← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 26333

الخراج لأبي يوسف

أبو يوسف القاضي

Полный текст (280 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الذِّمِّيّ إِذا أسلم: وَلا يُؤْخَذُ مِنْ مُسْلِمٍ جِزْيَةُ رَأْسِهِ؛ إِلا أَنْ يَكُونَ أَسْلَمَ بَعْدَ خُرُوجِ السَّنَةِ؛ فَإِنَّهُ إِذَا أَسْلَمَ بَعْدَ خُرُوجِهَا؛ فَقَدْ كَانَتِ الْجِزْيَةُ وَجَبَتْ عَلَيْهِ، وَصَارَتْ خَرَاجًا لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ فَتُؤْخَذُ مِنْهُ، وَإِنْ أَسْلَمَ قَبْلَ تَمَامِ السَّنَةِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ شَهْرٍ أَوْ شَهْرَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ لم يُؤْخَذ بِشَيْء مِنَ الْجِزْيَةِ إِذَا كَانَ أَسْلَمَ قبل انْقِضَاء السّنة. الذِّمِّيّ إِذا مَاتَ قبل وجوب الْجِزْيَة: وَإِنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْجِزْيَةَ فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ تُؤْخَذَ مِنْهُ أَوْ أُخِذَ بَعْضُهَا، وَبَقِيَ الْبَعْضُ لَمْ يُؤْخَذْ بِذَلِكَ وَرَثَتُهُ وَلَمْ تُؤْخَذْ مِنْ تَرِكَتِهِ؛ لأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِدَيْنٍ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ إِنْ أَسْلَمَ وَقَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ جِزْيَةِ رَأْسِهِ لَمْ يُؤْخَذْ بِذَلِكَ. وَلا تُؤْخَذُ الْجِزَيَةُ مِنَ الشَّيْخِ الْكَبِير الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ الْعَمَلَ وَلا شَيْءَ لَهُ، وَكَذَلِكَ الْمَغْلُوبُ عَلَى عَقْلِهِ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ شَيْءٌ، وَلَيْسَ فِي مَوَاشِي أَهْلِ الذِّمَّةِ مِنَ الإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ زَكَاةٌ، وَالرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ. قَالَ أَبُو يُوسُف: حَدثنَا سُفْيَان بن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَيْسَ فِي أَمْوَالِ أهل الذِّمَّة إِلَّا الْعَفو. لَا زَكَاة على أهل الذِّمَّة ومعاملتهم بِالْحُسْنَى: قَالَ أَبُو يُوسُفَ: وَلَيْسَ فِي شَيْء من أَمْوَالِهِمْ الرِّجَالُ مِنْهُمْ وَالنِّسَاءُ زَكَاةٌ؛ إِلا مَا اخْتَلَفُوا بِهِ فِي تِجَارَتِهِمْ فَإِنَّ عَلَيْهِمْ نِصْفُ الْعُشْرِ، وَلا يُؤْخَذُ مِنْ مَالٍ حَتَّى يَبْلُغَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ أَوْ عِشْرِينَ مِثْقَالا مِنَ الذَّهَبِ أَوْ قِيمَةَ ذَلِكَ مِنَ الْعَرُوضِ لِلتِّجَارَةِ، وَلا يُضْرَبُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي اسْتِيدَائِهِمُ الْجِزْيَةَ؛ وَلا يُقَامُوا فِي الشَّمْسِ وَلا غَيْرِهَا، وَلا يُجْعَلُ عَلَيْهِمْ فِي أَبْدَانِهِمْ شَيْءٌ مِنَ الْمَكَارِهِ؛ وَلَكِنْ يُرْفَقُ بِهِمْ، وَيُحْبَسُونَ حَتَّى يُؤَدُّوا مَا عَلَيْهِمْ وَلا يَخْرُجُونَ مِنَ الْحَبْسِ حَتَّى تُسْتَوْفَى مِنْهُمُ الْجِزْيَةَ، وَلا يَحِلُّ لِلْوَالِي أَنْ يَدَعَ أَحَدًا مِنَ النَّصَارَى وَالْيَهُودِ وَالْمَجُوسِ وَالصَّابِئِينَ وَالسَّامِرَةِ إِلا أَخَذَ مِنْهُمُ الْجِزْيَةَ، وَلا يُرَخَّصُ لأَحَدٍ مِنْهُمْ فِي تَرْكِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَلا يَحِلُّ أَنْ يَدَعَ وَاحِدًا وَيَأْخُذَ مِنْ وَاحِدٍ وَلا يَسَعُ ذَلِكَ؛ لأَنَّ دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ؛ إِنَّمَا أُحْرِزَتْ بِأَدَاءِ الْجِزْيَة، بِمَنْزِلَة مَال الْخراج.

стр. 142

أَمر الْأَمْصَار وتولية الْأمين عَلَيْهَا: فَأَمَّا أَمْرُ الأَمْصَارِ -مِثْلِ مَدِينَةِ السَّلامِ وَالْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ وَمَا أَشْبَهَهَا- فَإِنِّي أَرَى أَنْ يُصَيِّرَهُ الْإِمَامُ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الصَّلاحِ فِي كُلِّ مِصْرٍ وَمِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ وَالثِّقَةِ مِمَّنْ يُوثَقُ بِدِينِهِ وَأَمَانَتِهِ وَيُصَيِّرَ مَعَهُ أَعْوَانًا يَجْمَعُونَ إِلَيْهِ أَهْلَ الأَدْيَانِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالصَّابِئِينَ وَالسَّامِرَةِ؛ فَيَأْخُذَ مِنْهُمْ عَلَى الطَّبَقَاتِ عَلَى مَا وَصَفْتُ: ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا عَلَى الْمُوسر مثل الصَّيْرَفِي والبزال وَصَاحب الشِّيعَة وَالتَّاجِرِ وَالْمُعَالِجِ الطَّبِيبِ، وَكُلِّ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ بِيَدِهِ صِنَاعَةٌ وَتِجَارَةٌ يَحْتَرِفُ بِهَا أَخَذَ مِنْ أَهْلِ كُلِّ صِنَاعَةٍ وَتِجَارَةٍ عَلَى قَدْرِ صناعتهم وتجارتهم: ثَمَانِيَة وَأَرْبَعُونَ درهما على الْمُوسر وَأَرْبَعَة وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا عَلَى الْوَسَطِ. مَنِ احْتَمَلَتْ صناعته ثَمَانِيَة أَرْبَعِينَ درهما أَخذ من ذَلِكَ، وَمَنِ احْتَمَلَتْ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ درهما أَخذ ذَلِك مِنْهُ، وَاثنا عَشَرَ دِرْهَمًا عَلَى الْعَامِلِ بِيَدِهِ مثل الْخياط والصباغ والإسكاف والخزاز وَمَنْ أَشْبَهَهُمْ؛ فَإِذَا اجْتَمَعَتْ إِلَى الْوُلاةِ عَلَيْهَا حَمَلُوهَا إِلَى بَيْتِ المَال. أَمر السوَاد: وَأَمَّا السَّوَادُ فَتُقَدِّمَ إِلَى وُلاتِكَ عَلَى الْخَرَاجِ أَنْ يَبْعَثُوا رِجَالا مِنْ قِبَلِهِمْ يَثِقُونَ بِدِينِهِمْ وَأَمَانَتِهِمْ يأْتونَ الْقرْيَة فيأمرون صَاحبهَا بِجمع مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسِ وَالصَّابِئِينَ وَالسَّامِرَةِ؛ فَإِذَا جَمَعُوهُمْ إِلَيْهِمْ أَخَذُوا مِنْهُمْ عَلَى مَا وَصَفْتُ لَكَ مِنَ الطَّبَقَاتِ، وَتُقَدِّمَ إِلَيْهِمْ فِي امْتِثَالِ مَا رَسَمْتُهُ وَوَصَفْتُهُ حَتَّى لَا يَتَعَدَّوْهُ إِلَى مَا سِوَاهُ، وَلا يَأْخُذُوا مَنْ لَمْ تَرَ الْجِزْيَةَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ بِشَيْء، وَلا يَقْصُدُوا بِظُلْمٍ وَلا تَعَسُّفٍ. فَإِنْ قَالَ صَاحِبُ الْقَرْيَةِ أَنَا أُصَالِحُكُمْ عَنْهُمْ وَأُعْطِيكُمْ ذَلِكَ لَمْ يُجِيبُوهُ إِلَى مَا سَأَلَ؛ لأَنَّ ذِهَابَ الْجِزْيَةِ مَنْ هَذَا أَكْثَرَ لَعَلَّ صَاحِبَ الْقَرْيَةِ يُصَالِحَهُمْ عَلَى خَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ وفَيِها مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ مَنْ إِذَا أَخَذْتَ مِنْهُمُ الْجِزْيَةَ بَلَغَتْ أَلْفَ دِرْهَمٍ أَوْ أَكْثَرَ، وَهَذَا مِمَّا لَا يَحِلُّ وَلا يَسَعُ مَعَ مَا يَنَالُ الْخَرَاجَ مِنْهُ مِنَ النُّقْصَانِ لَعَلَّهُ أَنْ يَجْبِيَ مَنْ بِضَيْعَتِهِ أَهْلُ الذِّمَّةِ فَيُصِيبُ الْوَاحِدَ مِنْهُمْ أَقَلَّ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا وَلا يَحِلُّ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ ذَلِكَ؛ بَلْ لَعَلَّ فِيهِمْ مِنَ الْمَيَاسِيرِ مَنْ تَلْزَمُهُ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعُونَ دِرْهَمًا وَيَحْمِلُهَا وُلاةُ الْخَرَاجِ مَعَ الْخَرَاجِ إِلَى بَيت المَال لِأَنَّهُ فَيْء للْمُسلمين. حكم مَا أَخذ من أَمْوَال أهل الذِّمَّة: وَكُلُّ مَا أُخِذَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ مِنْ أَمْوَالِهِمُ الَّتِي يَخْتَلِفُونَ بِهَا فِي التِّجَارَةِ، وَمِمَّنْ دَخَلَ إِلَيْنَا بِأَمَانٍ وَمَا أُخِذَ مِنْ أهل الذمنة مِنْ أَرْضِ الْعُشْرِ الَّتِي صَارَتْ فِي أَيّدهُم وكل شَيْء يُؤْخَذ

стр. 143

مِنْ مَوَاشِي نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ، وَيُؤْخَذُ مِنْهَا مَا يَجِبُ عَلَيْهَا فِي دَارِهَا فَإِنَّ سَبِيلَ ذَلِكَ أَجْمَعُ كَسَبِيلِ الْخَرَاجِ يُقَسَّمُ فِيمَا يقسم يه الْخراج، وَلَيْسَ هَذَا كواضع الصَّدَقَةِ وَلا كَمَوَاضِعِ الْخُمُسِ قَدْ حَكَمَ اللَّهُ فِي الصَّدَقَةِ حُكْمًا قَسَّمَهَا عَلَيْهِ؛ فَهِيَ عَلَى ذَلِكَ، وَقَسَّمَ الْخُمُسَ قَسْمًا بَقِي عَلَيْهِ، فَلَيْسَ لِلنَّاسِ أَنْ يَتَعَدَّوْا ذَلِكَ وَلا يخالفوه. الوصاة بِأَهْل الذِّمَّة وعقاب من أَسَاءَ إِلَيْهِم: قَالَ أَبُو يُوسُف: وَقَدْ يَنْبَغِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَيَّدَكَ اللَّهُ أَنْ تَتَقَدَّمَ فِي الرِّفْقِ بِأَهْلِ ذِمَّةِ نَبِيِّكَ وَابْنِ عَمِّكَ مُحَمَّدٍ ﷺ وَالتَّفَقُّدِ لَهُمْ حَتَّى لَا يُظْلَمُوا وَلا يُؤْذَوْا وَلا يُكَلَّفُوا فَوْقَ طَاقَتِهِمْ وَلا يُؤْخَذُ شَيْءٌ مِنْ أَمْوَالِهِمْ إِلا بِحَقٍّ يَجِبُ عَلَيْهِمْ؛ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ ظَلَمَ مُعَاهَدًا أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ فَأَنَا حَجِيجُهُ". وَكَانَ فِيمَا تَكَلَّمَ بِهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ عِنْدَ وَفَاتِهِ "أُوصِي الْخَلِيفَةَ مِنْ بَعْدِي بِذِمَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِنَّ يُوَفِّيَ لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ، وَأَنْ يُقَاتِلَ مِنْ وَرَائِهِمْ وَلا يُكَلَّفُوا فَوْقَ طَاقَتِهِمْ". قَالَ: وَحَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعِيدِ بن زيد أَنَّهُ مَرَّ عَلَى قَوْمٍ قَدْ أُقِيمُوا فِي الشَّمْسِ فِي بَعْضِ أَرْضِ الشَّامِ؛ فَقَالَ: مَا شَأْنُ هَؤُلاءِ؟ فَقِيلَ لَهُ: أَقِيمُوا فِي الشَّمْسِ فِي الْجِزْيَةِ، قَالَ: فَكَرِهَ ذَلِكَ وَدَخَلَ عَلَى أَمِيرِهِمْ وَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنِ عَذَّبَ النَّاسَ عَذَّبَهُ اللَّهُ". قَالَ: وَحَدَّثَنَا بَعْضُ أَشْيَاخِنَا عَنْ عُرْوَةَ بن هِشَامِ بْنِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ أَنَّهُ وَجَدَ عِيَاضَ بْنَ غَنَمٍ قَدْ أَقَامَ أَهْلَ الذِّمَّةِ فِي الشَّمْسِ فِي الْجِزْيَةِ، فَقَالَ: يَا عِيَاضُ مَا هَذَا؟ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: $"إِنَّ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ النَّاسَ فِي الدُّنْيَا يُعَذَّبُونَ فِي الآخِرَةِ". قَالَ: وَحَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ مَرَّ بِطَرِيقِ الشَّامِ وَهُوَ رَاجِعٌ فِي مَسِيرِهِ مِنَ الشَّامِ عَلَى قَوْمٍ قَدْ أُقِيمُوا فِي الشَّمْسِ يُصَبُّ عَلَى رُءُوسِهِمُ الزَّيْتَ فَقَالَ: مَا بَالُ هَؤُلاءِ؟ فَقَالُوا عَلَيْهِمُ الْجِزْيَةَ لَمْ يُؤَدُّوهَا؛ فَهُمْ يُعَذَّبُونَ حَتَّى يُؤَدُّوهَا؛ فَقَالَ عُمَرُ: فَمَا يَقُولُونَ هُمْ وَمَا يَعْتَذِرُونَ بِهِ فِي الْجِزْيَةِ؟ قَالُوا: يَقُولُونَ لَا نَجِدُ، قَالَ: فَدَعُوهُمْ، لَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا لَا يَطِيقُونَ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا تُعَذِّبُوا النَّاسَ فَإِنَّ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ النَّاسَ فِي الدُّنْيَا يُعَذِّبُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"، وَأَمَرَ بهم فخلى سبيلهم.

стр. 144

قَالَ: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ الْمَشَايِخِ الْمُتَقَدِّمِينَ بِرَفْع الْحَدِيثَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ وَلَّى عَبْدَ اللَّهُ بْنَ أَرْقَمَ عَلَى جِزْيَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ؛ فَلَمَّا وَلَّى مِنْ عِنْدِهِ نَادَاهُ فَقَالَ: "أَلا مَنْ ظَلَمَ مُعَاهَدًا أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ أَوِ انْتَقَصَهُ أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسِهِ؛ فَأَنَا حَجِيجُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". قَالَ: وحَدثني حُصَيْن بْنُ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: "أُوصِي الْخَلِيفَةُ مِنْ بَعْدِي بِأَهْلِ الذِّمَّةِ خَيْرًا أَنْ يُوَفِّيَ لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ، وَأَنْ يُقَاتِلَ مِنْ وَرَائِهِمْ وَأَنْ لَا يُكَلَّفُوا فَوْقَ طَاقَتِهِمْ". قَالَ: وَحَدَّثَنَا وَرْقَاءُ الأَسَدِيُّ، عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ قَالَ: كُنَّا مَعَ سُلَيْمَان الْفَارِسِيِّ فِي غَزَاةٍ؛ فَمَرَّ رَجُلٌ وَقَدْ جَنَى فَاكِهَةً؛ فَجَعَلَ يُقَسِّمُهَا بَيْنَ أَصْحَابِهِ؛ فَمَرَّ بِسَلْمَانَ فَسَبَّهُ فَرَدَّ عَلَى سَلْمَانَ وَهُوَ لَا يَعْرِفُهُ. قَالَ فَقِيلَ لَهُ: هَذَا سَلْمَانُ. قَالَ: فَرَجَعَ فَجَعَلَ يَعْتَذِرُ إِلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ الرَّجُلُ: مَا يَحِلُّ لَنَا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ؟ قَالَ: ثَلاثٌ مَنْ عَمَاكَ إِلَى هُدَاكَ، وَمِنْ فَقْرِكَ إِلَى غِنَاكَ، وَإِذا صَحِبت الصاحب تَأْكُلُ مِنْ طَعَامِهِ وَيَأْكُلُ مِنْ طَعَامِكَ وَيَرْكَبُ دَابَّتَكَ وَتَرْكَبُ دَابَّتَهُ فِي أَنْ لَا تَصْرِفَهُ عَنْ وَجهه يُرِيدُهُ. قَالَ: وَحَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ نَافِع عَن أبي بكرَة قَالَ: مَرَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ بِبَابِ قَوْمٍ وَعَلَيْهِ سَائِلٌ يَسْأَلُ: شَيْخٌ كَبِيرٌ ضَرِيرُ الْبَصَرِ، فَضَرَبَ عَضُدَهُ مِنْ خَلْفِهِ، وَقَالَ: مِنْ أَيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنْتَ؟ فَقَالَ: يَهُودِيٌّ. قَالَ: فَمَا أَلْجَأَكَ إِلَى مَا أَرَى؟ قَالَ: أَسْأَلُ الْجِزْيَةَ وَالْحَاجَةَ وَالسِّنَّ. قَالَ: فَأَخَذَ عُمَرُ بِيَدِهِ، وَذَهَبَ بِهِ إِلَى مَنْزِلِهِ فَرَضَخَ١ لَهُ بِشَيْء مِنَ الْمَنْزِلِ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى خَازِنِ بَيْتِ الْمَالِ فَقَالَ: انْظُرْ هَذَا وَضُرَبَاءَهُ؛ فَوَاللَّهِ مَا أَنْصَفْنَاهُ أَن أكلنَا شبيته ثُمَّ نَخُذُلُهُ عِنْدَ الْهَرَمِ "إِنَّمَا الصَّدقَات للْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين"، وَالْفُقَرَاءُ هُمُ الْمُسْلِمُونَ وَهَذَا مِنَ الْمَسَاكِينِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَوَضَعَ عَنْهُ الْجِزْيَةَ وَعَنْ ضُرَبَائِهِ. قَالَ: قَالَ أَبُو بكرَة: أَنَا شَهِدْتُ ذَلِكَ مِنْ عُمَرَ وَرَأَيْتُ ذَلِكَ الشَّيْخَ. قَالَ: وَحَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ بْنُ يُونُسَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الأَعْلَى قَالَ سَمِعْتُ سُوَيْدَ بْنَ غَفْلَةَ يَقُولُ: حَضَرْتُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁، وَقَدِ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ عُمَّالُهُ فَقَالَ: يَا هَؤُلاءِ، إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّكُمْ تَأْخُذُونَ فِي الْجِزْيَةِ الْمَيْتَةَ وَالْخِنْزِيرَ وَالْخَمْرَ؛ فَقَالَ بِلالٌ أَجَلْ إِنَّهُمْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ؛ فَقَالَ عُمَرُ: فَلَا تَفعلُوا؛ وَلَكِن وَلَو أَرْبَابَهَا بَيْعَهَا، ثُمَّ خُذُوا الثَّمَنَ مِنْهُم.

стр. 145

فَصْلٌ: فِي لِبَاسِ أَهْلِ الذِّمَّةِ وزيهم قَالَ أَبُو يُوسُف: وَيَنْبَغِي مَعَ هَذَا أَن تختم رِقَابَهُمْ فِي وَقْتِ جِبَايَةِ جِزْيَةِ رُءُوسهم حَتَّى يفرغ من عرضهمْ ثُمَّ تُكَسَّرَ الْخَوَاتِيمُ كَمَا فَعَلَ بِهِمْ عُثْمَانُ بْنُ حَنِيفٍ إِنْ سَأَلُوا كَسْرَهَا، وَأَنْ يَتَقَدَّمَ فِي أَنْ لَا يُتْرَكَ أَحَدٌ مِنْهُمْ يَتَشَبَّهَ بِالْمُسْلِمِينَ فِي لِبَاسِهِ وَلا فِي مَرْكَبِهِ وَلا فِي هَيْئَتِهِ وَيُؤْخَذُوا بِأَنْ يَجْعَلُوا فِي أَوْسَاطِهِمُ الزُّنَّارَاتِ -مِثْلَ الْخَيْطِ الْغَلِيظِ يَعْقِدُهُ فِي وسط كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَبِأَنْ تَكُونَ قَلانِسَهُمْ مُضَرَّبَةً، وَأَنْ يَتَّخِذُوا عَلَى سُرُوجِهِمْ فِي مَوْضِعِ الْقَرَابِيسِ مِثْلَ الرُّمَّانَةِ مِنْ خَشَبٍ، وَبِأَنْ يَجْعَلُوا شِرَاكَ نِعَالِهِمْ مُثْنِيَّةً، وَلا يَحْذُوا عَلَى حَذْوِ الْمُسْلِمِينَ، وَتُمْنَعَ نِسَاؤُهُمْ مِنْ رُكُوبِ الرَّحَائِلِ وَيُمْنَعُوا مِنْ أَنْ يُحْدِثُوا بِنَاءَ بَيْعَةٍ أَوْ كَنِيسَةٍ فِي الْمَدِينَةِ إِلا مَا كَانُوا صُولِحُوا عَلَيْهِ وَصَارُوا ذِمَّةً وَهِيَ بَيْعَةٌ لَهُمْ أَوْ كَنِيسَةٍ؛ فَمَا كَانَ كَذَلِكَ تُرِكَتْ لَهُمْ وَلَمْ تُهْدَمَ، وَكَذَلِكَ بُيُوتُ النِّيرَانِ. وَيُتْرَكُونَ يَسْكُنُون فِي أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ وَأَسْوَاقِهِمْ يَبِيعُونَ وَيَشْتَرُونَ وَلا يَبِيعُونَ خَمْرًا وَلا خِنْزِيرًا، وَلا يُظْهِرُونَ الصِّلْبَانَ فِي الأَمْصَارِ؛ وَلْتَكُنْ قَلانِسُهُمْ طُوَالا مُضَرَّبَةً؛ فَمُرْ عُمَّالَكَ أَنْ يَأْخُذُوا أَهْلَ الذِّمَّةِ بِهَذَا الزِّيِّ؛ هَكَذَا كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ أَمَرَ عُمَّالَهُ أَنْ يَأْخُذُوا أَهْلَ الذِّمَّةِ بِهَذَا الزي، وَقَالَ: وَحَتَّى يُعْرَفَ زِيَّهُمْ مِنْ زِيِّ الْمُسْلِمِينَ. قَالَ أَبُو يُوسُف: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ ثَابِتِ بْنِ ثَوْبَانَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عمر بن عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ إِلَى عَامِلٍ لَهُ: أَمَّا بَعْدُ، فَلا تَدَعَنَّ صَلِيبًا ظَاهِرًا إِلا كُسِرَ وَمُحِقَ، وَلا يَرْكَبَنَّ يَهُودِيٌّ وَلا نَصْرَانِيٌّ عَلَى سَرْجٍ، وَلْيَرْكَبْ عَلَى إِكَافٍ، وَلا تَرْكَبَنَّ امْرَأَةٌ مِنْ نِسَائِهِمْ عَلَى رِحَالَةٍ، وَلْيَكُنْ رُكُوبُهَا عَلَى إِكَافٍ. وَتَقَدَّمْ فِي ذَلِكَ تَقَدُّمًا بَلِيغًا، وَامْنَعْ مَنْ قِبَلَكَ؛ فَلا يَلْبَسْ نَصْرَانِيٌّ قِبَاءً وَلا ثَوْبَ خَزٍّ وَلا عَصْبٍ١، وَقَدْ ذُكِرَ لِي أَنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ قِبَلَكَ مِنَ النَّصَارَى قَدْ رَاجَعُوا لُبْسَ الْعَمَائِمِ وَتَرَكُوا الْمَنَاطِقَ عَلَى أَوْسَاطِهِمْ وَاتَّخَذُوا الْجِمَامَ وَالْوَفْرَ٢ وَتَرَكُوا التَّقْصِيصَ، وَلَعَمْرِي لَئِنْ كَانَ يُصْنَعُ ذَلِكَ فِيمَا قَبْلَكَ، إِنَّ ذَلِكَ بِكَ لَضَعْفٌ وَعَجْزٌ وَمُصَانَعَةٌ، وَإِنَّهُمْ حِينَ يُرَاجِعُونَ ذَلِكَ لِيَعْلَمُوا مَا أَنْتَ؛ فَانْظُر كل شَيْء

стр. 146

نهيت فاحسم عَنْهُ مَنْ فَعَلَهُ وَالسَّلامُ. قَالَ أَبُو يُوسُف: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ، عَنْ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ عَنْ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ أَنْ يَخْتِمُوا رِقَابَ أَهْلِ الذِّمَّةِ. قَالَ: وَحَدَّثَنِي كَامِلُ بْنُ الْعَلاءِ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ أَنَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: بَعَثَ عُثْمَانَ بْنَ حَنِيفٍ عَلَى مِسَاحَةٍ أَرْضِ السَّوَادِ؛ فَفَرَضَ عَلَى كُلِّ جَرِيبِ أَرْضٍ -عَامِرٍ أَوْ غَامِرٍ- دِرْهَمًا وَقَفِيزًا، وَخَتَمَ عَلَى عُلُوجِ السَّوَادِ؛ فَخَتَمَ خَمْسَمِائَةِ أَلْفِ عِلْجٍ عَلَى الطَّبَقَاتِ: ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ وَأَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ، وَاثْنَيْ عَشَرَ؛ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ عَرْضِهِمْ دَفَعَهُمْ إِلَى الدَّهَاقِينِ وَكَسَرَ الْخَوَاتِيمَ. قَالَ: وَحَدَّثَنَا عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي الْكُفَّارِ أَنِ اقْتُلُوا مَنْ جَرَتْ عَلَيْهِ الْمَوَاسِيُّ١، وَلا تَأْخُذُوا مِنِ امْرَأَةٍ وَلا صَبِيٍّ، وَلا تَأْخُذُوا الْجِزْيَة إِلا أَرْبَعَةَ دَنَانِيرَ أَوْ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا، وَجَعَلَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مدي حنظة، وَأَمَرَ أَنْ يُخْتَمَ فِي أَعْنَاقِهِمْ. قَالَ وَحَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ عِمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ أَوْ مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: أَمَرَنِي النَّبِيُّ ﷺ حِينَ بَعَثَنِي عَلَى الْيَمَنِ أَنْ آخُذَ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارا.

стр. 147

فَصْلٌ: فِي الْمَجُوسِ وَعَبَدَةِ الأَوْثَانِ وَأهل الرِّدَّة قَالَ أَبُو يُوسُف: وَجَمِيعُ أَهْلِ الشِّرْكِ مِنَ الْمَجُوسِ وَعَبَدَةِ الأَوْثَانِ وَعَبَدَةِ النِّيرَانِ وَالْحِجَارَةِ وَالصَّابِئِينَ وَالسَّامِرَةِ تُؤْخَذُ مِنْهُمُ الْجِزْيَةَ مَا خَلا أَهْلَ الرِّدَّةِ مِنْ أَهْلِ الإِسْلامِ وَأَهْلِ الأَوْثَانِ مِنَ الْعَرَبِ؛ فَإِنَّ الْحُكْمَ فِيهِمْ أَنْ يُعْرَضَ عَلَيْهِمُ الإِسْلامَ؛ فَإِنْ أَسْلَمُوا وَإِلا قُتِلَ الرِّجَالُ مِنْهُمْ وَسُبِيَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ. قَالَ: وَلَيْسَ أَهْلُ الشِّرْكِ مِنْ عَبَدَةِ الأَوْثَانِ وَعَبَدَةِ النِّيرَانِ وَالْمَجُوسِ فِي الذَّبَائِحِ وَالْمُنَاكَحَةِ عَلَى مِثْلِ مَا عَلَيْهِ أَهْلُ الْكِتَابِ، لِمَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْجَمَاعَةُ وَالْعَمَل، لَا اخْتِلَاف فِيهِ. أَخذ الْجِزْيَة من الْمَجُوس وَسَببه: قَالَ: حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ الأَسَدِيُّ عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ الْجَدَلِيِّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: صَالَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَجُوسَ أَهْلِ هَجَرَ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمُ الْجِزْيَةَ، غَيْرَ مُسْتَحِلٍّ مُنَاكَحَةَ نِسَائِهِمْ وَلَا أكل ذَبَائِحهم. قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّدُ بْنُ السَّائِبِ الْكَلْبِيُّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْ مَجُوسِ أَهْلِ هَجَرَ. قَالَ: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَشْيَاخِنَا عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ قَالَ: أَوَّلُ مَنْ فَرَضَ الْخَرَاجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرَضَ عَلَى أَهْلِ هَجَرَ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى؛ فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فَرَضَ عَلَى أَهْلِ السَّوَادِ. قَالَ: وَحَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ بُجَالَةَ بْنِ عَبْدَةَ الْعَنْبَري أَنه كَانَ كَاتبا لحزء بن مُعَاوِيَةَ، وَكَانَ وَالِيًا عَلَى مَنَاذِرَ١ وَدِسْتِ مَيْسَانَ٢ قَالَ: وَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنْ خُذْ مِمَّنْ قِبَلَكَ مِنَ الْمَجُوسِ الْجِزْيَةَ؛ فَإِنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْ مَجُوسِ هجر.

стр. 148

قَالَ: وَحَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ نَصْرِ بْنِ عَاصِمٍ اللَّيْثِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ أَخَذُوا الْجِزْيَةَ مِنَ الْمَجُوسِ، قَالَ عَليّ ﵁: وَأَنَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِهِمْ، كَانُوا أَهْلَ كِتَابٍ يَقْرَأُونَهُ، وَعِلْمٍ يَدْرُسُونَهُ؛ فَنُزِعَ مِنْ صُدُورِهِمْ. قَالَ: وَحَدَّثَنَا بَعْضُ الْمَشْيَخَةِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: ذُكِرَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَوْمٌ يَعْبُدُونَ النَّارَ لَيْسُوا يَهُودًا وَلا نَصَارَى وَلا أَهْلَ كِتَابٍ فَقَالَ عُمَرُ: مَا أَدْرِي مَا أَصْنَعُ بِهَؤُلاءِ؟ فَقَامَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فَقَالَ: أَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ"١. قَالَ: وَحَدَّثَنَا قُطْرُ بْنُ خَلِيفَةَ أَنَّ فَرْوَةَ بْنَ نَوْفَلٍ الأَشْجَعِيَّ قَالَ: إِنَّ هَذَا الأَمْرَ عَظِيمٌ، يُؤْخَذُ مِنَ الْمَجُوسِ الْجِزْيَةَ وَلَيْسُوا بِأَهْلِ كِتَابٍ؟ قَالَ: فَقَامَ إِلَيْهِ الْمُسْتَوْرِدُ بْنُ الأَحْنَفِ؛ فَقَالَ: طَعَنْتَ عَلَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَتُبْ وَإِلا قَتَلْتُكَ وَاللَّهِ، وَقَالَ: وَقَدْ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ مَجُوسِ أهل هجر الْجِزْيَة قَالَ: فارتفعا إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁؛ فَقَالَ: سَأُحَدِّثُكُمَا بِحَدِيثٍ تَرْضَيَانِهِ جَمِيعًا عَنِ الْمَجُوسِ: إِنَّ الْمَجُوسَ كَانُوا أُمَّةً لَهُمْ كِتَابٌ يَقْرَأُونَهُ، وَأَنَّ مَلِكًا لَهُمْ شَرِبَ حَتَّى سَكِرَ؛ فَأَخَذَ بِيَدِ أخْتِهِ فَأَخْرَجَهَا مِنَ الْقَرْيَةِ وَأَتْبَعَهُ أَرْبَعَةُ رَهْطٍ فَوَقَعَ عَلَيْهَا وَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ؛ فَلَمَّا أَفَاقَ مِنْ سُكْرِهِ قَالَتْ لَهُ أُخْتُهُ إِنَّكَ صَنَعْتَ كَذَا وَكَذَا وَفُلَان وَفُلانٌ وَفُلانٌ وَفُلانٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ؛ فَقَالَ: مَا عَلِمْتُ بِذَلِكَ؛ فَقَالَتْ: فَإنَّك مقتول وَلَا نجاة لكإلا أَنْ تُطِيعَنِي قَالَ: فَإِنِّي أُطِيعُكِ، قَالَتْ: فَاجْعَلْ هَذَا دِينًا وَقُلْ هَذَا دِينُ آدَمَ، وَقُلْ حَوَّاءُ مِنْ آدَمَ، وَادْعُ النَّاسَ إِلَيْهِ وَاعْرِضْهُمْ عَلَى السَّيْفِ فَمَنْ تَابَعَكَ فَدَعْهُ وَمَنْ أَبَى فَاقْتُلْهُ؛ فَفَعَلَ؛ فَلم يُتَابِعه أحد فقلتهم يَوْمَئِذٍ حَتَّى اللَّيْلِ؛ فَقَالَتْ لَهُ: إِنِّي أَرَى النَّاسَ قَدِ اجْتَرَءُوا عَلَى السَّيْفِ وَهُمْ عَلَى النَّارِ لُكْعٌ؛ فَأَوْقِدْ لَهُمْ نَارًا، ثُمَّ اعْرِضْهُمْ عَلَيْهَا؛ فَفَعَلَ فَهَابَ النَّاسُ النَّار فتابعوه. قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْخَرَاجَ لأَجْلِ كِتَابِهِمْ وَحَرَّمَ مُنَاكَحَتَهُمْ وَذَبَائِحَهُمْ لِشِرْكِهِمْ. قَالَ: وَحَدَّثَنِي شَيْخٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْبَصْرَةِ عَنْ عَوْفِ بْنِ أَبِي جَمِيلَةَ قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى عَدِيِّ بْنِ أَرْطَاةَ كِتَابًا يَقْرَؤُهُ عَلَى مِنْبَرِ الْبَصْرَةِ. أَمَّا بَعْدُ؛ فَاسْأَلِ الْحَسَنَ بْنَ أَبِي الْحَسَنِ: مَا مَنَعَ مَنْ قَبْلَنَا مِنَ الأَئِمَّةِ أَنْ يَحُولُوا بَيْنَ الْمَجُوسِ وَبَيْنَ مَا يَجْمَعُونَ مِنَ النِّسَاءِ

стр. 149

اللاتِي لَمْ يَجْمَعْهُنَّ أَحَدٌ مِنْ أهل الْملَل غَيرهم؟ فَسَأَلَ عِنْدِي الْحَسَنَ؛ فَأَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ قَبِلَ مِنْ مَجُوسِ أَهْلِ الْبَحْرَيْنِ الْجِزْيَةَ وَأَقَرَّهُمْ عَلَى مَجُوسِيَّتِهِمْ، وَعَامِلُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْعَلاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ، ثُمَّ أَقَرَّهُمْ أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ أَقَرَّهُمْ عُمَرُ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ، وَأَقَرَّهُمْ عُثْمَان بعد عمر. من هُوَ الْمُسلم: قَالَ: وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ: كَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمُنْذِرِ بْنِ سَاوَى "أَنَّ مَنْ صَلَّى صَلاتَنَا وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا؛ فَذَلِكَ الْمُسْلِمُ لَهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ؛ فَمَنْ أَحَبَّ ذَلِكَ مِنَ الْمَجُوسِ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَبَى فَعَلَيْهِ الْجِزْيَةُ". قَالَ: وَحَدَّثَنِي شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: كَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمُنْذِرِ بْنِ سَاوَى: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى الْمُنْذِرِ بْنِ سَاوَى. سَلامُ اللَّهِ عَلَيْكَ؛ فَإِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكَ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَه غلا هُوَ. أَمَّا بَعْدُ؛ فَمَنِ اسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا؛ فَذَلِكَ الْمُسْلِمُ الَّذِي لَهُ مَا لنا وَعَلَيْهِ مَا عَلَيْنَا، وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ فَعَلَيْهِ دِينَارٌ مِنْ قِيمَةِ الْمعَافِرِي. وَالسَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَةُ اللَّهُ، يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ". قَالَ وَحَدَّثَنَا أَبَانُ بْنُ أَبِي عَيَّاشٍ عَنِ الْحَسَن الْبَصْرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ صَلَّى صَلاتَنَا وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا؛ فَذَلِكَ الْمُسْلِمُ الَّذِي لَهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ لَهُ مَا لِلْمُسْلِمِينَ وَعَلِيهِ مَا عَلَيْهِم". سُقُوط الْجِزْيَة عَمَّن أسلم من أَهلهَا: قَالَ: وَحَدَّثَنِي شَيْخٌ مِنْ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْكُوفَةِ قَالَ: جَاءَ كِتَابٌ مِنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ إِلَى عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ "كَتَبْتَ إِلَيَ تَسْأَلُنِي عَنْ أُنَاسٍ مِنْ أَهْلِ الْحِيرَةِ يُسْلِمُونَ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسِ وَعَلَيْهِمُ جِزْيَةٌ عَظِيمَةٌ، وَتَسْتَأْذِنُنِي فِي أَخَذَ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ، وَإِنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ دَاعِيًا إِلَى الإِسْلامِ وَلَمْ يَبْعَثْهُ جَابِيًا؛ فَمَنْ أَسْلَمَ مِنْ أهل تِلْكَ الْملَل فَعَلَيهِ من مَالِهِ الصَّدَقَةَ وَلا جِزْيَةَ عَلَيْهِ، وَمِيرَاثُهُ لِذَوِي رَحِمِهِ إِذَا كَانَ مِنْهُمْ يَتَوَارَثُونَ كَمَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ الإِسْلامِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِث فميراثه

стр. 150

فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِي يُقَسَّمُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَمَا أَحْدَثَ مِنْ حَدَثٍ فَفِي مَالِ اللَّهِ الَّذِي يُقَسَّمُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ يُعْقَلُ عَنهُ مِنْهُ. وَالسَّلَام". حكم العَبْد الذِّمِّيّ إِذا أعْتقهُ الْمُسلم: قَالَ: وَحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ مُسْلِمٍ أَعْتَقَ عَبْدًا نَصْرَانِيًّا؛ فَقَالَ الشَّعْبِيُّ: لَيْسَ عَلَيْهِ خَرَاجٌ، ذمَّته ذمَّة مَوْلَاهُ. قَالَ أَبُو يُوسُف: فَسَأَلْتُ أَبَا حَنِيفَةَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: عَلَيْهِ خَرَاجٌ، وَلا يُتْرَكُ ذِمِّيٌّ فِي دَارِ الإِسْلامِ بِغَيْرِ خراج رَأسه. قَالَ أَبُو يُوسُف: وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ أَحْسَنُ مَا رَأَيْنَا فِي ذَلِكَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ أَبُو يُوسُف: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ ثَابِتِ بْنِ ثَوْبَانَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا بَالُ الأَسْعَارِ غَالِيَةٌ فِي زَمَانِكَ، وَكَانَتْ فِي زَمَانِ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ رَخِيصَةٌ؟ قَالَ: إِنَّ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلِي كَانُوا يُكَلِّفُونَ أَهْلَ الذِّمَّةِ فَوْقَ طَاقَتِهِمْ؛ فَلَمْ يَكُونُوا يَجِدُونَ بُدًّا مِنْ أَنْ يَبِيعُوا وَيَكْسَدَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَأَنَا لَا أُكَلِّفُ أَحَدًا إِلا طَاقَتَهُ؛ فَبَاعَ الرَّجُلُ كَيْفَ شَاءَ قَالَ: فَقُلْتُ: لَوْ أَنَّكَ سَعَّرْتَ لَنَا قَالَ: لَيْسَ إِلَيْنَا مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ؛ إِنَّمَا السّعر إِلَى الله١.

стр. 151

فصل: فِي العشور وَحكم من يجبونها قَالَ أَبُو يُوسُف: أَمَّا الْعُشُورُ فَرَأَيْتُ أَنْ تُوَلِّيَهَا قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الصَّلاحِ وَالدِّينِ وَتَأْمُرَهُمْ أَنْ لَا يَتَعَدُّوا عَلَى النَّاسِ فِيمَا يُعَامِلُونَهُمْ بِهِ فَلا يَظْلِمُوهُمْ وَلا يَأْخُذُوا مِنْهُمْ أَكْثَرَ مِمَّا يَجِبُ عَلَيْهِمْ، وَأَنْ يَمْتَثِلُوا مَا رَسَمْنَاهُ لَهُمْ، ثُمَّ تَتَفَقَّدَ بَعْدُ أَمْرَهُمْ وَمَا يُعَامِلُونَ بِهِ مَنْ يَمُرَّ بِهِمْ، وَهَلْ يُجَاوِزُونَ مَا قَدْ أُمِرُوا بِهِ؟ فَإِنْ كَانُوا قَدْ فَعَلُوا ذَلِكَ عَزَلْتَ وَعَاقَبْتَ، وَأَخَذْتَهُمْ بِمَا يَصِحُّ عِنْدَكَ عَلَيْهِمْ لِمَظْلُومٍ أَوْ مَأْخُوذٍ مِنْهُ أَكْثَرَ مِمَّا يَجِبُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانُوا قَدِ انْتَهَوْا إِلَى مَا أُمِرُوا بِهِ، وَتَجَنَّبُوا ظُلْمَ الْمُسْلِمِ وَالْمُعَاهَدِ أَثَبْتَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الأَمْرَ وَأَحْسَنْتَ إِلَيْهِمْ؛ فَإِنَّكَ مَتَى أَثَبْتَ عَلَى حُسْنِ السِّيرَةِ وَالأَمَانَةِ وَعَاقَبْتَ عَلَى الظُّلْمِ وَالتَّعَدِّي لِمَا تَأْمُرُ فِي الرَّعِيَّةِ يَزِيدُ الْمُحْسِنُ فِي إِحْسَانِهِ وَنُصْحِهِ، وَارْتَدَعَ الظَّالِمُ عَنْ معاودة الظُّلم والتعدي. مَا يُؤْخَذ من الْمُسلم وَالذِّمِّيّ وَالْحَرْبِيّ من العشور: وَأَمَرْتَهُمْ أَنْ يُضِيفُوا الأَمْوَالَ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ بِالْقِيمَةِ، ثُمَّ يُؤْخَذُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ رُبُعَ الْعُشْرِ، وَمِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ نِصْفَ الْعُشْرِ وَمِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ الْعُشْرَ مِنْ كُلِّ مَا مُرَّ بِهِ عَلَى الْعَاشِرِ، وَكَانَ لِلتِّجَارَةِ وَبَلَغَ قِيمَةَ ذَلِكَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَصَاعِدًا أُخِذَ مِنْهُ الْعُشْرَ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ ذَلِكَ أَقَلَّ مِنْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ شَيْءٌ. وَكَذَلِكَ إِذَا بَلَغَتِ الْقِيمَةُ عِشْرِينَ مِثْقَالا أُخِذَ مِنْهَا الْعُشْرُ؛ فَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ ذَلِك أقل لم يُؤْخَذ مِنْهُ شَيْءٌ. وَإِذَا اخْتُلِفَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ مَرَّاتٍ كُلُّ مَرَّةٍ لَا يُسَاوِي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ شَيْءٌ. وَإِنْ أَضَافَ بَعْضَ الْمَرَّاتِ إِلَى بَعْضٍ وَكَانَتْ قِيمَةُ ذَلِكَ تَبْلُغُ أَلْفًا فَلا شَيْءَ فِيهِ، وَلا يُضَافُ بَعْضُ ذَلِكَ إِلَى بَعْضٍ، وَإِذَا مُرَّ عَلَيْهِ بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ مَضْرُوبَةٍ أَوْ عِشْرِينَ مِثْقَالا تبرا أَو مِائَتي دِرْهَم فضَّة أَوْ عِشْرِينَ مِثْقَالا مَضْرُوبَةً أَخَذَ مِنْ ذَلِكَ رُبُعَ الْعُشْرِ مِنَ الْمُسْلِمِ وَنِصْفَ الْعُشْرِ مِنَ الذِّمِّيِّ وَالْعُشْرَ مِنَ الْحَرْبِيِّ، ثُمَّ لَا يُؤْخَذُ مِنْهَا شَيْءٌ إِلَى مِثْلِ ذَلِكَ الْوَقْتِ مِنَ الْحَوْلِ. وَإِنْ مُرَّ بِهَا غَيْرَ مَرَّةٍ. وَكَذَا إِذَا مُرَّ بِمَتَاعٍ قَدِ اشْتَرَاهُ للتِّجَارَة؛ فَإِن كَانَ الْمَتَاعُ يُسَاوِي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ أَوْ عِشْرِينَ مِثْقَالا أُخِذَ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ لَا يُسَاوِي وَكَانَتْ قِيمَتُهُ تَنْقُصُ عَنْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ أَوْ عِشْرِينَ مِثْقَالا لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ شَيْء.

стр. 152

حكم خَاص للحربي: فَأَمَّا الْحَرْبِيُّ خَاصَّةٌ فَإِذَا أُخِذَ مِنْهُ الْعُشْرُ وَعَادَ وَدَخَلَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَ شَهْرٍ مُنْذُ أُخِذَ مِنْهُ الْعُشْرُ فَمر على الْعَاشِر؛ فَإِنَّهُ يَأْخُذ مِنْهُ إِذَا كَانَ مَا مَعَهُ يُسَاوِي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ أَوْ عِشْرِينَ مِثْقَالا مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ؛ حَيْثُ عَادَ إِلَى دَارِ الْحَرْبِ فَقَدْ سَقَطت عِنْد أَحْكَامُ الإِسْلَامِ وَإِنْ كَانَ مَعَهُ أَقَلَّ مِنْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ أَوْ عِشْرِينَ مِثْقَالا لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ شَيْءٌ؛ إِنَّمَا السُّنَّةُ فِي الْمِائَةِ دِرْهَمٍ أَوْ عِشْرِينَ مِثْقَالا، فَعَلَى الْمُسْلِمِ فِي الْمِائَتَيْنِ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، وَعَلَى الذِّمِّيِّ فِي الْمِائَتَيْنِ عَشْرَةُ دَرَاهِمَ، وَعَلَى الْحَرْبِيِّ فِي الْمِائَتَيْنِ عِشْرُونَ دِرْهَمًا، وَعَلَى هَذَا الْحِسَابُ الَّذِي وَصَفْتُ لَكَ يُؤْخَذُ فِي الذَّهَبِ إِذَا وَجَبَ: عَلَى الْمُسْلِمِ نِصْفُ مِثْقَالٍ وَعَلَى الذِّمِّيِّ مِثْقَالٌ، وَعَلَى الْحَرْبِيِّ مِثْقَالانِ. وَمَا لَمْ يَكُنْ مِنْ مَالِ التِّجَارَةِ وَمَرُّوا بِهِ عَلَى الْعَاشِرِ؛ فَلَيْسَ يُؤْخَذُ مِنْهُ شَيْءٌ، وَإِذَا مَرَّ أَهْلُ الذِّمَّةِ عَلَى الْعَاشِرِ بِخَمْرٍ أَوْ خَنَازِيرَ قُوِّمَ ذَلِكَ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ، ثُمَّ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ نِصْفُ الْعُشْرِ، وَكَذَلِكَ أَهْلُ الْحَرْبِ إِذَا مَرُّوا بِالْخَنَازِيرِ وَالْخُمُورِ فَإِنَّ ذَلِكَ يُقَوَّمُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ يُؤْخَذُ مِنْهُمُ الْعشْر. وَإِذا من الْمُسْلِمُ عَلَى الْعَاشِرِ بِغَنَمٍ أَوْ بَقَرٍ أَوْ إِبِلٍ؛ فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ سَائِمَةٌ١ أُحْلِفَ عَلَى ذَلِكَ؛ فَإِذَا حَلَفَ كُفَّ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ كُلُّ طَعَامٍ يُمَرُّ بِهِ عَلَيْهِ فَقَالَ هُوَ مِنْ زَرْعِي، وَكَذَلِكَ التَّمْرُ يُمَرُّ بِهِ؛ فَيَقُولُ هُوَ مِنْ تَمْرِ نَخْلِي؛ فَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ عُشْرٌ؛ إِنَّمَا الْعُشْرُ فِي الَّذِي اشْتُرِيَ لِلتِّجَارَةِ. وَكَذَلِكَ الذِّمِّيُّ؛ فَأَمَّا الْحَرْبِيُّ فَلا يُقْبَلُ مِنْهُ ذَلِكَ. قَالَ: وَيُعَشَّرُ الذِّمِّيُّ التَّغْلِبِيُّ، وَالذِّمِّيُّ مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ كَسَائِرِ أَهْلِ الذِّمَّةِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي أَخْذَ نِصْفِ الْعُشْرِ مِنْهُمْ. وَالْمَجُوسُ وَالْمُشْرِكُونَ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ. قَالَ: وَإِذَا مَرَّ التَّاجِرُ عَلَى الْعَاشِرِ بِمَالٍ أَوْ بِمَتَاعٍ، وَقَالَ: قَدْ أَدَّيْتُ زَكَاتَهُ، وَحَلَفَ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ ذَلِكَ يُقْبَلُ مِنْهُ وَيُكَفُّ عَنْهُ، وَلا يُقْبَلُ فِي هَذَا مِنَ الذِّمِّيِّ وَلا مِنَ الْحَرْبِيِّ لأَنَّهُ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِمَا يَقُولانِ قَدْ أَدَّيْنَاهَا، وَمن مر بِمَال فَادَّعَى أَنَّهُ مُضَارَبَةٌ أَوْ بِضَاعَةٌ لَمْ يُعْشَرْ بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ يَمُرُّ بِمَالِ سَيِّدِهِ وَبِمَالِ نَفْسِهِ فَهُوَ سَوَاءٌ وَلَيْسَ عَلَيْهِ عُشْرٌ حَتَّى يَحْضُرَ مَوْلاهُ٢، وَكَذَلِكَ الْمُكَاتَبُ لَيْسَ عَلَى مَالِهِ عُشْرٌ. وَإِذَا مَرَّ عَلَيْهِ التَّاجِرُ بِالْعِنَبِ أَوْ بِالرُّطَبِ أَوْ بِالْفَاكِهَةِ الرَّطْبَةِ٣ قَدِ اشْتَرَاهَا للتِّجَارَة وَهِي

стр. 153

تُسَاوِي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَصَاعِدًا أُخِذَ مِنْهُ رُبُعَ الْعُشْرِ إِنْ كَانَ مُسلما، وَإِن كَانَ ذِمِّيًّا فَنِصْفُ الْعُشْرِ، وَإِنْ كَانَ حَرْبِيًّا فَالْعُشْرُ، وَإِنْ كَانَ قِيمَةُ ذَلِكَ أَقَلَّ مِنْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ شَيْءٌ، وَإِنْ اخْتُلِفَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ مِرَارًا، وَكُلُّ ذَلِكَ لَا يُسَاوِي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ وَلَوْ أَضَافَ بَعْضَ الْمَرَّاتِ إِلَى بَعْضٍ؛ فَكَانَتْ قِيمَةُ ذَلِكَ إِذَا جُمِعَ تَبْلُغُ أَلْفًا؛ فَلا زَكَاةَ فِيهِ أَيْضًا، وَلا يَنْبَغِي أَنْ يُضَافَ بَعْضَ الْمِرَارِ إِلَى بَعْضٍ. حكم مَا أَخذ من العشور وَمَا أُخِذَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ: قَالَ أَبُو يُوسُف: فَإِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَضَعَ العشور؛ فَلَا بَأْس بأخذها؛ إِذْ لَمْ يُتَعَدَّ فِيهَا عَلَى النَّاسِ، وَيُؤْخَذُ بِأَكْثَرَ مِمَّا يَجِبُ عَلَيْهِمْ. وَكُلُّ مَا أُخِذَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْعُشُورِ فَسَبِيلُهُ سَبِيلُ الصَّدَقَةِ مَا يُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ جَمِيعًا وَأَهْلُ الْحَرْبِ سَبِيلُ الْخَرَاجِ، وَكَذَلِكَ مَا يُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ جَمِيعًا مِنْ جِزْيَةِ رُءُوسِهِمْ وَمَا يُؤْخَذُ مِنْ مَوَاشِي بَنِي تَغْلِبَ؛ فَإِنَّ سَبِيلَ ذَلِكَ كُلَّهُ سَبِيلُ الْخَرَاجِ، يُقَسَّمُ فِيمَا يُقَسَّمُ فِيهِ الْخَرَاجُ، وَلَيْسَ هُوَ كَالصَّدَقَةِ، قَدْ حَكَمَ اللَّهُ فِي الصَّدَقَةِ حُكْمًا قَدْ قَسَّمَهَا عَلَيْهِ فَهِيَ عَلَى ذَلِكَ، وَحَكَمَ فِي الْخُمُسِ حُكْمًا فَهُوَ عَلَى ذَلِكَ؛ فَتِلْكَ الْوُجُوهُ الَّتِي عَلَيْهَا الصَّدَقَاتِ فِي الْمَوَاشِي وَالأَمْوَالِ. وَعَلَى هَذَا الْعَمَلُ عندنَا وَالله أعلم. قَالَ أَبُو يُوسُف: حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَذْكُرُ، قَالَ: سَمِعْتُ زِيَادَ بْنِ حُدَيْرٍ قَالَ: أَوَّلُ مَنْ بَعَثَ عُمَرُ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ عَلَى الْعُشُورِ أَنَا، قَالَ فَأَمَرَنِي أَنْ لَا أُفَتِّشَ أَحَدًا، وَمَا مَرَّ عَلَيَّ مِنْ شَيْءٍ أَخَذْتُ مِنْ حِسَابِ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا وَاحِدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَمِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ مِنْ كُلِّ عِشْرِينَ وَاحِدًا وَمِمَّنْ لَا ذِمَّةَ لَهُ الْعُشْرَ، قَالَ وَأَمَرَنِي أَنْ أُغَلِّظَ عَلَى نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ، وَقَالَ: إِنَّهُمْ قَوْمٌ مِنَ الْعَرَبِ وَلَيْسُوا بِأَهْلِ كِتَابٍ؛ فَلَعَلَّهُمْ يُسْلِمُونَ. قَالَ: وَكَانَ عُمَرُ قَدِ اشْتَرَطَ عَلَى نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ أَنْ لَا يُنَصِّرُوا أَبْنَاءَهُمْ. قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو حَنِيفَةَ عَنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِين أَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ بَعَثَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ عَلَى الْعُشُورِ وَكَتَبَ لِي عَهْدًا أَنْ آخُذَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِمَّا اخْتَلَفُوا فِيهِ لِتِجَارَاتِهِمْ رُبُعَ الْعُشْرِ، وَمِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ نِصْفَ الْعُشْرِ، وَمِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ الْعُشْرَ. مُعَاملَة أهل الْحَرْب بِالْمثلِ: قَالَ: وَحَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: كَتَبَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ إِلَى عمر

стр. 154

ابْن الْخَطَّابِ "أَنَّ تُجَّارًا مِنْ قِبَلِنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَأْتُونَ أَرْضَ الْحَرْبِ فَيَأْخُذُونَ مِنْهُمُ الْعُشْرَ"، قَالَ فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: "خُذْ أَنْتَ مِنْهُمْ كَمَا يَأْخُذُونَ مِنْ تُجَّارِ الْمُسْلِمِينَ، وَخُذْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ نِصْفَ الْعُشْرِ، وَمِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ الْمِائَتَيْنِ شَيْءٌ؛ فَإِذَا كَانَتْ مِائَتَيْنِ فَفِيهَا خَمْسَة دَرَاهِم، ومازاد فَبِحِسَابِهِ". قَالَ: وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْب أَن مَنْبِج -قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ- وَرَاءَ الْبَحْرِ كَتَبُوا إِلَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: "دَعْنَا نَدْخُلُ أَرْضَكَ تُجَّارًا وتعشرنا"، قَالَ: فشار عُمَرُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي ذَلِكَ؛ فَأَشَارُوا عَلَيْهِ بِهِ، فَكَانُوا أَوَّلَ مَنْ عُشِرَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ. قَالَ: وَحَدَّثَنَا السَّرِيُّ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ عَنْ زِيَادِ بْنِ حُدَيْرٍ الأَسَدِيِّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ بَعَثَهُ عَلَى عُشُورِ الْعِرَاقِ وَالشَّام وَأمره أَن يَأْخُذهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ رُبُعَ الْعُشْرِ، وَمِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ نِصْفَ الْعُشْرِ، وَمِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ الْعُشْرَ. فَمَرَّ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَغْلِبَ مِنْ نَصَارَى الْعَرَبِ وَمَعَهُ فَرَسٌ فَقَوَّمُوهَا بِعِشْرِينَ أَلْفًا؛ فَقَالَ: أَعْطِنِي الْفَرَسَ وَخُذْ مِنِّي تِسْعَةَ عَشَرَ أَلْفًا، أَوْ أَمْسِكِ الْفَرَسَ وَأَعْطِنِي أَلْفًا، قَالَ: فَأَعْطَاهُ أَلْفًا وَأَمْسَكَ الْفَرَسَ. قَالَ: ثُمَّ مَرَّ عَلَيْهِ رَاجِعًا فِي سَنَتِهِ فَقَالَ لَهُ: أَعْطِنِي أَلْفًا أُخْرَى؛ فَقَالَ لَهُ التَّغْلِبِيُّ: كُلَّمَا مَرَرْتُ بِكَ تَأْخُذْ مِنِّي أَلْفًا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَرَجَعَ التَّغْلِبِيُّ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَوَافَاهُ بِمَكَّةَ وَهُوَ فِي بَيْتٍ؛ فَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: رَجُلٌ مِنْ نَصَارَى الْعَرَبِ وَقَصَّ عَلَيْهِ قِصَّتَهُ؛ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: كُفِيتَ، وَلَمْ يَزِدْهُ عَلَى ذَلِك. انتشار الْإِسْلَام بِعدْل أَهله وأخلاقهم: قَالَ: فَرَجَعَ التَّغْلِبِيُّ إِلَى زِيَادٍ بْنِ حُدَيْرٍ، وَقَدْ وَطَّنَ نَفْسَهُ عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ أَلْفًا أُخْرَى؛ فَوَجَدَ كِتَابَ عُمَرَ قَدْ سَبَقَ إِلَيْهِ: مَنْ مَرَّ عَلَيْكَ فَأَخَذْتَ مِنْهُ صَدَقَةً فَلا تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا إِلَى مِثْلِ ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنْ قَابِلَ؛ إِلا أَنْ تَجِدَ فَضْلا. قَالَ فَقَالَ الرَّجُلُ: قَدْ وَاللَّهِ كَانَتْ نَفْسِي طَيِّبَةً أَنْ أُعْطِيَكَ أَلْفًا، وَإِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ أَنِّي بَرِيء مِنَ النَّصْرَانِيَّةِ وَإِنِّي عَلَى دِينِ الرَّجُلِ الَّذِي كَتَبَ إِلَيْكَ هَذَا الْكِتَابَ. قَالَ: وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَسْعُودِيُّ عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ عَنْ زِيَادِ بْنِ حُدَيْرٍ أَنَّهُ مَدَّ حَبْلا عَلَى الْفُرَاتِ فَمَرَّ عَلَيْهِ رَجُلٌ نَصْرَانِيٌّ فَأَخَذَ مِنْهُ، ثُمَّ انْطَلَقَ فَبَاعَ سِلْعَتَهُ؛ فَلَمَّا رَجَعَ مَرَّ عَلَيْهِ فَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ فَقَالَ: كُلَّمَا مَرَرْتُ عَلَيْكَ تَأْخُذْ مِنِّي؟ فَقَالَ: نَعَمْ؛ فَرَحَلَ الرَّجُلُ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَوَجَدَهُ بِمَكَّةَ يَخْطُبُ النَّاسَ وَهُوَ يَقُولُ: "أَلا إِنَّ اللَّهَ جعل

стр. 155

الْبَيْتَ مَثَابَةً١ يَعْنِي لَا يَأْخُذَنَّ مِنْ حَرَمِ اللَّهِ جَلَّ وَعَلا شَيْئًا يُظْلَمَ بِهِ أَحَدًا أَوْ يَحْمِلْ شَيْئًا مِنَ الْحَرَمِ يَرُدُّهُ إِلَى بَيْتِهِ فِي الْحِلِّ فَلا أَعْرِفَنَّ مَنِ انْتَقَصَ أَحَدًا مِنْ مَثَابَةِ اللَّهِ إِلَى بَيْتِهِ شَيْئًا". قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنِّي رَجُلٌ نَصْرَانِيٌّ مَرَرْتُ عَلَى زِيَادِ بْنِ حُدَيْرٍ فَأَخَذَ مِنِّي، ثُمَّ انْطَلَقْتُ فَبِعْتُ سِلْعَتِي، ثمَّ أَرَادَ أَن يَأْخُذ من قَالَ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، لَيْسَ لَهُ عَلَيْكَ فِي مَالِكَ فِي السَّنَةِ إِلا مَرَّةً وَاحِدَةً، ثُمَّ نَزَلَ فَكَتَبَ إِلَيْهِ فِيَّ، وَمَكَثْتُ أَيَّامًا، ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَقُلْتُ لَهُ: أَنَا الشَّيْخُ النَّصْرَانِيُّ الَّذِي كَلَّمْتُكَ فِي زِيَادٍ. فَقَالَ: وَأَنَا الشَّيْخُ الْحَنِيفِيُّ قَدْ قَضَيْتُ حَاجَتَكَ. قَالَ: وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنِ رُزَيْق بْنِ حَيَّانَ وَكَانَ عَلَى مَكْسِ مِصْرَ فَذَكَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ كَتَبَ إِلَيْهِ أَنِ انْظُرْ مَنْ مَرَّ عَلَيْكَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَخُذْ مِمَّا ظَهَرَ مِنْ أَمْوَالِهِمُ الْعَيْنَ٢ وَمِمَّا ظَهَرَ مِنَ التِّجَارَاتِ مِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ دِينَارًا دِينَارًا، وَمَا نَقَصَ فَبِحِسَابِ ذَلِكَ حَتَّى يَبْلُغَ عِشْرِينَ دِينَارًا؛ فَإِنْ نَقَصَتْ تِلْكَ الدَّنَانِيرُ فَدَعْهَا وَلا تَأْخُذْ مِنْهَا شَيْئًا، وَإِذَا مَرَّ عَلَيْكَ أَهْلُ الذِّمَّةِ فَخُذْ مِمَّا يُدَبِّرُونَ مِنْ تِجَارَاتِهِمْ مِنْ كُلِّ عِشْرِينَ دِينَارًا دِينَارًا فَمَا نَقَصَ فَبِحِسَابِ ذَلِكَ حَتَّى تَبْلُغَ عَشْرَةَ دَنَانِيرَ، ثُمَّ دَعْهَا فَلا تَأْخُذْ مِنْهَا شَيْئًا وَاكْتُبْ لَهُمْ كِتَابًا بِمَا تَأْخُذْ مِنْهُمْ إِلَى مِثْلِهَا مِنَ الْحَوْلِ. قَالَ: وَحَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدَّتِهِ قَالَتْ: مَرَرْتُ عَلَى مَسْرُوقٍ بِالسِّلْسِلَةِ وَهِيَ مُكَاتِبَةٌ بِتِجَارَةٍ عَظِيمَةٍ؛ فَقَالَ لَهَا مَا أَنْتِ؟ فَقَالَتْ: مُكَاتِبَةٌ -وَكَانَتْ أَعْجَمِيَّةٌ وَكَلَّمَهَا التجرمان- فَقَالَتْ لَهُ بِالْفَارِسِيَّةِ: مُكَاتِبَةٌ؛ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: لَيْسَ عَلَى مَالِ مَمْلُوكٍ زَكَاةٌ؛ فَخَلَّى سَبِيلَهَا. قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا مَرَّ أَهْلُ الذِّمَّةِ بِالْخَمْرِ لِلتِّجَارَةِ أُخِذَ مِنْ قِيمَتِهَا نِصْفُ الْعُشْرِ وَلا يُقْبَلُ قَوْلُ الذِّمِّيِّ فِي قِيمَتِهَا؛ حَتَّى يُؤْتَى بِرَجُلَيْنِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ يُقَوِّمَانِهَا عَلَيْهِ فَيَأْخُذُ نِصْفَ الْعُشْرِ مِنَ الثَّمَنِ. قَالَ: وَحَدَّثَنَا قيس بن الرّبيع عَن فَزَارَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ الأَصَمِّ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ هَذِهِ الْمَآصِرُ٣ وَالْقَنَاطِرُ سُحْتٌ لَا يَحِلُّ أَخْذُهَا. وَبَعَثَ عُمَّالا إِلَى الْيَمَنِ وَنَهَاهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا

стр. 156

مِنْ مَأْصَرَةٍ أَوْ قَنْطَرَةٍ أَوْ طَرِيقٍ شَيْئًا؛ فَقَدِمُوا فَاسْتَقَلَّ الْمَالَ؛ فَقَالُوا: نَهَيْتَنَا؛ فَقَالَ: خُذُوا كَمَا كُنْتُمْ تَأْخُذُونَ. قَالَ: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: أَرَادُوا أَنْ يَسْتَعْمِلُونِي عَلَى عُشُورِ الأُبُلَّةَ١ فَأَبَيْتُ، فَلَقِيَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ فَقَالَ: مَا يمنعك؟ فَقلت: العشور أخبت مَا عَمِلَ عَلَيْهِ النَّاسُ، قَالَ فَقَالَ لِي لَا تَفْعَلْ، عُمَرُ صَنَعَهُ؛ فَجَعَلَ عَلَى أَهْلِ الإِسْلامِ رُبُعَ الْعُشْرِ وَعَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ نِصْفَ الْعُشْرِ وَعَلَى الْمُشْرِكِينَ مِمَّنْ لَيْسَ لَهُ ذمَّة الْعشْر.

стр. 157

فَصْلٌ: فِي الْكَنَائِسِ وَالْبِيَعِ وَالصُّلْبَانِ لَا تهدم بيعَة يَهُودِيّ وَلَا كَنِيسَة نَصْرَانِيّ: وَأَمَّا مَا سَأَلْتَ عَنْهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَمْرِ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَكَيْفَ تُرِكَتْ لَهُمُ الْبِيَعُ وَالْكَنَائِسُ فِي الْمُدُنِ وَالأَمْصَارِ حِينَ افْتَتَحَ الْمُسْلِمُونَ الْبُلْدَانَ وَلَمْ تُهْدَمَ، وَكَيْفَ تُرِكُوا يَخْرُجُونَ بِالصُّلْبَانِ فِي أَيَّامِ عِيدِهِمْ؛ فَإِنَّمَا كَانَ الصُّلْحُ جَرَى بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ فِي أَدَاءِ الْجِزْيَةِ وَفُتِحَتِ الْمُدُنِ عَلَى أَنْ لَا تُهْدَمَ بِيَعُهُمْ وَلا كَنَائِسُهُمْ دَاخِلَ الْمَدِينَةِ وَلا خَارِجَهَا، وَعَلَى أَنْ يَحْقِنُوا لَهُمْ دِمَاءَهُمْ، وَعَلَى أَنْ يُقَاتِلُوا مَنْ نَاوَأَهُمْ مِنْ عَدُوِّهِمْ وَيَذُبُّوا عَنْهُمْ فأدوا الْجِزْيَة إِلَيْهِ على هَذِه الشَّرْطِ، وَجَرَى الصُّلْحُ بَيْنَهُمْ عَلَيْهِ وَكَتَبُوا بَيْنَهُمُ الْكِتَابَ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ عَلَى أَنْ لَا يُحْدِثُوا بِنَاءَ بَيْعَةٍ وَلا كَنِيسَةٍ، فَافْتُتِحَتِ الشَّامُ كُلُّهَا وَالْحِيرَةُ إِلا أَقَلَّهَا عَلَى هَذَا؛ فَلِذَلِكَ تُرِكَتِ الْبِيَعُ وَالْكَنَائِس وَلم تهدم. مَا فعله أَبُو عُبَيْدَة فِي فتح الشَّام: قَالَ أَبُو يُوسُف: حَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنْ مَكْحُولٍ الشَّامِيِّ أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ صَالَحَهُمْ بِالشَّامِ وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ حِينَ دَخَلَهَا عَلَى أَنْ تتْرك كنائسهم وبيعهم إِلَى أَنْ لَا يُحْدِثُوا بِنَاءَ بَيْعَةٍ وَلا كَنِيسَةٍ، وَعَلَى أَنَّ عَلَيْهِمْ إِرْشَادَ الضَّالِّ وَبِنَاءَ الْقَنَاطِرِ عَلَى الأَنْهَارِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَأَنْ يُضِيفُوا مَنْ مَرَّ بِهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، وَعَلَى أَنْ لَا يَشْتِمُوا مُسْلِمًا وَلا يَضْرِبُوهُ، وَلا يرفعوا ي نَادِي أَهْلِ الإِسْلامِ صَلِيبًا وَلا يُخْرِجُوا خِنْزِيرًا مِنْ مَنَازِلِهِمْ إِلَى أَفْنِيَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنْ يُوقِدُوا النِّيرَانَ لِلْغُزَاةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلا يُدِلُّوا لِلْمُسْلِمِينَ عَلَى عَوْرَةٍ، وَلا يَضْرِبُوا نَوَاقِيسَهُمْ قَبْلَ أَذَانِ الْمُسْلِمِينَ وَلا فِي أَوْقَاتِ أَذَانِهِمْ وَلا يُخْرِجُوا الرَّايَاتِ فِي أَيَّامِ عِيدِهِمْ، وَلا يَلْبَسُوا السِّلاحَ١ يَوْمَ عِيدِهِمْ وَلا يَتَّخِذُوهُ فِي بُيُوتِهِمْ؛ فَإِنْ فَعَلُوا مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا عُوقِبُوا وَأُخِذَ مِنْهُمْ؛ فَكَانَ الصُّلْحُ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ فَقَالُوا لأَبِي عُبَيْدَةَ: اجْعَل لنا يَوْم افِي السّنة نخرج فِيهِ صلباتنا بِلا رَايَاتٍ، وَهُوَ يَوْمُ عِيدِنَا الأَكْبَرِ؛ فَفُعِلَ ذَلِكَ لَهُمْ وَأَجَابَهُمْ إِلَيْهِ فَلَمْ يَجِدُوا بُدًّا مِنْ أَنْ يَفُوا لَهُمْ بِمَا شَرَطُوا ففتحت المدن على هَذَا. يرد الْمُسلمُونَ على أهل الذِّمَّة مَا أَخَذُوهُ إِذا لم يستطيعوا الدفاع عَنْهُم: فَلَمَّا رَأَى أَهْلُ الذِّمَّةِ وَفَاءَ الْمُسْلِمِينَ لَهُمْ وَحُسْنَ السِّيرَةِ فِيهِمْ صَارُوا أشداء على عَدو

стр. 158

الْمُسْلِمِينَ وَعَوْنًا لِلْمُسْلِمِينَ عَلَى أَعْدَائِهِمْ؛ فَبَعَثَ أَهْلُ كُلِّ مَدِينَةٍ مِمَّنْ جَرَى الصُّلْحُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ رِجَالا مِنْ قِبَلِهِمْ يَتَجَسَّسُونَ الأَخْبَارَ عَنِ الرُّومِ وَعَنْ مُلْكِهِمْ وَمَا يُرِيدُونَ أَنْ يَصْنَعُوا؛ فَأَتَى أَهْلُ كُلِّ مَدِينَةٍ. رُسُلُهُمْ يُخْبِرُونَهُمْ بِأَنَّ الرّوم قد جمعُوا جَمِيعًا لَمْ يُرَ مِثْلَهُ. فَأَتَى رُؤَسَاءُ أَهْلِ كُلِّ مَدِينَةٍ إِلَى الأَمِيرِ الَّذِي خَلَّفَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ عَلَيْهِمْ فَأَخْبَرُوهُ بِذَلِكَ؛ فَكَتَبَ وَالِي كُلِّ مَدِينَةٍ مِمَّنْ خَلَّفَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ يُخْبِرُهُ بِذَلِكَ، وَتَتَابَعَتِ الأَخْبَارُ عَلَى أَبِي عُبَيْدَةَ؛ فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ؛ فَكَتَبَ أَبُو عُبَيْدَةَ إِلَى كُلِّ وَالٍ مِمَّنْ خَلَّفَهُ فِي الْمُدُنِ الَّتِي صَالَحَ أَهْلَهَا يَأْمُرُهُمْ أَنْ يردوا عَلَيْهِم مَا جبي مِنْهُمْ مِنَ الْجِزْيَةِ وَالْخَرَاجِ، وَكَتَبَ إِلَيْهِمْ أَنْ يَقُولُوا لَهُمْ: إِنَّمَا رَدَدْنَا عَلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ؛ لأَنَّهُ قَدْ بَلَغَنَا مَا جُمِعَ لَنَا مِنَ الجموع، وَأَنَّكُمُ اشْتَرَطْتُمْ عَلَيْنَا أَنْ نَمْنَعَكُمْ، وَإِنَّا لَا نَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ، وَقَدْ رَدَدْنَا عَلَيْكُمْ مَا أَخَذْنَا مِنْكُمْ وَنَحْنُ لَكُمْ عَلَى الشَّرْطِ وَمَا كَتَبْنَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ نَصَرَنَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ؛ فَلَمَّا قَالُوا ذَلِكَ لَهُمْ، وَرَدُّوا عَلَيْهِمُ الأَمْوَالَ الَّتِي جَبَوْهَا مِنْهُمْ، قَالُوا: رَدَّكُمُ اللَّهُ عَلَيْنَا وَنَصَرَكُمْ عَلَيْهِمْ. فَلَوْ كَانُوا هُمْ لَمْ يَرُدُّوا عَلَيْنَا شَيْئًا وَأَخَذُوا كُلَّ شَيْءٍ بَقِيَ لنا حَتَّى لَا يدعوا لنا شَيْئا؛ وَإِنَّمَا كَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ يُجِيبُهُمْ إِلَى الصُّلْحِ عَلَى هَذِهِ الشَّرَائِطِ وَيُعْطِيهِمْ مَا سَأَلُوا يُرِيدُ بِذَلِكَ تَأَلُّفَهُمْ، وَلْيَسْمَعْ بِهِمْ غَيْرُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْمُدُنِ الَّتِي لَمْ يَطْلُبْ أَهْلُهَا الصُّلْحَ فَيُسَارِعُوا إِلَى طَلَبِ الصُّلْحِ. وَمَا كَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ أَخَذَهُ مِنَ الْقُرَى الَّتِي حَوْلَ الْمُدُنِ مِنَ الأَمْوَالِ وَالسَّبْيِ وَالْمَتَاعِ؛ فَلَمْ يَرُدَّهُ عَلَيْهِمْ وَقَسَّمَهُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَ الْخُمُسَ مِنْهُ وَقَسَّمَ الأَرْبَعَةَ الأَخْمَاسِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ. وَالْتَقَى الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ فَاقْتَتَلُوا قِتَالا شَدِيدًا وَقُتِلَ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، ثُمَّ نَصَرَ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ وَمَنَحَ أَكْتَافَهُمْ وَهَزَمَهُمْ وَقَتَلَهُمْ الْمُسْلِمُونَ قَتْلا لَمْ يَرَ الْمُشْرِكُونَ مِثْلَهُ. فَلَمَّا رَأَى أَهْلُ الْمُدُنِ الَّتِي لَمْ يُصَالِحْ عَلَيْهَا أَبُو عُبَيْدَةَ مَا لَقِيَ أَصْحَابُهُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الْقَتْلِ بَعَثُوا إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ يَطْلُبُونَ الصُّلْحَ فَأَعْطَاهُمُ الصُّلْحَ عَلَى مِثْلِ مَا أَعْطَى الأَوَّلِينَ إِلا أَنَّهُمُ اشْتَرَطُوا عَلَيْهِ إِنْ كَانَ عِنْدَهُمْ مِنَ الرُّومِ الَّذِينَ جَاءُوا لِقِتَالِ الْمُسْلِمِينَ وصاروا عِنْدهم؛ فَإِنَّهُم آمنُوا يَخْرُجُونَ بِمَتَاعِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَأَهْلِهِمْ إِلَى الرُّومِ وَلا يُتَعَرَّضُ لَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؛ فَأَعْطَاهُمْ ذَلِكَ أَبُو عُبَيْدَةَ فَأَدَّوْا إِلَيْهِ الْجِزْيَةَ وَفَتَحُوا لَهُ أَبْوَابَ الْمُدُنِ، وَأَقْبَلَ أَبُو عُبَيْدَةَ رَاجِعًا؛ فَكُلَّمَا مَرَّ بِمَدِينَةٍ مِمَّا لَمْ يَكُنْ صَالَحَهُ أَهْلُهَا بَعَثَ رُؤَسَاؤُهَا يَطْلُبُونَ الصُّلْحَ؛ فَأَجَابَهُمْ إِلَيْهِ وَأَعْطَاهُمْ مِثْلَ مَا أَعْطَى الأَوَّلِينَ، وَكَتَبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ كتاب الصُّلْح

стр. 159

وَكلما مر على مَدِينَة مِمَّا كَانَ صَالَحَ أَهْلَهَا، وَكَانَ وَالِيهِ فِيهَا قَدْ رَدَّ عَلَيْهِمْ مَا كَانَ أَخَذَ مِنْهُمْ تَلَقَّوْهُ بِالأَمْوَالِ الَّتِي كَانَ رَدَّهَا عَلَيْهِمْ مِمَّا كَانُوا صُولِحُوا عَلَيْهِ مِنَ الْجِزْيَةِ وَالْخَرَاجِ، وتلقوه بأسواق وَالْبِيَاعَاتِ فَتَرَكَهُمْ عَلَى الشَّرْطِ الَّذِي كَانَ قَدْ شَرَطَ لَهُمْ، لَمْ يُغَيِّرْهُ وَلَمْ يَنْقُصْهُ. وَكَتَبَ أَبُو عُبَيْدَةَ إِلَى عُمَرَ ﵁ بِهَزِيمَةِ الْمُشْرِكِينَ، وَبِمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَمَا أَعْطَى أَهْلَ الذِّمَّةِ مِنَ الصُّلْحِ وَمَا سَأَلَهُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَنْ يُقَسِّمَ بَيْنَهُمُ الْمُدُنَ وَأَهْلَهَا وَالأَرْضَ وَمَا فِيهَا مِنْ شَجَرٍ أَوْ زَرْعٍ، وَأَنَّهُ أَبَى ذَلِكَ عَلَيْهِمْ حَتَّى كَتَبَ إِلَيْهِ فِيهِ لِيَكْتُبَ إِلَيْهِ بِرَأْيِهِ فِيهِ؛ فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: إِنِّي نَظَرْتُ فِيمَا ذَكَرْتَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ، وَالصُّلْحِ الَّذِي صَالَحْتَ عَلَيْهِ أَهْلَ الْمُدُنِ وَالأَمْصَارِ وَشَاوَرْتُ فِيهِ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؛ فَكُلّ قَدْ قَالَ فِي ذَلِكَ بِرَأْيِهِ، وَإِنَّ رَأْيِي تَبَعٌ لِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ، لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الْحَشْر: ٦- ٨] هم الْمُهَاجِرُونَ الْأَولونَ ﴿وَالَّذين تبوأوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الْحَشْر: ٩] ؛ فَإِنَّهُمُ الأَنْصَارُ ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الْحَشْر: ١٠] وَلَدُ آدَمَ الأَحْمَرُ وَالأَسْوَدُ؛ فَقَدْ أَشْرَكَ اللَّهُ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ فِي هَذَا الْفَيْءِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ؛ فَأَقِرَّ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ فِي أَيْدِي أَهْلِهِ وَاجْعَلِ الْجِزْيَةَ عَلَيْهِمْ بِقَدْرِ طَاقَتِهِمْ تُقَسِّمَهَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَيَكُونُونَ عُمَّارَ الأَرْضِ فَهُمْ أَعْلَمُ بِهَا وَأَقْوَى عَلَيْهَا، وَلا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهِمْ وَلا لِلْمُسْلِمِينَ مَعَكَ أَنْ تَجْعَلَهُمْ فَيْئًا وَتُقَسِّمَهُمْ لِلصُّلْحِ الَّذِي جَرَى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ وَلأَخْذِكَ الْجِزْيَةَ مِنْهُمْ بِقَدْرِ طَاقَتِهِمْ، وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ لَنَا وَلَكُمْ؛ فَقَالَ فِي كِتَابِهِ: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التَّوْبَة: ٢٩] ؛ فَإِذَا أَخَذْتَ مِنْهُمُ الْجِزْيَةَ فَلا شَيْءَ لَكَ عَلَيْهِمْ وَلا سَبِيلَ. أَرَأَيْتَ لَوْ أَخَذَنَا أَهْلَهَا فاقتسمناهم مَا كَانَ لِمَنْ يَأْتِي مِنْ بَعْدِنَا مِنَ الْمُسلمين وَالله مَا كَانُوا

стр. 160

يَجِدُونَ إِنْسَانًا يُكَلِّمُونَهُ وَلا يَنْتَفِعُونَ بِشَيْء مِنْ ذَاتِ يَدِهِ، وَأَنَّ هَؤُلاءِ يَأْكُلُهُمُ الْمُسْلِمُونَ مَا دَامُوا أَحْيَاءً؛ فَإِذا هلكنا وهلكوا أكل أنباؤنا أَبْنَاءَهُمْ أَبَدًا مَا بَقُوا فَهُمْ عَبِيدٌ لأَهْلِ دِينِ الإِسْلامِ مَا دَامَ دِينُ الإِسْلامِ ظَاهِرًا؛ فَاضْرِبْ عَلَيْهِمُ الْجِزْيَةَ وَكُفَّ عَنْهُمُ السَّبْيَ وَامْنَعِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ ظُلْمِهِمْ وَالإِضْرَارِ بِهِمْ وَأَكْلِ أَمْوَالِهِمْ إِلا بِحِلِّهَا ووفى لَهُمْ بِشَرْطِهِمُ الَّذِي شَرَطْتَ لَهُمْ فِي جَمِيعِ مَا أَعْطَيْتَهُمْ. وَأَمَّا إِخْرَاجُ الصِّلْبَانِ فِي أَيَّامِ عِيدِهِمْ؛ فَلا تَمْنَعْهُمْ مِنْ ذَلِكَ خَارِجَ الْمَدِينَةِ بِلا رَايَاتٍ وَلا بُنُودٍ عَلَى مَا طَلَبُوا مِنْكَ يَوْمًا من السَّنَةِ؛ فَأَمَّا دَاخِلَ الْبَلَدِ بَيْنَ الْمُسلمين ومساجدهم فَلَا تظر الصِّلْبَانَ؛ فَأَذِنَ لَهُمْ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي يَوْمٍ مِنَ السَّنَةِ وَهُوَ يَوْمُ عِيدِهِمُ الَّذِي فِي صَوْمِهِمْ، فَأَمَّا فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ فَلَمْ يَكُونُوا يُخْرِجُونَ صِلْبَانَهُمْ. فَمَا كَانَ مِنَ الصُّلْحِ الَّذِي صَالَحُوا علَيْهِ أَهْلُهُ فَإِنَّ بِيَعُهُمْ وَكَنَائِسُهُمْ تُرِكَتْ عَلَى حَالِهَا وَلَمْ تُهْدَمَ وَلَمْ يُتَعَرَّضْ لَهُمْ فِيهَا فَهَذَا مَا كَانَ بِالشَّامِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَأهل الذِّمَّة. ذهَاب خَالِد لقِتَال أهل الْعرَاق: قَالَ أَبُو يُوسُف: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بنْ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْفُتُوحِ وَالسِّيَرِ، بَعْضُهُمْ يَزِيدُ فِي الْحَدِيثِ عَلَى بَعْضٍ، قَالُوا: لَمَّا قَدِمَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ مِنَ الْيَمَامَةِ دَخَلَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَخَرَجَ فَأَقَامَ أَيَّامًا، ثُمَّ قَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ، تَهَيَّأْ حَتَّى تَخْرُجَ إِلَى الْعِرَاقِ؛ فَوَجَّهَهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ إِلَى الْعِرَاقِ، فَخَرَجَ فِي أَلْفَيْنِ، وَمَعَهُ مِنَ الأَتْبَاعِ مِثْلُهُمْ؛ فَمَرَّ بِفَائِدٍ١ فَخرج مَعَه خَمْسمِائَة من طَيء وَمَعَهُمْ مِثْلُهُمْ فَانْتَهَي إِلَى شَرَافَ٢، وَمَعَهُ خَمْسَةُ آلافٍ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ؛ فَتَعَجَّبَ أَهْلُ شَرَافٍ مِنْ خَالِدٍ وَمَنْ مَعَهُ وَوُغُولِهِمْ فِي أَرْضِ الْعَجَمِ فَانْتَهَوْا إِلَى الْمُغِيثَةِ٢؛ فَإِذَا طَلائِعُ خَيْلِ الْعَجَمِ فَنَظَرُوا إِلَيْهِمْ وَرَجَعُوا، فَانْتَهَوْا إِلَى حِصْنِهِمْ وَدَخَلُوهُ، فَأَقْبَلَ خَالِدٌ وَمَنْ مَعَهُ إِلَى الْحِصْنِ فَحَاصَرَهُمْ وَفَتَحَ الْحِصْنَ وَقَتَلَ مَنْ فِيهِ مِنَ الْمُقَاتِلَةِ وَسَبَى النِّسَاءَ وَالذَّرَارِيَّ، وَأَخَذَ جَمِيعَ مَا كَانَ فِيهِ مِنَ السِّلاحِ وَالْمَتَاعِ وَالدَّوَابِ وَهَدَمَ الْحِصْنَ. ثُمَّ مَضَى حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْعَذِيبِ٤ وَفِيهِ حِصْنٌ فِيهِ مَسْلَحَةٌ لِكِسْرَى فَوَاقَعَهُمْ خَالِدٌ فَقَتَلَهُمْ وَأَخَذَ مَا كَانَ فِي الْحِصْنِ مِنْ مَتَاعٍ وَسِلاحٍ وَدَوَابٍّ وَهَدَمَ الْحِصْنَ وَضرب أَعْنَاق

стр. 161

الرِّجَالِ وَسَبَى النِّسَاءَ وَالذَّرَارِيَّ وَعَزَلَ الْخُمُسَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَقَسَّمَ أَرْبَعَةَ الأَخْمَاسِ بَيْنَ أَصْحَابِهِ الَّذِينَ افْتَتَحُوهُ؛ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَهْلُ الْقَادِسِيَّةِ طَلَبُوا الصُّلْحَ وَأَعْطَوْهُ الْجِزْيَةَ، فَمَضَى خَالِدٌ مِنَ الْقَادِسِيَّةِ حَتَّى نَزَلَ النَّجَفَ وَبِهِ حِصْنٌ حَصِينٌ لِكِسْرَى فِيهِ رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ فَارِسَ مُقَاتِلَةٌ؛ فَحَاصَرَهُمْ وَافْتَتَحَ الْحسن وَاسْتَنْزَلَهُمْ وَرَئِيسُهُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ فَارس يُقَال لَهُ هزال مرد فَضَرَبَ عُنُقَهُ وَاتَّكَأَ عَلَى جِيفَتِهِ وَدَعَا بِطَعَامِهِ وَالآخَرُونَ مَقْرنُونَ فِي السَّوَاجِيرِ١؛ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ "امْرَادُو" فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ طَعَامِهِ ضَرَبَ أَعْنَاقَهُمْ وَسَبَى نِسَاءَهُمْ وَذَرَارِيَهُمْ وَأَخَذَ مَا فِي الْحِصْنِ مِنَ الْمَتَاعِ وَالسِّلاحِ وَالدَّوَابِّ وَلَمْ يَكُنْ فِي هَذِهِ الْحُصُونِ الَّتِي افْتَتَحَ أَحْصَنَ مِنْهُ وَلا أَكْثَرَ مُقَاتِلَةً وَلا سِلاحًا وَلا مَتَاعًا وَلا رِجَالا أَشَدَّ مِنْ رِجَالٍ كَانُوا فِي حِصْنِ النَّجَفِ فَأَخْرَبَ الْحِصْنَ وَأَحْرَقَهُ، ثُمَّ بَعَثَ طَلِيعَةً لَهُ إِلَى أَهْلِ أُلَّيْسَ، وَفِيهَا حِصْنٌ فِيهِ رِجَالُ مَسْلَحَةٍ لِكِسْرَى؛ فَحَاصَرَهُمْ وَفَتَحَ الْحِصْنَ وَأَخْرَجَ مَنْ فِيهِ مِنَ الرِّجَالِ وَضَرَبَ أَعْنَاقَهُمْ وَسَبَى نِسَاءَهُمْ وَذَرَارِيهِمْ وَأَخَذَ مَا كَانَ فِيهِ مِنَ الْمَتَاعِ وَالسِّلاحِ وَهَدَمَ الْحِصْنَ وَأَحْرَقَهُ. فَلَمَّا رَأَى أَهْلُ أُلَّيْسَ ذَلِكَ وَمَا صَنَعَ خَالِدٌ بِأَهْلِ الْحِصْنِ طَلَبُوا مِنْهُ الصُّلْحَ عَلَى أَدَاءِ الْجِزْيَةِ؛ فَأَعْطَاهُمْ فَأَدَّوْا إِلَيْهِ الْجِزْيَةَ، ثُمَّ مَضَى إِلَى الْحِيرَةِ فتحصن مِنْهَا أَهْلُهَا فِي قُصُورِهَا الثَّلاثَةِ: قَصْرِ الأَبْيَضَ، وَقَصْرِ الْعُدَيْسِ، وَقَصْرِ ابْنِ بقيلة؛ فأجال أَصْحَاب خَالِد الْخَيل فِي ذَلِك الظُّهْرِ وَتَعَرَّضُوا لَهُمْ لأَنْ يُقَاتِلَهُمْ أَحَدٌ أَوْ يَخْرُجَ إِلَيْهِمْ فَلَمْ يرو أَحَدًا يَخْرُجَ إِلَيْهِمْ وَلا يُرِيدُ قِتَالَهُمْ؛ فَأَشْرَفَ وَلَدَانِ مِنْ فَوْقِ الْقَصْرِ، فَأَرْسَلَ خَالِدٌ رَجُلا مِنْ كِبَارِ أَصْحَابِهِ إِلَى الْقَصْرِ الأَبْيَضِ فَوَقَفَ ثُمَّ قَالَ لِمَنْ كَانَ قَدْ أَشْرَفَ: يَخْرُجْ إِلَيَّ رَجُلٌ مِنْكُمْ أُكَلِّمُهُ. فَاطَّلَعَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْهُمْ، فَقَالَ وَهُوَ آمِنٌ حَتَّى يَرْجِعَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. فَنَزَلَ إِلَيْهِ عَبْدُ الْمَسِيحِ بْنُ حَيَّانَ بْنِ بُقَيْلَةَ وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ قَدْ سَقَطَ حَاجِبَاهُ عَلَى عَيْنَيْهِ، وَخَرَجَ إِلَيْهِ إِيَاس بن قبيصَة الطَّائِيُّ وَكَانَ وَالِي الْحِيرَةِ مِنْ قِبَلِ كِسْرَى وَلاهُ بَعْدَ النُّعْمَانِ بن الْمُنْذر؛ فَأتوا خَالِدا فَقَالَ لَهُمْ: أَدْعُوكُمْ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى الإِسْلامِ؛ فَإِنْ أَنْتُمْ فَعَلْتُمْ فَلَكُمْ مَا لِلْمُسْلِمِينَ وَعَلَيْكُمْ مَا عَلَيْهِم، وَإِن أبيتهم فأطعوا الْجِزْيَةَ؛ فَإِنْ أَبَيْتُمْ فَقَدْ أَتَيْتُكُمْ بِقَوْمٍ هُمْ أَحْرَصُ عَلَى الْمَوْتِ مِنْكُمْ عَلَى الْحَيَاةِ. قَالَ: وَفِي يَدِ ابْنِ بُقَيْلَةَ السُّمَّ؛ قَالَ: فَقَالَ هَل خَالِدٌ: مَا هَذَا؟ قَالَ: هَذَا السُّمُّ فَإِنْ أَنْتَ أَعْطَيْتَنِي مَا أُرِيدُ وَإِلا شَرِبْتُهُ فَلا أَرْجِعَ إِلَى قَوْمِي بِمَا لَا يُحِبُّونَ، قَالَ فَأَخَذَهُ خَالِدٌ مِنْ يَدِهِ

стр. 162

وَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ، ثُمَّ ابْتَلَعَهُ قَالَ: فَرَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ وَقَالَ لَهُمْ: جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ قَوْمٍ لَا يَعْمَلُ فِيهِمُ السُّمَّ. قَالَ فَقَالَ لَهُ إِيَاسُ بْنُ قبيصَة: مَا لنا مِنْ حَاجَةٍ وَمَا نُرِيدُ أَنْ نَدْخُلَ مَعَكَ فِي دِينِكَ، نُقِيمُ عَلَى دِينِنَا وَنُعْطِيكَ الْجِزْيَةَ. فَصَالَحَهُ عَلَى سِتِّينَ أَلْفًا وَرَحَلَ عَلَى أَنْ لَا يَهْدِمَ لَهُمْ بَيْعَةً وَلا كَنِيسَةً وَلا قَصْرًا مِنْ قُصُورِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَتَحَصَّنُونَ فِيهَا إِذَا نَزَلَ بِهِمْ عَدُوٌ لَهُمْ، وَلَا يمنعنون مَنْ ضَرْبِ النَّوَاقِيسِ وَلا مِنْ إِخْرَاجِ الصُّلْبَانِ فِي يَوْمِ عِيدِهِمْ، وَعَلَى أَنْ لَا يَشْتَمِلُوا عَلَى تَغِبَّةٍ١ وَعَلَى أَنْ يُضِيفُوا مَنْ مَرَّ بِهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِمَّا يَحِلُّ لَهُمْ مِنْ طَعَامِهِمْ وَشَرَابِهِمْ، وَكتب بَينهم هَذَا الْكتاب: كتاب خَالِد لأهل الْحيرَة: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. هَذَا كِتَابٌ مِنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ لأَهْلِ الْحِيرَةِ، أَنَّ خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ تعاى عَنْهُ أَمَرَنِي أَنْ أَسِيرَ بَعْدَ مُنْصَرَفِي مِنْ أَهْلِ الْيَمَامَةِ إِلَى أَهْلِ الْعِرَاقِ مِنَ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ بِأَنْ أَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ، وَإِلَى رَسُوله ﵊ وَأُبَشِّرُهُمْ بِالْجَنَّةِ وَأُنْذِرُهُمْ مِنَ النَّارِ؛ فَإِنْ أَجَابُوا فَلَهُمْ مَا لِلْمُسْلِمِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَإِنِّي انْتَهَيْتُ إِلَى الْحِيرَةِ فَخَرَجَ إِلَيَّ إِيَاسُ بْنُ قَبِيصَةَ الطَّائِيُّ فِي أُنَاسٍ مِنْ أَهْلِ الْحِيرَةِ مِنْ رُؤَسَائِهِمْ، وَإِنِّي دَعَوْتُهُمْ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ فَأَبَوْا أَنْ يُجِيبُوا فعرضت عَلَيْهِم الجزمية أَوِ الْحَرْبَ فَقَالُوا: لَا حَاجَةَ لَنَا بِحَرْبِكِ؛ وَلَكِنْ صَالِحْنَا عَلَى مَا صَالَحْتَ عَلَيْهِ غَيْرَنَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي إِعْطَاءِ الْجِزْيَةِ، وَإِنِّي نَظَرْتُ فِي عِدَّتِهِمْ فَوَجَدْتُ عِدَّتَهُمْ سَبْعَةَ آلافِ رَجُلٍ، ثُمَّ مَيَّزْتُهُمْ فَوَجَدْتُ مَنْ كَانَتْ بِهِ زَمَانَةٌ أَلْفَ رَجُلٍ فَأَخْرَجْتُهُمْ مِنَ الْعِدَّةِ؛ فَصَارَ مَنْ وَقَعَتْ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ سِتَّةَ آلافٍ؛ فَصَالَحُونِي عَلَى سِتِّينَ أَلْفًا، وَشَرَطْتُ عَلَيْهِمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ عَهْدَ اللَّهِ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي أَخَذَ عَلَى أَهْلِ التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ: أَنْ لَا يُخَالِفُوا وَلا يُعِينُوا كَافِرًا عَلَى مُسْلِمٍ مِنَ الْعَرَبِ وَلا مِنَ الْعَجَمِ، وَلا يَدُلُّوهُمْ عَلَى عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ، عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقِهِ الَّذِي أَخَذَهُ أَشَدَّ مَا أَخَذَهُ عَلَى نَبِيٍّ مِنْ عَهْدٍ أَوْ مِيثَاقٍ أَوْ ذِمَّةٍ؛ فَإِنْ هُمْ خَالَفُوا فَلا ذِمَّةَ لَهُمْ وَلا أَمَانَ، وَإِنْ هُمْ حَفِظُوا ذَلِكَ وَرَعَوْهُ وَأَدَّوْهُ إِلَى الْمُسْلِمِينَ؛ فَلَهُمْ مَا لِلْمُعَاهَدِ وَعَلَيْنَا الْمَنْعُ لَهُمْ؛ فَإِنْ فَتَحَ الله علينا فهم على ذمَّته من؛ فَلهم بذلك عهد الله أَشَدَّ مَا أَخَذَ عَلَى نَبِيٍّ مِنْ عَهْدٍ أَوْ مِيثَاقٍ، وَعَلَيْهِمْ مِثْلُ ذَلِكَ لَا يُخَالَفُوا؛ فَإِنْ غُلِبُوا فَهُمْ فِي سِعَةٍ يَسَعُهُمْ مَا وَسِعَ أَهْلُ الذِّمَّةِ. وَلا يَحِلُّ فِيمَا أُمِرُوا بِهِ أَنْ يُخَالِفُوا وَجَعَلْتُ لَهُمْ أَيُّمَا شَيْخٍ ضَعُفَ عَنِ الْعَمَلِ أَوْ أَصَابَتْهُ آفَةٌ مِنَ الآفَاتِ أَوْ كَانَ غَنِيا

стр. 163

فَافْتَقَرَ وَصَارَ أَهْلُ دِينِهِ يَتَصَدَّقُونَ عَلَيْهِ طَرَحْتُ جِزْيَتَهُ وَعِيلَ مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ١. وَعِيَالُهُ مَا أَقَامَ بِدَارِ الْهِجْرَةِ وَدَارِ الإِسْلامِ؛ فَإِنْ خَرَجُوا إِلَى غَيْرِ دَارِ الْهِجْرَةِ وَدَارِ الإِسْلامِ؛ فَلَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ النَّفَقَةَ عَلَى عِيَالِهِمْ. وَأَيُّمَا عَبْدٍ مِنْ عَبِيدِهِمْ أَسْلَمَ أُقِيمَ فِي أَسْوَاقِ الْمُسْلِمِينَ فَبِيعَ بِأَعْلَى مَا يُقَدَّرُ عَلَيهِمْ فِي غَيْرِ الْوَكْسِ وَلا تَعْجِيلَ وَدُفِعَ ثَمَنُهُ إِلَى صَاحِبِهِ، وَلَهُمْ كُلُّ مَا لَبِسُوا مِنَ الزِّيِّ إِلا زِيَّ الْحَرْبِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَشَبَّهُوا بِالْمُسْلِمِينَ فِي لِبَاسِهِمْ. وَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْهُمْ وُجِدَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ زِيِّ الْحَرْبِ سُئِلَ عَنْ لِبْسِهِ ذَلِكَ فَإِنْ جَاءَ مِنْهُ بِمَخْرَجٍ؛ وَإِلا عُوقِبَ بِقَدْرِ مَا عَلَيْهِ مِنْ زِيِّ الْحَرْبِ. وَشُرِطَتْ عَلَيْهِمْ جبابة مَا صالحتهم عَلَيْهِ حَتَّى يؤدوه إِلَى بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ عُمَّالُهُمْ مِنْهُمْ؛ فَإِنْ طَلَبُوا عَوْنًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ أُعِينُوا بِهِ وَمَئُونَةُ الْعَوْنِ مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ". قَالُوا: وَقَالَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ لإِيَاسِ بْنِ قَبِيصَةَ وَعَبْدِ الْمَسِيحِ بْنِ حَيَّان من بقيلة: لم هَذِه الْحُصُون بنيتهم وَلَسْتُمْ فِي دَارِ مَنْعِهِ؟ فَقَالا: نَرُدُّ بِهَا السَّفِيهَ حَتَّى يَأْتِي الْحَلِيمُ. قَالَ: لَوْ كُنْتُمْ أَهْلَ قِتَالٍ وَأَنْتُمْ قَوْمٌ عَرَبٌ؟ قَالُوا: آثَرْنَا الْخَمْرَ وَالْخِنْزِيرَ وَرَضِيَ مِنَّا جِيرَانُنَا بِذَلِكَ -يَعْنُونَ أَهْلَ فَارِسَ- فَصَالَحَهُمْ عَلَى سِتِّينَ أَلْفًا وَرَحَلَ؛ فَكَانَتْ أَوَّلُ جِزْيَةٍ حُمِلَتْ مِنْ أَرْضِ الْمَشْرِقِ، وَأَوَّلُ مَالٍ قُدِمَ بِهِ مِنَ الْمَشْرِقِ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁. قَالَ: وَكَتَبَ إِلَى مَرَازِبَةِ أَهْلِ فَارِسَ كِتَابًا وَدَفَعَهُ إِلَى بَنِي بقيلة: مَا كتبه خَالِد إِلَى رُؤَسَاء فَارس: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. مِنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ إِلَى رُسْتَمَ وَمِهْرَانَ وَمَرَازِبَةِ فَارِسَ -سَلامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى؛ فَإِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكُم اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلا هُوَ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَمَّا بَعْدُ: فَالْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي فَضَّ خِدْمَتَكُمْ وَفَرَّقَ جَمْعَكُمْ وَخَالَفَ بَين كلمتكم وأوهن بأسكم وسلب ملككم؛ فَإِن جَاءَكُمْ كِتَابِي هَذَا فَابْعَثُوا إِلَيَّ بِالرَّهْنِ، وَاعْتَقِدُوا مِنِّي الذِّمَّةَ، وَاجْبُوا إِلَيَّ الْجِزْيَةَ؛ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَوَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلا هُوَ لأسيرين إِلَيْكُم بِقوم يحبونَ الْمَوْت كبحكم الْحَيَاةَ. وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهدى". افْتِتَاح خَالِد حصون فَارس وقراها: ثُمَّ إِنَّ خَالِدًا مَضَى إِلَى قَرْيَةٍ أَسْفَلَ الْفُرَاتِ يُقَالُ لَهَا بَانِقْيَا، وَفِيهَا مَسْلَحَةٌ لِكِسْرَى فِي حصن لَهُم فَحَاصَرَهُمْ؛ فَافْتتحَ الْحِصْنَ وَقَتَلَ مَنْ فِيهِ مِنَ الرِّجَالِ وَسَبَى نِسَاءَهُمْ وَذَرَارِيهِمْ، وَأَخَذَ مَا كَانَ فِيهِ مِنَ الْمَتَاعِ وَالسِّلاحِ وَأَحْرَقَ الْحِصْنَ وَهَدَمَهُ؛ فَلَمَّا رأى ذَلِك أهل الْقرْيَة

стр. 164

طَلَبُوا الصُّلْحَ مِنْهُ عَلَى أَدَاءِ الْجِزْيَةِ؛ فَكَانَ وَلِيُّ الصُّلْحِ عَنْهُمْ هَانِئُ بْنُ جَابِرٍ الطَّائِيُّ؛ فَصَالَحَهُ عَنْهُمْ عَلَى ثَمَانِينَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، ثُمَّ سَارَ حَتَّى نَزَلَ بَانِقْيَا عَلَى شَطِّ الْفُرَاتِ؛ فَقَاتَلُوهُ لَيْلَةً إِلَى الصَّبَاحِ وَحَاصَرَهُمْ وَاشْتَدَّ قِتَالُهُمْ فاتتحها بِقُوَّة الله تَعَالَى وعونه، وَفِيه أَسَاوِرَةٌ كَانَ كِسْرَى صَيَّرَهُمْ فِيهَا فَقَتَلَهُمْ، وَسَبَى ذَرَارِيهِمْ وَنِسَاءَهُمْ وَأَحْرَقَ الْحِصْنَ وَهَدَمَهُ؛ فَلَمَّا رَأَى أَهْلُ بَانِقْيَا ذَلِكَ طَلَبُوا الصُّلْحَ مِنْهُ فَأَعْطَاهُمْ. ثُمَّ بَعَثَ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ إِلَى قَرْيَةٍ بِالسَّوَادِ؛ فَلَمَّا أَقْحَمَ جَرِيرٌ الْفُرَاتَ لِيَعْبُرَ إِلَى أَهْلَ الْقَرْيَةِ، نَادَاهُ دَهْقَانُهَا صُلُوبَا: لَا تَعْبُرْ، أَنَا أَعْبُرُ إِلَيْكَ؛ فَعَبَرَ إِلَيْهِ فَصَالَحَهُ عَلَى مِثْلِ مَا صَالَحَهُ عَلَيْهِ أَهْلُ بَانِقْيَا وَأَعْطَاهُ الْجِزْيَةَ، وَصَالَحَهُ أَهْلُ مَارُوسَمَا وَمَا حَوْلَهَا مِنَ الْقُرَى عَلَى مَا صَلَاحه عَلَيْهِ أَهْلُ الْحِيرَةِ. ثُمَّ إِنَّ خَالِدًا رَجَعَ إِلَى النَّجَفِ فَاسْتَبْطَنَ بَطْنَ النَّجَفِ وَأَخَذَ الأَدِلاءَ مِنْ أَهْلِ الْحِيرَةِ؛ حَتَّى انْتَهَى إِلَى عَيْنِ التَّمْرِ فَنَزَلَ بِعَيْنِ التَّمْرِ وَبِهَا رَابِطَةٌ لِكِسْرَى فِي حِصْنٍ؛ فَحَاصَرَهُمْ حَتَّى اسْتَنْزَلَهُمْ فَقَتَلَهُمْ وَسَبَى نِسَاءَهُمْ وَذَرَارِيهِمْ، وَأَخَذَ مَا كَانَ فِي الْحِصْنِ مِنَ الْمَتَاعِ وَالسِّلاحِ وَالدَّوَابِ، وَأَحْرَقَ الْحِصْنَ وَخَرَّبَهُ، وَقَتَلَ دَهْقَانَ عَيْنِ التَّمْرِ، وَكَانَ رَجُلا مِنَ الْعَرَبِ وَسَبَى نِسَاءَهُ وَذَرَارِيَهُ وَأَهْلَ بَيْتِهِ، وَأَعْطَاهُ أَهْلَ عَيْنِ التَّمْرِ الْجِزْيَةَ كَمَا أَعْطَاهُ أَهْلُ الْحِيرَةِ وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى، وَكَتَبَ لَهُمْ كِتَابًا عَلَى مَا كَتَبَ لأَهْلِ الْحِيرَةِ، وَكَذَلِكَ لأَهْلِ أُلَّيْسَ فَهُوَ عِنْدَهُمْ. ثُمَّ بَعَثَ سَعْدَ بْنَ عَمْرٍو الأَنْصَارِيَّ فِي جَمْعٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى صَنْدُودِيَا، وَفِيهَا قَوْمٌ مِنْ كِنْدَةَ وَمِنْ أَيَادٍ نَصَارَى؛ فَحَاصَرَهُمْ أَشَدَّ الْحِصَارِ ثُمَّ صَالَحَهُمْ عَلَى جِزْيَةٍ يُؤَدُّونَهَا إِلَيْهِ، وَأَسْلَمَ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ. وَأَقَامَ سَعْدَ بْنَ عَمْرٍو بِمَوْضِعِهِ فِي خِلافَةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُم حَتَّى مَاتَ؛ فَوَلَدُهُ هُنَاكَ إِلَى الْيَوْم. ذهَاب خَالِد إِلَى الشَّام لمساندة جَيش الْمُسلمين هُنَاكَ: وَكَانَ خَالِدٌ أَرَادَ أَنْ يَتَّخِذَ الْحِيرَةَ دَارًا يُقِيمَ بِهَا فَأَتَاهُ كتاب أبي بكرالصديق رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ يَأْمُرُهُ بِالْمَسِيرِ إِلَى الشَّامِ مَدَدًا لأَبِي عُبَيْدَة وَالْمُسْلِمين؛ فَأخْرج خَالِد بن الْوَلِيدِ الْخُمُسَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَبَعَثَ بِهِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ مَعَ مَا أَخَذَ مِنَ الْجِزْيَةِ وَالسَّبْيِ وَقَسَّمَ الأَرْبَعَةَ الأَخْمَاسَ بَيْنَ أَصْحَابِهِ الَّذِينَ مَعَهُ؛ فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ ﵁ أَنِ الْحَقْ بِأَبِي عُبَيْدَةَ -حِينَ أَتَاهُ كتاب أبي عُبَيْدَة

стр. 165

يَسْتَمِدُّهُ- فَتَوَجَّهَ مِنَ الْحِيرَةِ مَعَ الأَدِلاءِ مِنْهَا وَمِنْ عَيْنِ التَّمْرِ حَتَّى قَطَعَ الْمَفَاوِزَ؛ فَلَمَّا قَطَعَهَا وَقَعَ فِي بِلادِ بَنِي تَغْلِبَ فَقَتَلَ مِنْهُمْ قَوْمًا كَثِيرًا وَسَبَى، ثُمَّ مَضَى مِنْ بِلادِ بَنِي تَغْلِبَ، وَمَضَى مَعَهُ أَدِلاءٌ مِنْ أَهْلِهَا حَتَّى أَتَى النُّقَيْبَ وَالْكَوَاثِلَ١؛ فَلَقِيَ جَمْعًا كَثِيرًا لَمْ يُرَ مِثْلَهُ إِلا فِي أَهْل الْيَمَامَةِ؛ فَاقْتَتَلُوا قِتَالا شَدِيدًا حَتَّى قَتَلَ خَالِدٌ عِدَّةً بِيَدِهِ وَأَغَارَ عَلَى مَا حَوْلَهَا مِنَ الْقُرَى فَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ وَحَاصَرَهُمْ. فَلَمَّا اشْتَدَّ الْحِصَارُ عَلَيْهِمْ طَلَبُوا الصُّلْحَ عَلَى مِثْلِ مَا صَالَحَ عَلَيْهِ أهل عانات. وَقد كَانَ مَرَّ بِبِلادِ عَانَاتٍ فَخَرَجَ إِلَيْهِ بِطْرِيقُهَا فَطَلَبَ الصُّلْحَ فَصَالَحَهُ وَأَعْطَاهُ مَا أرد عَلَى أَنْ لَا يَهْدِمَ لَهُمْ بَيْعَةٍ وَلا كَنِيسَةٍ وَعَلَى أَنَّ يَضْرِبُوا نَوَاقِيسَهُمْ فِي أَيِّ سَاعَةٍ شَاءُوا مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ إِلا فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ، وَعَلَى أَن يخرجُوا الصلبات فِي أَيَّامِ عِيدِهِمْ، وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُضَيِّفُوا الْمُسْلِمِينَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ وَيَبْذَرِقُوهُمْ٢، وَكَتَبَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ كِتَابَ الصُّلْحِ، وَخَرَجَ مِنْهُمْ عِدَّةُ أَدِلاءَ فَأَخَذُوا عَلَى النَّقِيبِ وَالْكَوَاثِلِ؛ فَصَالَحُوهُ عَلَى مِثْلِ مَا صَالَحَهُ عَلَيْهِ أَهْلُ عَانَاتَ وَجَرَى الصُّلْحُ بَيْنَهُمْ وَكتب بيه وَبَيْنَهُمُ الْكِتَابَ عَلَى ذَلِكَ. ثُمَّ مَضَى حَتَّى أَتَى إِلَى بِلادِ قَرْقِيسْيَاءَ؛ فَأَغَارَ عَلَى مَا حَوْلَهَا فَأَخَذَ الأَمْوَالَ وَسَبَى النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ وَقَتَلَ الرِّجَالَ وَحَاصَرَ أَهْلَهَا أَيَّامًا. ثُمَّ إِنَّهُمْ بَعَثُوا يَطْلُبُونَ الصُّلْحَ؛ فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ وَأَعْطَاهُمْ مِثْلَ مَا أَعْطَى أَهْلَ عَانَاتَ عَلَى أَنْ لَا يَهْدِمَ لَهُمْ بَيْعَةً وَلا كَنِيسَةً، وَعَلَى أَنْ يَضْرِبُوا نواقيسهم إِلَّا فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ وَيُخْرِجُوا صُلْبَانَهُمْ فِي يَوْمِ عِيدِهِمْ؛ فَأَعْطَاهُمْ ذَلِكَ، وَكَتَبَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُمُ الْكِتَابَ، وَشَرَطَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُضِيفُوا الْمُسْلِمِينَ وَيَبْذَرِقُوهُمْ، فَأَدَّوْا إِلَيْهِ الْجِزْيَةَ وَتُرِكَتِ الْبِيَعُ وَالْكَنَائِسَ لَمْ تُهْدَمْ لِمَا جَرَى مِنَ الصُّلْحِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ. وَلَمْ يَرُدَّ ذَلِكَ الصُّلْحَ عَلَى خَالِدٍ أَبُو بَكْرٍ وَلا رَدَّهُ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ عُمَرُ وَلا عُثْمَانَ وَلا عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ. قَالَ أَبُو يُوسُف: وَلَسْتُ أَرَى أَنْ يُهْدَمَ شَيْءٌ مِمَّا جَرَى عَلَيْهِ الصُّلْحُ وَلا يُحَوَّلُ وَأَنْ يَمْضِي الأَمْرُ فِيهَا عَلَى مَا أَمْضَاهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ؛ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَهْدِمُوا شَيْئًا مِنْهَا مِمَّا كَانَ الصُّلْحُ جَرَى عَلَيْهِ، وَأَمَّا مَا أُحْدِثَ مِنْ بِنَاءِ بَيْعَةٍ أَوْ كَنِيسَة فَإِن ذَلِك يهدم.

стр. 166

وَقَدْ كَانَ نَظَر فِي ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْخُلَفَاءِ الْمَاضِينَ وَهَمُّوا بِهَدْمِ الْبِيَعِ وَالْكَنَائِسَ الَّتِي فِي الْمُدُنِ وَالأَمْصَارِ؛ فَأَخْرَجَ أَهْلَ الْمُدُنِ الْكُتُبَ الَّتِي جَرَى الصُّلْحِ يها بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَهُمْ، وَرَدَّ عَلَيْهِمُ الْفُقَهَاءُ وَالتَّابِعُونَ ذَلِكَ وَعَابُوهُ عَلَيْهِمْ؛ فَكَفُّوا عَمَّا أَرَادُوا مِنْ ذَلِكَ؛ فَالصُّلْحُ نَافِذٌ عَلَى مَا أَنْفَذَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَرَأُيَكَ بَعْدُ فِي ذَلِكَ؛ وَإِنَّمَا تُرِكَتْ لَهُمْ الْبِيَعُ وَالْكَنَائِسُ عَلَى مَا أَعْلَمْتُكَ. وَسَبَى خَالِدٌ فِي مَخْرَجَهُ مِنَ الْحِيرَةِ إِلَى أَنِ انْتَهَى إِلَى دِمَشْقَ أَلْفَ رَأْسٍ، وَقَالَ بَعْضُ مَنْ رَوَى لَنَا: سَبَى مِنْ مَخْرَجِهِ مِنَ الْحِيرَةِ إِلَى أَنِ انْتَهَى إِلَى دِمَشْقَ خَمْسَةِ آلافِ رَأْسٍ، وَكَانَ مَا بَعَثَ مِنَ الْحِيرَةِ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ السَّبْيِ وَالْجِزَيَةِ مَعَ عُمَيْرِ بْنِ سَعْدٍ؛ فَكَانَ أول سببي وَمَالُ جِزْيَةٍ وَرَدَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ الَّذِي بَعَثَهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ؛ إِلا مَا أَتَاهُ مِنْ مَالِ الْبَحْرين. عزل خَالِد عَن الشَّام: ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ عَزَلَ خَالِدًا عَنِ الشَّامِ وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ؛ فَقَامَ خَالِدٌ فخاطب النَّاسَ؛ فَحَمَدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ اسْتَعْمَلَنِي عَلَى الشَّامِ حَتَّى إِذَا كَانَتْ بَثْنِيَةً١ وَعَسَلا عَزَلَنِي وَآثَرَ بِهَا غَيْرِي. فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ: اصْبِرْ أَيُّهَا الأَمِيرُ فَإِنَّهَا الْفِتْنَةُ؛ فَقَالَ خَالِدٌ: أَمَا وَابْنُ الْخَطَّابِ حَيٌّ فَلا. قَالَ: فَلَمَّا بَلَغَ عُمَرَ مَا قَالَ خَالِدٌ قَالَ: أَمَا لأَنْزِعَنَّ خَالِدًا حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ يَنْصُرُ دِينَهُ، لَيْسَ هُوَ. قَالَ: وَقَدْ كَانَ أَهْلُ الشَّامِ حَصَرُوا أَبَا عُبَيْدَةَ وَأَصْحَابَهُ فَأَصَابَهُمْ جَهْدٌ؛ فَكَتَبَ إِلَيْهِ عمر: سَلام عَلَيْك، أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّهُ لَمْ تَكُنْ شة إِلا جَعَلَ اللَّهُ بَعْدَهَا فَرَجًا، وَلنْ يغلب عسر يسرين ﴿يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمرَان: ٢٠٠] . فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَبُو عُبَيْدَةَ: سَلامٌ عَلَيْكَ. أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الله ﵎ قَالَ: ﴿أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ الله ورضوان وَمَا الْحَيَاة

стр. 167

الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ، سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الْحَدِيد: ٢٠، ٢١] . قَالَ: فَخَرَجَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِكِتَابِ أَبِي عُبَيْدَةَ؛ فَقَرَأَهُ عَلَى النَّاسِ، وَقَالَ: يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ هَذَا كِتَابُ أَبِي عُبَيْدَةَ يُعَرِّضُ بِكُمْ وَيَحُثُّكُمْ عَلَى الْجِهَادِ. قَالَ: فَلَمْ يَلْبَثِ النَّاسُ أَنْ وَرَدَ الْبَشِيرُ عَلَى عُمَرَ بِفَتْحِ اللَّهِ على ابي عُبَيْدَة. وهم الْمُشْرِكِينَ. وَقَتْلِهِ لَهُمْ؛ فَقَالَ عُمَرُ: الله أكبر، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ رُبَّ قَائِلٍ لَوْ كَانَ خَالِدٌ [وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ] . قَالَ أَبُو يُوسُف: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَنَشٌ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْعَجَمِ أَلَهُمْ أَنْ يُحْدِثُوا بَيْعَةً أَوْ كَنِيسَةً فِي أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ؟ فَقَالَ: أَمَّا مِصْرٌ مَصَّرَتْهُ الْعَرَبُ فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُحْدِثُوا فِيهِ بِنَاءَ بَيْعَةٍ وَلا كَنِيسَةٍ وَلا يَضْرِبُوا فِيهِ بِنَاقُوسٍ وَلا يُظْهِرُوا فِيهِ خَمْرًا وَلَا يتخذوا يه خِنْزِيرًا. وَكُلُّ مِصْرٍ كَانَتِ الْعَجَمُ مَصَّرَتْهُ فَفَتَحَهُ اللَّهُ عَلَى الْعَرَبِ فَنَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِمْ فَلِلْعَجَمِ مَا فِي عَهْدِهِمْ وَعَلَى الْعَرَبِ أَنْ يوفوا لَهُم بذلك.

стр. 168

فَصْلٌ: فِي أَهْلِ الدِّعَارَةِ ١ وَالتَّلَصُّصِ وَالْجِنَايَاتِ وَمَا يَجِبُ فِيهِ مِنَ الْحُدُود قَالَ أَبُو يُوسُف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَأَمَّا مَا سَأَلْتَ عَنْهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَمْرِ أَهْلِ الدَّعَارَةِ وَالْفِسْقِ والتلصص إِذا أخذُوا أَي شَيْءٍ مِنَ الْجِنَايَاتِ وَحُبِسُوا هَلْ يَجْرِي عَلَيْهِمْ مَا يَقُوتُهُمْ فِي الْحَبْس الَّذِي يجْرِي عَلَيْهِم من الصَّدَقَة؟ وَمَا يَنْبَغِي أَن يعلم بِهِ فيهم. على من تجب نَفَقَة المسجون ومعاملته: قَالَ: لَا بُد لِمَنْ كَانَ فِي مِثْلِ حَالِهِمْ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ يَأْكُلُ مِنْهُ لَا مَالٌ وَلا وَجْهُ شَيْءٍ يُقِيمُ بِهِ بَدَنَهُ أَنْ يُجْرَى عَلَيْهِ مِنَ الصَّدَقَةِ أَوْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، مِنْ أَيِّ الْوَجْهَيْنِ فَعَلْتَ؛ فَذَلِكَ مُوَسَّعٌ عَلَيْكَ، وَأَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ تُجْرِيَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا يَقُوتُهُ؛ فَإِنَّهُ لَا يحل وَلَا يسمع إِلا ذَلِكَ. قَالَ: وَالأَسِيرُ مِنْ أسرى الْمُشْركين لَا بُد أَنْ يُطْعَمَ وَيُحْسَنَ إِلَيْهِ حَتَّى يُحْكَمَ فِيهِ؛ فَكَيْفَ بِرَجُلٍ مُسْلِمٍ قَدْ أَخْطَأَ أَوْ أَذْنَبَ: يُتْرَكُ يَمُوتُ جُوعًا؟ وَإِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى مَا صَارَ إِلَيْهِ الْقَضَاءُ أَوِ الْجَهْلُ، وَلَمْ تَزَلِ الْخُلَفَاءُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ تُجْرِي عَلَى أَهْل السُّجُونِ مَا يَقُوتُهُمْ فِي طَعَامِهِمْ وَأَدَمِهِمْ وَكِسْوَتِهِمْ الشِّتَاءَ وَالصَّيْفَ، وَأَوَّلُ من فعل ذَلِك عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ بِالْعِرَاقِ، ثُمَّ فَعَلَهُ مُعَاوِيَةُ بِالشَّامِ، ثُمَّ فَعَلَ ذَلِكَ الْخُلَفَاءُ مِنْ بَعْدِهِ. قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُهَاجِرِ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: كَانَ عَليّ ابْن أَبِي طَالِبٍ إِذَا كَانَ فِي الْقَبِيلَةِ أَوِ الْقَوْمِ الرَّجُلُ الدَّاعِرُ حَبَسَهُ فَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ أَنْفَقَ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ أَنْفَقَ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ وَقَالَ: يُحْبَسُ عَنْهُمْ شَرُّهُ وَيُنْفَقُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ مَالِهِمْ. قَالَ: وَحَدَّثَنَا بَعْضُ أَشْيَاخِنَا عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بَرْقَانَ قَالَ: كَتَبَ إِلَيْنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ "لَا تَدَعُنَّ فِي سُجُونِكُمْ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي وَثَاقٍ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُصَلِّي قَائِمًا، وَلا تُبِيتُنَّ فِي قَيْدٍ إِلا رَجُلا مَطْلُوبًا بِدَمٍ، وَأَجْرُوا عَلَيْهِمْ مِنَ الصَّدَقَةِ مَا يصلحهم فِي طعامهم

стр. 169

وَأَدَمِهِمْ، وَالسَّلامُ" فَمُرْ بِالتَّقْدِيرِ لَهُمْ مَا يَقُوتُهُمْ فِي طَعَامِهِمْ وَأَدَمِهِمْ، وَصَيِّرْ ذَلِكَ دَرَاهِمَ، تَجْرِي عَلَيْهِمْ فِي كُلِّ شَهْرٍ يُدْفَعُ ذَلِكَ إِلَيْهِمْ؛ فَإِنَّكَ إِنْ أَجْرَيْتَ عَلَيْهِمُ الْخُبْزَ ذَهَبَ بِهِ وُلاةُ السِّجْنِ والقوام والجلاوزة١. وَولى ذَلِكَ رَجُلا مِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ وَالصَّلاحِ يُثْبِتُ أَسْمَاءَ مَنْ فِي السِّجْنِ مِمَّنْ تَجْرِي عَلَيْهِمُ الصَّدَقَةُ، وَتَكُونُ الأَسْمَاءُ عِنْدَهُ وَيَدْفَعُ ذَلِكَ إِلَيْهِمْ شَهْرًا بِشَهْرٍ، يَقْعُدُ وَيَدْعُو بِاسْمِ رَجُلٍ رَجُلٍ وَيَدْفَعُ ذَلِكَ إِلَيْهِ فِي يَدِهِ؛ فَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ قَدْ أُطْلِقَ وَخَلَّى سَبِيلَهُ رَدَّ مَا يَجْرِي عَلَيْهِ، وَيَكُونُ لِلإِجْرَاءِ عَشْرَةُ دَرَاهِمَ فِي الشَّهْرِ لِكُلِّ وَاحِدٍ. وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ فِي السِّجْنِ يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يَجْرِيَ عَلَيْهِ، وَكِسْوَتُهُمْ فِي الشِّتَاءِ قَمِيص وَكسَاء، فِي الصَّيْفِ قَمِيصٌ وَإِزَارٌ، وَيُجْرَى عَلَى النِّسَاءِ مِثْلُ ذَلِكَ وَكِسْوَتُهُنَّ فِي الشِّتَاءِ قَمِيصٌ وَمِقْنَعَةٌ وَكِسَاءٌ، وَفِي الصَّيْفِ قَمِيصٌ وَإِزَارٌ وَمِقْنَعَةٌ، وَاغْنِهِمْ عَنِ الْخُرُوجِ فِي السَّلاسِلِ يَتَصَدَّقُ عَلَيْهِمُ النَّاسُ؛ فَإِنَّ هَذَا عَظِيمٌ أَن يكون قَوْمٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَدْ أَذْنَبُوا وَأَخْطَأُوا، وَقَضَى اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ فِيهِ فَحُبِسُوا يَخْرُجُونَ فِي السَّلاسِلِ يَتَصَدَّقُونَ٢، وَمَا أَظُنَّ أَهْلَ الشِّرْكِ يَفْعَلُونَ هَذَا بِأَسَارَى الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ فِي أَيْدِيهِمْ؛ فَكَيْفَ يَنْبَغِي أَنْ يُفْعَلَ هَذَا بِأَهْلِ الإِسْلامِ؟ وَإِنَّمَا صَارُوا إِلَى الْخُرُوجِ فِي السَّلاسِلِ يَتَصَدَّقُونَ لِمَا هُمْ فِيهِ مِنْ جَهْدِ الْجُوعِ؛ فَرُبَّمَا أَصَابُوا مَا يَأْكُلُونَ وَرُبَّمَا لَمْ يُصِيبُوا، إِنَّ ابْنَ آدَمَ لَمْ يَعْرُ مِنَ الذُّنُوبِ، فَتَفَقَّدَ أَمْرَهُمْ وَمُرْ بِالإِجْرَاءِ عَلَيْهِمْ مِثْلَ مَا فَسَّرْتُ لَكَ. وَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ وَلا قَرَابَةٌ غُسِّلَ وَكُفِّنَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَصُلِّيَّ عَلَيْهِ وَدُفِنَ؛ فَإِنَّهُ بَلَغَنِي وَأَخْبَرَنِي بِهِ الثِّقَاتُ أَنَّهُ رُبَّمَا مَاتَ مِنْهُمُ الْمَيْتُ الْغَرِيبُ؛ فَيَمْكُثُ فِي السِّجْنِ الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ حَتَّى يُسْتَأْمَرَ الْوَالِي فِي دَفْنِهِ، وَحَتَّى يَجْمَعَ أَهْلُ السِّجْنِ مِنْ عِنْدِهِمْ مَا يتصدقون ويكثرون مَنْ يَحْمِلُهُ إِلَى الْمَقَابِرِ فَيُدْفَنُ بِلا غُسْلٍ وَلا كَفَنٍ وَلا صَلاةٍ عَلَيْهِ؛ فَمَا أَعْظَمَ هَذِا فِي الإِسْلامِ وَأَهْلِهِ. وَلَوْ أَمَرْتَ بِإِقَامَةِ الْحُدُودِ لَقَلَّ أَهْلُ الْحَبْسِ وَلَخَافَ الْفُسَّاقُ وَأَهْلُ الدِّعَارَةِ وَلَتَنَاهَوْا عَمَّا هم عَلَيْهِ. النّظر فِي أَمر المساجين: وَإِنَّمَا يَكْثُرُ أَهْلُ الْحَبْسِ لِقِلَّةِ النَّظَرِ فِي أَمْرِهِمْ؛ إِنَّمَا هُوَ حَبْسٌ وَلَيْسَ فِيهِ نَظَرٌ. فَمُرْ ولاتك جَمِيعًا بِالنّظرِ فِي أَمر أهل الحبوس فِي كل أَيَّام؛ فَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ أَدَبٌ أُدِّبَ وَأطلق، وَمن لم

стр. 170

يَكُنْ لَهُ قَضِيَّةٌ خُلِّيَ عَنْهُ. وَتُقَدِّمَ إِلَيْهِمْ أَنْ لَا يُسْرِفُوا فِي الأَدَبِ وَلا يَتَجَاوَزُوا بِذَلِكَ إِلَى مَا لَا يَحِلُّ وَلا يَسَعُ؛ فَإِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّهُمْ يَضْرِبُونَ الرَّجُلَ -فِي التُّهْمَةِ وَفِي الْجِنَايَةِ- الثَّلاثَمِائَةٍ وَالْمِائَتَيْنِ وَأَكْثَرَ وَأَقَلَّ، وَهَذَا مِمَّا لَا يَحِلُّ وَلا يَسَعُ. ظَهْرُ الْمُؤْمِنِ حِمًى إِلا مِنْ حَقٍّ يَجِبُ بِفُجُورٍ أَوْ قَذْفٍ أَوْ سُكْرٍ أَوْ تَعْزِيرٍ لأَمْرٍ أَتَاهُ لَا يَجِبُ فِيهِ حَدٌّ، وَلَيْسَ يُضْرَبُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، كَمَا بَلَغَنِي أَنَّ وُلاتَكَ يَضْرِبُونَ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ نَهَى عَن ضرب الْمُصَلِّين١. الْعدْل مَعَ من أَخطَأ: حَدثنَا بعض أشياخنا عَن هَوْذَة بْنِ عَطَاءٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ ضَرْبِ الْمُصَلِّينَ، وَمَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَنَا -وَاللَّهُ أَعْلَمُ- أَنَّهُ نَهَى عَنْ ضَرْبِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِمْ حَدٌّ يَسْتَحِقُّونَ بِهِ الضَّرْبَ، وَهَذَا الَّذِي بَلَغَنِي أَنَّ وُلاتَكَ يَفْعَلُونَهُ لَيْسَ مِنَ الْحُكْمِ وَالْحُدُودِ فِي شَيْءٍ، لَيْسَ يَجِبُ مِثْلُ هَذَا على جَانِبي الْجِنَايَة صَغِيرَة وَلَا كَبِيرَة. من كَانَ مِنْهُمْ أَتَى مَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِيهِ قَوْدٌ أَوْ حَدٌّ أَوْ تَعْزِيرٌ أُقِيمَ عَلَيْهِ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ مَنْ جَرَحَ مِنْهُمْ جِرَاحَةً فِي مِثْلِهَا قِصَاصٌ وَقَامَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ بِذَلِكَ قِيسَ جُرْحُهُ وَاقْتُصَّ مِنْهُ إِلا أَنْ يَعْفُوَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ؛ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ يُسْتَطَاعُ فِي مِثْلِهَا قِصَاصٌ حُكِمَ عَلَيْهِ بِالأَرْشِ وَعُوقِبَ وَأُطِيلَ حَبْسُهُ حَتَّى يُحْدِثَ تَوْبَةً ثُمَّ يُخَلَّى عَنْهُ، وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ سَرَقَ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ قُطِعَ. إِن الْأجر ي إِقَامَة الْحُدُود عَظِيم وَالصَّلَاح يه لأهل الأَرْض كثير. القَوْل فِي إِقَامَة الْحُدُود والشفاعة فِيهَا: قَالَ أَبُو يُوسُف حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عِمَارَةَ عَنْ جَرِيرِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ يُحَدِّثُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "حَدٌّ يُعْمَلُ بِهِ فِي الأَرْضِ خَيْرٌ لأَهْلِ الأَرْضِ مِنْ أَنْ يُمْطَرُوا ثَلاثِينَ صَبَاحًا". وَلا يَحِلُّ لِلإِمَامِ أَنْ يُحَابِي فِي الْحَدِّ أَحَدًا وَلا تُزِيلُهُ عَنْهُ شَفَاعَةٌ، وَلا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَخَافَ فِي ذَلِكَ لَوْمَةَ لائِمٍ؛ إِلا أَنْ يَكُونَ حَدٌّ فِيهِ شُبْهَةٌ؛ فَإِذَا كَانَ فِي الْحَدِّ شُبْهَةٌ دَرَأَهُ لِمَا جَاءَ فِي ذَلِكَ مِنَ الآثَارِ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالتَّابِعِينَ وَقَوْلِهِمْ "ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ مَا اسْتَطَعْتُمْ٢ وَالْخَطَأُ فِي الْعَفْوِ خَيْرٌ مِنَ الْخَطَأِ فِي الْعُقُوبَةِ، وَلا يحمل إِقَامَة حد على من

стр. 171

لَمْ يَسْتَوْجِبُهُ، كَمَا لَا يَحِلُّ إِبْطَالُهُ عَمَّنِ اسْتَوْجَبَهُ بِغَيْرِ شُبْهَةٍ فِيهِ. وَلا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَشْفَعَ إِلَى إِمَامٍ فِي حَدٍّ قَدْ وَجَبَ وَتَبَيَّنَ؛ فَأَمَّا قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ ذَلِكَ إِلَى الإِمَامِ فَقَدْ رَخَّصَ فِيهِ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي التَّوَقِّي لِلشَّفَاعَةِ فِيهِ بَعْدَ رَفْعِهِ إِلَى الإِمَامِ فِيمَا عَلِمْنَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ أَبُو يُوسُف: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنِ الْفَرَافِصَةِ الْحَنَفِيِّ قَالَ: مَرُّوا عَلَى الزبير بسارق فشفع فِيهِ فَقَالُوا لَهُ: أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ؟ قَالَ: نَعَمْ، مَا لَمْ يُؤْتَ بِهِ الإِمَامُ فَإِنْ أُتِيَ بِهِ الإِمَامُ فَلا عَفَا اللَّهُ عَنْهُ إِنْ عَفَا عَنْهُ. قَالَ: وَحَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِي حَازِمٍ أَنَّ عَلِيًّا ﵁ شَفَعَ فِي سَارِقٍ فَقِيل لَهُ: أَتَشْفَعُ فِي سَارِقٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، مَا لَمْ يُبْلَغْ بِهِ الإِمَامُ فَإِذَا بُلِغَ بِهِ الإِمَامُ فَلا أَعْفَاهُ اللَّهُ إِنْ عَفَا. وَحَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: كَانُوا يَقُولُونَ "ادْرَءُوا الْحُدُودَ عَنْ عِبَادِ اللَّهِ مَا اسْتَطَعْتُمْ". قَالَ أَبُو يُوسُف: وَقَدْ رَأَيْتُ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ فُقَهَائِنَا يَكْرَهُ الشَّفَاعَةَ فِي الْحَدِّ الْبَتَّةَ وَيَتَوَقَّاهُ، وَيَحْتَجُّ فِي ذَلِكَ بِمَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ: "مَنْ حَالَتْ شَفَاعَتُهُ دُونَ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ فَقَدْ حَادَّ اللَّهَ فِي خلقه". قَالَ أَبُو يُوسُف: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ابْنَةَ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِيهَا. قَالَتْ: سَرَقَتِ امْرَأَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ قَطِيفَةً مِنْ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؛ فَتَحَدَّثَ النَّاسُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَزَمَ عَلَى قَطْعِ يَدِهَا؛ فَأَعْظَمَ النَّاسُ ذَلِكَ فَجِئْنَا النَّبِيَّ ﷺ نُكَلِّمُهُ وَقُلْنَا: نَحْنُ نَفْدِيهَا بِأَرْبَعِينَ أُوقِيَةً؛ فَقَالَ "تَطْهُرُ خَيْرٌ لَهَا"؛ فَلَمَّا سَمِعْنَا لِينَ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ أَتَيْنَا أُسَامَةَ قُلْنَا: كَلِّمْ رَسُولَ الله صلى الهل عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَلَّمَهُ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَطِيبًا فَقَالَ: "مَا إِكْثَارُكُمْ عَلَيَّ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ وَقَعَ عَلَى أَمَةٍ مِنْ إِمَاءِ اللَّهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ كَانَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ نَزَلَتْ بِمِثْلِ الَّذِي نَزَلَتْ بِهِ لَقَطَعَ مُحَمَّدٌ يَدَهَا"١. قَالَ: وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ "يَا أُسَامَةَ لَا تَشْفَعْ فِي حَدٍّ". قَالَ: وَحَدَّثَنَا مَنْصُورٌ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: "لأَنْ أُعَطِّلَ الْحُدُودَ فِي الشُّبُهَاتِ خَيْرٌ مِنْ أقيمها فِي الشُّبُهَات"؟

стр. 172

قَالَ: وَحَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: ادْرَءُوا الْحُدُودَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ بِالشُّبُهَاتِ مَا اسْتَطَعْتُمْ؛ فَإِذَا وَجَدْتُمْ لِلْمُسْلِمِ مَخْرَجًا فَخَلُّوا سَبِيلَهُ، فَإِنَّ الإِمَامَ لأَنْ يُخْطِئَ فِي الْعَفْوِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعُقُوبَةِ١. قَالَ: وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بن عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَيْسَرَةَ عَنِ النَّزَّالِ بْنِ سَبْرَةَ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ بِمِنًي مَعَ عُمَرَ ﵁، إِذا امْرَأَة ضخمة على حمال تَبْكِي، قَدْ كَادَ النَّاسُ أَنْ يَقْتُلُوهَا مِنَ الزَّحْمَةِ عَلَيْهَا، وَهُمْ يَقُولُونَ لَهَا: زَنَيْتِ زَنَيْتِ؛ فَلَمَّا انْتَهَتْ إِلَى عُمَر ﵁، قَالَ: مَا شَأْنُكِ، إِنَّ الْمَرْأَةَ رُبَّمَا اسْتُكْرِهَتْ؟ فَقَالَتْ: كُنْتُ امْرَأَةٌ ثَقِيلَةُ الرَّأْسِ وَكَانَ اللَّهُ يَرْزُقُنِي مِنْ صَلاةِ اللَّيْلِ، فَصَلَّيْتُ لَيْلَةً ثُمَّ نِمْتُ فَوَاللَّهِ مَا أَيْقَظَنِي إِلا رَجُلٌ قَدْ رَكِبَنِي، ثُمَّ نَظَرْتُ إِلَيْهِ مُقْعِيًا مَا أَدْرِي مَنْ هُوَ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ؛ فَقَالَ عُمَرُ: لَوْ قُتِلَتْ هَذِهِ خَشِيتُ عَلَى الأَخْشَبَيْنِ٢ النَّارَ، ثُمَّ كَتَبَ إِلَى أُمَرَاءِ الأَمْصَارِ أَن لَا تقل نَفْسٌ دُونَهُ٣. قَالَ: وَحَدَّثَنَا مُغِيرَةُ عَنْ عَطَاءٍ قالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: "السُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ حَارَبَ الدِّينَ، وَإِنْ قَتَلَ أَخَا امْرِئٍ أَوْ أَبَاهُ". مُعَاملَة أهل الْحُدُود: قَالَ أَبُو يُوسُف: وَالَّذِي يُرْفَعُ إِلَى الإِمَامِ، وَقَدْ قَتَلَ رَجُلا أَوِ امْرَأَةً عَمْدًا، وَكَانَ ذَلِكَ مَشْهُورًا ظَاهِرًا وَقَامَتْ عَلَيْهِ بِهِ بَيِّنَةٌ؛ فَإِنَّهُ يُسْأَلُ عَنِ الْبَيِّنَةِ فَإِنْ زَكَّوْا أَوْ زَكَّى مِنْهُمْ رَجُلٌ دُفِعَ إِلَى وَلِيِّ الْمَقْتُولِ فَإِنْ شَاءَ قَتَلَ وَإِنْ شَاءَ عَفَا، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْقَاتِلُ أَقَرَّ بِالْقَتْلِ طَائِعًا مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ تَقُومُ عَلَيْهِ. الْقصاص بِالْمثلِ: قَالَ أَبُو يُوسُف: وَمَنْ رُفِعَ وَقَدْ قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ مِنَ الْمِفْصَلِ بِحَدِيدَةٍ عَمْدًا أَوْ أُصْبُعًا. مِنْ أَصَابِعِ يَدِهِ الْيُمْنَى أَوِ الْيُسْرَى أَوْ كَانَ إِنَّمَا قَطَعَ رِجْلَهُ مِنَ الْمَفْصِلِ أَوْ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ أَوْ مَفْصِلا مِنْ مَفَاصِلِ بَعْضِ الأَصَابِعِ أَوْ مِفْصَلَيْنِ كَانَ فِي ذَلِكَ الْقِصَاصُ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ قَطْعُ الأُذُنِ كُلِّهَا أَوْ بَعْضِهَا؛ فَفِي ذَلِكَ الْقِصَاصُ وَكَذَلِكَ الأَنْفُ إِذَا قُطِعَ فَفِيهِ الْقِصَاصُ، وَكَذَلِكَ الأَسْنَانُ إِذَا كُسِرَتْ أَوْ بَعْضُهَا أَوْ قُلِعَتْ أَو بَعْضهَا فَفِيهَا الْقصاص.

стр. 173

فَأَمَّا الْكَسْرُ فَإِذَا كُسِرَ سِنًّا كَسْرًا مُسْتَوِيًا فَفِيهَا الْقِصَاصُ وَإِذَا لَمْ يَكُنِ الْكَسْرُ مُسْتَوِيًا، وَكَانَ فِيمَا بَقيَ مِنَ السِّنِّ شَعَبٌ فَفِيهَا الأَرْشُ١. وَلَوْ كَانَ قَطْعُ الْيَد بالذراع من مفضل الْمِرْفَقِ أَوْ الرِّجْلِ مَعَ السَّاقِ مِنْ مَفْصِلِ الرُّكْبَةِ كَانَ فِي ذَلِكَ الْقِصَاصُ، وَكَذَلِكَ الْعَيْنُ إِذَا ضَرَبَهَا عَمْدًا فَذَهَبَتْ فَفِيهَا الْقِصَاصُ، وَكَذَلِكَ الْجُرُوحُ كُلُّهَا تَكُونُ فَفِيهَا الْقِصَاصُ، إِذَا كَانَ يُسْتَطَاعُ فِيهَا الْقِصَاصُ؛ فَإِنْ لَمْ يُسْتَطَعْ فَفِيهَا الأَرْشُ. وَلَوْ ضُرِبَ بَعْضُ أَعْظُمِهِ مِثْلُ السَّاقِ أَوِ الذِّرَاعُ أَوِ الْفَخِذُ فَهُشِّمَ الْمَوْضِعُ أَوْ كُسِرَ ضلعا مِنْ أَضْلاعِهِ؛ فَلَيْسَ فِي هَذَا قِصَاصٌ وَفِيهِ الأَرْشُ، لَيْسَ لِهَذَا أحد يُوقَفُ عَلَيْهِ فَيُقْتَصُّ لَهُ مِنْهُ. وَالْقِصَاصُ إِنَّمَا هُوَ فِي الْمَفَاصِلِ، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْجِنَايَاتِ الَّتِي تَكُونُ فِي الرَّأْسِ الْقِصَاصُ إِلا فِي الْمُوضِحَةِ٢؛ فَإِنَّهُ إِذَا شجه شجة فأوضحه عَمْدًا فَفِي ذَلِكَ الْقِصَاصُ؛ فَأَمَّا مَا كَانَ دُونَ الْمُوضِحَةِ أَوْ فَوْقهَا فليسفيه قِصَاصٌ وَإِنْ كَانَ عَمْدًا وَفِيهِ الأَرْشُ. وَكُلُّ مَنْ جُرِحَ جُرْحًا عَمْدًا فَمَاتَ مِنْ ذَلِكَ الْجُرْحِ، وَلَمْ يَزَلْ فِيهِ فَهُوَ صَاحِبُ فِرَاشٍ٣ حَتَّى مَاتَ اقْتُصَّ مِنَ الْجَارِحِ وَقُتِلَ بِهِ؛ فَأَمَّا الْخَطَأُ فَإِذا قَتله خطأ وَقَامَتْ بِذَلِكَ بَيِّنَةٌ، وَسُئِلَ عَنْهُمْ فَزَكُّوا أَوِ اثْنَانِ مِنْهُمْ؛ فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ فِي ثَلاثِ سِنِينَ يُؤَدُّونَ فِي كُلِّ سَنَةٍ الثُّلُثَ، وَلا تَعْقِلُ الْعَاقِلَةُ٤ الصُّلْحَ وَلا الْعمد وَلَا الِاعْتِرَاف. قيمَة الدِّيَة: قَالَ أَبُو يُوسُف: وَالدِّيَةُ مِائَةٌ مِنَ الإِبِلِ أَوْ أَلْفُ دِينَارٍ أَوْ عَشْرَةُ آلافِ دِرْهَم أَو ألفا شَاةٍ أَوْ مِائَتَا حُلَّةٍ أَوْ مِائَتَا بَقَرَةٍ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ عَنِ الأَئِمَّةِ من أَصْحَابه. قَالَ أَبُو يُوسُف: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ عَطَاءٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَضَعَ الدِّيَةَ عَلَى النَّاسِ فِي أَمْوَالِهِمْ: عَلَى أَهْلِ الإِبِلِ مِائَةَ بَعِيرٍ، وَعَلَى أَهْلِ الشَّاءِ أَلْفَيْ شَاةٍ، وَعَلَى أَهْلِ الْبَقَرِ مِائَتَيْ بَقَرَةٍ، وَعَلَى أَهْلِ الْبُرُودِ مِائَتَيْ حُلَّةً. قَالَ: وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي لَيْلَى عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عُبَيْدَةَ السَّلْمَانِيِّ قَالَ: وضع عمر بن

стр. 174

الْخَطَّابِ ﵁ الدِّيَاتِ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلْفَ دِينَارٍ، وَعَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ عَشْرَةَ آلافِ دِرْهَمٍ، وَعَلَى أَهْلِ الإِبِلِ مِائَةً مِنَ الإِبِلِ، وَعَلَى أَهْلِ الْبَقَرِ مِائَتَيْ بَقَرَةٍ، وَعَلَى أَهْلِ الشَّاءِ أَلْفَيْ شَاةٍ، وَعَلَى أَهْلِ الْحُلَلِ مِائَتَيْ حُلَّةٍ. قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَشْعَثُ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّ عُمَرَ وَعُثْمَانَ ﵄ قَوَّمَا الدِّيَةَ، وَجَعَلا ذَلِكَ إِلَى الْمُعْطِي إِنْ شَاءَ فَالإِبِلَ وَإِنْ شَاءَ فَالْقِيمَةَ. قَالَ أَبُو يُوسُف: وَهَذَا قَوْلُ مَنْ أَدْرَكْتُ مِنْ عُلَمَائِنَا بِالْعِرَاقِ؛ فَأَمَّا أَهْلُ الْمَدِينَةِ فَإِنَّهُمْ يَجْعَلُونَهَا مِنَ الْوَرِقِ اثْنَيْ عشر ألفا١. أَسْنَان الْإِبِل فِي دِيَة الْخَطَأ: قَالَ أَبُو يُوسُف: وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي أَسْنَانِ الإِبِلِ فِي الدِّيَةِ فِي الْخَطَأِ؛ فَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ يَرْوِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّه قَالَ: "دِيَةُ الْخَطَأِ أَخْمَاسًا"، حَدَّثَنِي بِذَلِكَ الْحَجَّاجُ عَنْ زَيْدِ بْنِ جُبَير عَن خشف بْنِ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "دِيَةُ الْخَطَأِ أَخْمَاسًا". قَالَ: وحَدثني مَنْصُور عَن إِبْرَاهِيم وَأَبُو حَنِيفَةَ، عَنْ حَمَّادٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَقُولُ: "الدِّيَة فِي الْخَطَأِ أَخْمَاسًا: عِشْرُونَ حَقَّةً، وَعِشْرُونَ جَذَعَةً، وَعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونٍ. وَعِشْرُونَ ابْنَ لَبُونٍ، وَعِشْرُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ"، وَكَذَلِكَ كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ يَقُولُ فِي الْخَطَأِ. حَدَّثَنِي أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: دِيَةُ الْخَطَأِ أَخْمَاسًا، وَأَمَّا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالب ﵁ فَكَانَ يَقُولُ "الدِّيَةُ فِي الْخَطَأِ أَرْبَاعًا خَمْسٌ وَعِشْرُونَ حَقَّةً، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ جَذَعَةً، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ ابْنَةَ لَبُونٍ، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ ابْنَةَ مَخَاضٍ. وَأَمَّا عُثْمَانُ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فَكَانَا يقولاون فِي دِيَةِ الْخَطَأِ: ثَلاثُونَ جَذَعَةً، وَثَلاثُونَ بَنَاتِ لَبُونٍ، وَعِشْرُونَ بَنِي لَبُونٍ، وَعِشْرُونَ بَنَاتِ مَخَاضٍ. حَدَّثَنِي بِذَلِك شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سعيد بن الْمسيب. أَسْنَان الْإِبِل فِي دِيَة شبه الْعمد: وَأَمَّا الدِّيَةُ فِي شِبْهِ الْعَمْدِ٢ فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفوا فِي أَسْنَانِ الإِبِلِ فِيهَا أَيْضًا؛ فَكَانَ عُمَرُ بْنُ

стр. 175

الْخَطَّابِ ﵁ يَقُولُ: فِي دِيَةِ شِبْهِ الْعَمْدِ ثَلاثُونَ جَذَعَة، وَثَلَاثُونَ حقة، وَأَرْبَعُونَ تَثْنِيَة إِن بَازِلٍ عَامُّهَا كُلُّهَا خَلِفَةٌ١. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁: فِي شِبْهِ الْعَمْدِ ثَلاثٌ وَثَلاثُونَ حَقَّةً، وَثَلاثٌ وَثَلاثُونَ جَذَعَةً، وَأَرْبَعٌ وَثَلاثُونَ ثَنِيَّةً إِلَى بَازِلٍ عَامُّهَا كُلُّهَا خَلِفَةٌ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: فِي شِبْهِ الْعَمْدِ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ جَذَعَةً وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ حَقَّةً، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ بَنَاتِ لَبُونٍ، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ بَنَاتِ مَخَاضٍ يَجْعَلُهَا أَرْبَاعًا. وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ﵄: هِيَ الْمُغَلَّظَةُ، وَفِيهَا أَرْبَعُونَ جَذَعَةً، وَثَلاثُونَ حَقَّةً، وَثَلاثُونَ بَنَاتِ لَبُونٍ. وَقَالَ أَبُو مُوسَى وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: ثَلاثُونَ حَقَّةً وَثَلاثُونَ جَذَعَةً وَأَرْبَعُونَ ثَنِيَّةً إِلَى بَازِلٍ عَامُّهَا كُلُّهَا خَلِفَةٌ. قَالَ أَبُو يُوسُف: هَذِهِ أُصُولُ أَقَاوِيلِهِمْ فِي أَسْنَانِ الإِبِلِ فِي الْخَطَأِ وَشِبْهِ الْعَمْدِ، وَأَرْجُو أَنْ لَا يَضِيقُ عَلَيْكَ الأَمْرُ فِي اخْتِيَارِ قَوْلٍ مِنْ هَذِهِ الأَقَاوِيلِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ أَبُو يُوسُف: فَأَمَّا الْخَطَأُ فَهُوَ أَنْ يُرِيدُ الإِنْسَانُ الشَّيْءَ فَيُصِيبُ غَيْرَهُ، حَدَّثَنِي الْمُغِيرَةُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: الْخَطَأُ أَن يُصِيب الْإِنْسَان وَلا يُرِيدُهُ فَذَلِكَ الْخَطَأُ وَهُوَ على الْعَاقِلَة٢. قَالَ أَبُو يُوسُف: وَأَمَّا شِبْهُ الْعَمْدِ فَإِنَّ الْحَجَّاجَ بْنَ أَرْطَاةَ، حَدَّثَنِي عَنْ قَتَادَةَ عَن الْحسن ابْن أَبِي الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "قَتِيلُ السَّوْطِ وَالْعَصَا شِبْهُ الْعَمْدِ". قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو حَنِيفَةَ عَنِ حَمَّادٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: شِبْهُ الْعَمْدِ كُلُّ شَيْءٍ يَعْمَدُهُ بِغَيْرِ حَدِيدَةٍ، وَكُلُّ مَا قَتَلَ بِغَيْرِ سِلاحٍ فَهُوَ شِبْهُ الْعَمْدِ، وَفِيهِ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ. قَالَ: وَحَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيّ عَن الشّعبِيّ وَالْحكم بْنِ عُتَيْبَةَ وَحَمَّادٍ قَالُوا: مَا أُصِيبَ بِهِ مِنْ حَجَرٍ أَوْ سَوْطٍ أَوْ عَصًا فَأَتَى عَلَى النَّفْسِ فَهُوَ شِبْهُ الْعَمْدِ وَفِيهِ الدِّيَة مُغَلّظَة. مَا يجب فِي الْجراح والأطراف وأجزاء الْإِنْسَان الْأُخْرَى: قَالَ أَبُو يُوسُف: وَفِي الدامية من الشجاع -وَهِيَ الَّتِي تَدْمَى- حُكُومَةُ عَدْلٍ٣. وَفِي الْبَاضِعَةِ -وَهِيَ الَّتِي تَبْضَعُ اللَّحْم، وَهِي فَوق الدَّامِيَةِ- حُكُومَةُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ.

стр. 176

وَفِي الْمُتَلاحِمَةِ وَهِيَ فَوْقَ الْبَاضِعَةِ -حُكُومَةُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَفِي السِّمْحَاقِ- وَهِيَ فَوْقَ الْمُتَلاحِمَةِ حُكُومَةُ أَكثر من ذَلِك. وَفِي الْمُوَضّحَة١ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ أَوْ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَلَيْسَ تَعْقِلُ الْعَاقِلَةُ أَقَلَّ مِنْ أَرْشِ الْمُوَضِّحَةِ وَكُلُّ مَا كَانَ من أَرض دُونَ الْمُوَضِّحَةِ فَعَلَى الْجَانِي فِي مَاله، وَأَرْض الْمُوَضِّحَةِ وَمَا فَوْقَهَا عَلَى الْعَاقِلَةِ. وَفِي الْهَاشِمَةِ -وَهِيَ الَّتِي تَهْشِمُ الْعَظْمَ- عَشْرَةٌ مِنَ الإِبِلِ أَوْ أَلْفُ دِرْهَمٍ، عُشْرُ الدِّيَةِ. وَفِي الْمُنْقِلَةِ -وَهِيَ الَّتِي تَخْرُجُ مِنْهَا الْعِظَامُ- عُشْرُ الدِّيَةِ وَنِصْفُ عُشْرِهَا. وَفِي الآمَّةِ -وَهِيَ الَّتِي تَصِلُ إِلَى الدِّمَاغِ٢- ثُلُثُ الدِّيَةِ؛ فَإِنْ ذَهَبَتْ بِالْعَقْلِ فَفِيهَا الدِّيَةُ تَامَّةٌ، وَإِنْ ذَهَبَ الشَّعْرُ مِنْهَا وَلَمْ يَذْهَبِ الْعَقْلُ فَفِيهَا الدِّيَةُ أَيْضًا تَامَّةٌ وَيَدْخُلُ أَرْشُهَا فِي ذَلِكَ، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا قِصَاصٌ. وَإِنْ كَانَ الضَّارِبُ تَعَمَّدَ ذَلِكَ خَلا الْمُوَضِّحَةَ فَإِنَّهَا إِذَا كَانَتْ عَمْدًا فَفِيهَا الْقِصَاصُ؛ لأَنَّهُ لَا يُسْتَطَاعُ الْقِصَاصُ فِي شَيْءٍ مِنْهَ إِلا فِي الْمُوَضِّحَةِ. قَالَ: وَحَدَّثَنِي الْحَجَّاجُ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ إِنَّا لَا نُقِيدُ من الْعِظَام. قَالَ: وحَدثني الْمُغيرَة عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: لَيْسَ فِي الآمة والمنقلة والجائة قَوْدٌ؛ إِنَّمَا عَمْدُهَا الدِّيَةُ فِي مَالِ الرَّجُلِ، وَقَدْ بَلَغَنَا نَحْوٌ من ذَلِك عَلِيٍّ ﵁، وَفِي الْيَدِ مِنَ الْكَفِّ نِصْفُ الدِّيَةِ. وَفِي الأَصَابِعِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَفِي كُلِّ أُصْبُعٍ عُشْرُ الدِّيَةِ فِي كُلِّ مَفْصِلٍ ثُلُثُ دِيَةِ الأُصْبُعِ؛ فَإِنْ كَانَ فِي الإِبْهَامِ مِفْصَلانِ؛ فَفِي كُلِّ مَفْصِلٍ مِنْهَا نِصْفُ دِيَتِهَا، وَكَذَلِكَ الرِّجْلُ وَأَصَابِعُهَا. وَفِي الْعَيْنَيْنِ الدِّيَةُ وَفِي كُلِّ عَيْنٍ نصف الدِّيَة. وَفِي أشفار الْعَيْنَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي كُلِّ شَفْرٍ رُبُعُ الدِّيَةِ. وَفِي الْحَاجِبَيْنِ إِذَا لَمْ يَنْبِتَا الدِّيَةُ، وَفِي كُلِّ وَاحِدَة نِصْفُ الدِّيَةِ. وَفِي كُلِّ أُذُنٍ نِصْفُ الدِّيَةِ وَمَا نَقَصَ فَبِحِسَابِهِ، وَفِي السّمع الدِّيَة.

стр. 177

وَفِي الأَنْفِ إِذَا قُطِعَ الدِّيَةُ وَفِي الْمَارِنِ مَا دُونَ الْقَصَبَةِ الدِّيَةُ. وَفِي ذَهَابِ الشَّمِّ حَتَّى لَا يَجِدَ رَائِحَةً الدِّيَةُ. وَفِي الشَّفَتَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي كُلِّ شِفَةٍ نِصْفُ الدِّيَةِ. وَفِي اللِّسَانِ إِذَا مُنِعَ الْكَلامَ الدِّيَةُ، وَمَا نَقُصَ فَبِحِسَابِهِ. وَفِي الْحَشَفَةِ إِنْ كَانَ عَمْدًا الْقِصَاصُ، وَإِنْ كَانَ خَطَأً فَالدِّيَةُ وَفِي الأُنْثَيَيْنِ١ الدِّيَةُ. فَإِذَا بَدَأَ بِقَطْعِ الذَّكَرِ ثُمَّ الأُنْثَيَيْنِ فَفِي ذَلِكَ دِيَتَانِ، وَإِنْ بَدَأَ بِالأُنْثَيَيْنِ ثُمَّ الذَّكَرَ فَفِي الأُنْثَيَيْنِ الدِّيَةُ وَفِي الذَّكَرِ حُكُومَةٌ٢، وَإِنْ قَطَعَهُمَا جَمِيعًا مِنْ جَانِبٍ فَفِيهِمَا دِيَتَانِ. وَفِي ثَدْيَيِ الرَّجُلِ حُكُومَةٌ. وَفِي ثدي الْمَرْأَة دِيَتهَا. وَفِي حلمتيهما نِصْفُ الدِّيَةِ. وَفِي إِحْدَاهُمَا نِصْفُ الدِّيَةِ. وَفِي الْيَدِ إِذَا قُطِعَتْ مِنْ الْمِرْفَقِ نِصْفُ الدِّيَةِ. وَفِي الْفضل حُكُومَة من قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ نِصْفُ الدِّيَةِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنُ أَبِي لَيْلَى. وَفِي كُلِّ سِنٍّ نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ، وَالأَسْنَانُ كُلُّهَا سَوَاءٌ وَمَا كُسِرَ مِنَ السِّنِّ فَبِحِسَابِهِ، وَإِذَا ضُرِبَ سِنُّهُ فَاسْوَدَّتْ أَوِ احْمَرَّتْ أَوِ اخضرت ثمَّ عقلهَا. وَأما إِذا أضفرت فَفِيهَا حُكُومَةٌ. وَفِي الذِّرَاعِ إِذَا كسرت حُكُومَة وَكَذَلِكَ العضدد وَالسَّاقُ وَالْفَخِذُ وَالتَّرْقُوَةُ وَضِلْعٌ مِنْ الأَضْلاعِ فَفِي كُلِّ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ حُكُومَةٌ عَلَى قَدْرِهِ. وَفِي الصُّلْبِ إِذَا أُحْدِبَ الدِّيَةُ، وَفِيهِ إِذَا مَنَعَ الْجِمَاعَ الدِّيَةُ. وَفِي اللِّحْيَةُ إِذَا لَمْ تَنْبُتِ الدِّيَةُ وَكَذَلِكَ الشَّارِبُ، وَكُلُّ شَعْرِ الرَّأْسِ إِذَا لَمْ يَنْبُتِ الدِّيَةُ، وَفِي الْجَائِفَةِ٣ ثُلُثُ الدِّيَةِ فَإِنْ نَفَذَتْ فَثُلُثَا الدِّيَةِ وَفِي الْيَدِ الشَّلاءِ وَالرِّجْلِ الْعَرْجَاءِ وَالْعَيْنِ الْقَائِمَةِ وَالسِّنِّ السَّوْدَاءِ وَلِسَانِ الأَخْرَسِ وَذَكَرِ الْخَصِيِّ وَذَكَرِ الْعِنِّينِ٤، فَفِي كُلِّ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ حُكُومَةٌ عَلَى قَدْرِهِ. وَفِي الأليتين الدِّيَة

стр. 178

وَفِي سِنِّ الصَّبِيِّ الَّذِي لَمْ يَثْغَرْ١ حُكُومَةٌ، وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ يَقُول: لَا شَيْء فِيهَا إِذَا نَبَتَتْ كَمَا كَانَتْ. وَفِي الأُصْبُعِ الزَّائِدَةِ وَفِي السِّنِّ الزَّائِدَةِ حُكُومَةٌ وَفِي إِفْضَاءِ الْمَرْأَةِ٢ إِذَا كَانَ الْبَوْلُ يَسْتَمْسِكُ وَالْغَائِطُ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْجَائِفَةِ وَإِذَا لَمْ يَسْتَمْسِكَا وَلا وَاحِدٌ مِنْهُمَا فَفِيهِ الدِّيَةُ تَامَّةٌ. وَكُلُّ شَيْءٍ مِنَ الْحُرِّ فِيهِ دِيَةٌ فَهُوَ مِنَ الْعَبْدِ فِيهِ قِيمَتُهُ، وَكُلُّ شَيْءٍ مِنَ الْحُرِّ فِيهِ نِصْفُ الدِّيَةِ فَهُوَ مِنَ الْعَبْدِ فِيهِ نِصْفُ الْقِيمَةِ، وَكَذَلِكَ الْجِرَاحَاتُ على هَذَا الْحساب. مَا يَقع بَين الرجل وَالْمَرْأَة من الْقصاص: وَلا قِصَاصَ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فِي الْعَمْدِ إِلا فِي النَّفْسِ فَإِن رجلا لَو قتل امْرَأَة قُتِلَ بِهَا وَكَذَلِكَ لَوْ قَتَلَتْهُ امْرَأَة قُتِلَتْ بِهِ. وَأَمَّا دُونَ النَّفْسِ فَلَيْسَ بَيْنَهُمَا فِيهِ قِصَاصٌ وَفِيهِ الأَرْشُ٣؛ حَتَّى لَوْ قَطَعَ رَجُلٌ يَدَ امْرَأَةٍ أَوْ رِجْلَهَا أَوْ أُصْبُعًا مِنْ أَصَابِعِهَا أَوْ شجها مُوضحَة؛ وَذَلِكَ كُله عمد، أَوْ كَانَتْ هِيَ فَعَلَتْ ذَلِكَ بِهِ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا قِصَاصٌ، وَكَانَ فِي ذَلِك الأَرْض إِلا فِي النَّفْسِ خَاصَّةٍ فَفِيهَا الْقِصَاصُ. وَأَرْشُ جِرَاحَتِهِنَّ عَلَى النِّصْفِ مِنْ أَرْشِ جِرَاحَاتِ الرِّجَالِ لأَنَّ دياتهم عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَاتِ الرِّجَالِ، لَوْ قَطَعَ رَجُلٌ يَدَ امْرَأَةٍ كَانَ عَلَيْهِ نِصْفُ دِيَتِهَا وَدِيَتُهَا خَمْسَةُ آلافٍ؛ فَيَكُونُ عَلَيْهِ أَلْفَانِ وَخَمْسُمِائَةٍ أَوْ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ بَعِيرًا. حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي لَيْلَى عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: كَانَ عَلِيٌّ ﵁ يَقُولُ: "دِيَةُ الْمَرْأَةِ فِي الْخَطَأِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ الرَّجُلِ فِيمَا دَقَّ وَجَلَّ"٤. مَا يَقع بَين الْأَحْرَار وَالْعَبِيد من الْقصاص: وَكَذَلِكَ الأَحْرَارُ وَالْعَبِيدُ لَيْسَ بَيْنَهُمْ قِصَاصٌ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ. وَإِذَا جَنَى حُرٌ عَلَى عَبْدٍ فَقَتَلَهُ عَمْدًا بِحَدِيدَةٍ أَوْ جَنَى عَبْدٌ عَلَى حُرٍّ فَقَتَلَهُ عَمْدًا كَانَ بَينهمَا الْقصاص، وَلَو لم

стр. 179

يَكُنْ عَمْدًا وَكَانَ خَطَأً أَوْ فَقَأَ عَيْنَيْهِ أَوْ إِحْدَاهُمَا أَوْ قَطَعَ أُذُنَيْهِ أَوْ إِحْدَاهُمَا فَهُوَ سَوَاءٌ. وَفِي ذَلِكَ الأَرْشُ، يُنْظَرُ مَا نُقِصَ الْعَبْدُ فَيَكُونُ لِسَيِّدِهِ عَلَى الْجَانِي١. وَلَوْ كَانَ الْحُرُّ قَتَلَ الْعَبْدَ خَطَأً كَانَتْ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ لِسَيِّدِهِ بَالِغَةٌ مَا بَلَغَتْ، وَفِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁ لَا يَبْلُغُ بِقِيمَتِهِ دِيَة الْحر. إِذا جرح الْجَانِي الْمَجْنِي عَلَيْهِ جراحتين: قَالَ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنِ قَالا فِي الْحُرِّ يَقْتُلُ الْعَبْدَ خَطَأً: عَلَيْهِ قِيمَتُهُ يَوْمَ قَتَلَهُ بَالِغًا مَا بَلَغَ، وَأَيُّمَا رَجُلٍ جَرَحَ رَجُلا جُرْحَيْنِ خَطَأً فِي مقَام أَو مقامين فبرأ من أَحدهمَا مِنَ الآخَرِ فَعَلَى عَاقِلَةِ الْجَارِحِ دِيَةُ النَّفْسِ عَلَى مَا فَسَّرْنَاهُ، وَلَا أرش للَّذي برأَ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ عَمْدًا فَفِيهِ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ، وَلا أَرْشَ فِي الَّذِي برأَ مِنْهُ. وَقَدْ كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ يَقُولُ: إِنْ كَانَ الَّذِي برأَ فِي مَوْضِعٍ يُسْتَطَاعُ الْقِصَاصُ فِيهِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ إِلَى الإِمَامِ إِنْ شَاءَ اقْتَصَّ مِمَّا دُونَ النَّفْسِ وَمِنَ النَّفْسِ وَإِنْ شَاءَ أَمَرَ بِالْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ وَتَرَكَ مَا دُونَ النَّفْسِ. وَإِنْ كَانَ أَحَدُ الْجُرْحَيْنِ خَطَأً وَالآخَرُ عَمْدًا فَمَاتَ مِنْهُمَا جَمِيعًا؛ فَعَلَى عَاقِلَتِهِ نِصْفُ الدِّيَةِ وَعَلَيْهِ فِي مَالِهِ النِّصْفُ الآخَرُ. وَإِنْ مَاتَ مِنَ الْخَطَأِ وبرأ مِنَ الْعَمْدِ كَانَتِ الدِّيَةُ تَامَّةٌ عَلَى الْعَاقِلَةِ فِي الْخَطَأِ وَاقْتُصَّ مِنْهُ فِي الْعَمْدِ، وَإِنْ كَانَ إِنَّمَا مَاتَ من الْعمد وبرأ مِنَ الْخَطَأِ اقْتُصَّ مِنْهُ فِي النَّفس وَكَانَ أَرض الْجُرْحِ الْخَطَأِ عَلَى الْعَاقِلَةِ. وَلَوْ كَانَ مَاتَ من الخطا وبرأ مِنَ الْجِرَاحَةِ الْعَمْدِ وَلَيْسَ فِي مِثْلِهَا قِصَاصٌ فَإِنَّمَا فِيهِ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَيَبْطُلُ أَرْشُ الْعَمْدِ بِمَنْزِلَةِ الْخَطَأِ وَالْعَمْدُ يَمُوتُ من أَحدهمَا وَقد برأَ من الآخر. إِذا تعدى الْقصاص حَده: قَالَ: وَلَوْ أَنَّ رَجُلا قَطَعَ يَد رجل بحديدة عمدا وبرأت فَأَمَرَهُ الإِمَامُ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْهُ فَاقْتَصَّ مِنْهُ فَمَاتَ فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ ﵁ كَانَ يَقُولُ: عَلَى عَاقِلَةِ الْمُقْتَصِّ دِيَةُ الْمُقْتَص

стр. 180

مِنْهُ، وَكَانَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى يَقُولُ نَحْوًا مِنْ ذَلِكَ. وَقَالَ أَبُو يُوسُف: لَا شَيْء على الْمُقْتَص لِلآثَارِ الَّتِي جَاءَتْ فِي ذَلِكَ؛ إِنَّمَا هَذَا رَجُلٌ أُخِذَ لَهُ بِحَق وَأخذ مِنَ الْمَيِّتِ بِحَقٍّ وَلَمْ يَتَعَدَّ عَلَيْهِ، إِنَّمَا قَتَلَهُ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، بل إِنْ كَانَ اقْتَصَّ مِنْهُ بِغَيْرِ إِذْنِ الإِمَامِ، وَلإِرْضَاءِ الْمُقْتَصِّ مِنْهُ فَمَاتَ الْمُقْتَصُّ مِنْهُ مِنْ ذَلِكَ فَالدِّيَةُ فِي مَالِ الَّذِي اقْتَصَّ لِنَفْسِهِ، وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵁ يَقُولُ: هَذَا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يُمْكِنُ فِيهِ الْقِصَاصُ. الْمَقْتُول الَّذِي لَهُ وليان أَحدهمَا صَغِير: قَالَ أَبُو يُوسُف: وَإِذَا قُتِلَ الرَّجُلُ، وَلَهُ وَلِيَّانِ ابْنَانِ صَغِيرٌ وَكَبِيرٌ وَلا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُمَا فَإِنَّ الْفَقِيهَ أَبَا حَنِيفَةَ كَانَ يَقُولُ: أَقْبَلُ الْبَيِّنَةَ مِنَ الْكَبِيرِ وَأَقْضِي لَهُ بِالْقِصَاصِ وَلَا أنْتَظر إِلَى كِبَرِ الصَّغِيرِ، وَيَقُولُ: أَرَأَيْتَ لَوْ كَبُرَ هَذَا مَعْتُوهًا أَكُنْتُ أَحْبِسُ هَذَا؟ وَكَانَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى يَقُولُ: لَا أَقْبَلُ الْبَيِّنَةَ حَتَّى يَكْبُرَ الصَّغِيرُ وَيَجْعَلُهُ مِثْلَ الْغَائِبِ لَا يُقْتَلُ حَتَّى يَقْدِمَ الْغَائِبُ. وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: لَا يُشْبِهُ الْغَائِبُ الصَّغِيرَ لأَنَّ الْوَلِيَّ يَأْخُذُ لِلصَّغِيرِ وَلا يَأْخُذُ لِلْكَبِيرِ الْغَائِبِ إِلا بِوَكَالَةٍ. وَكَانَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى يَقْبَلُ الْوَكَالَةَ فِي الدَّمِ الْعَمْدِ وَيَقْتَصُّ، وَكَانَ فَقِيهُنَا أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَقْبَلُ الْوَكَالَةَ فِي الدَّمِ الْعَمْدِ، وَهَذَا أحسن. قَالَ أَبُو يُوسُف: قَدْ قَتَلَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ﵄ ابْنَ مُلْجَمٍ وَلِعَلِيٍّ وَلَدٌ صَغِير. من أَمر بِشَيْء أَو فعله فَعَطب مِنْهُ إِنْسَان: قَالَ أَبُو يُوسُف: وَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ هَؤُلاءِ التُّجَّارِ الَّذِينَ فِي الأَسْوَاقِ وَالأَرْبَاضِ وَالْمَحَالِّ أَمَرَ أَجِيرًا عِنْدَهُ فَرَشَّ فِي طَرِيقِ فِنَاءِ الْمُسْلِمِينَ فَعَطَبَ بِهِ عَاطِبٌ؛ فَالضَّمَانُ عَلَى الآمِرِ وَإِنْ كَانَ أَمَرَهُ فَتَوَضَّأَ فِي الطَّرِيقِ فَالضَّمَانُ عَلَى الْمُتَوَضِّئِ، مِنْ قِبَلِ أَنَّ مَنْفَعَةَ الْوُضُوءِ لِلْمُتَوَضِّئِ وَمَنْفَعَةَ الرَّشِّ لِلآمِرِ. وَأَيُّمَا رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَحَفَرَ لَهُ بِئْرًا فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ بِغَيْرِ أَمْرِ السُّلْطَانِ فَوَقَعَ فِيهَا رَجُلٌ فَمَاتَ؛ فَالْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ الضَّمَانُ عَلَى الأَجِيرِ، وَلَكِنَّا تَرَكْنَا الْقِيَاسَ فِي ذَلِكَ لأَنَّ الأُجَرَاءَ لَا يَعْرِفُونَ إِذَا تُقَام ذَلِكَ فَالضَّمَانُ عَلَى عَاقِلَةِ الْمُسْتَأْجِرِ. فَإِنْ عَثَرَ رَجُلٌ بِحَجَرٍ فَوَقَعَ فِي هَذِهِ الْبِئْرِ فَالضَّمَانُ عَلَى وَاضِعِ الْحَجَرِ، كَأَنَّهُ دَفَعَهُ بِيَدِهِ،
следующие страницы →