Полный текст (1 044 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
يعرف بأغلان على مسيرة يوم من فاس غربا منها فاحتمل فينا إلى فاس في اليوم الثاني من موته وذلك يوم الأحد السابع من ربيع الأول سنة ثلاث وأربعين وخمس مائة ودفن بأعلى مدينة فاس خارج القصبة بتربة القائد مضفر وصلى عليه صاحبه أبو الحكم بن حجاج ﵀. انتهى.
وقدمنا عن ابن بشكوال أنه توفي في ربيع الآخر من هذه السنة فالله اعلم.
وقد ذكر بعض من شرح الشفا أنَّ ابن العربي توفي سنة أثنتين وأربعين. قلت: وهو غير صحيح إن شاء الله تعالى وإنما الصحيح ما قدمته.
ومن صلابة الإمام أبي بكر بن العربي ﵀ أنَّه حكم في زامر بثقب أشتداق حسبما نقله صاحب المعيار وغيره.
ومن بديع نظمه ﵀:
أتتني نؤنبي بالبكا ... فأهلا بها وبتأنيبها
تقول وفي نفسها حسرة ... أتبكي بعين تراني بها
فقلت إذا استحسنت غيركم ... أمرت جفوني بتعذيبها
وقال ﵀: دخل علي ابن صارة وبين يدي نار قد علاها رماد فقلت: لتقل في هذا فقال:
شابت نواصي النار بعد سوادها ... وتسترت عنا بثوب رماد
ثم قال لي ابن صارة: أجز فقلت:
شابت كما شبنا وزال شبابنا ... فكأنما كنا على ميعاد
стр. 807
وحكى غير واحد أنَّ أبا بكر بن العربي ﵀ بينما هو جالس في محل درسه إذ دخل شاب من الملثمين وبيده رمح فهزه فقال القاضي أبو بكر ﵀:
يهز على الرمح ضبي مهفهف ... لعوب بألباب البرية عابث
فلو كان رمحا واحدا لاتقيته ... ولكنه رمح وثاني وثالث
وقد اختلف حذاق الأندلس من أهل الأدب في معنى الرمح الثاني والثالث وأكثرهم يقول: هما القد واللخظ والله اعلم.
ولمّا ذكر الإمام ابن العربي المذكور ﵀ في كتاب قانون التأويل ركوبه البحر في رحلته من إفريقية قال:
وقد سبق في علم الله أنْ يعظم علينا البحر بزوله ويغرقنا في هوله فخرجنا من البحر خروج الميت من القبر وانتهينا بعد خطب طويل إلى بيوت بني كعب بن سليم ونحن من السغب على عطب ومن العرى في أقبح زي قد قذف البحر زقاق زيت مزقت الحجارة منيئتها ودسمت الأدهان وبردها وجلدها فاحتزمناها أزرا واشتملناها لفعا تمجنا الأبصار وتخذلنا الأنصار فعطف أميرهم علينا فأوينا إليه فآوانا وأطعمنا الله تعالى على يديه وسقانا وأكرم مثوانا وكسانا بأمر حقير ضعيف وفن من العلم ظريف.
وشرحه: أنا لمّا وقفنا على بابه ألفيناه يدير أعواد الشاه فعل السامد اللاه فدنوت منه في تلك الأطمار وسمح لي بياذقه إذ كنت من الصغر في
стр. 808
حدّثني يسمح فيه للأغمار ووقفت بأزائهم أنظر إلى تصرفهم من ورائهم إذ كان علق بنفسي بعض ذلك من بعض القرابة في خلس بطالة مع غلبة الصبوة والجهالة فقلت للبياذقة: الأمير أعلم من صحابه فلمحوني شزرا وعظمت في أعينهم بعد أنْ كنت نزرا وتقدم إلى الأمير من نقل إليه الكلام فاستدعاني فدنوت منه وسألني: هل لي بما فيه بصر؟ فقلت لي فيه بعض نظر سيبدو لك ويظهر حرك تلك القطعة ففعل وعارضه صاحبه فأمرته أنْ يحرك أخرى وما زالت الحركة بينهم كذلك تترى حتى هزمهم الأمير وانقطع التديبر فقال: ما أنت بصغير. وكان في أثناء تلك الحركات قد ترنم ابن عم الأمير منشدا:
وأحلى الهوى ما شك في الوصل ربه ... وفي الهجر فهو الدهر يرجو ويتقي
فقال: لعن الله أبا الطيب أو يشك الرب؟ فقال له في الحال: ليس كما ظن صاحبك أيّها الأمير إنما أراد بالرب ها هنا الصاحب. يقول: ألذ الهوى ما كان المحب فيه من الوصال وبلوغ الغرض من الآمال على ريب فهو في وقته كله على رجاء لمّا يؤمله وتقاة لمّا يقطع به كما قال:
إذا لم يكن في الحب سخطا ولا رضا ... فأين حلاوة الرسائل والكتب
وأخذنا نظيفالى ذلك من الأغراض في طرفي الإبارم والانتقاض ما حرك منهم إلى جهتي داعي الانتهاض وأقبلوا يعجبون مني ويسألونني كم سني ويستكشفونني عني فبقرت لهم حديثي وذكرت لهم نجيثي وأعلمت الأمير بأن أبي معي فاستدعاه وقمنا الثلاثة إلى مثواه فخلع علينا خلعه وأسبل علينا أدمعه وجاء كل خوان بأفنان الألوان.
ثم قال بعد المبالغة في وصف ما نالهم من إكرامه:
стр. 809
فانظر إلى هذا العلم الذي هو إلى الجهل اقرب مع تلك الصبابة اليسيرة من الأدب كيف أنقذانا من العطب؟ وهذا الذي يرشدكم إنْ غفلتم إلى الطلب.
وسرنا حتى انتهينا إلى ديار مصر. انتهى مختصرا.
والزوال العجب ونجيث الخبر: ما ظهر من قبيحه يقال: بدا نجيث القوم: إذا ظهر سرهم الذي كانوا يخفونه. قالها الجوهري.
إفادة: قال الإمام غازي ﵀: في هذه الرحلة لقي ابن العربي شيخه ذانشمند الأكبر وهو إسماعيل الطوسي ودانشمند الأصغر وهو أبو حامد الغزالي الطوسي. ومعنى ذامنشد بلغة الفرس عالم العلماء وكان شيخنا الأستاذ أبو عبد الله الصغير يحكي أنا عن شيخه أبي محمّد عبد الله العبدوسي أنَّه بلغه الفرس يفخمون ميم دانشمند والله تعالى اعلم.
قال ابن العربي في قانون التأويل: ورد علينا دانشمند يعني الغزالي فنزل برباط أبي سعد بإزاء المدرسة النظامية معرضا عن الدنيا مقبلا على الله تعالى فمشينا إليه وعرضنا أمنيتنا عليه وقلنا له: أنت ضالتنا التي كنا ننشد وإمامنا به نسترشد. فلقيناه لقاء المعرفة وشاهدنا منه ما كان فوق الصفة وتحققنا أنَّ الذي نقل إلينا من الخبر على الغائب فوق المشاهدة ليس على العموم ولو رآه علي بن العباس لمّا قال:
إذا ما مدحت امرأ غائبا ... فلا تغل في مدحه واقصد
стр. 810
فإنك إنْ تغلُ تغل الظنو ... ن فيه إلى الأمد الأبعد
فيصغر من حيث عظمته ... لمفضل المغيب على المشهد
انتهى.
وقال بعض من عرف به، أعنى بابن العربي ﵀، ما نصه: علم الاعلام، الطاهر الأثواب، الباهر الألباب، الذي أنسى ذكاء إياس، وترك التقليد للقياس، وانتج الفرع من الأصل، وغدا في يد الإسلام أمضى من النصل، سقى الله به الأندلس، بعد ما أجدبت من المعارف، ومدينة عليها منه الظل الوارف، فكساها رونق نبله، وسقاها ريق وبله، وكان أبوه أبو محمّد بإشبيلية المأمون لابن أبي داود، ولاه الولايات الشريفة، وبواه المراتب المنيفه، فلما أقفزت حمص من ملكهم وخلت، وألقتهم منها وتخلت، رحل به إلى المشرق، وحل فيه محل الخائف الفرق، فجال في أكنافه، وأجال قداح الرجاء في استقبال العز واستئنافه، فلم يسترد ذاهبا، ولم يجد كمعتمد باذلا زاهيا، فعاد إلى الرواية والسماع، وما استفاد من إجالة تلك الأطماع، وأبو بكر إذ ذاك في ثرى الذكاء قضيب ما دوح، وفي روض الشباب زهر ما صوح، فألزمه مجالس العلم رائحا وغاديا، ولازمه سائقا إليها وحاديا، حتى استقرت به مجالسه، واطردت له مقياسه، فجد في طلبه، واستجد به أبوه منخرق أربه،
стр. 811
ثم أدرك حمامه، ووراته هناك رجامه، وبقي أبو بكر متفرد، وللطلب متجردا، حتى أصبح في العلم وحيداً، ولم تجد عنه الرياسة محيدا، فكر إلى الأندلس، فحلها والنفوس إليه متطلعه، ولأنبائه متسمعه، فناهيك من حظوة لقي، ومن غزة سقى، ومن رفعة سما إليها ورقي، وحسبك من مفاخر قلدها، ومن محاسن أنس أثبتها فيها وخلدها.
وقد أثبت من بديع نظمه ما يهز أعطافا، وترده الأوهام نطافا. فمن ذلك قوله يتشوق إلى بغداد، ويخاطب أهل الوداد:
أمنك سرى والليل يخدع بالفجر ... خيال حبيب قد حوى قصب الفخر
جلا ظلم الظلماء مشرق نوره ... ولم يخبط الظلماء بالأنجم الزهر
ولم يرض بالأرض البسيطة مسحبا ... فسار على الجوزاء إلى فلك يجرى
وحث مطايا قد مطاها بعزة ... فأوطأها قسرا على قنة النسر
فصارت ثقالا بالجلالة فوقها ... وسارت عجالا تتقي ألم الرجر
وجرت على ذيل المجرة ذيلها ... فمن ثم يبدو ما هناك لمن يسري
ومرت على الجرباء توضع فوقها ... فآثارها ما مرت به كلف البدر
وسافت أريج الخلد من جنة العلى ... فدع عنك رملا بالأنيعم يستذري
стр. 812
فما حذرت قيسا ولا خيل عامر ... ولا أضمرت خوفاً لقاء بني ضمر
سقى الله مصرا والعراق وأهلها ... وبغداد والشامين منهل القطر
انتهى.
وما أقربه من نفس الفتح، صاحب القلائد والمطمح، ولعل هذا من كلامه في المطمح. والله اعلم.
وقد طال الكلام، ولكن لا يلحقنا في مثله الملام.
ومن تآليف الإمام أبي بكر بن العربي المذكور، كتاب " القبس، في شرح موطأ مالك بن انس " وكتاب " ترتيب المسالك، في شرح موطأ مالك "، وكتاب " أنوار الفجر " في تسعين سفراً، وكتاب " أحكام القرآن "، وكتاب " عارضة الأحوذي بفتح الهمزة وسكون الحاء المهملة، وفتح الواو، وكسر الذال المعجمة، وآخره ياء مشددة على الترمذي "، وكتاب " مراقي الزلف "، وكتاب " الخلافيات "، وكتاب " نواهي الدواهي "، وكتاب " سراج المردين "، وكتاب المشكلين ": مشكل القرآن والسنة، وكتاب " الناسخ والمنسوخ في القرآن "، وكتاب " قانون التأويل "، وكتاب " النيران في الصحيحين "، وكتاب " سراج المهتدين "، وكتاب " الأمد الأقصى، بأسماء الله الحسنى وصفاته العليا:، وكتاب غيره الكلام على " مشكل حديث السبحات والحجاب "، وكتاب " العقد الاكبر، للقاب الأصغر "، و " تبيين الصحيح، في تعيين الذبيح "، و " تفضيل التفضيل،
стр. 813
بين التحميد والتهليل "، ورسالة " الكافي، في أنَّ دليل على النافي "، وكتاب " السباعيات "، وكتاب " المسلسلات "، وكتاب " التوسط في المعرفة بصحة الاعتقاد، والرد على من خالف أهل السنة من ذوي البدع والإلحاد "، وكتاب " شرح غريب الرسالة "، وكتاب " الإنصاف "، وكتاب " ملجئة المتفقهين، إلى معرفة غوامض النحويين ".
ورأيت في بعض المجاميع ما نصه: قال القاضي أبو بكر بن العربي ﵀: قال علماء الحديث: ما من رجل يطلب الحديث إلاّ كان على وجهه نضرة، لقول النبي) : " نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها، فأداها كما سمعها ". الحديث.
قال: وهذا دعاء منه ﵇ لحمالة علمه، ولا بد بفضل الله من نيل بركته.
وإلى هذه النضرة أشار أبو العباس العزفي ﵀ بقوله:
أهل الحديث عصابة الحق ... فازوا بدعوة سيد الخلق
فوجوههم زهر منضرة ... لألاؤها كتألق البرق
يا ليلتي معهم فيدركني ... ما أدركوا بها من السبق
انتهى.
ومن أشياخ القاضي عياض ﵀.
القاضي أبو عبد الله بن حمدين التغلبي، وهو محمّد بن على بن محمّد بن عبد العزيز بن أحمد التغلبي، بمثناه من فوق، وغين معجمة، منسوب لتغلب بكسر اللام وفتحها.
стр. 814
ولد سنة تسع وثلاثين وأربع مائة؛ ومات يوم الخميس لثلاث بقين من المحرم سنة ثمان وخمس مائة؛ ودفن يوم الجمعة بعد صلاة العصر: وقال في حقه صاحب القلائد: حامي ذمار الدين وعاضده، وقاطع ضرر المعتدين وخاضده، ملك للعلوم زماماً، وجعل العكوف عليها لزاما، فحيا رسمها، وأعلى اسمها، وخاصمت الملحدين منه ألسن لد، وتهدلت به على العالمين أغصن ملد، وكف أيدي الظالمين، فلم تكن لهم استطالة؛ وأرهف خواطر المجتهدين، فلم تسنح لهم بطالة؛ فأصبح أهل مصره بين دارس علم، ولابس حلم، وآيس ظلم؛ ناهيك من رجل كثير الرعى لأهل المعارف، مؤو من بره إلى ظل وارف؛ أعم الورى منه، وأعظم خلق الله منه؛ وأقام وأدنى وأبعد، وأنحس وأسعد؛ فتقلصت به الظلال وفاءت، وحسنت به الأيام وساءت؛ واعمل للضرر والنفع لسانه ويده، وشغل بالرفع والوضع يومه وغده، وعمر بهما فكره وخلده؛ حتى هد الجبال الشوامخ، واجتث الأصول الرواسخ.
وما أدار ابن الحاج من خلافة سنة تسع وتسعين ما أدار، واتفق هو ومن واطاه على ما فسخته الأقدار، واستشير في الخلع فما أساغه، واريغ ضيره فلم يكن فيمتن راغه، وعوض على الحمام فما هابه، ووالي في نقض ما أبرموه جيئته وذهابه، وسمح في ذلك بنفسه، وقنع من غده بذكر أمسه. فلما أنجلت ظلماؤه، وتحلت بنجوم ظفره سماؤه، أغرى بالمطالبين اهتضامه
стр. 815
وحيفه، وسرى إليهم مكره سرى قيس لحمل وحذيفه، وأعلن لمن أسر إغراء ولم ينظر بالمكروه نظراءه، فأخمل منهم أعلاما، وأورث نفس الدين منهم آلاما، وألبسهم ما شاء ذما من الناس وملاما، فدجت مطالع شموسهم، وخلت مواضع تدريسهم، فأصبحوا ملتحفين بالمهانة، ومتسوفين إلى الإهانة، يروغهم الرواح والغدو، ويحسبون كل صيحة عليهم هم العدو، ويذعرهم طروق النوم للأجفان، وينكرهم الثابت العرفان، فقد فقدوا حبوراً، وعادت منازلهم قبوراً، إلى أنَّ نفس بعد أحوال، وخلا أفقهم من تلك الأهوال، فتشنقوا ريح الحياة، وأشرقوا من تلك الظلمات، بعد أنَّ أحال البؤس نعيمهم، وأخذ الحمام زعيمهم.
وكان ﵀ متضح طريق الهدى، منفسح الميدان في العلم والندي، مع أدب كالبحر الزاخر، ونثر كالدر الفاخر، وقد أثبت منه ما تعذب مقاطفه، وتلين معاطفه. فمن ذلك فضل راجع به ابن شماخ: عمر بابك، وأخضب جنابك، وطاوعك زمانك، ونعم أوانك
وسقي ديارك غير مفسدها ... صوب الربيع وديمة تهمى
فما درج لسبيله من كنت سلالة سلسله، ووارث معرسه ومقيله، وما خام
стр. 816
وضرع، فخر رمى عن وتر قوسك ونزع، ولم يهلك هالك، ترك مثل مالك، فتركت المهاد، وألفت السهاد، وتقيلت الآباء والأجداد، فأسرجت في ميدان الحمد براقا، أتخذ الريح خافية وساقا، فأحتل من شعاب المجد صعقا، أثار به نقعا، ودوم في أفق السماء، تدويم فرخ الماء، حتى كأنه على قمة الرأس ابن ماء، فحق لباهر فضلك أنَّ يطول فيقول:
لا بقومي شرفت بل شرفوا بي ... وبنفسي فخرت لا بجدودي
أو يتنزل فيتمثل:
لسان واحسبنا كرمت ... يوما على الأحساب نتكل
تبني كما كانت أوائلنا ... تبني ونفعل مثل ما فعلوا
كم متعاط شأو طلقك، سولت له نفسه شق غبارك، واقفاء منهاج آثارك فما أدرك، وطلح بغيره وبرك. وفي فصل منها: بيننا وسائل، أحكمتها الأوائل، ما هي بالأنكاث، والوشائج الرث من دونها عهد، جناه شهد، أرج عرف النسيم، مشرف جبين الأديم، رائق رقعه الجلباب، مقتبل رداء الشباب، كالصباح المنجاب، تروق أساريره، وتلقاك قبل اللقاء تباشيره.
ورثناهن عن آباء صدقٍ ... ونورها إذا متنا بنينا
стр. 817
ومن أشياخ القاضي أبي الفضل عياض الفقيه الإمام الحافظ أبو بكر بن عطية ﵀.
قال صاحب القلائد في حقه:
شيخ العلم وحامل لوائه، وحافظ حديث النبي ﷺ وكوكب سمائه، شرح الله لتحفظه صدره، وطاول به عمره، مع كونه في كل علم وافر النصيب مياسراً بالمعلى والرقيب، رحل إلى المشرق لأداء الفض، لابس برد من العمر الغض، فروى وقيد، ولقي العلماء وأسند، وأبقى تلك المآثر وخلد. نشأ في نبتة كريمة وأرزمة من الشرف غير مرومة لم يزل فيها على وجه الزمان أعلام علم، وأرباب مجد ضخم، قد قيدت مآثرهم الكتب، وأطلعتهم التواريخ كالشهب، وما برح الفقيه أبو بكر يتسنم كواهل المعارف وغواربها، ويقيد شوارد المعاني وغرائبها، لاستضلاعه بالأدب الذي أحكم أصولاه وفروعه، وعمر برهة من شبيبته ربوعه، وبرز فيه تبريز الجواد المستولي على الأمد، وجلى عن نفسه به كما جلى الصقال عن النصل الفرد، وشاهد ذلك ما أثبته من نظمه الذي يروق جملة وتفصيلاً، ويقوم على قوة العارضة دليلاً.
فمن ذلك قوله يحذر من خلطاء الزمان وينبه على التحفظ من الإنسان قال:
كم بذئب صائدً مستأنساً ... وإذا أبصرت إنساناً ففر
إنما الإنسان بحر ماله ... ساحل فاحذره إياك الغرر
واجعل الناس كشخص واحدً ... ثم كن من ذلك الشخص حذر
وله في الزهد:
стр. 818
أيها المطرود من باب الرضا ... كم يراك الله تلهو معرضا
كم إلى كم أنت في جهل الصبا ... قد مضى عمر الصبا وانقرضا
قم إذا الليل دجت ظلمته ... واستلذ الجفن إنَّ يغمضا
فضع الخد على الأرض ونح ... واقرع السن على ما قد مضى
وقال في هذا المعنى:
قلبي يا قلبي المعنى ... كم أما أدعى فلا أجيب
كم أتمادى على ضلال ... لا أرعوي لا ولا أنيب
ويلاه من سوء ما دهاني ... يتوب غيري ولا أتوب
وا أسفا كيف برء دائي ... دائي كما شاءه الطبيب
لو كنت أدنو لكنت أشكو ... ما أنا من بابه قريب
أبعدني منه سوء فعلي ... وهكذا يبعد المريب
ما لي قدر وأي قدر ... لمن أخلت به الذنوب
وله في المعنى أيضاً:
لا تجعلن رمضان شهر فكاهة ... تلهيك فيه من القبيح فنونه
واعلم بأنك لا تنال قبوله ... حتى تكون تصومه وتصونه
وله في مثل ذلك:
إذا لم يكن في السمع مني تصاون ... وفي بصري غض وفي مقولي صمت
فحظي إذن صومي الجوع والظمأ ... وأنْ قلت إني صمت يومي فما صمت
وله المعنى الأول:
جفوت أنساناً كنت آلف وصلهم ... وما في الجفا عند الضرورة من باس
стр. 819
بلوت فلم أحمد وأصبحت آيسا ... ولا شيء أشفى للنفوس من الياس
فلا عذلوني في انقباضي فإنني ... رأيت جمع الشر في خلطة الناس
وله يعاتب بعض أخوانه:
وكنت أظن أنَّ الجبال رضوى ... يزول وأنْ ودت لا يزول
ولكن الأمور لها اضطراب ... وأحوال ابن آدم تستحيل
فإن يك بيننا وصل جميل ... وإلاّ فليكن هجر طويل
وأما شعره الذي اقتدحه من مرخ الشباب وعفاره وكلامه الذي وشحه بمآرب الغزل وأوطاره فإنه أنسى إلى ما تناساه وتركه حين كساه العلم والورع من ملابسه ما كساه. فما وقع من ذلك قوله:
كيف السلو ولي حبيب هاجر ... قاسي الفؤاد يسومني تعذيبا
لمّا درى أنَّ الخيال مواصلي ... جهل السهاد على الجفون رقيبا
وله أيضاً ﵀:
يا من عهودي لديك ترعى ... أنا على عهدك الوثيق
إنْ شئت أنْ تسمعي غرامي ... من مخبر عالم صدوق
فاستخبري قلبك المعنى ... يخبرك عن قلبي المشوق
انتهى.
ومن أشياخ القاضي أبي الفضل عياض ﵀: الشيخ الإمام النحوي الأديب اللغوي أبو عبد الله بن محمّد بن السيد
стр. 820
بكسر السين البطليوسي بفتح الموحدة والطاء المهملة والتحتانية وسكون اللام والواو نزيل بلنسية.
قال السيوطي في الطبقات: كان عالما باللغات والآداب متبحرا فيها انتصب لإقراء علم النحو وجتمع إليه الناس وله يد في العلوم القديمة. ذكره في قلائد العقيان وبالغ في وصفه.
وكان لابن الحاج صاحب قرطبة ثلاثة أولاد من أجمل الناس صورة: رحمون وعزون وحسون فأولع بهم وقال فيهم:
أخفيت سقمي حتى كاد يخفيني ... وهمت في حب عزون فعزوني
ثم أرحموني برحمون فإنَّ ظمئت ... نفسي إلى ريق حسون فحسوني
ثم خاف على نفسه فخرج من قرطبة.
صنف: شرح أديب الكتاب شرح الموطأ شرح سقط الزند شرح ديوان المتنبي إصلاح الخلل الواقع في الجمل الحلل في شرح أبيات الجمل المثلث المسائل المنثور في النحو وله كتاب " التنبيه على الأسباب التي أوجبت الاختلاف بين المسلمين في رأيهم واعتقادهم " وهو كتاب عظيم. لم يصنف مثله وغير ذلك. ولد سنة أربع وأربعين وأربع مائة ومات في رجب سنة إحدى وعشرين وخمس مائة ببلنسية.
стр. 821
ومن شعره:
أخو العلم حي خالد بعد موته ... وأوصاله تحت التراب رميم
وذو الجهل ماش على الثرى ... يظن من الأحياء وهو عديم
ذكر في جمع الجوامع. انتهى كلام السيوطي في الطبقات.
ترجمة ابن السيد البطليوسي للفتح بن خاقان .
ورأيت تأليفا بديعا للفتح صاحب القلائد والمطمح ضمنه التعريف بهذا الإمام ابن السيد خاصة وهأنا أورده بجملته لغرابته وفصاحته وبلاغته وإنْ كان فيه بعض ما هو من قبيل الهزل الذي الإعراض عند أول وقد جرت عادة الأشياخ بذكر مثل ذلك وحسبك ما ذكره الإمام السيوطي آنفا في حق ابن السيد. وقد اغتفر الناس المقامات مع ما فيها من سخيف المقالات والأعمال بالنيات.
قال ذو الوزارتين الكاتب أبو نصر الفتح بن عبيد الله المعروف بابن خاقان ﵀: أما بعد حمد الله الذي جعل الليل لباسا وأزال عن قلوبنا شكا والتباسا
стр. 822
وأرانا من الهدى منارا وجعل لنا من الشجر الأخضر نارا وخلقنا أطوارا وأطلع لنا شموسا وأقمارا تدل على حكمته ويستدل بها على مقدار نعمته.
والصلاة على نبيه الذي بعثنا من مرقد الضلالة وجلى عنا غياهب الجهالة فظهر الرشاد بعد احتجابه وتوارى الغي في حجابه ﷺ تسليما.
فإني لمّا فرغت من الكتاب الذي أبديت به للإحسان مبسما وجعلته لمحاسن الثمان موسما وجلوت فيه أبكار المفاخر وعونها وخصصت به نكت المآثر وعيونها وشعشعت فيه المحاسن وروقتها وفتقت فيه كمائم البدائع وشققتها حتى أتت أزهى من الحديقة وأبهى من ملك النعمان بين الشقيقة يتمنى السحر أنْ يحلها والعيون النجل أنْ تكحلها فصارت به لأهل الأندلس السن مفتخرة وانتشرت لمعاليهم عظام نخرة ورأيت فيه فضل الأواخر على الأوائل وجريت به أمام سبحان وائل وملكت بسببه كل قياد وتركت ورائي قس أياد وكان لي فيه أمل ثناني أنْ يجلى وعداني أنْ ينص ويتلى فطويته طي السجل ولويته لي محيا الخجل وتركته كالبدر في السرار وأخفيته كما خفى في الغمد ماضي الغرار والخواطر تهيم به أعظم هيم وتستمطره أستمطار المحل المديم والنفوس تتشوف إليه تشوف الضال للمرشد والآذان تصيخ إليه إصاخة الناشد للمنشد وأنا أجعل لقاحه حيالا ولا أريه طيف ولا خيالا ثم خشيت أنْ يكسو الزمان جوهره عرضا ويتخذ الحدثان بدره عرضا فتمحى من وجهه الزمان غرته وتسقط عن جبين الدهر درته ومالمح منه عنان ولا شيم منه ما فيه سلوان فتذوب النفوس عليه عيون الذكاء بعد رمدا فرأيت أنْ أستخرج من أخباره دلالة اللفظ على المعنى واللحظ على المغنى وينبئ عنه إنباء
стр. 823
النسيم على الزهر ويشير إليه إشارة الشاطئ إلى النهر.
ولمّا كان الفقيه الأجل أبو محمّد عبد الله بن السيد أدام الله علوه تاج مفرقه وهلال أفقه ومهب نفح صواره ومحلى أنواره ومجلى أنجاده وأغواره وأنت قد أحكمت نسق أخباره وسردها وفوفت مطرفها وبردها وأطلقتها قمرا وجعلتها سمرا إذ هو أزخر علمائنا بحرا وأوسعهم نحرا وأحسنهم خواطرا وأكسبهم مواطرا وأسيرهم أمثالا وأعدمهم مثالا وأصدقهم لسانا وأعمهم إحسانا وأرفعهم راية وأبعدهم راية وأبعدهم غاية ومحاسنه أعذب جماما وأصفى غماما وأظهر إعجازا وأحسن صدورا وأعجازا رأيت أنَّ أفرد كتابا في أخباره وأجرد ذبابا في إعظامه وإكباره ليبين به فضل من ضمنته تصنيفي ويعلم بأخباره ما أودعت عن تأليفي ويرى أنه قطرة من غمام ودرة من نظام وصبح يدل على النهار ونفح صدر عن حقائق وأزهار.
والله المولى العون والكيل بالكلاءة والصون لا رب غيره.
الفقيه الحافظ الإمام الأوحد أبو محمّد هو عبد الله بن محمّد بن السيد البطليوسي وشلب بيضته ومنها كانت حركة أبيه ونهضته وفيها كان قرارهم ومنها نم آسهم وعرارهم ونسب إلى بطليوس امولده بها ومن حيث كان فقد طبق الأرض علما وملأها ذكاء وفهما.
وأنا أقول: لو أنَّ للأيام ألسنا ناطقة وأوصافا متناسقة تردد فنون بيانهاكالطير ترجع على أفنانها ما جرت إلى إنصافه ولا درت بعض أوصافه ولو أني أمددت ببيان سحبان وأيدت تأييد لسان حسان وأغراني
стр. 824
ابن صوحان الفصاحة وعلمني خالد صفوان إيضاحه لمّا أعربت عن مقداره الرفيع ولا أغربت بما له من التعظيم والترفيع فكيف بلسان قد فل غراره وبنان قد ذوى رنده وعراره وخاطر قد ارتمى في لجج الأخطار ووخز بأطراف القنا الخطار فما تذل له عصي إحسانه ولا تحل النوائب عقدة لسانه فحسبي أنْ أقتصر من وصفه على لمحة وأعطر من عرفه بنفحة فأقول: إنَّه ضارب قداح العلوم ومجيلها وغرة أيامنا البهية وتحجيلها لو أدركه قيس لمّا قضى للحلم وترا ولا شفعا ولو عاصره ابن العاصي لمّا ادعى ضرا ولانفعا حلب الدهر أشطره وتلا حروفه وأسطره وخذم الياسات وعلم طرق السياسات ونفق وكسد ووقف وتوسد. وهو اليوم شيخ المعارف وإمامها ومن في يديه مقودها وزمامها لديه تنشد ضوال الأعراب وتوجد شوارذ اللغات والأعراب إلى مقطع دمث ومنزع من النفاسة غير منتكث وندى خرق به العوائد وأورق في يد الرائد وعفاف كف حتى عن الطيف وحكى المحرمين بالخيف ولقد نزلت منه بالتقى الطاهر ولقيت منه ما لقي عوف بن محلم من ابن طاهر ورأيت نار مكارمه تتألق وبت كأنما على النار الندى والمحلق وله تحقيق بالعلوم الحديثة والقديمة وتصرف في طرقها المستقيمة ما خرج بمعرفتها عن مضمار شرع ولا نكب عن أصل للسنة ولا فرع. وتواليفه
стр. 825
في الشروحات وغيرها صنوف وهي اليوم في آذان الأيام شنوف. فمنها المقتبس في شرح موطأ مالك بن أنس والاقتضاب في شرح أدب الكتاب. وكتاب التنبيه على السبب الموجب لاختلاف العلماء في اعتقاداتهم وآرائهم وسائر أغراضهم وأنحائهم وغير ذلك مما يشتمل عليه هذا الموضوع ويخفيه ويوقف على تفسيره فيه.
وقد أثبت من محاسنه التي تدور جريالا ويصير الحبر بقصتها نيالا وما ينشي ويسكر وبحمده الوسمي المبكر.
فمن ذلك أنَّه حضر مع القادر بالله بد ذي النون بمجلس الناعورة بطليطلة في المنية المتناهية البهاء والإشراق المباهية لزوراء العراق التي ينفح شذاها العطر ويكاد من الغضارة يمطر والقادر بالله ﵀ قد التحف الوتار وارتداه وحكم العقار في جوده ونداه والمجلس يشرق كالشمس في الحمل ومن حواه يبتهج كالنفس عند منال الأمال والزهر عبق وعلى ماء النهر مصطبح ومغتبق والدولاب يئن كناقة إثر حوار أو كثكلى من حر الأوار والجو قد عنبرته أنواؤه والروض قد بللته أنداؤه والأسد قد فغرت أفواهها ومجت أمواهها فقال ﵀ يصف الحال:
يا منظرا إنْ رمقت بهجته ... أذكرني حسن جنة الخلد
تربة مسك وجو عنبر ... وغيم ند وطش ما ورد
والماء كاللازورد قد نظمت ... فيه اللآلئ فواغر الأسد
كأنما جائل الحباب به ... يلعب في حافتيه بالنرم
تراه يزهى إذا يحل به ال ... تادر زهو الكعاب بالعقاد
стр. 826
تخاله إنْ بدا به قمرا ... تما بدا في مطالع السعد
كألأنما ألبست حدائقه ... ما حاز من شيمة ومن مجد
كأنما جادها فروضها ... بوابل من يمينه رغد
لا زال في عزة مضاعفة ... ميمم الرفد واري الزند
وله يصف فرسا وهو مما أبدع في التمثيل له والتشبيه ونبه خاطره فيه أحسن تنبيه وخلع عليه شيات لاحق والوجيه وعمه بالمحاسن وتوج ونسبة إلى الخاطر أعوج:
وأقب من آل الوجيه ولاحف ... قيد العيون وغاية المتمثل
ملك النواظر والقلوب بحسنه ... فمتى ترق العين فيه تسهل
ذو منخر رحب وزور ضيق ... وسماوة خضب وأرض ممحل
قصرت له تسع وطالت أربع ... وصفت ثلاث منه للمتأمل
وتراه أحيانا لعزة نفسه ... يرنو بلا قبل بعين الأقبل
وكأنما سال الظلام بمتنه ... وبدا الصبح بوجهه المتهلل
ز كأن راكبه على ظهر الصبا ... من سرعة أو فوق ظهر الشمأل
وله يصف فرسا للظافر عبد الرحمن بن عبيد الله بن ذي النون ﵀:
وأدهم من آل الوجيه ولاحق ... له الليل لون والصبح حجول
تحير ماء الحسن فوق أديمه ... فلولا التهاب الخصر ظل يسيل
كأن هلال الفطر لاح بوجهه ... فأعيننا شوقا إليه تميل
كأن الرياح العاصفات تقله ... إذا ابتل منه محزم وتليل
стр. 827
إذا الظافر الميمون في متنه علا ... بدا الزهو في الطفين منه يجول
فمن رام تشبيها له قال موجزا ... وإنْ كان وصف الحسن منه يطول
هو الفلك الدوار في صهواته ... لبدر الدياجي مطلع وأوفل
وما أبدع قوله في وصف الراح والحض على النبذ للهموم والاطراح بمعاطاة كئوسها وموالاة تأنيسها ومعاقرة دنانها واهتصار ثمار الفتوة وأفنانها والإعراض عن الأيام وأنكادها والجري في ميدان الصهوة إلى أبعد آمادها:
سل الهموم إذا نبا زمن ... بمدامة صفراء كالذهب
مزجت فمن در على ذهب ... طاف ومن حبب على لهب
وكأن ساقيها يثير شذا ... مسك لدى الأقوام منتهب
ولله هو فقد ندب إلى المندوب وذهب إلى داواة القلوب من الندوب وإبارئها من الآلام وإهدائها كل تحية وسلام وابهاجها بآصال وبكر وعلاجها من هموم وفكر في زمن حلى عاطله وجلى في أحسن الصور باطله ونفقت محالاته وطبقت أرضه وسماءه استحالتها فليبد كأسد وذيبه مستاسد وأحفاسه تنمر وبعاثه قد استنسر استراحة إلاّ في معاطاة حميا ومؤاخاة وسيم المحيا وقد كان ابن عمار ذهب مذهبه وفضضه بالإبداع وذهبه حين دخل سرقسطه ورى غباره أهلها وتكاثف جهلها وشاهد منها من لا يعلم معنى ولا فصلا وواصل من لا يعرف قطعا ولا وصلا فأقبل على راحة يتعاطاها
стр. 828
وعكف عليها ما تعداه ولا تخطاها حتى بلغه أنهم نقموا معاقرته للعقار وجالت ألسنتهم في توبيخه مجال ذي الفقار فقال:
نقمتم على الراح أدمن شربها ... وقلتم فتى راح وليس فتى مجد
ومن ذا الذي قاد الجياد إلى الوغى ... سوى من أعطى الكثير ولم يكد
فديتكم لم تفهوا السر إنما ... قليتكم جهدي فأبعدتم جهدي
ودخل ليلة إلى مجلس قد احتشد فيه الأنس والطرب وقرع السرور نبعه بالغرب ولاحت نجوم أكواسه وفاح نسيم رنده وآسه وأبدت صدور أباريقه أسرارها وضمت عليه المجالس أزرارها والراح يديرها أهيف وأوطف والأماني تجنى وتقطف فقال:
يا رب ليل قد هتكت حجابه ... بمدامة وقاد كالكواكب
يسعى بها أحوى الجفون كأنها ... من خده ورضاب فيه الأشنب
بدران: بدر قد أمنت غروبه ... يسعى ببدر جانح للمغرب
فإذا نعمت برشف بدر غارب ... فانعم برشفة طالع لم يغرب
حتى ترى زهر النجوم كأنها ... حول المجرة ربرب في مشرب
والليل منحفز يطير غرابه ... والصبح يطرده أشهب
وقال يمدح بعض الأعيان وهي قصيدة اشتملت على المحاسن اشتمال الليل وانفردت بالمحاسن انفراد سهيل ودرت فيها أخلاف الإبداع وزرت عليها جيوب الانقطاع وأفصح لسان الإحسان وسح عليها عنان الأفتنان فجاءت بالأغراب محفوفة ولاحت كالخريدة المزفوفة.
стр. 829
وسمعت السيئ الاعتقاد الغبي الفهم والانتقاد الكافر الملحد النافر لمن يعظم الله ويوحد الذي ما نطق متشرعا ورمق متورعا ولا أقر بباريه ولا قر عن جريه في ميدان الغي وتباريه بدعى مدحه ويقول: أنَّه إليه بعث نفحها وإنَّه الذي افتض عذرتها وقطف زهرتها. وحاشا لقائلها أنْ يمدح المذموم وينضح بكوثرها نفح سموم أو يشرف بها وضيعا ويرضع ثديها من غذا للؤم رضيعا وهي:
أما إنَّه لولا الدموع الموامع ... لمّا بان مني ما تجن الأضالع
وكم هتكت ستر الهوى أعين ألمها ... وهاجت لي الشوق الديار اللاقع
خليلي مالي كلما لاح بارق ... تضلى الحشا وارفض مني المدامع
هل الأفق في جبيني بالبرق لامع ... أم المزن في جفني بالودق هامع
ففي القلب من نار الشجون مصايف ... وفي الخد من ماء الشئون مرابع
وما هاج هذا الشوق إلاّ مهفهف ... هو البدر أو بدر الدجى منه طالع
إذا غاب يوما فالقلوب مغارب ... وإنْ لاح يوما فالجيوب مطالع
يضرج خديه الحياء كأنما ... بخديه من فتك الجفن وقائع
رماني عن قوس المحاجر لحظه ... بسهم غدا من مهجتي وهو وادع
وما زلت من ألأحاظه متوقيا ... ولكنه ما حم لا بد واقع
يرق فتور اللحظ منه كأنه ... إلى قلبه من قسوة الهجر شافع
كما رق بالآداب طبع محمّد ... فحاكت لمى الأحباب منه الطبائع
رخيم حواشي الطرف حلو كأنه ... سجايا أيام السرور الرواجع
стр. 830
أبا بكر استوفيت زهر محاسن ... تنافسها زهر النجوم الطوالع
قدحت زنادا من ذكائك لم يزل ... ينير فتعشى البارقات اللوامع
وما ذلك عن نيل لذيك رجوته ... فيصدق ظن أو يكذب طامع
ولا أنا ممن يرتضي الشعر خطه ... فتجذبه نحو الملوك المطالع
ولكن قلبا بين جنبي قد غدا ... يجاذبني فيك الهوى وينازع
طوى لك من محض الوداد كمائنا ... تبدت لها فوق اللسان طلائع
أنَّ أزعم في نظم البديع ولم يزل ... لك السبق فيه والورى لك تابع
وأي مقال لي وقولك سائر ... وأي بديع لي ومنك البدائع
وقال يتغزل وتصرف فيه غيلات مي ووصف كل حواء وحي وذكر العشق وارتاد الإبداع حتى عدا به مصره فأجاد معانيه وأشاد مبانيه:
تأوبه من همه ما تأوبا ... فبات على جمر الأسى متقلبا
مرت مزن عينيه غداة تحملوا ... عواصف ريح الشوق حتى تصببا
دموع هتكن الستر عن مضمر الجوى ... وأبدين من سر الهوى ما تغيبا
حليلي مالي كلما لا بارق ... تذكرت برقا بالعقيق وزينبا
أؤنس بالنائين نوما مشردا ... وأطمع بالثاوين قلبا معذبا
ومن لي برد الخل إذ جدت النوى ... به وبوصل الحبل أنْ يتقضبا
أفي كل حين أمترى غرب مقلة ... أبى الوجد إلاّ أنْ تجود فتغربا
стр. 831
إذا عن لي ظبي بوجرة شادن ... تذكرت من عنى الفؤاد وعذبا
وأرتاح للأرواح من نحو أرضها ... وتثني عنان للصبا نفحة الصبا
ولولا التهاب الشوق بين جوانحي ... لأمرع خدي بالدموع وأعشبا
ألا قاتل الله الهوى كيف قادني ... إلى مصرعي طوعا وقد كنت مصعبا
وما كنت أخشى أنْ أبيت معذبا ... بعذب رضاب من حمى الثغر أشنبا
وخذ الاقي دون شم رياضه ... من اللحظ هنديا وللصدغ عقربا
أجدك لم تبصر تألق بارق ... يجد نشاطا في ذرى الأفق أهدبا
إذا ما بدا في الجو أحمر ساطعا ... حسبت الظلام ابنوسا مذهبا
كأن رياض الحو غب سمائه ... تردين وشي العبقري المخلبا
كأن الشقيق والفجر ساطع ... خدود زهاها الحسن أنْ تتنقبا
تمتع بريعان الشباب وظله ... فلا بد يوما أنْ يبينا ويذهبا
فما العيش إلاّ أنْ تروح وتغتدي ... محبا براه سقمه أو محببا
وكتب إلى الكاتب أبي الحسن راشد يستدعيه إلى مجلس قد لاحت قد لاحت شموس مدامه وارتاحت نفوس ندامه وتأودت تأود الغصون قدود خدامه:
عندي مشكود من الخمر مبق
فيه مني مصطبح ومغتبق
يحكي شذا المسك إذا المسك فتق
كأنه من خلقك الحلو خلق
стр. 832
كأنما كئوسه تحت الغسق
في راحة الساقي نجوم تأتلق
تخالها وهي تلظي كالحرق
أحشاء صب ملئت من الحرق
ترى لدى المزج إذا الماء انفق
فيها حبابا لاح كالدر النسق
وأنت أنسي والمفدى بالحدق
فاطلع طلوع القمر التم اتسق
في يومنا هذا إذا الظهر نطق
يا راشدا إذا دجى الغي غسق
وماجدا حاز السبق السبق
لله معنى طابق اسما لك حق
توافقا فيك إذا الاسم اتفق
فراجعه راشد:
لبيك من داع إلى العيش الغدق
في سجسج من ظله غض الورق
ندير صفو الراح صرفا قد عتق
وشبهها لونا وطعما وعبق
وكان يجلى في ملاء من فلق
تحسده من حسنه بيض السرق
стр. 833
ثم كساه السهد ثوبا من شفق
بل من إياة الشمس من غير رنق
كأنه من خد من أهوى استرق
كأنه بريقه العذب فتق
فجاء يشفي من جوى ومن حرق
أحلى من الأمن أتى بعد الفرق
رضيته مصطبا ومغتبق
على رياض أدب ذات أنق
أجين ما أهوى وأذهبن القلق
عند فتى ندب عبير الخلق
مؤتزر بالمكرمات منتطق
إنْ قال قدسدت الورى قيل صدق
وقال يصف مجلس أنس وتصرف في وصفه سقاته وإقبال الصبح لميفاته ومدح الراح بأحسن أسمائها وطلوع الفجر هازما لدجى ليلتهم وظلمائها وإيقاظ أصحابه من نومه وترغيبه لهم في اصطباح يومهم:
صاح بنه كل صاح يصطبح ... فضلة الزق الذي كان اغتبق
قهوة تحكي الذي في أضلعي ... من جوى الحب ومن لفح الحرق
بيدي ساق ترى في طوقه ... بدر تم في تجلى في غسق
стр. 834
خلتها إذ غربت في قغره ... شمسها أبقت بخديه شفق
أفرغ الماء عليها فحكت ... ذائب الإبريز أو ذوب ورق
إنْ مسك الليل قد أعقبه ... من سنى الإصباح كافور عبق
فكأن الفجر عين تفجرت ... وكأن الليل زنجي غرق
وكأن الأنجم الزهر مها ... راعه السرحان صبحا فاقترق
وقال في الزهد وهو غرض قد أكثر القول فيه والضارعة لباريه وراش أنواعه وبرى وجلب فنونه ومرى وذلك مما يدل على ورعه وصفاء منهله التقي ومشرعه فكثيرا ما يعلن به ويسر ويطلع على لسانه متمما ولا يستسر:
إلهي إني شاكر لك حامد ... وإني لساع في رضاك وجاهد
وإنك مهما زلت النعل بالفتى ... على العائد التواب بالعفو عائد
تباعد مجدا وانيت تعطفا ... وحلما فأنت المدني المتباعد
ومالي على شيء سواك معول ... إذا دهمتني المعضلات الشدائد
أغيرك أدعو لي إلها وخالقا ... وقد أوضح البرهان أنك واحد
وقدما دعا قوم سواك فلم يقم ... على ذاك برهان ولا لاح شاهد
وبالفلك الدوار قد ضل معشر ... وللنيرات السبع داع وساجد
وللعقل عباد وللنفس شيعة ... وكلهم عن منهج الحق حائد
وكيف يضل القصد ذو العلم والنهى ... ونهج الهدى من كان نحوك قاصد
стр. 835
وهل في التي طاعوا لها وتعبدوا ... لأمرك عاص ولحقك جاحد
وهل يوجد المعلول من غير علة ... إذا صح فكر أو رأى الرشد راشد
وهل غبت عن شيء فينكر منكر ... وجودك أم لم تبد منك الشواهد
وفي كل معبود سواك دلائل ... من الصنع تنبني أنَّه لك عابد
وكل وجود عن وجودك كائن ... فواجد أصناف الورى لك واجد
سرت منك فيها وحدة لو منعتها ... لأصبحت الأشياء وهي بوائد
ومولك في خلق الورى من دلائل ... يراها الفتى في نفسه ويشاهد
كفى مكذبا للجاحدين نفوسهم ... تخاصم إنْ أنكروا وتعاند
وقال يمدح الظافر عبد الرحمن بن عبيد الله بن ذي النون وهو مدح طايق الممدوح ووصف شاكله كالروض والغمام السفوح فنظم الدر بأبهى جيد ولد الفخر أعلى مجيد ووضع العلق في يدي مميزه وأجرى الجواد في ميدان مجوزه لم يحمل إلى غير موضع نفاق ولا شام به مخيله ذات إخفاق فإنه كان أندى من الغيث وأمضى من الليث وأذكى من الجسام وأبهى من البدر ليلة التمام حتى خاض هولا لم يسر فيه إلى صبح وسلك شعبا لم ينش منه بريح فصافح المنايا وطلع له غير معهود الثنايا والشعر قوله:
لعلكم بعد التجنب والهجر ... تديلون من بعد وتشفون من ضر
فإن الذي غادرتم بين أضلعي ... يزيد مر الزمان ويسترشي
ولم تنبكم عني النوى غير أنكم ... رحلتم من اللجفن القريح إلى الفكر
ومن عجب أني أسائل عنكم ... ومنزلكم بين الجوانح والصدر
стр. 836
واستعطف الأيام فيكم لعلها ... تعيد الليالي السابقات كما أدري
وأطمع منها في الوصال ولم أزل ... عليما بما يؤثر من شيم الغدر
ويوحشني الزمان لنأيكم ... وإنْ كنت مأنوس الجوانح بالذكر
ولم أنس إذ صدت كما صد شادن ... غرين من الربعي أوجس من ذعر
تميس كما ماس القضيب على القنا ... وترنو كما أغضى الشريف من السكر
وما زلت صبا بالغواني تصيدني ... ذوات الثنايا الغر والأوجه الزهر
وعندي أحشاء ملئن صبابة ... كألحاط أجفان ملئن من السحر
ولوعة وجد ما تفيق وظمأة ... لأشنب معسول اللمى طيب النشر
وكم في كناس السمهرية من رشا ... أغن يقيم العذر في الخلع للعذر
وأهيف يثنيه النسيم إذا جرى ... فلو شاء من لين تختم في الخصر
وساحرة الألفاظ لو أنها دعت ... بنغمتها ميتا للبى من القبر
حسرت القناع الستر فيها ولم يكن ... يطيب النوى يوما لمن دان بالستر
ولله ليل باللوى أبعد الجوى ... وقرب نحرا من مشوق إلى نحر
فما شئت من شكوى أرق من الهوى ... وما شئت من نجوى ألذ من الخمر
سرت لم تمس الطيب عجبا بحسنها ... وقد أفعمت عرض البسيطة بالعطر
فقلت: عبيد الله أو نجله سرى ... فذكرني ذارين أو بت بالشحر
كأن ضياء الصبح في الليل إذ سرى ... بصيرة إيمان سرت في عمى كفر
كأن مها في الأفق ريعت وقد بدا ... لها ذنوب السرحان من وضح الفجر
كأن سنى الشمس المنيرة إذ بدا ... كسا ورق الإصباح ذؤبا من التبر
وإلاّ فوجه الظافر الملك انجلى ... فجلى ظلام النقع في الجحفل المجر
стр. 837
عجبت لأيام تداعت خطبها ... لتثلم من غربي وتقدح في وفري
ولم تدر أني في حمى الظافر الرضا ... أرد العدى عني بصمصامتي عمرو
حللت جنايا منه مدينة ظلاله ... علي وأعطاني أمانا من الدهر
جناب بكت فيه غمائم جوده ... فأضحكن روض المجد عن زهر الشكر
وكم نلت مذ أصبحت ألثم كفه ... بيمناه من يمن ويسراه من يسر
لدي ملك ما لاح ضوء جبينه ... بجنح الدجى إلاّ كفى مطلع البدر
ومتقد الآراء جال في الوغى ... بخاطره أغنى عن البيض والسمر
ولولا اضطرام البأس فيه غدا القنا ... براحته يهتز بالورق الخضر
أرى عابد الحمن رخمة من قست ... عليه الليالي أمن من ريع بالفقر
وكعبة آمال كثيرا حجيجها ... لها حرم فيه مشاعر للشعر
له من حجاه بالسماحة آمر ... ومن حلمه ناه عن اللغو والهجر
فتى لم يشمر قط إلاّ عنا له ... عاه وساق الحرب مسبلة الأزار
ولم يعترك بخل بميدان عدله ... وجدواه إلاّ فاز جدواه بالنصر
أبا عامر زلت للمجد عامرا ... فإنك وسطى العقد في عنق الفخر
وقمت العدا عني برأفة ماجد ... وغمر نوال سر إذ ساء ذا الغمر
وأوسعت نعمى ضقت ذرعا بحملها ... فإن خففت عمري لقد أثقلت ظهري
ولمّا ارتقت بي في سمائك همتي ... غذا أخمصي فوق النعائم والنسر
فحييت شمس الملك في فلك العلا ... وشمست سحاب الجود في بارق البشر
أيرجو ضلالا أنْ يناويك حاسد ... وقد حزت خصل السبق وهو على الإثر
وأرسى عبيد الله بيتك في العلا ... وطنبه بين السماكين والغفر
стр. 838
وأصبحت كالمأمون تقنو سبيله ... كأنك موسى تقتفي أثر الخضر
وما علت صبرا حين قلدك العلا ... وجاء بأمر من بدائعه أمري
فلله ما شادوا وشدت من العلا ... ولله ما حازوا وما حزت من ذكر
نظمت شتيت الملك بالعدل والتقي ... وقمت بحق الله في السر والجهر
وجاءك صوم إثر فطر قضيته ... بحظين من سعد جزيل ومن أجر
وأدبر سقم عنك بشر جسمه ... بإقبال نعمى واتصال من العمر
سيملا شكرى كل قطر تحله ... بنشر ثناء عنك أذكى من العطر
وتبقى لكم بين الضلوع محبة ... ألاقي بها الرحمن في موقف الحشر
وكتب إلى ذي الوزارتين أبي عيسى بن لبون:
قم نصطبح من قهوة بكر ... حتى نرى صرعى من السكر
أنف تنساها الورى حتى ... لم تجر في بال ولا ذكر
فترى الدنان وما حوت منها ... كجوانح طويت على فكر
نفحت فقلت المسك أو ما قد ... أحيا أبو عيسى من الذكر
لا شيء يحكى طيبها إلاّ ... شيم عذاب منه أو شكري
ما زلت أخبر من محاسنه ... قدما بعرف ليس بالنكر
وأحن نحو لقائك طربا ... كالطير إذ جنت إلى وكر
فالآن شاهدت الذي يحكى ... ولقيت فيه الفضل للشكر
وكان أبو عيسى ممن رأس وما شف ووكف جوده وما كف وأعاد سوق البدائع نافقه ورفع الآمال راية من الندى خافقة وأوردهم منها جوده معينا وزف لهم من مبراته أبكار وعونا فلما بلغته قوله هذا وسمعه استنبله
стр. 839
واستبدعه؛ وأحضره إلى مجلس نام عنه الدهر وغفل، وقام لفرط أنسه واحتفل؛ قد بانت صروفه، ودنت في الزائرين قطوفه؛ وقال هلم بنا إلى الاجتماع بمذهبك، والاستماع بما شئته ببراعة أدبك؛ فأقاموا يعملون كأسهم، ويصلون إيناسهم؛ وباتوا ليليهم ما طرقهم نوم، ولا عداهم عن طيب اللذات سوم.
ودخل سرقسطة أيام المستعين بالله وهي جنة الدنيا، وفتنة المحيا؛ ومنتهى الوصف وموقف السرور والقصف؛ ملك نمير البشاشة، كثير الهشاشة؛ وملك بهج الفناء، أرج الأرجاء؛ يروق المحتلى، ويفوق النجم المعتلى؛ وحضرة منسابة الماء، منجابة السماء؛ يبسم زهرها، وينساب نهرها؛ وتتفتح خمائلها، وتتوضع صباها وشمائلها؛ والحوادث لا تعترضها، والكوارث لا تقترضها؛ ونازلها من عرس إلى موسم، وآملها متصل بالأماني ومتسم؛ فنزل منها في مثل الخورنق والسدير، وتصرف فيها بين روضة وغدير؛ فلم يخف على المستعين اختلاله، ولم تخف لديه خلاله؛ فذكره معلماً به ومعرفاً، وأحضره منوها له ومشرفاً؛ وقد كان فر من ابن رزين، فرار للسرور من نفس الحزين؛ وخلص من اعتقاله، خلوص السيف من صقاله؛ فقال يمدحه:
هم سلبوني خنس صبري إذ بانوا ... بأقمار أطواق مطالعها بان
لئن غادروني باللوى إنَّ منجتي ... مسايرة أظغانهم حيثما كانوا
يقى عهدهم بالخيف عهد غمائم ... ينازعها مزن من الدمع هتان
أنَّ أحبابنا هل ذلك العهد راجع ... وهل لي عندكم آخر الدهر سلوان
стр. 840
ولي مقلة عبرى وبين جوانحي ... فؤاد إلى لقياكم الدهر حنان
تنكرت الدنيا لنا بعد بعدكم ... وحفت بنا من معضل الخطب ألوان
أناخت بنا في أرض شنت مريةٍ ... هواجس ظن خن والظن خوان
وشمنا بروقا للمواعيد أتعبت ... نواظرها دهراً، ولم يهم هتان
فسرنا وما نلوي على متعذر ... إذا وطن أقصاك آوتك أوطان
ولا زاد إلاّ ما انتشته من الصبا ... أنوف وحازته من الماء أجفان
رحلنا سوام الحمد عنها لغيرها ... فلا ماؤها صدا ولا النبت سعدان
إلى ملك حاباه بالمجد يوسف ... وشاد له البيت الرفيع سليمان
إلى مستعين بالإله مؤيد ... له النصر حزب والمقادير أعوان
جفتنا بلا جرم كأن مودة ... ثنى نحوها منها الأعنة شنآن
ولو لم تنفذ منا الشعر وحده ... لحق لنا بر عليه وإحسان
فكيف ولم نجعل بها الشعر مكسبا ... فيوجب للمكدى جفاء وحرمان
ولا نحن ممن يرتضى الشعر خطة ... وإنْ قصرت عن شأوها فيه أعيان
ومن أوهمته غير ذاك ظنونه ... فثم مجال للمقال وميدان
خليلي من يعدي على زمن له ... إذا ما قضى حيف علي وعدوان
وهل راء من قبلي غريق مدامع ... يفيض بعينيه الحيا وهو حران
وهل طرفت عين لمجد ولم تكن ... لها مقلة من آل هود وإنسان
فوجه ابن هود كلما أعرض الورى ... صحيفة إقبال لها البشر عنوان
فتى المجد في بردية بدر وضيغم ... وبحر وقدس ذو الهضاب وثلان
стр. 841
من النفر الشم الذي أكفهم ... غيوث ولكن الخواطر نيران
ليوث شرى ما زال منهم لدى الوغى ... هزير بيمناه من السحر ثعبان
وهل فوق ما فد شاد مقتدر لهم ... ومؤتمن بالله لقياه إيمان
ألا ليس فخري في الورى غير فخرهم ... وإلاّ فإنَّ الآخر زور وبهتان
فيا مستعينا مستعاناً لمن نبا ... به وطن يوما وعضته أزمان
كسوتك من نظمي قلائد مفخر ... يباهى بها جيد المعالي ويزدان
وإنْ قصرت عما لبس فربما ... تجاور در في النظام ومرجان
معان حكت غنج الحسان كأني ... بهن حبيب أو بطليوس بغدان
إذا غرست كفاك غرس مكارم ... بأرضي أجنتك الثنا منه أغصان
وكان عند وصوله إلى ابن رزين قد رفعه أرفع محل وأنزله منزلة أهل العقد والحل؛ وأطلعه في سمائه، وأقطعه ما شاء من نعمائه، وأورده أصفى مناهل مائه، وأخضره مع خواص ندمائه؛ وكانت دولته موقف البيان، ومقذف الأعيان؛ ومحصب جمار الآمال، وأعذب موارد الاجمال؛ لولا سطوته الباطشه، ونكباته البارية لسهام الرزء الرائشة؛ فقلما سلم منها مفاد الأموال، ولا أحمد عقباه معه صاحب ولا وال؛ فأحمد هو أوّل أمره معه، واستحسن مذهبه في جانبه ومنزعه؛ ولم يدر أنَّ بعد ذلك الشهد شرب علقم، وأنَّ السم تحت لسان ذلك الأرقم؛ فقال ﵀ يمدحه:
عسى عطفة ممن جفاني يعيدها ... فتقضي لباناتي ويدنو بعيدها
فقد تعتب الأيام بعد عتابها ... ويمحى بوصل الغانيات صدودها
стр. 842
وكم للصبا عندي يد لست جاحدا ... لها إنَّ كفران الأيادي جحودها
ليالي أسرى في ليالي غدائر ... كواكبها حليي المها وخدودها
وأهصر أغصان القدود فتنثني ... عليّ برمان النحور نهودها
فلله ليل بت فيه كأنني ... بوجرة أغتال المها وأصيدها
أبيح ثغورا كالثغور ودونها ... أسنة ألحاظ قناها قدودها
تشابه منها ما حوته مباسم ... عذاب ولبات يروق فريدها
فإن تك من تلك العقود ثغورها ... وإلاّ فمن تلك الثغور عقودها
وحمراء حلاها المزاج فخلتها ... عقيلة خدر زين بالبدر جيدها
بدت في دلاص من حباب وأشرعت ... سنان انسكاب والكئوس جنودها
فما برحت حتى كأن شروبها ... من السكر صرعى أنعستها حدودها
ترى شربها جنح الظلام كأنهم ... بها مصطلوا نار يشب وقودها
إذا أنكحوا من فضة الماء تبرها ... أتى اللؤلؤ المكنون وهو وليدها
كما أنكحوا البدلا استقامت سعوده ... هذيلا من الشمس استقامت سعودها
فجاءا بعبد الملك للملوك كوكبا ... ليحمي سماء المجد ممن يكيدهل
رمى جنة الأعداء لمّا سموا لها ... بشهب القنا حتى استشاط مريدها
حلفت بعليا عابدا الملك ذي الها ... وأيد له كالقطر جم عديدها
لئن كان قد أبلت هذيلا يد الدى ... فإن علاه ليس يبلى جديدها
وإنْ رفعت كفاه قبة مفخر ... فإنَّ قنا عبد الملك عمودها
فتى أحرز العليا، وحاز مدى الندى ... فما إنْ له من ريبة يستزيدها
стр. 843
سرى بارق من بشره غير خلب ... إلى أرض آمالي فأورق عودها
وبوأني من مجده في مكانة ... سعود النجوم الزاهرات صعيدها
فيا أيها الملى الذي أنا عبده ... وقدما رجا طول الموالي عبيدها
أصخ نحو حر الشعر من عبد أنعم ... بدائعه ما زال منك يفيدها
قوافً تروق السامعين كأنما ... تحلى سجاياك الحسان قصيدها
ولولاك أضحت أرض شنت مريةٍ ... مناخ خطوب لا ينادى وليدها
وما زلت يقظان الجفون لرعيلها ... إذا أعين الأملاك طال هجودها
تكف الأذى عن أهلها وتحوطها ... وتبدي الأيادي فيهم وتعيدها
وقال يرثي الوزير الأجل، أبا عبد الملك بن عبد العزيز، وبنو عبد العزيز بهذا الشرق، هم كانوا بدور غياهبه، وصدور مراتبه، وبحور مواهبه؛ نظمت فيهم المدائح، وعظمت منهم المنائح، ونفقت عندهم أقدار الأعلام، وتدفقت لديهم بحار الكلام؛ وخدمتهم الدنيا وبنوها، وأمنتهم الأيام ولم يأمنوها؛ فرقت جموعهم، وأخلت ربوعهم ونثرت ملكهم ومزقت ملكهم؛ وهدت مشيد بنائهم، واحتلت الحوادث في فنائهم؛ وبقي أبو عبد الملك هذا آخرهم، فأحيا مفاخرهم؛ وكان بدر الأفق وشمسه، وروح هذا القطر ونفسه؛ أبدى لذلك السنى لمعاً، وأعاد من تلك العلا جمعاً؛ إلى أنْ دب إليه الحمام واستسر بدره بعد التمام؛ والقصيدة:
فؤادي قريح قد جفاه اصطباره ... ودمعي أبت إلاّ انسكابا غزاره
стр. 844
يسر الفتى بالعيش وهو مبيده ... ويغتر بالدنيا وما هي داره
وفي عبر الأيام للمرء واعظ ... إذا صح فيها فكره واعتباره
فلا تحسبن يا غافل الدهر صامتاً ... فأفصح شيء ليله ونهاره
أصخ لمناجات الزمان فإنه ... سيغنيك عن جهر المقال سراره
أدار على الماضين كأساً فكلهم ... أبيحت مغانيه وأقوت دياره
ولم يحمهم من أنْ يسقوا بكأسهم ... تناوش أطراف القنا واشتجاره
وغالت أبا عبد المليك صروفه ... وقد كان دهراً لا يباح ذماره
فأصبح مجفوراً وقد كان واصلا ... وأمسى قصيا وهو دان مزاره
ولم أنس إذ أودى الحمام بنفسه ... فلم يبق إلاّ فعله وادكاره
إذا رقأت عيني استهلت شئونها ... لمأتم حزن قد أرن صواره
تجاوب هذى تلك عند بكائها ... كترجيع شول حين حنت عشاره
كأن لم يكن كالمزن يرهب صعقه ... عدو ويرجى في المحول انهاره
ودوحة عزٍ يستظل بظلها ... وروضاً من الآداب تجنى ثماره
أما وعلى مروان إنَّ مصابه ... أثار أسى تذكى على القلب ناره
فلا شرب إلاّ قد تكدر صفوه ... ولا نوم إلاّ قد تجافى غراره
فأي حياً للفضل أجلى غمامه ... ونظم العلياء حان انتثاره
خوى المجد من مروان وانهد طوده ... وجد بجد المكرمات عثاره
وما خلت أنْ الصبح يشرق بعده ... لعين وإنَّ الروض يبقى اخضراره
فيا طود عز زلزل الأرض هده ... وبدر علا راع الأنام انكداره
هنيئا للحد ضم شلوك أنْ غدا ... عميد الندى والمجد فيه قراره
ولم أر دراً قط أصدافه الثرى ... ولا بدر ثم في التراب مغاره
فيا بني عبد العزيز وإنْ خلا ... من المجد مغناه وهد مناره
стр. 845
ففيكم لهذا الصدع آس وجابر ... وإنْ كان صعباً أسوه وانجباره
لكم شرف أرسى قواعد بيته ... أبو بكر السرى إليكم نجاره
أجل وزير عطر الأرض ذكره ... وأخجل زهر النيرات فخاره
فلو كان للعلياء جيد ومعصم ... لأصبح منكم عقده وسواره
ومما يستغرب له ويستبدع، ويشاد بذكره ويسمع ويعد مما ابتكر معناه واخترع؛ قوله في وصف طول الليل عليه، كابد منه ما عظم لديه.
ترى ليلنا شابت نواصيه كبرةً ... كما شبت أم في الجو روض بهارِ
كأن الليالي السبع في الأفق جمعت ... ولا فصل فيها بينها لنهارِ
وحضر عند الظافر عبد الرحمن بن عبيد الله بن ذي النون، ﵀، مجلساً رفعت فيه المنى لوائها، وخلعت عليه الشمس أضوائها، وزفت إليه المسرات أبكارها، وفارقت إليه الطير أوكارها؛ فقال يصفه:
ومجلس جم الملاهي أزهارا
ألذ في الأجفان من طعم الكرى
لم تر عيني مثله ولا ترى
أنفس في نفس وأبهى منظرا
إذا تردى وشيه المصورا
من حلوك صنعاء وحولك عبقرا
ونسج قرقوب ونسج تسترا
следующие страницы →