← Тараджим

Тараджим · id 26350

أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض

المقري التلمساني

Полный текст (1 044 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

والحق مختلف والحمق مؤتلف ... والكل منصرف عن نصر أبطال وهم لديه كطير وهو ينتفه ... والطير يرجو البقا مع كيد قتال إذا تجرد من ريش يطير به ... أضحى يدافع عن روح بأوصال سدوا مسالك أرزاق ومنفعة ... كدودة القز في نسج لسربال ثم استغاثوا: ألا فرسان عادية ... قال الصدى: لست ذا رمح ونبال والصيف ضيعت ما أملت من لبن ... ففارق الجبح من تدخين نحال وارحل بنحلك نحو الغرب في كرم ... من قبل وضعك في قيد وأغلال فاستمكن الرعب في الأكباد واتفقت ... بعد اختلاف على تأمين أرذال واتل غرناطة الغراء قد عدمت ... حب الحصيد ونصر الله والآل كأنها الشمس في أفق العلى كسفت ... فهل على طلل ترمى بأبطال؟ وهل تعود ليال قد سلفن بها ... ونحن لا نشكي تنكيد ضلال؟ وهل يعود لها الدين الذي أنست ... به وقد أيست من فتح أبدال؟ فأصبحوا لا ترى إلاّ مساكنهم ... كمثل عاد وما عاد بأشكال قد فرقوا كسبا في كل منزلة ... وقد سبا من أيد أو عال

стр. 107

فلا المساجد بالتوحيد عامرة ... إذ عمروها بناقوس وتمثال ولا المنابر للواعظ بارزة ... للأمر والنهي أو تذكير آجال ولا المكاتب بالصبيان آنسة ... تتلو القرآن بأسحار وأوصال آه على الدين والدنيا وما نفعت ... آه إذا صدرت من قلب بطال أنا إلى الله والرجعي له وبه ... تلق القلب في تصحيح إعلال وكان ما كان والألطاف شاملة ... لاحت بنقة نسوان وأطفال فلنكرم الآن من ينزل بمنزلنا ... فالدهر ذو دول فاسمع لأمثال وإذ ولا قدرة تدني المنى فلهم ... حق الجوار ولا توصف بإهمال نلقاهم ولنا بشر ومعذرة ... ورحمة يا حماة العم والخال ولا نذد عن ورود الحوض وارده ... ولا ندع قول ذي نصح وإجمال إخوانكم رفعوا أيدي الضراعة مع ... كسر القلوب فلا يلقوا بإخمال وقل لوال تلطف في مغامرمهم ... يلطف بك الله إذ تدعى لأحمال هذا النذير جهرا جاء ينذرنا ... والأذن في صمم عن قيل أو قال ونحن في غفلة عما يراد بنا ... نمشي على مهلة من طول إمهال يأهل فاس أما في الغير موعضة ... إن السعيد لموعوظ بأمثال قل تعالوا إلى نصح وتذكرة ... فالأمر جد فلا تصحب لمكسال كيف الحياة إذا الحيَّات قد نفحت ... على السواحل أو همت بإرسال ولا سبيل إلى الترياق غير تقي ... والحزم في سعة من قبل إعجال والأخذ في جمع القلوب على ... بذل النصيحة أو إبراء ادخال

стр. 108

والزهد في الدنيا وزخرفها ... والأمر بالعرف مع تحسين مقوال ولا ترم أمان الروم منزلة ... خوفا على الدين أو بعدا من أنذال فمن يبت في أمان الكب منتصبا ... لسخط مولى ولا عذر بأثقال واربأ بنفسك عن أرض تهان بها ... فحيثما كنت لا تخشى من أقلال فالموت عندي خير من حياة فتى ... قد اكتسى بعد عز ثوب إذلال والهجرة الآن قد عادت كما سبقت ... فافهم تفاصيل أقوال وإجمال واحتل بذهنك ولتسمع نصائح من ... قد طب من حب لم يوصف بمحتال في صدر سبع على التسعين زائدة ... شمس الجزيرة غابت بعد إكمال وبلغ الكلب ما قد شاء من أرب ... إذ لم يجد ذائدا عن ديننا العالي ليقضي الله أمرا كان قدره ... والأمر لله في قول وأفعال وقد عظمت ولو أسمعت لانتشرت ... سحاب الدمع لم تقلع عن انزال فاليشتغل كل مسكين بمهجته ... والله يحفظنا من كل مهوال ثم الصلاة على المختار سيدنا ... محمّد والرضا عن آل أو تالي ومما كتبه بعض أهل الجزيرة بعد استيلاء الكفر على جميعها للسلطان أبي يزيد خان العثماني ﵀ ما نصه بعد سطر الافتتاح: الحضرة العلمية وصل الله سعادتها وأعلى كلمتها ومهد أقطارها وأعز أنصارها وأذل عداتها حضرة مولانا وعمدة ديننا ودنيانا السلطان الملك الناصر ناصر الدين والدنيا سلطان الإسلام والمسلمين قامع أعداء الله

стр. 109

الكافرين كهف الإسلام وناصر دين نبينا محمّد ﷺ محي العدل ومنصف المظلوم ممن ظلم ملك العرب والعجم والترك والديلم ظل الله في أرضه القائم بسنته وفرضه ملك البرين وسلطان البحرين حامي الذمار وقامع الكفار مولانا وعمدتنا وكهفنا وغياثنا مولانا أبو يزيد لا زال ملكه موفور الأنصار مخلد المآثر والآثار مشهور المعالي والفخار مستأثرا من الحسنات بما يضاعف الله الأجر الجزيل في الدار الآخرة والثناء الجميل والنصر في هذه الدار ولا برحة عزماته العلية مختصة بفضائل الجهاد مجردة من أعداء الدين من بأسها ما يروي صدور السمر والصفاح وألسنة السلاح باذلة نفائس الذخائر في المواط التي تألف فيها الأخيار مفارقة الأرواح للأجساد سالكة سبيل السابقين الفائزين برضا الله وطاعته يوم يقوم الأشهاد: سلام كريم دائم متجدد ... أخص به مولي خير خليفة سلام على مولاي ذي المجد والعلا ... ومن ألبس الكفار ثوب المذلة سلام على من وسع الله ملكه ... وأيده بالنصر في كل وجهة سلام على مولاي من دار ملكه ... قسنطينة أكرم بها من مدينة سلام على من زين الله ملك ... بنجد وأترك من أهل الرعاية سلام عليكم شرف الله قدركم ... وزادكم ملكا على كل ملة

стр. 110

سلام على القاضي ومن كان مثله ... من العلماء الأكرمين الأجلة سلام على أهل الديانة والتقى ... ومن كان ذا رأي من أهل المشورة سلام عليكم من عبيد تخالفوا ... بأندلس في أرض غربة أحاط بهم بحر مثال الروم زاخر ... وبحر عميق ذو ظلام ولجة سلام عليك من عبيد أصابهم ... مصاب عظيم يا لها من مصيبة سلام عليكم من شيوخ تمزقت ... شيوبهم بالنتف من بعد عرة سلام عليكم من وجوه تكشفت ... على جملة الأعلاج من بعد سترة سلام عليكم من بنات عواتق ... يسقهم اللباط قهرا لخلوة سلام عليكم من عجائز أكرهت ... على أكل خنزير ولحم لجيفة نقبل نحن الكل أرض بساطكم ... وندعو لكم بالخير كل ساعة أدام الإله ملككم وحياتكم ... وعافاكم من كل سوء ومحنة وأيديكم بالنصر والظفر بالعدا ... وأكنكم دار الرضا والكرمة شكونا لكم يا مولاي ما قد أصابنا ... من الضر والبلوى وعظم الرزية غدرنا ونصرنا وبدل ديننا ... ظلما وعوملنا بكل قبيحة وكلنا على دين النبي محمّد ... نقاتل عمال الصليب بنية ونلقي أمورا في الجهاد عظيمة ... بقتل وأسر ثم جوع وقلة فجاءت علينا الروم من كل جانب ... بسيل عظيم جملة بعد جملة

стр. 111

ومالوا علينا كالجراد بجمعهم ... بجد وعزم من خيول وعدة فكنا بطول الدهر نلقي جموعها ... فنقتل فيها فرقة بعد فرقة وفرسانهم تزداد في كل ساعة ... وفرساننا في نقص وقلة فلما ضعفنا خيموا في بلادنا ... ومالوا علينا بلدة بعد بلدة وجاءوا بأنفاط عظيم كثيرة ... تهدم أسوار البلاد المنيعة وشدوا عليها بالحسار بقوة ... شهورا وأياما بجد وعزمة فلما تفانت خيلنا ورجالنا ... ولم نر من إخواننا من إغاثة وقلت لنا الأقوات وأشتدت حالنا ... أطعناهم بالكره خوف الفضيحة وخوفا على أبنائنا وبناتنا ... من أن يؤسروا أو يقتلوا شر قتلة على أن نكون مثل من كان قبلنا ... من الدجن من أهل البلاد القديمة ونبقى في آذاننا وصلاتنا ... ولا نتركن شيئا من أمر الشريعة ومن شاء منا البحر جاز مؤمنا ... بما شاء من مال أرض عدوة إلى غير ذلك من شروط كثيرة ... تزيد على الخمسين شرطا بخمسة فقال لنا سلطانهم وكبيرهم ... لكم ما شرطتم كملا بالزيادة وأبدى لنا كتيا بعهد وموثق ... وقال لنا هذا أماني وذمتي فكونوا على أموالكم ودياركم ... كما كنتم من قبل دون أذية فلما دخلنا تحت عقد ذمامهم ... بدا غدرهم فينا بنقض العزيمة وخان عهودا كان قد غرنا بها ... ونصرنا بعنف وسطوة

стр. 112

واحرق ما كانت لنا من مصاحفٍ ... وخلطها بالزبل أو بالنجاسةِ وكل كتاب كان في أمر ديننا ... ففي النار ألقوه بهزءٍ وحقرة ولم يتركوا فيها كتاباً لمسلم ... ولا مصحفاً يخلي به للقراءة ومن صام أو صلى ويعلم حاله ... ففي النار يلقوه على كل حالة ومن لو يجيء منا لموضع كفرهم ... يعاقبه اللباط شر العقوبة ويلطم خديه ويأخذ ماله ... ويجعله في السجن في سوء حالة وفي رمضان يفسدون صيامنا ... بأكل وشرب مرة بعد مرة وقدر أمرنا أن نسب نبينا ... ولا نذكره في رخاء وشدة وقد سمعوا قوما يغنون باسمه ... فأدركهم منهم ألم المضرة وعاقبهم حكامهم وولاتهم ... بضرب وتغريم وسجن وذلة ومن جاءه الموت ولم يحضر الذي ... يذكرهم لم يدفنوه بحيلة ويترك في زبل طريحاً مجدلا ... كمثل حمار ميت أو بهيمة إلى غير هذا من أمور كثيرة ... قباح وأفعال غزار ردية وقد بدلت أسماؤنا وتحولت ... بغير رضاً منا وغير إرادة فآهاً على تبديل دين محمد ... بدين كلاب الروم شر البرية وآهاً على أبنائنا وبناتنا ... يروحون للبلاط في كل غدوة يعلمون كفراً وزوراً وفرية ... ولا يقدروا أن يمنعهم بحيلة وآهاً على تلك المساجد سورت ... مزابل للكفر بعد الطهارة وآهاً على تلك الصوامع علقت ... نواقيسهم فيها نظير الشهادة وآهاً على تلك البلاد وحسنها ... لقد أظلمت بالكفر اعظم ظلمة

стр. 113

وصار لعباد الصليب معاقلا ... وقد أمنوا فيها وقوع الإغارة وصرنا عبيداً لا أسارى فنفتدى ... ولا مسلمين نطقهم بالشهادة فلو أبصرت عيناك ما صار حالنا ... إليه لجادت بالدموع الغزيرة فيا ويلنا ويا بؤس ما قد أصابنا ... من الضر والبلوى وثوب المذلة سألناك يا مولاي بالله ربنا ... وبالمصطفى المختار خير البرية وبالسادة الأخيار آل محمد ... وأصحابه أكرم بهم من صحابة وبالسيد العباس عم نبينا ... وسيبته البيضاء أفضل شيبة وبالصالحين العارفين ربهم ... وكل ولي فاضل ذي كرامة عسى تنظروا فينا وفيما أصابنا ... لعل إله العرش يأتي برحمة فقولك مسموع وأمرك نافذ ... وما قلت من شيء يكون بسرعة ودين النصارى أصله تحت حكمكم ... ومن ثم يأتيهم إلى كل كورة فبالله يا مولاي منوا بفضلكم ... علينا برأي أو كلام بحجة فانتم أولو الأفضال والمجد والعلا ... وغوث عباد الله في كل آفة فسل بهم أعني المقيم برومةٍ ... بماذا أجازوا الغدر بعد الأمانة؟ وما لهم مالوا علينا بغدرهم ... بغير أذى منا وغير جريمة وجنسهم المغلوب في حفظ ديننا ... وأمن ملوك ذي وفاء أجلة ولم يخرجوا من دينهم وديارهم ... ولا نالهم غدر ولا هتك حرمة ومن يعظ عهداً ثم يغدر بعهده ... فذاك حرام الفعل في كل ملة ولا سيما عند الملوك فإنه ... قبيح شنيع لا يجوز بوجهة

стр. 114

وقد بلغ المكتوب منكم إليهم ... فلم يعلموا منه جميعاً بكلمة وما زادهم إلاّ اعتداء وجرأة ... علينا وإقداما بكل مساءة وقد بلغت أرسال مصر إليهم ... وما نالهم غدر ولاهتك حرمة وقالوا لتلك الرسل عنا بأننا ... رضينا بدين الكفر من غير قهرة وساقوا عقود الزور ممن أطاعهم ... علينا لهذا القول أكبر فرية ولكن خوف القتل والحرق ردنا ... نقول كما قالوه من غير نية ودين رسول الله ما زال عندنا ... وتوحيدنا لله في كل لحظة ووالله ما نرضى بتبديل ديننا ... ولا بالذي قالوا من أمر الثلاثة وإن زعموا أنا رضينا بدينهم ... بغير أذى منهم لنا ومساءة فسل وحرا عن أهلنا كيف أصبحوا ... أسارى وقتلى تحت ذل ومهنة وسل بلفيقا عن قضية أمرها ... لقد مزقوا بالسيف من بعد حسرة ومنيافة بالسيف مزق أهلها ... كذا فعلوا أيضاً بأهل الشرة وأندرش بالنار أحرق أهلها ... بجامعهم صاروا جميعاً كفحمة فما نحن يا مولاي نشكو إليك ... فهذا الذي نلناه من شر فرقة عسى ديننا يبقى لنا وصلاتنا ... كما عاهدونا قبل نقض العزيمة وإلا فيجلونا جميعاً من أرضهم ... بأموالنا للغرب دار الأحبة فإجلاؤنا خير لنا من مقامنا ... على الكفر في عز على غير ملة فهذا الذي نرجوه من عز جاهكم ... ومن عندكم تقضى لنا كل حاجة

стр. 115

ومن عندكم نرجو زوال كروبنا ... وما نلنا من سوء حال وذلة فأنتم بحمد الله خير ملوكنا ... وعزتكم تعلو على كل عزة فنسأل مولانا دوام حياتكم ... بملك وعز في سرور ونعمة وتهدين أوطان ونصر على العدا ... وكثرة أجناد ومال وثروة وثم سلام الله تتلوه رحمة ... عليكم مدى الأيام في كل ساعة انتهت الرسالة بحمد اله، وكتبتها وإن كانت ألفاظها غير بليغة، تكميلا للفائدة، والله الهادي إلى سواء السبيل. وكان أهل الأندلس في عنفوان أمرهم في غاية البلاغة. حتى قال الرئيس أبن الجياب يفتخر بذلك: أبى الله أن تكون اليد العليا ... لأندلس من غير شرط ولا ثنيا وإن هي عضتها نيوب نوائب ... فصيرت الشهد المشور بها شربا فما عدمت أهل البلاغة والحجا ... يقيمون فيها السم للدين والدنيا إذا خطبوا قاموا بكل بليغة ... تجلي القلوب الغلف والأعين العميا وإن شعروا جاءوا بكل غريبة ... تخال النجوم النيرات لها حليا فنسأل في الدنيا من الله سترة ... علينا وفي الأخرى إذا حانت اللقيا ولعمري لقد صدق قائل هذه الأبيات، فإن البلاغة لم تزل شمسها بالأندلس باهرة الإياة، ظاهرة الآيات إلى أن استولى عليها العدو وعطل

стр. 116

من أهل الإسلام الرواح إليها والغدو، وفي أهل بقية لسان ويراعة، وتصرف في فنون الإجادة وبراعة، وقد قصصنا عليك آنفاً الرسالة التي كتبها الملك المخلوع لصاحب المغرب فيما سردناه، واطلعت منها على ما يؤيد ما قلناه من الغرض الذي انتحيناه وأردناه: وقد كان ذلك الكتاب وطبقته تلقفوا كرة البلاغة من يد طبقة أخرى حازت معلى القداح، ويبرجت لها من الفصاحة كل خود رداح، كالفقيه الكاتب أبي عبد الله الشران، المبرز في أدواته على الأنداد والأقران، وكالأديب الشهير الفقيه عمر، الذي لم تزل أخباره إلى الآن سمر، وكفارس تلك الحلبة، الكاتب القاضي الرئيس، الوزير الفقيه، أبي يحيى بن عاصم، الذي حليت بعلومه اللبات والمعاصم، وغيرهم من الجهابذة النقاد، والأعلام الذين تخضع لهم المحاسن وتنقاد، إن جدوا وصلوا مقطوع الأسباب، وإن هزلوا، على عادة الأفاضل من مثل هذا الباب، ملكوا النفوس وسحروا الألباب؛ وقد سبق من كلام أبن عاصم ما يصحح ما ادعيناه ولنورد زيادة إذا أبصرنا المنصف المستفيد تقر عيناه، فنقول: أما الفقيه عمر فهو أشهر من نار على علم، وأزجاله ومنظوماته ومقاماته عند العامة محفوظة، وعند الخاصة مرفوضة، إلاّ القليل الذي يسمح في مثله لصاحب القلم، كمقامته التي سماها بتسريح المصال، إلى مقاتل الفصال، ونصها:

стр. 117

يا عماد السالكين، ومحط رحال المستفيدين والمتبركين وثمال الضعفاء والمساكين والمتروكين، في طريقتك يتنافس المتنافس، وعلى أعطافك تزهى العبارات وتروق الدلافس؛ وبكتابك تحيا جوامد الأفهام، وبمذبتك تشرد ذباب الأوهام؛ وفي زنبيلك يدس التالد والطارف، وبعصاك يهش على بدائع المعارف، الله في سالك، ضاقت عليه المسالك؛ وشاد رمي بالبعاد، أدركته متاعب الحرفة، وأقيم من صف أهل الضفة؛ فلا يجد نشاطاً على ما يتعاطى، ولا يلقى اغتباطاً، وإن حل زاوية أو نزل رباطاً؛ أقصى عن أهل القرب والتخصيص، وابتلى بمثل حالة برصيص؛ فأحيل عليك، وتوقفت إقامته على توبة بين يديك؛ فكاتبك استدعاء، واستوهب منك هداية ودعاء؛ ليسير ما سويت، ويتحمل عنك أشتات ما رويت؛ فيلقى الأكفاء الظرفاء عزيزاً، ويباهى بك كل من خاطبك مستجيراً، فاصرف إلى محيا الرضا، وأعد من إيناسك العهد الذي مضى، ولا تلقى معرضاً ولا معرضاً، واصغ إلى سمعك كما قدر الله وقضى: تعال نجددها طريقة ساسان ... وعض عليها ما توالى الجديدان

стр. 118

ونصرف إليها من مثار عزائم ... ونحلف عليها من مؤكد أيمان ونعقد على حكم الوفاء هواءنا ... لنأمن من أقوال زور وبهتان ونقسم على ألا نصدق واشياً ... يروح ويغدو بين إثمٍ وعدوان يطرق حوالينا ليفسد بيننا ... بمنطق إنسان وخدعة شيطان على أننا من عالم كلما بدا ... تعوذ منه عالم الإنس والجان وحاشاك أن تلفي عن الصلح معرضا ... إلى الصلح آلت حرب عبس وذبيان وإني أهمتني شئون كثيرة ... وصلحك أولى ما أقدم من شاني فأنت إمامي إن كلفت بمذهبٍ ... وأنت دليلي إن صدعت ببرهان سأرعاك في أهل العباءات كلما ... رأيتك في أهل الطيالس ترعاني ويا لابسي تلك العباءات أنها ... لباس إمام في الطريقة دهقان تفرقت الألوان منها إشارة ... بأنك تأتي من حلاك بألوان ويا بابي الفصال شيخ طريقة ... خلوب لألباب لعوب بأذهان إذا جاء في الثوب المحبر خلته ... زنيبرة قد مدينة منها جناحان فما تأمن الأبدان آفة لسعتها ... وإن أقبلت في سابغاتٍ وأبدان

стр. 119

سأدعوك في حالات كيدي وكديتي ... بشيخي ساسان وعمي هامان وإن كان في الأنساب منا تباين ... فما تنكر الآداب أنا نسيبان ألا فادع لي في جنح ليلك دعوة ... لتنجح آمالي ويرجح ميزاني لك الطائر الميمون في كل وجهة ... سريت إليها غير نكس ولا واني فكم من فقير بائس قد عرفته ... فرقت عليه نعمة ذات أفنان وكم من رفيع الجاه أوليت أنسه ... فعاش قرير العين مرتفع الشان فلو كنت للفتح بن خاقان صاحبا ... لمّا خانه المقدار في ليلة الخان ولو لكنت لصابي صديقاً ملاطفاً ... لمّا قبلت فيه مقالة بهتان ولو كنت من عبد الحميد مقربا ... لم هزم السفاح أشياع مروان ولو كنت قد أرسلتها دعوة على ... أبن مسلم ما حاز أرض خرسان ولو كنت في يوم الغبيط مراسلا ... لبسطام لم تهزم به آل شيبان

стр. 120

ولو كنت في حرب الأمين لطاهر ... لمّا هان في يوم القاء أبن ماهان ولو كنت في مغزى أبي يوسف لمّا ... رماه بغدر عبده في تلمسان ولو أنَّ كسرى يزدجرد عرفته ... لمّا طاح مقتولا على يد طحان ولو أنَّ لذريقاً وطئت بساطه ... لمّا أثرت فيه مكيدة أليان وفيما مضى في فاس أوضح شاهد ... غني لدينا عن بيان وتبيان ولمّا اغتنى منك السعيد بكاتب ... رأى ما ابتغى من عز ملك وسلطان فلا تنسى من أهل ودك إنني ... أخاف الليالي أن تطوف فتنساني ولا خير أن تجعل كفاء قصيدتي ... كفاء أبن دراج على مدح خيران فجد بدنانير ولا تكن التي ... ألم بها الكندي في شعب بوان

стр. 121

فجودك فينا الغيث في رمل عالجٍ ... وفضلك فينا الخير في دار عثمان وما زلت من قبل السؤال مقابلا ... مرادي بإحساب وقصدي بإحسان ولا تنس أياما تقضت كريمة ... بزاوية المحروق أو دار همدان وتأليفنا فيها لقبض أتاوة ... وإرغام مسنون وقسمة حلوان وقد جلس الطرقون بالبعد مطرقا ... يقول نصيبي أو أبوح بكتمان عريف يلحاني إذا ما أتيته ... ولم أنصرف عنكم بواجب الحان وقد جمعت تلك الطريقة عندنا ... أئمة حساب وأعلام كهان إذا استنزلوا الأرواح عند الحلول تأرجحت ... مجامرهم عن زعفران واوبان وإن فتحوا الدارات في رد آبق ... ثنت عزمه أوهام خوف وخذلان

стр. 122

فيحسب الله الأرض حيث ارتمت به ... ركائبه سرعان رجل وركبان وقد عاشرنا أسرة كيموية ... أقامت لدينا في مكان وإمكان فلله من أعيان قوم تألفوا ... على عقد سحر أو على قلب أعيان ونحن على ما يغفر الله إنّما ... نروح ونغدو من رباط إلى حان مع الصبح نضيفها عباءة صفة ... والليل ندليها زنانير رهبان أتذكر في سفح العقاب مبيتكم ... ثمانين شخصاً من إناث وذكران لديكم من الألوان ما لم يجيء به ... طهور أبن ذنون ولا عرس بوران ثم ذكر خمسة أبيات أقذع فيها، فلذا تركتها، ثم قال: فاقسم بالأيمان لولا تعففي ... عن السوء لا نحلت عقيدة إيماني فعد للذي كنا عليه فإنَّ لي ... على الغير إن صاحبته حقد غيران فمن يوم إذ صيرت ودي جانباً ... وأعرضت عني ما تناطح عنزان ولا روت الكتاب بعد نفران ... محاورة من ثعلبان لسرحان

стр. 123

وما هو قصدي منك إلا إجازة ... تخولني التفضيل ما بين خلاني وإنك إن سخرت لي وأجزتني ... لنعم ولياً صان ودي وجازاني ولم لا ترويني وأنت أجل من ... سقاني من قبل الرحيق فرواني ولا تنس للدباغ نظما عرفته ... فإنكما في ذلك النظم سيان ومزدوجات ينسبون نظامها ... إلى أبن شجاع في مديح أبن بطان وألمم بشيء من خرافات عنتر ... وألمع ببعض من حكايات سوسان وإن كنت طالعت اليتيمة وانسى ... بلامية في الفحش من نظم واساني أجزني بكشف الدك أرضى وسيلة ... وخير جليس في بساط ودكان وناولني المصباح فهو لغربتي ... ميسر أغراضي ورائد سلواني وألحق به شمس المعارف إنني ... أسائل عن إسناده كل إنسان وقد كنت قبل اليوم عرفتني به ... ولكنني أنسيته بعد عرفان

стр. 124

ولا بد يا أستاذ من أن تجيزني ... ببدء أبن سبعين وفصل أبن رضوان وكتب أبن أخلي كيف كنت فإنها ... لوزن رقيق القول أكرم ميزان ولا تنس ديوان الصبابة والصفا ... لإخوان صدق في الصفا خير إخوان وزهر رياض في صنوف أضاحك ... وجبذ كساء في مكايد نسوان كذاك فناولني كتاب حباحب ... وزدني تعريفاً بها وببرجان ولي أمل في أن أروي رسالة ... مضمنة أخبار حي بن يقظان وحبس على الكاس والكوز والعصا ... فإنك مثر من عصي وكيزان وصير لي الدلفاس أرفع لبسة ... فقد جل قدري عن حرير وكتان وقد رق طبعي وأعتراني خشية ... يكاد بها روحي يفارق جثماني وخل مفاتيح الطريقة في يدي ... وسوغ لهم مزيدى ونقصاني فإني لم أخدمك إلاّ بنية ... وإني لم أتبعك إلاّ بإحسان فكن لي بالأسرار افصح معلن ... فإني قد أخلصت سري وإعلاني انتهت المقامة. وأثبتها لأنها أخف ما رأيت من هزليات الفقيه عمر المالقي، ﵀ وسامحه، ومثل هذا الهزل قد وقع لكثير من الأئمة على سبيل

стр. 125

الإحماض، ولم يعنوا غالباً إلاّ إظهار البلاغة والاقتدار، كما فعل الحريري وغير واحد، والأعمال بالنيات. ومن نظم الفقيه عمر المذكور قوله عفا الله عنه: إلى الله ربي أشتكي حالتي ... عسى فرج يأتي بأفضل حالي وما أسفي إلاّ لمالي أبيعه ... وخائن مالي يشتري بمالي ومن أبدع ما صدر عنه ﵀ مقامة في أمر الوباء، رأيت أن أثبتها لغرابة منزعها، وإن كان بعض فصولها لا يجري على المشهور من مذاهب العلماء، ونصها: إلى حمراء الملك وقلعته، ومقر العز ومنعته، ومطلع كل قمر نصري يخجل الأقمار بطلعته، أبقاها الله على تعاقب الزمان، منزل أمان ودار إيمان، وأمتعها بحياة الملك الخزرجي الإيمان، من موجبة إجلالها كما يجب، المعترفة بفضلها وشرفها وأنوار الشمس لا تحتجب، والواقفة عند إشارتها وطاعتها، فإن تأمر أمتثل وإن تدع أستجب، مالقة، المستمسكة بذمتها الوثيقة، المتشوفة إلى أخبارها تشوف المحبة الشفيقة، إلى ريحانة قلبها في الحقيقة، وإلى هذا يا سيدتي ويا عدتي، ويا ذخيرتي ويا عمدتي، أمتعنا الله وإياك بحياة من استنفذها من الورطات، وردنا إلى الصواب مما كان منا من الغلطات، مولانا الغالب بالله وحده، الموعود بعزيز النصر وقريب الفتح والله ميسر وعده. سلام عليك يتعطر بذكر مولانا أمير المسلمين فوحه، وينشق

стр. 126

كالمسك الفتيت روحه، ورحمة الله وبركاته. أما بعد فإني أحمد الله الذي إذا استكفى بعزته كفى، وإذا استشفى بكلمته شفى، وإذا سئل بواسع رحمته عفا؛ واصلي على رسوله محمد الكريم المصطفى، وعلى آله وأصحابه، أكرم من نصح له وأخلص ووفى. كتبته إليك يا سيدي عن نفس قلقة، ساهرة أرقه، حاذرة مشفقة، ملهبة بل محترقة؛ وإني اقسم عليك بالرب الذي كرمك بالعز وشرفك، وعرفك من لطائف الفرج بعد الشدة ما عرفك، أن تسعدني على تسكين لوعتي، وتأمين روعتي وتراجع رقادي بعد سهادي، وقضاء حاجة جلت في فؤادي، وتفهمي مراد إشارتي وإشارة مرادي. ومبنى هذه الرسالة إليك على قولهم: " الشفيق مولع بسوء الظن "، ومن منن الله على عبده الوقاية من المتالف جل الله العظيم المن؛ وعلى قول المتنبي: ربما ضر عاشق معشوقا ... ومن البر ما يكون عقوقا والمثل الأول لي والآخر لك، والله ييسر في حفظ مولانا أملي وأملك. وإني أتعجب من مساعتتك على إقامة مولانا بمنزل، هذا المرض به فاش، وهذا الهواء الفسد بين دياره جاء وماش، وسمعت أنَّ حديث السفر لمالقة اثقل عليك من حديث رقيب وعاذل وواش؛ وأنَّ الآراء في ذلك اختلف، ولم يرجع فيها إلى سنن تقدمت وعوائد سلفت؛ والأوائل من المؤمنين ﵏ ما تركوا شيئاً سدى، بل نصبوا كل طريق إلى النجاة علم هدى، وسمعت

стр. 127

يا سيدي أنَّ القضية عول على المقام والاستسلام، وخلوف فيها رأي الخليفة الرشيد لمّا تحول في مثلها عن سكنى دار السلام، بمحضر أركان الدين وأعلام الإسلام؛ وقد سمعت في الأجوبة الظريفة، ما صدر من قوله: أخشى أن أكون أول خليفة؛ وقد كنت يا سيدي أرتجي أن يكون لهذا المرض ارتفاع، أو يحصل بدخول فصل البرد انتفاع؛ فتركت الكتب منتظرة لذلك إلى أن تزايدت الحال وأنت على حالك، لا يمر الترحال بخاطرك ولا ببالك، وأنا أقول: أما واجب التسليم، لتقدير العزيز العليم؛ فمتأكد شرعاً، لا يضيق به المؤن ذرعاً؛ لكن ما يفعل المستسلم بالروح والجسد، إذا قيل له اهرب من الأسد؛ وقد أبصره مقبلا إليه، أو منقضا عليه؛ أنَّ يأخذ في تحفظه واحتراسه، أم يصبر لافتراسه؟ ومن قيل له في ظلم الليل: ارتفع عن هذا المكان تنج من السيل؛ أنَّ ينام في مكانه، أم يبادر إلى السلامة بجهد إمكانه؟ ومن نوى: هذه الخيل قد طلعت مغيرة، والرعاة في الجبال مستجيرة؛ فارفع غنمك قبل الاكتساح، فالوقت في انفساح؛ أيتركها تسرح، ولا يبرح؛ أم يرفعها لتسلم، مما تدرب وتعلم؟ وكذلك إذا قامت الرماة صفوفا وأصابت سهامهم من الخلق ألوفا؛ أيرجح الحق يباعداً أم وقوفاً؟ وكذلك أيضاً المنازل، التي تدوم بها الزلازل فأرضها في كل يوم تميد، ودهش القلوب بها حاضر عتيد أو الخسوف بها في يوم ينقض وفي يوم يزيد لا تسمع فيها إلا سقوط جدار، على ركن دار؛ وانفكاك الأركان، على السكان؛ وإخراج ميت، من تحت بيت؛ وسقوط سارية، على جارية؛ أيعزم على السكنى والاستيطان تحت هذه الحيطان؛ أم يؤخذ في الاحتيال،

стр. 128

بالخروج بالأطفال والعيال؟ يا سيدتي الحمراء، سألتك فاخبريني، وإن تحير فهمي فاعذريني ووصل إلي الكتاب الشريف، من جنان العريف؛ يذكر أن السلامة كانت به مستصحبة لمولانا ولناسه، وأن العافية كانت بهم منتشقة أنفاس رنده وآسه، ما عرضت به إلى طبيب حاجة ولا استدعى فيه المعاور للنظر في زجاجة؛ ولا لقول ولا عمل، ولا بلغ في الجساوة والقساوة أقل أمل؛ ولم ينتقص من الساكنين بهذا البستان، من عبيد مولانا السلطان، غير فتى من الخصيان، لا يساوي عشرة دراهم في سوق الفتيان، والجميع بحمد الله استمرت عافيتهم على استقامة، بطول أيام الإقامة؛ وعرفني أيضا جنان العريف في وافد كتابه، ووارد خطابه، أن رغبته كانت في انتقال مولانا نصره الله من صحيح هوائه، وسلسبيل مائه؛ ونفحة جنابه، وتلاعب النسيم العاطر بين قبابه. إلى مالقة حيث الجو الصقيل، والروض الذي يطيب به المقيل، والراحة التي تمتزج بالأرواح كما قيل؛ حيث العرف الأرج، والوادي المعرج والساحل الذي ينشرح به الصدر الحرج، حيث البنفسج يدير كئوس البهار، والياسمين نجوم طالعة بالنهار؛ حيث يتمازج طيب الزهر، بعرف الأترج ونفحات السحر حيث يشبه أنين السواني، حنين المتعشقات من الغواني، إذا حمد الصباح، وانفلق الإصباح؛ وعمرت صغار القوارب، ونادت بحرية الشباك:

стр. 129

إلى المضارب، وسالت أنوار المشارق على جوانب المغارب، ونادى محرك الجيش: ظهور الخيل، وصباح الخير، واستقبلوا الوادي الكبير لمصيد الأرانب والحوت والطير؛ شكر الله جنان العريف على ما قصد ونوى، وعلى ما اظهر من اتباع حق ومخالفة هوى، اعتماداً من أخبار الدول القديمة على ما حفظ وروى. وقال لي يا سيدتي انك وقفت مع الحديث المنصوص، الوارد في مثل هذا المرض على الخصوص؛ وفيه النهى عن الخروج من منازل هذا المرض على الخصوص؛ وفيه النهى عن الخروج من منازل هذا المرض ومواضعه، ومن القدوم على معتركاته ومصارعه؛ والحديث الصحيح، والرشد فيه قول صريح؛ ولكن للعلماء فيه أقوال طويلة التفصيل، وقد لخصها وبينها الإمام أبن رشد في كتابه الجامع من البيان والتحصيل؛ والاتفاق من الجميع أن النهى في هذا الحديث ليس بنهى تحريم، وإنّما هو على سبيل إرشاد وأدب وتعليم؛ فلا إثم ولا حرج، على من أقام ولا على من خرج. وقال عمرو بن العاص: الأفضل الخروج لأهل الفطنة، اتقاء من يؤدى إلى فتنه؛ وكفى بعمرو بن العاص حجة لمن أراد انتصارا، والكلام كثير، ولكني اختصرته اختصارا؛ وإن نظراً قدمه كثير من الصحابة ورجحه، لخليق بأن يقال فيه ما أسعده وما أنجحه! يا ليت تفقهي كله يكون من هذا القبيل، وجاريا على هذا السبيل، مستنداً إلى قول صحابي جليل، ومستدلاً بأرشد علم ودليل، ولو كان على خلاف المشهور من قول

стр. 130

خليل. وهنا يقال: ما في هذه القلة غير هذا الإغريل. يا سيدتي الحمراء؛ أراك في هذه القضية تفقهت فيما بينه عالم وذو علم، ومنعت مما ليس فيه حرج ولا إثم؛ ولو كنت حاضرة لكان لي معك حديث طويل، واحتجاج ينصره نص وتأويل. وسمعت أنك اشفقت من عظيم النفقة، وليس هذا موضع الشفقة؛ فالأمر ليس بغال، ولو يشترى بكل ذخيرة وكل مال؛ والأولى بالملامة، من يفضل شيئاً على السلامة. القمح يأكله السوس، والذهب تغنى عنه النفوس، فكيف يستعظمان فيما تؤمن به النفوس. وبلغني أنك قلت: مالقة ليس بها زرع، وبقليل المقام يضيق لها صدر وذرع وفلاحتها وحرثها ليس لهما أصل ولا فرع؛ وعز علي هذا الكلام وكنني سلمت والسلام؛ فإن سعري عن سعر غرناطة منحط، وفي لمحة بصر يضيق مني بالطعام في كثير من الأيام ساحل وشط، ولا يعلم أنه دامت لي شدة قط. لي في الاعتصام بالتوكل على الله ما يزيد على سبع مائة العام، ما اشغلت فيها فكراً ولا قلباً بادخار قوت ولا باحتكام طعام؛ أثق في اليوم والغد، بالرزق الرغد؛ تأتى به الرياح على الأعناق، ويفيض سيله على جوانب الدواوين وأكناف الأسواق، وتجلبه الأحباب والأعداء بإذن اللطيف الخبير الوهاب الرزاق.

стр. 131

قالت النملة: افتخاري، بادخاري؛ قالت العصفورة: توسلي، بتوكلي؛ قالت النملة: أعتمد على الحب؛ قالت العصفورة: أتوكل على الرب. فلما جن الليل، اقبل السيل؛ فخرجت النملة بالعوم، وبقيت الحبوب بين الدوم؛ فنزلت العصفورة وسجدت، والتقطت من مدخر النملة كل ما وجدت؛ وقالت: خسر المحتكر، وربح طالب الرزق المبتكر، الكريم لا يفتخر بما يدخر. وصح عندي أنَّ الوزير أعزه الله ليس عنده في هذا كله كلام ولا قول وأنَّ الأمر عنده مفروض إلى الرب الذي له القوة والحول. وسمعت يا سيدتي أنَّ هذا السقم، أعظم تأثيره إنّما هو في قطع الأكباد، من صغار الأولاد؛ الذين من فوق السبع ودون العشر، وهم في هذه السنين رياحين القلوب العاطرة النشر؛ وهذا إلى كتبي لك اعظم داع، فإنَّ الأولاد سوائم والوالد راع؛ والراعي لا يترك غنمه في الطريق سبع ضار، ولا قريباً من حريق نار؛ ومحن نشاهد الطير ينقل أفراخه من وكر إلى وكر، ويسترها بملتف الشجر إذا خاف عليها عادية جارح أو صاحب مكر؛ فكيف لا نقتدي في تأمين روعتنا بمن تقدم من الأكابر، ونقف في حامل السيل بأولادنا الأصاغر؛ فما عندك في هذا كله من القول ومن الجواب؟ وما يظهر لك من وجه الرأي والصواب؟ اكتبي بذلك كتاباً اعتمد عليه، وأستند إليه؛ وقبلي عني يد مولانا تقبيلا، ويا ليتني وجدت إلى ذلك سبيلا؛ وأخبريه أني في خدمته على نيتي الأولى، عاكفة على شكر منته الطولى؛ أدام الله حياطة البلاد والنفوس بحفظه وحياطته؛ وأسمعني البشارة

стр. 132

بقدومه ع محدث مالقة من حمراء غرناطة؛ ويحفظه في النفس والأولاد والملك والبلاد، بمنه وفضله. وكتب بتاريخ ربيع الآخر عام أربعة وأربعين وثمان مائة. انتهت المقامة. وكلام المذكور كثير، ومحله من عذوبة المنطق أثير؛ أعلى طبقة من نثره طريقة معريه، حسبما يظهر ذلك بالتأمل لنفوس بالإنصاف حرية؛ وله عدة تآليف أكثرها هزلية، ولذلك لم اجلب شيئاً منها سوى ما تقدم، مما يقتضي ما أصلناه من المزية، والفضيلة للبلاد الأندلسية. ومن أحسن مقطوعاته التي تطرح بها على باب الكريم، وتطفل بها تطفل من لا يبرح عن باب سيده ولا يريم؛ ويرجى له بها كل جميل، والله لا يخيب ما أمله من تأميل قوله ﵀: عقيدة دين الحق أن محمدا ... له الفضل إطلاقاً على كل مخلوق وإن سبقت رسل بكتب وبعثة ... فما هو في مجد وفضل بمسبوق فهذا إذا ما عشت أولى عقيدتي ... وهذا إذا ما مت آخر منطوق وقوله: جئتك يا رب ولا عذر لي ... وهل لعبد السوء من معذرة؟ أرجوك فيما أنت أهل له ... فأنت أهل العفو والمغفرة وقوله في مرضه: يا سامعين الكلام مختلطا ... نظماً ونثراً قلائداً ودرر صلوا على المصطفى وسيلتنا ... محمد وارحموا الفقيه عمر

стр. 133

وأما الكاتب الرئيس أبو عبد الله الشران، فهو الشيخ الفقيه الرئيس الصدر، العلامة العماد، الذخر الأرفع، العلم الأوحد، الأمجد الأسرى، الذي لا يجارى في الإنشاد والاختراع كلاماً جزلاً، وقولاً فصلاً، رئيس الكتبة بالحضرة العلية، أبو عبد الله أبن الشيخ الفاضل الماجد الأعز الأرفع الأوجه أبي إسحاق، كان حيا سنة سبع وثلاثين وثمان مائة. هذا كلام بعض الأندلسيين فيه. وقال القلصادي في حقه: هو الفقيه الوجيه اللبيب اليقظ الأدرى، الأديب الأحظى، الرئيس النبيل الأرقى؛ وحيد عصره وأوانه، وفريد دهره وأقرانه، أبو عبد الله محمد الشران الغرناطي، تغمده الله برحمته. وذكر هذا الشيخ القلصادي في طالعة شرحه لأرجوزة أبي عبد الله الشران المذكور، التي أولها: بحمد خير الوارثين أبتدى ... وبالسراج النبوي أهتدى وهي أرجوزة عذبة النظم، سهلة المأخذ مختصرة في علم الفرائض. ومن بديع نظم الكاتب أبي عبد الله الشران رحمه الله تعالى قوله: فلا تمنع العين انهمالاً فأنه ... غرام شجٍ إسناده غير مهمل أحاديث ترويها الجفون عن الحشا ... ويثبت منها مرسل بمسلسل وقوله يخاطب الفقيه الصالح سيدي أحمد بن حرشون، وقد أهدى له قرص زعفران: أهلا بقرص زعفران أطلعت ... من حسنها للقلب باعث أنسه حيا الخوص به وغير عجيبة ... للبدر أن حيا بقرص شمسه يا نيرا للمجد أهدي نيرا ... كل امرئ إهداؤه من جنسه

стр. 134

لمّا اختفت شمسك عن ناظري ... أرست منه مطر الدمع وأقبلت ظلمة الليل النوى ... فما ترى في رخصة الجمع ز حكى الحافظ أبو عبد الله التنسي ﵀ أنه لمّا صرف الفقيه أبو الفضل أبن جماعة عن رياسة الكتابة بغرناطة إلى قضاء الجماعة وولى مكانه صاحب الترجمة أبو عبد الله الشران لقي بعض رؤساء الدول جماعة يوما فقال له: يا سيدي إنَّ السر الذي عهدناه الحضر غاب عنها بغيبتك. فقال له: وكيف لا وقد تركتم الفضل المجموع وأخذتم الشر المكرر. قم إنَّ أبن جماعة كان عنده إعذار فدعا أعيان البلد إليه ولم يدع الشران فكتب إليه الشران: ماذا أعد المجد من أعذاره ... في ترك دعوتنا إلى إعذاره إن كان الرسم دون محضرنا اكتفى ... لا بد أن يبقى على إعذاره ثم قال الشيخ التنسي: والشران هذا ممن له باع مديد في الشعر وتصرف حسن. انتهى. ومن بديع نظم الشران المذكور قوله ﵀: دوام الحال من قضايا المحال ... واللطف موجود على كل حال والنصر بالصبر محلى الظبي ... والجد بالجد مريش النبال وعادة الأيام معهودة ... حرب وسلم والليالي سجال وما على الدهر انتقاد على ... حال فإن لحال ذات انتقال

стр. 135

من لليالي بائتلاف وكم ... من اعتبر باختلاف الليال أخذ عطاء محنة محنة ... تفرق جمع جلال جمال حال انتظام وانتثار معا ... كأنما هذي الليالي لآل وهل سنى الصبح وجنح الدجى ... لخقة الأضداد إلاّ مثال والظلم الحلك على نورها ... تدل والعسر بيسر يدال والسيف قد يصدأ في غمده ... ثم يجلى صفيحته الصقال والمس بعد الغيم تجلى كما ... للغيث من بعد القنوط انهمال والفرج الموهوب ترجي به ... لطائف لم تجر يوما ببال فصابر الدهر بحاليه من ... حلو ومر واعتدا واعتدال فما للصبر على حالة ... وإنما الصبر حلى الرجال ولا يضيق صدرك من أزمة ... ضاقت فصنع الله رحب المجال إلى هنا توجد هذه القصيدة بأيدي الناس ورأيت بخط بعض الأخيار بعد هذا البيت زيادة كثيرة على ذلك منسوبة لصاحب القصيدة وهي لا تبعد من نفسه على إنَّ فيها إطاء. وها أنا أيضا أثبتها بجملتها لغرابتها وجزالتها ولاشتمالها على مديح المصطفى المجتبى) ونصها بعد قوله: " رحب المجال ": وانظر بلطف العقل كم كربة ... فرجها لطف كحل العقال وكل إليه كل حاج فما ... لذي حجا إلاّ عليه اتكال

стр. 136

وكل بدء فله غاية ... وغاية الخطب الخطب الشديد انحلال وكل عود فله آية ... وأية العقل اعتبار المآل وفي مآل الصبر عقبى الرضا ... من فرج يدني وأجر ينال عجبت للعبد الضعيف القوي ... يغر بالرب الشديد المحال يهوي على الآمال مسترسلا ... طوع الهوى حيث أمالته مال تخدعها النفس بتخييلها ... وهل خيال النفس إلاّ خبال يخال أن الأمر جار على ... تدبيره هيهات مما يخال الخلق والأمر لمن لم يزل ... في ملكه الملك وما إن يزال والفعل والترك دليل على ... مراده والكل طوع انفعال يعطي فلا منع ويقضي فلا ... دفع ويمضي حكمه لا يبال يدبر الأمر فعن أمره ... تقدير ما في الكون سفل وعال يضل يهدي حكمة أنفذت ... فضلا وعدلا في هدى أو ضلال وحكمة البارئ في حكمه ... ما لمجال العقل فيها مجال والرب لا يسأل عن فعله ... قد قضى الأمر ففيم السؤال فيا أخا الفكر اشتغالا بما ... في غيره للفكر حق اشتغال سلم ففي التسليم من كل ما ... ينفذ تسليم وتنعيم بال وارض بما فاتك أو نلته ... فعكسه ما لك فيه مجال وفوض الأمر إلى الحق لا ... تركن من الدنيا لحال محال فذو الحجا فيما اتقى وارتجى ... بالعدل حال ومن العذل خال يرضى بقسم الرب كل الرضا ... في كل حال ما عن العهد حال

стр. 137

يرى خلال الشكر والصبر في ... ما سر أو ساء أبر الخلال فهو على الحالين قد نال من ... مناه في الدارين اقصى منال ما أقصر الدنيا على مرها ... كال الظل ما أقصر مدّ الظلال فافطن لها حزما ففي ظلها ... ما قال حازم حيث قال ما يقظات العيش إلاّ كرى ... ولا مرائي العين إلاّ خيال يا ليت شعري والمنى غبرة ... والشعر قول ينافي الفعل هل يستحيل العهد من صبوته ... فقد مضى عهد الصبا واستحال والشيب هل يقظني صبحه ... فالنوم في ليل من اللهو طال وكسرتي من عسرتي هل تقى ... وعثرتي من عبرتي هل تقال هذا زماني في تول وفي ... عزمي توان والهوى في توال حال من احتل ... بدار البلا ولم يحدث نفسه بارتحال يا رب ما المخلص من زلتي ... لا عمل لا حجة لا احتيال يا رب ما يلقاك مثلي به ... عن طاعة لم ألقها بامتثال يا رب لا أحمل حر الصبا ... فكيف بالنار لضعفي احتمال أو كيف عذري وقد أعذرت لي ... بأخذ حذري من دواعي النكال رحمتك اللهم فهي التي ... لها على العاصين مثلي انثيال ولا تعاملنا بأعمالنا ... لكن رجا آمالنا صل ووال

стр. 138

وبامتداح المصطفى هب لنا ... مآثم الفعل لبر المقال فما سوى حبي للمصطفى ... وسيلة لي بعرها اتصال ذلك تجري وعلى فضله ... طمعت في الفضل بلا رأس مال فإن يفز قدحي بمدحي له ... فقد يجل النور قدر الذبال ورائد الغر الغوالي على ... موثقة مما نوى من نوال أعظم بأمداح نبي الهدى ... حبل اعتلاق أو شفاء اعتلال خير الورى من باد أو حاضر ... أكرمهم من خاف أو ذي انتعال فاديهم من فتكات الردى ... هاديهم في هلكات الضلال حاميهم بالعض ذا لا حمى ... كاليهم في الخطب إذ ليس كال منيلهم إذ لا جدى يرتجى ... مقيلهم إذ لا عثار يقال قريعهم في بقات العلا ... شفيعهم في عرضات السؤال مؤويهم من حوضه من صدى ... مؤويهم من جاهه في ظلال أطول من سال بسيب الندى ... أصول من في الحق بالسيف صال من خصه الله بخصل المدى ... في كل ما عم الهدى من خصال من باهر الحسن وفضل التقى ... وحكمة النطق ومجد الفعال حال من العلم بأسنى حلى ... واف من الحلم بأزكى خلال نور مبين صادق فارق ... مبشر هاد ختام كمال أبيض يستسقي الحيا بأسمه ... كهف الأيامي لليتامى ثمال

стр. 139

الرحمة المهداة ضمن احتفا ... والتعمة المسداة خلف احتفال كم آية جلى لنا أو تلا ... وغاية جلى بها دون تال ذو العرش أسمى قدره فاسمه ... في العرش مقرون مع اسم الجلال وذكره رفع في ذكره ... حمدا ليتلو مدحه كل تال أعطاه دون الرسل خمسا كفت ... يد امتنان العطايا الجزال لم يبعث الرسل اشتمالا وفي ... بعثته للثقلين اشتمال وقسمة الأنفال حلا وما ... من قبل كانت لنبي حلال والأرض طهرا ومصلى لأنَّ ... كان له كون بها واحتلال والنصر بالرعب لشهر مدى ... ينازل الأعداء قبل النزال والنعمة الكبرى التي نالها ... شفاعة الأخرى ونعم المنال وليلة المعراج أسرى فما ... اسرى واسنى شرفا في الليال جال وجبريل أنيس له ... من السماوات العلى حيث جال حتى انتهى من سدرة المنتهى ... إلى مقام لم ينله مقال قال له الروح مقامي هنا ... وأنت فاصعد لمقام الوصال فقال: يا أنسى أفردتني ... حيث دهتني مدهشات الجلال فقال: كلا إنّما الأنس ما ... أنت موال ولك الله والْ طأ حضرة القدس اتصالا فما ... أبيح منها لسوك اتصال فزجه في النور زجا رأى ... وراءه للحق نور الجمال شاهد ما شاهد مما ارتقى ... عن مبلغ العقل ووهم الخيال فقال قوم بفؤاد رأى ... وعالم بالعين والقلب قال

стр. 140

وليس ذا وهو محال على ... حال مقام الحب مما يحال حيث تدلى قاب قوسين أو أدنى نجيباً في ظلال الدلال وبعد ما في النجم يتلى علا ... ثم أتى والنجم في الأفق عال وباحتمال الجسم والروح في ... مسراه صح القول دون احتمال وبانشقاق الصدر فقس ... له انشقاق البدر عند اكتمال لنسبة بينهما في الهدى والحسن والقرب وبعد المنال فنور هذا كم جلا من دجى ... ونور هذا كم هدى من ضلال كلا بل الأنوار حيث انجلت ... حسا ومعنى منه كلا تنال لا نشقاق البدر من نوره ... أبدى انشقاقاً وهو تغيير حال شق هلالين على صفحتى ... ظلمائه في كل شق هلال والشطر منه لاستلام الثرى ... بين يديه بالسلام استمال بل اخجل البدر لنقصانه ... فانحط منشقا لبدر انكمال هم سألوها آية أعرضوا ... عنها وقد جاءت وفاق السؤال قالوا وقد جالوا بسحر أتي ... فقالت هذا السحر سحر حلال بل عجبوا من نكتة الكون أنَّ ... أعطاه رب الكون ما منه سال وهجرة بل وصلة للرضا ... وربما نيل بهجر وصال ضفا لحجب الستر دون العدا ... في الدار والغار عليه انسدال إذ غار بالحكمة نور الهدى ... في الغار من غارة حزب الضلال وما اختفي من خيفة بل لأن ... تظهر أسرار معاني المعال

стр. 141

حيث ثنى بعد عنان الردى ... سراقة عما سرى واستقال هيل كثيب الطرف خسفاً به ... عن كثب والصنع للطرف هال أهوى كما أهوت بميلاده ... من قصر كسرى الشرفات العوال نسبة حال كان من سرها ... أنَّ بسواريه غدا وهو حال هناك هامت بالحمام العدا ... فحام حوليه حمام فحال فاطرد الكسر على جمعهم واطرد الفتح له صدق فال والعنكبوت اعتمدوا حجة ... خالوا بها الغيل من الليث خال فأعجب لهم بالوهن استوثقوا ... ظنا وللبرهان هم في جدال ما أصدق الصديق في قوله ... عدل لنا في حجج الصدق قال أشفق لا حرصاً على نفسه ... بل غار من علق نفيس يذال يا أيها الصديق بشراك لا ... تحزن وشم للنصر أمضى النصال فحكمة العصمة إحرازها ... ما بين أظفار الظبي والعوال لله ما أشرفها عزة ... ليس لغير الله منها ابتهال نبوة لاحت براهينها ... قطيعة ترغم أنف الجدال

стр. 142

وهل جدال في عُلى أوجبت ... وآدم في طينه ذو انجدال وإذ نجى في فلكه ... كان على أنوار هذا اشتمال كذا خليل الله في ناره ... من نوره أهدى هدى الخلال إذ قال جبريل له سل تنل ... فقال علم الحال حسب السؤال ونال إسماعيل منه الفدا ... بالذبح أو إسحاق إنَّ صح نال وهود استجلى لديه الهدى ... ويوسف منها تحلى الجمال وخلعة الإشراق منها أكتسى ... بالطور موسى عند خلع النعال والروح روح الله لاقى بها ... بشرى تلقتها صدور الرجال فيا له نور انتقاء بدا ... في غرر الآباء منه انتقال والشمس والبدر معاً والضحى والشهب منه أشرفت والهلال ونوره أجلى، وبرهانه ... أعلى، وكم من دونها من معال تفجرت أنمله الندى ... معنى وبالحس جرت بالزلال وأنطق الطير بتصديقه ... وأفصح الذئب به والغزال وسبحت في راحتيه الحصى ... وانهزم الجمع لحثو الرمال والجذع إذ عوض من وصله ... بفصله حن حنين الفصال وهل إلى آياته منتهى ... وعن غاياته النجم آل فما بليغ بالغاً وصفه ... يقصر عن ذاك المقام المقال وبعد معبد نون أو منتهى ... براءةٍ ماذا عسى أنَّ يقال

стр. 143

يا سيد الكونين فضلا به ... قد ساد في الأولى ويوم المآل يا سابق الرسل اصطفاء ويا ... خاتمهم جمعا لمعنى الكمال يا ملجأ الخلق ومنجاهم ... إذا بهم ضاق انفساح المجال يا من به نال المحب الرضا ... ويا شفيعا في الذنوب الثقال رحماك فينا يا بني الهدى ... فلم تزل رحماك ذات انهمال رحماك في أوطاننا راعها ... من لحظك الأحمى بعين ابتهال رحماك في سلطاننا واله ... من نصرك الأمضى بأرضى نوال رحماك في غربتنا كن لها ... أنسا فإنَّ العهد بالأنس طال رحماك في كربتنا حلها ... منك بسر فهي رهن اعتقال رحماك في عيلتنا أغنها ... أنا على رفدك طرا عيال رحماك في قلتنا زكها ... زكاة تكثير لجاه ومال صالت علينا بالوفور العدا ... وهل على راجيك غوثا يصال صالت بعد واعتداد معاً ... وما على ذاك الحمى يستطال خالت بأنا لا غياث لنا ... حاشى غياث الخالق مما يخال وبالغنى اختالت وما إنَّ لنا ... في غير أفياء غناك اختيال فأنت للخلق ملاذ الورى ... والوزر الأحمى لدى ذي الجلال صلى عليك الله نور الهدى ... أزكى صلاة قرنت باتصال انتهت القصيدة. ومن ذلك قوله ﵀: لك يا فقيه وضعت خدى في الثرى ... طمعا بوصلك منك غير مؤجل فأجاب ذلك لا يجوز لأنه ... عندي رباً من باب ضع وتعجل

стр. 144

وقوله: لي سيد زار وما زرته ... فمني النقص ومنه التمام إنَّ يحتمل سهوى ففقه مضى ... لأنني المأموم وهو الإمام وطالما زار الغمام الثرى ... ولم يزر قط الثرى للغمام وقوله ﵀، وهو غاية في بابه: بعثت بها ذكرى على ثقة إلى ... مؤمل وعد من لقائك مرقوب فما زلت فذا في رءوس ذوي العلى ... وما وعد رأس مثل موعد عرقوب وقوله: عاب مني العداة شعراً وثغراً ... رميا في الصبا بشيب وشين قلت: لا عيب في ما دام فضل ... في النهى واللسان والشفتين وقوله: قلت لمّا جبرت بالعاج ثغراً ... ولقد رمت بالمحال احتجاجاً صاح لا بأس أنَّ يعوج شبابي ... تلافي أما ترى الثغر عاجا وقوله: أتراني أحوط الثغر ربطاً فأضحكت ... وتاهت بثغر بالجفون يحاط فقلت لخوف الحل منه ربطته ... أينكر في الثغر المخوف رباط وقوله: إلهي لك الشكوى وحسبي رحمة ... نداؤك في شكوى الخطوب إلهي

стр. 145

وحقك ما للهو أبدعت خلقي ... وها أنا في غي البطالة لاهي بنفسي وشيطاني ودنياي والهوى ... فتنت ولكن أنت حسبي لاهي ولنختم ما أردنا جلبه من نظمه الذي هو بحر لا ساحل له بقوله: يا رب قلت وقولك الحق الذي ... أحكمت: انك تستجيب لمن دعا فاختم لعبدك بالرضا وأحكم له ... بالستر في الدنيا وفي الآخرة معا وأما الرئيس أبو يحيى بن عاصم فهو الإمام العلامة، الوزير الرئيس، والكاتب البليغ الجليل الخطيب الجامع الكامل، الشاعر المفلق الناثر، الحجة، والخاتمة رؤساء الأندلس بالاستحقاق، القاضي محمّد بن محمّد بن محمّد بن محمّد بن محمّد بن عاصم القيسي الأندلسي الغرناطي، قاضي الجماعة بها، كان رحمه الله تعالى من اكابر فقهائها وعلمائها، أخذ عن الإمام المحقق أبي الحسن بن سمعة، والإمام القاضي أبي القاسم بن سراج، الشيخ الراوية أبي عبد الله المنتوري، والإمام أبي عبد الله البياني وغيره من وذكر في شرحة تحفة والده أنّه ولى القضاء عام ثمان وثمانين وثمان مائة، وله عدة تآليف منها شرحه العجيب على تحفة والده في الأحكام، وهو كتاب نافع، فيه فقه متين، ونقل صحيح، وكانت بينه وبين عصريه الإمام مفتي غرناطة أبي عبد الله السرقسطي، مراجعات ومنازعات في مسائل فقهية. ومن تآليفه ﵀: كتاب جنة الرضى، في التسليم لمّا قدر الله وقضى؛ وكتاب الروض الأريض، كأنه ذيل به إحاطة أبن الخطيب،
следующие страницы →