Полный текст (280 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
فَصْلٌ: فِي إِجَارَةِ الأَرْضِ الْبَيْضَاءِ ١ وَذَاتِ النَّخْلِ
وَسَأَلْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَنِ الْمُزَارَعَةِ فِي الأَرْضِ الْبَيْضَاءِ بِالنِّصْفِ وَالثُّلُثِ؛ فَإِنَّ أَصْحَابَنَا مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَى كَرَاهَةِ ذَلِكَ وَإِفْسَادِهِ، وَيَقُولُونَ الأَرْضُ الْبَيْضَاءُ مُخَالِفَةٌ لِلنَّخْلِ وَالشَّجَرِ وَلا يَرَوْنَ بَأْسًا بِالْمُسَاقَاةِ فِي النَّخْلِ وَالشَّجَرِ بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ وَأَقَلَّ وَأَكْثَرَ.
وَأَمَّا أَصْحَابُنَا مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ فَاخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ؛ فَمَنْ أَجَازَ الْمُسَاقَاةِ فِي النَّخْلِ وَالشَّجَرِ مِنْهُمْ أَجَازَ الْمُزَارَعَةَ فِي الأَرْضِ الْبَيْضَاءِ بِالنِّصْفِ وَالثُّلُثِ، وَمَنْ كَرِهَ الْمُسَاقَاةَ مِنْهُمْ فِي النَّخْلِ وَالشَّجَرِ كَرِهَ الْمُزَارَعَةَ فِي الأَرْضِ الْبَيْضَاءِ بِالنِّصْفِ وَالثُّلُثِ. وَالْفَرِيقَانِ جَمِيعًا مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ يَرَوْنَهَا سَوَاءً: مَنْ أَفْسَدَ الْمُسَاقَاةَ أَفْسَدَ الأَرْضَ، وَمَنْ أَجَازَ الْمُسَاقَاةَ أَجَازَ الأَرْضَ.
قَالَ أَبُو يُوسُف: أَحْسَنُ مَا سَمِعْنَاهُ فِي ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ جَائِزٌ مُسْتَقِيمٌ صَحِيحٌ، وَهُوَ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ مَالِ الْمُضَارَبَةِ قَدْ يَدْفَعُ الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ الْمَالَ مُضَارَبَةً بِالنِّصْفِ وَالثلث؛ فَيجوز هَذَا مَجْهُولٌ لَا يُعْلَمُ مَا مَبْلَغُ رِيحه لَيْسَ فِيهِ اختلال بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِيمَا عَلِمْتُ، وَكَذَلِكَ الأَرْضُ عِنْدِي هِيَ بِمَنْزِلَةِ الْمُضَارَبَةِ: الأَرْضُ الْبَيْضَاءُ مِنْهَا وَالنَّخْلُ وَالشَّجَرُ سَوَاءٌ.
قَالَ: وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ مِمَّنْ يَكْرَهُ ذَلِكَ كُلَّهُ فِي الأَرْضِ الْبَيْضَاءِ، وَفِي النَّخْلِ وَالشَّجَرِ بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ وَأَقَلَّ وَأكْثر، وَكَانَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى مِمَّنْ لَا يرى بذلك بَأْسا.
أَدِلَّة من كره الْمُزَارعَة:
وَاحْتَجَّ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَنْ كَرِهَ ذَلِكَ بِحَدِيثِ أَبِي حُصَيْنٍ عَنِ ابْنِ رَافِعِ بْنِ خُدَيْجٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ مَرَّ عَلَى حَائِطٍ فَسَأَلَ: لِمَنْ هُوَ؟ فَقَالَ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ لِي: اسْتَأْجَرْتُهُ. فَقَالَ: "لَا تَسْتَأْجِرْهُ بِشَيْءٍ مِنْهُ"؛ فَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَمَنْ كَرِهَ الْمُسَاقَاةَ يَحْتَجُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَيَقُولُ: هَذَهِ إِجَارَةٌ فَاسِدَةٌ مَجْهُولَةٌ، وَكَانُوا يحتجوا أَيْضًا فِي الْمُزَارَعَةِ بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ بِحَدِيثِ جَابِرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّه كره الْمُزَارعَة بِالثُّلثِ وَالرّبع.
стр. 107
أَدِلَّة من أجَاز الْمُزَارعَة وَالْمُسَاقَاة:
وَأَمَّا أَصْحَابُنَا مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ فَأَجَازُوا ذَلِكَ عَلَى مَا ذَكَرْتُ لَكَ وَيَحْتَجُّونَ فِي ذَلِكَ بِمَا عَامَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَهْلَ خَيْبَرَ فِي التَّمْرِ وَالزَّرْعِ، وَلا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الْفُقَهَاءِ اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ خَلا هَؤُلاءِ الرَّهْطِ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ الَّذِينَ وَصَفْتُ لَكَ.
مُسَاقَاة الرَّسُول ﷺ أَرض خَيْبَر:
قَالَ أَبُو يُوسُف: فَكَانَ أَحْسَنُ مَا سَمِعْنَا فِي ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ جَائِز مُسْتَقِيم ابتعنا الأَحَادِيثَ الَّتِي جَاءَتْ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي مُسَاقَاةِ خَيْبَرَ؛ لأَنَّهَا أَوْثَقُ عندنَا وَأكْثر وأعم مِمَّا جَاءَ فِي خلَافهَا من الأَحَادِيثِ.
قَالَ: وَحَدَّثَنَا نَافِعٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّه عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَر يشطر مَا يَخْرُجُ مِنْ زَرْعٍ وَتَمْرٍ، وَكَانَ يُعْطِي أَزْوَاجَهُ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ كُلَّ عَامٍ مِائَةَ وَسْقٍ ثَمَانِينَ تَمْرًا وَعِشْرِينَ شَعِيرًا؛ فَلَمَّا قَامَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَسَّمَ خَيْبَرَ، وَخَيَّرَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَقْطَعَ لَهُنَّ مِنَ الأَرْضِ أَوْ يَضْمَنْ لَهُنَّ الْمِائَةَ وَسْقٍ كُلَّ عَامٍ؛ فَاخْتَلَفْنَ عَلَيْهِ فَمِنْهُنَّ مَنِ اخْتَارَ أَنْ يُقْطَعَ لَهُنَّ وَمِنْهُنَّ مَنِ اخْتَارَ الأَوْسُقَ، وَكَانَتْ عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنهُ عَنْهُمَا مِمَّنِ اخْتَارَ الأَوْسُقَ.
قَالَ: وَحدثنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ: جَلَسْنَا إِلَى أَبِي جَعْفَرَ فَسَأَلَهُ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ عَنْ قَبَالَةِ الأَرْضِ وَالنَّخْلِ وَالشَّجَرِ فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُقْبِلُ خَيْبَرَ مِنْ أَهْلِهَا بِالنِّصْفِ يَقُومُونَ عَلَى النَّخْلِ يَحْفَظُونَهُ وَيَسْقُونَهُ وَيُلَقِّحُونَهُ؛ فَإِذَا بَلَغَ أَدْنَى صِرَامِهِ بَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ؛ فَخَرَصَ١ عَلَيْهِمْ مَا فِي النَّخْلِ فَيَتَوَلَّوْنَهُ وَيَرُدُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ الثَّمَنَ بِحِصَّةِ النِّصْفِ مِنَ الثَّمَرَةِ؛ فَأَتَوْهُ فِي بَعْضِ تِلْكَ الأَعْوَامِ؛ فَقَالُوا: إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ قَدْ جَارَ عَلَيْنَا فِي الْخَرَصِ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "نَحْنُ نَأْخُذُهُ بِخَرَصِ عَبْدِ اللَّهِ وَنَرُدُّ عَلَيْكُمُ الثَّمَنَ بِحِصَّتِكُمْ مِنَ النِّصْفِ"، فَقَالُوا بِأَيْدِيهِمْ هَكَذَا -وَعَقَدَ بَيْنَ دَوْرِ ثَلاثِينَ٢: هَذَا الْحق، بِهَذَا قَامَت السَّمَاوَات وَالأَرْضُ، لَا بَلْ نَحْنُ نَأْخُذُهُ؛ فَتَوَلَّوُا النَّخْلَ، وَتَوَلَّوْا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الثَّمَنَ بِحِصَّةِ النِّصْفِ.
قَالَ: وَحَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ عَنْ أَبِي جَعْفَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنه أعْطى خَيْبَر بِالنِّصْفِ.
стр. 108
قَالَ: فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ يُعْطُونَ أَرْضَهُمْ بِالثُّلُثِ.
قَالَ: وَحَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُهَاجِرِ عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ قَالَ: رَأَيْت سعد ابْن أَبِي وَقَّاصٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ يُعْطِيَانِ أَرْضَهُمَا بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ.
قَالَ: وَحدثنَا الْحجَّاج بن أرضاة، عَنْ أَبِي جَعْفَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّه أَعْطَى خَيْبَرَ بِالنِّصْفِ؛ فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ ﵃ يُعْطُونَ أَرْضَهُمْ بِالثُّلُثِ.
قَالَ أَبُو يُوسُف: فَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْنَا فِي ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَهُوَ الْمَأْخُوذُ بِهِ عندنَا.
أَنْوَاع من الْمُزَارعَة:
قَالَ أَبُو يُوسُف: وَالْمُزَارَعَةُ١ عِنْدَنَا عَلَى وُجُوهٍ: مِنْهَا عَارِية لَيْسَ فِيهَا إِجَارَةٌ، وَهُوَ الرَّجُلُ يُعِيرُ أَخَاهُ أَرْضًا يَزْرَعُهَا، وَلا يَشْتَرِطُ عَلَيْهِ إِجَارَةً فَيَزْرَعَهَا الْمُسْتَعِيرُ بِبِذْرِهِ وَبَقَرِهِ وَنَفَقَتِهِ فَالزَّرْعُ لَهُ وَالْخَرَاجُ عَلَى رَبِّ الأَرْضِ؛ فَإِنْ كَانَتْ مِنْ أَرْضِ الْعُشْرِ فَالْعُشْرُ عَلَى الزَّارِعِ، وَبِهِ يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ.
وَوَجْهٌ آخَرُ: تَكُونُ الأَرْضُ لِلرَّجُلِ فَيَدْعُو الرَّجُلَ إِلَى أَنْ يَزْرَعَهَا جَمِيعًا وَالنَّفَقَةُ وَالْبِذْرُ عَلَيْهِمَا نِصْفَانِ؛ فَهَذَا مِثْلُ الأَوَّلِ الزَّرْعُ بَيْنَهُمَا وَالْعُشْرُ فِي الزَّرْعَ إِنْ كَانَتْ أَرْضُ عُشْرٍ، وَإِنْ كَانَتْ أَرْضُ خَرَاجٍ فَالْخَرَاجُ عَلَى رَبِّ الأَرْضِ.
وَوَجْهٌ آخَرُ: إِجَارَةُ أَرْضٍ بَيْضَاءَ بِدَرَاهِمَ مُسَمَّاةٍ سَنَةً أَوْ سَنَتَيْنِ؛ فَهَذَا جَائِزٌ وَالْخَرَاجُ عَلَى رَبِّ الأَرْضِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَإِنْ كَانَتْ أَرْضُ عُشْرٍ فَالْعُشْرُ عَلَى رَبِّ الأَرْضِ، وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو يُوسُف فِي الإِجَارَةِ الْخَرَاجُ، وَأَمَّا الْعُشْرُ فَعَلَى صَاحِبِ الطَّعَامِ.
وَوَجْهٌ آخَرُ: الْمُزَارَعَةُ بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ؛ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فِي هَذَا: أَنَّه فَاسِدٌ، وَعَلَى الْمُسْتَأْجِرِ أَجْرُ مِثْلِهَا، وَالْخَرَاجُ عَلَى رَبِّ الأَرْضِ، وَالْعُشْرُ عَلَى رَبِّ الأَرْض.
قلت: الْمُزَارَعَةُ جَائِزَةٌ عَلَى شُرُوطِهَا وَالْخَرَاجُ عَلَى رَبِّ الأَرْضِ وَالْعُشْرُ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا فِي الزَّرْعِ؛ فَهَذَا الْوَجْهُ الرَّابِع.
стр. 109
وَوَجْهٌ آخَرُ: أَنْ يَكُونَ لِلرَّجُلِ أَرْضٌ وَبَقَرٌ وَبِذْرٌ؛ فَيَدْعُو أَكَّارًا١ فَيُدْخِلَهُ فِيهَا فَيَعْمَلُ ذَلِكَ، وَيَكُونُ لَهُ السُّدُسُ أَوِ السُّبُعُ؛ فَهَذَا فَاسِدٌ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَمَنْ وَاقعَة وَالزَّرْعُ فِي قَوْلِهِمْ لِرَبِّ الأَرْضِ وَلِلأَكَّارِ أَجْرُ مِثْلِهِ وَالْخَرَاجُ عَلَى رَبِّ الأَرْضِ وَالْعُشْرُ فِي الطَّعَامِ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُف: وَهُوَ عِنْدِي جَائِزٌ عَلَى مَا اشترطها عَلَيْهِ على مَا جَاءَت بِهِ الْآثَار.
أَشْيَاء أُخْرَى تخَالف حكم مَا ذكرنَا:
قَالَ أَبُو يُوسُف: وَلَوْ أَنَّ رَجُلا دَفَعَ إِلَى رجل رحى مَاء يقوم عَلَيْهِ أَو يؤاجرها ويطحن للنَّاس فِيهَا بِالأُجْرَةِ عَلَى النِّصْفِ؛ فَهَذَا فَاسِدٌ لَا يَجُوزُ وَكَذَلِكَ الرَّجُلُ يَدْفَعُ إِلَى الرَّجُلِ بُيُوتَ قَرْيَةٍ أَو دَار أَو دَوَابٍّ أَوْ سَفِينَةً يُؤَاجِرُهَا وَيَكْتَسِبُ عَلَيْهَا؛ فَمَا أَخْرَجَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ فَبَيْنَهُمَا نِصْفَانِ؛ فَهَذَا لَا يَجُوزُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَوْلِي، وَلَيْسَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْمُعَامَلَةِ وَالْمُزَارَعَةِ. لِلأَجِيرِ فِي هَذَا الْوَجْهِ الْفَاسِدِ أَجْرُ مِثْلِهِ عَلَى مَالِكِ ذَلِكَ، وَمَا كَانَ مِنْ غَلَّةِ الرَّحَى وَالسَّفِينَةِ فَهِيَ لصَاحِبهَا.
стр. 110
فَصْلٌ: فِي الْجَزَائِرِ فِي دِجْلَةَ والفرات والغروب
قَالَ أَبُو يُوسُف ﵀: وَسَأَلْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَنِ الْجَزَائِرِ الَّتِي تَكُونُ فِي دِجْلَةَ وَالْفُرَاتِ يَنْضَبُ عَنْهَا الْمَاءُ؛ فَجَاءَ رَجُلٌ وَهِيَ جَزِيرَةٌ أَرْضٍ لَهُ فَحَصَّنَهَا مِنَ الْمَاءِ وَزَرَعَ فِيهَا أَوْ إِذَا نَضَبَ الْمَاءُ عَنْ جَزِيرَةِ دِجْلَةَ أَوِ الْفُرَاتِ؛ فَجَاءَ رَجُلٌ مُلاصِقٌ تِلْكَ الْجَزِيرَةَ بِأَرْضٍ لَهُ فَحَصَّنَهَا مِنَ الْمسَاء وَزَرَعَ فِيهَا فَهِيَ لَهُ، وَهَذَا مِثْلُ الأَرْضِ الْمَوَاتِ إِذَا كَانَ ذَلِكَ لَا يَضُرُّ بِأَحَدٍ، وَإِنْ كَانَ يَضُرُّ أَحَدًا مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ وَلَمْ يُتْرَكْ يُحَصِّنُهَا وَلا يَزْرَعُ فِيهَا١ وَيُحْدِثُ فِيهَا حَدَثًا إِلا بِإِذْنِ الإِمَامِ.
فَأَمَّا إِذَا نَضَبَ الْمَاءُ عَنْ جَزِيرَةٍ فِي دِجْلَهَ -مِثْلَ هَذِهِ الْجَزِيرَةِ الَّتِي بِحِذَاءِ بُسْتَانِ مُوسَى، وَهَذِهِ الْجَزِيرَةِ الَّتِي مِنَ الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ- فَلَيْسَ لأَحَدٍ أَنْ يُحْدِثَ فِيهَا شَيْئًا لَا بِنَاءً وَلا زَرْعًا؛ لأَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْجَزِيرَةِ إِذَا حُصِّنَتْ وَزُرِعَتْ كَانَ ذَلِكَ ضَرَرًا عَلَى أَهْلِ الْمَنَازِلِ وَالدُّورِ، قَالَ: وَلا يَسَعُ الإِمَامَ أَنْ يُقْطَعَ شَيْئًا مِنِ هَذَا، وَلا يُحْدِثَ فِيهِ حَدَثًا،
قَالَ: وَأَمَّا مَا كَانَ خَارِجَ الْمَدِينَةِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الأَرْضِ الْمَيْتَةِ يُحْيِيهَا الرَّجُلُ وَيُؤَدِّي عَنْهَا حَقَّ السُّلْطَانِ.
وَلَوْ أَنَّ رَجُلا فِي طَائِفَةٍ مِنَ الْبَطِيحَةِ٢ مِمَّا لَيْسَ فِيهِ مِلْكٌ لأَحَدٍ غَلَبَ عَلَيْهِ الْمَاءُ فَضَرَبَ عَلَيْهَا الْمِسْنَاةَ وَاسْتَخْرَجَهَا، وَأَحْيَاهَا وَقَطَعَ مَا فِيهَا مِنَ الْقَصَبِ؛ فَإِنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الأَرْضِ الْمَيْتَةِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا عَالَجَ مِنْ أَجَمَةٍ أَوْ مِنْ بَحْرٍ أَوْ مِنْ بَرٍّ بَعْدَ أَنْ لَا يَكُونُ فِيهِ مِلْكٌ لإنْسَانٍ؛ فَاسْتَخْرَجَهُ رَجُلٌ وَعَمَّرَهُ فَهُوَ لَهُ وَهُوَ بِمَنْزِلَة الْموَات.
وَلَوْ أَنَّ رَجُلا أَحْيَا مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا قَدْ كَانَ لَهُ مَالِكٌ قَبْلَهُ رَدَدْتُ ذَلِكَ إِلَى الأَوَّلِ وَلَمْ أَجْعَلْ لِلثَّانِي فِيهِ حَقًّا، فَإِنْ كَانَ الثَّانِي قَدْ زرع يَده؛ فَلَهُ زَرْعُهُ وَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا نَقُصَتِ الأَرْضُ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَجْرُهُ وَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا قَطَعَ مِنْ قَصَبِهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ هَذِهِ الأَرْضُ فِي الْبَرِّيَّةِ فِيهَا نَبَاتٌ؛ لأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْقَصَبِ.
قَالَ: وَلَوْ أَنَّ رَجُلا حَظَرَ حَظِيرَةً فِي الْبَطِيحَةِ، وَكَرَى لَهَا نَهَرًا فَجَاءَ رجل فَقَالَ: أَنا أَدخل
стр. 111
مَعَك فِي هَذِه الأَرْض وأشركت فِيهَا؛ فَإِنْ كَانَ نَضَبَ الْمَاءُ عَنْهَا حِينَ دَخَلَ مَعَهُ فَالشَّرِكَةُ بَاطِلَة، إِن كَانَ لَمْ يَنْضَبْ عَنْهَا فَالشَّرِكَةُ جَائِزَةٌ.
وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ فِي بَريَّة فَأَتَاهُ رجل فَقَامَ: أَنَا أَدْخُلُ مَعَكَ، فَإِنْ كَانَ قَدْ حَفَرَ فِيهَا بِرْكَةً أَوْ بِئْرا أَو نَهرا وسَاق إِلَيْهَا الْمَاءَ فَالشَّرِكَةُ فِي هَذَا فَاسِدَةٌ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَحْفُرْ وَلَمْ يَكْرِ فَالشَّرِكَةُ جَائِزَةٌ مِثْلُ الأَوَّلِ.
قَالَ: وَإِذَا نَضَبَ الْمَاءُ عَنْ جَزِيرَة فِي دجلة أَو الْفُرَات، وَكَانَتْ بِحِذَاءِ مَنْزِلِ رَجُلٍ وَفِنَائِهِ؛ فَأَرَادَ أَنْ يُصَيِّرَهَا فِي فِنَائِهِ وَيَزِيدَهَا فِيهِ؛ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَلَا يتْرك وَذَلِكَ.
فَإِنْ جَاءَ رَجُلٌ فَحَصَّنَهَا مِنَ الْمَاءِ وَزَرَعَ فِيهَا وَأَدَّى عَنْهَا حَقَّ السُّلْطَانِ؛ فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ أَرْضِ الْمَوَاتِ يُحْيِيهَا الرَّجُلُ. فَإِنْ أَرَادَ هَذَا الَّذِي هِيَ بِحِذَاءِ فِنَائِهِ أَن يتعملها وَيُؤَدِّيَ عَنْهَا حَقَّ السُّلْطَانِ؛ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا وَهِيَ لَهُ.
وَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الْجَزِيرَةُ الَّتِي نَضَبَ عَنْهَا الْمَاءُ إِذَا حُصِّنَتْ وَضُرِبَ عَلَيْهَا الْمِسْنَاةَ أَضَرَّ ذَلِكَ بِالسُّفُنِ الَّتِي تَمُرُّ بِدِجْلَةَ وَالْفُرَاتَ وَخَافَ الْمَارَّةَ فِي السُّفُنِ الْغَرَقَ مِنْ ذَلِكَ أُخْرِجَتْ مِنْ يَدِ هَذَا وَرُدَّتْ إِلَى حَالِهَا الأُولَى؛ لأَنَّ هَذِهِ الْجَزِيرَةَ بِمَنْزِلَةِ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ، وَلا يَنْبَغِي لأَحَدٍ أَنْ يُحْدِثَ شَيْئًا فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ مِمَّا يَضُرُّهُمْ، وَلا يَجُوزُ لِلإِمَامِ أَنْ يَقْطَعَ شَيْئًا مِنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ مِمَّا فِيهِ الضَّرَرُ عَلَيْهِمْ، وَلا يَسَعُهُ ذَلِكَ.
وَإِنْ أَرَادَ الإِمَامُ أَنْ يَقْطَعَ طَرِيقًا مِنْ طُرُقِ الْمُسْلِمِينَ الْجَادَةِ رَجُلا يَبْنِي عَلَيْهِ وَلِلْعَامَّةِ طَرِيقٌ غَيْرُ ذَلِكَ قَرِيبٌ أَوْ بَعِيدٌ مِنْهُ لَمْ يَسَعْهُ إقْطَاعُ ذَلِكَ وَلَمْ يَحِلُّ لَهُ وَهُوَ آثِمٌ إِنْ فَعَلَ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ الْجَزَائِرُ الَّتِي يَنْضَبُ عَنْهَا الْمَاءُ فِي مِثْلِ الْفُرَاتِ وَدِجْلَةَ؛ فاللإمام أَنْ يُقْطِعَهَا إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ لم يقطعهَا، وَمن أحدث يها حَدَثًا وَكَانَ فِيهِ ضَرَرٌ رُدَّتْ إِلَى حَالِهَا الأُولَى.
وَسَأَلْتَ عَنِ الْغَرُوبِ الَّتِي تُتَّخَذُ فِي دِجْلَةَ وَفِي مَمَرِّ السُّفُنِ الَّتِي تَمُرُّ إِلَى دِجْلَةَ، وَفِيهَا نَفْعٌ وَضَرَرٌ، فَإِنْ كَانَتْ تَضُرُّ بِالسُّفُنِ الَّتِي تَمُرُّ فِي دِجْلَةَ نُحِّيَتْ وَلَمْ يتْرك أَصْحَابهَا وغعادتها إِلَى ذَلِك الْموضع، وَإنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيهَا ضَرَرٌ تُرِكَتْ عَلَى حَالِهَا.
فَقِيلَ لأَبِي يُوسُفَ فِيهَا مِنَ الضَّرَرِ أَنَّ السَّفِينَةَ رُبَّمَا حَمَلَهَا الْمَاءُ عَلَيْهَا فَانْكَسَرَتْ؟
قَالَ أَبُو يُوسُف: مَا تَكَسَّرَ عَلَيْهَا مِنَ السُّفُنِ فَصَاحب الغرية ضَامِنٌ لِذَلِكَ، وَلا يَتْرُكُ الإِمَامُ شَيْئا من ذَلِك إِلَّا أَمَرَ بِهِ فَهُدِمَ وَنُحِّيَ فَإِنَّ فِي ذَلِكَ ضَرَرًا عَظِيمًا فَالْفُرَاتُ ودلجة إِنَّمَا هُمَا بِمَنْزِلَةِ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ لَيْسَ لأَحَدٍ أَنْ يُحْدِثَ فِيهِ شَيْئًا؛ فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهِ شَيْئًا فَعَطَبَ بِذَلِكَ عَاطِبٌ ضَمِنَ، وَقَدْ أَرَى أَنْ يُوَكَّلَ بِذَلِكَ رَجُلا ثِقَةً أَمِينًا حَتَّى يَتَتَبَّعَ ذَلِكَ وَلا يَدَعَ مِنْ هَذِهِ الْغَرُوبِ شَيْئًا فِي دِجْلَةَ وَالْفُرَاتِ فِي مَوْضِعٍ يَضُرُّ بِالسُّفُنِ، وَيَتَخَوَّفُ عَلَيْهَا مِنْهُ إِلا نَحَّاهُ وَتَوَعَّدَ أَهْلَهُ عَلَى إِعَادَةِ شَيْءٍ مِنْهُ؛ فَإِنَّ فِي ذَلِك أجرا عَظِيما.
стр. 112
فَصْلٌ: فِي الْقِنِيِّ وَالآبَارِ وَالأَنْهَارِ وَالشرب
قَالَ أَبُو يُوسُف: وَسَأَلْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ نَهْرٍ حَافَّتَاهُ صَارَا كِبْسًا١ عَلَى طَرِيقِ الْعَامَّةِ، حَتَّى أَضَرَّ ذَلِكَ بِمَنَازِلِ قَوْمٍ مِنْ فِعْلِ وَالٍ أَوْ أَمِيرٍ أَوْ مِنْ غَيْرِ فِعْلِهِ، وَأَضَرَّ ذَلِكَ بِغَيْرِ وَاحِدٍ فِي مَنَازِلِهِمْ، فِي حَالِ أَنَّهُمْ يدْخلُونَ مَنَازِلهمْ فِي بهوط وَشِدَّةٍ، مَا الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ؟ أَيَكُونُ لِلإِمَامِ أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِطَمِّ هَذَا وَنَقْضِهِ إِذَا رُفِعَ إِلَيْهِ؟
قَالَ: إِنْ كَانَ هَذَا النَّهْرُ قَدِيمًا فَإِنَّهُ يُتْرَكُ عَلَى حَالِهِ، وَإِنْ كَانَ مُحْدَثًا مِنْ فِعْلِ وَالٍ أَوْ غَيْرِهِ نُظِرَ فِي ذَلِك إِلَى منعته وَإِلَى ضَرَرِهِ؛ فَإِنْ كَانَتْ مَنْفَعَتُهُ أَكْثَرَ تُرِكَ عَلَى حَالِهِ، وَإِنْ كَانَ ضَرَرُهُ أَكْثَرَ أَمَرْتَ بِهَدْمِهِ وَطَمِّهِ وَتَسْوِيَتِهِ بِالأَرْضِ، وَكُلُّ نَهْرٍ لَهُ مَنْفَعَةٌ أَكْثَرَ؛ فَلا يَنْبَغِي لِلإِمَامِ أَنْ يَهْدِمَهُ وَلا يَتَعَرَّضَ لَهُ , وَكُلُّ نَهْرٍ مَضَرَّتُهُ أَكْثَرَ مِنْ مَنْفَعَتِهِ فَعَلَى الإِمَامِ أَنْ يَهْدِمَهُ وَيَطُمَّهُ وَيُسَوِّيَهُ بِالأَرْضِ إِلا مَا كَانَ لِلشَّفَةِ٢ فَإِنْ كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى قَوْمٍ وَصَلاحٌ لآخرين فِي الشقة لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ، وَإِنْ تَعَرَّضَ لَهُ قَوْمٌ فَسَدُّوهُ أَوْ طَمُّوهُ بِغَيْرِ إِذْنِ الإِمَامِ فَيَنْبَغِي لِلإِمَامِ أَنْ يَأْمُرَ بِرَدِّهِ إِلَى حَالِهِ وَأَن يوجعوا عُقُوبَةً لأَنَّ شُرْبَ الشَّفَةِ غَيْرَ شُرْبِ الأَرَضِينَ شُرْبُ الشَّفَةِ نَرَى الْقِتَالَ عَلَيْهِ، وَلأَصْحَابِ الشَّفَةِ مِنْ هَذَا النَّهْرِ أَنْ يَمْنَعُوا رَجُلا أَنْ يَسْقِيَ زَرْعَهُ مِنْ ذَلِكَ وَنَخْلَهُ وَشَجَرَهُ وَكَرْمَهُ إِذَا كَانَ يَضُرُّ بِأَصْحَابِهِ٣.
وَسَأَلْتَ عَنْ نَهْرٍ بَيْنَ قَوْمٍ خَاصَّةٍ يَأْخُذُ مِنْ دِجْلَةَ أَوِ الْفُرَاتِ، أَرَادُوا أَنْ يُكْرُوهُ أَوْ يَحْفُرُوهُ؛ فَكَيْفَ الْحَفْرُ عَلَيْهِمْ؛ فَإِنَّهُمْ يَجْتَمِعُونَ جَمِيعًا فَيُكْرُونَهُ مِنْ أَعْلاهُ إِلَى أَسْفَلِهِ؛ فَكُلَّمَا جَازُوا أَرْضَ رَجُلٍ رُفِعَ عَنْهُ الْكِرَى، وَكَرَى بَقِيَّتُهُمْ كَذَلِكَ حَتَّى يَنْتَهِي إِلَى أَسْفَله
стр. 113
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ: يُكْرَى النَّهْرُ مِنْ أَعْلاهُ إِلَى أَسْفَلِهِ فَإِذَا فُرِغَ مِنْ ذَلِكَ حُسِبَ أَجْرُ جَمِيعِ حَفْرِ ذَلِكَ النَّهْرِ على جَمِيع مَا شرب مِنْهُ مِنَ الأَرْضِ فَلَزِمَ كُلَّ إِنْسَانٍ مِنْ أَهْلِهِ بِقَدْرِ مَالِهِ؛ فَخُذْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِأَيِّ الْقَوْلَيْنِ أَحْبَبْتَ، فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ لَا يُضَيَّقَ عَلَيْكَ الأَمْرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَ: وَإِذَا خَافَ أَهْلُ هَذَا النَّهْرِ أَنْ يَنْشَقّ عَلَيْهِمْ فَأَرَادُوا تَحْصِينَهُ مِنْ ذَلِكَ فَامْتَنَعَ بَعْضُ أَهْلِهِ مِنَ الدُّخُولِ مَعَهُمْ فِيهِ؛ فَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ عَامٌّ أَجْبُرُهُمْ جَمِيعًا عَلَى أَنْ يُحَصِّنُوهُ بِالْحِصَصِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ ضَرَرٌ عَامٌّ لَمْ يُجْبَرُوا عَلَى ذَلِكَ وَأَمَرْتَ كُلَّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ أَنْ يُحَصِّنَ نَصِيبَ نَفْسِهِ، وَلَيْسَ لأَهْلِ هَذَا النَّهْرِ أَنْ يَمْنَعُوا أَحَدًا أَنْ يَشْرَبَ مِنْهُ لِلشَّفَةِ، وَلَهُمْ شَأْن يَمْنَعُوا مِنْ سَقْيِ الأَرْضِ.
قَالَ: وَكُلُّ مَنْ كَانَتْ لَهُ عَيْنٌ أَوْ بِئْرٌ أَوْ قَنَاةٌ؛ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَ ابْنَ السَّبِيلِ مِنْ أَنْ يَشْرَبَ مِنْهَا وَيَسْقِي دَابَّتَهُ وَبَعِيرَهُ وَغَنَمَهُ مِنْهَا، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا لِلشَّفَةِ وَالشَّفَةُ عِنْدَنَا الشُّرْبُ لِبَنِي آدَمَ وَالْبَهَائِمِ وَالنَّعَمِ وَالدَّوَابِّ، وَلَهُ أَنْ يَمْنَعَ السَّقْيَ لِلأَرْضِ وَالزَّرْعِ وَالنَّخْلِ وَالشَّجَرِ، وَلَيْسَ لأَحَدٍ أَنْ يَسْقِيَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ إِلا بِإِذْنِهِ؛ فَإِنْ أَذِنَ لَهُ فَلا بَأْسَ بِذَلِكَ وَإِنْ بَاعَهُ ذَلِكَ لَمْ يَجُزِ الْبَيْعُ وَلَمْ يحل لبائع وَالْمُشْتَرِي؛ لأَنَّهُ مَجْهُولٌ غَرَرٌ لَا يُعْرَفُ.
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ فِي مصنعة يجْتَمع فِيهِ الْمَاءُ مِنَ السُّيُولِ؛ فَلا خَيْرَ فِي بَيْعِهِ أَيْضًا وَلَوْ سَمَّى لَهُ كَيْلا مَعْلُومًا أَوْ عَدَدِ أَيَّامٍ مَعْلُومَةٍ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ أَيْضًا لِلْحَدِيثِ الَّذِي جَاءَ فِي ذَلِك وَالسّنة.
بيع المَاء إِذا أحرز أَوَان وَمَا أشبههَا:
قَالَ: وَلا بَأْسَ بِبَيْعِ الْمَاءِ إِذَا كَانَ فِي الأَوْعِيَةِ هَذَا مَاء قد أحرز؛ فَإِذا أحرزوه فِي وِعَائِهِ فَلا بَأْسَ بِبَيْعِهِ؛ وَإِنْ هَيَّأَ لَهُ مَصْنَعَةً فَاسْتَقَى فَهَيَّأَ بأويعته حَتَّى جمع فِيهَا مَاء كثير ثُمَّ بَاعَ مِنْ ذَلِكَ فَلا بَأْسَ إِذَا وَقَعَ فِي الأَوْعِيَةِ؛ فَقَدْ أَحْرَزَهُ وَقَدْ طَابَ بَيْعُهُ؛ فَإِذَا كَانَ إِنّمَا يَجْتَمِعُ مِنَ السُّيُولِ فَلا خَيْرَ فِي بَيْعِهِ؛ وَإِن كَانَ فِي بر أَو عين يزْدَاد وَيكثر أَو لَا يَزْدَادُ وَلا يَكْثُرُ؛ فَلا خَيْرَ فِي بَيْعِهِ، وَلَوْ بَاعَهُ لَمْ يَجُزِ الْبَيْعُ. وَمَنِ اسْتَقَى مِنْهُ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ، وَلَوْ كَانَ يَجُوزُ بَيْعُهُ مَا طَابَ لِلَّذِي يَسْتَقِيهِ حَتَّى يَسْتَطِيبَ نَفْسَ صَاحِبِهِ أَلا ترى أَنه لَا يطْلب لِرَجُلٍ أَنْ يَأْخُذَ مَاءً مِنْ سِقَاءِ صَاحِبِهِ إِلا بِإِذْنِهِ وَطِيبِ نَفْسِهِ إِلا أَنْ يَكُونَ حَالَ ضَرُورَةٍ يَخَافُ فِيهَا عَلَى نَفْسِهِ.
стр. 114
لَا يمْنَع أحد من المَاء وَمَا يمْنَع مِنْهُ:
قَالَ: وَلَيْسَ لِصَاحِبِ الْعَيْنِ وَالْقَنَاةِ وَالْبِئْرِ وَالنَّهْرِ أَنْ يَمْنَعَ الْمَاءَ مِنِ ابْنِ السَّبِيلِ لِمَا جَاءَ فِي ذَلِكَ مِنَ الْحَدِيثِ وَالآثَارِ، وَله أَن منع سَقْيَ الزَّرْعِ وَالنَّخْلِ وَالشَّجَرِ وَالْكَرْمِ مِنْ قِبَلِ أَنَّ هَذَا لَمْ يَجِئْ فِيهِ حَدِيثٌ وَهُوَ يَضُرُّ بِصَاحِبِهِ؛ فَأَمَّا الْحَيَوَانُ وَالْمَوَاشِيَ وَالإِبِلُ وَالدَّوَابُّ؛ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَ مِنْ ذَلِكَ؛ أَلا تَرَى لَوْ أَنَّ رَجُلا صَرَفَ نَهْرَ رَجُلٍ إِلَى أَرْضِهِ فَاخْتَصَمَا قَضَيْتُ بِهِ لِرَبِّ النَّهْرِ وَمَنَعْتُ الَّذِي قَهَرَهُ من صرف مائَة إِلَى أَرْضِهِ مِنْ نَهْرٍ كَانَ أَوْ قَنَاةٍ أَوْ عَيْنٍ أَوْ بِئْرٍ أَوْ مَصْنَعَةٍ١؛ أَلا تَرَى أَنَّ هَذَا يُهْلِكُ حَرْثَ صَاحِبِ الْمَاءِ وَلَيْسَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ سَقْيِ الْحَيَوَانِ يُجْحِفُ بِصَاحِبِ الْمَاءِ؟ أَلا تَرَى أَنَّ صَرْفَ الْمَاءِ فِي نَهَرِ الْغَاصِبِ يَقْطَعُهُ عَنْ حَرْثِ أَرْضِهِ وَعَنْ سَقْيِ زَرْعِهِ ونخله وشجره وَأَن شرب الشقة لَا يَقْطَعُ عَنْ ذَلِكَ وَلا يَضُرُّ، وَفَصْلُ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ الأَحَادِيثُ الَّتِي جَاءَتْ فِي ذَلِكَ وَالسّنة.
مَا جَاءَ فِي ذَلِك من أَحَادِيث:
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: كَتَبَ غُلامٌ لِعَبْدِ الله بن عمر إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ أُعْطِيتُ بِفَضْلِ مَائِي ثَلاثِينَ أَلْفًا بَعْدَ مَا أَرْوَيْتُ زَرْعِي وَنَخْلِي وَأَصْلِي؛ فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ أَبِيعَهُ وَأَشْتَرِي بِهِ رَقِيقًا أَسْتَعِينُ بِهِمْ فِي عَمَلِكَ فَعَلْتُ؛ فَكَتَبَ إِلَيْهِ: قَدْ جَاءَنِي كتابك وفهمت مَا كتب بِهِ إِلَيَّ، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ مَنَعَ فَضْلَ مَاءٍ لِيَمْنَعَ بِهِ فَضْلَ كَلأٍ مَنَعَهُ اللَّهُ فَضْلَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"؛ فَإِذَا جَاءَكَ كِتَابِي هَذَا فَاسْقِ نَخْلَكَ وَزَرْعَكَ وَأَصْلَكَ، وَمَا فَضُلَ فَاسْقِ جيارنك الأَقْرَبُ فَالأَقْرَبُ وَالسَّلامُ.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي جُرَيْرُ بْنُ عُثْمَانَ الْحِمْصِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ حِبَّانَ الشَّرْعِيِّ قَالَ: كَانَ مِنَّا رَجُلٌ بِأَرْضِ الرُّومِ نَازِلا، وَكَانَ قَوْمٌ يَزْرَعُونَ حَوْلَ خِبَائِهِ فَطَرَدَهُمْ؛ فَنَهَاهُ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ عَنْ ذَلِكَ وَزَجَرَهُ فَامْتَنَعَ؛ فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ غَزَوْتُ مَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلاثَ غَزَوَاتٍ أَسْمَعُهُ فِيهَا يَقُولُ: "الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثَلاثٍ: الْمَاءِ وَالْكَلأِ وَالنَّارِ"؛ فَلَمَّا سَمِعَ الرَّجُلُ ذِكْرَ النَّبِيِّ ﷺ رَقَّ؛ فَأَتَى الرَّجُلُ فَاعْتَنَقَهُ، وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ.
قَالَ: وَحَدَّثَنَا الْعَلاءُ بْنُ كَثِيرٍ عَنْ مَكْحُولٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَمْنَعُوا كَلأً وَلا مَاءً وَلا نَارًا؛ فَإِنَّهُ مَتَاعٌ لِلْمُقْوِينَ وَقُوَّةً لِلْمُسْتَضْعَفِينَ".
قَالَ: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ المَاء.
стр. 115
قَالَ أَبُو يُوسُف: وَتَفْسِيرُ هَذَا عِنْدَنَا -وَاللَّهُ أَعْلَمُ- أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِهِ قَبْلَ أَن يحرز, والإحزار لَا يَكُونُ إِلا فِي الأَوْعِيَةِ والآتية؛ فَأَما الْآبَار والأحوض فَلا.
قَالَ وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عِمَارَةَ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّه قَالَ: "لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَاءَ مَخَافَةَ الْكلأ".
القَوْل فِي الْقِتَال على المَاء:
وَلَوْ أَنَّ صَاحِبَ النَّهَرِ أَوِ الْعَيْنِ أَوِ الْبِئْرِ أَوِ الْقَنَاةِ مَنَعَ ابْنَ السَّبِيلِ مِنَ الشُّرْبِ مِنْهَا، أَوْ أَنْ يَسْقِيَ دَابَّتَهُ أَوْ بَعِيرَهُ أَوْ شَاتَهُ حَتَّى يَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ فَإِنَّ أَصْحَابَنَا كَانُوا يَرَوْنَ الْقِتَالَ عَلَى الْمَاءِ إِذَا خَافَ الرَّجُلُ عَلَى نَفْسِهِ بِالسِّلاحِ إِذَا كَانَ فِي الْمَاءِ فَضْلٌ عَمَّنْ هُوَ مَعَهُ، وَلا يَرَوْنَ ذَلِكَ فِي الطَّعَامِ، وَيَرَوْنَ فِيهِ الْأَخْذ وَالْغَضَب مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ؛ فَأَمَّا الْمَاءُ خَاصَّةً فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَرَوْنَ فِيهِ إِذَا خِيفَ عَلَى النَّفْسِ قِتَالَ الْمَانِعِ مِنْهُ وَهُوَ فِي الأَوْعِيَةِ عِنْدَ الاضْطِرَارِ إِذَا كَانَ فِيهِ فَضْلٌ عَمَّنْ هُوَ فِي يَدِهِ. وَيَحْتَجُّونَ فِي ذَلِكَ بِحَدِيثِ عُمَرَ فِي الْقَوْمِ السَّفْرِ الَّذِينَ وَرَدُوا مَاءً فَسَأَلُوا أَهْلَهُ أَنْ يَدُلُّوهُمْ عَلَى الْبِئْرِ؛ فَلَمْ يَدُلُّوهُمْ عَلَيْهَا؛ فَقَالُوا: إِنَّ أَعْنَاقَنَا وَأَعْنَاقَ مَطَايَانَا قَدْ كَادَتْ تَنْقَطِعُ مِنَ الْعَطَشِ فَدُلُّونَا عَلَى الْبِئْرِ وَأَعْطُونَا دَلْوًا نَسْتَقِي بِهِ، فَلَمْ يَفْعَلُوا فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، فَقَالَ: هَلا وضعتم فيهم السِّلَاح.
الْمُسلمُونَ شُرَكَاء فِي الْأَنْهَار:
وَالْمُسْلِمُونَ جَمِيعًا شُرَكَاءُ فِي دِجْلَةَ وَالْفُرَاتَ، وَكُلِّ نَهَرٍ عَظِيمٍ نَحْوِهِمَا أَوْ وَادٍ يَسْتَقُونَ مِنْهُ وَيَسْقُونَ الشقة وَالْحَافِرَ وَالْخُفَّ، وَلَيْسَ لأَحَدٍ أَنْ يَمْنَعَ، وَلِكُلِّ قَوْمٍ شُرْبُ أَرْضِهِمْ وَنَخْلِهِمْ وَشَجَرِهِمْ، لَا يُحْبَسُ الْمَاءُ عَنْ أَحَدٍ دُونَ أَحَدٍ.
وَإِنْ أَرَادَ رَجُلٌ أَنْ يَكْرِي نَهَرًا فِي أَرْضِهِ مِنْ هَذَا النَّهَرِ الأَعْظَمِ؛ فَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ فِي النَّهَرِ الأَعْظَمِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ وَلَمْ يُتْرَكَ يَكْرِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ ضَرَر ترك يكربه، وَعَلَى الإِمَامِ كِرَى هَذَا النَّهَرِ الأَعْظَمِ الَّذِي لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ إِنِ احْتَاجَ إِلَى كِرَى، وَعَلَيْهِ أَنْ يُصْلِحَ مِسْنَاتِهِ إِنْ خِيفَ مِنْهُ، وَلَيْسَ النَّهَرُ الأَعْظَمُ الَّذِي لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ كَنَهَرٍ خَاصٍّ لِقَوْمٍ لَيْسَ لأَحَدٍ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِمْ، أَلا ترى أَن أَصْحَاب هَذَا النَّهَرِ فِيهِ شُفَعَاءٌ لَوْ بَاعَ أَحَدُهُمْ أَرْضًا لَهُ، وَلَهُمْ أَنْ يَمْنَعُوا مِنْ أَنْ يَسْقِيَ أَحَدٌ مِنْ نَهْرِهِمْ أَرْضَهُ أَوْ شَجَرَهُ أَو نخله.
وَلَيْسَ الْفُرَات ودلجة كَذَلِك فَإِن الْفُرَات ودلجة يَسْقِي مِنْهُمَا مَنْ شَاءَ وَتَمُرُّ فيهمَا السفن وَلَا يكونُونَ فِيهَا شُفَعَاء لشركتهم فِي شربه.
стр. 116
فصل: فِي من اتَّخَذَ مَشْرَعَةً فِي أَرْضِهِ عَلَى شاطئ نهر
وَلَوْ أَنَّ رَجُلا اتَّخَذَ مَشْرَعَةً فِي أَرْضِهِ عَلَى شَاطِئِ الْفُرَاتِ أَوْ دِجْلَةَ يَسْتَقِي مِنْهَا السَّقَّاءُونَ، وَيَأْخُذُ مِنْهُمْ فِيهَا الأُجْرَةَ إِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَلا يَصْلُحُ؛ لأَنَّهُ لَمْ يَبِعْهُمْ شَيْئًا وَلَمْ يؤاجرهم أَرضًا. وَلَو قبل هَذِهِ الْمُشْرَعَةٌ الَّتِي فِي أَرْضِهِ كل شَيْء بِشَيْء مُسَمًّى تَقُومُ فِيهَا الإِبِلُ وَالدَّوَابُّ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا؛ فَهَذَا قَدْ أَجَّرَ أَرْضًا لِعَمَلٍ مُسَمًّى.
وَلَوِ اسْتَأْجَرَ رَجُلٌ قِطْعَةً مِنْهَا يُقِيمُ فِيهَا بَعِيرًا أَوْ دَابَّةً يَوْمًا جَازَ ذَلِكَ. وَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ الْمُشْرَعَةُ لَا يَمْلِكُهَا الَّذِي اتَّخَذَهَا فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُ ذَلِكَ وَلا يَصْلُحُ لَهُ.
وَلَوْ كَانَتْ فِي مَوضِع لَا حق لأَحَدٍ فِيهِ فَاتَّخَذَهُ مَنَعْتَهُ مِنْ ذَلِكَ، وَكَانَ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَسْقُوا من ذَلِك الْمَكَان بِغَيْرِ أَجْرٍ؛ وَإِنَّمَا أَجَزْتُ لَهُ إِذَا كَانَتِ الأَرْضُ لَهُ يَمْلِكُ رَقَبَتَهَا؛ فَإِذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ بِمِلْكٍ وَلا بِتَصْيِيرٍ مِنَ الإِمَامِ مَلَّكَهَا لَهُ لَمْ يَتْرُكْ أَنْ يكربها وَلا يُؤَاجِرَهَا وَلا يُحْدِثَ فِيهَا حَدَثًا.
وَإِنْ كَانَتِ الأَرْضُ لَهُ فَأَرَادَ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يَمُرُّوا فِي تِلْكَ الأَرْضِ لِيَسْتَقُوا الْمَاءَ فَمَنَعَهُمْ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّ الإِمَامَ يَنْظُرُ فِي ذَلِكَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ طَرِيقٌ يَسْتَقُونَ مِنْهُ الْمَاءَ غَيْرُهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهُمْ وَمَرُّوا فِي أَرْضِهِ وَمَشْرَعَتِهِ بِغَيْرِ أَجْرٍ وَلا كِرًى؛ لأَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَمْنَعَ الشَّفَةَ. وَإِنْ كَانَ لَهُمْ طَرِيقٌ غَيْرُ ذَلِكَ كَانَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهُمْ مِنَ الْمَمَرِّ، وَلا يَجُوزُ لأَحَدٍ أَن يتَّخذ مشرعة فيمثل الْفُرَات ودلجة وَيُؤَاجِرَهَا؛ إِلا أَنْ تَكُونَ لَهُ الأَرْضُ أَوْ يَكُونَ الْإِمَامُ صَيَّرَهَا لَهُ يُحْدِثُ فِيهَا مَا شَاءَ؛ لِأَن الْفُرَات ودلجة لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ فَهُمْ فِيهِمَا شُرَكَاءُ فَإِنْ أَحْدَثَ رَجُلٌ مَشْرَعَةً أَوْ غَيْرَهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ إِلا أَنْ يَكُونَ جَعَلَهَا لِلنَّاسِ فَيَجُوزُ ذَلِكَ.
قَالَ: وَإِذَا اتَّخَذَ أَهْلُ الْمَحِلَّةِ مَشْرَعَةً لأَنْفُسِهِمْ يَسْتَقُونَ مِنْهَا لَهُمْ أَنْ يَمْنَعُوا أَحَدًا مِنَ النَّاسِ يَسْتَقِي مِنْهَا؛ فَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ عَلَيْهِمْ مِنْ قِيَامٍ الدَّوَابِّ وَالإِبِلِ مَنَعُوهُمْ مِنْ ذَلِك؛ فَأَما غَيرهم فَلَا يمنعونهم.
стр. 117
من سَالَ من نهره مَاء فأغرق أَرض غَيره:
وَسَأَلْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ الرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ النَّهَرُ الْخَاصُّ فَيَسْقِي مِنْهُ حَرْثَهُ وَنَخْلَهُ وَشَجَرَهُ فَيَنْفَجِرُ مِنْ مَاءِ نَهْرِهِ فِي أَرْضِهِ فَيَسِيلُ الْمَاءُ مِنْ أَرْضِهِ إِلَى أَرْضِ غَيْرِهِ فَيُغْرِقَهَا، هَلْ يَضْمَنُ؟ قَالَ: لَيْسَ عَلَى رَبِّ النَّهْرِ فِي ذَلِكَ ضَمَانٌ مِنْ قِبَلِ أَنَّ ذَلِكَ فِي مِلْكِهِ، وَكَذَلِكَ لَو نزلت أَرْضُ هَذَا مِنَ الْمَاءِ فَفَسَدَتْ لَمْ يَكُنْ عَلَى رَبِّ الأَرْضِ الأُولَى شَيْءٌ وَعَلَى صَاحِبِ الأَرْضِ الَّتِي غرقت وَنزلت أَنْ يُحَصِّنَ أَرْضَهُ.
وَلا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَتَعَمَّدَ أَرْضًا لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ بِذَلِكَ لِيُهْلِكَ حَرْثَهُ فِيهَا، يُرِيدُ بِذَلِكَ الإِضْرَارَ بِهِ؛ فَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الضِّرَارِ، وَقَدْ قَالَ "مَلْعُونٌ مَنْ ضَارَّ مُسْلِمًا أَوْ غَيْرَهُ مَلْعُونٌ". وَعُمَرُ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ كَتَبَ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ يَأْمُرُهُ أَنْ يَمْنَعَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ ظُلْمِ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ.
وَإِنْ عُرِفَ أَنَّ صَاحِبَ النَّهْرِ يُرِيدُ أَنْ يَفْتَحَ الْمَاءَ فِي أَرْضِهِ لِلإِضْرَارِ بِجِيرَانِهِ وَالذِّهَابُ بِغَلاتِّهِمْ وَتَبَيَّنَ ذَلِكَ فَيَنْبَغِي أَنْ يُمْنَعَ مِنَ الإِضْرَارِ بِهِمْ.
وَلَوِ اجْتَمَعَ فِي أَرْضِ هَذَا الثَّانِي السَّمَكُ مِنَ الْمَاءِ فَصَادَهُ رَجُلٌ كَانَ لِلَّذِي صَادَهُ وَلَمْ يَكُنْ لِرَبِّ الأَرْضِ؛ أَلا تَرَى أَنّ رَجُلا لَوْ صَادَ ظَبْيًا فِي أَرْضِ رَجُلٍ كَانَ لَهُ؛ فَكَذَلِكَ السَّمَكُ. وَلِصَاحِبِ الأَرْضِ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنَ الْعَوْدِ إِلَى ذَلِكَ، وَأَنْ يَدْخُلَ أرضه فَإِن عَاد فصاد فَمَا صَادَ فَهُوَ لَهُ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ فِيهِ شَيْءٌ، وَأَمَّا الْمَحْظُورُ عَلَيْهِ مِنَ السَّمَكِ الَّذِي يُؤْخَذُ بِالْيَدِ فَإِنْ صَادَهُ رَجُلٌ فَهُوَ لرب الأَرْضُ.
وَلَوْ أَنَّ رَجُلا لَهُ نَهَرٌ فِي أَرْضِ رَجُلٍ يَجْرِي؛ فَأَرَادَ رَبُّ الأَرْضِ أَنْ لَا يَجْرِي النَّهَرُ فِي أَرْضِهِ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، إِذَا كَانَ جَارِيًا فِيهَا جَعَلْتَهُ عَلَى حَالِهِ جَارِيًا فِيهَا كَمَا هُوَ؛ لأَنَّهُ فِي يَدَيْهِ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَارِيًا سَأَلْتَهُ الْبَيِّنَةَ أَنَّ هَذَا النَّهَرَ لَهُ؛ فَإِنْ جَاءَ بِبَيِّنَةٍ قَضَيْتَ لَهُ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ عَلَى أَصْلِ النَّهَرِ وَجَاءَ بِبَيِّنَةٍ عَلَى أَنَّهُ قَدْ كَانَ مَجْرِيًا فِي هَذَا النَّهْرِ يَسُوقُ الْمَاءَ فِيهِ إِلَى أرضه حَتَّى يسيها أجرت لَهُ ذَلِكَ وَكَانَ لَهُ النَّهَرُ وحريمه مِنْ جَانِبَيْهِ لِكَرِيِّهِ.
فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُعَالِجَ نَهَرَهُ لِكَرِيِّهِ وَيُصْلِحَهُ فَمَنَعَهُ صَاحِبُ الأَرْضِ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْعُهُ مِنْ ذَلِكَ، وَيَطْرَحُ تُرَابَهُ عَلَى حَافَّتَيْ نَهَرِهِ فِي حَرِيمِهِ، وَلا يُدْخِلُ عَلَيْهِ فِي أرضه من ذَلِك
стр. 118
مَا يَضُرُّ بِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ نَهَرُهُ ذَلِكَ يَصُبُّ فِي أَرْضٍ أُخْرَى فَمَنَعَهُ صَاحِبُ الأَرْضِ السُّفْلِيِّ الْمَجْرَى فَأَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى أَصْلِ النَّهَرِ أَنَّهُ لَهُ أَجَزْتَ ذَلِكَ، وَأَجْرَى مَاءَهُ فِي أَرْضِهِ.
من حفر بِئْرا فِي أَرض غَيره:
قَالَ: وَلَو أَن رجلا احتقر بِئْرًا أَوْ نَهَرًا أَوْ قَنَاةً فِي أَرْضٍ لِرَجُلٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِ؛ فَلَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ، وَأَنْ يَأْخُذَهُ بِطَمِّ مَا أَحْدَثَ مِنَ الْحَفْرِ فِي أَرْضِهِ؛ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ أَضَرَّ بِأَرْضِهِ ضَمِنَ قيمَة الساد وَهُوَ مَا نَقَصَ مِنْ أَرْضِهِ بِالْحَفْرِ.
قَالَ: وَلَوْ أَنَّ رَجُلا لَهُ قَنَاةٌ فَاحْتَفَرَ رَجُلٌ قَنَاةً فَأَجْرَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَوْ مِنْ فَوْقِهَا كَانَ لِصَاحِبِ الْقَنَاةِ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ وَيَأْخُذَهُ بِطَمِّهَا؛ فَإِنْ كَانَ أَذِنَ لَهُ فِي احْتِفَارِهَا فَحَفَرَهَا فَلَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ بعد ذَلِك إِن شَاءَ وَلا غُرْمَ عَلَيْهِ فِي الإِذْنِ مَا خَلا خَصْلَةً وَاحِدَةً: أَنْ يَكُونَ أَذِنَ لَهُ وَوَقَّتَ لَهُ وَقْتًا ثُمَّ مَنَعَهُ مِنْ ذَلِك قبل أَن يَجِيء الْوَقْتُ؛ فَإِذَا كَانَ عَلَى هَذَا ضَمِنَ لَهُ قِيمَةَ الْبِنَاءِ وَلَمْ يضمن لَهُ قيمَة الْحفر.
حَرِيمِ مَا احْتُفِرَ مِنَ الآبَارِ والقنوات:
قَالَ: وَسَأَلْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ حَرِيمِ مَا احْتُفِرَ مِنَ الآبَارِ وَالْقِنِيِّ وَالْعُيُونِ لِلْحَرْثِ وَلِلْمَاشِيَةِ وَالشَّفَةِ فِي الْمَفَاوِزِ؛ فَإِذَا احْتَفَرَ رَجُلٌ بِئْرًا فِي مَفَازَةٍ فِي غَيْرِ حَقِّ مُسْلِمٍ وَلا مُعَاهَدٍ كَانَ لَهُ مِمَّا حَوْلَهَا أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا إِذَا كَانَتْ لِلْمَاشِيَةِ. فَإِنْ كَانَتْ لِلنَّاضِحِ فَلَهَا مِنَ الْحَرِيمِ سِتُّونَ ذِرَاعًا، وَإِنْ كَانَتْ عَيْنًا فَلَهَا مِنَ الْحَرِيمِ خَمْسُمِائَةِ ذِرَاعٍ. وَتَفْسِيرُ بِئْرِ النَّاضِحِ أَنَّهَا الَّتِي يُسْقَى مِنْهَا الزَّرْعُ بِالإِبِلِ. وَبِئْرُ الْعَطَنِ هِيَ بِئْرُ الْمَاشِيَةِ الَّتِي يَسْقِي مِنْهَا الرَّجُلُ الْمَاشِيَةَ وَلا يَسْقِي مِنْهَا الزَّرْعَ. وَكُلُّ بِئْرٍ يُسْقَى مِنْهَا الزَّرْعُ بِالإِبِلِ فَهِيَ بِئْر الناضح.
روى أَبُو يُوسُف عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عِمَارَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "حَرِيمُ الْعَيْنِ خَمْسُمِائَةِ ذِرَاعٍ وَحَرِيمُ بِئْرِ النَّاضِحِ سِتُّونَ ذِرَاعًا وَحَرِيمُ بِئْرِ الْعَطَنِ أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا، عَطَنًا لِلْمَاشِيَةِ".
قَالَ: وَحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنِ الْحَسَنِ أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ حَفَرَ بِئْرًا كَانَ لَهُ مِمَّا حَوْلَهَا أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا عَطَنًا لِمَاشِيَتِهِ".
قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَشْعَثُ بْنُ سِوَارٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّه قَالَ: حَرِيمُ الْبِئْرِ أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا مِنْ هَهُنَا وَهَهُنَا، لَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ أَحَدٌ فِي حَرِيمِهِ وَلا فِي مائَة.
قَالَ أَبُو يُوسُف: وَأَجْعَلُ لِلْقَنَاةِ مِنَ الْحَرِيمِ مَا لَمْ يَسِحْ عَلَى الأَرْضِ مِثْلَ مَا أجعَل للآبار،
стр. 119
وَلَيْسَ لأَحَدٍ أَنْ يَدْخُلَ فِي حَرِيم بِئْر هَذَا الحافز وَلا فِي حَرِيمِ عَيْنِهِ وَلا فِي قَنَاتِهِ، وَلا يَحْفُرَ فِيهِ بِئْرًا؛ فَإِنْ حَفَرَ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَكَانَ لِصَاحِبِ الْبِئْرِ وَالْعَيْنِ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ، وَيُطِمَّ مَا حَفَرَ الثَّانِي لأَنَّ لَهُ مَنْعُهُ مِنْ حَرِيمِ بِئْرِهِ وَعَيْنِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ بَنَى الثَّانِي فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ بِنَاءً أَوْ زَرَعَ فِيهِ زَرْعًا أَوْ أَحْدَثَ فِيهِ شَيْئًا كَانَ لِلأَوَّلِ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَمَا عَطَبَ فِي بِئْرِ الأَوَّلِ فَلا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَمَا عَطَبَ مِنْ عَمَلِ الثَّانِي فَالثَّانِي ضَامِنٌ؛ وَذَلِكَ لأَنَّهُ أَحْدَثَهُ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ.
وَانْظُرْ فِي ذَلِكَ إِلَى مَا لَا يُضَرُّ بِهِ فَاجْعَلْ مُنْتَهَى الْحَرِيمِ إِلَيْهِ؛ فَإِذَا ظَهَرَ الْمَاءُ وَسَاحَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ جَعَلْتَ حريمه كحريم النَّهر.
من حفر بِئْرا فَذَهَبت بِمَاء بِئْر أُخْرَى:
قَالَ: وَلَوْ أَنَّ الثَّانِيَ حَفَرَ بِئْرًا فِي غَيْرِ حَرِيمِ الأَوَّلِ وَهِيَ قَرِيبَةٌ مِنْهُ فَذَهَبَ مَاءُ الأَوَّلِ وَعَرَفَ أَنَّ ذَهَابَهُ مِنْ حفر هَذَا الْبِئْرِ الثَّانِيَةِ لَمْ يَجِبْ عَلَى الآخَرِ شَيْءٌ؛ لأَنَّهُ لَمْ يُحْدِثْ فِي حَرِيمِ الأَوَّلِ شَيْئًا. أَلا تَرَى أَنِّي أَجْعَلُ لِلآخَرِ حَرِيمًا مِثْلَ حَرِيمِ الأَوَّلِ وَحَقًّا مِثْلَ حَقِّ الأَوَّلِ؟ وَكَذَلِكَ الْعَيْنُ أَيْضًا مثل بِئْر العطن والناضح.
القَوْل فِي حكم المحتجر:
قَالَ أَبُو يُوسُف: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عِمَارَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ، وَلَيْسَ لِمُحْتَجِرٍ حَقٌّ بَعْدَ ثَلاثِ سِنِين.
قَالَ أَبُو يُوسُف: فَأُخِذَ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ مَنْ يَحْتَجِرُ حَقًّا بَعْدَ ثَلاثِ سِنِينَ وَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ فَلا حَقَّ لَهُ. والمحتجر هُوَ أَن يَجِيء الرَّجُلُ إِلَى أَرْضٍ مَوَاتٍ فَيَحْظِرَ عَلَيْهَا حَظِيرَةً وَلا يَعْمُرُهَا وَلا يُحْيِيهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا إِلَى ثَلاثِ سِنِينَ؛ فَإِنْ لَمْ يُحْيِهَا بَعْدَ ثَلاثِ سِنِينَ فَهُوَ فِي ذَلِكَ وَالنَّاسُ شَرْعٌ وَاحِدٌ فَلا يَكُونُ أَحَقُّ بِهِ بَعْدَ ثَلاثِ سِنِين.
أعطال الْآبَار:
قَالَ أَبُو يُوسُف: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ قَالَ سَأَلْتُهُ عَنِ الأَعْطَانِ؛ فَقَالَ: أَمَّا الْجَاهِلِيَّةِ مِنْهَا فَكَانَت خَمْسِينَ؛ فَلَمَّا كَانَ الإِسْلامُ جَعَلَ بَين البئرين خَمْسُونَ لِكُلِّ بِئْرٍ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ مِنْ نَوَاحِيهَا.
قَالَ: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: من حفر
стр. 120
بِئْرًا فَلَهُ مَا حَوْلَهَا خَمْسُونَ ذِرَاعًا يُحِيطُهَا، لَيْسَ لأَحَدٍ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِ فِيهَا.
قَالَ: وَحَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ عَنْ بِلالِ بْنِ يَحْيَى الْعَبْسِيِّ رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا حِمًى إِلا فِي ثَلاثٍ: الْبِئْرِ، وَطَوْلِ الْفَرَسِ١، وَحَلْقَةِ الْقَوْم إِذا جَلَسُوا".
حكم أهل الْأَعْلَى والأسفل فِي حق المَاء:
قَالَ: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا بَلَغَ الْوَادِي الْكَعْبَيْنِ لَمْ يَكُنْ لأَهْلِ الْأَعْلَى أَن يحسبوه عَلَى أَهْلِ الأَسْفَلِ".
قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو عُمَيْسٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: "أَهْلُ الأَسْفَلِ مِنَ الشُّرْبِ أُمَرَاءٌ عَلَى أعلاء حَتَّى يَرْوَوْا".
قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو معشر عَن أشاخيه رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ "قَضَى فِي الشِّرَاجِ مِنْ مَاءِ الْمَطَرِ إِذَا بَلَغَ الْكَعْبَيْنِ، أَنْ لَا يَحْبِسَهُ الأَعْلَى عَلَى جَارِهِ" وَالشِّرَاجُ السَّوَاقِي.
стр. 121
فَصْلٌ: فِي الْكَلأِ وَالْمُرُوجِ
قَالَ أَبُو يُوسُف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ قَرْيَةٍ لَهُمْ مُرُوجٌ يَرْعَوْنَ فهيا وَيَحْتَطِبُونَ مِنْهَا قَدْ عُرِفَ أَنَّهَا لَهُم فَهِيَ لَهُم عَلَى حَالِهَا يَتَبَايَعُونَهَا وَيَتَوَارَثُونَهَا وَيُحْدِثُونَ فِيهَا مَا يُحْدِثُ الرَّجُلُ فِي مِلْكِهِ، وَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَمْنَعُوا الْكَلأَ وَلا الْمَاءَ، وَلأَصْحَابِ الْمَوَاشِيَ أَنْ يَرْعَوْا فِي تِلْكَ الْمُرُوجِ ويستقوا من تِلْكَ الْمِيَاه. ولايجوز لأَحَدٍ أَنْ يَسُوقَ ذَلِكَ الْمَاءَ إِلَى مَزْرَعَةٍ لَهُ إِلا بِرِضًى مِنْ أَهْلِهِ وَلَيْسَ شُرْبُ الْمَوَاشِي والشقة كَسَقْيِ الْحَرْثِ لِمَا قَدْ ذَكَرْتُهُ لكز وَلَيْسَ لأَحَدٍ أَنْ يُحْدِثَ مَرْجًا فِي مِلْكِ غَيْرِهِ، وَلا يَتَّخِذَ فِيهِ نَهْرًا وَلا بِئْرًا وَلا مزرعة إِلَّا بِإِذن صَاحبه، ولصاحبه أَنْ يُحْدِثَ ذَلِكَ كُلِّهِ. فَإِذَا أَحْدَثَهُ لَمْ يَكُنْ لأَحَدٍ أَنْ يَزْرَعَ فِيمَا زَرَعَ وَلا يَحْتَجِرَهُ، وَإِذَا كَانَ مَرْجًا فَصَاحِبُهُ وَغَيْرُهُ فِيهِ سَوَاء مشتركون فِي كلئه ومائه.
الْفرق بَين الآجام والمروج ١:
قَالَ: وَلَيْسَتِ الآجَامُ كَالْمُرُوجِ، لَيْسَ لأَحَدٍ أَنْ يَحْتَطِبَ مِنْ أَجَمَةِ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِهِ فَإِنْ فَعَلَ ضَمِنَ، وَإِنْ صَادَ فِيهَا شَيْئًا مِنَ السَّمَكِ أَوِ الطَّيْرِ فَهُوَ لَهُ مِنْ قِبَلِ أَنَّ رَبَّ الأَجَمَةِ لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ، أَلا تَرَى أَنّ رَجُلا لَوْ صَادَ فِي دَار رجل أَو بتسانه شَيْئًا مِنَ الْوَحْشِ أَوِ الطَّيْرِ أَنَّ لَهُ ذَلِكَ. وَلَيْسَ لِصَاحِبِ الدَّارِ مِلْكٌ عَلَيْهِ وَلَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ دُخُولِ دَارِهِ وَبُسْتَانِهِ، فَإِنْ دَخَلَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ فَقَدْ أَسَاءَ، وَمَا صَاد لَهو لَهُ أَيْضا، وَإِذَا كَانَ السَّمَكُ قَدْ حُظِرَ عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ لَا يُؤْخَذُ إِلا بِصَيْدٍ فَالْمَحْظُورُ عَلَيْهِ وَغَيْرُ الْمَحْظُورِ سَوَاءٌ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ حَتَّى يُصَادَ، وَإِنْ كَانَ يؤخ بِالْيَدِ بِغَيْرِ صَيْدٍ فَهُوَ لِصَاحِبِهِ الَّذِي حَظَرَ عَلَيْهِ، وَإِنْ صَادَهُ غَيْرُهُ ضَمِنَ الَّذِي يَصِيدَهُ، وَإِنْ بَاعَهُ صَاحِبُهُ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَهُ فَإِنَّ بَيْعَهُ هَذِا بِمَنْزِلَةِ بَيْعِ مَا أَحْرَزَهُ فِي إِنَائِهِ.
قَالَ: وَلَوْ أَنَّ صَاحِبَ بَقَرٍ رَعَى بَقَرَهُ فِي أَجَمَةِ غَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ وَضَمِنَ مَا رَعَى وَأَفْسَدَ، أَلا تَرَى أَنِّي أَبِيعُ قَصَبَ الأَجَمَةِ وَأَدْفَعُهَا مُعَامَلَةً فِي قَصَبِهَا؟ هَذَا عَلِيُّ بْنُ أبي طَالب رَضِي الله تعمالى عَنْهُ عَامَلَ أَهْلَ أَجَمَةِ بُرْسٍ عَلَى أَرْبَعَةِ آلافِ دِرْهَمٍ وَكَتَبَ لَهُمْ كِتَابًا فِي قِطْعَةِ أَدِيمٍ. وَالْكَلأُ لَا يُبَاعُ وَلا يَدْفَعُ مُعَامَلَةً.
وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لأَهْلِ هَذِه الْقرْيَة الَّذين يكون لَهُمْ هَذِهِ الْمُرُوجُ وَفِي مِلْكِهِمْ مَوْضِعَ مَسْرَحٍ وَمَرْعًى لِدَوَابِّهِمْ وَمَوَاشِيهِمْ غَيْرُ هَذِهِ الْمُرُوجِ، كَمَا لأَهْلِ كُلِّ قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى السَّهْلِ وَالْجَبَلِ فَإِنَّ لِكُلِّ قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى السَّهْلِ وَالْجَبَلِ مَوْضِعُ مَسْرَحٍ وَمَرْعًى وَمُحْتَطَبٍ فِي أَيْدِيهِمْ وَيُنْسَبُ إِلَيْهِم وترعى فيهم مَوَاشِيهِمْ وَدَوَابِّهِمْ وَيَحْتَطِبُونَ مِنْهُ، وَكَانُوا مَتى أذنوا للنَّاس فِي
стр. 122
رَعْيِ تِلْكَ الْمُرُوجِ وَالاحْتِطَابِ مِنْهَا، وَأَضَرَّ ذَلِكَ بِهِمْ وَبِمَوَاشِيهِمْ وَدَوَابِّهِمْ كَانَ لَهُمْ أَنْ يَمْنَعُوا كُلَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَرْعَى فِيهَا أَوْ يَحْتَطِبَ مِنْهَا، وَإِنْ كَانَ لَهُم مرعى وَمَوْضِع احتطاب حَولهمْ لَيْسَ لَهُ مِلْكٌ؛ فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَلا يَحِلُّ لَهُمْ أَنْ يَمْنَعُوا الاحْتِطَابَ وَالرَّعْيَ مِنَ النَّاس.
الْمَدِينَة المشرقة حرم آمن:
قَالَ أَبُو يُوسُف: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ بِشْرِ بْنِ عَمْرٍو السَّكُونِيِّ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ أَوْ سَهْلِ بْنِ حَنِيفٍ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ فِي الْمَدِينَةِ: "إِنَّهَا حَرَمٌ آمِنٌ، إِنَّهَا حَرَمٌ آمِنٌ، إنَّهَا حَرَمٌ آمِنٌ".
قَالَ: وَحَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّه حرم عضاء١ الْمَدِينَةِ وَمَا حَوْلَهَا اثْنَيْ عَشَرَ مِيلا -أَيْ جَنْبَهَا- وَحَرَّمَ الصَّيْدَ فِيهَا أَرْبَعَةَ أَمْيَالٍ حَوْلَهَا، أَيْ جنبها.
قَالَ أَبُو يُوسُف: وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ تَفْسِيرَ هَذَا إِنَّمَا هُوَ لاسْتِبْقَاءِ العضاء لِأَنَّهَا رعى المواضي مِنَ الإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ؛ وَإِنَّمَا كَانَ قوت الْقَوْم اللَّبن، وَكَانَتْ حَاجَتُهُمْ إِلَى الْقُوتِ أَفْضَلَ من حَاجتهم إِلَى الْخطب.
القَوْل فِي الاحتطاب وقطف الثِّمَار غير الْمَمْلُوكَة:
وَإِذَا كَانَ الْحَطَبُ فِي الْمُرُوجِ وَهِيَ فِي مِلْكِ إِنْسَانٍ؛ فَلَيْسَ لأَحَدٍ أَنْ يَحْتَطِبَ مِنْهَا إِلا بِإِذْنِهِ؛ فَإِنِ احْتَطَبَ مِنْهَا ضَمِنَ قِيمَةَ ذَلِكَ لِصَاحِبِهِ؛ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي تِلْكَ لأَحَدٍ مِلْكٌ فَلا بَأْسَ أَنْ يَحْتَطِبَ مِنْهُ جَمِيعُ النَّاسِ، وَلا بَأْسَ أَنْ يَحْتَطِبَ مَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ لَهُ مَالِكًا، وَكَذَلِكَ الثِّمَارُ فِي الْجِبَالِ وَالْمُرُوجِ وَالأَوْدِيَةِ مِنَ الشَّجَرِ مَا لَمْ يَغْرِسْهُ النَّاسُ، وَلا بَأْسَ بِأَنْ يَأْكُلَ مِنْ ثِمَارِهَا وَيَتَزَوَّدَ مَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ ذَلِكَ فِي مِلْكِ إِنْسَانٍ، وَكَذَا الْعَسَلُ يُوجَدُ فِي الْجِبَالِ وَالْغِيَاضِ؛ فَلا بَأْسَ أَنْ يَأْكُلَهُ، وَلَيْسَ الْعَسَلُ فِي الْجِبَالِ مِمَّا يَكُونُ فِي مِلْكِ إِنْسَانٍ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الَّذِي يَتَّخِذُهُ النَّاسُ يَكُونُ فِي الكوارت٢ فَمَا لَمْ يُحْرَزْ مِنْهَا فَهُوَ مُبَاحٌ كَفِرَاخِ الصَّيْدِ مِنَ الطَّيْرِ وبيضه يكون فِي الغياض.
من أحرق شَيْئا فِي أرضه فتعدت إِلَى غَيره:
قَالَ: وَلَوْ أَنَّ رَجُلا أَحْرَقَ كَلأً فِي أَرْضِهِ فَذَهَبَتِ النَّارُ فَأَحْرَقَتْ مَالَ غَيْرِهِ لَمْ يَضْمَنْ رَبُّ الأَرْضِ؛ لأَنَّ لَهُ أَنْ يُوقِدَ فِي أَرْضِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَحَق حصائد فِي أَرض كَانَ مثل ذَلِك،
стр. 123
وَكَذَلِكَ صَاحِبُ الأَجَمَةِ يَحْرِقُ مَا فِيهَا مِنَ الْقَصَبِ؛ فَتَحْرِقُ النَّارُ مَالَ غَيْرِهِ فَلا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَهُمَا مِثْلُ الَّذِي يَسْقِي أَرْضَهُ فَيُغْرِقُ الْمَاءُ أَرْضَ رَجُلٍ إِلَى جَنْبِهِ أَوْ تَنِزَّ؛ فَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ ضَمَانٌ، وَلا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَتَعَمَّدَ الإِضْرَارَ لِجَارِهِ وَلا الْقَصْدَ لِتَغْرِيقِ أَرْضِهِ وَلا لتحريق زرعه بِشَيْء من يحدثه فِي أَرض نَفسه.
قَول عمر لعامله على الْحمى:
قَالَ أَبُو يُوسُف: حَدثنَا هِشَام بن سعد عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ اسْتَعْمَلَ مَوْلًى لَهُ عَلَى الْحِمَى فَقَالَ لَهُ: "وَيْحَكَ يَا هَنِيٌّ اضْمُمْ جَنَاحَكَ عَنِ النَّاسِ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّ دَعْوَتَهُ مُجَابَةٌ. أَدْخِلْ لِي رَبَّ الصَّرِيمَةِ وَرَبَّ الْغُنَيْمَةِ وَدَعْنِي مِنْ نَعَمِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَابْنِ عَوْفٍ؛ فَإِنَّ ابْنَ عَفَّانَ وَابْنَ عَوْفٍ إِنْ هَلَكت مَا شيتهما رَجَعَا إِلَى الْمَدِينَةِ إِلَى نَخْلٍ وَزَرْعٍ، وَإِنَّ هَذَا الْمِسْكِينُ إِنْ هَلَكت مَا شيته جَاءَنِي يَصِيحُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. وَالْمَاءُ وَالْكَلأُ أَهْوَنُ عَلَيَّ مِنْ أَنْ أَغْرَمَ لَهُ ذَهَبًا أَوْ وَرِقًا، وَاللَّهِ وَاللَّهِ إِنَّ هَذِهِ لَبِلادُهُمْ، قَاتَلُوا عَلَيْهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَأَسْلَمُوا عَلَيْهَا فِي الإِسْلامِ، وَلَوْلا هَذَا النَّعَمِ الَّذِي أَحْمِلُ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا حَمَيْتُ عَلَى النَّاسِ من بِلَادهمْ شَيْئا.
стр. 124
فَصْلٌ: فِي تَقْبِيلِ ١ السَّوَادِ وَاخْتِيَارِ الْوُلاةِ لَهُمْ وَالتَّقَدُّمِ إِلَيْهِمْ
قَالَ أَبُو يُوسُف: وَرَأَيْتُ أَنْ لَا تَقْبَلَ شَيْئًا مِنَ السَّوَادِ وَلا غَيْرِ السَّوَادِ مِنَ الْبِلادِ؛ فَإِنَّ الْمُتَقَبِّلَ إِذَا كَانَ فِي قِبَالَتِهِ فَضْلٌ عَنِ الْخَرَاجِ عَسَفَ أَهْلُ الْخَرَاجِ٢ وَحَمَّلَ عَلَيْهِمْ مَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ وَظَلَمَهُمْ وَأَخَذَهُمْ بِمَا يُجْحِفُ بِهِمْ لِيَسْلَمَ مِمَّا دَخَلَ فِيهِ. وَفِي ذَلِكَ وَأَمْثَالِهِ خَرَابُ الْبِلادِ وَهَلاكُ الرَّعِيَّةِ. وَالْمُتَقَبِّلُ لَا يُبَالِي بِهَلاكِهِمْ بِصَلاحِ أَمْرِهِ فِي قِبَالَتِهِ؛ وَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَفْضِلَ بَعْدَ مَا يَتَقَبَّلُ بِهِ فَضْلا كَثِيرًا، وَلَيْسَ يُمْكِنُهُ ذَلِكَ إِلا بِشِدَّةٍ مِنْهُ عَلَى الرَّعِيَّةِ وَضَرْبٍ لَهُمْ شَدِيدٌ، وَإِقَامَتُهُ لَهُمْ فِي الشَّمْسِ، وَتَعْلِيقِ الْحِجَارَةِ فِي الأَعْنَاقِ، وَعَذَابٌ عَظِيمٌ يَنَالُ أَهْلَ الْخَرَاجِ مِمَّا لَيْسَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْفَسَادِ الَّذِي نَهَى الله عَنهُ؛ وَإِنَّمَا أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُمُ الْعَفْوَ، وَلَيْسَ يَحِلُّ أَنْ يُكَلَّفُوا فَوْقَ طَاقَتِهِمْ؛ وَإِنَّمَا أكره الْقِبَالَةَ لأَنِّي لَا آمَنُ أَنْ يَحْمِلَ هَذَا الْمُتَقَبِّلُ عَلَى أَهْلِ الْخَرَاجِ مَا لَيْسَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ فَيُعَامِلَهُمْ بِمَا وَصَفْتُ لَكَ فَيَضُرُّ ذَلِكَ بِهِمْ فَيُخَرِّبُوا مَا عَمَّرُوا وَيَدَعُوهُ فَيَنْكَسِرَ الْخَرَاجُ، وَلَيْسَ يَبْقَى عَلَى الْفَسَادِ شَيْءٌ، وَلَنْ يَقِلَّ مَعَ الصَّلاحِ شَيْءٌ. إِنَّ اللَّهَ قَدْ نَهَى عَنِ الْفَسَادِ. قَالَ الله : ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا﴾ [الْأَعْرَاف: ٥٦، ٥٨] ، وَقَالَ: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [الْبَقَرَة: ٢٠٥] ؛ وَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ هَلَكَ مِنَ الْأُمَم بحبسهم الْحق حَتَّى يستشري مِنْهُم، وَإِظْهَارِهِمُ الظُّلْمَ حَتَّى يُفْتَدَى مِنْهُمْ. وَالْحَمْلُ عَلَى أَهْلِ الْخَرَاجِ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِمْ مِنَ الظُّلْمِ الظَّاهِرِ الَّذِي لَا يَحِلُّ وَلا يسع.
القَوْل فِي الِالْتِزَام:
وَإِنْ جَاءَ أَهْلُ طُسُوجٍ٣ أَوْ مِصْرٍ مِنَ الأَمْصَارِ وَمَعَهُمْ رَجُلٌ مِنَ الْبَلَدِ الْمَعْرُوفِ مُوسِرٌ؛ فَقَالَ: أَنا أتضمن عَن أهل هَذَا الطُّسُوجِ أَوْ أَهْلِ هَذَا الْبَلَدِ خَرَاجَهُمْ وَرَضُوا هُمْ بِذَلِكَ فَقَالُوا: هَذَا أَخَفُّ عَلَيْنَا، نَظَرَ فِي ذَلِك؛ فَإِن كَانَ صلاحا لأَهْلِ هَذَا الْبَلَدِ وَالطُسُوجِ قَبِلَ وَضَمِنَ وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ وَصَيَّرَ مَعَهُ أَمِير مِنْ قِبَلِ الإِمَامِ يُوثَقُ بِدِينِهِ وأمانته
وَيجْرِي عَلَيْهِ من
стр. 125
بَيْتِ الْمَالِ؛ فَإِنْ أَرَادَ ظُلْمَ أحد من أهل الْخَرَاجِ أَوْ الزِّيَادَةِ عَلَيْهِ أَوْ تَحْمِيلَهُ شَيْئًا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ مَنَعَهُ الأَمِيرُ مِنْ ذَلِكَ أَشَدَّ الْمَنْعِ.
وَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَعْلَى عَيْنًا بِمَا رَأَى مِنْ ذَلِكَ وَمَا رَأَى أَنَّهُ أَصْلَحُ لأَهْلِ الْخَرَاجِ وَأَوْفَرُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ عَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الْقَبَّالَةِ وَالْوِلايَةِ بَعْدَ الأَعْذَارِ وَالتَّقَدُّمِ إِلَى الْمُتَقَبِّلِ وَالْوَالِي بِرَفْعِ الظُّلْمِ عَنِ الرَّعِيَّةِ وَالْوَعِيدِ لَهُ إِنْ حَمَّلَهُمْ مَا لَا طَاقَةَ لَهُمْ بِهِ، أَوْ بِمَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِمْ؛ فَإِنْ فَعَلَ وفوا لَهُ بِمَا أُوعِدَ بِهِ لِيَكُونَ ذَلِكَ زَاجِرًا وَنَاهِيًا لِغَيْرِهِ إِنْ شَاءَ الله.
شُرُوط فِيمَن يتَوَلَّى مَال الْمُسلمين:
وَرَأَيْتُ "أَبْقَى اللَّهُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ" أَنْ تَتَّخِذَ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الصَّلاحِ وَالدِّينِ وَالأَمَانَةِ فَتُوَلِّيَهُمُ الْخَرَاجَ. وَمَنْ وَلَّيْتَ مِنْهُمْ فَلْيَكُنْ فَقِيهًا عَالِمًا مُشَاوِرًا لأَهْلِ الرَّأْيِ عَفِيفًا، لَا يَطَّلِعَ النَّاسُ مِنْهُ عَلَى عَوْرَةٍ وَلا يَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لائِمٍ، مَا حَفِظَ مِنْ حَقٍّ وَأَدَّى مِنْ أَمَانَةٍ احْتَسَبَ بِهِ الْجَنَّةَ وَمَا عَمِلَ بِهِ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ خَافَ عُقُوبَةَ اللَّهِ فِيمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، تَجُوزُ شَهَادَتُهُ إِنْ شَهِدَ، وَلا يُخَافُ مِنْهُ جَوْرٌ فِي حُكْمٍ إِنْ حَكَمَ؛ فَإِنَّكَ إِنَّمَا تُوَلِّيهِ جِبَايَةَ الأَمْوَالِ وَأَخْذَهَا مِنْ حِلِّهِا وَتَجَنُّبَ مَا حرم مِنْهَا، يرفع مِنْ ذَلِكَ مَا يَشَاءُ وَيَحْتَجِنُ مِنْهُ مَا يَشَاءُ.
فَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَدْلا ثِقَةً أَمِينًا فَلا يُؤْتَمَنُ عَلَى الأَمْوَالِ. إِنِّي قَدْ أَرَاهُمْ لَا يَحْتَاطُونَ فِيمَنْ يُوَلُّونَ الْخَرَاجَ، إِذَا لَزِمَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ بَابَ أَحَدِهِمْ أَيَّامًا وَلاهُ رِقَابَ الْمُسْلِمِينَ وَجِبَايَةَ خَرَاجِهِمْ وَلَعَلَّهُ أَنْ لَا يَكُونَ عَرَفَهُ بِسَلامَةِ نَاحِيَةٍ وَلا بِعَفَافٍ وَلا بِاسْتِقَامَةِ طَرِيقَةٍ وَلا بِغَيْرِ ذَلِكَ.
وَقَدْ يَجِبُ الاحْتِيَاطُ فِيمَنْ يُوَلَّى شَيْئًا مِنْ أَمْرِ الْخَرَاجِ وَالْبَحْثِ عَنْ مَذَاهِبِهِمْ وَالسُّؤَال عَن طرائقهم، كَمَا يَجِبُ ذَلِكَ فِيمَنْ أُرِيَد لِلْحُكْمِ وَالْقَضَاءِ.
وَتُقَدِّمَ إِلَى مَنْ وليت لَا يَكُونَ عَسُوفًا لأَهْلِ عَمَلِهِ وَلَا محتقرا لَهُم وَلَا متسخفا بِهِمْ؛ وَلَكِنْ يَلْبَسُ لَهُمْ جِلْبَابًا من اللَّبن يَشُوبُهُ بِطَرَفٍ مِنَ الشِّدَّةِ وَالاسْتِقْصَاءِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَظْلِمُوا أَوْ يَحْمِلُوا مَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ. وَاللَّبن لِلْمُسْلِمِ. وَالْغِلْظَةُ عَلَى الْفَاجِرِ، وَالْعَدْلُ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ وَإِنْصَافُ الْمَظْلُومِ، وَالشِّدَّةُ عَلَى الظَّالِمِ وَالْعَفْوُ عَنِ النَّاسِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَدْعُوهُمْ إِلَى الطَّاعَةِ. وَأَنْ تَكُونَ جِبَايَتُهُ لِلْخَرَاجِ كَمَا يُرْسَمُ لَهُ، وَتَرْكُ الابْتِدَاعِ فِيمَا يُعَامِلُهُمْ بِهِ، وَالْمُسَاوَاةُ بَيْنَهُمْ فِي مَجْلِسه وَوجه حَتَّى يَكُونَ الْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ وَالشَّرِيفُ وَالْوَضِيعُ عِنْدَهُ فِي الْحَقِّ سَوَاءٌ، وَتَرْكُ اتِّبَاعِ الْهَوَى؛ فَإِنَّ اللَّهَ مَيَّزَ مَنِ اتَّقَاهُ وَآثَرَ طَاعَتَهُ وَأَمَّرَهُ عَلَى مَنْ سِوَاهُمَا.
وَإِنِّي لأَرْجُو إِنْ أَمَرْتَ بِذَلِكَ وَعَلِمَ الله من قبلك إِيثَارُكَ ذَلِكَ عَلَى غَيْرِهِ ثُمَّ يدل مِنْهُ
стр. 126
مُبَدِّلٌ أَوْ خَالَفَ مِنْهُ مُخَالِفٌ أَن يَأْخُذهُ الله بِهِ دُونَكَ، وَأَنْ يَكْتُبُ لَكَ أَجْرَكَ وَمَا نَوَيْتَ إِنْ شَاءَ الله.
مَا يَجْعَل مَعَ الْوَالِي من الْجند وصفتهم:
ولتصبر مَعَ الْوَالِي الَّذِي وَلَّيْتَهُ قَوْمًا مِنَ الْجُنْدِ مِنْ أَهْلِ الدِّيوَانِ فِي أَعْنَاقِهِمْ بَيْعَةٌ عَلَى النُّصْحِ لَكَ، فَإِنَّ مِنْ نُصْحِكَ أَنْ لَا تُظْلَمَ رَعِيَّتُكَ، وَتَأْمُرَ بِإِجْرَاءِ أَرْزَاقِهِمْ عَلَيْهِمْ مِنْ دِيوَانِهِمْ شَهْرًا يشهر وَلا تُجْرِي عَلَيْهِمْ مِنَ الْخَرَاجِ دِرْهَمًا فِيمَا سِوَاهُ؛ فَإِنْ قَالَ أَهْلُ الْخَرَاجِ نَحْنُ نَجْزِي عَلَى وَالِينَا وَحْدَهُ مِنْ عِنْدِنَا لَمْ يُقْبَلْ ذَلِكَ مِنْهُمْ وَلَمْ يَحْمِلُوهُ؛ فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِي حَاشِيَةِ الْعَامِلِ وَالْوَالِي جَمَاعَةٌ: مِنْهُمْ مَنْ لَهُمْ بِهِ حُرْمَةٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَهُ إِلَيْهِ وَسِيلَةٌ، لَيْسُوا بِأَبْرَارٍ وَلا صَالِحِينَ، يَسْتَعِينُ بِهِمْ وَيُوَجِّهُهُمْ فِي أَعْمَالِهِ يَقْتَضِي بِذَلِكَ الذِّمَامَاتِ؛ فَلَيْسَ يَحْفَظُونَ مَا يُوَكَّلُونَ بِحِفْظِهِ وَلا يُنْصِفُونَ مَنْ يعاملونه؛ إِنَّمَا مذْهبه أَخَذَ شَيْءٍ مِنَ الْخَرَاجِ كَانَ أَوْ مِنْ أَمْوَالِ الرَّعِيَّةِ، ثُمَّ إِنَّهُمْ يَأْخُذُونَ ذَلِكَ فِيمَا يَبْلُغُنِي العسف وَالظُّلْمِ وَالتَّعَدِّي.
ثُمَّ لَا يَزَالُ الْوَالِي وَمَنْ مَعَهُ قَدْ نَزَلَ بِقَرْيَةٍ يَأْخُذُ أَهْلَهَا مِنْ نُزُلِهِ بِمَا لَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ، وَلا يَجِبُ عَلَيْهِمْ حَتَّى يُكَلَّفُوا ذَلِكَ فَيُجْحِفُ بِهِمْ، ثُمَّ قَدْ بَعَثَ رَجُلا مِنْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ وَصَفْتُ لَكَ أَنَّهُمْ مَعَهُ إِلَى رَجُلٍ مِمَّنْ لَهُ عَلَيْهِ الْخَرَاجُ لِيَأْتِيَ بِهِ فَيَأْخُذَ مِنْهُ الْخَرَاجَ فَيَقُولُ لَهُ: قَدْ جَعَلْتُ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ كَذَا وَكَذَا حَتَّى لَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّهُ رُبَّمَا وَظَّفَ لَهُ أَكثر مِمَّا يُطَالب بِهِ الرَّجُلُ مِنَ الْخَرَاجِ؛ فَإِذَا أَتَاهُ ذَلِكَ الْمُوَجِّهُ إِلَيْهِ قَالَ لَهُ: أَعْطِنِي جَعْلِي الَّذِي جَعَلَهُ لِيَ الْوَالِي فَإِنَّ جَعْلِي كَذَا وَكَذَا؛ فَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ ضَرَبَهُ وَعَسَفَهُ وَسَاقَ الْبَقَرَ وَالْغَنَمَ وَمَنْ أَمْكَنَهُ مِنْ ضُعَفَاءِ الْمُزَارِعِينَ حَتَّى يَأْخُذَ ذَلِكَ مِنْهُمْ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا، وَهَذَا كُلُّهُ ضَرَرٌ عَلَى أَهْلِ الْخراج وَنقص للفيء مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الإِثْمِ، فمره بحسم هَذَا وَمَا أشبه وَتَرْكِ التَّعَرُّضِ لِمِثْلِهِ حَتَّى لَا يَكُونَ مَعَ الْوَالِي مِنْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ سَمَّيْتَ أَحَدٌ وَيَكُونَ مَا يُؤْخَذُ لَكَ مِنَ الْمَالِ مِنْ بَابِ حِلِّهِ وَلا يُوضَعُ إِلا فِي حَقِّهِ، وَتَقَدَّمَ فِي اخْتِيَارِ هَؤُلاءِ الْجُنْدِ الَّذِينَ تُصَيِّرُهُمْ مَعَ الْوَالِي وَلْيَكُونُوا مِنْ صَالِحِي الْجُنْدِ وَمَنْ لَهُ الْفَهْمُ وَالْيُسْرُ وَالنِّعْمَةُ مِنْهُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
إِحْرَاز الْحُبُوب بعد نضجها:
وَتَقَدَّمَ فِي أَنْ يَكُونَ حَصَادُ الطَّعَامِ وَدِيَاسِهِ١ مِنَ الْوَسَطِ، وَلا يُحْبَسُ الطَّعَامُ بَعْدَ الْحَصَادِ إِلا بِقَدْرِ مَا يُمْكِنُ الدِّيَاسُ؛ فَإِذَا أَمْكَنَ الدِّيَاسُ رَفَعَ إِلَى الْبَيَادِرِ٢. وَلَا يتْرك بعد
стр. 127
إِمْكَانِهِ لِلدَّيَّاسِ يَوْمًا وَاحِدًا؛ فَإِنَّهُ مَا لَمْ يُحْرَزْ فِي الْبَيَادِرِ تَذْهَبُ بِهِ الأَكَرَةُ١ وَالْمَارَّةُ وَالطَّيْرُ والدواير؛ وَإِنَّمَا يدْخل ضَرَر هَذَا عَلَى الْخَرَاجِ؛ فَأَمَّا عَلَى صَاحِبِ الطَّعَام فَلا لأَنَّ صَاحِبَ الطَّعَامِ يَأْكُلُ مِنْهُ -فِيمَا بَلَغَنِي- وَهُوَ سُنْبُلٌ قَبْلَ الْحَصَادِ إِلَى أَنْ يَبْلُغَ الْمُقَاسَمَةَ، فَحَبْسُ الطَّعَامِ فِي الصَّحْرَاءِ، وَالْبَيَادِرِ ضَرَرٌ عَلَى الْخَرَاجِ، وَإِذَا رُفِعَ إِلَى الْبَيَادِرِ وَصُيِّرَ أَكْدَاسًا أُخِذَ فِي دِيَاسِهِ. وَلا يُحْبَسُ الطَّعَامُ إِذَا صَارَ فِي الْبَيَادِرِ الشَّهْرَ وَالشَّهْرَيْنِ وَالثَّلاثَةِ لَا يُدَاسُ؛ فَإِنَّ فِي حَبْسِهِ فِي الْبَيَادِرِ ضَرَرًا عَلَى السُّلْطَانِ وَعَلَى أَهْلِ الْخَرَاجِ، وَبِذَلِكَ تَتَأَخَّرُ الْعِمَارَةُ وَالْحَرْثُ. وَلا يُخْرَصُ عَلَيْهِمْ مَا فِي البيادر وَلَا يُحْزَرُ عَلَيْهِمْ حَزْرًا ثُمَّ يَأْخُذُوا بِنَقَائِصِ الْحَزْرِ؛ فَإِنَّ هَذَا هَلاكٌ لأَهْلِ الْخَرَاجِ وَخَرَابٌ لِلْبِلادِ. وَلَيْسَ يَنْبَغِي لِلْعَامِلِ وَلا يَسَعُهُ أَنْ يَدَّعِي عَلَى أَهْلِ الْخَرَاجِ ضَيَاعَ غَلَّةٍ فَيَأْخُذُ بِذَلِكَ السَّبَبِ أَكْثَرَ من الشَّرْط ", إِذْ ديس وَذُرِّيَ قَاسَمَهُمْ وَلا يَكِيلَهُ عَلَيْهِمْ كَيْلَ بِزِيهَابَ٢ ثُمَّ يَدَعَهُ فِي الْبَيَادِرِ الشَّهْرَ وَالشَّهْرَيْنِ، ثُمَّ يُقَاسِمَهُمْ فَيَكِيلُهُ ثَانِيَةً فَإِنْ نَقَصَ عَنِ الْكَيْلِ الأَوَّلِ قَالَ: أَوْفُونِي، وَأَخَذَ مِنْهُمْ مَا لَيْسَ لَهُ؛ وَلَكِنْ إِذَا دِيسَ الطَّعَامُ وَوُضِعَ فِيهِ الْقَفِيزُ٣ قَاسَمَهُمْ وَأَخَذَ حَقَّهُ وَلا يَحْبِسَهُ وَلا يَكِيلُ لِلسُّلْطَانِ كَيْلَ بزيهار وَلِلأَكَّارِ كَيْلَ السَّرْدِ؛ بَلْ يَكُونُ كَيْلا وَاحِدًا بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ سَرْدًا مُرْسلا.
مَا لَا يُؤْخَذ بِهِ أهل الْخراج:
وَلا يُؤْخَذُ أَهْلُ الْخَرَاجِ بِرِزْقِ عَامِلٍ وَلا أَجْرِ مُدًى وَلا احتقان وَلا نَزَلَةٍ وَلا حَمُولَةِ طَعَامِ السُّلْطَانِ، وَلا يُدْعَى عَلَيْهِمْ بِنَقْيِصَةٍ فتؤخذ مِنْهُ، وَلا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ ثَمَنُ صُحُفٍ وَلا قَرَاطِيسَ وَلا أُجُورَ الْفُتُوحِ وَلَا أجور الكبالين وَلا مُؤَنَةً لأَحَدٍ عَلَيْهِمْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَلا قِسْمَةً وَلا نَائِبَةً سِوَى الَّذِي وَصَفْنَا مِنَ الْمُقَاسَمَةِ، وَلا يُؤْخَذُوا بِأَثْمَانِ الْإِتْيَان ويقاسموا الْإِتْيَان عَلَى مُقَاسَمَةِ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ كَيْلا أَوْ تُبَاعُ فَيُقَسَّمُ ثَمَنُهَا عَلَى مَا وصفت من القطعية فِي الْمُقَاسَمَة.
وَلا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ مَا قَدْ يسمونه رواجا لِدَرَاهِمٍ يُؤَدُّونَهَا فِي الْخَرَاجِ؛ فَإِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ يَأْتِي بِالدَّرَاهِمِ لِيُؤَدِّيَهَا فِي خَرَاجِهِ فَيَقْتَطِعُ مِنْهَا طَائِفَةً وَيُقَالُ هَذَا رَوَاجُهَا وصرفها.
وَلَا يضرين رَجُلٌ فِي دَرَاهِمِ خَرَاجٍ وَلا يُقَامُ عَلَى رِجْلِهِ؛ فَإِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّهُمْ يُقِيمُونَ أَهْلَ الْخَرَاجِ فِي الشَّمْسِ وَيَضْرِبُونَهُمُ الضَّرْبَ الشَّدِيدَ وَيُعَلِّقُونَ عَلَيْهِمُ الْجِرَارَ وَيُقَيِّدُونَهُمْ بِمَا يَمْنَعُهُمْ مِنَ الصَّلَاةِ، وَهَذَا عَظِيمٌ عِنْدَ الله شنيع فِي الْإِسْلَام.
стр. 128
القَوْل فِي استصلاح الْأَرَاضِي:
وَرَأَيْتُ أَنْ تَأْمُرَ عُمَّالَ الْخَرَاجِ إِذَا أَتَاهُمْ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ خَرَاجِهِمْ فَذَكَرُوا لَهُمْ أَنَّ فِي بِلادِهِمْ أَنْهَارًا عَادِيَّةً قَدِيمَةً وَأَرْضِينَ كَثِيرَةً غَامِرَةً، وَأَنَّهُمْ إِنِ اسْتَخْرَجُوا لَهُم تِلْكَ الْأَنْهَار واحتقروها وأجرى المَاء فِيهَا عمرت هَذِه الأرضون الغامرة وَزَاد فِي خرجهم، كَتَبَ بِذَلِكَ إِلَيْكَ فَأَمَرْتَ رَجُلا مِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ وَالصَّلاحِ يُوثَقُ بِدِينِهِ وَأَمَانَتِهِ فَتُوَجِّهَهُ فِي ذَلِكَ حَتَّى يَنْظُرَ فِيهِ وَيَسْأَلَ عَنْهُ أَهْلَ الْخِبْرَةِ وَالْبَصِيرَةِ بِهِ، وَمَنْ يُوثَقُ بِدِينِهِ وَأَمَانَتِهِ مِنْ أَهْلِ ذَلِك الْبَلَد، ويشاور فِيهِ غَيْرِ أَهْلِ ذَلِكَ الْبَلَدِ مِمَّنْ لَهُ بَصِيرَةٌ وَمَعْرِفَةٌ، وَلا يَجُرَّ إِلَى نَفْسِهِ بِذَلِكَ مَنْفَعَةٌ وَلا يَدْفَعُ عَنْهَا بِهِ٩ مَضَرَّةٌ؛ فَإِذَا اجْتَمَعُوا عَلَى أَنَّ فِي ذَلِكَ صَلاحًا وَزِيَادَةً فِي الْخَرَاجِ أَمَرْتَ بِحَفْرِ تِلْكَ الأَنْهَارِ، وَجَعَلْتَ النَّفَقَةَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَلا تُحَمِّلُ النَّفَقَةَ عَلَى أَهْلِ الْبَلَدِ فَإِنَّهُمْ إِنْ يُعَمِّرُوا خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُخَرِّبُوا، وَإِنْ يَفِرُّوا خَيْرٌ مِنْ أَن يذهب مَا لَهُم وَيَعْجَزُوا، وَكُلُّ مَا فِيهِ مَصْلَحَةٌ لأَهْلِ الْخَرَاجِ فِي أَرْضِهِمْ وَأَنْهَارِهِمْ، وَطَلَبُوا إِصْلاحَ ذَلِكَ لَهُمْ أُجِيبُوا إِلَيْهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ طُسُوجٍ آخَرَ ورُسْتَاقَ١ آخَرَ مِمَّا حَوْلَهُمْ؛ فَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ عَلَى غَيْرِهِمْ وَذِهَابٌ بِغَلاتِهِمْ وَكَسْرٌ لِلْخَرَاجِ لَمْ يُجَابُوا إِلَيْهِ.
كرى الْأَنْهَار الْعِظَام:
قَالَ أَبُو يُوسُف: وَإِذَا احْتَاجَ أَهْلُ السَّوَادِ إِلَى كِرَى أَنْهَارِهِمُ الْعِظَامِ الَّتِي تَأْخُذُ من دجلة والفرات كريت [جفرت] لَهُمْ، وَكَانَتِ النَّفَقَةُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَمِنْ أَهْلِ الْخَرَاجِ وَلا يُحَمَّلُ ذَلِكَ كُلُّهُ عَلَى أَهْلِ الْخراج، وَأما الْأَنْهَار الَّتِي يجرونها إِلَى أَرْضِهِمْ وَمَزَارِعِهِمْ وَكُرُومِهِمْ وَرِطَابِهِمْ وبساتينهم ومباقالهم وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ فَكَرْيُهَا عَلَيْهِمْ خَاصَّةً لَيْسَ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ.
فَأَمَّا الْبُثُوقُ وَالْمُسْنِيَاتُ وَالْبَرِيدَاتُ٢الَّتِي تَكُونُ فِي دجلة والفرات وَغَيرهمَا مِنَ الأَنْهَارِ الْعِظَامِ؛ فَإِنَّ النَّفَقَةَ عَلَى هَذَا كُلِّهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لَا يُحْمَلَ عَلَى أَهْلِ الْخَرَاجِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ لأَنَّ مَصْلَحَةَ هَذَا عَلَى الإِمَامِ خَاصَّةٌ لأَنَّهُ أَمْرٌ عَامٌّ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ , فَالنَّفَقَةُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لأَنَّ عَطَبَ الأَرْضِينَ مِنْ هَذَا وَشَبَهِهِ؛ وَإِنَّمَا يَدْخُلُ الضَّرَرُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى الْخَرَاجِ.
وَلا يُوَلَّى النَّفَقَةَ عَلَى ذَلِكَ إِلا رَجُلٌ يَخَافُ اللَّهَ يَعْمَلُ فِي ذَلِكَ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ لِلَّهِ، قَدْ عُرِفَتْ أَمَانَتُهُ وَحُمِدَ مَذْهَبُهُ، وَلا تُوَلِّ مَنْ يَخُونُكَ وَيَعْمَلُ فِي ذَلِكَ بِمَا لَا يَحِلُّ وَلا يَسعهُ
стр. 129
يَأْخُذ الْمَالِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لِنَفْسِهِ وَمَنْ مَعَهُ أَوْ يَدَعَ الْمَوَاضِعَ الْمَخُوفَةُ وَيُهْمِلُهَا وَلا يَعْمَلُ عَلَيْهَا شَيْئًا يُحْكِمُهَا بِهِ حَتَّى تَنْفَجِرَ فَتُغْرِقُ مَا لِلنَّاسِ مِنَ الْغَلاتِ وَتُخَرِّبَ مَنَازِلَهُمْ وَقُرَاهُم.
ثُمَّ وَجِّهْ مَنْ يَتَعَرَّفُ مَا يَعْمَلُ بِهِ إِلَيْك عَلَى هَذِهِ الْمَوَاضِعِ الْمَخُوفَةِ مِنْهَا، وَمَا يُمْسِكُ مِنَ الْعَمَلِ عَلَيْهَا مِمَّا قَدْ يَحْتَاجُ إِلَى الْعَمَلِ وَمَا تَفَجَّرَ وَمَا السَّبَبُ فِي انْفِجَارِهِ، وَلِمَ مت١ عَلَيْهِ أَجْرَ الْعَمَلِ عَلَيْهِ وَأَحْكَامِهِ حَتَّى انْفَجَرَ ثُمَّ عَامِلْهُ عَلَى حَسَبِ مَا يَأْتِيكَ بِهِ الْخَبَرُ عَنْهُ مِنْ حَمْدٍ لأَمْرِهِ أَوْ ذَمٍّ وَإِنْكَارٍ وتأديب.
الاستخبار عَن عُمَّال الدولة ومحاسبتهم:
قَالَ أَبُو يُوسُف: وَأَنَا أَرَى أَنْ تَبْعَثَ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الصَّلاحِ وَالْعَفَافِ مِمَّنْ يُوثَقُ بِدِينِهِ وَأَمَانَتِهِ يَسْأَلُونَ عَنْ سرة الْعُمَّالِ وَمَا عَمِلُوا بِهِ فِي الْبِلادِ وَكَيْفَ جَبَوُا الْخَرَاجَ عَلَى مَا أُمِرُوا بِهِ وَعَلَى مَا وُظِّفَ عَلَى أَهْلِ الْخَرَاجِ وَاسْتَقَرَّ؛ فَإِذَا ثَبُتَ ذَلِكَ عِنْدَكَ وَصَحَّ أُخِذُوا بِمَا اسْتَفْضَلُوا مِنْ ذَلِكَ أَشَدَّ الأَخْذِ حَتَّى يُؤَدُّوهُ بَعْدَ الْعُقُوبَةِ الْمُوجِعَةِ وَالنَّكَالِ حَتَّى لَا يَتَعَدُّوا مَا أُمِرُوا بِهِ وَمَا عَهِدَ إِلَيْهِمْ فِيهِ؛ فَإِنَّ كُلَّ مَا عَمِلَ بِهِ وَالِي الْخَرَاجِ مِنَ الظُّلْمِ وَالْعَسَفِ؛ فَإِنَّمَا يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ قَدْ أَمَرَ بِهِ، وَقَدْ أَمَرَ بِغَيْرِهِ، وَإِنْ أَحْلَلْتَ بِوَاحِدٍ مِنْهُمُ الْعُقُوبَةَ الْمُوجِعَةَ انْتَهَى غَيْرُهُ وَاتَّقَى وَخَافَ وَإِنْ لَمْ يفعل هَذَا بِهِمْ تَعَدَّوْا عَلَى أَهْلِ الْخَرَاجِ وَاجْتَرَءُوا عَلَى ظُلْمِهِمْ وَتَعَسُّفِهِمْ وَأَخْذِهِمْ بِمَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ.
عِقَاب الْعَامِل الخائن:
وَإِذَا صَحَّ عِنْدَكَ مِنَ الْعَامِلِ وَالْوَالِي تَعَدٍّ بِظُلْمٍ وَعَسْفٍ وَخِيَانَةٍ لَك فِي رعيتك وَاحْتَاجَ شَيْءٍ مِنَ الْفَيْءِ أَوْ خُبْثَ طُعْمَتِهِ أَوْ سُوءَ سِيرَتِهِ فَحَرَامٌ عَلَيْكَ اسْتِعْمَالُهُ وَالاسْتِعَانَةُ بِهِ، وَأَنْ تُقَلِّدَهُ شَيْئًا مِنْ أُمُورِ رَعِيَّتِكَ أَوْ تُشْرِكَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِكَ؛ بَلْ عَاقِبْهُ عَلَى ذَلِكَ عُقُوبَةً تَرْدَعُ غَيْرَهُ مِنْ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِمِثْلِ مَا تَعَرَّضَ لَهُ، وَإِيَّاكَ وَدَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهَا دَعْوَةٌ مُجَابَةٌ.
حَدَّثَنِي مِسْعَرٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ قَالَ: قَالَ لِي مُعَاذٌ: "صَلِّ وَنَمْ، وَاطْعَمْ وَاكْتَسِبْ حَلالا، وَلا تَأْثَمْ وَلا تَمُوتَنَّ إِلَّا وَأَنت مُسلم، إياك وَدَعَوَاتِ -أَوْ دَعْوَةِ- الْمَظْلُومِ".
قَالَ: وَحَدَّثَنِي مَنْصُورٌ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: إِنِّي لآمركم بِالْأَمر وَلَا أَفْعَلُهُ؛ وَلَكِنِّي أَرْجُو فِيهِ الْخَيْرَ، وَإِنَّ أَبْغَضَ النَّاسِ إِلَيَّ أَنْ أَظْلِمَهُ الَّذِي لَا يَسْتَعِينُ عَلَيَّ إِلَّا بِاللَّه.
стр. 130
مَا تعمر بِهِ الْبِلَاد:
إِنَّ الْعَدْلَ وَإِنْصَافَ الْمَظْلُومِ وَتَجَنُّبِ الظُّلْمِ مَعَ مَا فِي ذَلِكَ مِنَ الأَجْرِ يَزِيدُ بِهِ الْخَرَاجُ وتكتر بِهِ عِمَارَةُ الْبِلادِ وَالْبَرَكَةِ مَعَ الْعَدْلِ تَكُونُ وَهِيَ تُفْقَدُ مَعَ الْجوَار، وَالْخَرَاجُ الْمَأْخُوذُ مَعَ الْجَوْرِ تَنْقُصُ الْبِلادُ بِهِ وَتَخْرَبُ. هَذَا عُمَرُ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ كَانَ يَجْبِي السَّوَادَ مَعَ عَدْلِهِ فِي أَهْلِ الْخَرَاجِ وَإِنْصَافِهِ لَهُمْ وَرَفْعِهِ الظُّلْمَ عَنْهُمْ مِائَةَ أَلْفِ أَلْفٍ، وَالدِّرْهَمُ إِذْ ذَاكَ وَزنه وزن المثقال.
تفقد الْحَاكِم رَعيته:
فَلَوْ تَقَرَّبْتَ إِلَى اللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِالْجُلُوسِ لِمَظَالِمِ رَعِيَّتِكَ فِي الشَّهْرِ أَوِ الشَّهْرَيْنِ مَجْلِسًا وَاحِدًا تَسْمَعُ فِيهِ مِنَ الْمَظْلُومِ وَتُنْكِرُ عَلَى الظَّالِمِ رَجَوْتُ أَنْ لَا تَكُونَ مِمَّنِ احْتَجَبَ عَنْ حَوَائِجِ رَعِيَّتِهِ، وَلَعَلَّكَ لَا تَجْلِسُ إِلا مَجْلِسًا أَوْ مَجْلِسَيْنِ حَتَّى يَسِيرُ ذَلِكَ فِي الأَمْصَارِ وَالْمُدُنِ فَيَخَافُ الظَّالِمُ وُقُوفَكَ عَلَى ظُلْمِهِ؛ فَلا يَجْتَرِئُ عَلَى الظُّلْمِ وَيَأْمَلُ الضَّعِيفُ الْمُقْهُورِ جُلُوسَكَ وَنَظَرَكَ فِي أَمْرِهِ فَيَقْوَى قَلْبُهُ وَيَكْثُرُ دُعَاؤُهُ؛ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنُكَ الاسْتِمَاعُ فِي الْمَجْلِسِ الَّذِي تَجْلِسُهُ مِنْ كُلِّ مَنْ حَضَرَ مِنَ الْمُتَظَلِّمِينَ نَظَرْتَ فِي أَمْرِ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فِي أَوَّلِ مَجْلِسٍ وَفِي أَمْرِ طَائِفَةٍ أُخْرَى فِي الْمَجْلِسِ الثَّانِي، وَكَذَلِكَ فِي الْمَجْلِسِ الثَّالِثِ، وَلا تُقَدِّمَ فِي ذَلِكَ إِنْسَانًا عَلَى إِنْسَانٍ، مَنْ خَرَجَتْ قِصَّتُهُ أَوَّلا دُعِيَ أَوَّلا وَكَذَلِكَ مَنْ بَعْدَهُ.
مَعَ أَنَّهُ مَتَى عَلِمَ الْعُمَّالُ وَالْوُلاةُ أَنَّكَ تَجْلِسُ لِلنَّظَرِ فِي أُمُورِ النَّاسِ يَوْمًا فِي السَّنَةِ لَيْسَ يَوْمًا فِي الشَّهْرِ تَنَاهَوْا بِإِذْنِ اللَّهِ عَنِ الظُّلْمِ وَأَنْصَفُوا مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَإِنِّي لأَرْجُو لَكَ بِذَلِكَ أَعْظَمَ الثَّوَابِ، أَنَّهُ مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الآخِرَةِ.
حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا فِي الدُّنْيَا سَتَرَ اللَّهُ زَلَّتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".
قَالَ: وَحَدَّثَنِي لَيْثٌ عَنِ ابْنِ عِجْلانَ عَنْ عَوْنٍ قَالَ: كَانَ يُقَالُ مَنْ أَحْسَنَ اللَّهُ صُورَتَهُ وَجَعَلَهُ فِي مَنْصِبٍ صَالِحٍ ثُمَّ تَوَاضَعَ للَّهِ كَانَ مِمَّنْ خَالَصَ اللَّهُ.
قَالَ أَبُو يُوسُف: وَحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَدِيَّ بْنَ عَدِيٍّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنِ بَعَثْنَاهُ عَلَى عَمَلٍ فَلْيَبُحْ بِقَلِيلِهِ وَبِكَثِيرِهِ؛ فَمَنْ خَانَ خَيْطًا فَمَا سِوَاهُ فَإِنَّمَا هُوَ غُلُولٌ يَأْتِي بِهِ يَوْم الْقِيَامَة".
стр. 131
الْقصاص يَوْم الْحَشْر الْأَعْظَم:
قَالَ: وَحَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِي عَبْدِ الْوَاحِدِ عَنْ عبد الله بن مُحَمَّد بن عَقِيلٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: يُحْشَرُ الْعِبَادُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً غُرْلا بُهْمًا١. قَالَ: فَيُنَادِيهِمْ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مَنْ بَعُدَ كَمَا يَسْمَعُهُ من قرب: أَنا الْملك الدَّيَّانُ، لَا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ أَنْ يَدْخُلَ النَّارَ وَلأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ عِنْدَهُ مَظْلَمَةٌ، وَلا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ وَلأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ عِنْدَهُ مَظْلَمَةٌ حَتَّى أَقُصُّهُ مِنْهُ".
قَالَ أَبُو يُوسُف: وَحَدَّثَنَا الْمُجَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ إِلَى أَهْل الْكُوفَةِ يَبْعَثُونَ إِلَيْهِ رَجُلا مِنْ أَخْيَرِهِمْ وَأَصْلَحِهِمْ، وَإِلَى أَهْلِ الْبَصْرَةِ كَذَلِكَ، وَإِلَى أهل الشَّام كَذَلِك، قَالَ: فَبَعَثَ إِلَيْهِ أَهْلُ الْكُوفَةِ عُثْمَانَ بْنَ فَرْقَدٍ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ أَهْلُ الشَّامِ مَعْنَ بْنَ يَزِيدَ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ أَهْلُ الْبَصْرَةِ الْحَجَّاجَ بْنَ علاط كلهم سميون. قَالَ: فَاسْتَعْمَلَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ على خراج أرضه.
ترضية الْعمَّال من بَيت المَال حَتَّى لَا تستشرف نُفُوسهم إِلَى مَال الدولة:
قَالَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حُمَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَشْيَاخُنَا أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ قَالَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁: دَنَّسْتَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؛ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: يَا أَبَا عُبَيْدَةَ إِذَا لَمْ أَسْتَعِنْ بِأَهْلِ الدِّينِ عَلَى سَلامَةِ دِينِي فَبِمَنْ أَسْتَعِينُ؟ قَالَ: أَمَا إِنْ فَعَلْتَ فَأَغْنِهِمْ بِالْعِمَالَةِ عَنِ الْخِيَانَةِ، يَقُولُ: إِذَا اسْتَعْمَلْتَهُمْ عَلَى شَيْءٍ فَأَجْزِلْ لَهُمْ فِي الْعَطَاءِ وَالرِّزْقُ لَا يَحْتَاجُونَ.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَمَّنْ حَدَّثَهُ قَالَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَبَّاسِ: بَعَثَ إِلَيَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ فَأَتَيْتُهُ فَقَالَ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ إِنَّ عَامِلَ حِمْصٍ هَلَكَ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ، وَالْخَيْرُ قَلِيلٌ، وَقَدْ رَجَوْتُ أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ فدعوتك لأستعملك عَلَيْهَا، وَفِي نفس مِنْكَ شَيْءٌ أَخَافُهُ وَلَمْ أَرَهُ مِنْكَ وَأَنَا أَخْشَاهُ عَلَيْكَ؛ فَمَا رَأْيُكَ فِي الْعَمَلِ؟ قَالَ قُلْتُ: فَإِنِّي لَا أَرَى أَنْ أَعْمَلَ لَكَ عَمَلا حَتَّى تُخْبِرَنِي بِمَا فِي نَفْسِكَ. قَالَ: وَمَا تُرِيدُ إِلَى ذَلِكَ؟ قَالَ: أُرِيدُ إِنْ كُنْتُ بَرِيئًا مِنْ مِثْلِهِ عَرَفْتُ أَنِّي لَسْتُ مِنْ أَهْلِهِ، وَإِنْ كُنْتُ مِمَّنْ أَخْشَى عَلَى نَفْسِي خَشِيتُ عَلَيْهَا مِثْلَ الَّذِي خَشِيتَ عَلَيَّ؛ فَقَلَّمَا رَأَيْتُكَ ظَنَنْتَ شَيْئًا إِلا جَاءَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ.
فَقَالَ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، إِنِّي أَطْمَحُ حَالَكَ أَنَّكَ لَا تَجِدُنِي إِلا قريب الْجد وَإِنِّي خشيت
стр. 132
عَلَيْكَ أَنْ تَأْتِي عَلَى الْفَيْءِ الَّذِي هُوَ هُوَ آتٍ وَأَنْتَ فِي عَمَلِكَ؛ فَيُقَالُ لَكَ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلا هَلُمَّ إِلَيْكُمْ دُونَ غَيْرِكُمْ، إِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَعْمَلَ النَّاسَ وَتَرَكَكُمْ. قَالَ قُلْتُ: وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ الَّذِي رَأَيْتَ، وَلِمَ تَرَاهُ فَعَلَ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَدْرِي أَصَرَفَكُمْ عَنِ الْعَمَلِ وَأَرْفَعَكُمْ عَنْهُ وَأَنْتُمْ أَهْلُ ذَلِكَ، أَمْ خَشِيَ أَنْ تَعَاوَنُوا لِمَكَانِكُمْ مِنْهُ فَيَقَعَ الْعِتَابُ عَلَيْكُمْ، وَلا بُدَّ مِنْ عَتَّابٍ؛ فَقَدْ فَرَّغْتَ لِي وَفَرَّغْتُ لَكَ فَمَا رَأْيُكَ؟ قُلْتُ: لَا أَرَى أَنْ أَعْمَلَ لَكَ قَالَ: لِمَ؟ قُلْتُ: لأَنِّي إِنْ عَمِلْتُ لَكَ وَفِي نَفْسِكَ مَا فِي نَفْسِكَ لَمْ أَبْرَحْ قَذَاةً فِي عَيْنِكَ. قَالَ: فَأَشِرْ عَلَى، قَالَ قُلْتُ: أُشِيرُ عَلَيْكَ أَنْ تَسْتَعْمِلَ صَحِيحا مِنْك صَحِيحا عَلَيْك.
أظلم النَّاس من ظلم النَّاس للنَّاس:
قالَ: وَحَدَّثَنِي الْمُجَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عَامِرٍ عَنِ الْمُحَرَّرِ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ دَعَا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِذَا لَمْ تُعِينُونِي فَمَنْ يُعِيننِي؟ فَقَالُوا: نَحْنُ نُعِينُكَ؛ فَقَالَ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ائْتِ الْبَحْرَيْنَ وَهَجَرَ أَنْتَ الْعَامَ.
قَالَ: فَذَهَبْتُ فَجِئْتُهُ فِي آخِرِ السَّنَةِ بِغِرَارَتَيْنِ فِيهِمَا خَمْسُمِائَةِ أَلْفٍ؛ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ ﵁: مَا رَأَيْتُ مَالا مجتمعا قطّ أَكثر من هَذَا هَل فِيهِ دَعْوَةُ مَظْلُومٍ أَوْ مَالُ يَتِيمٍ أَوْ أَرْمَلَةٍ؟
قَالَ: قُلْتُ لَا وَاللَّهِ، بِئْسَ وَاللَّهِ الرَّجُلُ أَنَا إِذَنْ إِنْ ذَهَبْتَ أَنْتَ بالهنأ وَأَنَا أَذْهَبُ بِالْمَؤُنَةِ.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَشْيَاخِنَا قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى رَجُلٍ مِنْ بَقَايَا أَهْلِ الشَّامِ قَدِ انْقَطَعَ إِلَى الشَّامِ يَذْكُرُ لَهُ مَا وَقَعَ فِيهِ مِمَّا ابْتُلِيَ بِهِ مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ وَقِلَّةِ الأَعْوَانِ عَلَى الْخَيْرِ، وَيَسْأَلُهُ الْمُعَاوَنَةَ لَهُ عَلَى مَا هُوَ فِيهِ. قَالَ: فَكَتَبَ إِلَيْهِ الرَّجُلُ، بَلَغَنِي كِتَابُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، يَذْكُرُ فِيهِ مَا ابْتُلِيَ بِهِ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ وَقِلَّةِ الأَعْوَانِ عَلَى الْخَيْرِ وَيَطْلُبُ مِنِّي الْمُعَاوَنَةَ.
وَأَعْلَمُ أَنَّكَ إِنَّمَا أَصْبَحْتَ فِي خَلَقٍ بَالٍ وَرَسْمٍ دَارِسٍ، خَافَ الْعَالِمُ فَلَمْ يَنْطِقَ، وَجَهِلَ الْجَاهِلُ فَلَمْ يَسْأَلْ، وَتَسْأَلُنِي الْمُعَاوَنَةَ فِيمَا أَنْعَمَ اللَّهُ على؛ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ.
قَالَ أَبُو يُوسُف: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَشْيَاخِنَا قَالَ: سَمِعْتُ مَيْمُونَ بْنَ مِهْرَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ كَانَ يَجْبِي الْعِرَاقُ كُلَّ سَنَةٍ مِائَةَ أَلْفِ أَلْفِ أُوقِيَةٍ، ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَيْهِ عَشْرَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَعَشْرَةٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ يَشْهَدُونَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ مِنْ طَيِّبٍ مَا فِيهِ ظُلْمُ مُسْلِمٍ وَلَا معاهد.
стр. 133
قَالَ: وَحَدَّثَنِي عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَشْكُو شِدَّةَ الْحُكْمِ وَالْجِبِلَّةِ، وَكَانَ قَاضِي الْجَزِيرَةِ وَعَلَى خَرَاجِهَا. قَالَ فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: أَنِّي لَمْ أُكَلِّفْكَ مَا يُعَنِّيكَ، اجْتَنِ الطَّيِّبَ، وَاقْضِ بِمَا اسْتَبَانَ لَكَ مِنَ الْحَقِّ؛ فَإِذَا الْتَبَسَ عَلَيْكَ أَمْرٌ فَارْفَعْهُ إِلَيَّ؛ فَلَوْ أَنَّ النَّاسَ إِذَا ثَقُلَ عَلَيْهِمْ أَمْرٌ تَرَكُوهُ مَا قَامَ دين وَلَا دنيا.
قَالَ أَبُو يُوسُف: وحَدثني أَبُو حُصَيْن قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: ظَهْرُ الْمُؤْمِنِ حمى١.
تَأْدِيب الإِمَام الرّعية:
قَالَ: وَحَدَّثَنِي طَارِقُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ حَكِيمِ بْنِ جَابِرٍ قَالَ: ضَرَبَ عُمَرُ رَجُلا فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: إِنَّمَا كُنْتُ أَحْذَرُ رجلَيْنِ: رجل جَهِلَ فَعَلِمَ، أَوْ أَخْطَأَ فَعُفِيَ عَنْهُ، قَالَ: فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: صَدَقْتَ، دُونَكَ فَامْتَثِلْ. قَالَ: فَعَفَا عَنْهُ.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي إِسْرَائِيلُ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ أَبِي سَلامَة قَالَ: ضرب عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ رجلا وَنِسَاءً ازْدَحَمُوا عَلَى حَوْضٍ، قَالَ فَلَقِيَهُ عَلِيٌّ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ أَنْ أَكُونَ قَدْ هَلَكْتُ؛ فَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: إِنْ كُنْتَ ضَرَبْتَهُمْ عَلَى غِشٍّ وَعَدَاوَةٍ فَقَدْ هَلَكْتَ، وَإِنْ كُنْتَ ضَرَبْتَهُمْ عَلَى نُصْحٍ وَإِصْلاحٍ فَلا بَأْسَ؛ إِنَّمَا أَنْتَ رَاعٍ، إِنَّمَا أَنْت مؤدب.
الْأَخْذ بالشفقة على الرّعية:
قَالَ وَحَدَّثَنَا مِسْعَرُ بْنُ كِدَامٍ عَنِ الْقَاسِمِ قَالَ: كَانَ عُمَرُ إِذَا بَعَثَ عُمَّالَهُ قَالَ: إِنِّي لَمْ أَبْعَثْكُمْ جَبَابِرَةً وَلَكِنْ بَعَثْتُكُمْ أَئِمَّةً، فَلا تَضْرِبُوا الْمُسْلِمِينَ فَتُذِلُّوهُمْ، وَلا تَحْمَدُوهُمْ فَتَفْتِنُوهُمْ، وَلا تَمْنَعُوهُمْ فَتَظْلِمُوهُمْ. وَأَدِرُّوا لَقْحَةَ الْمُسْلِمِينَ.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ الْمَشْيَخَةِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونَ قَالَ: خَطَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ النَّاسَ فَقَالَ: إِنِّي وَاللَّهِ مَا أَبْعَثُ إِلَيْكُمْ عُمَّالِي لِيَضْرِبُوا أَبْشَارَكُمْ٢ وَلا لِيَأْخُذُوا مِنْ أَمْوَالكُم؛ وَلَكِنِّي أبعثهم إِلَيْكُم ليعملوكم دِينَكُمْ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ؛ فَمَنْ فُعِلَ بِهِ سِوَى ذَلِكَ فَلْيَرْفَعْهُ إِلَيَّ؛ فواللذي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَقُصَّنَّهُ مِنْهُ؛ فَوَثَبَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ٣ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالِيًا عَلَى رَعِيَّةٍ فَأَدَّبَ بَعْضَهُمْ إِنَّكَ لَتَقُصَّهُ مِنْهُ؟ فَقَالَ:
стр. 134
أَيْ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَقُصَّنَّهُ مِنْهُ، وَقَدْ رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُصُّ مِنْ نَفْسِهِ؛ أَلا لَا تَضْرِبُوا الْمُسْلِمِينَ فَتُذِلُّوهُمْ، وَلا تَمْنَعُوهُمْ حُقُوقَهُمْ فَتُكَفِّرُوهُمْ، وَلا تَنْزِلُوا بِهِمُ الْغِيَاضَ فَتُضَيِّعُوهُمْ.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ ﵁ إِلَى عُمَّالِهِ أَنْ يُوَافُوهُ باموسم١، فَوَافَوْهُ؛ فَقَامَ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي بَعَثْتُ عُمَّالِي هَؤُلاءِ وُلاةً بِالْحَقِّ عَلَيْكُمْ وَلَمْ أَسْتَعْمِلْهُمْ لِيُصِيبُوا مِنْ أَبْشَارِكُمْ وَلا مِنْ دِمَائِكُمْ وَلا مِنْ أَمْوَالِكُمْ؛ فَمَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْهُمْ فَلْيَقُمْ. قَالَ: فَمَا قَامَ مِنَ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ إِلا رَجُلٌ وَاحِدٌ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، عَامِلُكَ ضَرَبَنِي مِائَةَ سَوْطٍ؛ فَقَالَ عُمَرُ: أَتَضْرِبُهُ مِائَةَ سَوْطٍ؟ قُمْ فَاسْتَقِدْ مِنْهُ؛ فَقَامَ إِلَيْهِ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ فَقَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّكَ إِنْ تَفْتَحْ هَذَا عَلَى عُمَّالِكَ كَبُرَ عَلَيْهِمْ، وَكَانَتْ سُنَّةً يَأْخُذُ بِهَا مَنْ بَعْدَكَ؛ فَقَالَ عُمَرُ: أَلا أُقِيدُهُ مِنْهُ، وَقَدْ رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُقِيدُ مِنْ نَفْسِهِ؟ قُمْ فَاسْتَقِدْ؛ فَقَالَ عَمْرُو: دَعْنَا إِذًا فَلْنُرْضِهِ. قَالَ فَقَالَ: دُونَكُمْ. قَالَ: فَأَرْضَوْهُ بِأَنِ اشْتَرَيْتُ مِنْهُ بِمِائَتَيْ دِينَارٍ، كُلَّ سَوط بدينارين٢.
مَا شَرطه عمر على عماله وتأديبهم:
قَالَ أَبُو يُوسُف: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْوَلِيدِ بن عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ عَنْ عمَارَة بن خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: كَانَ عُمَرُ ﵁ إِذَا اسْتَعْمَلَ رَجُلا أَشْهَدَ عَلَيْهِ رَهْطًا مِنَ الأَنْصَارِ وَغَيْرِهِمْ وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا: أَنْ لَا يَرْكَبَ بِرْذَوْنًا، وَلا يَلْبَسَ ثَوْبًا رَقِيقًا، وَلا يَأْكُلَ نَقِيًّا٣، وَلا يُغْلِقَ بَابًا دُونَ حَوَائِجِ النَّاسِ، وَلا يَتَّخِذَ حَاجِبًا، قَالَ: فَبَيْنَمَا هُوَ يَمْشِي فِي بعض طرق الْمَدِينَة إِذا هَتَفَ بِهِ رَجُلٌ: يَا عُمَرُ أَتَرَى هَذِهِ الشُّرُوطَ تُنْجِيكَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَعَامِلُكَ عِيَاضُ بْنُ غَنَمٍ عَلَى مِصْرَ وَقَدْ لَبِسَ الرَّقِيق، وَاتخذ الحاجبز فَدَعَا مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ، وَكَانَ رَسُولُهُ إِلَى الْعُمَّالِ فَبَعَثَهُ وَقَالَ: ائْتِنِي بِهِ عَلَى الْحَالِ الَّتِي تَجِدُهُ عَلَيْهَا. قَالَ فَأَتَاهُ فَوَجَدَ على بَابه جاجبا؛ فَدَخَلَ فَإِذَا عَلَيْهِ قَمِيصٌ رَقِيقٌ. قَالَ: أَجِبْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؛ فَقَالَ: دَعْنِي أَطْرَحُ عَلَيَّ قِبَائِي. فَقَالَ: لَا، إِلا عَلَى حَالِكِ هَذِهِ. قَالَ: فَقَدِمَ بِهِ عَلَيْهِ؛ فَلَمَّا رَآهُ عُمَرُ قَالَ: انْزَعْ قَمِيصَكَ. ودعا بمدرعة صوف وبريضة مِنْ غَنَمٍ وَعَصَا فَقَالَ: الْبَسْ هَذِه المدرعة وَخذ هَذَا الْعَصَا وَارْعَ هَذِهِ الْغَنَمَ وَاشْرَبْ واسقم مَنْ مَرَّ بِكَ وَاحْفَظِ الْفَضْلَ علينا. أسمعت؟
стр. 135
قَالَ: نَعَمْ، وَالْمَوْتُ خَيْرٌ مِنْ هَذَا؛ فَجَعَلَ يُرَدِّدُهَا عَلَيْهِ وَيُرَدِّدُ الْمَوْتُ خَيْرٌ مِنْ هَذَا؛ فَقَالَ عُمَرُ: وَلِمَ تَكْرَهُ هَذَا؛ وَإِنَّمَا سُمِّيَ أَبُوكَ غَنَمًا لأَنَّهُ كَانَ يَرْعَى الْغَنَمَ أَتُرَى يَكُونُ عِنْدَكَ خَيْرٌ؟ قَالَ: نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ: انْزَعْ وَرَدَّهُ إِلَى عَمَلِهِ. قَالَ: فَلَمْ يَكُنْ لَهُ عَامل يُشبههُ١.
قَالَ أَبُو يُوسُف: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ إِذَا بَلَغَهُ أَنَّ عَامِلَهُ لَا يَعُودُ الْمَرِيضَ وَلا يَدْخُلُ عَلَيْهِ الضَّعِيفُ نَزَعَهُ.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي حُمَيْدٍ عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ إِلَى أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ أَنْ سَوِّ بَيْنَ النَّاسِ فِي مَجْلِسِكَ وَجَاهِكَ حَتَّى لَا يَيْأَسَ ضَعِيفٌ مِنْ عدلك وَلَا يطْمع شرِيف من حَيْفِكَ.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي شَيْخٌ مِنْ عُلَمَاءِ أَهْلِ الشَّامِ قَدْ أَدْرَكَ النَّاسَ٢ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ رُوَيْمٍ قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ وَهُوَ بِالشَّامِ: "أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنِّي كَتَبْتُ إِلَيْك بكتابك لَمْ آلُكَ وَنَفْسِي خَيْرًا، الْزَمْ خَمْسَ خِلالٍ يَسْلَمْ لَكَ دِينُكَ وَتَحْظَ بِأَفْضَلِ حَظَّيْكَ، إِذَا حَضَرَكَ الْخَصْمَانِ؛ فَعَلَيْكَ بِالْبَيِّنَاتِ الْعُدُولِ وَالأَيْمَانِ الْقَاطِعَةِ، ثُمَّ أَدْنِ الضَّعِيفَ حَتَّى تُبْسِطَ لِسَانَهُ وَيَجْتَرِئَ قَلْبُهُ، وَتَعَهَّدِ الْغَرِيبَ فَإِنَّهُ إِذَا طَالَ حَبْسُهُ تَرَكَ حَاجَتَهُ وَانْصَرَفَ إِلَى أَهْلِهِ، وَإِنَّ الَّذِي أَبْطَلَ مَنْ لَمْ يرفع بِهِ رَأْسا وأحرض عَلَى الصُّلْحِ مَا لَمْ يَسْتَبِنْ لَك الْقَضَاء، وَالسَّلَام".
مَا يصلح المَال ونصائح عمر للحكام:
قَالَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ مَعْدَانَ الْعُمَرِيَّ قَالَ: خَطَبَنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ فَحَمَدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَذَكَرَ أَبَا بكر فَاسْتَغْفر لَهُ، ثُمَّ قَالَ: "أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ ذُو حَقٍّ فِي حَقِّهِ أَنْ يُطَاعَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَإِنِّي لَا أَجِدُ هَذَا الْمَالَ يُصْلِحُهُ إِلا خِلالٌ ثَلاثٌ: أَنْ يُؤْخَذَ بِالْحَقِّ، وَيُعْطَى فِي الْحق، وَيمْنَع الْبَاطِلِ؛ وَإِنَّمَا أَنَا وَمَالُكُمْ كَوَلِيِّ الْيَتِيمِ إِنِ اسْتَغْنَيْتُ اسْتَعْفَفْتُ، وَإِنِ افْتَقَرْتُ أَكَلْتُ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَسْتُ أَدَعُ أَحَدًا يَظْلِمَ أَحَدًا وَلا يَعْتَدِي عَلَيْهِ حَتَّى أَضَعَ خَدَّهُ عَلَى الأَرْضِ، وَأَضَعُ قَدَمِي عَلَى الْخَدِّ الآخَرِ حَتَّى يُذْعِنَ لِلْحَقِّ، وَلَكُمْ عَلَيَّ أَيُّهَا النَّاسُ خِصَالٌ أَذْكُرُهَا لَكُمْ فَخُذُونِي بِهَا: لَكُمْ عَلَيَّ أَنْ لَا أَجْتَبِي شَيْئًا مِنْ خَرَاجِكُمْ وَلا مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ إِلا مِنْ وَجْهِهِ، وَلَكُمْ عَلَيَّ إِذَا وَقَعَ فِي يَدِي أَنْ لَا يَخْرُجَ مِنِّي إِلا فِي حَقه،
стр. 136
وَلَكُمْ عَلَيَّ أَنْ أَزِيدَ أُعْطِيَاتِكُمْ وَأَرْزَاقَكُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَأَسُدَّ ثُغُورَكُمْ، وَلَكُمْ عَلَيَّ أَنْ لَا أُلْقِيكُمْ فِي الْمَهَالِكِ وَلا أَجَمِّرَكُمْ فِي ثُغُورِكُمْ١، وَقَدِ اقْتَرَبَ مِنْكُمْ زَمَانٌ قَلِيلُ الأُمَنَاءِ كَثِيرُ الْقُرَّاءِ، قَلِيل الْفُقَهَاء٢، كثير الْأكل، يَعْمَلُ فِيهِ أَقْوَامٌ لِلآخِرَةِ يَطْلُبُونَ بِهِ دُنْيَا عَرِيضَةً تَأْكُلُ دِينَ صَاحِبِهَا كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ؛ أَلا كُلُّ مَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلْيَصْبِرْ. يَا أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّ اللَّهَ عَظَّمَ حَقَّهُ فَوْقَ حَقِّ خَلْقِهِ فَقَالَ فِيمَا عَظَّمَ مِنْ حَقِّهِ ﴿لَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنِّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُم مُسلمُونَ﴾ [آلا عمرَان: ٨٠] أَلا وَإِنِّي لَمْ أَبْعَثْكُمْ أُمَرَاءً وَلا جَبَّارِينَ؛ وَلَكِنْ بَعَثْتُكُمْ أَئِمَّةَ الْهُدَى يُهْتَدَى بِكُمْ؛ فَأَدِرُّوا عَلَى الْمُسْلِمِينَ حُقُوقَهُمْ، وَلا تَضْرِبُوهُمْ فَتُذِلُّوهُمْ، وَلا تَحْمَدُوهُمْ فَتَفْتِنُوهُمْ، وَلا تُغْلِقُوا الأَبْوَابَ دُونَهُمْ فَيَأْكُلَ قَوِيُّهُمْ ضَعِيفَهُمْ، وَلا تَسْتَأْثِرُوا عَلَيْهِمْ فَتَظْلِمُوهُمْ، وَلا تَجْهَلُوا عَلَيْهِمْ، وَقَاتِلُوا بِهِمُ الْكفَّار طاقتهم؛ فَإِذا رَأَيْته بِهِمْ كَلالَةً فَكُفُّوا عَنْ ذَلِكَ فَإِنَّ ذَلِكَ أَبْلَغُ فِي جِهَادِ عَدُوِّكُمْ. أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي أُشْهِدُكُمْ عَلَى أُمَرَاءِ الأَمْصَارِ أَنِّي لَمْ أَبْعَثْهُمْ إِلا لِيُفَقِّهُوا النَّاسَ فِي دينهم ويقسموا عَلَيْهِم فيأهم وَيَحْكُمُوا بَيْنَهُمْ؛ فَإِنْ أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ رَفَعُوهُ إِلَيَّ.
قَالَ: وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ يَقُول: لَا يصلح هَذَا الأَمْرُ إِلا بِشِدَّةٍ فِي غَيْرِ تَجَبُّرٍ، وَلِينٍ فِي غَيْرِ وَهَنٍ.
من نصائح عَليّ للولاة والأمراء:
قَالَ: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْكُوفَةِ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ كَتَبَ إِلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، وَهُوَ عَامِلُهُ: "أَمَّا بَعْدُ فَاسْتَخْلِفْ عَلَى عَمَلِكَ وَاخْرُجْ فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِكَ حَتَّى تَمُرَّ بِأَرْضِ السَّوَادِ كَوْرَةً كَوْرَةً فَتَسْأَلَهُمْ عَنْ عُمَّالِهِمْ، وَتَنْظُرَ فِي سِيرَتِهِمْ حَتَّى تَمُرَّ بِمن كَانَ مِنْهُم فِيمَا بَيْنَ دِجْلَةَ وَالْفُرَاتِ، ثُمَّ ارْجِعْ إِلَى الْبِهْقُبَاذَاتِ٣ فَتَوَلَّ مَعُونَتَهَا، وَاعْمَلْ بِطَاعَةِ اللَّهِ فِيمَا وَلاكَ مِنْهَا، وَاعْلَمْ أَنَّ الدُّنْيَا فَانِيَةٌ وَأَنَّ الآخِرَةَ آتِيَةٌ وَأَنَّ عَمَلَ ابْنِ آدَمَ مَحْفُوظٌ عَلَيْهِ، وَأَنَّكَ مَجْزِيٌّ بِمَا أَسْلَفْتَ وَقَادِمٌ عَلَى مَا قَدَّمْتَ مِنْ خَيْرٍ فَاصْنَعْ خَيْرًا تَجِدْ خَيْرًا".
قَالَ: وَحَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ: كَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى وَجْهَهُ إِذَا بَعَثَ سَرِيَّةً وَلَّى أَمْرَهَا رَجُلا وَأَوْصَاهُ فَقَالَ لَهُ: "أُوصِيكَ بتقوى الله الَّذِي لَا بُد لَك
стр. 137
مِنْ لِقَائِهِ، وَعَلَيْكَ بِالَّذِي يُقَرِّبُكَ إِلَى اللَّهِ فَإِنَّ مَا عِنْدَ الله خلف من الدُّنْيَا".
مسئولية الرَّاعِي عَن رَعيته:
قَالَ أَبُو يُوسُف: وَحَدَّثَنِي دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ عَنْ رِيَاحِ بْنِ عُبَيْدَةَ قَالَ: كُنْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ؛ فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ لِي بالعراق ضَيْعَة وَولدا فائذن لِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَتَعَاهَدُهُمْ قَالَ: لَيْسَ عَلَى وَلَدِكَ بَأْسٌ وَلا عَلَى ضَيْعَتِكَ ضَيْعَةٌ؛ فَلَمْ أَزَلْ بِهِ حَتَّى أَذِنَ لِي؛ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ وَدَّعْتُهُ قُلْتُ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ حَاجَتك أوصني بِهَا. قَالَ: حَاجَتِي أَنْ تَسْأَلَ عَنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَكَيْفَ سِيرَةُ الْوُلاةِ فِيهِمْ وَرِضَاهُمْ عَنْهُمْ؟ فَلَمَّا قَدِمْتُ الْعِرَاقَ سَأَلْتُ الرَّعِيَّةَ عَنْهُمْ فَأُخْبِرْتُ بِكُلِّ خَيْرٍ عَنْهُمْ؛ فَلَمَّا قَدِمْتُ عَلَيْهِ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَأَخْبَرْتُهُ بِحُسْنِ سِيرَتِهِمْ فِي الْعِرَاقِ وَثَنَاءِ النَّاسِ عَلَيْهِمْ؛ فَقَالَ "الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى ذَلِكَ لَوْ أَخْبَرْتَنِي عَنْهُمْ بِغَيْرِ هَذَا عَزَلْتُهُمْ وَلَمْ أَسْتَعِنْ بِهِمْ بَعْدَهَا أَبَدًا. إِنَّ الرَّاعِي مسئول عَن رَعيته فَلَا بُد لَهُ مِنْ أَنْ يَتَعَهَّدَ رَعِيَّتَهُ بِكُلِّ مَا يَنْفَعُهُمْ اللَّهُ بِهِ وَيُقَرِّبَهُ إِلَيْهِ؛ فَإِنَّ مَنِ ابْتُلِيَ بِالرَّعِيَّةِ فَقَدِ ابْتُلِيَ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ".
قَالَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ ثَابِتِ بْنِ ثَوْبَانَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَتَبَ عَدِيُّ بْنُ أَرْطَاةَ -عَامِلٌ كَانَ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ- إِلَيْهِ "أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ أُنَاسًا قِبَلَنَا لَا يُؤَدُّونَ مَا عَلَيْهِمْ مِنَ الْخَرَاجِ حَتَّى يَمَسَّهُمْ شَيْءٌ مِنَ الْعَذَابِ" فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: "أَمَّا بَعْدُ فَالْعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ مِنَ اسْتِئْذَانِكَ إِيَّايَ فِي عَذَابِ الْبَشَرِ كَأَنِّي جُنَّةٌ١ لَكَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، وَكَأَنَّ رِضَايَ يُنْجِيكَ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ، إِذَا أَتَاكَ كِتَابِي هَذَا فَمَنْ أَعْطَاكَ مَا قِبَلَهُ عَفْوًا وَإِلا فَأَحْلِفْهُ؛ فوَاللَّه لَا يَلْقَوُا اللَّهَ بِجِنَايَاتِهِمْ أَحَبَّ إِليَّ مِنْ أَنْ أَلْقَاهُ بِعَذَابِهِمْ، وَالسَّلامُ".
قَالَ: وَأَتَى عُمَرَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ زَرَعْتُ زَرْعًا؛ فَمَرَّ بِهِ جَيْشٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ فَأَفْسَدُوهُ. قَالَ: فَعَوَّضَهُ عَشْرَةَ آلَاف.
стр. 138
فَصْلٌ: فِي شَأْنِ نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ وَسَائِرِ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَمَا يُعَامَلُونَ بِهِ
وَسَأَلْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ، وَلِمَ ضُوعِفَتْ عَلَيْهِمُ الصَّدَقَةُ فِي أَمْوَالِهِمْ وَأُسْقِطَتِ الْجِزْيَةُ عَنْ رُءُوسِهِمْ؟ وَعَمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعَامَلَ بِهِ أَهْلُ الذِّمَّةِ جَمِيعًا فِي جِزْيَةِ الرُّءُوسِ وَالْخَرَاجِ وَاللِّبَاسِ وَالصَّدَقَاتِ وَالْعُشُورِ؟
قَالَ أَبُو يُوسُف: حَدَّثَنِي بَعْضُ الْمَشَايِخِ عَنِ السَّفَّاحِ عَنْ دَاوُدَ بْنِ كُرْدُوسٍ عَنْ عبَادَة بن نعْمَان التَّغْلِبِيُّ أَنَّهُ قَالَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ بَنِي تَغْلِبَ مَنْ قَدْ عَلِمْتَ شَوْكَتَهُمْ، وَأَنَّهُمْ بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ فَإِنْ ظَاهَرُوا عَلَيْكَ الْعَدو واشتدت مَؤُنَتُهُمْ فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُعْطِيَهُمْ شَيْئًا فَافْعَلْ.
قَالَ: فَصَالَحَهُمْ عُمَرُ عَلَى أَنْ لَا يَغْمِسُوا أَحَدًا مِنْ أَوْلادِهِمْ فِي النَّصْرَانِيَّةِ وَيُضَاعِفَ عَلَيْهِمُ الصَّدَقَةِ، قَالَ: وَكَانَ عُبَادَةُ يَقُولُ: قَدْ فَعَلُوا فَلا عَهْدَ لَهُمْ. وَعَلَى أَنْ يُسْقِطَ الْجِزْيَةَ عَنْ رُءُوسِهِمْ؛ فَكُلُّ نَصْرَانِيٍّ مِنْ بَنِي تَغْلِبَ لَهُ غَنَمٌ سَائِمَةٌ؛ فَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ حَتَّى تَبْلُغَ أَرْبَعِينَ شَاةً؛ فَإِذَا بَلَغَتْ أَرْبَعِينَ سَائِمَةً فَفِيهَا شَاتَانِ١ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَإِذَا زَادَتْ شَاةً فَفِيهَا أَرْبَعٌ مِنَ الْغَنَمِ. وَعَلَى هَذَا الْحِسَابِ تُؤْخَذُ صَدَقَاتِهِمْ. وَكَذَلِكَ الْبَقَرُ وَالإِبِلُ إِذَا وَجَبَ عَلَى الْمُسْلِمِ شَيْء من ذَلِكَ فَعَلَى النَّصْرَانِيِّ التَّغْلِبِيِّ مِثْلُهُ مَرَّتَيْنِ وَنِسَاؤُهُمْ كَرِجَالِهِمْ فِي الصَّدَقَةِ؛ فَأَمَّا الصِّبْيَانُ فَلَيْسَ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ٢.
وَكَذَلِكَ أَرْضُوهُمْ الَّتِي كَانَتْ بِأَيْدِيهِمْ يَوْم يصولحوا فَيُؤْخَذُ مِنْهُمْ ضِعْفَ مَا يُؤْخَذُ من للسلم.
وَأَمَّا الصَّبِيُّ وَالْمَعْتُوهُ فَأَهْلُ الْعِرَاقِ يَرَوْنَ أَنْ يُؤْخَذَ ضِعْفَ الصَّدَقَةِ مِنْ أَرْضِهِ وَلا يُؤْخَذُ مِنْ مَاشِيَتِهِ، وَأَهْلُ الْحِجَازِ يَقُولُونَ يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ مَاشِيَتِهِ، وَسَبِيلُ ذَلِكَ سَبِيلُ الْخَرَاجِ؛ لأَنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الْجِزْيَةِ وَلا شَيْءَ عَلَيْهِمْ فِي بَقِيَّة أَمْوَالهم ورقيقهم.
قَالَ أَبُو يُوسُف: حَدَّثَنَا أَبُو حَنِيفَةَ عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ أَضْعَف
стр. 139
الصَّدَقَةَ عَلَى نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ عِوَضًا مِنَ الْخَرَاجِ١.
قَالَ: وَحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُهَاجِرِ قَالَ سَمِعْتُ أَبِي يَذْكُرُ قَالَ: سَمِعْتُ زِيَادَ بْنِ حُدَيْرٍ قَالَ: إِنَّ أَوَّلَ مَنْ بَعَثَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَى الْعُشُورِ إِلَى هَهُنَا أَنَا، قَالَ فَأَمَرَنِي أَنْ لَا أُفَتِّشَ أَحَدًا وَمَا مَرَّ عَلَيَّ مِنْ شَيْءٍ أَخَذْتُ مِنْ حِسَابِ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَخَذْتُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ مِنْ عِشْرِينَ وَاحِدًا وَمِمَّنْ لَا ذِمَّةَ لَهُ الْعُشْرَ. قَالَ: وَأَمَرَنِي أَنْ أُغَلِّظَ عَلَى نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ، قَالَ إِنَّهُمْ قَوْمٌ مِنَ الْعَرَبِ وَلَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَعَلَّهُمْ يُسْلِمُونَ. قَالَ: وَكَانَ عُمَرُ قَدِ اشْتَرَطَ عَلَى نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ أَنْ لَا يُنَصِّرُوا أَوْلادَهُمْ.
قَالَ أَبُو يُوسُف: وكل أَرض من أَرض الْعُشْرِ اشْتَرَاهَا نَصْرَانِيٌّ تَغْلِبِيٌّ؛ فَإِنَّ الْعُشْرَ يُضَاعَفُ عَلَيْهِ كَمَا يُضَاعَفُ عَلَيْهِمْ فِي أَمْوَالِهِمْ الَّتِي يَخْتَلِفُونَ بِهَا فِي التِّجَارَاتِ، وَكُلُّ شَيْءٍ يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ فِيهِ وَاحِدٌ فَعَلَى النَّصْرَانِيِّ التَّغْلِبِيِّ اثْنَانِ.
قَالَ: وَإِنِ اشْتَرَى رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ سِوَى نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ أَرْضًا مِنْ أَرْضِ الْعُشْرِ؛ فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ أَضَعُ عَلَيْهَا الْخَارِج لم لَا أُحَوِّلُهَا عَنْ ذَلِكَ، وَإِنْ بَاعَهَا مِنْ مُسْلِمٍ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ لَا زَكَاةَ عَلَى الذِّمِّيِّ وَالْعُشْرُ زَكَاةٌ فَأُحَوِّلُهَا إِلَى الْخَرَاجِ، وَأَنَا أَقُولُ أَنْ يُوضَعَ عَلَيْهَا الْعُشْرُ مُضَاعَفًا فَهُو خَرَاجُهَا فَإِذَا رَجَعَتْ إِلَى مُسْلِمٍ بِشِرَاءٍ أَوْ أَسْلَمَ النَّصْرَانِيُّ أَعَدْتُهَا إِلَى الْعُشْرِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهَا فِي الأَصْلِ.
قَالَ أَبُو يُوسُف: حَدَّثَنِي بَعْضُ أَشْيَاخِنَا أَنَّ الْحَسَنَ وَعَطَاءَ قَالا فِي ذَلِكَ الْعُشْرُ مضاعفا.
قَالَ أَبُو يُوسُف: فَكَانَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَعَطَاءٌ أَحْسَنَ عِنْدِي مِنْ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ؛ أَلا تَرَى أَنَّ الْمَالَ يَكُونُ لِلْمُسْلِمِ لِلتِّجَارَةِ فَيَمُرُّ بِهِ عَلَى الْعَاشِرِ فَيَجْعَلُ عَلَيْهِ رُبُعَ الْعُشْرِ؛ فَإِذَا اشْتَرَاهُ ذِمِّيٌّ فَمَرَّ بِهِ عَلَى الْعَاشِرِ لِتِجَارَةٍ جَعَلَ عَلَيْهِ نِصْفَ الْعُشْرِ ضِعْفَ مَا عَلَى الْمُسْلِمِ؛ فَإِنْ عَادَ إِلَى مُسْلِمٍ جَعَلْتَ فِيهِ رُبُعَ الْعُشْرِ؛ فَهَذَا مَالٌ وَاحِدٌ يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ فِيهِ عَلَى مَنْ يَمْلِكُهُ فَكَذَلِكَ الأَرْضُ مِنْ أَرْضِ الْعُشْرِ؛ أَلا تَرَى لَوْ أَنَّ ذِمِّيًّا اشْتَرَى أَرْضًا مِنْ أَرْضِ الْعَرَبِ؛ حَيْثُ لَمْ يَقَعْ خَرَاجٌ قَطُّ بِمَكَّةَ أَوِ الْمَدِينَة أَو مَا أشبهما لم أَضَع عَلَيْهَا خَارِجا؟ وَهَلْ يَكُونُ خَرَاجٌ فِي الْحَرَمِ؟ وَلَكِنَّهُ تُضَاعَفُ عَلَيْهِ الصَّدَقَةُ، كَمَا تُضَاعَفُ فِي أَمْوَالِهِمُ الَّتِي يَخْتَلِفُونَ بِهَا فِي التِّجَارَاتِ، وَمَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ فَأَرْضُهُ أَرْضُ عُشْرٍ؛ لأَنَّهُ لم يوضع عَلَيْهِ الْخراج.
стр. 140
فَصْلٌ: فِيمَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ وقدرها وَمِمَّا تجوز
قَالَ أَبُو يُوسُف: وَالْجِزْيَةُ وَاجِبَةٌ عَلَى جَمِيعِ أَهْلِ الذِّمَّةِ مِمَّنْ فِي السَّوَادِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْحِيرَةِ وَسَائِرِ الْبُلْدَانِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسِ وَالصَّابِئِينَ وَالسَّامِرَةِ مَا خَلا نَصَارَى بَنِي تغلب وَأهل نَجْرَانَ خَاصَّةً؛ وَإِنَّمَا تَجِبُ الْجِزْيَةَ عَلَى الرِّجَالِ مِنْهُمْ دُونَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ: عَلَى الْمُوسِرِ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ دِرْهَمًا، وَعَلَى الْوَسَطِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ، وَعَلَى الْمُحْتَاجِ الْحَرَّاثِ الْعَامِلِ بِيَدِهِ اثْنَا عَشَرَ دِرْهَمًا يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْهُمْ فِي كُلِّ سَنَةٍ، وَإِنْ جَاءُوا بِعَرْضٍ قُبِلَ مِنْهُمْ مِثْلُ الدَّوَابِّ وَالْمَتَاعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَيُؤْخَذُ مِنْهُمْ بِالْقِيمَةِ، وَلا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ فِي الْجِزْيَةِ مَيْتَةٌ وَلا خِنْزِيرٌ وَلا خَمْرٌ؛ فَقَدْ كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ يَنْهَى عَنْ أَخْذِ ذَلِكَ مِنْهُمْ فِي جزيتهم، وَقَالَ: ولوها أرباباها؛ فَلْيَبِيعُوهَا وَخُذُوا مِنْهُمْ أَثْمَانَهَا هَذَا إِذَا كَانَ هَذَا أَرْفَقُ بِأَهْلِ الْجِزْيَةِ.
وَقَدْ كَانَ عَلِيُّ بْنُ أبي طَالب كرم الله وَجه فِيمَا بَلَغَنَا يَأْخُذُ مِنْهُمْ فِي جِزْيَتِهِمُ الإِبَرَ وَالْمَسَالَّ وَيَحْسِبُ لَهُمْ من خراج رُءُوسهم.
أَصْنَاف يعفون من الْجِزْيَة:
وَلا تُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ مِنَ الْمِسْكِينِ الَّذِي يُتَصَّدَّقُ عَلَيْهِ، وَلا مِنْ أَعْمَى لَا حِرْفَةَ لَهُ وَلا عَمَلَ، وَلا مِنْ ذِمِّيٍّ يُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ وَلا مِنْ مُقْعَدٍ، وَالْمُقْعَدُ وَالزَّمِنُ إِذَا كَانَ لَهُمَا يَسَارٌ أُخِذَ مِنْهُمَا وَكَذَلِكَ الأَعْمَى، وَكَذَلِكَ الْمُتَرَهِّبُونَ الَّذِينَ فِي الدِّيَارَاتِ إِذَا كَانَ لَهُمْ يَسَارٌ أَخَذَ مِنْهُمْ وَإِن كَانَ إِنَّمَا هُمْ مَسَاكِينُ يَتَصَدَّقُ عَلَيْهِمْ أَهْلُ الْيَسَارِ مِنْهُمْ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُمْ.
وَكَذَلِكَ أَهْلُ الصَّوَامِعِ إِنْ كَانَ لَهُمْ غِنًى وَيَسَارٌ، وَإِنْ كَانُوا قَدْ صَيَّرُوا مَا كَانَ لَهُمْ لِمَنْ يُنْفِقَهُ عَلَى الدِّيَارَاتِ وَمَنْ فِيهَا مِنَ الْمُتَرَهِّبِينَ وَالْقُوَّامِ أُخِذَتِ الْجِزْيَةُ مِنْهُمْ يُؤْخَذُ بِهَا صَاحِبُ الدِّيرِ؛ فَإِنْ أَنْكَرَ صَاحِبُ الدِّيرِ الَّذِي ذَلِكَ الشَّيْءُ فِي يَدِهِ وَحَلَفَ عَلَى ذَلِكَ بِاللَّهِ وَبِمَا يُحْلَفُ بِهِ مِثْلُهُ مِنْ أهل دينه كَمَا فِي يَدِهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ تُرِكَ وَلَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ شَيْءٌ.
стр. 141
الذِّمِّيّ إِذا أسلم:
وَلا يُؤْخَذُ مِنْ مُسْلِمٍ جِزْيَةُ رَأْسِهِ؛ إِلا أَنْ يَكُونَ أَسْلَمَ بَعْدَ خُرُوجِ السَّنَةِ؛ فَإِنَّهُ إِذَا أَسْلَمَ بَعْدَ خُرُوجِهَا؛ فَقَدْ كَانَتِ الْجِزْيَةُ وَجَبَتْ عَلَيْهِ، وَصَارَتْ خَرَاجًا لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ فَتُؤْخَذُ مِنْهُ، وَإِنْ أَسْلَمَ قَبْلَ تَمَامِ السَّنَةِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ شَهْرٍ أَوْ شَهْرَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ لم يُؤْخَذ بِشَيْء مِنَ الْجِزْيَةِ إِذَا كَانَ أَسْلَمَ قبل انْقِضَاء السّنة.
الذِّمِّيّ إِذا مَاتَ قبل وجوب الْجِزْيَة:
وَإِنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْجِزْيَةَ فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ تُؤْخَذَ مِنْهُ أَوْ أُخِذَ بَعْضُهَا، وَبَقِيَ الْبَعْضُ لَمْ يُؤْخَذْ بِذَلِكَ وَرَثَتُهُ وَلَمْ تُؤْخَذْ مِنْ تَرِكَتِهِ؛ لأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِدَيْنٍ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ إِنْ أَسْلَمَ وَقَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ جِزْيَةِ رَأْسِهِ لَمْ يُؤْخَذْ بِذَلِكَ.
وَلا تُؤْخَذُ الْجِزَيَةُ مِنَ الشَّيْخِ الْكَبِير الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ الْعَمَلَ وَلا شَيْءَ لَهُ، وَكَذَلِكَ الْمَغْلُوبُ عَلَى عَقْلِهِ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ شَيْءٌ، وَلَيْسَ فِي مَوَاشِي أَهْلِ الذِّمَّةِ مِنَ الإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ زَكَاةٌ، وَالرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ.
قَالَ أَبُو يُوسُف: حَدثنَا سُفْيَان بن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَيْسَ فِي أَمْوَالِ أهل الذِّمَّة إِلَّا الْعَفو.
لَا زَكَاة على أهل الذِّمَّة ومعاملتهم بِالْحُسْنَى:
قَالَ أَبُو يُوسُفَ: وَلَيْسَ فِي شَيْء من أَمْوَالِهِمْ الرِّجَالُ مِنْهُمْ وَالنِّسَاءُ زَكَاةٌ؛ إِلا مَا اخْتَلَفُوا بِهِ فِي تِجَارَتِهِمْ فَإِنَّ عَلَيْهِمْ نِصْفُ الْعُشْرِ، وَلا يُؤْخَذُ مِنْ مَالٍ حَتَّى يَبْلُغَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ أَوْ عِشْرِينَ مِثْقَالا مِنَ الذَّهَبِ أَوْ قِيمَةَ ذَلِكَ مِنَ الْعَرُوضِ لِلتِّجَارَةِ، وَلا يُضْرَبُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي اسْتِيدَائِهِمُ الْجِزْيَةَ؛ وَلا يُقَامُوا فِي الشَّمْسِ وَلا غَيْرِهَا، وَلا يُجْعَلُ عَلَيْهِمْ فِي أَبْدَانِهِمْ شَيْءٌ مِنَ الْمَكَارِهِ؛ وَلَكِنْ يُرْفَقُ بِهِمْ، وَيُحْبَسُونَ حَتَّى يُؤَدُّوا مَا عَلَيْهِمْ وَلا يَخْرُجُونَ مِنَ الْحَبْسِ حَتَّى تُسْتَوْفَى مِنْهُمُ الْجِزْيَةَ، وَلا يَحِلُّ لِلْوَالِي أَنْ يَدَعَ أَحَدًا مِنَ النَّصَارَى وَالْيَهُودِ وَالْمَجُوسِ وَالصَّابِئِينَ وَالسَّامِرَةِ إِلا أَخَذَ مِنْهُمُ الْجِزْيَةَ، وَلا يُرَخَّصُ لأَحَدٍ مِنْهُمْ فِي تَرْكِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَلا يَحِلُّ أَنْ يَدَعَ وَاحِدًا وَيَأْخُذَ مِنْ وَاحِدٍ وَلا يَسَعُ ذَلِكَ؛ لأَنَّ دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ؛ إِنَّمَا أُحْرِزَتْ بِأَدَاءِ الْجِزْيَة، بِمَنْزِلَة مَال الْخراج.
стр. 142
أَمر الْأَمْصَار وتولية الْأمين عَلَيْهَا:
فَأَمَّا أَمْرُ الأَمْصَارِ -مِثْلِ مَدِينَةِ السَّلامِ وَالْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ وَمَا أَشْبَهَهَا- فَإِنِّي أَرَى أَنْ يُصَيِّرَهُ الْإِمَامُ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الصَّلاحِ فِي كُلِّ مِصْرٍ وَمِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ وَالثِّقَةِ مِمَّنْ يُوثَقُ بِدِينِهِ وَأَمَانَتِهِ وَيُصَيِّرَ مَعَهُ أَعْوَانًا يَجْمَعُونَ إِلَيْهِ أَهْلَ الأَدْيَانِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالصَّابِئِينَ وَالسَّامِرَةِ؛ فَيَأْخُذَ مِنْهُمْ عَلَى الطَّبَقَاتِ عَلَى مَا وَصَفْتُ: ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا عَلَى الْمُوسر مثل الصَّيْرَفِي والبزال وَصَاحب الشِّيعَة وَالتَّاجِرِ وَالْمُعَالِجِ الطَّبِيبِ، وَكُلِّ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ بِيَدِهِ صِنَاعَةٌ وَتِجَارَةٌ يَحْتَرِفُ بِهَا أَخَذَ مِنْ أَهْلِ كُلِّ صِنَاعَةٍ وَتِجَارَةٍ عَلَى قَدْرِ صناعتهم وتجارتهم: ثَمَانِيَة وَأَرْبَعُونَ درهما على الْمُوسر وَأَرْبَعَة وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا عَلَى الْوَسَطِ. مَنِ احْتَمَلَتْ صناعته ثَمَانِيَة أَرْبَعِينَ درهما أَخذ من ذَلِكَ، وَمَنِ احْتَمَلَتْ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ درهما أَخذ ذَلِك مِنْهُ، وَاثنا عَشَرَ دِرْهَمًا عَلَى الْعَامِلِ بِيَدِهِ مثل الْخياط والصباغ والإسكاف والخزاز وَمَنْ أَشْبَهَهُمْ؛ فَإِذَا اجْتَمَعَتْ إِلَى الْوُلاةِ عَلَيْهَا حَمَلُوهَا إِلَى بَيْتِ المَال.
أَمر السوَاد:
وَأَمَّا السَّوَادُ فَتُقَدِّمَ إِلَى وُلاتِكَ عَلَى الْخَرَاجِ أَنْ يَبْعَثُوا رِجَالا مِنْ قِبَلِهِمْ يَثِقُونَ بِدِينِهِمْ وَأَمَانَتِهِمْ يأْتونَ الْقرْيَة فيأمرون صَاحبهَا بِجمع مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسِ وَالصَّابِئِينَ وَالسَّامِرَةِ؛ فَإِذَا جَمَعُوهُمْ إِلَيْهِمْ أَخَذُوا مِنْهُمْ عَلَى مَا وَصَفْتُ لَكَ مِنَ الطَّبَقَاتِ، وَتُقَدِّمَ إِلَيْهِمْ فِي امْتِثَالِ مَا رَسَمْتُهُ وَوَصَفْتُهُ حَتَّى لَا يَتَعَدَّوْهُ إِلَى مَا سِوَاهُ، وَلا يَأْخُذُوا مَنْ لَمْ تَرَ الْجِزْيَةَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ بِشَيْء، وَلا يَقْصُدُوا بِظُلْمٍ وَلا تَعَسُّفٍ.
فَإِنْ قَالَ صَاحِبُ الْقَرْيَةِ أَنَا أُصَالِحُكُمْ عَنْهُمْ وَأُعْطِيكُمْ ذَلِكَ لَمْ يُجِيبُوهُ إِلَى مَا سَأَلَ؛ لأَنَّ ذِهَابَ الْجِزْيَةِ مَنْ هَذَا أَكْثَرَ لَعَلَّ صَاحِبَ الْقَرْيَةِ يُصَالِحَهُمْ عَلَى خَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ وفَيِها مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ مَنْ إِذَا أَخَذْتَ مِنْهُمُ الْجِزْيَةَ بَلَغَتْ أَلْفَ دِرْهَمٍ أَوْ أَكْثَرَ، وَهَذَا مِمَّا لَا يَحِلُّ وَلا يَسَعُ مَعَ مَا يَنَالُ الْخَرَاجَ مِنْهُ مِنَ النُّقْصَانِ لَعَلَّهُ أَنْ يَجْبِيَ مَنْ بِضَيْعَتِهِ أَهْلُ الذِّمَّةِ فَيُصِيبُ الْوَاحِدَ مِنْهُمْ أَقَلَّ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا وَلا يَحِلُّ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ ذَلِكَ؛ بَلْ لَعَلَّ فِيهِمْ مِنَ الْمَيَاسِيرِ مَنْ تَلْزَمُهُ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعُونَ دِرْهَمًا وَيَحْمِلُهَا وُلاةُ الْخَرَاجِ مَعَ الْخَرَاجِ إِلَى بَيت المَال لِأَنَّهُ فَيْء للْمُسلمين.
حكم مَا أَخذ من أَمْوَال أهل الذِّمَّة:
وَكُلُّ مَا أُخِذَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ مِنْ أَمْوَالِهِمُ الَّتِي يَخْتَلِفُونَ بِهَا فِي التِّجَارَةِ، وَمِمَّنْ دَخَلَ إِلَيْنَا بِأَمَانٍ وَمَا أُخِذَ مِنْ أهل الذمنة مِنْ أَرْضِ الْعُشْرِ الَّتِي صَارَتْ فِي أَيّدهُم وكل شَيْء يُؤْخَذ
стр. 143
مِنْ مَوَاشِي نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ، وَيُؤْخَذُ مِنْهَا مَا يَجِبُ عَلَيْهَا فِي دَارِهَا فَإِنَّ سَبِيلَ ذَلِكَ أَجْمَعُ كَسَبِيلِ الْخَرَاجِ يُقَسَّمُ فِيمَا يقسم يه الْخراج، وَلَيْسَ هَذَا كواضع الصَّدَقَةِ وَلا كَمَوَاضِعِ الْخُمُسِ قَدْ حَكَمَ اللَّهُ فِي الصَّدَقَةِ حُكْمًا قَسَّمَهَا عَلَيْهِ؛ فَهِيَ عَلَى ذَلِكَ، وَقَسَّمَ الْخُمُسَ قَسْمًا بَقِي عَلَيْهِ، فَلَيْسَ لِلنَّاسِ أَنْ يَتَعَدَّوْا ذَلِكَ وَلا يخالفوه.
الوصاة بِأَهْل الذِّمَّة وعقاب من أَسَاءَ إِلَيْهِم:
قَالَ أَبُو يُوسُف: وَقَدْ يَنْبَغِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَيَّدَكَ اللَّهُ أَنْ تَتَقَدَّمَ فِي الرِّفْقِ بِأَهْلِ ذِمَّةِ نَبِيِّكَ وَابْنِ عَمِّكَ مُحَمَّدٍ ﷺ وَالتَّفَقُّدِ لَهُمْ حَتَّى لَا يُظْلَمُوا وَلا يُؤْذَوْا وَلا يُكَلَّفُوا فَوْقَ طَاقَتِهِمْ وَلا يُؤْخَذُ شَيْءٌ مِنْ أَمْوَالِهِمْ إِلا بِحَقٍّ يَجِبُ عَلَيْهِمْ؛ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ ظَلَمَ مُعَاهَدًا أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ فَأَنَا حَجِيجُهُ".
وَكَانَ فِيمَا تَكَلَّمَ بِهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ عِنْدَ وَفَاتِهِ "أُوصِي الْخَلِيفَةَ مِنْ بَعْدِي بِذِمَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِنَّ يُوَفِّيَ لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ، وَأَنْ يُقَاتِلَ مِنْ وَرَائِهِمْ وَلا يُكَلَّفُوا فَوْقَ طَاقَتِهِمْ".
قَالَ: وَحَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعِيدِ بن زيد أَنَّهُ مَرَّ عَلَى قَوْمٍ قَدْ أُقِيمُوا فِي الشَّمْسِ فِي بَعْضِ أَرْضِ الشَّامِ؛ فَقَالَ: مَا شَأْنُ هَؤُلاءِ؟ فَقِيلَ لَهُ: أَقِيمُوا فِي الشَّمْسِ فِي الْجِزْيَةِ، قَالَ: فَكَرِهَ ذَلِكَ وَدَخَلَ عَلَى أَمِيرِهِمْ وَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنِ عَذَّبَ النَّاسَ عَذَّبَهُ اللَّهُ".
قَالَ: وَحَدَّثَنَا بَعْضُ أَشْيَاخِنَا عَنْ عُرْوَةَ بن هِشَامِ بْنِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ أَنَّهُ وَجَدَ عِيَاضَ بْنَ غَنَمٍ قَدْ أَقَامَ أَهْلَ الذِّمَّةِ فِي الشَّمْسِ فِي الْجِزْيَةِ، فَقَالَ: يَا عِيَاضُ مَا هَذَا؟ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: $"إِنَّ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ النَّاسَ فِي الدُّنْيَا يُعَذَّبُونَ فِي الآخِرَةِ".
قَالَ: وَحَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ مَرَّ بِطَرِيقِ الشَّامِ وَهُوَ رَاجِعٌ فِي مَسِيرِهِ مِنَ الشَّامِ عَلَى قَوْمٍ قَدْ أُقِيمُوا فِي الشَّمْسِ يُصَبُّ عَلَى رُءُوسِهِمُ الزَّيْتَ فَقَالَ: مَا بَالُ هَؤُلاءِ؟ فَقَالُوا عَلَيْهِمُ الْجِزْيَةَ لَمْ يُؤَدُّوهَا؛ فَهُمْ يُعَذَّبُونَ حَتَّى يُؤَدُّوهَا؛ فَقَالَ عُمَرُ: فَمَا يَقُولُونَ هُمْ وَمَا يَعْتَذِرُونَ بِهِ فِي الْجِزْيَةِ؟ قَالُوا: يَقُولُونَ لَا نَجِدُ، قَالَ: فَدَعُوهُمْ، لَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا لَا يَطِيقُونَ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا تُعَذِّبُوا النَّاسَ فَإِنَّ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ النَّاسَ فِي الدُّنْيَا يُعَذِّبُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"، وَأَمَرَ بهم فخلى سبيلهم.
стр. 144
قَالَ: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ الْمَشَايِخِ الْمُتَقَدِّمِينَ بِرَفْع الْحَدِيثَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ وَلَّى عَبْدَ اللَّهُ بْنَ أَرْقَمَ عَلَى جِزْيَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ؛ فَلَمَّا وَلَّى مِنْ عِنْدِهِ نَادَاهُ فَقَالَ: "أَلا مَنْ ظَلَمَ مُعَاهَدًا أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ أَوِ انْتَقَصَهُ أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسِهِ؛ فَأَنَا حَجِيجُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".
قَالَ: وحَدثني حُصَيْن بْنُ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: "أُوصِي الْخَلِيفَةُ مِنْ بَعْدِي بِأَهْلِ الذِّمَّةِ خَيْرًا أَنْ يُوَفِّيَ لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ، وَأَنْ يُقَاتِلَ مِنْ وَرَائِهِمْ وَأَنْ لَا يُكَلَّفُوا فَوْقَ طَاقَتِهِمْ".
قَالَ: وَحَدَّثَنَا وَرْقَاءُ الأَسَدِيُّ، عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ قَالَ: كُنَّا مَعَ سُلَيْمَان الْفَارِسِيِّ فِي غَزَاةٍ؛ فَمَرَّ رَجُلٌ وَقَدْ جَنَى فَاكِهَةً؛ فَجَعَلَ يُقَسِّمُهَا بَيْنَ أَصْحَابِهِ؛ فَمَرَّ بِسَلْمَانَ فَسَبَّهُ فَرَدَّ عَلَى سَلْمَانَ وَهُوَ لَا يَعْرِفُهُ. قَالَ فَقِيلَ لَهُ: هَذَا سَلْمَانُ. قَالَ: فَرَجَعَ فَجَعَلَ يَعْتَذِرُ إِلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ الرَّجُلُ: مَا يَحِلُّ لَنَا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ؟ قَالَ: ثَلاثٌ مَنْ عَمَاكَ إِلَى هُدَاكَ، وَمِنْ فَقْرِكَ إِلَى غِنَاكَ، وَإِذا صَحِبت الصاحب تَأْكُلُ مِنْ طَعَامِهِ وَيَأْكُلُ مِنْ طَعَامِكَ وَيَرْكَبُ دَابَّتَكَ وَتَرْكَبُ دَابَّتَهُ فِي أَنْ لَا تَصْرِفَهُ عَنْ وَجهه يُرِيدُهُ.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ نَافِع عَن أبي بكرَة قَالَ: مَرَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ بِبَابِ قَوْمٍ وَعَلَيْهِ سَائِلٌ يَسْأَلُ: شَيْخٌ كَبِيرٌ ضَرِيرُ الْبَصَرِ، فَضَرَبَ عَضُدَهُ مِنْ خَلْفِهِ، وَقَالَ: مِنْ أَيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنْتَ؟ فَقَالَ: يَهُودِيٌّ. قَالَ: فَمَا أَلْجَأَكَ إِلَى مَا أَرَى؟ قَالَ: أَسْأَلُ الْجِزْيَةَ وَالْحَاجَةَ وَالسِّنَّ. قَالَ: فَأَخَذَ عُمَرُ بِيَدِهِ، وَذَهَبَ بِهِ إِلَى مَنْزِلِهِ فَرَضَخَ١ لَهُ بِشَيْء مِنَ الْمَنْزِلِ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى خَازِنِ بَيْتِ الْمَالِ فَقَالَ: انْظُرْ هَذَا وَضُرَبَاءَهُ؛ فَوَاللَّهِ مَا أَنْصَفْنَاهُ أَن أكلنَا شبيته ثُمَّ نَخُذُلُهُ عِنْدَ الْهَرَمِ "إِنَّمَا الصَّدقَات للْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين"، وَالْفُقَرَاءُ هُمُ الْمُسْلِمُونَ وَهَذَا مِنَ الْمَسَاكِينِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَوَضَعَ عَنْهُ الْجِزْيَةَ وَعَنْ ضُرَبَائِهِ. قَالَ: قَالَ أَبُو بكرَة: أَنَا شَهِدْتُ ذَلِكَ مِنْ عُمَرَ وَرَأَيْتُ ذَلِكَ الشَّيْخَ.
قَالَ: وَحَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ بْنُ يُونُسَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الأَعْلَى قَالَ سَمِعْتُ سُوَيْدَ بْنَ غَفْلَةَ يَقُولُ: حَضَرْتُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁، وَقَدِ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ عُمَّالُهُ فَقَالَ: يَا هَؤُلاءِ، إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّكُمْ تَأْخُذُونَ فِي الْجِزْيَةِ الْمَيْتَةَ وَالْخِنْزِيرَ وَالْخَمْرَ؛ فَقَالَ بِلالٌ أَجَلْ إِنَّهُمْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ؛ فَقَالَ عُمَرُ: فَلَا تَفعلُوا؛ وَلَكِن وَلَو أَرْبَابَهَا بَيْعَهَا، ثُمَّ خُذُوا الثَّمَنَ مِنْهُم.
стр. 145
فَصْلٌ: فِي لِبَاسِ أَهْلِ الذِّمَّةِ وزيهم
قَالَ أَبُو يُوسُف: وَيَنْبَغِي مَعَ هَذَا أَن تختم رِقَابَهُمْ فِي وَقْتِ جِبَايَةِ جِزْيَةِ رُءُوسهم حَتَّى يفرغ من عرضهمْ ثُمَّ تُكَسَّرَ الْخَوَاتِيمُ كَمَا فَعَلَ بِهِمْ عُثْمَانُ بْنُ حَنِيفٍ إِنْ سَأَلُوا كَسْرَهَا، وَأَنْ يَتَقَدَّمَ فِي أَنْ لَا يُتْرَكَ أَحَدٌ مِنْهُمْ يَتَشَبَّهَ بِالْمُسْلِمِينَ فِي لِبَاسِهِ وَلا فِي مَرْكَبِهِ وَلا فِي هَيْئَتِهِ وَيُؤْخَذُوا بِأَنْ يَجْعَلُوا فِي أَوْسَاطِهِمُ الزُّنَّارَاتِ -مِثْلَ الْخَيْطِ الْغَلِيظِ يَعْقِدُهُ فِي وسط كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَبِأَنْ تَكُونَ قَلانِسَهُمْ مُضَرَّبَةً، وَأَنْ يَتَّخِذُوا عَلَى سُرُوجِهِمْ فِي مَوْضِعِ الْقَرَابِيسِ مِثْلَ الرُّمَّانَةِ مِنْ خَشَبٍ، وَبِأَنْ يَجْعَلُوا شِرَاكَ نِعَالِهِمْ مُثْنِيَّةً، وَلا يَحْذُوا عَلَى حَذْوِ الْمُسْلِمِينَ، وَتُمْنَعَ نِسَاؤُهُمْ مِنْ رُكُوبِ الرَّحَائِلِ وَيُمْنَعُوا مِنْ أَنْ يُحْدِثُوا بِنَاءَ بَيْعَةٍ أَوْ كَنِيسَةٍ فِي الْمَدِينَةِ إِلا مَا كَانُوا صُولِحُوا عَلَيْهِ وَصَارُوا ذِمَّةً وَهِيَ بَيْعَةٌ لَهُمْ أَوْ كَنِيسَةٍ؛ فَمَا كَانَ كَذَلِكَ تُرِكَتْ لَهُمْ وَلَمْ تُهْدَمَ، وَكَذَلِكَ بُيُوتُ النِّيرَانِ.
وَيُتْرَكُونَ يَسْكُنُون فِي أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ وَأَسْوَاقِهِمْ يَبِيعُونَ وَيَشْتَرُونَ وَلا يَبِيعُونَ خَمْرًا وَلا خِنْزِيرًا، وَلا يُظْهِرُونَ الصِّلْبَانَ فِي الأَمْصَارِ؛ وَلْتَكُنْ قَلانِسُهُمْ طُوَالا مُضَرَّبَةً؛ فَمُرْ عُمَّالَكَ أَنْ يَأْخُذُوا أَهْلَ الذِّمَّةِ بِهَذَا الزِّيِّ؛ هَكَذَا كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ أَمَرَ عُمَّالَهُ أَنْ يَأْخُذُوا أَهْلَ الذِّمَّةِ بِهَذَا الزي، وَقَالَ: وَحَتَّى يُعْرَفَ زِيَّهُمْ مِنْ زِيِّ الْمُسْلِمِينَ.
قَالَ أَبُو يُوسُف: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ ثَابِتِ بْنِ ثَوْبَانَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عمر بن عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ إِلَى عَامِلٍ لَهُ: أَمَّا بَعْدُ، فَلا تَدَعَنَّ صَلِيبًا ظَاهِرًا إِلا كُسِرَ وَمُحِقَ، وَلا يَرْكَبَنَّ يَهُودِيٌّ وَلا نَصْرَانِيٌّ عَلَى سَرْجٍ، وَلْيَرْكَبْ عَلَى إِكَافٍ، وَلا تَرْكَبَنَّ امْرَأَةٌ مِنْ نِسَائِهِمْ عَلَى رِحَالَةٍ، وَلْيَكُنْ رُكُوبُهَا عَلَى إِكَافٍ. وَتَقَدَّمْ فِي ذَلِكَ تَقَدُّمًا بَلِيغًا، وَامْنَعْ مَنْ قِبَلَكَ؛ فَلا يَلْبَسْ نَصْرَانِيٌّ قِبَاءً وَلا ثَوْبَ خَزٍّ وَلا عَصْبٍ١، وَقَدْ ذُكِرَ لِي أَنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ قِبَلَكَ مِنَ النَّصَارَى قَدْ رَاجَعُوا لُبْسَ الْعَمَائِمِ وَتَرَكُوا الْمَنَاطِقَ عَلَى أَوْسَاطِهِمْ وَاتَّخَذُوا الْجِمَامَ وَالْوَفْرَ٢ وَتَرَكُوا التَّقْصِيصَ، وَلَعَمْرِي لَئِنْ كَانَ يُصْنَعُ ذَلِكَ فِيمَا قَبْلَكَ، إِنَّ ذَلِكَ بِكَ لَضَعْفٌ وَعَجْزٌ وَمُصَانَعَةٌ، وَإِنَّهُمْ حِينَ يُرَاجِعُونَ ذَلِكَ لِيَعْلَمُوا مَا أَنْتَ؛ فَانْظُر كل شَيْء
следующие страницы →