Полный текст (1 044 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
كل يوم نزاهة إن تقضت ... أنشدتها السعود بالله عودي
جمع المستعيف وصف الكمال ... بين بأس عم الملوك وجود
فاهن في غبطة وعزة ملك ... أنت والله فخر هذا الوجود
وقال أيضاً مشيرا لتوليته العلامة:
لك غرة ود الصباح جمالها ... ومحاسن تهوي البدور كمالها
وشمائل تحكي الرياض خلالها ... وأنامل ترجو الأنام خلالها
للمستعين خلافة نصرية ... عرفت ملوك العالمين جمالها
وأنا الذي قد نال منك معاليها ... تهوي النجوم الزاهرات منالها
تهديه ما قد نلته من بعضها ... والفخر كل الفخر فيمن نالها
في كل يوم منك منة منعم ... لو طاولت سمك العلا ماطالها
بلغت آمال العبيد فبلغت ... فيك العبيد من البقا آمالها
ثم قال: وقال أيضاً وكتبها إليه مع خمسة أقلام:
أيا ملكا لم يبد للعين حسنة ... سوى ملك قد حل من عالم القدس
لك الخير خذها كالأنامل خمية ... تعوذ مرآك المكمل بالخمس
فمن أبصرت عيناه مرآك فليقل ... أعوذ برب الناس أو آية الكرسي
ثم قال بعد ذكر قصيدة: وقال يخاطب مولانا الوالد رحمه الله
стр. 492
وقد مر معه بفحص رية والثلج قد عم أنديته وبسط أرديته في وجهة توجهها مولانا الجد ﵀:
يا من رتب المعالي تعتلي ... ومعالم الفخر المشيد تبتني
ازجر بهذا الثلج فألا إنه ... ثلج اليقين بنصر مولانا الغني
بسط البياض كرامة لقدومه ... وافتر ثغرا عن مسرة معتني
فالأرض جوهرة تلوح لمجتل ... والدوح مزهرة تفوح لمجتنى
سبحان من أعطى الوجود وجوده ... ليدل منه على الجواد المحسن
وبدائع الأكوان في إتقانها ... أثر يشير إلى البديع النقتن
ثم قال: ومن غير السلطانيات مما بز فيه سبقا وتبريزا وعرضه على نقدة البيان فرأت منه كل مذهبة خلصت إبريزا مرثيته للقاضي المعظم الشريف أبي القاسم الحسني من شيوخه أنجزها الوعد السابق في المقدمة بها:
أغرى سراة الحي بالإطراق ... نبأ أصم مسامع الآفاق
أمسى به ليل الحوادث داجيا ... والصبح أصبح كاسف الإشراق
فجع الجميع بواحد جمعت له ... شتى العلا ومكارم الأخلاق
هبوا لحكمكم الرصين فإنه ... صرف القضاء فما له من واق
نفش الزمان بصرفه في صفحة: ... كل جماع مؤذن بفراق
ماذا ترجى من زمانك بعدما ... علق الفناء بأنفس الأعلاق
من تحسد السبع الطباق علاءه ... عالوا عليه في الثرى بطباق
стр. 493
إنَّ المنايا للبرايا غاية ... سبق الكرام لخصلها بسباق
لمّا حسبنا أن تحول أبؤسا ... كشفت عوان حروبها عن ساق
ما كان إلاّ البدر طال سراره ... حتى رمته يد الردى بمحاق
أنف المقام مع الفناء نزاهة ... فنوى الرحيل إلى مقام باقي
عدم الموقف في مرافقة الدنا ... فثنى الركاب إلى الرفيق الباقي
أسفا على ذلك الجلال تقلصت ... أفياؤه وعهدن خير رواق
يا آمري بالصبر عيل تصبري ... دنى عدتك لواعج الأشواق
وذر اليراع تشي بدمع مدادها ... وشى القريض يروق في الوراق
يا حسرتي للعلم أقفر ربعه ... والعدل جرد أجمل الأطواق
ركدت رياح المعلوات لفقدها ... كسدت به الآداب بعد نفاق
كم من غوامض قد صدعت بفهمها ... خفيت مداركها على الحذاق
كم قاعد في البيد فوق قعوده ... قعدت به الآمال دون لحاق
لمن الركائب بعدك تنتضي ... ما بين شأم ترتمي وعراق
تفلى الفلا بمناسم مفلولة ... تسم الحصى بنجيعها الرقراق
كانت إذا اشتكت الوجى وتوقفت ... يهفو نسيم ثنائك الخفاق
فإذا تنسمت الثناء أمامها ... مدت لها الأعناق في الإعناق
يا مزجي البدن القلاص خوافقا ... رفقا بها فالسعي في إخفاق
стр. 494
مات الذي ورث العلا عن معشر ... ورثوا تراث المجد باستحقاق
رفعت لهم رايات كل جلالة ... فتميزوا في حلبة السباق
علم الهدة وقطب أعلام الورى ... حرم العفاة لمجتني الأرزاق
رقث سجاياه وراقت مجتلى ... كالشمس في بعد وفي إشراق
كالزهر في لألائه والبدر في ... عليائه والزهر في الإبراق
مهما مدحت سواه قيد وصفه ... وصفاته حمد على الإطلاق
يا وارثا نسب النبوة جامعا ... في العلم والأخلاق والأعراق
يا بن الرسول وإنها لوسيلة ... يرقى بها أوج المصاعد راقي
ورد الكتاب بفضلهكم وكمالكم ... فكفى ثناء الواحد الخلاق
مولاي إني في علاك مقصر ... قد ضاق علم النجوم نطاقي
ومن الذي يحصى مناقب فضلكم ... عد الحصى والرمل غير مطاق
يهني قبورا زرتها فلقد ثوت ... منا مصون جوانح وحداق
خط الردى منها سطورا نصها: ... لا بد أنك للفناء ملاق
ولحق ترجمة الكتاب وصدره ... وفوائد المكتوب في الألحاق
كم من سراة في القبور كأنهم ... في بطنها در ثوى بحقاق
قل للسحاب اسحب ذيولك نحوه ... والعب بصارم برقك الخفاق
أودي الذي غيث العباد بكفه ... يزري بواكف غيثك الغيداق
стр. 495
إن كان صوبك بالمياه فدرها ... در يروض ما حل الإملاق
بشر كثير قد نعموا لمّا نعى ... قاضي القضاة وغاب في الأطباق
ألبستهم ثوب الكرامة ضافيا ... وأرحت من كد ومن إرهاق
يتفيئون ظلال جاهك كلما ... لفحت سموم الخطب بالإحراق
عدموا المواقف في فراقك وانطوى ... عنهم بساط الرفق والإرفاق
رفعوا سريرك خافضين رءوسهم ... ما منهم إلاّ حليف سياق
لكن مصيرك للنعيم مخلدا ... كان الذي أبق على الأرماق
ومن العجائب أن يرى بحر الندى ... طود الهدى يسري على الأعناق
إن يحملوك على الكواهل طالما ... قد كنت محمولا على الأحداق
أو يرفعوك على العواتق طالما ... رفعت ظهر منابر وعتاق
ولئن رحلت إلى الجنان فإننا ... نصلى بنار الوجد والأشواق
لو كنت تشهد حزن من خلفته ... لثنى عنانك كثرة الإشفاق
أن جن ليل جن من فرط الأسى ... وسوى كلامك ماله من راق
فابعث خيالك في الكرى يبعث به ... ميت السرور لثاكل مشتاق
أغليت يا رزء التصبر مثلما ... أرخصت در الدمع في الآماق
إن يخلف الأرض الغمام فإنني ... أسقي الضريح بدمعي المهراق
стр. 496
ومن أوليات نظمه يخاطب شيخه الوزير أبا عبد الله بن الخطيب ﵀ مادحا قوله من قصيدة مطلعها: أما وانصدع النور من مطلع الفجر يقول فيها بعد أبيات:
لك الله من فذلك الجلالة أوحد ... تطاوعه الآمال في النهي والأمر
لك القلم الأعلى الذي طال فخره ... على المرهفات البيض والأسل السمر
يقلد أجياد الطروس تمائما ... بصنفي لآل من نظم ومن نثر
تهيبك القرطاس فاحمر إذ غدا ... يقل بحور من أناملك العشر
كأن رياض الطرس خد مورد ... يطرزه وشي العذار من الحبر
فشارة على الملك رائقة الحلى ... بألوية حمر وبالصحف الحمر
وما روضة غناء عاهدها الحيا ... بها وشى الربيع يد القطر
تغنى قيان الطير في جنباتها ... فيرقص غصن ألبان في حلل خضر
تمد لأكواس العرار أناملا ... من السوسن الغض المختم بالتبر
ويحرس خد الورد صام نهرها ... ويمنع ثغر النور بالذابل النضر
يفاخر مرآها السماء محاسنا ... فتزرى نجوم الزهر منها على الزهر
إذا مسحت كف الصبا جفن نورها ... تنفس ثغر الزهر عن عنبر الشحر
بأعطر من ريا ثنائك في السرى ... وأبهر حسنا من شمائلك الغر
عجبا له يحكى خلال خميلة ... وتفوق منه الأسد في موقف الذعر
стр. 497
إذا أضرمت من بأسها الحرب جاحما ... تأجج منه العضب في لجى البحر
وإن كلح الأبطال في حومة الوغى ... ترقرق ماء البشر في صفحة البدر
لك الحساب اوضاح والسؤدد الذي ... نطاق الوصف فيه عن الحصر
تشرفت أفق أنت بدر كماله ... فغرناطة تختال تيها على مصر
تكلل تاج الملك منك محاسنا ... وفاخرت الأملاك منك بنو نصر
بعزمة مضمون السعادة أوحد ... وغرة وضاح المكارم والنجر
طوى الحيف منشور اللواء مؤيدا ... حمى الإسلام بالطي والنشر
ومدينة ظلال الأمن إذ قصر العدا ... فيتلى ثناء الملك بالمد والقصر
إذا احتفل الإيوان يوم مشورة ... وتضطرب الآراء من كل ذي حجر
صدعت بفضل القول غير منازع ... وأطلعت آراء قبس من الفجر
فإن تظفر الخيل المغيرة بالضحى ... فعن رأيك الميمون تظفر بالنصر
فلا زلت للعلياء تحمى ذمارها ... وتسحب أذيال الفخار على النسر
وللعلم فخر الدين والفتك بالعدا ... بأوت به يا بن الخطيب على الفخر
يهنيك عيد الفطر من أنت عيده ... ويثنى بما أوليت من نعم غر
جبرت مهيضا من جناحي ورشته ... وسهلت لي من جانب الزمن الوعر
وبوأتني من ذروة العز معتلى ... وشرفتني من حيث أدري ولا أدري
وسوغتني الآمال عذبا مسلسلا ... وأسميت من ذكرى ورفعت من قدري
فدهير عيد بالسرور وبالمنى ... وكل ليالي العمر لي ليلة القدر
стр. 498
فأصبحت مغبوطا على خير نعمة ... يقل لأدناها الكثير من الشكر
قال: وكتب إليه جوابا عن رسالة خاطب أولاده بها صدرها: مالي بحمل الهوان يدان قال جامع هذا الموضوع وفقه الله تعالى: هذه قد تقدمت في هذا الموضوع فراجعها.
ثم قال: وكتب إليه جوابا عن آخر كذلك:
حيت صباحا فأحييت ساكني القصبة ... واسترجعت أنفسا بالشوق مغتصبة
قضى البيان لها إلاّ نظير لها ... فأحرزت من معاني فضله قصبة
ناجت طليح سرى لا يستفيق لها ... هدت جوارحها واستوهنت عصبة
فحركته على فتك الكلال به ... وأذهبت بسرور الملتقى نصبه
وأذكرت عهد مهديها على شحط ... فعاود القلب من تذكاره وصبه
ما كنت أسمح من ذهري بجوهره ... لو كان يسم لي بالقلب من غصبة
سل أدمع الصب من أغرى السحاب بها ... وقلبه بجمار الشوق من حصبة
فالله يحفظ مهديها ويشكره ... فوجهها بعصاب الحسن قد عصبه
من كان وارث آداب يشعشعها ... بالفرض إني في إرثي لها عصبة
هذا الملاذ ملاذ الناس قاطبة ... سبحان من لغياث الخلق قد نصبه
стр. 499
وخاطب كذلك:
طالعتها دون الصباح صباحا ... لمّا جلت غرر البيان صباحا
ولقد رأيت وما رأيت كحسنها ... وجها أغر ومبسما وضاحا
عذراء أرضعها البيان لبانه ... وأطال مغدى عندها ومراحا
فأتت كما شاءت وشاء نجيها ... تذكى الحجا وتنعم الأرواح
لا بل كمثل الروض باكره الحيا ... وسقى به زهر الكمام ففاحا
وطوت بساط الشوق منى بعدها ... نشرت على من القبول جناحا
وخاطبه كذلك:
يكلفني مولاي رجع جوابه ... وما لتعاطي المعجزات وما ليا
أجيبك للفضل الذي أنت أهله ... وأكتب مما قد أفدت الأماليا
فأنت الذي طوقتني كل منة ... وأحييت آمالي وأكسبت ماليا
وأنت الذي أعدى الزمان كماله ... وصيرت أحرار الزمان مواليا
فلا زلت للفعل الجميل مواصلا ... ولا زلت للشكر الجزيل مواليا
وخاطبه كذلك:
ذروني فأني بالعلاء خبير ... أشير فإن النيرات تسير
وكم بت أطوي الليل في طلب العلا ... كأني إلى نجم السماء سفير
بعزم إذا ما الليل مدينة رواقه ... يكر على ظلمائه فينير
أخو كلف بالمجد لا يستفزه ... مهاد إذا جن الظلام وثير
ذاما طوى يوما على السر كشحه ... فليس له حتى الممات نشور
стр. 500
وإني وإن كنت الممنع جاره ... لتسبى فؤادي أعين وثغور
وما تعتريني فترة في مدى العلا ... إلى أن أرى لحظا عليه فتور
وفي السرب من نجد ظبية ... تصول على ألبابنا وتغير
وتمنع ميسور الكلام أخا الهوى ... وتبخل حتى بالخيال يزور
أسكان نجد جادها وأكف الحيا ... هواكم بقلبي منجد ومغير
ويا سكنى بالأجرع الفرد من منى ... وأيسر حظ من رضاك كثير
ذكرتك فوق البحر والبعد بيننا ... فمدته من فيض الدموع بحور
وأومض خفاق الذؤابة بارق ... فطارت بقلبي أنه وزفيره
ويهفو فؤادي كلما هفت الصبا ... أما لفؤادي في هواك نصير
ووالله ما أدري أذكرك هزني ... أم الكأس ما بين الخيام تدور
فمن مبلغ عني النوى ما يسؤها ... وللبين حكم يعتدىو يجور
بأنا غدا وبعده سوف نلتقي ... ونمسي ومنا زائر ومزور
إلى كم أرى أكني ووجدي مصرح ... وأخفي اسم من أهواه وهو شهير
أمنجد آمالي ومغلي كاسدي ... ومصدر جاهي والحديث كثير
أنَّ أنسى ولا أنسى مجالسك التي ... بها تلتقي نضرة وسرور
نزورك في جنح الظلام وننثني ... وبين يدينا من حديثك نور
على أنني إن غبت عنك فلم تغب ... لطائف لم يحجب لهن سفور
نروح ونغدو كل يوم وعندها ... رواح علينا دائم وبكور
فظلك فوقي حيثما كنت وارف ... ومورد آمالي لديك نمير
стр. 501
وعذرا فأني إن أطلت فإنما ... قصارى من بعد البيان قصور
وكتب إليه خاتمة رسالة كذلك:
وحقك ما استطعت بعدك غمضةً ... من النوم حتى آذن النجم بالغروب
وعارضت مسرى الريح قلت لعلها ... تنم بريا منك عاطرة الهبوب
إلى أن بدا وجه الصباح كأنه ... محياك إذ تجلى بغزته الخطوب
فقلت لقبي استشعر الأنس وابتهج ... فإنَّ تبعد الأجسام لم تبعد القلوب
وسر في ضمان الله حيقث توجهت ... ركابك لا تخشى الحوادث أن تنوب
ثم قال: وقال - بعد إيراد جملة من نظمه في النسيب وما يناسبه - يصف مصباحاً:
لقد زادني وجداً بي الجوى ... ذبال بأذيال الظلام قد التفا
تشير وراء الليل منه بنانة ... مخضبة والليل قد حجب الكفا
تلوح سناناً حين لا تنفح الصبا ... وتبدو سروراً حين تثنى له العطفا
قطعت بها ليلي يطار حتى الجوى ... فآونة يبدو وآونةً يخفى
إذا قلت لا يبدو أسال لسانه ... وإن قلت لا يخبو الضياء به كفا
إلى أن أفاق الباح من غمرة الدجى ... وأهدى نسيم الروض من طيبه عرفا
لك الله يا مصباح أشبهت مهجتي ... وقد شفها من لوعة الحب ما شفا
стр. 502
ثم قال وكتب له صدر رسالة:
أزور بقلبي معهد الأنس والهوى ... وأنهب من أيدي النسيم رسائلا
ومهما سألت البرق يهفو من الحمى ... يبادر به دمعي مجيباً وسائلا
فيا ليت شعري والأماني تعلل ... أيرعى لي الحي الكرام الوسائلا
وهل يجيرني الأولى كما قد عهدتهم ... يوالون بالإحسان من جاء سائلا
ثم قال بعد أن ذكر عدة قطع: وقال يصف الزرافة في قصيدة مدح بها السلطان أبا سالم ملك المغرب ﵀ وقد ورد عليه بها وفد الأحابش في هدية من ملكهم، ونصها:
لولا تألق بارق التذكار ... ما صاب واكف دمعي المدرار
لكنه مهما تعرض خافقاً ... قدحت يد الأشواق زند أواري
﵇ المشوق إذا تذكر معهداً أن يغري الأجفان باستعبار
أمذكري غرناطة حلت بها ... أيدي السحاب أزرة النوار
كيف التخلص للحديث ودونها ... عرض الفلاة وطافح زخار
هذا على أنَّ التغرب مركبي ... وتولج الفيح الفساح شعاري
فلكم أقمت غداة زمت عيسهم ... أبغي القرار ولات حين قرار
وطفقت استقري المنازل بعدهم ... يمحو البكاء مواقع الآثار
إنا بني الآمال تخدعنا المنى ... فنخادع الآمال بالتسيار
نتجشم الأهوال في طلب العلا ... ونروع سرب النوم بالأفكار
стр. 503
لا يجوز المجد الخطير سوى امرئ ... يمطي العزائم صهوة الأخطار
إلا يفاخر بالعتاد ففخره ... بالمشرفية والقنا الخطار
مستبصر مرمى العواقب واصل ... في حمله الإيراد بالإصدار
فاشد ما قاد الجهول إلى الردى ... عمه البصائر لا عمى الأبصار
ولرب مربد الجوانح مزبدٍ ... سبح الهلال بلجه الزخار
فتقت كمائم جنحه عن أنجمٍ ... سفرت زواهرهن عن أزهار
مثلت على شاطي المجرة نرجساً ... تصطف منه على خليج جاري
فكأنما بدر التمام بجنحه ... وجه الإمام بجحفل جرار
وكأنما خمس الثريا راحة ... ذرعت مسير الليل بالأشبار
اسرجت من عزمي مصابيحاً بها ... تهدي السراة لها من الأقطار
وارتاع من بازي الصباح غرابه ... لمّا اطل فطار كل مطار
ومنها:
وغريبةٍ قطعت إليك على الونى ... بيداً تبيدها هموم الساري
تنسيه طيبته التي قدأمها ... والركب فيها ميت الأخبار
يقتادها من كل مشتمل الدجى ... وكأنما عيناه جذوة نار
تشدو بحمد المستعين حداتها ... يتعللون به على الأكوار
إن مسهم لفح الهجير أبلهم ... منه نسيم ثنائك المعطار
خاضوا بها الفلا فتخلفت ... منها خلوص البدر بعد سرار
стр. 504
سلمت بسعدك من غوائل مثلها ... وكفى بسعدك حامياً لذمار
وأتتك يا ملك الزمان غريبة ... قيد النواظر نزهة الأبصار
موشية الأعطاف رائعة الحلى ... رقمت بدائعها يد الأقدار
راق العيون أديمها فكأنه ... روض تفتح عن شقيق بهار
ما بين مبيض وأصفرٍ فاقعٍ ... سال اللجين به خلال نضار
يحكي حدائق نرجسٍ في شاهقٍ ... تنساب فيه أرقام الأنهار
تحدو قوائم كالجذوع وفوقها ... جبل أشم بنوره متواري
وسمت بجيد مثل جذع مائل ... سهل التعطف لين خوار
تستشرف الجدران منه ترائباً ... فكأنما هو قائم بمنار
تاهت بكلكلها وأتلع جيدها ... ومشى بها الأعجاب مشي وقار
خرجوا لها الجم الغفير وكلهم ... متعجب من لطف صنع الباري
كل يقول لصحبه قوموا انظروا ... كيف الجبال تقاد بالأسيار
ألقت ببابك رحلها ولطالما ... ألقى الغريب به عصا التسيار
علمت ملوك الأرض انك فخرها ... فتسابقت لرضاك في مضمار
يتبوءون به وإن بعد المدى ... من جاهك الأعلى أعز جوار
فارفع لواء الفخر غير مدافعٍ ... واسحب ذيول العسكر الجرار
واهنأ بأعياد الفتوح مخولاً ... ما شئت من نصرٍ ومن أنصار
وإليكها من روض فكري نفحة ... شف الثناء بها على الأزهار
стр. 505
في فضل منطقها ورونق رسمها ... مستمتع الأسماع والأبصار
وتميل من أصغى لها فكأنني ... عاطيته منها كئوس عقار
وقال رحمه الله تعالى يخاطب كتاب الإنشاء بالمغرب وقد حضر هنالك ميلاد الرسول) ، وانشد قصائدهم، وأستنجز بعد ذلك وعدهم بتقييد نسخها بمقطوعات مرتجلة أجابوه عنها، منها:
أكتيبة الكتاب أيد جمعكم ... بعناية المولى الخليفة أحمد
لا تمطلوا دين الغريب فأنني ... منكم وإنَّ رغمت لذلك حسدي
زينتم حفل البيان بسحركم ... اليوم زينة سحركم من موعد
فلتسمحوا لي بالقصائد عاجلا ... ولتبلغوا مما أؤمل مقصدي
وقال أيضاً:
أيا علية الكتاب منصفٍ ... عليكم بكم في مقطع الحق يستعدي
سمحتم بنظم الدر في لبة العلا ... فكم راق من سمط هناك ومن وعقد
فما ضركم أنَّ تسمحوا ليس بكتابها ... فتستجزلوا شكري وتستجيبوا احمدي
وقال أيضاً:
ما عذركم أنَّ لم تجدوا بعدما ... ملكتم كف الخليفة أحمد
فلتبعثوا لي كل بكرة فذةٍ ... تأتي بفخر خلالها وسط الندي
وكتب إليهم في المعنى أيضاً وقد كان السلطان أبو العباس أعطاه قصيدة من نظمه تلك الليلة:
стр. 506
ظلالكم تندو وموردكم عذب ... وترضون أنَّ أضحى وبالملح لي شرب
وانتم وما أنتم غمائم رحمةٍ ... تصوب وأحلام العفاة لها تصبو
أفيضوا علينا وأنظرونا بفضلكم ... لنقتبس نوراً لا يخيب ولا يخبو
ألفت الهوى حتى أنست بجوره ... فكل عذاب نالني في الهوى عذب
وقلت لجسمي إنه ثوبك الضني ... وقلت لقلبي إنه إلفك الحب
وقالوا صبا والشيب لاح صباحه ... فقلت ببيض كالصباح أنا صب
نهبت عذاري الحي ليلة عرضها ... وقد جلبت منها لمبصرها شهب
ولم أر منها غير رجع حديثها ... فتجهل منها العين ما يعرف القلب
عراب إذا استنت بشأو بلاغةٍ ... تقصر من دون اللحاق لها العرب
وإنَّ أسندت ما بين نجد وحاجر ... تقول رواة الشرق يا حبذا الغرب
فنعمة صدق للخلافة قد ضفت ... على من حواه من مهابته حجب
وجو صقيل قد جلته يد الصبا ... يسافر طرف الطرف فيه فما يكبو
فلولا التي من دونها طاعة الهوى ... لحقت بها حولي الأباريق والشرب
ولكن نهاني الشيب إنَّ أقرب الهوى ... إذا لم يتح ممن أحب لي القرب
فلا تمطلوا دين المعلل عن غني ... فجانبكم سهل ومنزلكم رحب
وإنَّ لم تروني كفهن ترفعا ... وصدكم من دون خطبها خطب
فمولاي قد أهدى العميد عقيلة ... يكالها من لفظها اللؤلؤ الرطب
أدارت كئوسا من مدام صبابة ... كما امتزج الصهباء والبارد العذب
فوالله لولا موعد يومه غد ... لواجهتكم مني على مطلبي العتب
стр. 507
أكتاب مولانا الخليفة أحمد ... وحسبكم الفخر العميم به حسب
به اعتزت الآداب وامتد باعها ... وطالت يداها واستخف بها العجب
فلو لم يكن بالفضل تنفق سوقها ... لكان يقال التبر في أرضه ترب
بقيتم به في ظل جاهٍ وغبطةٍ ... تخب إلي لقيا نجيبكم النجب
وقال يراجع الكتاب أبا زكريا بن أبي دلامة منهم، وقد أجابه رحمه الله تعالى عليه:
على الطائر الميمون والطالع السعد ... أتتني مع الصنع الجميل على وعد
وأحييت يا يحيى بها نفس مغرمٍ ... يجيل جياد الدمع في ملعب السهد
نسيت وما أنسى وفائي وخلتي ... وأقفر ربع القلب إلاّ من الواجد
وما الطال في ثغر من الزهر باسم ... بأذكى وأصفى من ثنائي ومن ودي
فأصدقتها من بحر فكري جواهرا ... تنظم من در الدراري في عقد
وكنت أطيل القول لولا ضرورة ... دعتني إلى الإيجاز في سورة الحمد
وانشد السلطان أبا العباس المذكور في غراب من إنشائه:
أإنسان عين الدهر جفنك قد غدا ... يحفك منه طائر اليمن والسعد
إذا ما هفا فوق الرءوس شراعه ... أراك جناحا مدينة للجزر والمد
وأنشده فيه أيضاً:
لك الخير شأن الجفن يحرس عينه ... وهذا بعين الله يحرس دائماً
تبيت له خمس الثريا معيذة ... تقلده زهر النجوم تمائماً
стр. 508
فيا جفن لا تنفعك في الحفظ دائما ... وإنَّ كنت في لج من البحر عائما
انتهى ما انتقيت من هذا التأليف الملوكي مع أني تركت أكثره.
قلت: وإنّما أطلت في كلام الرئيس أبن زمرك رحمه الله تعالى لوجوه: أولها: أنَّ الذي ألفت الكتاب من أجله راغب في ذلك.
الثاني: ولوع كثير من الناس بكلامه، حتى قال شيخنا سيدي الإمام العلامة المؤلف الكبير أبو العباس الشهير ببابا السوداني ﵀، بعد أن ذكر في التعريف به نحو عشرين سطراً: إني لم أقف في أمره على غير هذا، ولم أقف على وفاته. وبالجملة فالذي تكلم خواص الناس فيه من أمره هو ما في الإحاطة والكتيبة: وأما الجم الغفير فهم بمعزل عما في الكتابين فضلا عن غيره.
الوجه الثالث: أنَّ ما نقلته من ذلك كان عندي مقيدا في عدة أوراق، فخفت عليه الدروس، فلذا جمعت بعضه هنا.
الرابع: ما اشتمل عليه من أوصاف الجهاد والخيل وغير ذلك من الغرائب، وليس الخبر كالعيان.
الخامس: ما في بعضه من أمداح المصطفى ﷺ ، وهو المقصود بالذات وغيره تبع، وهو في مسك ختام هذه الأوجه الخمس، وليس يحتاج إلى دليل نول القمر والشمس. وقد عن لي أنَّ أذكر جملة من موشحاته لغرابتها، ولأن جل ما وقفت عليه منها ينخر في سلك المعرب، إذ أكثره من مخلع البسيط.
стр. 509
فمن ذلك قوله تشوقا إلى غرناطة أعادها الله ومادحاً الغنى بالله:
بالله يا قامة القضيب ... ومخجل الشمس والقمر
من ملك الحسن في القلوب ... وأيد اللحظ بالحور
من لم يكن طبعه رقيقا ... لم يدر ما لذة الصبا
فرب حر غدا رقيقا ... تملكه نفحة الصبا
نسوان لم يشرب الرحيقا ... لكن إلى الحسن قد صبا
فعذب القلب بالوجيب ... ونعم العين بالنظر
وبات والدمع في صبيب ... يقدح من قلبه الشرر
أواه من قلبي المعنى ... يهفو إذا هبت الرياح
لو كان للصب ما تمنى ... لطار شوقا بلا جناح
وبلبل الدوح إنَّ تغف ... أسهر ليلي إلى الصباح
عساك إنَّ زرت يا طبيبي ... بالطيف في رقدة السحر
أنَّ تجعل النوم من نصبي ... والعين تحمي من السهر
كم شادن قاد لي التحوفا ... بمربع القلب قد سكن
يسل من لحظه سيوفا ... فالقلب بالورع ما سكن
خلقت من عادتي ألوفا ... أحن للإلف والسكن
غرناطة منزل الحبيب ... وقربها السؤل والوطر
стр. 510
تبهر بالمنظر العجيب ... فلا عدا ربعا المطر
عروسة تاجها السبيكة ... وزهرها الحلي والحلل
لم ترض من عزها شريكة ... بحسنها يضرب المثل
أيدها الله من مليكة ... تملكها اشرف الدول
بدولة المرتجى المهيب ... الملك الطاهر الأغر
تخال من بردها القشيب ... في حلة النور والزهر
كرسها جنة العريف ... مرآتها صفحة الغدير
وجوها الطل في شنوف ... تحكيمه صنعته القدير
والأنس فيها على صنوف ... فيمن هديل ومن هدير
كم خرق الزهر من جيوب ... وكلل القضب بالدرر
فالغصن كالكعاب اللعوب ... والطير تشدو بلا وتر
ولائم النصر في احتفال ... وفرح دين الهدى جديد
سلطانها معمل العوالي ... محمّد الظافر السعيد
ومخجل البدر في الكمال ... سلطانها المجتبي الفريد
أصفح مولى عن الذنوب ... أكرم عاف إذا قدر
وشمس هدى بلا مغيب ... وبحر جودٍ بلا حسر
стр. 511
مولاي يا عاقد البنود ... تظلل الأوجه الصباح
أوحشت يا نخبة الوجود ... غرناطة هالة السماح
سافرت باليمن والسعود ... وعدت بالفتح والنجاح
يا ملهم القلب للغيوب ... ومطعم النصر والظفر
أسمعك الله عن قريب: ... " على السلاما من الالسفر "
وقال أيضاً من الموشحات الفائقة، في مثل أغراض هذه السابقة، وأشار إلى محاسن من وصف " الرشاد ":
نسيم غرناطة عليل ... لكنه يبري العليل
وروضها زاهر بليل ... ورشفه ينقع الغليل
سقى بنجد ربا المصلى ... مباكراً روضها الغمام
فجفنه كلما استهلا ... تبسم الزهر في الكمام
والروض بالحسن قد تجلى ... وجرد النهر عن حسام
ودوحها ظله ظليل ... يحسن في ربعه المقيل
والبرق والجو مستطيل ... يلعب بالصارم الصقيل
عقيلة تاجها السبيكة ... تظل بالمراقب المنيف
كأنها فوقه مليكه ... كراسيها جنة العريف
стр. 512
تطلع من عسجد سبيكة ... شموسها كلما تطيف
أبدعك الخيال الجليل ... يا منظرا كله جميل
قلبي إلى حسنه يميل ... وقبلنا قد صبا جميل
وزاد للحسن فيك حسنا ... محمّد الحمد والسماح
جدد للفخر فيك مغنى ... في طالع اليمن والنجاح
تدعى رشادا وفيك معنى ... يخصك الفأل بافتتاح
فالنص والسعد لا يزول ... لأنه ثابت أصيل
سعد وأنصره قبيل ... آباؤه عترة الرسول
أبدى به حكمة القدير ... وتوج الروض بالقباب
ودرع الزهر بالغدير ... وزين النهر بالحباب
فمن هديل ومن هدير ... ما أولع الحسن بالشباب
هبت على روضها القبول ... وطرفها بالسرى كليل
فلم يزل بينها يجول ... حتى تبدت له حجول
للزهر في عطفها رقوم ... تلوح للعين كالنجوم
وللندى بينها رسوم ... عقد الندى فوقه نظيم
وكل واد بها يهيم ... ولم يزل حولها يحوم
стр. 513
شنيلها مدّ منها نيل ... والشين ألف لمستنيل
وعين واد تسيل ... من فوق خد له أسيل
كم من ظلال به ترف ... تضفو لها فوقه ستور
ومن زجاج به يشف ... ما بين نور وبين نور
ون شموس بها تصف ... تديرها بيننا البدور
مزاجها العذب سلسبيل ... ياهل إلى رشفها سبيل
وكيف والشيب لي عذول ... وصبغة صفرة الأصيل
يا سرحة في الحمى ظليلة ... كم نلت في ظلك المنى
روضك الله من خميلة ... يجنى بها أطيب الجنى
وبرقها صادق المخيلة ... ما زال بالغيث محسنا
أنجز لي وعدك القبول ... فلم أقل مثل من يقول
" يا سرحة الحي يا مطول ... شرح الذي بيننا يطول "
ومن ذلك ما كتب به للغني بالله:
أبلغ لغرناطة سلامي ... وصف لها عهدي السليم
فلو رعى طيفها ذمامي ... ما بت في ليلة السليم
كم بت فيها على اقتراح ... أعل من خمرة الرضاب
أدير منها كئوي راح ... قد زانت الثغر بالحباب
стр. 514
أختال كالمهر في الجماح ... نشوان في روضة الشباب
أضحكك الزهر في الكمام ... مباهيا روضة الوسيم
وأفصح الغصن في القوام ... إن هب من جوها نسيم
بينا أنا والشباب ضافي ... وظله فوقنا مديد
ومورد الأنس فيه صافي ... وبرده رائق جديد
إذ لاح في الفود غير خافي ... صبح به نبه الوليد
أيقظ من كان ذا منام ... لمّا انجلى ليلة البهيم
وأرسل الدمع كالغمام ... في كل واد به أهيم
يا جيرة عهدهم كريم ... وفعلهم كله جميل
لا تعذلوا الصب إذ يهيم ... فقبل قد صبا جميل
القرب من ربعكم نعيم ... وبعدكم خطبه جليل
كم من رياض به وسام ... يزهى بها الرائد المسيم
غديرها أزرق الججمام ... ونبتها كله جميم
أعندكم أنني بفاس ... أكابد الشوق والحنين
أذكر أهلي بها وناسي ... فاليوم في الطول كالسنين
стр. 515
الله حسبي فكم أقاسي ... من وحشة الصحب والبنين
مطارح ساجع الحمام ... شوقا الذي الإلف والحنين
والدمع قد لج في أنسجام ... وقد وهى عقده النظيم
يا ساكني جنة العريف ... أسكنتم جنة الخلود
كم ثم من منظر شريف ... قد حف باليمن والسعود
ورب طود به منيف ... أدواحة الخصر كالبنود
والنهر قد سال كالحسام ... ولراحة الشرب مستديم
والزهر قد راق بابتسام ... مقبلا راحة النديم
بلغ عبيد المقام صحبي ... لا زلتم الدهر في هنا
لقاكم بغية المحب ... وقربكم غاية المنى
فعندكم قد تركت قلبي ... فجدد الله عهدنا
ودارك الشمل بانتظام ... من مرتجى فضله العميم
في ظل سلطاننا الإمام ... الطاهر الظاهر الحليم
مؤمن العبدوتين مما ... يخاف من سطوة العدا
وفارج الكرب إنَّ ألما ... ومذهب الخطب والردى
قد راق حسنا وفاق حلما ... وما عدا غير ما بدا
مولاي يا نخبة الأنام ... وحائز الفخر في القديم
كم أرقب البدر في التمام ... شوقا إلى وجهك الكريم
стр. 516
ومن موشحاته في غير المخلع موطئا على موشحة أبن سهل التي أولها: " ليل الهوى يقظان " قوله:
نواسم البستان ... تنثر سلك الزهر
والطل في الأغصان ... ينظمه بالجوهر
وراية الإصباح أضاء منها المشرق
تنشرها الأرواح ... فلا تزال تخفق
والزهر زهر فاح ... لها عيون ترمق
فأيقظ الندمان ... تبصر ما لم يبصر
جواهر الشهبان ... قد عرضت للمشري
قدحت لي زندا ... يأيهذا البارق
أذكرتني عهدا ... إذ الشباب رائق
فالشوق لا يهدا ... ولا الفؤاد الخافق
وكيف بالسلوان ... والقلب رهن الفكر
وسحب الهجران ... تحجب وجه القمر
لولا شموس الكآس ... نديرها بين البدور
وعرج الإناس ... منا على ربع الصدور
стр. 517
لكن لها وسواس ... يغري بربات الخدود
كم واله هيمان ... بصبح وجه مسفر
ضياؤه قد بان ... من تحت ليل مقمر
يا مطلع الأنوار ... كم فيك من مرأى جميل
ونزهة الأبصار ... ما ضر لو تشفي الغليل
يا روضة الأزهار ... وعرفها يبري العليل
قضيبك الفينان ... يسقى بدمع همر
فلا عج الأشجان ... فيض الدموع يجري
هل في الهوى ناصر ... أو هل يجار الهائم
لو كان لي زائر ... طيف الخيال الحائم
ما بت بالساهر ... ودمع عيني ساجم
والحب ذو عدوان ... يجهد في ظلم البري
وصارم الأجفان ... مؤيد بالحور
رحماك في صب ... أذكرته عهد الصبا
بواعث الحب ... قادت إليه الوصبا
لم تهف بالقلب ... ريح الصبا إلاّ صبا
بليلة الأردان ... قد ضمخت بالعنبر
يشير غصن ألبان ... منها بفضل المئزر
стр. 518
طيبها حمد ... فخر الملوك المجتبى
من يرجح الطود ... من حلمه إذا احتبى
قد جرد السعد ... منه حساما مذهبا
فالبأس والإحسان ... والغوث للمستنصر
تحمله الركبان ... تحية للمنبر
عصابة الكتاب ... حق لها الفوز العظيم
تختال في أثواب ... ألبستها الظول الجسيم
فحسبها الإنطاب ... في الحمد والشكر العميم
خليفة الرحمن ... لازالت زاهية المظهر
يا مورد الظمآن ... ورأس المعسر
خدها بلا دعوى ... تزهي على الروض الوسيم
جاءت كما تهوى ... أرق من لدن النسيم
قد طارحت شكوى ... من قال في الليل البهيم
" ليل الهوى يقظان ... والحب ترب السهر
والصبر لي خوان ... والنوم من عيني بري "
ومخلع البسيط في الصبوحيات قوله سامحه الله تعالى ورحمه ورضى عنه:
ريحانة الفجر قد أطلت ... خضراء بالزهر تزهر
стр. 519
وراية الصبح إذ أظلت ... في مرقب الشرق تنشر
فالشهب من غارة الصباح ... ترعد خسوفا وتخفيق
وأدهم الليل في جماح ... أعنة البرق يطلع
والأفق في ملتقى الرياح ... بأدمع الغيث يشرق
والسحب بالجوهر استهلت ... فالبرق سيف مجوهر
صفاحة المذهبات حلت ... في راحة الجو تشهر
كم للصبا ثم من مقيل ... بطينه الزهر يشهد
والنهر كالصارم الصقيل ... في حلية النور يغمد
ورب قال به وقيل ... للطير في حين تنشد
فألسن الورق قد أملت ... مدائحا عنه تشكر
ونسمة الصبح حين كلت ... في سندس الروض تعثر
والكأس في راحة النديم ... يجلو بها غيهب الهموم
أقبست النار في القديم ... من قبل أن تخلق الكروم
والغصن في ملعب النسيم ... للزهر في عطفه رقوم
فلبة القضب قد تحلت ... والطل في الحلى جوهر
стр. 520
وبهجة الكون قد تجلت ... والروض بالحسن يبهر
يذكرني وجنة الحبيب ... والآس في صفحة العذار
وشارب العجيب ... بين أقاحٍ وجلنار
يدير من ثغره الشنيب ... سلافة دونها العقار
حلت لأهل الهوى وجلت ... بالذكر والوهم تسكير
كم من نفوس بها تسلت ... فما لها الدهر منكر
يا غصن بان يميل زهوا ... ريان في روضة الشباب
لو كنت تصغى لرفع الشكوى ... أطلت من قصة العتاب
ومن لمثلي ببث نجوى ... للبدر في رفرف السحاب
عزائم الصبر فيك حلت ... وعقدة الصبر تذخر
قد أكثرت منك ما استقلت ... وليت لو كنت تشعر
كم ليلة بتها وبتا ... ضدين في سهد والرقاد
أسامر النجم فيك حتى ... علمت أجفانه السهاد
أراقب بدر وأنتا ... قد لحت في هالة الفؤاد
نفسي وليت ما تولت ... دعاها على الشوق تصبر
لو سمتها الهجر ما تولت ... ولم تكن عنك تنفر
علمها الصبر في الحروب ... سلطاننا عاقد البنود
معفر الصيد للجنوب ... أعز من حف بالجنود
стр. 521
نصرت بالرعب في القلوب ... والبيض لم تبرح الغمود
عناية الله فيه حلت ... بسعده الدين ينصر
والخلق في عصره تملت ... غنائماً ليس تحصر
مولاي يا نكته الزمان ... دار بما ترضى الفلك
جللت باليمن والأمان ... كل مليك وما ملك
لم بدر وصفي ولا عياني ... أمملك أنت أم ملك
جنودك الغلب حيث حلت ... بالنصر والفتح تخفر
وعادة الله فيك دلت ... أنك بالكفر تظفر
يا آية الله في الكمال ... ومخجل البدر في التمام
قدمت بالعز والجلال ... والدهر في ثغره ابتسام
يختال في حلة الجمال ... والبدء قد عاد في اختتام
ريحانة الفجر قد أطلت ... خضراء بالزهر تزهر
وراية الصبح إذ أظلت ... في مرقب الشرق تنشر
وقال رحمه الله تعالى وسامحه:
قد طلعت راية الصباح ... وآذن الليل بالرحيل
فباكر الروض باصطباح ... واشرب على زهره البليل
فالورق هبت من السنان ... لمنبر الدوح تخطب
стр. 522
تسجع مفتنة اللغات ... كل عن الشوق يعرب
والغصن بعد الذهاب يأتي ... لأكوس الطل يشرب
وأدمع السحب في أنسياح ... في كل روض لها سبيل
والجو مستبشر النواحي ... يلعب بالصارم الصقيل
قم فأغتنم بهجة النفوس ... ما بين نورٍ وبين نورٍ
وشفع الصبح بالشموس ... تديرها بيننا البدور
ونبيه الشرب للكئوس ... تمزج من ريقه الثغور
ما أجمل الراح فوق راح ... صفراء كالشمس في الأصيل
تغادر الصدر ذا انشراح ... للأنس في طيفه مقيل
ولا تذر خمرة الجفون ... فكسرها في الهوى جنون
ولتخش من اسهم العيون ... فإنها رائد المنون
عرضت منها إلى الفتون ... وكل خطب لها يهون
أهيم بالغادة الرادح ... والجسم من حبها عليل
لو بت منها على اقتراح ... نقعت من ريقها الغليل
أواعد الطيف للمنام ... ومن لعيني بالمنام
أسهر في ليله التمام ... وأنت يا بدر في التمام
وألم الزهر في الكمام ... عليه من ثغرك ابتسام
стр. 523
سفرت عن مبسم الأقاح ... وريقك العذب سلسبيل
قل لي يا ربة الوشاح ... هل لي إلى وصل من سبيل
يا كعبة الحسن زدت حسنا ... وللهوى حولك المطاف
وغصن بانٍ إذا تثنى ... لو جان من زهرك القطاف
ألا انعطاف على المعنى ... فالغصن يزهو بالانعطاف
أصبحت تزهو على الملاح ... بذلك المنظر الجميل
ووجهك الشمس في اتضاح ... لو أنها لم تكن تميل
ما الزهر إلاّ بنظم در ... تحسد في حسنه العقود
للملك الظاهر الأغادر ... أكرم من حف بالسعود
محمّد الحمد وأبن نصر ... وباسط العدل في الوجود
مساجل السحب في السماح ... بالغيث من رفده الجليل
ومخجل البدر في اللياح ... بغرة مالها مثيل
يا مشرب الحب في القلوب ... وواهب الصفح للصفاح
نصرت بالرعب في الحروب ... والرعب أجدى من السلاح
قد لحت من عالم الغيوب ... لم تعدم الفوز والنجاح
مراكش نهبة افتتاح ... والصنع في فتحها جليل
стр. 524
بشراك بالفتح والنجاح ... والشكر من ذلك القبيل
ومن غير المخلع قوله في الهناء بالشفاء من مرض:
في كئوس الثفر من خمر اللعس ... راحة الأرواح
وتغشى الروض مسكي النفس ... عاطر الأرواح
قد كسا الأدواح وشيا مذهبا ... يبهر الشمسا
عسجد قد حل من فوق الربا ... يبهج النفسا
فاتخذ للهو فيه مركبا ... تحلق الأنسا
منبر الغصن عليه قد جلس ... ساجع الأدواح
حلل السندس خضرا قد لبس ... عطفه المرتاح
قم ترى هذا الأصيل شاحبا ... حسنه قد راق
ولأذيال الغصون ساحبا ... في حلى الأوراق
ونديمي قال لي مخاطبا ... قول ذي إشفاق
عادة الشمس بغرب تخلس ... هات الشمس الراح
إنَّ أرانا الجو وجها قد عبس ... أوقد المصباح
ووجوه الشرب تغنى عن شموس ... كلما تجلى
بلحاظ أسكرنا عن كئوس ... خمرها أحلى
стр. 525
تطنب لله في الثناء ... تقول: سلمت يا سلام
كم من ثغور لها ثغور ... تبسم إذ جاءها البشير
ومن خدور بها بدور ... يشير منها له المشير
تقول إذ حفها السرور ... تبارك المنعم القدير
قد أنعم الله بالبقاء ... في ظل مولى به اعتصام
قد صادف النجح في الدواء ... فالداء عنا له انفصام
ينهيك مولاي بل يهنا ... ببرئك الدين والهدى
فالغرب والشرب منك يعني ... بمذهب الخطب والردى
والله لولاك ما تهنا ... من فيه من سطوة الردى
يا مورد الأنفس الظماء ... قد كان يشتفها الأوام
وقرة العين بالبهاء ... رددت للأعين المنام
لو أبذل الروح في البشارة ... بذلت بعض الذي ملك
فأنت يا نفس مستعارة ... مولاك بالفضل جملك
لم أرد إذ أسطر العبارة ... أملك هو أم ملك
لا زلت مولاي في هناء ... تبلغ القصد والمرام
ودمت للملك في أعتلاء ... تسحب أيذاله الغمام
وقال أيضاً يصف مالقه ويمدح الغنى بالله:
عليك يا رية الإسلام ... ولا عدا ربعك المطر
مذخل في قصرك الإمام ... فقربك السؤل والوطر
كم فيك للغرم المشوق ... من منظر يبهج النفوس
стр. 526
والدوح في روضك الأنيق ... للشكر قد حطت الرءوس
والجو من وجهك الشريق ... تحسده أوجه الشموس
وأعين الزهر لا تنام ... تستعذب السهد والسهر
تنفث من تحتها الغمام ... ترقيك من أعين الزهر
عروسة أنت يا عقيله ... تجلى على مظهر الكمال
مدت لك الكف مستقيله ... تمسح أعطافك الشمال
والبحر مرآتك الصقيله ... تشف عن ذلك الجمال
والحلي زهر له انتظام ... يكال القضب بالدرر
قد راق من ثغره ابتسام ... والورد في خدها خفر
إنَّ قيل من بعلها المفدى ... ومن له وصلها مباح
أقول أسنى الملوك رفداً ... مخلد الفخر بالصفاح
محمّد الحمد حين يهدى ... ثناؤه عاطر الرياح
تخبر عن طيبه الكمام ... والخبر يغني عن الخبر
فالسعد والرعب والحسام ... والنصر آياته الكبر
ذو غرة تحسر البدورا ... وطلعته تخجل الصباح
كم راية سامها ظهورا ... تظلل الأوجه الصباح
وكم ظلام جلاه نورا ... أظفر بالفوز والنجاح
الطاهر الظاهر الهمام ... أعز من صال وافتخر
стр. 527
لسيفه في العدا احتكام ... جرى به سابق القدر
يا مرسل الخيل في الغوار ... لو تطلب البرق تلحق
لك الجواري إذا تجاري ... سوابق الشهب تسبق
تستن في لجى البحار ... فالكفر منهن يفرق
فالدين وليقصر الكلام ... بسيفيك اعتز وانتصر
كذلك أسلافك الكرام ... هم نصروا سيد البشر
وقال من غير هذا البحر في المحدث بمالقة:
قد نظم الشمل أتم انتظام ... واغتنم الأحباب قرب الحبيب
واستضحك الروض ثغور الكمام ... عن مبسم الزهر البرود الشنيب
وعمم النور رءوس الربا ... وجلل النور صدور البطاح
وصافح القضب نسيم الصبا ... فالزهر يرنو عن عيون وقاح
وعاد للروض زمان الصبا ... فقلد النهر مكان الوشاح
وأطلع القصر بدور التمام ... في طالع الفتح القريب الغريب
خدورها قامت مقام الغمام ... لا أشتكى من بعدها بالمغيب
أصبحت يا رية مجلى الشموس ... جمالك العين به تبهر
والبشر في جميع النفوس ... وراية الأنس بها تنشر
والدوح للشكر تحط الرءوس ... وأنجم الزهر بها تزهر
стр. 528
وراجع النهر غناء الحمام ... وقد شدت تسجع الخطيب
بمنبر الغصن الرشيق القوام ... لمّا انثنى يهفو بقد رطيب
يا حبذا مبناك فخر القصور ... بدوحة طالت بروج السما
ما مثله في سالفات العصور ... ولا الذي شاد أبن ما السما
كم فيه من مرأى بهيج ونور ... في مرتقى الجو به قد سما
خليفة الله ونعم الإمام ... أتحفك الدهر بصنع عجيب
يهنيك شمل قد غدا في التئام ... ممهد في ظل عيش خصيب
نواسم الوادي بممسك تفوح ... ونفحة الند به تعبق
وبهجة السكان فيه تلوح ... وجوه من نورهم يشرق
وروضة بالسر منه تبوح ... بلابل عن وجده تنطق
لو أنَّ من يفهم عنا الكلام ... فهي تهنيك هناء الأديب
ونهره قد سل منه الحسام ... يلحظه النرجس لحظ المريب
فأجمل الأيام عصر الشباب ... وأجمل الأجمل يوم اللقا
يا درة القصر وشمس القباب ... وهازم الأحزاب في الملتقى
بشرك الرب بحسن المآب ... متعك الله بطول البقا
ولا يزال القصر قصر السلام ... يختال في برد الشباب القشيب
يتلو عليك الدهر في كل عام ... " نصر من الله وفتح قريب "
стр. 529
وقال ﵀ من المخلع في الشفاء:
في طالع اليمن والسعود ... قد كملت راحة الإمام
فأشرق نور في الوجود ... وابتسم الزهر في الكمام
قد طلعت راية النجاح ... وانهزم البأس والعنا
وقال حي على الفلاح ... مؤذن الفوز بالمنى
فالدهر يأتي بالاقتراح ... مستقبلا أوجه الهنا
تخفق منشورة البنود ... والسعد يقدم من أمام
والأنس مستجمع الوفود ... واللطف مستعذب الجمام
وأكؤس الطل مترعات ... بأنمل السوسن الندى
والطير مفتنعة اللغات ... تشدو بأصوات معبد
والغصن يذهب ثم يات ... بالسندس الغض مرتدى
والدوح يومي إلى السجود ... شكرا لذي الأنعم الجسام
والريح خافقة البنود ... تبارك الروض بالغمام
مظاهر للجمال تجلى ... قد هز أعطافها السرور
وباهر الحسن قد تجلى ... ما بين نور وبين نور
قد هنأت بالشفاء مولى ... بعصره تفخر العصور
ما بين باس وبين جود ... قد مهد الأمن للأنام
فالدين ذو أعين رقود ... وكان لا يطعم المنام
والكأس في راحة السقاة ... تروح طورا وتغتدي
стр. 530
يهديكها رائق السمات ... ما بين برق وفرقد
والشمس تذهب للبيات ... قد لبست ثوب عسجد
والزهر في اليانع المجرد ... يقابل الشرب بابتسام
والروض من حلبة الغمود ... قد جرد النهر عن الحسام
مولاي يا أشرف الملوك ... وعصمة الخلق أجمعين
أهديك من جوهر السلوك ... يقذفه بحرك المعين
جعلت تنظيمه سلوكي ... وأنت لي المنجد المعين
تحية الواحد المجيد ... ورحمة الله والسلام
عليك من راحم ودود ... يا مخجل البدر في التمام
وقال رحمه الله تعالى من الرمل المجروء:
وجه هذا اليوم باسم ... وشذا الأزهار ناسم
هاتها صاح كئوسا ... جالبات للسرور
وارتقب منها شموسا ... طالعات في بدور
ما نرى الروض عروسا ... في حلى نور ونور
وأتت رسل النواسم ... تجتلي هذي المواسم
قد أهلت بالبشائر ... أضحكت ثغر الأزاهر
سنحت في يمن طائر ... ونظمن كالجواهر
فانشروها في العشائر ... إن هذا الصنع باهر
وأشيعوا في العوالم ... الغنى بالله سالم
следующие страницы →