Полный текст (1 044 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
لليدين وللفم، إلى أنَّ من الله يسراحه، وأعاده إلى الخضرة في أوّل شهر رمضان المعظم عام أربعة وتسعين وسبع مائة، فكان ما كان من وفات مولانا الوالد ﵀، وقيام أخينا محمّد مقامة الأمر، فاستمر الحال أياما قلائل، وقدم للكتابة الفقيه أبن عاصم لمدة من عام، ثم أعاد المذكور إلى خطته، وقد دمثت بعض أخلاقه، وخمدت شراسته. وحلا بعض مذاقه، فما كان إلاّ كلاوليت، وإذابة قد ساء مشهداً وغيباً، وأوسع الضمائر شكا وريبا الإحن عليه. وغلت مراجلها لديه؛ وصار يتقلب على جمر الغضي، وتبرم بالقضا؛ ويظهر النصح وفي طيه التشفي، ويسم نفسه بالصلاح، ويعلن بالخشوع، ويشير بأنه الناصح الأمين، ويتلو قول الله سبحانه:) ولكن لا تحبون الناصحين (. ورتب على المشتغلين كبيرهم وصغيرهم ذنوباً ولم يقترفوها، ونسب إليهم نسبا من التضييع لم يعرفوها، وانهم أحتجنوا الأموال، وأساءوا الأعمال والأقوال؛ فلم يظفر من ذلك بكبير طائل، ولا حصل على تفاوت أعداده على حاصل؛ هذا على قلة معرفته بتلك الطريقة الاشتغالية، وعدم اضطلاعه بالأمور الجبائية فمن نفس يروع سرابها، ويكدر بالامتحان والامتهان شربها؛ ومن ضارعة
стр. 352
خاشعة لله سلبت، وطولبت بغير ما اكتسبت، وتعدت الأيدي إلى أقوام جلة سعدوا بشفائه، وامتحنوا وهم المبرءون من تزويره واعتدائه وسيسألون يوم لا يغني مال ولا بنون؛ وصار يصرف أغراضه، ويظهر أحقاده بين إفصاح بما كان الإعجام خيراً من إلقائه، وأنَّ عمر المسكين المستضعف لا حاجة في طول بقائه؛ إلى مجاهرة عهد منه أيام شبيبته نقيضها، وانعكس في شاخته تصريحها المنغص وتعريضها؛ لا يريح نفسه من جهد ولا يقف من اللجاجة عند حدّثني. وقد كان ثقل سمعه فساءت إجابته وطغت أخلاقه فسم الناس وساطته وبما استحلف؛ فلم يكن بين اللازمة واللازمة إلاّ الحنث عن قصد وغير قصد، ودعا على نفسه وأبنائه بإنجاز وعد وأن يقيض الله ولهم قاتل عمد. فسبحان القهار فوق عباده، الرحيم بهذا الشخص وبالأموات من شيعته وأولاده.
فاستمر على ذلك إلى إحدى الليالي، فهلك في جنح الليل في جوف داره على يدي مخدومه؛ تلقاه زعموا عند الدخول عليه وهو بالمصحف رافع به يديه فجدلته السيوف وتناولته الحتوف فقضي عليه وعلى من وجد من خدامه وابنيه: كل ذلك بمرأى عين من أهله وبنايه، ولم يتقوا الله فيه حق تقاته؛ فكانت أنكى الفجائع وأفظع الوقائع؛ وساءت القالة وعظم المصاب وكل شيء إلى أجل نافذ وكتاب.
стр. 353
ولمّا تلخصت هذه المقدمة بين يدي نظامه، وتم جميع ما أبرزه البحث والاجتهاد من خير كلامه؛ اخترنا له اسماً يوافقه، ويوضح مشارقه، وهو " البقية والمدارك من شعر أبن زمرك ". أما البقية فلما بقى بعد هلاكه وتخطته الحوادث وشح الهر بإمساكه؛ والمدارك: لأجل ما ترك في مبيضاته، ولم يخرجه في حياته. وهانحن ننظم درره الرائقة ونطلع في مراتب التأليف كل شارقة.
فمن ذلك قوله في ذكر الحضرة العلية، وتهنئة مولاه الجد ﵀ عليه ببعض المواسم العيدية؛ ووصف كرائم من جياده وآثار ملكه وجهاده:
يا من يحين إلى نجد وناديها ... غرناطة قد ثوت بجد بواديها
قف بالسبيكة وانظر ما بساحتها ... عقيلة والكثيب الفرد جاليها
تقلدت بوشاح النهر وابتسمت ... أزهارها وهي حلي في تراقيها
وأعين النرجس المطلول يانعة ... ترقرق الطل دمعاً في مآقيها
وافتر ثغر أقاحٍ من أزهارها ... مقبلاً خد وردٍ من نواحيها
كأنما الزهر في حافاتها سحراً ... دراهم والنسيم اللدن يجيبها
وانظر إلى الدوح والأنهار تكنفها ... مثل الندمى سواقيها سواقيها
كم حولها من بدور تجتني زهرا ... فتحسبت الزهر قد قبلن أيديها
حصباؤها لؤلؤ قد شف جوهره ... والنهر قد سال ذوبا من لآليها
стр. 354
نهر النجم والزهر المطيف به ... زهر النجوم إذا ما شئت تشبيها
يزيد حسناً على نهر المجرة قد ... أغناهه در حبابٍ عن دراريها
يدعي المنجم رائيه وناظره ... مسميات أبانتها أساميها
إنَّ الحجاز مغانيه بأندلسٍ ... ألفاظها طابقت منها معانيها
فتلك نجد ساقها كل منسجم ... من الغمام يحييها فيحييها
وبارق وعذيب كل مبتسم ... من الثغر يحليها مجليها
وإن أردت ترى وادي العقيق فرد ... دموع عشاقها حمراً جواريها
وللسبيكة تاج فوق مفرقها ... تود در الدراري لو تحليها
كأن حمراءها والله يكلؤها ... ياقوتة فوق ذاك التاج يعليها
إنَّ البدور لتيجان مكللة ... جواهر الشيب في أبهى مجاليها
لكنها حسدت تاج السبيكة إذ ... رأت أزهاره زهراً يجليها
بروجها لبروج الأفق مخجلة ... فشهبها في جمال لا تضاهيها
تلك القصور التي راقت مظاهرها ... تهوى النجوم قصوراً عن معاليها
لله لله عينا من رأى سحراً ... تلك المنارة قد رقت حواشيها
والصبح في الشرق قد قد لاحت بشائره ... والشهب تستن سبقاً في مجاريها
تهوى إلى الغرب لمّا هالها سحر ... وغمض الفجر من أجفان واشيها
стр. 355
وساجع العود العود في كف النيم إذا ... ما استوقفت ساجعات الطير يغريها
يبدي أفانين سحر في ترنمه ... يصبي العقول بها حسنا ويسبيها
يجسه ناعم الأطراف تحسبها ... لآلئا وهي نور في تلاليها
مقاتل بلحاظٍ قوس حاجبيها ... ترمي القلوب بها عمداً فتصميها
فباكر الروض والأغصان مائلة ... يثني النفوس لها شوقا تثنيها
لم يرقص الدوح بالأكمام من طرب ... حتى شدا من قيان الطير شاديها
وأسمعتها فنون السحر مبدعة ... ورق الحمام وغناها مغنيها
غرناطة آنس الحمن ساكنها ... باحت بسر معانيها أغانيها
أعدى نسيمهم لطفا نفوسهم ... فرقة الطبع منه يعديها
فخلد الله أيام السرور بها ... صفراً عشيتها بيضاً لياليها
وروض المحل منها كل منبجسٍ ... إذا اشتكت بغليل الجدب يرويها
يحكي الخليفة كفا كلما وكفت ... بالجود فوق موات الأرض يحيها
تغنى العُفاة وقد أمت مكارمه ... عن السؤال بالإحسان تغنيها
لها بنان فما غيث يساجلها ... جوداً ولا سحبه يوما تدانيها
فإن تصب سحبه بالماء حين همت ... بسجد ولحن صاب هاميها
يا أيّها الغيث أنت الغوث في زمن ... ملكوه تلفت لولا تلافيها
إنَّ الرعايا جزاك الله صالحة ... ملكت شرقا وغربا من يراعيها
стр. 356
إنَّ الخلائق في الأقطار أجمعها ... سوائم أنت في التحقيق راعيها
فكل مصلحة للخلق تحكمها ... وكل صالحة في الدين تنويها
إذا تيممت أرضاً وهي مجدبة ... فرحمة الله بالسقيا تحييها
يا رحمة بثت الحمى بأندلس ... لولاك زلزلت الدنيا بمن فيها
في فضل جودك قد عاشت مشيختها ... في ظل أمنك قد نامت ذراريها
في طول عمرك يرجو الله آمالها ... بنصر ملكك يدعو الله داعيها
عوائد الله قد عودت أفضلها ... لتبلغ الخلق ما شاءت أمانيها
سل السعود وخل البيض مغمدة ... واضرب بها فرية التثليث تفريها
لله أيامك الغر التي اطردت ... فيها السعود بما ترضى ويرضيها
لله دولتك الغراء إن لها ... لكافلاً من إله العرش يكفيها
هيهات أن تبلغ الأعداء مأربة ... في جريها وجنود الله تحميها
هذي سيوفك في الأجفان نائمة ... والمشركون سيوف الله تفنيها
سريرة لك في الإخلاص قد عرفت ... حسنى عواقبها حتى أعاديها
لم تحتجب شهب الآفاق عن بصر ... إلاّ وهديك الأبصار يهديها
يا بن الملوك وأبناء الملوك إذا ... تدعو الملوك إلى طوع تلبيها
أبناء نصر ملوك عز نصرهم ... وأوسعوا الخلق تنويها وترفيها
стр. 357
هم المصابيح نور الله موقدها ... تضئ للدين والدنيا مشاكيها
هم النجوم وأفق الهدى مطلعها ... فوزا لمهديها عزا لهاديها
هم البدور كمال ما يفارقها ... هم الشموس ظلام لا يواريها
قضت قواضيها أن لا انقضاء لها ... وأمضت الحكم في الأعداء مواضيها
وخلدت في صفاح الهند سيرتها ... وأسنت عن عواليها معاليها
وأورثتك جهاداً أنت ناصره ... والأجر منك يرضيها ويحظيها
كم موقف ترهب الأعداء موقفه ... والخيل تردي ووقع السمر يرديها
ثارت عجاجته واليوم محتجب ... والنقع يوثر غما من دياجيها
والأسنة شهب كلما غربت ... في الدارعين تجلت من عواليها
وللسيوف بريق كلما لمعت ... تزجي الدماء وريح النصر يزجيها
أطلعت وجهاً تريك الشمس غرته ... تبارك الله ما شمس تساميها
من أين للشمس تطلق كله حكم ... يعيدها كل حين منك مبديها
لك الجياد إذا تجري سوابقها ... فللرياح جياد ما تجاريها
إذا انبرت يوم سبق في أعنتها ... ترى البروق طلاحاً لا تباريها
من أشهب قد بدا صبحا تراع له ... شهب السماء فإنَّ الصبح يخفيها
إلاّ التي في لجام منه قيدها ... فإنه سامها عزاً وتنويها
أو أشرقت مرعبٍ شقر البرق وقد ... أبقى لها شفقا في الجو تنبيها
أو أحمر جمره في الحرب متقد ... يعلو لها شرر من بأس مذكيها
стр. 358
لون العقيق وقد سال العقيق دما ... بعطفه من كماة كرم الله وجهه يدميها
أو أدهم مثل صدر الليل تنعله ... أهله فوق وجه الأرض يبديها
إن حارث الشهب ليلا في مقلده ... فصبح غرته بالنور يهديها
أو اصفر بالعشيات ارتدى مرجاً ... وعرفه بتمادي الليل ينبيها
مموهٍ بنضار تاه من عجب ... فليس يعدم تمويها ولا تيها
ورُبَّ نهر حسام راق رائقه ... متى ترده نفوس الكفر يرديها
تجري الرءوس حباباً فوق صفحته ... وما جرى غير أنَّ البأس يجريها
وذابل من دم الكفار مشربة ... يجني الفتوح وكف النصر تجنيها
وكم هلال لقوس كلما نبضت ... ترى النجوم رجوما في مراميها
أئمة الكفر ما يممت ساحتها ... إلاّ وقد زلزلت قسرا صياصيها
يا دولة النصر هل من مبلغ دولاً ... مضين أنك تحييها وتنسيها
أو مبلغ سالف الأنصار مالكةً ... والله بالخلد في الفردوس يجزيها
أنَّ الخلافة أعلى الله مظهرها ... أبقت لنا شرفاً والله يبقيها
يا بن الذين لهم في كل مكرمة ... مفاخر ولسان الدهر يمليها
أنصار خير الورى مختار هجرته ... جيران روضته أكرم بأهليها
أسمتهم الملة السمحاء تكرمة ... أنصارها وبهم عزت أواليها
стр. 359
ففي حنين وفي بدر وفي أحد ... تلفي مفاخرهم مشهورةً فيها
ولتسأل السير المرفوع مسندها ... فعن مواقفهم تروي مغازيها
مآثر خلد الحمن أثرتها ... بنصها من كتاب الله قاريها
ماذا يجيد بليغ أو ينمقه ... من الكلام ووحي الله تاليها
له الجهاد به تسري الرياح إلى ... ممالك الأرض من شتى أقاصيها
تحدى الركاب إلى البيت العتيق به ... فمكة عمرت منه نواديها
بشائر تسمع الدنيا وساكنها ... إذا دعا باسمك الأعلى مناديها
كفى خلافتك الغراء منقيبة ... أنَّ الإله يوالي من يواليها
وقد أفاد بنيه الدهر تجربة ... أنَّ السعود تعادي من يعاديها
إذا رميت سهام العز صائبة ... فما رميت بل التوفيق راميها
شكراً لمن عظمت منا مواهبه ... وإن تعد فليس العد يحصيها
عما قريب ترى الأعياد مقبلة ... من الفتوح ووفد النصر حاديها
وتبلغ الغلية القصوى بشائرها ... فقد أظلت بما ترضى مباديها
فاهنأ بما شئت من صنع تسر به ... وانو الأماني فالأقدار تدنيها
مولاي خذها كما شاءت بلاغتها ... ولو تباع لكان الحسن يشريها
أرسلتها حيثما الأرواح مرسلة ... نوادرا تنشر البشرى أهاليها
جاءت تهنيك عيد الفطر معجبة ... بحسنها ولسان الصدق يطريها
البشر في وجهها واليمن في يدها ... والسحر في لفظها والدر في فيها
стр. 360
لو رصع البدر منها تاج نفرقه ... لم يرض در الدرارى أن تحليها
فإن تكن بنت فكري وهو أوجدها ... نعماك في حجره كانت تربيها
في روض جودك قد طوقني مننا ... طوق الحمام فما سجعي موفيها
ولو أعرت لسان الدهر يشكرها ... لكان يقصر عن شكر يوفيها
بقيت للدين والدنيا إمام هدى ... مبلغ النفس ما ترجو أمانينا
والسعد يجري لغايات تؤملها ... ما دامت الشمس تجري في مجاريها
ومن ذلك أيضاً قوله هناء لمولانا الجد ﵀ بالفتح المغربي للسلطان أبي العباس بن السلطان أبي سالم المريني:
هي نفحة هبت من الأنصار ... أهدتك فتح ممالك الأمصار
في بشائرها وبشارة الدنيا بها ... مستمتع الأسماع والأبصار
هبت على قطر الجهاد فروحت ... أرجاءه بالنفحة المعطار
وسرت وأم الله طي برودها ... يهدي البرية صنع لطف الباري
مرت بأرواح المنابر فانبرت ... خطباؤها مفتنة الأطيار
стр. 361
حنت معارجها إلى أعشارها ... لمّا سمعن بها حنين عشار
لو أنصفتك لكلت أدواتها ... تلك البشائر يانع الأزهار
فتح الفتوح أتاك في حلل الرضا ... بعجائب الأزمان والأعصار
كم آيةٍ لك في السعود جليلةٍ ... خلدت منها عبرة استبصارها
كم حكمة لك في النفوس جليلةٍ ... خفيت مداركها عن الأفكار
كم من أمير أم بابك فانثنى ... يدعي الخليفة دعوة الإبكار
أعطيت أحمد راية منصورة ... بركاتها تسري من الأنصار
أركبته في المنشآت كأنما ... جهزته في وجهة لمزار
من كل خافقة الشرع مصفقٍ ... منها الجناح تطير كل مطار
ألقت بأيدي الريح فضل عنانها ... فتكاد تسبق لمحة الأبصار
مثل الجياد تدافعت وتسابقت ... من طافح الأمواج في مضمار
لله منها في المجاز سوابح ... وقفت عليك الفخر وهي جواري
لمّا قصدت بها مراسي سبتة ... عطفت على الأسوار عطف سوار
لمّا رأت من صبح عزمك غرة ... محفوفة بأشعة الأنوار
ورأت حبيبها دونه شمس الضحى ... لبتك بالإجلال والإكبار
стр. 362
فأفضت فيها من نداك مواهبا ... حسنت مواقعها على التكرار
وأريت أهل الغرب عزم مغرب ... قد ساعدته غرائب الأقدار
وخطبت من فاس الجديدة عقيلة ... لبتك طوع تسرع وبدر
ما صدقوا متن الحديث بفتحها ... حتى رأوه في متون شفار
وتسمعوا الأخبار باستفتاحها ... والخبر قد يغني عن الأخبار
قولوا لقرد في الوزارة غره ... حلم مننت به على مقدار
أسكنته من فاس جنة ملكها ... متنعما منها بدار قرار
حتى إذا كفر الصنيعة وازدرى ... بحقوقها ألحته بالنار
جرعت نجل الكأس كأسا مرةً ... دست إليه الحتف في الإسكار
كفر الذي أوليته من نعمة ... لا تأنس النعماء بالكفر
فطرحته طرح النواة فلم يفز ... من عز مغريه بغير فرار
لم يتفق لخليفة مثل الذي ... أعطى الإله خليفة الأنصار
стр. 363
لم أدر والأيام ذا عجائب ... تردادها يحلوا على التذكار
ألواء صبح في ثنيه مشرق ... أم راية في جحفل جرار
وشهاب أفق أم سنان لامع ... ينقض نجمها في سماء غبار
ومناقب مولى الإمام محمّد ... قد أشرقت أم هن زهر دراري
فاق الملوك بهمة علوية ... من دونها نجم السماء الساري
لو صافح الكف الخضيب بكفه ... فخرت بنهر للمجرة جاري
والشهب تطمع في مطامع أفقها ... لو أحرزت منه منيع جوار
سل بالمشارق صبحها عن وجهه ... يفتر منه عن جبين نهار
سل بالغمام صوبها عن كفه ... تنبيك عن بحر بها زخار
سل بالبوارق صفاحها عن عزمه ... تجبرك عن أمضي شبا وغرار
قد أحرز الشيم الخطيرة عندما ... أمطى العزام صهوة الأخطار
إن يلق ذو الإجرام صفحة صفحة ... فسح القبول له خطا الأعمار
يا من إذا هبت نواسم حمده ... أزرت بعرف الروضه المعطار
يا من إذا افترت سباسم بشره ... وهب النفوس وعاش في الإقتدار
يا من إذا طلعت شموس سعوده ... تعشى أشعتها قوى الأبصار
قسما بوجه في الضياء وإنه ... شمس تمد الشمس بالأنوار
стр. 364
قسما بعزمك في المضاء وإنه ... سيف تجرده يد الأقدار
لسماح كفك كلما استوهبته ... بزري بغيث الديمة المدرار
لله حضرتك العلية لم تزل ... يلقى الغريب بها عصار التسيار
كم من طريد نازح قذفت به ... أيدي النوى في الفقر رهن سفار
بلغته ما شاء من آماله ... فسلا عن الأوطان بالأوطار
صيرت بالإحسان دارك داره ... متعت بالحسنى وعقبى الدار
والخلق تعلم أنك الغوث الذي ... يضفى عليها وافي الأستار
كم دعوة لك في المحول مجابة ... أغرت جفون المزن باستعبار
جارت مجاري الدمع من قطر الندى ... فرعى الربيع لها حقوق الجار
ففأعاد وجه الأرض طلقا مشرقا ... متضاحكا بمباسم النوار
يا من مآثره وفضل جهاده ... تحدى القطار بها إلى الأقطار
حطت البلاد ومن حوته ثغورها ... وكفى بسعدك حاميا لذمار
فلرب بكر للفتوح خطبتها ... بالمشرفية والقنا الخطار
وعقيلة للكفر لمّا رعتها ... أخرست من ناقوسها المهذار
أذهبت من صفح الوجوه كيانها ... ومحوتها إلاّ من التذكار
عمروا بها منات عدن زخرفت ... ثم انثنوا عنها ديار بوار
صبحت منها روضة مطلولة ... فأعدتها للحين موقد نار
وأسود وجه الكفر من خزى متى ... ما احمر وجه الأبيض البتار
стр. 365
ولرب روض للغنا متأود ... ناب الصهيل به عن الأطيار
مهما حكت زهر الأسنة زهره ... حكت السيوف معاطفها الأنهار
متوقد لهب الحديد بجوه ... تصلى به الأعداء لفح أوار
فبكل ملتفت صقال مشهر ... قداح زند للحفيظة وارى
في كف أروع فرق نهد سابح ... متموج الأعطاف في الإحضار
من كل منحفز بلمحة بارق ... حمل السلاح به على طيار
من أشهب كل الصبح يطلع غرة ... في مستهل العسكر الجرار
أو أدهم كالليل إلاّ أنه ... لم يرض بالجوزاء حلي عذار
أو أحمر كالجمر يذكى شغله ... وقد ارتمى من بأسه بشرار
أو أشقر حلي الجمال أديمة ... وكساه من زهو جلال نضار
أو أشعل راق العيون كأنه ... غلس يخالط سدفة بنهار
شهب وشقر في الطراد كأنها ... روض تفتح عن شقيق بهار
عودتها أن ليس تقرب منهلا ... حتى يخالط بالدم الموار
يأيها الملك الذي أيامه ... غرر تلوح بأوجه الأعصار
يهني لواءك أن جدك زاحف ... بلواء خير الخلق للكفار
لا غر أن فقت الملوك سيادة ... إذ كان جدك سيد الأنصار
السابقون الأولون إلى الهدى ... والمصطفون لنضرة المختار
стр. 366
متهللون إذا التنزيل عراهم ... سفروا له عن أوجه الأقمار
من كل وضاح الجبين إذا احتبى ... تلقاه معصوبا بتاج فخار
قد لاث صبحا فوق بدر بعدما ... لبس المكارم وارتدى بوقار
فاسأل ببدر عن مواقف بأسهم فهم تلافوا أمره ببدار
لهم العوالي عن معالي فخرها ... نقل الرواة عوالي الأخبار
وإذا كتاب الله يتلو حمدهم ... أودى القصور بمنة الأشعار
باب الرجل بن الذين إذا تذكروا فخرهم ... فخروا بطيب أرومة ونجار
حقا لقد أوضحت من آثارهم ... لمّا أخذت لدينهم بالثار
أصبحت وارث مجدهم وفخارهم ... ومشرف الأعصار والأمطار
صادرا في الفتح عن ورد المنى ... رد ناجح الإيراد والإصدار
وهنأ بفتح جاء يشتمل الرضا ... خذلان يرفل في حلى استبشار
وإليكها ملء العيون وسامة ... حيتك بالأكبار من أفكاري
تجري حداة العيس طيب حديثها ... يتعللون به على الأكوار
إن مسهم لفح الهجير أبلهم ... منه نسيم ثنائك المعطار
وتميل من أضغى لها فكأنني ... عاطيته منها كئوس عقار
قذفت بحور الفكر منها جوهرا ... لمّا وصفت أناملا ببحار
لا زلت للإسلام سترا كلما ... أمّ الحجيج البيت ذا الأستار
وبقيت يا بدر الهدى تجري بما ... شاءت علاك سوابق الأقدار
انتهى ما تعلق به الغرض من هذا التأليف الملوكي وقد أتيت به بحروفه
стр. 367
من أوله إلى هذا الموضع وتتبعه يطول ولكني أنتقي منه نبذة زائجة على ما سبق من مواضيع شتى فنقول: قال المؤلف ﵀: ومن ذلك أثناء وجهه مولانا الجد ﵀ لتجديد الدولة الأحمدية صدر عام تسعة وثمانين وسبع مائة:
هب النسيم على الرياض مع السحر ... فاستيقظت في الدوح أجفان الزهر
ورمى القضيب درهما من نوره ... فاعتاض من طل الغمام بها درر
نثر الأزهار بعد ما نظم الندى ... يا حسن ما نظم النسيم وما نثر
قم هاتها والجو أزهر باسم ... شمسا تحل من الزجاجة في القمر
إن شجها بالماء كف مديرها ... ترمي من شهب الحباب بها شرر
نارية نورية من ضوئها ... يقد السراج لنا إذا الليل اعتكر
لم يبق منها الدهر إلاّ صبغة ... قد أرعشت في الكأس من ضعف الكبر
من عهد كسرى لم يفض ختامها ... إذ كان يذخر كنزها فيما ذخر
كانت مذاب التبر فيما قد مضى ... فأحالها ذوب اللجين لمن نظر
جدد بها عرس الصبوح فإنها ... بكر تحييها الكرام مع البكر
وابلل بها ريق الأصيل عشية ... والشمس من رغد الغروب على خطر
стр. 368
محمرة مصفرة قد أظهرت ... خجل المريب يشوبه وجل الحذر
من كف شفاف تجسد نوره ... من جوهر لألاء بهجته بهر
تهوي البدور كمالها وتود أن ... لو أوتيت منه المحاسن والغرر
قد خط عذاره في خده ... قلمان من آس هناك ومن شعر
وإلى عليك بها الكئوس وربمنا ... يسقيك من كأس الفتور إذا فتر
سكر الندامي من يديه ولحظة ... متعاقب مهما سقى وإذا نظر
حيث الهديل مع الهدير تناغيا ... فالطير تشدو في الغصون بلا وتر
والقضب مالت للعنان كأنها ... وفد الأحبة قادمين من السفر
متلاعبات في الحلي ينوب في ... وجناتها الورد حسنا عن خفر
والنرجس المطلول يرنو نحوها ... بلواحظ دمع الندى منها انهمر
والنهر مصقول الحسام متى يرد ... درع الغدير مصفقا فيه صدر
تجري على الحصباء وهي جواهر ... متكسرا من فوقها مهما عثر
هل هذه أم روضة البشرى التي ... فيها لأرباب البصائر معتبر
لم أدر من شغف بها وبهذه ... من منها فتن القلوب ومن سحر
جاءت بها الأجفان ملء ضلوعها ... ملء الخواطر والمسامع والبصر
ومسافر في البحر ملء عنانه ... وافى مع الفتح المبين على قدر
قادته نحوك بالخطام كأنه ... جمل يساق إلى القياد وقد نفر
وأراه دين الله عزة أهله ... بك يا أعف القادرين إذا قدر
стр. 369
يا فخر أندلس وعصمة أهلها ... للسر في اختصاصك قد ظهر
كم معضل من دائها عالجته ... فشفيت منه بالبدار وبالبدر
ماذا عسى يصف البليغ خليفة ... والله ما أيامه إلاّ غرر
ورثت هذا الفخر يا ملك الهدى ... عن كل من آوى النبي ومن نصر
من شاء يعرف فخرهم وكمالهم ... فليتل وحي الله فيهم والسير
أبناؤهم أبناء نصر بعدهم ... بسيوفهم دين الإله قد انتصر
مولاي سعدك والصباح تشابه ... وكلاهما في الخافقين قد اشتهر
هذا وزير الغرب عبد آبق ... لم يلف غيرك في الشدائد من وزر
كفر الذي أوليته من نعمة ... والله قد حتم العذاب لمن كفر
إن لم يمت بالسيف مات بغيظه ... وصلى سعيرا للتأسف والفكر
ركب الفرار مطية ينجو بها ... فجرت به حتى أتقر على سقر
وكذا أبو حمو وكان حماسه ... قد حم وهو في الحياة على غرر
بلغته والله أكبر شاهد ... ما شاء من وطن يعز ومن وطر
حتى إذا جحد الذي أوليته ... لم يبق منه الحادثات ولم تذر
في حاله والله أعظم عبرة ... لله عبد في القضاء قد اعتبر
فاصبر تنل امثالها في مثله ... إنَّ العواقب في الأمور لمن صبر
رد حيث شئت مسوغا ورد المنى ... فالله حسبك في الورود وفي الصدر
стр. 370
لا زلت محروسا بعين كلاءة ... ما دام عين الشمس تعشى من النظر
ومنها وقد أضاف إلى ذلك من التغزل طوع بداره وحجة اقتداره فقال:
والعود في كف النديم بسر ما ... تلقى لنا منه الأنامل قد جهر
غنى عليه الطير وهو بوحه ... والآن غنى فوقه ظبي أغر
عود ثوى حجر القضيب رعى له ... أيام كانا في الرياض مع الشجر
لاسيما لمّا رأى من ثغره ... زهرا وأين الزهر من تلك الدرر
ويظن أن عذاره من آسه ... ويظن تفاح الخدود من الثمر
يسبي القلوب بلفظه وبلحظه ... وافتنتي بين التكلم والنظر
قد قيدته لأنسنا أوتاره ... كالظبي قيد في الكناس إذا نفر
لم يبل قلبي قبل سمع غنائه ... بمعذر سلب العقول وما اعتذر
جس القلوب بجسه أوتاره ... حتى كأن قلوبنا بين الوتر
نمت لنا ألحانه بجميع ما ... قد أودعت فيه القلوب من الفكر
يا صامتا والعود تحت بنانه ... يغنيك نطق الخبر فيه عن الخبر
أغنى غناؤك عن مدامك يا ترى ... هل من لحظك أم بنانك ذا السكر
باحت أناملك اللدان بكل ما ... كان المتيم في هواه قد ستر
ومقاتل ما سل غير لحاظه ... والرمح هز من القوام إذا خطر
دانت له منا القلوب بطاعة ... والسيف يملك ربه فيمن قهر
ثم قال بعد إيراد جملة من كلامه:
وقال شاكرا لنعمة وصلته من مولانا ﵀ عليه في عاشوراء:
стр. 371
مولاي يا أبن السابقين إلى العلا ... والرافعين لواءها المنشورا
إن لحقوا في المعلوات فإنهم ... طلعوا بآفاق العلاء بدورا
أو فوخروا في المكرمات فإنهم ... نظموا بأسلاك الفخار شذورا
أبناء أنصار النبي وصحبه ... في الذكر أصبح فجرهم مذكورا
والمؤثرين وربنا أثنى بها ... في الحشر خلد وصفهم مسطورا
فاضت علينا من نداك غمائم ... وتفجرت من راحتيك بحورا
من كف شفاف الضياء تخاله ... لصفاء جوهره تجسد نورا
منوعة تعدد وفرها ... أعجزت عنها شكرى الموفورا
في موسم للدين قد جددته ... وأقمت فينا عيده المشهورا
أضعاف ما أهديتنا من منة ... تهدي إليك ثوابها عاشورا
وعلى الطريق بشائر محمودة ... ألقاك جذلانا بها مسرورا
ثم قال: ومن لفظه في وصف القرنفل الصعب الاجتناء بجل الفتح وقد وقع له مولانا الغني بالله بذلك فارتجل قطعا منها:
أتوني بنوار يروق نضارة ... كخد الذي أهوى وطيب تنفسه
وجاءوا به من شاهق متمنع ... تمنع ذلك الظبي في ظل مسكنه
رعى المنى عاشقا متقنعا ... بزهر حكى في الحسن خد مؤنسه
стр. 372
وأن هب خفاق النسيم بنفحة ... حكت عرفه طيباً قضى يتأنسه
ومنها:
رعى الله زهراً ينتمي لقرنفل ... حكى عرف من الهوى وإشراق خده
ومنبته في شاهق متمنع ... كما امتنع المحبوب في صده
أميل إذا الأغصان مالت بروضة ... أعناق منها القضب شوقاً لقده
وأهوف لخفاق النسيم إذا سرى ... وأهوج أريج الطيب من عرف نده
ومنها:
يقر بعيني أنَّ أرى الزهر يانعاً ... وقد نازع المحبوب في الحسن وصفه
وما أبصرت عيني كزهر قرنفل ... حكى خد من يسبي الفؤاد وعرفه
تمنع في أعلى الهضاب لمجتنٍ ... تمنعه منى إذا رمت إلفه
وفي جبل الفتح اجتنوه تفاؤلا ... بفتح لباب الوصل يمنح عطفه
وما ضر ذلك الغصن وهو مرنح ... إذا ما ثنى نحو التميم عطفه
ثم قال: ومن قصائده التي يود الصباح سناها، والنسيم اللدن رقه معناها يهني مولانا الجد ﵁، عند وصول خالصة مقامه، وكبير خدامه، القائد خالد، رحمه الله تعالى، من تلمسان بالهداية، وتجديد المقاصد للوديه، ووفاق استئناف راحة من الذات العليه، ومن فروع دوحتها الزكيه:
أدرها ثلاثا من لحاظك وأحبس ... فقد غال منها الشكر أبناء مجلس
إذا ما نهاني في الشيب عن أكؤس الطلا ... تدير عليَّ الخمر منها بأكؤس
عذيري من لحظ ضعيف وقد غدا ... يحكم منا في جسوم وانفس
стр. 373
وروض شباب ماس قوامه ... وفتح فيه للحظ أزهار نرجس
وما زال ورد الخد وهو مضعف ... يعير أقاح الثغر طيب تنفس
وكم جال طرف في روض حسنه ... يقيده فيه العذار بسندس
أما وليالي الوصل الصبا ... ومألف أحبابي وعهد تأنسي
لئن نسيت تلك العهود أحبتي ... فقلبي عهود العامرية ما نسي
وحاشا لنفسي بعد ما أفتر فودها ... من الشيب عن صبح به متنفس
وألبسها ثوب الوقار خليفة ... به لبس الإسلام أشرف ملبس
وجدد للفتح المبين مواسما ... أقام بها الإيمان أفراح معرس
وأورثته العلياء كل خليفةٍ ... نماه إلى الأنصار كل مقدس
فيا زاجر الأظعان وهي ضوامر ... بغير الفلا والوحش لم تتأنس
إذا جئت من دار الغنى بربة ... مناخ العلا والعز فانزل وعرس
فإنَّ شئت من بحر السماحة فاغترف ... وإنَّ شئت من نور الهداية فاقبس
أمولاي والي السهد منك ولاية ... أنارت بها الأكوان جذوة مقبس
إذا شئت إنَّ ترمي القضى من المنى ... تدور لك الأفلاك مرفوعة القسى
فترمى بسهم من سعودك صائب ... سديدً لأغراض الأماني مقرطس
أهنيك بالأبلال ممن شفاؤه ... شفاؤك فاسكر من تلاقي وقدس
ودعني أرد يمناك فهي غمامة ... تبخل صوب المعارض المتبجس
стр. 374
أقبل منها راحة إثر راحةٍ ... أتتك بها الركبان من بيت مقدس
ومن نسب الفتح المبين ولادة ... إليه بغير الفخر لم يتأسس
فيأيها المولى الذي بكماله ... خلائف ذلك العصر في الفخر تأتسي
لآمنت موسى من عوادي سمية ... ولولاك لم يبرح بخفية موجس
بعثت بميمون النقيبة، في اسمه ... خلود لعز ثابت متأسس
فجاءك بالمال العريض هدية ... بها الدين أثواب المسرة يكتسي
وشفعها بالصافنات كأنها ... وقد راق مرآها جآذر مكنس
تنص من الإشراف جيد غزالة ... وترنو من الإيجاس عن لحظ أشوس
لك الخير، موسى كلاهما ... بغير شعار الود لم يتلبس
فلا زلت في ظل النعيم وكل من ... يعاديك لا ينفعك يشقي بأبؤس
عليك سلام مثل حمدك عاطرا ... تنفس وجه الصبح عنه بمعطس
ثم قال بعد ذكر كثير من نظمه وبعض ميلاداته: وأنشد في مولد عام خمسة وستين:
لعل الصبا إنَّ صافحت روض نعمان ... تؤدى أمان القلب عن ظبية ألبان
وماذا على الأرواح وهي طليقة ... لو احتملت أنفاسها جاجة العاني
وما حال من يستودع الريح سره ... ويطلبها وهي النموم بكتمان
وكالطيف استقريه في سنة الكرى ... وهل تنقح الأحلام غلة ظمآن
стр. 375
أسائل عن نجد ومرمى صبابتي ... ملاعب غزلان الصريم بنعمان
وأبدى إذا ريح الشمال تنفست ... شمائل مرتاح المعاطف نشوان
عرفت بهذا الحب لم أدر سلوة ... وإني لمسلوب الفؤاد بسلوان
فيا صاحبي نجواي والحب غاية ... فمن سابق جلى مداه ومن واني
وراءكم ما اللوم يثني مقادتي ... فإني عن شأن الملامة في شأن
وإني وإنَّ كنت الأبي قياده ... ليأمرني حب الحسان وينهاني
ولا زلت أرعى العهد فيمن يضيعه ... وأذكر إلفي ما حييت وينساني
فلا تنكر ما سامني مضض الهوى ... قمن قبل قد أود بقيس وغيلان
لي الله إما أومض البرق في الدجى ... أقلب تحت الليل مقلة وسنان
وإنَّ من غمد الغمام حسامه ... بري كبدي الشوق الملم وأضناني
تراءى بأعلام الثنية باسماً ... فأذكرني العهد القديم وأبكاني
أسامر نجم الأفق حتى كأننا ... وقد سدل الليل الرواق حليفان
ومما أناجي الأفق أعديه بالجوى ... فأرعى له سرح النجوم ويرعاني
ويرسل صوب القطر من فيض أدمعي ... ويقدح البرق من نار أشجاني
وضاعف وجدي رسم دار عهدتها ... مطالع شهب أو مراتع غزلان
على حين شرب الوصل غير مصرد ... وصفوف الليالي لم يكدر بهجران
لئن كدرت عيني الطلول فإنها ... تمت إلى قلبي بذكر وعرفان
ولم أر مثل الدمع في عرصاتها ... سقى تربها حين استهل وأظماني
ومما شجاني أنَّ سرى الركب موهناً ... تقاد به هوج الرياح بأرسان
غوارب في بحر السراب تخالها ... وقد سبحت فيه مواخر غربان
стр. 376
على كل نضو مثله فكأنما ... رمى منهما صدر المفازة سهمان
ومن زاجر كوماء مخطفة الحشى ... توسد منها فوق عوجاء مرنان
نشاوي غرام يستميل رءوسهم ... من النوم والشوق المبرح سكران
أجابوا نداء البين طوع غرامهم ... وقد تبلغ الأوطار فوقة أوطان
يؤمنون من قبر الشفيع مثابة ... تطلع منها جنة ذات أفنان
إذا نزلوا من طيبة بجواره ... فأكرم مولى ضم أكرم ضيفان
بحيث علا الإيمان وامتد ظله ... وزان حلي التوحيد تعطيل أوثان
مطالع آيات مثابة رحمةٍ ... معاهد أملاك مظاهر إيمان
هنالك تصفو للقبول موارد ... يسقون منها فضل عفو وغفران
هناك تؤدي للسلام أمانة ... يحيهم عنها بروح وريحان
يناجون عن قربٍ شفيعهم الذي ... يؤمله القاصي من الخلق والداني
لئن بلغوا دوني وخلفت أنّه ... قضاء جرى من مالك الأمر ديان
وكم عزمةٍ منيت نفسي صرفها ... وقد عرفت مني مواعد ليان
إلى الله نشكوها نفوسا أبية ... تحيد عن الباقي وتغتر بالفاني
ألا ليت شعري هل تساعدني المنى ... فأترك أهلي في رضاه وجيراني
وأقضي لبنات الفؤاد بأن أرى ... أعفر خدي في ثراه وأجفاني
إليك رسول الله دعوة نازحٍ ... خفوق الحشى رهن المطامع هيمان
غريب بأقصى الغرب قيد خطوه ... شباب تقضى في مراح وخسران
стр. 377
يجد اشتياقا للعقيق وبانه ... ويصبو إليها ما استجد الجديدان
وإنَّ أومض البرق الحجازي موهنا ... يردد في الظلماء أنّه لهفان
فيا مولي الرحمي ويا مذهب العمى ... ويا منجد الفرقي ويا منقذ العاني
بسط يد المحتاج يا خير راحم ... وذنبي ألجأني إلى موقف الجاني
وسيلتي العظمى شفاعتك التي ... يلوذ بها عيسى وموسى بن عمران
فأنت حبيب الله خاتم رسله ... وأكرم مخصوص بزلفي ورضوان
وحسبك أنَّ سماك أسماءه العلا ... وذاك كمال لا يشاب بنقصان
وأنت لهذا الكون علة كونه ... ولولاك ما امتاز الوجود بأكوان
ولولاك للأفلاك لم تجل نيراً ... ولا قلدت لباتهن بشهبان
خلاصة صفو المجد من آل هاشم ... ونكته سر الفخر من آل عدنان
وسيد هذا الخلق من نسل آدمٍ ... وأكرم مبعوث إلى الإنس والجان
وكم آية أطلعت في أفق الهدى ... يبين صباح الرشد فيها ليقظان
وما الشمس بحلوها النهار لمبصر ... بأجلى ظهوراً أو بأوضح برهان
وأكرم بآيات تحديتها بها ... ولا مثل آيات لمحكم فرقان
وماذا عسى يثني وقد أتى ... ثناؤك في وحي قديم وقرآن
فصلى عليك الله ما انسكب الحيا ... وما سجعت ورقاء في غصن ألبان
стр. 378
وأيد مولانا أبن نصر فإنه ... لأشرف من ينمي لملك وسلطان
أقام كما يرضيك مولدك الذي ... به سفر الإسلام عن وجه جذلان
سمي رسول الله ناصر دينه ... معظمه في حال سر وإعلان
ووارث سر المجد آل خزرج ... وأكرم من تنمي قبائل قحطان
ومراسلها ملء الفضاء كتائباً ... تدين لها الملوك بإذعان
حدائق خضر والدروع غدائر ... وما أنبت إلاّ ذوابل مران
تجاوب فيها الصاهلات وترتمي ... جوانبها بالأسد من فوق عقبان
فمن كل خوار العنان قد أرتمى به كل مظعام العشيات مطعان
ومورد ظمآي الكعوب ذوبلا ... ومصدرها من كل أملد ريان
ولله منها والربوع مواحل ... غمام ندى كفت به المحل كفان
إذا أخلفت الناس الغمام وأمحلوا ... فإن نداه والغمام لسيان
إمام أعاد الملك بعد ذهابه ... إعادة لأنابي الحسام ولا واني
فغادر أطلال الضلال دوارساً ... وجدد للإسلام ارفع بنيان
وشيدها والمجد يشهد دولةً ... محافلها تزهى بيمن وإيمان
وراق من الثغر الغريب ابتسامة ... وهز له الإسلام أعطاف مزدان
لك الخير ما أسنى شمائله التي ... يقصر عن إدراكها كل إنسان
ذكاء إياس في سماحة حاتم ... وإقدام عمرو في بلاغة سبحان
أمولاي ما أنسى مناقبك التي ... هي الشهب لا تحصى بعد وسبحان
فلا زلت يا غوث البلاد وأهلها ... مبلغ أوطار ممهد أوطان
ثم قال بعد سرد ميلادية، وانشد ذلك في مولد سنة سبع وستين وسبع مائة وألم في أخرياتها بوصف المشور الأسنى، الرفيع المبنى:
стр. 379
زار الحيال بأيمن الزوراء ... فجلا سناه غياهب الظلماء
وسرى مع النسمات يحسب ذيله ... فأتت تنم بعنبر وكباء
هذا وما شيء ألذ من المنى ... إلاّ زيارته مع الإعفاء
بتنا خيالين التحقا بالضنى ... ما نخشى من الرقباء
حتى أفاق الصبح من غمراته ... وتجاذبت أيدي النسيم ردائي
يا سائلي عن سر من أحببته ... السر عندي ميت الأحياء
تالله ما أشكو المحبة والهوى ... لسوى الأحبة أو أموت بدائي
يا زين قلبي لست أبرح عانياً ... أرضى بسقمي في الهوى وعنائي
أبكى وما غير النجيع مدامعي ... أذكى ولا ضرم سوى أحشائي
أهفو إذا تهفو البروق وأنثني ... لسرى النواسم من ربا تيماء
بالله يا نفس الحمى رفقا بمن ... أغريته يتنفس الصعداء
عجبا له يندى على كبدي وقد ... أذكى بقلبي جمرة البرحاء
يا ساكني البطحاء أي لبانةٍ ... لي عندكم يا ساكني البطحاء
أترى النوى يوما تخيب قداحها ... ويفوز منكم بلقاء
في حيكم قمر فؤادي أفقه ... تفديه نفسي من قريب نائي
لم تنسني الأيام يوم وداعه ... والركب قد أوفى على الزوار
أبكى ويبسم والمحاسن تنجلي ... فعلقت بين تبسم وبكاء
يا نظرة جادت بها أيدي النوى ... حتى استهلت ادمعي بدماء
стр. 380
من لي بثانية تنادي بالأسى: ... " قدك اتئد أسرفت في الغلواء "
ولرب ليل بالوصال قطعه ... أجلو دجاء بأوجه الندماء
أنسيت فيه القلب عادة حلمه ... وحثثت فيه أكوس السراء
وجريت في طلق التصابي جامحا ... لا أنثني لمقادة النصحاء
أطوبي شبابي للمشيب مراحلا ... برواحل الإصباح والإمساء
يا ليت شعري هل أرى أطوبا إلى ... قبر الرسول صحائف البيداء
فتطيب في تلك الربوع مدائحي ... ويطول في ذلك المقام ثوائي
حيث النبوة نورها متألق ... كالشمس تزهى في سنى وسناء
حيث الرسالة في ثنية قدسها ... وفعت لهدى الخلق خير لواء
حيث الضريح أكرم مرسل ... فخر الجود وشافع الشفعاء
المصطفى والمرتضى والمجتبي ... والمتقي من عنصر العلياء
خير البرية مجتباها ذخرها ... ظل الإله الوارف الأفياء
تاج الرسالة ختمها وقوامها ... وعمادها السامي على النظراء
لولاه للأفلاك ما لاحت بها ... شهب تنير دياجي الظلماء
ذو المعجزات الغر والآي التي ... أكبرن عن عدٍ وعن إحصاء
وكفاك رد الشمس بعد غروبها ... وكفاك ما قد جاء في الإسراء
والبدر شق له وكم من آيةٍ ... كأنامل جادت ينبع الماء
وبليلة الميلاد كم من رحمة ... نشر الإله بها ون نعماء
قد بشر الرسل الكرام ببعثه ... وتقدم الكهان بالأنباء
стр. 381
أكرم بها بشرى على قدرٍ سرت ... في الكون كالأرواح في الأعضاء
أمسى بها الإسلام يشرق نوره ... والكفر أصبح فاحم الأرجاء
هو آيه الله التي نورها ... تجلو ظلام الشك أي جلاء
والشمس لا تخفي مزية فضلها ... إلاّ على ذي المقله العمياء
يا مصطفى والكون لم تعلق به ... من بعد أيدي الخلق والإنشاء
يا مظهر الحق الجلى ومطلع النور السنى السافر الأضواء
يا ملجأ الخلق المشفع فيهم ... يا رحمة الأموات والأحياء
يا آسي المرضى ومنتجع الرضا ... ومؤاسي الأيتام والضعفاء
أشكو إليك وأنت خير مؤمل ... داء الذنوب وفي يديك دوائي
إني مددت يدي إليك تضرعا ... حاشى وكلا أنَّ يخيب رجائي
إنَّ كنت لم أخلص إليك فإنما ... خلصت إليك محبتي وندائي
وبسعد مولاي الإمام محمّد ... تعد الأماني أنَّ يتاح لقائي
ظل الإله على البلاد وأهلها ... فخر الملوك السادة الخلفاء
غوث العباد وليث مشتجر القنا ... يوم الطعان وفارج الغماء
كالدهر في سطواته وسماحه ... تجري صباه يزعزع ورخاء
رقيت سجاياه وراقت مجتلى ... كالنهر وسط الروضة الفيحاء
كالزهر في إيراقه والبدر في ... إشراقه والزهر في اللألاء
يا أبن الآلي إجمالهم وجمالهم ... فلق الصباح وواكف الأنواء
стр. 382
أنصار دين الله حزب رسوله ... والسابقين بحلبة العلياء
يا بن الخلائف من بني نصر ومن حاطوا ذمار الملة السمحاء
من كل من تقف الملوك ببابه ... يستمطرون سحائب النعماء
قوم إذا قادوا الجيوش إلى الوغى ... فالرعب رائدهم إلى الأعداء
العز مجلوب بكل كتيبة ... والنصر معقود بكل لواء
يا وارثا عنها مناقبها التي ... تسمو مراقيها على الجوزاء
يا فخر أندلس وعصمة أهلها ... يجزيك عنها الله خير جزاء
كم خضت طوع صلاحها من مهمة ... لا تهتدي فيه القطا للماء
تهدي بها حادي السرى بعزائم ... تهدي نجوم الأفق فضل ضياء
يا رافع لواء الفخر غير مدافع ... واسحب ذيول العزة القسعاء
يا هنا بمبناك السعيد فإنه ... كهف ليوم مشورة وعطاء
منه هالة قد أصبحت ... حرم العفاة ومصرع الأعداء
تقاتبها طير الرجاء فتجتني ... ثمر المنى من دوحة الآلاء
منه قبة مرفوعة ... دون السماء تفوت لحظ الرائي
راقت بدائع وشيها فكأنها ... وشى الربيع بمسقط الأنداء
علمت ميلاد النبي محمّد ... وشفعته بالليلة الغراء
أحييت ليلك ساهرا فأفدتنا ... قوت القلوب بذلك الإحياء
يا أيها الملك الهمام المجتبى ... فاتت علاك مدارك العقلاء
من لي بأن أحصي مناقبك التي ... ضاقت بهن مذاهب الفصحاء
стр. 383
وإليك مني روضة مطلولة ... أرجت أزهارها بطيب ثناء
فافسح لها أكناف صفحك إنها ... بكر أتت تمشي على استحياء
قال: وأنشد من ذلك في مولد عام ثمانية وستين وقد كان مولانا ﵁ أبي أن يرسل العنان في مدح مقامه مبالغة في توقير جانب المصطفى ﷺ وإعظامه فلهذا القصد الأدبي الكريم أتى من المدح السلطاني في آخرها الملتمح القريب واكتفى من القلادة بما أحاط بالترتيب ومدّ القول في ذكر الرسول وعجائب مجده حسبما اقتضاه الاختيار من مولانا كافأ الله جميل قصده آمين:
هذا الصباح صباح الشيب قد وضحا ... سرعان ما كان ليلا فاستنار ضحى
للدهر لونان من نور ومن غسق ... هذا يعاقب هذا كلما برحا
ونلك صبغته أعدى بينه بها ... إذا تراخى مجال العمر وانفسحا
ما ينكر المرء من نور جلا غسقا ... ما لم يكن لأماني النفس مطرحا
إذا رأيت بروق الشيب قد بسمت ... بمفرق فمحيا العيش قد كلحا
يلقى المشيب بإجلال وتكرمة ... من قد أعد من الأعمال ما صلحا
أما ومثلي لم يبرح بعلله ... من النسيم عليل كلما نفحا
والبرق ما لاح في الظلماء مبتسما ... من جانب السفح إلاّ دمعه سفحا
فما له بقريب الشيب من قبل ... من بعد ما لام في شأن الهوى ولحا
стр. 384
يأبى وفائي أن أصغي للأئمة ... وأن أطيع عذولي غش أو نصحا
يأهل نجد سقي الوسمي ربعكم ... غيثا ينيل غليل الترب ما اقترحا
ما للفؤاد إذا هبت يمانية ... تهديه أنفاسها الأشجان والبرحا
يا حبذا نسمة من أرضكم نفحت ... وحبذا ربرب من جوكم سنحا
يا جيرة تعرف الأحياء جودهم ... ما ضر من ضن بالإحسان لو سمحا
ما شملت بارقة من جو كاظمة ... إلاّ وبت لزند الشوق مقتدحا
في ذمة الله قلبي ما أعلله ... بالقرب إلاّ وعاد القرب منتزحا
كم ليلة والدجى راعت جوانبها ... قلب الجبان فما ينفك مطرحا
سريتها ونجوم الأفق فيه طفت ... جواهرا وعباب الليل قد طفحا
بسابح اهتدى ليلا بغرته ... والبدر في لجو الظلماء قد سبحا
والسحب تنثر در الدمع من فرق ... والجو يخلع من برق الدجى وشحا
ما طالبت همتي دهري بمعلوة ... إلاّ بلغت من الأيام مقترحا
ولا أدرت كئوس العزم مغتبقا ... إلاّ أدرت كئوس العز مصطبحا
هذا وكل الذي نلت من أمل ... مثل الخيال تراءى ثمت انتزحا
كم يكدح المرء لا يدري منيته ... أليس كان امرئ يجزى بما كدحا
وارحمتا أيامنا ضاع أطيبه ... فما فرحت به قد عاد لي ترعا
أليس أيامنا اللائى سلفنا لنا ... منزلا أعلمت فيها الخطا مرحا
стр. 385
إنا إلى الله ما أولى المتاب بنا ... لو أن قلبا إلى التوفيق قد جنحا
الحق أبلج والمنجاة عن كئب ... والأمر لله والعقبى لمن صلحا
يا ويح نفس توانت عن مراشدها ... وطرفها في عنان الغي قد جمحا
نرجو الخلاص ولم تنهج مسالكها ... من باع رشدا بغي قلما ريحا
يا رب صفحك يرجو كل مقترف ... فأنت أكرم من يغفو ومن صفحا
يا رب لا سبب أرجو الخلاص به ... إلاّ الرسول ولطفا منك إن نفحا
فما لجأت له في دفع معضلة ... إلاّ وجدت جناب اللطف منفسحا
ولا تضايق أمر فاستجرت به ... إلاّ تفرج باب الضيق وافتحا
يا هل تبلغني مثواه ناجية ... تطوي بي القفر مهما امتد وانفسحا
حيث الربوع بنور الوحي آهلة ... من حلها احتسب الآمال مقترحا
حيث الرسالة تجلو من عجائبها ... من الجمال بنور الله متضحا
حيث النبوة تتلو من غرائبها ... ذكر يغادر صدر الدين منشرحا
حيث الضريح بما قد ضم من كرم ... قد بذلك في الفجر من ساد ومن نجحا
يا حبذا بلدة كان النبي بها ... يلقي الملائك فيها آية سرحا
يا دار هجرته يا أفق مطلعه ... لي فيك بدر بغير الفكر ما لمحا
من هاشم في سماء العز مطلعة ... أكرم به نسبا بالعز متشحا
من آل عدنان في الأشراف من مضر ... من محتد تطمح العلياء إن طمحا
من عهد آدم ما زالت أوامره ... تسام بالمجد من آبائه الصرحا
стр. 386
عناية سبقت قبل الوجود له ... والله لو ووزنت بالكون ما رجحا
يا مصطفى وكمام الكون ما فتقت ... يا محبتي وزناد النور ما قدحا
لولاك ما أشرقة شمس ولا قمر ... لولاك ما راقت الأفلاك ملتمحا
صدعت بالنور تجلو كل داجية ... حتى نهج الحق واتضحا
يا فاتح الرسل لو يا خاتمها شرفا ... بوركت مختتما قدست مفتتحا
دنوت للخلق بالألطاف تمنحا ... والقلب في العالم العلوي ما برحا
كالشمس في الأفق الأعلى مجرتها ... والنور إلى الأبصار قد وضحا
كم آية لرول الله معجزة ... نكل عن منتهاها ألسن لفصحا
إن ردت الشمس من بعد الغروب له ... قد ظللته غمام الجو حيث نحا
يا نعمة عظمت في الخلق منها ... ورحمة تشمل الغادرين والروحا
الله أعطاك ما لم يؤته أحد ... والله أكرم من أعطى ومن منحا
حبيبه مصطفاه مجتباه وفي ... هذا بلاغ لمن حلاك ممتدحا
أثنى عليك كتاب الله ممتدحا ... فأين يبلغ في علياك من مدحا
قد أبعدتني ذنوبي عنك يا أملي ... فجهدي اليوم أن أهدي لك المدحا
لعل رحماك والأقدار سابقة ... تدنى محبا بأقصى الغرب منتزحا
نفس شعاع وقلب خان أضلعه ... مما يعاني من الأشواق قد برحا
إذا البروق أضاءت والغمام همت ... فزفرتي إذ كيت أو مدمعي سفحا
لم لا أحن وهذا الجذع حن له ... لمّا تباعد عن لقياه وانتزحا
كم ذا التعلل والأيام تمطلنا ... كأنها لم تجد عنك منتدحا
ما أقدر الله أن يدنى على شحط ... وأن يقرب بعد البين من نزحا
стр. 387
يا سيد الرسل يا نعم الشفيع إذا ... طال الوقوف وحر الشمس قد لفحا
أنت المشفع الأبصار شاخصة ... أنت الغياث وهو الخطب قد فدحا
جاش العلا وجميل الظن يشفع لي ... أن يخفق السعي مني يعد ما نجحا
غساك يا خير من ترجى وسائله ... تنجي غريقا ببحر الذنب قد سبحا
ما زال معترفا بالذنب معتذرا ... لمل حبك يمحو كل ما اجترحا
عسى البشر غداء الروح يسمعني ... بشرى تعود لي البؤسى بها فرحا
لا تيأسن فإن الله ذو كرم ... وحبك العاقب الماحي الذنوب محا
صلى الإله على المختار صفوته ... ما العارض انهل أو ما البارق التمحا
وأيد الله مولانا بعصمته ... بأي باب إلى العلياء قد فتحا
وهنأ الدين والدنيا على ملك ... لسعده الطائر الميمون قد سنحا
أنا الضمين لمكحول بغرته ... ألا ترى عينه بؤسا ولا ترحا
مولاي خذها كما شاءت بلاغتها ... غراء لم تعدم الأحجال والقزحا
كأن سرب قوافيها إذا سنحت ... طير على فنن الإحسان قد صدحا
قال: ومن إعذارياته المحكمة نسقا ورصفا المتناهية في كل فن حسن تحلية غريبة وصفا حسبما اقتضاه ملاحظة النسبة الرفيعة لصناع مولانا ﵀ واحتفاله المناسب لعز ملكه من تعميم الخلق بالجفلى في دعواهم واستدعاء أشرف الأمم من أهل المغرب وسواهم تقننا في مكارم متعدد أيامها على أصالة المجد معربة وإغراء لهم الملك بما يتم الأمن من أوضاع مغربة ومباهاة بعرض الجيوش للعدو الكافر ومكاثر من مماليك دولته
стр. 388
بالعدد الوافر مما ألجم اللسن الذكي عيا وغادر الإعذار الذنوني منسيا كافأ الله أبوته المولوية عنا وعن آبائنا وتلقى بالقبول الكفيل بتحديد الرضوان ما نصل إليه من خالص دعائنا أنّه منعم جواد قوله في الصنيع المخلص من ذلك بمولانا الوالد قدس الله روحه وذلك سنة أربع وستين وسبع مائة:
معاذ الهوى أن أصحب القلب ساليا ... وأن يشغل اللوم بالعذل باليا
دعاني أعط الحب فضل مقادتي ... يقضي على الوجد ما كان قاضيا
ودون الذي رام العواذل صبوة ... رمت بي في شعب الغرام المراميا
وقلب إذا ما البرق أومض موهنا ... قدحت به زندا من الشوق واريا
خليلي إني اليوم طارقة النوى ... شقيت بمن لو شاء أنعم باليا
وبالخيف يوم النفر يا أم مالك ... تخلفت قلبي في حبالك عانيا
وذو أشر عذب المنايا مخصر ... يسقي به ماء النعيم الأقاحيا
أحوم عليه مادجا الليل ساهرا ... وأصبح دون الورد ظمآن صاديا
يمضي ظلام الليل ما بين أضلعي ... إذا البارق النجدي وهنا بدا ليا
أجيرتنا بالرمل والرمل منزل ... مضى العيش فيه بالشبيبة حاليا
ولم أر ربعا منه أقضى لبانة ... وأشجى حمامات وأحلى مجانيا
سقت ظله الغر الغوادي ونظمت ... من القطر في جيد الغصون لآليا
أبثكم أي على النأي حافظ ... ذمام الهوى لو تحفظون ذماميا
أناشدكم والحر أوفى بعهده ... ولن يعدم الإحسان والخير جازيا
стр. 389
هل الود إلاّ ما تحاماه كاشح ... وأخفق في مسعاه من جاء واشيا
تأوبنى والليل يذكى عيونه ... ويسحب من ذيل الدجنة ضافيا
وقد مثلت زهر النجوم بأفقها ... حبابا على نهر المجرة طافيا
خيال على بعد المزار ألم بي ... فأدركني من لم أكن عنه ساليا
عجبت له كيف اهتدى نحو مضجعي ... ولم يقول مني السقم والشوق باقيا
رفعت له نار الصبابة فاهتدى ... وخاض لها عرض الدجنة ساريا
ومما أجد الوجد سرب على النقي ... سوانح يصقلن الطلى والتراقيا
نزعن عن الألحاظ كل مسدد ... فغادرن أفلاذ القلوب دواميا
ولمّا تراءى السرب قلت لصاحبي ... وأيقنت أنَّ الحب ما عشت دائيا
حذارك من سقم الجفون فإنه ... سيعدي بما يعيى الطبيب المداويا
وإنَّ أمير المسلمين محمّدا ... ليعدى نداه الساريات الهواميا
تضئ النجوم الزاهرات خلاله ... وينفث في روح الزمان المعاليا
معال إذا ما النجم صوب طالبا ... مبالغها في العز خلف وانيا
يسابق علوي الرياح إلى الندى ... وتفضح جدوي راحتيه الغواديا
ويغضي عن العوراء إغضاء قادر ... ويرجح في الحلم الجبال الرواسيا
هما يروع الأسد في حومة الوغى ... كما راعت الأسد الظباء الجوازيا
مناقب تسمو للفخار كأنما ... تجري إلى المجد النجوم الجواريا
إذا استبق الأملاك يوما لغاية ... ابيت وذاك المجد إلاّ التناهيا
بهرت فأخفيت الملوك وذكرهم ... ولا عجب فالشمس تخفى الدرايا
جلوت ظلام الظلم من كل معتد ... ولا عرو أن تجلو البدور الدياجيا
стр. 390
هديت سبيل الله من ضل رشده ... لا زلت مهديا إليها وهاديا
أفدت وحتى الملك مما أفدته ... وطوقت أشراف الملوك الأياديا
وقد عرفت منها مرين سوابقا ... تقر لها بالفضل أخرى اللياليا
وكان أبو زيان جيدا معطلا ... فزينته حتى اغتدى بك حاليا
لك الخير لم تقصد بما قد أفديته ... جزاء ولكن همة هي ما هيا
فما تكبر الأملاك غيرك آمرا ... ولا ترهب الأشراف غيرك ناهيا
ولا تشكي الأيام من داء فتنة ... فقد عرفت منك الطبيب المداويا
أندلس أوليت ما أنت أهله ... وأوريتها وردا من الأمن صافيا
تلافيت هذا الثغر وهو على شفى ... وأصبحت من داء الحوادث شافيا
ومن بعد ما ساءت ظنون بأهلها ... وحاموا على ورد الأماني صواديا
فما يأملون العيش إلاّ تعللا ... ولا يعرفون الأمن إلاّ أمانيا
عطفت على الأيام عطف راحم ... وألبستها ثوب امتنانك ضافيا
فآنس من تلقائك الملك رشده ... ونال بك الإسلام ما كان راجيا
وقفت على الإسلام نفسا كريمة ... تصد عدوا عن حماه وعاديا
فرأى كما انشق الصباح وعزمة ... كما صقل القين الحسام اليمانيا
وكانت رماح الخط خمصا ذوابلا ... فأنهلت منها في الدماء صواديا
وأوردت صفح السيف أبيض ناصعا ... فأصدرته في الروع أحمر قانيا
لك العزم تستجلي الخطوب بهديه ... ويلفى إذا تنبو الصوارم ماضيا
إذا أنت لم تفخر بما أنت أهله ... فما الصبح وضاح المشارق عاليا
ويهنيك دون العيد شرعته ... تبث به في الخالقين التهانيا
следующие страницы →