← Тараджим

Тараджим · id 26350

أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض

المقري التلمساني

Полный текст (1 044 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

حيث ثنى بعد عنان الردى ... سراقة عما سرى واستقال هيل كثيب الطرف خسفاً به ... عن كثب والصنع للطرف هال أهوى كما أهوت بميلاده ... من قصر كسرى الشرفات العوال نسبة حال كان من سرها ... أنَّ بسواريه غدا وهو حال هناك هامت بالحمام العدا ... فحام حوليه حمام فحال فاطرد الكسر على جمعهم واطرد الفتح له صدق فال والعنكبوت اعتمدوا حجة ... خالوا بها الغيل من الليث خال فأعجب لهم بالوهن استوثقوا ... ظنا وللبرهان هم في جدال ما أصدق الصديق في قوله ... عدل لنا في حجج الصدق قال أشفق لا حرصاً على نفسه ... بل غار من علق نفيس يذال يا أيها الصديق بشراك لا ... تحزن وشم للنصر أمضى النصال فحكمة العصمة إحرازها ... ما بين أظفار الظبي والعوال لله ما أشرفها عزة ... ليس لغير الله منها ابتهال نبوة لاحت براهينها ... قطيعة ترغم أنف الجدال

стр. 142

وهل جدال في عُلى أوجبت ... وآدم في طينه ذو انجدال وإذ نجى في فلكه ... كان على أنوار هذا اشتمال كذا خليل الله في ناره ... من نوره أهدى هدى الخلال إذ قال جبريل له سل تنل ... فقال علم الحال حسب السؤال ونال إسماعيل منه الفدا ... بالذبح أو إسحاق إنَّ صح نال وهود استجلى لديه الهدى ... ويوسف منها تحلى الجمال وخلعة الإشراق منها أكتسى ... بالطور موسى عند خلع النعال والروح روح الله لاقى بها ... بشرى تلقتها صدور الرجال فيا له نور انتقاء بدا ... في غرر الآباء منه انتقال والشمس والبدر معاً والضحى والشهب منه أشرفت والهلال ونوره أجلى، وبرهانه ... أعلى، وكم من دونها من معال تفجرت أنمله الندى ... معنى وبالحس جرت بالزلال وأنطق الطير بتصديقه ... وأفصح الذئب به والغزال وسبحت في راحتيه الحصى ... وانهزم الجمع لحثو الرمال والجذع إذ عوض من وصله ... بفصله حن حنين الفصال وهل إلى آياته منتهى ... وعن غاياته النجم آل فما بليغ بالغاً وصفه ... يقصر عن ذاك المقام المقال وبعد معبد نون أو منتهى ... براءةٍ ماذا عسى أنَّ يقال

стр. 143

يا سيد الكونين فضلا به ... قد ساد في الأولى ويوم المآل يا سابق الرسل اصطفاء ويا ... خاتمهم جمعا لمعنى الكمال يا ملجأ الخلق ومنجاهم ... إذا بهم ضاق انفساح المجال يا من به نال المحب الرضا ... ويا شفيعا في الذنوب الثقال رحماك فينا يا بني الهدى ... فلم تزل رحماك ذات انهمال رحماك في أوطاننا راعها ... من لحظك الأحمى بعين ابتهال رحماك في سلطاننا واله ... من نصرك الأمضى بأرضى نوال رحماك في غربتنا كن لها ... أنسا فإنَّ العهد بالأنس طال رحماك في كربتنا حلها ... منك بسر فهي رهن اعتقال رحماك في عيلتنا أغنها ... أنا على رفدك طرا عيال رحماك في قلتنا زكها ... زكاة تكثير لجاه ومال صالت علينا بالوفور العدا ... وهل على راجيك غوثا يصال صالت بعد واعتداد معاً ... وما على ذاك الحمى يستطال خالت بأنا لا غياث لنا ... حاشى غياث الخالق مما يخال وبالغنى اختالت وما إنَّ لنا ... في غير أفياء غناك اختيال فأنت للخلق ملاذ الورى ... والوزر الأحمى لدى ذي الجلال صلى عليك الله نور الهدى ... أزكى صلاة قرنت باتصال انتهت القصيدة. ومن ذلك قوله ﵀: لك يا فقيه وضعت خدى في الثرى ... طمعا بوصلك منك غير مؤجل فأجاب ذلك لا يجوز لأنه ... عندي رباً من باب ضع وتعجل

стр. 144

وقوله: لي سيد زار وما زرته ... فمني النقص ومنه التمام إنَّ يحتمل سهوى ففقه مضى ... لأنني المأموم وهو الإمام وطالما زار الغمام الثرى ... ولم يزر قط الثرى للغمام وقوله ﵀، وهو غاية في بابه: بعثت بها ذكرى على ثقة إلى ... مؤمل وعد من لقائك مرقوب فما زلت فذا في رءوس ذوي العلى ... وما وعد رأس مثل موعد عرقوب وقوله: عاب مني العداة شعراً وثغراً ... رميا في الصبا بشيب وشين قلت: لا عيب في ما دام فضل ... في النهى واللسان والشفتين وقوله: قلت لمّا جبرت بالعاج ثغراً ... ولقد رمت بالمحال احتجاجاً صاح لا بأس أنَّ يعوج شبابي ... تلافي أما ترى الثغر عاجا وقوله: أتراني أحوط الثغر ربطاً فأضحكت ... وتاهت بثغر بالجفون يحاط فقلت لخوف الحل منه ربطته ... أينكر في الثغر المخوف رباط وقوله: إلهي لك الشكوى وحسبي رحمة ... نداؤك في شكوى الخطوب إلهي

стр. 145

وحقك ما للهو أبدعت خلقي ... وها أنا في غي البطالة لاهي بنفسي وشيطاني ودنياي والهوى ... فتنت ولكن أنت حسبي لاهي ولنختم ما أردنا جلبه من نظمه الذي هو بحر لا ساحل له بقوله: يا رب قلت وقولك الحق الذي ... أحكمت: انك تستجيب لمن دعا فاختم لعبدك بالرضا وأحكم له ... بالستر في الدنيا وفي الآخرة معا وأما الرئيس أبو يحيى بن عاصم فهو الإمام العلامة، الوزير الرئيس، والكاتب البليغ الجليل الخطيب الجامع الكامل، الشاعر المفلق الناثر، الحجة، والخاتمة رؤساء الأندلس بالاستحقاق، القاضي محمّد بن محمّد بن محمّد بن محمّد بن محمّد بن عاصم القيسي الأندلسي الغرناطي، قاضي الجماعة بها، كان رحمه الله تعالى من اكابر فقهائها وعلمائها، أخذ عن الإمام المحقق أبي الحسن بن سمعة، والإمام القاضي أبي القاسم بن سراج، الشيخ الراوية أبي عبد الله المنتوري، والإمام أبي عبد الله البياني وغيره من وذكر في شرحة تحفة والده أنّه ولى القضاء عام ثمان وثمانين وثمان مائة، وله عدة تآليف منها شرحه العجيب على تحفة والده في الأحكام، وهو كتاب نافع، فيه فقه متين، ونقل صحيح، وكانت بينه وبين عصريه الإمام مفتي غرناطة أبي عبد الله السرقسطي، مراجعات ومنازعات في مسائل فقهية. ومن تآليفه ﵀: كتاب جنة الرضى، في التسليم لمّا قدر الله وقضى؛ وكتاب الروض الأريض، كأنه ذيل به إحاطة أبن الخطيب،

стр. 146

وله غير ذلك، وسنذكر شيئاً من كلامه بعد هذا إن شاء الله تعالى. ومن أغرب ما صدر عنه، ﵁، قصيدة، تنفك منها قصيدتان أخريان بديعتان، إحداهما من المكتوب الأحمر، والأخرى من المكتوب بالأخضر، وكل واحدة من هاتين البنتين تلد موشحة، كما ستراه، وقد ألفيتها بخط بعض أعلام سبته، وهو الفقيه أبو عبد الله محمّد بن علي بن محمّد بن فرج، وجده محمّد بن فرج هو الذي نأتي بجملة من نظمه في النعل النبوية، عند ما نتعرض لذلك إن شاء الله تعالى، في محل هو انسب من هذا الموضع، وقد سقط من هذه القصيدة نحو ثلاثة أبيات، فعوضتها بغير ذلك السنن، على أنَّ بعض كلماتها لم تسقط إلى الطرف. ونص ما كتبه السبتي المذكور من نظم السيد الأستاذ العلم الصدر المفتي القاضي رئيس الكتاب، ومعدن السماحة، ومنبع الآداب يسدي أبي يحيى أبن عاصم ﵀ ورضى عنه، يمدح السلطان العادل المقدس المنعم المرحوم المجاهد، أبا الحجاج يوسف بن نصر، قدس الله روحه، ونضر ضريحه، قال: ونقلتها من خط ناظمها ﵀. انتهى. وهذه هي القصيدة: أما الهوى " ما كنت " مذ بان عهده ... أهيم بلقيا من تناثر وده رعى الله " لو أنصف " الصب في الهوى ... لمّا فاض منه الدمع مذ بان صده

стр. 147

ولو جاد من " بعد المطال " بروزة ... لمّا شب اشواقي وقلبي زنده كما خان صبري يوم أصبح و " أصلى ... لظى " زاد ماء من جفوني وقده لذلك أسال الدمع كالدر مدمعي ... من " الوجد " فاستولى على الجفن سهده حكى لؤلؤاً من سلكه متناثرا ... و " إلاّ ليم " قد تتابع مده ذخرت الثمين القدر منه بمقلتي ... وما زلت من خوف " الكنال " أعده ولا عجب مذ أعوز القرب أنَّ غدا ... و " كالقمر الزاهي " سناه وبعده أيلحق باللقيا أو الوصل من يغو ... ر " في نوره " بدر السماء وجنده وصير جسمي للصبابة والتلا ... قي يتم قلبي إذ تمكن وجده أقطع أنفاسي " عليه كآبة " ... والله من بدر لغيري سعده فمن شعره " الليل البهيم " ومن سنى ... مقبله للحسن نور يمده بحكم " الدلال " الجور حكم جوره ... ومن شأنه ألا قرين يرده له معطف " مستحسن القد " ناعم ... به علقت في الحب بالرغم أسده رمى في فؤادي جمراً " ذكى " لهيبه ... به ظبي أنس قد تلهب خده فيعبق من نار الحيا عاطر " الشذا ... كأني " بذاك الخال قد نم نده ويبدو بآفاق الجمال هلاله ... له " الليل فراعوا " الكواكب عقده كأنَّ الظبي في مرتع الطرف لظه ... كأنَّ " القنا في " اللين والفعل قده يروق العيون العطف منه فشبهت ... به قضب ألبان " اعتدال " وملده ويا نعم ورد الخد لو جاز قطفه ... وطيب رحيق الثغر لو حل ورده

стр. 148

يجول به ريق " شهي " يحيلني ... إليه لظى في القلب قد شب وقده ويحمي المحيا و " اللمى " بلواحظ ... عن الدنف المغرى به فتصده فلله من ريم ضلوعي كناسه ... وروض يسقيه من الدمع عهده ويمنع منه المستهام فما له ... و " في لثمه " لو جاد باللثم قصده وبالحسن منه يستبيح حمى النهى ... و " كان المنى واليمن يحويه برده ويلوي بديني في الهوى وهو موسر ... له در ثغر " لو ينال " وعقده أفي العدل أنَّ يحكم بتحريم ريقه ... لأن " كان للشهد المعلل ورده تخيلته لو نيل بالنهب في الكرى ... " وما ذقته يشفي من السقم شهده فأجنى كما شاء الوصال " رضابه " ... ويجني على قلبي هواء وصده ويشفي بذلك المبسم " العذب " ريقه ... فؤادي إذ يشفي بلثمي خذه وحلو " الجنى " مر الجفا باهر الس ... نى له نهب هذا القلب قسرا ورده بدا " في المثال " كالغزال محاسناً ... وتخشاه أبطال العرين وأسده وللحب يدعو لحظه الأوطف الورى ... ألا هكذا قلب المشوق أقده تملك رقى طرفه " مع سقمه " ... وبالشرع في حكم الغرام يرده وأظهر مكنون الهوى منذ جار في أل ... معنى الذي قد طال في الحب جهده وقد كان تحت الكتم عذرى ووجده ... فأسهر منه ما اختفى قبل صده ويحسبه في الحكم بالجور كالورى ... وهل بالسليم القلب يحسب ضده إذا بالظنون الكاذبات يناله ... ينام فكم عم الليالي سهده

стр. 149

يلوح سناه للمشوق وقربه ... عليه حرام إذ يحلل بعده وفي مجتلاه الباهر الحسن والروا ... حياتي، وشبه القتل للنفس فقده وأنعش القلب بالإنصاف " مهما بدا " وإنَّ ... أرى منه ظلماً عاود القلب وجده ويبديه نور الحسن وهناً " لمقلتي " ... ويخفيه فرع فاحم الوصف جعده يميل على المشتاق بالهجر حكمة ... فمنه استعار الميل عني قده فيا هاجري والصد قاتل ... وروض " نعيمي " في رضاك وخلده أما والفتون البابلي وسحره ... ليقنعني هزل " الوصال " وجده ويا مقولي مالي سواك مؤزر ... فخل الهوى وامدح لمن حق حمده فصغ لؤلؤء من مدحي أبن ملوكنا ... " إمام الورى " الباهي على الخلق رفده من أورثه الملك المؤصل نصره ... وأكسبه المجد المؤثل سعده لباب العلى " قطب المعالي " وتاجها ... وبدر أهدى الوضاح في الدهر سعده به قد غدا ثغر " الهدى " وهو باسم ... منير سناه مشرق الأفق سعده وأضحى الكمال طوده فإنَّ أعتدى ... على البدر نقص فالجبين يمده ومهما عفا عاد الحجا وهو قائل ... كذلك الحلم والصفح الذي أستعده وبالشم يزرى عقله " الأرجح " الذي ... لنحو المعالي والمجادة قصده فمعنى الحلى تهديه للقلب ذاته ... و " سر العلى " يبديه للعين مجده ومن كفه غيث الندى وغمامه ... ومعنى السماح المستماح ورغده إذا انهل منه الواكف الثر للورى ... فصفو الندى والجود قد لذلك ورده

стр. 150

تخال هتون البذل منهن زائلا ... يكفيه برق الجلال ورعده وكل نوال هامل من بنانه ... فأقصى صفات الجود قد جاز جوده وفيض نداه يشرح الحال إنه ... يمد الحيا في السمح إذ يستمده وفي غيثه الثجاج للمعتفي الغني ... إذا بالأيادي منه يبدأ رفده وللفضل والإحسان والبأس سبقه ... وللملك والإسلام والعلم عضده وأفعله عند استباق المدا شأت ... وفعل ظباه بالكماة وجرده له مشرفي دائم القطع للطلا ... فكل كمي للعدا فيه فقد وبين سكون في الندى من الحجا ... وبين مضا بالقتال يعده وزينه من قصده الجمع للعلا ... كما زين السيف الصقيل فرنده وحزم وعزم بين بكر وثيب ... به المرهف الماضي يفلل حده فيوم الندى الإسلام يسعد دهره ... ويوم الوغى الإشراك يتعس جده ومن بأسمه أضحى الحما متمنعاً ... وللفخر منه صارم يستعده وتمسي عداه كالحميم شرابهم ... وما شيدوا في دهره فيهده ويغدو الموالي في سرور وغبطة ... من البشر أبكار وعون توده قد اعتاد ترك الكافرين وشأنهم ... لهيب وشأن هامل الدمع ورده فأبطالهم رهن الفناء ومالهم ... إلى البذل عقباه وبالسيف رده ولم يبق إلاّ من حمى الحسن للعطا ... وشفع في أحيائه منه خده ولأصبح في العلياء كالبحر كفه ... كما قد غدا مثل الجواهر رفده فصوب الحيا في جوده برقه الظبي ... يربك هشيم الكفر مما يقده

стр. 151

نداه المعين الثر قد نعم الهدى ... ويشفي به حزب الضلال وجنده وأحكم رفع الملك إذا نصب العدا ... على حال ذل نال من ضل جهده أيا سامي القدر الذي جل ذكره ... ويا محرز المجد الذي عز نده صفاتك في العيا عزيز منالها ... لها كل طبع أحرز الفضل فرده فما شئته من عزة الجار والحمى ... وقد رسما فوق السملين مجده وابعدت في وصف العلى عن مسابق ... لها وتداني من نوالك رغده وجودك فيه ذو الرجا مغرم فإن ... حمى جوده ذم المهلب أزده وكم من فنون يستمد بها الضحى ... إذا ما تناءى لمنال ممده وكم بات يتلو سورة الفتح عزمه ... ويحكم مثل الأمر والنهى وجده وأصبح باستحقاقه الحمد من أولى الذي ... عدالة في الأحكام قد بان رشده بعدل وإحسان قد آخت كليهما ... حلاه كما آخى المهند غمده وبأس وبطش يحميان حمى الهدى ... فحتى لقد تلفى مع السرح أشده وحلم وجودها تن ومكارم ... علاهن كل الوصف عنها وجهده وكيف ينال المدح أوصاف ماجد ... يود العلا حينا وحينا توده يعم بعفو خص بالذنب مطقه ... وتهدي إلى الرشد المبين ألده وللسيف نصر يا بن نصر على العدا ... فساعة إذ يجلى جلي الكفر حده وللملك عز أكسب الذل من بغي ... فحاقت به من مؤلم القهر نكده ففي ذمة العلياء تلك الحلا العلى ... ولمّا بدت للدين أنجز وعده أنرت بها من فاحم الظلم ما دجا ... فلجت سعودهن للملك عضده فزالت دجون الجور عن مطلع الهدى ... فنور سناه في اقتبال وسعده هو الملك لم تغطه إلا نزاره ... بما ليس في إمكانها ومعده

стр. 152

وفي منتهاك الأشرف الصل للورى ... دليل يحوز الشفع في المجد فرده ويمناك يوم الجود ترب الحيا أغدت ... ألا فهي أقسام السمح وحده لك المرهف السفاح بالفتح مثنى ... مع العلم الموعود بالنصر جنده وجمعت شتى الجود في وتر راحة ... فغيث الندى منها قد انهل عهده فكم كامل الأوصاف والذات ماجد ... إلى ذلك الهامي العميم مرده علي يمين قلتها غير حانث ... لجودك تنظم النوال ونضده فقد عز في الدنيا له المثل في العلى ... فما يوسف إلاّ الحيا طاب ورده وأبن المسامي والمضاهي مجادة ... لناصر دين الله والمجد مجده سففي الفخر أضحى الفضل والمجد طبعه ... وفي الدهر أمسى ليس يوجد نده ومحتده السامي الكريم نجاره ... يماثله في رفعة القدر بنده فشتى الخلال العز جمعهن عنده ... بما حاز من علم ودين يمده ودونك الأعطاف تلعب بالنهى ... فتسبى الحجا طورا وطورا ترده هدية عبد مخلص لك قلبه ... وفي تلكم الذات الكريمة وده فالفاظها تحكي جمان دموعه ... وقرطاسها يحكيه في اللون خده قال جامع هذا التصنيف: أشار الرئيس أبو يحيى بهذا الشطر الأخير إلى الكاغد الأصفر الذي كانت فيه هذه القصيدة مكتتبة، ثم قال: وأنقاسها من كل لون غريبها ... وترتيبها من ذاته يستهده فأكحلها من مقلتي أستميحه ... وأحمرها من أدمعي أستمده

стр. 153

وأخضرها من طيب عيشي الذي مضى ... لديك وأرجو بالرضا تسترده وأعجب شيء أنها بكر فكرتي ... وما بلغت معشار شهر نعده وقد ولدت بنتين ثنتين مثلها ... يروقك من معناها ما توده وكلتاهما قد جردت من نظامها ... موشحة كالسيف راق فرنده فخذها ففيها للتواظر مسرح ... ومن مدحك الحسن الذي تستمده بقيت كما تهواه ما هبت الصبا ... فمالت بها بان العذيب ورنده انتهت القصيدة الفريدة، وهأنا أذكر البنتين اللتين ولدت، ثم أذكر ما ولدت كل واحدة منهما بحول الله وقوته. فاما القصيدة الخارجة من المكتوب بالأخضر فهذا نصها، وتوشيحها ينتظم من المكتوب فيها بالأخضر وهي هذه: تناثر الدمع من جفوني ... كالدر من سلكه الثمين مذ أعوز الوصل والتلاقي ... من بدر حسن بلا قرين علقت في الحب ظبي أنس ... جماله مرتع العيون وحل في القلب عن كناس ... فماله يستبيح ديني يحكم بالنهب في فؤادي ... إذ ناله نهبه العرين أهكذا الشرع في المعنى ... العذري والحكم بالظنون يحلل القتل منه ظلما ... بالهجر والصد والفتون مالي سوى مدحي أبن نصر ... بدر الهدى المشرق الجبين ذا الحلم والصفح والمعالي ... غيث الندى الواكف الهتون

стр. 154

قد جاز في السمح والأيادي ... سبق المدى دائم السكون وقصده الجمع بين بكر ... للفخر في دهره وعون وشأنه البذل للعطايا ... كالبحر في جوده المعين نال من المجد كل طبع ... وصف العلا فيه ذو فنون وسور الحمد من حلاه ... لقد تلاهن كل حين تهدى إلى الرشد إذ تجلى ... تلك الحلى فاحم الدجون كأنها الشفع فهي مثنى ... في وتر الأوصاف واليمين قل له المثل والمضاهي ... في الدهر في رفعة ودين انتهت البنت الخضراء، وهذا نص بنتها الموشحة، المستخرجة من الأخضر: تناثر الدمع، كالدر ... مذ أعوز الوصل من بدر علق في الحب ... جماله وحل في القلب ... فماله يحكم بالنهب ... إذ ناله أهكذا الشرع العذري ... يحلل القتل بالهجر ما لي سوى ودحي ... بدر الهوى ذا الحلم والصفح ... غيث الندى قد جاز في السمح ... سبق المدى وقصده الجمع للفخر ... وشأنه البذل كالبحر نال من المجد ... وصف العلا وسور الحمد ... لقد تلا تهدى إلى الرشد ... تلك الحاى كأنها الشفع في الوتر ... قل لها المثل في الدهر

стр. 155

انتهت. ويمكن أن تستخرج باختصار هكذا: تناثر الدمع، مذ أعوز الوصل علقت في الحب، وحل بالقلب، يحكم بالنهب أهكذا الشرع، يحلل القتل؟ مالي سوى مدحي، ذا الحلم والصفح، قد حاز في السمح وقصده الجمع، وشأنه البذل له من المجد، وسور الحمد، تهدي إلى الرشد كأنها الشفع، قل لها المثل انتهت. وأما البنت الحمراء فهي الخارجة من المكتوب بالأحمر، وتوشيحها ينتظم من المكتوب فيها بالأحمر، وهذا نصها: ما كنت لو أنصف بعد المطال ... أصلى لظى الوجد الأليم النكال كالقمر الزاهي في نوره ... عليه كالليل البهيم الدلال مستحس القد ذكى الشذا ... كالليل فرعا والقنا في اعتدال مورد الخد شهي اللمى ... في لثمه كل المنى لو ينال كأن للشهد وما ذقته ... رضابه العذب الجني في المثال ولحظه الأوطف مع سقمه ... أسهر منه كالسليم الليل وحسنه الباهر مهما بدا ... لمقلتي منه نعيم الوصال خل الهوى والمدح إمام الورى ... قطب المعالي والهوى والكمال

стр. 156

طود الحجا الأرجح سر العلى ... معنى اليماح والندى والجلال نواله يشرح للمعتفى ... فعل ظباه لبا لعدا في القتال لسيفه المرهف يوم الوغى ... أضحى الحمام كالحميم الموال مرفع القدر عزيز الحمى ... وقد تدانى جوده للمنال ممثل الأمر والأحكام قد ... حمى الهوى وجوده أن ينال وخص بالنصر على من بغى ... لمّا بدت سعوده في اقتبال الملك الأشرف ترب الحيا ... غيث الندى الهامي العميم النوال يوسف الناصر دين الهدى ... ذو الفضل والمجد الكريم الخلال انتهت البنت الحمراء. وهذا نص موشحتها، وهي بنتها، الخارجة منها من المكتوب بالأحمر: ما كنت لو أنصف ... أصلى لظى الوجد الأليم كالقمر الزاهي ... عليه كالليل البهيم مستحسن القد ... كالليل فرعاً والقنا مورد الخد ... في لثمه كل المنى كأن للشهد ... رضابه العذب الجني ولحظه الأوطف ... اسهر منه كالسليم وحسنه الباهر ... لمقلتي منه نعيم

стр. 157

خل الهوى والمداح ... قطب المعالي والهوى طود الحجا الأرجح ... معنى السماح والندى نواله يشرح ... فعل ظباه بالعدى لسيفه المرهف ... أضحى الحمام كالحميم فيترك الكافر ... وقد غدا مثل الهشيم مرفع القدر ... وقد تدانى جوده ممثل الأمر ... حمى الهوى وجوده وخص بالنصر ... لمّا بدت سعوده الملك الشرف ... غيث الندى الهامي العميم يوسف الناصر ... ذو الفضل والمجد الكريم ويمكن اختصارها أيضاً هكذا: ما كنت لو انصف، كالقمر الزاهر مستحسن القد، مورد الخد، كأن للشهد ولحظه الأوطف، وحسنه الباهر خل الهوى وامدح، طود الحجا الأرجح، نواله يشرح لسيفه المرهف، فيترك الكافر مرفع القدر، ممثل الأمر، وخص بالنصر الملك الأشرف، يوسف الناصر

стр. 158

قلت: وإنّما لم أجزم بهذه المختصرة لأجل أن الناظم صرح بأن كل واحدة من البنتين الحمراء والخضراء لم تلد إلاّ موشحة واحدة من البنتين، ولو ولدت موشحين لصرح بذلك، ولا شك أنَّ الموشحة غير المختصرة أتم معنى، وأكمل مساقا، فالأصوب الاقتصار عليها، وإن كان يمكن استخراج أكثر منها لمن تأمل حق التأمل، والله تعالى أعلم. وعلى كل حال فقد أبدع هذا الرئيس في هذه القصيدة، وإن كان فيها بعض تكلف، وقصده ابداع من قصد صاحب عنوان الشرف الشامي، لأن هذا اخرج من الخارج شيئين على ما لا يخفى، غير أنَّ صاحب عنوان الشرف أطال، واستخرج أربعة علوم متباينة، من أول وهلة، وكلاهما قد أبدع رحمهما الله؛ ولم أتحقق: هل وقف أبن عاصم على كتاب عنوان الشرف، فاهتدى بأضوائه أم لا؟ والله تعالى أعلم. ومن كتاب جنة الرضى له ﵀ ما نصه: " الحمد لله الذي عوض من الخلاف وفاقاً من الافتراق اجتماعا واتفاقا، وهيأ لأسواق الائتلاف برفع الخلاف نفاقا، ويسر لوطن الجهاد من توثير المهاد أرفاقا، وزين بأنجم المسعود من النصر الموعود آفاقاً، وعقد على جمع الكلمة من الأمة المسلمة إجتماعا وإصفاقاً. نجمده سبحانه وهو المحمود بجميع اللغات،

стр. 159

ونشكره على ما سنى من آمال على وفق الأمنية مبلغات، ونثني عليه بما أسدى من عوارف مخولات، ومواهب مسوغات؛ حمدا نستنكثر من درره النفيسة إنفاقا، وأمانته العظيمة فلا نابى من حمدها إشفاقا؛ ونشهد أنه الله لا إله إلاّ هو الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد؛ شهادة نرفع لواءها المرنح العذبات خفاقا، فلا لاقي بعد هذه الشهادة لمقاصد السعادة إخفاقا؛ ونشهد أنَّ سيدنا ومولانا محمدا ﷺ عبده ورسوله، ونبيه المصطفى وخليله؛ نبي الرحمة، ونور الظلمة، وشفيع الأمة، والمبعوث بالكتاب والحكمة، والمجموع له بين مزية السبق ومزية التتمة؛ شهادة تستحفظ بقاع الأرض أرفاقا، فلا تخشى معها القلوب، وقد حصل منها الغرض المطلوب، شكاً ولا نفاقا؛ ونصلي على النبي الكريم، المبعوث بالحق العظيم؛ صلاة نحل بها من عقلة الذكر وثاقا، ونؤكد بها القبول إذا عارض العمل المقبول ميثاقا؛ ونرضى عن آل محمد وصحبه، وعشيرته وحزبه، المختصين بالقربة، الفائزين بالرضا من ربه؛ أكرم الناس أعراقا، وأعظمهم من خشية الله إطراقا، وأبهرهم في مقامات الهداية إشراقا؛ ونستوهب منه التأييد والنصر، والفتح الذي تفوت عجائبه الحصر، والمنح الذي لا تعرف صلاته القصر؛ لهذه الخلافة الغالية، التي أطبقت على الإغضاء أحداقا، وأظهرت من احلم لمّا كان من مكنون العلم مصداقا؛ ونبتهل إلى الله في دوام أيامها، وإعلامها، وإمضاء ذابلها المرهوب وحسامها؛ حتى يتنفس الإسلام خناقها، وتسير بها الرفاق، وقد تهادتها الآفاق، وخداً وإعنلقا، وتخضع لها الجبابرة، والملوك القياصرة، رقابا وأعناقا؛ ونمد إليه

стр. 160

يد الافتقار، ونبسط كف الضراعة والاضطرار في كف الفتن عن هذا الوطن وكف الكفار عن هذه الديار وتيسير الفرج القريب لهذا القطر الغريب وتسهيل الصعب العسير لهذا الصعق النائي عن الولي والنصير فيجمع بين القلوب النافرة والنفوس المتنافرة افتراقا ويجعل دم العداة بسيوف الحماة الكماة مراقا ويتحف بأنبائه المعجبة وأخباره المغربة المطربة شاما وعراقا. أما بعد فإن الله على كل شيء قدير وإنه بعباده لخبير بصير وهو لمن أهل نيته وأخلص طويته نعم المولى ونعم النصير بيده الرفع والخفض والبسط والقبض والرشد والغي والنشر والطي والمنح والمنع والضر والنفع والبطء والعجل والرزق والأجل والمسرة والمساءة والإحسان والإساءة والإدراك والفوت والحياة والموت فإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون فهو الفاعل في الحقيقة وتعالى الله عما يقول الآفكون وهو الكفيل بأن يظهر دينه على الدين كله ولو كره المشركون وإن في أحوال الوقت الداهية لذكرى لمن كان عنده قلباو ألقى السمع وهو شهيد وعبرة لمن تفهم قوله تعالى: إنَّ الله يفعل ما يشاء وإنَّ الله يحكم ما يريد فبينما الدسوت عامر والولاة آمرة والفئة مجموعة والدعوة مسموعة والإمرة مطاعة والأجوبة سمعا وطاعة إذا بالنعمة قد كفرت والذمة قد خفرت ". ثم قال ﵀: " والسعيد من اتعظ بغيره ولا يزيد المؤمن عمره إلاّ خيرا جعلنا الله ممن قضى بخيره وبينما الفرقة حاصلة والقطيعة فاصلة والمضرة واصلة والحبل

стр. 161

في انبتات والوطن في شتات والخلاف يمنع رعى متات والقلوب شتى من قوم أشتات والطاغية يمتطي لقصم الوطن وقضمه ويلحظه لحظ الخائف على هضمه والأخذ بكضمه ويتوقع الحسرة إن يأذن الله بجمع شمله ونظمه على رغم الشيطان ورغمه إذا بالقلوب قد ائتلفت والمتنافرة قد اجتمعت بعدما اختلفت والأفئدة بالألفة قد اقتربت إلى الله وازدلفت والمتضرعة إلى الله قد ابتهلت في إصلاح الحالة التي سلفت فألقت الحرب أوزارها وأدنت الفرقة النافرة مزارها وجلت الألفة الدينية أنوارها وأوضحت العصمة الشرعية آثارها ورفعة الوحشية الناشبة أضافرها وأعذارها وأرضت الخلافة الفلانية أنصارها وغضة الفئة المتضرعة أبصارها وأصلح الله أسرارها فتجمعت الأوطان بالطاعة والتزمت نصيحة الدين بأقصى الأستطاعة وتسابقت إلى لزوم السنة والجماعة وألقت إلى الإمامة الفلانية يد التسليم والضراعة فتقبلت فيئاتهم وأحمدت جيئاتهم وأسعدت آمالهم وارتضيت أعمالهم وكملت مطالبهم وتممت مآربهم قضيت حاجاتهم واستمعت مناجاتهم وألسنتهم بالدعاء قد انطلقت ووجهتهم إلى الخلوص قد صدقت وقلوبهم على جمع الكلمة قد اتفقت وأكفهم بهذه الإمامة الفلانية قد اعتلقت وكانت الإدالة في الوقت على عدو الدين قد ظهرت وبرقت ".

стр. 162

إلى أن قال رحمه الله تعالى: " وكفت بقدرة ربه القدرة القاهرة والعزة الباهرة من عدوان الطاغية غوائل بإعزاز دين الله الموعود بظهوره على الدين كله فواتح وأوائل. ومعلوم بالضرورة أن الله لطيف بعباده حسبما شهد بذلك برهان الوجود وإنَّ تعدوا نعمة الله لا تحصوها دليل على سوغ الكرم والجود وإنَّ من أعظم نعمه التي يعجز عن أداء شكرها وإن طالت آماد الأعمار ويتناغى في الثناء عليه في أمرها فلا يبلغون من ذلك معشار المعاشر وتتجارى الألسنة والأقلام في تقرير وصفها فلا تصل من ذلك إلى حدّثني يقنع ولا إلى مقدار وفي مثلها قال الله تعالى:) واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار (. وما ذلك إلاّ منة قدرها عظيم وخطرها جسيم وصراط العدل بها مستقيم وبها أمتن الله في قوله:) وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله (إلى:) حكيم (. فهل يستطاع شكر النعمة التي لا يكون إنفاق الأرض جميعها أهل قيمة أو يختلف اثنان بوجه أو حال في كون هذه النعمة عظيمة أو يتمارى أحد في كون جمع الكلمة في هذا الوطن الغريب منة ومنحة كريمة! ومن استقرأ التواريخ المنصوصة وأخبار الملوك المقصوصة علم أن النصارى دمرهم الله لم يدركوا في المسلمين ثارا ولم يرفعوا في أنفاسهم عارا ".

стр. 163

قال الجامع الموضوع وفقه الله: قد قدمت هذا من كلام الرئيس أبن عاصم وهو قوله: " ومن استقرأ التواريخ المنصوصة فراجعه فيما سبق إلى قوله هناك: " وروية وارتجال ". ثم قال هنا بإثره ما نصه: " إلى أن استقلت هذه الدولة الفلانية على قواعدها واستقرت بأحلامها الراجحة وأعلامها الشامخة واستمرت على قوانين من السياسة كانت ضابطة نشر المملكة عن الأفتراق واستظهرت أبناؤها الغر من الوفاء بشم اعتلقت بها أتم الاعتلاق فحفظ الله الدولة الفلانية إلاّ في الندرة ووقاها من ذلك الأمر الصعب بوقاية من الاكتساب ووقاية من القدر وتطاولت الأيام ما بين مهادنة ومقاطعة ". وقال جامع الموضوع وفقه الله: راجع تمام هذا الكلام فيما قدمنها إلى قوله هنالك: " اللهم احفظ علينا العقل والدين واسلك بنا سبيل المهتدين ". وقال هنا بإثره ما نصه: " وإنّما النعمة التي لا يقدر قدرها ولا يوفى شكرها هي التي تكلفت بتبينها تكييفات الأقدار وانجلت عن بيانها تدبيرات الفاعل المختار فجمع الله بها القلوب وهيأ الغرض المطلوب وتتابعت بيعات البلاد وتوافقت أهواء العباد وانتظم الملك جسما واحدا له روحا طاهرة واستقل الإسلام رسما ثابتا حكمه نص وعدله ظاهر وهدى الله المسلمين مع جمع الكلمة إلى القصد الشرعي ووفقهم إلى القيام بحكمه المحتوم وحقه المرعى فاتخاذ السلطان في مثل

стр. 164

هذه الأوطان واجب قياسا وسماعة وتعذر الخلافة في مثل هذه المسافة غير جائز إجماعا. أيها الملأ المشتمل على الشرفاء الذين بتقديمهم يستنجز من البركة موعودها والعلماء الذين هم حفظة الشريعة الحنفية أن تتعدى حدودها والأشياخ الذين بجهادهم أستقر واجبها واستقام واجبها واستند عمودها والقواد الذين بحمايتها تقام أحكامها وتحاط أعلامها وتوفى عهودها والفرسان الذين هم حماتها وأنجادها وأنصارها وجندها والخاصة الذين بهم يرجح عملها وينجح أملها ويتم مقصودها. تعلمون حقا إنَّ هذا الوطن الفلاني كان قد تعين للهلاك بسبب هذا الخلاف وتوقدت القلوب المشفقة حدوث الفاقرة بسبب هذا الأختلاف وإنَّ الشارع صلوات الله سلامه عليه يمنع من كل ما يؤدي إلى الفرقة بأتم الوجوه ويؤكد الترغيب والترهيب بكل ما يخافه المؤمن ويرجوه وأن الفقه المذهبي إذا حصلت البيعة في الأعناق وتحلت بها تحلي الحمام بالأطواق معروف ومعلوم وإنَّ اشتداده في سد باب الافتراق على العموم والإطلاق لازم محتوم والأقدار الإلهية قد هيأت قصد الألفة بلا كلفة ويسرت سبب الاتفاق بحكم الوفاق فأقبلوها نعمة مسداه وتحفة مهداه وشدوا عليها أيدي الضنة واعلموا ما فيها لله عليكم من منة وتعاقدوا على ألا تبقوا من الخلاف أثرا واتفقوا على القصد الذي يخلصكم عند الله سمعا ونظرا وفي هذا التيسر الذي ساعدت به الألطاف الخفية وساعفت به من قبل الرب الصنائع الحفية ما يتأكد

стр. 165

به الأعتبار ويرشد إلى أنّه أراد الله نفوذه وربك يخلق ما يشاء ويختار ومما يستكمل هذا القصد الذي أشرنا إليه ويستوفيه قول تاج الدين ﵀ عليه: ما ترك من الجهل شيئا من أراد أن يظهر في الوجود غير ما أراد الله أن يظهر فيه. وفرض على كل إنسان في نفسه ما طلبه به الشارع وعذبت فيه بالتفويض لحكم الله المشارع. فالواجب علينا أن نجتمع ونأتلف ونتفق ولا نختلف ونعتمد صريح الفقه أخذا وتركا ونتبع صحيح النقل الذي لا يدع ريبا ولا شكا ونسأل من الله الهداية إلى سبيل السلف الذين سبقوا ونعزم العزم على أمر الله في قوله:) واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا (. وإنَّ أولى الناس في ذلك بإرهاف العزيمة وتوخي السبل المستقيمة والقيام بمضمون هذا الرسم المستقل والوفاء بتكميل قصد الكاتب فيه والممل لخواص الدولة الفلانية الذين لحقهم التمحيص والاختبار وتخولتهم بأبلغ الموعظة الأقضية والأقتدار وهم الذين ربحت منهم في هذه السوق والتجارة والمقصودون بالخطاب من باب إياك أعني واسمعي يا جارة وهم الممنون عليهم باسترجاع المغصوب المستحق والواقفون من انكسار القلوب والتنصل من الذنوب موقف الأولى به والأحق والمعنيون بقوله:) ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق (. ويختص منهم عماد الدولة وعميد الجملة بالحظ الأوفر مما يتضمنه هذا التأنيب ويستمنح من الله عقب التذكرة بهذه الموعظة:) وما يتذكر إلاّ من ينيب (.

стр. 166

فإنا إذا نظرنا إلى ما كان قد طرق من الابتلاء وشاهدنا ما كان معرضا للوقع من البلاء وراجعنا البصيرة في النعم التي كنا عنها مسلوبين والتربة التي كنا عليها مغلوبين والأبواب التي كنا عنها محجوبين والشرذمة التي كتابها مربوبين والأنفال التي كنا في عدد من يحيى رسومها محسوبين وقد سلط الله علينا كثيرا من الظلمة الذين أعناهم فعند ذلك لعناهم وأهاننا الذين كنا أكرمناهم جزاء لمّا احترمناهم فنسونا أحوج ما كنا إلى أن يذكرونا وخذلونا أفقر ما كنا إلى أن ينصرونا وأسلمونا أشد ما كنا فاقة إلى أن ينجدونا وتركونا أعظم ما كنا حاجة إلى أن يساعدونا وخانونا أظهر ما كنا اضطرارا إلى وفائهم وظاهروا علينا أتم ما كنا افتقارا إلى غناهم فلا شك إنَّ المؤاخذة كانت بسبب تلك الذنوب وأن الجناية هي التي أوجبت ما طرقنا من الخطوب فأزف العذب وعاد من أعدى الأعادي الأحباب وتبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا وتقطعت بهم الأسباب وكادت العقوبة العظيمة إنَّ تلحق والأخذة الربانية أن تمحق لولا أن الله تداركنا بالعفوا وتجاوز عن الهفوا وأنالكم من الإدالة ما كنتم تؤملون واستخلفكم في الأرض لينظر كيف تعملون. فلنجعل ما وعظنا الله به من تلك الأزمات نصب العين ولنتخذ حمده على ما مننا من الإنالة هجير الألسن ولنعلم أن ذلك التمحيص إنّما كان تنبيها من الله على ما عطلنا من حدوده وإيقاظا من الغفلة عن القيام بحقوقه والوفاء بعهوده ولنتحقق أن ما من الله به من جبر الأحوال وخلف

стр. 167

الأموال؛ واستقبال العز غضا جديدا، وصرف الهوان كان عذابا شديداً؛ إنّما هو إبلاغ في الحجة علينا، وأعذار بالموعظة إلينا؛ وربما عاهدنا الله لئن آتانا من فضله لنقصدن ولنكونن من الصالحين، أو لننزعن عما ارتكبنا من جرائر العاصين وجرائم الطالحين؛ فالوفاء حتما إن أردنا أنَّ نكون من المفلحين. وقلما أزف العذاب فرفع إلاّ عمن كان من الصالحين،) فلولا كانت قرية آمنت (إلى قوله:) إلى حين (؛ فلنقدر قدر هذا التدارك، الذي أخذ بأيدينا من مهاوي الانتقام، ولنتأمل موقع البلاء الذي أحلنا من تجديد النعمة بأسنى مقام؛ ولنحذر نسيان ما ذكرنا به، فلم نذكر تلك الشدائد بل نسيناها، ولا نفرح بما أوتينا فرح المغرور الذي لا يتراجع ولا يتناهى؛ فإنَّ في ذلك أمل الشيطان وسؤله، ولعن الله ومقته، قال الله تعالى:) فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء (إلى قوله:) بغته (. اللهم هل بلغت، وبالغت في النصح وأبلغت، اللهم فأشهد. و " يا قوم إنَّ كان عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت "، وإليه أبرأ من حولي وتقصيري عما فيه قصرت، وعما عنه نكلت. ثم قال ﵀: " وإنَّ مولانا السلطان الملك الفاضل التالي الذاكر، العفيف الطاهر، المسترجع الصابر، المجاهد المصابر، المرابط المشاغر؛ أمير المسلين أبن نصر الخزرجي نسبأ السعدي منشأ النصري جدا وأبا، أيده الله على أعداء الدين، وجعله

стр. 168

من الأئمة المهتدين؛ ممن إذا جنى عليه غفر، لعلمنا به أنّه حليم والله آخذ بيده كلما عثر؛ فأرشدنا بذلك إلى أنّه كريم، وممن تطرقه الخطوب، وهو بالألطاف مصحوب، وتحدق إليه النوائب وهو من نظرها الشخزر محجوب، وممن جمع له الناس على أنَّ يخشاهم فزاده إيماناً، وقال: حسبي الله ونعم الوكيل، فانقلب بفضل من الله ونعمة، وممن صبر واسترجع في نقص الأموال والأنفس والثمرات، فبشر بصلوات من ربه ورحمة، فتمالأت على أذنيه أصناف من الناس في مرات متعددة، وإناء من الدهر متجدده، فأتعس الله جدودهم، وأضرع إليه خدودهم، وأرغم بحوله وقوته أنوفهم، ورد عنه بسيف من الأقدار رماحهم وسيوفهم، وأدنى لهم بأسباب مختلفة الأنواع حتوفهم: فمن آمن أخذ من مأمنه الذي كان يستند إليه ومن خائف قد أدهشه الروع فهو يحسب كل صحية عليه؛ فكأن ألسنة الأقدار تنهاهم عن منازعة الإرادة، وكأن واعظ الاعتبار يحذرهم من شقاقهم الكفيل له بالسعادة؛ وكأنَّ شاهد الحال يقول هذه إرادة الله قضاها، وسنته السابقة أنفذها وأمضاها، فمن المنازع فيما حكم الله به وقضى، ومن الساخط في المحل الذي يطلب فيه من الله الرضا؟ ولو كان استيلاؤه على الملك يقوة عصبيته، وإهلاك مناوئته عن البيعة غضبه؛ لارتاب في ذلك الناظر ووحد السبيل إلى الاحتياج المناظر، ولكنه طالما عورض في الملك فكبا معارضه لفيه، وأتيحت له النصرة محل لم يحسبها فيه؛ وشد ما احتال على نصرته غير واحد، فانعكست عليه حيلته؛ وتوسل إلى مكروهه، فطاحت في قليب الانقلاب عليه وسيلته؛ وبغى عليه غير ما مرة فنصره الله على من بغي عليه،

стр. 169

وابتغى بالسوء فرده الله على من سعى به إليه؛ ولعل ذلك لغيب عن العيان مكتوم، وحكم من الحكيم العليم محتوم؛ أو لأثر من الاختصاص قد علمه الله وليس لنا بمعلوم، أو لأمر قد تقاصرت عنه مدارك العقول، وكلت دونه رواجح الحلوم؛ ولهذه المعاني المقررة، والمقاصد المحرره، والمذاهب المفسر، والفوائد المسطرة، وغرائب أحاديثها المشتهرة، خص الملأ المقصود فيه بالتذكرة، والمعتمد منه بالإيقاظ والتبصرة؛ من أعضاد الدولة، وسيوف الصوله، وأولياء الخلوص الزكي الشيمة، وموالي النعمة الفلاية، وهم الذين خولتهم موعظته الحسنه، وأعجبتهم أغراضه المتعدده، ومقاصده المستحسنة؛ وعلموا أنه الحق، فسألوا من الله التوفيق إليه؛ والإرشاد إلى الاتصاف به والعمل عليه، والهداية إلى التماس رضا الله لديه، ووقفوا على ما هو لهم في هذا الكتاب منصوص، وأنَّ سلطانهم بمزية الدفاع عنه مخصوص، وأنّه قد تطابقت على إيثاره نصوص، واستوى في تسلم الطاعة له عموم وخصوص؛ فجددوا له البيعة الوثيقة، على ما أوجب في ذلك الحكم المشروع، وأعطوه على ذلك العهد الأكيد حسبما اتفقت عليه أصول وفروع؛ وعقدوا له مضمونها عقدا صحيحاً، وعهدوا على ما تقتضيه السنة صريحا؛ وشهدوا له فيه على أنفسهم انهم بالوفاء بها قائمون، ولشروطها المرعية حافظون؛ وعلى أحكامها الشرعية محافظون؛ وعلى ما بويع عليه رسول الله) من السمع والطاعة، ولزوم السنة والجماعة، وغمحاض النصيحة جهد الاستطاعة؛ فأيديهم في السلم والحرب صروفة في مرضاته، ونيتهم صادقه في مسنونات الوفاء ومفترضاته؛ ولقد شاهدوا الفرقة وما جنته، والفتنة وما فتنته، والألفة وما سنته، والهدنة

стр. 170

وما قربت من إصلاح وأدنته فليغتبطوا بها عهدا كريما وعقدا قد تضمن فضلا عظيما بل عميما واستلزمن إنعاما جسيما وليوفوا بها الوفاء الذي يوليهم بها نعيما مقيما ويدفع عنهم عذابا أليما فإنه يقول: " فمن نكث " إلى قوله: " عظيما ". وقد بسطوا أكفهم إلى الله ضارعين وفي رحمته طامعين ولعظمته خاضعين ومن هيبته خاشعين ولخليفته طائعين وفي الخيرات مسارعين يدعونه رغبا ورهبا مستنزلين لرحمته بالإخلاص والإنابة واقفين على قدم الرجاء بباب الذي أمرهم بالدعاء ووعدهم بالإجابة ويسألونه خير ما قدره وقضاه والسلوك على ما فيه رضاه. اللهم بابك قصدنا وقبولك أردنا وعلى فضلك اعتمدنا وإلى عزتك استندنا وفي مرضاتك اجتهدنا وبهدايتك استرشدنا فلا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين وأصلح شأننا كله اللهم إنا بك مستنصرون وبعزتك مستظهرون ولغناك مفتقرون ومن تقصيرنا مستعيذون ومن ذنوبنا مستغفرون ولشامل عفوك منتظرون وفي خف ألطافك مستبصرون ولعظيم انتقامك مستحضرون ولعميم صفحك مستشعرون فآتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. اللم انصر من بايعناه سلطانا ومهد به بلادا وأوطانا وأرغم بتوخيه للحق طاغية وشيطانا وآتنا من لدنك رحمة وهيء لنا من أمرنا رشدا. اللهم اعمر بالمسرة ناديه وكاف عنا أياديه واكبت اللهم أعاديه وكن لنا وليا نصيرا فأنت نعم المولى ونعم النصير. وصل اللهم على سيدنا ومولانا محمّد النبي الأمي القرشي الهاشمي وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا فأنت اللطيف وأنت الخبير ".

стр. 171

انتهى ما أردت نقله من جنة الرضا للرئيس أبي يحيى بن عاصم رحمة الله عليه. ورأيت بخط الوادي آشي ناقلا من كتابه المسمى بالروض الأريض ما نصه: أبن فتوح إبراهيم بن أحمد بن قتوح العقيلي يكنى أبا إسحاق العالم المتفنن صحبنا محقق نظائر وأستاذ فوائد تدريسه لجين ونضار كلا بل جواهر ويواقيت ومناسك هذى لها من السعادة مواقيت فحسب الطالب الموثق بفهمه المصروف للتحصيل مطالع مواقع سهمه أن يلازم حلقة تعليمية وإنَّ يشد يد الضنة بما يلقي من محصول تفهيمه فإكسير الإفادة إنما حصلة الوافدون من جابر صنعته وكيمياء السعادة إنما يلقاها الظافرون في نضرة روضة المخضل ونبعته وقرض الشعر مما يمكن دخوله تحت فرعه ويندرج تحت قدرة تصرفه بجنسه نوعه إلاّ أنّه لمّا يصدر منه عن قريحة كاتم وسالك من البخل به على طرف النقيض مما سلكه حاتم. فمما علق بحفظي منه خطوبة أرجوزة صنفها في النجوم: سبحان رافع السماء سقفا ... ناصبها دلالة لا تخفى مبدعها فلا ترى فروجا ... مودعها الأفلاك والبروجا انتهى. وإنما ذكرته لتعلم اصلاحه في كتاب الروض الأريض. وقد نقلت كلاما آخر منه فما سبق فراجعه ولو تتبعت ما حصل لدي من نظمه ونثره لطال الكتاب جدا.

стр. 172

وقد وقفت بتلمسان المحروسة على ظهير منشور سلطاني أصدر للرئيس أبن يحيى بن عاصم المذكور بتقديمه للنظر في أمور القضاء وغيره ونصه: هذا الظهير كريم إليه أنهيت الظهائر شرفا عليا وبه تقررت المآثر برهانا جليا وراقت المفاخر قلائج وحليا وتميزت الأكابر الذين افتخرت بهم الأقلام والمحابر اختصاصا مولويا. فهو وإن تكاثرت المرسومات وتعددت وتوالت المنشورات وتجددت أكبر مرسوم تمم في الاعتقاد نظرا خطيرا وأحكم في التفويض أمرا كبيرا وأبرم في الأستخلاص عزما أبيا اعتمد بمسطورة العزيز واختص بمنشوره الذي تلقاه المين بالتعزيز من لم يزل بالتعظيم حقيقا وبالأكابر خليقا وبالإجلال حريا فهو شهير لم يزل في الشهرة سابقا هاد لم يزل بالهدى ناطقا بليغ لم يزل بالبلاغة دريا عظيم لم يزل بالنفوس معظما علم لم يزل في الأعلام مقدما. كريم لم يزل في الكرام سنيا اشتملت منه محافل الملك على العقد الثمين وحلت به المشهورة في الكنف المحوط والحرم الأمين فكان في مشكاة الأمور هاديا وفي ميدان المآثر جريا فإلى مقاماته تبلغ مقامات الإخلاص وإلى مرتبته تنتهي مراتب الاختصاص فيمن حاز فضلا وزين فعلا وشرف نديا واستكمل همما واستعمل قلما مشرفيا فلله ما أعلى قدر هذا الشرف الجامع بين المتلد والمطرف السابق في الفضل أمدا قصيا الحال من

стр. 173

الاصطفاء مظهرا، الفارع من العلا منبرا، الصاعد من العز كرسيا؛ حاز الفضل إرثاً وتعصيبا، واستوفى الكمال حظا ونصيبا؛ ثناء أرجه كالروض لو لم يكن الروض ذابلا، وهدياً نوره كالبدر لو لم يكن البدر آفلا، ومجداً علوه كالسها لو لم يكن السها خفيا؛ فما أشرف الملك الذي اصفاه، وكمل له حق التقريب ووفاه، وأحله قرارة التمكين، ومن باختصاصه بالمكان المكين، فسبق في ميدان التفويض وسما، ورأى من الأنظار الحميدة ما رأى، صادعاً بالحق إماماً علما، ومنها: ضحاً من الدين نهجاً أمما، هدياً من الواجب صرطاً سويا؛ بانياً للمجد صرحاً مشيدا، مشهداً للعدل قولً مؤيدا، مبرماً للخير سبباً قويا؛ فالله تعالى يصل لمقام هذا الملك الذي أطلع في سمائه بدراً دونه البدر وصدراً تلوذ به الصدور سعداً لا تماطله الأيام في تقاضيه، ومصراً يمضي به نصل الجهاد فلا يزال ماضيه، على الفتح مبنياً؛ ويولي له عزاً يذود عن حزم الدين، ويمنحه تأييداً يصبح في أعناق الكفر حديث سيفه قطعياً؛ أمر به مرسوماً عزيزاً لا تبلغ المرسومات إلى مداه، ولا تبدى بآثار الاختصاص مثل ما أبداه، عبد الله أمير المسلمين محمد الغالب بالله، أبن الأمير المقدس فلان أيد الله تعالى مقامه ونصر أعلامه، ويسر مرامه؛ لإمام الأئمة وعلم الأعلام وعماد دوي العقول والأحلام، وبركة حملة السيوف والأقلام، وقدوة رجال الدين وعلماء الإسلام؛ الشيخ الفقيه أبي يحيى أبن كبير العلماء شهير العظماء؛ حجة الأكابر والأعيان مصباح البلاغة والبيان؛ قاضي القضاة وإمامهم اوحد الجلة وطود شمامهم الشيخ الفقيه أبي بكر بن عاصم، أبقاه الله تعالى ومناطق الشكر له فصيحة اللسان، ومواهب الملك به معهودة الإحسان،

стр. 174

وقلائد الأيادي منه مقلدة بجيد كل إنسان قد تقرر والمفاخر لا تنسب إلاّ لبنتها، والفضائل لا تعتبر إلاّ بمن يشيد أركانها ويبنيها؛ والكمال لا يصفى شربه، إلاّ لمن يؤمن سربه؛ وإن هذا العلم الكبير، الذي لا يفي بوصفه التعبير؛ علم بآثاره يقتدى، وبأنظاره يهتدى؛ وبإشارته يستشهد، وبإرادته يسترشد؛ إذ لا أمد علو إلاّ وقد تخطاه، ولا مركب فضل إلاّ وقد تمطاه؛ ولا شارقة هدى إلاّ وقد جلاها، ولا لبة فخر إلا وقد حلاها؛ ولا نعمة إلاّ وقد اسداها، ولا سومة إلاّ وقد أبداها؛ لمّا له في دار الملك من الخصوصية العظمى، والمكانة التي تسوغ النعمى؛ والرتب التي تسمو العيون إلى مرتقاها، وتستقبلها النفوس، بالتعظيم وتتلقاها؛ حيث سر الملك مكتوم، وقرطاسه مختوم، وأمره محتوم؛ والأقلام قد روضت الطروس وهي ذاوية، وقسمت الأرزاق وهي طاوية؛ شقت ألسنتها فنطقت، وقطعت أرجلها فسبقت؛ ويبست فاثمرت إنعامها، ونكست فأظهرت قوامها؛ وخطت فأعطت، وكتبت فوهبت، ومشقت فدفقت، وأبرمت؛ فكم يسرت الجبر، وعقرت الهزبر؛ وشنقت المسامع وكفيت المطامع؛ وأقلت فيما ارتفع من الواضع، وأحلت لمّا امتنع من المواضع؛ فهي تنجز النعم، وتحجز النقم؛ وتبث المذاهب وتحث المواهب؛ وتروض المراد وتنهض المواد؛ وتحرس الأكناف، وتغرس الأشراف؛ ومضيغة لنداء هذا العماد الأعلى، طامحة لمكانه الذي سما واستعلى؛ فيما يملي عليها من البيان الذي يقر له بالتفضل، الملك الضليل؛ ويشهد له بالإحسان، من البيان، الذي يقر له بالتفضيل، الملك الضليل؛ ويشهد له بالإحسان

стр. 175

لسان حسان؛ ويحكم له ببرى القوس حبيب بن أوس ويهيم بما من الأساليب عنده شاعر كندة؛ ويستمطر سحبه الثرة، فيصيح المعره؛ إلى منثور تزيل الفقر فقره، وتدر الرزق درره؛ لو أنهى إلى قس إياد لشكر في الصنيعة أياديه، واستمطر سحبه وغواديه، أو بلغ إلى سحبان اسحره، وما فارقه عشيته ولا سحره؛ ولو رآه الصابي لأبدى إليه من صبره ما أبدى؛ أو سمعه أبن عباد، لكان له عبداً؛ أو بلغ بديع الزمان لهجر بائعه، واستنزر بضاعئه؛ أو أتحف به البستي لاتخذه بستاناً، أو عرض على عبد الحميد لأحمد من صوبه هتانا؛ فأعظم به من عالٍ لا ترقى ثنيته، ولا تحاز مزيته؛ ولا يرجم أفقه، ولا يكتم حقه؛ ولا ينام له عن اكتساب الحمد ناظر، ولا ينقاس به في الفضل مناظر؛ وهل تقاس الأجادل بالبغاث، أو الحقائق بالأضغاث؛ ألا وإنَّ بيته هو البيت الذي طلع في أفقه كل كوكب وقاد ممن رسخ به للعلوم اتقاء واتقاد، وتراءى به للمدارك وانتقاد؛ فأعظم بهم أعلاما وصدورا، وأهلة وبدورا؛ خلدت ذكرهم الدواوين المسطرة، وسرت في محامدهم الأنفس المعطرة، إلى أن مشا في سمائهم هذا الأوحد، الذي شهرة فضله لا تجحد؛ فكان قمرهم الأزهر، ونيرهم الأظهر؛ ووسيطة عقدهم الأنفس، ونتيجة مجدهم الأقعس؛ فأبعد في المناقب آماده، ورفع الفخر وأقام عماده؛ وبنى على الأساس المشيدة، وجرى لإدراك تلك الغايات البعيدة؛ فسبق وجلى وشنف بذكره المسامع وحلى؛ ورفع

стр. 176

المشكل ببيانه، وحرر الملتبس ببرهانه؛ إلى أن أحله قضاء الجماعة درة أفقه الأصعد، وبوأه عزيز ذلك المقعد؛ فشرف الخطة، والمجلس السلطاني أعلاه الله تعالى يختصه بنفسه، ويفرغ عليه من حلل الأصطفاء ولبسه؛ ويستمطر فوائده، ويجري بأنظاره حقوق الملك وعوائده؛ فكان بين يديه حكما مقسطا، ومقسما لحظوظ الأنعام مقسطا، إلى أن خصه بالكتابة المولوية، ورأى له في ذلك حق الأولوية؛ إذ كان والده المقدس نعم الله ثراه، ومنحه السعادة في أخراه؛ مشرف ذلك الديوان، ومعلي ذلك الإيوان؛ يحبر رقاع الملك فتروق، وتلوح كالشمس عند الشروق؛ فحل ابنه هذا الكبير شرفا، الشهير سلفا؛ مرتبته التي سمت وافترت به عن السعد وابتسمت؛ فسحبت به للشرف مطارف، وأحرزت به من الفخر التالد والطارف؛ فهو اليوم في وجهها غرة، وفي عينها قرة؛ والله هو في ملاحظة الحقائق ورعيها، وسمع الحجج ووعيها؛ فلقد فضل بذلك أهل الاختصاص وسبقهم في تبيين ما يشكل منه وما يعتاص؛ إذ المشكلة معه جلية الأغراض، والآراء لديه آمنة من مآخذ الاعتراض؛ فكم رتبة عمرها بذويها، فأكسبها تشريفاً وتنويها؛ وعلى ذلك فأعلام قضاة الوطن، ومن عبر منهم وقطن؛ مع أقدارهم السامية، ومعاليهم التي هي للزهر مسامية؛ إنما رقتهم وساطته التي أحسنت، وزينت بهم المجالس وحسنت؛ فبه أمضوا

стр. 177

أحكامهم، وأعملوا في الأباطيل احتكامهم؛ وكتبوا الرسوم وكبتوا الخصوم؛ وحلو دست القضاء، وسلوا سيف المضاء؛ وفي زمانه تحرجوا وفي بستانه تأرجوا؛ ومن خلقه اكتسبوا، وإلى طرقه انتسبوا؛ وعلى موارده حاموا وحول فرائده قاموا؛ وبتعريفه عرفوا، وبتشريفه شرفوا؛ وبصفاته كلفوا وبعرفانه وقفوا؛ فأمنوا مع انكساب سحبه إفادته من الجدب وقاموا بذلك الغرض بسبب ذلك الندب؛ وهل العلماء وإن عمت فوائدهم، وانتظمت بجياد الأذهان فرائدهم؛ إلاّ من أنواره مستمدون وإلى الاستفادة من أنظاره ممتدون، وببركاته معتدون، وبأسبابه مشتدون؛ فبه اجتنبت من أفنان المنابر ثمراتهم، وتأرجحت في روضات المعارف زهراتهم؛ وبه عمروا الحق وائتلق من أنوارهم ما ائتلق؛ إذ كل من اصطناعه محسوب، وإلى بركته منسوب؛ فهو بدرهم الأهدى وغيثهم الأجدى؛ وعقدهم المقتنى، وروضهم المجتنى؛ وبدر منازلهم، وصدر محافلهم؛ وعلى ما أعلى المقام المولوى من مكانه، وقضى به من استمكانه؛ واعتمد من إبرامه وأبرم من اعتماده ومهد من إكرامه وأكرم من مهاده؛ واختص من علاه، وأعلى من اختصه، واستخلص من حلاه، وحلى من استخلاصه؛ ووفى من تكرمه، وكرم من وفائه، وأصفى من مجده، ومجد من اصطفائه؛ وقدم من براعته، وحكم من يراعته؛ وشقق من كتابته، وأنطق من خطابته، وسجل من أنظاره وعدل من اختياره؛ فذكا ذكره،

стр. 178

وسطا سطره؛ وأمعن معناه، وأغنى مغناه. أشار أيده الله تعالى باستئناف خصوصيته وتجديدها، وإثبات مقامته وتحديدها؛ لتعرف تلك الحدود فلا تتخطى وتكبر تلك المراتب فلا تستعطي؛ فاصدر له - شكر الله تعالى إصداره، وعمر بالنصر داره - هذا المنشور الذي تأرج بمحامده نشره وتضمن من مناقبه البديع فراق طيه ونشره؛ وغدا وفرائد المآثر لديه مكنونه، وأصبح للمفاخر مالكا لمّا أتى به مدنونه؛ وخصه فيه بالنظر المطلق الشرط، الملازم للتفريض ملازمة الشرط للمشروط؛ المستكمل الفروع والأصول، المستوفي الأجناس والفصول؛ في الأمور التي تختص بأعلام القضاة الأكابر، وكتاب القضاة ذوي الأقلام والمحابرو شيوخ العلم وخطباء المنابر، وسائر أرباب الأقلام القاطن منهم والغابر؛ بالحضرة العلية وجميع البلاد النصرية؛ تولى الله جميع ذلك بمعهود ستره، ووصل له ما تعود من شفع اللطف ووتره؛ يحوط مراتبهم التي قطفت من روضتها ثمرات الحكم وجنيت، ويراعى أمرهم التي أقيمت على القواعد وبنيت وحقوقهم التي حفظت لهم في المجالس السلطانية ورعيت؛ ويحل كل واحد مهم في منزلته التي تليق، ومرتبته التي هو بها خليق؛ على مقتضى ما يعلم من أدواتهم، ويخبر من تباين ذواتهم؛ ويرشح كل واحد إلى ما استحقه، ويؤتى كل ذي حق حقه، اعتماداً على أغراضه التي عدلت، وصدحت على أفنانها من الأفواه طيور شكر وهدلت؛ واستناداً في ذلك إلى آرائه، وتفويضاً له في هذا الشأن بين خلصاء الملك وظهرائه؛ ولمقتضى ما كان عليه أعلام الرياسة الذين سبقوا، وانتهضوا بهممهم واستبقوا؛ كالشيخ

стр. 179

الرئيس الصالح ابي الحسن بن الجياب، والشيخ ذي الوزارتين ابي عب بن الخطيب، رحمهما ات فليقم - أبقاه الله تعالى - بهذه الأعمال التي سمت واعتزت ومالت بها أعطاف العدل واهتزت؛ وسار بها الخبر حيث سرى، وصار بها الحق مشدود العرى؛ وعلى جميع القضاة الأصفياء، والعلماء الأرضياء، والخطباء الأولياء، والمقرئين الأذكياء، وحملة القلام الأحطياء؛ أن يعتمدوا على هذا الولي العماد في كل ما يرجع إلى عوائدهم، ويختص في دار الملك من مرتباتهم وفوائدهم؛ وما يتعلق بولاياتهم وأنياتهم، ويليق بمقاصدهم ونياتهم؛ فهو الذي يسوغهم المشارب ويبلغهم المآرب؛ ويستقبل العلى بالعلى، والعطل بالحلي والمشكل بالجلي والمفرق بالتاج، والمقدمة بالإنتاج؛ وعلى ذلك فهذا المنشور الكريم قد اقرهم على ولايتهم وأبقاهم، ولقاهم من حفظ المراتب ما رقاهم؛ فليجروا على ما هم بسبيله، وليهتدوا برشد هذا الاعتناء ودليله. وكتب في صفر عام سبعة وخمسين وثمان مائة ". انتهى. وإنّما كتبته برمته لتعلم به مصداق ما قد مناه من تمكن أبن عاصم المذكور من مراتب الاصطفاء والاحتفاء. ولنختم ترجمته، ﵀ بتخميس عجيب من نظمه: سبحان من أظهر الأنوار واحتجابا ... وكل حمد وتمجيد له وجبا

стр. 180

إذا ابتغى العقل في إدراكه سببا ... جاء الحجاب فألقى دونه الحجبا حتى إذا ما تلاشى عندها ظهرا سبحان من كان والأكوان لم تكن ... في غير أين ولا وقت ولا زمن حتى أتى الجود بالإحياء والمنن ... وكان ما قد رسمناه بما ومن وأظهر الشمس ذات النور والقمر سبحان من حجب الأبصار فاحتجبت ... وكم أراد مريد نيلها فأبت ومن حدثته أمانيه فقد كذبت ... حقيقة ذاتها عن ذاتها وجبت لا يدرك العقل من أخبارها خبرا سبحا من شأنه في شأن عجب ... يخفى فيظهر أو يبدو فيحتجب يا أيها العاكفون السادة النجب ... هل فيكم من سعى سعيا كما يجب ففاز بالغرض المطلوب أو ظفر سبحان من لم يزل بالعلم منفردا ... ومن تعالى عن الاشباه فاتحدا واحدا صمدا ... تبارك الله لم يولد ولم يلد تنزه الله عما يلحقون البشرا سبحان من أخرج الموجود من عدم ... رسما برى كونه في غير مرتسم فلا محل سوى كنه من الكلم ... ولم يزل هو في ديمومة القدم مؤثرا يخلق التأثير والأثر سبحان من خلق الأشياء أجمعها ... فمن رآها رأى أفعاله معها
следующие страницы →