← Тараджим

Тараджим · id 26336

إخبار العلماء بأخبار الحكماء

جمال الدين القفطي

Полный текст (319 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

حرف الزاء المعجمة فِي أسماء الحكماء زكريا الطيفوري هَذَا ولد إسرائيل متطبب الفتح بن خلقان وَكَانَ فِي خدمة الافشيين وحكى حكاية أسندها إِلَى أحمد بن موسى المنجم أنه اجتمع فِي بعض الأوقات مع أصدقاء لَهُ عَلَى قصد بستان بقطربل والمقام فِيهِ ففعلوا فأكلوا وشربوا وتوسطوا شربهم إذ دخل عليهم صديق من بغداد فأكل بقية وابتدأ بالشرب فحين شرب أقداحاً سقط ميتاً من أمره واتهموا الطعام والشراب وقلبوا الدن الذين كانوا يشربون والرجل منه فوجدوا أفعى قَدْ انتفخت فِيهِ ولما فه ولما مضى عليهم ثلاث ساعات وَلَمْ يصبهم شيء علموا أنهم ق تخلصوا وفكروا فِي أمرهم فإذا قَدْ أكلوا فِي صدر نهارهم عند دخولهم البستان من التفاح الجلفت شيئاً كثيراً فسلموا لذلك وسمع هَذَا الحديث يوحنا تلميذ جهاز بخت فحكى عن أستاذه أنه قال التفاح الجلفت شفاء من الأفاعي والحيات بنواحي خراسان فإنهم يتخذونه فِي وقته ويصيرونه فِي سمن البقر ويعالجون بِهِ كما يعالج بالترياق قال وهو ذا يستعمله أهل عسكر مكرم فِي لسع الجرور وظهر هَذَا بالعراق وصار دواء مقاوماً للسموم وذكر اللبوس فِي كتابه خواص الحيوان أن الأيل إِذَا أكل حية يخشى سمها عند إِلَى شجرة التفاح الجلفت فيأكل منها فيسلم وذكر زكريا الطيفوري قال كنت مع الافشيين فِي معسكره وهو فِي محاربة بابك فلما بلغت القراءة بالقارئ إِلَى موضع الصيادلة قال لي يَا زكريا ضبط هؤلاء الصيادلة عندي أولى مما تتقدم فِيهِ فامتحنهم حَتَّى تعرف منهم من الناصح ومن غير الناصح ومن لَهُ دين ومن لا دين لَهُ فقلت أعز الله الأميران يوسف لقوة الكيميائي كَانَ يدخل عَلَى المأمون كثيراً ويعمل بَيْنَ يديه فقال لَهُ يوماً ويحك يَا يوسف لَيْسَ فِي الكيمياء شيء فقال بلى يَا أمير

стр. 142

المؤمنين الصيدلان لا يطلب منه شيء من الأشياء كَانَ عنده أَوْ لَمْ يكن اأخبر بأنه عنده ودفع إِلَى طالبه شيئاً من الأشياء التي عنده وقال هَذَا الَّذِي طلبت فإن رأي أمير المؤمنين أن يضع اسماً من الأسماء لا يعرف ويوجه إِلَى جماعة من الصيادلة فِي طلبه لابتياع فليفعل فقال المأمون قَدْ وضعت الاسم وهو شفطيثا وشفطيثا ضيعة من الضياع بقرب مدينة السلام فسير المأمون جماعة إِلَى الصيادلة يسألهم عن شفطيثا فكل ذكر أنه عنده وأخذ الثمن ودفع شيئاً من حانوته فصاروا إِلَى المأمون بأشياء مختلفة فمنهم من أتى بقطعة حجر ومنهم من أتى بقطعة وتد ومنهم من أتى ببعض البزور فاستحسن المأمون نصح يوسف لقوة عن نفسه قال زكريا للافشين فإن رأى الأمير أن يمتحن هؤلاء الصيادلة بمثل محنة المأمون فليفعل فدعا الافشين بدفتر من دفاتر الأسروشنية فأخرج منه نحواً من عشرين اسماً ووجه إِلَى الصيادلة من يطلب منهم أدوية مسماة بتلك الأسماء لبعض أنكرها وبعض ادعى معرفتها وأخذ الدراهم من الرسل ودفع إليهم شيئاً من حانوته فأمر الافشين بإحضار جميع الصيادلة فمن أنكر معرفة تِلْكَ الأسماء أذن لهم فِيهَا بالمقام فِي معسكره ونفى الباقين عن المعسكر ونادى فِي معسكره بذلك وكتب إِلَى المعتصم يلتمس بعثه إِلَيْهِ بصيادلة لهم أديان ومتطببين مثل ذَلِكَ فاستحسن المعتصم فعله ووجه إِلَيْهِ بمن سأل.

стр. 143

حرف السين المهملة فِي أسماء الحكماء سليمان بن حسان الطبيب الأندلسي المعروف بابن جلجل ذكي لَهُ تفرد بصناعة الطب وَلَهُ ذكر فِي عصره ومصره وَكَانَ لَهُ تطلع عَلَى علوم الأوائل وأخبارهم وَلَهُ تصنيف صغير فِي تاريخ الحكماء لَمْ يشف فِيهِ عليلاً وكيف وَقَدْ أورد من الكثير قليلاً ومع هَذَا فقد كَانَ حسن الإيزاد. سنان بن الفتح من أهل حران كَانَ مقدماً فِي صناعة الحساب والأعداد مشهور فِي زمانه بذلك وصنف فِي ذَلِكَ تصانيف مشهورة. سنان بن ثابت بن قرة الحراني أبو سعيد كَانَ طبيباً مقدماً كأبيه وَكَانَ طبيب المقتدر خصيصاً بِهِ ثُمَّ خدم القاهر وإليه يرجع وَعَلَى وصفه يعتمد قَدْ سكنت نفسه إِلَيْهِ ووثق بِهِ بعنايته ولكثرة اغتباط القاهر بِهِ أراده عَلَى الإسلام فامتنع امتناعاً كثيراً فتهدده القاهر فخافه لشدة سطوته فأسلم وأقام مدة ثُمَّ رأى من القاهر أنه إِذَا أمره أمراً أخافه فانهزم إِلَى خراسان وعاد وتوفي ببغداد مسلماً فِي سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة وَكَانَ أمره قَدْ ظهر فِي أيام المقتدر وعظمت منزلته حَتَّى صار رئيساً عَلَى الأطباء. وَفِي سنة تسع عشرة وثلاثمائة اتصل بالمقتدر أن رجلاً من الأطباء غلط عَلَى رجل فمات فأمر بإبطيحة محتسبه بمنع جميع الأطباء إِلاَّ من امتحنه سنان وكتب لَهُ رقعة بما يطلق لَهُ التصرف فِيهِ من الصناعة وأمر سناناً بامتحانهم وان

стр. 144

يطلق لكل واحد منهم مَا يصلح أن يتصرف فِيهِ من الصناعة وبلغ عددهم فِي الجانبين من بغداد ثمانمائة ونيفاً وستين رجلاً سوى من استغنى عن امتحانه باشتهاره بالتقدم فِي الصناعة وسوى من كَانَ فِي خدمة السلطان ومن ظريف مَا جرى فِي امتحان الأطباء أنه أحضر إِلَى سنان رجل مليح البزة والهيئة ذو هيبة ووقار فأكرمه سنان عَلَى موجب منظره ورفعه وصار إِذَا جرى أمر التفت إِلَيْهِ وَلَمْ يزل كذلك حَتَّى انقضى شغله فِي ذَلِكَ اليوم ثُمَّ التفت إِلَيْهِ سنان فقال قَدْ اشتهيت أن أسمع من الشيخ شيئاً أحفظ عنه وأن يذكر شيخه فِي الصناعة فأخرج الشيخ من كمه قرطاساً فِيهِ دنانير صالحة ووضعها بَيْنَ يدي سنان وقال مَا أحسن أن أكتب ولا أقرأ ولا قرأت شيئاً جملة ولي عيال ومعاشي دار دائرة وأسألك أن لا تقطعه عني فضحك سنان وقال عَلَى شريطة أنك لا تهجم علي مريض لما لَمْ تعلم ولا تشير بفصد ولا بدواء مسهل إِلاَّ لما قرب من الأمراض قالا الشيخ هَذَا مذهبي مذ كنت وأحضر إِلَيْهِ غلام شاب حسن البزة مليح الوجه ذكيّ فنظر إِلَيْهِ سنان وقال لَهُ علي من قرأت قال علي أبي قال ومن أبوك قال الشيخ الَّذِي كَانَ عندك بالأمس قال نعم الشيخ وأنت مذهبه قال نعم قال لا تتجاوزه وانصرف مصاحباً. ومن أخباره أنه لما مات الراضي استدعي بجكم سناناً وَكَانَ بواسط العراق وسأله الانحدار إِلَيْهِ وَلَمْ يتمكن من الطلوع فِي ذَلِكَ قبل موت الراضي لملازمة سنان بخدمته فانحدر إِلَيْهِ وأكرمه ووصله وقال لَهُ أريد أن أعتمد عَلَيْكَ فِي تدبيري وتفقد جسمي والنظر إِلَى مصالحه وَفِي أمر أخلاقي لثقتي بعقلك وفضلك ودينك ومروءتك فقد غلبني الغضب وغمني ذَلِكَ حَتَّى أنني أخرج إِلَى مَا أندم عَلَيْهِ عند سكوته من ضرب أَوْ قتل وأسألك أن تتفقد عيوبي وتصدقني فِيهَا وترشدني إِلَى علاجها لتزول عني فقال سنان إنما بحيث يأمر الأمير ولكن أنك أَيُّها الأمير قَدْ أصبحت وَلَيْسَ فَوْقَ يدك يد لأحد من المخلوقين وإنك مالك لكل مَا تريده قادر عَلَيْهِ أي وقت أردته ولا يمكن لأحد منعك والغضب والغيظ يحدثان سكراً أشد من سكر النبيذ وكما أن الإنسان يفعل فِي سكره مَا لا يقوله ولا يذكره إِذَا صحا ويندم عَلَيْهِ إِذَا حدث بِهِ استحياء كذلك يحدث لَهُ ي سكر الغضب والغيظ بل اشد فإذا بدأ بك

стр. 145

الغضب وحسست بِهِ فضع فِي نفسك قبل أن يشتد ويقوى ويخرج الأمر من يدك أن تؤخر العقوبة إِلَى غد واثقاً بأم مَا تريد أن تعمله فِي الوقت لا يفوتك عمله فِي غد وَقَدْ قيل من لَمْ يخف فوتاً حلم فإنك إِذَا فعلت ذَلِكَ ذهب السكر وتمكنت من العقل والرأي الصحيح وَقَدْ قيل أصح مَا يكون الإنسان رأياً إِذَا استدبر ليله واستقبل نهاره فإذا صحوت من سكرك الغضبى فتأمل الَّذِي أغضبك ولا تشف غضبك بما يؤتمك فقد قيل مَا شفى غيظه من إثم بذنبه واذكر قدرة الله عَلَيْكَ وإنك محتاج إِلَى عفوه ورحمته وخاصة فِي أوقات الشدائد واذكر دائماً قوله تعالى وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم وقوله تعالى وإن تعفوا أقرب للتقوى فإن أوجبت الحال العفو فاعف وإن أوجبت العقوبة كَانَ الأمر إِلَيْكَ ولا تتجاوز قدر العقوبة فِي الذنب فيذهب ويقبح فِي الناس ذكرك وإذا أخذت نفسك بهذه مرة وثانية وثالثة صارت بعد ذَلِكَ سجية لَكَ وعادة فاستحسن بحكم ذَلِكَ منه وَلَمْ يزل يصلح أخلاقه شيئاً فشيئاً حَتَّى صلحت واستقامت واستطابت فعل الخير ودفع الظلم والجور وبأن لَهُ أن العدل أربح للسلطان فعمل بواسط وقت المجاعة دار ضيافة وببغداد مارستانا وأكرم سناناً غاية الإكرام وعظمة نهاية التعظيم. وَكَانَتْ منزلة سنان كبيرة عند المراء والوزراء فمن ذَلِكَ أن الوزير علي بن عيسى بن الجراح وقع إِلَيْهِ فِي سنة كثرت فِيهَا الأمراض والوباء توقيعاً نسخته فكبرت مد الله فِي عمرك فِي أمر من فِي الحبوس وانهم لا يخلون مع كثرة عددهم وجفاء أماكنهم أن تنالهم الأمراض وهم معوقين من التصرف فِي منافعهم ولقاء من يشاورونه من الأطباء فِي أمراضهم فينبغي أكرمك الله أن تفرد لهم أطباء يدخلون إليهم فِي كل يوم ويحملون معهم الأدوية والأشربة وَمَا يحتاجون إِلَيْهِ من المزورات وتتقدم إليهم بأن يدخلوا سائر الحبوس ويعالجوا من فِيهَا من المرضى ويريحوا عالمهم فيما يصفونه لهم إن شاء الله تعالى ففعل سنان ذَلِكَ ثُمَّ وقع إِلَيْهِ توقيعاً آخر فكرت فيمن بالسواد من أهله وأنه لا يخلو من أن يكون فِيهِ مرضى لا يشرف متطبب عليهم لخلو السواد من الأطباء فتقدم مد الله فِي عمرك بإنفاذ متطببين وخزانة من الأدوية والأشربة يطوفون فِي السواد

стр. 146

ويقيمون فِي كل صقع منه مدة مَا تدعو الحاجة إِلَى مقامهم ويعالجون من فِيهِ ثُمَّ ينقلون إِلَى غيره ففعل سنان ذَلِكَ وانتهى أصحاب إِلَى سورا والغالب عَلَى أهلها اليهود فكنب سنان إِلَى الوزير علي بن عيسى يعرفه ورود كتب أصحابه عَلَيْهِ من السواد بأن اكثر من بسورا ونهر ملك يهود وانهم استأذنوا فِي المقام عليهم وعلاجهم أَوْ الانصراف عنهم إِلَى غيرهم وأنه لا يعلم بما يجيبهم بِهِ إذ كَانَ لا يعرف رأيه فِي أهل الذمة وأعلمه أن الرسم فِي بيمارستان الحضرة قَدْ جرى للملي والذمي فوقع الوزير توقيعاً نسخته فهمت مَا كتبت بِهِ أكرمك الله وَلَيْسَ بيننا خلاف فِي أن معالجه أهل الذمة والبهائم صواب ولكن الَّذِي يجيب تقديمه والعمل بِهِ معالجة الناس قبل البهائم والمسلمين قبل أهل الذمة فإذا فضل عن المسلمين مَا لا يحتاجون إِلَيْهِ صرف فِي الطبقة الَّتِي بعدهم فاعمل أكرمك الله عَلَى ذَلِكَ واكتب إِلَى أصحابك بِهِ ووصى بالتنقل فِي القرى والمواضع الَّتِي فِيهَا الوباء الكثيرة الأمراض الفاشية وإن لَمْ يجدوا بذرقة توقفوا عن المسير حَتَّى يصح لهم الطريق ويصلح السبيل فإنهم إذَا فعلوا هَذَا وفقوا إن شاء الله تعالى. وفي سنة ست وثلاثمائة أشار سنان بن ثابت هَذَا عَلَى المقتدر بأن يتخذ بيمارستان ينسب إِلَيْهِ فأمره باتخاذه فاتخذه لَهُ فِي باب الشام وسماه البيمارستان المقتدري وأنفق عَلَيْهِ من ماله فِي كل شهر مائتي دينار. وفي أول محرم سنة ست وثلاثمائة فتح سنان بن ثابت بيمارستان السيدة الَّذِي اتخذه لَهَا بسوق يحيى وجلس فِيهِ ورتب المتطببين وَكَانَتْ النفقة عَلَيْهِ فِي كل شهر ست مائة دينار عَلَى يدي يوسف بن يحيى المنجم لأن سناناً لَمْ يدخل يده فِي شيء من نفقات البيمارستان. ولسنان تصانيف جيدة وَكَانَ قوياً فِي علم الهيئة وَلَهُ فِي ذَلِكَ أشياء ظاهرة تغني عن الإطالة بذكرها ومن تصانيفه مَا نقل من خط المحسن بن إبراهيم بن هلال الصابي. رسالة فِي تاريخ ملوك السرياني. رسالة فِي الاستواء. رسالة إِلَى بجكم. رسالة إِلَى ابن رائق. رسالة إِلَى علي بن عيسى الوزير. الرسائل السلطانيات والإخوانيات. رسالة فِي النجوم. رسالة فِي شرح مذهب الصابئين. رسالة فِي قسمة أيام الجمعة عَلَى الكواكب السبعة كتبها إِلَى أبي إسحاق إبراهيم بن هلال الصابي ورجل آخر. رسالة فِي الفرق بَيْنَ المترسل

стр. 147

والشاعر. رسالة فِي أخبار آبائه وأجداده. ونقل إِلَى العربي نواميس هرمس والسور والصلوات الَّتِي يصلي بِهَا الصابئون. إصلاحه لكتاب أفلاطون فِي الأصول الهندسية وزاد فِي هَذَا الكتاب شيئاً كثيراً. مقالة أنفذها إِلَى عضد الدولة فِي الأشكال ذوات الخطوط المستقيمة متى تقع فِي الدائرة وعليها استخراجه للشيء الكثير من المسائل الهندسية. إصلاحه لعبارة أبي سهل الكوهيّ فِي جميع كتبه وَكَانَ أبو سهل سأله ذَلِكَ. إصلاحه وتهذيبه لما نقله من كتاب يوسف القس من السرياني إِلَى العربي من كتاب أرشيميدس فِي المثلثات. سهل بن بشر بن حبيب بن هانئ ويقال هنا الإسرائيلي المنجم أبو عثمان كَانَ صاحب تآليف فِي أحكام النجوم وادعاء لعلم الحدثان وَكَانَ يخدم طاهر بن الحسين الأعور ثُمَّ الحسن بن سهل وتآليفه مشهورة فِي الأحكام. سهل بن سابور بن سهل ويعرف بالكوسج هَذَا ولد سابور الَّذِي يأتي ذكره إن شاء الله تعالى وكان بالأهواز وَفِي لسانه خوزية وخدم بالطب فِي أيام المأمون وَمَا بهدها وَكَانَ إذَا اجتمع مع يوحنا بن ماسوية وجورجيس بن بختيشوع وعيسى بن الحكم وزكريا الطيفوري وأمثالهم من الأطباء قصر عنهم فِي العبارة وَلَمْ يقصر عنهم فِي العلاج وَكَانَ انقطاعه إِلَى الأبرش ومات سهل قبل وفاة المأمون بأشهر. ومن دعابات سهل الكوسج أنه تمارض فِي سنة تسع ومائتين وأحضر شهوداً يشهدهم عَلَى وصيته وكتب كتاباً أثبت فِيهِ أولاده فأثبت فِي أوله جورجيس وأمه مريم بنت بختيشوع بن جورجيس أخت جبرائيل والثاني يوحنا بن ماسوية وذكر أنه أصاب أم جورجيس وأم يوحنا زنا فأحبلها بهما وتلاحى سهل يوماً هو وجورجيس فِي حمى ربع فعرفه سهل فِي المجلس بثمل مَا شهد

стр. 148

لَهُ بِهِ عَلَى نفسه فِي الوصية فعرض لجورجيس زَمعٌ من الغيظ وَكَانَ كثير الالتفات فصاح سهل صري وهك المسيه أخروا فِي أذنه آية خرسى أراد بالعجمية الَّتِي فِيهِ أن يقول صرع وحق المسيح اقرؤوا فِي أذنه آية الكبرى. ومن دعاباته انه خرج فِي يوم الشعانين يريد دير الجاثليق والمواضع الَّتِي يخرج إليها النصارى يوم الشعانين فرأى يوحنا بن ماسوية فِي هيئة أحسن من هيئته وَعَلَى دابة أقره من دابته ومعه غلمان لهم روقة فحسده عَلَى الظاهر من نعمته فسار إِلَى صاحب مسلحة الناحية فقال لَهُ أن ابني يعقني وَقَدْ أعجبته نفسه وربما أخرجه ذَلِكَ العجب بنفسه ونعمته إِلَى جحود أبوتي وغن أنت بطحته وضربته عشرين دره موجعة أعطينك عشرين ديناراً ثُمَّ أخرج الدنانير فدفعها إِلَى رجل وثق بِهِ صاحب المسلحة وقال هَذَا ابني يعفني ويستخف بي فجحد أن يكون ابنه فلم يكلمه وضربه عشرين مقرعة ضرباً موجعاً مبرحاً. سمليس هَذَا فيلسوف رومي مذكور فِي وقته مشهور فِي جملة الشارحين لكتب أرسطوطاليس. سوريانوس حكيم وقته شارح لكتب أرسطوطاليس مذكور فِي جملة من تعرض لهذا الشأن. سقراط يعرف بسقراط الحب لأنه سكن حباً وهو الدن مدة عمره وَلَمْ ينزل بيتاً الحكيم المشهور الفاضل الكامل النزه المنخلي عن تنزهات هَذَا العالم الفاني الناظر إِلَى مَا فِيهِ يعين الحقيقة كَانَ من تلاميذ فيثاغورس واقتصر من الفلسفة عَلَى العلوم الإلهية وأعرض عن ملاذ الدينا ورفضها وأعلن بمخالفة اليونانيين فِي عبادتهم الأصنام وقابل رؤسائهم بالحجج والأدلة فثوروا عَلَيْهِ العامة واضطروا ملكهم إِلَى قتله فأودعه ملكهم الحبس توصلاً إِلَى قلوبهم وتسكيناً لتبرئتهم ثُمَّ أسقاه السم تفادياً من شرهم بعد مناظرات جرت لَهُ مع الملك محفوظة وَلَهُ وصايا شريفة وآداب

стр. 149

فاضلة وحكم مشهورة ومذاهب فِي الصفات قريبة من مذاهب فيثاغورس وأبيذقليس إِلاَّ أن لَهُ فِي شأن المعاد آراء ضعيفة بعيدة عن محض الفلسفة خارجة عن المذاهب المحققة. وذكر بعض من لَهُ عناية بالتاريخ أن سقراط شامي وَكَانَ الغالب عَلَيْهِ الفلسفة والنسك والتأله لَمْ يكن لَهُ تآليف فِي الكتب ومات مقتولاً قتله ملك زمانه إذ زجره عن القبائح والفحشاء وَلَمْ يبن داراً ولا اتخذ سكناً وَكَانَ يأوي إِلَى دنّ وَكَانَ يشتمل بكساء وَلَمْ يتخذ لنفسه غيره ومر بِهِ ملك ناحيته فقال لَهُ الملك أنت عبد لي قال سقراط وأنت عبد لعبدي قال وكيف قال لأني رجل أملك شهوتي المردية وأنت لا تملك شهوتك فأنت عبد عبدي قال لَهُ الملك فما حملك عَلَى اتخاذ الدنّ قال لَهُ سقراط قطعت عن نفسي مؤونة كل دائر ودارس قال فإن انكسر الدنّ قال سقراط ثُمَّ المكان فانصرف الملك عنه ثُمَّ تكلم فِي أمره سراً مع خاصته وكانوا عَلَى المجوسية وَعَلَى عبادة النجوم فأشاروا عَلَيْهِ بقتله فبلغ سقراط ذَلِكَ فلم يزل عن مكانه وقال الموت لَيْسَ بشر ولكنه خير وحالة الإنسان بعد الموت أتم واخذ وأتى بِهِ الملك وشهد عَلَيْهِ سبعون شيخاً أنه أفسد القول فِي آلهتهم فأمر بِهِ إِلَى القتل فبكت زوجته فقال لَهَا مَا يبكيك قالت تقتل بلا حق قال لَهَا وإنما طلبت أن أقتل بحق وقال لَهُ بعض تلاميذه قيد لنا علمك فِي المصاحف قال مَا كنت العلم فِي جلود الضأن وقال لَهُ رجل مَا مَاهية الرب فقال القول فيما لا يحاط بِهِ جهل وسأله رجل الَّتِي خلق لَهَا العالم فقال مَا العلة جود الله. وَكَانَ سقراط فِي زمن أفلاطون ولما أكثر سقراط عَلَى أهل بلده الموعظة وردهم إِلَى الالتزام بما تقتضيه الحكمة السياسية ونهاهم عن الخيالات الشعرية وحثهم عَلَى الامتناع عن اتباع الشعراء عز ذَلِكَ عَلَى أكابرهم وذوي الرئاسة منهم واجتمع عَلَى أذاه عند الملك والإغراء بِهِ أحد عشر قاض من قضاتهم فِي ذَلِكَ الزمن فتكلموا فِيهِ بما أفسد عَلَيْهِ قلب الملك وزينوا لَهُ قتله والراحة منه ميلوا لَهُ أنه بقي فِي دولته أفسدها وربما يخرج الملك بأقواله عن يده فقال الملك إن قتلته ظاهراً ساءت سمعتي واستجهلني أهل مملكتي والمجاورون لي فإن قدر الرجل لديهم كبير وذكره فِي الآفاق سائر فقالوا

стр. 150

نتحيل لَهُ فِي سم نسقيه فأسجنه أياماً فأمر بسجنه ولما حبس الملك سقراط بقي فِي الحبس أشهراً بعد فتيا قضاة مدينة اثيلس بقتله فقال فاذن للذي سأله واسمه خقراطيس يَا خقراطيس قَدْ كَانَ الخبر عَلَى مَا أبلغك وذلك أنه قضى عَلَيْهِ القضاة بالقتل وَقَدْ كلل مؤخر المركب الَّذِي يبعث فِي كل سنة إِلَى الهيكل المرسوم بهيكل ايرعون وكانوا إذَا كللوا مؤخر المركب الَّذِي يحمل فِيهِ مَا يحمل فِي كل سنة إِلَى ذَلِكَ الهيكل لَمْ تتلف نفس علانية بإراقة دم ولا غيره حَتَّى يرجع المركب إِلَى اثينس وأنه عرض للمركب فِي البحر عارض منعه من المسير فأبطئ فتله تِلْكَ الشهور فلم يقتل حَتَّى انصرف المركب قال فإذن وكنا جماعة من أصحابه تختلف إِلَيْهِ تتوافى فِي كل يوم فِي الغلس فإذا فتح باب السجن دخلنا إِلَيْهِ فأقمنا عنده أكثر نهارنا فلما أن كَانَ قبل قدوم المركب بيوم أَوْ يومين وافيت الغلس فأصبت اقريطون قَدْ سبقني فلما فتح الباب دخلنا معاً فصرنا إِلَيْهِ فقال لَهُ اقريطون أن المركب داخل غداً أَوْ بعد غد وَقَدْ أزف الأمر وَقَدْ سعينا فِي أن تدفع عنك مالاً إِلَى هؤلاء القوم وتخرج خفياً فتصير إِلَى رومية فتقيم بِهَا حَيْثُ لا سبيل لهم عَلَيْكَ فقال سقراط يَا اقريطون قَدْ نعلم أنه لا يبلغ ملكي أربعمائة درهم وأيضاً فإنه يمنع من هَذَا الفعل مَا لا يجوز أن يخرج عنه فقال لَهُ اقريطون لَمْ أقل هَذَا القول عَلَى أنك تغرم شيئاً وإنا لنعلم أنه لَيْسَ لَكَ ولا فِي وسعك مَا سأل القوم ولكن أموالنا متسعة لَكَ بذلك وبمثله أضعافاً كثيرة وأنفسنا طيبة لنجا لمن وإلا نفجع بك فقال يأبى قريطون هَذَا البلد الَّذِي فعل بك مَا فعل هو بلدي جنسي وَقَدْ نالني فِيهِ من جنسي مَا قَدْ رأيت وأوجب عَلَى فِيهِ القتل وَلَمْ يوجب علي لشيء أستحقه بل لمخالفتي الجور وطعني على الأفعال الجائرة وأهلها والحال الَّتِي وجب عليّ بِهَا عندهم القتل هي معي حَيْثُ توجهت وغني لا أدع نصرة الحق والطعن عَلَى أهل الباطل والمبطلين وأهل رومية أبعد مني رحماً من أهل مدينتي فهذا الأمر إذَا كَانَ باعثه عَلَى الحق ونصرة الحق حَيْثُ توجهت واجبة عَلَى فغير مأمون هناك عَلَى مثل مَا أنا فِيهِ ثُمَّ لا يعطف واحداً منهم عَلَى رحم يفديني بِهَا فقال لَهُ اقريطون فتذكر ولدك وعيالك وَمَا تخاف عليهم من الضيعة وارحمهم إن لَمْ تشفق عَلَى نفسك فقال الَّذِي يلحقهم من الضيعة برومية كذلك ولكنهم ها هنا أحرى بأن لا يضيعوا معكم خبرني يَا اقريطون لَوْ أن الناموس مثّل رجلاً فقال بل يَا سقراط أليس بي اجتمع أبواك وبي كَانَ تأديبك وبي تدبير حياتك أكنت أقول لا

стр. 151

أم أقول الحق الَّذِي هو الإقرار بذلك فقال لَهُ بل الحق قال سقراط فرأيت إن قال لي أفي العدل يظلمك ظالم فتظلم آخر أفكان يجوز أن أقول نعم فقال اقريطون لا يجوز أن تقول نعم قال لَهُ فإن قال لي يَا سقراط فإن ظلمك القضاة الحد عشر فألزموك مَا لا تستحق يجب أن تظلمني فتلزمني مَا لا استحق فهل يجوز لي أن أقول نعم قال لَهُ قريطون لا يجوز ذَلِكَ قال لَهُ سقراط فإن قال أفخروجك من الصبر عَلَى مَا حكم بِهِ الحاكم خروج عن الناموس ونقص لَهُ أن لا أيجوز أن أقول لَيْسَ بنقص وخروج عن الناموس فقال لَهُ اقريطون لا يجوز ذَلِكَ فقال لَهُ سقراط فإذاً لا يجب إن ظلمني هؤلاء القضاة أن اظلم الناموس ودار بينهما فِي ذَلِكَ كلام كثير فقال لَهُ قريطون إن كنت تريد أن تأمر بشيء فتقدم فِيهِ فإن الأمر قَدْ أزف فقال يشبه أن يكون كذلك لأني قَدْ رأيت فِي منامي قبل أن تدخل عليّ مَا يدل على ذَلِكَ. ايدل على ذَلِكَ. فلما كَانَ ذَلِكَ اليوم الَّذِي عزموا فِيهِ عَلَى قتله بكرنا كالعادة فلما جاء قيم السجن فرآنا فتح الباب وجاء القضاة الأحد عشر فدخلوا ونحن مقيمون عَلَى الباب فلبثوا ملياً فخرجوا من عنده وَقَدْ قطعوا حديده ثُمَّ داءنا السجان فقالوا ادخلوا فدخلنا وهو عَلَى سرير كَانَ يكون عَلَيْهِ فسلمنا وقعدنا فلما استقر بِنَا المجلس نزل عن السرير ونزل معنا أسفل منه وكشف عن ساقيه فمسحهما وحكهما ثُمَّ قال مَا أعجب فعل السياسة الإلهية كَيْفَ قرنت الأضداد بعضها ببعض فإنه لا يكون لذة إِلاَّ وتبعها ألم ولا ألم إِلاَّ وتبعته لذة فإنه قَدْ عرض لَنَا بعد الألم الَّذِي كنا نجده من ثقل الحديد فِي موضعه لذة وَكَانَ هَذَا القول منه سبباً للقول فِي الأفعال النفسانية ثُمَّ اطرد القول بينهم فِي النفس حَتَّى أتي عَلَى جميع مَا سئل عنه من أمرها بالقول المتقن المستقصى ووافي ذلك منه عَلَى مثل الحال الَّتِي كَانَ يعهد عَلَيْهَا فِي حال سروره من البهج والمزح فِي بعض المواضع وكلتا تتعجب منه أشد التعجب من صرامة نفسه وشدة استهانته بالنازلة الَّتِي قَدْ نهكتنا لَهُ ولفراقه وبلغت منا وشغلتا كل الشغل وَلَمْ يشغله عن تقصي الحق فِي موضعه وَلَمْ يزل شيء من أخلاقه وأحوال نفسه الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا فِي زمن أمنه الموت وقال لَهُ سيماس فِي بعض مَا يقول لَهُ وأمسك بعض الإمساك عن السؤال أن التقصي فِي السؤال عَلَيْكَ مع هَذِهِ الحال لثقل علينا شديد وسماجة

стр. 152

فاحشة وأن الإمساك عن التقصي فِي البحث لحسرة علينا غداً عظيمة لما نعدم فِي الأرض من وجود الفاتح لما تريده فقال لَهُ يَا سيماس لا تدعنَّ التقصي لشيء أردته فإن تقصيك لذلك هو الَّذِي أسر بِهِ وَلَيْسَ بَيْنَ هَذِهِ الحال عندي وبين الحال الأخرى فرق فِي الحرص عَلَى تقصي الحق فإنا وإن كنا نعدم أصحاباً ورفقاء إشرافاً محمودين فاضلين فإنا أيضاً إذ كنا معتقدين متيقنين بالأقاويل الَّتِي لَمْ تزل منا نصير إِلَى إخوان فاضلين إشراف محمودين منهم اسلاؤس واملوس وارقيليس وجميع من سلف من ذوي الفضائل الإنسانية وعدد أقواماً غير من ذكرنا فلما تصرم القول فِي السفس وبلغوا من سؤالهم الغرض الَّذِي أرادوا سألوه عن هيئة العالم وَمَا عنده من الخبر فِي ذَلِكَ فقال أما مَا اعتقدناه وبيناه فهو أن الأرض كروية وأن الأفلاك محيطة بِهَا ومحيط بعضها ببعض الأعظم بالذي يليه فِي العظم وأن لَهَا من الحركات مَا قَدْ جرت العادة بالقول بِهِ وسمعتموه منا كثيراً فأما مَا وصف أناس آخرون فإنهم وصفوا شيئاً كثيراً ثُمَّ قص قصصاً طويلة فِي ذَلِكَ مما ذكره الشعراء اليونانيون القائلون فِي الأشياء الإلهية كاوميروس وارقاؤس وأسيدوس وابيذقليس ثُمَّ قال أما مَا قلنا فِي النفس وَفِي هيئة الأرض والأفلاك فلم نخدع فِيهِ وَلَمْ نقل غير الحق فأما هَذِهِ الأشياء الأخر فإنه لَيْسَ بحثها من فعل رجل حكيم فلما فرغ من ذَلِكَ قال أما الآن فأظنه قَدْ حضرت الساعة الَّتِي ينبغي أن نستجم فِيهَا فلا نكلف النساء إحمام الموتى فِي صيوان الحكم فإن الأمر يأتي يعني السياسة قَدْ دعتنا ونحن ماضون إِلَى اذوس فإن الأمر فانٍ ونحن ماضون إِلَى تراوس وأما أنتم فتنصرفون إِلَى أهاليكم ثُمَّ نهض ودخل بيتاً يستحم فِيهِ فأطال اللبث فِيهِ ونحن نتذاكر مَا نزل بِنَا من فقده وإنا نعدم أباً شفيقاً وتبقى بعده كاليتامى ثُمَّ خرج إلينا وَقَدْ استحم فجلس ودعا بولده ونسائه فأتى بهم وَكَانَ لَهُ ابنان صغيران وابن كبير فودعهم وأوصاهم بالذي أراد وأمر بصرفهم فقال لَهُ قريطون مَا الَّذِي تأمرنا بِهِ أن نفعله فِي ولدك وأهلك وغير ذَلِكَ من أمرك فقلت لست آمركم بشيء جديد بل هو الَّذِي لَمْ أزل آمركم بِهِ من الاجتهاد فِي إصلاح أنفسكم فإنكم إِذَا فعلتم ذَلِكَ سررتموني وسررتم كل من هو مني بسبيل فقال لَهُ اقريطون فما الَّذِي تأمرنا بك أن نعمل إِذَا مت فضحك ثُمَّ

стр. 153

التفت إِلَى جماعتنا فقال أن قريطون لا يصدق بجميع مَا سمع مني ولا أن الَّذِي يخطب ويخاطبه منذ اليوم هو سقراط ولا يظن أن الَّذِي يفعل ذَلِكَ بِهِ لَيْسَ الأجد سقراط وأنا أظن الآن أنني سأفر منكم بعد ساعة فإن وجدتني يَا قريطون فافعل بي مَا تشاء فأقبل خادم الأحد عشر قاضياً فوقف بَيْنَ يدي سقراط فقال لَهُ يَا سقراط إنك حري معها أرى وَمَا عرفته منك قديماً أن لا تسخط عليّ عندما آمرك بِهِ من أخذ الدواء اللازم باضطرار لأنك تعلم أتي لست علة موتك وأن علة موتك قضاء الحد عشر وإني مأمور بذلك مضطر إِلَيْهِ وإنك أفضل من جميع من صار إِلَى هَذَا الموضع فاشرب الدواء بطيبة نفس واصبر عَلَى الاضطرار اللازم ثُمَّ رزقنا بعينيه وانصرف عن الموضع الَّذِي كَانَ واقفاً فِيهِ بَيْنَ يدي سقراط فقال سقراط نفعل ذَلِكَ ثُمَّ التفت إلينا فقال مَا أهيأ هَذَا الرجل قَدْ كَانَ يدخل إِليّ كثيراً فأراه فاضلاً فِي مذهبه ثُمَّ التفت إِلَى اقريطون فقال لَهُ مر الرجل أن يأتي بشربة موتى غم كَانَ قَدْ سحقها وإن كَانَ لَمْ يسحقها فليجد سحقها وليأت بِهَا فقال اقريطون الشمس بعد عَلَى الجدار وعليك من النهار بقية فقال لَهُ سقراط قل للرجل حَتَّى يأتي بالشربة فدعا اقريطون غلاماً لَهُ فأصغى إِلَيْهِ بشيء فخرج الغلام مسرعاً فلم يلبث أن دخل ومعه الرجل وَفِي يده الشربة فنظر إِلَيْهِ كما ينظر الثور الفحل إِلَى مَا يهابه ثُمَّ مد يده فتناولها والتفت إِلَيْهِ وقال لَهُ يمكن أن تخلف من هَذِهِ الشربة شربة لإنسان آخر فقال إنما تدق منها مَا يطفي الرجل الواحد فقال لَهُ أنت عالم بما ينبغي أن يعمل إِذَا شربت فأمر بذلك قال لَيْسَ هو إِلاَّ أن تتردد بعد شربها فإذا وجدت ثقلً فِي رجليك استلقيت فشربها فلما رأيناه قَدْ شربها رهقنا من البكاء والأسف مَا لَمْ نملك معه أنفسنا وعلت أصواتنا بالبكاء فأقبل علينا يلومنا ويعظنا ثُمَّ قال إنما صرفنا النساء لئلا يكون مثل هَذَا فأما الآن فقد كَانَ منكم أعظم فأما أنا فسترت وجهي وكنت أبكي بكاء شديداً عَلَى نفسي إذ عدمت صديقاً مثله ثُمَّ سكتنا استحياء منه وأخذ فِي التردد هنيهة ثُمَّ قال للرجل قَدْ ثقلت رجلاي فأمره بالاستلقاء وجعل يجس قدميه ثُمَّ غمرهما فقال لَهُ هل تحس غمزي قال لا ثُمَّ غمزه غمزاً شديداً فقال لَهُ هل تحس غمزي قال لا ثُمَّ غمز ساقيه وجعل يسأله ساعة بعد ساعة هل تحس فيقول لا ورأيناه يجمد أولاً فأولاً ويشتد برده حَتَّى انتهى إِلَى حقوبه ثُمَّ غمزه فلم يحس بذلك فكشف عنه وقال لَنَا إِذَا انتهى هَذَا البرد إِلَى قلبه قضى عَلَيْهِ ثُمَّ قال سقراط لقريطون اسفلابيوس عندما ديك فأعطوه إياه وعجلوه فقال لَهُ اقريطون نفعل ذَلِكَ وإن كنت تريد شيئاً آخر فقل فلم يجبه وشخص ببصره فأطبق قريطون عينيه وشد لحيته فهذا خير سقراط صاحبنا الَّذِي لا نعلم أحداً فِي دهرنا من اليونانيين كَانَ أفضل منه فقال لَهُ خقراطيس فمن كَانَ حاضراً فقال جماعة كثيرة من أصحاب سقراطيس فقال هل أكان أفلاطون حاضركم قال لا لأنه كَانَ مريضاً لا يقدر عَلَى الحضور. َهُ يَا سقراط إنك حري معها أرى وَمَا عرفته منك قديماً أن لا تسخط عليّ عندما آمرك بِهِ من أخذ الدواء اللازم باضطرار لأنك تعلم أتي لست علة موتك وأن علة موتك قضاء الحد عشر وإني مأمور بذلك مضطر إِلَيْهِ وإنك أفضل من جميع من صار إِلَى هَذَا الموضع فاشرب الدواء بطيبة نفس واصبر عَلَى الاضطرار اللازم ثُمَّ رزقنا بعينيه وانصرف عن الموضع الَّذِي كَانَ واقفاً فِيهِ بَيْنَ يدي سقراط فقال سقراط نفعل ذَلِكَ ثُمَّ التفت إلينا فقال مَا أهيأ هَذَا الرجل قَدْ كَانَ يدخل إِليّ كثيراً فأراه فاضلاً فِي مذهبه ثُمَّ التفت إِلَى اقريطون فقال لَهُ مر الرجل أن يأتي بشربة موتى غم كَانَ قَدْ سحقها وإن كَانَ لَمْ يسحقها فليجد سحقها وليأت بِهَا فقال اقريطون الشمس بعد عَلَى الجدار وعليك من النهار بقية فقال لَهُ سقراط قل للرجل حَتَّى يأتي بالشربة فدعا اقريطون غلاماً لَهُ فأصغى إِلَيْهِ بشيء فخرج الغلام مسرعاً فلم يلبث أن دخل ومعه الرجل وَفِي يده الشربة فنظر إِلَيْهِ كما ينظر الثور الفحل إِلَى مَا يهابه ثُمَّ مد يده فتناولها والتفت إِلَيْهِ وقال لَهُ يمكن أن تخلف من هَذِهِ الشربة شربة لإنسان آخر فقال إنما تدق منها مَا يطفي الرجل الواحد فقال لَهُ أنت عالم بما ينبغي أن يعمل إِذَا شربت فأمر بذلك قال لَيْسَ هو إِلاَّ أن تتردد بعد شربها فإذا وجدت ثقلً فِي رجليك استلقيت فشربها فلما رأيناه قَدْ شربها رهقنا من البكاء والأسف مَا لَمْ نملك معه أنفسنا وعلت أصواتنا بالبكاء فأقبل علينا يلومنا ويعظنا ثُمَّ قال إنما صرفنا النساء لئلا يكون مثل هَذَا فأما الآن فقد كَانَ منكم أعظم فأما أنا فسترت وجهي وكنت أبكي بكاء شديداً عَلَى نفسي إذ عدمت صديقاً مثله ثُمَّ سكتنا استحياء منه وأخذ فِي التردد هنيهة ثُمَّ قال للرجل قَدْ ثقلت رجلاي فأمره بالاستلقاء وجعل يجس قدميه ثُمَّ غمرهما فقال لَهُ هل تحس غمزي قال لا ثُمَّ غمزه غمزاً شديداً فقال لَهُ هل تحس غمزي قال لا ثُمَّ غمز ساقيه وجعل يسأله ساعة بعد ساعة هل تحس فيقول لا ورأيناه يجمد أولاً فأولاً ويشتد برده حَتَّى انتهى إِلَى حقوبه ثُمَّ غمزه فلم يحس بذلك فكشف عنه وقال

стр. 154

لَنَا إِذَا انتهى هَذَا البرد إِلَى قلبه قضى عَلَيْهِ ثُمَّ قال سقراط لقريطون اسفلابيوس عندما ديك فأعطوه إياه وعجلوه فقال لَهُ اقريطون نفعل ذَلِكَ وإن كنت تريد شيئاً آخر فقل فلم يجبه وشخص ببصره فأطبق قريطون عينيه وشد لحيته فهذا خير سقراط صاحبنا الَّذِي لا نعلم أحداً فِي دهرنا من اليونانيين كَانَ أفضل منه فقال لَهُ خقراطيس فمن كَانَ حاضراً فقال جماعة كثيرة من أصحاب سقراطيس فقال هل أكان أفلاطون حاضركم قال لا لأنه كَانَ مريضاً لا يقدر عَلَى الحضور. سنبليقيوس مهندس رياضي كَانَ بعد زمن إقليدس وَكَانَ فِي زمنه مذكوراً وعلمه من هَذَا النوع موفوراً تصدر لإفادة هَذَا الشأن بأرض يونان واشتهر هناك ذكره وعلا أمره وَكَانَ لَهُ أصحاب وأتباع يعرفون وَكَانَ رومي الجنس وَلَهُ تصانيف مشهورة منها كتاب شرح كتاب إقليدس وهو المدخل إِلَى علم الهندسة وغيره. سند بن علي المنجم المأموني منجم فاضل خبير بتسيير النجوم وعمل آلات الأرصاد والاصطرلاب وَكَانَ واحد الفضلاء فِي وقته اتصل بخدمة المأمون وندبه المأمون إِلَى إصلاح آلات الرصد وأن يرصد بالشماسية ببغداد ففعل ذَلِكَ امتحن مواضع الكواكب وَلَمْ يتمم الرصد لأجل موت المأمون ولسند هَذَا زيج مشهور يعمل بِهِ المنجمون إِلَى زمننا هَذَا وَكَانَ يهودياً وأسلم عَلَى يد المأمون وهو الَّذِي بني الكنيسة الَّتِي فِي ظهر باب الشماسية فِي حريم دار معز الدولة وجعله المأمون ممتحناً للأرصاد لما تقدم بعملها ثقة ببصره وَلَهُ تصانيف فِي النجوم والحساب مشهورة. سابور بن سهل صاحب بيمارستان جند يسابور وَكَانَ فاضلاً عالماً متقدماً فِي هَذَا النوع وَلَهُ تصانيف مفيدة مشهورة منها كتاب الاقرباذين المعمول عَلَيْهِ فِي

стр. 155

البيمارستانات ودكاكين الصيادلة اثنان وعشرون باباً وتوفي نصرانياً فِي يوم الاثنين لتسع بقين من ذي الحجة سنة خمس وخمسين ومائتين. سلمويه بن بنان كَانَ طبيباً فاضلاً فِي وقته خدم المعتصم وخص بِهِ حَتَّى أن المعتصم لما مات سلمويه سألحق بِهِ لأنه كَانَ يمسك حياتي ويدبر جسمي ولما ملك المعتصم فِي سنة ثماني عشرة ومائتين اختار لنفسه سلمويه هَذَا وأكرمه. وقال حنين أن سلمويه كَانَ عالماً بصناعة الطب ولما مرض عاده المعتصم وبكى عنده وقال لَهُ أشر عليَّ بعدك بمن يصلحني فقال عَلَيْكَ بهذا الفضولي يوحنا بن ماسويه وإذا وصف شيئاً فخذ أقله أخلاطاً ولما مات امتنع المعتصم عن الأكل فِي ذَلِكَ اليوم وأمر بإحضار جنازته إِلَى الدار وأن يصلى عَلَيْهَا بالشمع والبخور عَلَى رأي النصارى ففعل ذَلِكَ وهو يراهم وكان المعتصم قوياً وَكَانَ سلمويه يقصده فِي السنة مرتين ويسقيه عقيب كل فصد دواء فلما باشره يوحنا أراد عكس مَا كَانَ يفعله سلمويه فسقاه الدواء قبل الفصد فلما شرب الدواء حمي دمه وحم وَمَا زال جسمه ينقص حَتَّى مات وذلك بعد عشرين شهراً من وفاة سلمويه. وَكَانَتْ بَيْنَ الحسين بن عبد الله وبين سلمويه مودة فقال دخلت عَلَيْهِ يوماً فوجدته قَدْ خرج من الحمام وهو متململ والعرق يسيل من جبينه فجلس وجاءه خادم بمائدة صغيرة عَلَيْهَا دراج مشوي وشيء أخضر فِي زبدية وثلاث رقاقات وَفِي سكرجة خلّ فأكل الجميع واستدعى مقدار وزن درهمين سراباً فمزجه وشربه وغسل يده بماء ثُمَّ أخذ فِي تغيير ثيابه والبخور أقبل يحادثني فقلت لَهُ مَا صنعت فقال أنا أعالج السل منذ ثلاثين سنة لَمْ آكل فِي جميعها غير مَا رأيت وهو دراج مشوي وهندياً مسلوقة مطجنة بدهن اللوز وهذا المقدار من الخل

стр. 156

وإذا خرجت من الحمام احتجت إِلَى مبادرة الحرارة بما يسكنها لئلا تعطف عَلَى بدني فتأخذ من رطوبته فأشغلها بالغذاء ليكون عطفها عَلَيْهِ ثُمَّ أتفرغ لغيره وَكَانَ سلمويه قَدْ اكتسب من خدمة الخلفاء سياسة اقترنت بعقله فحدث لَهُ منها حسن الرأي والنظر فِي العواقب لنفسه ولغيره ممن يستنصحه. السموأل بن يهوذا المغربي الحكيم اليهودي أظنه من الأندلس قدم هو وأبوه إِلَى المشرق وَكَانَ أبوه يشدو شدواً شيئاً من علم الحكمة وَكَانَ ولده السموأل هَذَا قَدْ قرأ فنون الحكمة وقام بالعلوم الرياضية وأحكم أصولها وفوائدها ونوادرها وَكَانَ عددياً هندسياً حقيقياً وَلَهُ فِي ذَلِكَ مصنفات رأيت منها كتاب المثلث القائم الزاوية وَقَدْ أحسن فِي تمثيله وتشكيله وعدة صوره ومبلغ مساحة كل صورة منها صنفه لرجل من أهل حلب يدعي الرف وصنف منبراً فِي مساحة أجسام الجواهر المختلطة لاستخراج مقدار مجهولها وصنف كتباً فِي الطب. وارتحل إِلَى أذربيجان وخدم بَيْنَ البهلوان وأمراء دولتهم وأقام بمدينة المراغة وأولد أولاداً هناك سلكوا طريقته فِي الطب وأسلم فحسن إسلامه وصنف كتاباً فِي إظهار معائب اليهود وكذب دعاويهم فِي التوراة ومواضع الدليل عَلَى تبديلها وأحكم مَا جمعه فِي ذَلِكَ ومات بالمراغة قريباً من سنة سبعين وخمسمائة. سلامة بن رحمون أبو الخير اليهودي المصري قالوا أبو الصلت وأنبه من رأيته منهم يعني أطباء مصر وأدخلهم فِي عداد الأطباء رجل من اليهود يدعى أبا الخير سلامة ابن رحمون فإنه لقي أبا الوفاء المبشر بن فاتك وأخذ عنه شيئاً من صناعة المنطق تخصص بِهِ وتميز عن إضرابه

стр. 157

وأدرك الكثير البرقاني تلميذ أبي الحسن بن رضوان وقرأ عَلَيْهِ بعض كتب جالينوس ثُمَّ نصب نفسه لتدريس كتب المنطق جميعها وجميع كتب الفلسفة الطبيعية والإلهية وشرح بزعمه وفسر ولخص وَلَمْ يكن هنالك فِي تحصيله وتحقيقه بل كَانَ يكثر كلامه فيضل ويسرع فِي جوابه فيزل ولقد سألته أول لقائي لَهُ واجتماعي بِهِ عن مسائل استفتحت مباحثته بِهَا مما يمكن أن يفهمها من لَمْ يمتد فِي العلم باعه فأجاب عنها بما أبان عن تقصيره وأعرب عن سوء تصوره وفهمه وَكَانَ مثله فِي عظيم ادعائه وقصوره عن أيسر مَا هو متعاطيه كقول الشاعر: يثمر للج عن ساقه ... ويغمره الموج فِي الساحل وكما قال الآخر: تمنيتم مائتي فارس ... فردكم فارس واحد وَكَانَ سلامة هَذَا موجوداً فِي حدود سنة عشر وخمسمائة فغن الوقت الَّذِي دخل فِيهِ أبو الصلت إِلَى مصر هو ذَلِكَ الزمان.

стр. 158

حرف الشين المعجمة فِي أسماء الحكماء شجاع بن أسلم بن محمد بن شجاع الحاسب المصري أبو كامل كَانَ فاضل وقته وعالم زمانه وحاسب أوانه وهل تلاميذ تخرجوا بعلمه وصنف فِي هَذَا النوع التصانيف الجليلة. شكح المنجم الأعمى البغدادي كَانَ هَذَا الرجل ببغداد يتكلم فِي أحداث النجوم وأحكامها وَلَمْ يكن عند أهل هَذَا النوع بالطائل وَكَانَ لَهُ غلام يمشي معه ويأخذ لَهُ طالع وقت السؤال ويتكلم هو بعد ذَلِكَ قال غرس النعمة محمد بن هلال حدثني أب قال ركبنا جماعة فيما أبو علي بن الحواري وأبو الحسن الديلمي وأبو طاهر الطبيب العلوي وغيرهم إِلَى دعوة أبي القاسم الوتار فلقينا أبو الحسن البتي وسألنا أن نمضي معه إِلَى مؤيد الملك أبي عَلَى الرخحي وزير الوقت فِي حاجة لَهُ إِلَيْهِ فرأينا شكحاً المنجم الأعمى وَكَانَ لا يعرف من النجوم كثير شيء إِلاَّ أنه كَانَ فهماً ومهماً قال فقلنا لَهُ لا بد من أن تأخذ طالع الوقت وتحسب لَنَا فيما نمضي وَمَا يجري لَنَا فِيهِ اليوم فقال أنتم بطرون أمضوا فِي طريقكم فقلنا مَا نبرح إِلاَّ بعد ذَلِكَ فأخذ لَهُ طالع الوقت غلام كَانَ معه فقال أنتم أضياف فقلنا طريق

стр. 159

فقال يقدم إِلَيْكَم فِيهَا السماء بنجومها وللأستاذ أبي الحسن الَّذِي معكم حاجة لا تنقضي فقال لَهُ البتي لا بشرك الله بخير ويلك مَا هَذَا مما تدل عَلَيْهِ النجوم غير أنك قَدْ رزقت حذقاً ردياً لا حياك الله ولا بياك ثُمَّ فارقناه وقصدنا مؤيد الملك فما قضى الحاجة وخرق الرقعة الَّتِي للبتي لما عرضناها عَلَيْهِ فعرفناه خير شكح المنجم وَمَا قاله لَنَا طلباً لأن يرجع عن فعله فما رجع ومضينا إِلَى ابن الوتار ونحن نتوقع السماء الَّتِي ذكرها فقدم إلينا فِي آخر الطعام مقلي النرجسية وَقَدْ صبغ بياض البيض والباقلاء واللحم بالنيل حَتَّى صار كزرقة السماء وطرح صفار البيض عَلَيْهِ فصار كالنجوم فعجبنا من ذَلِكَ واستظرفناه وَلَمْ نشتغل عند ابن الوتار فِي الدعوة ذَلِكَ اليوم إِلاَّ بحديث شكح المنجم.

стр. 160

حرف الصاد المهملة فِي أسماء الحكماء ساعد بن يحيى بن هبة الله بن توما النصراني أبو الكرم البغدادي كَانَ طبيباً حسن العلاج كثير الإصابة ميمون المعاناة فِي الأكثر لَهُ سعادة فِي هَذَا الشأن وَكَانَ من ذوي المروآت والأمانات تقدم فِي أيام الناصر إِلَى أن كَانَ بمنزلة الوزراء واستوثقه عَلَى حفظ أموال خواصه وَكَانَ يودعها عنده ويرسله فِي أمور خفية إِلَى وزرائه ويظهر لَهُ فِي كل وقت وَكَانَ حسن الوساطة قضيت عَلَى يده حاجات واستكفيت بوساطته شرور وَلَمْ ير لَهُ غير شاكر وَكَانَ الخليفة الناصر فِي آخر أيامه قَدْ ضعف بصره وأدركه سهو فِي أكثر أوقاته لأحزان تواترت عَلَى قلبه ولما عجز عن النظر فِي القصص ولأنها آتٍ استحضر امرأة من النساء البغداديات تعرف بست نسيم وقربها وَكَانَتْ تكتب خطاً قريباً من خطه وجعلها بَيْنَ يديه تكتب الأجوبة والرقاع وشاركها فِي ذَلِكَ خادم قريب اسمه تاج الدين رشيق ثُمَّ تزايد الأمر بالناصر فصارت المرأة تكتب فِي الأجوبة بما تراه فمرة تصيب ومرة تخطئ ويشاركها رشيق فِي مثل ذَلِكَ واتفق أن كتب الوزير القمي المدعو بالمؤيد مطالعة وحملها وعاد جوابها وفيه اختلال بين فتوقف الوزير وأنكر ثُمَّ استدعي الحكيم صاعد بن توما وأسر إِلَيْهِ مَا جرى وسأله تفصيل الحال فعرفه مَا الخليفة عَلَيْهِ من عدم البصر والسهو الطارئ فِي أكثر الأوقات وَمَا تتعمده المرأة والخادم من الأجوبة فتوقف الوزير عن العمل بأكثر الأمور الواردة عَلَيْهِ وتحقق الخادم والمرأة ذَلِكَ وَقَدْ كَانَتْ لهما أغراض يرديان أن تمشيتها لأجل الدنيا واغتنام الفرصة فِي نيلها فحدثا أن الحكيم هو الَّذِي دله عَلَى ذَلِكَ فقرر رشيق مع رجلين من الجند فِي الخدمة أن يقتلا الحكيم ويقتلاه وهما رجلان يعرفان بولدي قمر الدولة من الأجناد الواسطية وَكَانَ أحدهما فِي الخدمة والآخر بطالاً فرصدا الحكيم فِي بعض الليالي إِلَى أن أتى دار الوزير وخرج منها عائداً إِلَى دار الخلافة وتبعاه إِلَى أن وصل إِلَى باب درب الغلة المظلمة ووثبا عَلَيْهِ بسكينيهما فقتلاه وَكَانَ بَيْنَ يديه مشعل وغلام وانهزم الحكيم لما وقع بحرارة الضرب إِلَى الأرض إِلَى أن وصل

стр. 161

إِلَى باب خربة الهراس والقاتلان تابعان لَهُ فبصر بهما واحد وصاح خذوهما فعاد إِلَيْهِ وقتلاه وجرحا النقاط الَّذِي كَانَ بن يدي الحكيم وحمل الحكيم إِلَى منزله ميتاً ودفن بداره فِي ليلته ونفذ من البدرية من حفظ داره وكذلك من دار الوزير لأجل الودائع الَّتِي كَانَتْ عنده للحرم والحشم الخاص وبحث عن القاتلين فعرفا فأمر بالقبض عليهما وتولى القبض والبحث إبراهيم بن جميل بمفرده وحملهما إِلَى منزله ولما كَانَ فِي بمرة تِلْكَ الليلة أخرجا إِلَى موضع القتل وشق بطناهما وصلبا عَلَى باب المذبح المحاذي لباب الغلة الَّتِي حرج بِهَا الحكيم وَكَانَ قتله وموته فِي ليلة الخميس ثامن عشر جمادى الأولى سنة عشرين وستمائة. صاعد بن هبة الله بن المؤمل أبو الحسين النصراني الحظيري المتطبب أصله من الحظيرة ونزل بغداد وَكَانَ اسمه أيضاً ماري وهو من أسماء الكنيسة عند النصارى فإنهم يسمون أولادهم عند الولادة بأسماء فإذا أعمدوهم سموهم عند المعمودية باسم من أسماء الصالحين منهم خدم أبو الحسين هَذَا بالدار العزيزة الناصرة وتقرب قرباً كثيراً وكسب بخدمته وصحبته الأموال وَكَانَتْ لَهُ الحرمة الوافرة وَلَهُ معرفة تامة بالمنطق والفلسفة وأنواع الحكمة وَكَانَ فِيهِ كبر وحمق وتيه وينسب إِلَى ظلم مفرط وَلَمْ يزل عَلَى أمره ينسخ بخطه كتب الحكمة ويتصرف فيما هو بصدده من الطب وَعَلَى حالته فِي القرب إِلَى أن مات فِي يوم العشرين من ذي الحجة سنة إحدى وتسعين وخمسمائة ببغداد. صالح بن بهلة الهندي طبيب مذكور فِي أيام الرشيد هندي الطب حسن الإصابة فيما يعانيه ويخبر بِهِ من تقدمه بالمعرفة عَلَى طريق الهند ومن عجيب مَا جرى لَهُ أن الرشيد فِي بعض الأيام قدمت لَهُ الموائد فطلب جبرائيل بن بختيشوع ليحضر أكله عَلَى عادته فِي ذَلِكَ فطلب فلم يوجد فلعنه الرشيد وبينما هو فِي لعنته إذ دخل عَلَيْهِ فقال لَهُ إِن اشتغل أمير المؤمنين بالبكاء عَلَى ابن عمه إبراهيم بن صالح وترك تناولي بالسب كَانَ أشبه فسأله عن خبر إبراهيم فأعلمه أنه خلفه وبه رمق ينقضي آخره وقت صلاة العتمة فاشتد جزع الرشيد من ذَلِكَ وأمر بدفع الموائد وكثر بكاؤه فقال جعفر بن يحيى يَا أمير المؤمنين جبرائيل طبه رومي

стр. 162

وصال بن بهلة الهندي فِي العلم بطريقة أهل الهند فِي الطب مثل جبريل فِي العلم بمقالات الروم فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر بإحضاره ويوجهه إِلَى إبراهيم بن صالح ليفهمنا عنه فعل فأمر الرشيد جعفراً بإحضاره وتوجيهه وبالمصير إِلَيْهِ بعد منصرفه من عند إبراهيم ففعل ذَلِكَ ومضى صالح بن بهلة إِلَى إبراهيم حَتَّى عاينه وجس عرقه وصار إِلَى جعفر فدخل جعفر عَلَى الرشيد فأخبره بحضور صالح بن بهلة فأمره الرشيد بإدخاله إِلَيْهِ فدخل ثُمَّ قال يَا أمير المؤمنين أنت الإمام وعاقد ولاية القضاء للأحكام ومهما حكمت بِهِ لَمْ يجز لحاكم فسخه وأنا أشهدك وأشهد عَلَى نفسي من حضرك أن إبراهيم بن صالح إِن توفي فِي هَذِهِ الليلة أَوْ فِي هَذِهِ العلة ام كل مملوك لصالح بن بهلة حر لوجه الله وكل دابة لَهُ فحبيس فِي سبيل الله وكل مال لَهُ فصدقة عَلَى المساكين وكل امرأة لَهُ فطالق ثلاثاً فقال الرشيد حلفت يَا صالح بالغيب فقال صالح كلا يَا أمير المؤمنين إنما الغيب مَا لا دليل عَلَيْهِ ولا علم بِهِ وَلَمْ أقل مَا قلت إِلاَّ بدلائل بينة وعلم واضح فسرى عن الرشيد مَا كَانَ يجد وطعم وأحضر لَهُ النبي فشرب فلما كَانَ وقت العتمة ورد كتاب صاحب البريد بمدينة السلام بوفاة إبراهيم بن صالح علي الرشيد فاسترجع وأقبل عَلَى جعفر بن يحيى باللوم فِي إرشاده إياه إِلَى صالح بن بهلة وأقبل يلعن الهند وطبهم ويقول واسوأتا من الله أن يكون ابن عمي يتجرع غصص الموت وأنا أشرب النبيذ ومزجه بالماء وألقى فِيهِ من الملح شيئاً وأخذ يشرب منه ويتقيأ حَتَّى قذف مَا كَانَ فِي جوفه من طعامه وشرابه وبكر إِلَى دار إبراهيم فقصد الخدم بالرشيد إِلَى رواق فِيهِ الركاسي والمساند والنمارق فاتكأ الرشيد عَلَى سيفه ووقف وقال لا يحسن الجلوس فِي المصيبة بالأحبة عَلَى أكثر من البساط وصارة سنة لبني العباس من ذَلِكَ وَلَمْ تكن السنة كذلك ووقف صالح بن بهلة بَيْنَ يدي الرشيد فلم ينطق أحد إِلَى أن سطعت روائح المجامر فصاح صالح بن بهلة عند ذَلِكَ الله الله يَا أمير المؤمنين أن تحكم عليّ بطلاق زوجتي فيتزوجها من لا تحل لَهُ الله الله أن تخرجني من اسمتي وَلَمْ يلزمني حنث الله الله أن تدفن ابن عمك حياً فوالله مَا مات فأطلق لي الدخول عَلَيْهِ وانتظر إِلَيْهِ وهتف بهذا القول مرات فأذن لَهُ بالدخول عَلَى إبراهيم ثُمَّ سمع الجماعة تكبيراً فخرج صالح بن بهلة وهو يكبر ثُمَّ قال يَا أمير المؤمنين قم حَتَّى أريك عجباً فدخل إِلَيْهِ الرشيد ومعه جماعة من خواصه فأخرج صالح

стр. 163

إبرة كَانَتْ معه وأدخلها بَيْنَ ظفر إبهام يده اليسرى ولحمه فجذب إبراهيم يده وردها إِلَى بدئه فقال صالح يَا أمير المؤمنين هل يحس الميت الوجع فقال يَا أمير المؤمنين أخاف إِن عالجته فأفاق وهو فِي كفن يجد منه رائحة الحنوط أن ينصدع قلبه فيموت موناً حقيقياً ولكن مر بتجريده من الكفن ورده إِلَى المغتسل وإعادة الغسل عَلَيْهِ حَتَّى يزول منه رائحة الحنوط ثُمَّ يلبس مثل ثيابه الَّتِي كَانَ يلبسها فِي حال صحته ويطيب بمثل ذَلِكَ الطيب ويحول إِلَى فراش من فرشه الَّتِي كَانَ يجلس وينام عَلَيْهَا حَتَّى أعالجه بحضرة أمير المؤمنين فإنه يكلمه من ساعته قال أبو سلمة فوكلني الرشيد بالعمل بما حد صالح بن بهلة ففعلت ذَلِكَ قال ثُمَّ سار الرشيد وأنا معه ومسرور إِلَى الموضع الَّذِي فِيهِ إبراهيم ودعا صالح بن بهلة بكندس ومنفخة من الخزانة ونفخ من الكندس فِي أنفه فمكث مقدار سدس ساعة ثُمَّ اضطرب بدنه وعطس وجلس فكلم الرشيد وقبل يده وسأله الرشيد عن قضيته فذكر أنه كَانَ نائماً نوماً لا يذكر أنه نام مثله قط طيباً إِلاَّ أنه رأى فِي منامه كلباً قَدْ أهوى إِلَيْهِ فتوقاه بيده فعض إبهام فِيهَا الإبرة وعاش إبراهيم بعد ذَلِكَ دهراً ثُمَّ تزوج العباسة بنت المهدي وولى مصر وفلسطين وتوفي بمصر وقبره بِهَا. ده وسأله الرشيد عن قضيته فذكر أنه كَانَ نائماً نوماً لا يذكر أنه نام مثله قط طيباً إِلاَّ أنه رأى فِي منامه كلباً قَدْ أهوى إِلَيْهِ فتوقاه بيده فعض إبهام فِيهَا الإبرة وعاش إبراهيم بعد ذَلِكَ دهراً ثُمَّ تزوج العباسة بنت المهدي وولى مصر وفلسطين وتوفي بمصر وقبره بِهَا.

стр. 164

حرف الطاء المهملة فِي أسماء الحكماء طوريوس الطيفوري حكيم طبيعي مجهول الزمان والمكان دل عَلَى حكمته تصنيفه وهو كتاب الرؤيا مقالة. طيمورخاس حكيم رياضي يوناني عالم بهيئة الفلك وصناعة آلات الأرصاد رصد الكواكب فِي زمانه وحقق مواضعها وَقَدْ ذكر بطليموس أرصاده فِي كتابه المسمى بالمجسطي وذكر أن وقته كَانَ متقدماً لوقته بأربعمائة وعشرين سنة. طينقروس البابلي هو أحد السبعة الموكلين بسدانة البيوت وهو فِي الأغلب صاحب بيت المريخ كذا ذكر فِي بعض الكتب وَلَهُ تصانيف منها. كتاب المواليد عَلَى الوجود والحدود. الطيفوري المتطبب نقل لَهُ حنين عد كتب فِي الطب وَكَانَ مقدماً فاضلاً حاذقاً واسمع عبد الله وهو حد إسرائيل بن زكريا الطيفوري مطبب الفتح بن خاقان ولقب بالطيفوري لأنه كَانَ طبيباً لطيفور مولى الخيزران أم الهادي والرشيد وَكَانَ أحظى الناس عند الهادي حكى يوسف بن إبراهيم مولى إبراهيم بن المهدي قال سألت الطيفوري عما يذكر العوام من فتح موسى الهادي فاه حتى يقول الموكل بِهِ أطبق فأنكر ذَلِكَ أشد إنكار وحلف أنه مَا عاين أحداً كَانَ أحسن من الهادي وجهاً وصمتاً ونطقاً ومبسماً فحدثت بهذا الحديث مولى إبراهيم بن المهدي فقال صدق الطيفوري.

стр. 165

حرف العين المهملة فِي أسماء الحكماء العباس بن سعيد الجوهري المنجم خبير بصناعة التسيير وحساب الفلك قيم بعمل آلات الأرصاد صحب المأمون وندبه إِلَى مباشرة الرصد فِي جملة الجماعة المتولين لذلك بالشماسية ببغداد وحقق مواضع بعض الكواكب السيارة والنيرين وعمل عَلَى ذَلِكَ زيجاً مشهوراً مذكوراً عند أهل هَذَا الشأن فهو ورفقته سندين علي وخالد بن عبد الملك المر والروزي ويحيى بن أبي منصور أول من رصد فِي الملة الإسلامية ثُمَّ تبعهم الناس بعد ذَلِكَ عَلَى مَا سيأتي فِي خبر رجل منهم وَلَهُ تصانيف منها كتاب الزيج. كتاب تفسير كتاب إقليدس. كتاب الأشكال الَّتِي فِي المقالة الأولى عن كتاب إقليدس. عبد الله بن المقفع كَانَ فاضلاً كاملاً وهو أول من اعتنى فِي الملة الإسلامية بترجمة الكتب المنطقية لأبي جعفر المنصور وهو فارسي النسب ألفاظه حكيمة ومقاصده من الخلل سليمة ترجم كتب أرسطوطاليس المنطقية الثلاثة وهي كتاب قاطيغورياس وكتاب باري أرمينياس وكتاب أنالوطيقا ترجم ذَلِكَ بعبارة سهلة وترجم مع ذَلِكَ الكتاب الهندي المعروف بكتاب كليلة ودمنة وَلَهُ تآليف حسنة منها. رسالته فِي الأدب والسياسة. ورسالته المعروفة باليتيمة فِي طاعة السلطان. عبد الله بن مسرور النصراني غلام أبي معشر البلخي المنجم

стр. 166

هَذَا الرجل صحب أبن معشر المدة الطويلة واستفاد من علومه إِلَى أن اشتهر اسمه وذكر فِي وقته وانتهى إِلَى درجة التصنيف فِيهَا يعانيه ومن تصانيفه. كتاب مطرح الشعاع. كتاب تحاويل سني المواليد. كتاب تحاويل سني العالم. عبد الله بن أماجور أبو القاسم الهروي من أولاد الفراعنة وَكَانَ فاضلاً مذكوراً فِي زمنه لَهُ مكانة من هَذَا الشأن ومنزلة مذكورة وَلَهُ تصانيف مفيدة منها كتاب زاد المسافر. كتاب الزيج المعروف بالخالص. كتاب الزيج المعروف بالخالص. كتاب الزيج المعروف بالمزئرة. كتاب الزيج البديع. كتاب زيج السند هند. كتاب فِي الممرَّات. كتاب زيج المريخ عَلَى التاريخ الفارسي. عبد الله بن الحسن الصيدلاني المنجم هَذَا رجل اشتهر بعلوم النجامة والهندسة وَكَانَ ميله إِلَى الحساب أكثر وَلَهُ تصانيف. عبد الله بن علي النصراني المعروف بالدنداني يكنى أبا علي وَكَانَ منجماً قديم العهد مشهوراً فِي زمانه بهذه الصناعة وصنف فِيهَا. عبد الله بن سهل بن توبخت المنجم هَذَا منجم مأموني كبير القدر فِي صناعته يعلم المأمون قدره فِي ذَلِكَ وَكَانَ لا يقدم إِلاَّ عالماً مشهوداً لَهُ بعد الاختبار وَكَانَ المأمون قَدْ رأى آل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب متخشين مختفين من خوف المنصور وَقَدْ جاء بعده من بني العباس ورأى العوام قَدْ خفيت عنهم أمورهم بالاختفاء فظنوا بهم مَا يظنونه بالأنبياء ويتفوهون فِي صفتهم بما يخرجهم عن الشريعة من التغالي فأراد معاقبة العامة عَلَى هَذَا الفعل ثُمَّ فكر أنه إِذَا فعل هَذَا بالعوام زادهم إغراء بِهِ فنظر فِي هَذَا الأمر نظراً دقيقاً وقال لو ظهروا للناس ورأوا فسق الفاسق منهم وظلم الظالم لسقطوا من أعينهم ولا تقلب شكرهم لهم ذماً ثُمَّ قال إذ أمرناهم بالظهور خافوا واستتروا وظنوا بنا سوء وإذاً فالرأي أن تقدم أحدهم ولا يظهر لهم غماماً فإذا رأوا هَذَا أنسوا وظهروا وأظهروا مَا

стр. 167

عندهم من الحركات الموجودة فِي الآدميين فيتحقق للعوام حالهم وَمَا هم عَلَيْهِ مما خفي بالاختفاء فإذا تحقق ذَلِكَ أولت من أقمته ورددت الأمر إِلَى حالته الأولى وقوي هَذَا الرأي عنده وكتم باطنه عن خواصه وأظهر للفضل بن سهل أنه يريد أن يقيم إماماً من آل أمير المؤمنين عَلي صلوات الله وأفتكر هو وهو فيمن يصلح فوقع إجماعهما عَلَى الرضا فأخذ الفضل بن سهل فِي تقرير ذَلِكَ وترتيبه وهو لا يعلم باطن المر وأخذ فِي اختيار وقت لبيعة الرضا فاختار طالع السرطان وفيه المشتري. قال عبد الله بن سهل بن نوبخت هَذَا أردت أن اعلم نية المأمون فِي هَذِهِ البيعة وأن باطنه كظاهره أم لا لأن الأمر عظيم فأنفذت إِلَيْهِ قبل العقد رقعة مع ثقة من خدمه وَكَانَ يجيء فِي مهم أمره وقلت لَهُ أن هَذِهِ البيعة فِي الوقت الَّذِي اختاره ذو الرياستين لا تتم بل تنقض لأن المشتري وغن كَانَ فِي الطالع فِي بيت شرفه فإن السرطان برج منقلب وَفِي الرابع وهو بيت العاقبة المريخ وهو نخس وَقَدْ أغفل ذو الرياستين هَذَا فكتب إليَّ قَدْ وقفت عَلَى ذَلِكَ أحسن الله جزاءك فاحذر كل الحذر أن تنبه ذا الرياستين عَلَى هَذَا فإنه إن زال عن رأيه علمت أنك أنت المنبه لَهُ فهم ذي الرياستين بذلك فما زلت أصوب رأيه الأول خوفاً من اتهام المأمون لي وَمَا غفلت أمري حَتَّى مضى أمر البيعة فسلمت من المأمون. عبد الله بن الطيب أبو الفرج الفيلسوف عراقي فيلسوف فاضل مطلع عَلَى كتب الأوائل وأقاويلهم مجتهد فِي البحث والتفتيش وبسط القول واعتنى بشروح الكتب القديمة فِي المنطق وأنواع الحكمة من تآليف أرسطوطاليس ومن الطب كتاب جالينوس وبسط القول فِي الكتب الَّتِي تولى شرحها بسطاً شافياً قصد بِهِ التعليم والتفهيم حَتَّى لقد رأيت من ينتحل هَذَا الصناعة يذمه بالطويل وَكَانَ هَذَا العائب يهودياً ضيق الفطن قَدْ وقف عَلَى عبارة ابن سينا فأما أنا وكل متصف فلا تقول إِلاَّ أن أبا الفرج بن الطيب قَدْ أحيى من هَذِهِ العلوم مَا دثر وأبان منها مَا خفي وَقَدْ تلمذ لَهُ جماعة سادوا وأفادوا منهم المختار بن

стр. 168

الحسن بن عبدون المعروف بابن بطلان قال ابن بطلان وشيخنا أبو الفرج عبد الله بن الطيب بقي عشرين سنة فِي تفسير مَا بعد الطبيعة ومرض من الفكر فِيهِ مرضة كَاد يلفظ نفسه فِيهَا وهذا يدلك عَلَى حرصه واجتهاده وطلب العلم لعينه ولولا ذَلِكَ لما تكلف عاش إِلَى بعد العشرين والأربعمائة وقيل لي مات سنة خمس وثلاثين وأربعمائة. عبد الله بن شاكر بن أبي المطهر المعداني يلقب شمس الدين فاضل كامل لَهُ يد طولى فِي الهندسة وعلم النجوم وَلَهُ أدب وشعر فارسي حسن وعربي لا بأس بِهِ مات فِي حدود سنة سبعين وخمسمائة بأصبهان. عبيد الله بن الحسن أبو القاسم المعروف بغلام زحل المنجم مقيم ببغداد من أفاضل لحساب والمنجمين أصحاب الحجج والبراهين وَلَهُ يد طولى فيما يعانيه من هَذَا الشان وَكَانَ صديقاً لأبي سليمان المنطقي ومحاضراً لَهُ وَكَانَ أبو سليمان المنطقي كثير الشكر لَهُ والذكر لما يورد فمن ذَلِكَ مَا ذكر أنه اجتمع يوماً عند أبي سليمان جماعة من سادة علماء علم الأوائل وأخذوا فِي المذاكرة فذكروا علم النجامة وقالوا هي من العلوم الَّتِي لا تجدي فائدة ولا يصح لَهَا حكم وكان فِي الجماعة أبو زكريا الضيمري والنوشجاني أبو الفتح وأبو محمد العروضي والمقدسي والقومسي وغلام زحل وكل واحد من هؤلاء إمام فِي شأنه وفرد فِي صناعته فأطالوا القول فِي ذَلِكَ واحتجوا وأخذ بهم القول فِي كل مسلك فقال النوشجاني أَيُّهَا القوم اختصروا الكلام وقربوا البغية فإن الإطالة مصدة عن الفائدة مضلة للفهم والفطنة هل تصح الكلام فقال غلام زحل عن هَذَا جواب يستتب عَلَى كل وجه فقيل وَلَمْ بَيْنَ فقال لأن صحتها وبطلانها متعلقان بآثار الفلك وَقَدْ يقتضي شكل الفلك فِي زمان أن لا يصح منها شيء وإن غيص عَلَى دقائقها وبلغ إِلَى أعماقها وَقَدْ يزول ذَلِكَ الشكل فيجيء زان لا يبطل منها شيء فِيهِ وإن قورب فِي الاستدلال وقد يتحول هَذَا الشكل فِي وقت آخر إِلَى أن يكثر الصواب فِيهَا أَوْ الخطأ ويبقى زماناً ومتى وقف الأمر عَلَى هَذَا الحد لَمْ ينبت عَلَى قول قضاء ولا وثق بجواب فقال أبو سليمان المنطقي هَذَا احسن مَا يمكن أن يقال فِي الباب

стр. 169

ولغلام زحل من التصانيف. كتاب التسييرات مقالة. كتاب الشعاعات مقالة. كتاب أحكام النجوم. كتاب التسييرات والشعاعات الكبير. كتاب الاختيارات. كتاب الجامع الكبير. كتاب الأصول المجردة وقال هلال بن المحسن فِي كتابه فِي سنة ست وسبعين وثلاثمائة فِي يوم السبت الثالث من المحرم توفي أبو القاسم عبيد الله بن الحسن المعروف بغلام زحل المنجم وَكَانَ محذقاً. عبد الرحمن بن إسماعيل بن بدر المعروف بالإقليدس الأندلسي كَانَ هَذَا الرجل متقدماً فِي علم الهندسة معتنياً بصناعة المنطق وَلَهُ تآليف مشهورة فِي اختصار الكتب المنطقية الثمانية حكى ابن أخته أبو العباس أحمد بن أبي حاتم انه رحل عن الأندلس إِلَى المشرق فِي أيام الحاجب المنصور بن أبي عامر وتوفي هناك. عبد الرحمن بن محمد بن عبد الكريم بن يحيى بن واقد اللخمي الأندلسي أحد أشراف أهل الأندلس عني عنائة بالغة بقراءة كتب جالينوس وطالع كتب أرسطوطاليس وغيره من الفلاسفة وتمهر بعلم الأدوية المفردة حَتَّى فهم مَا تضمنه كتاب ذيوسقوريذس وكتاب جالينوس المؤلفين فِي الأدوية المفردة ورتبه أحست ترتيب وهو مشتمل عَلَى قريب من خمسمائة ورقة وَلَهُ فِي الطب منزع لطيف ومذهب ظريف وذلك أنه لا يرى التداوي بالأدوية مَا أمكن التداوي بالأغذية أَوْ مَا كَانَ منها قريباً فإذا دعت الضرورة إِلَى الأدوية فلا يرى التداوي بمركبها مَا وصل إِلَى الشفاء بمفردها فإن اضطر إِلَى المركب منها لَمْ يكثر التركيب بل اقتصر عَلَى مَا يمكنه منه وَلَهُ نوادر محفوظة وغرائب مشهورة فِي الإبراء من العلل الصعبة بأيسر علاج وأقربه وَكَانَ قريباً من وسط المائة الخامسة متوطناً طليطلة وذكر أنه ولد فِي ذي الحجة سنة تسع وثمانين وثلاثمائة. عبد الرحمن بن عمر بن محمد بن سهل الصوفي أبو الحسين

стр. 170

الرازي الفاضل الكامل النبيه النبيل صاحب الملك عضد الدولة فناخسرو شاهنشاه بن بويه ومصنف الكتب الجليلة فِي علم الفلك وَكَانَ من أهل لسا فارسي النسبة ولد بالري وَكَانَ عضد الدولة يقول إذَا افتخر بالعلم والمعلمين معلمي فِي النحو أبو علي الفارسي النسوي ومعلمي فِي حل الزيج الشريف ابن الأعلم ومعلمي فِي الكواكب الثابتة وأماكنها وسيرها الصوفي. ومن تصانيفه. كتاب الكواكب الثابتة مصوراً. كتاب الأرجوزة فِي الكواكب الثابتة مصوراً. كتاب التذكرة ومطارح الشعاعات. قال هلال بن المحسن فِي كتابه فِي سنة ست وسبعين وثلاثمائة فِي الثالث عشر من المحرم يوم الثلاثاء توفي أبو الحسين عبد الرحمن بن عمر الصوفي فِي منجم عضد الدولة وَكَانَ مولده بالري فِي الليلة الَّتِي صيحتها يوم السبت الرابع عشر من المحرم سنة إحدى وتسعين ومائتين. عبد الرحمن بن عبد الكريم السرخسي الطبيب المدعو بثقة الدين شرف الإسلام طبيب فِي زمننا هَذَا الأقرب من أهل سرخس انتهت إِلَيْهِ رئاسة هَذِهِ الصناعة فِي تِلْكَ المدينة ولما اجتاز بِهِ ابن خطيب الري المدعو بالفخر الرازي وذلك فِي حدود سنة ثمانين وخمسمائة نزل عَلَيْهِ فأكرمه وقام بحقه مدة مقامه بسرخس وذلك حين اجتيازه إِلَى مَا وراء النهر لقصد بني مازة ببخارى طالباً منهم مَا يقوم بأمره وَلَمْ يجد عندهم ذَلِكَ ولما أكرمه هَذَا الطبيب أراد أن يفيده مما لديه فشرع لَهُ فِي الكلام عَلَى القانون وشرح المستغلق من ألفاظه ووسمه باسمه وذكره فِي مقدمته ووصفه وأنني عَلَيْهِ وقال فرتبته وجعلته باسم الشيخ الإمام الفاضل الحكيم المحقق ثقة الدين شرف الإسلام سيد الحكماء والأطباء عبد الرحمن بن عيد الكريم السرخسي حرس الله أيامه فإنه بعد أن تحلى بالعلم الكثير والفضل الغزير والطريقة الفاضلة الرضية والسنة السنية كثر إحسانه إليَّ وإنعامه عليّ وطال انجذاب خاطره إِلَى مَا يتعلق بصلاح حالي وفراغ بالي حالتي إقامتي وترحالي فأردت أن أكتب هَذَا الكتاب باسمه لأغراض ثلاثة الأول أن كثيراً من هَذِهِ المباحث تلخصت بمحاورته وتهذبت بمناقشته ومشافهته والثاني ليكون قضاء لبعض حقوقه والثالث لوثوقي بقوته فِي هَذَا العلم وأصوله لا سيما عَلَى أبواب هَذَا الكتاب وفصوله فعرفت أنه الَّذِي يعرف قدر مَا استخرجته من النكت العلمية والغرائب الحمية الَّتِي لا توجد في شيء من المصنفات الَّتِي

стр. 171

للقدماء والمتأخرين وَلَمْ يشتمل عَلَيْهَا كتاب أحد من السالفين والسابقين. عبد الودود الطبيب الأندلسي ولد فِي بلنسية وهاجر إِلَى العراق وخراسان وعرف عند السلاطين فِي عصر السلطان محمد بن ملكشاه وهو الَّذِي يقول فِيهِ بعض أهل العصر وَقَدْ ضمن شعره شيئاً من شعر المتنبي: عبد الودود طبيب طبه حسن ... أحيا وأيسر مَا قاسيت مَا قتلا لولا تطببه فينا لما وجدت ... لَهَا المنايا إِلَى أرواحنا سبلا عبد السلام بن عبد القادر بن أبي صالح جنكي دوست بن أبي عبد الله الجيلي البغدادي المدعو باركن من بيت تصوف وتعبد وخبره مشهور مذكور وَكَانَ عبد السلام هَذَا قَدْ قرأ علوم الأوائل وأجادها واقتنى كتباً كثيرة فِي هَذَا النوع واشتهر بهذا الشأن شهرة تامة وَلَهُ تقدم فِي الدولة الإمامية الناصرية وحصل لَهُ بتقدمه حسد من أرباب الشر فثلبه أحدهم بأنه معطل وانه يرجع إِلَى أقوال أهل الفلسفة فِي قواعد هَذَا الشأن فأوقعت الحفظة عَلَيْهِ وَعَلَى كتبه فوجد فِيهَا الكثير من علوم القوم وبرزت الأوامر الناصرية بإخراجها إِلَى موضع ببغداد يعرف بالرحبة وأن تحرق بحضور الجمع الجم منها ففعل ذَلِكَ وأحضر لَهَا عبيد الله التيمي البكري المعروف بابن المارستانية وجعل لَهُ منبر صعد عَلَيْهِ وخطب خطبة لعن فِيهَا الفلاسفة ومن يقول بقولهم وذكر الركن عبد السلام هَذَا بشر وَكَانَ يخرج الكتب الَّتِي لَهُ كتاباً كتاباً فيتكلم عَلَيْهِ ويبالغ فِي ذمه وذم مصنفه ثُمَّ يلقيه من يده لمن يلقيه فِي النار. اخبرني الحكيم يوسف السبتي الإسرائيلي قال كنت ببغداد يومئذ تاجراً فحضرت المحفل وسمعت كلام ابن المارستانية وشاهدت فِي يده كتاب الهيئة لابن الهيثم وهو يشير إِلَى الدائرة الَّتِي مثل بِهَا الفلك وهو يقول وهذه الداهية والداهية والنازلة الصماء والمصيبة العمياء وبعد تمام كلامه خرقها وألقاها إِلَى النار قال فاستدللت عَلَى جهله وتعصبه إذ لَمْ يكن فِي الهيئة كفر وإنما هي طريق إِلَى الإيمان ومعرفة قدرة الله

стр. 172

جل وعز فيما أحكمه ودبره واستمر الركن عبد السلام فِي السجن معاقبة عَلَى ذَلِكَ إِلَى أن أفرج عنه فِي يوم السبت رابع عشر شهر ربيع الأول سنة تسع وثمانين وخمسمائة وأعيد عَلَيْهِ مَا كَانَ لَهُ بعد الَّذِي ذهب وعاش بعد ذَلِكَ عمراً طويلاً. عبد الرحيم بن علي بن المرزبان أبو أحمد الطبيب المرزباني كَانَ من أهل أصبهان عالماً فاضلاً بعلم الشريعة وعلم الطبيعة تقدم فِي الدولة البويهية وَكَانَ قاضياً بتستر وخوزستان وكان إِلَيْهِ أمر البيمارستان بمدينة السلام وَلَمْ يزل عَلَى ذَلِكَ إِلَى أن توفي بتستر فِي جمادى سنة ست وتسعين وثلاثمائة. عبد الحميد بن واسع أبو الفضل هَذَا رجل حاسب عالم بصناعة الحساب مقدم فِيهَا مذكور بَيْنَ أهلها ويعرف بابن ترك الجيلي ويكنى أبا محمد أيضاً لَهُ فِي الحساب تصانيف مشهورة مستعملة منها. كتاب الجامع فِي الحساب يحتوي عَلَى ستة كتب. كتاب نوادر الحساب وخواص الأعداد. علي بن عبد الرحمن بن يونس بن عبد العلي المصري المنجم كَانَ والده عبد الرحمن بن يونس محدث مصر ومؤرخها وأحد العلماء المشهورين بِهَا وجده يونس بن عبد الأعلى صاحب الشافعي وَعَلَى هَذَا من المتخصصين بعلم النجوم وَلَهُ مع هَذَا أدب وشعر اختص بصحبة الحاكم وألف لَهُ الزيج الكبير ﵇ رصد رصده وَكَانَ قصده فِيهِ تحرير زيج جامع كبير يدل عَلَى أن صاحبه كَانَ أعلم الناس بالحساب والتسيير. علي بن أماجور وريما قيل فِي اسم أبيه ماجور بغير همزة أحد العلماء بحركات الكواكب والمعانين لأرصادها وأهل هَذَا الشأن يستدلون بقوله ويرجعون إِلَى مَا رصده وحققه.

стр. 173

علي بن رين الطبري الطبيب أبو الحسن فاضل فِي صناعة الطب وَقَدْ كَانَ بطبرستان يتصرف فِي خدمة ولاتها ويقرأ علم الحكمة وانفرد بالطبيعيات وجرى بطبرستان فتنة أخرجه أهلها إِلَى الري فقرأ عَلَيْهِ محمد بن زكريا الرازي واستفاد منه علماً كثيراً ثُمَّ رحل إِلَى سر من رأى فأقام بِهَا وصنف كتابه المسمى بفردوس الحكمة وهو كتاب مختصر جميل التصنيف لطيف التأليف وهو سبعة أنواع يحتوي عَلَى ثلاثين مقالة والمقالات تحتوي عَلَى ثلاثمائة وستين كتاباً وَلَهُ كتاب. تحفة الملوك. كتاب كناش الحضرة. كتاب منافع الأطعمة والأشربة والعقاقير. وذكره محمد بن إسحاق النديم فِي كتابه فقال أبو الحسن علي بن ربن وهو ابن سهل الطبري وربن اسم سهل لأنه كَانَ من ربين اليهود وَكَانَ عَلَى هَذَا يكتب للمازيار بن قارن فلما اسلم عَلَى يد المعتصم قربه وظهر بالحضرة فضله وأدخله المتوكل فِي جملة ندمائه. علي بن العباس المجوسي طبيب فاضل كامل فارسي الأصل يعرف بابن المجوس قرأ عَلَى شيخ فارسي يعرف بابن ماهر وطالع هو واجتهد لنفسه ووقف عَلَى تصانيف المتقدمين وصنف للملك عضد الملك الدولة فناخسرو بن بويه كناشة المسمى بالملكي وهو كتاب جليل وكناش نبيل اشتمل عَلَى علم الطب وعمله حسن الترتيب مال الناس إِلَيْهِ فِي وقته ولزموا درسه إِلَى أن ظهر كتاب القانون لابن سينا فمالوا إِلَيْهِ وتركوا الملكي بعض الترك والملكي فِي العمل أبلغ والقانون فِي العلم أثبت.

стр. 174

علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن صالح الأندلسي أبو محمد أصل آبائه من قرية إقليم الرواية من كورة نبلة من غرب الأندلس وسكن هو وأبوه قرطبة وتالا فِيهَا جاهاً عريضاً وَكَانَ أبوه عمر أحمد بن سعيد أحد سعيد العظماء من وزراء المنصور محمد بن عبد الله بن أبي عامر ووزر لابنه المظفر بعده وَكَانَ ابنه الفقيه أبو محمد هَذَا وزيراً لعبد الرحمن المستظهر بالله بن هشام بن عبد الجبار بن عبد الرحمن الناصر لدين الله ثُمَّ نبذ هَذِهِ الطريقة وأقبل عَلَى قراءة العلوم وتقييد الآثار والسنن وعني بعلم المنطق وألف فِيهِ كتاباً سماه كتاب التقريب لحدود المنطق بسط فِيهِ القول عَلَى تبيين طرق المعارف واستعمل فِيهِ أمثلة فقيهة وجوامع شرعية وخالف أرسطوطاليس واضع هَذَا العلم فِي بعض أصوله مخالفة من لَمْ يفهم غرضه فكتابه من أجل هَذَا كثير الغلط بَيْنَ السقط وأوغل بعد هَذَا فِي الاستكثار من علوم الشريعة حَتَّى نال منها مَا لَمْ ينله أحد قط بالأندلس قبله وصنف فِيهِ مصنفات كثيرة العدد شريفة المقصد معظمها فِي أصول الفقه وفروعه عَلَى مذهبه الَّذِي ينتحله وهو مذهب داود بن علي بن خلف الأصفهاني ومن قال بقوله من أهل الظاهر وذكر ابنه أبو رافع الفضل أن مبلغ تآليف أبي محمد هَذَا فِي الفقه والحديث والأصول والتاريخ والنحل والملل ولادب وغير ذَلِكَ نحو أربعمائة مجلد تشتمل عَلَى قريب من ثمانين ألف ورقة وَلَهُ نصيب وافر من النحو واللغة وقرض الشعر والخطابة ولد فِي آخر يوم من شهر رمضان سنة أربع وثمانين وثلاثمائة وتوفي سلخ شعبان سنة ست وخمسين وأربعمائة. علي بن أحمد العمراني الموصلي العالم بالحساب والهندسة

стр. 175

وَكَانَ فاضلاً جماعاً للكتب يقصده الناس للاستفادة منه ومنها يأتي إِلَيْهِ الطلبة من البلاد النازحة للقراءة عَلَيْهِ توفي فِي سنة أربع وأربعين وثلاثمائة وَلَهُ من الكتب. كتاب شرح كتاب الجبر والمقابلة لأبي كامل شجاع بن أسلم الحاسب المصري. كتاب الاختيارات. عدة كتب فِي النجوم وَمَا يتعلق بِهَا. علي بن عبد الله بن أماجور كَانَ فاضلاً هذبه أبوه وادبه بهذا الشأن وَلَهُ تصانيف. علي بن أحمد الأنطاكي أبو القاسم المجتبي من أهل أنطاكية واستوطن بغداد إِلَى أن توفي بِهَا وَكَانَ من أصحاب عضد الدولة بن بويه المقدمين عنده يقوم بعلم العدد والهندسة غير مدافع فِي ذَلِكَ وَلَهُ من هَذَا النوع تصانيف جليلة وَكَانَ مشاركاً فِي علوم الأوائل مشاركة جميلة وَكَانَ فصيح اللسان عذب البيان إِذَا سئل أبان وأتى بالمعاني الحسان وَلَهُ تصانيف شريفة منها. كتاب التخت الكبير فِي الحساب الهندي. كتاب الحساب عَلَى التخت بلا محو. كتاب تفسير الارتماطيقي. كتاب شرح إقليدس. كتاب استخراج التراجم. كتاب الموازين العددية. كتاب الحساب بلا تخت بل باليد. وذكر هلال بن المحسن بن إبراهيم الصابئ فِي كتابه ف سنة ست وسبعين وثلاثمائة فِي يوم الجمعة الثالث عشر من ذي الحجة توفي أبو القاسم علي بن أحمد الأنطاكي الحاسب المهندس. عَلَى الرقي هَذَا طبيب مذكور عالم بصناعة الطب وَقَدْ فسر مسائل حنين بن إسحاق فِي الطب وذكر عنه أنه مَا كَانَ يفسر إِلاَّ إِذَا سكر وهذا الفعل نادر وسبب ذَلِكَ أن يكون الدماغ مائلاً إِلَى البرد فإذا أسخنه بخار النبيذ تحرك وقوي عَلَى الفعل. علي بن الحسن أبو القاسم العلوي المعروف بابن الأعلم صاحب الزيج رجل شريف عالم بعلم الهيئة وصناعة التسيير مذكور مشهور فِي

стр. 176

وقته وَكَانَ قَدْ تقدم عند عضد الدولة يقف الملك عند إشاراته فِي الاختيارات ويرجع إِلَى قوله فِي أنواع التسييرات وعمل زيجه المشهور الَّذِي عَلَيْهِ أهل زمانه فِي وقته وبعد زمانه إِلَى أواننا ها ولما توفي عضد الدولة تقصت حاله وتأخر أمره عند صمصام الدولة ولده القائم بالأمر من بعده فانقطع عنهم وأقام منقطعاً وحج فِي شهور سنة أربع وسبعين وثلاثمائة وقضى الحج وعاد فمات بمنزلة تعرف بالعسيلة فِي يوم الأحد الثامن من المحرم سنة خمس وسبعين وثلاثمائة رحمه الله تعالى. علي بن الراهبة كَانَ طبيباً للمتقى وهو كبير القدر يكرمه المتقى ويحترمه وَكَانَ هو وبختيشوع وأتوش وثابت بن سنان بن ثابت يشتركون فِي طب المتقى. علي بن إبراهيم بن بكش أبو الحسن كَانَ طبيباً فاضلاً ماهراً بصناعة الطب متقناً لَهَا غاية الإتقان ولما عمر عضد الدولة البيمارستان ببغداد جمع الأطباء من الآفاق فاجتمع فِيهِ أربعة وعشرون طبيباً وَكَانَ من جملتهم أبو الحسن عَلَى هَذَا وَكَانَ يدرس فِيهِ الطب ويفيده الطالبين وَكَانَ مكفوفاً وَكَانَ قليل التصنيف إِلاَّ أنه عمل مقالات صغاراً ولوالده كناش متوسط مَا بَيْنَ الكبير والصغير. وذكر هلال بن المحسن الصابئ فِي كتابه قال وَفِي ليلة الجمعة لأربع بقين من ذي القعدة سنة أربع وتسعين وثلاثمائة توفي أبو الحسن علي بن إبراهيم بن بكش المتطبب وَكَانَ عارفاً محذقاً وَقَدْ قرأ من الكتب شيئاً كثيراً وَلَمْ يخلف بعده مثله لكنه كَانَ بصيراً فإذا أراد معرفة سحنات الوجوه وجال بول المرضى عول عَلَى من يكون معه من تلامذته فِي وصف ذَلِكَ لَهُ وَكَانَ لا يرى ولا يتصرف إِلاَّ شارب نبيذ وهو مع هَذِهِ المناقضة منه مبرز فِي علمه وعمله. علي بن إسماعيل أبو الحسن الجوهري المنعوت بعلم الدين البغدادي المعروف بالركاب سالار علم فِي العلم والذكاء والفهم بارع فِي علم الهندسة والرياضيات من ظرفاء بغداد وفضلائها حكيم النفس فيما يعمله ويستعمله من الآلات الفلكية والملح الهندسية وبأيدي الناس من عمله ومستعمله كل طرفة لطيفة وتحفة ظريفة وَلَهُ شعر فائق وأدب رائق ومن شعره: تحسن بأفعالك الصالحات ... ولا تعجبن بحسن بديع

стр. 177

فحسن النساء جمال الوجوه ... وحسن الرجال جميل الصنيع وَلَهُ أيضاً: فلا تحسبوا أتي تغيرت بعدكم ... عن العهد لا كَانَ الغير للعهد غرامي غرامي والهوى ذَلِكَ الهوى ... ووجدي لكم وجدي وودي لكم ودي وَلَيْسَ محباً من يدوم وداده ... مع الوصل لكن من يدوم مع الصد علي الطبيب الإفريقي مرتزق بالطب فِي الدولة الحمادية وَلَهُ شعر وأدب فمن شعره: يَا جملة الحسن هب لي منك إحساناً ... إني أحبك أسراراً وإعلانا أصبحت عبدك أبغي بكم بدلاً ... ولا أحب سواك الدهر إنسانا علي بن النضر المعروف بالأديب هَذَا القاضي من الصعيد الأعلى وَلَهُ فِي علوم الأوائل والأدب القدح الأعلى والقدر الأغلى مشهور الذكر سائر النظم والنثر ولما ذكر أبو الصلت فِي رسالته منجمي مصروعاً بهم قال وأما المنجمون الآن بمصرفهم أطباؤها كما حذيت النعل بالنعل لا يتعلق أمثلهم من علم النجوم بأكثر من زائجة يرسمها ومراكز يقومها وأما التبحر ومعرفة الأسباب والعلل والمبادئ الأول فليس منهم من يرقي إِلَى هَذِهِ الدرجة ويسمو إِلَى هَذِهِ المنزلة ويحلق فِي هَذَا الجو ويستضيء بهذا الضوء مَا خلا القاضي أبا الحسن علي بن النضر المعروف بالأديب فإنه كَانَ من الأفاضل الأعيان المعدودين من حسنات الزمان ذوي الأدب الجم والعلم الواسع والفضل الباهر والنثر الرائع والنظم البارع وَلَهُ فِي سائر أجزاء الحكمة اليد الطولى والتربة الأولى ولقد كَانَ ورد يلتمس من وزيرها الملقب بالأفضل تصرّفاً وخدمة فخاب فِيهِ أمله وأخفق سعيه فقال من قصيدة يعاتب فِيهَا الزمان ويشكو الخيبة والحرمان: بَيْنَ التعزز والتذلل مسلك ... بادي المنار لعين كل موفق فاسلكه فِي كل المواطن واجتنب ... كبر الأبيّ وذلة المتملق ولقد جلبت من الصنائع خيرها ... لأجل منار وأكرم منتقي ورجوت خفض العيش تَحْتَ ظلاله ... لا بد أن نفقت وإن لَمْ تنفق ظناً شبيهاً باليقين وَلَمْ أخل ... أن الزمان بِهَا سقاني مشرقي ومنها بعد أبيات:

стр. 178

لأقارعن الدهر دون مروئي ... وحرمت عز النفس إِن لَمْ أصدق علي بن أحمد بن علي أبو الحسن يعرف بابن الهبل الطبيب ولد ببغداد ونشأ بِهَا وقرأ فِيهَا الأدب والطب وسمع وروى عن مشائخ وقته ثُمَّ سار إِلَى الموصل وخرج إِلَى أذربيجان وأقام بخلاط عند صاحبها شاه أرمن يطببه وقرأ الناس عَلَيْهِ هناك الحكمة والأدب وفارق تِلْكَ الديار لسبب وهو أن بعض الطشت دراية قال لَهُ يوماً وَقَدْ نظر إِلَى قارورة الملك فِي بعض أمراضه يَا حكيم لولا تذوقها فسكت عنه فلما انفصل عن المجلس قال لَهُ فِي خلوة قولك هَذَا اليوم عن أصل من قول غيرك أَوْ من شيء خطر لَكَ فقال إنما خطر لي لأني سمعت أن ذوق القارورة من شروط اختبارها فقال لَهُ الأمر كذلك ولكن لا فِي كل الأمراض وَقَدْ أسأت إليَّ بهذا القول لأن الملك إِذَا سمع هَذَا ظن أنني قَدْ أخللت بشرط واجب من شروط خدمته وقوانين الصناعة فِيهَا ثُمَّ أنه عمل عَلَى الخروج لأجل هَذِهِ الحركة والخوف من عاقبتها بعد أن رشي الطشت دار حَتَّى لا يعود إِلَى مثلها وخرج وعاد إِلَى الموصل وَقَدْ تمول فأقام بِهَا إِلَى حين وفاته وحدث بِهَا وأفاد وعمر حنة عجز عن الحركة فلزم منزله قبل وفاته بسنين وَكَانَ الناس يترددون إِلَيْهِ ويقرؤون عَلَيْهِ وسئل عن مولده فقال ولدت ببغداد بباب الأزج فِي الثالث والعشرين من ذي القعدة سنة خمس عشر وخمسمائة وتوفي بالموصل ليلة الأربعاء ثالث عشر من المحرم سنة عشر وستمائة وَلَهُ كتاب فِي الطب سماه المختار رأيته فِي أربع مجلدات وَلَهُ غير ذَلِكَ. علي بن يقظان السبتي طبيب شاعر أديب أصله من سبتة ذكره بعض أهل مصر فقال ورد إِلَى البلاد المصرية سنة أربع وأربعين وخمسمائة ومضى منها إِلَى اليمن وسافر إِلَى الشرق وزار العراق ودار الآفاق وَلَهُ من قصيدة فِي الوزير الجواد جمال الدين أبي جعفر محمد بن علي بن أبي المنصور الأصفهاني بالموصل:

стр. 179

أإخواننا مَا حلت عن كرم العهد ... فيا ليت شعري هل تغيرتم بعدي وكم من كؤوس قَدْ أدرت بودكم ... فهل لي كأس بينكم دار فِي ودي أحي إِلَى مصر حنين متيم ... بِهَا مستهام القلب محترق الكبد أراهم بلحظ الشوق فِي كل بلدة ... كأنهم بالقرب مني أو عندي ول أن طعم الصبر جرعت فيهم ... لفضلته للحب فيهم علي الشهد فكم قَدْ قطعنا من مفاوز بعدهم ... وخضنا بِهَا الصعب المرام من الوهد إِلَى أن وصلنا الموصل الآن فانتهت ... بِنَا لجمال الدين القصد علي بن أحمد بن علي بن محمد بن دواس القنا الواسطي أبو الحسن قرأ علم الأوائل وانفرد بمعرفة علم النجوم وأجاد فِي ذَلِكَ واشتهر بِهِ ورحل إِلَى بغداد وأقام بِهَا أخذ عنه جماعة من أهلها وعرف بهذا النوع وتوفي ببغداد فِي شهر ربيع الآخر سنة اثني عشر وستمائة. علي بن علي بن أبي علي السيف الآمدي من أهل آمد ولد بِهَا بعد سنة خمسين وخمسمائة وقرأ عَلَى مشائخ بلده مذهب الشافعي ورحل إِلَى العراق وأقام فِي الطلب ببغداد مدة وصحب ابن بنت المنى المكفوف وأخذ عنه وأجاد عَلَيْهِ الجدل والمناظرة وأخذ علم الأوائل عن جماعة من نصارى الكرخ ويهودها وتظاهر بذلك فجفاه الفقهاء وتحاموه ووقعوا فِي عقيدته وخرج من العراق إِلَى مصر فدخلها فِي ذي القعدة من سنة اثنين وتسعين وخمسمائة ونزل فِي المدرسة المعروفة بمنازل العز الَّتِي كَانَ يتولى تدريسها الشهاب الطوسي وناظر وحاضر وأظهر بِنَا تصانيفه فِي علوم الأوائل ونقلت عنه وقرأها عَلَيْهِ من رغب فِي شيء من ذَلِكَ وقرئ عَلَيْهِ تصنيفه فِي أصول الدين وأصول الفقه ثُمَّ خرج عن مصر إِلَى الشام واستوطن دمشق بِهَا التدريس فِي مدرسة من

стр. 180

مدارسها وَلَمْ يزل عَلَى ذَلِكَ إِلَى سنة إحدى وثلاثين وستمائة وَفِي هَذِهِ السنة استولى الملك الكامل عَلَى مدينة آمد فأخبر أن صاحبها الَّذِي انتقلت عنه كَانَ قَدْ راسل السيف فِي السر أن يصير إِلَيْهِ ويوليه قضاء آمد فأنكر عَلَيْهِ ذَلِكَ وكونه روسل وَلَمْ ينه ذَلِكَ فرفعت يده عن المدرسة وتعطل وأقام بمنزله شهوراً قليلة ومات وتصانيفه فِي الآفاق مرغوب فِيهَا فمن ذَلِكَ. كتاب الباهر فِي علم الأوائل خمس مجلدات. كتاب أبكار الأفكار فِي أصول الدين أربع مجلدات. كتاب الحقائق فِي علوم الأوائل ثلاث مجلدات. كتاب المأخذ عَلَى فخر الدين بن خطيب الري فِي شرح الإشارات مجلد. عمر بن الفرخان أبو حفص الطبري أحد رؤساء التراجمة والمتحققين بعلم حركات النجوم وأحكامها قال أبو معشر البلخي كَانَ عمر بن الفرخان الطبري عالماً حكيماً وَكَانَ منقطعاً إِلَى يحيى بن خالد بن برمك ثُمَّ انقطع إِلَى الفل بن سهل وَكَانَ بَيْنَ القمر والمريخ فِي مولد جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك درجات يسيرة فضربها عمر فِي اثني عشر فصح حكمه وَلَمْ يكن المنجمون يلتفتون إِلَى هَذَا الباب حَتَّى عمله عمر فصح ذَلِكَ وذكره أيضاً أبو معشر فِي كتاب المذكرات لشاذان بن بحر أن ذا الرياستين الفضل لبن سهل وزير المأمون استدعى عمر بن الفرخان من بلده ووصله بالمأمون فترجم لَهُ كتباً كثيرة وحكم بأحكام موجودة إِلَى اليوم فِي خزائن السلطان وألف لَهُ كتباً كثيرة فِي النجوم وغير ذَلِكَ من فنون الفلسفة منها. كتاب تفسير الأربع مقالات لبطليموس من نقل ابن يحيى البطريق. كتاب المحاسن. كتاب اتفاق الفلاسفة واختلافهم فِي خطوط. عمر بن محمد بن خالد بن عبد الجبار بن عبد الملك المرو الروذي لَهُ زيج مختصر عَلَى المذهب الَّذِي ظهر عَلَى يدي جده خالد بن عبد الملك المرو الروزي المتولي للرصد المأموني هو وسند بن علي ويحيى بن أبي
следующие страницы →