← Тараджим

Тараджим · id 26336

إخبار العلماء بأخبار الحكماء

جمال الدين القفطي

Полный текст (319 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

جالينوس فقال أجل والله لعن الله من لا يشكر النعم ولا يكافئ عَلَيْهَا بكل مَا أمكنه أي والله إني لأغضب أن أساوي بجالينوس فِي حالة من الحالات وأشكر عَلَى تقديمه علي فِي كل الحالات فاستحسن ذَلِكَ منه إبراهيم بن المهدي وأزهر استصوابه لَهُ وقال هَذَا لعمري الَّذِي يحسن بالأحرار والأدباء فانكب جبرائيل عَلَى قدم أبي إسحاق إبراهيم بن المهدي يقبلها فمنعه من ذَلِكَ وضمه إِلَيْهِ. وذكر جبرائيل فِي جملة مَا ذكره لإبراهيم بن المهدي يوماً أنه دخل ذات يوم عَلَى الفضل بن سهل ذي الرئاساتين بعد إسلامه وهو مخنتن وبين يديه مصحف قرآن وهم يقرأ فِيهِ قال فقلت جون بيني نامه إيزد فقال خوش وجون كليلة ودمنة تفسيرها هَذَا الكلام قال جبرائيل قلت لَهُ كيْفَ ترى كتاب الله فقال طيب ومثل كليلة ودمنة. ولما حصل الرشيد بطوس وقوي عَلَيْهِ المرض قال لجبرائيل لَمْ لا تبرئني قال لَهُ قَدْ كنت أنهاك دائماً عن التخليط وكثرة الجماع ولا تسمع منى والآن سألتك أن ترجع إِلَى بلدك فإنه أوفق لمزاجك فلم تقبل وهذا هو مرض شديد وأرجو أن الله بعافيتك فأمر بحبسه عنه وقيل أن بفارس أسقفاً يفهم الطب فوجه إِلَيْهِ وأحضره ولما حضر ورآه قال لَهُ الَّذِي عالجك لَمْ يكن يفهم الطب فزاد ذَلِكَ فِي إيعاء جبرائيل وَكَانَ الفضل بن الربيع يحب جبرائيل ورأى الأسقف كذاباً يريد إقامة السوق وَكَانَ الأسقف يعالج الرشيد ومرضه يزيد ويقول فِيهِ أنت قريب من الصحة ثُمَّ قال لَهُ هَذَا المرض كله من خطأ جبرائيل فاغتاظ الرشيد وأمر الفضل بن الربيع بقتله فلم يقبل منه الفضل لأن جبرائيل كَانَ قَدْ قال للفضل أنه يموت بعد أيام يسيرة واستبقى جبرائيل وعرض للفضل بن الربيع قولج صعب يئس الأطباء منه فعالجه جبرائيل بألطف علاج فبرئ الفضل وازدادت محبته لجبرائيل وأعجب بِهِ. وملك محمد الأمين ووافى إِلَيْهِ جبرائيل فقبله أحسن قبول وأكرمه ووهب لَهُ أموالاً جليلة أكثر مما كَانَ أبوه يهبه وَكَانَ الأمين لا يأكل ولا يشرب إِلاَّ بإذنه فلما كَانَ من أمر الأمين مَا كَانَ وولي المأمون كتب إِلَى بغداد بحبس جبرائيل ولما مرض الحسن بن سهل فِي سنة ثلاث ومائتين مرض مرضاً شديداً وعالجه الأطباء فلم ينتفع فأخرج جبرائيل وعالجه فبرئ فِي أيام يسيرة

стр. 107

فوهب لَهُ وافراً وكتب إِلَى المأمون يعرفه خبر علته وكيف برئ عَلَى يد جبرائيل وسأله فِي أمره فأجابه بالصفح عنه ولما دخل المأمون الحضرة فِي سنة خمس ومائتين أمر بحبس جبرائيل فِي منزله وأن لا يخدم ووجه من أحضر ميخائيل المتطبب وهو صهر جبرائيل وجعله مكانه وأكرمه إكراماً وافراً كياداً لجبرائيل ولما كَانَ فِي ستة عشر ومائتين مرض المأمون مرضاً صعباً وَكَانَ وجوه الأطباء يعالجونه ولا يصلح فقال لميخائيل هو ذا تزيدني الأدوية الَّتِي تعطيني شراً فاجمع وشاورهم فِي أمري فقال أخوه أبو عيسى يَا أمير المؤمنين نحضر جبرائيل فإنه يعرف أمزجتنا منذ الصبا فتغافل عن كلامه وأحضر أبو إسحاق أخوه يوحنا بن ماسويه فثلبه ميخائيل ووقع فِيهِ فلما ضعفت قوة المأمون عن أخذ الدوية أذكروه بجبرائيل فأمر بإحضاره ولما حضر غير تدبيره كله فاستقام وبعد ثلاثة أيام صلح فسر بِهِ المأمون سروراً عظيماً ولما كَانَ بعد أيام صلح صلاحاً تاماً وأذن لَهُ جبرائيل فِي الأكل والشرب ففعل ذَلِكَ فقال لَهُ أخوه أبو عيسى يوماً وهو جالس عَلَى الشراب معه مثل هَذَا الرجل الَّذِي لَمْ يكن مثله ولا يكون سبيله أن يكرم فأمر لَهُ المأمون بألف ألف درهم ورد عَلَيْهِ سائر ما قبض عنه من الأملاك والضياع وصار إذَا خاطبه كناه بأبي عيسى جبرائيل وأكرمه زيادة عَلَى مَا كَانَ أبوه يكرمه وانتهى بن الأمر فِي إجلاله إِلَى أن كَانَ كل من تقلد عملاً لا يخرج إلى عمله إِلاَّ بعد أن يلقى جبرائيل ويكرمه. وَفِي سنة ثلاث عشرة ومائتين مرض جبرائيل مرضاً شديداً فلما رآه المأمون ضعيفاً التمس منه إنفاذ ابنه بختيشوع معه إِلَى بلد الروم فأحضره وَكَانَ مثل أبيه فِي الفهم والعقل ولما خاطبه المأمون فرح بِهِ فرحاً شديداً وأكرمه غاية الإكرام ورفع منزلته وأخرجه إِلَى بلد الرزم وطال مرض جبرائيل إِلَى أن بلغ الموت فصل وصية إِلَى المأمون تشتمل عَلَى سبعمائة ألف دينار هَذَا بعدما نُهب لَهُ وَمَا أنكره أصحاب الودائع وَمَا أخذه الأمين وَمَا بذله فِي الكفالات والمصادرات والنفقات وشراء الضياع والأملاك عَلَى ذكر مَا فِي الدرج الَّذِي وجد بخطه ودفع الوصية إِلَى ميخائيل صهره ومات وَكَانَتْ جنازته مشهورة ودفن فِي دير مارسرجس بالمداين ولما عاد المأمون من بلد الروم دفع الوصية

стр. 108

جميعها إِلَى بختيشوع ابنه فعمد بختيشوع إِلَى الدير فعمره وجمع لَهُ رهباناً وأجرى عليهم الحرايات والنفقات .. وهذا ثبت مَا كان لجبرائيل من الرزق والرسوم والصلات ذكر أن رزقه كَانَ برسم العامة فِي كل شهر من الورق عشرة آلاف درهم وبرسم الخاصة فِي المحرم فِي كل سنة من الورق خمسون ألف درهم وثياب بقيمة عشرة آلاف درهم ولفصد الرشيد دفعتين فِي السنة مائة ألف درهم ولشرب الدواء دفعتين فِي السنة مائة ألف درهم ومن أصحاب الرشيد كل سنة عَلَى مَا فصل مع مَا فِيهِ من قيمة الكسوة وثمن الطيب والدواب من الورق أربعمائة ألف درهم .. تفصيل ذَلِكَ عيسى بن جعفر خمسون ألف درهم زبيدة أم جعفر خمسون ألف درهم العباسة خمسون ألف درهم فاطمة سبعون ألف درهم إبراهيم بن عثمان ثلاثون ألف درهم الفضل بن الربيع خمسون ألف درهم كسوة وطيب ودواب مائة ألف درهم ومن غلة ضياعه بجند يسابور والسوس والبصرة والسواد فِي كل سنة ثمانمائة ألف درهم ومن فضل المقاطعة سبعمائة ألف درهم وَكَانَ يصير إِلَيْهِ من البرامكة فِي كل سنة من الورق ألفا ألف وأربعمائة ألف درهم .. تفصيل ذَلِكَ يحيى بن خالد ستمائة ألف درهم جعفر بن يحيى الوزير ألف ألف ومائتا ألف درهم الفضل بن يحيى ستمائة ألف درهم فيكون جميع ذَلِكَ فِي خدمته للرشيد وهي ثلاث وعشرون سنة وخدمته للبرامة وهي ثلاث عشر سنة سوى الصلات الجسام فإنها لَمْ تذكر فِي هَذَا المدرج من الورق ثمانية ألف ألف درهم وثمانمائة ألف درهم الخرج من ذَلِكَ فِي النفقات والصلات والكفالات والصدقات عَلَى مَا تضمنه المدرج من العين تسعمائة ألف دينار ومن الورق سبعون ألف ألف وستمائة ألف درهم ثُمَّ بعد ذَلِكَ وصى لابنه يختيشوع وجعل المأمون الوصي فِيهَا كما ذكرنا سالفاً سبعمائة ألف دينار وذكر إبراهيم بن المهدي أنه تخلف عن مجلس محمد الأمين فِي أيام خلافته عشية من العشايا لدواء وَكَانَ أخذه وإن جبرائيل باكره غداة اليوم الثاني فأبلغه سلام الأمين وسأله عن حاله كيْفَ كَانَتْ فِي دوائه ثُمَّ دنا منه فقال أمير المؤمنين فِي تجهيز علي بن عيسى إِلَى خراسان ليأتيه بالمأمون أسيراً فِي قيد من

стр. 109

فضة وجبرائيل برئ من النصرانية إن لَمْ يغلب المأمون محمداً ويقتله ويحوز ملكه قال فقلت لَهُ ويحك ولِم قلت هَذَا القول قال لأن الخليفة الموسوس قَدْ سكر فِي هَذِهِ الليلة فدعا أبا عصمة السبيعي صاحب حرسه وأمره بسواد فنزع عنه وألبسه ثيابي وزناري وقلنسوتي وألبسني أقبيته وسيفه ومنطقته وأجلسني فِي مجلس صاحب الحرس إِلَى وقت طلوع الفجر وأجلسه فِي مجلسي وقال لكل واحد مني ومن أبي عصمة قَدْ قلدتك مَا كَانَ يتقلده صاحبك فقلت أن الله مغير مَا بِهِ من نعمة لتغيره مَا بنفسه منها وأنه إذَا جعل حجبته وحراسته إِلَى رجل نصراني والنصرانية أذل الأديان لأنه لَيْسَ فِي عقد دين غيرها التسليم لما يراد بِهِ من عدوه من المكروه مثل الإذعان لمن سخره بالسخرة ميلاً وإن لعلم لَهُ قَدْ حول الأخر ليعلم فقضيت أعزك الله أن عز الرجل زائل وقضيت أنه حين أجلس فِي مجلس متطببه الحافظ عنده لحياته والقائم بمصالح بدنه والخادم لطبيعته أبا عصمة الذي لا يفهم من ذَلِكَ قليلاً ولا كثيراً بأنه لا عمر لَهُ وأن نفسه تالفة قال إبراهيم بن المهدي فكان الأمر شهد الله عَلَى مَا قال جبرائيل. ومن أخبار جبرائيل أنه اجتمع فِي بعض الأوقات مع عشرة أطباء من أهل زمانه وفيهم ابن داوود بن سرافيون وتحادثوا طويلاً وجرى حديث شرب الماء عند الأنبياء من النوم فقال ابن داوود بن سرافيون مَا فِي الدنيا أحمق ممن يشرب الماء عند الانتباه من نومه فقال جبرائيل أحمق منه من يتضرم نار عَلَى كبده فلا يطفئها فقال لَهُ الغلام فكأنك تطلق شرب الماء عند الانتباه من النوم فقال لَهُ جبرائيل أما المحرور المعدة ومن أكل طعاماً مالحاً فأطلقه لَهُ وأمنع المرطوبي المعدة وأصحاب البلغم المالح فإن فِي منعهم شفاء لما يجدونه فقال الحدث وَقَدْ بقيت الآن واحدة وعي أن يكون العطشان يفهم من الطب مثل فهمك فيعرف عطشه من مرارة أَوْ من بلغم مالح فضحك جبرائيل وقال متى عطشت ليلاً فأبرز رجلك من دثارك فاصبر قليلاً فإن تزيد عطشك فهو من حرارة أَوْ من طعام تحتاج إِلَى شرب الماء عَلَيْهِ فاشرب وإن نقص عطشك فأمسك من شرب الماء فإنه بلغم مالح. وقال يوسف بن الحكم دخلت دار جبرائيل يوماً والمائدة بَيْنَ يديه يأكل فِي يوم من تموز وعليها فراخ طيور مسرولة كبار وَقَدْ عملت كردناك بفلفل فأكل منها وطالبني أن آكل منها فقلت لَهُ كيْفَ آكل فِي مثل هَذَا الوقت من السنة

стр. 110

وسني من الشباب فقال مَا الحمية عندك فقلت تجنب الأغذية الردية فقال لي غلطت لَيْسَ مَا ذكرت حمية ثُمَّ قال لا أعرف أحداً أعظم قدرة ولا أصغر يصل إِلَى الإمساك عن غذاء من الأغذية كل دهره إِلاَّ أن يكون ببغضه ولا تتوق نفسه إِلَيْهِ لأن الإنسان قَدْ يمسك عن أكل شيء برهة ثُمَّ يضطره إِلَى أكله عدم سواء لعلة من العلل أَوْ لمساعدة صديق أَوْ شهوة تتجدد لَهُ فمتى أكله وَقَدْ احتمى منه مدة طويلة لَمْ تقبله طبيعته ونفرت منه فأحدث فِي بدن آكله مرضاً صعباً والأصلح للأبدان تدربها عَلَى الأغذية الردية حَتَّى تألفها وأن تأكل منها كل يوم شيئاً واحداً ولا تجمع بَيْنَ شيئين رديين فِي يوم واحد وإذا أكلت شيئاً منها فِي يوم لَمْ تعاوده فِي غد ذَلِكَ اليوم لأن الأبدان إذَا تربت عَلَى استعمال هَذِهِ الأشياء ثُمَّ اضطر الإنسان إِلَى الإكثار من بعضها لَمْ تنفر من استعماله وإنا قَدْ رأينا الأدوية المسهلة إذَا أدمتها مدمن وألفها بدنه فإن فعلها فِيهِ وَلَمْ تسهله وأهل الأندلس إذَا أراد أحدهم إسهال طبيعته أخذ من السقمونيا وزن ثلاثة دراهم حَتَّى يلين طبيعته مقدار مَا يلينها وزن نصف درهم فِي بلدته وإذا كَانَتْ الأبدان تألف الأدوية حَتَّى تمنعها من فعلها فهي بالأغذية وغن كَانَتْ ردية أشد إلفاً قال يوسف فحدثت بهذا الحديث بختيشوع أباه فسألني إملاءه عَلَيْهِ فكتبه عني بخطه. جبرائيل بن عبيد الله بن بختيشوع بن جبرائيل كَانَ والده عبيد الله بن بن بختيشوع منصرفاً ولما ولي المقتدر استخصه لخدمته وأقام فِي خدمة المقتدر مدة ثُمَّ مات وخلف ولده جبرائيل هذا وأختاً لَهُ صغيرين وانفذ المقتدر ليلة موت عبيد الله بن بختيشوع ثمانين فراشاً حملوا الموجود فِي بيته من رحل وأثاث وآنية وبعد مواراته فِي القبر اختفت امرأته وَكَانَتْ ابنة إنسان عامل من أجلاء العمال يعرف بالجرشون فقبض عَلَى والدها بسببها وطلب منه ودائع ابنته وأخذ منه مال كثير فخرجت ابنته ومعها ولدها جبرائيل وأخته وهما صغيران إِلَى عكبرا مستترة من السلطان فتزوجت برجل طبيب فأقامت مديدة عند ذَلِكَ الرجل وماتت وأخذ الرجل جميع مَا كَانَ معها ودفع ولدها عنه فدخل جبرائيل بغداد وَمَا معه إِلاَّ شيء يسير وقصد طبيبها وَكَانَ يعرف بهرمزد فلازمه وقرأ عَلَيْهِ

стр. 111

وَكَانَ من أطباء المقتدر وقرأ عَلَى ابن يوسف الواسطي الطبيب ولازم البيمارستان والعلم والدرس وَكَانَ يأوي إِلَى أخوال لَهُ ثلاثة وكانوا يسكنون بدار الروم وكانوا يسيئون عشرتهم عَلَيْهِ ويلومونه عَلَى تعرضه للعلم والصناعة ويمجنون معه بأنه يريد أن يكون مثل جديه بختيشوع وجبرائيل مَا يرضى أن يكون مثل أخواله وهو لا يلتفت وهو لا يلتفت إِلَى أقوالهم واتفق أنه جاء رسول من كرمان إِلَى معز الدولة وحمل إِلَيْهِ الحمار المخطط والرجل الَّذِي طوله سبعة أشبار والآخر الَّذِي طوله شبران وكتاب الهدايا المعروفة واتفق أنه نزل قصر فرج من الجانب الشرقي فِي قريب من الدكان الذي كَانَ يجلس جبرائيل فِيهِ وصار ذَلِكَ الرسول يجلس إِلَيْهِ كثيراً ويحادثه ويباسطه فلما كَانَ فِي بعض الأيام استدعاه وشاوره فِي الفصد فأشار بِهِ وفصده وتردد إِلَيْهِ يومين فانفذ إِلَيْهِ الرسول عَلَى رسم الديلم الصينية الَّتِي كَانَتْ فِيهَا العصائب والطشت والإبريق وجميع الآلة ثُمَّ استدعاه وقال لَهُ أدخل إِلَى هؤلاء القوم فانظر مَا يصلح لهم وَكَانَ مع الرسول جارية يهواها قَدْ عرض لَهَا نزف الدم وَمَا بقي بفارس ولا بكرمان ولا بالعراق طبيب مذكور إِلاَّ وعالجها ولك ينجع فِيهَا العلاج فلما رآها رتب لَهَا تدبيراً وعمل لَهَا معجوناً وسقاها إياه فما مضي إِلاَّ مديدة حَتَّى برئت وصلح جسمها وفرح بذلك سيدها فرحاً عظيماً ولما كَانَ بعد مدة يسيرة استدعاه الرسول وأعطاه ألف درهم ودراعة سقلاطون وثوباً توزياً وعمامة قصب وقال ادخل إليهم وطالبهم بحقك فأعطته الجارية ألف درهم وقطعتين من كل نوع من الثياب وحمل عَلَى بغلة بمركب واتبع ذَلِكَ بمملوك زنجي فخرج وهو أحسن الناس حالاً ولما رآه أخواله وثبوا لَهُ وتلقوه لقياً جميلاً فقال لهم للثياب تكرمون لَيْسَ لي. ولما مضى الرسول ذكره بفارس وكرمان بما عمل وَكَانَ ذَلِكَ داعياً إِلَى خروجه إِلَى شيراز وكان هَذَا أول مَا نبغ عضد الدولة وولي شيراز ولما دخل رفع خبره فاستدعي وسئل عن عصبتي العين فتكلم فِيهَا بكلام حسن موقعه فاغتبط بِهِ وقر لَهُ دار وجراية طافيتان ثُمَّ أنه عرض لكوكبين خال عضد الدولة فلما وصل إِلَيْهِ أكرمه وأجعله وَكَانَ بِهِ وجع المفاصل والنقرس وضعف الأحشاء فركب لَهُ جوارش تفاحي وذلك فِي سنة سبع وخمسين وثلاثمائة فانتفع بِهِ منفعة عظيمة فأعطاه وأجزل إعطاءه ورده إِلَى شيراز مكرماً ثُمَّ أن

стр. 112

عضد الدولة دخل إِلَى بغداد وهو معه فِي خاصته وجدد البيمارستان فصار يأخذ رزقين وهما برسم الخواص ثلاثمائة درهم شجاعية وبرسم البيمارستان ثلاثمائة درهم شجاعية سوى الجراية وكانت نوبته فِي الأسبوع يومين وليلتين لملازمته الدار. واتفق أن الصاحب أبا القاسم بن عباد عرض لَهُ معرض صعب فِي معدته فكاتب عضد الدولة يلتمس منه طبيباً فأمر عضد الدولة بجميع الأطباء البغداديين وغيرهم ومشاورتهم فيمن يصلح أن ينفذ إِلَيْهِ قال الأطباء البغداديون عَلَى سبيل الإبعاد لَهُ من بينهم وحسداً لَهُ عَلَى تقدمه مَا يصلح أن يلقي مثل ذَلِكَ الرجل إِلاَّ أبو عيسى لأنه متكلم جيد الحجة عالم باللغة الفارسية فوقعه هَذَا القول موافقاً لعضد الدولة فأطلق لَهُ مالاً ألح أمره وحمل إِلَيْهِ مركوباً جميلاً وبغالاً للحمل وأنفذه ولما وصل إِلَى الري تلقاه الصاحب تلقياً جميلاً وأنزل فِي دار قَدْ أعدت لمثله بفراش وطباخ وخازن ووكيل وبواب وغير ذَلِكَ ولما أقام عنده أسبوعاً استدعاه يوماً وَقَدْ جمع عنده أهل العلم من أصناف العلوم ورتب لمناظرته إنساناً من أهل الري قَدْ قرأ طرفاً من الطب فسأله عن أشياء من أمر النبض فبدأ وشرح أكثر مما تحتمله المسألة وعلل وتعليلات لَمْ يكن فِي الجماعة من سمع بِهَا وأورد شكوكاً ملاحاً فلك يكن فِي الحاضرين إِلاَّ من أكرمه وعظمه وخله عَلَيْهِ صاحب فِي ذَلِكَ اليوم خلعاً حسنة وسأله أن يعمل لَهُ كناشاً يختص بذكر الأمراض الَّتِي تعرض من الرأس وإلى القدم ولا يخلط بِهَا غيرها فعمل كناشة الصغير فحسن موقعه عند الصاحب ووصله بشيء قيمته ألف دينار وَكَانَ دائماً يقول صنفت مائتي ورقة أخذت عنها ألف دينار ورفع خبره إِلَى عضد الدولة فأعجب بِهِ وزاد موضعه فلما عاد من الري دخل إِلَى بغداد بزي جميل صالح وأمر وغلمان وخدم وصادف من عضد الدولة كل مَا سره وقال من يوثق بِهِ أنه دخل الأطباء عَلَيْهِ ليهنئونه بوروده وسلامته فقال أبو الحسن بن كشكرايا المعروف بتلميذ سنان يَا أبا عيسى زرعنا فأكلت أردناك تبعد فازددت قرباً فضحك جبرائيل من قوله وقال لَيْسَ الأمور إلينا لَهَا مدبر وصاحب. وأقام جبرائيل ببغداد مدة ثلاث سنين واعتل خشروشاه ملك الديلم ونحف جسمه وقوي استشعاره وَكَانَ عنده أطباء كلما عالوه ازداد مرضه

стр. 113

فأنفذ إِلَى الصاحب يلتمس منه طبيباً فقال مَا أعرف من يصلح لهذا غير جبرائيل فكاتب الصاحب عضد الدولة وسأله إنفاذه فأنفذه مكرماً ولما وصل إِلَى الديلمان أقام عند الملك وباشر بتدبيره وعلاجه وعاد بأمر الله إِلَى حال الصحة وقابله بما يحتمله ملك فِي حق مثله وسأله أن يعمل لَهُ صورة المرض وتدبيراً يعول عَلَيْهِ ويعمل ب فعمل. مقالة ترجمها فِي ألم لدماغ بمشاركة المعدة والحجاب يعني الحجاب الفاصل بَيْنَ آلات الغذاء وآلات التنفس المسمى ذيالرغما ولما اجتاز بالصاحب سأله عن أفضل اسطقسات البدن فقال هَذَا الدم فسأله أن يعمل لَهُ كتاباً يبرهن فِيهِ عَلَى علل ذَلِكَ فعمل لَهُ. مقالة مليحة بيّن فِيهَا البراهين الَّتِي تدل عَلَى هَذَا ودعاه إِلَى بغداد وعمل. كناشه الكبير ووسمه بالكافي ووقف منه نسخة عَلَى دار العلم ببغداد وعمل فِي البيمارستان عَلَيْهَا وأنه عرف بذلك الكتاب فيقال أبو عيسى صاحب الكناش وعمل. كتاب المطابقة بَيْنَ قول الأنبياء والفلاسفة وهو كتاب لَمْ يعمل للشرع مثله لكثرة احتوائه عَلَى الأقاويل وذكر المواضع الَّتِي استخرجت منها وعمل. مقالة فِي الرد عَلَى اليهود جمع فِيهَا أشياء منها شهادات عَلَى صحة مجيء المسيح ﵇ وأنه قَدْ كَانَ ويطل انتظارهم ومنها صحة القربان بالخبز والخمر ومناه لم جعل من الخمر قربا وأصلحه محرم رأيان علل التحليل والتحريم. وعرض لَهُ أن سافر إِلَى أرض المقدس وصام بِهِ يوماً واحداً ومضى منه إِلَى دمشق واتصل خبره بالعزيز بن المعز العلوي المستولي عَلَى مصر وكوتب من حضرته بكتاب جميل واستدعي فامتنع واحتج بأن لَهُ ببغداد أسباباً ينجزها ويعود إِلَى الحضرة قاصداً ليفوز بحق القصد ولما عاد إِلَى بغداد أقام بِهَا وعدل عن المضي إِلَى مصر ثُمَّ أن ممهد الدولة أنفذ إِلَيْهِ ولاطفه حَتَّى توجه إِلَيْهِ إِلَى ميافارقين لأسقاها الله ولا المستولى عَلَيْهَا صوب الغيث وأخجله وجد لَهُ ولا جدّ لَهُ ولا أهمله بعد أن أمهله أعني المستولي عَلَيْهَا الآن ولما وصل إِلَيْهِ إكراماً مشهوراً ومن ظريف مَا جرى لَهُ مه أنه أول ستة ورد فِيهَا سقى الأمير مسهلاً وقال لَهُ يجب أن نأخذ الدواء سحراً فعمد الأمير وأخذه أول الليلي فلما أصبح ركب إِلَى الدار ودخل إِلَيْهِ وأخ نبضه وسأله عن الدواء فقال مَا عمل معي شيئاً امتحاناً لَهُ فقال لَهُ جبرائيل النبض يدل عَلَى نفاذ دوائي والأمير أصدق فضحك وقال لَهُ كم ظنك بالدواء فقال يعمل مع الأمير خمسة وعشرين مجلساً ومع غيره زائداً وناقصاً فقال قَدْ عمل إِلَى

стр. 114

الساعة ثلاثة وعشرين فقال هو يعمل تمام مَا قلت ورتب لَهُ مَا يستعمله وخرج من عنده وأمر بأن يشد رحله ويصلح أسباب الانصراف فبلغ ممهد الدولة ذَلِكَ فأنفذ إِلَيْهِ يستعلم سبب انصرافه فقال مثلي لا يجرب لأنني أشهر من أن أحتاج إِلَى تجربة فترضاه وحمل إِلَيْهِ بغلة ودارهم لَهَا قدر. وَفِي هَذِهِ المدة كاتبه ملك الديلم بكتب جميلة يسأله فِيهَا أن يزوره وكاتب ممهد الدولة يسأله فِي ذَلِكَ فمنعه من المضي وأقام فِي الخدمة ثلاث سنين وتوفي فِي يوم الجمعة ثامن شهر رجب سنة ست وتسعين وثلاثمائة للهجرة وَكَانَ عمره خمساً وثمانين سنة ودفن فِي المصلى خارج ميافارقين. جبرائيل الكحال المأموني كَانَ كحالاً واختص بخدمة المأمون وَكَانَتْ وظيفته فِي كل شهر ألف درهم وَكَانَ المأمون يستخف يده وَكَانَ أول من يدخل إِلَيْهِ فِي كل يوم عند تسليمه من صلاة الغداة ويغسل أجفانه ويكحل عينيه وإذا انتبه من قيلولته فعل مذل ذَلِكَ ثُمَّ سقطن منزلته بعد ذَلِكَ فسئل عن سبب ذَلِكَ فقيل أن الحسين الخادم اعتل فلم يكن ياسر عيادته لاشتغاله بالخدمة إِلَى أن وافى ياسر باب الحجرة الَّتِي كَانَ فِيهَا المأمون وَقَدْ خرجت من عند المأمون فسألني ياسر عن خبر المأمون فأخبرته أنه قَدْ أغفى فغنم ياسر مَا أخبرته من نوم المأمون فسار إِلَى الحسين فعاده وانتبه المأمون قبل انصراف ياسر فسأله المأمون عن سبب نخلفه فقال ياسر أخبرت بنوم أمير المؤمنين فسرت إِلَى الحسين فعدته فقال لَهُ المأمون زمن أخبرك برقادي فقال ياسر جبرائيل قال جبرائيل فأحضرني ثُمَّ قال يَا جبرائيل اتخذتك كحالاً أَوْ عاملاً للأخبار عليّ أخرج عن داري فأذكرته حرمتي فقال أن لَهُ حرمة فليقتصر بِهِ عَلَى إجراء مائة وخمسين درهماً فِي الشهر ولا يؤذن لَهُ فِي الوصول فلم يخدم جبرائيل المأمون بعدها حَتَّى توفي. جعفر بن محمد بن عمر أبو معشر البلخي عالم أهل الإسلام بأحكام النجوم وصاحب التآليف الشريفة والمصنفات المفيدة فِي صناعة الأحكام

стр. 115

وعلم التعديل وَكَانَ أعلم الناس بسير الفرس وأخبار سائر الأمم فمن كتبه فِي صناعة الأحكام. كتاب الطبائع. كتاب الألوف. كتاب المدخل الكبير. كتاب الفرانات. كتاب الدول والملل. كتاب الملاحم. كتاب الأقاويل والأقاليم. كتاب الهيلاج والكذخداه كتبه إِلَى ابن البازيار. كتاب المقالات فِي المواليد. كتاب النكث تحاويل المواليد وغير ذَلِكَ ومن كتبه. زيجه الكبير وهو كثير وجامع أكثر العلم بالفلك بالقول المطلق المجرد من البرهان. وكتاب الزيج الصغير وهو المعروف بزيج القرانات يتضمن معرفة أوساط الكواكب لأوقات اقتران زحل والمشتري مذ عهد الطوفان. وَكَانَ أبو معشر مدمناً عَلَى شرب الخمر مشتهراً بمعاقرتها وَكَانَ يعتريه صرغ عند أوقات الامتلاءات القمرية وَكَانَ معاصراً لأبي جعفر محمد بن سنان البثاني وَكَانَ منجماً للموفق أخي المعتمد وَكَانَ معه فِي محاصرته الزنج بالبصرة وَلَهُ إصابات حسنة فِي أحكام النجوم مذكورة بَيْنَ العلماء بهذا النوع وَقَدْ قيل أن أبا معشر كَانَ فِي أول أمره من أصحاب الحديث ومنزله فِي الجانب الغربي بباب خراسان وَكَانَ يضاغن الكندي ويغري بِهِ العامة ويشنع عَلَيْهِ بعلوم الفلاسفة فدس عَلَيْهِ الكندي من حسن لَهُ النظر فِي علم الساب والهندسة فدخل فِي ذَلِكَ فلك يكمل لَهُ فعدل إِلَى علم الأحكام وانقطع شره عن الكندي ويقال أنه تعلم النجوم بعد سبع وأربعين سنة من عمره وَكَانَ فاضلاً حسن القريحة وضربه المستعين أصواتاً لأنه أصاب فِي شيء خبر بِهِ قبل وقته وَكَانَ يقول أصبت فوقعيت وجاوز أبو المعشر المائة من عمره ومات بواسط فيما قيل وَلَهُ من التصانيف غير مَا تقدم ذكره. كتاب المدخل الصغير. كتاب زيج الهزارات نيف وستون باباً. كتاب المواليد الكبير وَلَمْ يتمه. كتاب هيئة الفلك. كتاب الاختيارات. كتاب الاختيارات عَلَى منازل القمر. كتاب الطبائع الكبير. كتاب السهمين وأعمار الدول. كتاب اقتران النحسين فِي برج السلطان. كتاب الصور والحكم عَلَيْهَا. كتاب المزاجات. كتاب الأنواء. كتاب المسائل. كتاب إثبات علم النجوم. كتاب الكامل والشامل لَمْ يتمه. كتاب الجمهرة جمع فِيهِ أقوال الناس فِي المواليد. كتاب الأصول وادعاه أبو العنبس. كتاب تفسير المنامات من النجوم. كتاب القواطع عَلَى الهيلاجات. كتاب المواليد الصغير مقالتان. كتاب

стр. 116

زيج القرانات والاحتراقات. كتاب الأوقات عَلَى اثني عشرية الكواكب. كتاب السهام سهام المأكولات والملبوسات. كتاب طبائع البلدان. كتاب الأمطار والرياح. حكاية نقلها الناقل لَهَا من خط ابن المكتفي قال قرأت بخط ابن الجهم مَا هَذِهِ حكايته كتاب المدخل اسند بن علي وهبه لأبي معشر فانتحله أبو معشر لأن أبا معشر تعلم النجوم عَلَى كبر وَلَمْ يبلغ عقل أبي معشر إِلَى صنعة هَذَا الكتاب ولا لسبع مقالات فِي المواليد ولا لكتابي القرانات هَذَا كله لسند بن علي. جعفر بن المكتفي بالله أبو الفضل من أولاد الخلفاء فاضل كبير القدر بعلوم متعددة من علوم الأوائل متحقق بذلك أتم تحقيق يرفعه عن التبذل فِي تعليمه مَا هو عَلَيْهِ من علو النسب وَكَانَتْ لَهُ فِي العلوم القديمة تعاليق جميلة ومعرفة بأخبار الأوائل من الحكماء وبأخبار المحدثين منهم وبأحوالهم ومقدار مَا يعلمه كل واحد منهم وَمَا يدعيه مَا لا يعلمه قال هلال بن المحسن وَفِي سحرة يوم الثلاثاء الرابع من صفر سنة سبع وسبعين وثلاثمائة توفي أبو الفضل جعفر بن المكتفي بالله ومولده فِي سنة أربع وتسعين ومائتين وَكَانَ فاضلاً عاقلاً عارفاً بكثير من العلوم القديمة ولما قدم عضد الدولة إِلَى بغداد اشتاقت نفسه إِلَى جعفر بن المكتفي بالله ولقائه فسير إِلَيْهِ سراً وَكَانَ يجتمع بِهِ من خفية ويأتيه فِي خف وإزار فإذا حصل فِي داره أقعد فِي موضع خال بغير أزار خلا عضد الدولة استدعاه فإذا شاهده تطاول لَهُ فِي القيام وأكرمه وخلا بِهِ وسأله عن فنه من علم أحكام النجوم وأخبار الحدثان فيخبره من ذَلِكَ بما يعجب منه ولا يبعد وقوعه. قال غرس النعمة محمد بن الرئيس هلال بن المحسن الصابي فِي كتابه وجدت بخط جعفر بن المكتفي بالله مَا يتضمن ذكر مَا حدث من الكواكب ذوات الأذناب فِي أوقاتها مَا كَانَ من تأثيراتها فنسخته ثقة بهذا الرجل وتقدمه فِي هَذِهِ الصناعة وتبريزه فِيهَا إِلَى ابعد غاية ثُمَّ أورد المؤلف رسالته ههنا بأجمعها منها وَفِي خمس وعشرين ومائتين فِي خلافة المعتصم ظهرت فِي الشمس نكتة سوداء قريب منن وسطها وذلك فِي يوم الثلاثاء التاسع عشر من رجب سنة خمس وعشرين ومائتين فلما كَانَ بعد يومين من هَذَا التاريخ وذلك بعد إحدى وعشرين يوماً من رجب حدثت الحوادث وذكر الكندي أنها لبثت هَذِهِ النكتة فِي الشمس إحدى وتسعين يوماً ومات المعتصم بعدها وَقَدْ كَانَ أيضاً طلع كوكبان من كواكب الأذناب قبل موت المعتصم كما طلع منها جماعة

стр. 117

قبل موت الرشيد وذكره الكندي أيضاً أن مدة النكتة كَانَتْ كسوف الزهرة للشمس ولصوقها بِهَا هَذِهِ المدة المذكورة ويقال أنه لما شاء الله فِي ذَلِكَ كلام سبيله أن يتأمل ليوقف عَلَى علة هَذِهِ النكتة عَلَى حقها إِن شاء الله تعالى إِلَى ها هنا من رسالة ابن المكتفي ثُمَّ بعدها ذكر فِي هَذِهِ الرسالة تأثيرات كواكب الأذناب عَلَى طلوعها فِي كل شهر من الشهور السريانية. جعفر القطاع المدعو بالسديد البغدادي كَانَتْ لَهُ معرفة تامة بالكلام والمنطق والهندسة واطلاع عَلَى علوم الأوائل وأقوالهم ومذاهبهم وَلَهُ يد طولى فِي قسمة الأدور وعماراتها وَكَانَ متظاهر بالتشيع وتوفي فِي يوم السبت سادس عشر ربيع الآخر سنة اثنتين وستمائة ببغداد ودفن بداره بقراح ظفر وَقَدْ جاوز السبعين. جرجيس الفيلسوف الأنطاكي نزيل مصر يزعم أنه قرأ عَلَى علماء بلده واستوطن مصر وطب لَهَا وأدركه أبو الصلت أمية المغربي بمصر وذكره فقال وَكَانَ بمصر طبيب من أنطاكية يسمى بجرجيس ويلقب بالفيلسوف عَلَى نحو مَا قيل فِي الغراب أبي البيضاء وَفِي اللديغ سليم وَقَدْ تفرغ للتولع بأبي الخير سلامة بن رحمون اليهودي الطبيب المصري والأزراء عَلَيْهِ وَكَانَ يزور فصولاً طبية وفلسفية يبرزها فِي معارض ألفاظ القوم وهي محال لا معنى لَهَا وفارغة لا فائدة فِيهَا ثُمَّ ينفذها إِلَى من سأله عن معانيها ويستوضحه أغراضها فيتكلم عَلَيْهَا ويشرحها بزعمه دون تيقظ ولا تحفظ باسترسال واستسجال وقلة اكتراث وإهمال يوجد فِيهَا عنه مَا يضحك منه وأنشدت لجرجيس هَذَا فِي أبي الخير سلامة وهو من أحسن مَا سمعته فِي هجو طبيب مشؤوم أن أبا الخير عَلَى جهله ... يخف فِي كفته الفاضل عليله المسكين من شؤمه ... فِي بحر هلك مَا لَهُ ساحل ثلاثة تدخل فِي دفعة ... طلعته والنعش والغاسل جورجيس بن بختيشوع الجند يسابوري ابن بختيشوع فِي صدر الدولة العباسية كَانَ فاضلاً مذكوراً وَلَهُ من الكتب كتاب الكناش وَكَانَ

стр. 118

المنصور فِي صدر أمره عندما بنى مدينة السلام بغداد فِي سنة ثمان وأربعين ومائة للهجرة أدركه ضعف فِي معدته وسوء استمراء وقلة شهوة وكلما عالجه الأطباء ازداد مرضه فتقدم إِلَى الربيع بجمعهم فلما اجتمعوا قال لهم المنصور أريد من الأطباء فِي سائر المدن طبيباً ماهراً فقالوا مَا فِي عصرنا أفضل من جورجيس بن بختيشوع رئيس أطباء جند يسابور فإنه ماهر فِي الطب وَلَهُ مصنفات جليلة فتقدم المنصور بإحضاره فأنفذه العامل بجند يسابور إِلَى حضرة الخلافة بعد مَا امتنع عن الخروج وأكرهه العامل فخرج ووصى ولد بختيشوع بالبيمارستان وأموره الَّتِي تتعلق بِهِ هناك واستصحب معه إبراهيم وسرجيس تلميذيه فقال لَهُ ولده بختيشوع ولا تدع ها هنا عيسى بن شهلافا فإنه يؤذي أهل البيمارستان فترك سرجيس وأخذ عيسى عوضه ولما وصل إِلَى مدينة السلام أمر المنصور بإحضاره فلما وصل إِلَى الحضرة دعا لَهُ بالفارسية والعربية وعجب المنصور من حسن منطقه ومنظره وأمره بالجلوس وسأله عن أشياء أجابه عنها بسكون فقال قَدْ ظفرت منك يَا جورجيس بما كنت أطلب وخبره بابتداء علته وكيف جرى أمره منذ ابتداء المرض وإلى وقته ذَلِكَ فقال لَهُ جرجيس أنا أديرك بمشيئة الله وعونه فأمر لَهُ فِي الوقت بخلعة جليلة وتقدم إِلَى الربيع بإنزاله فِي أجمل موضع من دوره وإكرامه كما يكرم أخص الأهل وَلَمْ يزل جرجيس يتلطف لَهُ فِي تدبيره حَتَّى برئ المنصور وعاد إِلَى الصحة وفرح بِهِ فرحاً شديداً وأمر أن يجاب إِلَى كل مَا يسأل وقال لَهُ يوماً من يخدمك ها هنا فقال تلامذتي فقال الخليفة سمعت أنه ليست لَكَ امرأة فقال لي زوجة كبيرة ضعيفة ولا تقدر عَلَى النهوض من موضعها وانصرف من الحضرة ومضى إِلَى البيعة فأمر المنصور خادمه سالماً أن يختار لَهُ من الجواري الروميات الحسان ثلاثاً ويحملهن إِلَى جورجيس مع ثلاثة آلاف دينار ففعل ذَلِكَ فلما انصرف جورجيس إِلَى منزله عرفه عيسى بن شهلافا تلميذه بما جرى وأراه الجواري فأنكر أمرهن وقال لعيسى يَا تلميذ الشيطان لَمْ أدخلت هؤلاء إِلَى منزلي أردت أن تتجسني امضِ وردهن إِلَى أصحابهن ثُمَّ ركب جورجيس معه عيسى مع الجواري ومضى إِلَى دار الخليفة وردهن عَلَى الخادم فلما اتصل الخبر بالمنصور أحضره وقال لِم رددت الجواري قال لا يجوز أن يكون مثل هؤلاء فِي منزلي لأنا نعشر النصارى لا نتزوج أكثر من امرأة واحدة مَا دامت المرأة حية لا نأخذ غيرها فحسن موقع هَذَا من الخليفة وأمر فِي الوقت أن يدخل جورجيس إِلَى حظاياه

стр. 119

وحرمه بلا إذن وزاده موضعه عنده وهذا ثمرة العفة. ولما كَانَ فِي سنة اثنتين وخمسين ومائة مرض جورجيس مرضاً صعباً وَكَانَ المنصور يرسل إِلَيْهِ فِي كل يوم يتعرف خبره ولما اشتد مرضه أمر بحمله عَلَى سرير إِلَى دار العامة وخرج ماشياً إِلَيْهِ وتعرف خبره وسأله عن حاله فخبره جورجيس بِهَا وقال أن رأي أمير المؤمنين أن يأذن لي فِي الانصراف إِلَى بلدي لأنظر أهلي وولدي فإن مت قبرت مع آبائي فقال لَهُ يَا جورجيس اتقِ الله وأسلم وأنا أضمن لَكَ الجنة فقال لَهُ رضيت حَيْثُ آبائي فِي الجنة أَوْ فِي النار فضحك المنصور من قوله ثُمَّ قال لَهُ إني منذ رأيتك وجدت رائحة من الأمراض الَّتِي كَانَتْ تعتادني فقال جورجيس أنا أخلف بَيْنَ يدي أمير المؤمنين عيسى وهو تلميذي وتربيتي فقال كَيْفَ علمه فِي الصناعة قال ماهر قال المنصور ألا أحضرت لَنَا ولدك بختيشوع قال جورج البيمارستان بجند يسابور محتاج إِلَيْهِ ومفتقر إِلَى مثله وأهل البلد كذلك فأمر المنصور بإحضار عيسى بن شهلافا فلما مثل بَيْنَ يديه سأله عن أشياء فوجده ماهراً فأمر لجورجيس بعشرة آلاف دينار وأذن لَهُ فِي الانصراف وأنفذ معه خادماً وقال لَهُ إِن مات فِي الطريق فاحمله إِلَى منزله ليدفن هناك كما أحب فوصل إِلَى بلده حياً. جابر بن حيان الصوفي الكوفي كَانَ متقدماً فِي العلوم الطبيعية بارعاً منها فِي صناعة الكيمياء وَلَهُ فِيهَا تآليف كثيرة ومصنفات مشهورة وَكَانَ مع هَذَا مشرفاً عَلَى كثير من علوم الفلسفة ومتقلداً للعلم المعروف بعلم الباطن وهو مذهب المتصوفين من أهل الإسلام كالحارث بن أسد المجاشي وسهل بن عبد الله التستري ونظرائهم .. وذكر محمد بن سعيد السرقسطي المعروف بابن المشاط الاصطرلابي الأندلسي أنه رأي لجابر بن حيان بمدينة مصر تآليفاً فِي عمل الاصطرلاب يتضمن ألف مسألة لا نظير لَهُ.

стр. 120

حرف الحاء المهملة فِي أسماء الحكماء الحارث بن كلدة بن عمر بن علاج الثقفي طبيب العرب فِي وقته أصله من ثقيف من أهل الطائف رحل إِلَى أرض فارس وأخذ الطب عن أهل تِلْكَ الديار من أهل جند يسابور وغيرها فِي الجاهلية وقبل الإسلام وجاد فِي هَذِهِ الصناعة وطب بأرض فارس وعالج وحصل لَهُ بذلك مال هناك وشهد أهل بلد فارس ممن رآه بعلمه وَكَانَ قَدْ عالج بعض أجلائهم فبرأ وأعطاه مالاً وجارية سماها الحارث سمية ثُمَّ أن نفسه اشتاقت لبى بلاده فرجع إِلَى الطائف واشتهر طبه بَيْنَ العرب وسمية جاريته هي أم زياد بن أبيه الَّذِي ألحقه معاوية بنسبه وذكر أن أبا سفيان وطئ سمية بالطائف سفاحاً فحملت بِهِ منه وولدت ولدين قبل زياد أحدهما أبو بكرة ونافع أخوه فانتسبا إِلَى الحارث بن كلدة وادعيا أنه وطئ مولاته سمية فولدتهما منه وأدرك الحارث بن كلدة الإسلام وَكَانَ رسول الله ﷺ يأمر من كَانَتْ بِهِ علة أن يأتيه فيسأله عن علته. قال سعد مرضت فأتاني النبي ﷺ يعودني فوضع يده بَيْنَ ثديي حَتَّى وجدت بردها عَلَى فؤادي فقال أنك رجل مفؤد ائت الحارث بن كلدة أخا ثقيف فإنه يتطبب فمره فليأخذ سبع ثمرات فليجأهن بنواهن وليدلك بهن رواه صدقة المروزي عن أبي عتيبة. وروى محمد بن إسحاق عن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال مرض سعد وهو مع رسول الله ﷺ فِي حجة الوداع فعاده رسول الله فقال يَا رسول الله مَا أراني إِلاَّ لما بي فقال النبي ﷺ إني لأرجو أن يشفيك الله حَتَّى يضربك قوم وينتفع بك آخرون ثُمَّ قال للحارث بن كلدة عالج سعداً مما بِهِ فقال والله إني أرجو شفاءه فيما معه فِي رحله هل معكم

стр. 121

من هَذَا الثمر العجوة شيء قالوا نعم فخلط لَهُ الثمر بالحلبة ثُمَّ أوسعها سمناً ثُمَّ أحساه إياه فكأنما أنشط من عقال. قال عبد الرحمن بن أبي بكرة قال الحارث بن كلدة وَكَانَ من أطب العرب من سره البقاء ولا بقاء فليباكر الغداء وليخفف الرداء وليقل غشيان النساء .. قال محمد بن زياد الأعرابي وَكَانَ لَهُ فِي النحو واللغة خفة الرداء أن لا يكون عَلَيْهِ دين. قال أبو عمرو ومات الحارث بن كدلة فِي أول الإسلام وَلَمْ يصح إسلامه قال وأمر رسول الله ﷺ سعد بن أبي وقاص بأن يأتيه فيستوصفه فِي مرض نزل بِهِ فيدل أمه جائز أن يشاور أهل الكفر فِي الطب إذ كَانَ من أهله والله أعلم وَكَانَ الحارث بن كلدة يضرب العود تعلم ذَلِكَ أيضاً بفارس واليمن وبقي إِلَى زمن معاوية فقال لَهُ معاوية مَا الطب يَا حارث فقال الأزم يَا معاوية يعني الجوع. الحارث المنجم كَانَ منقطعاً إِلَى الحسن بن سهل وَكَانَ فاضلاً يحكى عنه أبو معشر وَلَهُ تصانيف مذكورة. الحسن بن أحمد بن يعقوب أبو محمد الهمداني من قبيلة همدان صاحب كتاب الإكليل المؤلف فِي أنساب حمير وأيام ملوكها وهو كتاب عظيم الفائدة يشتمل عَلَى عشرة فنون وَفِي أثناء هَذَا الكتاب جمل حسان من حسان القرانات وأوقاتها ونبذ من علم الطبيعة وأصول أحكام النجوم وآراء الأوائل فِي قدم العالم وحدوثه واختلافهم فِي أدواره وَفِي تناسل الناس ومقادير أعمارهم وغير ذَلِكَ وَلَهُ تآليف بعد هَذَا حسان منها. كتاب سرائر الحكمة وغرضه التعريف بجمل هيئة الأفلاك ومقادير حركات الكواكب وتبين علم أحكام النجوم واستيفاء ضروبه. كتاب القوى. كتاب اليعسوب فِي القسي والرمي والسهام والنضال وَلَهُ زيجه المعروف وعليه اعتماد أهل اليمن وهذا الرجل أفضل من ظهر ببلاد اليمن وَقَدْ ذكرت قطعة من خبره وشعره فِي كتاب النحاة

стр. 122

لأنه كَانَ من أهل اللغة يدل عَلَى ذَلِكَ قصيدته الدامغة وشرحها يتضمنها مجلد كبير وتوفي أبو محمد الهمداني يسجن صنعاء فِي سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة. الحسن بن مصباح المنجم لَهُ يد فِي الحساب والتسيير وَلَهُ زيج أثبت فِيهِ أوساط الكواكب نبه فِيهَا عَلَى مذهب السند هند وتعاديلها عَلَى مذهب بطليموس وميل الشمس عَلَى مَا يؤذي إِلَيْهِ الرصد فِي زمانه. الحسن بن عبيد الله بن سليمان بن وهب من البيت المشهور بالرئاسة وَلَهُ نفس فاضلة فِي علم الهندسة وَكَانَ مشاركاً نعم المشاركة وَلَهُ من التصنيف. كتاب شرح المشكل من كتاب إقليدس فِي النسبة مقالة. الحسن بن سوار بن بابا بهرام أبو الخير المعروف بابن الخمار بغدادي فاضل منطقي قرأ عَلَى يحيى بن عدي وهو فِي نهاية الذكاء والفطنة والاطلاع عَلَى علوم أصحابه ومولده فِي شهر ربيع الأول سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة. وَلَهُ تصانيف مذكورة. كتاب الهيولى مقالة. كتاب الوفاق بَيْنَ قول الفلاسفة والنصارى ثلاث مقالات. كتاب تفسير ايساغوجي مشروح. كتاب تفسير ايساغوجي مختصر. كتاب الصديق والصداقة مقالة. كتاب سيرة الفيلسوف مقالة. كتاب الآثار المخلفة فِي الجو الحادثة عن البخار .. والذي نقله من السرياني إِلَى العربي. كتاب الآثار العلوية مقالة. كتاب اللبس فِي الكتب الأربعة فِي المنطق الموجود فِي ذَلِكَ. كتاب مسائل ثاؤفرسطس. كتاب فِي الأخلاق مقالة. الحسن بن سهل بن نوبخت كَانَ مشاركاً فِي هَذِهِ العلوم وآل نوبخت كلهم فضلاء لهم فكرة صالحة ومشاركة فِي علوم الأوائل ولهذا المذكور تصنيف وهو كتاب الأنواء. الحسن بن الخصيب أحد الحذاق بصناعة النجوم وهو فارسي النسب وَقَدْ تكلم فِي ذَلِكَ وصنف وَلَمْ يكن لَهُ فِي سهم الغيب فإن أخباره فِي الحدثان لا تكاد تصدق وَلَهُ. كتاب فِي أحكام النجوم سماه الكارمهتر حكم فِيهِ

стр. 123

بأحكام اختبر بِهَا فلم يصح منها شيء فمنها أنه قال إِذَا نزل زحل فِي دقائق من أول درجة من الجوزاء يموت ملك مصر فِي ذَلِكَ الأوان ورأيت هَذَا فِي عمري دفعتين وَلَمْ يصح شيء منه إِلَى أمثال ذَلِكَ وَلَهُ من التصانيف غير ذَلِكَ. كتاب المدخل إِلَى علم الهيئة. كتاب تحويل سني العالم. كتاب المواليد. كتاب تحويل سني المواليد. كتاب المنثور عمله ليحيى بن خالد. كتاب قضيب الذهب. كتاب النكت. الحسن بن الحسن بن الهيثم أبو علي المهندس البصري نزيل مصر صاحب التصانيف والتآليف المذكورة فِي علم الهندسة كَانَ عالماً بهذا الشأن متقناً لَهُ متفنناً فِيهِ قيماً بغوامضه ومعانيه مشاركاً فِي علوم الأوائل أخذ الناس عنه واستفادوا منه وبلغ الحاكم صاحب مصر من العلويين وَكَانَ يميل إِلَى الحكمة خبره وَمَا هو عَلَيْهِ من الإتقان لهذا الشأن فتاقت نفسه إِلَى رؤيته ثُمَّ نقل عنه أنه قال لو كنت بمصر لعملت فِي نيلها عملاً يحصل بِهِ النفع فِي كل حالة من حالاته من زيادة ونقص فقد بلغني أنه ينحدر من موضع عالٍ وهو فِي طرف الإقليم المصري فازداد الحاكم إِلَيْهِ شوقاً وسير إِلَيْهِ سراً جملة من مال وأرغبه فِي الحضور فسافر نحو مصر ولما وصلها خرج الحاكم للقائه والقيا بقرية عَلَى باب القاهرة المعزية تعرف بالخندق وأمر بإنزاله وإكرامه وأقام ريثما استراح وطالبه بما وعد بِهِ من أمر النيل فسار ومعه جماعة من الصناع المتولين للعمارة بأيديهم ليستعين بهم عَلَى هندسته الَّتِي خطرت لَهُ ولنا سار إِلَى الإقليم بطوله ورأى آثار من تقدم من ساكنيه من الأم الخالية وهي عَلَى غاية من أحكام الصنعة وجودة الهندسة وَمَا اشتملت عَلَيْهِ من أشكال سماوية ومثالات هندسية وتصوير معجز تحقق أن الَّذِي يقصده لَيْسَ بممكن فإن من تقدمه لن يعزب عنهم علم مَا علمه ولو أمكن لفعلوا فانكسرت همته ووقف خاطره ووصل إِلَى الموضع المعروف بالجنادل قبلي مدينة أسوان وهو موضع مرتفع ينحدر منه ماء النيل فعاينه وباشره واختبره من جانبيه فوجد أمره لا يمشي عَلَى موافقة

стр. 124

مراده وتحقق الخطأ عما وعد بِهِ وعاد خجلاً منخذلاً واعتذر بما قبل الحاكم ظاهره ووافقه عَلَيْهِ ثُمَّ أن الحاكم ولاه بعض الدواوين فتولاها رهبة لا رغبة وتحقق الغلط فِي الولاية فإن الحاكم كَانَ كثير الاستحالة مريقاً للدماء بغير سبب أَوْ بأضعف سبب من خيال يتخيله فأجال فكرته فِي أمر يتخلص بِهِ فلم يجد طريقاً إِلَى ذَلِكَ إِلاَّ إظهار الجنون والخبال فاعتمد ذَلِكَ وشاع فأحيط عَلَى موجوداته بيد الحاكم ونوابه وجعل برسمه من يخدمه ويقول بمصالحه وقيد وترك فِي موضع من منزله وَلَمْ يزل عَلَى ذَلِكَ إِلَى أن تحقق وفاة الحاكم وبعد ذَلِكَ بيسير أظهر العقل وعاد إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ وخرج من داره واستوطن قبة عَلَى باب الجامع الأزهر أحد جوامع القاهرة وأقام بِهَا متمسكاً مقتنعاً وأعيد ماله من تَحْتَ يد الحاكم واشتغل بالتصنيف والنسخ والإفادة وَكَانَ لَهُ خط قاعد فِي غاية الصحة وذكر لي يوسف الناشئ الإسرائيلي الحكيم نزيل حلب قال سمعت أن ابن الهيثم كَانَ ينسخ فِي مدة سنة ثلاثة كتب فِي ضمن أشغاله وهي إقليدس والمتوسطات والمجسطي ويستكملها فِي مدة السنة فإذا شرع فِي نسخها جاءه من يعطيه فيهم مائة وخمسون ديناراً مصرية وصار ذَلِكَ كالرسم الَّذِي لا يحتاج فِيهِ إِلَى مواكبة ولا معاودة قول فيجعلها مؤنثه لسنته وَلَمْ يزل عَلَى ذَلِكَ إِلَى أن مات بالقاهرة فِي حدود سنة ثلاثين وأربعمائة أَوْ بعدها بقليل والله أعلم ورأيت بخطه جزءاً فِي الهندسة وَقَدْ كتبه فِي سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة وهو عندي لله المنة. وأما تصانيفه فمنها. تهذيب المجسطي. المناظر. مصادرات إقليدس. الشكوك عَلَيْهِ أيضاً. مساحة المجسم المتكافئ. الأشكال الهلالية. صورة الكسوف. العدد والمجسم. قسمة الخط الَّذِي استعمله أرشميدس فِي الكرة. اختلاف منظر القمر. استخراج مسألة غددية. مقدمة ضلع المسبع. رؤية الكواكب. التنبيه عَلَى مَا فِي الرصد من الغلط. تربيع الدائرة. أصول المساحة. أعداد الوفق. مسألة فِي المساحة. أعمدة المثلثات. عمل المسبع فِي الدائرة. حل شك من المجسطي. حل شك من إقليدس. حركة القمر. استخراج أضلع المكعب. علل الحساب الهندي. مَا يرى من السماء أعظم

стр. 125

من نصفها. خطوط الساعات. أوسع الأشكال المجسمة. خط نصف النهار. الكرة المحرقة. هيئة العالم. الجزء الَّذِي لا يتجزأ مساحة الكرة. كيفية الأرصاد. حساب المعاملات. الهالة وقوس قزح. المجرة. ماهية المجرة. جواب من خالف المجرة. مسألة هندسية. شرح قانون إقليدس. استخراج خط نصف النهار بظل واحد. أصول الكواكب. بركاز الدوائر العظام. جمع الأجزاء. قسمة المقدارين. التحليل والتركيب. حساب الخطئين. شكل بني موسى. المرايا المحرقة. استخراج أربعة خطوط. حركة الالتفات. حل شكوك الالتفات. الشكوك عَلَى بطليموس. حل شكوك المجسطي. اختلاف المناظر. ضوء القمر. المكان. الخلاق. السمت. سمت القبلة بالحساب. ارتفاع القطر. ارتفاعات الكواكب. كيفية الأظلال. الرخامات الأفقية عمل البنكام. مقالة فِي الأثر الَّذِي فِي القدر. تعليق فِي الجبر. كتاب البرهان عَلَى مَا يراه الفلكيون فِي أحكام النجوم. الحسن بن الأمير أبي علي بن نظام الملك ببغداد وله معرفة حسنة بالعلوم الحكمية والنجومية وَلَمْ يزل محترماً لأجل جده ببغداد إِلَى أن توفي فِي يوم السبت ثامن صفر سنة ثلاث عشر وستمائة. الحسن بن محمد بن أبي نعيم أبو علي الطيب طبيب فاضل مذكور فِي زمانه كَانَ مقيماً بالبيت المقدس وهو أجل مشايخ التميمي الترياقي المقدسي وعنه أخذ من هَذِهِ الصناعة نوعاً متوفراً. الحسين بن إسحاق بن إبراهيم بن يزيد الكاتب أبو الحسن بن أبي الحسين وقيل أبو أحمد ويعرف بابن كرتيب كَانَ من جلة المتكلمين ببغداد ويذهب بذهب الفلاسفة الطبيعيين وَكَانَ أخوه أبو العلاء يتعاطى علم الهندسة ونحن نذكره فِي موضعه إن شاء الله تعالى فأما أبو أحمد الحسين هَذَا فكان فِي نهاية الفضل والمعرفة واطلاع بالعلوم الطبيعية القديمة وله تصانيف منها. كتاب الرد عَلَى ثابت بن قرة فِي نعته وجود سكون بَيْنَ كل حركتين متساويتين. كتاب فِي الأجناس والأنواع وهي الأمور العامية. كتاب كيْفَ يعلم مَا مضى من النهار من ساعة من قبل الارتفاع.

стр. 126

الحموموس ويقال الحومتيوس قال إسحاق بن حنين أنه من الفلاسفة الَّذِي بعد جالينوس وَقَدْ فسر كتب أرسطوطاليس وَقَدْ ذكرت الموجود منها عند ذكر كتب أرسطوطاليس وله تصانيف غير تِلْكَ منها. كتاب شرح مذهب أرسطوطاليس فِي الصنائع. كتاب فِي أغراض أرسطوطاليس فِي كتبه. كتاب حجة أرسطوطاليس فِي التوحيد. حبش الحاسب المروزي الأصل وهو لقب لَهُ واسمه أحمد بن عبد الله بغدادي الدار كَانَ فِي زمن المأمون والمعتصم بعده وله تقدم فِي حساب تسيير الكواكب وشهرة بهذا النوع وله ثلاثة أزياج. أولها المؤلف عَلَى مذهب السند هند خالف فِيهِ الفزاري والخوارزمي فِي عامة الأعمال واستعماله لحركة إقبال فلك البروج وإدباره عَلَى رأي ثاؤن الإسكندراني ليصح لَهُ بِهَا مواضع الكواكب فِي الطول وَكَانَ تأليفه لهذا الزيج فِي أول أمره أيام كَانَ يعتقد حساب السند هند. والثاني المعروف بالممتحن وهو أشهر مَا لَهُ ألفه بعد أن رجع إِلَى معاناة الرصد وضمنه حركات الكواكب عَلَى مَا يوجبه الامتحان فِي زمانه والثالث الزيج الصغير المعروف بالشاه وله. كتاب حسن فِي العمل بالاصطرلاب وبلغ من عمره نحو مائة سنة وله من التصانيف. كتاب الزيج الدمشقي. كتاب الزيج المأموني. كتاب الأبعاد والأجرام. كتاب عمل الاصطرلاب. كتاب الرخائم والمقاييس. كتاب الدوائر المتماسة وكيفية الاتصال إِلَى عمل السطوح المتوسطة والقائمة والمائلة والمنحرفة. حنين بن إسحاق الطبيب النصراني أبو زيد العبادي كَانَ تلميذاً ليوحنا ماسوية وَكَانَ طبيباً حسن النظر فِي التأليف والعلاج ماهراً فِي صناعة

стр. 127

الكحل وقعد فِي جملة المترجمين لكتب الحكمة واستخراجها إِلَى السرياني وإلى العربي وَكَانَ فصيحاً فِي اللسان اليوناني وَفِي اللسان العربي بارعاً شاعراً خطيباً فصيحاً لسناً ونهض من بغداد إِلَى أرض فارس ودخل البصرة ولزم الخليل بن أحمد حَتَّى برع فِي اللسان العربي وادخل كتاب العين ببغداد واختبر الترجمة وائتمن عَلَيْهَا وَكَانَ المتخير لَهُ المتوكل عَلَى الله وجعل لَهُ كتاباً تحارير عالمين بالترجمة كانوا يترجمون ويصفح مَا ترجموا كاصطفن بن بسيل وموسى بن بسيل وموسى بن خالد الترجماني ويحيى بن هارون وخدم بالطب المتوكل وَكَانَ يلبس الزنار وتعلم لسان اليونانية بأصله وَكَانَ جليلاً فِي ترجمته وهو الَّذِي أصبح معاني كتب بقراط وجالينوس ولخصها أحست تلخيص وكشف مَا استغلق منها وله تآليف نافعة بارعة مثقفة وعمد إِلَى كتب جالينوس فاحتذى حذو الإسكندرانيين وصنفها عَلَى سبيل المسألة والجواب وأحسن فِي ذَلِكَ وله. كتاب فِي المنطق أحسن فِيهِ التقسيم. وألف فِي الأغذية كتاباً عجيباً وله. كتاب فِي تدبير الناقهين فِي الأدوية المسهلة والأغذية عَلَى تدبير الصحة لَمْ يسبقه إِلَيْهِ أحد وله. كناش اختصره من كتاب بواس وألف غيرها كثيراً. وله ولدان أحدهما اسمه داود والثاني اسمه إسحاق فأما إسحاق فخدم عَلَى الترجمة وتولاها وأتقنها وأحسن فِيهَا وَكَانَ نفسه أميل إِلَى الفلسفة وهو ترجم كتاب النفس لأرسطوطاليس تفسير ثامسطيوس وأما داود فكان طبيباً. ومات حنين بالغم من ليلته وذلك أن المتوكل خرج يوماً وبه خمار فقعد مقعده فأخذته الشمس وَكَانَ بَيْنَ يديه الطيفوري النصراني الكاتب وحنين بن إسحاق فقال لَهُ الطيفوري يَا أمير المؤمنين الشمس تضر بالخمار فقال حنين الشمس لا تضر بالخمار فلما تناقضا بَيْنَ يديه قال حنين يَا أمير المؤمنين الخمار حال المخمور فقال المتوكل لقد أحرز حنين من طبائع الألفاظ وتحديد المعاني مَا بان بِهِ عن نظرائه فوجم الطيفوري فلما كَانَ بعد ذَلِكَ اليوم أخرج حنين من كتبه كتاباً فِيهِ صورة المسيح مصلوباً وصوَر ناس من حوله فقتل لَهُ الطيفوري أهؤلاء صلبوا المسيح قال نعم ابصق عليهم قال لا أفعل قال ولِم قال لأنهم ليسوا الذين صلبوا المسيح وإنما هي صور وأشهد عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الطيفوري ورفعه إِلَى المتوكل وسائله إباحة الحكم عَلَيْهِ لديانة النصرانية فبعث إِلَى الجاثليق والأساقفة وسئلوا عن ذَلِكَ فأوجبوا لعنة

стр. 128

حنين فلعن سبعين لعنة بحضرة الملأ من النصارى وقطع زناره وأمر المتوكل أن لا يضل إِلَيْهِ دواء من عند حنين حتى يشرف عَلَيْهِ الطيفوري ويحضر عمله فانصرف إِلَى داره ومات من لينته وقيل مات غماً أَوْ سقى نفسه سماً فهذه قصة موته فجأة والله أعلم. ونسبته إِلَى العباد وهم قوم من النصارى من قبائل شتى اجتمعوا وانفردوا عن الناس فِي قصور ابتنوها لأنفسهم بظاهر الحيرة وتدينوا بدين النصرانية وقالوا نزيد أن نتسمى بعبيد الله ثُمَّ قالوا العبيد اسم يشارك فِيهِ المخلوق الخالق فِي التسمية لأنه يقال عبيد الله وعبيد فلان والعباد اسم اختص الله بِهِ فيقال عباد الله ولا يقال عباد فلان فتسموا بالعباد ومنهم عدي بن زيد العبادي المشهور صاحب القصة مع النعمان بن المنذر. ودخل حنين إِلَى بلاد الروم لأجل تحصيل كتب الحكمة وتوصل فِي تحصيلها غاية إمكانها وأحكم اليونانية عند دخوله إِلَى تِلْكَ الجهات وحصل نفائس هَذَا العلم وعاد يلازم بني موسى ابن شاكر ورغبوه فِي النقل من اللسان اليوناني إِلَى العربي وغرموا عَلَى ذَلِكَ الجمل العظيمة وَلَمْ يزل معظماً مكرماً فِي زمانه مشاراً إِلَيْهِ فِي هَذَا الشأن إِلَى أن توفي يوم الثلاثاء لست خلون من صفر سنة ستين ومائتين وهو أول يوم من كانون الأول سنة ألف ومائة وخمس وثمانين للإسكندر. وله من الكتب الَّتِي ألفها سوى مَا نقله من كتب الحكماء القدماء. كتاب أحكام الأعراب عَلَى مذهب اليونانيين مقالتان. كتاب المسائل فِي الطب للمتعلمين وزاد فِيهَا حبيش الأعسم تلميذه. كتاب الحمام مقالة. كتاب اللين عقلة. كتاب الأغذية ثلاث مقالات. كتاب تقاسيم علل العين مقالة. كتاب اختيار أدوية علل العين مقالة. كتاب مداواة أمراض العين بالحديد مقالة. كتاب آلات الغذاء ثلاث مقالات. كتاب الأسنان واللثة مقالة. كتاب الباء مقالة. كتاب معرفة أوجاع المعدة وعلاجها مقالتان. كتاب تدبير الناقهين مقالة. كتاب المد والجزر مقالة. كتاب السبب الذي صارت لَهُ مياه البحر مالحة. كتاب الألوان مقالة. كتاب المولودين لستة أشهر مقالة عمله لَمْ المتوكل. كتاب فِي البول عَلَى طريق المسألة والجواب ثلاث مقالات. كتاب قاطيغورياس على رأي ثامسطيوس مقالة. كتاب قرص الورد. كتاب القرح

стр. 129

وتولده مقالة. كتاب الآجال مقالة. كتاب تولد الحصاة مقالة. كتاب تولد النار بَيْنَ حجرين مقالة. كتاب اختيار الأدوية المحرقة مقالة. كتاب استخراج كمية كتب جالينوس كتبه إِلَى ابن المنجم .. وَكَانَ إسحاق والد حنين سيد لانيا من أهل الحيرة من ولد العباد الذيت اجتمعوا عَلَى النصرانية فلما نشأ حين أحب العلم فدخل بغداد وحضر مجلس يوحنا بن ماسوية وجعل يخدمه ويقرأ عَلَيْهِ وَكَانَ حنين صاحب سؤال وَكَانَ يصعب عَلَى يوحنا فسأله حنين فِي بعض الأيام مسألة مستفهم فجرد يوحنا وقال مَا لا هل الحيرة والطب عَلَيْكَ ببيع الفلوس فِي الطريق وأمر بِهِ فأخرج من داره فخرج حنين باكياً وهذا عمله يوحنا لأن هؤلاء الجند يسابوريين كانوا يعتقدون أنهم أهل هَذَا العلم ولا يخرجونه عنهم وعن أولادهم وجنسهم وغاب حنين سنين ثُمَّ ذكر يوسف الطبيب أنه كَانَ يوماً عند إسحاق بن الحسين حَتَّى يصر بإنسان لَهُ شعر قَدْ ستر وجهه عنه ببعضها وهو يمشي وينشد شعراً بالرومية لا وميرس الشاعر قال يوسف الطبيب فشبهن نغمته بنغمة صبي كنت أعرفه فصحت بِهِ فأجاب وقال ذكر يوحنا ابن الفاعلة أنه كَانَ من المحال أن يتعلم الطب عبادي فإنا برئ من دين النصرانية إن رضيت أن أنعم الطب حَتَّى أحكم إنسان يوناني وأنا أسألك أن تستر أمري فبقيت منذ ثلاث سنين لَمْ أره ثُمَّ دخلت يوماً عَلَى جبرائيل ابن بختيشوع فوجدت عنده حنيناً وَقَدْ ترجم لَهُ أقساماً قسمها بعض الروم فِي كتاب من كتب التشريح لجالينوس وجبرائيل يخاطبه بالتبجيل فأعظمت مَا رأيت وتبين ذَلِكَ جبرائيل مني فقال لي لا تستكثر هَذَا مني فِي أمر هَذَا الفتى فوالله لئن مد لَهُ فِي العمر ليفضحن سرجيس وسرجيس هَذَا هو الرأس عيني ممن نقل علوم اليونانيين إِلَى السرياني وخرج حنين من عنده ثُمَّ خرجت فإذا حنين قائم ينتظرني فقال لي قَدْ كنت سألتك ستر أمري وأنا الآن أسألك إظهار مَا سمعت من أبي عيسى جبرائيل فقلت لَهُ أخبر يوحنا مَا سمعت من مدحك فأخرج من كمه نسخة وقال تدفع هَذَا إِلَى يوحنا فإذا رأيته قَدْ اشتد إعجابه بِهَا أعلمه أنها إخراجي ففعلت ذَلِكَ من يومي فلما قرأ يوحنا تِلْكَ الفصول وهي المسماة بالجوامع كثر تعجبه وقال ترى أوحى الله تعالى فِي دهرنا إِلَى أحد فقلت لَهُ كيْفَ قال هَذَا إِلاَّ

стр. 130

إخراج مؤيد بروح القدس فقلت هَذَا إخراج حنين بن إسحاق الَّذِي طردته من مجلسك وأمرته أن يبيع فلوساً وحدثته بما سمعته من جبرائيل فتحير وسألني التلطف فِي إصلاح مَا بينهما ففعلت ذَلِكَ فأفضل عَلَيْهِ يوحنا وأحسن إِلَيْهِ. ولم يزل أمره يقوى وعلمه يتزايد وعجائبه تطهر فِي النقل والتفاسير حَتَّى صار ينبوعاً للعلوم ومعدناً للفضائل فلما انتشر ذكره بَيْنَ الأطباء اتصل خبره بالخليفة فأمر بإحضاره ولما حضر أقطع إقطاعاً سنياً وقرر لَهُ جارٍ جيد وَكَانَ الخليفة يسمع علمه ولا يأخذ بقوله دواء يصفه حَتَّى يشاور غيره وأحب امتحانه ليزيل مَا فِي نفسه عَلَيْهِ إذ ظن أن ملك الروم ربما كَانَ قَدْ عمل شيئاً من الحيلة فاستدعاه وأمر بأن يخلع عَلَيْهِ وأخرج توقيعاً لَهُ فِيهِ إقطاع يشتمل عَلَى خمسين ألف درهم فشكر حنين هَذَا الفعل ثُمَّ قل لَهُ بعد أشياء جرت أريد أن تصف لي دواء يقتل عدواً تريد قتله وَلَيْسَ يمكن إشهار هَذَا وتريده سراً فقال حنين مَا تعلمت غير الأدوية النافعة ولا علمت أن أمير المؤمنين يطلب مني غيرها فإن أحب أن أمضي وأتعلم فعلت فقال هَذَا شيء يطول ورغبه وهدده وهو لا يزيد عَلَى مَا قال إِلَى أن أمر بحبسه فِي بعض القلاع ووكل بِهِ من يرفع خبره إِلَيْهِ وقتاً بوقت فحبس سنة وَكَانَ ينقل ويفسر ويصنف وهو غير مكترث بما هو فِيهِ ولما كَانَ بعد سنة أمر الخليفة بإحضاره وإحضار أموال يرغبه فِيهَا وإحضار سيف وقطع وسائر آلات العقوبات ولما حضر قال هَذَا شيء قَدْ طال ولا بد لي مما قلته لَكَ فإن أنعمت فزت بهذا المال وَكَانَ لَكَ عندي إضعافه وإن امتنعت عاقبتك وقتلتك فقال حنين قَدْ قلت لأمير المؤمنين إنني مَا أحسن غير الشيء النافع ولا تعلمت غيره قال الخليفة فإنني أقتلك فقال حنين إِلَى رب يأخذ بحقي غداً فِي الموقف الأعظم فإن اختار أمير المؤمنين أن يظلم نفسه فتبسم الخليفة وقال لَهُ يَا حنين طب نفساً وثق بنا فهذا الفعل منا كَانَ لامتحانك لأننا حذرنا من كيد الملوك فأردنا الطمأنينة إِلَيْكَ والثقة بك لننفع بعلمك فقبل حنين الأرض وشكر لَهُ فقال الخليفة مَا الَّذِي منعك من الإجابة مع مَا رأيته من صدق الأمر منا فِي الحالين قال حنين شيئان يَا أمير المؤمنين قال وَمَا هما قال الذين والصناعة قال وكيف قال الذين يأمرنا باستعمال الخير والجميل مع أعدائنا فكيف ظنك بالأصدقاء والصناعة

стр. 131

تمنعنا من الأضرار بأبناء الجنس لأنها موضوعة لنفعهم ومقصورة عَلَى معالجتهم ومع هَذَا فقد جهل فِي رقاب الأطباء عهد مؤكد بإيمان مغلظة أن لا يعطوا دواء قتالاً فلم أر أن أخالف هذين الأمرين الشريفين ووطنت نفسي عَلَى القتل فإن الله تعالى مَا كَانَ يضيع لي بذل نفسي فِي طاعته فقال الخليفة أنهما شرعان جليلان وأمر بالخلع فأفيضت عَلَيْهِ وحمل المال معه فخرج وهو أحسن الناس حالاً وجاهاً فانظر إِلَى ثمرة الدين والعلم مَا أحلاهما وأحسن منظرهما وفخرهما جعلنا الله وإياك من الشاكرين بهما والمثابين عليهما. حبيش بن الحسن الأعسم كَانَ نصرانياً أحد تلاميذ حنين والناقلين من اليوناني إِلَى السرياني إلى العربي وَكَانَ حنين يقدمه ويعظمه ويصفه ويرضى نقله وقيل من جملة سعادة حنين صحبة حبيش لَهُ فإن أكثر مَا نقله حبيش نسب إِلَى حنين وكثيراً مَا يرى الجهال شيئاً من الكتب القديمة مترجماً بنقل حبيش فيغان الغر منهم أن الناسخ أخطأ فِي الاسم ويغلب عَلَى ظنه أنه حنين وَقَدْ صحف فيكشطه ويجعله لحنين. ولحبيش هَذَا من التصانيف سوى مَا خرجه من اليوناني إِلَى العربي. كتاب الزيادة فِي المسائل الَّتِي لحنين. حنون النصراني الزهاوي الطبيب قرأ الطب عَلَى أطباء الرها ورحل إِلَى ديار بكر فلقي من كَانَ بِهَا بآمد وميافارقين من الحكماء ثُمَّ خدم الناس بطبه وتنقل فِي البلاد بصناعته ورحل إِلَى مملكة قلج أرسلان بن مسعود بن قلج أرسلان بن سليمان ابن قتلمش بن إسرائيل بن سلجوق فخدم أمراء دولته ثُمَّ خرج عن تِلْكَ الديار تِلْكَ ديار بكر وخدم من حصل هناك من البيت الشاه الأرمني وَقَدْ جاء بعده من هزار ديناري ومن خلفه ثُمَّ الداخلين عَلَى تِلْكَ الديار من البيت الأيوبي ورجع إِلَى الرها ثُمَّ جاء إِلَى حلب وقضى نحبه بحلب فِي سنة خمس عشرة وستمائة. الحقير النافع هَذَا جرائحي مصري يهودي كَانَ فِي زمن الحاكم ومن ظريف أمره أنه كَانَ يرتزق بصناعة مداواة الجراح فِي غاية الخمول واتفق أن عرض لرجل الحاكم عقر زمن وَلَمْ يبرأ وَكَانَ ابن مقشر طبيب الحاكم

стр. 132

والحظي عنده وغيره من أطباء الخاص المشاركين لَهُ يتولون علاجه فلا يؤثر ذَلِكَ إِلاَّ شراً فِي العقر فأحضر لَهُ هَذَا اليهودي فلما رآه طرح عَلَيْهِ دواء يابساً فنشفه وشفاه فِي ثلاثة أيام فأطلق لَهُ ألف دينار وخلع عَلَيْهِ ولقبه بالحقير النافع وجعله من أطباء الخاص. الحكم بن أبي الحكم الدمشقي الطبيب هَذَا طبيب كَانَ فِي صدر الدولة العباسية وَكَانَ من المعمرين وأبوه أبو الحكم كَانَ طبيباً فِي صدر الإسلام وسيره بن أبي سفيان مع ولده يزيد طبيباً إِلَى مكة عندما سير يزيد أميراً عَلَى الحج فِي أيامه قال الحكم هَذَا خرج أبي مع يزيد بن معاوية إِلَى مكة طبيباً وخرجت أنا مع عبد الصمد بن علي ابن عبد الله بن العباس طبيباً إِلَى مكة وبين وفاة يزيد بن معاوية وعبد الصمد بن علي مائة ونيف وعشرون سنة والحكم هَذَا هو والد عيسى بن الحكم الطبيب المشهور وتوفي الحكم هَذَا بدمشق وعبد الله بن طاهر يومئذ بدمشق فِي سنة عشر ومائتين فطلب عبد الله متطببيه فِي وقت غذائه فلم يصب أحداً منهم فسأل عنهم فأخبر بوفاة الحكم وحضورهم جنازته فعاتب عبد الله متطببه أيوب بعد منصرفه عَلَى تركه حضور طعامه فاعتذر أيوب بوفاة الحكم وأعلمه أنه مَا يعرف أحداً بلغ من السن فلم يتغير عقله وَلَمْ ينقص علمه غيره فسأله عبد الله عن سنه فأعلمه أنه عمر مائة سنة وخمس سنين فقال عبد الله عاش الحكم نصف التاريخ. وقال عيسى بن الحكم ركبت مع أبي الحكم فِي مدينة دمشق فاجتزنا بحاثوت حجام قَدْ وقف عليه بشر كثير فلما بصر بنا بعض الجماعة قالوا أفرجوا هَذَا الحكم المتطبب وعيسى ابنه فلما أفرج القوم فإذا برجل فد فصده الحجام فِي العرق الباسليق فصداً واسعاً وَكَانَ الباسبيق عَلَى الشريان فلم يحسن الحجام أن يعلق العرق فأصاب الشريان وَلَمْ يكن عند الحجام حيلة فِي قطع الدم فاستعملنا الحيلة فِي قطعه بالرفائد ونسج العنكبوت والوبر فلم ينقطع فسأل الحكم ولده عيسى مَا الحيلة فأعلمه أن لا حيلة عنده قال عيسى فدعا أبي بفستقة مشقوقة فأمر بفتحها وطرح مَا فِيهَا ثُمَّ أخذ أحد نصفي القشرة فجعله عَلَى موضع الفصد ثُمَّ أخذ حاشية كتان غليظ فلف

стр. 133

بِهَا موضع الفصد عَلَى قشر الفستقة لفاً شديداً كَانَ يستغيث المتفصد من شدته ثُمَّ شد ذَلِكَ بعد اللف شداً شديداً وأمر بحمل الرجل إِلَى نهر بردى فأدخل يده فِي الماء ووطأ لَهُ عَلَى شط النهر ونومه عَلَيْهِ وأمر فحسامّحات بيض ووكل بِهِ تلميذين من تلاميذه وأمرهما بمنعه من إخراج يده من موضع الفصد من الماء إِلاَّ عند وقت الصلاة أَوْ يتخوف عَلَيْهِ الموت من شد البردة فإن تخوف أذنا لَهُ فِي إخراج يده هنيهة ثُمَّ أمراه بردها ففعلا ذَلِكَ إِلَى الليل ثُمَّ أمر بحمله إِلَى منزله ونهاه عن تغطية موضع الفصد وعن حل الشد فيل استتمام خمسة أيام ففعل ذَلِكَ إِلاَّ أنه سار إِلَيْهِ فِي اليوم الرابع وَقَدْ ورم عضده وذراعه ورماً شديداً فنفس من الشد شيئاً يسيراً وقال الرجل الورم أسهل من الموت فلما كَانَ فِي اليوم الخامس حل الشد فوجدنا قشر الفستقة ملتصقاً بلحم الرجل فقال والدي للرجل بهذا نجون من الموت وإن قلعت هَذَا القشر قبل انخلاعه وسقوطه من غير فعل منك تلفت نفسك قال عيسى فسقط القشر فِي اليوم السابع وبقي فِي مكانه دم يابس فِي خلقة الفستقة فنهاه أبي عن العبث بِهِ أَوْ حك مَا حوله أَوْ فت شيء من ذَلِكَ الدم فلم يزل ذَلِكَ الدم يتحات حَتَّى انكشف موضع الفصد فِي أكثر من أربعين ليلة وبرأ الرجل.

стр. 134

حرف الخاء المعجمة فِي أسماء الحكماء الخاقاني المنجم وَكَانَ موصوفاً بعلم النجوم وتسييرها وحل أزياجها والكلام عَلَى طبائعها وأحكام الحوادث الصادرة عنها وَلَهُ اشتهار بذلك توفي فِي العشر الثالث من سني المائة الخامسة للهجرة.

стр. 135

حرف الدال المهملة فِي أسماء الحكماء دياقرطيس كَانَ فيلسوفاً فِي وقته من فلاسفة يونان وتكلم فِي الإلهيات وصنف فِي ذَلِكَ كتاباً لديمقراطيس فِي إثبات الصانع ذكر ذَلِكَ يحيى بن عدي. ديمقراطيس طبيب يوناني قديم عالم معالج حكيم مشهور فِي زمانه وَكَانَ قَدْ ركب لنفسه شراباً حفظ بِهِ مزاجه من الأمراض طول حياته وهو شراب نافع لضعف الكبد والمعدة وغلظ الطحال وفساد المزاج البارد وَقَدْ ذكر شابور اقرابا ذينة أخلاطه. داود المنجم كَانَ هَذَا بالعراق فِي الدولة البويهية مقدماً فِي صناعة النجوم وحل الأزياج وتسيير الكواكب قيماً بالأحكام مشهوراً بالكلام فِي علم الحدثان لَهُ تقدم فِي الدولة توفي فِي حدود سنة ثلاثين وأربعمائة.

стр. 136

حرف الذال المعجمة فِي أسماء الحكماء ذومقراطيس فيلسوف يوناني صاحب مقالة فِي الفلسفة متصدر فِي زمانه لإفادة هَذَا الشأن بأرض يونان وقوله مذكور فِي مدارس علومهم هناك وَقَدْ ذكره المترجمون ونقلوا أقاويله وهو القائل بانحلال الأجسام إِلَى جزء لا يتجزأ وَلَهُ فِي ذَلِكَ تآليف نقلها المترجمون إِلَى السريانية ثُمَّ إِلَى العربية ورسائل حسنة مهذبة وَكَانَ فِي زمن سقراط وَكَانَ نسبه رومياً إغريقياً كذا ذكر ابن جلجل. ذيوجالس الكلابي هَذَا فلسوف معروف مشهور الذكر فِي أرض يونان وهو من جملة أصحاب الفرق السبع من فرق حكماء يونان الذين ذكرنا نسب أسمائهم فِي ترجمة أفلاطون وَكَانَ ذيوجالس هَذَا قَدْ راض أصحابه برياضة فارق فِيهَا اصطلاح أهل المدن فِي إطراح التكلف الَّذِي اقتضاه الإصلاح فكان أحدهم يتغوط غير مستتر عن الناس وينكح فِي الطريق إِذَا أراد استنزال الماء الفاسد ويقبل الحسناء من النساء قدام الجمع يأتيه غير متوقف ويقول فيما يأتيه من ذَلِكَ لا يخلو إما أن يكون مَا تفعله قبيحاً عَلَى الإطلاق فلا يحسن فِي موضع دون موضع وَعَلَى صورة وإن كَانَ مما يحسن فِي موضع دون موضع وَعَلَى صورة غير صورة فهذا أمر اصطلاحي لا ضروري فلا أقف معه وزادوا عَلَى ذَلِكَ أنهم كانوا يحبون من قرب منهم ويكرهون من بعد عنهم فقال أهل الزمان الذين كانوا فِيهِ هَذِهِ الأفعال تشبه أفعال الكلاب فسموهم بذلك وَقَدْ جاءت فِي زماننا هَذَا فرقة من فرق البطالين فعلوا مثل ذَلِكَ وتسموا

стр. 137

بأصحاب الملامة أي أنهم يأتون من الأفعال الخارجة عن الاصطلاح مَا يلامون عَلَيْهِ وَكَانَتْ فلسفة ذيوجالس من الفلسفة الأولى الَّتِي لَمْ تتحقق قواعدها. ذياسقوريذوس العين زربي حكيم فاضل كامل من أهل مدينة عين زربة شامي يوناني حشائشتي كَانَ بعد بقراط وفسر من كتبه كثيراً وهو أعلم من تكلم فِي أصل علاج الطب وهو العلامة فِي العقاقير المفردة وتكلم فِيهَا عَلَى سبيل التجنيس والتنويع وَلَمْ يتكلم فِي الدرجات وألف. كتاب الخمس مقالات قال جالينوس تصفحت أربعة عشر مصحفاً فِي الأدوية المفردة لأقوام شتى فما رأيت فِيهَا أتم من كتاب ذياسقوريذوس وعليه احتذى كل من احتذى بعده وخلد فِيهَا منّي نافعاً وعلماً جماً. ومعنى اسمه فِي اليونانية شجار الله لأن ذيلاسقوريذوس الله أي ملهم الله عَلَى القول فِي الأشجار والحشائش وَلَهُ فِي السمائم. كتابان مقالتان أتي فيهما بقول حسن وَكَانَ ذياسقوريذس هَذَا يهال لَهُ السائح فِي البلاد ويحيى النحوي الإسكندراني يمدحه فِي كتابه فِي التاريخ ويقول تفديه الأنفس صاحب النفس الزكية النافع للناس المنفعة الجليلة المتعوب المنصوب السائح فِي البلاد المقتبس لعلوم الأدوية المفردة من البراري والجزائر والبحار والمصور لَهَا المعدد لمنافعها ويقال أن المقالتين المضافتين إِلَى الخمس مقالات محلتا إِلَيْهِ. ذروئيوس رياضي رومي مذكور لَهُ يد طولى فِي علم الأفلاك والأحكام النجومية وتصانيف مشهورة عند أهل هَذَا النوع فمن تصانيفه. كتاب الخمسة يحتوي عَلَى عدة كتب الأول فِي المواليد والثاني فِي التواريخ والأدوار والثالث فِي الهيلاج والكدخداه والرابع فِي تحويل سني المواليد

стр. 138

والخامس فِي ابتداء الأعمال والكتاب السادس والكتاب السابع فِي المسائل والمواليد وَلَهُ الكتاب السادس عشر فِي تحويل سني المواليد وهذه الكتب فسرها عمر بن الفرخان الطبري. يوفنطس اليوناني الإسكندراني فاضل كامل مشهور فِي وقته وتصليفه وهو صناعة الجبر كتاب مشهور مذكور خرج إِلَى العربية وعليه عمل أهل هَذِهِ الصناعة وإذا تبحره الناظر رأي بحراً فِي هَذَا النوع. ذيسقوريذس الكحال يقال أنه أول من انفرد واشتهر بصناعة الكحل ذكره ابن بختيشوع فِي تاريخه وَلَمْ يزد عَلَى ذَلِكَ. ذو النون بن إبراهيم الإخميمي المصري من طبقة جابر بن حيان فِي انتحال صناعة الكيمياء وتقلد علم الباطن والأشراف عَلَى كثير من علوم الفلسفة وَكَانَ كثير الملازمة لبرّباً بلدة إخميم فإنها بيت من بيوت الحكمة القديمة وفيها التصاوير العجيبة والمثالات الغريبة الَّتِي تزيد المؤمن إيماناً والكافر طغياناً ويقال أنه فتح عَلَيْهِ علم مَا فِيهَا بطريق الولاية وَكَانَتْ لَهُ كرامات.

стр. 139

حرف الراء المهملة فِي أسماء الحكماء روفس حكيم طبائعي خبير بصناعة الطب فِي وقته متصدر للتعليم والمعاناة للطب وَلَهُ فِي ذَلِكَ تصانيف وآراء إِلاَّ أنه كَانَ ضعيف النظر مدخول الأدلة وَكَانَ قديم العهد من مدينة أفسس قبل جالينوس ردّ عَلَيْهِ أكثر أقواله أرسطوطاليس فِي كتبه الطبيعيات وردّ عَلَيْهِ جالينوس أيضاً مثل ذَلِكَ وأقاموا الحجج الواضحة عَلَى غلطه والبراهين المحققة عَلَى خطأه وسهوه وَلَمْ تكن الصناعة تحققت فِي زمنه تحققها فِي زمن هذين الفاضلين وَلَهُ تصانيف كثيرة فِي الطب نقلت إِلَى العربية. رَوْشَمْ المصري هَذَا الرجل كَانَ بمصر قبل الإسلام وهو قيم بعلوم الكيمياء وأصولها وتفضيلها وأحكام أمر تركيبها وإبانة الأدلة عَلَى وجودها وَلَهُ فِي ذَلِكَ كتب جليلة مشهورة عند علماء هَذَا النوع يتنافسون فِي تحصيلها والظفر بِهَا. رزق الله المنجم النحاس المصري قال أبو الصلت أمية هو رجل يعرف برزق الله النحاس وَلَهُ فِي فروع النجامة بعض دربة وبتجرباتها بعض خبرة وهو شيخ أكثر المنجمين بمصر وكبيرهم الَّذِي علمهم السحر فجميعهم إِلَيْهِ منسوب وَفِي جريدته مكتوب وبفضله معترف وهو شيخ مطبوع يتطايب. ومن حكاياته الظريفة عن نفسه قال سألتني امرأة مصرية أن أنظر لَهَا فِي مسألة تخصها فأخذت ارتفاع الشمس للوقت وحققت درجة الطالع والبيوت الاثني عشر ومراكز الكواكب ورسمت ذَلِكَ كله بَيْنَ يدي فِي تخت الحساب وجعلت أتكلم عَلَى بيت بيت منها عَلَى العادة وهي ساكتة فوجمت لذلك وأدركتني فترة وَكَانَتْ قَدْ ألقت إليّ درهماً قال فعاودت الكلام وقلت أرى عَلَيْكَ قطعاً من بيت مالك فاحتفظي واحترمي فقالت الآن أصبت وصدقت

стр. 140

قَدْ كَانَ والله مَا ذكرت قلت وهل ضاع لَكَ شيء قالت نعم الدرهم الَّذِي ألقيت بِهِ إِلَيْكَ وتركتني وانصرفت. ربن الطبري الطبيب اليهودي المنجم هَذَا رجل من أهل طبرستان كَانَ حكيماً طبيباً عالماً بالهندسة وأنواع الرياضة وحل كتباً حكمية من لغة إِلَى لغة أخرى وَكَانَ ولده علي طبيباً مشهوراً انتقل إِلَى العراق وسكن سر من رأى وربن هَذَا كَانَ لَهُ تقدم فِي علم اليهود والربن والربين والراب أسماء لمقدمي شريعة اليهود وسئل أبو معشر عن مطارح الشعاع فذكرها وساق الحديث إِلَى أن قال أن المترجمين لنسخ المجسطي المخرجة من لغة يونان مَا ذكروا الشعاع ولا مطارحه ولا يوجد ذَلِكَ إِلاَّ فِي النسخة الَّتِي ترجمها ربن المتطبب الطبري وَلَمْ يوجد فِي النسخ القديمة مطرح شعاع بطليموس وَلَمْ يعرفه التراجمة.

стр. 141

حرف الزاء المعجمة فِي أسماء الحكماء زكريا الطيفوري هَذَا ولد إسرائيل متطبب الفتح بن خلقان وَكَانَ فِي خدمة الافشيين وحكى حكاية أسندها إِلَى أحمد بن موسى المنجم أنه اجتمع فِي بعض الأوقات مع أصدقاء لَهُ عَلَى قصد بستان بقطربل والمقام فِيهِ ففعلوا فأكلوا وشربوا وتوسطوا شربهم إذ دخل عليهم صديق من بغداد فأكل بقية وابتدأ بالشرب فحين شرب أقداحاً سقط ميتاً من أمره واتهموا الطعام والشراب وقلبوا الدن الذين كانوا يشربون والرجل منه فوجدوا أفعى قَدْ انتفخت فِيهِ ولما فه ولما مضى عليهم ثلاث ساعات وَلَمْ يصبهم شيء علموا أنهم ق تخلصوا وفكروا فِي أمرهم فإذا قَدْ أكلوا فِي صدر نهارهم عند دخولهم البستان من التفاح الجلفت شيئاً كثيراً فسلموا لذلك وسمع هَذَا الحديث يوحنا تلميذ جهاز بخت فحكى عن أستاذه أنه قال التفاح الجلفت شفاء من الأفاعي والحيات بنواحي خراسان فإنهم يتخذونه فِي وقته ويصيرونه فِي سمن البقر ويعالجون بِهِ كما يعالج بالترياق قال وهو ذا يستعمله أهل عسكر مكرم فِي لسع الجرور وظهر هَذَا بالعراق وصار دواء مقاوماً للسموم وذكر اللبوس فِي كتابه خواص الحيوان أن الأيل إِذَا أكل حية يخشى سمها عند إِلَى شجرة التفاح الجلفت فيأكل منها فيسلم وذكر زكريا الطيفوري قال كنت مع الافشيين فِي معسكره وهو فِي محاربة بابك فلما بلغت القراءة بالقارئ إِلَى موضع الصيادلة قال لي يَا زكريا ضبط هؤلاء الصيادلة عندي أولى مما تتقدم فِيهِ فامتحنهم حَتَّى تعرف منهم من الناصح ومن غير الناصح ومن لَهُ دين ومن لا دين لَهُ فقلت أعز الله الأميران يوسف لقوة الكيميائي كَانَ يدخل عَلَى المأمون كثيراً ويعمل بَيْنَ يديه فقال لَهُ يوماً ويحك يَا يوسف لَيْسَ فِي الكيمياء شيء فقال بلى يَا أمير

стр. 142

المؤمنين الصيدلان لا يطلب منه شيء من الأشياء كَانَ عنده أَوْ لَمْ يكن اأخبر بأنه عنده ودفع إِلَى طالبه شيئاً من الأشياء التي عنده وقال هَذَا الَّذِي طلبت فإن رأي أمير المؤمنين أن يضع اسماً من الأسماء لا يعرف ويوجه إِلَى جماعة من الصيادلة فِي طلبه لابتياع فليفعل فقال المأمون قَدْ وضعت الاسم وهو شفطيثا وشفطيثا ضيعة من الضياع بقرب مدينة السلام فسير المأمون جماعة إِلَى الصيادلة يسألهم عن شفطيثا فكل ذكر أنه عنده وأخذ الثمن ودفع شيئاً من حانوته فصاروا إِلَى المأمون بأشياء مختلفة فمنهم من أتى بقطعة حجر ومنهم من أتى بقطعة وتد ومنهم من أتى ببعض البزور فاستحسن المأمون نصح يوسف لقوة عن نفسه قال زكريا للافشين فإن رأى الأمير أن يمتحن هؤلاء الصيادلة بمثل محنة المأمون فليفعل فدعا الافشين بدفتر من دفاتر الأسروشنية فأخرج منه نحواً من عشرين اسماً ووجه إِلَى الصيادلة من يطلب منهم أدوية مسماة بتلك الأسماء لبعض أنكرها وبعض ادعى معرفتها وأخذ الدراهم من الرسل ودفع إليهم شيئاً من حانوته فأمر الافشين بإحضار جميع الصيادلة فمن أنكر معرفة تِلْكَ الأسماء أذن لهم فِيهَا بالمقام فِي معسكره ونفى الباقين عن المعسكر ونادى فِي معسكره بذلك وكتب إِلَى المعتصم يلتمس بعثه إِلَيْهِ بصيادلة لهم أديان ومتطببين مثل ذَلِكَ فاستحسن المعتصم فعله ووجه إِلَيْهِ بمن سأل.

стр. 143

حرف السين المهملة فِي أسماء الحكماء سليمان بن حسان الطبيب الأندلسي المعروف بابن جلجل ذكي لَهُ تفرد بصناعة الطب وَلَهُ ذكر فِي عصره ومصره وَكَانَ لَهُ تطلع عَلَى علوم الأوائل وأخبارهم وَلَهُ تصنيف صغير فِي تاريخ الحكماء لَمْ يشف فِيهِ عليلاً وكيف وَقَدْ أورد من الكثير قليلاً ومع هَذَا فقد كَانَ حسن الإيزاد. سنان بن الفتح من أهل حران كَانَ مقدماً فِي صناعة الحساب والأعداد مشهور فِي زمانه بذلك وصنف فِي ذَلِكَ تصانيف مشهورة. سنان بن ثابت بن قرة الحراني أبو سعيد كَانَ طبيباً مقدماً كأبيه وَكَانَ طبيب المقتدر خصيصاً بِهِ ثُمَّ خدم القاهر وإليه يرجع وَعَلَى وصفه يعتمد قَدْ سكنت نفسه إِلَيْهِ ووثق بِهِ بعنايته ولكثرة اغتباط القاهر بِهِ أراده عَلَى الإسلام فامتنع امتناعاً كثيراً فتهدده القاهر فخافه لشدة سطوته فأسلم وأقام مدة ثُمَّ رأى من القاهر أنه إِذَا أمره أمراً أخافه فانهزم إِلَى خراسان وعاد وتوفي ببغداد مسلماً فِي سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة وَكَانَ أمره قَدْ ظهر فِي أيام المقتدر وعظمت منزلته حَتَّى صار رئيساً عَلَى الأطباء. وَفِي سنة تسع عشرة وثلاثمائة اتصل بالمقتدر أن رجلاً من الأطباء غلط عَلَى رجل فمات فأمر بإبطيحة محتسبه بمنع جميع الأطباء إِلاَّ من امتحنه سنان وكتب لَهُ رقعة بما يطلق لَهُ التصرف فِيهِ من الصناعة وأمر سناناً بامتحانهم وان

стр. 144

يطلق لكل واحد منهم مَا يصلح أن يتصرف فِيهِ من الصناعة وبلغ عددهم فِي الجانبين من بغداد ثمانمائة ونيفاً وستين رجلاً سوى من استغنى عن امتحانه باشتهاره بالتقدم فِي الصناعة وسوى من كَانَ فِي خدمة السلطان ومن ظريف مَا جرى فِي امتحان الأطباء أنه أحضر إِلَى سنان رجل مليح البزة والهيئة ذو هيبة ووقار فأكرمه سنان عَلَى موجب منظره ورفعه وصار إِذَا جرى أمر التفت إِلَيْهِ وَلَمْ يزل كذلك حَتَّى انقضى شغله فِي ذَلِكَ اليوم ثُمَّ التفت إِلَيْهِ سنان فقال قَدْ اشتهيت أن أسمع من الشيخ شيئاً أحفظ عنه وأن يذكر شيخه فِي الصناعة فأخرج الشيخ من كمه قرطاساً فِيهِ دنانير صالحة ووضعها بَيْنَ يدي سنان وقال مَا أحسن أن أكتب ولا أقرأ ولا قرأت شيئاً جملة ولي عيال ومعاشي دار دائرة وأسألك أن لا تقطعه عني فضحك سنان وقال عَلَى شريطة أنك لا تهجم علي مريض لما لَمْ تعلم ولا تشير بفصد ولا بدواء مسهل إِلاَّ لما قرب من الأمراض قالا الشيخ هَذَا مذهبي مذ كنت وأحضر إِلَيْهِ غلام شاب حسن البزة مليح الوجه ذكيّ فنظر إِلَيْهِ سنان وقال لَهُ علي من قرأت قال علي أبي قال ومن أبوك قال الشيخ الَّذِي كَانَ عندك بالأمس قال نعم الشيخ وأنت مذهبه قال نعم قال لا تتجاوزه وانصرف مصاحباً. ومن أخباره أنه لما مات الراضي استدعي بجكم سناناً وَكَانَ بواسط العراق وسأله الانحدار إِلَيْهِ وَلَمْ يتمكن من الطلوع فِي ذَلِكَ قبل موت الراضي لملازمة سنان بخدمته فانحدر إِلَيْهِ وأكرمه ووصله وقال لَهُ أريد أن أعتمد عَلَيْكَ فِي تدبيري وتفقد جسمي والنظر إِلَى مصالحه وَفِي أمر أخلاقي لثقتي بعقلك وفضلك ودينك ومروءتك فقد غلبني الغضب وغمني ذَلِكَ حَتَّى أنني أخرج إِلَى مَا أندم عَلَيْهِ عند سكوته من ضرب أَوْ قتل وأسألك أن تتفقد عيوبي وتصدقني فِيهَا وترشدني إِلَى علاجها لتزول عني فقال سنان إنما بحيث يأمر الأمير ولكن أنك أَيُّها الأمير قَدْ أصبحت وَلَيْسَ فَوْقَ يدك يد لأحد من المخلوقين وإنك مالك لكل مَا تريده قادر عَلَيْهِ أي وقت أردته ولا يمكن لأحد منعك والغضب والغيظ يحدثان سكراً أشد من سكر النبيذ وكما أن الإنسان يفعل فِي سكره مَا لا يقوله ولا يذكره إِذَا صحا ويندم عَلَيْهِ إِذَا حدث بِهِ استحياء كذلك يحدث لَهُ ي سكر الغضب والغيظ بل اشد فإذا بدأ بك

стр. 145

الغضب وحسست بِهِ فضع فِي نفسك قبل أن يشتد ويقوى ويخرج الأمر من يدك أن تؤخر العقوبة إِلَى غد واثقاً بأم مَا تريد أن تعمله فِي الوقت لا يفوتك عمله فِي غد وَقَدْ قيل من لَمْ يخف فوتاً حلم فإنك إِذَا فعلت ذَلِكَ ذهب السكر وتمكنت من العقل والرأي الصحيح وَقَدْ قيل أصح مَا يكون الإنسان رأياً إِذَا استدبر ليله واستقبل نهاره فإذا صحوت من سكرك الغضبى فتأمل الَّذِي أغضبك ولا تشف غضبك بما يؤتمك فقد قيل مَا شفى غيظه من إثم بذنبه واذكر قدرة الله عَلَيْكَ وإنك محتاج إِلَى عفوه ورحمته وخاصة فِي أوقات الشدائد واذكر دائماً قوله تعالى وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم وقوله تعالى وإن تعفوا أقرب للتقوى فإن أوجبت الحال العفو فاعف وإن أوجبت العقوبة كَانَ الأمر إِلَيْكَ ولا تتجاوز قدر العقوبة فِي الذنب فيذهب ويقبح فِي الناس ذكرك وإذا أخذت نفسك بهذه مرة وثانية وثالثة صارت بعد ذَلِكَ سجية لَكَ وعادة فاستحسن بحكم ذَلِكَ منه وَلَمْ يزل يصلح أخلاقه شيئاً فشيئاً حَتَّى صلحت واستقامت واستطابت فعل الخير ودفع الظلم والجور وبأن لَهُ أن العدل أربح للسلطان فعمل بواسط وقت المجاعة دار ضيافة وببغداد مارستانا وأكرم سناناً غاية الإكرام وعظمة نهاية التعظيم. وَكَانَتْ منزلة سنان كبيرة عند المراء والوزراء فمن ذَلِكَ أن الوزير علي بن عيسى بن الجراح وقع إِلَيْهِ فِي سنة كثرت فِيهَا الأمراض والوباء توقيعاً نسخته فكبرت مد الله فِي عمرك فِي أمر من فِي الحبوس وانهم لا يخلون مع كثرة عددهم وجفاء أماكنهم أن تنالهم الأمراض وهم معوقين من التصرف فِي منافعهم ولقاء من يشاورونه من الأطباء فِي أمراضهم فينبغي أكرمك الله أن تفرد لهم أطباء يدخلون إليهم فِي كل يوم ويحملون معهم الأدوية والأشربة وَمَا يحتاجون إِلَيْهِ من المزورات وتتقدم إليهم بأن يدخلوا سائر الحبوس ويعالجوا من فِيهَا من المرضى ويريحوا عالمهم فيما يصفونه لهم إن شاء الله تعالى ففعل سنان ذَلِكَ ثُمَّ وقع إِلَيْهِ توقيعاً آخر فكرت فيمن بالسواد من أهله وأنه لا يخلو من أن يكون فِيهِ مرضى لا يشرف متطبب عليهم لخلو السواد من الأطباء فتقدم مد الله فِي عمرك بإنفاذ متطببين وخزانة من الأدوية والأشربة يطوفون فِي السواد
следующие страницы →