Полный текст (1 044 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
من النفر الشم الذي أكفهم ... غيوث ولكن الخواطر نيران
ليوث شرى ما زال منهم لدى الوغى ... هزير بيمناه من السحر ثعبان
وهل فوق ما فد شاد مقتدر لهم ... ومؤتمن بالله لقياه إيمان
ألا ليس فخري في الورى غير فخرهم ... وإلاّ فإنَّ الآخر زور وبهتان
فيا مستعينا مستعاناً لمن نبا ... به وطن يوما وعضته أزمان
كسوتك من نظمي قلائد مفخر ... يباهى بها جيد المعالي ويزدان
وإنْ قصرت عما لبس فربما ... تجاور در في النظام ومرجان
معان حكت غنج الحسان كأني ... بهن حبيب أو بطليوس بغدان
إذا غرست كفاك غرس مكارم ... بأرضي أجنتك الثنا منه أغصان
وكان عند وصوله إلى ابن رزين قد رفعه أرفع محل وأنزله منزلة أهل العقد والحل؛ وأطلعه في سمائه، وأقطعه ما شاء من نعمائه، وأورده أصفى مناهل مائه، وأخضره مع خواص ندمائه؛ وكانت دولته موقف البيان، ومقذف الأعيان؛ ومحصب جمار الآمال، وأعذب موارد الاجمال؛ لولا سطوته الباطشه، ونكباته البارية لسهام الرزء الرائشة؛ فقلما سلم منها مفاد الأموال، ولا أحمد عقباه معه صاحب ولا وال؛ فأحمد هو أوّل أمره معه، واستحسن مذهبه في جانبه ومنزعه؛ ولم يدر أنَّ بعد ذلك الشهد شرب علقم، وأنَّ السم تحت لسان ذلك الأرقم؛ فقال ﵀ يمدحه:
عسى عطفة ممن جفاني يعيدها ... فتقضي لباناتي ويدنو بعيدها
فقد تعتب الأيام بعد عتابها ... ويمحى بوصل الغانيات صدودها
стр. 842
وكم للصبا عندي يد لست جاحدا ... لها إنَّ كفران الأيادي جحودها
ليالي أسرى في ليالي غدائر ... كواكبها حليي المها وخدودها
وأهصر أغصان القدود فتنثني ... عليّ برمان النحور نهودها
فلله ليل بت فيه كأنني ... بوجرة أغتال المها وأصيدها
أبيح ثغورا كالثغور ودونها ... أسنة ألحاظ قناها قدودها
تشابه منها ما حوته مباسم ... عذاب ولبات يروق فريدها
فإن تك من تلك العقود ثغورها ... وإلاّ فمن تلك الثغور عقودها
وحمراء حلاها المزاج فخلتها ... عقيلة خدر زين بالبدر جيدها
بدت في دلاص من حباب وأشرعت ... سنان انسكاب والكئوس جنودها
فما برحت حتى كأن شروبها ... من السكر صرعى أنعستها حدودها
ترى شربها جنح الظلام كأنهم ... بها مصطلوا نار يشب وقودها
إذا أنكحوا من فضة الماء تبرها ... أتى اللؤلؤ المكنون وهو وليدها
كما أنكحوا البدلا استقامت سعوده ... هذيلا من الشمس استقامت سعودها
فجاءا بعبد الملك للملوك كوكبا ... ليحمي سماء المجد ممن يكيدهل
رمى جنة الأعداء لمّا سموا لها ... بشهب القنا حتى استشاط مريدها
حلفت بعليا عابدا الملك ذي الها ... وأيد له كالقطر جم عديدها
لئن كان قد أبلت هذيلا يد الدى ... فإن علاه ليس يبلى جديدها
وإنْ رفعت كفاه قبة مفخر ... فإنَّ قنا عبد الملك عمودها
فتى أحرز العليا، وحاز مدى الندى ... فما إنْ له من ريبة يستزيدها
стр. 843
سرى بارق من بشره غير خلب ... إلى أرض آمالي فأورق عودها
وبوأني من مجده في مكانة ... سعود النجوم الزاهرات صعيدها
فيا أيها الملى الذي أنا عبده ... وقدما رجا طول الموالي عبيدها
أصخ نحو حر الشعر من عبد أنعم ... بدائعه ما زال منك يفيدها
قوافً تروق السامعين كأنما ... تحلى سجاياك الحسان قصيدها
ولولاك أضحت أرض شنت مريةٍ ... مناخ خطوب لا ينادى وليدها
وما زلت يقظان الجفون لرعيلها ... إذا أعين الأملاك طال هجودها
تكف الأذى عن أهلها وتحوطها ... وتبدي الأيادي فيهم وتعيدها
وقال يرثي الوزير الأجل، أبا عبد الملك بن عبد العزيز، وبنو عبد العزيز بهذا الشرق، هم كانوا بدور غياهبه، وصدور مراتبه، وبحور مواهبه؛ نظمت فيهم المدائح، وعظمت منهم المنائح، ونفقت عندهم أقدار الأعلام، وتدفقت لديهم بحار الكلام؛ وخدمتهم الدنيا وبنوها، وأمنتهم الأيام ولم يأمنوها؛ فرقت جموعهم، وأخلت ربوعهم ونثرت ملكهم ومزقت ملكهم؛ وهدت مشيد بنائهم، واحتلت الحوادث في فنائهم؛ وبقي أبو عبد الملك هذا آخرهم، فأحيا مفاخرهم؛ وكان بدر الأفق وشمسه، وروح هذا القطر ونفسه؛ أبدى لذلك السنى لمعاً، وأعاد من تلك العلا جمعاً؛ إلى أنْ دب إليه الحمام واستسر بدره بعد التمام؛ والقصيدة:
فؤادي قريح قد جفاه اصطباره ... ودمعي أبت إلاّ انسكابا غزاره
стр. 844
يسر الفتى بالعيش وهو مبيده ... ويغتر بالدنيا وما هي داره
وفي عبر الأيام للمرء واعظ ... إذا صح فيها فكره واعتباره
فلا تحسبن يا غافل الدهر صامتاً ... فأفصح شيء ليله ونهاره
أصخ لمناجات الزمان فإنه ... سيغنيك عن جهر المقال سراره
أدار على الماضين كأساً فكلهم ... أبيحت مغانيه وأقوت دياره
ولم يحمهم من أنْ يسقوا بكأسهم ... تناوش أطراف القنا واشتجاره
وغالت أبا عبد المليك صروفه ... وقد كان دهراً لا يباح ذماره
فأصبح مجفوراً وقد كان واصلا ... وأمسى قصيا وهو دان مزاره
ولم أنس إذ أودى الحمام بنفسه ... فلم يبق إلاّ فعله وادكاره
إذا رقأت عيني استهلت شئونها ... لمأتم حزن قد أرن صواره
تجاوب هذى تلك عند بكائها ... كترجيع شول حين حنت عشاره
كأن لم يكن كالمزن يرهب صعقه ... عدو ويرجى في المحول انهاره
ودوحة عزٍ يستظل بظلها ... وروضاً من الآداب تجنى ثماره
أما وعلى مروان إنَّ مصابه ... أثار أسى تذكى على القلب ناره
فلا شرب إلاّ قد تكدر صفوه ... ولا نوم إلاّ قد تجافى غراره
فأي حياً للفضل أجلى غمامه ... ونظم العلياء حان انتثاره
خوى المجد من مروان وانهد طوده ... وجد بجد المكرمات عثاره
وما خلت أنْ الصبح يشرق بعده ... لعين وإنَّ الروض يبقى اخضراره
فيا طود عز زلزل الأرض هده ... وبدر علا راع الأنام انكداره
هنيئا للحد ضم شلوك أنْ غدا ... عميد الندى والمجد فيه قراره
ولم أر دراً قط أصدافه الثرى ... ولا بدر ثم في التراب مغاره
فيا بني عبد العزيز وإنْ خلا ... من المجد مغناه وهد مناره
стр. 845
ففيكم لهذا الصدع آس وجابر ... وإنْ كان صعباً أسوه وانجباره
لكم شرف أرسى قواعد بيته ... أبو بكر السرى إليكم نجاره
أجل وزير عطر الأرض ذكره ... وأخجل زهر النيرات فخاره
فلو كان للعلياء جيد ومعصم ... لأصبح منكم عقده وسواره
ومما يستغرب له ويستبدع، ويشاد بذكره ويسمع ويعد مما ابتكر معناه واخترع؛ قوله في وصف طول الليل عليه، كابد منه ما عظم لديه.
ترى ليلنا شابت نواصيه كبرةً ... كما شبت أم في الجو روض بهارِ
كأن الليالي السبع في الأفق جمعت ... ولا فصل فيها بينها لنهارِ
وحضر عند الظافر عبد الرحمن بن عبيد الله بن ذي النون، ﵀، مجلساً رفعت فيه المنى لوائها، وخلعت عليه الشمس أضوائها، وزفت إليه المسرات أبكارها، وفارقت إليه الطير أوكارها؛ فقال يصفه:
ومجلس جم الملاهي أزهارا
ألذ في الأجفان من طعم الكرى
لم تر عيني مثله ولا ترى
أنفس في نفس وأبهى منظرا
إذا تردى وشيه المصورا
من حلوك صنعاء وحولك عبقرا
ونسج قرقوب ونسج تسترا
стр. 846
خلت الربيع الطلق فيه نورا
كأنما الإبريق حين قرقرا
قد أم لثم الكاس حين فغرا
وحشية ظلت تناغي جؤذرا
ترضعه الدر ويرنو حذرا
كأنما مج عقيقاً أحمرا
أوفت من رياه مسكاً أذفرا
أو عابد الرحمن يوماً ذكرا
فنم مسكاً ذكره وعنبرا
الظافر الملك الذي من ظفرا
بقربه نال العلاء الأكبرا
لو أنَّ كسرى راءه أو قيصرا
هلل إكباراً له وكبرا
تبدي سماء الملك منه قمرا
إذا حجاب المجد عنه سفرا
يا أيها المنضي المطايا بالسرى
تبغي غمام المكرمات الممطرا
وقال ﵀:
يغلو لساني فيكم وما أفك
стр. 847
فاهزز به غضباً إذا هز فتك
قائمه قلبي والغم الحنك
وقال يتغزل أيام جرى في ميدان الصبا متهافتاً وأبدى له الجوى نفساً خافتاً؛ وهو من أبدع أنواع الاستعطاف، وأحسن من النور عند القطاف؛ خضع فيه لمحبوبه وذل، وهان له وابتذل؛ ورضى بما سامه من العذاب، وبذل نفسه في رشفة من ثناياه العذاب؛ وتشكى من جوره وحيفه، وبكى حتى من اجتناب طيفه؛ واستدعى رضاه، وخلع ثوب التناسك ونضاه؛ ونحا في استلطافه أرق منحى وتصام عن قول من عذل ولحى؛ وهذا غرض من كواه الغرام وسبيل من رام من الوصال ما رام؛ فما مع الهوى عز ولا صبر، وما هو إلاّ ذل أو قبر.
والقطعة:
أبا عامرٍ أنت الحبيب إلى قلبي ... وإنْ كنت دهراً من عتابك في حربِ
أتعرض حتى بالخيال لدى الكرى ... وتبخل حتى بالسلام مع الركب
كأني أخو ذنبٍ يجازي بذنبه ... وما كان لي غير المودة من ذنبِ
فيا ساخطاً هل من رجوع إلى الرضا ... ويا نازحاً هل من سبيل إلى القرب
ويا جنة الفردوس هل يقطع العدا ... بجريا لك المختوم أو مائك العذبِ
ويا بائناً بان العزاء بينه ... فأصبحت مسلوب العزيمة والقلبِ
أذقني بالعتبى جنى النحل منعماً ... فإنك قد جرعتني الصاب بالعتبِ
وكنت أرى الهجران أعظم حادثٍ ... فقد صار عند البين من أصغر الخطب
стр. 848
أتتركني رهناً بأيدي حوادث ... غدوت لها نهبا وما كنت بالنهب
سأجعل عيدا يوم عودك يغتدي ... محياك فيه قبلة الهائم الصب
أقيم لواء الوصل في حلة الصبا ... به وأضحى بالصبابة والكرب
لك القلب ما فيه لغيرك منزل ... منحتكه فانزله بالسهل والرحب
وقال شاكيا مثل هذه الشكوى مخبرا بما يلقاه من البلوى:
خليلي هل تقضي لبانة هائم ... أم الوجد والتبريح ضربة لازم
فإني بما ألقى من الوجد مغرم ... كسال قلبي بائح مثل كاتم
ولي عبرات يستهل غمامها ... بخدي إذا لاحت بروق المباسم
كفى حزناً إني أذوب صبابةً ... وأشكو الذي ألقى إلى غير راحم
وأرتع من خديه في جنة المنى ... ويصلى فؤادي من هواه بجاحم
تقضي الصبا واللهو إلاّ حشاشة ... تجدد لي عهد الصبا المتقدم
كأني لم أقطع بصبح وقهوةٍ ... زماني ولم أنعم بأحور ناعم
ولابت في ليل الغواية لائماً ... له تحت أستار الدجى وهو لائمي
إذا ما أدار الكأس وهنا حسبته ... يدير هلالاً طالعاً في غمائم
أبا حسن إني بودك معصم ... فهل أنت يوماً من جفائك عاصمي
جعلتك في نفسي وقلبي محكماً ... لترضى فقد أصبحت أجور حاكم
أتظلمني ودي وما زال فيكم ... قريع علي يرجى لرد المظالم
وقد كان فص الفجر في خنصر العلا ... أبوك ووسطى فوق جيد المكارم
стр. 849
وكم ضم ظهر الأرض منكم وبطنها ... بدور دجى من كل أشوس حازم
وأبلج فضفاض القميص حلاحل ... طويل نجاد السيف ماضي العزائم
وما أذهلني عن ودادك غيبة ... قدحت بها نار الأسى في حيازمي
وكم لي فيها نحوكم من تحية ... أحملها مرضى الرياح النواسم
إذا مر ذكر منك يوماً على فمي ... توهمته مسكاً سرى في خياشمي
دعاني إليك الشوق فاهتاج طائري ... ضحى بخوافٍ للهوى وقوادم
ولو إنني في ملحدي ودعمتني ... للبتك من تحت الصعيد رمائمي
سأصفيك محض الود ما هبت الصبا ... وما سجعت في الأيك ورق الحمائم
وقال أيضاً جاريا على عادته في التشبيب، وسالكاً جادته من الخضوع للحبيب، إلاّ أنَّه اعتذر من الهوى في المشيب، وأنكر أخلاق الشباب على الشيب:
خليلي ما للريح أضحى نسيمها ... يذكرني ما قد مضى ونسيتُ
أبعد نذير الشيب إذ حل عارضي ... صبوت بأحداق المها وسبيتُ
ولي سكن أغرى بي الحزن حسنه ... جرئ على قتل المحب مقيتُ
تلاحظني العينان منه برحمةٍ ... فأحيا ويقسو قلبه فأموتُ
فيا قمراً أغرى بي النقص واكتسى ... كمالا ووافى سعده وشقيتُ
وليت فرقي إذ وليت لهائمٍ ... سباه لمى كالشهد منك وليتُ
وجودي ببرد الوصل يا جنة المنى ... فإني بحر الوجد منك صليتُ
стр. 850
وكتب إليه الكاتب أبو الحسن راشد بن عريب يستدعيه إلى معاطاة قهوة، ساعات سلوة:
طرت إلى شمسية قد تروقت ... فأربت على الصهباء لوناً ورائحة
فلو فيها نقطة هندسيةً ... لباتت بها في ظلمة الليل بائحة
فكن مسعدي يا من سجاياه لم تزل ... وأخلاقه تغني عن المسك فائحة
فأجابه ﵀:
طربت فأطربت الخليل إلى الذي ... طربت له فالنفس نحوك جانحة
وكم أكسرتنا منك من غير قهوةٍ ... شمائل تغنينا عن المسك فائحة
فلله أيام بقربك أسعدت ... غوادٍ علينا بالسرور ورائحة
فساني الطولي لديك قصيرة ... وصفقة كفي في التجارة رابحة
وقد يصف كتابا ورد عليه من محبوب كان هجره، ووعده فيه باللقاء وبشرة:
نفسي فداء كتاب حاز كل مني ... جاء الرسول به من عند محبوب
مبشراً أنَّ ذاك السخط عاد رضاً ... وبدلت منه بعد بتقريب
حبيته ناظراُ نحوي بناظره ... ومهديا لي ما في فيه من طيب
ظلت أطويه من وجد وانشره ... وكاد يلبيه تقبيلي وتقليبي
كم فيلةٍ لي في عنوانه عذبت ... وبردت بالتلظي حر تعذيب
كأنه حين جلى الحزن عن خلدي ... " قميص يوسف في أجفان يعقوب "
لو كل ما فيه من موعوده كذباً ... شفي فكيف بوعدٍ غير مكذوب
وكتب إليه بعض إخوانه متمثلا بقول القائل:
ودادكم كالورد ليس بدائم ... ولا خير فيمن لا يدوم له عهد
стр. 851
وودي لكم كالآس حسنا وبهجة ... له خضرة تبقى إذا ذهب الورد
فراجعه بهذا الشعر:
لعمري لقد شرفت ودي بثلبه ... وصيرت لي فضلا عليك ومفخراً
صدقت: وداد الورد رطباً ويابساً ... وماء إذا عصر الأزاهر أدبراً
وودك مثل الآس ليس بنافع ... ولا نافحٍ إلاّ إذا كان أخضراً
ألم تر أنَّ الورد يكرم إنَّ ذوي ... ويطرح في الميضاة آس تغيرا
أفضلت عبد السوء جهلا على الذي ... غدا في الأزاهير الأمير المؤمرا
وكتاب إلى الكتاب أبي عبد الله بن أبي الخصال، يراجعه عن شعر خاطبه به:
بماذا أكافي ندبا كساني ... حلى من علاه بها قد حباني
وقلد جيدي من دره ... ما لم تقلد نحور الغواني
محاسن أصبح لي لفظها ... معاراً وأضحت لديه المعاني
فقل للذي حاز خصل المدى ... فليس يباريه في السبق ثاني
ألهذي شمائلك الزاهرا ... ت أهديتها أم ثغور الحسان
أم الأنجم الزهر أطلعتها ... على أفق بسماء البيان
أم الوشى ما نمنمت راحتا ... ك أم الأعين الحور جاءت رواني
أم الروض بات نديم الغمام ... يسقيه من غير بنت الدنان
يضاحكه عن ثغور البروق ... ويشدوه من وعده بالأغاني
تئن زف ودك نحوي لقد ... غدا من فؤادك بأعلى مكان
стр. 852
ومهما أساءت بطول البعاد ... خطوب فقد أحسنت بالتداني
كأن الزمان أتي تائبا ... إلي وأنت اعتذار الزمان
ومن شعره الذي يزري بزهر الرياض وغنج الأعين المراض قوله:
أيا ممرضنا جسمي بأجفانه المرضى ... سلبت الكرى عني فهب منه لي البعضا
ليهنك غمض العين عمن تركته ... سمير نجوم الليل ما يطعم الغمضا
أتسخط من ذلي لعزك في الهوى ... وأرضى بخدي أنْ يكون لكم أرضا
قضى الله أنْ أشقى وغيري بوصلكم ... سعيد ومن يستطيع ردا لمّا يقضى
ومما أغرب به وأبدع قطعة تنفك منها ست قطع وهي:
نفسي الفداء لجؤذر حلو اللمى ... مستحسن بصدوده أضناني
في فيه سمطا جوهر يروي الظما ... لو علني ببروده أحياني
ثم زاد في غرابة هذا المنزع بأن صنع قطعة تنفك منها تسع قطع وهي:
طيف سرى من خاطر القلب الذوي ... فوفى لنا بعداته وقضى الوطر
بذلك الكرى عن ناظر الصب الجوي ... وشفى الضنى بهباته ومضى حذر
وقال يصف تينا أسودا مكتبا:
أهلا بتين كالنهود حوالك ... ضمخن مسكا شيب بالكافور
وكأن ما زرت عليه جيوبها ... شهد يشاب بسمسم مقشور
стр. 853
وكأنما لبست لجينا محرقا ... فيه بقايا من بياض معطر
وقال يصف حماما:
أرى الحمام موعظة وذكرى ... لكل فتى أريب ذي ذكاء
يذكرنا عذاب ذوي المعاصي ... وأجيانا نعيم الأتقياء
شقا هجر يشوب نعيم وصل ... وحر النار في برد الهواء
إذا ما أرضه التهبت بنار ... تبادر سمكه هطلا بماء
كصدر الصب جاش بما يلاقي ... فلج الطرف منه بالبكاء
كأن له حبيبا بان عنه ... فبان وخانه حسن العزاء
ومن شعره المطرب وتغزله المعجب قوله:
أيا قمرا في وجنتيه نعيم ... وبين ضلوعي من هواه جحيم
إلى كم أقاسي منك روعا وقسوة ... وصرما وسقما إنَّ ذا لعظيم
وإني لأنهى النفس عنك تجلدا ... وأزعم أني بالسلو زعيم
فإن خطرت بالقلب ذكراك خطرة ... ظللت بلا لب إليك أهيم
ومن مديحه الذي أبدع فيه وأغرب وذهب فيه أحسن مذهب قوله يمدح القادر رحمه الله تعالى:
ضمان على عينيك أني هائم ... تصدع قلبي حول وصلك حائم
فؤادك قاس ليس لي في رحمة ... ويوهم منك اللحظ أنك راحم
ظلمت ولم ترهب مغبة ما جنت ... جفون لها في العاشقين ملاحم
стр. 854
أظن عقاب الله نالك في الهوى ... فخصرك مظلوم وردفك ظالم
ولحظك مضني ما يفيق من الضنى ... كما ضنيت فيك الجسوم النواعم
وخدك بالألحاظ دائبا ... فكل له باللحظ مدم وكالم
يقولون غصن ألبان ما حاز خصره ... ودعص النقا ما حاز منه المعاكم
وفي طوقة بدر الدجنة طالع ... تجلله قطع من الليل فاحم
وقالوا اللمى المحمر فص عقيقه ... بمبسمه المعسول والثغر خاتم
لك المثل الأعلى وفي الجهل عاذر ... بتقصيرهم إنْ لامهم فيك لائم
وما أنت إلاّ آية الله في الورى ... وحكمته إنْ قال بالعلم عالم
لقد يخسوك الحق جهلا وأخطأت ... بما رجمت فيك الظنون الرواجم
كما يخسوا يحيى بن ذي النون حقه ... فقالوا ابن سعدي في النوال وحاتم
وقالوا حكى الضرغام في الروع بأسه ... وذلك ما لا تدعيه الضراغم
وقالوا هو الدهر الذي ليس دونه ... حمى وهو المخدوم والدهر خادم
وأني لليث الغاب في الروع بأسه ... إذا صال في الهيجاء والنقع قاتم
ومن أين للسيف الحسام مضاؤه ... إذا انتضيت للحرب منه العزائم
ومن أين للمزن الكنهور جوده ... إذا انهملت من راحتيه المكارم
لنا بارق من بشره خلبا ... إذا شامه يوما من الناس شائم
عليه من المأمون يحيى مشابه ... ترى ولإسماعيل فيه مياسم
همامان شادا مجد له التقى ... أساس وأطراف الرماح دعائم
أبا الحسن استنشق ثنائي فإنما ... فؤادي دارين وشعري لطائم
стр. 855
لبست حلي للفضل حائكها التقى ... ومعلمها الإفضال والمجد راقم
وأورثك المأمون صارمه الذي ... به لم تزل تفري الطلى والجماجم
فصمم ولا تحجم فإنك صارم ... حسام ومنه في يد الله قائم
لك السرحة الغناء في المجد لم تزل ... تروضها من راحتيك الغمائم
رياض لنا سجع بمدحك وسطها ... كأنا على أفنانهن حمائم
ودونك بكرا من ثنائي زففتها ... إليك كما زف الغوالي الكرائم
كستك بطليوس بها عبقرية ... كما انشق عن زهر الرياض كمائم
وما أنت ذو فقر لمّا أنا واصف ... ولا أنا ذو إفك بما أنا زاعم
سجاياك تملي الفخر والدهر كاتب ... وعلياك تعطي الدر والشعر ناظم
فدم عامرا للمجد تعنو لك العدا ... وتحسدنا فيك النجوم النواجم
قال أبو نصر: هذا ما سمح به خاطر لم تخطر عليه سلوة وذهن ناب لم ترهف له نبوة ووقت أضيق من المأزق المتداني ومقت للزمن شغلني عن كل شيء وعداني أتجرع به الصاب وأتدرع منه الأوصاب فما أتفرغ لإنشاء قول ولا أصحو من الانتشاء من هول وإلاّ فمحاسن هذا الرجل كانت أهلا أنْ يمتد عنانها ويسكب عنانها لكن عاق عن ذلك الدهر الذي شغل وأوغلنا في شعاب الأنكاد حيث وغل.
انتهى التأليف البارع.
ولابد أنْ نذكر ما لأبي نصر من القلائد في حق الرجال المذكور وأختصر ما جرى ذكره هنا من النظم.
стр. 856
قال في القلائد في حق الشيخ ابن السيد المذكور ما نصه: الفقيه الأستاذ أبو محمّد عبد الله بن محمّد بن السيد البطليوسي شيخ المعارف وإمامها ومن في يده زمامها لديه تنشد ضوال الأعراب وتوجد شوارد لغات الإعراب إلى مقطع دمث ومنزع في النفاسة غير منتكث وكان له في دولة ابن رزين مجال ممتد ومكان معتد لمّا رأى الأحوال واختلالها والأقوال واعتلالها وتلك الشموس قد هوت ونجوم الآمال قد خوت وأضرب عن مثواه ونكب عن نجواه واغترب بلوعة ابنرزين وجواه ونصب نفسه لإقراء علوم النحو وقنع بتغييم جوه بعد الصحو وله تحقيق بالعلوم الحديثة والقديمة وتصرف في طرقها القويمة ما خرج بمعرفتها عن مضمار مشرع ولا نكب عن أصل للسنة ولا فرع وتواليفه في الشروحات وغيرها صنوف وهي اليوم في الآذان شنوف وقد أثبت له يريك شنوفه وتجد على النفس خفوفه.
فمن ذلك قوله في طول الليل: ترى ليلنا..... البيتين وقد سبقا.
ثم قال الفتح: وأخبرني أنه حضر مع المأمون بن ذي النون في مجلس الناعور بالمنية التي تطمح إليها المنى ومرآها هو المقترح والمتمنى والمأمون قد احتبى
стр. 857
وأفاض الحبا والمجلس يروق كأنه الشمس في أفقه والبدر كالتاج في مفرقه والنور عبق وعلى ماء النهر مصطبح ومغتبق والدولاب يئن كناقة إثر الحوار أو كثكلى من حر الأوار والجو قد عنبرته أنواؤه والروض قد رشته أنداؤه والأسد قد فغرت أفواهها ومجت أمواهها فقال: يا منظرا إنْ نظرت بهجته..... الأبيات وقد تقدمت.
ثم قال الفتح: وله رقعة يصف بها هذا التصنيف يعني قلائد العقيان: تأملت فسح الله لسيدي ووليي في أمد بقائه كتابه الذي شرع في إنشائه فرأيت كتابا سينجد ويغور ويبلغ حيث لا تبلغ البدور وتبين به الذرى والمناسم وتغتدي له غرر في أوجه ومواسم فقد أسجد الله الكلام لكلامك وجعل النيران طوع أقلامك فأنت تهدي بنجومها وتردي برجومها فالنثرة من نثرك والشعري من شعرك والبلغاء لك معترفون وبين يديك متصرفون وليس يبارك مبار ولا يجاريك إلى الغاية مجار إلاّ وقف حسيرا وسبقت ودعي أخيرا وتقدمت لا عدمت شفوفا ولا برح مكانك بالآمال محفوفا بعزة الله.
وله يراجع الأستاذ أبا محمّد بن جوشن عن شعر كتب به إليه وتضمن عزلا في أول القصيدة فحذا حذوه:
حلفت بثغر قد حمى ريقه العذبا ... وسل عليه من لواحظه عضبا
وفرحة لقيا أذهبت ترحة النوى ... وعتبي حبيب هاجر أعقبت عتبا
стр. 858
لقد هز عطفي بالقريض ابن جوشن ... سرورا كما هزت صبا غصنا رطبا
كساني ارتياح الراح حتى حسبتني ... حليف بعاد نال من حبه قربا
وأطربني حتى دعاني الورى فتى ... وقالوا كبير بعد كبرته شبا
كأن المثاني والمثالث هيجت ... سروري ولم أسمع غناء ولا ضربا
فيا مزمع الترحال قل لابن جوشن ... مقال محب لم يشب جده لعبا
أمهدي سجاياه إليَّ وناظما ... لي الشهب عقدا راقني نظمه عجبا
وما خلت إهداء الشمائل ممكنا ... لمهد وأنَّ الدهر ينتظم الشهبا
فهل نال عبد الله من سحر بابل ... نصيبا فأربي أو حوى الدهي والإربا
ليهنك فضل حزت من خصله المدى ... ونظم بديع قد غدوت له ربا
وهاك سلاما صادرا عن مودة ... عمرت به مني الجوانح والقلبا
وله ﵀ في الزهد من لزوم ما لا يلزم:
أمرت إلهي بالمكارم كلها ... ولم ترضها إلاّ وأنت لها أهل
فقلت اصفحوا عمن أساء إليكم ... وعودوا بحلم منكم إنْ بدا جهل
فهل لجهول خاف صعب ذنوبه ... لديك أمان منك أو جانب سهل
وله ﵀ يجيب شاعرا قرطبيا مدحه:
قل للذي غاص في بحر من الفكر ... بذهنه فحوى ما شاء من درر
لله عذراء زفت منك رائحة ... تختال من حبرها المرقوم في حبر
стр. 859
صدقها الصدق من ودي ومنزلها ... بصيرتي وسواد القلب لا بصري
كأنما خامرتني من بشاشتها ... راح وسكر بلا راح ولا سكر
هزت بدائعها عطفي من طرب ... لحسنها هزة المشغوف للذكر
ما كنت أحسب أنَّ النيرات غدت ... يصيدها شرك الأوهام والفكر
ولا توهمت أيام الربيع ترى ... في تاجر غضة الأنوار والزهر
أما الجزاء فشئ لست مذركه ... ولو بدرت إلى التوجيه بالبدر
لكن جزائي صفاء الود أضمره ... إذا القلوب انطوت منه على كدر
جاراك ذهني في مضمارها فكبا ... ذهني وفزت بخصل السبق والظفر
وهل بطليوس في نظم مناظرة ... يوما لقرطبة في حكم ذي نظر
وله أيضاً ﵀ يصف زربطانة ملغزا:
وذات عمى لها طرف بصير ... إذا رمدت فأبصر ما تكون
لها من غيرها نفس معار ... وناظرها لذي الإبصار طين
وتبطش باليمين إذا أردنا ... وليس لها إذا بطشت يمين
وكتب إلى الأستاذ أبي الحسن بن الأخضر ﵀:
يا سيدي الأعلى وعمادي وعمادي الأسنى وحسنة الزمان الحسني الذي جل قدره وسار مسير الشمس ذكره ومن أطال الله بقاءه لفضل يعلى مناره
стр. 860
وعلم يحيى آثاره نح أعزك الله نتدانى إخلاصا وإنْ كنا نتناءى أشخاصا ويجمعنا الأدب وإنْ فرقنا النسب فالأشكال أقارب والآداب مناسب وليس يضر تناثي الأشباح إذا تقاربت الأرواح وما مثلنا في هذا الانتظام إلاّ كما قال أبو تمام ﵀:
نسيبي في رأيي وعلمي ومذهبي ... وإنْ بإعدتنا في الأصول المناسب
ولو لم يكن لمآثرك ذاكر ولا لمفاخرك ناشر إلاّ ذو الوزارتين أبو فلان أبقاه الله لقام لك مقام سبحان وائل وأغناك عن قول قائل فإنه يمد في مضمار ذكراك باعا رحيبا ويقوم بفخرك في كل ناد خطيبا حتى تنثني إليه الأحداق وتلوى نحوه الأعناق فكيف وما يقول إلاّ بالذي علمت يعد وما تقرر في النفوس من قبل ومن بعد فذكرك قد أنجد وغار ولم يسر فلك حيث سار وإنْ ليل جهل أطلعت فيه فجر تبصيرك لجدير بأن يصير نهار وإنَّ نبع فكر قدحته بتذكيرك لجدير أنْ يعود مرخا فهنيئا لك الفضل الذي أنت فيه راسخ القدم شامخ العلم منشور اللواء مشهور الذكاء مليت الآداب عمرك ولا عدمت الألباب ذكرك ورقيت من مراتب أعلاها ولقيت من المآرب أقصاها بفضل الله.
وكتب مراجعا إلى الوزير أبي محمّد بن سفيان ﵀: يا سيدي الأعلى وعمادي الأسنى ومشربي الأصفى ومن أدام الله عزه وحمى من النوائب حوزته وافاني لك كتاب سرى الموضع سنى
стр. 861
الموقع أطال على إيجازه وأطمع بعد إعجازه وقابلت الرغبة التي ضمنتها فيه بما تقتضيه جلاله مهديه ولئن تراخى الكتاب عن حسن في ذلك العتاب فإن المودة لم يقدح فيها من الملل قادح ولم يسنح لها من الخلل سانح بل كانت كالبرد طوى على غره إلى أوان جلائه ونشره وقد علم علام الضمائر والذي يظن غائبا وهو حاضر أني أعتقدك القدح المعلى وأضرب بك المثل الأعلى وأرى أنك تحجيل واضح في دهمة الزمان وعلق راجح في كفة الامتحان وبقية سنخ كريم ما عهدهم عنا بذميم.
عليهم سلام الله ما ذر شارق ... ورحمة ما شاء أنْ يترحما
وما أدعي لك جانبا من السيادة إلاّ لك عليه أعدل الشهادة ولكن قديما سفل ذو الرجحان وعاد الكمال على أهله بالنقصان وكبت الأعالي بارتفاع الأسافل حتى اقتضى ذلك قول القائل:
فوا عجبا كم يدعى الفضل ناقص ... ووا أسفا كم يظهر النقص فاضل
وقال المذمر للناتجين ... متى ذمرت قلبي الأرجل
وقد جاريتك أعزك الله في ميدان من البلاغة أنا فيه كمن كاثر البحر والمطر وجلب التمر إلى هجر والذي حداني إليه أنه مر بي زمن ألهي خاطري عنك فيه وسن فقلت قد كان من العقوق ترك رعاية الحقوق فلأستمطرن مزن القول فقد كنت عهدتها تسجم فتغدق ولأستسقين
стр. 862
جابية الشيخ العراقي فقد كانت تطم فتفهق أيام كنت أسحب ذيل الشباب وأسلك مسلك الكتاب ويعجبني سلوك سهل الكلام وحوزته والتصرف بين أبكاره وعونه أستن استنان الطرف الجامح ولا أثنى عنان الطرف الطامح وأورى هامتي وأقول بما صبت على غمامتي إلى أنْ تعمم مفرقي بالقتير وعلتني أبهة الكبيرة وودعت زمني الزائل وعادت سهامي بين رث وناصل وعريت أفراس الصبا ورواحله وسددت على سوى قصد السبيل معادلة فلئن هريق ماء الشباب واستشن الأديم وأقشع السحاب وتجلت الغيوم فلعل في الأفق ربابه وفي الحوض صبابة وعسى أنْ يكون في أخلاف المقالة در يرضع في حقاق البلاغ در يرصع وزفنا عذراء لا ترضى إلاّ الأكفاء فليس يبين النجد إلاّ في مآزق الهيجاء ولا يحسن العقد إلاّ في عنق الحسناء ولأجعلن الشعر لها شعارا وفقر النثر لها دثارا فاهتصرها إليك ولهي عروبا قد رضيت
стр. 863
بك محبا ومحبوبا فتضمخك بمسكها وتؤمنك من فركها وتذر ذرور الشمس عليك وتهز في ندوة الحي عطفيك فإنَّ قضت من حقك فرضا ورتقت من فتق الإخلال ولو بعضا فذاك ما تضمنه الخاطر الذي نمنم بردها ونظم عقدها وإنْ أخلف الظن ما أوهم ووعد وقصر الذهن فيها أحكم وسدد فللخاطر عذر في أنه منصل أغفل شحده وجلاؤه حتى ذهب فرنده وماؤه ومنهل ضيع ورده فنضب عده:
والشوال ما حلبت رسلها ... وتجف درتها إذا لم تحلب
وله من قصيدة يمدح بها ذا الوزارتين أبا محمّد بن الفرج:
نبه الليل بالوجيف ولا تو ... لع بدار الهوان بالإغماض
واقر ضيف الهموم كل أمون ... عنتريس وبازل شرواض
أنقذتني من الردى وطأتي البيد ... ونقض الهموم بالإنقاض
شكلها كالقسي وهي سهام ... للفلا والرغاء كالإنباض
стр. 864
خلنا حين الليل سبحا ... غمست من دجاه في خضاض
صدعت عرمض الدياجر حتى ... كرعت في كاء الصبح المفاض
حين راع الظلام وخط مشيب ... قد سرى في سواده ببياض
وقال في الزهد:
تجوهدك الأدنى عنيت بحفظه ... وضيعت من جهل تجوهرك الأقصى
لقد بعت ما يبقى بما هو هالك ... وآثرت لو تدري على فضلك النقصا
وقال في ذلك أيضاً: وما دارانا إلاّ موات..... البيتين.
وقد تمثلت بهما في خطبة هذا الكتاب فراجعهما.
وله أيضاً يعزي ذا الوزارتين أبا عيسى بن لبون في أخيه:
المرء في أيامه عبر ... والصفو يحدث بعده كدر
خرس الزمان لمن تأمله ... نطق وخبر صروفه خبر
نادي فأسمع لو وعت أذن ... وأرى العواقب لو أرى بصر
كم قال هبوا طالما هجعت ... منكم عيون حقها السهر
أبأذن من هو مبصري صمم ... أم قلب من هو سامعي حجر
لولا عماكم عن هدى نذري ... ومواعظي ما جاءت النذر
стр. 865
هذي مصارع معشر هلكوا ... وعظتم بالصمت فاعتبروا
ومنها:
قالت أرى ليل الشباب بدت ... للشيب فيه أنجم زهر
فأجبتها لا تكثري عجبا ... من شيبة لم يجنها كبر
لكن طويت من الهموم لظى ... أضحى لها في عارضي شرر
ومنها:
حسنت شمائلكم وأوجهكم ... فتطابقا مر أي ومختبر
والحسن في صور النفوس وإنْ ... راقتك من أجسامها الصور
لا ضعضعت أيدي الخطوب لكم ... ركنا ولا راعتكم الغير
وقال يخاطب مكة أعزها الله:
أمكة النفوس الكرائم ... ولا برحت تنهل فيك الغمائم
وكفت أكف السوء عنك وبلغت ... مناها قلوب كي تراك حوائم
فإنك بيت الله والحرم الذي ... لعزته ذل الملوك الأعاظم
وقد رفعت منك القواعد بالتقى ... وشادتك أيد برة ومعاصم
وساويت في فضل المقام كلاكما ... تنال به الزلفى وتحمى المآثم
ومن أين تعدوك الفضائل كلها ... وفيك مقامان: الهدى والمعالم
ومبعث من ساد الورى وحوى العلا ... بمولده عبد الإله وهاشم
نبي حوى فضل النبيين واغتدى ... لهم أول في فضله وهو خاتم
وفيك يمين الله يلثمها الورى ... كما يلثم اليمني من الملك لاثم
وفيك لإبراهيم إذا وطئ الثرى ... ضحى قدم برهانها متقادم
стр. 866
دعا دعوة الصفا فأجابه ... قطوف من الفج العميق وراسم
فأعجب بدعوى لم تلج مسمعي فتى ... ولم يعها إلاّ ذكي وعالم
ألهفي لاقدار عدت عنك همتي ... فلم تنهض مني إليك العزائم
فيا ليت شعري هل أرى فيك داعيا ... إذا ما دعت لله فيك الغمائم
وهل تمحون عني خطايا اقترفتها ... خطى فيك لي أو يعملان رواسم
وهل لي من سقيا حجيجك شربة ... ومن زمزم يروى بها النفس حائم
وهل لي في أجر الملبين مقسم ... إذا بذلت للناس فيك المقاسم
وكم زار مغناك المعظم مجرم ... فحطت به عنه الخطايا العظائم
ومن أين لا يضحى مرجيك آمنا ... وقد أمنت فيك المها والحمائم
لئن فاتتني منك الذي أنا رائم ... فإن هوى نفسي عليك لدائم
وإنْ يحمني حامي المقادير مقدما ... عليك فإني بالفؤاد لقادم
عليك سلام الله ما طاف طائف ... بكعبتك العليا وما قام قائم
إذا نسم لم تهد عني تحية ... إليك فهديها الرياح النواسم
أعوذ بمن أسناك من شر خلقه ... ونفسي فما منها سوى الله عاصم
وأهدي صلاتي والسلام لأحمد ... لعلي به من كبة النار سالم
انتهى ما أوردة في القلائد دون ما قدمناه.
ولنختم ترجمة ابن السيد بقوله:
إليك أفر من ذلي وذنبي ... فأنت إذا لقيت الله حسبي
وزورة أحمد المختار قدما ... مناي وبغيتي لو شاء رتبي
فإن أحرم زيارته مجسمي ... فلم أحرم زيارته بقلبي
стр. 867
فدونك يا رسول الله مني ... تحية مؤمن وهدي محب
سأجعل عروتي الوثقى يقيني ... لصحة ما أتيت به وحبي
عسى ود ثوى لك في فؤادي ... على بعد سيوجب منك قربي
شهدت بأن دينك خير دين ... بلا شك وصحبك خير صحب
ولنمسك العنان.
ومن أشياخ القاضي أبي الفضل عياض ﵀:
الشيخ أبو علي الجياني وهو حسين بن محمّد بن أحمد الغساني بغين معجمة وسين مهملة مشددة الجياني بجيم ومثناة من أسفل مشددة رئيس المحدثين بقرطبة وليس هو منها وإنما نزلها أبوه في الفتنة وأصلهم من الزهراء.
روى عن أبي العاصي حكم بن محمّد الجذامي وأبي عمر بن عبد البر وأي شاكر القبري وأبي عبد الله محمّد بن عتاب وأبي القاسم حاتم بن محمّد وأبي عمر بن الحذاء القاضي وأبي مروان الطبني والقاضي سراج بن عبد الله وابنه أبي مروان وأبي الوليد الباجي وأبي العباس العذري وجماعة غيرهم يطول تعدادهم سمع منهم وكتب الحديث عنهم.
وكان من جهابذة المحدثين وكبار العلماء المستندين وعني بالحديث وكتبه وروايته وضبطه وكان حسن الحظ جيد الضبط وكان له بصر باللغة والأعراب ومعرفة بالغريب والشعر والأنساب وجميع من ذلك كله مالم يجمعه أحد في وقته ورحل الناس إليه وهولوا في رواية عليه وجلس لذلك بالمسجد
стр. 868
الجامع بقرطبة، وسمع منه أعلام قرطبة وكبارها، وفقهاؤها وجلتها.
أخبر عنه واحد من الشيخ، ووصفوه بالجلالة، والحفظ والنباهة، والتواضع والصيانة. وذكره الشيخ أبو الحسن بن مغيث فقال: كان من أكمل من رأيت علماً بالحديث، ومعرفة بطرقه، وحفظاً لرجاله، عانى كتب اللغه، وأكثر من رواية الأشعار، وجمع من سعة الرواية ما لم يجمعة أحد أدركناه؛ وصحح من الكتب ما لم يصححه غيره من الحفاظ، كتبه حجة بالغة، وجمع كتاباً في الرجال الصحيحين، سماه " تقييد المهمل المشكل " وهو كتاب حسن مفيد، أخذه الناس عنه.
قال أبو القاسم بن بشكوال: قرأت بخط أبي علي رحمه الله تعالى في كتابه: أنا حكم بن محمّد، قال أخبرنا أبو الحسن أحمد بن عبد الله بن رزيق، قال: سمعت أبا بكر محمّد بن أحمد البغدادي الوراق، قال: سمعت ابن الأصم يقول: سمعت أبي يقول - إذا رأى أصحاب الحديث -:
أهلاً وسهلاً بالذين أحبهم ... وأودهم في الله ذي الآلاءِ
أهلاً بقوم صالحين ذوي تقى ... غر الوجوه وزين كل ملاء
يا طالبي علم النبي محمدٍ ... ما أنتم وسواكم بسواء
وأصابت الشيخ أبا علي زمانه عطلته، فأعمل الرحالة إلى المرية للاستشفاء، بماءٍ حمتها، حمة بجانة؛ فقدم عليها في صدر المحرم سنة ست وتسعين وأربع مائة؛ وكان نزوله بها على الشيخ الفقيه أبي الربيع سليمان السبائي وفي منزله وبقراءته وقراءة القاضي أبي القاسم بن ورد، وكان أكثر ما سمع عليه من بالمرية ويوجد السماع عليه بحمية بجانة؛ ثم قفل إلى قريته، وبها توفى ﵀ ليلة
стр. 869
الجمعة لاثني عشرة ليلة خلت من شعبان وقال أبو جعفر بن الباذش لعشرة خلون منه سنة ثمان وتسعين وأربع مائة؛ ودفن يوم الجمعة بمقبرة الربض عند الشريعة القديمة؛ ومولده في المحرم سنة سبع وعشرين وأربع مائة؛ وكان لزم داره قبل موته لزمانته.
ذكر ذلك كله ابن بشكوال؛ وفيه عن غيره، وهذا هو الصحيح الذي لا يلتفت إلى غيره، ممن قال إنْ وفاته سنة ست وتسعين وأربع مائة. والله أعلم.
ومن أشياخ القاضي أبي الفضل عياض رحمه الله تعالى:
القاضي الشهير الشهيد أبو علي الصدفي. وهو حسين بن محمّد بن فيره ابن حيون بن سكرة. وفيره " بكسر أوله، وياء مثناة في أسفل، وراء مضمومة مشددة، وهاء ساكنة ": قيل معناه الحديد بلغة العجم، وقد صرح بذلك صاحب الديباج المذهب. وحيون بحاء مهملة، وياء مثناة من أسفل مشددة. وسكرة: " بضم السين المهملة، وفتح الكاف المشددة، وآخره تاء تأنيث ": مؤنت سكر. والصدفي: بفتح أوله وثانيع. وهو من أهل سرقسطة، سكن مرسية، وروى بسرقسطة عن أبي الوليد سليمان بن خلف الباجي، وأبي محمّد عبد الله بن محمّد بن إسماعيل وغيرهما، وسمع ببانسية من أبي العباس العذري، وسمع بالمرية من أبي عبد الله محمّد بن سعدون القروي، وأبي عبد الله بن المرابط، وغيرهما.
ورحل إلى المشرق أول المحرم من سنة إحدى وثمانين وأربع مائة، وحج من عامه، ولقي بمكة أبا عبد الله الحسين بن عليّ الطبري: إمام الحرمين، وأبا بكر الطرطوشي، وغيرهما، ثم صار إلى البصرة، فلقي بها أبا يعلى المالكي، وأبا العباس الجرجاني، وأبا القاسم بن شعبة، وغيرهم؛ وخرج إلى بغداد،
стр. 870
فسمع بواسط من أبي المعالي محمّد بن عبد الله السلام الأصبهاني وغيره، ودخل بغداد يوم الأحد السادس عشر لجمادى الآخرة، سنة اثنتين وثمانين وأربع مائة، فأطال الإقامة بها خمس سنين كاملة، وسمع بها من أبي الفضل أحمد بن الحسن ابن خيرون مسند بغداد، ومن أبي الحسين بن البارك بن عبد الجبار الصيرفي، وأبي محمّد رزق الله بن عبد الوهاب التميمي، وأبي الفوارس طراد بن محمّد الزينبي، وأبي عبد الله الحميدي؛ وتفقه على الفقيه أبي بكر الشاشي وغيره، وسمع من جماعة سواهم من رجال بغداد ومن القاديمين عليها أيام كونه بها. ثم رحل عنها في جمادى الآخرة سنة سبع وثمانين وأربع ملئة، فسمع بدمشق من أبي الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي، وأبي الفرج سهل بن بشر السفرائني وغيرهما، وسمع بمصر من القاضي أبي الحسن عليّ بن الحسين الخلعي، وأبي العباس أحمد بن إبراهيم الرازي وأجازه له أبو إسحاق الحبال مسند مصر في وقته ومكثرها؛ وسمع بالإسكندرية من أبي القاسم مهدي بن يوسف الوراق، ومن أبي القاسم شعيب بن سعد وغيرهما.
ووصل إلى الأندلس في صفر من سنة تسعين وأربع مائة؛ وقصد مرسية، فاستوطنها، وقعد يحدث الناس بجامعها؛ ورحل الناس من البلدان إليه، وكثر سماعهم عليه، وكان عالماً بالحديث وطرقه، عارفاً بعلله وأسماء رجاله ونقلته، بصيراً بالمعدلين؛ وكان حسن الخط، جيد الضبط وكتب بيده علماً مثيراً وقيده؛ وكان حافظاً لمصنفات الحديث، قائماً عليها، ذاكراً لمتونها وأسانيدها ورواتها، وكتب منها صحيح البخاري في سفر، وصحيح مسلم في سفر، وكان قائماً على الكتابين، مع مصنف أبي عيسى الترمذي. وكان فاضلاً ديناً، متواضعاً حليماً، وقوراً عالماً عاملاً؛ واستقضي بمرسية ثم
стр. 871
استعفي فأعفى؛ وأقبل على نشر العلم وبثه.
قال ابن الأبار: وقد ذكره أبو القاسم بن عساكر في تاريخه، لدخوله الشام. قال: وبعد أنْ استقرت به النوى، واستمرت إفادته بما قيد وروى؛ رفعته ملوك أوانه، وشفعته في مطالب إخوانه؛ فأوسعته رعياً، وحسنت فيه رأياً؛ ومن ابنائهم من جعل يقصده، لسماع مسنده. وعلى وقاره الذي كان به يعرف، ندر له مع بعضهم ما يستظرف، وهو أنْ فتى منهم يسمى يوسف، لازم مجلسه، معطراً رائحته، ومنظفاً ملبسه، ثم غاب لمرض قطعه، أو شغل منعه؛ ولمّا فرغ أو أبل، عاود ذلك النادي المبارك والمحل؛ وقبل إفضائه إليه دل طيبه عليه؛ فقال الشيخ، على نزاهته من المجون، وسلامته من الفتون: " إني لأجد ريح يوسف لولا أنْ تفندون ". وهي من طرف نوادره، رحمة الله عليه.
ولمّا قلد الشيخ أبو عليّ قضاء مرسية، وعزم عليه في توليه، ولم يوسعه عذراً في استعفائه مقدمه لذلك وموليه؛ خرج منها إلى المرية، فأقام بها، سنة خمس وبعض سنة وخمس مائة. وفي سنة ست قبل قضاءها على كره، إلى أنْ استعفى آخر سنة سبع، في قصة يطول إيرادها. ولطول مقامه بالمرية أخذ الناس عنه فيها، فلما كانت وقعة كتندة، ويقال قتندة بالقاف، من خيز دورقة، من عمل سرقسطة، من الثغر الأعلى، وذلك سنة أربع عشرة وخمس مائة وكان الشيخ أبو هلي ممن حضرها هو وقرينه في الفضل أبو عبد الله بن الفرج، خرجا مع الأمير إبراهيم بن يوسف بن تاشفين غازيين، فكانا فيمن فقد فيها واختلف فيها أصحابه، فجعلها أبو جعفر بن الباذش بعد العصر، من يوم الأربعاء السابع عشر من ربيع الآخر، من السنة المذكورة، وتابعه أبو عبد الله بن عبد الرحيم؛ وجعلها القاضي أبو الفضل عياض بن موسى يوم الخميس، لست
стр. 872
بقين منه. وقال أبو القاسم بن بشكوال: استشهد القاضي أبو عليّ في وقعة قتندة، بثغر الأندلس، يوم الخميس ووافق عياضاً إلاّ في الشهر، فانه قال من ربيع الأول. قال ابن الأبار: وهو الأصح. وقال أبو عمرو والخضر بن عبد الرحمن: توفي في الكائنة على المسلمين بكتندة، عشي يوم الخميس، الثامن عشر من شهر ربيع الأول، فتابع ابن بشكوال على الشهر. قال أبو عبد الله بن الأبار: وقرأت بخط أبي عبد الله بن مدرك بن الغساني المالقي: استشهد الفقيه أبو عليّ رحمه الله تعالى في وقعة كتندة، يوم الخميس، التاسع من ربيع الأول، وذكر السنة. قال: وكنت على المسلمين، جبرهم الله تعالى قتل فيها من المطوعة نحو عشرين ألفاً، ولم يقتل فيها من العسكر يعني الجند أحد، وحكي غيرهم أنْ العسكر انصرف مفلولاً إلى بلنسية، في الموفى عشرين من ربيع الأول أيضاً، وأنَّ القاضي أبا بكر بن العربي حضرها. قال: وسئل مخلصه منها عن حاله، فقال، حال من ترك الخبا والعبا. قال أبي بشكوال: وكان القاضي أبو عليّ يومئذ من ابناء الستين، وقد ذكره ابن بشكوال، وقال: وهو ممن كتب إلينا بإجازة ما رواه، ولم ألقه. وذكره ابن الأبار في معجم أصحابه، وقد ألف ابن الأبار هذا المعجم في أصحاب القاضي أبي عليّ، كما ألف القاضي أبو الفضل عياض بن موسى نعجم شيوخه، رحمة الله عليهم أجمعين.
ومن أشياخ القاضي أبي الفضل عياض رحمه الله تعالى:
أبو الوليد هشام بن أحمد بن هشام الهلالي، يعرف بابن بقوى، ويقال ابن بقوة، من أهل غرناطة، وسكن المرية وسمع من شيوخ المرية، مثل طاهر ابن هشام الأزدي، وأبي محمّد حجاج بن عليّ بن محمّد الرعيني، المعروف بابن
стр. 873
المأموني، وأبي القاسم خلف بن أحمد الجراوي، وأبي العباس أحمد بن عمر العذري، وغيرهم؛ ومن الطارئين عليها، مثل القاضي أبي الوليد الباجي، وأبي عبد الله محمّد بن سعدون القروي. وكان جروجه من المرية بعد سنة اثنتين وتسعين وأربع مائة، وسكن غرناطة مدة، وولي الأحكام بعدة جهات من كورة ألبيرة. وكان من حفظ الحديث المعتنين بالتنقير عن معانيه، واستخراج الفقه منه، مع التقدم في حفظ مسائل الرأي، والبصر بعقد الوثائق، والتقدم في معرفة أصول الدين. روى عنه جماعة. وولد في صفر سنة أربع وأربعين وأربع مائة، وتوفي بغرناطة في شهر ربيع الأول سنة ثلاثين وخمس مائة؛ ذكره ابن بشكوال.
ومن أشياخ القاضي أبي الفضل عياض ﵀:
القاضي أبو عبد الله محمّد بن عبد الرحمن بن عليّ بن سعيد بن عبد الله بن شبرين، بشين معجمة مكسورة، وباء موحدة ساكنة، وراء مكسورة، بعدها ياء، آخر الحروف، وآخره نون، الجذامي، من أهل مرجيق: حصن من حصون شلب، بينها أربعون ميلا من الغرب.
أخذ عن القاضي أبي الوليد الباجي كثيراً من مروياته وتآليفه، وصحبه واختص به، وكان من أهل العلم، والمعرفة والفهم، عالماً بالأصول والفروع، واستقصى بإشبيلية، وحمدت سيرته، ولم يزل يتولى القضاء بها، إلى أنْ توفي ليلة الأربعاء لثلاثٍ خلون من رجب الفرد، سنة ثلاث وخمس مائة.
قال ابن بشكوال: كتب إليَّ القاضي أبو الفضل عياض بن موسى بن
стр. 874
عياض بوفاته، وقال قيدتها حين وفاته. قلت: وهذا هو الصواب لا ما قله بعض من شرح الشفا: أنَّه توفي يوم الخميس رابع رجب المذكور، ولعله ظن أنَّ يوم دفنه يوم وفاته، على أنَّ مثل هذا قريب، لا سيما إن كانت وفاته آخر الليل، فلا يكون بين اليوم والليلة إلاّ مديدة قليلة جداً، فافهم.
وحكي القاضي أبو الحسن عيسى بن حبيب: أنَّه رحل إلى أبي الوليد الباجي سنة تسع وستين وأربع مائة، وصحبه بسرقسطة، ثم سافر معه إلى الورية، حتى مات أبو الوليد، فكانت صحبته له نحو أربعة أعوام، ووصل من منفعته به في العلم في هذه المدة، ما لم يصل إليه غيره منه في المدة الطويلة، رحمهما الله تعالى؛وأجاز له جميع رواياته أبو العباس العذري، وأبو القاسم عبد الجليل الربعي القيرواني، مع تواليفه، وأجاز له أبو عبد الله بن المرابط روايته عن الطلمنكي وخلف البغوي، وصحب بعد وفاة القاضي أبي الوليد الباجي ابنه أبا القاسم، وأجاز له جميع ما رواه، وانصرف إلى حصن مرجيق، فولى الأحكام به، ثم نقل إلى قضاء شلب، فأقام بها قاضياً أعواماً، ثم نقله الأمير سير بن أبي بكر إلى قضاء إشبيلية، بعد صرف أبي القاسم بن منظور عن قضائها، فضبط الأمر، وجمع المتفرق من شئون القضاء، وكان صليباً في الحق، نافذاً في أحكامه، لا تأخذه في الله لومة لائم، وشنئه أقوام، فبغوا عليه، بغياً وحسداً، عند أمير المسلمين عليّ بن يوسف بن تاشفين، فصرفه عن القضاء، ثم لم يلبث إلاّ نحو خمسة عشر يوماً، حتى رده إليه أحسن رد. وكان الفقيه أبو مروان عبد الله بن شبزين. ولم يزل قاضياً بإشبيلية، مضطلعاً بأعباء القضاء، حسن السياسة فيه، ناشراً للعلم، إلى أنْ توفي بها، رحمه الله تعالى. ذكره ابن بشكوال.
стр. 875
وإذا تتبعنا أشياخ القاضي عياض بالتعريف، لم يسمع ذلك هذا الموضوع، وقد تقدم أنهم نحو المائة، ورتبهم ولده على الحروف، حسبما نقل من فهرسته.
فمنهم في حرف الهمزة:
الشيخ بن بقي وهو أحمد بن محمّد بن محمّد بن مخلد بن عبد الرحمن بن أحمد ابن بقي بن مخلد. ولد في شعبان سنة ست ة أربعين وأربع مائة. ومات منسلخ ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين وخمس مائة. وكف بصره بآخر عمره. ﵀.
ومنهم في هذا الحرف: أبو جعفر بن المرخي، وهو أحمد بن محمّد بن عبد العزيز اللخمي توفي ليلة الجمعة لثمان بقين من ربيع الأول، سنة ثلاث وثلاثين وخمس مائة.
ومنهم: الشيخ ابن غلبون، وهو أحمد بن محمّد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن عثمان ابن غلبون، بفتح الغين المعجمة، وضم الباب الموحدة، وآخره نون. ولد سنة ثمان عشرة وأربع مائة، ومات في شعبان سنة ثمان وخمس مائة.
ومنهم: أبو العباس أحمد بن محمّد بن عبد الرحمن الأنصاري الشارقي، توفي قرب خمس مائة.
ومنهم: أبو إسحاق إبراهيم بن جعفر بن أحمد الفقيه اللواتي، بفتح اللام منسوب
стр. 876
للواتة، مخففة الواو، مفتوحتها، ومفتوحة اللام أيضاً، وتاء مثناة من فوق، قبيلة. الفاسي، نسبة لفاس الحضرة المشهورة، حاط الله أرجاءها، وبلغها من الأمن والعافية رجاءها. مات في الثامن من جمادي الآخرة، سنة ثلاث عشرة وخمس مائة.
ومنهم: أحمد بن سعيد بن بشتغير، وأحمد بن محمّد بن مكحول، إلى غيرهم من جملة سبعة عشر رجلاً في هذا الحرف، أعني حرف الهمزة.
ومنهم في حرف الحاء:
الحسين بن محمّد الصدفي، والحسين بن محمّد الغساني، وقد تقدم الكلام عليهما، والحسين بن عبد الأعلى السفاقسي، والحسين بن عليّ بن طريف.
ومنهم في حرف الخاء:
خلف بن إبراهيم أبو القاسم الخطيب المقري. وهو خلف بن إبراهيم بن خلف بن سعيد المعروف بابن النخاس، بخاء معجمة، وبابن الحصار. ولد سنة سبع وعشرين وأربع مائة، وتوفي بقرطبة يوم الثلاثاء، سادس عشر صفر سنة إحدى عشرة وخمس مائة. وخلف بن خلف الأنصاري بن الأنقر. وخلف ابن يوسف بن فرتون.
ومنهم في حرف الميم:
القاضي أبو الوليد بن رشد، والقاضي عبد الله بن حمدين، والقاضي أبو عبد الله بن الحاج، والقاضي ابن العربي، والقاضي ابن شبرين، وقد تقدم ذكرهم.
стр. 877
وأبو عبد الله التميمي، وهو محمّد بن عيسى بن حسين، ولد سنة تسع وعشرين وأربع مائة، ومات بسبتة صبيحة يوم السبت لتسع بقين من جمادى الأولى سنة خمس وخمس مائة.
وأبو عامر محمّد بن أحمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن إسماعيل الطليطلي، بظم الطاءين. ولد سنة ست وخمسين وأربع مائة ومات بقرطبة، في ربيع الأول سنة ثلاث وعشرين وخمس مائة.
وأبو عمران موسى بن عبد الرحمن بن أبي تليد بمثناة من فوق مفتوحة، الشاطبي الرعيني، منسوب لذي رعين من حمير. ولد سنة أربع وأربعين وأربع مائة ومات في ربيع الآخر سنة سبع عشرة وخمس مائة.
ومن شعره ﵀ ورضى عنه:
الليالي تسوء ثم تسر ... وصروف الزمان ما تستقرُ
بينما المرء في حلاوة عيشٍ ... إذ أتاه على الحلاوة مرُ
فالكريم المصاب يفزع فيه ... لكريم وينفع الحر حرُ
وأبو عبد الله محمّد بن عبد الرحمن بن سعيد الأشقري المقري النحوي، مات سنة خمس وخمس مائة. ومحمّد بن عليّ الشاطي ابن الصيقل، ومحمّد بن سليمان النفزي بن أخت غانم، ومحمّد بن عيسى التجيبي القاضي، إلى غيرهم من جملة أحد وثلاثين شيخاً في هذا الحرف، منهم المازري والطرطوشي، لكن بالإجازة له، إذ لم يلقهما كما سيأتي قريباً.
стр. 878
ومنهم في حرف العين:
أبو محمّد عبد الله بن السيد البطليوسي، وقد تقدم ذكره. وأبو محمّد بن عتاب الجذامي، الإمام الشهير، فقيه قرطبة وإمامها، وشيخ زمانه في العلم الموروث كابر عن كابر، توفي سنة ثمان وخمس مائة. وأبو محمّد عبد الله بن أبي جعفر، وهو عبد الله بن محمّد بن عبد الله الخشني. وعبد الرحمن بن محمّد السبتي ابن العجوز، وعبد الله بن محمّد بن أيوب الفهري. وعبد الرحمن بن محمّد بن بقي. وعليّ بن أحمد الأنصاري بن الباذش. وأبو الحسن عليّ بن مشرف " اسم مفعول شرف بالتشديد " وهو ابن مسلم " مفعول، سلم مشدد " ابن أحمد بن عبد المنعم بن عبد الرحمن الأنماطي " بفتح الهمزة "، الإسكندراني. وأبو محمّد عبد الله بن أحمد العدل " بالفتح وسكون الدال " التميمي ومات بسبتة عام أحد وخمس مائة. وعلى بن عبد الرحمن التجيبي بن الأخضر؛ إلى غيرهم من جملة سبعة وعشرين في هذا الحرف.
ومنهم في حرف الغين:
غالب بن عطية المحاربي، وقد تقدم.
ومنهم في حرف السين:
سراج بن عبد الملك بن سراج أبو الحسن. وأبو بحر سيفان بن العاصي الأسدي، مات بقرطبة لثلاث بقين من جمادى الآخرة سنة عشرين وخمس مائة، وولد سنة تسع وثلاثين، وقيل لربعين وأربع مائة، وفي سنة وفاته المذكورة توفي القاضي أبو بكر الطرطوشي ﵀، وفيها أيضاً توفي الإمام المؤرخ الشيخ الراوية، أبو مروان حيان بن حيان ﵀.
وشيوخ القاضي أبي الفضل في هذا الرف خمسة.
стр. 879
ومنهم في حرف الشين:
شريح بن محمّد الرعيني الإشبيلي.
ومنهم في حرف الهاء:
أبو الوليد هشام بن أحمد بن العواد، الفقيه المشهور، ولد سنة اثنتين وخمسين وأربع مائة، وتوفي سنة تسع وخمس مائة.
وهشام بن أحمد الهلالي الغرناطي، وقد تقدم ذكره.
ومنهم في حرف الياء:
يونس بن محمّد بن مغيث بن الصفار.
ويوسف بن موسى الكلبي، سمع القاضي أبو الفضل منه أرجوزته.
وهو الضرير الأديب النحوي المتكلم الزاهد. وأصله من سرقسطة، وسمن مراكش، وبها توفي سنة عشرين وخمس مائة. وهو من تلاميذ أبي بكر محمّد ابن الحسن المرادي الحضرمي. والمرادي هذا أوّل من أدخل علوم الاعتقاد إلى المغرب القصى، وسكن بأغمات؛ فلما توجه أبو بكر بن عمر إلى الصحراء حمله وولاه القضاء، فمات بأركر من صحراء المغرب سنة تسع وثمانين وأربع مائة؛ فخلفه أبو الحجاج يوسف في علوم الإعتقادات، وغلب عليه الزهد؛ وله أرجوزة صغرى في علم الاعتقاد، قرأها عليه القاضي أبو الفضل عياض، كما ذكرناه.
قال عياض: وأجاز جميع تآليفه ورواياته وكتاب التحرير لشيخه المرادي أخذ أبي الحجاج، قال عياض ﵀ المرادي رحمه الله تعالى:
стр. 880
علمي بقبح المعاصي حين اركبها ... يقضي بأني محمول على القدر
لو كنت أملك نفسي أو أصرفها ... ما كنت أطرحها في لجة العذر
كلفت فعلا ولم أقدر عليه ولم ... أكن لأفعل أفعالا بلا قدر
وكان في عدل ربي أنْ يعذبني ... فلم أشاركه في نفع ولا ضرر
إن شاء نعمني وإنْ شاء عذبني ... أو شاء صورني في أقبح الصور
يا رب عفوك عن ذنب قضيت به ... عدلا على فهب لي صفح مقتدر
ومن شيوخ القاضي عياض رحمه الله تعالى في حرف الياء: يوسف بن عبد العزيز بن عديس الطليطلي رحم الله جميعهم.
وممن أجاز القاضي أبا عياض ولم يلقه:
الشيخ الأستاذ أبو بكر محمّد بن الوليد الطرطوشي الطائر الصيت الشهير الذكر وقد تقدم ذكر وفاته.
وهو محمّد بن الوليد بن محمّد بن خلف بن سليمان بن أيوب القرشي الفهري الطرطوشي بضم الطاءين المهملتين وقد تفتح الطاء الأولى أصله من طرطوشة بلاد الأندلس ويعرف بابن أبي رندقة براء مهملة مفتوحة ثم نون ساكنة ثم دال مهملة مفتوحة ثم قاف كنيته أبو بكر وهو المعنى بقول ابن الحاجب في مختصره الفقهي في باب العتق: " وقال الأستاذ: ومقتضاه إذا باعه قبل التقويم أنْ يقوم ".
صحب القاضي أبا الوليد الباجي بسر قسطة وأخذ عنه مسائل الخلاف وسمع منه وأجازه وقرأ الفرائض والحساب بوطنة قرأ الأدب على أبي محمّد ابن حزم بمدينة إشبيلية.
следующие страницы →