← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 26333

الخراج لأبي يوسف

أبو يوسف القاضي

Полный текст (280 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وَفِي الْمُتَلاحِمَةِ وَهِيَ فَوْقَ الْبَاضِعَةِ -حُكُومَةُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَفِي السِّمْحَاقِ- وَهِيَ فَوْقَ الْمُتَلاحِمَةِ حُكُومَةُ أَكثر من ذَلِك. وَفِي الْمُوَضّحَة١ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ أَوْ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَلَيْسَ تَعْقِلُ الْعَاقِلَةُ أَقَلَّ مِنْ أَرْشِ الْمُوَضِّحَةِ وَكُلُّ مَا كَانَ من أَرض دُونَ الْمُوَضِّحَةِ فَعَلَى الْجَانِي فِي مَاله، وَأَرْض الْمُوَضِّحَةِ وَمَا فَوْقَهَا عَلَى الْعَاقِلَةِ. وَفِي الْهَاشِمَةِ -وَهِيَ الَّتِي تَهْشِمُ الْعَظْمَ- عَشْرَةٌ مِنَ الإِبِلِ أَوْ أَلْفُ دِرْهَمٍ، عُشْرُ الدِّيَةِ. وَفِي الْمُنْقِلَةِ -وَهِيَ الَّتِي تَخْرُجُ مِنْهَا الْعِظَامُ- عُشْرُ الدِّيَةِ وَنِصْفُ عُشْرِهَا. وَفِي الآمَّةِ -وَهِيَ الَّتِي تَصِلُ إِلَى الدِّمَاغِ٢- ثُلُثُ الدِّيَةِ؛ فَإِنْ ذَهَبَتْ بِالْعَقْلِ فَفِيهَا الدِّيَةُ تَامَّةٌ، وَإِنْ ذَهَبَ الشَّعْرُ مِنْهَا وَلَمْ يَذْهَبِ الْعَقْلُ فَفِيهَا الدِّيَةُ أَيْضًا تَامَّةٌ وَيَدْخُلُ أَرْشُهَا فِي ذَلِكَ، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا قِصَاصٌ. وَإِنْ كَانَ الضَّارِبُ تَعَمَّدَ ذَلِكَ خَلا الْمُوَضِّحَةَ فَإِنَّهَا إِذَا كَانَتْ عَمْدًا فَفِيهَا الْقِصَاصُ؛ لأَنَّهُ لَا يُسْتَطَاعُ الْقِصَاصُ فِي شَيْءٍ مِنْهَ إِلا فِي الْمُوَضِّحَةِ. قَالَ: وَحَدَّثَنِي الْحَجَّاجُ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ إِنَّا لَا نُقِيدُ من الْعِظَام. قَالَ: وحَدثني الْمُغيرَة عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: لَيْسَ فِي الآمة والمنقلة والجائة قَوْدٌ؛ إِنَّمَا عَمْدُهَا الدِّيَةُ فِي مَالِ الرَّجُلِ، وَقَدْ بَلَغَنَا نَحْوٌ من ذَلِك عَلِيٍّ ﵁، وَفِي الْيَدِ مِنَ الْكَفِّ نِصْفُ الدِّيَةِ. وَفِي الأَصَابِعِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَفِي كُلِّ أُصْبُعٍ عُشْرُ الدِّيَةِ فِي كُلِّ مَفْصِلٍ ثُلُثُ دِيَةِ الأُصْبُعِ؛ فَإِنْ كَانَ فِي الإِبْهَامِ مِفْصَلانِ؛ فَفِي كُلِّ مَفْصِلٍ مِنْهَا نِصْفُ دِيَتِهَا، وَكَذَلِكَ الرِّجْلُ وَأَصَابِعُهَا. وَفِي الْعَيْنَيْنِ الدِّيَةُ وَفِي كُلِّ عَيْنٍ نصف الدِّيَة. وَفِي أشفار الْعَيْنَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي كُلِّ شَفْرٍ رُبُعُ الدِّيَةِ. وَفِي الْحَاجِبَيْنِ إِذَا لَمْ يَنْبِتَا الدِّيَةُ، وَفِي كُلِّ وَاحِدَة نِصْفُ الدِّيَةِ. وَفِي كُلِّ أُذُنٍ نِصْفُ الدِّيَةِ وَمَا نَقَصَ فَبِحِسَابِهِ، وَفِي السّمع الدِّيَة.

стр. 177

وَفِي الأَنْفِ إِذَا قُطِعَ الدِّيَةُ وَفِي الْمَارِنِ مَا دُونَ الْقَصَبَةِ الدِّيَةُ. وَفِي ذَهَابِ الشَّمِّ حَتَّى لَا يَجِدَ رَائِحَةً الدِّيَةُ. وَفِي الشَّفَتَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي كُلِّ شِفَةٍ نِصْفُ الدِّيَةِ. وَفِي اللِّسَانِ إِذَا مُنِعَ الْكَلامَ الدِّيَةُ، وَمَا نَقُصَ فَبِحِسَابِهِ. وَفِي الْحَشَفَةِ إِنْ كَانَ عَمْدًا الْقِصَاصُ، وَإِنْ كَانَ خَطَأً فَالدِّيَةُ وَفِي الأُنْثَيَيْنِ١ الدِّيَةُ. فَإِذَا بَدَأَ بِقَطْعِ الذَّكَرِ ثُمَّ الأُنْثَيَيْنِ فَفِي ذَلِكَ دِيَتَانِ، وَإِنْ بَدَأَ بِالأُنْثَيَيْنِ ثُمَّ الذَّكَرَ فَفِي الأُنْثَيَيْنِ الدِّيَةُ وَفِي الذَّكَرِ حُكُومَةٌ٢، وَإِنْ قَطَعَهُمَا جَمِيعًا مِنْ جَانِبٍ فَفِيهِمَا دِيَتَانِ. وَفِي ثَدْيَيِ الرَّجُلِ حُكُومَةٌ. وَفِي ثدي الْمَرْأَة دِيَتهَا. وَفِي حلمتيهما نِصْفُ الدِّيَةِ. وَفِي إِحْدَاهُمَا نِصْفُ الدِّيَةِ. وَفِي الْيَدِ إِذَا قُطِعَتْ مِنْ الْمِرْفَقِ نِصْفُ الدِّيَةِ. وَفِي الْفضل حُكُومَة من قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ نِصْفُ الدِّيَةِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنُ أَبِي لَيْلَى. وَفِي كُلِّ سِنٍّ نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ، وَالأَسْنَانُ كُلُّهَا سَوَاءٌ وَمَا كُسِرَ مِنَ السِّنِّ فَبِحِسَابِهِ، وَإِذَا ضُرِبَ سِنُّهُ فَاسْوَدَّتْ أَوِ احْمَرَّتْ أَوِ اخضرت ثمَّ عقلهَا. وَأما إِذا أضفرت فَفِيهَا حُكُومَةٌ. وَفِي الذِّرَاعِ إِذَا كسرت حُكُومَة وَكَذَلِكَ العضدد وَالسَّاقُ وَالْفَخِذُ وَالتَّرْقُوَةُ وَضِلْعٌ مِنْ الأَضْلاعِ فَفِي كُلِّ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ حُكُومَةٌ عَلَى قَدْرِهِ. وَفِي الصُّلْبِ إِذَا أُحْدِبَ الدِّيَةُ، وَفِيهِ إِذَا مَنَعَ الْجِمَاعَ الدِّيَةُ. وَفِي اللِّحْيَةُ إِذَا لَمْ تَنْبُتِ الدِّيَةُ وَكَذَلِكَ الشَّارِبُ، وَكُلُّ شَعْرِ الرَّأْسِ إِذَا لَمْ يَنْبُتِ الدِّيَةُ، وَفِي الْجَائِفَةِ٣ ثُلُثُ الدِّيَةِ فَإِنْ نَفَذَتْ فَثُلُثَا الدِّيَةِ وَفِي الْيَدِ الشَّلاءِ وَالرِّجْلِ الْعَرْجَاءِ وَالْعَيْنِ الْقَائِمَةِ وَالسِّنِّ السَّوْدَاءِ وَلِسَانِ الأَخْرَسِ وَذَكَرِ الْخَصِيِّ وَذَكَرِ الْعِنِّينِ٤، فَفِي كُلِّ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ حُكُومَةٌ عَلَى قَدْرِهِ. وَفِي الأليتين الدِّيَة

стр. 178

وَفِي سِنِّ الصَّبِيِّ الَّذِي لَمْ يَثْغَرْ١ حُكُومَةٌ، وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ يَقُول: لَا شَيْء فِيهَا إِذَا نَبَتَتْ كَمَا كَانَتْ. وَفِي الأُصْبُعِ الزَّائِدَةِ وَفِي السِّنِّ الزَّائِدَةِ حُكُومَةٌ وَفِي إِفْضَاءِ الْمَرْأَةِ٢ إِذَا كَانَ الْبَوْلُ يَسْتَمْسِكُ وَالْغَائِطُ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْجَائِفَةِ وَإِذَا لَمْ يَسْتَمْسِكَا وَلا وَاحِدٌ مِنْهُمَا فَفِيهِ الدِّيَةُ تَامَّةٌ. وَكُلُّ شَيْءٍ مِنَ الْحُرِّ فِيهِ دِيَةٌ فَهُوَ مِنَ الْعَبْدِ فِيهِ قِيمَتُهُ، وَكُلُّ شَيْءٍ مِنَ الْحُرِّ فِيهِ نِصْفُ الدِّيَةِ فَهُوَ مِنَ الْعَبْدِ فِيهِ نِصْفُ الْقِيمَةِ، وَكَذَلِكَ الْجِرَاحَاتُ على هَذَا الْحساب. مَا يَقع بَين الرجل وَالْمَرْأَة من الْقصاص: وَلا قِصَاصَ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فِي الْعَمْدِ إِلا فِي النَّفْسِ فَإِن رجلا لَو قتل امْرَأَة قُتِلَ بِهَا وَكَذَلِكَ لَوْ قَتَلَتْهُ امْرَأَة قُتِلَتْ بِهِ. وَأَمَّا دُونَ النَّفْسِ فَلَيْسَ بَيْنَهُمَا فِيهِ قِصَاصٌ وَفِيهِ الأَرْشُ٣؛ حَتَّى لَوْ قَطَعَ رَجُلٌ يَدَ امْرَأَةٍ أَوْ رِجْلَهَا أَوْ أُصْبُعًا مِنْ أَصَابِعِهَا أَوْ شجها مُوضحَة؛ وَذَلِكَ كُله عمد، أَوْ كَانَتْ هِيَ فَعَلَتْ ذَلِكَ بِهِ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا قِصَاصٌ، وَكَانَ فِي ذَلِك الأَرْض إِلا فِي النَّفْسِ خَاصَّةٍ فَفِيهَا الْقِصَاصُ. وَأَرْشُ جِرَاحَتِهِنَّ عَلَى النِّصْفِ مِنْ أَرْشِ جِرَاحَاتِ الرِّجَالِ لأَنَّ دياتهم عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَاتِ الرِّجَالِ، لَوْ قَطَعَ رَجُلٌ يَدَ امْرَأَةٍ كَانَ عَلَيْهِ نِصْفُ دِيَتِهَا وَدِيَتُهَا خَمْسَةُ آلافٍ؛ فَيَكُونُ عَلَيْهِ أَلْفَانِ وَخَمْسُمِائَةٍ أَوْ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ بَعِيرًا. حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي لَيْلَى عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: كَانَ عَلِيٌّ ﵁ يَقُولُ: "دِيَةُ الْمَرْأَةِ فِي الْخَطَأِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ الرَّجُلِ فِيمَا دَقَّ وَجَلَّ"٤. مَا يَقع بَين الْأَحْرَار وَالْعَبِيد من الْقصاص: وَكَذَلِكَ الأَحْرَارُ وَالْعَبِيدُ لَيْسَ بَيْنَهُمْ قِصَاصٌ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ. وَإِذَا جَنَى حُرٌ عَلَى عَبْدٍ فَقَتَلَهُ عَمْدًا بِحَدِيدَةٍ أَوْ جَنَى عَبْدٌ عَلَى حُرٍّ فَقَتَلَهُ عَمْدًا كَانَ بَينهمَا الْقصاص، وَلَو لم

стр. 179

يَكُنْ عَمْدًا وَكَانَ خَطَأً أَوْ فَقَأَ عَيْنَيْهِ أَوْ إِحْدَاهُمَا أَوْ قَطَعَ أُذُنَيْهِ أَوْ إِحْدَاهُمَا فَهُوَ سَوَاءٌ. وَفِي ذَلِكَ الأَرْشُ، يُنْظَرُ مَا نُقِصَ الْعَبْدُ فَيَكُونُ لِسَيِّدِهِ عَلَى الْجَانِي١. وَلَوْ كَانَ الْحُرُّ قَتَلَ الْعَبْدَ خَطَأً كَانَتْ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ لِسَيِّدِهِ بَالِغَةٌ مَا بَلَغَتْ، وَفِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁ لَا يَبْلُغُ بِقِيمَتِهِ دِيَة الْحر. إِذا جرح الْجَانِي الْمَجْنِي عَلَيْهِ جراحتين: قَالَ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنِ قَالا فِي الْحُرِّ يَقْتُلُ الْعَبْدَ خَطَأً: عَلَيْهِ قِيمَتُهُ يَوْمَ قَتَلَهُ بَالِغًا مَا بَلَغَ، وَأَيُّمَا رَجُلٍ جَرَحَ رَجُلا جُرْحَيْنِ خَطَأً فِي مقَام أَو مقامين فبرأ من أَحدهمَا مِنَ الآخَرِ فَعَلَى عَاقِلَةِ الْجَارِحِ دِيَةُ النَّفْسِ عَلَى مَا فَسَّرْنَاهُ، وَلَا أرش للَّذي برأَ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ عَمْدًا فَفِيهِ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ، وَلا أَرْشَ فِي الَّذِي برأَ مِنْهُ. وَقَدْ كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ يَقُولُ: إِنْ كَانَ الَّذِي برأَ فِي مَوْضِعٍ يُسْتَطَاعُ الْقِصَاصُ فِيهِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ إِلَى الإِمَامِ إِنْ شَاءَ اقْتَصَّ مِمَّا دُونَ النَّفْسِ وَمِنَ النَّفْسِ وَإِنْ شَاءَ أَمَرَ بِالْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ وَتَرَكَ مَا دُونَ النَّفْسِ. وَإِنْ كَانَ أَحَدُ الْجُرْحَيْنِ خَطَأً وَالآخَرُ عَمْدًا فَمَاتَ مِنْهُمَا جَمِيعًا؛ فَعَلَى عَاقِلَتِهِ نِصْفُ الدِّيَةِ وَعَلَيْهِ فِي مَالِهِ النِّصْفُ الآخَرُ. وَإِنْ مَاتَ مِنَ الْخَطَأِ وبرأ مِنَ الْعَمْدِ كَانَتِ الدِّيَةُ تَامَّةٌ عَلَى الْعَاقِلَةِ فِي الْخَطَأِ وَاقْتُصَّ مِنْهُ فِي الْعَمْدِ، وَإِنْ كَانَ إِنَّمَا مَاتَ من الْعمد وبرأ مِنَ الْخَطَأِ اقْتُصَّ مِنْهُ فِي النَّفس وَكَانَ أَرض الْجُرْحِ الْخَطَأِ عَلَى الْعَاقِلَةِ. وَلَوْ كَانَ مَاتَ من الخطا وبرأ مِنَ الْجِرَاحَةِ الْعَمْدِ وَلَيْسَ فِي مِثْلِهَا قِصَاصٌ فَإِنَّمَا فِيهِ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَيَبْطُلُ أَرْشُ الْعَمْدِ بِمَنْزِلَةِ الْخَطَأِ وَالْعَمْدُ يَمُوتُ من أَحدهمَا وَقد برأَ من الآخر. إِذا تعدى الْقصاص حَده: قَالَ: وَلَوْ أَنَّ رَجُلا قَطَعَ يَد رجل بحديدة عمدا وبرأت فَأَمَرَهُ الإِمَامُ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْهُ فَاقْتَصَّ مِنْهُ فَمَاتَ فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ ﵁ كَانَ يَقُولُ: عَلَى عَاقِلَةِ الْمُقْتَصِّ دِيَةُ الْمُقْتَص

стр. 180

مِنْهُ، وَكَانَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى يَقُولُ نَحْوًا مِنْ ذَلِكَ. وَقَالَ أَبُو يُوسُف: لَا شَيْء على الْمُقْتَص لِلآثَارِ الَّتِي جَاءَتْ فِي ذَلِكَ؛ إِنَّمَا هَذَا رَجُلٌ أُخِذَ لَهُ بِحَق وَأخذ مِنَ الْمَيِّتِ بِحَقٍّ وَلَمْ يَتَعَدَّ عَلَيْهِ، إِنَّمَا قَتَلَهُ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، بل إِنْ كَانَ اقْتَصَّ مِنْهُ بِغَيْرِ إِذْنِ الإِمَامِ، وَلإِرْضَاءِ الْمُقْتَصِّ مِنْهُ فَمَاتَ الْمُقْتَصُّ مِنْهُ مِنْ ذَلِكَ فَالدِّيَةُ فِي مَالِ الَّذِي اقْتَصَّ لِنَفْسِهِ، وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵁ يَقُولُ: هَذَا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يُمْكِنُ فِيهِ الْقِصَاصُ. الْمَقْتُول الَّذِي لَهُ وليان أَحدهمَا صَغِير: قَالَ أَبُو يُوسُف: وَإِذَا قُتِلَ الرَّجُلُ، وَلَهُ وَلِيَّانِ ابْنَانِ صَغِيرٌ وَكَبِيرٌ وَلا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُمَا فَإِنَّ الْفَقِيهَ أَبَا حَنِيفَةَ كَانَ يَقُولُ: أَقْبَلُ الْبَيِّنَةَ مِنَ الْكَبِيرِ وَأَقْضِي لَهُ بِالْقِصَاصِ وَلَا أنْتَظر إِلَى كِبَرِ الصَّغِيرِ، وَيَقُولُ: أَرَأَيْتَ لَوْ كَبُرَ هَذَا مَعْتُوهًا أَكُنْتُ أَحْبِسُ هَذَا؟ وَكَانَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى يَقُولُ: لَا أَقْبَلُ الْبَيِّنَةَ حَتَّى يَكْبُرَ الصَّغِيرُ وَيَجْعَلُهُ مِثْلَ الْغَائِبِ لَا يُقْتَلُ حَتَّى يَقْدِمَ الْغَائِبُ. وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: لَا يُشْبِهُ الْغَائِبُ الصَّغِيرَ لأَنَّ الْوَلِيَّ يَأْخُذُ لِلصَّغِيرِ وَلا يَأْخُذُ لِلْكَبِيرِ الْغَائِبِ إِلا بِوَكَالَةٍ. وَكَانَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى يَقْبَلُ الْوَكَالَةَ فِي الدَّمِ الْعَمْدِ وَيَقْتَصُّ، وَكَانَ فَقِيهُنَا أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَقْبَلُ الْوَكَالَةَ فِي الدَّمِ الْعَمْدِ، وَهَذَا أحسن. قَالَ أَبُو يُوسُف: قَدْ قَتَلَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ﵄ ابْنَ مُلْجَمٍ وَلِعَلِيٍّ وَلَدٌ صَغِير. من أَمر بِشَيْء أَو فعله فَعَطب مِنْهُ إِنْسَان: قَالَ أَبُو يُوسُف: وَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ هَؤُلاءِ التُّجَّارِ الَّذِينَ فِي الأَسْوَاقِ وَالأَرْبَاضِ وَالْمَحَالِّ أَمَرَ أَجِيرًا عِنْدَهُ فَرَشَّ فِي طَرِيقِ فِنَاءِ الْمُسْلِمِينَ فَعَطَبَ بِهِ عَاطِبٌ؛ فَالضَّمَانُ عَلَى الآمِرِ وَإِنْ كَانَ أَمَرَهُ فَتَوَضَّأَ فِي الطَّرِيقِ فَالضَّمَانُ عَلَى الْمُتَوَضِّئِ، مِنْ قِبَلِ أَنَّ مَنْفَعَةَ الْوُضُوءِ لِلْمُتَوَضِّئِ وَمَنْفَعَةَ الرَّشِّ لِلآمِرِ. وَأَيُّمَا رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَحَفَرَ لَهُ بِئْرًا فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ بِغَيْرِ أَمْرِ السُّلْطَانِ فَوَقَعَ فِيهَا رَجُلٌ فَمَاتَ؛ فَالْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ الضَّمَانُ عَلَى الأَجِيرِ، وَلَكِنَّا تَرَكْنَا الْقِيَاسَ فِي ذَلِكَ لأَنَّ الأُجَرَاءَ لَا يَعْرِفُونَ إِذَا تُقَام ذَلِكَ فَالضَّمَانُ عَلَى عَاقِلَةِ الْمُسْتَأْجِرِ. فَإِنْ عَثَرَ رَجُلٌ بِحَجَرٍ فَوَقَعَ فِي هَذِهِ الْبِئْرِ فَالضَّمَانُ عَلَى وَاضِعِ الْحَجَرِ، كَأَنَّهُ دَفَعَهُ بِيَدِهِ،

стр. 181

فَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ لِلْحَجَرِ وَاضِعٌ فَالضَّمَانُ عَلَى صَاحِبِ الْبِئْرِ وَإِنْ دَفَعَتْهُ دَابَّةٌ مُنْفَلِتَةٌ فَلا ضَمَانَ عَلَى صَاحِبِ الدَّابَّةِ وَلا صَاحِبِ الْبِئْرِ، وَإِنْ كَانَ لِلدَّابَّةِ سَائِقٌ أَوْ قَائِدٌ أَوْ رَاكِبٌ فَالضَّمَانُ عَلَيْهِ؛ فَإِنْ سَقَطَ حَائِطٌ فَدَفَعَ رَجُلا فِي الْبِئْرِ فَعَطَبَ فَإِنْ كَانَ قَدْ تُقُدِّمَ إِلَى صَاحِبِ الْحَائِطِ فِي هَدْمِهِ فَلَمْ يَهْدِمْهُ أُخِذَ بِذَلِكَ. وَكُلُّ مَنْ عَطَبَ بالحائظ فَعَلَى صَاحِبِ الْحَائِطِ، وَإِنْ لَمْ يُتَقَدَّمَ إِلَى صَاحِبِ الْحَائِطِ فَلا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَعَلَى صَاحِبِ الْبِئْرِ ضَمَانُ الَّذِي دَفعه الحائظ فِي الْبِئْرِ. وَإِنْ زَلَقَ رَجُلٌ بِمَاءٍ صَبَّهُ رَجُلٌ فِي الطَّرِيقِ أَوْ بِفَضْلِ وَضُوءٍ تَوَضَّأَ بِهِ رجل أَو بِمَاء رَشَّهُ رَجُلٌ فِي الطَّرِيقِ فَوَقَعَ فِي الْبِئْر أَو عطف قَبْلَ أَنْ يَقَعَ فِي الْبِئْرِ بِذَلِكَ الْمَاءِ أَحَدٌ فَعَلَى صَاحِبِ الْمَاءِ الضَّمَانُ؛ فَإِنْ كَانَ الْمَاءُ مَاءَ سَمَاءٍ فَزَلَقَ بِهِ رَجُلٌ فَوَقَعَ فِي الْبِئْرِ فَعَطَبَ فَعَلَى صَاحِبِ الْبِئْرِ الضَّمَانُ، وَكَذَلِكَ رَجُلٌ زَلَقَ مِنْ سَطْحِهِ أَوْ عَثَرَ بِثَوْبِهِ فَوَقَعَ مِنْ سَطْحِهِ فِي الْبِئْرِ فَعَطَبَ؛ فَعَلَى صَاحِبِ الْبِئْرِ، وَكَذَلِكَ الْمَاشِي فِي الطَّرِيقِ يَعْثُرُ بِثَوْبِهِ فَيَقَعُ فِي الْبِئْرِ فَعَلَى صَاحِبِ الْبِئْرِ؛ فَإِنْ كَانَ هَذَا الْوَاقِع عَلَى رَجُلٍ فَقَتَلَهُ ضَمِنَ صَاحِبُ الْبِئْرِ الرَّجُلَيْنِ جَمِيعًا. فَإِنْ وَقَعَ فِي الْبِئْرِ رَجُلٌ فَسَلِمَ فَطَلَبَ الْخُرُوجَ مِنْهَا فَتَعَلَّقَ حَتَّى إِذَا كَانَ فِي بَعْضِهَا سَقَطَ فَعَطَبَ؛ فَلا ضَمَانَ عَلَى صَاحِبِ الْبِئْرِ، لَيْسَ صَاحِبُ الْبِئْرِ فِي هَذَا الْمَوْضُوع بِدَافِعٍ لَهُ، أَرَأَيْتَ لَوْ مَشَى فِي أَسْفَلِهَا فَعَطِبَ أَكَانَ صَاحِبُ الْبِئْر يضمن؟ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ. فَإِن كَانَ فِي الْبِئْرِ صَخْرَةٌ؛ فَلَمَّا مَشَى فِي أَسْفَلِهَا عَطَبَ بِالصَّخْرَةِ؛ فَإِنْ كَانَتِ الصَّخْرَةُ فِي مَوْضِعِهَا مِنَ الأَرْضِ لَمْ يَضْمَنْ صَاحِبُ الْبِئْرِ، وَإِنْ كَانَ صَاحِبُ الْبِئْرِ اقْتَلَعَهَا مِنْ مَوْضِعِهَا فَوَضَعَهَا فِي نَاحِيَةِ الْبِئْرِ ضَمِنَ، فَإِنْ وَقَعَ فِيهَا رَجُلٌ فَمَاتَ غَمًّا ضَمِنَ صَاحب الْبِئْر. القَوْل فِي جريمة الزِّنَا: قَالَ: وَمَنْ رُفِعَ إِلَى الإِمَامِ وَقَدْ زَنَى فَشَهِدَ عَلَيْهِ أَرْبَعَةُ شُهُودٍ أَحْرَارٌ مُسْلِمُونَ بِالزِّنَا، وَأَفْصَحُوا بِالْفَاحِشَةِ سُئِلَ عَنْهُمْ فَإِنْ زُكُّوا وَكَانَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِمَا لَيْسَا صَبِيَّيْنِ جُلِدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَة مائَة جلدَة. فَأَما الرَّجُلُ فَيُضْرَبُ فِي إِزَارٍ وَهُوَ قَائِم وَيفرق الْجلد على أعضاه كلهَا مَا خلا الْوَجْه

стр. 182

وَالْفَرْجَ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ: وَالرَّأْسُ، وَقَالَ عَامَّةُ الْفُقَهَاءِ يُضْرَبُ الرَّأْسُ، فَكَانَ أَحْسَنُ مَا رَأَيْنَا فِي ذَلِكَ أَنْ يُضْرَبَ الرَّأْسَ لِمَا بَلَغَنَا فِي ذَلِكَ عَنْ عَلِيِّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ١. حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ الْمُهَاجِرِ بْنِ عُمَيْرَةَ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ أُتِيَ بِرَجُلٍ فِي حَدٍّ، فَقَالَ: اضْرِبْ وَأَعْطِ كُلَّ عُضْوٍ حَقَّهُ، وَاتَّقِ الْوَجْهَ وَالْفَرْجَ. قَالَ: وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَتُضْرَبُ وَهِيَ قَاعِدَةٌ تُلَفُّ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا حَتَّى لَا تَبْدُو عَوْرَتُهَا، وَيُجْلَدَانِ جَلْدًا بَيْنَ الْجَلْدَيْنِ لَيْسَ بِالتَّمَطِّي وَلا بِالْخَفِيفِ؛ هَكَذَا حَدَّثَنِي أَشْعَثُ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: شَهِدْتُ أَبَا بَرْزَةَ أَقَامَ الْحَدَّ عَلَى امْرَأَةٍ وَعِنْدَهُ نَفَرٌ مِنَ النَّاسِ؛ فَقَالَ: اجْلِدْهَا جَلْدًا بَيْنَ الْجَلْدَيْنِ، لَيْسَ بِالتَّمَطِّي وَلا بِالْخَفِيفِ، وَاضْرِبْهَا وَعَلَيْهَا مِلْحَفَةٌ، وَلْيَكُنْ السَّوْطُ الَّذِي يَضْرِبُ بِهِ سَوْطًا بَيْنَ السَّوْطَيْنِ لَيْسَ بِالشَّدِيدِ وَلا بِاللَّيِّنِ؛ هَكَذَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِجْلانَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ رجل أصَاب حدا؛ فَأتى بِسَوْط حَدِيد شَدِيدٍ فَقَالَ: "دُونَ هَذَا"، فَأُتِيَ بِسَوْطٍ مُنْتَشِرٍ فَقَالَ: "فَوْقَ هَذَا" فَأتي بِسَوْط قد يَبْسٍ فَقَالَ: "هَذَا". وَحَدَّثَنَا عَاصِمٌ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ: أُتِيَ عُمَرُ ﵁ بِرَجُلٍ فِي حَدٍّ فَدَعَا بِسَوْطٍ فَأُتِيَ بِهِ وَفِيهِ لِينٌ؛ فَقَالَ: أَشَدَّ مِنْ هَذَا، فَأُتِيَ بِسَوْطٍ بَيْنَ السَّوْطَيْنِ فَقَالَ: اضْرِبْ، وَلا يُرَى إبطك٢، وَأعْطِ كل عُضْوٍ حَقَّهُ. وَإِنْ شَهِدُوا بِالزِّنَا على مُحصن أَو مُحصنَة وأفضحوا بِالْفَاحِشَةِ أَمَرَ الإِمَامُ بِرَجْمِهِمَا. حَدَّثَنَا مُغِيرَةُ عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّ الْيَهُودَ قَالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ : مَا حَدُّ الرَّجْمِ؟ قَالَ: "إِذَا شَهِدَ أَرْبَعَةٌ أَنَّهُمْ رَأَوْهُ يَدْخُلَ٣، كَمَا يَدْخُلُ الْمِيلُ فِي الْمِكْحَلَةِ؛ فَقَدْ وَجَبَ الرَّجْمُ. قَالَ: وينغبي أَن يبْدَأ بِالرَّجمِ الشُّهُودُ ثُمَّ الإِمَامُ ثُمَّ النَّاسُ؛ فَأَمَّا الرَّجُلُ فَلا يُحْفَرُ لَهُ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَيُحْفَرُ لَهَا إِلَى السُّرَّة، وَهَكَذَا حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنِ مُجَالِدٍ عَنْ عَامِرٍ أَنَّ عَلِيًّا رَضِي الله رَجَمَ امْرَأَةً فَحَفَرَ لَهَا إِلَى السُّرَّةِ، قَالَ عَامِرٌ: أَنَا شَهِدْتُ ذَلِكَ. وَقَدْ بَلَغَنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا أَتَتْهُ الْغَامِدِيَّةُ فَأَقَرَّتْ عِنْدَهُ بِالزِّنَا أَمَرَ بِهَا فَحُفِرَ لَهَا إِلَى الصَّدْرِ وَأَمَرَ النَّاسَ فَرَجَمُوا، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَصَلَّى عَلَيْهَا وَدُفِنَتْ.

стр. 183

الْإِقْرَار بِالزِّنَا: قَالَ: وَمن أَتَى الإِمَام فَأَقَرَّ عِنْدَهُ بِالزِّنَا؛ فَلا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ قَوْلَهُ حَتَّى يُرَدِّدَهُ فَإِذَا أَتَاهُ فَأَقَرَّ عِنْدَهُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ كُلُّ مَرَّةٍ يردده فِيهَا وَلا يَقْبَلُ مِنْهُ سَأَلَ عَنْهُ: هَلْ بِهِ لَمَمٌ؟ هَلْ بِهِ جُنُونٌ؟ هَلْ فِي عَقْلِهِ شَيْءٌ يُنْكَرُ؟ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ بِهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ؛ فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ، فَإِنْ كَانَ مُحْصَنًا فَالرَّجْمُ، وَالَّذِي يَبْدَأُ بِالرَّجْمِ فِي الإِقْرَارِ الإِمَامُ ثُمَّ النَّاسُ، وَإِنْ كَانَ بِكْرًا أَمَرَ بِجَلْدِهِ مِائَةَ جَلْدَةٍ؛ هَكَذَا بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَعَلَ بِمَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ حِينَ أَتَاهُ فَاعْتَرَفَ عِنْدَهُ بِالزِّنَا. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: جَاءَ مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فقالك إِنِّي زَنَيْتُ. فَأَعْرَضَ عَنْهُ حَتَّى أَتَاهُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ؛ فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ؛ فَلَمَّا أَصَابَتْهُ الْحِجَارَةُ أَدْبَرَ يَشْتَدُّ، فَلَقِيَهُ رَجُلٌ بِيَدِهِ لَحْيُ جَمَلٍ فَضَرَبَهُ بِهِ فَصَرَعَهُ فَذُكِرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِرَارُهُ حِينَ مَسَّتْهُ الْحِجَارَةُ فَقَالَ "هَلا تَرَكْتُمُوهُ؟ "١. وَقَدْ بَلَغَنَا أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ سَأَلَ عَن عقل مَا عز بْنِ مَالِكٍ فَقَالَ: "هَلْ تَعْلَمُونَ بِعَقْلِهِ بَأْسًا؟ هَلْ تُنْكِرُونَ مِنْهُ شَيْئًا؟ " فَقَالُوا: لَا نَعْلَمُهُ إِلا وَفِي الْعَقْلِ مِنْ صُلَحَائِنَا فِيمَا نرى. بِمَ يكون الْإِحْصَان: وَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الإِحْصَانِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَكُونُ الْمُسْلِمُ الْحُرُّ مُحْصَنًَا إِلا بِامْرَأَةٍ حُرَّةٍ مُسْلِمَةٍ قَدْ دَخَلَ بِهَا، وَلا يَكُونُ عَلَى الذِّمِّيَّةِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَغَيْرِهِمْ إِحْصَانٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ إِحْصَانٌ، بَعْضُهُمْ يُحْصِنُ بَعْضًا، وَكَذَا جَمِيعُ أَهْلِ الذِّمَّةِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ فِي الْحُرِّ الْمُسْلِمِ يَكُونُ تَحْتَهُ الأَمَةُ: أَنَّهَا لَا تُحْصِنُهُ؛ وَإِنَّمَا عَلَيْهِ الْجَلْدُ فِي الزِّنَا، وَإِنْ كَانَتْ تَحْتَهُ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّهَا تُحْصِنُهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تُحْصِنُهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُحْصِنُهَا وَلا تُحْصِنُه. قَالَ: وَأحسن مَا سمعنَا من ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ الْحُرَّ الْمُسْلِمَ لَا يَكُونُ مُحْصَنًا إِلا بِامْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ حُرَّةٍ، وَإِذَا كَانَتْ تَحْتَهُ الْمَرْأَةُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَهُوَ مُحْصِنٌ لَهَا وَلَيْسَتْ بِمُحْصِنَةٍ لَهُ. حَدَّثَنَا مُغِيرَةُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ وَالشَّعْبِيّ فِي الْحُرِّ يَتَزَوَّجُ الْيَهُودِيَّةَ وَالنَّصْرَانِيَّةَ ثُمَّ يَفْجُرُ، قَالا: يُجْلَدُ وَلَا يرْجم.

стр. 184

قَالَ: وَحَدَّثنَا عَبْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِع عَن ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى مُشْرِكَةً مُحْصَنَةً. قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: لَا يُحْصِنُ الرَّجُلُ يَهُودِيَّةً وَلا نَصْرَانِيَّةً وَلا بِأَمَتِهِ. لَا يُقَام الْحَد على حَامِل: والمراة إِذَا شُهِدَ عَلَيْهَا بِالزِّنَا وَهِيَ مُحْصَنَةٌ أَوْ أَقَرَّتْ بِذَلِكَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ وَهِيَ حَامِلٌ فَلا يَنْبَغِي أَنْ تُرْجَمَ حَتَّى تَضَعَ مَا فِي بَطْنِهَا؛ هَكَذَا بَلَغَنَا أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ فَعَلَ. حَدَّثَنَا أَبَانٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي قِلابَةَ عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: إِنِي أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ. قَالَ: وَهِيَ حَامِلٌ؛ فَأَمَرَ أَنْ يُحْسَنَ إِلَيْهَا حَتَّى تَضَعَ؛ فَلَمَّا وَضَعَتْ جَاءَتِ النَّبِيَّ ﷺ فأقرت بِمثل الَّذِي كَانَت أَقَرَّتْ بِهِ؛ فَأَمَرَ بِهَا فَأُسْبِلَتْ ثِيَابهَا عَلَيْهَا ثمَّ رجمعها وَصَلَّى عَلَيْهَا فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تُصَلِّي عَلَيْهَا وَقَدْ زَنَتْ؟ فَقَالَ: "لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِّمَتْ بَيْنَ سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ، وَهَلْ وَجَدَتْ أَفْضَلَ مِنْ أَنْ جَادَتْ بِنَفْسِهَا". شُرُوط تجب فِيمَن يشْهد على الزِّنَا: فَإِنْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ بِالزِّنَا عَلَى رَجُلٍ أَوِ امْرَأَةٍ وَهُمْ عِمْيَانٌ فَيَنْبَغِي لِلإِمَامِ أَنْ يَحِدَّهُمْ وَلا حَدَّ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ. وَكَذَلِكَ لَوْ كَانُوا عَبِيدًا، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانُوا مَحْدُودِينَ فِي قَذْفٍ، وَكَذَلِكَ لَو كَانُوا أهل ذِمَّةً، لَا يَجُوزُ فِي ذَلِكَ غلا شَهَادَةُ أَرْبَعَةِ أَحْرَارٍ مُسْلِمِينَ عُدُولٍ؛ فَإِنْ كَانُوا أَرْبَعَةً فُسَّاقًا أَوْ سُئِلَ عَنْهُمْ؛ فَلَمْ يُزَكَّوْا فَلا حَدَّ عَلَيْهِمْ لأَنَّهُمْ أَرْبَعَةٌ وَلا حَدَّ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ. قَالَ: حَدَّثَنَا أَشْعَثُ عَنِ الشَّعْبِيِّ فِي أَرْبَعَةٍ شَهِدُوا عَلَى رَجُلٍ بِالزِّنَا؛ فَكَانَ أحدهم لَيْسَ بِعدْل وَلم يَكُونُوا كُلُّهُمْ عُدُولا قَالَ: لَا أَجْلِدُ أَحَدًا مِنْهُمْ. قَالَ وَحَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: مَضَتِ السُّنَّةُ مِنْ لَدُنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْخَلِيفَتَيْنِ مِنْ بَعْدِهِ أَنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَة النِّسَاء فِي الْحُدُود. القَوْل فِي حد شرب الْخَمْرَ: قَالَ: وَمَنْ رُفِعَ وَقَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ كَثِيرًا أَوْ قَلِيلا فَعَلَيْهِ الْحَدُّ، قَلِيلُ الْخَمْرِ وَكَثِيرُهَا حَرَامٌ يَجِبُ فِيهِ الْحَدُّ، وَالسُّكْرُ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ حَرَامٌ يَجِبُ فِيهِ الْحَدُّ. حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ عَنْ حُصَيْنٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ الْحَارِثِ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: فِي قَلِيلِ الْخَمْرِ وَكَثِيرِهَا ثَمَانُون [جلدَة] .

стр. 185

قَالَ وَحَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنَ الشَّرَاب حد يُسْكِرَ إِلا الْخَمْرِ. قَالَ: وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الدَّانَاجِ، عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: جَلَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَرْبَعِينَ وَأَبُو بَكْرِ الصِّدِّيقِ ﵁ أَرْبَعِينَ وَكَمَّلَهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ ثَمَانِينَ، وَكُلٌّ سُنَّةٌ، يَعْنِي فِي الْخَمْرِ. وَالَّذِي أَجْمَعَ عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا أَنَّهُ يُضْرَبُ مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ قَلِيلا أَوْ كَثِيرًا ثَمَانِينَ، وَمَنْ سَكِرَ مِنْ غَيْرِ الْخَمْرِ مِنَ الشَّرَابِ حَتَّى يَذْهَبَ عَقْلُهُ وَحَتَّى لَا يَعْرِفَ شَيْئًا وَلا يُنْكِرَهُ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ ثَمَانِينَ. وَضَرَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ فِي السُّكْرِ مِنَ النَّبِيذِ ثَمَانِينَ. حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ عَنْ حَسَّانِ بْنِ الْمُخَارِقِ قَالَ: سَايَرَ رَجُلٌ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فِي سَفَرٍ، وَكَانَ صَائِمًا؛ فَلَمَّا أَفْطَرَ الصَّائِمُ أَهْوَى إِلَى قِرْبَةٍ لِعُمَرَ ﵁ مُعَلَّقَةٍ فِيهَا نَبِيذٌ؛ فَشَرِبَ مِنْهَا فَسَكِرَ، فَضَرَبَهُ عُمَرُ ﵁ الْحَدَّ. فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: إِنَّمَا شَرِبْتُ مِنْ قِرْبَتِكَ، فَقَالَ عُمَرُ ﵁ إِنَّمَا جَلَدْتُكَ لِسُكْرِكَ لَا عَلَى شُرْبِكَ. قَالَ وَحَدَّثَنِي مِسْعَرٌ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَمْرِو بْنِ عُتْبَةَ ذَكَرَهُ عَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ لَا حَدٌّ إِلا فِيمَا حَبَسَ الْعَقْلَ". وَلا يَنْبَغِي أَنْ يُقَام الْحَد على السركان حَتَّى يَفِيقَ. هَكَذَا بَلَغَنَا أَنَّ عَلِيًّا ﵁ فَعَلَ بِالنَّجَاشِيِّ١. وَحَدَّثَ مُغِيرَةُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: إِذَا سَكِرَ الإِنْسَانُ تُرِكَ حَتَّى يفِيق ثمَّ يجلد. من شرب خمرًا فِي رَمَضَان: وَمَنْ رُفِعَ وَقَدْ شَرِبَ خَمْرًا فِي رَمَضَانَ أَوْ شَرِبَ شَرَابًا غير الْخمر فَكسر مِنْهُ؛ وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ فَإِنَّهُ يُضْرَبُ الْحَدَّ وَيُعَزَّرُ٢ بَعْدَ الْحَدِّ أَسْوَاطًا، بَلَغَنَا ذَلِكَ أَوْ نَحْوٌ مِنْهُ عَنْ عَلِيٍّ وَعُمَرَ ﵄. حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ عَنْ أَبِي سِنَانٍ قَالَ: أُتِيَ عُمَرُ ﵁ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ خَمْرًا فِي رَمَضَانَ فَضَرَبَهُ ثَمَانِينَ وَعَزَّرَهُ عِشْرِينَ. قَالَ: وَحَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَرْوَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ مِثْلُ ذَلِكَ فِي رَجُلٍ أُتِيَ بِهِ وَقَدْ شرب فِي رَمَضَان الْخمر.

стр. 186

القَوْل فِي الْقَذْف وَحده: قَالَ أَبُو يُوسُف: وَمَنْ رُفِعَ وَقَدْ قَذَفَ رَجُلا حُرًّا مُسْلِمًا بِالزِّنَا فَشَهِدَ عَلَيْهِ بِذَلِك شَاهِدَانِ فَعُدِّلا أَوْ كَانَ أقرّ بقذفه لَهُ ضرب الحدش، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ قَذَفَ أُمَّ رَجُلٍ أَوْ أَبَاهُ وَهُمَا مُسْلِمَانِ؛ فَإِنَّهُ يُضْرَبُ الْحَدَّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا الْقَاذِفُ ضَرَبَ لِلأَوَّلِ حَتَّى قَذَفَ آخَرَ فَإِنَّهُ يُضْرَبُ لَهما جَمِيعًا حدا وَاحِدًا. إِذا كَانَ الْقَاذِف عبدا: فَإِن كَانَ الْقَاذِفُ عَبْدًا ضُرِبَ حَدَّ الْعَبْدِ أَرْبَعِينَ؛ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ضُرِبَ بَعْدَ مَا قَذَفَ حَتَّى أُعْتِقَ ثُمَّ قَدَّمَهُ إِلَى الْحَاكِمِ فَإِنَّهُ لَا يَزِيدُهُ عَلَى الأَرْبَعِينَ؛ لأَنَّهَا هِيَ الَّتِي كَانَتْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ يَوْمَ قَذَفَ؛ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ضُرِبَ بَعْدَ الْعِتْقِ حَتَّى قَذَفَ آخَرَ ضُرِبَ لِلأَوَّلِ وَلِلثَّانِي ثَمَانِينَ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ ضُرِبَ مِنَ الثَّمَانِينَ أَسْوَاطًا ثُمَّ قَذَفَ آخَرَ كَمُلَتْ لَهُ الثَّمَانُونَ وَيُحْتَسَبُ بِمَا مَضَى وَلا يُضْرَبُ ثَمَانِينَ مُسْتَقْبَلَةً مَا بَقِيَ مِنَ الْحَدِّ سَوْطٌ، وَإِنْ قَذَفَ رَابِعًا وَقَدْ بَقِيَ مِنَ الثَّمَانِينَ سَوْطٌ كملت لَهُ الثَّمَانُونَ وَلم يضْرب للرابع سِوَى مَا ضُرِبَ، فَإِنْ كَمُلَتْ لَهُ الثَّمَانُونَ ثُمَّ قَذَفَ آخَرَ ضُرِبَ لِذَلِكَ ثَمَانِينَ أُخْرَى بَعْدَ أَنْ يُحْبَسَ حَتَّى يَخِفَّ الضَّرْبُ. حَدثنَا سعيد بن قَتَادَة عَنْ عَلِيٍّ ﵁ فِي الْعَبْدِ يَقْذِفُ الْحُرَّ قَالَ: يُضْرَبُ أَرْبَعِينَ، قالَ قَتَادَةُ وَهُوَ رَأْيُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنِ. قَالَ: وَحدثنَا ابْن جرير عَنْ عُمَرَ بْنِ عَطَاءٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ فِي الْمَمْلُوكِ يَقْذِفُ الْحُرَّ قَالَ: يجلد أَرْبَعِينَ. قَالَ أَبُو يُوسُف: وَأَجْمَعَ أَصْحَابُنَا أَنْ لَا يُقْبَلَ لِلْقَاذِفِ شِهَادَةً أَبَدًا١؛ فَإِنْ تَابَ فَتَوْبَتُهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى. قَالَ: وَحَدَّثَنِي مُغِيرَةُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ فِيمَنْ قَذَفَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا قَالَ: لَا حَدَّ عَلَيْهِ. قَالَ أَبُو يُوسُف: وَيُضْرَبُ الزَّانِي فِي إِزَارٍ، وَيُضْرَبُ الشَّارِبُ فِي إِزَارٍ، وَيُضْرَبُ الْقَاذِفُ وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ؛ إِلا أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ فَرْوٌ٢ فَيُنْزَعُ عَنْهُ. قَالَ: وَحَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ مُجَاهِدٍ وَحَدَّثَنَا مُغِيرَةُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالا: يُضْرَبُ الْقَاذِفُ وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ. وَحَدَّثَنَا مُطَرِّفٌ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: يُضْرَبُ الْقَاذِفُ وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ فرو أَو

стр. 187

قِبَاءٌ مَحْشُوٌّ فَيُنْزَعُ عَنْهُ حَتَّى يَجِدَ مَسَّ الضَّرْبِ. قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَمَّا الزَّانِي فَتُخْلَعُ عَنْهُ ثِيَابُهُ، وَيُضْرَبُ فِي إِزَارٍ وَتَلا: ﴿وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النُّور: ٢] ، قَالَ: وَكَذَلِكَ الشَّارِبُ يُضْرَبُ فِي إِزَارٍ. قَالَ أَبُو يُوسُف: وَضَرْبُ الزَّانِي أَشَدَّ مِنْ ضَرْبِ الشَّارِبِ، وَضَرْبُ الشَّارِبِ أَشَدَّ مِنْ ضرب الْقَاذِف، وَالتَّعْزِير١ أَشد من ذَلِك كُله. عُقُوبَة التَّعْزِير: وَقد اخْتلف أَصْحَابنَا فِي التَّعْزِير قَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَبْلُغُ بِهِ أَدْنَى الْحُدُودِ أَرْبَعِينَ سَوْطًا٢، وَقَالَ بَعضهم: أبلغ بالتعزير خَمْسَةٌ وَسَبْعِينَ سَوْطًا أَنْقَصَ مِنْ حَدِّ الْحُرِّ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَبْلُغُ بِهِ أَكْثَرَ. وَكَانَ أَحْسَنُ مَا رَأَيْنَا فِي ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَن التَّعْزِير إِلَى الإِمَامِ عَلَى قَدْرِ عِظَمِ الجرم وصغره، وعَلى قدر مَا يرى مِنَ احْتِمَالِ الْمَضْرُوبِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَين أقل من ثَمَانِينَ. حكم العَبْد والمة إِذا زَنَيَا: قَالَ أَبُو يُوسُف: وَالَّذِي أَجْمَعَ عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا فِي الأَمَةِ وَالْعَبْدِ يَفْجُرَانِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُضْرَبُ خَمْسِينَ؛ هَكَذَا رُوِيَ لَنَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنِ ابْنِ أَبِي رَبِيعَةَ قَالَ: دَعَانَا عُمَرُ فِي فِتْيَانٍ مِنْ قُرْيَشٍ إِلَى جَلْدِ إِمَاءٍ مِنْ رَقِيقِ الإِمَارَةِ زَنَيْنَ فَضَرَبْنَاهُنَّ خمسين خمسين. وَحَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ قَال: جَاءَ مَعْقِلٌ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ: إِنَّ جَارِيَتِي زَنَتْ. فَقَالَ: اجْلِدْهَا خَمْسِينَ. قَالَ وَحَدَّثَنَا أَشْعَثُ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَالْحَسَنِ وَالشعْبِيّ قَالُوا: لَيْسَ عَلَى مُسْتَكْرَهَةٍ حَدٌّ، قَالَ أَبُو يُوسُف وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْنَا فِي ذَلِك وَالله أعلم. القَوْل فِي السّرقَة وَحدهَا: قَالَ أَبُو يُوسُف: وَمَنْ رُفِعَ وَقَدْ سَرَقَ وَقَامَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ بِالسَّرِقَةِ وَبَلَغَتْ قِيمَةُ مَا سَرَقَ إِنْ كَانَ مَتَاعًا عَشْرَةَ دَرَاهِمَ، أَوْ كَانَتِ السَّرِقَةُ عَشْرَةُ دَرَاهِمَ مَضْرُوبَةٍ؛ فَلْتَقْطَعْ يَدُهُ مِنَ الْمِفْصَلِ، فَإِنْ عَادَ فَسَرَقَ بَعْدَ ذَلِكَ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ أَوْ قِيمَتَهَا قَطَعْتَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى فَأَمَّا

стр. 188

مَوْضِعُ الْقَطْعِ مِنَ الرِّجْلِ فَإِنَّ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ اخْتَلَفُوا فِيهِ؛ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُقْطَعُ مِنَ الْمِفْصَلِ، وَقَالَ آخَرُونَ: يُقْطَعُ مِنْ مُقَدَّمِ الرِّجْلِ، فَخُذْ بِأَيِّ الأَقَاوِيلِ شِئْتَ فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُوَسَّعًا عَلَيْكَ. وَأَمَّا الْيَدُ فَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّ الْقَطْعَ مِنَ الْمِفْصَلِ، وَيَنْبَغِي إِذَا قُطِعَتْ أَنْ تُحْسَمَ١. حَدَّثَنَا مَيْسَرَةُ بْنُ مَعْبَدٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَدِيَّ بْنَ عَدِيٍّ يُحَدِّثُ رَجَاءَ بْنَ حَيْوَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَطَعَ رِجْلا مِنَ الْمِفْصَلِ. قَالَ: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ حَكِيمِ بْنِ حَكِيمِ بْنِ الْعَلاءِ عَنْ عَبَّادٍ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ مُرَّةَ أَنَّ عَلِيًّا ﵁ قَطَعَ سَارِقًا مِنَ الْخِصْرِ خِصْرِ الْقَدَمِ. قَالَ وَحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ أُمِّ رَزِينٍ قَالَتْ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: أَيَعْجَزُ أُمَرَاؤُكُمْ هَؤُلاءِ أَن يقطعوا كم قَطَعَ هَذَا الأَعْرَابِيُّ؟ يَعْنِي نَجْدَةَ؛ فَلَقَد قطع فَمَا أَخطَأ يقطع الرِّجْلِ وَيَدَعُ عَاقِبَهَا. قَالَ: وَحَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، وَعَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ عُمَرَ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ قَطَعَ الْيَدَ مِنَ الْمِفْصَلِ، وَقَطَعَ أَعلَى الْقدَم وَأَشَارَ عُمَرُ إِلَى شَطْرِهَا. قَالَ: وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ يَعْنِي ابْنَ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَن حجية بن عَدِيّ أَنَّ عَلِيًّا ﵁ كَانَ يَقْطَعُ أَيْدِي اللُّصُوصِ ويحسمهم. قيمَة مَا يجب فِيهِ الْحَد فِي السّرقَة: وَقَدِ اخْتَلَفَ فُقَهَاؤُنَا فِيمَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ؛ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا قَطْعَ إِلا فِيمَا تَبْلُغُ قِيمَتُهُ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ فَصَاعِدًا. وَقَالَ آخَرُونَ: يَجِبُ الْقَطْعُ فِيمَا يَبْلُغُ قِيمَتُهُ خَمْسَةً فَصَاعِدًا، وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْحِجَازِ: ثَلاثَةُ دَرَاهِمَ؛ فَكَانَ أَحْسَنُ مَا رَأَيْنَا فِي ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ فَصَاعِدًا لِمَا جَاءَ فِي ذَلِكَ مِنَ الآثَارِ، عَنْ أَصْحَابِ مُحَمَّد ﷺ . حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ السَّارِقُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُقْطَعُ فِي ثَمَنِ الْمِجَنِّ، وَكَانَ لِلْمِجَنِّ يَوْمَئِذٍ ثَمَنٌ، وَلَمْ يَكُنْ يُقْطَعُ فِي الشَّيْءِ التَّافِهِ. قَالَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّد بن إِسْحَاق قَالَ: حَدثنَا أَيُّوبُ بْنُ مُوسَى، عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَا تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ فِي دُونِ ثَمَنِ الْمِجَنِّ، وَثَمَنُ الْمِجَنِّ عَشْرَةُ دَرَاهِم.

стр. 189

قَالَ: وَحَدَّثَنَا الْمَسْعُودِيُّ عَنِ الْقَاسِمِ بن عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَا يُقْطَعُ إِلا فِي دِينَارٍ أَوْ عَشْرَةِ دَرَاهِمَ، وَقَدْ بَلَغَنَا نَحْوٌ مِنْ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁. قَالَ وَحَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَمْ يَكُنْ يُقْطَعُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الشَّيْء التافه. الشَّهَادَة المتقادمة فِي الْحُدُود: قَالَ أَبُو يُوسُف: وَإِذَا شَهِدَ أَرْبَعَةٌ مِنَ الشُّهُودِ عَلَى رَجُلٍ بِالزِّنَا وَوَقَّتُوا وَقْتًا مُتَقَادِمًا وَلَمْ يَمْنَعْهُمْ عَنْ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ بُعْدُهُمْ عَنِ الإِمَامِ لَمْ تقبل شَهَادَتهم ودرئعنه الْحَدُّ فِي ذَلِكَ. وَكَذَا إِنْ شَهِدُوا عَلَى رَجُلٍ بِسَرِقَةٍ تُسَاوِي عَشْرَةَ دَرَاهِمَ أَوْ أَكْثَرَ وَوَقَّتُوا وَقْتًا مُتَقَادِمًا دُرِئَ عَنْهُ الْحَدُّ فِي ذَلِكَ أَيْضًا؛ وَلَكِنْ يَضْمَنُ السَّرِقَةَ. وَإِنْ شَهِدُوا عَلَيْهِ بِقَذْفِهِ رَجُلا مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَوَقَّتُوا وَقْتًا مُتَقَادِمًا وَحَضَرَ الرَّجُلُ يَطْلُبُ حَقَّهُ أُقِيمَ عَلَى الْقَاذِفِ الْحَدُّ، وَلَمْ يُزِلْهُ تَقَادُمُهُ لأَنَّ هَذَا مِنْ حُقُوقِ النَّاسِ، وَكَذَلِكَ الْجِرَاحَةُ الْعَمْدُ الَّتِي يُقْتَصُّ مِنْهَا، وَالْجِرَاحَةُ الْخَطَأُ الَّتِي فِيهَا الْأَرْش. إِذا كرر الجريمة: قَالَ أَبُو يُوسُف: لَوْ قَذَفَ رَجُلٌ رَجُلا بِالْبَصْرَةِ وَآخَرَ بِمَدِينَةِ السَّلامَ وَآخَرُ بِالْكُوفَةِ، ثُمَّ ضُرِبَ الْحَدُّ لِبَعْضِهِمْ كَانَ ذَلِكَ الْحَدُّ لَهُمْ كُلُّهُمْ، وَكَذَلِكَ لَوْ سُرِقَ غَيْرَ مَرَّةٍ قُطِعَ مَرَّةً وَاحِدَةً لِتِلْكَ السَّرِقَاتِ كُلِّهَا. قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، وَحَدَّثَنَا مُغِيرَةُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالا: إِذَا سَرَقَ مِرَارًا فَإِنَّمَا يَدُهُ وَاحِدَةٌ، وَإِذَا شَرِبَ الْخَمْرَ مِرَارًا وَإِذَا قَذَفَ مِرَارًا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ حَدٌّ وَاحِدٌ١. إِذا أقرّ الْجَانِي: قَالَ أَبُو يُوسُف: وَمَنْ أَقَرَّ بِسَرِقَةٍ يَجِبُ فِي مِثْلِهَا الْقَطْعُ؛ فَإِنَّ أَصْحَابَنَا اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ قَالَ بَعْضُهُمْ: يُقْطَعُ بِإِقْرَارِهِ مَرَّةً، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يُقْطَعُ حَتَّى يُقِرَّ مَرَّتَيْنِ؛ فَكَانَ أَحْسَنُ مَا رَأَيْنَا فِي ذَلِكَ أَن لَا يُقْطَعُ حَتَّى يُقِرَّ مَرَّتَيْنِ فِي مَجْلِسَيْنِ٢؛ هَكَذَا جَاءَ الأَثَرُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁، وَكَذَلِكَ الإِقْرَارُ بِشُرْبِ الْخَمْرِ إِذَا كَانَ رِيحُهَا يُوجَدُ مِنْهُ؛ فَهُوَ مِثْلُ ذَلِكَ لَا يُضْرَبُ حَتَّى يُقِرُّ مَرَّتَيْنِ؛ فَأَمَّا الإِقْرَارُ بِالْقَذْفِ فَإِنَّهُ يُضْرَبُ إِذَا أَقَرَّ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَكَذَلِكَ الْقِصَاصُ فِي حُقُوقِ النَّاسِ فِيمَا بَيْنَهُمْ فِي النَّفْسِ وَمَا دونهَا وَفِي الْجِرَاحَات.

стр. 190

وَالإِقْرَارِ بِالأَمْوَالِ يُنْفِذُ ذَلِكَ أُجْمِعَ عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ مَرَّةً. وَمَنْ أَقَرَّ بِسَرِقَةٍ يَجِبُ فِي مِثْلِهَا الْقَطْعُ أَوْ شَرِبَ خَمْرًا أَوْ حُدَّ فِي زِنًا فَأَمَرَ الإِمَامُ بِضَرْبِهِ أَو قطع يَدَيْهِ فَرَجَعَ عَنِ الإِقْرَارِ قَبْلَ أَنْ يُفْعَلَ ذَلِكَ بِهِ دُرِئَ عَنْهُ الْحَدُّ، وَإِنْ أَقَرَّ بِحَقٍّ مِنْ حُقُوقِ النَّاسِ مِنْ قَذْفٍ أَوْ قِصَاصٍ فِي نَفْسٍ أَوْ دُونِهَا أَوْ مَالٍ ثُمَّ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ نَفَذَ عَلَيْهِ الْحُكْمُ فِيمَا كَانَ أَقَرَّ بِهِ وَلَمْ يَبْطُلْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ عَنْهُ بِرُجُوعِهِ. قَالَ أَبُو يُوسُف: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنْتُ قَاعِدًا عِنْدَ عَلِيٍّ ﵁؛ فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنِّي قَدْ سَرَقْتُ، فَانْتَهَرَهُ ثُمَّ عَادَ الثَّانِيَةَ فَقَالَ: إِنِّي قَدْ سَرَقْتُ؛ فَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: قَدْ شَهِدْتَ عَلَى نَفْسِكَ شَهَادَةً تَامَّةً، قَالَ: فَأَمَرَ بِهِ فَقُطِعَتْ يَدُهُ. قَالَ: وَأَنَا رَأَيْتُهَا مُعَلَّقَةً فِي عُنُقِهِ١. قَالَ: وَحَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ أَنَّ امْرَأَةً رُفِعَتْ إِلَى عُمَرَ ﵁ وَقَدْ أَقَرَّتْ بِالزِّنَا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فَقَالَ لَهَا عُمَرُ. إِنْ رَجَعْتِ لَمْ نُقِمْ عَلَيْكِ الْحَدَّ. قَالَ: وحدثا ابْن جريرج قَالَ أَخْبَرَنِي إِسْمَاعِيلُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: مَنِ اعْتَرَفَ مِرَارًا كَثِيرَةً بِسَرِقَةٍ أَوْ حَدٍّ ثُمَّ أَنْكَرَ لَمْ يَجِبْ عَلْيَهِ شَيْءٌ. قَالَ أَبُو يُوسُف: وَقَدْ بَلَغَنَا عَنِ الشَّعْبِيِّ مِثْلُ ذَلِك. القَوْل فِي إِقْرَار العَبْد وجناياته: قَالَ أَبُو يُوسُف: وَإِذَا أَقَرَّ الْعَبْدُ وَهُوَ غَيْرُ مَأْذُونٍ لَهُ فِي التِّجَارَةِ أَوْ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ بِقَتْلِ رَجُلٍ عَمْدًا أَوْ قَذْفٍ أَوْ سَرِقَةٍ يَجِبُ فِيهَا الْقَطْعُ أَوْ بِزِنًا فَإِقْرَارُهُ ذَلِكَ جَائِزٌ عَلَيْهِ؛ لأَنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُهُ فِي نَفْسِهِ، وَالْقَذْفُ وَالسَّرِقَةُ وَالزِّنَا يَلْزَمُهُ فِي بَدَنِهِ؛ فَلَيْسَ بِمُتَّهَمٍ فِي هَذَا الأَمْرِ؛ إِنَّمَا يُتَّهَمُ فِي الأَمْوَالِ وَفِي الْجِنَايَةِ الَّتِي لَا قِصَاصَ فِيهَا لأَنَّ هَذَا لَوْ صَدَّقَهُ السَّيِّدُ يُقَالُ لسَيِّده ادفعه أَو افده واقض عَنْهُ دَيْنَهُ، أَوْ يُبَاعُ فِي ذَلِكَ. وَلا يُصَدَّقُ الْعَبْدُ إِذَا أَقَّر بِقَتْلٍ خَطَأٍ وَلا بِجِرَاحَةٍ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ وَلا بِغَصْبٍ وَلا بِدَيْنٍ٢. وَإِنْ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ يَجُوزُ إِقْرَارُهُ بِالدَّيْنِ وَغَصْبِ الأَمْوَالِ. وَلَوْ لَمْ يكن أقرّ بِشَيْء مِنْ ذَلِكَ، وَقَامَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ بِقَتْلٍ خَطَأٍ أَوْ بِجِرَاحَةٍ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ؛ فَإِنَّهُ يُقَالُ لِمَوْلاهُ: ادْفَعْهُ بِذَلِكَ أَوِ افْدِهِ بِالدِّيَةِ أَوِ بِأَرْشِ الْجُرْحِ، وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ بِغَصْبِ مَالٍ قِيلَ

стр. 191

لِمَوْلاهُ: افْدِهِ أَوْ بِعْهُ فِيهِ، وَالأَمَةُ فِيمَا وَصَفْنَا مِثْلُ الْعَبْدِ وَالْمُكَاتَبُ مِثْلُ الْعَبْدِ أَيْضًا. حَدَّثَنَا مُغِيرَةُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدُّ الْمُكَاتَبِ حَدُّ الْمَمْلُوكِ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ كِتَابَتِهِ. قَالَ أَبُو يُوسُف: حَدَّثَنَا أَبُو حَنِيفَةَ ﵁ عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: يَجُوزُ إِقْرَارُ الْعَبْدِ فِيمَا أَقَرَّ بِهِ مِنْ حَدٍّ يُقَامُ عَلَيْهِ وَمَا أَقَرَّ بِهِ مِمَّا تَذْهَبُ فِيهِ رَقَبَتُهُ؛ فَلا يَجُوزُ فِي ذَلِك إِقْرَاره. الْقَوْم الَّذين لَا يقطع الشَّخْص فِي السّرقَة مِنْهُم: قَالَ أَبُو يُوسُف: وَلا يُقْطَعُ أَحَدٌ فِي سَرِقَةٍ مِنْ أَبِيهِ وَلا مِنْ أُمِّهِ وَلا مِنِ ابْنِهِ وَلا مِنْ أَخِيهِ وَلا مِنْ أُخْتِهِ وَلا مِنْ زَوْجَتِهِ وَلا مِنْ ذَوِي رَحِمٍ مُحَرَّمٍ مِنْهُ. وَلا تُقْطَعُ الْمَرْأَةُ فِي السَّرِقَةِ مِنْ مَالِ زَوْجِهَا، وَلا يُقْطَعُ الْعَبْدُ فِي السَّرِقَةِ مِنْ مَالِ سَيِّدِهِ، وَلا السَّيِّدُ مِنْ مَالِ عَبْدِهِ، وَلا الْمُكَاتَبُ مِنْ مَالِ سَيِّدِهِ، وَلا سَيِّدُهُ مِنْ مَالِهِ، وَلا مَنْ سَرَقَ مِنَ الْفَيْءِ، وَلا مَنْ سَرَقَ مِنَ الْخُمُسِ، وَلا السَّارِقُ مِنَ الْحَمَّامِ وَلا مِنَ الْحَانُوتِ الْمَفْتُوحِ لِلْبَيْعِ الْمَأْذُونِ فِيهِ، وَلا مِنَ الْخَانِ إِذَا دَخَلَهُ، وَلا الشَّرِيكِ فِي سَرِقَتِهِ مِنْ شَرِيكِهِ مِنْ مَتَاعِ الشَّرِكَةِ، وَلا يُقْطَعُ مَنْ سَرَقَ وَدِيعَةً عِنْدَهُ أَوْ عَارِية أَو رهنا. أَنْوَاع من السّرقَة وَفِيمَا يجب فِيهِ الْقطع: وَأَمَّا النَّبَّاشُ١ فَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى قَطْعَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا أَقْطَعُهُ لأَنَّهُ لَيْسَ فِي مَوْضِعِ حرز؛ فَكَانَ أَحْسَنُ مَا رَأَيْنَا فِي ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يُقْطَعَ وَكَذَلِكَ الطرار٢ إِذا أَخذ وَقد طر مِنَ الْكُمِّ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ قُطِعَتْ يَدَيْهِ؛ فَإِنْ كَانَ الَّذِي طَرَّهُ أَقَلَّ مِنْ عَشْرَةِ دَرَاهِمَ لَمْ يُقْطَعْ، وَعُوقِبَ وَحُبِسَ حَتَّى يُحْدِثَ تَوْبَةً. فَأَمَّا الْقَفَّافُ٣ وَالْمُخْتَلِسُ فَعَلَيْهِمَا الأَدَبُ وَالْحَبْسُ حَتَّى يُحْدِثَا تَوْبَةً. وَأَمَّا الْفَشَّاشُ الَّذِي يَفِشُّ أَبْوَابَ دُورِ النَّاسِ أَوْ بَابَ الْحَانُوتِ وَيَخْرُجُ بِالْمَتَاعِ مِنَ الْبَيْتِ أَوِ الدَّارِ فَيُوجَدُ الْمَتَاعُ مَعَهُ؛ فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ إِذَا خَرَجَ بِالْمَتَاعِ. وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ تَدْخُلُ مَنْزِلَ قَوْمٍ فَتَأْخُذُ مِنْهُمْ ثَوْبًا أَوْ مَا أَشْبَهَهُ قِيمَتُهُ عَشْرَةُ دَرَاهِمَ فَإِذَا خَرَجَتْ بِهِ من بَاب الدَّار فعلَيْهَا

стр. 192

الْقَطْعُ. وَالسَّارِقُ مِنَ الْفُسْطَاطِ الَّذِي لم يُؤذن فِيهِ يُقْطَعُ، وَكَذَلِكَ الَّذِي يَشُقُّ الْجَوَالِقَ وَيَسْرِقُ مِنْهُ يُقْطَعُ. وَكَذَلِكَ الَّذِي يَنْقُبُ الْبَيْتَ وَيُدْخِلُ يَدَهُ فَيَسْرِقُ مِنْهُ وَلا يَدْخُلُهُ بِنَفْسِهِ يُقْطَعُ. وَقَالَ بَعْضُ فُقَهَائِنَا فِي الطَّرَّارِ: إِذَا طَرَّ مِنْ صُرَّةٍ فِي كُمِّ الرَّجُلِ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ فَصَاعِدًا إِنْ كَانَتِ الصُّرَّةُ مَشْدُودَةٌ إِلَى دَاخِلِ الْكُمِّ قُطِعَ وَإِنْ كَانَتْ خَارِجَةٌ مِنَ الْكُمِّ لَمْ يُقْطَعْ. وَمَنْ وُجِدَ قَدْ نَقَبَ دَارا وحانوتا وَدَخَلَ فَجَمَعَ الْمَتَاعَ وَلَمْ يُخْرِجْهُ حَتَّى أُدْرِكَ؛ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَطْعٌ، وَيُوجَعُ عُقُوبَةً وَيُحْبَسُ حَتَّى يُحْدِثَ تَوْبَة. قَالَ أَبُو يُوسُف: حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ عَنْ حُصَيْنٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ الْحَارِثِ عَنْ عَلَيٍّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أَنَّهُ أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ نَقَبَ وَأُخِذَ عَلَى ذَلِكَ الْحَالِ فَلَمْ يَقْطَعْهُ. قَالَ: وَحَدَّثَنَا عَاصِمٌ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: لَيْسَ عَلَيْهِ قَطْعٌ حَتَّى يَخْرُجَ بِالْمَتَاعِ مِنَ الْبَيْت. من سرق شَيْئا لَهُ فِيهِ حق وسرقة العَبْد من سَيّده: قَالَ: وَحَدَّثَنَا الْمَسْعُودِيُّ عَنِ الْقَاسِمِ أَنَّ رَجُلا سَرَقَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَكَتَبَ فِيهِ سَعْدٌ إِلَى عُمَرَ فَكَتَبَ عُمَرُ "لَيْسَ عَلَيْهِ قَطْعٌ"١. قَالَ: وَحَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: إِذَا سَرَقَ مِنَ الْغَنِيمَةِ وَلَهُ فِيهَا شَيْءٌ٢ لَمْ يُقْطَعَ، وَإِنْ سَرَقَ مِنْهَا وَلَيْسَ لَهُ فِيهَا شَيْءٌ قَطْعٌ. قَالَ وَحَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ فِي الرجل يَطَأُ الْجَارِيَةَ مِنَ الْفَيْءِ. قَالَ: لَيْسَ عَلَيْهِ فِيهَا حَدٌّ إِذَا كَانَ لَهُ فِيهَا نَصِيبٌ. قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ قَال: جَاءَ مَعْقِلٌ الْمُزَنِيُّ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ: غُلامِي سَرَقَ فَتَاتِي؛ أَفَأَقْطَعُهُ؟ فَقَالَ عبد الله لَا، ملك بَعْضُهُ فِي بَعْضٍ. قَالَ: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ أُتِيَ بِغُلامٍ قَدْ سَرَقَ مِنْ سَيِّدِهِ فَلَمْ يَقْطَعْهُ. وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: "إِذَا سَرَقَ عَبْدِي مِنْ مَالِي لَمْ أَقْطَعْهُ".

стр. 193

قَالَ: وَحَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ عَنِ الْحَكَمِ عَن عتيبة عَن إِبْرَاهِيم الشّعبِيّ قَالَ: يُقْطَعُ سَارِقُ أَمْوَاتِنَا كَما لَوْ سَرَقَ مِنْ أَحْيَائِنَا، قَالَ الْحَجَّاجُ: وَسَأَلْتُ عَطَاءً عَنِ النَّبَّاشِ فَقَالَ: يقطع١. أَنْوَاع لَا يقطعون وَأَشْيَاء لَا يجب فِيهَا الْقطع: قَالَ: وَحَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: لَيْسَ عَلَى الْمُخْتَلِسِ وَلا عَلَى الْمُسْتَلِبِ وَلا عَلَى الْخَائِنِ قَطْعٌ. قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَشْعَثُ عَنِ الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَيْسَ فِي الْغُلُولِ٢ قَطْعٌ". قَالَ أَبُو يُوسُف: وَلَيْسَ فِي الْغُلُولِ قَطْعٌ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ الأَثَرُ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّه قَالَ: "مَنْ وَجَدْتُمُوهُ قَدْ غَلَّ فَحَرِّقُوا مَتَاعَهُ"، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ أَنَّهُمَا كَانَا يُعَاقِبَانِ فِي الْغُلُولِ عُقُوبَةً مُوجِعَةً. وَالَّذِي أَدْرَكْتُ عَلَيْهِ فُقَهَاءَنَا أَنَّهُمْ كَانُوا يَرَوْنَ أَنْ يُعَاقَبَ فَيُوجَعَ عُقُوبَةً وَيُؤْخَذَ مَا يُوجد عِنْده. قَالَ أَبُو يُوسُف: وَلا قَطْعَ عَلَى سَارِقِ الْخَمْرِ وَالْخَنَازِيرِ وَالْمَعَازِفِ كُلِّهَا، وَلا فِي النَّبِيذ وَلَا فِي شَيْء مِنَ الطَّيْرِ وَلا الصَّيْدِ، وَلا فِي شَيْءٍ مِنَ الْوَحْشِ، وَلا فِي النَّوَى وَالتُّرَابِ وَالْجَصِّ وَالنَّوْرَةِ وَالْمَاءِ. وَقَدْ كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ يَقُولُ: لَا قَطْعَ فِي طَعَامٍ يُؤْكَلُ، يَعْنِي الْخُبْزَ وَلا فِي فَاكِهَةٍ رَطْبَةٍ٣، وَلا فِي الْحَطَبِ وَلا فِي الْخَشَبِ وَلا فِي الْحِجَارَةِ كُلِّهَا، الْجَصِّ والنورة والزرنيخ والفخار والطين والغرة وَالْقُدُورِ وَالْكُحْلِ وَالزُّجَاجِ. وَلا فِي السَّمَكِ الْمَالِحِ مِنْهُ وَالطَّرِيِّ، وَلا فِي شَيْءٍ مِنَ الْبُقُولِ وَالرَّيَاحِينِ وَلا فِي الأَنْوَارِ٤، وَلا فِي التِّبْنِ وَلا فِي التَّخْتَجِ٥، وَلا فِي الْمُصْحَفِ وَلا فِي الصُّحُفِ الَّتِي فِيهَا شِعْرٌ؛ فَأَمَّا الْقَتُّ٦، والخل فَكَانَ يرى فيهمَا الْقطع.

стр. 194

قَالَ أَبُو يُوسُف: وَمَنْ سَرَقَ عَفْصًا أَوْ اهْلِيلَجًا أَوْ شَيْئًا مِنَ الأَدْوِيَةِ الْيَابِسَةِ أَوْ شَيْئًا مِنَ الْحِنْطَةِ أَوْ مِنَ الشَّعِيرِ أَوْ مِنَ الدَّقِيقِ أَوْ مِنَ الْحُبُوبِ أَوْ مِنَ الْفَاكِهَةِ الْيَابِسَةِ أَوْ شَيْئًا مِنَ الْجَوْهَرِ أَوِ اللُّؤْلُؤِ أَوْ شَيْئًا مِنَ الأَدْهَانِ أَوِ الطِّيبِ مِثْلَ الْعُودِ وَالْمِسْكِ وَالْعَنْبَرِ وَمَا أَشْبَهَهُ مِنَ الطِّيبِ، وَكَانَتْ قِيمَةُ مَا سَرَقَ مِنْ ذَلِكَ عَشْرَةُ دَرَاهِمَ فَصَاعِدًا؛ فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ؛ هَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْنَا فِي ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَيْسَ عَلَى سَارِقِ الثِّمَارِ مِنْ رُءُوسِ النَّخْلِ قَطْعٌ. وَإِنْ سَرَقَ مِنْهُ بَعْدَ مَا أُحْرِزَ فِي الجرين١ وَالْبُيُوتِ قُطِعَ إِذَا بَلَغَتْ قِيمَتُهُ عَشْرَة دَرَاهِمَ فَصَاعِدًا. وَلا قَطْعَ عَلَى سَارِقِ شَيْءٍ مِنَ الْحَيَوَانِ مِنْ مَرَاعِيهَا، وَإِنْ سَرَقَهَا مِنْ مَوْضِعٍ قَدْ أُحْرِزَتْ فِيهِ قُطِعَ. وَلا قَطْعَ عَلَى مَنْ سَرَقَ شَيْئًا مِنَ الْقَنَا وَالسَّاجِ وَالْخَشَبِ؛ إِلا أَنْ يَسْرِقَهُ، وَقَدْ جُعِلَ آنِيَةً أَوْ أَبْوَابًا؛ فَإِنَّهُ إِنْ سَرَقَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ يُسَاوِي عَشْرَةَ دَرَاهِمَ قُطِعَ، وَلا قَطْعَ عَلَى مَنْ سَرَقَ شَيْئًا مِنَ الأَصْنَامِ خَشَبًا كَانَ أَوْ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً. هَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْنَا فِي ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ أَبُو يُوسُف: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَيَّانَ عَن رَافع بن خَدِيجٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلا فِي كَثَرٍ"٢. قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَشْعَثُ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ سرق طَعَاما فَلم يقطعهُ. وَقَالَ: وَحَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ عَنِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: "لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْحَيَوَانِ قَطْعٌ حَتَّى يَأْوِي الْمُرَاحَ٣، وَلا فِي شَيْءٍ مِنَ الثِّمَارِ قَطْعٌ حَتَّى تَأْوِي الجرين". قَالَ أَبُو يُوسُف وَقَدْ بَلَغَنَا نَحْوٌ مِنْ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: وَسَمِعْتُ أَبَا حَنِيفَةَ ﵀ يَقُولُ سَمِعْتُ حَمَّادًا يَقُولُ: قَالَ إِبْرَاهِيمُ: كَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ لَا يَقْطَعُ فِي شَيْءٍ مِنَ الطَّيْرِ. قَالَ أَبُو يُوسُف: وَكَانَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى لَا يَرَى الْقَطْعَ عَلَى مَنْ سَرَقَ مِنْ أَسْتَارِ الْكَعْبَةِ وَهُوَ قَوْلِي.

стр. 195

السَّارِق الَّذِي بِهِ عاهة فِي يَده أَو رجله: قَالَ أَبُو يُوسُف: وَإِذَا سَرَقَ الرَّجُلُ وَهُوَ أَشَلُّ الْيَدِ الْيُمْنَى قُطِعَتْ يَمِينُهُ الشَّلاءُ، فَإِذَا كَانَتِ الشَّلاءُ هِيَ الْيُسْرَى لَمْ أَقْطَعِ الْيُمْنَى مِنْ قِبَل أَن يَده الْيُمْنَى إِن انْقَطَعت تُرِكَ بِغَيْرِ يَدٍ؛ فَلا يَنْبَغِي أَنْ يُقْطَعَ، وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَتِ الرِّجْلُ الْيُمْنَى شَلاءَ لَمْ تُقْطَعِ يَدُهُ الْيُمْنَى؛ لِئَلا يَكُونَ مِنْ شِقٍّ وَاحِدٍ لَيْسَ لَهُ يَدٌ وَلا رِجْلٌ؛ فَإِنْ كَانَتْ الرِّجْلُ الْيُمْنَى صَحِيحَةٌ وَالرِّجْلُ الْيُسْرَى شَلاءَ قُطِعَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى مِنْ قِبَلِ أَنَّ الشَّلَلَ فِي الشِّقِّ الآخَرَ؛ فَإِن عَادَ فَسَرَقَ قُطِعَتْ رِجْلُهُ الْيُسْرَى الشَّلاءَ فَإِنْ عَادَ فَسَرَقَ لم يقطع١؛ وَلَكِن يجبس عَنِ الْمُسْلِمِينَ وَيُوجَعُ عُقُوبَةً إِلَى أَنْ يُحْدِثَ تَوْبَةً؛ هَكَذَا بَلَغَنَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄. حد مَا يقطع من السَّارِق وَإِذا سرق أَكثر من مرّة: قَالَ أَبُو يُوسُف: حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ قَالَ: كَانَ عَلِيٌّ ﵁ يَقُولُ فِي السَّارِقِ: تُقْطَعُ يَدُهُ؛ فَإِنْ عَادَ قُطِعَتْ رِجْلُهُ، فَإِنْ عَادَ اسْتُودِعَ السِّجْنَ. قَالَ: وَحَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ عَنْ سِمَاكٍ عَمَّنْ حَدَّثَهُ أَنَّ عُمَرَ ﵁ اسْتَشَارَ فِي السَّارِقِ فَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ إِن سرقت قُطِعَتْ يَدُهُ، فَإِنْ عَادَ قُطِعَتْ رِجْلُهُ، فَإِنْ عَادَ اسْتُودِعَ السِّجْنَ. قَالَ: وَحدثنَا الْحجَّاج بن عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ أَنَّ نَجْدَةَ كَتَبَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ يَسْأَلُهُ عَنِ السَّارِقِ؛ فَكَتَبَ إِلَيْهِ بِمِثْلِ قَوْلِ عَلِيٍّ ﵁، وَقَدْ بَلَغَنَا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ فعل مثل ذَلِك بسارق. إِذا سرق فَقطعت يَده قبل الْقصاص فِي حَادِثَة: قَالَ أَبُو يُوسُف: وَلَوْ سَرَقَ سَرِقَةً يَجِبُ فِي مِثْلِهَا الْقَطْعُ وَلَمْ يُقْطَعْ حَتَّى قُطِعَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى فِي قِتَالٍ أَوْ قِصَاصٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ لَمْ تُقْطَعِ رِجْلُهُ الْيُسْرَى؛ وَلَكِنْ يوجع عُقُوبَة وَيضمن السّرقَة ويتسودع السجْن حَتَّى يَتُوب. من لَا يُقَام عَلَيْهِم الْحَد: قَالَ أَبُو يُوسُف: وَلا يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى غُلامٍ لَمْ يَبْلُغِ الْحُلُمَ فَإِنْ شُكَّ فِيهِ فَلا يُقَامُ حَدٌّ حَتَّى

стр. 196

يَبْلُغَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَقَدْ قَالُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ١، وَكَذَلِكَ الْجَارِيَةُ لَا يُقَامُ عَلَيْهَا شَيْءٌ مِنَ الْحُدُودِ حَتَّى تَحِيضَ أَوْ تَبْلُغَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً٢، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: عَرَضَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْقِتَالِ يَوْمَ أُحُدٍ فَاسْتَصْغَرَنِي فَرَدَّنِي، وَكُنْتُ ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةٍ. وَعَرَضَنِي يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةٍ فَأَجَازَنِي قَالَ نَافِعٌ: فَحَدَّثْتُ بِهَذَا الْحَدِيثِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَهُوَ خَلِيفَةٌ فَقَالَ: إِنَّ هَذَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ، قَالَ فَكَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ "مَنْ بَلَغَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَافْرِضُوا لَهُ فِي الْمُقَاتِلَةَ، وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَافْرِضُوا لَهُ فِي الذُّرِّيَّةِ"؛ فَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْنَاهُ فِي ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. حَدَّثَنَا أَبَانُ عَنْ أَنَسٍ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ أُتِيَ بِغُلامٍ قَدْ سَرَقَ وَلَمْ يَتَبَيَّنَ احْتِلامُهُ فَلَمْ يَقْطَعْهُ. قَالَ: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ الْمَشْيَخَةِ عَنْ مَكْحُولٍ قَالَ: "إِذَا بَلَغَ الْغُلامُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً جَازَتْ شَهَادَتُهُ وَوَجَبَتْ عَلَيْهِ الْحُدُودُ". قَالَ: وَحَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ فِي الْجَارِيَةِ تُزَوَّجُ فَيُدْخَلُ بِهَا، ثُمَّ تُصِيبُ فَاحِشَةً قَالَ: لَيْسَ عَلَيْهَا حَدٌّ حَتَّى تحيض. الْإِجْبَار على الِاعْتِرَاف: قَالَ: وَمَنْ ظُنَّ بِهِ أَوْ تُوُهِّمَ عَلَيْهِ سَرِقَةً أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ؛ فَلا يَنْبَغِي أَنْ يُعَزَّرَ بِالضَّرْبِ وَالتَّوَعُّدِ وَالتَّخْوِيفِ؛ فَإِنَّ مَنْ أَقَرَّ بِسَرِقَةٍ أَوْ بِحَدٍّ أَوْ بِقَتْلٍ وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ بِهِ؛ فَلَيْسَ إِقْرَاره ذَلِك بِشَيْء، وَلا يَحِلُّ قَطْعُهُ وَلا أَخْذُهُ بِمَا أَقَرَّ بِهِ. حَدَّثَنِي الشَّيْبَانِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَنْظَلَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ عُمَرُ ﵁ "لَيْسَ الرَّجُلُ بِمَأْمُونٍ عَلَى نَفْسِهِ إِنْ أَجَعْتَهُ أَوْ أخفته أَو حسته أَنْ يُقِرَّ عَلَى نَفْسِهِ". قَالَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أُتِيَ طَارِقٌ بِالشَّامِ بِرَجُلٍ قَدْ أُخِذَ فِي تُهْمَةِ سَرِقَةٍ؛ فَضَرَبَهُ فَأَقَرَّ بِهِ؛ فَبَعَثَ بِهِ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ يَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ؛ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: "لَا يُقْطَعُ فَإِنَّهُ إِنَّمَا أَقَرَّ بعد ضربه إِيَّاه".

стр. 197

لَا تُؤْخَذ النَّاس بالتهم ودرء الْحُدُود بِالشُّبُهَاتِ: قَالَ: وَتُقَدِّمَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى وُلاتِكَ لَا يَأْخُذُونَ النَّاسَ بالتهم: يَجِيء الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ "أَيِ الْوَالِي"؛ فَيَقُولُ هَذَا اتَّهَمَنِي فِي سَرِقَةٍ سُرِقَتْ مِنْهُ فَيَأْخُذُونَهُ بِذَلِك وَغَيْرِهِ، وَهَذَا مِمَّا لَا يَحِلُّ الْعَمَلُ بِهِ وَلا يَنْبَغِي أَنْ تُقْبَلَ دَعْوَى رَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ فِي قَتْلٍ وَلا سَرِقَةٍ، وَلا يُقَامُ عَلَيْهِ حد إِلَّا بِبَيِّنَة عَادِلَةٌ أَوْ بِإِقْرَارٍ مِنْ غَيْرِ تَهْدِيدٍ مِنَ الْوَالِي لَهُ أَوْ وَعِيدٍ عَلَى مَا ذَكَرْتُهُ لَكَ. تلقين الْمُتَّهم مَا يسْقط عَنهُ الْحَد: وَلا يَحِلُّ وَلا يَسَعُ أَنْ يحبس رجل بتهمة رجل لَهُ، كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَأْخُذُ النَّاسَ بِالْقَرَفِ١؛ وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ؛ فَإِنْ كَانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ عَلَى مَا ادَّعَى حَكَمَ بِهَا وَإِلا أَخَذَ من الْمُدَّعِي عَلَيْهِ كفي لَو خلى عَنْهُ؛ فَإِنْ أَوْضَحَ الْمُدَّعِي عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ شَيْئًا وَإِلا لَمْ يُتَعَرَّضَ لَهُ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ كَانَ فِي الْحَبْسِ مِنَ الْمُتَّهَمِينَ فَلْيَفْعَلْ ذَلِكَ بِهِ وَبِخَصْمِهِ؛ فَقَدْ كَانَ يَبْلُغُ مِنْ تَوَقِّي أَصْحَابِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْحُدُودَ فِي غَيْرِ مَوَاضِعِهَا وَمَا كَانُوا يَرَوْنَ مِنَ الْفَضْلِ فِي دَرْئِهَا بِالشُّبُهَاتِ أَنْ يَقُولُوا لِمَنْ أُتِيَ بِهِ سَارِقًا أَسَرَقْتَ قُلْ لَا، وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِرَجُلٍ فَقِيل: هَذَا سَرَقَ شَمْلَةً فَقَالَ ﵊ "مَا أَخَالُهُ سَارِقًا". وَحَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُصَيْفَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ أَنَّ رَجُلا سَرَقَ شَمْلَةً فَرُفِعَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: "مَا إِخَالُهُ سَرَقَ، أَسَرَقْتَ؟ ". قَالَ: وَحَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ عَلِيمٍ النَّاجِيِّ عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أُتِيَ بِسَارِقٍ -وَهُوَ يَوْمَئِذٍ أَمِيرٌ- فَقَالَ: "أَسَرَقْتَ؟ قَول لَا٢ أسرقت؟ قَول لَا". قَالَ: وحَدثني ابْن جرير عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: أُتِيَ عَلَيٌّ ﵁ بِرَجُلٍ فَشَهِدَ عَلَيْهِ رَجُلانِ أَنَّهُ سَرَقَ قَالَ: فَأَخَذَ فِي شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ النَّاسِ ثُمَّ هَدَّدَ شُهُودَ الزُّورِ فَقَالَ: لَا أُوتَى بِشَاهِدِ زُورٍ إِلا فَعَلْتُ بِهِ كَذَا وَكَذَا، ثُمَّ طَلَبَ الشَّاهِدَيْنِ فَلَمْ يَجِدْهُمَا؛ فخلى سَبِيل الرجل. الْخَطَأ فِي قطع الْيَد الْمَقْصُودَة: قَالَ أَبُو يُوسُف: وَلَوْ أَنَّ الإِمَامَ أَمَرَ بِقَطْعِ يَدِ رَجُلٍ فِي سَرِقَةٍ -يَدَهُ الْيُمْنَى- فَقَدَّمَ الرَّجُلُ يَدَهُ الْيُسْرَى فَقُطِعَتْ لَمْ تُقْطَعْ يَدُهُ الْيُمْنَى، بَلَغَنَا ذَلِكَ عَنِ الشَّعْبِيِّ، وَهُوَ أحسن مَا رَأينَا

стр. 198

وَالله أعلم. سَرقَة الْمُسلم من الذِّمِّيّ وَالْعَكْس: قَالَ فِي الْمُسْلِمِ يَسْرِقُ مِنَ الذِّمِّيِّ: إِنَّهُ يَلْزَمُهُ مَا يَلْزَمُ السَّارِقَ مِنَ الْمُسْلِمِ، وَكَذَا لَوْ كَانَ السَّارِق ذِمِّيا يلْزمه مَا يلْزم السَّارِقُ الْمُسْلِمُ. قَالَ: حَدَّثَنَا أَشْعَثُ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: "مَنْ سَرَقَ مِنْ يَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ أَوْ أُخِذَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ مِنْ غَيرهمَا قطع". القَوْل فِي الْمُحَارب: قَالَ أَبُو يُوسُف: وَمَنْ أُخِذَ وَقَدْ قَطَعَ الطَّرِيقَ وَحَارَبَ؛ فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ كَانَ يَقُولُ: إِذَا حَارَبَ فَأَخَذَ الْمَالَ قطعت يَده وَرجله من خلال وَلَمْ يُقْتَلْ وَلَمْ يُصْلَبْ، وَإِنْ كَانَ قَدْ قَتَلَ مَعَ أَخْذِ الْمَالِ؛ فَالإِمَامُ فِيهِ بِالْخِيَارِ: إِنْ شَاءَ قَتَلَهُ وَلَمْ يَقْطَعْهُ، وَإِنْ شَاءَ صَلَبَهُ وَلَمْ يَقْطَعْهُ, وَإِنْ شَاءَ قَطَعَ يَدَهُ وَرِجْلَهُ ثُمَّ صَلَبَهُ أَوْ قَتَلَهُ؛ فَإِذَا قَتَلَ وَلَمْ يَأْخُذِ الْمَالَ قُتِلَ. قَالَ: ونفيه من الأَرْض صلبه، وَكَانَ يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ حَمَّادٍ عَن إِبْرَاهِيم. قَالَ أَبُو يُوسُف: إِذَا قَتَلَ وَلَمْ يَأْخُذِ الْمَالَ قُتِلَ، وَإِذَا أَخَذَ الْمَالَ وَلَمْ يَقْتُلْ قُطِعَتْ يَدُهُ وَرِجْلُهُ مِنْ خِلافٍ. حَدَّثَنَا بِذَلِكَ الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَحَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: الْخِيَارُ فِي الْمُحَارِبِ إِلَى الإِمَام. من تزوج امْرَأَة فِي عدتهَا وَأَشْيَاء لَا يجب فِيهَا حد الزِّنَا: قَالَ أَبُو يُوسُف: وَمَنْ رُفِعَ إِلَيْكَ وَقَدْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فِي عِدَّتِهَا؛ فَلا حَدَّ عَلَيْهِ لِمَا جَاءَ فِي ذَلِكَ من عُمَرَ وَعَلِيٍّ ﵄؛ فَإِنَّمَا لَمْ يَرَيَا فِي ذَلِكَ حَدًّا١؛ وَلَكِنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا. وَكَذَلِكَ مَنْ رُفِعَ إِلَيْكَ وَقَدْ فَجَرَ بِأَمَةٍ لَهُ فِيهَا شِقْصٌ٢ فَلا حَدَّ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ الَّذِي يَطَأُ مُكَاتِبَتَهُ. وَكَذِلَكَ الَّذِي يَطَأُ جَارِيَةَ امْرَأَتِهِ أَوْ جَارِيَةَ أَبِيهِ أَوْ جَارِيَة أَنه إِذَا قَالَ: لَمْ أَعْلَمْ أَنَّهُنَّ يَحْرُمْنَ عَلَيَّ، فَإِنْ قَالَ: قَدْ علمت أَن ذَلِك حرَام أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ، وَلا حَدَّ عَلَى مَنْ وَطِئَ جَارِيَةَ ابْنِهِ أَوِ ابْنِ ابْنِهِ، وَإِنْ قَالَ قَدْ عَلِمْتُ أَنَّهَا حَرَامٌ عَلَيَّ لما جَاءَ فِي ذَلِك

стр. 199

عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : "أَنْتَ وَمَالُكَ لأَبِيكَ". فَأَمَّا مَنْ وَطِئَ جَارِيَةَ أَخِيهِ أَوْ أُخْتِهِ أَوْ جَارِيَةَ ذِي رَحِمٍ مُحَرَّمٍ مِنْهُ سِوَى مَا سَمَّيْتُ؛ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ. قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ عَنْ عُمَيْرِ بْنِ نُمَيْرٍ قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عُمَرَ ﵁ عَنْ جَارِيَةٍ كَانَتْ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَوَقَعَ عَلَيْهَا أَحَدُهُمَا قَالَ: "لَيْسَ عَلَيْهِ حَدٌّ". قَالَ: وَحَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ عَنِ الْهَيْثَمِ بْنِ بَدْرٍ عَنْ حُرْقُوصٍ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّ رَجُلا وَقَعَ عَلَى جَارِيَةِ امْرَأَتِهِ فَدَرَأَ عَنْهُ الْحَدَّ. قَالَ: وَحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ: إِنِّي وَقَعْتُ عَلَى جَارِيَةِ امْرَأَتِي فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ وَلا تَعُدْ. قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَشْعَثُ عَنِ الْحَسَنِ فِي الرَّجُلِ يَقَعُ عَلَى جَارِيَةِ أُمِّهِ قَالَ: لَيْسَ عَلَيْهِ حَدٌّ، وَجَارِيَةُ الْجَدِّ وَالْجَدَّةِ مثل جَارِيَة الْأُم وَالْأَب١. الاغتصاب: قَالَ أَبُو يُوسُف: وَمَنْ فَجَرَ بِامْرَأَةٍ حُرَّةٍ فَمَاتَتْ مِنْ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ وَالْحَدُّ، وَإِنْ فَجَرَ بِامْرَأَةٍ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا فَإِنَّهُ يُحَدُّ، وَكَذَلِكَ لَوْ فَجَرَ بِأَمَةٍ ثُمَّ اشْتَرَاهَا حُدَّ بِهِ: وَلَوْ فَجَرَ بِأَمَةٍ فَقَتَلَهَا فَإِنِّي أستحسن ألزمهُ قيمتهَا وَلَا أحده. لَا يحكم الْحَاكِم بِعِلْمِهِ: وَإِذَا رَأَى الإِمَامُ أَوْ حَاكِمُهُ رَجُلا قَدْ سَرَقَ أَوْ شَرِبَ خَمْرًا أَوْ زَنَى؛ فَلا يَنْبَغِي أَنْ يُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدَّ بِرُؤْيَتِهِ لِذَلِكَ حَتَّى تَقُومَ بِهِ عِنْدَهُ بَيِّنَةٌ، وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ لِمَا بَلَغَنَا فِي ذَلِك من الأَثَرِ؛ فَأَمَّا الْقِيَاسُ فَإِنَّهُ يَمْضِي ذَلِكَ عَلَيْهِ؛ وَلَكِنْ بَلَغَنَا نَحْوٌ مِنْ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄؛ فَأَمَّا إِذَا سَمِعَهُ يُقِرَّ بِحَقٍّ مِنْ حُقُوقِ النَّاسِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُشْهَدَ بِهِ عَلَيْهِ. الْأَمَاكِن الَّتِي لَا تُقَام فِيهَا الْحُدُود: وَلا يَنْبَغِي أَنْ تُقَامَ الْحُدُودُ فِي الْمَسَاجِدِ وَلا فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ. وَحَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: غَزَوْنَا أَرْضَ الرّوم ومعنا حُذَيْفَة وَعَلَيْنَا رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ فَشَرِبَ الْخَمْرَ فَأَرَدْنَا أَنْ نُحِدَّهُ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: تُحِدُّونَ أَمِيرَكُمْ وَقَدْ دَنَوْتُمْ

стр. 200

مِنْ عَدُوِّكُمْ فَيَطْمَعُونَ فِيكُمْ؟ وَبَلَغَنَا أَيْضًا أَنَّ عُمَرَ ﵁ أَمَرَ أُمَرَاءَ الْجُيُوشِ وَالسَّرَايَا أَنْ لَا يَجْلِدُوا أَحَدًا حَتَّى يَطْلُعُوا مِنَ الدَّرْبِ١ قَافِلِينَ، وَكَرِهَ أَنْ تَحْمِلَ الْمَحْدُودِ حَمِيَّةَ الشَّيْطَانِ عَلَى اللُّحُوقِ بِالْكُفَّارِ. قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَشْعَثُ عَنْ فُضَيْلِ بْنِ عَمْرٍو الْفُقَيْمِيُّ عَنْ مَعْقِلٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عَلِيٍّ ﵁ فَسَارَّهُ فَقَالَ: يَا قَنْبَرُ أَخْرِجْهُ مِنَ الْمَسْجِدِ وَأَقِمْ عَلَيْهِ الْحَدَّ. قَالَ: وَحَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يقيموا الْحُدُود فِي الْمَسَاجِد. إِذا استكره ذمِّي مسلمة على الزِّنَا: قَالَ أَبُو يُوسُف: الذِّمِّيُّ إِذَا اسْتَكْرَهَ الْمَرَأَةَ الْمُسْلِمَةَ عَلَى نَفْسِهَا فَعَلَيْهِ مِنَ الْحَدِّ مَا عَلَى الْمُسْلِمِ فِي قَوْلِ فُقَهَائِنَا. وَقَدْ رُوِيتُ فِيهِ أَحَادِيثَ مِنْهَا مَا حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أبي هِنْد عَن زِيَاد بن عُثْمَانَ أَنَّ رَجُلا مِنَ النَّصَارَى استكره امْرَأَة مسلمة لى نَفْسِهَا فَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ فَقَالَ: "مَا عَلَي هَذَا صَالَحْنَاكُمْ"؛ فَضَرَبَ عُنُقَهُ. قَالَ: وَحَدَّثَنَا مجَالد عَن الشبعي عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفْلَةَ أَنَّ رَجُلا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ مِنْ نَبَطِ الشَّامِ نَخَسَ بِامْرَأَةٍ عَلَى دَابَّةٍ؛ فَلَمْ تَقَعْ فَدَفَعَهَا فَصَرَعَهَا؛ فَانْكَشَفَتْ عَنْهَا ثِيَابُهَا، فَجَلَسَ فَجَامَعَهَا، فَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ فَأُمِرَ بِهِ فَصُلِبَ، وَقَالَ: "لَيْسَ عَلَى هَذَا عاهدناكم". الْحر يَبِيع الْحر: قَالَ: وَحَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ فِي الْحُرِّ يَبِيعُ الْحُرَّ٢ قَالَ "يعاقبان وَلَا قطع عَلَيْهِمَا".

стр. 201

فصل: "فِي حكم الْمُرْتَد عَن الْإِسْلَام" والزنادقة قَالَ أَبُو يُوسُف: وَأَمَّا الْمُرْتَدُّ عَنِ الإِسْلامِ إِلَى الْكُفْرِ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى اسْتِتَابَتَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَرَ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ الزَّنَادِقَةُ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ وَقَدْ كَانُوا يُظْهِرُونَ الإِسْلامَ، وَكَذَلِكَ الْيَهُودِيُّ وَالنَّصْرَانِيُّ وَالْمَجُوسِيُّ يُسْلِمُ، ثُمَّ يَرْتَدُّ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ؛ فَيَعُودُ إِلَى دِينِهِ الَّذِي كَانَ خَرَجَ مِنْهُ، وَكُلٌّ قَدْ رَوَى فِي ذَلِكَ آثَارًا وَاحْتَجَّ بِهَا؛ فَمن رأى أَن لَا يُسْتَتَاب فَيَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الهل عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ". وَمن رأى أَن يُسْتَتَاب فَيَحْتَجُّ بِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مَنْ قَوْلِهِ: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلا اللَّهَ؛ فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ". وَيَحْتَجُّونَ بِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَأَبِي مُوسَى ﵃ وَغَيْرِهِمْ وَيَقُولُونَ: إِنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ"، وَهَذَا الْمُرْتَدُّ الَّذِي قَدْ رَجَعَ إِلَى الإِسْلامِ لَيْسَ بِمُقِيمٍ عَلَى التَّبْدِيلِ. وَمَعْنَى حَدِيثِ النَّبِيِّ ﵊: أَيْ من أَقَامَ عَلَى تَبْدِيلِهِ؛ أَلا تَرَى أَنَّهُ قَدْ حَرَّمَ دَمَ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهَ وَمَالَهُ، وَهَذَا يَقُولُ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهَ؛ فَكَيْفَ أَقْتُلُهُ، وَقَدْ نَهَى ﷺ عَنْ قَتْلِهِ؟ "، وَهُوَ ﵊ يَقُولُ لأُسَامَةَ: "يَا أُسَامَةَ أَقَتَلْتَهُ بعد قَول لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ؟ "؛ فَقَالَ أُسَامَةُ: إِنَّمَا قَالَهَا فَرَقًا مِنَ السِّلاحِ١ فَقَالَ "هَلا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ؟ "؛ فَأَعْلَمَهُ أَنَّهُ لَيْسَ يَعْلَمُ مَا فِي قَلْبِهِ، وَأَنَّ قَتْلَهُ لَمْ يَكُنْ مُطْلَقًا لَهُ بِتَوَهُّمِهِ أَنَّهُ؛ إِنَّمَا قَالَهَا فَرَقًا مِنَ السِّلَاح. قَالَ أَبُو يُوسُف: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ عَنْ أُسَامَةَ قَالَ: "بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي سَرِيَّةٍ فَصَبَّحْنَا الْحُرُقَاتِ مِنْ جُهَيْنَةَ؛ فَأَدْرَكْتُ رَجُلا فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، فَطَعَنْتُهُ فَوَقَعَ فِي نَفْسِي مِنْ ذَلِكَ، فَذَكَرْتُهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ "أَقَالَ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَقَتَلْتَهُ؟ " قَالَ فَقُلْتُ: يَا رَسُول اله غنما قَالَهَا فَرَقًا مِنَ السِّلاحِ، قَالَ: "فَهَلا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حِينَ قَالَ حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا فَرَقًا مِنَ السِّلاحِ أَوْ لَا؟ " فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي أسلمت يَوْمئِذٍ٢.

стр. 202

قَالَ: وَحَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلا اللَّهَ؛ فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ". قَالَ: وَحَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مثله. اسْتِتَابَة الْمُرْتَد: قَالَ: وَحَدَّثَنِي سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ عَلَى عُمَرَ ﵁ فَتْحُ تُسْتَرَ سَأَلَهُمْ "هَلْ مِنْ مُغْرِبَةٍ خَبَرٌ؟ ١، قَالُوا: نَعَمْ، رَجُلٌ من الْمُسلمين لحق بالمشركين فَأَخَذْنَاهُ. قَالَ: "فَمَا صَنَعْتُمْ بِهِ؟ " قَالُوا: قَتَلْنَاهُ. قَالَ: "أَفَلا أَدْخَلْتُمُوهُ بَيْتًا وَأَغْلَقْتُمْ عَلَيْهِ بَابًا وَأَطْعَمْتُمُوهُ كُلَّ يَوْمٍ رَغِيفًا وَاسْتَتَبْتُمُوهُ ثَلاثًا؛ فَإِنْ تَابَ وَإِلا قَتَلْتُمُوهُ؟ اللَّهُمَّ إِنِّي لَمْ أَشْهَدْ وَلَمْ آمُرَ وَلَمْ أَرْضَ إِذْ بَلَغَنِي". قَالَ: وَحَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ سُلَيْمَانَ عَن مُوسَى عَن عُثْمَان قَالَ "يُسْتَتَاب الْمُرْتَدُّ ثَلاثًا"، قَالَ: حَدَّثَنَا أَشْعَثُ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: قَالَ ﷺ : "يُسْتَتَابُ الْمُرْتَدُّ ثَلاثًا٢، فَإِنْ تَابَ وَإِلا قُتِلَ". قَالَ: وَحَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ حُمَيْدٍ أَنَّ مُعَاذًا دَخَلَ عَلَى أَبِي مُوسَى وَعِنْدَهُ يَهُودِيٌّ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ: يَهُودِيٌّ أَسْلَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ وَقَدْ اسْتَتَبْنَاهُ مُنْذُ شَهْرَيْنِ فَلَمْ يَتُبْ؛ فَقَالَ مُعَاذٌ لَا أَجْلِسُ حَتَّى أَضْرِبَ عُنُقَهُ، قَضَاءُ اللَّهِ وَقَضَاءُ رَسُولِهِ. قَالَ: وَحَدَّثَنَا مُغِيرَةُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: يُسْتَتَابُ الْمُرْتَدُّ فَإِنْ تَابَ ترك وَإِلَّا قتل. قَالَ أَبُو يُوسُف: بِهَذِهِ الأَحَادِيثِ يَحْتَجُّ مَنْ رَأَى مِنَ الْفُقَهَاء -وهم كثير- الاستتابة، وَأَحْسَنُ مَا سَمِعْنَا فِي ذَلِكَ وَاللَّهِ أَعْلَمُ أَنْ يُسْتَتَابُوا فَإِنْ تَابُوا وَإِلا ضُرِبَتْ أَعْنَاقُهُمْ عَلَى مَا جَاءَ مِنَ الأَحَادِيثِ الْمَشْهُورَةِ وَمَا كَانَ عَلَيْهِ مَنْ أَدْرَكْنَاهُ من الْفُقَهَاء. الْمَرْأَة إِذا ارْتَدَّت: قَالَ فَأَمَّا الْمَرْأَةُ إِذَا ارْتَدَّتْ عَنِ الإِسْلامِ فَحَالُهَا مُخَالِفٌ لِحَالِ الرجل، تَأْخُذ من الْمُرْتَدَّةِ بِقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ رَحِمَهُ الله تَعَالَى حَدَّثَنِي عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي رَزِينٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "لَا يُقْتَلُ النِّسَاءُ إِذَا هُنَّ ارْتَدَدْنَ عَنِ الإِسْلامِ وَلَكِنْ يُحْبَسْنَ وَيُدْعَيْنَ إِلَى الإِسْلامِ وَيُجْبَرْنَ عَلَيْهِ"٣.

стр. 203

من ارْتَدَّ فلحق بدار الْحَرْب: قَالَ أَبُو يُوسُف: إِذَا ارْتَدَّ الرَّجُلُ وَالْمَرَأَةُ وَلَحِقَا بدارالحرب فَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى الإِمَامِ؛ فَإِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُقَسِّمَ مَا خَلَّفَاهُ بَيْنَ وَرَثَتِهِمَا، وَإِنْ كَانَ لَهُمَا مُدْبِرُونَ عُتِقُوا، وَإِنْ كَانَ لِلرَّجُلِ أُمَّهَاتُ أَوْلادٍ عُتِقْنَ، وَلُحُوقُهُ بِدَارِ الْحَرْبِ بِمَنْزِلَةِ مَوْتِهِ، وَلَوْ كَانَ خَلَّفَ رَقِيقًا لَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَام فأعتقهن وَهُوَ فِي دارالحرب لَمْ يَجُزْ عِتْقُهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِوَصِيَّةٍ أَوْ وَهَبَ لَهُ هِبَةً لَمْ يَجُزْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ. فَإِنْ كَانَ أَعْتَقَ أَوْ أَوْصَى أَوْ وَهَبَ قَبْلَ ن يَلْحَقَ بِدَارِ الْحَرْبِ جَازَ ذَلِكَ؛ لأَنَّهُ إِذَا لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ فَقَدْ خَرَجَ مِنْ مَالِهِ وَصَارَ مِيرَاثًا لِوَرَثَتِهِ؛ فَأَمَّا امْرَأَتُهُ فَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا وَتُؤْمَرُ أَنْ تَعْتَدَّ مِنْهُ بِثَلاثٍ حِيَضٍ١ مُنْذُ يَوْمِ ارْتَدَّ عَنِ الإِسْلامِ، وَإِنْ كَانَتْ حَامِلا فَحَتَّى تَضَعَ مَا فِي بَطْنِهَا ثُمَّ تَتَزَوَّجَ إِنْ شَاءَتْ. وَيُقَسَّمُ مَالُهُ بَيْنَ وَرَثَتِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ؛ فَإِنْ أَمَرَ الإِمَامُ بِقِسْمَةِ مَالِهِ بَيْنَ وَرَثَتِهِ بَعْدَ لُحُوقِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ، فَإِنْ كَانَتِ امْرَأَتُهُ قَدْ حَاضَتْ ثَلاثَ حِيَضٍ مُنْذُ يَوْمِ ارْتَدَّ إِلَى يَوْمِ أَمَرَ الإِمَامُ بِقِسْمَةِ مَالِهِ فَلا مِيرَاثَ لَهَا؛ لأَنَّهَا قَدْ حَلَّتْ لِلأَزْوَاجِ، أَرَأَيْت لَو تزوجت آخر فَمَاتَ أَكنت أورثها مِنْهُمَا جَمِيعًا؟ إِنَّمَا هِيَ بِمَنْزِلَةِ الْمُطَلَّقَةِ ثَلاثًا فِي الْمَرَضِ أَوْ وَاحِدَةٍ بَائِنَةٍ فِي الصَّحَّةِ؛ فَإِنْ مَاتَ وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ وَرِثَتْهُ، وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ لَمْ تَرِثْ، وَكُلُّ شَيْءٍ يَدْخُلُ بِهِ الْمُرْتَدُّ مِنْ مَالِهِ إِلَى دَارِ الْحَرْبِ فَأَصَابَهُ الْمُسْلِمُونَ فَهُوَ غَنِيمَةٌ بِمَنْزِلَةِ الْغَنِيمَةِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ. حكم الْمَرْأَة إِذا ارْتَدَّ زَوجهَا وَلحق بدار الْكفَّار: قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَشْعَثُ عَنْ عَامِرٍ وَعَن الحكم عَن عُتَيْبَةَ فِي الْمُسْلِمَةِ يَرْتَدُّ زَوْجُهَا وَيَلْحَقُ بِأَرْضِ الْعَدُوِّ، فَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ تَحِيضُ فَثَلاثَةُ قُرُوءٍ، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا تَحِيضُ فَثَلاثَةُ أَشْهُرٍ، وَإِنْ كَانَتْ حَامِلا فَحِينَ تَضَعَ مَا فِي بَطْنِهَا، ثُمَّ تَتَزَوَّجُ إِنْ شَاءَتْ وَيُقَسَّمُ الْمِيرَاثُ بَين ورثته من الْمُسلمين. حكم مَال الْمُرْتَد: قَالَ: وَحَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي عَمْرٍو عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أُتِيَ بِمُسْتَوْرِدٍ الْعِجْلِيِّ، وَقَدِ ارْتَدَّ فَعَرَضَ عَلَيْهِ الإِسْلامَ فَأَبَى فَقَتَلَهُ وَجَعَلَ مِيرَاثَهُ بَيْنَ وَرَثَتِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. قَالَ: فَإِنْ رَجَعَ هَذَا الْمُرْتَدُّ تَائِبًا رُدَّ إِلَيْهِ مَا وُجِدَ مِنْ مَالِهِ قَائِمًا بِعَيْنِهِ، وَمَا اسْتَهْلَكَ وَرَثَتُهُ فَلا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ فِيهِ، وَأَمَّا مُدَبِّرُوهُ وَأُمَّهَاتُ أَوْلادِهِ فَإِنْ كَانَ الإِمَامُ قَدْ أَعْتَقَهُمْ فَقَدْ مَضَى عِتْقُهُمْ وَلَا

стр. 204

يُرْجَعُ فِي شَيْءٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَعْتِقُهُمْ فَهُمْ عَلَى حَالهم قبل أَن يرْتَد. حكم زوج الْمُرْتَدَّة سليمَة ومريضة: وَأَمَّا الْمَرْأَةُ إِذَا ارْتَدَّتْ وَلَحِقَتْ بِدَارِ الْحَرْبِ؛ فَأَمَرَ الإِمَامُ بِقِسْمَةِ تَرِكَتِهَا بَيْنَ وَرَثَتِهَا، وَلَهَا زَوْجٌ فَلا مِيرَاثَ لِزَوْجِهَا؛ فَإِنَّهَا حِينَ ارْتَدَّتْ فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْهِ وَصَارَ لَهَا غَيْرُ زَوْجٍ. وَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْمَرْأَةُ ارْتَدَّتْ وَهِيَ مَرِيضَةٌ فَمَاتَتْ مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ أَوْ لَحِقَتْ بِدَارِ الْحَرْبِ عَلَى حَالِ الْمَرَضِ؛ فَقَضَى الإِمَامُ بِمَوْتِهَا فَإِنِّي أَسْتَحْسِنُ أَنْ أُوَرِّثَ زَوْجَهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَأُفَرِّقُ بَيْنَ رِدَّتِهَا فِي صِحَّتِهَا وَرِدَّتِهَا فِي مَرَضِهَا الَّذِي مَاتَتْ فِيهِ، وَبِهِ كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ يَقُولُ، وَلَيْسَ هُوَ بِقِيَاسٍ١ الْقِيَاسُ أَنْ لَا مِيرَاثَ لِلزَّوْجِ، كَانَتْ الرِّدَّةُ منهافي الْمَرَض أَو فِي الصِّحَّة. الرجل يرْتَد وَهُوَ مَرِيض وَحكم مِيرَاث زَوجته: فَأَمَّا الرَّجُلُ إِذَا ارْتَدَّ وَهُوَ مَرِيضٌ فَلَمْ يَتُبْ حَتَّى مَاتَ مِنْ مَرَضِهِ ذَلِكَ؛ فَإِنْ كَانَتْ امْرَأَتُهُ قَدْ حَاضَتْ ثَلاثَ حِيَضٍ قَبْلَ وَفَاتِهِ فَلا مِيرَاثَ لَهَا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ حَاضَتْ ثَلاثَ حِيَضٍ فَلَهَا الْمِيرَاثُ وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْمُطَلَّقَةِ، وَمَوْتُهُ هَهُنَا فِي مَرَضِهِ مِثْلُ لُحُوقِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ فِي الصِّحَّةِ إِذَا قَضَى الإِمَامُ بِمَوْتِهِ وَأَمَرَ بِقِسْمَةِ مَا خَلَّفَ فِي دَار الْإِسْلَام. من سَبَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عياذا بِاللَّه. قَالَ أَبُو يُوسُف: وَأَيُّمَا رَجُلٍ مُسْلِمٍ سَبَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَوْ كَذَّبَهُ أَوْ عَابَهُ أَوْ تَنْقُصُهُ؛ فَقَدْ كَفَرَ بِاللَّهِ وَبَانَتْ مِنْهُ زَوْجَتُهُ؛ فَإِنْ تَابَ وَإِلا قُتِلَ. وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ؛ إِلا أَنَّ أَبَا حنيفَة قَالَ: لَا تقل الْمَرْأَة وتجبر على الْإِسْلَام. من أسلم ثمَّ ارْتَدَّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَابِتٍ بْنِ ثَوْبَانَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنْتُ عَامِلا لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ؛ فَكَتَبْتُ إِلَيْهِ أَنَّ رَجُلا كَانَ يَهُودِيّا؛ فَأسلم ثُمَّ تَهَوَّدَ وَرَجَعَ عَنِ الإِسْلامِ؛ فَكَتَبَ إِلَيَّ عُمَرُ: أَنْ ادْعُهُ إِلَى الإِسْلامِ؛ فَإِنْ أَسْلَمَ فَخَلِّ سَبِيلَهُ، وَإِنْ أَبِي فَادْعُ بِالْخَشَبَةِ فَأَضْجِعْهُ عَلَيْهَا ثُمَّ ادْعُهُ؛ فَإِنْ أَبَى فَأَوْثِقْهُ وَضَعِ الْحَرَبَةَ عَلَى قَلْبِهِ ثُمَّ ادْعُهُ، فَإِنْ رَجَعَ فَخَلِّ سَبِيلَهُ، وَإِنْ أَبَى فَاقْتُلْهُ، قَالَ: فَفَعَلَ ذَلِكَ بِهِ حَتَّى وَضَعَ الْحَرْبَةَ عَلَى قَلْبِهِ فَأَسْلَمَ؛ فخلى سَبيله. مَا يُصِيبهُ الْوُلَاة مَعَ اللُّصُوص وَمَا لَيْسَ لَهُ مَالك مَعْرُوف: قَالَ أَبُو يُوسُف: وَأَمَّا مَا سَأَلْتَ عَنْهُ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مِمَّا يُصِيبهُ ولاتك فِي الْأَمْصَار

стр. 205

مَعَ اللُّصُوصِ إِذَا أَخَذُوا مِنَ المَال الذَّهَب وَالْمَتَاعِ وَالسِّلاحِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَمَا أَصَبْتَ مَعَهُمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَقَدَّمَ إِلَى وُلاتِكَ فِي أَنْ يَصِيرَ إِلَى رجل مِنْ أَهْلِ الأَمَانَةِ وَالصَّلاحِ فَيُصَيِّرَهُ فِي مَوْضِعٍ حَرِيزٍ؛ فَإِنْ جَاءَ لَهُ طَالِبٌ وَأَقَامَ بِذَلِكَ بَيِّنَةً شُهُودًا لَا بَأْسَ بِهِمْ، قَوْمًا مِنْ أَهْلِ التِّجَارَةِ مَعْرُوفِينَ، رَدَّ عَلَيْهِ مَتَاعَهُ وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ. وَضَمَّنَهُ الْمَتَاعَ أَوْ قِيمَتَهُ إِنْ جَاءَ مُسْتَحِقٌّ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ لَهُ طَالِبٌ بِيعَ الْمَتَاعُ وَالسِّلاحُ وَصُيِّرَ ثَمَنُهُ وَالْمَالُ الَّذِي أُصِيبَ مَعَهم إِلَى بَيت المَال؛ فَإِن هَذَا وَشَبَهَهُ مِمَّا يَذْهَبُ بِهِ الْوُلاةُ وَلا يَحِلُّ لَهُمْ وَلا يَسَعُهُمْ إِلا أَنْ يَرْفَعُوهُ إِلَيْكَ؛ فَمُرْ وُلاتَكَ فِي كُلِّ بَلَدٍ وَمِصْرٍ إِذَا رُفِعَ إِلَيْهِمْ شَيْءٌ مِنْ هَذَا أَنْ يُثْبِتُوهُ عِنْدَهُمْ وَيُصَيِّرُوهُ إِلَى الَّذِي يُجْعَلُ إِلَيْهِ حِفْظُ ذَلِكَ، وَتُقَدِّمَ إِلَيْهِ فِي الْعَمَلِ بِمَا حَدَّدْتَهُ لَهُ، وَتُقَدِّمَ إِلَيْهِ إِنْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَادَّعَى شَيْئًا مِنَ الْمَتَاعِ أَوِ الْمَالِ الَّذِي يُوجد مَعَ اللُّصُوص فَاسْأَلْهُ الْبَيِّنَة؛ فَإِن لم يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ وَكَانَ الرَّجُلُ ثِقَةً عَدْلا أَمِينًا لَيْسَ بِمُتَّهَمٍ عَلَى ادِّعَاءِ مَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يُحَلِّفَهُ عَلَى مَا ادَّعَى مِنْ ذَلِكَ ثُمَّ يَدْفَعَهُ إِلَيْهِ، وَيُضَمِّنَهُ إِيَّاهُ إِنْ جَاءَ مُسْتَحِقٌّ لشَيْء مِمَّا كَانَ دَفَعَ إِلَيْهِ. وَهَذَا اسْتِحْسَان لِأَنَّهُ رُبمَا لَا يكن للرجل الْبَيِّنَةَ عَلَى مَتَاعٍ أَوْ مَالٍ أَنَّهُ لَهُ وَهُوَ فِي نَفْسِهِ ثِقَةٌ لَيْسَ مِمَّنْ يَدَّعِي مَا لَيْسَ لَهُ. وَإِنْ أَخَذَ اللُّصُوصُ وَمَعَهُمْ مَتَاعٌ وَصَاحِبُ الْمَتَاعِ مَعَهُمْ وَهُوَ أَمْرٌ ظَاهِرٌ مَعْرُوفٌ رُدَّ عَلَى صَاحِبِهِ مَكَانَهُ، وَلا يَرُدُّ الْوَالِي صَاحِبَهُ يُرِيدُ بِذَلِكَ ذَهَابَ مَتَاعِهِ لِيَضْجَرَ الرَّجُلُ فَيَدَعَ الْمَتَاعَ فَيَأْخُذَهُ. وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِيمَا أُصِيبَ مَعَ الْخَنَّاقِينَ وَالْمُبَنِّجِينَ فَسَبِيلُهُ هَذَا السَّبِيلُ: إِنْ جَاءَ لَهُ طَالِبٌ فَأَقَامَ البنية عَلَى شَيْءٍ وَعُدِلَتْ بَيِّنَتُهُ دُفِعَ إِلَيْهِ ذَلِكَ. وَإِنْ لَمْ يَأْتِ لَهُ طَالِبٌ بِيعَ الْمَتَاعُ وَجُمِعَ ثَمَنُهُ وَدُفِعَ إِلَى بَيْتِ الْمَالِ. وَإِذَا عُرِفَ الْخَنَّاقُ أَوْ أَقَرَّ أَوْ أُصِيبَ مَعَهُ أَدَاةُ الْخَنَّاقِينَ وَمَعَهُ الْمَتَاعُ أَمَرْتَ بِضَرْبِ عُنُقِهِ إِنْ أَقَرَّ وَصَلْبِهِ. وَكَذَلِكَ الْمُبَنِّجُ إِذَا وُجِدَ فَأَقَرَّ أَوْ أُصِيبَ مَعَهُ الطَّعَامُ الَّذِي فِيهِ بِنْجٌ، وَأُصِيبَ مَعَهُ مَتَاعُ النَّاسِ أَوْ أَدَاةَ الْخَنَّاقِينَ؛ فَالأَمْرُ فِيهِمْ إِلَيْكَ إِذَا كَانَ أَمْرُهُمْ ظَاهِرًا مَكْشُوفًا لَا يخْتل. وَمَا صَارَ إِلَى الْقُضَاةِ فِي الْمُدُنِ والأمصار من مَتَاع الغرباء وَمَا لَهُم وَلَيْسَ لِذَلِكَ طَالِبٌ وَلا وَارِثٌ؛ فَيَنْبَغِي أَنْ يُرْفَعَ إِلَيْكَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ إِنْ بَقِيَ فِي أَيْدِي الْقُضَاةِ صَيَّرُوهُ إِلَى أَقْوَامٍ يَأْكُلُونَهُ. وَهَذَا وَشَبَهُهُ مَا وُجِدَ مَعَ اللُّصُوصِ؛ مِمَّا لَيْسَ لَهُ طَالِبٌ وَلا مُدَّعٍ؛ إِنَّمَا هُوَ لِبَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ؛ فَتَفَقَّدَ هَذَا وَشَبَهَهُ. وَتَقَدَّمَ إِلَى وُلاتِكَ عَلَى الْبَرِيدِ وَالْأَخْبَار فِي النواحي أَن

стр. 206

يكتبوا إِلَيْك بِمَا يحدث من ذَلِكَ، وَرَأْيُكَ بَعْدُ فِي ذَلِكَ. القَوْل فِي من يأبق من العبيد وَالْإِمَاء وَمَا يفعل بهم الإِمَام: قَالَ أَبُو يُوسُف: وَأَمَّا مَا سَأَلْتَ عَنْهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مِمَّا يُدْفَعُ إِلَى الْوُلاةِ فِي كُلِّ بَلَدٍ مِنَ الْعَبِيدِ وَالإِمَاءِ الأُبَّاقِ، وَأَنَّهُمْ قَدْ كَثُرُوا فِي الْحَبْسِ فِي كُلِّ مِصْرٍ وَمَدِينَةٍ وَلَيْسَ يَأْتِي لَهُمْ طَالِبٌ، فَوَلِّ رَجُلا ثِقَةً تَرْضَى دِينَهُ وَأَمَانَتَهُ بَيْعَ مَنْ بِحَضْرَتِكَ بِمَدِينَةِ السَّلامِ فِي الْحَبْسِ حَتَّى يَبِيعَهُمْ، وَاكْتُبْ إِلَى وُلاتِكَ عَلَى الْقَضَاءِ فِي الأَمْصَارِ وَالْمُدُنِ بِذَلِكَ حَتَّى يَخْرُجَ الْغُلامُ أَوِ الأَمَةُ فَيُسْأَلَ عَنِ اسْمِهِ وَاسْمِ مَوْلاهُ، وَمِنْ أَيِّ بَلَدٍ هُوَ؟ وَأَيْنَ يَسْكُنُ مَوْلاهُ؟ وَمِنْ أَيِّ الْقَبَائِلِ هُوَ؟ وَيُكْتَبُ ذَلِكَ فِي دَفْتَرٍ وَيُكْتَبُ اسْمُ الْعَبْدِ وَحِلْيَتُهُ وَجِنْسَهُ وَالشَّهْرَ الَّذِي أَبَقَ فِيهِ وَالسَّنَةَ، وَالشَّهْرَ الَّذِي أُخِذَ فِيهِ وَالسَّنَةَ، ثُمَّ يُثْبَتُ ذَلِكَ عَلَى مَا يقوم الْعَبْدُ ثُمَّ يُحْبَسُ. فَإِذَا أَتَى عَلَيْهِ فِي الْحَبْسِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ وَلَمْ يَأْتِ لَهُ طَالِبٌ أَخْرَجَهُ الرَّجُلُ الَّذِي وَلَّيْتَهُ أَمْرَهُمْ فَنَادَى عَلَيْهِمْ فَيمَنْ يَزِيدُ وَبَاعَهُمْ وَجَمَعَ مَالَهُمْ وَصَيَّرَهُ إِلَى بَيْتِ الْمَالِ وَكَتَبَ عَلَيْهِ مَالُ ثَمَنِ الأُبَّاقِ؛ فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ وَهُوَ فِي الْحَبْسِ وَلَمْ يُبَعِ الْعَبْدُ وَلا الأَمَةُ قَالَ لَهُ: سَمِّ اسْمَ الْعَبْدِ أَوِ الأَمَةِ، وَمَا اسْمُكَ؟ وَمِنْ أَيِّ بَلَدٍ أَنْتَ؟ وَمَا جِنْسُ الْعَبْدِ أَوِ الأَمَةِ وَمَا حِلْيَتُهُ وَهُوَ يَنْظُرُ فِي الدَّفْتَرِ الَّذِي أَثْبَتَ فِيهِ الأَسْمَاءَ مِنَ الْعَبِيدِ وَالإِمَاءِ، وَفِي أَيِّ شَهْرٍ أَبَقَ مِنْكَ؟ فَإِذَا وَافَقَ الاسْمُ الاسْمَ وَالْبَلَدُ الْبَلَدَ وَالْحِلْيَةُ الْحِلْيَةَ وَالْجِنْسُ الْجِنْسَ أُخْرِجَ الْعَبْدُ أَوِ الأَمَةُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَتَعْرِفُ هَذَا؟ فَإِذَا أَقَرَّ أَنَّهُ مَوْلاهُ دَفَعَهُ إِلَيْهِ، وَإِنْ جَاءَ الْمَوْلَى وَقَدْ بِيعَ الْعَبْدُ أَوِ الأَمَةُ سَأَلَهُ عَنِ اسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ وَاسْمِ قَبِيلَتِهِ وَبَلَدِهِ، وَعَنِ اسْمِ الْعَبْدِ وَحِلْيَتِهِ، وَهُوَ يَنْظُرُ فِي الدَّفْتَرِ. فَإِذَا أَخْبَرَ بِذَلِكَ عَلَى مَا كَانَ الْعَبْدُ أَخْبَرَ بِهِ وَوَافَقَ ذَلِكَ مَا فِي الدَّفْتَرِ دُفِعَ إِلَيْهِ ثَمَنُ الْعَبْدِ الَّذِي كَانَ بَاعَهُ، وَلْيَكُنْ مَا يُبَاعُ بِهِ الْعَبْدُ مُثْبَتًا فِي الدَّفْتَرِ عِنْدَ ذِكْرِ اسْمِهِ وَاسْمِ مَوْلاهُ، وَكَذَلِكَ الأَمَةُ. وَإِنْ لَمْ يَأْتِ لِذَلِكَ طَالِبٌ وَطَالَتْ بِهِ الْمُدَّةُ صَيَّرَ ذَلِكَ فِي بَيْتِ الْمَالِ يَصْنَعُ بِهِ الإِمَامُ مَا أَحَبَّ وَيَصْرِفُهُ فِيمَا يَرَى أَنَّهُ أَنْفَعَ لِلْمُسْلِمِينَ. وَيَنْبَغِي أَنْ يَتَقَدَّمَ فِي الإِجْرَاءِ عَلَى هَؤُلاءِ الأُبَّاقِ إِلَى أَنْ يُبَاعُوا كَمَا كَمَا يُجْرِي عَلَى مَنْ فِي الْحَبْسِ عَلَى مَا كُنْتُ قَدَّرْتُ لِكُلّ امْرِئٍ مِنْهُمْ، وَلْيَكُنِ الإِجْرَاءُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَصَيَّرَ الَّذِي يَجْرِي عَلَيْهِمْ إِلَى الرَّجُلِ الَّذِي تُوَلِّيهِ أَمْرَهُمْ وَبَيْعَهُمْ ورأيك بعد فِي ذَلِك.

стр. 207

الأَرْض الَّذِي يستغلها الْوُلَاة ووكلاؤهم: وَأَمَّا مَا سَأَلْتَ عَنْهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مِمَّا بَلَغَكَ وَاسْتَقَرَّ عِنْدَكَ، وَكَتَبَ بِهِ إِلَيْكَ وَالِيكَ وَصَاحِبُ الْبَرِيدِ أَنَّ فِي يَدِ قَاضِي الْبَصْرَةِ أَرَضِينَ كَثِيرَةً فِيهَا نَخْلٌ وَشَجَرٌ وَمَزَارِعٌ، وَأَنَّ غَلَّةَ ذَلِكَ تَبْلُغُ شَيْئًا كَثِيرًا فِي السّنة وَقد صيرها فِي أُدي وُكَلاءٍ مِنْ قِبَلِهِ يَجْرِي عَلَى الْوَاحِدِ مِنْهُمْ أَلْفًا وَأَلْفَيْنِ وَأَكْثَرَ وَأَقَلَّ وَلَيْسَ أَحَدٌ يَدَّعِي فِيهَا دَعْوَى، وَأَنَّ الْقَاضِي وَوُكَلاءَهُ يَأْكُلُونَ ذَلِكَ؛ فَهَذَا وَشَبَهَهُ مِنَ الْوَاجِبِ عَلَيْكَ النَّظَرُ فِيهِ إِذَا اسْتَقَرَّ عِنْدَكَ فَمَا كَانَ فِي يَدِ الْقَاضِي؛ مِمَّا لَيْسَ يَدَّعِي فِيهِ أَحَدٌ دَعْوَى، وَقَدِ اسْتَغَلَّهُ وُكَلاءُ الْقَاضِي وَأَخَذُوا غَلَّةَ ذَلِكَ وَطَالَتْ بِهِ الْمُدَّةُ وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ يَطْلُبُ فِيهِ حَقًّا، وَقَدْ أَمْسَكَ الْقَاضِي عَنِ الْكِتَابِ إِلَيْكَ بِذَلِكَ لِتَرَى فِيهِ رَأْيَكَ؛ فَقَاضِي سُوءٍ صَيَّرَ هَذَا وَشَبَهَهُ مَأْكَلَةً لَهُ وَلِمَنْ مَعَهُ وَهُوَ آثِمٌ فِي ذَلِكَ فَتُقَدِّمَ إِلَى وُلاتِكَ فِي مُحَاسَبَةِ الْقَاضِي عَلَى مَا جَرَى عَلَى يَدَيْهِ وَأَيْدِي وُكَلائِهِ حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهُ وَيَصِيرَ مَا كَانَ مِنْ غَلاتِ ذَلِكَ إِلَى بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ أَنْ لَا يَكُونُ لِوَارِثٍ وَلا لأَحَدٍ فِيهَا شَيْءٌ يَدَّعِيهِ. وَإِذَا صَحَّ مِثْلُ هَذَا عَلَى الْقَاضِي حَتَّى تَبَيَّنَ امْتِنَاعُهُ مِنَ الْكِتَابِ إِلَى الإِمَامِ بذلك فقاضي سوء غاش لنسه وَللْإِمَام وللسملمين، وَلا يَنْبَغِي أَنْ يُسْتَعَانَ بِهِ عَلَى شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ رَأَيْتُ أَنْ تَأْمُرَ بِإِخْرَاجِ تِلْكَ الأَرْضِينَ مِنْ أَيْدِي الْقُضَاةِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَهَا وَيُؤْكِلُونَهَا، وَأَنْ تَخْتَارَ لَهَا رَجُلا ثِقَةً أَمِينًا عَدْلا، وَأَنْ تَأْمُرَ أَنْ يُخْتَارَ لَهَا الثِّقَاتُ فَيَتَوَلَّوْا أَمْرَهَا وَتَأْمُرَ بِأَنْ تُحْمَلَ غَلاتُهَا إِلَى بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ، إِلَى أَنْ يَأْتِي مُسْتَحِقٌّ لشَيْء مِنْهَا؛ فَإِنَّ كُلَّ مَنْ مَاتَ مِنَ الْْمُسْلِمِينَ لَا وَارِثَ لَهُ فَمَالُهُ لِبَيْتِ الْمَالِ؛ إِلا أَنْ يَدَّعِي مُدَّعٍ مِنْهَا شَيْئًا بِمِيرَاثٍ يَرِثُهُ عَنْ بَعْضِ مَنْ مَاتَ ورتكها وَيَأْتِي عَلَى ذَلِكَ بِبُرْهَانٍ وَبَيِّنَةٍ فَيُعْطَى مِنْهَا مَا يَجِبُ لَهُ ورأيك بعد فِي ذَلِك. اخْتِيَار الثِّقَة من أَصْحَاب الْأَخْبَار وتوجيهات لأَصْحَاب الْبَرِيد: وَتقدم إِلَى صَاحب الْبَرِيد هُنَا بِالْكِتَابِ إِلَيْكَ بِكُلِّ مَا يَحْدُثُ مِنْ هَذَا وَشَبَهِهِ وَتُوعِدُهُ عَلَى سَتْرِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. عَلَى أَنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي عَنْ وُلاتِكَ عَلَى الْبَرِيدِ وَالأَخْبَارِ فِي النَّوَاحِي تَخْلِيطٌ كَثِيرٌ وَمُحَابَاةٌ فِيمَا يُحْتَاجُ إِلَى مَعْرِفَتِهِ مِنْ أُمُورِ الْوُلاةِ وَالرَّعِيَّةِ، وَأَنَّهُمْ رُبَّمَا مَالُوا مَعَ الْعُمَّالِ عَلَى الرَّعِيَّةِ وَسَتَرُوا أَخْبَارَهُمْ وَسُوءَ مُعَامَلَتِهِمْ لِلنَّاسِ، وَرُبَّمَا كَتَبُوا فِي الْوُلاةِ وَالْعُمَّالِ بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا إِذَا لَمْ يُرْضُوهُمْ، وَهَذَا مِمَّا يَنْبَغِي أَنْ تَتَفَقَّدَهُ وَتَأْمُرَ بِاخْتِيَارِ الثِّقَاتِ الْعُدُولِ مِنْ أَهْلِ كُلِّ بَلَدٍ وَمِصْرٍ فَتُوَلِّيَهُمُ الْبَرِيدَ وَالْأَخْبَار.

стр. 208

وَكَيْفَ يَنْبَغِي أَلا يُقْبَلَ خَبَرٌ إِلا مِنْ ثِقَةٍ عَدْلٍ؟ وَيَجْرِي لَهُمْ مِنَ الرِّزْقِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَلْيُدَرَّ عَلَيْهِمْ وَتَتَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ فِي أَنْ لَا يَسْتُرُوا عَنْكَ خَبَرًا عَنْ رَعِيَّتِكَ وَلا عَنْ وُلاتِكَ، وَلا يَزِيدُوا فيَمَا يَكْتُبُونَ بِهِ عَلَيْكَ خَبَرًا؛ فَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ مِنْهُمْ فَنَكِّلْ بِهِ. وَمَتَى لَمْ يَكُنْ أَصْحَابُ الْبُرُدِ وَالأَخْبَارِ فِي النَّوَاحِي ثِقَاتٍ عُدُولا؛ فَلا يَنْبَغِي أَنْ يُقْبَلَ لَهُمْ خَبَرٌ فِي قَاضٍ وَلا وَالٍ؛ إِنَّمَا يُحْتَاطُ بِصَاحِبِ الْبَرِيدِ عَلَى الْقَاضِي وَالْوَالِي وَغَيْرِهِمَا فَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَدْلا فَلا يَحِلُّ، وَلا يَسَعُ اسْتِعْمَالُ خَبَرِهِ وَلا قَبُولِهِ. وَتُقَدِّمَ إِلَيْهِمْ أَنْ لَا يَحْمِلُوا عَلَى دَوَابِّ الْبَرِيدِ إِلا مَنْ تَأْمُرَ بِحَمْلِهِ فِي أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهَا لِلْمُسْلِمِينَ. حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَنْ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ نَهَى أَنْ يَجْعَلَ الْبَرِيدُ فِي طَرَفِ السَّوْطِ حَدِيدَةً يَنْخُسُ بِهَا الدَّابَّةَ. وَنَهَى عَنِ اللُّجُمِ الثِّقَالِ. وَحَدَّثَنَا طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ كَانَ يُبْرِدُ فَحَمَلَ مَوْلَى لَهُ رَجُلا عَلَى الْبَرِيدِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ فَدَعَاهُ فَقَالَ: لَا تبرححتى تقومه ثمَّ تَجْعَلهُ فِي بَيت المَال.

стр. 209

فصل: فِي أرزاق الْقُضَاة والعمال وَسَأَلْتَ مِنْ أَيْ وَجْهٍ تُجْرِي عَلَى الْقُضَاةِ وَالْعُمَّالِ الأَرْزَاقَ؟ فَاجْعَلْ -أَعَزَّ اللَّهُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِطَاعَتِهِ- مَا يَجْرِي عَلَى الْقُضَاةِ وَالْوُلاةِ مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ: مِنْ جِبَايَةِ الأَرْضِ أَوْ مِنْ خَرَاجِ الأَرْضِ وَالْجِزْيَةِ؛ لأَنَّهُمْ فِي عَمَلِ الْمُسْلِمِينَ فَيَجْرِي عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْتِ مَالِهِمْ وَيَجْرِي عَلَى كُلِّ وَالِي مَدِينَةٍ وَقَاضِيهَا بِقَدْرِ مَا يَحْتَمِلُ. وَالِي الصَّدَقَة يَأْخُذ أجره من الصَّدَقَة: وَكُلُّ رَجُلٍ تُصَيِّرُهُ فِي عَمَلِ الْمُسْلِمِينَ فَأَجْرِ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ مَالِهِمْ، وَلا تُجْرِ عَلَى الْوُلاةِ وَالْقُضَاةِ مِنْ مَالِ الصَّدَقَةِ شَيْئًا إِلا وَالِي الصَّدَقَةِ؛ فَإِنَّهُ يَجْرِي عَلَيْهَا مِنْهَا كَمَا قَالَ اللَّهُ ﵎ ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التَّوْبَة: ٦٠] . فَأَمَّا الزِّيَادَةُ فِي أَرْزَاقِ الْقُضَاةِ وَالْعُمَّالِ وَالْوُلاةِ وَالنُّقْصَانُ مِمَّا يَجْرِي عَلَيْهِمْ فَذَلِكَ إِلَيْكَ، مَنْ رَأَيْتَ أَنْ تزيده فيرزقه مِنْهُمْ زِدْتَ، وَمَنْ رَأَيْتَ أَنْ تَحُطَّ مِنْ رِزْقِهِ حَطَطْتَ، أَرْجُو أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُوَسَّعًا عَلَيْكَ، وَكُلُّ مَا رَأَيْتَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُصْلِحُ بِهِ أَمْرَ الرَّعِيَّةِ فَافْعَلْهُ وَلا تُؤَخِّرْهُ فَإِنِّي أَرْجُو لَكَ بِذَلِكَ أَعْظَمَ الأَجْرِ وَأَفْضَلَ الثَّوَابِ. وَأَمَّا قَوْلُكَ يَجْرِي عَلَى الْقَاضِي إِذَا صَارَ إِلَيْهِ مِيرَاثٌ مِنْ مَوَارِيثِ الْخُلَفَاءِ وَبَنِي هَاشِمٍ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الَّذِي يَصِيرُ إِلَيْهِ وَيُوَكَّلُ مِنْ قِبَلِهِ مَنْ يَقُومُ بضياعهم ومالهم فَلَا. مَا يرزقه من يقوم بِأَمْر الْمَوَارِيث: إِنَّمَا يُعْطَى لِلْقَاضِي رِزْقَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لِيَكُونَ قَيِّمًا لِلْفَقِيرِ وَالْغَنِيِّ وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، وَلا يَأْخُذَ مِنْ مَالِ الشَّرِيفِ وَلا الْوَضِيعِ إِذَا صَارَتْ إِلَيْهِ مَوَارِيثُهُ رِزْقًا، وَلَمْ تَزَلِ الْخُلَفَاءُ تُجْرِي لِلْقُضَاةِ الأَرْزَاقَ مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ؛ فَأَمَّا مَنْ يُوَكَّلُ بِالْقِيَامِ بِتِلْكَ الْمَوَارِيث فِي حفظهَا والقائم بهَا؛ فَيجْرِي عَلَيْهِم من الرزقبقدر مَا يحْتَمل مَا هم يه لَا يُجْحَفُ بِمَالِ الْوَارِثِ فَيُذْهَبُ بِهِ وَيَأْكُلُهُ الْوُكَلاءُ وَالأُمَنَاءُ، وَيَبْقَى الْوَارِثُ هَالِكا، وَمَا أَظُنُّ كَثِيرًا مِنَ الْقُضَاةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ يُبَالِي مَا صَنَعَ وَكَيْفَمَا عَمِلَ، وَلا يُبَالِي أَكْثَرَ مَنْ مَعَهُمْ أَنْ يُفْقِرُوا الْيَتِيمَ، وَيُهْلِكُوا الْوَارِثَ إِلا مَنْ وَفقه الله تَعَالَى مِنْهُم.

стр. 210

فَصْلٌ: فِيمَنْ مَرَّ بِمَسَالِحِ الإِسْلامِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ وَمَا يُؤْخَذُ مِنَ الْجَوَاسِيسِ وَسَأَلْتَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ يَخْرُجُ مِنْ بِلادِهِ يُرِيدُ الدُّخُولَ إِلَى دَارِ الإِسْلامِ فَيَمُرَّ بِمَسْلَحَةٍ مِنْ مَسَالِحِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى طَرِيق أَو غير طيق؛ فَيُؤْخَذُ فَيَقُولُ خَرَجْتُ، وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَصِيرَ إِلَى بِلادِ الإِسْلامِ أَطْلُبُ أَمَانًا عَلَى نَفْسِي وَأَهْلِي وَوَلَدِي، أَوْ يَقُولُ إِنِّي رَسُولٌ، يَصْدُقُ أَوْ لَا يَصْدُقُ؟ وَمَا الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُعْمَلَ بِهِ فِي أمره؟ قَالَ أَبُو يُوسُف: فَإِنْ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ الْحَرْبِيُّ إِذَا مَرَّ بِمَسْلَحَةٍ مَرَّ مُمْتَنِعًا مِنْهُمْ لَمْ يُصَدَّقَ وَلَمْ يُقْبَلَ قَوْلُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُمْتَنِعًا مِنْهُمْ صُدِّقَ وَقُبِلَ قَوْلُهُ. فَإِنْ قَالَ أَنَا رَسُولُ الْمَلِكِ بَعَثَنِي إِلَى ملك الْعَرَب، وَهَذَا كِتَابه معني، وَمَا مَعِي مِنَ الدَّوَابِّ وَالْمَتَاعِ وَالرَّقِيقِ؛ فَهَذِهِ إِلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ يُصَدَّقُ وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ إِذَا كَانَ أَمْرًا مَعْرُوفًا فَإِنَّ مِثْلَ مَا مَعَهُ لَا يَكُونُ إِلا عَلَى مِثْلِ مَا ذَكَرَ مِنْ قَوْلِهِ إِنَّهَا هَدِيَّةٌ مِنَ الْمَلِكِ إِلَى مَلِكِ الْعَرَبِ وَلا سَبِيلَ عَلَيْهِ، وَلا يُتَعَرَّضُ لَهُ وَلا لِمَا مَعَهُ مِنَ الْمَتَاعِ وَالسِّلاحِ وَالرَّقِيقِ وَالْمَالِ؛ إِلا أَنْ يَكُونَ مَعَهُ شَيْءٌ لَهُ خَاصَّة حمله للتِّجَارَة؛ فَإِنَّهُ إِذَا مَرَّ بِهِ عَلَى الْعَاشِرِ عُشْرُهُ وَلا يُؤْخَذْ مِنَ الرَّسُولِ الَّذِي بَعَثَ بِهِ مَلِكُ الرُّومِ وَلا مِنَ الَّذِي قَدْ أُعْطِيَ أَمَانًا عشر؛ إِلَّا مَا كَانَ مَعَهُمَا مِنْ مَتَاعِ التِّجَارَةِ فَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ مَتَاعِهِمْ فَلا عُشْرَ عَلَيْهِمْ فِيهِ. وَإِنْ قَالَ هَذَا الْحَرْبِيُّ الْمَأْخُوذُ إِنَّمَا خَرَجْتُ مِنْ بِلادِي وَجِئْتُ مُسْلِمًا فَإِنَّ هَذَا لَا يصدق وَهُوَ فَيْء لِلْمُسْلِمِينَ إِنْ لَمْ يُسْلِمْ، وَالْمُسْلِمُونَ فِيهِ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءُوا قَتَلُوهُ وَإِنْ شَاءُوا اسْتَرَقُّوهُ، وَإِنْ قُدِّمَ لِتُضْرَبَ عُنُقُهُ؛ فَقَالَ آمَنْتُ بِدِينِكُمْ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؛ فَإِنَّ هَذَا إِسْلامٌ يُحْقَنُ بِهِ دَمُهُ وَيَكُونُ بِهِ مَالُهُ فَيْئًا وَلا يُقْتَلُ. حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ؛ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ فَإِذَا قَالُوهَا مَنَعُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلا بِحَقِّهَا وحسابهم على الله".

стр. 211

فَإِنْ أَرَادَ هَذَا الرَّسُولُ رَسُولُ الْمَلِكِ أَوِ الَّذِي أُعْطِيَ الأَمَانَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى دَارِ الْحَرْبِ؛ فَإِنَّهُمْ لَا يُتْرَكُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مَعَهُمْ بِسِلاحٍ وَلا كِرَاعٍ١ وَلا رَقِيقٍ مِمَّا أُسِرَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ. فَإِنِ اشْتَرَوْا مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا يُرَدُّ عَلَى الَّذِي بَاعَهُ مِنْهُمْ وَرَدَّ أُولَئِكَ الثَّمَنَ إِلَيْهِمْ. فَإِنْ كَانَ مَعَ هَذَا الرَّسُولِ أَوِ الَّذِي أَعْطَى الأَمَانَ سِلاحٌ جَيِّدٌ؛ فَأَبْدَلَهُ بِسِلاحٍ أَشَرَّ مِنْهُ أَوْ دَابَّةٌ فَأَبْدَلَهَا بِأَشَرَّ مِنْهَا؛ فَذَلِكَ جَائِزٌ وَلا بَأْسَ بِأَنْ يُتْرَكَ يَخْرُجَ بِذَلِكَ وَإِنْ كَانَ أَبْدَلَهُ بِخَيْرٍ مِنْهُ رُدَّ عَلَيْهِ سِلاحُهُ وَدَابَّتُهُ وَرُدَّ ذَلِكَ عَلَى صَاحِبِهِ الَّذِي أَبْدَلَهُ، وَلا يَنْبَغِي لِلإِمَامِ أَنْ يَتْرُكَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ يَدْخُلَ بِأَمَانٍ أَوْ رَسُولا من ملكهم يخرج بِشَيْء من الرَّقِيق وَالسِّلَاح أَو بِشَيْء مِمَّا يَكُونُ قُوَّةً لَهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. فَأَمَّا الثِّيَابُ وَالْمَتَاعُ فَهَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ لَا يُمْنَعُونَ مِنْهُ. وَلا يَنْبَغِي أَنْ يُبَايِعَ الرَّسُولُ وَلَا الدَّاخِل مَعَه بِأَمَان بِشَيْء مِنَ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَلا الرِّبَا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ لأَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الإِسْلامِ وَأَهْلِهِ، وَلا يَحِلُّ أَنْ يُبَايَعَ فِي دَارِ الإِسْلامِ مَا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى. وَلَوْ أَنَّ هَذَا الدَّاخِلَ إِلَيْنَا بِأَمَانٍ أَو الرَّسُول زنى أَو سرق فَإِنَّ بَعْضَ فُقَهَائِنَا قَالَ لَا أُقِيمُ عَلَيْهِ الْحَدَّ؛ فَإِنْ كَانَ اسْتهْلك الْمَتَاع فِي السّرقَة ضمنته، وَقَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَدْخُلَ إِلَيْنَا لِيَكُونَ ذِمِّيًّا تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُنَا. قَالَ: وَلَوْ قَذَفَ رَجُلا حَدَدْتُهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ شَتَمَ رَجُلا عَزَّرْتَهُ لأَنَّ هَذَا حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ النَّاسِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنْ سَرَقَ قَطَعْتُهُ وَإِنْ زَنَى حَدَدْتُهُ. وَكَانَ أَحْسَنُ مَا سَمِعْنَا فِي ذَلِكَ وَالله أعلم أَن تَأْخُذهُ باحلدود كُلِّهَا حَتَّى تُقَامَ عَلَيْهِ، وَلَوْ سَرَقَ مِنْهُ مُسْلِمٌ لَمْ تُقْطَعْ لَهُ يَدُ الْمُسْلِمِ. وَلَوْ قَطَعَ مُسْلِمٌ يَدَهُ عَمْدًا لَمْ تُقْطَعْ لَهُ يَدُ الْمُسْلِمِ. وَالْقِيَاسُ كَانَ أَنْ تُقْطَعَ لَهُ وَأَنْ يُقْطَعَ الْمُسْلِمُ إِذَا سَرَقَ مِنْهُ إِلا أَنِّي اسْتَحْسَنْتُ مُوَافَقَةَ مَنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ. قَالَ: فَإِنْ كَانَ الدَّاخِلُ إِلَيْنَا بِأَمَانٍ امْرَأَةٌ فَفَجَرَ بِهَا مُسْلِمٌ حُدَّ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَقَوْلِهِمْ. وَإِنْ أَقَامَ هَذَا الْمُسْتَأْمَنُ فَأَطَالَ الْمُقَامَ أُمِرَ بِالْخرُوجِ فَإِن أَقَامَ بَعْدَ ذَلِكَ حَوْلا وُضِعَتْ عَلَيْهِ الْجِزْيَة. قَالَ: وَلَو أَنَّ مَرْكَبًا مِنْ مَرَاكِبِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ حَمَلَتْهُ الرِّيحُ بِمَنْ فِيهِ حَتَّى أَلْقَتْهُ عَلَى سَاحِلِ مَدِينَةٍ مِنْ مَدَائِنِ الْمُسْلِمِينَ فَأَخَذُوا الْمَرْكِبَ وَمَنْ فِيهِ فَقَالُوا نَحن رسل

стр. 212

بَعَثَنَا الْمَلِكُ، وَهَذَا كِتَابُهُ مَعَنَا إِلَى مَلِكِ الْعَرَبِ، وَهَذَا الْمَتَاعُ الَّذِي فِي الْمَرْكَبِ هَدِيَّةٌ إِلَيْهِ فَيَنْبَغِي للوالي الَّذِي يَأْخُذهُمْ أَنْ يَبْعَثَ بِهِمْ وَمَا مَعَهُمْ إِلَى الإِمَامِ؛ فإِنْ كَانَ الأَمْرُ عَلَى خِلافِ مَا ذَكَرُوا كَانُوا فَيْئًا لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ وَمَا مَعَهُمْ، وَالأَمْرُ فِيهِمْ إِلَى الإِمَامِ إِنْ رَأَى أَنْ يَسْتَبْقِيهِمْ فَعَلَ، وَإِنْ رَأَى قَتْلَهُمْ فَعَلَ. وَالإِمَامُ فِي ذَلِكَ مُوَسَّعٌ عَلَيْهِ. وَإِنْ كَانَ أَهْلُ الْمَرْكَبِ إِنَّمَا قَالُوا: نَحْنُ تُجَّارٌ حَمَلْنَا مَعَنَا تِجَارَةً لِنُدْخِلَهَا بِلادَكُمْ لَمْ يُقْبَلْ ذَلِكَ مِنْهُمْ وصيروا وَمَا مَعَهُمْ فَيْئًا لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَلَمْ يُقْبَلَ قَوْلُهُمْ إِنَّا تُجَّارٌ. عُقُوبَة الجاسوس عُمُوما: وَسَأَلْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ الْجَوَاسِيسِ يُوجَدُونَ وَهُمْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّة أَو أهل الْحَرْب أَوْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ؛ فَإِنْ كَانُوا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ أَوْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ مِمَّنْ يُؤَدِّي الْجِزْيَةَ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسِ فَاضْرِبْ أَعْنَاقَهُمْ، وَإِنْ كَانُوا مِنْ أَهْلِ الإِسْلامِ مَعْرُوفِينَ فَأَوْجِعْهُمْ عُقُوبَةً وَأَطِلْ حَبسهم حَتَّى يحدثوا تَوْبَة. مسالح للْإِمَام على منافذ بِلَاد الْمُسلمين: قَالَ أَبُو يُوسُف: وَيَنْبَغِي لِلإِمَامِ أَنْ تَكُونَ لَهُ مصَالح عَلَى الْمَوَاضِعِ الَّتِي تَنْفَذُ إِلَى بِلادِ أَهْلِ الشِّرْكِ مِنَ الطُّرُقِ فَيُفَتِّشُونَ مَنْ مَرَّ بِهِمْ مِنَ التُّجَّار؛ فَمن كَانَ مَعَهُ سِلاحٌ أُخِذَ مِنْهُ وَرُدَّ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ رَقِيقٌ رُدَّ، وَمَنْ كَانَتْ مَعَهُ كُتُبٌ قُرِئَتْ كُتُبُهُ؛ فَمَا كَانَ مِنْ خَبَرٍ مِنْ أَخْبَارِ الْمُسْلِمِينَ قَدْ كُتِبَ بِهِ أُخِذَ الَّذِي أُصِيبَ مَعَه الْكِتَابَ وَبُعِثَ بِهِ إِلَى الإِمَامِ لِيَرَى فِيهِ رَأْيَهُ، وَلا يَنْبَغِي لِلإِمَامِ أَنْ يَدَعَ أَحَدًا مِمَّنْ أُسِرَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ وَصَارَ فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ يَخْرُجُ إِلَى دَارِ الْحَرْبِ رَاجِعًا إِلا أَنْ يُفَادَى بِهِ فَأَمَّا عَلَى غير الْفِدَاء فَلَا. قَالَ: وَلَو أَنَّ الإِمَامَ بَعَثَ سَرِيَّةً فَأَغَارُوا عَلَى قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى أَهْلِ الْحَرْبِ فَأَخَذُوا مَنْ فِيهَا مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ فَأَمَرَ بِهِمُ الإِمَامُ إِلَى دَارِ الإِسْلامِ فَقَسَّمَهُمُ الإِمَامُ وَاشْتَرَاهُمْ مِنَ الْقَسْمِ، وَصَارُوا لَهُ فَأَعْتَقَهُمْ جَمِيعًا، ثُمَّ أَرَادُوا الرُّجُوعَ إِلَى دَارِ الْحَرْبِ -الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ- فَلا يَنْبَغِي أَنْ يَتْرُكَهُمْ وَذَاكَ وَلا يَدَعُ أَحَدًا مِنْهُمْ يَعُودَ إِلَى دَارِ الْحَرْبِ بَعْدَ أَنْ يَصِيرُوا فِي دَارِ الإِسْلامِ إِلا عَلَى مَا وَصَفْتُ لَكَ مِنَ الْفِدَاءِ يُفَادَى بِهِمْ. حَدَّثَنَا أَشْعَثُ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَحْمِلَ إِلَى عَدُوِّ الْمُسْلِمِينَ سِلاحًا يُقَوِّيهِمْ بِهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَلا كِرَاعًا وَلا مَا يُسْتَعَانُ بِهِ عَلَى السِّلاحِ والكراع.

стр. 213

هَدِيَّة الْمُشرك للْمُسلمِ: قَالَ: وَحَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ أُكَيْدِرَ دَوْمَةَ أَهْدَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ هَدِيَّةً وَهُوَ مُشْرِكٌ فَقَبِلَهَا. حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ عَنْ أَبِي عَوْنٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: أَهْدَى أُكَيْدِرَ دَوْمَةَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ثَوْبَ حَرِيرٍ قَالَ: فَأَعْطَاهُ عَلِيًّا فَقَالَ: "شققه خمرًا بَين النسْوَة".

стр. 214

فَصْلٌ: فِي قِتَالِ أَهْلِ الشِّرْكِ وَأهل الْبَغي وَكَيْفَ يُدْعَوْنَ وَسَأَلْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ أَهْلِ الشِّرْكِ أَيُدْعَوْنَ إِلَى الإِسْلامِ قَبْلَ الْحَرْبِ أَمْ يُقَاتَلُونَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُدْعَوْا؟ وَمَا السُّنَّةُ فِي دُعَائِهِمْ وَقِتَالِهِمْ وَسَبْيِ ذَرَارِيهِمْ وَعَنْ أَهْلِ الْبَغْيِ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ كَيْفَ حَرْبُهُمْ؟ وَهَلْ يُدْعَوْنَ إِلَى الإِسْلامِ وَالدُّخُولِ فِي الْجَمَاعَةِ قَبْلَ أَنْ يُوقَعَ بِهِمْ، وَمَا الْحُكْمُ فِي أَمْوَالِ مِنْ ظُفِرَ بِهِ مِنْهُمْ وَذُرِّيَتِهِ؟ الدعْوَة إِلَى الْإِسْلَام قبل الْقِتَال: قَالَ أَبُو يُوسُف: لَمْ يُقَاتِلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَوْمًا قَطُّ فِيمَا بَلَغَنَا حَتَّى يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ. حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنّ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا قَاتَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَوْمًا قَطُّ حَتَّى يَدْعُوهُمْ. وَحَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ قَالَ: لَمَّا غَزَا سَلْمَانُ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ فَارِسٍ قَالَ: كُفُّوا حَتَّى أَدْعُوهُمْ كَمَا كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُوهُمْ؛ فَأَتَاهُمْ فَقَالَ: "إِنَّا نَدْعُوكُمْ إِلَى الإِسْلامِ فَإِنْ أَسْلَمْتُمْ فَلِكُل مِثْلُ مَا لَنَا وَعَلَيْكُمْ مِثْلُ مَا عَلَيْنَا، وَإِنْ أَبَيْتُمْ فَأَعْطُونَا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَأَنْتُمْ صَاغِرُونَ، وَإِنْ أَبَيْتُمْ قَاتَلْنَاكُمْ"، قَالُوا: أَمَّا الإِسْلامَ فَلا نُسْلِمُ، وَأَمَّا الْجِزْيَةَ فَلا نُعْطِيهَا وَأَمَّا الْقِتَالُ فَإِنَّا نُقَاتِلُكُمْ؛ فَدَعَاهُمْ كَذَلِكَ ثَلاثًا فَأَبَوْا عَلَيْهِ، فَقَالَ لِلنَّاسِ "انْهَدُّوا١ إِلَيْهِمْ". من قَالَ بِالْقِتَالِ بِدُونِ دَعْوَة: وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ وَالتَّابِعِينَ: أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ مِمَّنْ يَبْلُغُهُ جُنُودُنَا إِلا وَقَدْ بَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ وَحَلَّ لِلْمُسْلِمِينَ قِتَالُهُمْ مِنْ غَيْرِ دَعْوَةٍ. حَدَّثَنِي مَنْصُورٌ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: سَأَلْتُهُ عَن دُعَاء الديلم؛ فَقَالَ: قد عَلِمُوا مَا يُدْعَوْنَ إِلَيْهِ. وَحَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا أَنْ لَا يُدْعَى الْمُشْرِكُونَ الْيَوْمَ، وَيَقُولُ: أَنَّهُمْ قَدْ عَرَفُوا دِينَكُمْ وَمَا تدعون إِلَيْهِ.

стр. 215

مَا كَانَ يَفْعَله النَّبِيِّ ﷺ عِنْد الإغارة: وَكَانَ النَّبِي ﷺ لَا يُغِيرُ عَلَى قَوْمٍ بِلَيْلٍ وَلا يُغِيرُ عَلَيْهِمْ إِلا بَعْدَ الصُّبْحِ، وَكَانَ إِذَا طَرَقَ قَوْمًا فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا أَمْسَكَ. وحَدثني مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَارَ إِلَى خَيْبَرَ وَانْتَهَى إِلَيْهَا لَيْلا، وَكَانَ إِذَا طَرَقَ قَوْمًا لَمْ يُغِرْ عَلَيْهِمْ حَتَّى يُصْبِحَ؛ فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا أَمْسَكَ. وَحَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ نَوْفَلٍ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْمُزَنِيِّينَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا بَعَثَ سَرِيَّةً قَالَ لَهُمْ: "إِذا رَأَيْته مَسْجِدًا أَوْ سَمِعْتُمْ أَذَانًا فَلا تقتلُوا أحدا". الإغارة على الْأَعْدَاء وهم غَارونَ: فَأَمَّا الإِغَارَةُ عَلَى الْعَدُوِّ وَهُمْ غَارونَ فَقَدْ بَلَغَنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَ ذَلِكَ، أَغَارَ عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَهُمْ غَارُّونَ وَبَعْضُهُمْ عَلَى الْمَاءِ يَسْقِي وَكَانَتْ جُوَيْرِيَةُ ابْنَةُ الْحَارِثِ مِمَّنْ أَخذ يَوْمئِذٍ، كَانَت فِي الْخَيل. خداع الْأَعْدَاء: وَكَانَ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَغْزُوَ قَوْمًا وَرَّى بِغَيْرِهِمْ إِلا فِي غَزْوَةِ تَبُوكٍ؛ فَإِنَّهُ سَافَرَ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ وَأَرَادَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ سَفَرًا بَعِيدًا فَأَخْبَرَ النَّاسَ بِذَلِكَ لِيَتَأَهَّبُوا لِعَدُوِّهِمْ. وَكَانَ ﷺ إِذَا لَقِيَ الْعَدُوَّ؛ فَلَمْ يُقَاتِلْ أَوَّلَ النَّهَارِ أَخَّرَ الْقِتَالَ إِلَى أَنْ تَزُولَ الشَّمْسَ وَتَهُبَّ الرِّيَاح، وَينزل النَّصْر. الدُّعَاء عِنْد قتال الْعَدو ورايته ﷺ : وَكَانَ ﷺ إِذَا لَقِيَ الْعَدُوَّ دَعَا؛ فَقَالَ: "اللَّهُمَّ أَنْتَ عَضُدِي وَنَصْرِي، بِكَ أَجُولُ، وَبِكَ أَصُولُ، وَلَكَ أُقَاتِلُ". قَالَ وَكَانَ من دُعَائِهِ ﷺ عَلَى الْعَدو وَإِذا لَقِيَهُمْ أَنْ يَقُولَ: "اللَّهُمَّ مُنَزِّلَ الْكِتَابِ، سَرِيعَ الْحِسَابِ، هَازِمَ الأَحْزَابِ، اهْزِمْهُمْ وَزَلْزِلْهُمْ". وَكَانَتْ رَايَتُهُ ﷺ سَوْدَاءَ. حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَمْرو عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَتْ رَايَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَوْدَاءَ مِنْ مِرْطٍ كَانَ لِعَائِشَةَ مُرَحَّلٍ١.
следующие страницы →