، ويَنظر في المرآة، ويسوِّي عمامته، ويلبس بطانة الثوب الخشنة إلى داخل، وظهارته الحسنة إلى خارج، وليس في شيء من هذا ما يكره، ولا يذم.
" تفسير القرطبي " (٧ / ١٩٧) .
٩. اللباس غالي الثمن يكون – غالباً – أفضل للبدن، وأطول حياةً، هكذا الأمر بالنسبة للنعل، فإنه يكون أكثر راحة للقدمين، ويعمِّر طويلاً، فحرص المسلم على راحته وبذل الثمن المرتفع من أجل ذلك: لا يحرَّج عليه فيه.
١٠. وانظر أخي الفاضل لقلبك وتفقد أحوالك من حيث الأوامر والنواهي، وإياك أن تجعل ميزانك في قربك من ربك تعالى: قدَم ثيابك وترقيعها، ولذا كان بكر بن عبد الله المزني ﵀ يقول: البسوا ثياب الملوك، وأميتوا قلوبكم بالخشية.
وقد ذكر الإمام ابن كثير ﵀ عن علي بن أبي طالب أنه كان يقول:
أَجِدِ الثيابَ إذا اكتسيتَ فإنَّها ... زين الرجال بها تُعزُّ وتُكرم
ودع التواضع في الثياب تخشعا ... فالله يعلم ما تَجنُّ وتَكتُم
فرثاث ثوبك لا يزيدك زلفة ... عند الإله وأنت عبد مجرم
وبهاء ثوبك لا يضرك بعد أن ... تخشى الإله وتتقي ما يحرم
وعلَّق عليها ابن كثير بقوله:
وهذا كما جاء في الحديث: (إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى ثيابكم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) – رواه مسلم -، وقال الثوري: " ليس الزهد في الدنيا بلبس العبا، ولا بأكل الخشن، إنما الزهد في الدنيا قصر الأمل ".
" البداية والنهاية " (٨ / ١١) .
والخلاصة:
أن الذي ينبغي للمرء من اللباس هو ما يناسب حاله: (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ) ؛ فمن لبس رفيع الثياب: إظهارا لنعمة الله عليه، وتمتعا بما يباح له من الطيبات، من غير إسراف ولا مخيلة، فله ذلك، ولا ينقص من قدره ولا ورعه شيئا، بل يؤجر ـ إن شاء الله ـ على قصده الحسن.
ومن ترك رفيع الثياب، تواضعا واستكانة لله تعالى، فهو أمر حسن، لكن على ألا يخرج من ذلك إلى شيء من الشهرة، أو يحرم على نفسه ـ أو غيره ـ شيئا من الطيبات، أو يفعل ذلك على جهة الاتزام المطلق، مهما كانت حاله.
وَسُئِلَ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " عَنْ الْمُتَنَزِّهِ عَنْ الْأَقْمِشَةِ الثَّمِينَةِ مِثْلِ الْحَرِيرِ وَالْكَتَّانِ الْمُتَغَالَى فِي تَحْسِينِهِ وَمَا نَاسَبَهَا: هَلْ فِي تَرْكِ ذَلِكَ أَجْرٌ أَمْ لَا؟ أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ.
فَأَجَابَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. أَمَّا مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ كَالْحَرِيرِ فَإِنَّهُ يُثَابُ عَلَى تَرْكِهِ كَمَا يُعَاقَبُ عَلَى فِعْلِهِ ...
وَأَمَّا الْمُبَاحَاتُ: فَيُثَابُ عَلَى تَرْكِ فُضُولِهَا، وَهُوَ مَا لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِمَصْلَحَةِ دِينِهِ، كَمَا أَنَّ الْإِسْرَافَ فِي الْمُبَاحَاتِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ إذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ وَقَالَ تَعَالَى عَنْ أَصْحَابِ النَّارِ: ﴿إنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ ﴿إنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ . وَالْإِسْرَافُ فِي الْمُبَاحَاتِ هُوَ مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ، وَهُوَ مِنْ الْعُدْوَانِ الْمُحَرَّمِ، وَتَرْكُ فُضُولِهَا هُوَ مِنْ الزُّهْدِ الْمُبَاحِ.
وَأَمَّا الِامْتِنَاعُ مِنْ فِعْلِ الْمُبَاحَاتِ مُطْلَقًا؛ كَاَلَّذِي يَمْتَنِعُ مِنْ أَكْلِ اللَّحْمِ وَأَكْلِ الْخُبْزِ أَوْ شُرْبِ الْمَاءِ أَوْ لُبْسِ الْكَتَّانِ وَالْقُطْنِ وَلَا يَلْبَسُ إلَّا الصُّوفَ، وَيَمْتَنِعُ مِنْ نِكَاحِ النِّسَاءِ، وَيَظُنُّ أَنَّ هَذَا مِنْ الزُّهْدِ الْمُسْتَحَبِّ فَهَذَا جَاهِلٌ ضَالٌّ مِنْ جِنْسِ زُهَّادِ النَّصَارَى. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ بِسَبَبِ أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ الصَّحَابَةِ كَانُوا قَدْ عَزَمُوا عَلَى تَرْكِ أَكْلِ الطَّيِّبَاتِ. كَاللَّحْمِ وَنَحْوِهِ وَتَرْكِ النِّكَاحِ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ ﴿أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَا بَالُ رِجَالٍ يَقُولُ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَأَصُومُ وَلَا أُفْطِرُ وَيَقُولُ الْآخَرُ: أَمَّا أَنَا فَأَقُومُ وَلَا أَنَامُ وَيَقُولُ الْآخَرُ: أَمَّا أَنَا فَلَا آكُلُ اللَّحْمَ. لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأَقُومُ وَأَنَامُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ وَآكُلُ اللَّحْمَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي﴾ . وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ ﴿أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَجُلًا قَائِمًا فِي الشَّمْسِ. فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا أَبُو إسْرَائِيلَ نَذَرَ أَنْ يَقُومَ وَلَا يَسْتَظِلَّ وَلَا يَتَكَلَّمَ وَيَصُومَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مُرُوهُ أَنْ يَسْتَظِلَّ وَأَنْ يَتَكَلَّمَ وَأَنْ يَجْلِسَ وَيُتِمَّ صَوْمَهُ﴾ .
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إنْ كُنْتُمْ إيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ . فَأَمَرَ بِالْأَكْلِ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَالشُّكْرِ لَهُ، وَالطَّيِّبُ هُوَ مَا يَنْفَعُ الْإِنْسَانَ، وَحَرَّمَ الْخَبَائِثَ وَهُوَ مَا يَضُرُّهُ، وَأَمَرَ بِشُكْرِهِ وَهُوَ الْعَمَلُ بِطَاعَتِهِ؛ بِفِعْلِ الْمَأْمُورِ وَتَرْكِ الْمَحْظورِ ... " انتهى من مجموع الفتاوى (٢٢/١٣٣-١٣٤) .
تنبيه:
وكل ما قلناه عن اللباس فإنه يشمل النعل كذلك، وقد اجتمعا في حديث ابن مسعود والذي فيه إقرار النبي ﷺ لمن أخبره أن الرجل " يحب أن يكون ثوله حسناً، ونعله حسنة) .
عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (كُلُوا وَاشْرَبُوا وَالْبَسُوا وَتَصَدَّقُوا فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلَا مَخِيلَةٍ) .
رواه النسائي (٢٥٥٩) وابن ماجه (٣٦٠٥) ، وحسَّنه الألباني في " صحيح النسائي ".
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كُلْ مَا شِئْتَ وَالْبَسْ مَا شِئْتَ مَا أَخْطَأَتْكَ اثْنَتَانِ سَرَفٌ أَوْ مَخِيلَةٌ.
رواه البخاري عنه في صحيحه، في كتاب اللباس (٥ / ٢١٨٠) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 9539
السباحة في المسابح العامة
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز الذهاب للشواطئ العامة أو المسابح وأنا ألبس ملابس تغطي جسمي تماماً ولا أعير اهتماماً لما يلبسه الآخرون؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
اعلم وفقك الله أن المسلم مأمور بصيانة دينه، والبعد عن مواطن الفتنة، والذهاب إلى هذه الشواطئ محرم لما فيها من كشف للعورات واختلاط مستهتر بين الرجال والنساء.
ثم هذه الأماكن مليئة بالمنكرات فلا يجوز لك الذهاب إليها إلا إذا كنت ستأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، قال النبي ﷺ (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) رواه مسلم (٤٩) .
فإن بقيت معهم من غير أمر بالمعروف ونهي عن المنكر كنت شريكاً لهم في الإثم، قال الله تعالى: (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا) النساء /١٤٠، ففي هذه الآية الكريمة دليل على أن من جلس مجلس معصية ولم ينكر عليهم يكون معهم في الوزر سواء، وينبغي أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية أو عملوا بها فإن لم يقدر أن ينكر عليهم ينبغي أن يقوم عنهم) تفسير القاسمي ٥ / ٥٢٦.
ولا يُلَبِّس عليك الشيطان ويجعلك تقول: إني لا أعير اهتماما لما يلبسه الآخرون، فإن هذا من تزين الشيطان؛ لأن الإنسان إذا ذهب لابد وأن يقع نظره على ما يغضب ربه ومولاه، ولربما نظرة لم تقصدها يعمل فيها الشيطان أعماله، وتكون طريقا للفتنة والعياذ بالله، أسأل الله أن يعيذنا وإياك من مضلات الفتن، وأن يثبت قلوبنا.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 9540
هل الأفضل لطالب العلم لبس العقال أم لا ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[من المعلوم أن لبس العقال هو من المباحات التي سكت عنها الشارع، وأن قضية العقال ينبغي ألا تأخذ حيزًا أكبر مما تستحقه من اهتمامنا ولكني مع ذلك أسأل: هل الأنسب لطالب العلم أو خطيب الجمعة أو القاضي أو إمام المسجد أو نحوه أن يضع العقال على رأسه في هذه المواضع أم لا يضعه جريا على العادة في هذه البلاد ولماذا؟ جزاكم الله خيرا وسدد خطاكم.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لبس العقال من المباحات كما ذكرت، والأفضل أن يتبع الإنسان عادة بلده، فلا يشذ عنهم بلباس أو هيئة.
وإذا كانت العادة أن أهل العلم من القضاة والخطباء وأئمة المساجد، لا يلبسون العقال، وكنت واحدا من هؤلاء، فقد يقال إن الأفضل عدم لبسه، ومن لبسه فلا حرج.
سئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: " ما حكم لبس العقال حيث إني أرى الأئمة والمؤذنين لا يلبسونه؟
فأجاب: " لبس العقال لا بأس به؛ لأن الأصل في الملبوسات الحل إلا ما قام الدليل على تحريمه. وقد أنكر الله على من يحرمون شيئاً من اللباس أو من الطعام بلا دليل شرعي قال الله تعالى: ﴿قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق﴾ . أما إذا دل دليل على تحريم هذا اللباس سواء كان محرما لعينة، كالحرير للرجل وما فيه صور للرجل أو المرأة، أو كان محرما لجنسه كما لو كان هذا اللباس من لباس الكفار الخاص بهم فإنه يكون حراماً، وإلا فالأصل الحل " انتهى نقلا عن "فتاوى إسلامية" (٤/٢٤٦) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 9541
أدلة تحريم الإسبال
[السُّؤَالُ]
ـ[أخبرني أحد الأخوان بأن لبس الملابس تحت الكعب حرام وأن هناك أحاديث كثيرة تثبت هذا، أريد رأيك حول الموضوع.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ما قاله لك صاحبك حقّ، وقد ورد عن النبي ﷺ أحاديث كثيرة في منع الإسبال فمن ذلك:
ما رواه البخاري عن النبي ﷺ قال: (ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار) البخاري رقم ٥٧٨٧
وقال ﷺ (ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: المسبل والمنان والمُنفِّق سلعته بالحلف الكاذب) رواه مسلم رقم ١٠٦
وقال ﷺ : (الإسبال في الإزار والقميص والعمامة، من جر منها شيئاً خيلاء لا ينظر الله إليه يوم القيامة) رواه أبو داود رقم ٤٠٨٥ والنسائي رقم ٥٣٣٤ بإسناد صحيح
وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ لا يَنْظُرُ إِلَى مُسْبِلِ الْإِزَارِ. " رواه النسائي في المجتبى (٥٣٣٢) كتاب الزينة: باب: إسبال الإزار
وعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِعَضَلَةِ سَاقِي أَوْ سَاقِهِ فَقَالَ هَذَا مَوْضِعُ الإِزَارِ فَإِنْ أَبَيْتَ فَأَسْفَلَ فَإِنْ أَبَيْتَ فَلا حَقَّ لِلإِزَارِ فِي الْكَعْبَيْنِ " رواه الترمذي وقَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ سنن الترمذي رقم ١٧٨٣
وكلّ الأحاديث المتقدّمة عامة في منع الإسبال سواء قصد صاحبه الخيلاء والكبر أو لم يقصد، ولكن إذا قصد الخيلاء فلا شكّ أنّ إثمه سيكون أعظم وقد قال ﷺ : (لا ينظر الله إلى من جر إزاره بطراً) البخاري رقم ٥٧٨٨، ومسلم رقم ٢٠٨٧
وقال جابر بن سليم قال لي رسول الله ﷺ (إياك وإسبال الإزار فإنها من المخيلة وإن الله لا يحب المخيلة) صححه الترمذي رقم ٢٧٢٢
ثمّ إنّ المرء لا يستطيع أن يبرّئ نفسه من الخيلاء ولو ادّعى ذلك فلا يُقبل منه لأنّها تزكية لنفسه، أما من شهد له الوحي بذلك فنعم كما جاء في حديث النبي ﷺ قال (من جر ثوبه خيلاء لا ينظر الله إليه يوم القيامة فقال أبو بكر يا رسول الله إزاري يسترخي إلا أن أتعاهده فقال (إنك لست ممن يفعله خيلاء) رواه البخاري رقم ٥٧٨٤.
ومما يدّل على أنّ الإسبال ممنوع ولو لم يكن معه خيلاء حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال رسول الله ﷺ (إزرة المسلم إلى نصف الساق ولا حرج ولا جناح فيما بينه وبين الكعبين، وما كان أسفل من الكعبين فهو في النار، ومن جرّ إزاره بطراً لم ينظر الله إليه) رواه أبو داود رقم ٤٠٩٣ بإسناد صحيح. فقد ذكر في الحديثين عملين مختلفين رتّب عليهما جزاءين مختلفين.
وروى الإمام أحمد عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ قَالَ سَأَلْتُ أَبَا سَعِيدٍ هَلْ سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الإِزَارِ شَيْئًا قَالَ نَعَمْ تَعَلَّمْ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ: " إِزْرَةُ الْمُؤْمِنِ إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ لا جُنَاحَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَيْنِ، وَمَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ هُوَ فِي النَّارِ يَقُولُهَا ثَلاثَ مَرَّاتٍ
وعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ مَرَرْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفِي إِزَارِي اسْتِرْخَاءٌ فَقَالَ يَا عَبْدَ اللَّهِ ارْفَعْ إِزَارَكَ فَرَفَعْتُهُ ثُمَّ قَالَ زِدْ فَزِدْتُ فَمَا زِلْتُ أَتَحَرَّاهَا بَعْدُ فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ إِلَى أَيْنَ فَقَالَ أَنْصَافِ السَّاقَيْنِ. " رواه مسلم رقم ٢٠٨٦ كتاب الكبائر للذهبي ١٣١-١٣٢.
والإسبال كما يكون في الرّجال فإنّه يكون في النساء كذلك ومما يدلّ عليه حديث ابْنِ عُمَرَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ مِنْ الْخُيَلاءِ لَمْ يَنْظُرْ اللَّهُ إِلَيْهِ قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَكَيْفَ تَصْنَعُ النِّسَاءُ بِذُيُولِهِنَّ قَالَ تُرْخِينَهُ شِبْرًا قَالَتْ إِذًا تَنْكَشِفَ أَقْدَامُهُنَّ قَالَ تُرْخِينَهُ ذِرَاعًا لا تَزِدْنَ عَلَيْهِ." النسائي: كتاب الزينة: باب ذيول النّساء.
وربما تكون عقوبة المختال في الدنيا قبل الآخرة كما جاء عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " بَيْنَمَا رَجُلٌ يَتَبَخْتَرُ يَمْشِي فِي بُرْدَيْهِ قَدْ أَعْجَبَتْهُ نَفْسُهُ فَخَسَفَ اللَّهُ بِهِ الأَرْضَ فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِيهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ " رواه مسلم ٢٠٨٨
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 9542
لماذا يمنع الرجال من لبس الحرير الطبيعي ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أريد أن أعرف لماذا الرجال ممنوعون من لبس الحرير مع أنهم سيلبسونه في الجنة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
ينبغي أن يُعلم أن الله حكيم في أمره ونهيه جل وعلا فلا يأمر إلا بما فيه مصلحة ولا ينهى إلا عما فيه مفسدة وهذه الحكم من الأوامر والنواهي قد تظهر لخلقه وقد لا تظهر وإن كان له جل وعلا حكمة في نفس الأمر، فإذا علم هذا فلا يصح تعليق العمل على العلم بالحكمة من الأمر والنهي بل ينبغي المبادرة إلى تنفيذ الأمر الشرعي سواء ظهرت الحكمة أم لم تظهر فإن ظهرت فالحمد لله، وإن لم تظهر فإن المسلم لا يمنعه جهله بالحكمة من العمل بالحكم الشرعي والمبادرة إلى تطبيقه وهذه حقيقة التسليم لأمر الله جل وعلا، والإسلام هو الاستسلام لله تعالى والانقياد له بالطاعة، والإنسان إذا علّق العمل على ما يظهر له من الأمور التي قد تُقنعه وقد لا تُقنعه صار متبعا في الحقيقة لعقله وهواه لا لربه ومولاه.
ولا يعني ما سبق الحطّ من تلمّس حكمة التشريع وماذا وراء الأحكام من السباب أو تحريم النظر في ذلك ولكن المراد عدم التعليق والربط بين العمل بالحكم الشرعي وبين ظهور الحكمة منه.
ثانيا:
ليس هناك تلازم بين المحرمات في الدنيا وإباحتها في الآخرة فلا يصح أن تقاس الآخرة على الدنيا فلكلّ من الدّارين أحكام مختلفة، ولا يصحّ أن يقال بإباحة الشيء في الدنيا قياسا على إباحته في الجنة أو في الآخرة وإلا وقعنا في إباحة ما هو معلوم من الدين بالضرورة أنه حرام كشرب الخمر والإمساك بأكثر من أربع زوجات في العصمة والغناء وغير ذلك من المحرمات وبناء على ذلك فالإستشكال الوارد في السّؤال على حرمة الحرير في الدنيا مع إباحته في الجنة هو استشكال مدفوع.
ثالثا:
لقد تكلم العلماء حكمة تحريم الحرير في الدنيا على الرجال ومن ذلك ما ذكره العلامة ابن القيم في زاد المعاد في كلام رائع، قال رحمه الله تعالى: (ومثبتو التعليل والحِكَم وهم الأكثرون منهم من يجيب عن هذا بأن الشريعة حرّمته لتصبر النفوس عنه، وتتركه لله، فتُثاب على ذلك.
ومنهم من يجيب عنه بأنه خُلق في الأصل للنساء، كالحلية بالذهب، فحرّم على الرجال لما فيه من مفسدة تشبه الرجال للنساء، ومنهم من قال: حُرّم لما يورثه من الفخر والخيلاء والعجب. ومنهم من قال: حُرّم لما يورثه بملامسته للبدن من الأنوثة والتخنث، وضد الشهامة والرجولة فإن لبسه يكسب القلب صفة من صفات الإناث والرخاوة ما لا يخفى، حتى لو كان من أشهم الناس وأكثرهم فحولية ورجولية، فلا بد أن يُنقصه لبس الحرير منها، وإن لم يُذهبها، ومن غلظت طباعه وكثفت عن فهم هذا، فلْيسلّم للشارع الحكيم) زاد المعاد ٤/٨٠.
والله تعالى أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 9543
لبس القبعات الشبابية
[السُّؤَالُ]
ـ[ما رأي فضيلتكم فيما نراه وبشكل ملحوظ من لبس القبعة ذات المظلة الأمامية (البرنيطة) ؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا يجوز للمسلم أن يتشبه بالكفار في الألبسة فإذا كانت الألبسة من القبعة وغيرها من علاماتهم ومما اشتهروا به وتميزوا به فلا يجوز للمسلم أن يلبس ذلك وأما ما كان له فائدة وليست خاصاً بالكفار كقبعات العمال الذين يشتغلون في المواقع المختلفة ويلبسونها واقية للرأس وتظلل العينين من الشمس فلا بأس بفعلهم هذا وأما من يلبس قبعات يجعل مظلتها على جنب أو الخلف فإن هذا المظهر لا يليق بالشاب المسلم.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 9544
لبس المعاطف الجلدية
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم المعاطف المصنوعة من جلود الخنزير؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا دبغ الجلد فقد طهر) وقال: (دباغ جلد الميتة طهورها) واختلف العلماء في ذلك هل يعم هذا الحديث جميع الجلود؟ أم يختص بجلود الميتة التي تحل بالذكاة؟.
ولا شك أن ما دبغ من جلود الميتة التي تحل بالذكاة كالإبل والبقر يجوز استعماله في كل شيء في أصح أقوال العلماء، أما جلد الخنزير والكلب ونحوهما مما لا يحل بالذكاة ففي طهارته بالدباغ خلاف بين أهل العلم والأحوط ترك استعماله عملاً بقول النبي ﷺ : (ومن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه) ، وقوله ﵊: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ ابن باز في الفتاوى الجامعة للمرأة المسلمة ج/٣ ص ٨٦٠
стр. 9545
حكم الصلاة في ثوب فيه صورة حيوان أو إنسان
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هو حكم الصلاة بالملابس التي تحمل صور بعض الحيوانات التي هي شعارات للشركة المصنعة مثل النمر أو التمساح؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
لا يجوز لبس ما فيه صورة حيوان أو إنسان؛ لما روى البخاري (٣٢٢٦) ومسلم (٢١٠٦) عن أبي طَلْحَة ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (لا تَدْخُلُ الْمَلائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ) .
انظر: "مطالب أولي النهى" (١/٣٥٣)
وسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: عن حكم لبس الثياب التي فيها صورة حيوان أو إنسان؟
فأجاب: لا يجوز للإنسان أن يلبس ثيابا فيها صورة حيوان أو إنسان، ولا يجوز أيضا أن يلبس غترة أو شماغا أو ما أشبه ذلك وفيه صورة إنسان أو حيوان، وذلك لأنه ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة) . ولهذا لا نرى لأحد أن يقتني الصور للذكرى كما يقولون، وأن من عنده صور للذكرى فإن الواجب عليه أن يتلفها، سواء كان قد وضعها على الجدار، أو وضعها في ألبوم، أو في غير ذلك، لأن بقاءها يقتضي حرمان أهل البيت من دخول الملائكة بيتهم. والله أعلم " انتهى.
وسئل ﵀: عن حكم إلباس الصبي الثياب التي فيها صور لذوات الأرواح؟
فأجاب: " يقول أهل العلم: إنه يحرم إلباس الصبي ما يحرم إلباسه الكبير، وما كان فيه صورة فإلباسه الكبير حرام، فيكون إلباسه الصغير حراما أيضا، وهو كذلك، والذي ينبغي للمسلمين أن يقاطعوا مثل هذه الثياب وهذه الأحذية حتى لا يدخل علينا أهل الشر والفساد من هذه النواحي، وهي إذا قوطعت فلن يجدوا سبيلا إلى إيصالها إلى هذه البلاد وتهوين أمرها بينهم " انتهى من "مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين" (١٢/٣٣٣) .
ثانيا:
تصح الصلاة في الثوب المشتمل على صورة إنسان أو حيوان، مع الإثم.
وسئل علماء اللجنة الدائمة هل تجوز الصلاة في ثوب فيه صورة إنسان، أو صور حيوانات، وهل يجوز دخول بيت الخلاء بثوب فيه اسم الله؟
فأجابت: لا يجوز له أن يصلي في ملابس فيها صور ذوات الأرواح من إنسان أو طيور أو أنعام أو غيرها من ذوات الأرواح، ولا يجوز للمسلم لبسها في غير الصلاة، وتصح صلاة من صلى في ثوب فيه صور مع الإثم في حق من علم الحكم الشرعي، ولا يجوز كتابة اسم الله على الثوب، وكره دخول بيت الخلاء به إلا لحاجة لما في ذلك من امتهان اسمه تعالى " انتهى.
"فتاوى اللجنة الدائمة" (٦/١٧٩)
وسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: عن حكم صلاة من صلى وعلى ملابسه صور ذوات أرواح منسوجة أو مطبوعة؟
فأجاب: " إذا كان جاهلا فلا شيء عليه، وإن كان عالما فإن صلاته صحيحة مع الإثم على أصح قولي العلماء ﵏، ومن العلماء من يقول: صلاته تبطل، لأنه صلى في ثوب محرم عليه " انتهى من "مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين" (١٢/٣٦٠) .
وبناء على ذلك فإنه يلزمك نزع صورة النمر أو التمساح من ملابسك، أو طمس صورتهما بإزالة الرأس أو تسويده بلون أو خيط ونحوه مما يخفيه، فإن صليت به مع بقاء الصورة فالصلاة صحيحة مع الإثم.
وانظر جواب السؤال رقم (٣٣٣٢)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 9546
حكم لبس العقال
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا ولله الحمد من الملتزمين، ولكني أجد نفسي عاجزاً عن إجابة صديق لي يسألني دائماً هذا السؤال: لماذا المشايخ وطلبة العلم وأئمة المساجد لا يلبسون العقال؟ هل هو حرام أم ماذا؟ أحرجت من كثرة ترديده السؤال وأنا لا أعرف الإجابة، فقلت له: إن ذلك من الزهد، فرد عليَّ إذا كان ذلك من الزهد فلماذا الشيخ الفلاني يسكن القصور وله في مدينة كذا قصر، وفي مدينة كذا قصر بعشرات الملايين؟ ولماذا يسوق أغلب المشايخ سيارات فارهة كالمرسيدس واللكزس ثم تقول لي إن ذلك من الزهد؟ . أرجو الإجابة المفصلة.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
أخطأتَ بجواب صديقك أن امتناع المشايخ وطلبة العلم عن لبس العقال أن ذلك بسبب الزهد! فليس ترك لبسه ممن لا يلبسه بسبب الزهد، وكما قال لك صديقك فإن كثيراً منهم قد وسَّع الله تعالى عليه في المركوب والملبوس والمسكون، فالزهد في ترك هذه التوسعة أولى من الزهد في ترك لبس العقال.
ثانياً:
ليس في لبس العقال أي حرج شرعي، والأصل في اللباس الإباحة إلا أن يأتي في الشرع ما يحرمه للونه أو لصفته أو لطوله.
ومرجع عدم لبس العلماء وكثير من طلبة العلم في بلاد الحرمين للعقال إنما هو بسبب ما اعتادوا عليه وصار بينهم عرفاً، وفي الدول الإسلامية الأخرى تجد الأمر مختلفاً، فمن البلاد من يلبس العلماء فيها الجبة والعمامة، ومنهم من يلبس العقال، والأمر في هذا واسع ما لم يرد ما يحرم عليهم لباسهم.
قال الشيخ سليمان بن سحمان ﵀ وهو من أئمة الدعوة النجدية، توفي سنة ١٣٤٩هـ:
"وأما لبس العقال: فهو من المباحات، ولم يرد في الأمر به والنهي عنه عن العلماء ما يوجب تحريمه ولا كراهته؛ لأن لبسه من العادات الطبيعية كغيره من الملابس التي اعتاد الناس لباسها كالعمامة والرداء والإزار والقميص وغير ذلك من الملابس العادية.
فبهذا الاعتبار يكون لبس العمامة التي كان يلبسها رسول الله ﷺ وأصحابه يلبسونها عادة، ولبس العقال الذي يلبسه الناس اليوم من المباحات والعادات، فهما سواء بهذا الاعتبار" انتهى.
" منهاج أهل الحق والاتباع في مخالفة أهل الجهل والابتداع " (ص ١١٣) .
وقال ﵀ أيضاً -:
"وأما لبس العقال: فهو من المباح، ولم يتكلم فيه العلماء لا في قديم الزمان ولا حديثه؛ لأنه قد كان من المعلوم أن لباس الصوف من الملابس التي كان رسول الله ﷺ يلبسها هو وأصحابه، والعقال من الصوف المباح لبسه" انتهى.
" منهاج أهل الحق والاتباع في مخالفة أهل الجهل والابتداع " (ص ١١٧) .
وقال – ﵀:
"وقد بلغني عن بعض الإخوان إنهم ينكرون ما كان يعتاده المسلمون من لبس العقال، سواء كان ذلك العقال أسود، أو أحمر، أو أبيض، ويهجرون من لبسه، ويعللون ذلك بأنه لم يلبسه رسول الله ﷺ ، ولا أصحابه، ولم يكن ذلك يلبس في عهدهم ولا هو من هديهم وإذا كانت العلة هي المانعة من لبسه فيكون حراما ولا بسه قد خالف السنة فيقال لهم:
وكذلك لم يكن الرسول ﷺ ولا أصحابه ولا التابعون لهم بإحسان يلبسون المشالح لا الأحمر منها ولا الأبيض ولا الأسود ولا العبي – جمع عباءة - على اختلاف ألوانها، والكل من هذه الملابس صوف ظاهر، وكذلك لم يكونوا يلبسون هذه الغتر والشمغ على اختلاف ألوانها، فلأي شيء كانت هذه الملابس حلالا مباحا لبسها وهذه العقل محرمة أو مكروهة لا يجوز لبسها، والعلة في الجميع واحدة على زعمهم مع أن هذا لم ينقل عن أحد من العلماء تحريمه ولا كراهتها؟ .
وقد أظهر الله شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب فدعا الناس إلى توحيد الله وعبادته، وبيَّن لهم الأحكام والشرائع حتى ظهر دين الله، ولم يكن في وقته أحد يلبس هذه العصائب، ولا أمر الناس بلبسها، ولا ذكَّر الناس أنها من السنن، ولا أنكر على الناس ما كانوا يعتادونه من هذه الملابس كالعُقُل وغيرها؛ لأنها من العادات الطبيعية، لا العبادات الشرعية.
فخير الأمور السالفات على الهدى ... وشر الأمور المحدثات البدائع" انتهى
" إرشاد الطالب إلى أهم المطالب " (ص ٥٤) .
وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: ما حكم لبس العقال حيث إني أرى الأئمة والمؤذنين لا يلبسونه؟
فأجاب:
"لبس العقال لا بأس به؛ لأن الأصل في الملبوسات الحل إلا ما قام الدليل على تحريمه، وقد أنكر الله على من يحرمون شيئاً من اللباس أو من الطعام بلا دليل شرعي، قال الله تعالى: (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق) ، أما إذا دلَّ دليل على تحريم هذا اللباس سواء كان محرماً لعينه: كالحرير للرجل وما فيه صور للرجل أو المرأة، أو كان محرَّماً لجنسه: كما لو كان هذا اللباس من لباس الكفار الخاص بهم: فإنه يكون حراماً، وإلا فالأصل الحل" انتهى.
" فتاوى إسلامية " (٤ / ٢٤٦) .
ثالثاً:
الأفضل للعالم وطالب العلم أن يراعي العرف السائد في بلده من حيث لبس العقال وعدمه لهذه الطائفة من الناس، فإن أراد أن يلبسه فلا يحل لأحدٍ أن ينكر عليه.
وعلى من أراد لبس العقال تجنب لس المصنوع من الحرير الطبيعي.
فعن عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قال: إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ أَخَذَ حَرِيرًا فَجَعَلَهُ فِي يَمِينِهِ، وَأَخَذَ ذَهَبًا فَجَعَلَهُ فِي شِمَالِهِ ثُمَّ قَالَ: (إِنَّ هَذَيْنِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي) .
رواه أبو داود (٤٠٥٧) والنسائي (٥١٤٤) وابن ماجه (٣٥٩٥) وزاد (حِلٌّ لإِنَاثِهِمْ) ، وصححه الألباني في " صحيح ابن ماجه ".
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 9547
مبتلى بحب التشبه بالنساء
[السُّؤَالُ]
ـ[رجل ملتزم يحافظ على النوافل، ويتقي الله قدر الاستطاعة، مريض منذ صغره بحب تفريغ الشهوة في تشبهه بالنساء ولبس أشيائهن، فهل عليه إثم؟ ومع الالتزام امتنع فعليّاً عن هذا الداء، ولكن بقيت أفكار الذل للنساء والتشبه بهن مع إمكانية خروج مني أو مذي. فهل عليه إثم؟ وهل التمادي في الأفكار فقط دون إنزال عليه إثم؟ وإن كان الحل في الزواج فهل يخبر زوجته؟ أو يستطيع أن يمارس معها التشبه إن وافقت؟ أرجو الإجابة بالتفصيل فكم تاب والله من هذا الداء ولكن غلبته نفسه، فما زال يصرف غالب شهوته فيه؟ أفيدونا فأنا والله أخشى على ديني؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
جاءت شريعتنا بتحريم تشبه الرجال بالنساء وتشبه النساء بالرجال، بل وجاء التغليظ في النهي عن ذلك حتى لعن النبي ﷺ أولئك المخالفين للفطرة التي خلقهم الله تعالى عليها.
فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَعَنَ الْمُخَنَّثِينَ مِنْ الرِّجَالِ، وَالْمُتَرَجِّلَاتِ مِنْ النِّسَاءِ، وَقَالَ: أَخْرِجُوهُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ) . رواه البخاري (٥٨٨٥) .
ولا شك أن من أبين مظاهر تخنث الرجل لبسه ما تلبس النساء، وتقليده لهن في عاداتهن.
فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: (لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرَّجُلَ يَلْبَسُ لِبْسَةَ الْمَرْأَةِ، وَالْمَرْأَةَ تَلْبَسُ لِبْسَةَ الرَّجُلِ) رواه أبو داود (٤٠٩٨) وصححه النووي في " المجموع " (٤ / ٤٦٩) ، والألباني في " صحيح أبي داود ".
وقالت ِعَائِشَةُ ﵂: (لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرَّجُلَةَ مِنْ النِّسَاءِ)
رواه أبو داود (٤٠٩٩) وحسَّنه النووي في " المجموع " (٤ / ٤٦٩) ، وصححه الألباني في " صحيح أبي داود ".
قال المناوي ﵀:
"فيه كما قال النووي: حرمة تشبه الرجال بالنساء وعكسه؛ لأنه إذا حرم في اللباس ففي الحركات والسكنات والتصنع بالأعضاء والأصوات أولى بالذم والقبح، فيحرم على الرجال التشبه بالنساء وعكسه في لباس اختص به المشبه، بل يفسق فاعله للوعيد عليه باللعن" انتهى.
" فيض القدير " (٥ / ٣٤٣) .
إذا تقرر هذا علمنا أن حكم الشريعة في هذا النوع من " الشذوذ " الجنسي هو التحريم، بل هو من كبائر الذنوب، فلا يجوز ممارسته لا مع نفسه ولا مع زوجته؛ فإن مخالفة الفطرة التي خلق الله الناس عليها لا تأتي إلا بالويل والفساد، والله سبحانه خلق الرجل بصفات الرجولة التي لا تحتمل لباس النساء ولا تحتمل التشبه بتصرفاتهن.
ولا شك أن من يتطلب التخنث بل ويستمتع به ويراه محققا لشهوته هو من المرضى الذين يصنف الأطباء مرضهم ضمن الشذوذ، ويسمونه شذوذ " الفيتشية " أو " الأثرية "، ولهم برامج عملية وسلوكية في علاج مثل هذه الحالات التي تعرض عليهم، فينبغي على كل مبتلى بمثل هذا السلوك ألا يتردد في مراجعة الطبيب النفسي كي يشرف عليه في علاجه من مرضه ذلك.
ونحن لا نملك إلا أن نُذكِّرَه بالله ، وأن نجعل الوازع الديني عاملاً إيجابيّاً مؤثراً في تخلصه من ذلك الوسواس السيء، وليتذكر غضب الله ومقته للرجال المخنثين، وأنه سبحانه مُطَّلع على أحوالهم، وأن الدنيا أيام معدودة ما أسرع ما تنقضي لذاتها ويبقى للمرء عمله وسعيه في الآخرة.
ونذكره بالاستعانة بالله ، فهو خير معين ومسؤول، وإذا صدق العبد في دعائه والاستعانة به والالتجاء إليه صَدَقَه الله بإجابة دعائه وإزالة شكواه، ولكن مِن صِدقِ الدعاء الصدقُ في الأخذ بالأسباب، والحرصُ والمجاهدةُ والمصابرةُ حتى يتوصل إلى الشفاء التام، ويتخلص من هذه الممارسات السيئة المحرمة، وله في المجاهدة والمصابرة أجر عند الله .
وأفضل ما يساعد على التخلص من تلك الميول هو الزواج؛ فهو يفتح المجال للإشباع الجنسي السليم والحلال، وفي انتظار ذلك ليشغل نفسه عن الشهوات بملء الوقت بالعبادات والعادات المفيدة النافعة، وليحرص على الصوم، فإنه مفيد في تقوية التحكم بالإرادة، وقد قال فيه ﷺ : (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ) رواه البخاري (١٩٠٥) ومسلم (١٤٠٠) .
ومن أهم ما يعينه: مراعاة حدود الله، بلجم البصر عن الانطلاق في عورات الناس، ولجم النفس عن تمني شهواتهم، فإن إطلاق النظر في الحرام أساس كل بلية، وهو الذي يجر على الإنسان تلك العادات السيئة الشاذة التي يراها في بعض الشاذين.
قال ابن القيم ﵀:
"فإن النظرة تولد خطرة، ثم تولد الخطرة فكرة، ثم تولد الفكرة شهوة، ثم تولد الشهوة إرادة، ثم تقوى فتصبر عزيمة جازمة فيقع الفعل ولا بد ما لم يمنع منه مانع، وفى هذا قيل: الصبر على غض البصر أيسر من الصبر على ألم ما بعده" انتهى.
" الجواب الكافي " (ص ١٠٦) .
وليعلم أن التفكير في هذا النوع من الشذوذ لا بد وأن يجر إلى ممارسته، فلا بد أن يصرف نفسه عن ذلك التفكير، وينشغل بتحقيق اللذة المباحة السليمة مع الزوجة، ولا يحاول أن يعلق تحقيقها على تلك الممارسات السيئة، فذلك من وسواس الشيطان، ولا شك أن أكمل اللذات هي التي تتحقق بما يوافق الفطرة التي خلق الله الناس عليها.
ونسأل الله تعالى أن يهديك سواء السبيل.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 9548
حكم لبس ثوب من قماش " الجنيز "
[السُّؤَالُ]
ـ[إذا تم تفصيل القماش المعروف بـ " الجينز " بطريقة تتناسب مع المرأة المسلمة، فهل يحرم لبسه، ويكون فيه تشبه بالكفار؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
" التشبه معناه هو أن يقوم الإنسان بشيء يختص بالمتشبه بهم، فإذا استعمل هذه القماشة وغيرها على وجه يشبه لباس الكفار فقد دخل في التشبه، أما مجرد أن يكون لباس الكفار من هذا القماش، ولكن يفصل على وجه آخر مغاير للباس الكفار فإن ذلك لا بأس به ما دام مخالفاً لطريقة الكفار حتى لو اشتهروا بهذا القماش ما دام أن الهيئة ليست على هيئة ما يلبسه الكفار " اهـ
[الْمَصْدَرُ]
فضيلة الشيخ ابن عثيمين ﵀ , مجموعة أسئلة تهم الأسرة المسلمة ص ١٦.
стр. 9549
يحرم إلباس الصبي ما يحرم لبسه على الكبير
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز إلباس الصبي الثياب التي فيها صور لذوات الأرواح؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
يقول أهل العلم: إنه يحرم إلباس الصبي ما يحرم إلباسه الكبير، وما كان فيه صور فإلباسه الكبير حرام، فيكون إلباسه الصغير حراما أيضا، وهو كذلك.
والذي ينبغي للمسلمين أن يقاطعوا مثل هذه الثياب وهذه الأحذية حتى لا يدخل علينا أهل الشر والفساد من هذه النواحي، وهي إذا قوطعت فلن يجدوا سبيلا إلى إيصالها إلى بلاد المسلمين وتهوين أمرها بينهم.
[الْمَصْدَرُ]
"فتاوى الشيخ ابن عثيمين" (٢/٢٧٥) .
стр. 9550
هل تغطية الرأس من الواجبات الشرعية ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يمكن أن تخبرني باسم عالم أو مذهب يقول بوجوب تغطية الرأس للرجال؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا نعلم أحداً من العلماء قال بوجوب تغطية الرأس على الرجال، وقد عدَّه طائفة من العلماء من المستحبات، وجعلوا كشف الرأس أمام الناس من خوارم المروءة، وخاصة إذا كان من كبار السن أو من العلماء، فإن كشف الرأس من هؤلاء أقبح منه من غيرهم.
والصحيح أنه ليس من خوارم المروءة في كل زمان ولا في كل بيئة، بل يختلف الحكم بذلك باختلاف عادات الناس.
وقد قسم الشاطبي ﵀ ما اعتاده الناس إلى قسمين:
القسم الأول:
ما دل الدليل الشرعي على حسنه أو قبحه، فالمرجع في هذا إلى الشرع ولا عبرة بما اعتاده الناس.
مثل كشف العورات، فإنه قبيح نهى عنه الشرع وإن اعتاده كثير من الناس.
ومثل إزالة النجاسة فإنه أمر حسن أمر به الشرع وإن كان كثير من الناس لا يبالي بملابسة النجاسة ولا يتنزه عنها.
القسم الثاني: ما اعتاده الناس ولم يرد دليل من الشرع على نفيه أو إثابته.
وهذا القسم نوعان:
الأول: عادات ثابتة لا تتغير كوجود شهوة الطعام والشراب.
الثاني: عادات مغيرة، فيتغير كون الفعل حسناً أو قبيحاً باختلاف المجتمعات.
ومثل الشاطبي لهذا النوع بقوله: مثل كشف الرأس: فإنه يختلف بحسب البقاع فى الواقع، فهو لذوي المروءات قبيح فى البلاد المشرقية، وغير قبيح فى البلاد المغربية، فالحكم الشرعي يختلف باختلاف ذلك، فيكون عند أهل المشرق قادحاً فى العدالة، وعند أهل المغرب غير قادح.
" الموافقات " (٢ / ٢٨٤) .
والحاصل أن تغطية الرأس للرجال من الأمور التي يرجع فيها إلى ما عتاده الناس، وينبغي للرجل موافقة عادات المجتمع الذي يعيش فيه ما لم يخالف الشرع، وحتى لا يوقعه التميز عنهم في اللباس أو غيره في الشهرة المنهي عنها شرعاً.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 9551
الرد على من قال: لا يحرم الإسبال إلا إذا كان للخيلاء
[السُّؤَالُ]
ـ[بيّنتُ لأحد الإخوة حكم الإسبال، والوعيد الذي ورد فيه، وأنه يقتضي أن الإسبال كبيرة من الكبائر؛ واقتنع - بفضل الله تعالى - وانتهى، ثم ناقش أحد الإخوة فأورد له شبهات حيرته، وطلب مني ردوداً وأجوبة تطمئنه؛ فأخبرته أنني لن أرد أو أجيب من تلقاء نفسي وإنما سأرجع لأهل الذكر من المشايخ والعلماء.. والشبهات هي: ١- ما رُوي من أن النبي ﷺ قال لرجل يسبل ثوبه: أما لك فيّ أسوة، فيقولون: إن النبي ﷺ لم يزجر الرجل ولم ينهاه.. مما يدل - هكذا يقولون ويزعمون - على أن النهي والوعيد الوارد في الأحاديث الأخرى يحمل على استحباب ترك الإسبال، أو بمعنى آخر كراهة الإسبال. ٢- يستشهدون بالموقفين الآتيين: ورد أن ابن مسعود ﵁ كان يسبل إزاره؛ فلما قيل له في ذلك، قال: إن لساقي حموشة، وأنا أؤم الناس. ورد أن معمر قال: عاتبت أيوب على طول قميصه، فقال: " إن الشهرة فيما مضى كانت في طوله، وهي اليوم في تشميره " فيقولون: لو كان الإسبال حراماً أو كبيرة ما أطال ابن مسعود أو أيوب الإزار أو القميص. ٣- يقولون: كيف يستوي الإسبال مع شرب الخمر مثلاً.. في أنهما من الكبائر؟ . ٤- يقولون: إن الجمهور على أن الإسبال مكروه، ولا أدري من أين لهم هذا؟ . ٥- في قصة استشهاد عمر رضي الله تعالى عنه: ... وجاء رجل شاب فقال: أبشر يا أمير المؤمنين ببشرى الله لك، من صحبة رسول الله ﷺ ، وقدم في الإسلام ما قد علمت، ثم وليت فعدلت، ثم شهادة، قال: وددت أن ذلك كفاف لا علي ولا لي، فلما أدبر إذا إزاره يمس الأرض، قال: ردوا علي الغلام، قال: ابن أخي ارفع ثوبك، فإنه أنقى لثوبك، وأتقى لربك. فيقولون: إن هذا يدل على أن سيدنا عمر - رضي الله تعالى عنه - لم يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى ولو كان صغيراً أو حتى مكروهاً - كما هو دأب الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم أجمعين - أو إنه رأى شيئاً في قلب أو حال الشاب يندفع برفع الثوب. ٦- يقولون: إن الشهيد - لا شك - أنه من أهل الجنة، ومع ذلك فإنه قد يكون مسبلاً، فكيف يتحقق فيه الوعيد الوارد في الأحاديث: " فهو في النار " و " لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم " مع أنه من أهل الجنة؟ ٧- ما ثبت عن الصديق - رضي الله تعالى عنه - أنه قال للنبي ﷺ : إن إزاري يسترخي إلا أن أتعاهده، فقال له النبي ﷺ : " إنك لست ممن يفعله خيلاء " فيقولون: هذا يدل على أن الوعيد الوارد في الأحاديث يتعلق بمن يفعله خيلاء. أرجو الله أن نتلقى ردوداً وأجوبة تشفي الصدور لينتهي أخونا وغيره مطمئنين. وجزاكم الله خيراً.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
لابدَّ قبل بيان الجواب من بيان أمرين:
الأول: أن مسألة الإسبال من المسائل الاجتهادية التي اختلف فيها العلماء، بل قد ذهب أكثرهم إلى أنه لا يحرم إلا إذا كان على وجه الخيلاء.
وقد سبق ذكر أقوالهم في جواب السؤال رقم (١٠٢٢٦٠) .
والواجب في كل ما تنازع فيه الناس أن يرد إلى الكتاب والسنة ليعلم الصواب من الخطأ، قال الله تعالى: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) النساء/٥٩.
وإذا كانت هذه المسألة من المسائل الاجتهادية فإنه لا يجوز الإنكار فيها على المخالف (من الطرفين) لأنه لم يخالف نصاً قطعياً، ولا إجماعاً معلوماً.
وعلى هذا، فمن لم يكن عنده أهلية للترجيح بين أقوال العلماء، وقلَّد أحد الفريقين، ثقة بعلمهم، أو لكونهم الأكثر، فلا إنكار عليه.
وكذا من كان عنده أهلية للترجيح، ورجَّح أحد القولين بناءً على ما ظهر له من الأدلة، فلا إنكار عليه أيضاً.
فمثل هذه المسائل الاجتهادية يعمل فيها كل مسلم بما ظهر له أنه هو الصواب، كما قال بعض السلف: "قد أحسن من انتهى إلى ما سمع"، ولا يجوز أن تكون تلك المسائل سبباً للمنازعات والخلافات، فلا يجلس الناس مجلساً إلا وتنازعوا في مثل هذه المسائل، وأنكر بعضهم على بعض، واحتد بعضهم على بعض.
ولا مانع من النقاش فيها والحوار والمناظرة بهدوء، وأسلوب لين بقصد الوصول إلى الصواب واتباعه.
وانظر جواب السؤال رقم (٧٠٤٩١) .
الثاني: أن بعض ما نقلته عن المخالف ليس " شبهات " بل أدلة، استدل بها أئمة أجلاء كحديث أبي بكر ﵁، والشبهة لا تكون كذلك، إذ ليس لها أساس من كتاب ولا من سنة.
ثانياً:
سنرد – على قدر الوسع والطاقة – على ما ذكره الأخ المخالف، ونسأل الله تعالى أن يوفقنا للعلم النافع، وأن يفقهنا في ديننا.
١. أما الحديث الأول الذي استدل به: فهو حديث ضعيف، وهذا نصه وحكم العلماء عليه:
عَنِ الْأَشْعَثِ عَنْ عَمَّتِهِ رُهْمٍ عَنْ عَمِّهَا عُبَيْدَةَ بْنِ خَلَفٍ قَالَ: قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ وَأَنَا شَابٌّ مُتَأَزِّرٌ بِبُرْدَةٍ لِي مَلْحَاءَ أَجُرُّهَا، فَأَدْرَكَنِي رَجُلٌ فَغَمَزَنِي بِمِخْصَرَةٍ مَعَهُ ثُمَّ قَالَ: (أَمَا لَوْ رَفَعْتَ ثَوْبَكَ كَانَ أَبْقَى وَأَنْقَى، فَالْتَفَتُّ فَإِذَا هُوَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا هِيَ بُرْدَةٌ مَلْحَاءُ، قَالَ: وَإِنْ كَانَتْ بُرْدَةً مَلْحَاءَ، أَمَا لَكَ فِي أُسْوَتِي؟ فَنَظَرْتُ إِلَى إِزَارِهِ فَإِذَا فَوْقَ الْكَعْبَيْنِ وَتَحْتَ الْعَضَلَةِ. رواه أحمد (٢٢٥٧٧) .
قال الشيخ الألباني ﵀:
وهذا إسناد ضعيف، عمة الأشعث اسمها " رهم بنت الأسود "، قال الحافظ: " لا تُعرف ".
" السلسلة الضعيفة " (٤/٣٣٦، ٣٣٧، حديث رقم ١٨٥٧) .
وقال الشيخ شعيب الأرنؤوط في تحقيق المسند: "إسناده ضعيف؛ لضعف سليمان بن قرم" انتهى.
ولو صح الحديث لم يكن فيه دليل للمخالف، بل العكس هو الصحيح، فقد أنكر النبي ﷺ باليد واللسان على الصحابي لإسباله، وقد رأى الصحابي ثوبَ النبي ﷺ فرآه إلى نصف ساقه! فأين في الحديث – لو صح – ما يقوي قول المخالف؟
٢. استدل المخالف بأثرين: عن ابن مسعود ﵁، وعن أيوب السختياني ﵀، والأول من الصحابة، والثاني من التابعين.
أ. أما أثر ابن مسعود، فعن أبي وائل عن ابن مسعود أنه كان يسبل إزاره، فقيل له في ذلك، فقال: إني رجل حَمْش الساقين. رواه ابن أبي شيبة في " المصنف " (٥ / ١٦٦) ، وإسناده جيد كما سيأتي في كلام الحافظ ابن حجر.
حَمْش الساقين: دقيق الساقين.
وأما معناه: فهو – أولاً – أثر عن صحابي، وليس حديثاً مرفوعاً عن النبي ﷺ ، وقول الصحابي إنما يكون حجة يستدل بها إذا لم يخالف نصاً عن الرسول ﷺ .
ثم إنه ليس فيه ما يدل على أنه كان يسبل إزاره تحت الكعبين، بل يمكن أن يكون نازلاً عن الحد المتعارف عليه بينهم.
قال الحافظ ابن حجر ﵀:
"وأما ما أخرجه ابن أبي شيبة عن ابن مسعود بسند جيد أنه كان يسبل إزاره فقيل له في ذلك فقال: إني حَمْش الساقين: فهو محمول على أنه أسبله زيادة على المستحب، وهو أن يكون إلى نصف الساق، ولا يُظن به أنه جاوز به الكعبين، والتعليل يرشد إليه، ومع ذلك فلعله لم تبلغه قصة عمرو بن زرارة، والله أعلم" انتهى.
" فتح الباري " (١٠ / ٢٦٤) .
وقصة عمرو بن زرارة ﵁ أخرجها الإمام أحمد في " مسنده " (١٧٨١٧) وفيها أنه ﵁ كان حمش الساقين، فأسبل إزاره، فأنكر عليه النبي ﷺ وأمره برفع إزاره وقال له: (إن الله قد أحسن كل شيء خلقه) .
وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (٢٦٨٢) وشعيب الأرناؤط في تحقيق المسند.
ب. وأما أثر أيوب السختياني؛ فالسنة النبوية حاكمة على قول كل أحد، وكلٌّ يؤخذ من قوله ويرد عليه إلا النبي ﷺ .
وأيضاً: يحتمل أن يكون أيوب أطال ثوبه عن نصف الساق ولم ينزله عن الكعبين، كما قيل في فعل ابن مسعود ﵁ كما سبق.
٣. أما قول من قال " كيف يستوي الإسبال مع شرب الخمر – مثلا – في أنهما من الكبائر ": فالرد عليه: بأن الذنوب والمعاصي لاشك تتفاوت، فمنها الصغائر ومنها الكبائر، ومنها أكبر الكبائر، ثم الصغائر والكبائر وأكبر الكبائر تتفاوت فيما بينها، وهذا التفاوت لا يمكن أن يكون دليلاً على عدم التحريم، فشرب الخمر من الكبائر، والزنى من الكبائر، وقتل المؤمن ظلماً وعدواناً من الكبائر، ولكن هذه الذنوب متفاوتة فيما بينها، ولا يعني ذلك أن فيها ما ليس محرماً.
٤. أما قوله إن الجمهور على القول بالكراهة: فنعم، صحيح، ولسنا ننكر هذا، وقد بينا هذا في أول الجواب، وليس قول الجمهور يعني موافقة الحق، ولم يتعبدنا ربنا تعالى بقول جمهور العلماء، وقد أمرنا الله تعالى عند التنازع بالرد إلى الكتاب والسنة لا إلى قول الجمهور، وهو واضح بحمد الله.
٥. وأما استشهاده بإنكار عمر بن الخطاب ﵁ على المسبل أثناء توجعه من الطعنة القاتلة: فهو عليهم لا لهم، لأن عمر ﵁ لا ينكر على هذا الشاب وهو في هذه الحال (بين الحياة والموت) إلا وهو يعلم أن ما فعله ذلك الشاب أمر لا ينبغي السكوت عليه، وليس بالأمر الهين، فإنكار عمر ﵁ يدل على أن هذا الفعل منكر في الشرع، ولكن من أين فهم المخالف أنه مكروه وليس محرماً؟
وعمر ﵁ لا يرى ما في قلوب الناس، ولم ينقل في القصة أنه رأى من حال الشاب ما ذكره المخالف، بل هذه مجرد دعوى تحتاج إلى دليل يثبتها.
٦. وأما ما ذِكره من فضل الشهيد، وأنه في الجنة، وظنه أنه يتعارض مع عقوبة المسبل: فهو كلام مردود، فإذا كان هذا – يدل عنده – يعني أن الإسبال ليس حراماً: فليقل هذا في الكذب وقطيعة الرحم وشرب الخمر وغيرها من الكبائر المتوعد أصحابها بالنار، فكيف سيوفق بين الوعيد عليها، والوعد بالجنة للشهيد إذا كان الشهيد مرتكباً لها أو لبعضها؟
فالوعيد على المعصية قد يتخلف لأسبابٍ ليس هذا موضع بسطها.
٧. وأما ما جاء في حديث أبي بكر الصدِّيق وأنه كان إحدى شقي ثوبه يسترخي وكان يتعاهده، وأن النبي ﷺ قال له: (إنك لست ممن يفعله خيلاء) فليس لهم فيه دليل، بل هو عليهم لا لهم، فقد كان أبو بكر ﵁ يشد ثوبه ولم يكن يرخيه، بل كان يسترخي، ولم يكن ليتركه، بل كان يتعاهده، فمن كان حاله كال أبي بكر فهو معذور. قال الإمام الذهبي ﵀:
"وكذلك ترى الفقيه المترف إذا ليم في تفصيل فرجية – نوع من اللباس طويل الأكمام - تحت كعبيه، وقيل له: قد قال النبي ﷺ : (ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار) ، يقول: إنما قال هذا فيمن جر إزاره خيلاء، وأنا لا أفعل خيلاء؛ فتراه يكابر، ويبرئ نفسه الحمقاء، ويعمد إلى نص مستقل عام، فيخصه بحديث آخر مستقل بمعنى الخيلاء، ويترخص بقول الصديق: إنه يا رسول الله يسترخي إزاري؛ فقال: (لستَ يا أبا بكر ممن يفعله خيلاء) ، فقلنا: أبو بكر ﵁ لم يكن يشد إزاره مسدولاً على كعبيه أولاً، بل كان يشده فوق الكعب، ثم فيما بعد يسترخي، وقد قال ﵇: (إزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه، ولا جناح عليه فيما بين ذلك والكعبين) " انتهى.
" سير أعلام النبلاء " (٣ / ٢٣٤) .
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀:
وأما من احتج علينا بحديث أبي بكر ﵁، فنقول له: ليس لك حجة فيه من وجهين:
الوجه الأول: أن أبا بكر ﵁ قال: " إن أحد شقي ثوبي يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منه ... " فهو ﵁ لم يرخِ ثوبه اختياراً منه، بل كان ذلك يسترخي، ومع ذلك فهو يتعاهده، والذين يسبلون ويزعمون أنهم لم يقصدوا الخيلاء يرخون ثيابهم عن قصد..
الوجه الثاني: أن أبا بكر ﵁ زكَّاه النبي ﷺ ، وشهد له أنه ليس ممن يصنع خيلاء، فهل نال أحد من هؤلاء تلك التزكية والشهادة؟ ولكن الشيطان يفتح لبعض الناس اتباع المتشابه من نصوص الكتاب والسنة ليبرر لهم ما كانوا يعملون، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، نسأل الله لنا الهداية والعافية.
" مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين " (١٢ / السؤال رقم ٢٢٣) .
وقال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀:
أما قوله ﷺ لأبي بكر الصديق ﵁ لما قال: (يا رسول الله إن إزاري يسترخي إلا أن أتعاهده فقال له ﷺ : إنك لست ممن يفعله خيلاء) : فمراده ﷺ أن من يتعاهد ملابسه إذا استرخت حتى يرفعها لا يعد ممن يجر ثيابه خيلاء لكونه لم يسبلها، وإنما قد تسترخي عليه فيرفعها ويتعاهدها ولا شك أن هذا معذور، أما من يتعمد إرخاءها سواء كانت بشتاً أو سراويل أو إزاراً أو قميصاً: فهو داخل في الوعيد، وليس معذوراً في إسباله ملابسه؛ لأن الأحاديث الصحيحة المانعة من الإسبال تعمه بمنطوقها وبمعناها ومقاصدها، فالواجب على كل مسلم أن يحذر الإسبال وأن يتقي الله في ذلك، وألا تنزل ملابسه عن كعبه عملاً بهذا الحديث الصحيح، وحذراً من غضب الله وعقابه، والله ولي التوفيق.
" مجموع فتاوى الشيخ ابن باز " (٦ / ٣٨٣) .
وأما قولهم: إن الوعيد لا يكون إلا على من أسبل خيلاء: فهم وإن كانوا مسبوقين بهذا القول، لكن لا يظهر أنه صواب، لأنه قد ورد وعيد على الإسبال مجرداً، وورد وعيد آخر على جر الإزار خيلاء، ولا يمكن حمل المطلق على المقيد هنا لاختلاف الفعلين والعقوبتين، والذين أنكر عليهم نبينا ﷺ لم يكونوا من أهل الكبر والخيلاء.
قال الحافظ ابن حجر ﵀:
وفي هذه الأحاديث أن إسبال الإزار للخيلاء كبيرة، وأما الإسبال لغير الخيلاء فظاهر الأحاديث تحريمه أيضاً.
" فتح الباري " (١٠ / ٢٦٣) .
وقال ابن العربي المالكي ﵀:
لا يجوز لرجل أن يجاوز بثوبه كعبه ويقول: لا أتكبر فيه؛ لأن النهي تناوله لفظاً، وتناول علته، ولا يجوز أن يتناول اللفظ حكماً فيقال إني لست ممن يمتثله لأن العلة ليس فيَّ، فإنه مخالفة للشريعة، ودعوى لا تسلم له، بل مِن تكبره يطيل ثوبه وإزاره فكذبه معلوم في ذلك قطعاً.
" عارضة الأحوذي " (٧ / ٢٣٨) .
وقد نقله ابن حجر ﵀ – مع اختلاف في بعض ألفاظه - وعلق عليه بقوله:
وحاصله أن الإسبال يستلزم جر الثوب، وجر الثوب يستلزم الخيلاء، ولو لم يقصد اللابس الخيلاء، ويؤيده ما أخرجه أحمد بن منيع من وجه آخر عن ابن عمر في أثناء حديث رفعه: " وإياك وجر الإزار فإن جر الإزار من المخيلة " ... .
" فتح الباري " (١٠ / ٢٦٤) .
وقال الصنعاني ﵀:
وقد دلَّت الأحاديث على أن ما تحت الكعبين في النار، وهو يفيد التحريم، ودل على أن من جَرّ إزاره خيلاء لا يَنْظر الله إليه، وهو دال على التحريم، وعلى أن عقوبة الخيلاء عقوبة خاصة هي عدم نظر الله إليه، وهو مما يُبْطل القول بأنه لا يحرم إلا إذا كان للخيلاء.
" استيفاء الأقوال في تحريم الإسبال على الرجال " (ص ٢٦) .
فهذا مجمل الجواب على ما أوردته في سؤالك، والذي ينبغي للمسلم أن يجتهد في الوصول إلى الصواب في مسائل الخلاف بالبحث والنظر إن كان أهلاً، وإن لم يكن أهلاً لهذا فليقلِّد من يثق في دينه وعلمه، وليدع عنه الإنكار والنقاش والجدال، ونسأل الله تعالى أن يعلِّمَنا ما جهلنا، وأن ينفعنا بما علَّمَنا.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 9552
أحكام اللباس من حيث لونه
[السُّؤَالُ]
ـ[ما المقصود بالثوب (المعصفر) في الحديث؟ وهل يجوز لبس الثوب النباتي أو السكري؟ أم هناك دليل بكراهيته؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
الأصل في اللباس الإباحة، وذلك لأن الله تعالى يقول:
(هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) البقرة/٢٩
وقد امتن علينا بأن جعل لنا ما نلبسه فقال:
(يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ) الأعراف/٢٦
فمن زعم تحريم نوع أو لون معين من اللباس فهو المطالب بالدليل الظاهر على ذلك.
ثانيا:
اختلف أهل العلم في حكم لبس الرجل ثلاثةً من الألوان:
١- اللون الأحمر الخالص الذي لم يخالطه غيره من الألوان، أما الأحمر الذي خالطه غيره فقد اتفقوا على جوازه وقد سبق بيان ذلك في جواب السؤال رقم (٨٣٤١)
٢- المصبوغ بالعصفر: (والعصفر: نبات معروف يصبغ لونا أحمر) ، وأما المصبوغ بالحمرة من غير العصفر فهي المسألة السابقة.
٣- المصبوغ بالزعفران: (وهو نبات يعطي لونا أصفر) ، وأما المصبوغ بالأصفر من غير الزعفران فقد اتفق أهل العلم على جوازه.
فأما حكم لبس الثياب المعصفرة، فقد اختلف فيها أهل العلم على ثلاثة أقوال:
القول الأول: التحريم، وهو مذهب الظاهرية واختيار ابن القيم.
ودليلهم ما رواه مسلم (٢٠٧٧) عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال:
(رَأَى رَسُولُ اللهِ – ﷺ – عَلَيَّ ثَوبَينِ مُعَصفَرَينِ فَقَالَ:
إِنَّ هَذِهِ مِن ثِيَابِ الكُفَّارِ فَلا تَلبَسهَا)
وفي رواية: (أَأُمُّكَ أَمَرَتكَ بِهَذَا؟ قُلتُ: أَغسِلُهُمَا؟ قَالَ: بَل احرِقهُما)
وما رواه مسلم (٢٠٧٨) عن علي ﵁: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ – ﷺ – نَهَى عَن لُبسِ المُعَصفَرِ)
القول الثاني: الكراهة، وإليه ذهب الحنفية والمالكية، وهي الرواية المعتمدة عند الحنابلة.
قالوا: والنهي السابق محمول على الكراهة؛ لما ثبت عن البراء بن عازب – ﵁ قال: (رَأَيتُ النَّبِيَّ – ﷺ – فِي حُلَّةٍ حَمرَاءَ)
رواه البخاري (٣٥٥١) ومسلم (٢٣٣٧)
القول الثالث: الجواز، وهو مذهب الشافعية.
(المجموع ٤/٤٥٠، المغني ٢/٢٩٩، المحلى ٤/٦٩، تهذيب سنن أبي داود ١١/١١٧، حاشية ابن عابدين ٥/٢٢٨)
والذي يترجح - والله أعلم - القول بالتحريم، وذلك لأن الأصل في النهي أنه للتحريم، وأما لبس النبي – ﷺ – الأحمر فذلك لا يعني أن حمرته كانت بسبب العصفر، بل كانت مصبوغة بالحمرة من غير العصفر.
(انظر "معالم السنن" (٤/١٧٩))
وأما الثياب المزعفرة، فقد اختلف فيها أهل العلم على ثلاثة أقوال أيضا، أصحها ما ذهب إليه الشافعية ورواية عند الحنابلة أنه يحرم على الرجل لبس الثياب المزعفرة، والدليل على ذلك ما جاء عن أنس – ﵁ – قال:
(نَهَى رَسُولُ اللهِ – ﷺ – أَن يَتَزَعفَرَ الرَّجُلُ)
رواه البخاري (٥٨٤٦) ومسلم (٢١٠١) .
يقول الشيخ ابن عثيمين ﵀:
" القول الصحيح أن لبس المعصفر حرام على الرجل، والمزعفر مثله " انتهى. "الشرح الممتع" (٢/٢١٨)
(انظر التمهيد ٢/١٨٠، الإنصاف ١/٤٨١، المحلى ٤/٧٦، المجموع ٤/٤٤٩، حاشية ابن عابدين ٥/٢٢٨، المغني ٢/٢٩٩)
ثالثا:
ما تبقى من غير هذه الألوان من الألبسة لم يختلف أهل العلم في جوازها، بل نقلوا الاتفاق عليها فمن ذلك:
قال النووي "المجموع" (٤/٣٣٧) :
" يجوز لبس الثوب الأبيض والأحمر والأصفر والأخضر والمخطط وغيرها من ألوان الثياب، ولا خلاف في هذا، ولا كراهة في شيء منه " انتهى.
وجاء في الموسوعة الفقهية (٦/١٣٢-١٣٦) :
" اتّفق الفقهاء على استحباب لبس ما كان أبيض اللّون من الثّياب ...
اتّفق الفقهاء على جواز لبس الأصفر ما لم يكن معصفراً أو مزعفراً " انتهى.
كما أن للمرأة ـ أيضا ـ أن تلبس ما تشاء من الألوان – ما لم تكن متبرجة بذلك للأجانب – والذين تكلموا على تحريم المعصفر والمزعفر وغيره إنما قيدوا ذلك بالرجال.
يقول ابن عبد البر "التمهيد" (١٦/١٢٣) :
" وأما النساء فإن العلماء لا يختلفون في جواز لباسهن المعصفر المُفَدَّمَ والمُوَرَّدَ والمُمَشَّقَ ... المُفَدَّم: المُشبع حُمرةً، والمُورَّد: دونه في الحمرة، وأما الممشق فطين أحمر يصبغ به " انتهى.
الخلاصة: أن اللون النباتي والسكري من الألوان الجائزة، ولم يرد في تحريمها شيء، إلا إذا كان لونها ذلك بسبب صبغ العصفر أو الزعفران، فعند ذلك يصبح محرما لبسه على الرجل فقط، وذلك على الراجح من أقوال أهل العلم.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 9553
ما ثياب الكفار التي نهينا عن لبسها ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[كيف كان المسلمون في زمن النبي ﷺ يميزون أنفسهم عن الكفار في اللباس؟ هل كان كفار مكة يلبسون هم أيضا الثوب الطويل (الذي يعرف اليوم بالجلابية) ؟ وبناء على ذلك هل يعتبر الثوب الواسع من الملابس اللائقة إسلاميّا؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
اللباس من نعم الله تعالى على عباده، فهي تستر العورة وتقي الحر والبرد، وقد امتن الله به عليهم فقال: (يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ) الأعراف/٢٦، وقال: (وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ) النحل/٨١.
والأصل في اللباس الإباحة، فللمسلم أن يلبس ما يشاء مما يصنعه هو أو يصنعه له غيره من المسلمين وغيرهم، وهذا هو حال الصحابة ﵃ في مكة وفي غيرها، فلم يكن من يُسلم منهم يلبس لباساً خاصّاً به، وكان النبي صلى الله صلى الله عليه يبلس الجبة الشامية والحلة اليمنية، ولم يكن أهل صناعتهما من المسلمين، فالعبرة بموافقة اللباس للشروط الشرعية، وتجد في جواب السؤال رقم (٣٦٨٩١) ملخصاً لأحكام اللباس بالنسبة للرجال، فلينظر.
وقد نهانا النبي ﷺ عن التشبه بالكفار عموماً – في اللباس وغيره -، فقال النبي ﷺ : (من تشبه بقوم فهو منهم) رواه أبو داود (٤٠٣١) وصححه العراقي في "تخريج إحياء علوم الدين" (١/٣٤٢) والألباني في "إرواء الغليل" (٥/١٠٩) .
ونهانا نهياً خاصاً عن: التشبه بهم في اللباس، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي ﷺ رأى عليه ثوبين معصفرين فقال له: (إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها) رواه مسلم (٢٠٧٧) .
وروى مسلم (٢٠٦٩) عن عمر ﵁ أنه كتب للمسلمين في أذربيجان: (إياكم والتنعم وزي أهل الشرك) رواه مسلم (٢٠٦٩) .
وثياب الكفار التي يحرم على المسلمين لبسها هي ما يختص بلبسه الكفار , فلا يلبسها غيرهم , أما ما يلبسه الكفار والمسلمون , فلا حرج في لبسه ولا كراهية فيه، لأنه ليس خاصاً بالكفار.
وقد سئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء عن المشابهة بالكفار المنهي عنها فأجابوا:
" المراد بمشابهة الكفار المنهي عنها: مشابهتهم فيما اختصوا به من العادات، وما ابتدعوه في الدين من عقائد وعبادات، كمشابهتهم في حلق اللحية ... .
أما لبس البنطلون والبدلة وأمثالهما من اللباس، فالأصل في أنواع اللباس الإباحة، لأنَّهُ من أمور العادات، قال تعالى: (قل من حرَّم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق) الآية، ويستثنى من ذلك ما دلَّ الدليل الشرعي على تحريمه أو كراهته كالحرير للرجال، والذي يصف العورة لكونه شفافاً يُرى من ورائه لون الجلد، أو ككونه ضيقاً يحدد العورة، لأنه حينئذ في حكم كشفها , وكشفها لا يجوز، وكالملابس التي هي من سيما الكفار فلا يجوز لبسها لا للرجال ولا للنساء , لنهي النبي ﷺ عن التشبه بهم، وكلبس الرجال ملابس النساء , ولبس النساء ملابس الرجال , لنهي النبي ﷺ عن تشبه الرجال بالنساء والنساء بالرجال.
وليس اللباس المسمى بالبنطلون مما يختصُّ بالكفار، بل هو لباس عام في المسلمين والكافرين في كثير من البلاد والدول، وإنما تنفر النفوس من لبس ذلك في بعض البلاد لعدم الإلف ومخالفة عادة سكانها في اللباس، وإن كان ذلك موافقاً لعادة غيرهم من المسلمين، لكن الأولى بالمسلم إذا كان في بلد لم يعتد أهلها ذلك اللباس ألَاّ يلبسه في الصلاة ولا في المجامع العامة ولا في الطرقات " انتهى.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (٣ / ٣٠٧ - ٣٠٩) .
وقالوا أيضاً:
" يجب على المسلمين والمسلمات أن يحرصوا على الأخلاق الإسلامية، وأن يسيروا على منهج الإسلام في أفراحهم وأتراحهم ولباسهم وطعامهم وشرابهم وجميع شؤونهم.
ولا يجوز لهم أن يتشبَّهوا بالكفار في لباسهم بأن يلبسوا الملابس الضيقة التي تحدِّد العورة، أو الملابس الشفافة الرقيقة التي تشف عن العورة ولا تسترها، أو الملابس القصيرة التي لا تغطي الصدر أو الذراعين أو الرقبة أو الرأس أو الوجه " انتهى.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (٣ / ٣٠٦، ٣٠٧) .
وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀ عن مقياس التشبُّه بالكفار؟
فأجاب:
" مقياس التشبه: أن يفعل المتشبِّه ما يختص به المتشبَّه به، فالتشبُّه بالكفار أن يفعلَ المسلم شيئاً من خصائصهم.
أما ما انتشر بين المسلمين وصار لا يتميز به الكفار فإنه لا يكون تشبُّهاً، فلا يكون حراماً من أجل أنَّه تشبّه إلَاّ أن يكون محرَّماً من جهة أخرى.
وهذا الذي قلناه هو مقتضى مدلول هذه الكلمة، وقد صرَّح بمثله صاحب "فتح الباري" حيث قال (١٠/٢٧٢) : " وقد كره بعض السلف لبس البرنس؛ لنَّهُ كان من لباسِ الرهبانِ، وقد سئل مالكٌ عنه فقال: لا بأس به، قيل: فإنَّهُ من لبوس النصارى، قال: كان يلبس ههنا " انتهى. قلت: لو استدلَّ مالك بقول النبي ﷺ حين سئل ما يلبس المحرم؟ فقال: (لا يلبس القميص ولا السراويل ولا البرانس ... ) لكان أولى.
وفي "الفتح" أيضاً (١٠/٣٠٧) : " وإن قلنا النهي عنها (أي: عن المياثر الأرجوان) من أجل التشبُّه بالأعاجم: فهو لمصلحة دينية، لكن كان ذلك شعارهم حينئذ وهم كفار، ثم لما لم يصر الآن يختص بشعارهم زال ذلك المعنى، فتزول الكراهة، والله أعلم " انتهى.
" مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين " (١٢ / ٢٩٠) .
وقال الشيخ صالح الفوزان حفظه الله:
" وتباح ثياب الكفار إذا لم تعلم نجاستها؛ لأن الأصل الطهارة؛ فلا تزول بالشك، ويباح ما نسجوه أو صبغوه؛ لأن النبي ﷺ وأصحابه كانوا يلبسون ما نسجه الكفار وصبغوه " انتهى.
" الملخص الفقهي " (١ / ٢٠) .
وخلاصة الجواب: أنه يحرم على المسلم أن يتشبه بالكفار فيما هو من خصائصهم من اللباس وغيره , أما ما لا يختص به الكفار فلا حرج فيه.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 9554
الصلاة بثوب نصف كُم وحاسر الرأس
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا أصلي في قميص نصف كم وحاسر الرأس، والمصلون في مسجدنا يعترضون على ذلك، وقد قيل لي: إنه نتيجة للملابس التي أرتديها وعدم اتباعي للسنة، فإني سأخسر بعض الثواب، ما هو اللباس اللائق للصلاة حسب سنَّة النبي ﷺ ؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
أمر الله تعالى المصلي أن يتجمل ويتزين للصلاة فقال: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) الأعراف/٣١.
والتزين للصلاة أمرٌ زائد على ستر العورة، ولذلك أمرت المرأة أن تستر رأسها في الصلاة، مع أنها يجوز لها كشفها أمام المحارم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
" وأما التزين للصلاة فأمرٌ زائد على ستر العورة، والأصل فيه الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب: فقوله (خذوا زينتكم عند كل مسجد) أنزله الله سبحانه لما كان المشركون يطوفون بالبيت عراة ... وكل محل للسجود فهو مسجد، وهذا يدل على أن السترة للصلاة والطواف أمر مقصوده التزين لعبادة الله، ولذلك جاء باسم الزينة لا باسم السترة ليبين أن مقصوده أن يتزين العبد لا أن يقتصر على مجرد الاستتار.
وأما السنة: فقول النبي ﷺ : (لا يقبل الله الصلاة حائض إلا بخمار) ... .
وأما الإجماع: فقال أبو بكر بن المنذر: أجمع أهل العلم على أن على المرأة الحرة البالغة أن تخمر (أي تغطي) رأسها إذا صلت، وعلى أنها إذا صلت وجميع رأسها مكشوف أن عليها إعادة الصلاة، وكذلك حكى غيره الإجماع على اشتراط السترة في الجملة " انتهى.
"شرح العمدة" (٤/٢٥٨، ٢٥٩) باختصار.
ثانياً:
إذا عُلِم هذا: فإن على المصلي أن يأخذ زينته للصلاة، وتختلف هذه الزينة من بلاد إلى أخرى بحسب عرفهم، ومنه ما جاء في السؤال، وهو الصلاة في ثوب " نصف كُم " و " الصلاة حاسر الرأس " فإذا كان عرف أهل البلاد أن أكمل الزينة هو تغطية الرأس ولبس ثوب " كم طويل ": فإن الدخول في الصلاة على الهيئة الواردة في السؤال: خلاف ما أمر الله تعالى - وإن كانت الصلاة صحيحة - أما إن كان عُرف أهل البلاد في اللباس هو مثل ما جاء في السؤال، فلا حرج من الدخول في الصلاة على هذه الكيفية.
وينبغي أن يُعلم أن الحكم يختلف أيضاً باختلاف الثوب نفسه، فقد يكون الثوب ذو الكم القصير جرت العادة في بعض البلاد بلبسه، والتزين به، ويذهب به الرجل – مثلاً – إلى العمل ونحو ذلك، فهذا لا بأس من الصلاة فيه، وقد يكون هذا الثوب قد جرت العادة بأنه ليس من لباس الزينة، بل يلبسه الرجل في بيته فقط، أو عند النوم فقط، فمثل هذا لا ينبغي الصلاة فيه.
وهذه فتاوى أهل العلم، وفيها بيان القاعدة السابقة، وهي أن هذا الحكم تبع للعادة في كل بلد.
١. سئل الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: إمام يصلي بالناس وليس على رأسه غطاء فما الحكم في هذا؟
فأجاب:
" لا حرج في ذلك؛ لأن الرأس ليس من العورة، وإنما الواجب أن يصلي بالإزار والرداء؛ لقول النبي ﷺ : (لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء) لكن إذا أخذ زينته واستكمل لباسه كان ذلك أفضل؛ لقول الله جل وعلا: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) ، أما إن كان في بلاد ليس من عادتهم تغطية الرأس، فلا بأس عليه في كشفه " انتهى.
"مجموع فتاوى الشيخ ابن باز" (١٠/٤٠٥، ٤٠٦) .
٢. وسئل أيضاً ﵀: هل يجوز الصلاة بدون عمامة؟ وهل يجوز للإمام الذي يصلي بالناس أن يصلي بدون غترة؟ وهل تجزئ الطاقية؟
فأجاب:
" الصلاة بغير عمامة لا حرج فيها؛ لأن الرأس ليس بعورة، ولا يجب ستره في الصلاة، سواء كان المصلي إماماً أو منفرداً أو مأموماً، ولكن إذا لبس العمامة المعتادة كان أفضل، ولاسيما إذا صلى مع الناس؛ لقول الله : (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) وهي من الزينة.
ومعلوم أن المحرمين من الذكور يصلون كاشفي الرؤوس؛ لكونهم ممنوعين من سترها حال الإحرام، فعلم بذلك أن كشف الرأس في الصلاة لا حرج فيه " انتهى.
"مجموع فتاوى الشيخ ابن باز" (١٠/٤٠٦) .
٣. وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀:
" وقد ورد عن ابن عمر أنه قال لمولاه نافع: " أتخرج إلى الناس حاسر الرأس؟ قال: لا، قال: فالله أحق أن يستحيى منه "، وهو يدل على أن الأفضل ستر الرأس، ولكن إذا طبقنا هذه المسألة على قوله تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) الأعراف/٣١، تبين لنا أن ستر الرأس أفضل في قوم يُعتبر ستر الرأس عندهم من أخذ الزينة، أما إذا كنَّا في قوم لا يُعتبر ذلك من أخذ الزينة: فإنا لا نقول: إن ستره أفضل، ولا إن كشفه أفضل، وقد ثبت عن النبي ﷺ : " أنه كان يصلي في العمامة " والعمامة ساترة للرأس " انتهى.
"الشرح الممتع" (٢/١٦٦) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 9555
يريد فتح محل للخياطة ويسأل عن بعض الأمور
[السُّؤَالُ]
ـ[أود أن أفتح محلاً لخياطة ملابس النساء، لكنني متردد؛ وذلك لخوفي من وجود محاذير في هذا العمل. فأرجو منكم أن توضحوا لي إن كان فيه فعلا محاذير شرعية، وكيف يتم التعامل مع النساء اللواتي يطلبن تفصيل ملابس قد تكون لا تغطي جسم المرأة؟ كأن تكون ساترةً لكنها قصيرة شيئًا ما، أو أن تكون ضيقةً نوعًا ما، وإذا رأيت في المحل امرأةً تلبس ملابس قصيرةً قليلاً، فهل يجوز أن أفصل لها؟ لأنها قد تخرج بالملابس التي نفصلها لها، وتبدو مكشوفة القدم مثلاً ويراها الرجال؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
يجب على المسلم أن يلتزم في جميع أعماله ومعاملاته بالأحكام الشرعية، فلا يرتكب محظورًا ولا يتساهل في ممنوع، ومن أهم قواعد الشريعة التي ذكرها الله في كتابه، والنبي ﷺ في سنته، وقررها أهل العلم في كتبهم: " أنه لا يجوز بيع الشيء على من تعلم أنه سيستعمله في الحرام "
قال الله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) المائدة/٢.
وقال النبي ﷺ : (إن الله إذا حرم شيئًا حرم ثمنه) .
رواه ابن حبان (١١/٣١٢) والدارقطني (٣/٧) والطبراني في الأوسط (٢/٢٩١) وصححه الألباني في غاية المرام.
وقال علماء اللجنة الدائمة (١٣/١٠٩) :
" كل ما يستعمل على وجه محرم، أو يغلب على الظن ذلك؛ فإنه يحرم تصنيعه واستيراده وبيعه وترويجه بين المسلمين، ومن ذلك ما وقع فيه كثير من نساء اليوم - هداهن الله إلى الصواب -، من لبس الملابس الشفافة، والضيقة، والقصيرة، ويجمع ذلك كله إظهار المفاتن والزينة، وتحديد أعضاء المرأة أمام الرجال الأجانب.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: كل لباس يغلب على الظن أنه يستعان بلبسه على معصية فلا يجوز بيعه وخياطته لمن يستعين به على المعصية والظلم. . . . , وكذلك كل مباح في الأصل علم أنه يستعان به على المعصية.
فالواجب على كل تاجر مسلم تقوى الله ، والنصح لإخوانه المسلمين، فلا يصنع ولا يبيع إلا ما فيه خير لهم، ويترك ما فيه شر وضرر عليهم، وفي الحلال غنية عن الحرام.
(وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ) الطلاق/٣,٢.
وهذا النصح هو مقتضى الإيمان.
قال الله تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) التوبة/٧١. " انتهى.
وقد سبق الجواب عن مثل هذا السؤال في عدة مواضع من الموقع.
انظر الأسئلة: (٣١٤٩) (٣٤٥٨٧) (٣٤٦٧٤) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 9556
لماذا لا يدخل صدر الرجل في حدود عورته لأنه يفتن النساء ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[لما كان الحكمة من اللباس ستر العورة لحفظ النفس من الإغراء فلماذا إذن عورة الرجل من السرة إلى الركبة ولا تشمل الصدر الذي هو أكثر مناطق جسم الرجل جذبا للجنس الآخر؟ أجابني بعض المشايخ الكرام أن ذلك لأن المرأة تتأثر باللمس والرجل بالرؤية، فإذن لماذا منع الرسولُ ﷺ عائشة من الجلوس عندما زاره ابن أم مكتوم – الضرير - ولمَ نزلت الآية الكريمة التي تقول – بالمعنى – " يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المسلمين أن يغضضن من أبصارهن "؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
في السؤال خطأ في الحديث والآية ولا بد من التنبيه عليهما قبل الإجابة:
أما الحديث: فليس فيه ذِكر عائشة – ﵂، ثم هو غير صحيح.
عن أم سلمة أنها كانت عند رسول الله ﷺ وميمونة قالت: فبينا نحن عنده أقبل ابن أم مكتوم فدخل عليه - وذلك بعد ما أمرنا بالحجاب - فقال رسول الله ﷺ : احتجبا منه، فقلت يا رسول الله: أليس هو أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا؟ فقال رسول الله ﷺ : أفعمياوان أنتما؟ ألستما تبصرانه؟ . رواه الترمذي (٢٧٧٨) وأبو داود (٤١١٢) .
والحديث: فيه نبهان مولى أم سلمة وهو مجهول، وقد ضعفه الشيخ الألباني في " إرواء الغليل " (١٨٠٦) .
وأما الآية المذكورة في السؤال فهي من مجموع آيتين:
الأولى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) الأحزاب/٥٩.
والثانية: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ. وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ) النور/٣٠، ٣١.
ثانياً:
وأما نظر المرأة إلى الرجل الأجنبي عنها، فقد سبق في إجابة السؤال: (٤٩٠٣٨) أنه جائز بشرط ألا يكون بشهوة ولا يخشى منه الفتنة.
ثالثاً:
لا يعني أن عورة الرجل من السرة إلى الركبة جواز إظهار الرجل صدره أمام الرجال فضلاً عن إظهاره أمام النساء، فإذا لم يكن الصدر من العورة فكشفه من خوارم المروءة، ومن فِعْلِ الفسَّاق.
ومما ينبغي أن يُعلم أن الشيء المباح إذا كان يترتب على فعله مفسدة فإنه يمنع من أجل تلك المفسدة. فإذا كان كشف الرجال صدره سيكون سبباً للفتنة أو يفتح باباً من أبواب الشر، فإنه يمنع من أجل ذلك.
وقد شُرع اللباس لحكم عديدة منها: موافقة الفطرة، والزينة، والوقاية من الحر والبرد، وستر العورة عن النظر إليها.
ولما امتن الله على عباده بخلقه اللباس الذي يواري السوءات نبَّه على لباس آخر أعظم وهو لباس التقوى.
قال تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ. يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمْ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنْ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا ... ) الأعراف/٢٦، ٢٧.
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – ﵀:
ثم امتن عليهم بما يسر لهم من اللباس الضروري، واللباس الذي المقصود منه الجمال، وهكذا سائر الأشياء، كالطعام والشراب والمراكب، والمناكح ونحوها، قد يسر الله للعباد ضروريها، ومكمل ذلك، و [بين لهم] أن هذا ليس مقصودا بالذات، وإنما أنزله الله ليكون معونة لهم على عبادته وطاعته، ولهذا قال: (وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ) من اللباس الحسي، فإن لباس التقوى يستمر مع العبد، ولا يبلى ولا يبيد، وهو جمال القلب والروح.
وأما اللباس الظاهري: فغايته أن يستر العورة الظاهرة، في وقت من الأوقات، أو يكون جمالا للإنسان، وليس وراء ذلك منه نفع.
وأيضاً فبتقدير عدم هذا اللباس تنكشف عورته الظاهرة، التي لا يضره كشفها مع الضرورة، وأما بتقدير عدم لباس التقوى فإنها تنكشف عورته الباطنة، وينال الخزي والفضيحة.
وقوله: (ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ) أي: ذلك المذكور لكم من اللباس مما تذكرون به ما ينفعكم ويضركم وتستعينون باللباس الظاهر على الباطن. " تفسير السعدي " (ص ٢٤٨) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 9557
لبس جلود السباع والجلوس عليها
[السُّؤَالُ]
ـ[ذكر البخاري أنه يجب أن لا نرتدي ملابس تشبه جلد النمر ولم أكن أعرف ذلك فعندي ملابس من ذلك النوع وإنني أنوي أن لا أشتري منها مرة ثانية فهل يمكن أن أستخدم هذه الملابس في المنزل؟ أم يحرم ارتداؤها حتى في المنزل؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لعل السائل يشير إلى الحديث الذي رواه البخاري (٥١٧٥) عن البراء بن عازب ﵁ أن النبي ﷺ نهى عن المياثر.
والمياثر نوع من الفرش كانوا يجعلونه على سَرْج الفرس، وكانوا يصنعونه من الحرير. وقد فسره بعض العلماء بجلود السباع. قال الحافظ ابن حجر ﵀: ويُمْكِن تَوْجِيهه , بمَا إِذَا كَانَتْ الْمِيثَرَة وِطَاء صُنِعَتْ مِنْ جِلْد ثُمَّ حُشِيَتْ اهـ فتح الباري (١٠/٢٩٣) .
وقد ثبت عن النبي ﷺ النهي عن لبس جلود السباع أو الجلوس عليها.
فعن المقدام بن معد يكرب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن لبس جلود السباع والركوب عليها.
رواه أبو داود (٤١٣١) . وصححه الألباني في صحيح أبي داود (٣٤٧٩) .
وروى الترمذي (١٧٧١) والنسائي (٤٢٥٣) أن النبي ﷺ نهى عن جلود السباع أن تفترش.
صححه الألباني في صحيح الترمذي (١٤٥٠) .
وعن معاوية بن أبي سفيان ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى عن ركوب النمار. يعني: جلود النمار.
رواه أبو داود (٤٢٣٩) . وصححه الألباني في صحيح أبي داود (٣٥٦٦) .
وعن معاوية ﵁ عن النبي ﷺ قال: (لا تصحب الملائكة رفقة فيها جلد نمر) .
رواه أبو داود (٤١٣٠) . وحسنه الألباني في صحيح أبي داود (٣٤٧٨) .
قال المباركفوري في تحفة الأحوذي:
والأحاديث تدل على أن جلود السباع لا يجوز الانتفاع بها اهـ
والحكمة من النهي عن الانتفاع بها:
ما فيها من الكبر والخيلاء. ولأن فيها تشبهاً بالجبابرة، ولأنها زي أهل الترف والإسراف.
انظر تحفة الأحوذي، حاشية السندي على ابن ماجه.
ويضاف إلى ذلك علة أخرى وهي نجاستها إذا إن الدباغ لا يطهر إلا جلد الحيوان الذي يؤكل، أما ما لا يحل أكله فلا يطهر جلده بالدباغ. وهو مذهب الأوزاعي وعبد الله بن المبارك وإسحق بن راهويه ورواية عن الإمام أحمد. انظر شرح صحيح مسلم للنووي (٤/٥٤) . الفروع لابن مفلح (١/١٠٢) .
وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في أحد قوليه. مجموع الفتاوى (٢١/٩٥) . واختاره الشيخ ابن عثمين ﵀. الشرح الممتع (١/٧٤) .
وإذا حرم استعمال هذه الجلود فلا فرق بين منع لبسها داخل المنزل وخارجه. وقد أخبر النبي ﷺ أن الملائكة لا تصحب رفقة فيها جلد نمر – كما سبق -.
قال في عون المعبود:
وَالْحَدِيث فِيهِ: يُكْرَه اِتِّخَاذ جُلُود النُّمُور وَاسْتِصْحَابهَا فِي السَّفَر وَإِدْخَالهَا الْبُيُوت لأَنَّ مُفَارَقَة الْمَلائِكَة لِلرُّفْقَةِ الَّتِي فِيهَا جِلْد نَمِر تَدُلّ عَلَى أَنَّهَا لا تُجَامِع جَمَاعَة أَوْ مَنْزِلا وُجِدَ فِيهِ ذَلِكَ وَلا يَكُون إِلا لِعَدَمِ جِوَار اِسْتِعْمَالهَا كَمَا وَرَدَ أَنَّ الْمَلائِكَة لا تَدْخُل بَيْتًا فِيهِ تَصَاوِير , وَجُعِلَ ذَلِكَ مِنْ أَدِلَّة تَحْرِيم التَّصَاوِير وَجَعْلهَا فِي الْبُيُوت اهـ
وهذا فيما إذا كان اللباس المذكور في السؤال مصنوعاً من الجلود الطبيعية الحقيقية للسباع. أما الجلود الصناعية التي تشابه ألوانها ألوان جلود السباع فالأولى للمسلم التنزه عنها حتى لا يتهم ممن لا يعلم حقيقتها أنها من جلود السباع المحرم لبسها.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 9558
ماذا يصنع من لم يعلم بالاحتلام إلا في آخر اليوم ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[احتلمت في إحدى الليالي، وعندما قمت لصلاة الفجر لم أتذكر هذا الأمر، حيث لم أنتبه لوجود البلل لأنه قد جف ويبس، وصليت جميع الفروض في ذلك اليوم وأنا جنب، وفي المساء تذكرت أنني احتلمت، وذلك بعد انتباهي لوجود أثر البلل على ملابسي الداخلية، وعندها قمت بالاغتسال وإعادة جميع صلوات ذلك اليوم، فهل ما فعلته صحيح؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
نعم، فعلك صحيح موافق للشرع، والطهارة شرط لصحة الصلاة، والجنابة توجب الاغتسال، وما صليتَه وأنت جنب فأنت معذورٌ لعدم تعمدك له، لكن لم تبرء ذمتك بعد علمك بحالك إلا أن تغتسل وتعيد الصلوات، وهو ما فعلتَه، وهو الصواب.
سُئل الشيخ ابن عثيمين – ﵀:
عمن وجد منيا في ثيابه بعد أن صلى الفجر ولم يعلم به فما الحكم في ذلك؟ .
فأجاب:
إذا لم ينم الإنسان بعد صلاة الفجر فإن صلاة الفجر غير صحيحة لوقوعها وهو جنب حيث تيقن أنه قبل الصلاة.
أما إذا كان الإنسان قد نام بعد صلاة الفجر ولا يدري هل هذه البقعة من النوم الذي بعد الصلاة أو من النوم الذي قبل الصلاة فالأصل أنها مما بعد الصلاة، وأن الصلاة صحيحة، وهكذا الحكم أيضا فيما لو وجد الإنسان أثر مني وشك هل هو من الليلة الماضية أو من الليلة التي قبلها، فليجعله من الليلة القريبة ويجعله من آخر نومه نامها؛ لأن ذلك هو المتيقن وما قبلها مشكوك فيه، والشك في الحدث لا يوجب الطهارة منه لقول النبي ﷺ : " إذا وجد أحدكم في بطنه شيئا فأشكل عليه أخرج منه شيء أم لا فلا يخرجن من المسجد "، رواه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁، والله الموفق.
" مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين " (١١ / السؤال رقم ١٦٥) .
وسُئل الشيخ – ﵀ – كذلك -:
شخص صلَّى المغرب والعشاء، ثم عاد إلى بيته، وعند خلعه لثوبه وجد في ملابسه الداخلية أثر مني، فماذا يلزمه؟ .
فأجاب:
إذا كان هذا الرجل الذي وجد المني على لباسه لم يغتسل: فإنه يجب عليه أن يغتسل ويعيد الصلوات التي صلاها وهو على جنابة، لكن أحيانا يرى الإنسان أثر الجنابة على لباسه ولا يدري أكان في الليلة التي قبلها، فهل يعتبره من الليلة الماضية القريبة أم من الليلة السابقة؟ .
الجواب: يعتبره من الليلة الماضية القريبة لأن ما قبل الليلة الماضية مشكوك فيه، والأصل الطهارة، وكذلك لو نام بعد صلاة الصبح واستيقظ ووجد في لباسه أثر الجنابة ولا يدري أهو من النوم الذي بعد صلاة الفجر أو من النوم في الليل، فهل يلزمه إعادة صلاة الفجر؟ .
الجواب: لا يلزمه إعادة صلاة الفجر؛ لأن نوم الليل مشكوك في حصول الاحتلام فيه، وهكذا اجعلها قاعدة عندك: كلما شككت هل هذه الجنابة من نومة سابقة أو لاحقة فاجعله من اللاحقة.
" مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين " (١١ / السؤال رقم ١٦٦) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 9559
لبس البنت اللباس العاري والقصير
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم لبس البنت التي لم تبلغ الحلم البنطال واللبس العاري؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إن حدود عورة الصغير والصغيرة مما لم يرد فيهما أدلة صريحة من الكتاب أو السنة، والذي عليه أكثر الفقهاء أن الفتاة إذا بلغت حد الاشتهاء، بأن كانت مشتهاة عند ذوى الطباع السليمة، فعورتها كعورة البالغة، وأما إذا لم تكن بلغت حد الاشتهاء فيجوز الترخص في حجابها حتى تبلغ هذا الحد.
قال الشيخ ابن عثيمين:" الطفلة الصغيرة ليس لعورتها حكم، ولا يجب عليها ستر وجهها ورقبتها، ويديها ورجليها، ولا ينبغي إلزام الطفلة بذلك، لكن إذا بلغت البنت حدا تتعلق بها نفوس الرجال وشهواتهم فإنها تحتجب دفعا للفتنة والشر، ويختلف هذا باختلاف النساء، فإن منهن من تكون سريعة النمو جيدة الشباب، ومنهن من تكون بالعكس."
وبالنسبة لإلباسها اللباس العاري فالأولى عدم تعويد البنت الصغيرة على مثل هذا اللباس، فمن المهم أن تنشأ الطفلة على حب الفضيلة حتى تعتادها، ولذلك جعل الإسلام للأطفال مرحلة تمهيدية ليتعلموا فيها الصلاة، ولم يفجأهم بوجوبها؛ لأن هذا يحتاج إلى تعود وتدرب.
والفتاة عند التاسعة ينبغي تدريبها، وتعليمها ما يجب عليها حتى قبل البلوغ.
فليس من المعقول أن يكون الحد بين ستر العورة وتركها هي الليلة التي تبلغ فيها الطفلة مبلغ النساء بالحيض ... فهذا لا يكون.
قال الشيخ ابن عثيمين:" أرى أنه لا ينبغي للإنسان أن يلبس ابنته هذا اللباس وهي صغيرة لأنها إذا اعتادته بقيت عليه وهان عليها أمره. أما لو تعودت الحشمة من صغرها بقيت على تلك الحال في كبرها والذي أنصح به أخواتنا المسلمات أن يتركن لباس أهل الخارج من أعداء الدين وأن يعودن بناتهن على اللباس الساتر وعلى الحياء، فإنه من الإيمان"..
"من فتاوى الشيخ ابن عثيمين في مجلة الدعوة " العدد١٧٠٩ص٣٥.
ومن المعلوم أن ما دون سبع سنين لا حكم لعورته، لكن تعويد الصبيان والأطفال هذه الألبسة الخالعة القصيرة لا شك أن سيهون عليهم كشف العورة في المستقبل، بل ربما لا يستحي الإنسان إذا كشف فخذه لأنه كان يكشفه صغيرا ولا يهتم به.
فالذي ينبغي أن يمنع الأطفال وإن كانوا صغارا من مثل هذه الألبسة.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 9560
أبواه مصرّان أن يسبل ثيابه
[السُّؤَالُ]
ـ[لقد سمعت وقرأت الكثير من الأحاديث التي تذكر أن البناطيل (السراويل) يجب أن تكون فوق الكعبين. أنا أطبق هذه السنة , لكن ما هو الحكم إذا كان الأهل لا يريدون أن يفعل ابنهم ذلك؟ لقد اختلط علي الأمر , فوالديّ يغضبان مني كثيرا إن أنا لبست البناطيل القصيرة , وإغضابهما هو من المعاصي الكبيرة. أرجو أن توضح لي القرار الذي يجب علي اتخاذه حيال ذلك , كما أرجو أن تأخذ في الحسبان أنه عندما أحصل على وظيفة إن شاء الله، فقد يؤثر مثل هذا اللباس على الفرص المتاحة. أرجو أن تقول لي أيضاً متى يجب أن أسمع كلمة أهلي أو أتبع السنّة لأنني أجد نفسي في هذه المواقف دائماً.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
الإسبال هو إرخاء الثوب إلى ما تحت الكعبين وهو محرم،لقوله ﷺ : (ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار) رواه البخاري/٥٧٨٧.
فإن قال قائل: أنا لا أُسبل ثوبي (أو البنطلون) تكبراً، بل من باب العادة؟
فالجواب:
إن إسبال الثوب بحد ذاته عقوبته النار كما تقدم فإن أُضيف إلى الإسبال الكبر والخيلاء، فالعقوبة أشد وأنكى وهي ما جاء في قول النبي ﷺ : (الإسبال في الإزار والقميص والعمامة من جرّ منها شيئاً خيلاء لا ينظر الله إليه يوم القيامة) رواه أبو داوود (٤٠٨٥) والنسائي (٥٣٣٤) بإسناد صحيح.
ثانياً:
إذا علمت حكم الإسبال وأنه محرم فالواجب عليك وعلى كل مسلم الابتعاد عن المحرمات لاسيما كبائر الذنوب ولا يجوز ارتكاب المحرم لأجل إرضاء الناس ولو كان أحد والديك. لقوله ﷺ : (لا طاعة في معصية الله إنما الطاعة في المعروف) رواه النسائي وأبو داوود وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي رقم (٣٩٢١) والسلسلة الصحيحة (١٨١)
وتذكر قول النبي ﷺ : (من التمس رضى الله بسخط الناس كفاه الله مئونة الناس، ومن التمس رضى الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس) رواه الترمذي في كتاب الزهد رقم (٢٣٣٨) .
وأما خوفك من ضياع الوظيفة فاعلم بأن الأرزاق بيد الله ولن تموت نفسٌ حتى تستوفي رزقها.
وتذكر قول الله تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا) الطلاق/٢-٣.
وهذا الخوف لا يُجيز لك فعل المعصية.
فإن قال قائل: لو اضطررت إلى فعل المحرم فهل يجوز لي فعله؟
فالجواب:
أنه يجب التأكد أن الاضطرار حقاً حاصل فإذا وصل الأمر إلى الإكراه، وصار الإنسان مضطراًً فعلاً جاز له أن يفعل ما تندفع به ضرورته.
مثال ذلك: أن يقول الأب لولده إذا رفعت ثوبك أو بنطلونك فوق الكعب فسأطردك من البيت، والولد لا يجد له بيتاً آخر يسكن فيه وقد تيقن أو غلب على ظنه أن أباه سينفذ تهديده بالفعل فيجوز له أن يسبل ثوبه حتى يجعل الله له مخرجاً.
ثالثاً:
وأما قولك: " أنا أُطبق هذه السنة ". فاعلم أن رفع الثوب أو البنطلون فوق الكعب واجب وليس مجرد سنة وأما السنة فهي رفع الإزار إلى نصف الساق وهذه السنة الإنسان مخيرٌ فيها إن شاء عملها وإن شاء تركها لأن السنة في تعريف العلماء: " هي ما يُثاب فاعلها ولا يُعاقب تاركها ".
واعلم بأن الذي يُلبس إلى نصف الساق هو الإزار وأما الثوب فإنه لا يُلبس على هذه الصفة بل السنة فيه أن يكون من تحت نصف الساق إلى الكعبين، وكذلك البنطلون يُلبس فوق الكعب. لقوله ﷺ : " وَلا حَقَّ لِلْكَعْبَيْنِ فِي الإِزَارِ " رواه النسائي في كتاب الزينة رقم (٣٥٢٩) وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي رقم (٤٩٢٢)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
следующие страницы →