← Тараджим

Тараджим · id 26350

أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض

المقري التلمساني

Полный текст (1 044 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

ما يقول سيدنا ومولانا شيخ الإسلام في الكتب المنسوبة إلى الشيخ محي الدين بن عربي كالفتوحات والفحوص هل تحل قراءتها وإقراؤها ومطالعتها؟ وهل هي من الكتب المسموعة المقروءة أم لا؟ فقال ﵁: الذي أقول وأتحققه وأدين الله به: أنَّ الشيخ محي الدين كان شيخ الطريقة حالا وعملا وإمام التحقيق حقيقة ورسما ومحيي رسوم العارفين فعلا واسما: إذا تغلغل فكر المرء في طرف ... من بحره غرقت فيه خواطره فهو بحر لا تدركه الدلاء وسحاب لا تتقاصر عنه الأنواء كانت دعواته تخترق السبع الطباق وتفترق بركتها فتملأ الآفاق وإني أصفه وهو يقينا فوق ما وصفته وناطق بما كتبته وغالب ظني أني ما أنصفته: وما علي إذا ما قلت معتقدي ... دع الجهول يعد العدل عدوانا والله والله والله العظيم ومن ... أقامه حجة للدين برهانا إنَّ الذي قلت بعض مناقبه ... ما زدت إلاّ لعلي زدت نقصانا وأما كتبه ومصنفاته فهي البحار الزواخر ما وضع الواضعون مثلها. انتهى. وباقي الجواب سقط سهل الله كماله.

стр. 772

قلت: ولمّا جرى ذكر الشيخ بن عربي الحاتمي فلا بأس من أنْ نلم ببعض حاله فنقول: قال ابن خاتمة: محمّد بن علي الطائي بن عربي الصوفي من أهل إشبيلية وأصله من سبتة يكنى أبا بكر ويعرف بابن عربي وبالحاتمي أيضاً. أخذ عنه مشيخة بلده ومال إلى الأدب وكتب لبعض الولاة بالأندلس ثم رحل إلى المشرق حاجاً فأدى الفريضة ولم يعد بعدها إلى الأندلس وسمع الحديث من أبي القاسم الخرستاني وغيره وسمع صحيح مسلم من الشيخ أبي الحسن ابن أبي نصر في شوال سنة ست وست مائة وكان يحدث بالإجازة العامة عن أبي طاهر السفلفي ويقول بها وبرع في علم التصويف وله في ذلك تواليف كثيرة منها: " ملاك التأويل وحقائق التنزيل " و " الجذوة المقتبسة والحظوة المختلسة " و " كتاب المعارف الإلهية " و " كتاب الإسرا إلى المقام الأسرى " و " كتاب مواقع النجوم ومطالع أهلة أسرار العلوم " و " كتاب عنقاء مغرب في صفة ختم الأولياء وشمس المغرب " وكتاب في فضائل شيخه عبد العزيز بن أبي بكر القرشي المهدوي والرسالة الملقبة " بمشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية " في كتب أخر عديدة. وقدم على المرية من مرسية مستهل شهر رمضان سنة خمس وتسعين وخمس مائة وبها ألف كتابه الموسوم بمواقع النجوم. قال الأستاذ أبو جعفر: ولا نسلم له جميع مقالاته وموضوعاته وإنْ كان لعلو في الإعراب قد تكلم من وراء حجاب وتحصن من الرمز بسند

стр. 773

منيع الحرز ففي الإشارة الراجحة الدليل ما يقوم مقام العبارة الواضحة السبيل. ولقد حكى لي بعض تقات أصحابنا عمن لقي من كبار شيوخ أهل العلم أنَّه كان يطعن عليهم ويرميه بوهن يقال دينه ويناسبه إليه والله اعلم بحقيقة ذلك إذ كل كلام يغلب المجاز والاستعارة عليه من غير قرينة فهو مستشعب المسالك. وعلى الجملة فهو الذي جرأ على نفسه لمآخذه المظلمة المدارك المشوشة على السالك. قال ابن الأبار: وقد لقيته جماعة من العلماء والمتعبدين وأخذوا عنه وتوفي بعد الأربعين وست مائة. ذكر ابن الأبار وقال: أفادني بعض أصحابنا أنَّه أجاز إجازة عامة لمن أحب الرواية عنه. انتهى كلام ابن خاتمة. والذي عند كثير من الأخيار من أهل هذه الطريقة التسليم لهم ففيه السلامة وهو أحوط من إرسال العنان وقول يعود على صاحبه بالملامة. وما وقع لأبي حيان وابن حجر في تفسيره من إطلاق اللسان في هذا الصديق وأنظاره فذلك من فلس الشيطان. والذي أعتقده ولا يصح غيره أنَّ الإمام أبي عربي ولي صالح وعلام ناصح وإنما فوق إليه سهام الملامة من لم يفهم كلامه. على أنَّه دست في كتبه مقالات يجل قدرها عنها وقد عرض من المتأخرين ولي الله الرباني سيدي عبد الوهاب الشعراني نفعنا الله تعالى ببركاته

стр. 774

لتفسير كلام الشيخ على وجه يليق وذكر من البراهين على ولايته ما شرح صدره أهل التحقيق فليطالع ذلك ما أراده والله ولي التوفيق. التجديد والمجدود قلت: وإذ قد تقدم أمر التجديد أواخر القرن الثامن فيما جلبناه في التعريف المنقول آنفا ناسب أنْ نذكر نظم إمام الدنيا جلال الدين السيوطي المسمى " بتحفة المهتدين بأسماء المجددين " ونصه: الحمد لله العظيم المنة ... المانح الفضل لأهل السنة ثم الصلاة والسلام نلتمس ... على نبي دينه ولا يندرس لقد أتى في خبر مشتهر ... رواه كل حافظ معتبر بأنه في رأس كل مائة ... يبعث ربنا لهذي الأمة منا عليها عالم يجدد ... دين الهدى لأنه مجتهد اختلف الناس في المراد بالمجدد فقيل من العلماء وقيل من الأولياء وقيل من الملوك ولكل حجة مذكورة في محلها. وسمعت شيخنا الإمام بقية الناس سيدي أحمد بابا السوداني التنبكتي أبقى الله جلاله وأدام عزته وحفظ جلاله يقول غن ذلك يكون في كل قطر بحسبه وليس من شرطه أنْ يعم الدنيا أو غالبا والله أعلم. ولأجل ذلك قال أبقاه الله في رجزه في هذا المعنى حيث ذكر المجددين. قال في العاشر ما نصه:

стр. 775

وعاشر القرون فيه قد أتى ... محمّد إمامنا وهو الفتى يعني به الشيخ العلامة سيدي محمّد بغيع ﵀. ولا خفاء أنَّ هذا منه أبقاه الله بناء على اعتبار كل قطر على حدة إذ هذا الشيخ الذي جزم بتجديده إنما هو في صقع تنبكت جاغو. وأما بلاد المغرب وغيرها فلا وهو مخالف لمّا عند السيوطي في هذا النظم كما تراه قريبا والله تعالى أعلم بالصواب. ولنرجع إلى كلام الاما الجلال السيوطي رحمه الله تعالى قال: فكان عند المائة الأولى عمر ... خليفة العدل بإجماع وقر والشافعي كان عند الثانية ... لمّا له من العلوم السارية وابن الشريح ثالث الأئمة ... والأشعري عدة من أمة والباقلاني رابع أو سهل أو ... الاسفرايني خلافا قد حكموا والخامس الحبر وهو الغزالي ... عدة ما فيه من جدال والسادس الفخر الإمام الرازي ... والراغعي منثله يوازي والسابع الراقي إلى المراقي ... ابن دقيق العيد باتفاق والثامن الحبر وهو البلقيني ... أو حافظ الأنام زين الدين

стр. 776

وعد سبط الميلق الصوفية ... لو وجدت مئته وفيه والشرط في ذلك أنْ تمضي المائة ... وهو على حياته بين الفئة يشار بالعلم إلى مقامة ... وينصر السنة في كلامه وأنْ يكون جامعا لكل فن ... وأنْ يعم علمه أهل الزمن وأنْ يكون في حديث قد روى ... من أهل المصطفى وهو قوي وكونه فردا وهو المشهور ... قد نطق الحديث والجمهور وهذه التاسعة المئين قد ... أتت ولا يخلف ما الهادي وعد وقد رجوت أني المجدد ... فيها ففضل الله ليس يجحد وآخر المئين فيها يأتي ... عيسى نبي الله ذو الآيات يجدد الدين لهذه الأمة ... وفي الصلاة بعضنا قد أمه مقررا لشرعنا ويحكم ... بحكمنا ذا في السماء يعلم وبعده لم يبق من مجدد ... ويرفع القرآن مثل ما بدي وتكثر الأشرار والإضاعة ... من رفيعه إلى قيام الساعة وأحمد الله على ما علما ... وما جلا من الخفاء والعمى مصليا على النبي الرحمة ... والآل مع أصحابه المكرمة انتهى وليكن هذا آخر هذه الترجمة والله ولي التوفيق لا رب غيره ولا معبود سواه وصلى الله على سيدنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.

стр. 777

روضة البهار في ذكر جملة من شيوخه الذين فضلهم أظهر من شمس النهار أقول معتمدا على ذي الطول الذي بيده القول والحول: أردنا أنْ نذكر في هذه الترجمة مشاهير شيوخ القاضي الإمام أبي الفضل عياض ﵀ وقد قدمنا في الترجمة قبل هذه أسماء بعضهم على سبيل الإجمال خيث جر الكلام إليها وهذا هو محلها وقد تكفل ﵀ بذكرهم في كتابه الذي أسماه بالغنية وقد ذكر فيها نحو المائة. وقال ابنه ﵀: انتهى عدد أشياخه الذين ذكرهم في فهرسته من سمع أو أجازه وايسير منهم لقيه وجالسه ولم يسمع منه إلى مائة شيخ. انتهى. وقد ذكر كثيرا من أحوالهم في الغنية ولم تحضرني نسخة منها الآن بفاس لأني تركت التي عندي بتلمستان ولم أجد منها بفاس نسخة وكل ما أذكره هنا من التعريف ببعض أشياخه فهو منقول من غيرها وقد يتفق لفظه مع ما فيها. شيوخ عياض فمن جملة أشياخه رحمه الله تعالى: القاضي أبو الوليد محمّد بن أحمد بن أحمد بن أحمد بن محمّد بن أحمد بن عبد الله رشد الفقيه ذكره ابن بشكوال فقال: قاضي الجماعة بقرطبة

стр. 778

وصاحب الصلاة بالمسجد الجامع بها يكنى أبا الوليد. روى عن أبي جعفر بن زرق الفقيه، وتفقه معه، وعن أبي مروان بن سراج، وأبي عبد الله محمّد بن خيرة، وأبي عبد الله محمّد بن فرج، وأبي علي الغساني، وأجاز له أبو العباس العذري ما رواه؛ وكان فقيهاً عالماً، حافظاً للفقه، مقدماً فيه على جميع أهل عصره، عارفاً بالفتوى على مذهب مالك وأصحابه، بصيراً بأقوالهم، واتفاقهم واختلافهم، نافذاً في علم الفرائض والأصول، من أهل الرياسة في العلم، والبراعة والفهم، مع الدين والفضل، والوقار والحلم، والسمت الحسن، والهدي الصالح. سمعت الفقيه أبا مروان عبد الملك بن مسيرة يقول: شاهدت شيخنا القاضي أبا الوليد يصوم يوم الجمعة دائماً، في الحضر والسفر. ومن تواليفه كتاب " المقدمات الأوائل كتب المدونة "، و " كتاب البيان والتحصيل، لمّا في المستخجة من التوجيه والتعليل "، و " اختصار المبسوطة "، و " اختصار مشكل الآثار " للطحاوي، إلى غير ذلك من تواليفه. سمعنا عليه بعضها، وأجاز لنا سائرها وتقلد القضاء بقرطبة وسار فيه بأحسن سيرة، وأقوام طريقة، ثم استعفى عنه فأعفي، ونشر كتبه وتواليفه، ومسائله وتصانيفه، وكان الناس يلجئون إليه ويعولون في مهماتهم عليه، وكان حسن الخلق، سهل اللقاء، كثير النفع لخاصته وأصحابه جميل العشرة لهم، حافظاً لعهودهم، كثير البر بهم، وتوفى عفا الله عنه ليلة الأحد، ودفن عشى يوم الأحد الحادي عشر من ذي القعدة، سنة عشرين وخمس مائة، ودفن بمقبرة العباس، وصلى عليه ابنه أبو القاسم، وشهده جمع عظيم من الناس، وكان الثناء عليه حسناً جميلاً.

стр. 779

ومولده في شوال سنة خمسين وأربع مائة. وقد كان أيام حياته توجه إلى المغرب، إثر الكائنة التي كانت بين المسلمين والنصارى، بالموضع المعروف بالربنيول، وذلك في منتصف شهر صفر عام عشرين وخمس مائة، فاستخار القاضي أبو الوليد في النهوض إلى المغرب، مبيناً لمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين، ما الجزيرة عليه، فوصل إليه فلقيه أكرم لقاء، وبقي عنده أبر بقاء، حتى استوعب في مجالس عديدة، إيراد ما أزعجه إليه، وتبين ما أوفده عليه، فاعتقد ما قرره لديه؛ وانفصل عنه، وعاد إلى قرطبة، فوصلها آخر جمادى الأولى من السنة المذكورة، وعلى اثر ذلك أصابته العلة التي أضجعته، إلى أنْ أفضت به قضاء نحبه، ولقاء المرتقب من محتوم لقاء ربه، وتبارى الأدباء والشعراء في تأبينه؛ وحق لهم ذلك، رضى الله عنه وأرضاه. ومن أشياخ القاضي أبي الفضل عياض: الشيخ أبو عبد الله محمّد بن أحمد بن خلف بن إبراهيم التجيني الرطبي، الشهير بابن الحاج، قاضي الجماعة بقرطبة. روى عن أبي جعفر أحمد بن زرق الفقيه، وتفقه عنده، وقيد الغريب واللغة والأدب عن أبي مروان عبد الملك ابن سراج، وسمع عن أبي عبد الله محمّد بن فرج الفقيه، وعن أبي علي الغساني وغيرهم. وكان من جلة الفقهاء، وكبار العلماء، معدوداً في المحدثين والأدباء، بصيراً بالفتيا، رأساً في الشورى، وكانت الفتيا في وقته تدور عليه، لمعرفته وثقته وديانته، وكان معتنياً بالحديث والآثار، جامعاً لها، مقيداً لمّا أشكل من معانيها، ضابطاً لأسماء رجالها ورواتها، ذاكراً للغريب والأنساب، واللغة

стр. 780

والأعراب، وعالماً بمعاني الأشعار والسير والأخبار. قال ابن بشكوال: قيد العلم عمره كله، وعنى به عناية كاملة، ما أعلم أحداً في وقته عنى كعنايته، قرأت عليه وسمعت، وأجازني بخطه؛ وكان له مجلس بالجامع بقرطبة، يسمع الناس فيه، وتقلد القضاء بقرطبة مرتين، وكان في ذاته ليناً صابراً، حليماً متواضعاً، لم يحفظ له جور في قضية، ولا ميل بهوى، ولا إصغاء إلى عناية، وكان كثير الخضوع والذكر لله تعالى، ولم يزل آخر عمره يتولى القضاء بقرطبة، إلى أنْ قتل ظلماً بالمسجد الجامع بقرطبة، يوم الجمعة وهو ساجد، لأربع بقين من صفر، من سنة تسع وعشرين وخمس مائة، ومولده في صفر سنة ثمان مثال خمسين وأربع مائة. وكتابه في نوازل الأحكام، المتداول لهذا العهد بأيدي الناس: من الدلائل على تقدمه في المعارف وبراعته. تغمدنا الله وإياه برحمته. ومن أشياخ القاضي أبي الفضل عياض ﵀: القاضي الشهير الحافظ الإمام أبو بكر محمّد بن عبد الله بن محمّد بن عبد الله ابن أحمد بن العربي المعافري الأشبيلي، رحل إلى المشرق مع أبيه يوم الأحد، مستهل شهر ربيع الأول سنة خمس وثمانين وأربع مائة، فدخل الشام، ولقي بها أبا بكر محمّد بن الوليد الطرطوشي، وتفقه عنده، ورحل إلى الحجاز في موسم سنة نسع وثمانين، ودخل بغداد مرتين، وصحب أبا بكر الشاشي، وأبا حامد الطوسي الغزالي، وغيرهما من العلماء والأدباء، فأخذ عنهم، ثم صدر عن بغداد، ولقي بمصر والأسكندرية جماعة، ثم عاد إلى الأندلس سنة ثلاث وتسعين، وقدم إلى إشبيلية بعلم كثير، لم يدخل به أحد قبله، ممن كان له رحلة إلى المشرق،

стр. 781

ولذا نقل عنه أنَّه قال: كل من رحل لم يأت بمثل ما أتيت به أنا والقاضي أبو الوليد الباجي، أو كلاهما هذا معناه. أو قال: لم يرحل غيري وغير الباجي، وأما غيرنا فقد تعب، أو نحو هذا، مما لم تحصني عباراته الآن. وكان من أهل التفنن في العلوم، متقدما في المعارف كلها، متكلماً في أنواعها، حريصاً على نشرها. واستقصى بمدينة إشبيلية، فقام بما قلد أحمد قيام، وكان من أهل الصرامة في الحق، والشدة والقوة على الظالمين، والرفق بالمساكين، ثم صرف عن القضاء، وأقبل على نشر العلم وبثه. قال المحدث أبو القاسم خلف بن عبد الملك بن بشكوال: قرأت عليه بإشبيلية، وسألته عن مولده، فقال لي: ولدت ليلة الخميس لثمان بقين من شعبان سنة ثمان وستين وأربع مائة؛ وتوفي ﵀ بالعدوة، ودفن بمدينة فاس في ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعين وخمس مائة. انتهى. وقال ابن بشكوال أيضاً في حقه: هو الحافظ المستبحر ختام علماء الأندلس وآخر أئمتها وحفاظها. انتهى. ومن تكملة المحدث أبي عبد الله محمّد بن عبد الله بن الأبار، عن أبي عبد الله بن مجاهد الإشبيلي الزاهد العابد: أنَّه لازم القاضي أبا بكر بن العربي نحواً من ثلاثة أشهر، ثم تخلف عنه، فقيل له في ذلك، فقال كان يدرس وبغلته عند الباب، ينتظر الركوب إلى السلطان. انتهى. وذكره الأستاذ أبو محمّد أحمد بن إبراهيم بن الزبير في صلته، وقال فيه: رحل مع أبيه أبي محمّد عند انقراض الدولة العبادية إلى الحج، سنة خمس وثمانين وأربع مائة، وسنه إذ ذاك نحو سبعة عشر عاماً، فلقى شيوخ مصر؛ وعدد أناساً ثم قال: وقيد الحديث، وضبط ما روى، وأتسع في الرواية

стр. 782

وأتقن مسائل الخلاف والأصول والكلام، على أئمة هذا الشأن، وعاد إلى بغداد بعد دخولها، وانصرف إلى الأندلس، فأقام بالإسكندرية، فمات أبوه بها أوّل سنة ثلاث وتسعين. ثم انصرف إلى الأندلس، فسكن بلده إشبيلية، وشوور فيه، وسمع ودرس الفقه والأصول، وجلس للوعظ والتفسير، وصنف في غير فن تصانيف مليحة، حسنة مقيدة، وولى القضاء مدة، أولها في رجب من سنة ثمان وعشرين، فنفع الله به، لصرامته ونفوذ أحكامه، والتزم الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، حتى أوذي في ذلك، بذهاب كتبه وماله، فأحسن الصبر على ذلك كله، ثم صرف عن القضاء، وأقبل على نشر العلم وبثه، وكان فصيحاًحافظاً، أديباً شاعراً، كثير الملح، مليح المجلس. ثم قال: قال القاضي أبو الفضل عياض بن موسى - وقد وصفه بما ذكرته - ثم قال: ولكثرة حديثه وأخباره، وغريب حكاياته ورواياته، أكثر الناس فيه الكلام، وطعنوا في حديثه، وتوفي منصرفه من مراكش، من الوجهة التي توجه فيها مع أهل بلده إلى الحضرة، بعد دخول مدينة إشبيلية، فحبسوا بمراكش نحو عام، ثم سرحوا، فأدركته منيته بطريقه، على مقربة من فاس بمرحلة، وحمل ميتاً إلى مدينة فاس، فدفن بها، بباب الجيسة. قال: وروى عنه الجم الغفير. فمن جملة من روى عنه من علماء المائة الخامسة، القاضي أبو الفضل عياض بن موسى، وأبو جعفر بن الباذش، وطائفة. انتهى. قال القاضي أبو الحسن بن الحسن النباهي في كتاب " المرقبة العليا، في القضاء والفتيا " بعد أنْ ذكر ما قدمناه، ما نصه: والصحيح في القاضي أبي بكر

стр. 783

أنَّه إنما دفن في خارج باب المحروق من فاس، وما وقع من دفنه بباب الجيسة، وهم من ابن الزبير وغلط، وقد زرناه وشاهدنا قبره بحيث ذكرناه. أرضاه الله وغفر لنا وله. انتهى. قلت: وقد سبق ابن الزبير إلى ذلك القاضي أبو الفضل عياض في الغنية، فانه قال: دفن جارج باب الحبيسة. واعتذر عنه بعض الأكابر، بأن باب المحروق لم يكن إذ ذاك فتح، لأنه من بناء أمير المؤمنين الناصر بن أمير المؤمنين يعقوب المنصور بن أمير المؤمنين يوسف بن أمير المؤمنين عبد المؤمن بن علي، ولا شك أنَّ ذلك متأخر عن زمان عياض قطعاً، ويبقى الإشكال في كلام ابن الزبير، لتأخر زمانه عن ذلك. استطراد وتحقيق بين الشيخين: ابن غازي والوانشريشي وبع ما كتبت هذا هنا، وقفت على تأليف لطيف صغير الجرم، مثير العلم للشيخ الإمام العالم أبي عبد الله محمّد بن غازي رحمه الله تعالى ألم في آخره بالمسألة المذكورة، فرأيت أنْ أورده بطوله، لمّا اشتمل عليه من الفوائد، وإنْ كانت أجنبيه عما نحن فيه، ولكن لا يخلو من فوائد جمة، وختمته بهذا الغرض الذي ذكرتناه، وخاطب به الشيخ الحافظ الإمام سيدي أحمد بن يحيى الوانشريشي الملد، التلمساني المنشأ والقراءة، الفاسي القبر والدار آخر عمره، بل أوسط عمره، وسماه: " بالإشارات الحسان، المرفوعة إلى حبر فاس وتلمسان " يعني بحبر فاس وتلمسان: الشيخ الوانشريشي المذكور؛ وقد كتب بطرره الشيخ الوانشريشي المذكور زوائد، هاأنا أذكرها في محلها، تتميماً للغرض، ونصه:

стр. 784

بسم الله الرحم الرحيم صلى الله على سيدنا ومولانا محمّد وآله وصحبه وسلم. الحمد لله حمداً كثراً طيباً مباركاً في حق حمده، والصلاة والسلام على سيدنا محمّد نبيه وعبده. إلى السيد الفقيه، العلم، المحقق، المدرس، المفتي الصدر، الحجة، الكبير، الخطير، الأحضى، الملحوظ، الأحفل الأكمل، أبي العباس سيدي أحمد بن سيدي يحيى الوانشريشي، حفظ الله كماله، وبلغه في الدارين آماله، من محبة طبعاً وشرعاً، أصلاً وفرعاً، وتراً وشفعاً، إفراداً وجمعاً، محمّد بن أحمد بن غازي، سمح الله له، مسلماً عليكم أكمل السلام، مخصصاً لكم بمحض البر والإكرام. سيدي متى صار النهر يستمد من الساقية؟ وكيف السيح يفتقر إلى السانية؟ في طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل ليس التكحل في العينين كالكحل كتبت، كتب الله لك السعادة، وبلغك منها الحسنى والزيادة، تشارك محبكم في أمر سعيد برداً بإسكات عمر بن عبد العزيز، أو إخراجه من المسجد، هل كان ذلك في خلافة، أو في إمرته بالمدينة؟ ومن برد هذا، ون عرف به؟ ومن قال بإسلام أبي طالب غير المسعودي؟ ومن أبو العباس العشاب، الذي نقل عنه ابن عرفة في فصل الاستثناء من كتاب الطلاق؟ ومن الآبلي المصري؟ وهل ألف أحد في التعريف برجال أهل السنة والمعتزلة؟

стр. 785

فتوزع فكر محبكم في أرادكم شذر مذر، ولم يكن بد من إسعاف ردكم، ولو بالتشدق والهذر. ١ - أما قضية سعيد بن المسيب بن حزن مع عمر بن عبد العزيز بن مروان ابن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس، المذكور في سماع القرينين من صلاة العتبيه، فليس عند محبكم في طرده، إلاّ ما فسر به القاضي أبو الوليد بن رشد: أنَّه من جواره، لا من المسجد جملة؛ فإنَّ وقفتم على تفسير أحد له بالإخراج من المسجد، فلكم الفضل في إفادتنا به، ثم لا مرية أنْ سعيداً مدني، وأنَّ عمر كان عاملا على المدينة، إلى أنْ عزل عنها سنة ثلاث وتسعين، حسبما هو في ترجمة مالك من المدارك، عن مصعب لن عبد الله. وفي جامع الموطأ لمالك، أنه بلغه أنَّ عمر بن عبد العزيز حين خرج من المدينة، التفت إليها فبكى، ثم قال: يا مزاحم، أتخشى أنْ نكون ممن نفت المدينة؟ قال أبو عمر: ذكر أهل السير أنَّ خروج عمر مع مزاحم مولاه من المدينة، كان في شهر رمضان سنة ثلاث وتسعين، وذلك أنْ الحجاج كتب إلى الوليد: إنَّ عمر بن عبد الله العزيز بالمدينة كهف لأهل النفاق، وأهل البغضاء والعداوة لأمير المؤمنين. فجاوبه الوليد: إني أعزله. فعزله، وولى عثمان بن حيان المري؛ وذلك في شهر رمضان المذكور. فلما صار عمر بالسويداء قال لوزاحم: يا مزاحم أتخاف أنْ نكون ممن نفت المدينة؟ وقال ميمون بن مهران: ما رأيت ثلاثة مجتمعين خيراً من عمر بن

стр. 786

عبد العزيز، وابنه عبد الملك، ومولاه مزاحم. انتهى. قلت: مات ابنه ومولاه المذكوران قبله مطعونين ومات هو مسموما. ذكر ذلك أبو نعيم الحافظ في " حلية الأولياء ". وكان ميمون بن مهرا كاتبه ﵁. وأفضت الخلافة إلى عمر باستخلاف سليمان النهم إياه فاستقر بالشام دار خلافة قومه بني أمية إلى أنْ قبض ودفن بدير سمعان. قال ابن الخطيب في شرح رقم الحلل: من عمل حمص في أخريات رجب سنة إحدى ومائة. وقبره مشهور يغشاه الناس. انتهى. وقال الشاعر يرثيه ﵁: أقول لمّا نعى الناعون لي عمرا ... لا يبعدن قوام الحق والدين قد غيث الرامسون اليوم إذ رمسوا ... بدير سمعان قسطاس الموازين وفي رواية " جبران الموازين ". أنشدهما أبو نعيم في حلية. ورأيت في نسخة منها جريان بالياء آخر الحرف وأظنه تصحيفا لأن مصدر جريان جري جريان بفتح الراء والوزن يأباه مع ما فيه من القلق من جهة المعنى وصوابه والله تعالى اعلم جربان بضم الجيم وإسكان الراء وبالباء ثانية الحروف وأظن أنَّ منه اللفظ الذي في صرف العتيبة فيمن له على رجل دينار فأعطاه به نصفين وازنين قال: لا خير فيه إلاّ أنْ يكون للدينار جربان: كعيار عنده. قال اللقاضي أبو الوليد بن رشد: جربان أي وزن معلوم. وفي صحاح الجوهري: الجريب من الطعام والأرض: ممقدار معلوم والجمع أجربة وجربان. انتهى.

стр. 787

وبين التفسيرين فرق ولكنهما حول حقيقة واحدة يدندنان. وإنْ كان عند سيدنا في تحقيق هذا اللفظ غير هذا فعسى أنْ يفيدنا به. فإذا تقرر سكناه بالمدينة أيام العمالة ثم بالشام أيام الخلافة فالأظهر أنْ طرد سعيد إياه كان أيام العمالة حيث كان ثاويا بالمدينة لقوله في الرواية: كان عمر بن عبد العزيز يخرج من الليل أراه في آخره وكان ظاهره في المثابرة ومظنتها الإقامة لولا أنَّ شيخ الحقيقة وإمام الطريقة القاضي أبا الوليد بن رشد قال: لم يهبه لمكانه من الخلافة لجزالته وقوته في الحق وقلة مبالاته باأئمة. فاقتضى كلامه أنَّ ذلك كان وهو خليفة لا وهو عامل. فإن صح ذلك فيحتمل أنْ يكون جاء ليزور المدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام في أيام خلافته وأقام فيها للعبادة. وربما يتعين هذا بأن النافلة في البيوت افضل لغير الغرباء والله أعلم بالصواب. وقد ذكر قول ابن رشد هذا محبكم ما في صحيح البخاري عن سعيد بن المسيب أنَّه قال: جاء جدي حزن إلى رسول الله ﷺ فقال له: ما اسمك؟ قال: حزن. قال أنت سهل. فقال: ما كنت أغير اسما سماني به أبواي. قال سعيد: فما زالت الحزونة فينا بعد. انتهى. ولصلابته في الحق وشدته على الدين امتحنه عبد الملك بن مروان وضربه بالسياط ألبسه المسوح وتبانا من الشعر ونهى عن الجلوس إليه. وذلك أيام استعماله هذا بن إسماعيل على المدينة وهو صاحب المد الشامي

стр. 788

لا الدينار الهاشمي، خلافاً لمن نسبه له، وإلاّ قيل الشامي أيضاً وتغيرات النسب مقصورة على السماع، وبالله تعالى التوفيق. قال عبيد الله أحمد بن محمّد المقري لطف الله به، وجدت بخط الإمام سيدي أحمد الوانشريشي في طرة: قول الإمام ابن غازي: " ولصلاته في الحق ... الخ " ما نصه: قلت: ذكر أبو العرب في كتاب الملحن، أنَّه لمّا أراد عبد الملك بن مروان أنْ يكتب العهد لابنه الوليد، قيل له لا يتم لك هذا الأمر إلاّ بابن المسيب، فكتب له، فكتب إليه أنْ يبايع، فرد إليه: إنَّ رسول الله ﷺ نهانا أنْ نبايع لخليفتين، فإن أردتها لابنك، فاخلع نفسك، وإلاّ فلا. فكتب عبد الملك إلى عامل المدينة، هشام بن إسماعيل المخزومي: إنْ لم يبايع فأضربه مائة سوط، فضربه مائة، وحلق رأسه ولحيته، وكساه تباناً من شعر، ونادى عليه، وطيف به اى الليل، فأغلقت الدور، وكثر البكاء والتحسر، وما سمع يوئذ بالمدينة إلاّ نائحة أو هاتف، لمّا انتهك من حرمته. وكان أيضاً قبل ذلك ضربه جابر بن الأسود على البيعة لابن الزبير. انتهى. ابن الحذاء: وكان جابر بن الأسود والي المدينة لابن الزبير، فدعاه إلى البيعة لابن الزبير، فضربه ستين سوطاً. ودعاه هشام بن إسماعيل أيضاً إلى البيعة للوليد وسليمان بالعهد، فلم يفعل؛ فضربه ستين سوطاً، وطاف به في المدينة، في تبان من شعر. انتهى.

стр. 789

قال بعض الشيوخ: إنْ كان استناد ابن المسيب في إبايته من البيعة للوليد حديث: " إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما "، فإنما الحديث في البيعة للخليفتين، يفرق الثاني جماعة الأمل، ويشق العصا. وإنْ كان النهي في غير هذا الحديث، فهو أعلم بما استند إليه، قال: وأما امتناعه من البيعة لابن الزبير، فإنَّ البيعة حينئذ كانت انعقدت لبني امية في الشام، وكان مذهب ابن المسيب كمذهب الأكثر، في منع القيام على من انعقدت له البيعة ثم ظهر فسقه. وانظر هذا مع قول مالك: ابن الزبير أحق بها من مروان وابنه عبد الملك. انتهى ما ألفيته على هذا المحل بخط الشيخ العلامة الوانشريشي. ووجدت أيضاً بخطه ما نصه: تنبيهات الأول - ولد أبو محمّد سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب المخزومي، لسنتين مضتا من خلافة عمر بن الخطاب. وتوفي بالمدينة، قال يحيى بن سعيد: سنة إحدى أو اثنتين وتسعين؛ وقال الواقدي: سنة أربع وتسعين؛ وكان يقال لهذه السنة الفقهاء، لكثرة من مات منهم؛ وقال المدائني ويحيى بن معين: سنة خمس ومائة. الثاني - قال غير واحد: عمال عبد الملك بن مروان: الحجاج بالعراق، وأخوه محمّد في اليمن، والمهلب بخراسان، وهشام بن إسماعيل بالمدينة، وابنه عبد الله بمصر، وموسى بن نصير بالمغرب، ومحمّد بن قلان بالجزيرة. قال ابن خلكان: وكل واحد من هؤلاء ظلوم غشوم. الثالث - هشام بن إسماعيل المذكور هنا هو ثالث آباء أبي هشام،

стр. 790

محمّد بن سلمة لبفقيه المدني، صاحب مالك. قال الشيرازي: وكان مالك إذا دخل على الرشيد دخل رجلين من بني مخزوم: المغيرة عن يمينه وابن مسلمة عن يساره. وهشام هذا هو الذي نسب إليه مدينة هشام المذكور في الوضوء والظهار والذي يذكر عنه ذكر عهدة الرقيق في خطبته وانظر شدة إنكار ابن العربي اعتبار مدينة في آية الظهار في أحكامه تطالع. انتهى ما ألفيت بخط الوانشريش. وقد سنح لي أنْ ما ذكره الشيخ ابن غازي عن ابن رشد من أنَّ طرد سعيد بن المسيب عمر بن عبد العزيز إنما كان في خلافته لا يتم إلاّ على الول بأن وفاته أعني سعيدا كانت على رأس المائة أو بعدها وأما على قول الأكثر إنَّه بعد التسعين بسنة أو سنتين أو أربع فلا يصح قطعا فتديره. ومن العجائب إغفال الشيخين: ابن غازي والوانشريشي له. وإلى الله منتهى العلم. ولنرجع إلى تكميل كلام الشيخ ابن غازي في التأليف المذكور ونصه: أما برد فليس عند معظم قدركم أكثر من أنَّه مولى سعيد كما أنَّ زيد بن حارثة وسفينة وأبا رافع وشقران: مولى رسول الله ﷺ وبلال بن رباح مولى أبي بكر ويرفأ مولى عمر بن الخطاب وحمران مولى عثمان بن عفان ونافع مولى ابن عمر وكريب وعكرمة البربري موليا ابن عباس مزاحم مولى عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنهم. وقد صرح بذلك الحافظ أبو نعيم قائلا في ترجمة سعيد من الحلية عن برد مولى سعيد ابن المسيب: ما نوي للصلاة منذ أربعين سنة إلاّ وسعيد في المسجد. انتهى.

стр. 791

ولم أجد عند أبي جعف العقيلي ولا عند أبي يحيى الباجي ولا عند ابن أبي أحد عشر الذي جمع بينهم من اسمه برد وذلك والله أعلم لأحد وجهين: إما أنَّه لم يتكلم فيخ أحد بجرح أو لكونه لا رواية له. ولا يعترض هذا بوقوعه في سند الحلية المتقدم إذ ليس بمرفوع. وقد ذكروا بعض من اسمه بريد وبريدة لوقوعهما في أسانيد المرفوع وتكلم بعض الأئمة فيهما ببعض الجرح وبالله العصمة لا رب غيره. وأبو عبد الله بن أبي أحد عشر المذكر: هو من أهل المرية وقد عده صاحب بغية الراغب في أشياخه وعرف به تعريف كافيا. ٢ - وأما أبو طالب فليس عند معظم منصبكم في شأن غير ما تضمنته الصحاح من قوله آخر كلامه عند الموت: " على ملة عبد المطلب " وحديث الضحضاح الذي يغلي منه دماغه وقوله: " لولا أنْ تعيرني النساء على المغازل لأقررت بها عينك " وما نزل فيه من قوله تعالى:) ما كان للنبي والذين آمنوا أنْ يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم (وقوله سبحانه:) إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء (وقوله جل وعلى في أحد التأويلين: " وهم ينهون عنه وينأون عنه ". وأنشد في في تفسيرها الثعلبي والزمخشري له يخاطب رسول ليس ﷺ : والله لن يصلوا إليك بجمهم ... حتى أوسد في التراب دفينا فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة ... وابشر بذاك وقر منه عيونا ودعوتني وزعمت أنك ناصح ... ولقد صدقت وكنت ثم أمينا

стр. 792

وعرضت دينا لا محال أنَّه ... من خير أدينا البرية دينا لولا الملامة أو حذاري سبة ... لوجتني سمحا بذاك مبينا وقد فسر اللطيب في فتوح الغيب غريبها. وبحسب ما تقرر من حاله أورد علماؤنا القاضي أو الفضل عياض وغيره السؤال على قوله ﵇: " لعله تنفعه شفاعتي " مع قوله تعالى:) فما تنفعهم شفاعة الشافعين (وانفصلوا عنه بما في كريم علم سيدنا. وأما عبد المطلب الذي قلده من أهل الفترة وللقاضي أبي بكر بن العربي في كتاب الناسخ والمنسوخ كلام مليح على أهل الفترة عند قوله تعالى:) إنَّ الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عيهم ولا هم يحزنون (. وقد حدث محبكم غير واحد عن الشيخ سيدي أبي محمّد عبد الله العبدوسي أنَّه كان يلهج بحديث وقف عليه في بعض الكتب غير واحد عن الشيخ سيدي أبي محمّد أنَّ الله بعث لرسول الله ﷺ أبويه حتى آمنا به ﷺ إكراها لنبيه ﵇ وكان العبدوسي يستحسنه ويسر به كثيرا. وقد أنشدني بعض أصحابنا للنميري السلوى: وإنَّ ابن طلاع روى أنَّ أحمدا ... رأى أبويه بعد ذوق المنية فأحياهما رب العباد فآمنا ... به ثم عادا مكرمين لتربة وقدره ﵇ أوسع من هذا كله ﷺ وشرف وكرم وعظم: لو ناسبت قدره آياته عظما ... أحيا اسمه حين يدعى دارس الرعم

стр. 793

وأما قول المسعودي في أبي طالب فما استفاده محبكم إلاّ من كتبكم أبقى الله لنا بركاتنا. قال جامع هذا الموضوع عبيد الله أحمد بن محمّد المقري وفقه الله: وجدت على هذا المحل من كلام الشيخ ابن غازي في الطرة بخط الإمام سيدي أحمد الوانشريشي ﵀ ما نصه: قال القاضي أبو عبد الله محمّد بن خلفة الوشتاتي المعروف بالأبي في إكمال الإكمال ما نصه: السهيلي: ورأيت في بعض كتب المسعودي: وقيل إنَّه مات مؤمنا. ولا يصح لم تقدم من الآي والأحاديث. ولا يحتج لذلك بما في السير من قول العباس: " والله لقد قال أخي الكلمة التي أمرته بها يا رسول " لأن النبي ﷺ قال: لم اسمعها. ولو أنَّ العباس شهد بذلك بعد إسلامه قبلت شهادته لأن العدل إذا قال: سمعت وقال الأعدل: لم اسمع أخذ بقول من أثبت لأن عدم السماع قد يكون لسبب. فإن قلت: قد ذكرت أنَّ السير تدل على أنَّه كان مصدقا بقلبه وقدمت الخلاف في صحته إيمان من صدق بقلبه ولم ينطق بلسانه فهل يدخل في إيمانه ذلك الخلاف؟ قلت: لا يدخل لأنه صرح بالنقيض في قوله هو: " على ملة عبد المطلب ". انتهى ما ألفيت بخط الوانشريشي. ولنرجع إلى تتميم كلام ابن غازي. ٣ - قال ﵀: وأما أبو العباس العشاب الذي عرف بابن طلحة

стр. 794

فلا يعرف مجل سيادتكم إلاّ من كلام ابن عرفة وكأنه مؤرخ. قال أحمد المقري وفقه الله: ألفيت على طرة هذا المحل بخط سيدي أحمد الوانشريشي ﵀ ما نصه: لت أبو العباس العشاب المعروف بابن طلحة في كتاب الطلاق وقد وهم فيه وعرف في الترجمة مواقع الشهادات بابن الخبازي النحوي: هو أحمد بن محمّد بن إبراهيم المرادي المعروف بالعشاب. قال ابن مرزوق الخطيب في فهرسة شيوخه: هو من أعظم من لقيت بثغر الإسكندرية وأكثرهم تحصيلا قرأت عليه بعض موطأ الإمام وكتاب الشفا في التعريف بحقوق المصطفى وكتاب التيسير وكتاب التفسير من تأليفه جمع فيه بين تفسير ابن عطية وتفسير الزمخشري وقرأت عليه أوائل الكتب الستة بأسانيده فيها. ويحمل عن أعلام منهم أبو القاسم بن البراء والشيخ العارف أبو العباس أحمد بن عثمان بن أحمد بن عجلان القيسي الإشبيلي وأبو عمر عثمان بن سفيان المعروف بابن الشقي وأبو محمّد عبد الله بن محمّد بن أحمد الواعظ المعروف بابن الحجام وأبو العباس بن الغماز وعبد الحميد بن أبي البركات بن أبي الدنيا الصدفي وأبو القاسم بن زيتون وأبو علي بن عبيل. انتهى ما ألفيت في هذا المحل بخط الشيخ سيدي أحمد الوانشريشي. ولنرجع إلى تكميل كلام ابن غازي. قال ﵀: نعم ابن طلحة الذي عرف به: هو شيخ محمود الأعرج الزمخشري قرأ عليه كتاب سيبويه بمكة شرفها الله تعالى سمعت ذلك من شيخنا الأستاذ سيدي أبي عبد الله الكبير برد الله تعالى ضريحه وقد عرف

стр. 795

صاحب الخريدة الزمخشري وهو بخزانة جامع الأندلس. وفي اعتقاد محبكم أنَّ ابن طلحة هذا النحوي خلاف الفقيه صاحب المدخل وأنَّ حظه من مسألة الاستثناء اللسان دون الفقه. فإن صح عند سيدنا أنَّه هو فليفدنا به متطولا مأجورا مشكورا. قال أحمد المقري وفقه الله: وجدت على طرة هذا المحل بخط سيدي أحمد الوانشريشي ﵀ ما نصه: قلت: بل هو هو وهو عبد الله بن طلحة بن محمّد عبد الله اليابري نزل إشبيلية أبو بكر وأبو محمّد الأول أشهرهما. روى عن جماعة من الأعلام نزل مكة شرفها الله وكان من أهل المعرفة بالفقه وأصوله ماهرا في النحو حافظا للتفسير قائما عليه ذاكرا للقصص المتعلقة به وذلك الغالب عليه وحلق به للعامة تنثال على مجلسه. وله مصنفات منها في التفسير كتاب كبير ومنها في الفقه وأصوله وشرح صدر رسالة الشيخ أبي محمّد ومنها رد على ابن حزم ومنها كتاب في الفقه على مذهب مالك سماه سيف الإسلام ومنها كتاب سمها المدخل إلى هذا المتاب واستوطن مصر وقتا ثم رحل إلى مكة فجاور فيها إلى أنْ توفي بها ﵀. وكان حيا سنة ست عشرة وخمس مائة وكانت له معرفة تامة بكتاب سيبويه وبسببه ارتحل إليه الزمخشري من خوارزم لقراءته عليه. انتهى. من كتاب الذيل والتكملة لابن عبد الملك. وذكر الشيخ أبو حيان في باب القسم أنَّ الزمخشري رحل من خوارزم إلى مكة قبل العشرين والخمس مائة لقراءة كتاب سيبويه على رجل من أصحابنا وما أهل الأندلس يعرف بابي بكر بن طلحة اليابري وكان مجاورا بها عالما

стр. 796

بالكتاب وغيره وله تصانيف تقرأ عليه. قلت: وتوفي فخر خوارزم أبو القاسم محمود سنة ثمان وثلاثين وخمي مائة. وقطعت إحدى رجليه بسبب الثلج ولم يكن لريبة والله اعلم. انتهى ما وجد بخط الشيخ الوانشريشي على هذا المحل. ولنرجع لكلام الإمام ابن غازي. قال ﵀: وثم ابن طلحة آخر وهو مخاطب أحد بني رغبوش بقصيدة مديحية زائة الروى هائية الوصل حسبما ذكر ابن عبد الملك في تكلمته. ٤ - وأما الآبلي المصري فلا إخالة طرق اسمه سمعي إلاّ من جهتكم فإنكم ذكرتموه لي في غير هذا الوقت وقد سألت الفقيه المحقق سيدي أبا عبد الله الغوري ليلة عن ضبط باء الآبلي الذكي الرحال: أبالضم أو بالكسر فكأنه ترجح فيه ثم مال إلى الضم. ٥ - وأما رجال أهل السنة والمعتزلة فلا علم لمحبكم هل صنف فيهم أم لا. نعم ربما سمعت أو رأيت بعض حكاياتهم في المناظرة كمناظرة الشافعي حفصا الفرد بعد ما أنشده الشافعي يتوعده متمثلا: ستعلم يا يزيد إذا التقينا ... بشط الزاباي فتى أكون وذكرهم أبو نعيم في الحلية ومناظرة القاضي أبي بكر الطيب الباقلاني ابن المؤدب إذ أخرج ابن المؤدب فولا فرمى به يعرض بالباقلاني فأخرج

стр. 797

الباقلاني سوطا فرمى به يعرض بابن المؤدب والحكاية ظريفة ذكرها صاحب بغية الراغب في ترجمة أبي عبد الله البغدادي. قال أحمد المقري وفقه الله: وجدت بخط الوانشريشي بطرة هذا المحل ما نصه: أبو عبد الله هذا هو أبو بكر بن مجاهد والله أعلم. انتهى. ولنرجع إلى كرم ابن غازي: قال ﵀ ما نصه: قال قال فنا خسرو يوما لوزرائه: هؤلاء المثبنة أما لهم ناصر؟ فقال له القاضي قاضي الجماعة بشر بن الحسين: ليس لهم ناصر وإنما هم قوم رعاع أتباع حشوية لا يعرفون النظر وإنما هم أصحاب روايات وأخبار والمعتزلة هم فرسان المناظر والجدل. فقال فنا خسرو: محال أنْ يكون مذهب قد طبق الأرض وليس له ناصر. فقال له بشر بن الحسين: سمعت أنَّ رجلين بالبصرة أحدهما شيخ والآخر شاب فأما الشيخ فهو أبو بكر محمّد بن مجاهد وأما الشاب فهو أبو بكر بن الطيب. فأرسل إليهما الأمير فنا خسرو وخمسة آلاف درهم فضة طيبة. فقال أبو بكر بن مجاهد هؤلاء قوم ظلمة فسقة لا يحل لي أنْ أطأ بسطهم وليس غرضهم منا إلاّ أنْ يقال إنَّ مجلسه مشتمل على أصحاب المحابر ولو كان ذلك الله تعالى لكانت أموره جارية على السداد وأنا لأحضر عند قوم هذه الصفة. قال أبو بكر بن الطيب فقلت له هكذا قال عبد الله ابن كلاب والحارث بن أسد المحاسبي: إنَّ المأمون ظالم فسق ولا نحضر مجالسه حتى سيق أحمد بن حنبل إلى طرسوس ولمّا مات المأمون ضربه المعتصم

стр. 798

بالسياط ولو نصروه لكان أولى لأن الرجل كان الرجل كان يدعى أنَّ أهل السنة ليست لهم حجة على قولهم وإنما غراضهم رياسة العامة ودفن الحق ولو مضوا إلى المعتصم وبينوا له أنَّ الذي يدعى زور وبهتان لأرتدع المعتصم ولكن أسلموا أحمد بن حنبل لابن أبي داود القاضي فجرى على أحمد ما جرى وهم ينظرون. وكذلك أنت سلكت مسلكهم حتى يجري على الفقهاء ما جرى على أحمد بن حنبل وهنأ خارج. فقال له ابن مجاهد: إذا شرح الله لك صدرك لذلك فافعل. قال القاضي أبو بكر بن الطيب: فخرجت إلى شيراز فلما دخلت المدينة استقبلني ابن الخفيف في جماعة من الصوفية وأهل السنة فلما جلسنا في موضع كان ابن خفيف يدارس فيه أصحابه اللمع للشيخ أبي الحسن الأشعري قال له القاضي أبو بكر: تماد على التدريس كما كنت فقال له ابن خفيف: أصلحك الله إنما أنا بمنزلة المتيم عند عدم الماء فإذا وجد الماء فلا حاجة إلى التيمم. فقال له القاضي: جزاك الله خيرا وما أنت بمتيمم بل لك وافر من هذا العلو وأنت على الحق والله ينصرك. قال القاضي أبو بكر: قلت: متى الدخول إلى فنا خسرو؟ فقال لي: يوم الجمعة لا يحجب عنه صاحب طيلسان. فدخلت والناس قد أجمعوا والملك قاعد على سرير ملكه والناس صفوف على يسار الملك وفوق الكل قاضي القضاة بشر بن الحسين وكان يدخل مع الوزراء في وزاراتهم ويصغي الملك إلى رأيه في أمر الدولة. قال القاضي أبو بكر: فلما رأيت ذلك كرهت أنْ أتقدم على الناس وأتخطى رقابهم من غير أنْ أرفع ولم تدعني نفسي أنْ اقعد في أخريات الناس

стр. 799

وكان عن يمين الملك المجلس خاليا ولا يقعد هناك إلاّ ملك أو وزير عظيم المنزلة فمضيت وقعدت عن يمينه بحذاء قاضي القاضاة فوجدوا من ذلك وفزعوا واضربوا لأن كان عندهم من الجنايات العظام وما كان في المجلس من يعرفني إلاّ رجل واحد فقال للقاضي: أطال الله بقاء سيدنا هذا هو الرجل الذي طلبه الملك مولانا. فقال قاضي القضاة: أطال الله بقاء مولانا هذا هو الرجل الذي كتبت فيه وهو لسان المثبتة فنظر إلى الغلمان بين يديه والحجاب فطاروا من بين يديه ثم قال لهم: اذكروا له مسألة. وكان في المجلس رئيس البغداديين وهو الأحدب وما كان زمانه أفصح منه ولا أعلم منه عندهم فأما البصريون فحضر منهم خلق كثير أقدمهم أبو إسحاق النصيبي. فقال الأحدب لتلاميذه: سلوه: هل لله تعالى أنْ يكلف الخلق ما لا يطيقونه أو ليس له ذلك؟ فقال الرجل للقاضي: هل لله تعالى أنْ يكلف الخلق ما لا يطيقونه أو ليس له ذلك؟ فقال له القاضي أبو بكر: إنْ أردت بالتكليف القول المجرد فالقول المجرد قد توجه لأن الله تعالى قال:) قل كونوا حجارة أو حديدا (ونحن لا نقدر أنْ نكون حجارة ولا حديدا وقال تعالى) أنبئوني بأسماء هؤلاء إنْ كنتم صادقين (فطلبهم بما لا يلمون وقال تعالى) ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون (وهذا كله أمر بما لا يقدر عليه الخلق وإنْ أردت التكليف الذي نعرفه وهو ما يصح فعله وتركه فالكلام متناقض وسؤالك فاسد. فاخذ الأحد الكلام وقال: أيها الرجل أنت سئلت عن كلام مفهوم

стр. 800

فطرحه في الاحتمالات وليس ذلك بجواب والجواب - إذا سئلت: هذا لله تعالى أنْ يكلف الخلق ما لا يطيقون - أنْ تقول: نعم له أنْ يكلف أو ليس له أنْ يكلف. فعدلت عن الجواب إلى ما ليس بجواب وهذا اضطراب شديد. قال القاضي: فلما لم يوقرني ولم يخاطبني بما يليق قلت له: أيها الرجل أنت عائم ورجلاك في الماء إني طرحت الكلام في الاحتمالات فلم تعدل أنت إلاّ لعجز أو لعي فإن كان معك كلام في المسألة وإلاّ تكلم في غيرها. فال الملك للأحدب: هذا قد بين الاحتمالات وتلا عليك الآيات. ثم إني جمعتكم إلاّ لنستفيد ولا لمّا لا يليق بالعلماء. ثم التفت إلى وقال لي: تكلم على المسألة فقالت: ما لا يطاق على ضربين: أحدهما يطاق للعجز منه والآخر لا يطاق للاشتغال عنه بضده كما يقال: فلان لا يطيق التصرف لاشتغاله بالكتابة وما أشبه ذلك وهذا سبيل الكافر: إنَّه لا يطيق الإيمان لا لأنّه عاجز عن الإيمان لكنه لا يطيقه لاشتغاله بضده الذي هو الكفر فهذا يجوز تكليفه بما لا يطاق. وأما العاجز فما ورد في الشريعة تكليفه ولو ورد لكان صوليا وقد أثنى الله تعالى على من سأله ألاّ يكلفه ما لا طاقة له به لأن الله تعالى له أنْ يفعل في ملكه ما يريد. ثم تجاوز الأحدب إلى غيره من الكلام ومال الملك إلى قول القاضي أبي بكر. قال القاضي: ثم سألني النصيبى عن مسألة الرؤية: هذا يرى الباري سبحانه بالعين؟ وهل تجوز الرؤية عليه أو تستحيل؟ وقال: كل شيء يرى

стр. 801

بالعين فيجب أنْ يكون في مقابلة العين. فالتفت الملك إلى القاضي أبي بكر وقال له: تكلم أيّها الشيخ في المسألة. فقال القاضي: لو كان الشيء يرى بالعين لوجب أنْ يكون في مقابلة العين على ما قال ولكن لا يرى الشيء بالعين. فتعجب الملك من ذلك والتفت إلى قاضي القضاة فقال: إذا لم يرى الشيء بالعين فبأي شيء يرى؟ فقال: يسأله الملك. فقال: أيّها الشيخ فبأي شيء يرى إذا لم يرى بالعين؟ فقال أبو بكر يرى بالإدراك الذي في العين. ولو كل شيء يرى بالعين لكان يجب أنْ نرى كل عين قائمة وقد علمنا أنَّ الأجهر عينه قائمة ولا يرى شيئاً. فزاد الملك تعجبا وقال للنصيبي: تكلم. فقال النصيبي: إني لم أعلم أنَّه يقول هذا ولا بنيت إلاّ على ما نعرف وظننت أنَّه يسلم أنْ الشيء يرى بالعين. فغضب الملك وقال: ما أنت مثل الرجل لأنك بنيت المسألة على الظن. ثم التفت إليَّ وقال: تكلم. فقلت: العين لا ترى وإنما ترى الأشياء بالإدراك الذي يحدثه الله تعالى فيها وهو البصر إلاّ ترى أنَّ المحتضر يرى الملائكة ونحن لا نراهم؟ وكان النبي ﷺ يرى جبريل ﵇ ولا يراه من يحضره؟ والملائكة يرى بعضهم بعضا ولا نراهم نحن؟ والدليل على جواز رؤية الباري تعالى أنَّه ليس فيها قلب للحقائق ولا إفساد للأدلة ولا إلحاق صفة نقص بالقدير تعالى فوجب أنْ يكون كسائر الموجودات لأنّه تعالى موجود والشيء إنّما يرى لأنّه موجود لأنَّ المرئي لم يكن مرئيا لأنّه جنس لانا نرى سائر الأجناس المختلفة ولا لقيام معنى بالمرئى لانا نرى الأعراض التي لا تحتمل المعاني وقد ثبت بالنص

стр. 802

وجوب رؤية الحق سبحانه في الدار الآخرة. ثم طول الكلام. قال ولم يزل فنا خسرو يتقرب إليه وينزل عن سريره ملكه حتى صار بين يديه لمّا استعذب من كلامه. فلما فرغ من المسألة قيل للفارابي صاحب المنطق: تكلم معه فتلجلج في كلامه واقشعر وقال: إنما أنا صاحب إصطرلاب ما قدر هؤلاء وهم فرسان الكلام: الأحدب وبرغوث وغيرهم على جدالة. فخرج القاضي أبو بكر وأمر الملك بإنزاله والجراية عليه وقال: والله ما كنت إلاّ مفكرا بأي لون من القتل أقتله إذا لم يستحق مكانه وأما الآن فقد ظهر لي أنَّه أحق بمكاني هذا ولكني مبتلى بالملك. انتهى. والمراد بالمثبتة هنا: أهل السنة والزمخشري يسميهم المجبرة وقع له ذلك وفي أماكن من الكشاف منها في تفسير قوله تعالى:) قل لا يستوي الخبيث والطيب (وفي وقوله سبحانه:) وقال الشيطان لمّا قضى الأمر (. ولصاحب " الانتصاف من الكشاف " ولصاحب فتوح الغيب في الرد عليه عند تفسير الآيتين كلام حسن ينبغي الوقوف عليه. وسمى أهل السنة المجبرة لاعتقاده قرب مذهبهم من مذهب الجبرية لا سيما وقد قال بعض أئمة أهل السنة: " وبالجبر أقول والله المستعان ".

стр. 803

وقد حدثنا شيخنا الأستاذ سيدي أبو عبد الله الكبير عن شيخه أبي عبد الله العكرمي وكان لسنا أنَّه كان كثيرا ما يقول: إمامان عظيمان قالا بالجبر من أئمتنا: القاضي أبو بكر بن العربي والفخر بن الخطيب كما أنَّ إمامين عظيمين من أئمتنا نسب إليهما القول بالجهة وهما أبو محمّد بن أبي زيد وأبو عمر بن عبد البر وجنح لذلك ابن المرابط في تفسير البخاري وهو ديوان كبير بخزانة جزيرة الأندلس. ثم عند محبكم تردد في أبي بكر بن مجاهد هذا هو شيخ أئمة الإقراء الذي يعتمد عليه أبو عمرو الداني في إيجاز البيان وفي التمهيد كثيرا. وقال فيه الجعبري إنَّه المسبع الأول. صنف كتاب السبعة على رأس الثلاث مائة. وقال أبو علي الأهوازي: هو الذي أخرج يعقوب من السبعة وجعل الكستنائي مكانه. وهو الذي قال له الشبلي: أين تجد في القرآن العزيز أنَّ الحبيب لا يعذب حبيبه؟ فقال: لا أدري. فأشار إلى قوله تعالى:) قل فلم يعذبكم بذنوبكم (حسبما بسطه القاضي أبو الفضل عياض في ترجمة الشبلي من المدارك. وفي ظنى أنَّ اسم المقرئ موسى وقد سمى هذا هاهنا محمّدا فلسيدنا الفضل في تحقيق ذلك لنا في كتاب طبقات القراء لأبي

стр. 804

عمرو الداني ومن تعريف الجعبري الذي ختم به شرح القصيد وهما بخزانة جامع القرويين عمره الله تعالى. لله در على بن المدني حيث قال: أشد التصحيف في أسماء الرجال. ولا شك أنَّ هذا موضع لبس كابني وابني زياد ممن اتحد اسمه وتعدد مسماه وكالأبهرى والصالحي في عكسه. ورحم الله الفقيه الشيخ سيدي أبا محمّد عبد الله العبدوسي فقد حدثني عنه التقة أنَّه كان يمثل هذا المعرض الذي نحن بصدده بقضية القاضي أبي بكر ابن العربي فإن كثيرا من الناس ينكرون أنْ يكون هو المدفون خارج باب المحروق ويقولون إنما هو مدفون خارج باب الجيسة واغتروا في ذلك بظواهر التواريخ. وذلك أنْ القاضي أبا الفضل عياض ذكر في الغنية أنه دفن خارج باب الجيسة قال: وجوابه أنَّ باب المحروق لم يكن فتح في ذلك الوقت وإنما فتح على رأس ست مائة سنة فكان ذلك الخارج كله ينسب لباب الجيسة ثم يدفع في صدر هذا الجواب ما في بعض هذه التواريخ أنه دفن على مقربة من حارة الجذامي. قال: وجوابه أنَّ الجذامي كانوا هناك قديما حتى تضرر أهل فاس بسكناهم على رأس مائهم فنقلوا إلى موضعهم اليوم.

стр. 805

ثم يرد على هذا أنا نجد عند باب الجيسة إلى جنب حارة الجذمى قبر رجل يسمى بابن العربي يقصده الناس بالزيارة كثيرا فلعله هو. قال: وجوابه أنَّ ذلك رجل آخر يدعى أيضاً بابن العربي كان موقتا في القرويين. قلت: ويزاد فيه إنَّ الفقيه هو أبو بكر وهذا الذي خارج باب المحروق اشتهر بابي يحيى. وجوابه إنهما كنيتان مترادفتان على مسمى واحد وبالله التوفيق. وقد هذى محبكم هنا وهجر وأهدى التمر لأهل هجر وجلب العنبر إلى البحر الأخضر فلكم الفضل في الإغضاء والتجاوز والإمضاء. وكتب في أوائل ذي الحجة الحرام خاتم عام سبعة وثمانين وتسع مائة عرفنا الله خيره ووقانا ضيره والسلام الكريم يخص مقامكم العلي ومنصبكم السمي وأهليكم وذويكم ومن هو منكم وفيكم ورحمة الله تعالى وبركاته. انتهى التأليف العجيب للشيخ العلامة أبي عبد الله بن غازي ﵀ ووجدت في آخره ما نصه: الحمد لله وكذلك يسلم على كريم مقامكم خديمكم أحمد بن محمّد بن غازي قاصدا بتوالي كتبه التبرك بكم ملتمسا منكم الدعاء أفاض الله علينا من بركاتكم ونفعنا بمحبتكم بجاه النبي ﵇. انتهى. وأوردت جميعه لمّا قدمته والله تعالى المنجد المعين. قلت: وقد وقفت على كلام لبعض الأقدمين " ينفي الاحتمال " في أمر ابن العربي المذكور ونصه: توفي ابن العربي منصرفه من مراكش بموضع

стр. 806

يعرف بأغلان على مسيرة يوم من فاس غربا منها فاحتمل فينا إلى فاس في اليوم الثاني من موته وذلك يوم الأحد السابع من ربيع الأول سنة ثلاث وأربعين وخمس مائة ودفن بأعلى مدينة فاس خارج القصبة بتربة القائد مضفر وصلى عليه صاحبه أبو الحكم بن حجاج ﵀. انتهى. وقدمنا عن ابن بشكوال أنه توفي في ربيع الآخر من هذه السنة فالله اعلم. وقد ذكر بعض من شرح الشفا أنَّ ابن العربي توفي سنة أثنتين وأربعين. قلت: وهو غير صحيح إن شاء الله تعالى وإنما الصحيح ما قدمته. ومن صلابة الإمام أبي بكر بن العربي ﵀ أنَّه حكم في زامر بثقب أشتداق حسبما نقله صاحب المعيار وغيره. ومن بديع نظمه ﵀: أتتني نؤنبي بالبكا ... فأهلا بها وبتأنيبها تقول وفي نفسها حسرة ... أتبكي بعين تراني بها فقلت إذا استحسنت غيركم ... أمرت جفوني بتعذيبها وقال ﵀: دخل علي ابن صارة وبين يدي نار قد علاها رماد فقلت: لتقل في هذا فقال: شابت نواصي النار بعد سوادها ... وتسترت عنا بثوب رماد ثم قال لي ابن صارة: أجز فقلت: شابت كما شبنا وزال شبابنا ... فكأنما كنا على ميعاد

стр. 807

وحكى غير واحد أنَّ أبا بكر بن العربي ﵀ بينما هو جالس في محل درسه إذ دخل شاب من الملثمين وبيده رمح فهزه فقال القاضي أبو بكر ﵀: يهز على الرمح ضبي مهفهف ... لعوب بألباب البرية عابث فلو كان رمحا واحدا لاتقيته ... ولكنه رمح وثاني وثالث وقد اختلف حذاق الأندلس من أهل الأدب في معنى الرمح الثاني والثالث وأكثرهم يقول: هما القد واللخظ والله اعلم. ولمّا ذكر الإمام ابن العربي المذكور ﵀ في كتاب قانون التأويل ركوبه البحر في رحلته من إفريقية قال: وقد سبق في علم الله أنْ يعظم علينا البحر بزوله ويغرقنا في هوله فخرجنا من البحر خروج الميت من القبر وانتهينا بعد خطب طويل إلى بيوت بني كعب بن سليم ونحن من السغب على عطب ومن العرى في أقبح زي قد قذف البحر زقاق زيت مزقت الحجارة منيئتها ودسمت الأدهان وبردها وجلدها فاحتزمناها أزرا واشتملناها لفعا تمجنا الأبصار وتخذلنا الأنصار فعطف أميرهم علينا فأوينا إليه فآوانا وأطعمنا الله تعالى على يديه وسقانا وأكرم مثوانا وكسانا بأمر حقير ضعيف وفن من العلم ظريف. وشرحه: أنا لمّا وقفنا على بابه ألفيناه يدير أعواد الشاه فعل السامد اللاه فدنوت منه في تلك الأطمار وسمح لي بياذقه إذ كنت من الصغر في

стр. 808

حدّثني يسمح فيه للأغمار ووقفت بأزائهم أنظر إلى تصرفهم من ورائهم إذ كان علق بنفسي بعض ذلك من بعض القرابة في خلس بطالة مع غلبة الصبوة والجهالة فقلت للبياذقة: الأمير أعلم من صحابه فلمحوني شزرا وعظمت في أعينهم بعد أنْ كنت نزرا وتقدم إلى الأمير من نقل إليه الكلام فاستدعاني فدنوت منه وسألني: هل لي بما فيه بصر؟ فقلت لي فيه بعض نظر سيبدو لك ويظهر حرك تلك القطعة ففعل وعارضه صاحبه فأمرته أنْ يحرك أخرى وما زالت الحركة بينهم كذلك تترى حتى هزمهم الأمير وانقطع التديبر فقال: ما أنت بصغير. وكان في أثناء تلك الحركات قد ترنم ابن عم الأمير منشدا: وأحلى الهوى ما شك في الوصل ربه ... وفي الهجر فهو الدهر يرجو ويتقي فقال: لعن الله أبا الطيب أو يشك الرب؟ فقال له في الحال: ليس كما ظن صاحبك أيّها الأمير إنما أراد بالرب ها هنا الصاحب. يقول: ألذ الهوى ما كان المحب فيه من الوصال وبلوغ الغرض من الآمال على ريب فهو في وقته كله على رجاء لمّا يؤمله وتقاة لمّا يقطع به كما قال: إذا لم يكن في الحب سخطا ولا رضا ... فأين حلاوة الرسائل والكتب وأخذنا نظيفالى ذلك من الأغراض في طرفي الإبارم والانتقاض ما حرك منهم إلى جهتي داعي الانتهاض وأقبلوا يعجبون مني ويسألونني كم سني ويستكشفونني عني فبقرت لهم حديثي وذكرت لهم نجيثي وأعلمت الأمير بأن أبي معي فاستدعاه وقمنا الثلاثة إلى مثواه فخلع علينا خلعه وأسبل علينا أدمعه وجاء كل خوان بأفنان الألوان. ثم قال بعد المبالغة في وصف ما نالهم من إكرامه:

стр. 809

فانظر إلى هذا العلم الذي هو إلى الجهل اقرب مع تلك الصبابة اليسيرة من الأدب كيف أنقذانا من العطب؟ وهذا الذي يرشدكم إنْ غفلتم إلى الطلب. وسرنا حتى انتهينا إلى ديار مصر. انتهى مختصرا. والزوال العجب ونجيث الخبر: ما ظهر من قبيحه يقال: بدا نجيث القوم: إذا ظهر سرهم الذي كانوا يخفونه. قالها الجوهري. إفادة: قال الإمام غازي ﵀: في هذه الرحلة لقي ابن العربي شيخه ذانشمند الأكبر وهو إسماعيل الطوسي ودانشمند الأصغر وهو أبو حامد الغزالي الطوسي. ومعنى ذامنشد بلغة الفرس عالم العلماء وكان شيخنا الأستاذ أبو عبد الله الصغير يحكي أنا عن شيخه أبي محمّد عبد الله العبدوسي أنَّه بلغه الفرس يفخمون ميم دانشمند والله تعالى اعلم. قال ابن العربي في قانون التأويل: ورد علينا دانشمند يعني الغزالي فنزل برباط أبي سعد بإزاء المدرسة النظامية معرضا عن الدنيا مقبلا على الله تعالى فمشينا إليه وعرضنا أمنيتنا عليه وقلنا له: أنت ضالتنا التي كنا ننشد وإمامنا به نسترشد. فلقيناه لقاء المعرفة وشاهدنا منه ما كان فوق الصفة وتحققنا أنَّ الذي نقل إلينا من الخبر على الغائب فوق المشاهدة ليس على العموم ولو رآه علي بن العباس لمّا قال: إذا ما مدحت امرأ غائبا ... فلا تغل في مدحه واقصد

стр. 810

فإنك إنْ تغلُ تغل الظنو ... ن فيه إلى الأمد الأبعد فيصغر من حيث عظمته ... لمفضل المغيب على المشهد انتهى. وقال بعض من عرف به، أعنى بابن العربي ﵀، ما نصه: علم الاعلام، الطاهر الأثواب، الباهر الألباب، الذي أنسى ذكاء إياس، وترك التقليد للقياس، وانتج الفرع من الأصل، وغدا في يد الإسلام أمضى من النصل، سقى الله به الأندلس، بعد ما أجدبت من المعارف، ومدينة عليها منه الظل الوارف، فكساها رونق نبله، وسقاها ريق وبله، وكان أبوه أبو محمّد بإشبيلية المأمون لابن أبي داود، ولاه الولايات الشريفة، وبواه المراتب المنيفه، فلما أقفزت حمص من ملكهم وخلت، وألقتهم منها وتخلت، رحل به إلى المشرق، وحل فيه محل الخائف الفرق، فجال في أكنافه، وأجال قداح الرجاء في استقبال العز واستئنافه، فلم يسترد ذاهبا، ولم يجد كمعتمد باذلا زاهيا، فعاد إلى الرواية والسماع، وما استفاد من إجالة تلك الأطماع، وأبو بكر إذ ذاك في ثرى الذكاء قضيب ما دوح، وفي روض الشباب زهر ما صوح، فألزمه مجالس العلم رائحا وغاديا، ولازمه سائقا إليها وحاديا، حتى استقرت به مجالسه، واطردت له مقياسه، فجد في طلبه، واستجد به أبوه منخرق أربه،
следующие страницы →