Полный текст (1 044 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
صحنه المكشوف من القبلة إلى الجوف ثلاث وأربعون ذراعاً، وعرضه من الشرق إلى الغرب إحدى وأربعون ذراعاً، وجميعه مفروش بالرخام الخمري؛ وفي وسطه فوارة يجري فيها الماء؛ فطول هذا المسجد أجمع من القبلة إلى الجوف سوى المحراب سبع وتسعون ذراعاً، وعرضه من الشرق إلى الغرب تسع وخمسون ذراعاً، وطول صومعته في الهواء أربعون ذراعا، وعرضها، عشر أذرع في مثلها. وأمر الناصر لدين الله باتخاذ منبر بديع لهذا المسجد؛ فصنه في نهاية من الحسن، ووضع في مكانه منه، وحظرت حوله مقصورة عجيبة الصنعة. وكان وضع هذا المنبر في مكانه من هذا المسجد عند إكماله، وذلك يوم الخميس لسبع بقين من شعبان من سنة تسع وعشرين وثلاث مائة.
وكان في صدر هذه السنة كمل الناصر بنيان القناة الغريبة الصنعة، التي أجرى فيها الماء العذب من جبل قرطبة إلى قصر الناعورة غربي قرطبة، في المناهر المهندسة، وعلى الحنايا المعقودة، ويجري ماؤها بتدبير عجيب، وصنعة غريب محكمة، إلى بركة عظيمة، عليها أسد عظيم الصورة، بديع الصنعة، شديد الروعة، لم يشاهد أوفى منه ولا أبهى منه فيما صور الملوك في غابر الدهر، مطلي بذهب إبريز، وعيناه جوهريتان، لهما وميض شديد. يجوز هذا الماء إلى عجز هذا الأسد، فيمجه في تلك البركة من فيه، فيبهر الناظر بحسنه وروعة منظره، وثجاجة صبه، فتسقى من مجاجة جنان هذا القصر على سعتها، ويستفيض على ساحاته وجنباته، ويمد النهر الأعظم بما فضل منه، فكانت هذه القناة وبركتها، والتمثال الذهب الذي يصب فيها، من أعظم آثار الملوك في
стр. 597
غابر الدهر، لبعد مسافتها، واختلاف مسالكها، وفخامة بنيانها، وشموا أبراجها، التي يترقى الماء فيها، ويتصوب من أعاليها.
وكان مدة العمل فيها، من يوم ابتدئت من الجبال إلى أنَّ وصلت أعني القناة إلى هذه البركة، أربعة عشر شهراً. وكان انطلاق الماء في هذه البركة الانطلاق الذي اتصل واستمر، يوم الخميس غرة جمادى الآخرة من السنة المذكورة، وكانت للناصر في هذا اليوم بقصر الناعورة دعوة حسنة، أفضل فيها على عامة أهل مملكته، ووصل المهندسين والقوام بصلات حسنة جزيلة. واستمر العمل في مدينة الزهراء من عام خمسة وعشرين وثلاث مائة إلى آخر دولة الناصر وابنه الحكم، وذلك نحو من أربعين سنة.
ولمّا فرغ من بناء مسجد الزهراء على ما ذكره آنفاً، كانت أول جماعة صليت فهذا صلاة المغرب من ليلة الجمعة لثمان بقين من شعبان، وكان الإمام لها فيه القاضي أبا عبد الله محمّد بن عبد الله لن أبي عيسى. ومن الغد صلى الناصر فيه الجمعة، وأوّل خطيب خطب به القاضي المذكور. ولمّا بنى الناصر قصر الزهراء. المنتهى في الجلالة والفخامة، وأطبق الناس على أنّه لم يبن مثله في الإسلام البتة، وما دخل إليه أحد قط من سائر البلاد النائية، والنحل المختلفة، من ملك وارد، ورسول وافد، وتاجر، وجهبذ، وفي هذه الطبقة من الناس تكون المعرفة والفطنة، إلاّ وكلهم قطع أنّه لم ير له شبيها، بل بم يسمع به، بل لم يتوهم كون مثله، حتى أنّه كان أعجب ما يؤمله القاطع إلى الأندلس في تلك العصور النظر إليه، وتحدث عنه؛ والأخبار عن هذا تتسع جدا، والأدلة عليه تكثر، ولو لم يكن فيه إلاّ السطح الممرد،
стр. 598
المشرف على الروضة، المباهي بمجلس الذهب والقبة وعجائب ما تضمنته من إتقان الصنعة، وفخامة الهمة، وحسن المستشرف، وبراعة الملبس والحلة، ما بين مرمر مسنون، وذهب موضون، وعمد كأنما أفرغت في القوالب، ونقوش كالرياض، وبرك عظيمة محكمة الصنعة، وحياض وتماثيل عجيبة الأشخاص، لا تهتدي الأوهام إلى سبيل استقصاء التعبير عنها؛ فسبحان الذي أقدر هذا المخلوق الضعيف على إبداعها واختراعها من أجراء الأرض المنحلة، كيما يرى الغافلين عنه من عباده، مثالاً لمّا أعده لأهل السعادة في دار المقامة، التي لا يسلط عليها الفناء، ولا تحتاج إلى الكرم، لا اله إلاّ هو المنفرد بالكرم. وذكر المؤرخ أبو مروان بن حيان صاحب الشرطة، أنَّ باني قصر الزهراء اشتملت على أربعة آلاف سارية، ما بين كبيرة وصغيرة، ومحمولة، ونيف على ثلاث مائة سارية زائدة؛ وفسر بعضهم هذا النيف بثلاث عشرة منها ما جلب من دينة رومة، ومنها ما أهداه صاحب القسطنطينية؛ وأنَّ مصاريع أبوابها، وصغارها وكبارها، كانت تنيف على خمسة عشر ألف باب، وكلها ملبسة بالحديد والنحاس المموه، والله أعلم، فإنها كانت من أهول ما بناه الإنس، وأجله خطراً، وأعظمه شأناً.
وقال بعض المؤرخين: وكان عدد الفتيان بالزهراء ثلاثة عشر ألف فتى وسبع مائة وخمسين فتى، ودخالتهم من اللحم كل يوم، حاشى أنواع الطير والحوت، ثلاثة عشر ألف رطل؛ وعدة النساء بقصر الزهراء، الصغار والكبار وخدم الخدمة، ستّة آلاف وثلاث مائة امرأة وأربع عشرة. ورأيت في بعض الدواوين
стр. 599
وهو صواب إن شاء الله أنَّ عدد الصقالبة ثلاثة آلاف وسبع مائة وخمسون، وجعل بعضهم مكان الخمسين وثمانين، وعدد النساء بقصر الزهراء مثل ما ذكرنا أوّلاً.
ثم قال بإثره: وكان هؤلاء من اللحم ثلاثة عشر ألف رطل، تقسم من عشرة أرطال للشخص إلى ما دون ذلك، سوى الدجاج والحجل وصنوف الطير وضروب الحينان. والله تعالى اعلم.
وقال أبن حيان: ألفيت بخط أبن دحون الفقيه، قال مسلمة بن عبد الله العريف المهندس: بدأ عبد الرحمن الناصر لدين الله بنيان الزهراء أوّل سنة خمس وعشرين وثلاث مائة، وكان مبلغ ما ينفق فيها كل يوم من الصخر المنحوت المنجور المعدل ستّة آلاف صخرة المنصرف في التبليط، فإنه لم يدخل في هذا العدد. وكان يخدم في الزهراء كل يوم ألف وأربع مائة بغل، منها أربع مائة زوامل الناصر لدين الله، ومن الدواب الأكرية الراتبة للخدمة ألف بغل، لكل منها ثلاثة مثاقيل في الشهر، يجب لها في الشهر ثلاثة آلاف مثقال. وكان يرد الزهراء من الجير والجص في كل ثالث من الأيام ألف ومائة حمل، وكان فيها حمامان، واحدة للقصر والثانية للعامة. وذكر بعض أهل الخدمة في الزهراء أنّه قدر النفقة فيها في كل عام بثلاث مائة ألف دينار، مدة خمسة وعشرين عاماً التي بقيت من دولة الناصر، من حين ابتدأها، لأنه توفي سنة خمسين، وحصل جميع الاتفاق فيها، فكان مبلغه خمسة عشر بيت مال.
стр. 600
قال: وجلب إليها الرخام من قرطاجة وأفريقيا وتونس، وكان الذين يجلبونه عبد الله بن يونس عريف البنائين وعلى ابنا جعفر الإسكندراني. وكان الناصر يصلهم على كل رخمة، صغيرة أو كبيرة بعشرة دنانير.
وقال بعض المؤرخين الأثبات: كان يصلهم على كل رخامة صغيرة بثلاثة دنانير، وعلى كل سارية بثمانية دنانير سجلماسية، وكان عدد السواري المجلوبة من أفريقيا ألف سارية، وثلاث عشرة سارية، ومن بلاد الإفرنج تسع عشرة سارية. وأهدى إليه ملك الروم مائة وأربعين سارية، وسائرها من مقاطع الأندلس: طركونة وغيرها؛ فالرخام المجزع من رية، والأبيض من غيرها، والوردي والأخضر من أفريقيا، من كنيسة سفاقس. وأما الحوض المنقوش المذهب الغريب الشكل، الغالي القيمة، فجلبه إليه أحمد اليوناني من القسطنطينية، مع ربيع الأسقف القادم من إيلياء؛ وأما الحوض الصغير الأخضر المنقوش يتماثيل الإنسان، فجلبه أحمد من الشام، وقيل من القسطنطينية مع ربيع الأسقف أيضاً وقالوا أنّه لا قيمة له، لفرط غرابته وجماله، وحمل من مكان إلى مكان، حنى وصل في البحر، ونصبه الناصر في بيت المنام، في المجلس المستشرف الشرقي، المعروف بالمؤنس، وجعل عليه أثنى عشر تمثالاً من الذهب الأحمر مرصعة بالدر النفيس الغالي، مما عمل بدار الصناعة بقرطبة: صورة أسد إلى جانبه صورة غزال، إلى جانبه صورة تمساح، وفيما يقابله ثعبان وعقاب، وفي جانبه صورة غزال، إلى جانبه صورة تمساح، وفيما يقابله ثعبان وعقاب، وفي
стр. 601
المجنبتين حمامة، وشاهين، وطاووس، ودجاجة، وديك، والثاني عشر لم يحضرني اسمه الآن، وكل هذا من ذهب مرصع بالجوهر النفيس، ويخرج الماء من أوفها. وكان المتولي لهذا البنيان المذكور أنّه الحكم، لم يتكل فيه الناصر على أمين غيرة، وكان يخبز في أيامه كل يوم برسم حيتان البحيرة ثمان مائة خبزة وقيل أكثر، إلى غير ذلك مما يطول تتبعه.
وكان الناصر قد قسم الجباية أثلاثاً، ثلث للجند وثلث للبناء، وثلث مدخر. وكانت جباية الأندلس يومئذ من الكور والقرى خمسة آلاف ألف، وأربع مائة ألف، وثمانين ألف دينار، ومن الستوق والمستخلص سبع مائة وألف، وخمسة وستين ألف دينار، وأما أخماس الغنائم فلا يحصيها ديوان. وقيل إنَّ مبلغ تحصيل النفقة في بنيان الزهراء مائة مدى من الدراهم القاسمية، بكيل قرطبة. وقيل إنَّ مبلغ النفقة فيها بالكيل المذكور ثمانون مديا وستّة أقفزة، من الدراهم المذكورة. واتصل بناء الزهراء أيام الناصر خمساً وعشرين سنة، شطر خلافته، ثم اتصل بعد وفاته خلافة ابنه الحكم كلها، وكانت خمسة عشر عاما وأشهراً. فسبحان الباقي بعد فناء الخلق، لا اله إلاّ هو.
стр. 602
وكانت قرطبة إذ ذاك أم المدائن، وقاعدة الأندلس، وقرارة الملك، وكان عدد شرطاتها أربعة آلاف وثلاثة مائة، وكانت عدة الدور التي في القصر الكبير أربع مائة دار ونفيا وثلاثين، وكانت عدة دور الرعايا والسواد بها، والواجب على أهل المبيت في السور، مائة ألف دار، وثلاثة عشر ألف دار، حاشى دور الوزراء وأكابر الناس والبياض، وعدد أرباضها ثمانية وعشرون، وقيل أحد وعشرون؛ ومبلغ المساجد بها ثلاثة آلاف وثمان مائة وسبعة وثلاثون مسجداً؛ وعدد حمامات المبرزة للناس سبع مائة حمام، وقيل ثلاث مائة؛ ووسط الأرباض قصبة قرطبة، التي تختص بالسور دونها. وأما اليتيمة التي كانت في القص في المجلس البديع؛ فإنها كانت من تحف قصر اليونانيين، بعث بها صاحب القسطنطينية إلى الناصر مع تحف كثيرة سنية. وكان القاضي منذر بن سعيد البلوطي ممن يكرمه الناصر ويجله، وولاه قضاء جماعته؛ وكان أوّل الأسباب في معرفته بالناصر، وزلفاه لديه، إنَّ الناصر لمّا احتفل بالجلوس لدخول رسل ملك الروم الأعظم صاحب القسطنطينية عليه بقصر قرطبة، الاحتفال الذي اشتهر ذكره في الناس، حسبما تقدم بعض الإلماع به، أحب أنَّ يفوم الخطباء والشعراء بين يديه، لتذكر جلالة مقعده، وعظيم سلطانه، وتصف ما تهيأ له من توطيد الخلافة في دولته. وتقدم إلى الأمير الحكم ابنه وولي عهده، بإعداد من يقوم بذلك من الخطباء، ويقدمه أمام نشيد
стр. 603
الشعراء، فأمر الحكم صنيعه الفقيه الكسيباني بالتأهب لذلك وإعداد خطة بين يدي الخليفة وكان يدعى من المقدرة على تأليف الكلام ما ليس في وسع غيره وحضر لمجلس السلطاني فلما قام يحاول التكلم بما رآه بهره هول المقام وأبهة الخلافة فلم يهتد إلى لفظة بل غشى عليه وسقط إلى الأرض فقيل لأبي علي البغدادي إسماعيل بن القاسم القالي صاحب الأمالي والنوادر وهو حينئذ ضيف الخليفة الوافد عليه من العراق وأمير الكلام قم فارقع هذا الوهى فقام فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله وصلى على نبيه محمّد ﷺ ثم انقطع به القول فوقف ساكتا مفكرا في كلام يدخل به إلى ذكر ما أريد منه فلما رأى ذلك منذر بن سعيد وكان ممن حضر في زمرة الفقهاء قام من ذاته بدرجة من مرقاته فوصل افتتاح أبي علي لأول خطبته بكلام عجيب وفصل مصيب يسحه سحا كأنما يحفظه قبل ذلك بمدة وبدأ من المكان الذي انتهى إليه أبو علي البغدادي فقال:
أما بعد حمد الله والثناء عليه والتعداد لآلائه والشر لنعمائه والصلاة على محمّد صفيه وخاتم أنبيائه فإن لكل حادثة مقام ولكل مقام مقال وليس بعد الحق إلاّ الضلال وإني قمت من مقام كريم بين يدي ملك
стр. 604
عظيم فأصغوا إلى معشر الملأ بأسماعكم والقنوا عني بأفئدتكم إنَّ من الحق يقال للمحق صدقت وللمبطل كذبت وإنَّ الجليل تعالى في سمائه تقدس بصفاته وأسمائه أمر كليمه موسى ﷺ وعلى نبينا وعلى جميع أنبيائه يذكر قومه بأيام الله عندهم وفيه وفي رسول الله ﷺ أسوة حسنة وأني أذكركم بأيام الله عندكم وتلافيه لكم بخلافة أمير المؤمنين التي لمت شعثكم وأمنت سربكم ورفعت قوتكم بعد أن كنتم قليلا فكثرتم ومستضعفين فقواكم ومستذلين فنصركم ولاه الله رعايتكم وأسند إليه أمانتكم أيام ضربت الفتنة سرادقها على الآفاق وأحاطت بكم شعل النفاق حتى صرتم في مثل حدقة البعير من ضيق الحال ونكد العيش والتقتير فاستبدلتم بخلافته من الشدة الرخاء وانتقلتم بيمن سياسته إلى تمهيد كنف العافية بعد استيلاء البلاء. أنشدكم بالله معاشر المللأ ألم تكن الدماء مسفوكة فحقنها والسبل مخوفة فأمنها والأموال منتهبة فأحرزها وحصنها ألم تكن البلاد خرابا فعمرها وثغور المسلمين مهتضمة فحماها ونصرها فاذكروا آلاء الله عليكم بخلافته وتلافيه جميع كلمتكم بعد افتراقا بإمامتها حتى أذهب الله عنكم غيظكم وشفى صدوركم وصرتم يدا على عدوكم بعد أن كان بأسكم بينكم فأنشدكم الله ألم تكن خلافته قفل الفتنة بعد انطلاقها من عقالها ألم يتلاف صلاح الأمور بنفسه بعد اضطراب أحوالها ولم يكل ذلك إلى القواد والأجناد حتى باشره بالقوة والمهجة
стр. 605
والأولاد واعتزل النسوان وهجر الأوطان ورفض الدعة وهي محبوبة وترك الركون إلى الراحة وهي مطلوبة بطوية صحية وعزيمة صريحة. وبصيرة نافذة ثاقبة وريح هابة غالبة ونصرة من الله واقعة واجبة وسلطان قاهر وجد ظاهر وسيف منصور تحت عدل مشهور متحملا للنصب مستقلا لمّا ناله في جانب الله من التعب حتى لانت الأحوال بعد شدتها وانكسرت شوكة الفتنة عند حدتها ولم يبق لها غارب إلاّ جبة ولا نجم لأهلها قرن إلاّ جده فأصبحتم بنعمة الله إخوانا وبلم أمير المؤمنين لشعثكم على أعدائه أعوانا حتى تواترت لديكم الفتوحات وفتح الله عليكم بخلافته أبواب الخيرات والبركات وصارت وفود الروم وافدة عليه وعليكم وآمال الأقصين والأدنين مستخدمة إليه وإليكم يأتون من كل فج عميق وبلد سحيق لأخذ حبل بينه وبينكم جملة وتفصيلا " ليقضي الله أمرا كان مفعولا " لن يخلف الله وعده ولهذا الأمر وما بعده وتلك أسباب ظاهرة بادية تدل على أمور باطنة خافية دليلها قائم وجفنها غير نائم " وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفهم في الأرض كم استخلف الذين من قبلهم " الآية. وليس في تصديق ما وعد الله اتياب ولكل نبأ مستقر ولكل أجل كتاب فاحمدوا الله أيها الناس على آلائه واسألوه المزيد من نعمائه فقد أصبحتم في خلافة أمي أيده الله بالعصمة والسداد وألهمه بخالص التوفيق إلى سبيل الرشاد أحسن الناس حالا وانعمهم بالا وأعزهم قرارا وأمنعهم دارا وأكثفهم جمعا وأجملهم صنعا لا تهاجون ولا تذادون وانتم بحمد الله على أعدائكم ظاهرون فاستعينوا على صلاح أحوالكم بالمناصة
стр. 606
لإمامكم والتزام الطاعة لخليفتكم أبن عم نبيكم ﷺ فإن من نزع يدا من الطاعة وسعى في تفريق الجماعة ومرق من الدين فقد خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين وقد علمتم أنَّ في التعلق بعصمتها والتمسك بعروتها حفظ الأموال وحقن الدماء وصلاح الخاصة والدهماء وأنَّ بقوم تقام الحدود وتوفى العهود وبها وصلت الأرحام ووضحت الأحكام وبها سد الله الخلل وأمن السبل ووطأ الأكناف ورفع الاختلاف وبها طاب لكم القرار واطمأنت بكم الدار فاعتصموا بما أمركم الله بالاعتصام به فإنه ﵎ يقول: " أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم " الآية. وقد علمتم ما أحاط بكم في جزيرتكم هذه من ضروب المشركين وصنوف الملحدين الساعين في شق عصاكم وتفريق ملئكم والآخذين في مخاذلة دينكم وهتك حريمكم وتوهين دعوة نبيكم ﷺ وهذا جميع النبيين والمرسلين. أقول قولي هذا وأختتم بالحمد لله رب العالمين وأستغفر الله الغفور الرحيم
فإنه خير الغافرين. هـ خير الغافرين.
فخرج الناس يتحدثون عن حسن مقام المنذر وثبات جنانه وبلاغة لسانه. وكان الخليفة الناصر لدين الله أشدهم تعجبا منه فأقبل على ولي عهده ابنه الحكم يسأله عنه ولم يكن يثبت معرفة عينه وقد سمع باسمه فقال له الحكم: هو منذر بن سعد البلوطي. فقال: والله أحسن ما شاء فلئن كان حبر خطبته هذه وأعدها مخافة أن يدور ما دار غفي تلافى الوهى
стр. 607
فإنه لبديع من قدرته واحتياطه ولئن كان أتى بها على البديهة لوقته إنه لأعجب وأغرب فكان سبب اتصاله به واستعماله له.
وذكر أبن أصبغ لهمداني عن منذر القاضي أنه خطب يوما وأراد التواضع فكان من فصول خطبته أن قال: حتى متى وإلى متى أعظ غيري وأتعظ وأزجر ولا أزدجر أدل الطريق على المستدلين وأبقى مقيما مع الحائرين كلا إ هذا لهو البلاء المبين " إن هي إلاّ فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء " الآية. اللهم فرغني لمّا خلقتني له ولا تشغلني بما تكفلت لي به ولا تحرمني وأنا أسألك ولا تعذبني وأنا أستغفرك يا أرحم الراحمين قال: وكان الخليفة الناصر لدين الله كلفا بعمارة الأرض وإقامة معالمها وتخليد الآثار الدالة على قوة الملك وعزة السلطان فأفضى به الإغراق في ذلك إلى أن ابتنى مدينة الزهراء البناء الذي شاع ذكره واستفرغ وسعه في تنميقها وإتقان قصورها وزخرفة مصانعها فأراد القاضي منذر أن يغض منه بما يتناوله من الموعظة بفضل الخطاب والحكمة والتذكير بالإنابة والرجوع فأدخل في خطبته فص مبتدئا بقوله تعالى: " أتبنون بكل ريع آية تعبثون. وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون. وإذا بطشتم بطشتم جبارين. فاتقوا الله وأطيعون. واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون. أمدكم بأنعم وبنين.
стр. 608
وجنات وعيون. إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم ". ولا تقولوا: " سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين ". " قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن أتقى " وهي دار القرار ومكان الجزاء.
ووصل ذلك بكلام جزل وقول فصل ومضى في ذم تشييد البنيان والاستغراق في زغرفته والإسراف في الإنفاق عليه فجرى طلقا وانتزع فيه قوله تعالى: " أفمن أسس بنيانه على التقوى من الله ورضوان خير " الآية وأتى بما يشاكل المعنى من التخويف بالموت والتحذير من فجأته والدعاء إلى الزهد في هذه الدار الفانية والحض على اعتزالها والرفض لها والندب إلى الإعراض عنها والإقصار عن طلب اللذات ونهي النفس عن اتباع هواها فأسهب في ذلك كله وأضاف إليه آي القرآن ما يطابقه وجلب من الحديث والأثر ما يشاكله أدكر من حضر من الناس وخضعوا ورقوا واعترفوا وبكوا ودعوا وأعلنوا التضرع إلى الله والتوبة والابتهال في المغفرة وأخذ خليفتهم من ذلك بأوفر حظ وقد علم أنه المقصود فبكى وندم على مثال سلف له من فرطه واستعاذ بالله من سخطه إلاّ أنه وجد على المنذر بن سعيد لغلظ تقرعه به فشكا ذلك إلى ولده الحكم بعد انصرافه وقال: والله قد تعمدني منذر بخطبته وما عنى بها غيري فأسرف علي وأفرط في تقريعي ولم يحسن السياسة في وعضي فزعزع قلبي وكاد بعصاه يقرعني واستشاط غيظا عليه فأقسم إلاّ يصلي
стр. 609
خلفه صلاة الجمعة خاصة فجعل يلتزم صلاتها وراء أحمد بن مطرف صاحب الصلاة بقرطبة ويجانب الصلاة بالزهراء وقال له الحكم: وما الذي يمنعك من عزل المنذر من الصلاة بك والاستبدال منه إذ كرهته؟ فزجره وانتهره وقال له: أمثل منذر بن سعيد في خير وفضله وعلمه لا أم لك يعزل لإرضاء نفس ناكبة عن الرشد سالكة غير القصد هذا ما لا يكون وإني لأستحي من الله ألا أجعل بيني وبينه في الصلاة الجمعة شقيعا مثل منذر في ورعه وصدقه ولكنه في أحرجني فأقسمت ولو وددت أني أجد سبيلا إلى كفارة يميني بملكي بل يصلي بالناس حياته وحياتنا إن شاء الله تعالى.
وقحط الناس آخر مدة الناصر فأمر القاضي المذكور منذر بن سعيد بالبروز إلى الاستسقاء بالناس فتأهب لذلك وصام بين يديه أياما ثلاثة تنفلا وإنابة ورهبة فاجتمع له الناس في مصلى الربض بقرطبة بارزين إلى الله تعالى في جمع عظيم وصعد الخليفة مصانعه المرتفعة من القصر ليشارف الناس ويشاركهم في الخروج إلى الله تعالى والضراعة له فأبطأ القاضي حتى اجتمع الناس وغصت بهم ساحة المصلى ثم خرج نحوهم ماشيا متضرعا مخبتا متخشعا وقام ليخط فلما رأى بدار الناس إلى ارتقابه واستكانتهم من خيفة الله وإخباتهم له وإبتهالهم إليه رقت نفسه وغلبته عيناه فاستعبر وبكى حينا ثم افتتح خطبته بأن قال: يا أيها الناس سلام عليكم ثم سكت ووقف شبيه الحصر ولم يك من
стр. 610
عادته فنظر الناس بعضهم إلى بعض لا يدرون ما عراه ولا ما أراد بقوله ثم اندفع تاليا لقوله تعالى " كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سواءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم " استغفروا ربكم أنّه كان غفارا واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه وتزلفوا بالأعمال الصالحات لديه.
قال الحاكي: فضج الناس بالبكاء وجأروا بالدعاء ومضى على تمام خطبته فقرع النفوس بوعظه وانبعث الإخلاص بتذكريه فلم ينقص النهار حتى أرسل الله السماء بماء منهمر روى الثرى وطرد المحل وسكن الأزل والله بعباده.
وكان له في خطبة الاستسقاء استفتاح عجيب ومن أن قال وقد سرح طرفه في ملأ الناس عندما شخصوا إليَّ بأبصارهم فهتف بهم كالمنادي: يا أيها الناس وكررها عليهم مشيرا بيده في نواحيهم: " أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد. إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد. وما ذلك على الله بعزيز ". فاشتد وجه الناس وانطلقت أعينهم بالبكاء ومضى في خطبته.
قال القاضي أبو الحسن: ومن أخبار منذر المحفوظة له مع الخليفة الناصر في إنكاره عليه الإسراف في البناء أن الناصر اتخذ لسطح القبيبة المصغرة الاسم للخصوصية التي كانت مائلة على الصرح الممرد المشهور شأنه بقصر الزهراء قراميد مغشاة ذهبا وفضة أنفق عليها مثال لا جسيما وقرمد
стр. 611
سقفها به وجعل سقفها حمراء فاقعة إلى بيضاء ناصعة فتستلب الأبصار بأشعة أنوارها وجلس في إثر تمامها يوما لأهل مملكته فقال لقرابته ومن حضر من الوزراء وأهل الخدمة مفتخرا عليهم بما صنعه من ذلك: هل رأيتم أو سمعتم ملكا كان قبلي فعل مثل هذا أو قدر عليه؟ فقالوا: لا والله يا أمير المؤمنين وإنك لأوحد في شأنك كله وما سيبقك إلى مبتدعاتك هذه ملك رأيناه ولا انتهى إلينا خبره فأبهجه قولهم وسره. فبينما هو كذلك إذ دخل عليه القاضي منذر بن سعيد واجما ناكس الرأس فلما أخذ مجلسه قال له كالذي قال لوزرائه من ذكر السقف المذهب واقتداره على ابتداعه فأقبلت دموع القاضي تتحدر على لحيته وقال له: والله يا أمير المؤمنين ما ظننت أنَّ الشيطان لعنه الله يبلغ منك هذا المبلغ ولا أن تمكنه من قيادك هذا التمكين مع ما آتاك الله من فضله ونعمته وفضلك به على العالمين حتى ينزلك منازل الكافرين. قال: فانفعل عبد الرحمن لقوله وقال له: انظر ماذا تقول وكيف أنزلتني منزلتهم. فقال له: نعم أليس الله تعالى يقول: " ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون ". فوجم الخليفة وأطرق مليا ودموعه تتساقط خشوعا لله سبحانه. ثم أقبل منذر وقال له: جزاك الله يا قاضي عنا وعن نفسك خيرا وعن الدين والمسلمين أجمل الجزاء وكثر في الناس أمثالك فالذي قلت هو الحق. وقام عن مجلسه ذلك وهو يستغفر الله
стр. 612
تعالى وأمر بنقض سقف القبيبة وأعاد قرمدها ترابا على الصفة غيرها. انتهى.
وحكى غير واحد أنّه وجد بخط الناصر ﵀: أيام السرور التي صفت له دون تكدير يوم كذا من شهر كذا من سنة كذا ويوم كذا من كذا. وعدت تلك الأيام فكانت أربعة عشر يوما.
فأعجب أيها العاقل لهذه الدنيا وعدم صفائها وبخلها بمال الأحوال لأوليائها. هذا الخليفة الناصر حلف السعود المضروب به المثل في الارتقاء في الدنيا والصعود ملكها خمسين سنة وستّة أو سبعة أشهر وثلاثة أيام ولم تصف له إلاّ أربعة عشر يوما فسبحان ذي العزة القائمة والمملكة الدائمة تبارك اسمه تعالى لا اله إلاّ هو.
وحكى أنّه اعني الناصر لمّا أعذر لأولاد ابنه أبي مروان الأكبر عبيد الله أتخذ لذلك صنيعا عظيما بقصر الزهراء لم يتخلف عنه أحد من أهل مملكته وأمر أن ينذر لشهوده الفقهاء المشاورون ومن يليهم من العلماء والعدول ووجوه الناس فتخلف من بينهم الفقيه المشاور أبو إبراهيم المذكور الذكر في كتب النوادر والأحكام وافتقد مكانه لارتفاع منزلته فساء ذلك الخليفة الناصر ووجد على أبي إبراهيم وأمر ابنه ولي العهد الحكم بالكتاب إليه والتفنيد له فكتب إليه الحكم رقعة نسختها:
стр. 613
بسم الله الرحمن الرحيم حفظك الله وتولاك وسددك ورعاك لمّا امتحن أمير المؤمنين مولاي وسيدي أبقاه الله الأولياء الذين يستعد بهم وجدك متقدما في الولاية متأخرا عن الصلة على أن قد أنذرك أبقاه الله خصوصا للمشاركة في السرور الذي كان عنده لا أعدمه الله توالي المسرة ثم انذرك من قبل إبلاغا في التكرمة فكان على ذلك كله من التخلف ما ضاقت عليه فيه المعذرة واستبلغ أمير المؤمنين في إنكاره ومعاتبته عليه فأعيت عليك عنك الحجة. فعرفني أكرمك الله ما العذر الذي أوجب توقفك عن إجابة دعوته ومشاهدة السرور الذي سر به ورغب المشاركة فيه لنعرفه أبقاه الله بذلك فتسكن نفسه العزيزة إليه إن شاء الله تعالى ".
فأجابه أبوه إبراهيم: " سلام على الأمير ورحمة الله وبركاته.
رأت أبقى الله سيدي هذا الكتاب وفهمته ولم يكن توقفي لنفسي إنّما كان لأمير المؤمنين سيدنا أبقاه الله ولسلطانه لعلمي بمذهنه ولسكوني إلى تقواه واقتفاره لأثر سلفه الطيب رضوان الله عليهم فإنهم كانوا يستبقون من هذه الطبقة بقية لا يمتهنوها ولا بما يغض منها ويطرق إلى تنقصها فيستعدون بها لدينهم ويتزينون بها عند رعاياهم ومن يفد عليهم من قصادهم فلهذا تخلفت ولعمي بمذهبه توقفت إن شاء الله تعالى.
قال فلما اقرأ أباه الناصر لين الله جواب أبي إبراهيم إسحاق
стр. 614
أعجبه واستحسن اعتذاره وزال ما بنفسه عليه. وكان الفقيه أبو إبراهيم المذكور معظما عند الناصر وابنه الحكم وحق لهما أن يعظماه.
وقد حكى الفقيه أبو القاسم مفرج بن محمّد بن مفرج قال: كنت أختلف إلى الفقيه أبي إبراهيم ﵀ فيمن يختلف إليه للتفقه والرواية فإني لعنده في بعض الأيام في مجلسه بالمسجد المنسوب لأبي عثمان الذي كان يصلي فيه قرب داره بجوفي قصر فرطبة ومجلسه حافل بجماعة الطلبة وذلك بين الصلاتين إذ دخل عليه خصي من أصحاب الرسائل جاء من عند الخليفة الحكم فوقف وسلم وقال له: يا فقيه أجب أمير المؤمنين أبقاه الله فإن الأمر خرج فيك وها هو قاعد ينتظرك وقد أمرت بإعجالك فالله الله. فقال له: سمعا وطاعة لأمير المؤمنين ولا عجلة فارجع إليه وفقه الله وعرفه عني أنك وجدتني في بيت من بيوت الله مع طلاب العلم أسمعهم حديث أبن عمه رسول الله ﷺ فهم يقيدونه عني وليس يمكنني ترك ما أنا فيه حتى يتم المجلس المعهود لهم في رضاء الله وطاعته فذلك أوكد من مسيري إليه الساعة فإذا انقضى أمر من اجتماع إليَّ من هؤلاء المحتسبين في ذات الله الساعين في مرضاته مشيت إليه إن شاء الله تعالى.
ثم أنّه أقبل على شأنه ومضى الخصى يهينم متضاجرا من توقفه فلم يك إلاّ ريثما أدى جوابه وانصرف سريعا ساكن الطيش. فقال له: يا فقيه أنهيت قولك على نصه إلى أمير المؤمنين أبقاه الله فأصغى إليه وهو يقول لك جزاك الله خيرا عن الدين وعن أمير المؤمنين وجماعة المسلمين
стр. 615
وامتعهم بك وإذا أنت أعبت فامض إليه راشدا إن شاء الله تعالى فقد أمرب أن أبقى معك حتى ينقضي شغلك وأذكرك تمضي معي. فقال له: حسن جميل ولكني أضعف عن المشي إلى باب السدة ويصعب علي ركوب دابة لشيخوختي وضعف أعضائي وباب الصناعة الذي يقرب إلي من أبواب القصر المكرم أحوط لي وأرفق بي فإن رأى أمير المؤمنين أيده الله تعالى أن يأمر بفتحه لأدخل إليه منه هون علي المشي وودع جسمي وأحب أن تعود فتنهي إليه ذلك عني حتى تعرف رأيه فيه وكذلك تعود إليَّ فإني أراك فتى شديد فكن على الخير معينا.
ومضى عنه الفتى ثم رجع بعد حين وقال: يا فقيه قد أجابك أمير المؤمنين إلى ما سألت وأمر بفتح باب الصناعة وانتظارك من قبله ومنه خرجت إليك وامرت بملازمتك مذكرا بالنهوض عند فراغك وقال: افعل راشدا وجلس جانبا حتى أكمل أبو إبراهيم مجلسه بأكمل وأفسح ما جرت به عادته غير منزعج ولا قلق فلما انفضضنا عنه قام إلى داره فأصلح من شأنه ثم مشى إلى الخليفة الحكم فوصل إليه من ذلك الباب وقضى حاجته من لقائه ثم صرفه على ذاك الباب فأعيد إغلاقه على إثر خروجه.
قال المفرج: ولقد تعمدنا في تلك العشية إثر قيامنا عن الشيخ أبي إبراهيم المرور بهذا الباب المعهود إغلاقه بدير القصر لنرى الذي تجشم الحليفة له فوجدناه كما وصف الخصي مفتوحا قد حفه الخدم والأعوان منزعجين ما بين
стр. 616
كناس وفراس متهيئين لانتظار أبي إبراهيم فاشتد عجبنا لذلك وطال تحدثنا عنه. انتهى.
هكذا هكذا تكون المعالي ... طرق الجد غير طرق المزاح
وكان الخليفة الحكم المستنصر المذكور قام بأعباء الملك أحسن قيام لمّا توفي والده الناصر في يوم الأربعاء لثالث وقيل لاثنين مضين من شهر رمضان من سنة خمسين وثلاث مائة واستقرت الخلافة به حتى لم يعدم من الناصر إلاّ شخصه واعتلى سرير الملك ثامن وفاة أبيه يوم الخميس وأنفذ الكتب إلى الأفاق بتمام الأمر له ودعا الناس إلى بيعته واستقبل من يومه النظر في تمهيد سلطانه وتثقيف مملكته وضبط قصوره وترتيب أجناده.
وأول ما أخذ البيعة على صقالبة قصره الفتيان المعروفين بالخلفاء الأكابر كجعفر صاحب الخيل والطرز وغير من عظمائهم وتكفلوا بأخذها على من وراءهم وتحت أيديهم من طبقتهم وغيرهم وأوصل إلى نفسه في الليل دون هؤلاء الأكابر من الكتاب والوصفاء والمقدمين والعرفاء فبايعوه فلما كملت بيعتهم وبيعة أهل القصر تقدم إلى عظيم دولته جعفر بن عثمان بالنهوض في أخيه شقيقه أبي مروان عبيد الله المتخلف لعلته بأن يلزمه الحضور للبيعة دون معذرة وتقدم إلى موسى بن أحمد بن حدير بالنهوض أيضاً في أبي الأصبغ عبد العزيز شقيقه الثاني فمضيا اليهما كل واحد منهما في قطيع من الجند وأتيا بهما إلى قصر مدينة الزهراء ونفذ غيرهما من وجوه المال في الخيل للإتيان بغيرهما من الإخوة وكانوا يومئذ ثمانية فوافى جميعهم الزهراء في الليل فنزلوا في مراتبهم
стр. 617
بفصلان دار الملك وقعدوا في المجلسين الشرقي والغربي وقعد المستنصر بالله على سرير الملك في البهو الأوسط من الأبهاء المذهبة القبلية التي في السطح الممرد فأول من وصل إليه الإخوة فبايعوه وأنصتوا لصحيفة البيعة والتزموا الأيمان المنصوصة بكل ما أنعقد فيها ثم بايع بعدهم الوزراء وأولادهم وإخوتهم ثم أصحاب الشرطة وطبقات أهل الخدمة وقعد الإخوة والوزراء والوجوه عن يمينه وشماله إلاّ عيسى بن فطيس فانه كان يأخذ البيعة على الناس وقام الترتيب على الرسم في مجالس الاحتفال المعروفة فاصطاف في المجلس الذي قعد فيه أكابر الفتيان يمينا وشمالا إلى آخر البهو كل منهم على قدره في المنزلة عليهم الظاهر البيض شعار الحزن قد تقلدوا فوقها السيوف ثم تلاهم الفتيان الوصفاء غليهم الدروع السابغة والسيوف الحالية صفين منتظمين في السطح وفي الفصلان المتصلة به ذوو الأسنان من الفتيان الصقالبة الخصيان لابس البياض بأيديهم السيوف يتصل بهم من دونهم من طبقات الخصيان الصقالبة ثم تلاهم الرماة متنكبين قسيهم وجعابهم ثم وصلت صفوف هؤلاء الخصيان الصقالبة صفوف العبيد الفحول شاكين في الأسلحة الرائقة والعدة الكاملة وقامت التعبية في دار الجند والترتيب من رجالة العبيد عليهم الجواشن والأقبية البيض وعلى رءوسهم البيضات الصقلية وبأيديهم التراس الملونة والأسلحة المزينة انتظموا صفين إلى آخر الفصيل. وعلى باب السدة الأعظم البوابون وأعوانهم ومن خارج باب السدة فرسان العبيد إلى باب الأقباء واتصل بهم فرسان الحشم وطبقات الجند والعبيد والرماة مواكبا
стр. 618
إثر مواكب إلى باب المدينة الشارع إلى الصحراء فلما تمت البيعة إذن للناس بالنفضاض إلاّ الإخوة والوزراء وأهل الخدمة فإنهم مكثوا بقصر الزهراء إلى أن احتمل جسد الناصر ﵀ إلى قصر قرطبة للدفن هنالك في تربة الخلفاء.
وفي ذي الحجة من سنة خمسين المذكورة تكاثرت بباب الخليفة الحكم من البلاد للبيعة والتماس المطالب من أهل طليطلة وغيرها من قواعد الأندلس وأصقاعها فتوصلوا إلى مجلس الخليفة بمحضر جميع الوزراء والقاضي منذر أبن سعيد والملأ وأخذت عليه البيعة ووقعت الشهادات في نسخها.
وفي آخر صفر من سنة إحدى وخمسين أخرج الخليفة الحكم المستنصر مولييه محمدا وزيادا أبني أفلح الناصري في كتيبة من الحشم والخدم لتلقي غالب الناصري صاحب مدينة سالم المورود للطاغية أردون بن أدفنوش الخبيث في الدولة المتملك على طوائف من امم الجلالقة والمنازع لابن عمه المملك قبله شانجه بن ردمير وتبرع هذا اللعين اردوت بالمسير إلى باب المستنصر بالله من ذاته غير طالب أذن ولا مستظهر بعهد وذلك عندما بلغه ن اعتزام المستنصر بالله في عامه ذلك على الغزو إليه وأخذه في التأهب له فاحتال في تأميل المستنصر بالله والارتماء إليه وخرج قبل أمان يعقد له اوو ذمة تعصمه في عشرين رجلاً من وجوه أصحابه تكنفهم غالب الناصري الذي خرج إليه فجاء بهم نحو مولاه الحكم وتلقاهم ابنا أفلح بالجيش المذكور فأنزلاهم ثم تحركا بهم ثاني يوم نزولهم إلى قرطبة فأخرج المستنصر بالله إليهم هشام بن محمّد بن عثمان المصحفي في جيش عظيم كامل التعبية وقدموا إلى باب قرطبة
стр. 619
فمروا باب قصرها فلما انتهى أردون إلى ما بين السدة وباب الجنان سأل عن مكان رمس الناصر لدين الله فأشير إلى ما يوازي موضعه من داخل القصر في الروضة فخلع قلنسوته وخضع نحو مكان القبر ودعا ثم رد قلنسوته إلى رأسه.
وأمر المستنصر بإنزال اردون في دار الناعورة وقد كان تقدم في فراشها بأنواع الغطاء والوطاء وانتهى من ذلك إلى الغاية وتوسع له في الكرامة ولأصحابه فأقام بها الخميس والجمعة فلما كان يوم السبت تقدم المستنصر بالله باستدعاء أردون ومن معه بع إقامة الترتيب وتبعية الجيوش والاحتفال في ذلك من العدد والأسلحة والزينة وقعد المسنتصر بالله على سرير الملك في المجلس الشرقي من مجالس السطح وقعد الإخوة ونوهم والوزراء ونظراؤهم صفا في المجلس فيهم القاضي منذر بن سعيد والحكماء والفقهاء فأتى محمّد بن القاسم بن طملس بالملك أردون وأصحابه وعالي لبوسه ثوب ديباجي رومي أبيض وبليوال من جنسه وفي لونه وعلى رأسه قلنسوة رومية منظومة بجوهر وقد حفته جماعة من نصارى وجوه الذمة بالأندلس يؤنسونه ويبصرونه فيهم وليد بن حيزران قاضي النصارى بقرطبة وعبيد الله بن قاسم مطران طليطلة وغيرهما فدخل بين صفي الترتيب يقلب الطرف في نظم الصفوف ويجيل النظر في كثرتها وتظاهر أسلحتها ورائق حليتها وفراعهم ما أبصروه
стр. 620
وطبوا على وجوههم وتأملوا ناكسي رءوسهم غاضين من جفونهم قد سكرت أبصارهم حتى وصلوا إلى باب الأقباء أول قصر الزهراء فترجل جميع من كان خرج إلى لقائه وتقدم الملك أردون وخاصة قوامسه على دوابها حتى انتهوا إلى باب السدة فأمر القوامس بالترجل هنالك والمشي على الأقدام فترجلوا ودخل الملك أردون وحده راكبا مع محمّد بن طملس فأنزل في برطل البهو الأوسط من الأبهاء الفبلية التي بدار الجند على كرسي مرتفع مكسو الأوصال بالفضة وفي هذا المكان بعينه نزل فبله عدوه ومناوئه شانجا بن ردمير الوافد على الناصر لدين الله رحمه الله تعالى فقعد أردون على الكرسي وقعد أصحابه بين يديه وخرج الإذن لأردون الملك من المستنصر بالله بالدخول عليه فتقدم يمشي وأصحابه يتبعونه إلى أن وصل إلى السطح فلما قابل المجلس الشرقي الذي فيه المستنصر بالله وقف وكشف رأسه وخلع برنسه وبقي حاسرا إعظاما لمّا بان له من الدنو إلى السرير واستنهض فمضى بين الصفين المرتبين في ساحة السطح إلى أن قطع السطح وانتهى إلى باب البهو فلما قابل السرير خر ساجدا سويعة ثم استوى قائما ثم نهض خطوات وعاد إلى السجود ووالى ذلك مرارا إلى أن قدم بين يدي الخليفة وأهوي إلى يديه فناوله إياها وكرر راجعا مقهقرا على عقبه إلى وساد الديباج مثقل بالذهب جعل له هنالك ووضع على قدر عشرة أذرع من السرير فجلس عليه والبهر قد علاه وأنهض خلفه من استدنى من قوامسه وأتباعه فدنوا ممتثلين
стр. 621
فعله في تكرير الخنوع وناولهم الخليفة يده فقبلوها وانصرفوا مقهقرين فوقفوا على رأس ملكهم ووصل بوصولهم وليد بن حيزران قاضي النصارى بقرطبة فكان الترجمان عن الملك أردون ذلك اليوم وأطرق الخليفة الحكم عن تكليم الملك أردون إثر قعوده أماما وقتا ريما يفرخ روعه فلما رأى أنَّ قد خفض عليه افتتح تكليمه فقال: ليسرك إقبالك ويغبطك تأميلك فلدينا لك من حسن رأينا ورحب قبولنا فوق ما قد طلبته.
فلما ترجم له كلامه إياه تطلق وجه أردون وانحط عن رتبته فقبل البساط وقال: أنا عبد أمير المؤمنين مولاي المتورك على فضله القاصد إلى مجده المحكم في نفسه ورجاله فحيث وضعني من فضله وعوضني من خدمته رجوت أن أتقدم فيه بنية صادقة ونصيحة خالصة.
فقال له الخليفة: أنت عندنا بمحل من يستحق حسن رأينا وسينالك من تقديمنا لك وتفضيلنا إياك عن أهل ملتك ما يغبطك وتتعرف به فضل جنوحك ألينا واستظلالك بظل سلطاننا.
فعاد اردون إلى السجود عند فهمه مقالة الخليفة وابتهال داعيه وقال: إنَّ شانجة أبن عمي تقدم إلى الخليفة الماضي مستجيرا به مني فكان من إعزازه إياه ما يكون من مثله من أعاظم الملوك وأكارم الخلفاء لمن قصدهم وأملهم وكان قصده قصد مضطر قد شتأته رعيته وأنكرت سيرته واختارني لمكانه من غير سعي مني علم الله ذلك ولا دعاء إليه فخلعته وأخرجته عن ملكه مضطرا مضطهدا فتطول عليه رحمة الله بأن صرفه إلى ملكه
стр. 622
وقوى سلطانه واعز نصره. ومع ذلك فلم يقم بفرض النعمة التي أسديت إليه وقصر في أداء المفروض عليه وحقه وحق أمير المؤمنين مولاي من بعده وأنا قد قصدت باب أمير المؤمنين لغير ضرورة من قرارة سلطاني وموضع احتكامي محكما له في نفسي ورجالي ومعاقلي ومن تحويه من رعيتي فشتان ما بيننا من قوة الثقة ومطرح الهمة.
فقال الخليفة: قد سمعنا قولك وفهمنا مغزاك وسوف يظهر من إقراضنا إياك على الخصوصية فوق شأنه ويترادف من إحساننا إليك به أضعاف ما كان من أبينا ﵁ إلى ندك وإن كان له فضل التقدم بالجنوح إلينا والقصد إلى سلطاننا فليس ذلك مما يؤخرك عنه ولا ينقصك مما أنلناه وسنصرفك مغبوطا إلى بلدك ونشد أواخي ملكك ونملكك جميع من انحاش إليك من أمتك ونعقد لك بذلك كتابا يكون بيدك نقرر به حدّ ما بينك وبين أبن عمك ونقبضه من كل ما يصرفه من البلاد إلى يدك وسيرادفك عليك من إفضالنا فوق ما احتسبته. والله على ما نقول وكيل.
فكرر أردون الخضوع وأسهب في الشكر وقام للانصراف مقهقرا لا يولي الخليفة ظهره وقد تكنفه الحفدة من جلة الفتيان فأخرجوه إلى المجلس الغربي في السطح وقد علاه البهر وأدهله الروع من هول ما باشره وجلالة ما عاينه من فخامة الخليفة وبهاء العوة. فلما أن دخل المجلس ووقعت عينه على مقعد أمير المؤمنين خاليا منه انحط ساجدا إعظاما له ثم تقدم الفتيان به إلى البهو الذي بجوف هذا المجلس فأجلسوه هناك على وساد مثقل بالذهب وأقبل نحوه الحاجب جعفر فلما بصر به قام إليه وخضع له
стр. 623
وأومأ إلى تقبيل يده، فقبضها الحاجب عنه، وانحنى إليه فعانقه وجلس معه، فغبطه ووعده من إنجاز عدات الخليفة له بما ضاعف سروره؛ ثم أمر الحاجب جعفر فصبت عليه الخلع التي أمر بها الخليفة وكانت دراعة منسوجة بالذهب وبرنسا مثلها، له لوزة مفرعة من خالص التبر مرصعة بالجواهر والياقوت ملأت عين العلج تجلة فخر ساجداً وأعلن بالدعاء؛ ثم دعا الحاجب أصحابه رجلاً فخلع عليهم على قدر استحقاقهم؛ فكمل جميع ذلك بحسب ما يصلح لهم. وخر جميعهم خاضعين شاكرين، ثم انطلق الملك " اردون " وأصحابه وقدم لركابه في أول البهو الأوسط فرس من عتاق خيل الركاب، عليه سرج حلي، ولجام حلي مفرع، وانصرف مع أبن طملس إلى قصر الرصافة، وكان تضييفهن وقد أعد له كل ما يصلح لمثله من الآلة والفرش والماعون، واستقر الملك أردون وأصحابه فيما لا كفاء له من سعة التضييف، وإرغاد المعاش، واستشعر الناس من مسرة هذا اليوم وعزة الإسلام فيه، ما أفضوا في التبجح به، والتحدث عنه أياماً.
وكانت للخلفاء والشعراء بمجلس الخليفة في هذا اليوم مقامات حسان وإنشادات لأشعار محكمة متان يطول القول في اختيارها.
فمن ذلك قول عبد الملك بن سعيد المردي من قصيدة طويلة:
ملك الخليفة آية الإقبال ... وسعوده موصولة بنوال
فالمسلمون بعزة وبرفعة ... والمشركون بذلة وسفال
القت بأيديها الأعاجم نحوه ... متوقعين لصولة الرئبال
هذا أميرهم أتاه آخذا ... منه أواصر ذمة وحبال
стр. 624
متواضعاً لجلاله متخشعاً ... متبرعاً لمّا يرع بقتال
سينال بالتأميل للملك الرضا ... عزاً يعم عداه بالإذلال
لا يوم أعظم للولاة مسرة ... وأشده غيظا على الأقبال
من يوم أردون الذي إقباله ... أمل المدى ونهاية الإقبال
ملك الأعاجم كلها أبن ملوكها ... والٍ نكاه الأعاجم وال
إن كان جاء ضرورة فلقد أتى ... عن عز مملكة وطوع رجال
فالحمد لله المنيل إمامناً ... حظ الملوك بقدرة المتعالي
هو يوم حشر الناس إلاّ أنهم ... لم يشألوا فيه عن الأعمال
أضحى الفضاء مفعما بجيوشه ... والأفق أقتم أغبر السربال
لا يهتدي الساري لليل قتامه ... إلاّ بضوء صوارم وعوالي
وكأن الأجسام الكماة تسربلت ... مذ غبرت منه جسوم صلال
وكأنما العقبان الفلا ... منقصة لتخطف الضلال
وكأن منتصب القنا مهتزه ... أشطان نازحةٍ بعيدة جال
وكأنما خيل التجافيف اكتست ... ناراً توهجها بلا إشعال
وتتبع مثل هذه الأخبار لا آخر له؛ والله المستعان.
وكان القاضي منذر بن سعيد السابق ذكره، سمع بالأندلس من عبيد الله أبن يحيى بن يحيى ونظرائه، ثم رحل حاجاً سنة ثمان وثلاث مائة، فسمع من عدة أعلام، منهم محمّد بن المنذر النيسابوري، سمع عليه كتابه المؤلف في
стр. 625
اختلاف العلماء، المسمى بالإشراف، وروى بمصر كتاب العين للخليل عن أبي العباس بن ولاد وروى عن أبي حعفر بن النحاس؛ وكان متفنناً في ضروب العلوم وغلب عليه التفقه بمذهب أبي سليمان داود بن علي الأصبهاني، المعروف بالقياسي وبالظاهري؛ فكان منذر بن سعيد يؤثر مذهبه ويجمع كتبه ويحتج لمقالته ويأخذ به في نفسه وذويه؛ فإذا جلس ببحكومة قضى بمذهب الإمام مالك وأصحابه، بالذي استقر عليه العمل في بلدهم، وحمل عليه السلطان أهل مملكته.
وله تواليف مفيدة؛ منها كتاب أحكام القرآن؛ والناسخ والمنسوخ، وغير ذلك في الفقه والكلام والرد على أهل المذاهب؛ وكان خطيباً بليغاً عالماً بالجدل، حاذقاً فيه، شديد العارضة حاضر الجواب عتيده ثابت الحجة ذا شارة عجيبة ومنظر جميل وخلق حميد وتواضع لأهل الطلب وانحطاط لهم وإقبال عليهم؛ وكان مع وقاره التام فيه دعابة مستملحة وله نوادر مستحسنة لولا السآمة لجلبنا طرفاً. وكانت ولايته القضاء بقرطبة للناصر في شهر ربيع الآخر سنة تسع وثلاثين وثلاث مائة، ولبث قاضياً من ذلك التاريخ للخليفة الناصر إلى وفاته، ثم للخليفة الحكم المستنصر، إلى أن توفى ﵀، عقب ذي الحجة سنة خمس وخمسين وثلاث مائة، ﵀ ورضى عنه. ودفن بمقبرة قريش بالربض الغربي من قرطبة، أعادها الله، جوفي مسجد السيدة الكبرى بقرب داره.
стр. 626
قال القاضي أبو الحسن: كان شيخنا القاضي أبو عبد الله بن عياش الخزرجي يستحسن من كلام القاضي منذر قوله في التزكية: اعلم إنَّ العدالة من أشد الأشياء تفاوتاً وتبايناً ومتى حصلت ذلك عرفت حالة الشهود لأن بين عدالة أصحاب النبي ﷺ وعدالة التابعيين ﵃ فوتاً عظيماً وتبايناً شديداً وبين عدالة أهل زماننا وعدالة أولئك مثل ما بين السماء والأرض؛ وعدالة أهل زماننا على ما هي عليه بعيدة التباين أيضاً. والأصل في هذا عندي، والله الموفق، أنَّ من كان الخير أغلب عليه من الشر، وكان متنزها عن الكبائر فواجب أن تعمل شهادته، فإنَّ الله تعالى قد أخبرنا بنص الكتاب أنَّ من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية، وقال في موضع آخر:) فأولئك هم المفلحون (؛ فمن ثقلت موازين حسناته بشيء لم يدخل النار؛ ومن استوت حسناته وسيئاته لم يدخل الجنة في زمرة الداخلين أولاً، وهم أصحاب الأعراف، فذلك عقوبة لهم، إذ تخلفوا عن أن تزيد حسناتهم على سيئاتهم؛ فهذا حكم الله في عباده. ونحن إنما كلفنا الحكم بالظاهر، فمن ظهر لنا أنَّ خيره أغلب عليه من شره حكمنا له بحكم الله في عباده، ولم نطلب له علم الباطن ولا كلفه محمّد ﷺ فقد ثبت عنه أنه قال " إنّما أنا بشر، وإنكم تختصمون إليّ، فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأحكم له على نحو مما أسمع ". فأحكام الدنيا على ما ظهر، وأحكام الآخرة على ما بطن؛ لأن الله تعالى يعلم الظاهر والباطن، ونحن لا نعلم إلاّ الظاهر؛ وأهل كل قوم قد تراضى عليهم عامتهم فبهم تنعقد منكحهم وبيعهم وقد قدموهم في المساجد ولجمعهم وأعيادهم، فالواجب على من استقصى على
стр. 627
موضع أن يعمل شهادة أمثالهم وفقهائهم، وأصحاب صلواتهم، وإلاّ ضاعت حقوق ضعيفهم وقويهم، وبطلت أحكامه. ويجب عليه أنَّ يسأل إنَّ استراب في بعضهم في بعضهم في الظاهر والباطن عنهم، فمن لم يلبث عنده عليه اشتهار في كبيرة، فهو على عدالة ظاهرة، حتى يثبت غير ذلك. انتهى. قلت: تذكرت هنا ما رأيته بخط الأمام الحافظ سيدي أحمد الونشريشي ﵀ على ظهر كتاب أبن الخطيب: " مثلى الطريقة في ذم الوثيقة "، وقد مدينة فيه أبن الخطيب الباع في ذم الموثقين، وذكر مثالبهم، ونص ما ألفيته بخط المذكور:
الحمد لله. جامع هذا الكلام المقيد هنا بأول ورقة منه، قد كد نفسه في شيء لا يعني الأفاضل، ولا يعود عليه في القيامة ولا في الدنيا بطائل، وأفنى طائفة من نفيس عمره في التماس مساوي طائفة، بهم تستباح الفروج، وتملك مشيدات الدور والبروج، وجعلهم أضحوكة لذوي الفتك والمجانة، وانتزع عنهم جلباب الصدق والديانة، سامحه الله وغفر له. قال ذلك وخطه بيمنى يديه عبيد ربه أحمد بن يحيى بن محمّد بن على الونشريشي، خار الله سبحان له، انتهى. ولنرجع إلى ما كنا فيه من أخبار سبتة فنقول: ولنرجع إلى ما كنا فيه من أخبار سبتة، فنقول: كان أهل سبتة في غاية الذكاء والفطنة، والعلم والمعرفة؛ وقد حكي الشيخ النظار أبو إسحاق الشاطبي في شرحه على ألفية أبن مالك، عن شيخه أبي عبد الله الفخار، عن بعض أهل سبتة، أنَّ الشيخ أبا عبد الله بن خميس التلمساني لمّا ورد على سبته بقصد الإقراء بها، اجتمع عليه عيون طلبتها؛ فألقوا عليه
стр. 628
مسائل من غوامض باب الاشتغال، فحاد عن الجواب، بأن قال لهم: انتم عندي كرجل واحد. يعني أنَّ ما ألقوا عليه من المسائل إنّما تلقوا من رجل واحد، وهو أبن أبي الربيع؛ إنّما يخاطب رجلاً واحداً، ازدراء بهم. فاستقبله أصغر القوم سنا وعلما، بأن قال له: إنَّ كنت بالمكان الذي تزعم، فأجبني عن هذه المسائل، من باب معرفة علامات الإعراب، التي أذكرها لك؛ فإنَّ أجبت فيها بالصواب، لم تحظ بذلك في نفوسنا، لصغرها بالنظر إلى تعاطيك من الإدارك والتحصيل، وإنَّ أخطأت فيها لم يسعك هذا البلد، وهي عشيرة: الأولى: انتم يا زيدون تغزون.
والثانية: انتن يا هندات تغزون.
والثالثة: انتم يا زيدون ويا هندات تغزون.
والرابعة: انتن يا هندات تخشين.
والخامسة: أنت يا هند تخشين.
والسادسة: أنت يا هند تمرين.
والثامنة: انتن يا هندات تمحون أو تمحين كيف تقول.
والتاسعة: أنت يا هند تمحين أو تمحون كيف تقول.
والعاشرة: أنتما تمحوان أو تمحيان، كيف تقول.
стр. 629
وهل هذه الأفعال كلها مبنية أو معربة؟ أو بعضها مبني وبعضها معرب؟ وهل كلها على وزن واحد أم على أوزان مختلفة؟ علينا السؤال، وعليك التمييز، لنعلم الجواب. فهبت الشيخ وشغل المحل بأن قال: إنما يسأل عن هذا صغار الولدان. فقال له الفتى: فأنت دونهم إنَّ لم تجب. فأنزعج الشيخ وقال هذا سوء أدب، ونهض منصرفا، ولم يصبح إلاّ بمقالة، ومتوجها إلى غرناظة، فلم يزل بها مع الوزير أبن الحكيم، إلى أنَّ مات. تغمده الله برحمته. انتهى. وأورد هذه الحكاية أيضاً عالم الدنيا، سيدي أبو عبد الله بن مرزوق، في شرحه على الألفية لابن مالك، وهو شرح متسع جداً، وقفت منه على بعضه بتلمسان، وكان آخر السفر الأول اسم الإشارة، وذلك السفر أعظم جرما من جميع شرح المرادي؛ ونص محل الحاجة منه: وقد حكي أنَّ بعض طلبة سبتة أورد على أبي عبد الله بن خميس عشر مسائل من هذا النوع، وهي: أنتم يا زيدون تغزون؛ وانتن يا هندات تغزون؛ وانتم يا زيدون ويا هندات تغزون، وانتن يا هندات تخشين؛ وأنت يا هند تخشين؛ وأنت يا هند تمرين، وأنتن يا هنادت تمرين، وانتن يا هندات تمحون أو تمحين كيف تقول. وأنت يا هند تمحين أو تمحين كيف تقول؛ وأنتما تمحوان أو تمحيان، على لغة من قال محوت كيف تقول؟ وهل هذه الأمثلة كلها مبنية او معربة او مختلفة؟ وهل وزنها واحد أو مختلف؟ قالوا: ولم يجب بشيء. قلت: فلعله استسهل أمرها.
стр. 630
كتنظرون، فاستثقلت ضمة الواو، التي هي لام، فحذفت، ثم حذفت الواو أيضاً، لالتقائها ساكنة مع واو الضمير، وكانت أولى بالحذف، لأن واو الضمير فاعل، ولغير ذلك مما تقدم بعضه. وأما الثاني فمبني، ووزنه تفعلن، كتخرجن. وأما الثالث فكالأول إعراباً ووزناً، لأن فيه تغليب المذكر على المؤنث. وأما الرابع فمبني، ووزنه تفعلن، مثل تفرحن لأنه لمّا احتياج إلى تسكين آخر الفعل، لاستناده إلى نون جماعة النسوة، ردت الياء إلى أصلها، لأنها إنّما قلبت ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، والآن ذهبت حركتها لاستحقاقها السكون. وأما الخامس فمعرب، ووزنه تفعين، وأصله تخشين، كتفرحين، فقبلت الياء ألفاً، لتحركها وانفتاح ما قبلها، ثم حذفت لالتقائها ساكنة مع ياء الضمير، وتركت فتحة الشين دالة على الألف.
وأما السادس فمعرب، ووزنه تفعين. وأصله ترمين، كتضربين، حذفت كسرة الياء لاستثقالها، ثم حذفت الياء لاجتماعها ساكنة مع ياء الضمير. وأما السابع فمبني، ووزنه تفعلن كتضربن.
وأما الثامن والتاسع، فمضارع محي ورد بالأوزان الثلاثة، فمن قال يمحو قال في المضارع من جماعة النسوة: تمحون، مثله من غزا ناء ووزنا، ومن قال يمحى قال فيه: تمحين كترمين، بناء ووزنا. ومن قال يمحى قال
стр. 631
فيه تمحين كتخشين، بناء ووزنا. ويقال في المضارع الواحدة على اللغة الأولى تمحين كتدعين: إعرابا ووزنا وتصريفا. وقد تقدم في كلام المصنف. وعلى الثانية، كما يقال لها من رمى إعراباً ووزناُ وتصريفاً. وعلى الثالثة كما يقال لها من تخشى أيضاً، وقد تقدما.
وليس ما وقع في السؤال كما نقل خط بعض الشارحين أنّه يقال فيها " تمحون " كتفرحن بشيء.
وأمر التثنية ظاهر. انتهى بحروفه.
قلت: وقد جزم واحد بان أبن خميس لا يجهل مثل هذه المبادئ، إذ هو من أكابر الأعلام العارفين بالنحو واللغة وغيرهما وغير من أنواع العلوم؛ وقد نقل بعض من له خبرة بأحوال أنّه كان يحسن علم السيمياء والله اعلم.
وهو محمّد بن عمر بن محمّد بن محمّد بن عمر بن محمّد الحجري بفتح الحاء وسكون اليم، الرعيني، نسبة إلى حجر ذي رعين. وهو من أهل تلمسان، يكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن خميس. قال أبن الخطيب في " عائد الصلة ": كان رحمة الله نسيج وحده زهدا وانقباضاً وأدبا وهمة، وحسن الشيبة، وجميل الهيئة، سليم الصدر، قليل التصنع، بعيداً عن الرياء والهوى، عاملا على السياحة والعزلة، عارفا بالمعارف القديمة، مضطلعا بتفاريق النحل، قائما على العربية والأصلين، طبقة الوقت في الشعر، وفحل الأوان في المطول، أقدر الناس على اجتلاب الغريب.
ثم ذكر أبن الخطيب من أحواله جملة، إلى أنَّ قال: وبلغ الوزير أبا عبد الله
стр. 632
أبن الحكيم أنّه يروم السفر، فشق ذلك عليه، وكلفه تحريك الحديث بحضرته، وجرى ذلك. فقال الشيخ: أنا كالدم بطبعي أتحرك في كل ربيع. انتهى. وقال أبن خاتمة في حقه، بعد إنَّ وصفه بالشاعر المجيد: أنّه رحل من تلمسان بلده إلى سبتة، فأقام بها مدة، ومدح رؤساءها من بني العزفي، ثم أجاز البحر إلى الأندلس، فأحتل بحضرة غرناطة في أواخر سنة ثلاث وسبع مائة، في جوار الوزير أبي عبد الله بن الحكيم، فتقارضا حلل المجد، وتباريا في الرفد والحمد، فأدنى له ذو الوزارتين أخلاف بره وإكرامه، وخلع عليه أبن خميس أثواب نثره ونظامه، فله فيه القصائد التي حليت بها لبات الآفاق، وتنفست عنها صدور الرفاق. وكان ﵀ من فحول الشعراء، وأعلام البلغاء، يصرف العويص، ويرتكب مستصعبات القوافي، ويطير في القريض مطار ذوي القوادم الباسقة والخوافي، حافظا لأشعار العرب وأخبارها، له مشاركة في العقليات، واستشراف على الطلب؛ وعقد لإقراء العربية بحضرة غرناطة، وكان ما ينتحله من العلم فوق ما يحصله. ومال بأخرة إلى التصوف والتجوال، والتحلي بحسن السمت، وعدم الاسترسال، بعد طي بساط ما فرط له في بلده من الأحوال، وكان صنع اليدين. حدثني بعض من لقيه من الشيوخ أنّه صنع قدحا من الشمع على أبدع ما يكون، في شكله، ولطافة جوهره، وإتقان صنعته، وكتب بدائرة شفته:
وما كنت إلا زهرة في حديقةٍ ... تبسم عني ضاحكات الكمائم
فقبلت من طور لطور فهأنا ... أقبل أفواه الملوك الأعاظم
وأهداه خدمة للوزير أبي عبد الله بن الحكيم.
وأنشدتا شيخنا أبو البركات أبن الحاج وحكي لنا، قال:
стр. 633
أنشدني أبو عبد الله بن خميس وحكي لي، قال: لمّا وقفت على الجزاء الذي ألفه أبن سبعين، يعني أبا محمّد عبد الحق بن أحمد بن إبراهيم بن نصر، وهو الذي سماه بالفقيرية، كتبت على ظهره:
الفقر عندي لفظ دق ... معناه من رامه من ذوي الغايات عناه
كم من غبي بعيد عن تصوره ... أراد كشف معماه فعماه
وأنشدنا شيخنا الأستاذ أبو عثمان بن ليون غير مرة، قال: سمعت أبا عبد الله بن خميس ينشد، وكان يحسب انهما له، ويقال انهما لأبن الرومي:
رب قوم في منازلهم ... عررٍ صاروا بها غررا
ستر الإحسان ما بهم ... ستري لو زال ما سترا
ثم قال أبن خاتمة بعد الكلام: وقد جمع شعره ودونه صاحبنا القاضي أبو عبد الله بن إبراهيم الحضرمي في جزء سماه: " الدر النفيس من شعر أبن خميس "، وعرف به صدر الجزء. وقد نقلت منه هنا: وقدم أبو عبد الله بن خميس المرية سنة ست وسبع مائة، فنزل بها في كنف القائد الحاضر بها حينئذ، أبي الحسن بن كماشة، من خدام الوزير أبي عبد الله أبن الحكيم، فوسع له في الإيثار والمبرة، وبسط له وجه الكرامة طلق الأسرة؛ وبها قال في مدح الوزير أبي عبد الله بن الحكيم قصيدته التي أولها:
العشى تعيا والنوابغ ... عن شكر أنعمك السوابغ
ووجه بها إليه من المرية. ومنها:
ودسائع أبن كماشة ... مع كل بازغة وبازغ
стр. 634
تأتي بما تهوى النغا ... نع من شهيات اللغالغ
ويقال إ الوزير أبا عبد الحكيم اقترح عليه أن ينظم له قصيدة هائية فابتدأ منها مطلعها وهو قوله:
لمن المنازل لا تجيب هواها ... محيت معالمها وصم صدها
وذلك في أواخر شهر رمضان من سنة ثمان وسبع مائة. ثم لم يزد على ذلك إلى معناه وقد آذن أولاه بحضور أخراه فكانت وفاته بحضرة غرناطة قتيلا ضحوة يوم الفطر مستهل شوال سنة ثمان وسبع مائة وهو أبن نيف وستين سنة وذلك يوم مقتل مخدومة الوزير أبي عبد الله بن الحكيم أصابه قاتله لحقده على مخدومه. ويقال إنه لمّا هم به قاتله قال له: أنا دخيل رسول الله ﷺ فلم يلتفت إليه وجعل يجهز عليه فقال له: لم لم تقبل الدخيل بيني وبينك؟ فكان آخر ما سمع منه: أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله؟ ثم أنّه استفاض بذلك من حال القاتل أنّه هلك قبل أن يكمل سنة من حين قتله من فالج شديد أصابه فكان يصح ويستغيث: أبن خميس يطالبني أبن خميس يعذبني أبن خميس يقتلني. وما زال الأمر يشتد به حتى قضى نحبه على تلك الحال.
نعوذ بالله من المورطات ومواقعات العثرات. انتهى كلام أبن خاتمة.
وحكى غيره أنَّ تلك القصيدة نظمه ليهنئ بها أبن الحكيم في ذلك العيد الذي قتل فيه فلم يقدر على زيادة شيء فلما قتل كتب بعضهم بعد قوله: لمن المنازل لا تجيب هواها لابن الحكيم.
стр. 635
ونقل غير واحد في شأن قاتله خلاف ما حكاه أبن خاتمة. والله أعلم.
ومن مشهور نظمه ﵀ قصيدته التي أولها:
مشوق زار ربعك يا أماما ... محا آثار دمنتها الشآما
تتبع ريقه الطل ارتشافا ... فلا نفعت ولا نقعت أوامها
وهي طويلة ولكنها من غرر القصائد يمدح بها أبا سعيد بن عامر ويذكر الوشحة الواقعة بينه وبين أبي بكر بن خطاب.
ومن بديع شعره قوله مطلع قصيدة:
تراجع من دنياك ما أنت تارك ... ونسألها العتبى وها هي فارك
تؤمل بعد الترك رجع ودادها ... وشر وداد ما تود الترائك
حلالك منها ما حلالك في الصبا ... فأنت على حلوائه متهالك
تظهار بالسلوان عنها تجملا ... فقلبك محزون وثغرك ضاحك
تنزهت عنها نخوة لا زهادة ... وشعر عذاري أسود اللون حالك
وهي من القصائد الطنانة وتركتها لطولها وآخرها يقول:
فلا تدعون غيري لدفع ملمة ... إذا ما دهى من حادث الدهر داهك
فما إن لذاك الصوت غيري سامع ... وما إن لبيت المجد بعدي سامك
يغص ويشجى نهشل ومجاشع ... بما أورثتني حمير والسكاسك
تفارقني الروح التي لست غيرها ... وطيب ثنائي لاصق بي صائك
следующие страницы →