Полный текст (793 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: لَمَّا كان العرش على الماء قبل خلق السماوات بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى رِيحًا فَصَفَقَتِ الْمَاءَ فَأَبْرَزَتْ عَنْ حَشَفَةٍ فِي مَوْضِعِ الْبَيْتِ كَأَنَّهَا قُبَّةٌ , فَدَحَا الأَرْضَ مِنْ تَحْتِهَا.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: لَقَدْ خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى مَوْضِعَ هَذَا الْبَيْتِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ شَيْئًا مِنَ الأَرْضِ بِأَلْفَيْ سَنَةٍ , وَإِنَّ قَوَاعِدَهُ لَفِي الأَرْضِ السَّابِعَةِ السُّفْلَى.
وَقَالَ كَعْبٌ: كَانَتِ الْكَعْبَةُ غُثَاءً عَلَى الْمَاءِ قَبْلَ أن يخلق الله السماوات وَالأَرْضَ. بِأَرْبَعِينَ سَنَةً.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ الْبَيْتُ قَبْلَ هُبُوطِ آدَمَ يَاقُوتَةً مِنْ يَوَاقِيتِ الْجَنَّةِ , وَفِيهِ قَنَادِيلُ مِنَ الْجَنَّةِ فَلَمَّا أَهْبَطَ اللَّهُ تَعَالَى آدَمَ أَنْزَلَ عَلَيْهِ الْحَجَرَ الأَسْوَدَ فَأَخَذَهُ فَضَمَّهُ إِلَيْهِ اسْتِئْنَاسًا بِهِ , وَحَجَّ آدَمُ فَقَالَتْ لَهُ الْمَلائِكَةُ بَرَّ حَجُّكَ , لَقَدْ حَجَجْنَا هَذَا الْبَيْتَ قَبْلَكَ بِأَلْفَيْ عَامٍ. فقال: يا رب اجعل له عُمَّارًا مِنْ ذُرِّيَّتِي. فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى: إِنِّي مُعَمِّرُهُ بِأَبْنَاءِ نَبِيٍّ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ اسْمُهُ إِبْرَاهِيمُ.
الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْمَلائِكَةَ بَنَتْهُ. قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الْبَاقِرُ: لَمَّا قَالَتِ الْمَلائِكَةُ: " أَتَجْعَلُ فِيهَا من يفسد فيها " غَضِبَ عَلَيْهِمْ , فَعَاذُوا بِالْعَرْشِ يَطُوفُونَ حَوْلَهُ يَسْتَرْضُونَ رَبَّهُمْ , فَرَضِيَ عَنْهُمْ وَقَالَ: ابْنُوا فِي الأَرْضِ بَيْتًا يَعُوذُ بِهِ كُلُّ مَنْ سَخِطْتُ عَلَيْهِ وَيَطُوفُونَ حَوْلَهُ , كَمَا فَعَلْتُمْ بِعَرْشِي. فَبَنَوْا هَذَا الْبَيْتَ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ آدَمَ لَمَّا أُهْبِطَ أَوْحَى الله إليه: ابن لي بيتاً واصنع جوله كَمَا رَأَيْتَ الْمَلائِكَةَ تَصْنَعُ حَوْلَ عَرْشِي. رَوَاهُ أَبُو صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄. وَرَوَى عَنْهُ عَطَاءٌ أَنَّهُ بَنَاهُ آدَمُ مِنْ خَمْسَةِ أَجْبُلٍ: لُبْنَانَ وَطُورِ سِينَاءَ وَطُورِ زَيْتَا وَالْجُودِيِّ وَحِرَاءٍ.
قَالَ وَهْبٌ: فَلَمَّا مَاتَ آدَمُ بَنَاهُ بَنُوهُ بِالطِّينِ وَالْحِجَارَةِ , فَنَسَفَهُ الْغَرَقُ. قال
стр. 107
مُجَاهِدٌ: وَكَانَ مَوْضِعُهُ بَعْدَ الْغَرَقِ أَكَمَةً حَمْرَاءَ لا تَعْلُوهَا السُّيُولُ وَكَانَ يَأْتِيهَا الْمَظْلُومُ وَيَدْعُو عِنْدَهَا الْمَكْرُوبُ.
قَالَ عُلَمَاءُ السِّيَرِ: لَمَّا سَلِمَ الْخَلِيلُ مِنَ النَّارِ خَرَجَ بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ مُهَاجِرًا , فَتَزَوَّجَ سَارَّةَ بِحَرَّانَ , وَقَدِمَ مِصْرَ وَبِهَا فِرْعَوْنُ مِنَ الْفَرَاعِنَةِ , فَوُصِفَ لَهُ حُسْنُهَا فَبَعَثَ
فَأَخَذَهَا , فَلَمَّا دَخَلَتْ قَامَ إِلَيْهَا فَقَامَتْ تصلي وتقول: اللهم إني آمَنْتُ بِكَ وَبِرَسُولِكَ وَأَحْصَنْتُ فَرْجِي إِلا عَلَى زَوْجِي , فَلا تُسَلِّطْ عَلَيَّ الْكَافِرَ. فَغَطَّ حَتَّى رَكَضَ الأَرْضَ بِرِجْلِهِ فَقَالَتِ: اللَّهُمَّ إِنْ يَمُتْ يُقَالُ هِيَ الَّتِي قَتَلَتْهُ. فَأَرْسِلْ. ثُمَّ قَامَ إِلَيْهَا فَدَعَتْ فَغَطَّ حَتَّى رَكَضَ الأَرْضَ بِرِجْلِهِ , ثُمَّ أَرْسَلَ فَقَالَ: رُدُّوهَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَأَعْطُوهَا هَاجَرَ.
فَوَهَبَتْهَا لإِبْرَاهِيمَ وَقَالَتْ: لَعَلَّهُ يَأْتِيكَ مِنْهَا وَلَدٌ , وَكَانَتْ سَارَّةُ قَدْ مُنِعَتِ الْوَلَدَ , فَوَلَدَتْ لَهُ إِسْمَاعِيلَ فَهُوَ بِكْرُ أَبِيهِ , وُلِدَ لَهُ وَهُوَ ابْنُ تِسْعِينَ سَنَةً. فَلَمَّا وَلَدَتْ غَارَتْ سَارَّةُ وَأَخْرَجَتْهَا , وَحَلَفَتْ لَتَقْطَعَنَّ مِنْهَا بَضْعَةً. فَحَفِظَتْهَا ثُمَّ قَالَتْ: لا تُسَاكِنَنِّي فِي بَلَدِي.
فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ مَكَّةَ , فَذَهَبَ بِهَا وَبِابْنِهَا , وَالْبَيْتُ يَوْمَئِذٍ رَبْوَةٌ حَمْرَاءُ فَقَالَ: يَا جِبْرِيلُ أَهُنَا أُمِرْتُ أَنْ أَضَعَهُمَا؟ قَالَ: نَعَمْ. فَأَنْزَلَهُمَا مَوْضِعَ الْحَجَرِ وَأَمَرَ هَاجَرَ أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِ عَرِيشًا.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الأَوَّلِ , قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو الْحَسَنِ الدَّاوُدِيُّ , قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ أَعْيَنَ السَّرَخْسِيُّ , حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْعُزَيْزِيُّ , حَدَّثَنَا الْبُخَارِيُّ , حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ , حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ , أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ , عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ , وَكَثِيرِ بْنِ كَثِيرٍ عَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ , يَزِيدُ أَحَدُهُمَا عَلَى الآخَرَ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ , قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: أَوَّلُ مَا اتَّخَذَ النِّسَاءُ الْمِنْطَقَةَ مِنْ قِبَلِ أُمِّ إِسْمَاعِيلَ , اتَّخَذَتْ مِنْطَقًا لِتُعَفِّيَ أَثَرَهَا عَلَى سَارَّةَ. ثُمَّ جَاءَ بِهَا إِبْرَاهِيمُ وَبِابْنِهَا إِسْمَاعِيلَ وَهِيَ تُرْضِعُهُ حَتَّى وَضَعَهُمَا عِنْدَ الْبَيْتِ عِنْدَ دَوْحَةٍ فَوْقَ زَمْزَمَ فِي أَعْلَى الْمَسْجِدِ , وَلَيْسَ بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ , وَلَيْسَ بِهَا مَاءٌ , فَوَضَعَهُمَا هُنَاكَ , وَوَضَعَ عِنْدَهُمَا جِرَابًا فِيهِ تَمْرٌ وَسِقَاءٌ فِيهِ مَاءٌ , ثُمَّ قَفَّى إِبْرَاهِيمُ مُنْطَلِقًا , فَتَبِعَتْهُ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ فَقَالَتْ: يَا إبراهيم أين
стр. 108
تَذْهَبُ وَتَتْرُكُنَا فِي هَذَا الْوَادِي الَّذِي لَيْسَ فِيهِ أَنِيسٌ وَلا شَيْءٌ؟ فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ مِرَارًا وَجَعَلَ لا يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا. فَقَالَتْ لَهُ: اللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَتْ إِذًا لا يُضَيِّعُنَا اللَّهُ!
ثُمَّ رَجَعَتْ.
فَانْطَلَقَ إِبْرَاهِيمُ حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ الثَّنِيَّةِ حَيْثُ لا يَرَوْنَهُ اسْتَقْبَلَ بِوَجْهِهِ الْبَيْتَ ثُمَّ دَعَا بِهَؤُلاءِ الدَّعَوَاتِ وَرَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ: رَبِّ ﴿إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بيتك المحرم﴾ حتى بلغ: يشكرون.
وَجَعَلَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ تُرْضِعُ إِسْمَاعِيلَ وَتَشْرَبُ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ حَتَّى إِذَا نَفِدَ مَا فِي السقا , عَطِشَتْ وَعَطِشَ ابْنُهَا , وَجَعَلَتْ تَنْظُرُ إِلَيْهِ يَتَلَوَّى مِنَ الْعَطَشِ , أَوْ قَالَ يَتَلَبَّطُ , فَانْطَلَقَتْ كَرَاهِيَةَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَيْهِ فَوَجَدَتِ الصَّفَا أَقْرَبَ جَبَلٍ فِي الأَرْضِ يَلِيهَا , فَقَامَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ اسْتَقْبَلَتِ الْوَادِيَ تَنْظُرُ هَلْ تَرَى أَحَدًا , فَلَمْ تَرَ أحد. فَهَبَطَتْ مِنَ الصَّفَا , حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْوَادِيَ رَفَعَتْ طَرَفَ دِرْعِهَا , ثُمَّ سَعَتْ سَعْيَ الإِنْسَانِ الْمَجْهُودِ , حَتَّى جَاوَزَتِ الْوَادِيَ فَلَمْ تَرَ أَحَدًا , فَفَعَلَتْ ذَلِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : فَلِذَلِكَ سَعَى النَّاسُ بَيْنَهُمَا. فَلَمَّا أَشْرَفَتْ عَلَى الْمَرْوَةِ سمعت صوتاً فقالت: صه. تريد نفسها ثُمَّ تَسَمَّعَتْ أَيْضًا فَقَالَتْ: قَدْ أُسْمِعْتُ إِنْ كَانَ عِنْدَكَ غُوَاثٌ فَإِذَا هِيَ بِالْمَلَكِ عِنْدَ مَوْضِعِ زَمْزَمَ. فَبَحَثَ بِعَقِبِهِ أَوْ قَالَ بِجَنَاحِهِ حَتَّى ظَهَرَ الْمَاءُ. فَجَعَلَتْ تُحَوِّضُهُ وَتَقُولُ بِيَدِهَا وَجَعَلَتْ تَغْرِفُ مِنَ الْمَاءِ فِي سِقَائِهَا , وَهُوَ يَفُورُ بَعْدَمَا تَغْرِفُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : يَرْحَمُ اللَّهُ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ لَوْ تَرَكَتْ زَمْزَمَ أَوْ قَالَ: لَوْ لَمْ تَغْرِفْ مِنَ الْمَاءِ لَكَانَتْ زَمْزَمُ عَيْنًا مَعِينًا.
قَالَ: فَشَرِبَتْ وَأَرْضَعَتْ وَلَدَهَا فَقَالَ لَهَا الْمَلَكُ: لا تَخَافِي الضَّيْعَةَ , فَإِنَّ هَذَا بَيْتُ اللَّهِ يَبْنِيهِ هَذَا الْغُلامُ وَأَبُوهُ , وَإِنَّ اللَّهَ لا يُضَيِّعُ أَهْلَهُ.
وَكَانَ الْبَيْتُ مُرْتَفِعًا مِنَ الأَرْضِ كَالرَّابِيَةِ تَأْتِيهِ السُّيُولُ فَتَأْخُذُ عَنْ يمينه وعن
стр. 109
شِمَالِهِ. فَكَانَتْ كَذَلِكَ حَتَّى مَرَّتْ بِهِمْ رُفْقَةٌ مِنْ جُرْهُمٍ مُقْبِلِينَ مِنْ طَرِيقِ كُدَى فَنَزَلُوا فِي أَسْفَلِ مَكَّةَ فَرَأَوْا طَائِرًا عَائِفًا فَقَالُوا إِنَّ هَذَا الطَّائِرَ لَيَدُورُ عَلَى مَاءٍ لَعَهْدُنَا بِهَذَا الْوَادِي وَمَا فِيهِ مَاءٌ. فَأَرْسَلُوا جَرِيًّا أَوْ جَرِيَّيْنِ فَإِذَا هُمْ بِالْمَاءِ , فَرَجَعُوا فَأَخْبَرُوهُمْ بِالْمَاءِ فَأَقْبَلُوا.
قَالَ وَأُمُّ إِسْمَاعِيلَ عِنْدَ الْمَاءِ قَالُوا: أَتَأْذَنِينَ لَنَا أَنْ نَنْزِلَ عِنْدَكِ. قَالَتْ: نَعَمْ , وَلَكِنْ لا حَقَّ لَكُمْ فِي الْمَاءِ. قَالُوا: نَعَمْ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : فَأَلْفَى ذَلِكَ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ وَهِيَ تُحِبُّ الأُنْسَ فَنَزَلُوا. وَأَرْسَلُوا إِلَى أَهْلِيهِمْ فَنَزَلُوا مَعَهْمُ. حَتَّى إِذَا كَانَ بِهَا أَهْلُ أَبْيَاتٍ مِنْهُمْ وَشَبَّ الْغُلامُ وَتَعَلَّمَ الْعَرَبِيَّةَ مِنْهُمْ وَأَنْفَسَهُمْ وَأَعْجَبَهُمْ حِينَ شَبَّ. فَلَمَّا أَدْرَكَ زَوَّجُوهُ امْرَأَةً مِنْهُمْ وَمَاتَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ.
فَجَاءَ إِبْرَاهِيمُ بَعْدَمَا تَزَوَّجَ إِسْمَاعِيلُ يُطَالِعُ تَرِكَتَهُ , فَلَمْ يَجِدْ إِسْمَاعِيلَ فَسَأَلَ امْرَأَتَهُ عَنْهُ فَقَالَتْ: خَرَجَ يبتغي لنا. ثم سألها عن عيشتهم وهيأتهم فَقَالَتْ: نَحْنُ بِشَرٍّ , نَحْنُ فِي ضِيقٍ وَشِدَّةٍ وَشَكَتْ إِلَيْهِ. قَالَ: إِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَاقْرَئِي ﵇ وَقُولِي لَهُ يُغَيِّرُ عَتَبَةَ بَابِهِ. فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيلُ كَأَنَّهُ آنَسَ شَيْئًا فَقَالَ: هَلْ جَاءَكُمْ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ جَاءَنَا شَيْخٌ كَذَا وَكَذَا فَسَأَلَنَا عَنْكَ فَأَخْبَرْتُهُ , وَسَأَلَنِي كَيْفَ عَيْشُنَا فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّا فِي جَهْدٍ وَشِدَّةٍ. قَالَ: فَهَلْ أَوْصَاكِ بِشَيْءٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ , أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ السَّلامَ وَيَقُولُ: غَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِكَ. قَالَ: ذَاكَ أَبِي وَقَدْ أَمَرَنِي أَنْ أُفَارِقَكِ. الْحَقِي بِأَهْلِكِ. فَطَلَّقَهَا وَتَزَوَّجَ مِنْهُمْ أُخْرَى. فَلَبِثَ عَنْهُمْ إِبْرَاهِيمُ مَا شَاءَ اللَّهُ , ثُمَّ أَتَاهُمْ بَعْدُ فَلَمْ يَجِدْهُ , فَدَخَلَ عَلَى امْرَأَتِهِ فَسَأَلَهَا عَنْهُ فَقَالَتْ: خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا. فَسَأَلَهَا عن عيشتهم وهيأتهم فَقَالَتْ: نَحْنُ بِخَيْرٍ وَسَعَةٍ وَأَثْنَتْ عَلَى اللَّهِ . فَقَالَ: مَا طَعَامُكُمْ؟ قَالَتِ: اللَّحْمُ. قَالَ: فَمَا شَرَابُكُمْ؟ قَالَتِ الْمَاءُ. قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي اللَّحْمِ وَالْمَاءِ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ يَوْمَئِذٍ حَبٌّ , وَلَوْ كَانَ لَهُمْ دَعَا لَهُمْ فِيهِ. قَالَ: فَهُمَا لا يَخْلُو عَلَيْهِمَا أَحَدٌ بِغَيْرِ مَكَّةَ إِلا لَمْ يُوَافِقَاهُ. قَالَ: فَإِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَاقْرَئِي ﵇ وَمُرِيهِ يُثَبِّتُ عَتَبَةَ بَابِهِ. فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيلُ , قَالَ: هَلْ جَاءَكُمْ مِنْ
стр. 110
أَحَدٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ جَاءَنَا شَيْخٌ حَسَنُ الْوَجْهِ , وَأَثْنَتْ عَلَيْهِ , فَسَأَلَنِي عَنْكَ فَأَخْبَرْتُهُ , فَسَأَلَنِي كَيْفَ عَيْشُنَا فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّا بِخَيْرٍ. قَالَ:
فَأَوْصَاكِ بِشَيْءٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ هُوَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلامَ وَيَأْمُرُكَ أَنْ تُثَبِّتَ عَتَبَةَ بَابِكَ. قَالَ: ذَاكَ أَبِي وَأَنْتِ الْعَتَبَةُ , أَمَرَنِي أَنْ أُمْسِكَكِ.
ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِسْمَاعِيلُ يَبْرِي نَبْلا لَهُ تَحْتَ دَوْحَةٍ قَرِيبًا مِنْ زَمْزَمَ , فَلَمَّا رَآهُ قَامَ إِلَيْهِ فَصَنَعَا كَمَا يَفْعَلُ الْوَالِدُ بِالْوَلَدِ وَالْوَلَدُ بِالْوَالِدِ , ثُمَّ قَالَ: يَا إِسْمَاعِيلُ إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَمَرَنِي بِأَمْرٍ. قَالَ: فَاصْنَعْ مَا أَمَرَكَ رَبُّكَ. قَالَ: وَتُعِينُنِي؟ قَالَ: وَأُعِينُكَ. قَالَ: فَإِنَّ الله تعالى قد أمرني أن أبني ها هنا بَيْتًا. وَأَشَارَ إِلَى أَكَمَةٍ مُرْتَفِعَةٍ عَلَى مَا حولها.
فعند ذَلِكَ رَفَعَ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ.
فَجَعَلَ إِسْمَاعِيلُ يَأْتِي بِالْحِجَارَةِ وَإِبْرَاهِيمُ يَبْنِي , حَتَّى إِذَا ارْتَفَعَ الْبِنَاءُ جَاءَ بِهَذَا الْحَجَرِ فَوَضَعَهُ لَهُ , فَقَامَ عَلَيْهِ وَهُوَ يَبْنِي وَإِسْمَاعِيلُ يُنَاوِلُهُ الْحِجَارَةَ , وَهُمَا يَقُولانِ: " رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ العليم ".
انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ الْبُخَارِيُّ.
قَالَ عُلَمَاءُ السِّيَرِ: لَمَّا أُمِرَ الْخَلِيلُ ﵇ بِبِنَاءِ الْبَيْتِ قَالَ: يَا رَبِّ بَيِّنْ لِي صِفَتَهُ فَأَرْسَلَ اللَّهُ تَعَالَى سَحَابَةً عَلَى قَدْرِ الْكَعْبَةِ , فَسَارَتْ مَعَهُ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ , حَتَّى وَقَفَتْ فِي مَوْضِعِ الْبَيْتِ وَنُودِيَ: ابْنِ عَلَى ظِلِّهَا لا تُزِدْ وَلا تُنْقِصْ.
وَكَانَ جِبْرِيلُ حِينَ الْغَرَقِ قَدِ اسْتَوْدَعَ أَبَا قُبَيْسٍ الْحَجَرَ الأَسْوَدَ , فَلَمَّا بَنَى إِبْرَاهِيمُ الْبَيْتَ أَخْرَجَهُ إِلَيْهِ فَوَضَعَهُ.
أَخْبَرَنَا الْكَرُوخِيُّ , أَنْبَأَنَا الْغُورَجِيُّ , أَنْبَأَنَا الْجَرَّاحِيُّ , حَدَّثَنَا الْمَحْبُوبِيُّ , حَدَّثَنَا التِّرْمِذِيُّ , حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ , حَدَّثَنَا جَرِيرٌ , عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : نَزَلَ الْحَجَرُ الأَسْوَدُ مِنَ الْجَنَّةِ وَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ فَسَوَّدَتْهُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ.
стр. 111
قَالُوا: وَوُلِدَ لإِسْمَاعِيلَ اثْنَا عَشَرَ وَلَدًا وَاتَّخَذَهُ اللَّهُ نَبِيًّا , وَبَعَثَهُ إِلَى الْعَمَالِيقِ وَجُرْهُمٍ وَقَبَائِلَ الْيَمَنِ , فَنَهَاهُمْ عَنْ عِبَادَةِ الأَوْثَانِ وَتُوُفِّيَتْ هَاجَرُ وَهِيَ بِنْتُ تِسْعِينَ سَنَةً وَلإِسْمَاعِيلَ عِشْرُونَ سَنَةً , فدفنها في الحجر وعاش مِائَةً وَسَبْعًا وَثَلاثِينَ سَنَةً , وَكَانَ قَدْ شَكَا إِلَى رَبِّهِ حَرَّ مَكَّةَ , فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ أَنِّي أَفْتَحُ لَكَ بَابًا مِنَ الْجَنَّةِ في الْحِجْرَ يَجْرِي عَلَيْكَ مِنْهُ الرَّوْحُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَفِي الْحِجْرِ قَبْرُهُ.
وَلَمَّا تُوُفِّيَ دَبَّرَ أَهْلُ الْحَرَمِ بَعْدَهُ ابْنَهُ نَابِتَ , وَيُقَالُ نبتُ , ثُمَّ غَلَبَتْ جُرْهُمٌ عَلَى الْبَيْتِ وَانْهَدَمَ , فَبَنَتْهُ الْعَمَالِقَةُ , ثُمَّ بَنَتْهُ جُرْهُمٌ.
وَقَصَدَهُ أَصْحَابُ الْفِيلِ.
وَكَانَ السَّبَبُ أَنَّ أَبْرَهَةَ بَنَى كَنِيسَةً وَأَرَادَ أَنْ يَصْرِفَ إِلَيْهَا الْحَجَّ , فَسَمِعَ بِذَلِكَ رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ فَأَحْدَثَ فِيهَا , فَغَضِبَ أَبْرَهَةُ وَقَصَدَ الْكَعْبَةَ , فَلَمَّا دَنَا مِنْ مَكَّةَ أَغَارَ أَصْحَابُهُ عَلَى نَعَمِ النَّاسِ فَأَصَابُوا إِبِلا لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ , ثُمَّ قَالَ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ: سَلْ عَنْ شَرِيفِ مَكَّةَ. فَأُتِيَ بِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ , فَقَالَ لَهُ: مَا حَاجَتُكَ؟ قَالَ: حَاجَتِي أَنْ تَرُدَّ عَلَيَّ إِبِلِي. قَالَ: أَوَّلا تَسْأَلُنِي عَنْ بَيْتٍ هُوَ دِينُكَ ودين آبائك؟ فقال: أنا رب هذا الإِبِلِ , وَلِهَذَا الْبَيْتِ رَبٌّ يَمْنَعُهُ!
فَأَمَرَ قُرَيْشًا أَنْ يَتَفَرَّقُوا فِي الشِّعَابِ وَأَخَذَ بِحَلْقَةِ بَابِ الْكَعْبَةِ وَقَالَ:
(يَا رَبِّ لا أَرْجُو لَهُمْ سِوَاكَا ... يَا رَبِّ فَامْنَعْ مِنْهُمْ حِمَاكَا)
(إِنَّ عَدُوَّ الْبَيْتِ مَنْ عَادَاكَا ... امْنَعْهُمْ أَنْ يُخْرِبُوا قراكا)
ثم قال:
(لا هم إِنَّ الْمَرْءَ يَمْنَعُ رَحْلَهُ ... وَحِلالَهُ فَامْنَعْ رِحَالَكَ)
(لا يغلبن صليبهم ... ومحالهم غدواً مِحَالَكَ)
(جَرُّوا جُمُوعَ بِلادِهِمْ ... وَالْفِيلَ كَيْ يَسْبُوا عِيَالَكَ)
(عَمَدُوا حِمَاكَ بِكَيْدِهِمْ ... جَهْلا وَمَا رَقَبُوا جَلالَكَ)
(إِنْ كُنْتَ تَارِكَهُمْ وَكَعْبَتَنَا ... فَأْمُرْ مَا بدا لك)
стр. 112
فَبَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ طُيُورًا رُءُوسُهَا كَرُءُوسِ السِّبَاعِ , وَقِيلَ كَأَمْثَالِ الْخَطَاطِيفِ مَعَ كُلِّ طَيْرٍ ثَلاثَةُ أَحْجَارٍ: حَجَرَانِ فِي رِجْلَيْهِ وَحَجَرٌ فِي مِنْقَارِهِ , وَكَانَتْ كَأَمْثَالِ الْحِمَّصِ , وَقِيلَ كَرَأْسِ الْجَمَلِ , فَكَانَتْ تَقَعُ عَلَى الرَّجُلِ فَتَخْرُجُ مِنْ دُبُرِهِ.
وَالأَبَابِيلُ: جَمَاعَاتٌ مُتَفَرِّقَةٌ , وَالسِّجِّيلُ: الشَّدِيدُ الصَّلَبُ , وَالْعَصْفُ: تِبْنُ الزَّرْعِ وَوَرَقُهُ.
ثُمَّ بَنَتْهُ قُرَيْشٌ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ شَابٌّ , ثُمَّ بَنَاهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ , ثُمَّ نَقَضَهُ الْحَجَّاجُ وَبَنَاهُ.
سُبْحَانَ مَنِ اخْتَصَّ مِنْ عِبَادَهِ الأَخْيَارَ , فَجَعَلَ مِنْهُمُ الأَنْبِيَاءَ وَالأَبْرَارَ , وَأَبْعَدَ الْعُصَاةَ وَالْفُجَّارَ ﴿وربك يخلق ما يشاء ويختار﴾ .
الكلام على البسملة
(تزين أعمالاً خواتيمها ... فإنك وَزَيِّنْ عَمَلا بِالْخِتَامْ)
(أَفْضَلُ مَا زُوِّدْتَ زَادُ التُّقَى ... وَشَرُّ مَا تَحْمِلُ زَادُ الأَثَامْ)
(وَالْجِسْمُ يُنْسِيهِ الْبِلَى فِي الثَّرَى ... مَا كَانَ عَانَى مِنْ خُطُوبٍ جِسَامْ)
(أُخَاصِمُ الْقَلْبَ لإِعْرَاضِهِ ... عَنِ الْهُدَى وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامْ)
(وَيَحْطِمُ السِّنُّ أَخَا كَثْرَةٍ ... وَهَمُّهُ مُتَّصِلٌ بِالْحُطَامْ)
(كَانَ عُمْرِي مَرْكِبٌ سَارَ بِي ... حَتَّى إِذَا بَلَغَ الْحِينُ قَامْ)
(سَهِّدْ هَذَا الْخَلْقَ فِي شَأْنِهِمْ ... تَمَّتْ لأَقْوَامٍ أَنَامُوا الأَنَامْ)
لَيَأْتِيَنَّكَ مِنَ الْمَوْتِ مَا لا يَقْبَلُ رِشْوَةً وَمَالا , إِذَا مَالَ عَلَى الْقَوْمِ وَالْقَوِيمِ مَالا ,
يَا مُخْتَارَ الْهَوَى جَهْلا وَضَلالا , لَقَدْ حَمَّلْتَ أَزْرَكَ أَوْزَارًا ثِقَالا , إِيَّاكَ وَالْمُنَى فَكَمْ وَعَدَ الْمُنَى مُحَالا , كَمْ قَالَ الطَّالِبُ نَعَمْ نَعَمْ سَأُعْطِي نَوَالا ثُمَّ نَوَالا , كَمْ سقا من الحسرات كؤوساً , وَفَرَّغَ رَبْعًا بَعْدَ أَنْ كَانَ مَأْنُوسًا , وَطَمَسَ بِهَوْلِهِ بُدُورًا وَشُمُوسًا , وَأَغْمَضَ عُيُونًا وَنَكَّسَ رُءُوسًا , وَأَبْدَلَ التُّرَابَ عَنِ الثِّيَابِ مَلْبُوسًا:
стр. 113
(إِذَا كَانَ مَا فِيهِ الْفَتَى عَنْهُ زَائِلا ... فَسِيَانٌ فِيهِ أَدْرَكَ الْحَظَّ أَوْ أَخْطَا)
(وَلَيْسَ يفي يوماً سرور وَغِبْطَةً ... بِحُزْنٍ إِذَا الْمُعْطِي اسْتَرَدَّ الَّذِي أَعْطَى)
لَقَدْ وَعَظَ الزَّمَنُ بِالآفَاتِ وَالْمِحَنِ , لَقَدْ حَدَّثَ مَنْ لَمْ يُظْعِنْ بِالظَّعْنِ , وَخَوَّفَ الْمُطْلَقَ بِالْمُرْتَهَنِ , تَاللَّهِ لَوْ صَفَتِ الْفِطَنُ لأَبْصَرَتْ مَا بَطَنَ , إِخْوَانِي: أَمْرُ الْمَوْتِ قَدْ عَلَنَ , كَمْ طَحْطَحَ الرَّدَى وَكَمْ طَحَنَ , يَا بَائِعًا لِلْيَقِينِ مُشْتَرِيًا لِلظِّنَنِ , يَا مُؤْثِرًا الرَّذَائِلَ فِي اخْتِيَارِ الْفِتَنِ , إِنَّ السُّرُورَ وَالشُّرُورَ فِي قَرَنٍ.
(أَجَلُّ هِبَاتِ الدهر ترك المواهب ... تمد لِمَا أَعْطَاكَ رَاحَةَ نَاهِبِ)
(وَأَفْضَلُ مِنْ عَيْشِ الْغِنَى عَيْشُ فَاقَةٍ ... وَمِنْ زِيِّ مَلِكٍ رَائِقٍ زِيُّ رَاهِبِ)
(وَلِي مَذْهَبٌ فِي هَجْرِي الإِنْسِ نَافِعٌ ... إِذَا الْقَوْمُ خَاضُوا فِي اخْتِيَارِ الْمَذَاهِبِ)
(أَرَانَا عَلَى السَّاعَاتِ فُرْسَانُ غَارَةٍ ... وَهُنَّ بِنَا يَجْرِينَ جَرْيَ السَّلاهِبِ)
(وَمِمَّا يَزِيدُ الْعَيْشَ إِخْلاقَ مَلْبَسٍ ... تَأَسُّفُ نَفْسٍ لَمْ تُطِقْ رَدَّ ذَاهِبِ)
لَقَدْ تَكَاثَفَتْ ذُنُوبُكَ يَرْكَبُ بَعْضُهَا بَعْضًا , وَتَعَاظَمَتْ عُيُوبُكَ فَمَلأَتِ الأَرْضَ طُولا وَعَرْضًا , وَهَذَا الْمَوْتُ يَرْكُضُ نَحْوَ رُوحِكَ رَكْضًا , وَعِنْدَكَ مِنَ الدُّنْيَا فَوْقَ مَا يَكْفِي وَمَا تَرْضَى , أَأَمِنْتَ عَلَى مَبْسُوطِ الأَمَلِ بَسْطًا وَقَبْضًا , كَمْ حَصَرَ الرَّدَى إذا أتى غصناً غصاً , كَمْ بُلْبُلٍ بَالا وَمَا بَالَى هَدْمًا وَنَقْضًا , اسْمَعْ مِنِّي قَوْلا نُفُوعًا وَنُصْحًا مَحْضًا , كَمْ قَدْ جَنَيْتَ طَوِيلا فَكُنْ مِنَ الْيَوْمِ ذَلِيلا أَرْضًا.
قَالَ ذُو النُّونِ الْمِصْرِيُّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ: لَقِيتُ جَارِيَةً سَوْدَاءَ قَدِ اسْتَلَبَهَا الْوَلَهُ مِنْ
حُبِّ الرَّحْمَنِ شَاخِصَةً بِبَصَرِهَا نَحْوَ السَّمَاءِ فَقُلْتُ: عَلِّمِينِي شَيْئًا مِمَّا عَلَّمَكِ اللَّهُ. فَقَالَتْ: يَا أَبَا الْفَيْضِ , ضَعْ عَلَى جَوَارِحِكَ نِيرَانَ الْقِسْطِ حَتَّى يَذُوبَ كُلُّ مَا كَانَ لِغَيْرِ اللَّهِ , فَيَبْقَى الْقَلْبُ مُصَفَّى لَيْسَ فِيهِ غَيْرُ الرَّبِّ , فَعِنْدَ ذَلِكَ يُقِيمُكَ عَلَى الْبَابِ وَيُوَلِّيكَ وَلايَةً جَدِيدَةً وَيَأْمُرُ الْخُزَّانَ لَكَ بِالطَّاعَةِ. فَقُلْتُ: زِيدِينِي رَحِمَكِ اللَّهُ! فَقَالَتْ: خُذْ مِنْ نَفْسِكَ لِنَفْسِكَ وَأَطْلِعِ اللَّهَ إِذَا خَلَوْتَ بِحُبِّكَ إِذَا دَعَوْتَ.
стр. 114
ثُمَّ وَلَّتْ عَنِّي وَتَرَكَتْنِي.
إِخْوَانِي: مِنَ النُّفُوسِ نُفُوسٌ خُلِقَتْ طَاهِرَةً , وَنُفُوسٌ خُلِقَتْ كَدِرَةً. وَإِنَّمَا تَصْلُحُ الرِّيَاضَةُ فِي نَجِيبٍ. الْجُلُودُ الطَّاهِرَةُ إِذَا وَرَدَتْ عَلَيْهَا النَّجَاسَةُ يُطَهِّرُهَا الدِّبَاغُ لأَنَّ الأَصْلَ طَاهِرٌ , بِخِلافِ جِلْدِ الْخِنْزِيرِ!
لِلنُّفُوسِ الْخَيِّرَةِ عَلامَاتٌ: الْجِدُّ فِي الْغَالِبِ , وَالْحَذَرُ مِنَ الزَّلَلِ , وَالاحْتِقَارُ لِلْعَمَلِ , وَالْقَلَقُ مِنْ خَوْفِ السَّابِقَةِ , وَالْجَزَعُ مِنْ حذر الخاتمة , فترى أحدهم يستغيث استغاثة الفريق , وَيَلْجَأُ لَجْأَ الأَسِيرِ , الذُّلُّ لِبَاسُهُ وَسَهَرُ اللَّيْلِ فِرَاشُهُ , وَذِكْرُ الْمَوْتِ حَدِيثُهُ , وَالْبُكَاءُ دَأْبُهُ.
بَاتَ عُتْبَةُ الْغُلامُ لَيْلَةً عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ , فَجَعَلَ يَقُولُ: إِنْ تُعَذِّبْنِي فَإِنِّي لَكَ مُحِبٌّ , وَإِنْ تَرْحَمْنِي فَإِنِّي لَكَ مُحِبٌّ. فَلَمْ يَزَلْ يُرَدِّدُهَا وَيَبْكِي إِلَى الصَّبَاحِ.
وَكَانَ عَابِدٌ يَقُولُ: يَا إِخْوَتَاهُ ابْكُوا عَلَى خَوْفِ فَوَاتِ الآخِرَةِ حَيْثُ لا رَجْعَةٌ وَلا حِيلَةٌ. لَمَّا أَسَرَ النَّوْمُ سَارَ الْقَوْمُ , فَقَطِّعْ نَفْسَكَ بِاللَّوْمِ الْيَوْمَ:
(يَا مُقْلَةً رَاقِدَةً ... لَمْ تَدْرِ بِالسَّاهِدَةْ)
(كَأَنَّهَا سَهِرَتْ ... نُجُومُهَا الرَّاكِدَةْ)
(بَدَا سُهَيْلٌ لَهَا ... فَانْحَرَفَتْ عَائِدَةْ)
(كَأَنَّهُ دِرْهَمٌ ... رَمَتْ بِهِ النَّاقِدَةْ)
(يَا نَفْسُ لا تجزعي ... قد تجد الْفَاقِدَةْ)
(أَيُّ الْوَرَى خَالِدٌ ... أَنْفُسُهُمْ وَاحِدَةْ)
(وَالْمَوْتُ حَوْضٌ لَهَا ... وَهْيَ لَهُ وَارِدَةْ)
(حَائِدَةٌ جَهْدَهَا ... إِنْ سَلِمَتْ حَائِدَةْ)
(فِي كُلِّ فَجٍّ لَهَا ... مَنِيَّةٌ رَاصِدَةْ)
(تَفِرُّ مِنْ حَتْفِهَا ... وَهِيَ لَهُ قَاصِدَةْ)
(لا تُخْدَعَنَّ بِالْمُنَى ... قَدْ تَكْذِبُ الرَّائِدَةْ)
(هَانَ عَلَى مَيِّتٍ ... مَا تَجِدُ الْوَاجِدَةْ)
стр. 115
الْكَلامُ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى
﴿
فِي بُيُوتٍ أَذِنَ الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه﴾
البيوت هاهنا: المساجد و ﴿إذن﴾ بمعنى أمر. و ﴿ترفع﴾ بمعنى تعظم و ﴿اسمه﴾ تَوْحِيدُهُ وَكِتَابُهُ.
وَفِي أَفْرَادِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ " أَحَبُّ الْبِلادِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مَسَاجِدُهَا وَأَبْغَضُ الْبِلادِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى أَسْوَاقُهَا ".
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ بَنَى للَّهِ مَسْجِدًا بَنَى اللَّهُ لَهُ مِثْلَهُ فِي الْجَنَّةِ ". وَفِيهِمَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: " مَنْ غَدَا إِلَى الْمَسْجِدِ وَرَاحَ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ فِي الْجَنَّةِ نُزُلا كُلَّمَا غَدَا أَوْ رَاحَ ".
أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ عَلِيٍّ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرِ بْنُ الْمُسْلِمَةِ , وَأَنْبَأَنَا سعيد بن أحمد , حدثنا علي ابن أَحْمَدَ بْنِ السَّيِّدِيِّ , قَالا أَخْبَرَنَا الْمُخَلِّصُ , حَدَّثَنَا الْبَغَوِيُّ , حَدَّثَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ عَاصِمٍ , حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو , عَنْ زَيْدِ بْنِ أُنَيْسَةَ , عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ الأَشْجَعِيِّ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ تَطَهَّرَ فِي بَيْتِهِ
ثُمَّ مَشَى إِلَى بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ لِيَقْضِيَ فَرِيضَةً مِنْ فَرَائِضِ الله كانت خطوتاه إحداهما تَحُطُّ خَطِيئَةً وَالأُخْرَى تَرْفَعُ دَرَجَةً ".
أَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ , أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ , أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ , حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ ابن أَحْمَدَ , حَدَّثَنِي أَبِي , حَدَّثَنَا هَاشِمٌ , حَدَّثَنَا لَيْثٌ , حَدَّثَنِي سَعِيدٌ , يَعْنِي الْمَقْبُرِيَّ , عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ , أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لا يتوضأ أحد فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ وَيُسْبِغُهُ ثُمَّ يَأْتِي الْمَسْجِدَ لا يُرِيدُ إِلا اللَّهَ فِيهِ إِلا تَبَشْبَشَ اللَّهُ بِهِ كَمَا تَبَشْبَشَ أَهْلُ الْغَائِبِ بِطَلْعَتِهِ ".
стр. 116
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ : قَالَ الزَّجَّاجُ لا خِلافَ بَيْنَ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّ التَّسْبِيحَ هُوَ التَّنْزِيهُ للَّهِ عَنْ كُلِّ سُوءٍ. وَالْغُدُوُّ جَمْعُ غُدْوَةٍ. وَالآصَالُ جَمْعُ أُصُل , وأُصل جَمْعُ أَصِيلٍ , فَالآصَالُ جَمْعُ الْجَمْعِ. وَالآصَالُ: الْعَشِيَّاتُ.
وَلِلْمُفَسِّرِينَ فِي الْمُرَادِ بِهَذَا التَّسْبِيحِ قَوْلانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ الصَّلاةُ. ثُمَّ فِي صَلاةِ الْغُدُوِّ قَوْلانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهَا الْفَجْرُ؛ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَالثَّانِي: صَلاةُ الضُّحَى
وَرَوَى ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ صَلاةَ الضُّحَى لَفِي كِتَابِ اللَّهِ وَمَا يغوص عليهما غواص ثم قرأ: ﴿يسبح الله له فيها بالغدو والآصال﴾ .
وَفِي صَلاةِ الآصَالِ قَوْلانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ وَالْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ. قَالَهُ ابْنُ السَّائِبِ. وَالثَّانِي: صَلاةُ الْعَصْرِ. قَالَهُ أَبُو سُلَيْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عن ذكر الله﴾ أي لا تشغلهم.
قال ابن السائب: التجار الْجَلابُونَ وَالْبَاعَةُ الْمُقِيمُونَ.
وَفِي الْمُرَادِ بِذِكْرِ اللَّهِ ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: الصَّلاةُ الْمَكْتُوبَةُ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَرَوَى سَالِمٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ فِي السُّوقِ فَأُقِيمَتِ الصَّلاةُ فَأَغْلَقُوا حَوَانِيتَهُمْ وَدَخَلُوا
الْمَسْجِدَ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: فيِهِمْ. نَزَلَتْ: ﴿رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذكر الله﴾ .
وَالثَّانِي: أَنَّهُ الْقِيَامُ بِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى. قَالَهُ قَتَادَةُ. وَالثَّالِثُ: ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى بِاللِّسَانِ. قَالَهُ أَبُو سُلَيْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِقَامِ الصَّلاةِ وإيتاء الزكاة﴾ أَيْ أَدَاؤُهَا لِوَقْتِهَا وَإِتْمَامِهَا.
قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ﵁: مَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ مُنْذُ ثَلاثِينَ سَنَةً إِلا وَأَنَا
стр. 117
فِي الْمَسْجِدِ. وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: لا تَكُنْ مِثْلَ عَبْدِ السُّوءِ لا يَأْتِي حَتَّى يُدْعَى , ايتِ الصَّلاةَ قَبْلَ النِّدَاءِ.
أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ أَحْمَدَ الأَنْصَارِيُّ , أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ الجبار , أخبرنا محمد ابن عَلِيِّ بْنِ الْفَتْحِ , أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بن سُكَيْنَةَ , أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ , حَدَّثَنَا أَبُو بكر ابن عبيد , أنبأنا أبو الحسين ابن أَبِي قَيْسٍ , أَنْبَأَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ , أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ , عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ , عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ , عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِذَا جَمَعَ اللَّهُ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. جَاءَ مُنَادٍ يُنَادِي بِصَوْتٍ يُسْمِعُ الْخَلائِقَ: سَيَعْلَمُ الْخَلائِقُ الْيَوْمَ مَنْ أَوْلَى بِالْكَرَمِ. ثُمَّ يَرْجِعُ فَيُنَادِي: فَلْيَقُمِ الَّذِينَ كَانُوا يَحْمَدُونَ اللَّهَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ. فَيَقُومُونَ وَهُمْ قَلِيلٌ. ثُمَّ يَرْجِعُ فَيُنَادِي: أَيْنَ الَّذِينَ كَانَتْ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ [فَيَقُومُونَ] وَهُمْ قَلِيلُونَ. ثُمَّ يُحَاسَبُ النَّاسُ.
قَالَ بَعْضُ الزُّهَّادِ: رَأَيْتُ رَجُلا قَدْ أَقْبَلَ مِنْ بَعْضِ جِبَالِ الشَّامِ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ وَوَقَفَ يَنْظُرُ كَالْحَيْرَانِ , فَقُلْتُ لَهُ: مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ. فَقَالَ: مِنْ عِنْدِ قَوْمٍ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ. فَقُلْتُ: وَأَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: إِلَى قَوْمٍ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ. ثم قال: واأسفاً! قُلْتُ: عَلَى مَاذَا؟ قَالَ: عَلَى مَا هُمْ فِيهِ إِذْ كَانُوا بِأَعْمَالِهِمْ عَلَى طَرِيقِ نَجَاتِهِمْ.
(النَّاسِكُونَ يُحَاذِرُونَ ... وَمَا بِسَيِّئَةٍ أَلَمُّوا)
(كَانُوا إِذَا رامو كلاماً ... مُطْلَقًا خَطَمُوا وَزَمُّوا)
(إِنْ قِيلَتِ الْفَحْشَاءُ أَوْ ... ظهرت عموا عنها وصموا)
(فمضوا وجاء معاً شر ... بِالْمُنْكَرَاتِ طَمُوا وَطَمُّوا)
(فَفَمٌ لِطُعْمٍ فَاغِرٌ ... وَيَدٌ عَلَى مَالٍ تُضَمُّ)
(عَدَلُوا عَنِ الْحَسَنِ الْجَمِيلِ ... وَلِلْخَنَا عَمَدُوا وَأَمُّوا)
стр. 118
(وَإِذَا هُمْ أَعْيَتْهُمُ ... شَنْعَاهُمْ كَذَبُوا وَنَمُّوا)
(فَالصَّدْرُ يَغْلِي بِالْهَوَاجِسِ ... مِثْلُ مَا يَغْلِي الْمُحَمُّ)
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ﴾ تَصْعَدُ الْقُلُوبُ إِلَى الْحَنَاجِرِ وَتَنْقَلِبُ الأَبْصَارُ إِلَى الزَّرَقِ عَنِ الْكَحَلِ , وَالْعَمَى بَعْدَ النَّظَرِ.
أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ , قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ الْمُذْهِبِ أَنْبَأَنَا أحمد بن جعفر , أخبرنا عبد الله ابن أَحْمَدَ , حَدَّثَنِي أَبِي , حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَيَّانَ , أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ , عَنْ نَافِعٍ , عَنِ ابْنِ عُمَرَ , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " يَقُومُ أَحَدُهُمْ فِي رَشْحِهِ إِلَى أَنْصَافِ أذنيه ".
أخبرنا عبد الأول , حدثنا الداوودي , حَدَّثَنَا ابْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا الْفَرَبْرِيُّ حَدَّثَنَا الْبُخَارِيُّ , حدثنا عبد العزيز بن عبد الله , حدثني سُلَيْمَانُ , عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ , عَنْ أَبِي الْغَيْثِ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: " يَعْرَقُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَذْهَبَ عَرَقُهُمْ فِي الأَرْضِ سَبْعِينَ ذِرَاعًا وَيُلْجِمَهُمْ حَتَّى يَبْلُغَ آذَانَهُمْ ".
الْحَدِيثَانِ فِي الصَّحِيحَيْنِ. وَفِي لَفْظٍ: " سَبْعِينَ بَاعًا " قَالَ. مُغِيثُ بْنُ سُمَيٍّ: تُرَكَّزُ
الشَّمْسُ فَوْقَ رُءُوسِهِمْ عَلَى سَبْعَةِ أَذْرُعٍ وَتُفْتَحُ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ فَيَهُبُّ عَلَيْهِمْ مِنْ رِيَاحِهَا وَسَمُومِهَا وَيَخْرُجُ عَلَيْهِمْ مِنْ نَفَاحِهَا حَتَّى تَجْرِيَ الأَنْهَارُ مِنْ عَرَقِهِمْ. وَالصَّائِمُونَ فِي ظِلِّ الْعَرْشِ.
يَا مَنْ لا يَرْدَعُهُ مَا يَسْمَعُهُ , يَا مَنْ لا يُقْنِعُهُ مَا يَجْمَعُهُ , أَمَا الْقَبْرُ عَنْ قَرِيبٍ مَوْضِعُهُ , أَمَا اللَّحْدُ عَنْ قَرِيبٍ مَضْجَعُهُ , أَمَا يَرْجِعُ عَنْهُ مَنْ يُشَيِّعُهُ وَيَأْخُذُ مَا جَمَعَهُ أَجْمَعُهُ , كَمْ يَخْرِقُ خَرْقًا بِالْخَطَإِ ثُمَّ لا يرفعه , كَمْ يَحُطُّهُ الْقَبِيحُ وَالنُّصْحُ يَرْفَعُهُ , كَمْ يَعْلَمُ غُرُورَ الْهَوَى وَهُوَ يَتْبَعُهُ:
(لا تَعْذِلَنَّهُ فَإِنَّ الْعَذْلَ يُولِعُهُ ... قَدْ قُلْتَ حَقًّا وَلَكِنْ لَيْسَ يَسْمَعُهُ)
أَشْرَفَ رَاهِبٌ مِنَ الرُّهْبَانِ مِنْ صَوْمَعَتِهِ فإذا رجل جالس فقال: يا هذا ما جلوسك ها هنا؟ فَقَالَ لَهُ: اسْكُتْ يَا فَارِغَ الْقَلْبِ وَدَعِ التَّشَاغُلَ بِغَيْرِهِ فَإِنَّهُ مِنْكَ
стр. 119
قَرِيبٌ! فَصَرَخَ الرَّاهِبُ وَخَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ , فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: سَيِّدِي لَكَ الْعُتْبَى لا أَعُودُ فِيمَا يَقْطَعُنِي عَنْكَ. فَصَمَتَ عَنِ الْكَلامِ حَتَّى مَاتَ.
كَمْ غَرَّ الْغُرُورُ غِرًّا , أَمَدَّ لَهُ أَطْنَابَ الطَّمَعِ عَلَى أَوْتَادِ الْهَوَى , وَسَامَرَهُ فِي خَيْمَةِ الْمُنَى يُمْلِي عَلَيْهِ أَمَالِيَ الآمَالِ , وَمَا أَجَالَ فِيمَا جَالَ سَهْوَ ذِكْرِ الآجَالِ , ثُمَّ وَجَّهَ إِلَى جِهَةِ الْجَهْلِ وَالْغَفْلَةِ , فَسَلَّمَا إِلَيْهِ مَنْشُورَ التَّسْوِيفِ , فَلَمَّا ضُرِبَ بُوقُ الرِّحْلَةِ وَقَرُبَتْ نُوقُ النُّقْلَةِ سَلَّ مَا سَلَّمَا إِلَيْهِ , فَأُلْقِيَ كَاللَّقَى عَلَى بَابِ النَّدَمِ!
(إِلامَ أُمَنِّي النَّفْسَ مالا تَنَالُهُ ... وَأَذْكُرُ عَيْشًا لَمْ يَعُدْ مُذْ تَصَرَّمَا)
(وَقَدْ قَالَتِ السِّتُّونَ لِلَّهْوِ وَالصِّبَا ... دَعَا لِي أَسِيرِي وَاذْهَبَا حَيْثُ شِئْتُمَا)
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ , أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الشَّاهِدُ , حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَلِيٍّ ,
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْحَافِظُ , أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَصْرٍ , حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ بَشَّارٍ , قَالَ سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ أَدْهَمَ يَقُولُ لِرَجُلٍ رَآهُ يَضْحَكُ: لا تَطْمَعَنَّ فِي بَقَائِكَ وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ مَصِيرَكَ إِلَى الْمَوْتِ , فَلَمْ يَضْحَكْ مَنْ يَمُوتُ وَلا يَدْرِي أَيْنَ مَصِيرُهُ: إِلَى الْجَنَّةِ أَمْ إِلَى النَّارِ , وَلا يَدْرِي أَيَّ وَقْتٍ يَكُونُ الْمَوْتُ: صَبَاحًا أَوْ مَسَاءً، بِلَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ. ثُمَّ قَالَ: أُوهْ وَسَقَطَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ.
سَجْعٌ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى
﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فيه القلوب والأبصار﴾ لَوْ رَأَيْتَ أَرْبَابَ الْقُلُوبِ وَالأَسْرَارِ , وَقَدْ أَخَذُوا أُهْبَةَ التَّعَبُّدِ فِي الأَسْحَارِ , وَقَامُوا فِي مَقَامِ الْخَوْفِ عَلَى قَدَمِ الاعْتِذَارِ ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فيه القلوب والأبصار﴾ .
عَقَدُوا عَزْمَ الصِّيَامِ وَمَا جَاءَ النَّهَارُ , وَسَجَنُوا الألسنة فليس فيهم مهذار , وغضوا أبصارهم ولازم غَضَّ الأَبْصَارِ , فَانْظُرْ مَدْحَهُمْ إِلَى أَيْنَ انْتَهَى وصار , أحزانهم أحزان ثكلى ما لهذا اصْطِبَارٌ , وَدُمُوعُهُمْ لَوْلا التَّحَرِّي لَقُلْتُ كَالأَنْهَارِ ,
стр. 120
وَوُجُوهُهُمْ مِنَ الْخَوْفِ قَدْ عَلاهَا الصَّفَارُ , وَالْقَلَقُ قَدْ أَحَاطَ بِهِمْ وَدَارَ , ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فيه القلوب والأبصار﴾ .
جدوا في انطلاقهم إلى خلاقهم , وَرَاضُوا أَنْفُسَهُمْ بِتَحْسِينِ أَخْلاقِهِمْ , فَإِذَا بِهِمْ قَدْ أَذَابَهُمْ كَرْبُ اشْتِيَاقِهِمْ , أَتَدْرِي مَا الَّذِي حَبَسَكَ عَنْ لِحَاقِهِمْ: حُبُّ الدِّرْهَمِ وَالدِّينَارِ.
أَيْقَظَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ مِنْ هَذِهِ السِّنَةِ , وَرَزَقَنَا اتِّبَاعَ النُّفُوسِ الْمُحْسِنَةِ , وَآتَانَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حسنة , ووقانا عذاب النار.
стр. 121
المجلس التاسع
فِي ذِكْرِ إِسْحَاقَ وَقِصَّةِ الذَّبْحِ
الْحَمْدُ للَّهِ الذي أنشأ وبنا , وخلق الماء والثرى , وأبدع كل شيء ذرا , لا يَغِيبُ عَنْ بَصَرِهِ دَبِيبُ النَّمْلِ فِي اللَّيْلِ إِذَا سَرَى , وَلا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ مَا عَنَّ وَمَا طَرَا , اصْطَفَى آدَمَ ثُمَّ عَفَا عَمَّا جَرَى , وَابْتَعَثَ نُوحًا فَبَنَى الْفُلْكَ وَسَرَى , وَنَجَّى الْخَلِيلَ مِنَ النَّارِ فَصَارَ حَرُّهَا ثَرَى , ثُمَّ ابْتَلاهُ بِذَبْحِ الْوَلَدِ فَأَدْهَشَ بَصَبْرِهِ الْوَرَى ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أني أذبحك فانظر ماذا ترى﴾ .
أَحْمَدُهُ مَا قُطِعَ نَهَارٌ بِسَيْرٍ وَلَيْلٌ بِسُرَى , وَأُصَلِّي عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ الْمَبْعُوثِ فِي أُمِّ الْقُرَى , وَعَلَى أَبِي بَكْرٍ صَاحِبِهِ فِي الدَّارِ وَالْغَارِ بِلا مِرَا , وَعَلَى عُمَرَ الْمُحَدَّثِ عَنْ سِرِّهِ فَهُوَ بِنُورِ اللَّهِ يَرَى , وَعَلَى عُثْمَانَ زَوْجِ ابْنَتِهِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى , وَعَلَى عَلِيٍّ بَحْرِ الْعُلُومِ وَأَسَدِ الشَّرَى , وَعَلَى عَمِّهِ الْعَبَّاسِ الرَّفِيعِ الْقَدْرِ الشَّامِخِ الذُّرَى.
قَالَ اللَّهُ: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا ترى﴾ .
الْمُرَادُ بِالسَّعْيِ: مَشْيُهُ مَعَهُ وَتَصَرُّفُهُ , وَكَانَ حِينَئِذٍ ابْنَ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً , وَهَذَا الزَّمَانُ أَحَبُّ ما يكون الولد إلى والده , لأَنَّهُ وَقْتٌ يَسْتَغْنِي فِيهِ عَنْ مَشَقَّةِ الْحَضَانَةِ وَالتَّرْبِيَةِ , وَلَمْ يَبْلُغْ بِهِ وَقْتَ الأَذَى وَالْعُقُوقِ , فَكَانَتِ الْبَلْوَى أَشَدَّ.
وَلِلْعُلَمَاءِ فِي الذَّبِيحِ قَوْلانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ إِسْمَاعِيلُ. قَالَهُ ابْنُ عُمَرَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ , وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ المسيب وَالشَّعْبِيُّ وَمُجَاهِدٌ وَيُوسُفُ بْنُ مِهْرَانَ وَالْقُرَظِيُّ , فِي آخرين.
стр. 122
وَالثَّانِي: أَنَّهُ إِسْحَاقُ.
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ , وَأَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ. قَالُوا: أَنْبَأَنَا
عَبْدُ الصَّمَدِ الْمَأْمُونُ , أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْحَرْبِيُّ , حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ كعب , حدثنا عبد الله ابن عَبْدِ الْمُؤْمِنِ , حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ , عَنِ الْمُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةَ , عَنِ الْحَسَنِ , عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ , عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: الذَّبِيحُ إِسْحَاقُ.
وَهَذَا قَوْلُ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَالْعَبَّاسِ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي مُوسَى وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَنَسٍ وَكَعْبٍ وَوَهْبٍ وَمَسْرُوقٍ , فِي خَلْقٍ كَثِيرٍ , وَهُوَ الصَّحِيحُ.
أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ , أَنْبَأَنَا أَبُو طَالِبِ بْنُ غَيْلانَ , أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ الشَّافِعِيُّ حدثنا الهيثم ابن خلف , حدثنا أبو كريت , حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ , عَنِ الْحَسَنِ بْنِ دينار , عن علي ابن زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ , عَنِ الْحَسَنِ , عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ , عَنِ الْعَبَّاسِ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " سَأَلَ دَاوُدُ ﵇ رَبَّهُ فَقَالَ: إِلَهِي أَسْمَعُ النَّاسَ يَقُولُونَ: إِلَهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ. فَاجْعَلْنِي رَابِعًا. فَقَالَ: لَسْتَ هُنَاكَ , إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمْ يَعْدِلْ بِي شَيْئًا إِلا اخْتَارَنِي عَلَيْهِ , وَإِنَّ إِسْحَاقَ جَادَ لِي بِنَفْسِهِ , وَإِنَّ يَعْقُوبَ فِي طُولِ ما كان لم ييأس مِنْ يُوسُفَ ".
وَأَمَّا سَبَبُ أَمْرِهِ بِذَبْحِهِ: فَرَوَى السُّدِّيُّ عَنْ أَشْيَاخِهِ , أَنَّ جِبْرِيلَ لَمَّا بَشَّرَ سَارَّةَ بِإِسْحَاقَ قَالَتْ: مَا آيَةُ ذَلِكَ؟ قَالَ: فَأَخَذَ عُودًا يَابِسًا فِي يَدِهِ فَلَوَاهُ بَيْنَ أَصَابِعِهِ فَاهْتَزَّ خَضِرًا , فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ , هُوَ للَّهِ إِذًا ذَبِيحٌ. فَلَمَّا كَبِرَ إِسْحَاقُ أُتِيَ إِبْرَاهِيمُ فِي النَّوْمِ
فَقِيلَ لَهُ: أَوْفِ بِنَذْرِكَ. فَقَالَ لإِسْحَاقَ: انْطَلِقْ نُقَرِّبْ قُرْبَانًا إِلى اللَّهِ. وَأَخَذَ سِكِّينًا وَحَبْلا , ثُمَّ انْطَلَقَ مَعَهُ حَتَّى إِذَا ذَهَبَ بَيْنَ الْجِبَالِ فَقَالَ لَهُ الْغُلامُ: يَا أَبَتِ أَيْنَ قُرْبَانُكَ؟ قَالَ: " يَا بُنَيَّ إِنِّي أرى في المنام أني أذبحك " فَقَالَ إِسْحَاقُ: أَشْدِدْ رِبَاطِي كَيْ لا أَضْطَرِبُ , واكفف ثيابي لا يَنْتَضِحُ عَلَيْهَا مِنْ دَمِي فَتَرَاهُ سَارَّةُ فتحزن , وأٍ سرع مَرَّ السِّكِّينِ عَلَى حَلْقِي لِيَكُونَ أَهْوَنَ لِلْمَوْتِ عَلَيَّ , وَإِذَا أَتَيْتَ سَارَّةَ فَاقْرَأْ ﵍ مني.
стр. 123
فأقبل عليه إبراهيم يقبله ويبكي , وربطه وجر السِّكِّينَ عَلَى حَلْقِهِ فَلَمْ تَذْبَحِ السِّكِّينُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: انْقَلَبَتْ. فَنُودِيَ: " يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرؤيا " فَإِذَا بِكَبْشٍ فَأَخَذَهُ وَخَلَّى عَنِ ابْنِهِ وَأَكَبَّ عَلَيْهِ يُقَبِّلُهُ وَيَقُولُ: يَا بُنَيَّ الْيَوْمَ وُهِبْتَ لِي. وَرَجَعَ إِلَى سَارَّةَ فَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ فَقَالَتْ: أَرَدْتَ أَنْ تَذْبَحَ ابْنِي وَلا تُعْلِمَنِي؟!
قَالَ شُعَيْبٌ الْجُبَّائِيُّ: لَمَّا عَلِمَتْ بِذَلِكَ مَاتَتْ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ.
وَإِنَّمَا قَالَ: " فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى " أَيْ مَا عِنْدَكَ مِنَ الرَّأْيِ , وَلَمْ يَقُلْ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْمُؤَامَرَةِ فِي أَمْرِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ " قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ " أي ما أمرت.
" فلما أسلما " أَيِ اسْتَسْلَمَا لأَمْرِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَرَضِيَا وَفِي جَوَابِ هَذَا قَوْلانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ جَوَابَهُ " نَادَيْنَاهُ " وَالْوَاوُ زَائِدَةٌ. قَالَهُ الْفَرَّاءُ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ سَعِدَ وَأُثِيبَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: صَرَعَهُ عَلَى جَبِينِهِ فَصَارَ على أحد جبينيه على الأرض وهما جبينان والجبهة بينهما. ﴿وناديناه﴾ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: نُودِيَ مِنَ الْجَبَلِ: ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ قد صدقت الرؤيا﴾ وَفِيهِ قَوْلانِ: أَحَدُهُمَا قَدْ عَمِلْتَ بِمَا أُمِرْتَ بِهِ. وَذَلِكَ أَنَّهُ قَصَدَ الذَّبْحَ بِمَا أَمْكَنَهُ , فَطَاوَعَهُ الابْنُ بِالتَّمْكِينِ مِنَ الذَّبْحِ , إِلا أَنَّ اللَّهَ صَرَفَ ذَلِكَ كَمَا شَاءَ , فَصَارَ كَأَنَّهُ ذُبِحَ , وَإِنْ لَمْ يَقَعِ الذَّبْحُ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ رَأَى فِي الْمَنَامِ مُعَالَجَةَ الذَّبْحِ
وَلَمْ يَرَ إِرَاقَةَ الدَّمِ , فَلَمَّا فَعَلَ فِي الْيَقَظَةِ مَا رَأَى فِي الْمَنَامِ قِيلَ لَهُ: " قَدْ صَدَّقْتَ الرؤيا " وَقَرَأَ أَبُو الْمُتَوَكِّلِ وَأَبُو الْجَوْزَاءِ وَأَبُو عِمْرَانَ والجحدري: " قد صدقت الرؤيا " بتخفيف الدال.
﴿إنا كذلك﴾ أَيْ كَمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْعَفْوِ عَنْ ذَبْحِ ولده , كذلك ﴿نجزي المحسنين﴾ .
стр. 124
﴿إن هذا لهو البلاء المبين﴾ وَفِيهِ قَوْلانِ: أَحَدُهُمَا: النِّعْمَةُ الْبَيِّنَةُ وَهُوَ الْعَفْوُ عَنِ الذَّبْحِ. وَالثَّانِي: الاخْتِبَارُ الْعَظِيمُ , وَهُوَ امْتِحَانُهُ بالذبح ﴿وفديناه بذبح﴾ وَهُوَ بِكَسْرِ الذَّالِ اسْمُ مَا ذُبِحَ وَبِفَتْحِهَا مَصْدَرُ ذَبَحْتَ. وَالْمَعْنَى: خَلَّصْنَاهُ مِنَ الذَّبْحِ بِأَنْ جَعَلْنَا الذَّبْحَ فِدَاءً لَهُ. وَفِي هَذَا الذَّبْحِ ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ كَانَ كَبْشًا أَقْرَنَ قَدْ رَعَى فِي الْجَنَّةِ قَبْلَ ذَلِكَ أَرْبَعِينَ عَامًا. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةِ مُجَاهِدٍ. و [قال] فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: هُوَ الْكَبْشُ الَّذِي قَرَّبَهُ ابْنُ آدَمَ فَتُقُبِّلَ مِنْهُ , كَانَ فِي الْجَنَّةِ حَتَّى فُدِيَ بِهِ. وَالثَّانِي: أَنَّ إِبْرَاهِيمَ فَدَى ابْنَهُ بِكَبْشَيْنِ أَبْيَضَيْنِ أَعْيَنَيْنِ أَقْرَنَيْنِ. رَوَاهُ الطُّفَيْلُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ كَانَ ذَكَرًا مِنَ الأَرْوَى أُهْبِطَ عَلَيْهِ مِنْ ثبير قاله الحسن.
وفي قوله ﴿عظيم﴾ قَوْلانِ: أَحَدُهُمَا: لأَنَّهُ قَدْ رَعَى فِي الْجَنَّةِ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ مُتَقَبَّلٌ. قَالَهُ مُجَاهِدٌ. قَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: كَانَ ذَلِكَ بِإِيلِيَاءَ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ.
سُبْحَانَ الْمُفَاوِتِ بَيْنَ الْخَلْقِ! يُقَالُ لِلْخَلِيلِ: اذْبَحْ وَلَدَكَ. فَيَأْخُذُ الْمُدْيَةَ وَيُضْجِعُهُ لِلذَّبْحِ , وَيُقَالُ لِقَوْمِ مُوسَى: ﴿اذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ فذبحوها وما كادوا يفعلون!
وَيُخْرِجُ أَبُو بَكْرٍ مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ , وَيَبْخَلُ ثَعْلَبَةُ بِالزَّكَاةِ! وَيَجُودُ حَاتِمٌ بِقُوتِهِ , وَيَبْخَلُ بِضَوْءِ نَارِهِ الحُباحِب.
وَكَذَلِكَ فَاوَتَ بَيْنَ الْفُهُومِ فَسَحْبَانُ أَنْطَقُ مُتَكَلِّمٍ , وَبَاقِلٌ أَقْبَحُ مِنْ أَخْرَسَ.
وَفَاوَتَ بَيْنَ الأَمَاكِنِ فَزَرُودٌ تَشْكُو الْعَطَشَ وَالْبَطَائِحُ تَصِيحُ: الْغَرَقَ.
قَالَ عُلَمَاءُ السِّيَرِ: لَمْ يَمُتْ إِبْرَاهِيمُ حتى نبىء إِسْحَاقُ وَبُعِثَ إِلَى أَرْضِ الشَّامِ. وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ قَدْ زَوَّجَ إِسْحَاقَ أروقَةَ بِنْتَ بتاويلَ , فَوَلَدَتْ لَهُ الْعَيْصَ وَيَعْقُوبَ , وَهُوَ ابْنُ سِتِّينَ سَنَةً. فَأَمَّا الْعَيْصُ فَتَزَوَّجَ بِنْتَ عَمِّهِ إِسْمَاعِيلَ , فَوَلَدَتْ لَهُ الرُّومَ , فَكُلُّ بَنِي الأَصْفَرِ مِنْ وَلَدِهِ وَكَثُرَ أَوْلادُهُ حَتَّى غَلَبُوا الْكَنْعَانِيِّينَ بِالشَّامِ وَصَارُوا إِلَى الْبَحْرِ وَالسَّوَاحِلِ وَصَارَ الْمُلُوكُ مِنْ وَلَدِهِ وَهُمُ الْيُونَانِيَّةُ.
وَأَمَّا يَعْقُوبُ فَتَزَوَّجَ ليَا فَوَلَدَتْ أَكْثَرَ أَوْلادِهِ , ثُمَّ تَزَوَّجَ رَاحِيلَ فَوَلَدَتْ لَهُ
стр. 125
يُوسُفَ وَبِنْيَامِينَ. وَعَاشَ إِسْحَاقُ مِائَةً وَسِتِّينَ سَنَةً , وَتُوُفِّيَ بِفَلَسْطِينَ وَدُفِنَ عِنْدَ أَبِيهِ إِبْرَاهِيمَ.
إِخْوَانِي: تَأَمَّلُوا عَوَاقِبَ الصَّبْرِ , وَتَخَايَلُوا فِي الْبَلاءِ نُورَ الأَجْرِ , فَمَنْ تَصَوَّرَ زَوَالَ الْمِحَنِ وَبَقَاءَ الثَّنَاءِ هَانَ الابْتِلاءُ عَلَيْهِ , وَمَنْ تَفَكَّرَ فِي زَوَالِ اللَّذَّاتِ وَبَقَاءِ الْعَارِ هَانَ تَرْكُهَا عِنْدَهُ , وَمَا يُلاحِظُ الْعَوَاقِبَ إِلا بَصَرٌ ثَاقِبٌ.
الْكَلامُ عَلَى الْبَسْمَلَةِ
(فِرَاكَ مِنَ الأَيَّامِ نَابٌ وَمِخْلَبٌ ... وَخَانَكَ لَوْنُ الرَّأْسِ وَالرَّأْسُ أَشْيَبُ)
(فَحَتَّامَ لا تَنْفَكُّ جَامِحَ هِمَّةٍ ... بَعِيدَ مَرَامِي النَّفْسِ وَالْمَوْتُ أَقْرَبُ)
(تُسَرُّ بِعَيْشٍ أَنْتَ فِيهِ مُنَغَّصٌ ... وَتَسْتَعْذِبُ الدُّنْيَا وأنت معذب)
(تغذيك والأوقات جسمك تغتدي ... وَتَسْقِيكَ وَالسَّاعَاتُ رُوحَكَ تَشْرَبُ)
(وَتَعْجَبُ مِنْ آفَاتِهَا مُتَلَفِّتًا ... إِلَيْهَا، لَعَمْرُ اللَّهِ فِعْلُكَ أَعْجَبُ)
(وَتَحْسَبُهَا بِالْبِشْرِ تُبْطِنُ خَلَّةً ... فَيَظْهَرُ مِنْهَا غَيْرُ مَا تتحسب)
(إذا رضيت أعمتك عن طُرُقِ الْهُدَى ... فَمَا ظَنُّ ذِي لُبٍّ بِهَا حِينَ تَغْضَبُ)
(وَفِي سَلْبِهَا ثَوْبَ الشَّبَابِ دَلالَةٌ ... عَلَى أَنَّهَا تُعْطِي خِدَاعًا وَتَسْلُبُ)
(أَتَرْضَى بِأَنْ يَنْهَاكَ شَيْبُكَ وَالْحِجَا ... وَأَنْتَ مَعَ الأَيَّامِ تَلْهُو وَتَلْعَبُ)
(أَجِدُكَ لا تَسْمَعُ لِدُنْيَاكَ مَوْعِدًا ... وَلا تَتَرَجَّ الرِّيَّ وَالْبَرْقُ خُلَّبُ)
(وَدُونَكَ دِرْيَاقُ التَّرَجِّي مِنَ الْوَرَى ... فَكُلٌّ عَلَى التَّجْرِيبِ صِلٌّ وَعَقْرَبُ)
إِخْوَانِي: الأَيَّامُ لَكُمْ مَطَايَا , فَأَيْنَ الْعُدَّةُ قَبْلَ الْمَنَايَا , أَيْنَ الأَنَفَةُ مِنْ دَارِ الأَذَايَا , أَيْنَ الْعَزَائِمُ؟ أَتَرْضَوْنَ الدَّنَايَا , إِنَّ بَلِيَّةَ الْهَوَى لا تُشْبِهُ الْبَلايَا , وَإِنَّ خَطِيئَةَ الإِصْرَارِ لا كَالْخَطَايَا , وَسَرِيَّةَ الْمَوْتِ لا تُشْبِهُ السَّرَايَا , وَقَضِيَّةَ الأَيَّامِ لا كَالْقَضَايَا , رَاعِي السَّلامَةِ يَقْتُلُ الرَّعَايَا [رَامِي التَّلَفِ يُصْمِي الرَّمَايَا] , مَلَكُ الْمَوْتِ لا يَقْبَلُ الْهَدَايَا , يَا مَسْتُورِينَ سَتَظْهَرُ الْخَبَايَا.
اسْتَغْفِرُوا [اللَّهَ] خَجَلا مِنَ الْعَثَرَاتِ , ثُمَّ اسْكُبُوا حُزْنًا لَهَا الْعَبَرَاتِ , عَجَبًا لِمُؤْثِرِ الْفَانِيَةِ عَلَى الْبَاقِيَةِ , وَلِبَائِعِ الْبَحْرِ الْخِضَمِّ بِسَاقِيَةٍ , وَلِمُخْتَارِ دَارِ الْكَدَرِ عَلَى
стр. 126
الصَّافِيَةِ , وَلِمُقَدِّمِ حُبِّ الأَمْرَاضِ عَلَى الْعَافِيَةِ , أَيُّهَا الْمُسْتَوْطِنُ بَيْتَ غُرُورِهِ تَأَهَّبْ لإِزْعَاجِكَ , أَيُّهَا الْمُسْرُورُ بِقُصُورِهِ تَهَيَّأْ لإِخْرَاجِكَ , خُذْ عُدَّتَكَ وَقُمْ فِي قَضَاءِ حَاجَتِكَ قَبْلَ فِرَاقِ أَوْلادِكَ وَأَزْوَاجِكَ , مَا الدُّنْيَا دَارُ مَقَامِكَ , بَلْ حَلْبَةُ إِدْلاجِكَ:
(أَيُّهَا النَّاكِبُ عَنْ نَهْجِ الْهُدَى ... وَهُوَ بَادٍ وَاضِحٌ لِلسَّالِكِينْ)
(إِلْهُ عَنْ ذِكْرِ التَّصَابِي إِنَّهُ ... سَرَفٌ بَعْدَ بُلُوغِ الأَرْبَعِينْ)
(وَاجْعَلِ التَّقْوَى مَعَاذًا تَحْتَمِي ... بِحِمَاهُ إِنَّهُ حِصْنٌ حَصِينْ)
(وَاسْأَلِ اللَّهَ تَعَالَى عَفْوَهُ ... وَاسْتَعِنْهُ إِنَّهُ خَيْرُ مُعِينْ)
أَتَأْمَنُ بَطْشَ ذِي الْبَطْشِ , وَتُبَارِزُهُ عَالِمًا بِرُؤْيَتِهِ وَلَمْ تَخْشَ , يَا مَنْ إِذَا وَزَنَ طَفَّفَ وَإِذَا بَاعَ غش , أنسيت النزول فِي بَيْدَاءِ الدَّبِيبِ وَالْوَحْشِ , أَنَسِيتَ الْحُلُولَ فِي لَحْدٍ خَشِنِ الْفَرْشِ , يَا مُغْتَرًّا بِزُخْرُفِ الْهَوَى قَدْ أَلْهَاهُ النَّقْشُ , إِذَا جَنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ فَعَلَى مَنِ الأَرْشُ , يَا مَنْ إِذَا جَاءَ الْفَرْضُ الْتَوَى وَإِذَا حَانَ اللَّهْوُ هَشَّ , يَا من لا يصبر لِلْقَضَاءِ وَلَوْ عَلَى خَدْشٍ , كُنْ مُسْتَيْقِظًا فَإِنَّكَ بِعَيْنِ ذِي الْعَرْشِ:
(تَعَلَّلُ بِالآمَالِ وَالْمَوْتُ أَسْرَعُ ... وَتَغْتَرُّ بِالأَيَّامِ وَالْوَعْظُ أَنْفَعُ)
(وَمَا الْمَرْءُ إِمَّا لَمْ يَمُتْ فَهُوَ ذَائِقٌ ... فِرَاقَ الأَخِلاءِ الَّذِي هُوَ أَوْجَعُ)
(فَوَدِّعْ خَلِيلَ النَّفْسِ قَبْلَ فِرَاقِهِ ... فَمَا النَّاسُ إِلا ظَاعِنٌ أَوْ مُوَدِّعُ)
يَا حَزِينًا عَلَى فِرَاقِ مَوْتَاهُ , كَئِيبًا لِمَطْلُوبِ مَا وَاتَاهُ , كَأَنَّهُ بِالْمَوْتِ قَدْ أَتَاهُ , فَأَلْحَقَهُ مَا أباه أباه , ووافاه ما أطيق [فَاهُ] فَمَا فَاهَ:
(يَا كَثِيرَ الْحِرْصِ مَشْغُولا ... بِدُنْيَا لَيْسَ تَبْقَى)
(مَا رَأَيْنَا الْحِرْصَ أَدْنَى ... مِنْ حَرِيصٍ قَطُّ رِزْقَا)
(لا وَلَكِنْ فِي قَضَاءِ اللَّهِ ... أَنْ نَعْنَى وَنَشْقَى)
(قَدْ رَأَيْنَا الْمَوْتَ أَفْنَى ... قَبْلَنَا خَلْقًا فَخَلْقَا)
(دُرِّجُوا قَرْنًا فَقَرْنًا ... وَبَقَى مَنْ لَيْسَ يَبْقَى)
قَدِمَ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ وَاسِعٍ ابْنُ عَمٍّ لَهُ فَقَالَ لَهُ: مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ؟ فَقَالَ: مِنْ طَلَبِ الدُّنْيَا. فَقَالَ: هَلْ أَدْرَكْتَهَا؟ قَالَ: لا. قَالَ: واعجبا! أَنْتَ تَطْلُبُ شَيْئًا لَمْ تُدْرِكْهُ ,
стр. 127
فَكَيْفَ تُدْرِكُ شَيْئًا لَمْ تَطْلُبْهُ.
يَا هَذَا عَلَيْكَ بِالْجِدِّ وَالاجْتِهَادِ , وَخَلِّ [هَذَا] الْكَسَلَ وَالرُّقَادَ فَطَرِيقُكَ لا بُدَّ لَهَا مِنْ زَادٍ.
(انْهَضْ إِلَى الْمَعَالِي ... وَأَقْبِلْ وَلا تُبَالِي)
(وَخُذْ مِنَ الزَّمَانِ ... حَظًّا فَأَنْتَ فَانِي)
(الْهِمَمُ الْعَلِيَّةْ ... وَالْمُهَجُ الأَبِيَّةْ)
(تُقَرِّبُ الْمَنِيَّةْ ... مِنْكَ أَوِ الأُمْنِيَّةْ)
(الْمَجْدُ بِالْمُخَاطَرَةْ ... وَالنَّصْرُ بِالْمُصَابَرَةْ)
(كَمْ رَاحَةٍ فِي الْعُزْلَةْ ... وَعَمَلٍ فِي الْعُطْلَةْ)
(لَيْسَ يَدُومُ حَالٌ ... شَحْمُ الْمُنَى هُزَالٌ)
(مَا لِلْوَرَى فِي غَفْلَةْ ... قَدْ خُدِعُوا بِالْمُهْلَةْ)
(أَلا لَبِيبٌ يَعْقِلُ ... أَلا جَهُولٌ يَسْأَلُ)
(أَأَنْتُمُ فِي رِيبَةْ ... مَا أَعْظَمُ الْمُصَيِبةْ)
(دُنْيَاكُمُ حَبِيبَةْ ... لِحُسْنِهَا وَالطِّيبَةْ)
(لَكِنَّهَا غَدَّارَةْ ... خَدَّاعَةٌ غَرَّارَةْ)
(لَيْسَ لَهَا حَبِيبُ ... زَوَالُهَا قَرِيبُ)
(كَالْمُومِسِ الْبَغِيِّ ... تَلْبَسُ كُلَّ زِيِّ)
(خَلَوبَةٌ خَوَّانَةْ ... لَيْسَ لَهَا أَمَانَةْ)
(عَزِيزُهَا ذَلِيلُ ... كَثِيرُهَا قَلِيلُ)
(تُفَرِّقُ الأَحْبَابَا ... تُشَتِّتُ الأَتْرَابَا)
(حَرْبٌ لِمَنْ سَالَمَهَا ... تَمَلُّ مَنْ لازَمَهَا)
(لِقَاؤُهَا فِرَاقُ ... وَعُرْسُهَا طَلاقُ)
(وِصَالُهَا صدود ... ووعدها وعيد)
(وصالها عنا ... صدودها بلا)
(عُقُودُهَا مَنْقُوضَةْ ... عُهُودُهَا مَرْفُوضَةْ)
(شَرَابُهَا سَرَابُ ... نَعِيمُهَا عذاب)
стр. 128
(إِنْ أَقْبَلَتْ فَفِتْنَةْ ... أَوْ أَدْبَرَتْ فَمِحْنَةْ)
(أَخْلاقُهَا مَذْمُومَةْ ... لَذَّاتُهَا مَسْمُومَةْ)
(يَحْظَى بِهَا الْجُهَّالُ ... وَيَنْعَمُ الأنذال)
(يشقى بها اللبيب ... ويتعب الأريب)
(فحل عَنْهَا يَا فَتَى ... إِلَى مَتَى إِلَى مَتَى!)
الْكَلامُ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى
﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ به﴾ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ أَهْلَ الأَدْيَانِ اخْتَصَمُوا. فَقَالَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ: كِتَابُنَا خَيْرُ الْكُتُبِ , وَنَبِيُّنَا خَيْرُ الأَنْبِيَاءِ. وَقَالَ أَهْلُ الإِنْجِيلِ: مِثْلَ ذَلِكَ. وَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: كِتَابُنَا نَسَخَ كُلَّ كِتَابٍ. وَنَبِيُّنَا خَاتَمُ الأَنْبِيَاءِ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. رَوَاهُ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْعَرَبَ قَالَتْ لا نُبْعَثُ وَلا نُحَاسَبُ وَلا نُعَذَّبُ. فَنَزَلَتْ قَالَهُ مُجَاهِدٌ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى قَالُوا: لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ غَيْرُنَا. وَقَالَتْ قُرَيْشٌ: لا نُبْعَثُ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَالَهُ عِكْرِمَةُ.
وَقَالَ الزَّجَّاجُ: اسْمُ لَيْسَ مُضْمَرٌ. وَالْمَعْنَى لَيْسَ ثَوَابُ اللَّهِ بِأَمَانِيِّكُمْ. وَقَدْ جَاءَ مَا يَدُلُّ عَلَى الثَّوَابِ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تحتها الأنهار﴾ وانسوا المعاصي والجزاء واقع بالعاصي.
أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ , قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ الْمُذْهِبِ , أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ جَعْفَرٍ , حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ , حَدَّثَنِي أَبِي , حَدَّثَنَا وَكِيعٌ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي خَالِدٍ , عَنْ أَبِي
стр. 129
بَكْرِ بْنِ زُهَيْرٍ الثَّقَفِيِّ , قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ: " لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يعمل سوءا يجزبيه " قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا لَنُجَازَى بِكُلِّ سُوءٍ نَعْمَلُهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " يَرْحَمُكَ اللَّهُ أَلَسْتَ تنصب ألست تحزن , أليس تصيبك اللأْوَاءُ؟. فَهَذَا مَا تُجْزَوْنَ بِهِ.
وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي أَفْرَادِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سوءا يجر به﴾ بَلَغَتْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَبْلَغًا شَدِيدًا , فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " قَارِبُوا وَسَدِّدُوا فَفِي كُلِّ مَا يُصَابُ بِهِ الْمُسْلِمُ كَفَّارَةٌ حَتَّى النَّكْبَةِ يُنْكَبُهَا وَالشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا ".
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا جُوزِيَ بِذَنْبٍ عُجِّلَ لَهُ جَزَاؤُهُ فِي الدُّنْيَا.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ابن نَصْرٍ , أَنْبَأَنَا طِرَادٌ , أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْهَاشِمِيُّ , أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ , أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُلاعِبٍ , حَدَّثَنَا عَفَّانُ , عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ , حَدَّثَنَا يُونُسُ , عَنِ الْحَسَنِ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ , أَنَّ رَجُلا أَتَى امْرَأَةً كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بَغِيًّا فَجَعَلَ يُلاعِبُهَا حَتَّى بَسَطَ يَدَهُ إِلَيْهَا , فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: مَهْ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَهَبَ بِالشِّرْكِ وَجَاءَ بِالإِسْلامِ. فَوَلَّى الرَّجُلُ فَأَصَابَ وَجْهَهُ جِدَارٌ فَأَدْمَاهُ , فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ: " أَنْتَ عَبْدٌ أَرَادَ اللَّهُ بِكَ خَيْرًا، إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَرَادَ بِعَبْدٍ خَيْرًا عَجَّلَ لَهُ عُقُوبَةَ ذَنْبِهِ , وَإِذَا أَرَادَ بِعَبْدٍ شَرًّا أَمْسَكَ عَنْهُ حَتَّى يُوَافِيَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُ بَعِيرٌ ".
وَاعْلَمْ أَنَّ مَنْ تَفَكَّرَ فِي ذَنْبِهِ وَجَدَ الزَّمَانَ الَّذِي عَصَى فِيهِ قد خلا عن طاعة وَامْتَلأَ بِخَطِيئَةٍ , ثُمَّ يَحْتَاجُ إِلَى زَمَانٍ يَتَشَاغَلُ فِيهِ بِالتَّوْبَةِ , ثُمَّ يَتَأَسَّفُ عَلَى مَا سَبَقَ. وَيَكْفِي هَذَا.
وَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ:
" قَالَ رَبُّكُمْ : لَوْ أَنَّ عِبَادِيَ أَطَاعُونِي لأَسْقَيْتُهُمُ الْمَطَرَ بِاللَّيْلِ وَأَطْلَعْتُ عَلَيْهِمُ الشَّمْسَ بِالنَّهَارِ، وَلَمَا أَسْمَعْتُهُمْ صَوْتَ الرَّعْدِ ".
أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْمَحَلِّيُّ , أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ , أَنْبَأَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ بِشْرَانَ ,
стр. 130
أَنْبَأَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْبَرْدَعِيُّ , حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْقُرَشِيُّ , حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ , حَدَّثَنِي أَبُو ضَمْرَةَ , عَنْ نَافِعِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ , عَنْ فَرْوَةَ بْنِ قَيْسٍ , عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " مَا ظَهَرَتِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ حَتَّى أَعْلَنُوهَا إِلا ابْتُلُوا بِالطَّوَاعِينِ وَالأَوْجَاعِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ فِي أَسْلافِهِمُ الَّذِينَ مَضَوْا , وَلا نَقَصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلا ابْتُلُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمُؤْنَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ , وَمَا مَنَعَ قَوْمٌ زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ وَلَوْلا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا , وَلا خَفَرَ قَوْمٌ الْعَهْدَ إِلا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوَّهُمْ مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَخَذَ بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ.
قَالَ الْقُرَشِيُّ: وَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ , قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَهْدِيٍّ , قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ الأَبَّارُ , عَنْ أَشْعَثَ بْنِ سَوَّارٍ , عَنْ كُرْدُوسٍ التَّغْلِبِيِّ , قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَسْجِدِ مَسْجِدِ الْكُوفَةِ , وَكَانَ أَبُوهُ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا قَالَ: مَرَرْتُ عَلَى قَرْيَةٍ تَتَزَلْزَلُ فَوَقَفْتُ قَرِيبًا أَنْظُرُ , فَخَرَجَ عَلَيَّ رَجُلٌ فَقُلْتُ: ما وراءك؟ فقال: تركتها تتزلزل وإن الحائطان لَيَصْطَكَّانِ وَيُرْمَى بَعْضُهَا بِبَعْضٍ , فَقُلْتُ: وَمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ؟ قَالَ: كَانُوا يَأْكُلُونَ الرِّبَا.
وَقَالَ رَجُلٌ لِلْحَسَنِ: أَعْيَانِي قِيَامُ اللَّيْلِ؟ قَالَ: قَيَّدَتْكَ خَطَايَاكَ!
أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ , عَنْ عَبْدِ الْقَادِرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيِّ , أَنْبَأَنَا أَبُو الْفَضْلِ لزهري , حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ الذَّهَبِيُّ , حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ , حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ المثنى , حدثنا عَبْدُ الْقُدُّوسِ الْحَوَارِيُّ , عَنْ هِشَامٍ قَالَ: اغْتَمَّ ابْنُ سِيرِينَ مَرَّةً فَقِيلَ لَهُ: يَا أَبَا بَكْرٍ مَا هَذَا الْغَمُّ؟ قَالَ: هَذَا بِذَنْبٍ أَصَبْتُهُ مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةً.
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ حَبِيبٍ , قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدِ بْنُ أَبِي صَادِقٍ , قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الشِّيرَازِيُّ , قَالَ سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ فَارِسٍ يَقُولُ: أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ قَرِينٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْجُنَيْدَ يَقُولُ: مَنْ هَمَّ بِذَنْبٍ لَمْ يَعْمَلْهُ عُوقِبَ بِذَنْبٍ لَمْ يَعْرِفْهُ.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ , أَنْبَأَنَا أَبُو الْغَنَائِمِ الدَّجَاجِيُّ , أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ مَعْرُوفٍ , حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْهَيْثَمِ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ الْجَوْهَرِيُّ , حَدَّثَنَا هَاشِمُ
стр. 131
بْنُ الْقَاسِمِ , عَنْ صَالِحٍ الْمُرِّيِّ , عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ قَالَ: مَكْتُوبٌ فِي الإِنْجِيلِ: تَعْمَلُونَ الْخَطَايَا وَتُنْكِرُونَ الْعُقُوبَةَ!
يَا مَنْ مَعَاصِيهِ جَمَّةٌ مَشْهُورَةٌ وَنَفْسُهُ بِمَا يَجْنِي عَلَيْهَا مَسْرُورَةٌ , أَفِي الْعَيْنِ كَمَهٌ أَمْ عَشَى , أَإِلَيْكَ الأَمْرُ كَمَا تشاء , أَعَلَى الْقَلْبِ حِجَابٌ أَمْ غِشَا , يَا كَثِيرَ الْمَعَاصِي قَعَدَ أَوْ مَشَى , عَظُمَتْ ذُنُوبُكَ فَمَتَى تَقْضِي , يَا مُقِيمًا وَهُوَ فِي الْمَعْنَى يَمْضِي , أَفْنَيْتَ الزَّمَانَ فِي الْخَطَايَا ضِيَاعًا , وَسَاكَنْتَ غُرُورًا مِنَ الأَمَلِ وَأَطْمَاعًا , وَصِرْتَ فِي تَحْصِيلِ الدُّنْيَا مُحْتَرِفًا صَنَّاعًا , تُصْبِحُ جَامِعًا وَتُمْسِي مَنَّاعًا , فَتِّشْ عَلَى قَلْبِكَ وَلُبِّكَ قَدْ ضَاعَا تَفَكَّرْ فِي عُمْرِكَ مَضَى نَهْبًا , مُشَاعًا لا فِي الشَّبَابِ أَصْلَحْتَ وَلا فِي الْكُهُولَةِ أَفْلَحْتَ , كَمْ حَمَّلْتَ أَزْرَكَ وِزْرًا ثَقِيلا , وَاجْتَرَحْتَ يَا بُعْدَ صَلاحِ ما جرحت، يا سيء السَّرِيرَةِ كَمْ عَلَيْكَ جَرِيرَةٍ , وَيْحَكَ أَتَنْسَى الْحَفِيرَةَ , أَمْ هِيَ عِنْدَكَ حَقِيرَةٌ , أَيَّامُ عُمْرِكَ قَصِيرَةٌ وَتُضَيِّعُهَا عَلَى بَصِيرَةٍ لَقَدْ قَطَعَ الأَجَلُ مَسِيرَةً وَلَكِنْ عَلَى أَقْبَحِ سِيرَةٍ , ذُنُوبُكَ جَمَّةٌ كَثِيرَةٌ , وعينك به قَرِيرَةٌ , مَا تُظْلَمُ بِهَا مِقْدَارَ شَعِيرَةٍ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: إِنَّمَا الدُّنْيَا سُوقٌ خَرَجَ النَّاسُ مِنْهَا بِمَا يَضُرُّهُمْ وَبِمَا يَنْفَعُهُمْ , وَكَمِ اغْتَرَّ نَاسٌ فَخَرَجُوا مَلُومِينَ وَاقْتَسَمَ مَا جَمَعُوا مَنْ لَمْ يَحْمَدْهُمْ , وَصَارُوا إِلَى مَنْ لا يَعْذِرُهُمْ فَيَحِقُّ لَنَا أَنْ نَنْظُرَ إِلَى مَا نَغْبِطُهُمْ بِهِ مِنَ الأَعْمَالِ فَنَعْمَلُهَا وَإِلَى مَا نَتَخَوَّفُ فَنَجْتَنِبُهَا.
وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ: الْمَغْبُونُ مَنْ عَطَّلَ أَيَّامَهُ بِالْبَطَالاتِ وَسَلَّطَ جَوَارِحَهُ عَلَى الْهَلَكَاتِ , وَمَاتَ قَبْلَ إِفَاقَتِهِ مِنَ الْجِنَايَاتِ:
(بَدَتْ دَهْيَاءُ تُنْذِرُ بِالْخُطُوبِ ... نُلاحِظُهَا بِأَبْصَارِ الْقُلُوبِ)
(وَقَدْ دَلَّ الْمَجِيءُ عَلَى ذَهَابٍ ... كَمَا دَلَّ الطلوع على الغروب)
يا هذا الطالب حييت فَبَادِرْ , وَالْفَضَائِلُ مُعْرِضَةٌ فَثَابِرْ , اتْرُكِ الْهَوَى مَحْمُودًا , قبل أن يتركك مَذْمُومًا , إِنْ فَاتَتْكَ قَصَبَاتُ السَّبْقِ فِي الْوَلايَةِ , فلا تفوتنك
стр. 132
سَاعَاتُ النَّدَمِ فِي الإِنَابَةِ , آهٍ لِلِسَانٍ نَطَقَ بِإِثْمٍ كَيْفَ غَفَلَ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ نختم على أفواههم﴾ آهٍ لَيَدٍ امْتَدَّتْ لِلْحَرَامِ كَيْفَ نَسِيَتْ: ﴿وَتُكَلِّمُنَا أيديهم﴾ آهٍ لَقَدَمٍ سَعَتْ فِي الآثَامِ كَيْفَ لَمْ تتدبر: ﴿وتشهد أرجلهم﴾ آه لجسد ربا عَلَى الرِّبَا , أَمَا سَمِعَ مُنَادِيَ التَّحْذِيرِ عَلَى ربى: ﴿فلا يربو عند الله﴾ آهٍ لِذِي فَمٍ فَغَرَهُ لِتَفْرِيغِ كَأْسِ الْخَمْرِ , أما بلغه زجر: ﴿فاجتنبوه﴾ .
(قَدْ كَانَ عُمْرُكَ مِيلا ... فَأَصْبَحَ الْمِيلُ شِبْرَا)
(وَأَصْبَحَ الشِّبْرُ عُقْدًا ... فَاحْفِرْ لِنَفْسِكَ قَبْرَا)
يَا مَنْ رَاحَ فِي الْمَعَاصِي وَغَدَا , وَيَقُولُ: سَأَتُوبُ الْيَوْمَ أَوْ غَدًا , كَيْفَ تَجْمَعُ قَلْبًا قَدْ صَارَ فِي الْهَوَى مُبَدَّدًا , كَيْفَ تُلِينُهُ وَقَدْ أَمْسَى بِالْجَهْلِ جَلْمَدًا , كَيْفَ تَحُثُّهُ وَقَدْ رَاحَ بِالشَّهَوَاتِ مُقَيَّدًا , لَقَدْ ضَاعَ قَلْبُكَ فَاطْلُبْ لَهُ ناشدا , تفكر بأي وجه تتلقى اردى , تَذَكَّرْ لَيْلَةَ تَبِيتُ فِي الْقَبْرِ مُنْفَرِدًا:
(أَيُّهَا الْمَشْغُوفُ بِالدُّنْيَا ... صُبُوًّا وَغَرَامَا)
(أَبَدًا هِيَ أَبَدًا تبطن ... في الشهد سماما)
(تخضع الراضع بالدرر ... وَتُنْسِيهِ الْفِطَامَا)
(فَإِذَا هَزَّ بِوَعْظٍ ... صَمَّ عَنْهُ وَتَعَامَى)
(فَهُوَ كَالشَّاكِي الَّذِي يَزْدَادُ ... بِالطِّبِّ سِقَامَا)
(وَكَمِثْلِ الطِّفْلِ فِي الْمَهْدِ إِذَا حُرِّكَ نَامَا ... )
سَجْعٌ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى
﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يجز به﴾ يَا مُعْرِضًا عَنِ الْهُدَى لا يَسْعَى فِي طَلَبِهِ , يَا مَشْغُولا بِلَهْوُهِ مَفْتُونًا بِلُعَبِهِ , يَا مَنْ قَدْ صَاحَ بِهِ الْمَوْتُ عِنْدَ أَخْذِ صاحبه ﴿من يعمل سوءا يجز به﴾ .
جُزْ عَلَى قَبْرِ الصَّدِيقِ , وَتَلَمَّحْ آثَارَ الرَّفِيقِ , يُخْبِرْكَ عَنْ حُسْنِهِ الأَنِيقُ , أَنَّهُ
стр. 133
اسْتُلِبَ بِكَفِّ التَّمْزِيقِ , هَذَا لَحْدُهُ وَأَنْتَ غَدًا به ﴿من يعمل سوءا يجز به﴾ .
كَمْ نُهِيَ عَنِ الْخَطَايَا وَمَا انْتَهَى , وَكَمْ زجرته الدنيا وهو يسعى لها , هذا ركنه الْقَوِيمُ قَدْ وَهَى , وَهَا أَنْتَ فِي سَلْبِهِ ﴿من يعمل سوءا يجز به﴾ .
أَيْنَ مَنْ عَتَا وَظَلَمَ , وَلَقِيَ النَّاسُ مِنْهُ الأَلَمَ , اقْتَطَعَهُ الرَّدَى اقْتِطَاعَ الْجَلَمِ , فَمَا نَفَعَهُ مَا جَمَعَهُ , لا وَاللَّهِ وَلَمْ يَدْفَعْ عَنْهُ عِزُّ مَنْصِبِهِ ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ .
بَاتَ فِي لَحْدِهِ أَسِيرًا , لا يَمْلِكُ مِنَ الدُّنْيَا نَقِيرًا , بَلْ عَادَ بِوِزْرِ ذَنْبِهِ عَقِيرًا , وَأَصْبَحَ مِنْ مَالِهِ فَقِيرًا عَلَى عِزِّ نَسَبِهِ وَكَثْرَةِ نَشَبِهِ ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ .
اللذات تفنى عن قَلِيلٍ وَتَمُرُّ , وَآخِرُ الْهَوَى الْحُلْوِ مَرٌّ وَلَيْسَ فِي الدُّنْيَا شَيْءٌ يُسِرُّ إِلا يَغُرُّ وَيَضُّرُ , ثُمَّ يَخْلُو ذُو الزَّلَلِ بِمُكْتَسَبِهِ ﴿مَنْ يَعْمَلْ سوءا يجز به﴾ .
الْكِتَابُ يَحْوِي حَتَّى النَّظْرَةِ , وَالْحِسَابُ يَأْتِي عَلَى الذَّرَّةِ , وَخَاتِمَةُ كَأْسِ اللَّذَّاتِ
مُرَّةٌ , وَالأَمْرُ جَلِيٌّ لِلْفُهُومِ مَا يُشْتَبَهُ ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ به﴾ .
تَقُومُ فِي حَشْرِكَ ذَلِيلا , وَتَبْكِي عَلَى الذُّنُوبِ طَوِيلا , وَتَحْمِلُ عَلَى ظَهْرِكَ وِزْرًا ثَقِيلا , وَالْوَيْلُ لِلْعَاصِي مِنْ قَبِيحِ مُنْقَلَبِهِ ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يجز به﴾ .
يُجْمَعُ النَّاسُ كُلُّهُمْ فِي صَعِيدٍ , وَيَنْقَسِمُونَ إِلَى شَقِيٍّ وَسَعِيدٍ , فَقَوْمٌ قَدْ حَلَّ بِهِمُ الْوَعِيدُ , وَقَوْمٌ قِيَامَتُهُمْ نُزْهَةٌ وَعِيدٌ , وَكُلُّ عَامِلٍ يَغْتَرِفُ مِنْ مَشْرَبِهِ. ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ .
إِنَّمَا يَقَعُ الْجَزَاءُ عَلَى أَعْمَالِكَ , وَإِنَّمَا تَلْقَى غَدًا غِبَّ أَفْعَالِكَ وَقَدْ قَصَدْنَا إِصْلاحَ حَالِكَ , فَإِنْ كُنْتَ مُتَيَقِّظًا فَاعْمَلْ لِذَلِكَ وَإِنْ كُنْتَ نَائِمًا فَانْتَبِهْ ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ .
стр. 134
المجلس العاشر
فِي قِصَّةِ لُوطٍ ﵇
الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي أَحْكَمَ الأَشْيَاءَ كُلَّهَا صُنْعًا , وَتَصَرَّفَ كَمَا شَاءَ إِعْطَاءً وَمَنْعًا , أَنْشَأَ الآدَمِيَّ مِنْ قَطْرَةٍ فَإِذَا هُوَ يَسْعَى , وَخَلَقَ لَهُ عَيْنَيْنِ لِيُبْصِرَ الْمَسْعَى , وَوَالَى لَدَيْهِ النِّعَمَ وَتْرًا وَشَفْعًا , وَضَمَّ إاليه زَوْجَةً تُدَبِّرُ أَمْرَ الْبَيْتِ وَتَرْعَى , وَأَبَاحَهُ مَحَلَّ الْحَرْثِ وَقَدْ فَهِمَ مَقْصُودَ الْمَرْعَى , فَتَعَدَّى قَوْمٌ إِلَى الْفَاحِشَةِ الشَّنْعَا , وَعَدُّوا سِتًّا سَبْعًا , فَرُجِمُوا بِالْحِجَارَةِ فَلَوْ رَأَيْتَهُمْ صَرْعَى ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لوطاً سيء بهم وضاق بهم ذرعاً﴾ .
أَحْمَدُهُ مَا أَرْسَلَ سَحَابًا وَأَنْبَتَ زَرْعًا , وَأُصَلِّي عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ أَفْضَلِ نَبِيٍّ عَلَّمَ أُمَّتَهُ شَرْعًا , وَعَلَى أَبِي بَكْرٍ الَّذِي كَانَتْ نَفَقَتُهُ لِلإِسْلامِ نَفْعًا وَعَلَى عُمَرَ ضَيْفِ الإِسْلامِ بِدَعْوَةِ الرَّسُولِ الْمُسْتَدْعَى وَعَلَى عُثْمَانَ الَّذِي ارْتَكَبَ مِنْهُ الْفُجَّارُ بِدَعًا , وَعَلَى عَلِيٍّ الَّذِي يُحِبُّهُ أَهْلُ السُّنَّةِ طَبْعًا , وَعَلَى الْعَبَّاسِ أَبِي الْخُلَفَاءِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ قَطْعًا.
قَالَ اللَّهُ : ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذرعاً﴾
هو لوط بن هاران بن تارخ , هو ابْنُ أَخِي إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ ﵇ , وَقَدْ آمَنَ بِهِ وَهَاجَرَ مَعَهُ إِلَى الشَّامِ بَعْدَ نَجَاتِهِ مِنَ النَّارِ , وَاخْتَتَنَ لُوطٌ مَعَ إِبْرَاهِيمَ وَهُوَ ابْنُ ثَلاثٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً , فَنَزَلَ إِبْرَاهِيمُ فِلَسْطِينَ وَنَزَلَ لُوطٌ الأُرْدُنَّ.
فَأَرْسَلَ اللَّهُ تَعَالَى لُوطًا إِلَى أَهْلِ سَدُومَ , وَكَانُوا مَعَ كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ يَرْتَكِبُونَ الْفَاحِشَةَ فَدَعَاهُمْ إِلَى عبادة الله ونهاهم عن الفاحشة. لم يزدهم ذلك
стр. 135
إِلا عُتُوًّا. فَدَعَا اللَّهَ أَنْ يَنْصُرَهُ عَلَيْهِمْ , فَبَعَثَ اللَّهُ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ فَأَقْبَلُوا مُشَاةً فِي صُورَةِ رِجَالٍ شَبَابٍ , فَنَزَلُوا عَلَى إِبْرَاهِيمَ فَقَامَ يَخْدِمُهُمْ , وَقَدَّمَ إِلَيْهِمُ الطَّعَامَ فلم يأكلوا , فقالوا: لا نأكل طعاماً إلى بِثَمَنِهِ. قَالَ: فَإِنَّ لَهُ ثَمَنًا. قَالُوا: مَا هُوَ؟ قَالَ: تَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى
عَلَى أَوَّلِهِ وَتَحْمَدُونَهُ عَلَى آخِرِهِ. فَنَظَرَ جِبْرِيلُ إِلَى مِيكَائِيلَ وَقَالَ: حَقٌّ لِهَذَا أَنْ يَتَّخِذَهُ اللَّهُ خَلِيلا!
فَلَمَّا رَأَى امْتِنَاعَهُمْ خَافَ أَنْ يَكُونُوا لُصُوصًا , فَقَالُوا: " لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قوم لوط " فَضَحِكَتْ سَارَّةُ تَعَجُّبًا وَقَالَتْ: نَخْدِمُهُمْ بِأَنْفُسِنَا وَلا يَأْكُلُونَ طَعَامَنَا! فَقَالَ جِبْرِيلُ: أَيَّتُهَا الضَّاحِكَةُ أَبْشِرِي بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ , وَكَانَتْ بِنْتَ تِسْعِينَ سَنَةً وَإِبْرَاهِيمُ ابْنَ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً.
فَلَمَّا سَكَنَ رَوْعُ إِبْرَاهِيمَ وَعَلِمَ أَنَّهُمْ مَلائِكَةٌ أخذ يناظرهم , فقال: أتهلكون قرية
فيها أربعمائة مؤمن؟ قالوا: لا. قال: ثلاثمائة؟ قَالُوا: لا. قَالَ: مِائَتَانِ؟ قَالُوا: لا. قَالَ: أَرْبَعُونَ؟ قَالُوا: لا. قَالَ: أَرْبَعَةَ عَشَرَ؟ قَالُوا: لا. وَكَانَ يَعُدُّهُمْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ مَعَ امْرَأَةِ لوط. فقال: إن فيها لوطاً. قالوا: نحن أعلم بمن فيها. فَسَكَتَ وَاطْمَأَنَّتْ نَفْسُهُ. ثُمَّ خَرَجُوا مِنْ عِنْدِهِ فَجَاءُوا إِلَى لُوطٍ وَهُوَ فِي أَرْضٍ لَهُ يَعْمَلُ , فَقَالُوا: إِنَّا مُتَضَيِّفُونَ اللَّيْلَةَ بِكَ. فَانْطَلَقَ بِهِمْ وَالْتَفَتَ إِلَيْهِمْ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ فَقَالَ: أَمَا تَعْلَمُونَ مَا يَعْمَلُ أَهْلُ هَذِهِ الْقَرْيَةِ؟ وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَخْبَثَ مِنْهُمْ!
فَلَمَّا دَخَلُوا مَنْزِلَهُ انْطَلَقَتِ امْرَأَتُهُ فَأَخْبَرَتْ قومها.
قوله تعالى: ﴿سيء بهم﴾ أَيْ سَاءَهُ مَجِيءُ الرُّسُلِ , لأَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْهُمْ وَخَافَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَوْمِهِ ﴿وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ قَالَ الزَّجَّاجُ: يُقَالُ ضَاقَ بِفُلانٍ أَمْرُهُ ذَرْعًا إِذَا لَمْ يَجِدْ مِنَ الْمَكْرُوهِ مَخْلَصًا. وَقَالَ ابْنُ الأَنْبَارِيِّ: ضَاقَ بِهِمْ وِسْعُهُ , فَنَابَ الذَّرْعُ عن الوسع ﴿وقال هذا يوم عصيب﴾ يُقَالُ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ [وَعَصَبْصَبٌ] إِذَا كَانَ شديداً.
стр. 136
﴿وجاءه قومه يهرعون إليه﴾ قَالَ الْكِسَائِيُّ وَالْفَرَّاءُ: لا يَكُونُ الإِهْرَاعُ إِلا إِسْرَاعًا مَعَ رِعْدَةٍ. قَالَ ابْنُ الأَنْبَارِيِّ: الإِهْرَاعُ فِعْلٌ وَاقِعٌ بِالْقَوْمِ , وَهُوَ لَهُمْ فِي الْمَعْنَى ,
كَمَا قَالَتِ الْعَرَبُ: قَدْ أُولِعَ الرَّجُلُ بِالأَمْرِ فَجَعَلُوهُ مَفْعُولا وَهُوَ صَاحِبُ الْفِعْلِ , وَمِثْلُهُ: " أُرْعِدَ زيد " و " سهى عَمْرٌو " مِنَ السَّهْوِ. كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الأَفَاعِيلِ خَرَجَ الاسْمُ مَعَهُ مُقَدَّرًا تَقْدِيرَ الْمَفْعُولِ , وَهُوَ صَاحِبُ الْفِعْلِ لا يُعْرَفُ لَهُ فَاعِلٌ غيره.
قوله تعالى: ﴿ومن قبل﴾ أي مجيء الأضياف ﴿كانوا يعملون السيئات﴾ فقال لوط: ﴿هؤلاء بناتي﴾ يَعْنِي النِّسَاءَ وَلِكَوْنِهِنَّ مِنْ أُمَّتِهِ صَارَ كَالأَبِّ لهن ﴿أطهر لكم﴾ أي أحل ﴿فاتقوا الله﴾ أَيِ احْذَرُوا عُقُوبَتَهُ ﴿وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي﴾ أَيْ لا تَفْعَلُوا بِهِمْ فِعْلا يُوجِبُ حَيَائِي ﴿أليس منكم رجل رشيد﴾ فَيَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ ﴿قَالُوا: لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ﴾ أَيْ مِنْ حَاجَةٍ ﴿وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ أَيْ إِنَّمَا نُرِيدُ الرِّجَالَ لا النِّسَاءَ. قَالَ: ﴿لو أن لي بكم قوة﴾ أَيْ جَمَاعَةً أَقْوَى بِهِمْ عَلَيْكُمْ ﴿أَوْ آوِي إلى ركن شديد﴾ أَيْ إِلَى عَشِيرَةٍ مَنِيعَةٍ. وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا لأَنَّهُ كَانَ قَدْ أَغْلَقَ بَابَهُ وَهُمْ يُعَالِجُونَ الْبَابَ وَيَرُومُونَ تَسَوُّرَ الْجِدَارِ فَلَمَّا رَأَتِ الْمَلائِكَةُ مَا يَلْقَى مِنَ الْكَرْبِ ﴿قَالُوا: يَا لُوطُ إنا رسل ربك﴾ فَافْتَحِ الْبَابَ وَدَعْنَا وَإِيَّاهُمْ. فَفَتَحَ الْبَابَ وَدَخَلُوا. وَاسْتَأْذَنَ جِبْرِيلُ رَبَّهُ فِي عُقُوبَتِهِمْ فَأَذِنَ [لَهُمْ] فَضَرَبَ بِجَنَاحِهِ وُجُوهَهُمْ فَأَعْمَاهُمْ فَانْصَرَفُوا يَقُولُونَ النَّجَاءَ النَّجَاءَ إِنَّ فِي دَارِ لُوطٍ أَسْحَرَ قَوْمٍ فِي الأَرْضِ. وَجَعَلُوا يَقُولُونَ: يَا لُوطُ كَمَا أَنْتَ حَتَّى تُصْبِحَ. [يُوعِدُونَهُ] . فَقَالَ لهم لوط: متى موعد هلاكهم؟ قالوا: لصبح. قَالَ لَوْ أَهْلَكْتُمُوهُمُ الآنَ؟ فَقَالُوا: أَلَيْسَ الصُّبْحُ بقريب!
ثم قالت له الملائكة: " فأسر بأهلك ". فَخَرَجَ بِامْرَأَتِهِ وَابْنَتَيْهِ وَأَهْلِهِ وَبَقَرِهِ وَغَنَمِهِ ﴿بِقِطْعٍ من الليل﴾ أَيْ بِبَقِيَّةٍ تَبْقَى مِنْ آخِرِهِ.
стр. 137
وَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى جِبْرِيلَ: تَوَلَّ هَلاكَهُمْ. فَلَمَّا طَلَعَ الْفَجْرُ غَدَا عَلَيْهِمْ جِبْرِيلُ ﵇ فاحتمل بلادهم على جناحه , وكان خَمْسَ قُرَى أَعْظَمُهَا سَدُومُ , فِي كُلِّ قَرْيَةٍ مِائَةُ أَلْفٍ , فَلَمْ يَنْكَسِرْ فِي وَقْتِ رَفْعِهِمْ إِنَاءٌ , ثُمَّ صَعِدَ بِهِمْ
حَتَّى خَرَجَ الطَّيْرُ فِي الْهَوَاءِ لا يَدْرِي أَيْنَ يَذْهَبُ وَسَمِعَتِ الْمَلائِكَةُ نُبَاحَ كِلابِهِمْ , ثُمَّ كَفَأَهَا عَلَيْهِمْ وَسَمِعُوا وَجْبَةً شَدِيدَةً , فَالْتَفَتَتِ امْرَأَةُ لُوطٍ فَرَمَاهَا جِبْرِيلُ بِحَجَرٍ , فَقَتَلَهَا , ثُمَّ صَعِدَ حَتَّى أَشْرَفَ عَلَى الأَرْضِ ثُمَّ جَعَلَ يَتْبَعُ مُسَافِرَهُمْ وَرُعَاتَهُمْ وَمَنْ تَحَوَّلَ عَنِ الْقَرْيَةِ , فَرَمَاهُمْ بِالْحِجَارَةِ حَتَّى قَتَلَهُمْ. وَكَانَتِ الْحِجَارَةُ مِنْ سِجِّيلٍ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: هو الشديد الصلب من الحجارة " مسومة ". أَيْ مُعَلَّمَةً قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ الْحَجَرُ أَسْوَدُ وَفِيهِ نُقْطَةٌ بَيْضَاءُ. وَقَالَ الرَّبِيعُ: كَانَ عَلَى كُلِّ حَجَرٍ مِنْهَا اسْمُ صَاحِبِهِ. وَحَكَى عَنْ مَنْ رَآهَا قَالَ: كَانَتْ مِثْلَ رُءُوسِ الإِبِلِ وَمِثْلَ قَبْضَةِ الرَّجُلِ.
﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظالمين ببعيد﴾ تَخْوِيفٌ لِلْمُخَالِفِينَ.
أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ أَنْبَأَنَا ابْنُ الْمُذْهِبِ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ , حَدَّثَنَا عَبْدُ الله ابن أَحْمَدَ , حَدَّثَنِي أَبِي , حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَلْعُونٌ مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ ".
وَرَوَى أَنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ نَقَلَهُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ حَتَّى يَحْشُرَهُ مَعَهُمْ ".
فَلْتَحْذَرْ مَغَبَّةَ الخطايا والذنوب فإنها بصاحبها إلى الغضب تؤوب , الْحَذَرَ الْحَذَرَ مِنْ عَلامِ الْغُيُّوبِ.
الْكَلامُ عَلَى الْبَسْمَلَةِ
(يَا عَامِرًا لِخَرَابِ الدَّهْرِ مُجْتَهِدًا ... تَاللَّهِ مَا لِخَرَابِ الدَّهْرِ عُمْرَانُ)
стр. 138
(وَكُلُّ وِجْدَانِ حَظٍّ لا ثَبَاتَ لَهُ ... فَإِنَّ مَعْنَاهُ فِي التَّحْقِيقِ فُقْدَانُ)
(صُنِ الْفُؤَادَ عَنِ الدُّنْيَا وَزُخْرُفِهَا ... فَصَفْوُهَا كَدَرٌ وَالْوَصْلُ هُجْرَانُ)
يَا هَذَا الأَيَّامُ ثَلاثَةٌ: أَمْسِ قَدْ مَضَى بِمَا فِيهِ , وَغَدًا لَعَلَّكَ لا تُدْرِكُهُ , وَإِنَّمَا هُوَ
يَوْمُكَ هَذَا فَاجْتَهِدْ فِيهِ. للَّهِ دَرُّ مَنْ تَنَبَّهَ لِنَفْسِهِ وَتَزَوَّدَ لِرَسْمِهِ، وَاسْتَدْرَكَ مَا مَضَى من أمسه قبل طول حبسه.
(فَيَا جَامِعَ الدُّنْيَا لِغَيْرِ بَلاغَةٍ ... سَتَتْرُكُهَا , فَانْظُرْ لِمَنْ أَنْتَ جَامِعُ)
(لَوْ أَنَّ ذَوِي الأَبْصَارِ يُوعُونَ كُلَّ مَا ... يَرَوْنَ لَمَا جَفَّتْ لِعَيْنٍ مَدَامِعُ)
(وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا مُنَاهُ وَهَمَّهُ ... سَبَاهُ الْمُنَى وَاسْتَعْبَدَتْهُ الْمَطَامِعُ)
يَا نَائِمًا فِي لَهْوِهِ وما نام الحافظ , لاحظ نور الهدى فلاحظ إِلا لِلْمُلاحِظِ , وَحَافِظْ عَلَى التُّقَى فَقَدْ فَازَ المحافظ , وخذ حذرك فقد أنذرك العاتبان الْغَلائِظُ , وَلا تَغْتَرَّ بِبَرْدِ الْعَيْشِ فَزَمَانُ الْحِسَابِ قَائِظٌ , وَتَذَكَّرْ وَقْتَ الرِّحْلَةِ حَمْلَ الثَّقِيلِ الْبَاهِظِ , وَلا تَلْتَفِتْ إِلَى الْمَادِحِ فَكَمْ قَدْ ضَرَّ مَدْحٌ قَارِظٌ , وَتَيَقَّظْ لِلْخَلاصِ فَمَا يَنْجُو إِلا مُتَيَاقِظٌ , يَا مُدَبِّرًا أَمْرَ دُنْيَاهُ وَنَسِيَ أُخْرَاهُ فَخَفَّفَ النِّدَاءَ اللافِظَ , عَجَائِبُ الدَّهْرِ تُغْنِي عَنْ وَعْظِ كُلِّ وَاعِظٍ:
(أَلِلْعُمْرِ فِي الدُّنْيَا تَجِدُّ وتعمر ... وأنت غداً فيها تموت وتقبر)
(تلقع آمااً وَتَرْجُو نِتَاجَهَا ... وَعُمْرُكَ مِمَّا قَدْ تُرْجِيهِ أَقْصَرُ)
(وهذا صباح اليوم ينعاك ضوؤه ... وَلَيْلَتُهُ تَنْعَاكَ إِنْ كُنْتَ تَشْعُرُ)
(تَحُومُ عَلَى إِدْرَاكِ مَا قَدْ كُفِيتَهُ ... وَتُقْبِلُ بِالآمَالِ فِيهِ وَتُدْبِرُ)
(وَرِزْقُكَ لا يَعْدُوكَ إِمَّا مُعَجَّلٌ ... عَلَى حَالِهِ يَوْمًا وَإِمَّا مُؤَخَّرُ)
(فَلا تَأْمَنِ الدُّنْيَا إِذَا هِيَ أَقْبَلَتْ ... عَلَيْكَ فَمَا زَالَتْ تَخُونُ وَتَغْدِرُ)
(فَمَا تَمَّ فِيهَا الصَّفْوُ يَوْمًا لأَهْلِهِ ... وَلا الرِّفْقُ إِلا رَيْثَمَا يَتَغَيَّرُ)
(تَذَكَّرْ وَفَكِّرْ فِي الَّذِي أَنْتَ صَائِرٌ ... إِلَيْهِ غَدًا إِنْ كُنْتَ مِمَّنْ يُفْكِرُ)
(فَلا بُدَّ يَوْمًا أَنْ تَصِيرَ لِحُفْرَةٍ ... بِأَثْنَائِهَا تُطْوَى إِلَى يَوْمِ تُحْشَرُ)
стр. 139
إِخْوَانِي: تَدَبَّرُوا الأُمُورَ تَدُبَّرَ نَاظِرٍ , وَأَصْغُوا إِلَى نَاصِحِكُمْ وَالْقَلْبُ حَاضِرٌ , وَاحْذَرُوا غَضَبَ الْحَلِيمِ وَهَتْكَ السَّاتِرِ , وَتَأَهَّبُوا للحِمام فَسُيُوفُهُ بَوَاتِرُ , وَهَاجِرُوا إِلَى دَارِ الإِنَابَةِ بِهِجْرَانِ الْجَرَائِرِ , وَصَابِرُوا عَدُوَّكُمْ مُصَابَرَةَ صابر , وتهيأوا لِلرَّحِيلِ إِلَى عَسْكَرِ الْمَقَابِرِ , قَبْلَ أَنْ يَبُلَّ وَابِلُ الدُّمُوعِ ثَرَى الْمَحَاجِرِ , وَيَنْدَمَ الْعَاصِي وَيَخْسَرَ الْفَاجِرُ , وَيَتَكَاثَفَ الْعَرَقُ وَتَقَوَى الْهَوَاجِرُ , وَتَصْعَدَ الْقُلُوبُ إِلَى أَعْلَى الْحَنَاجِرِ , وَيَعُزَّ الأَمْنُ وَيُعْرِضَ النَّاصِرُ , وَيَفْرَحَ الْكَامِلُ وَيَحْزَنَ الْقَاصِرُ , وَيَفُوتَ اكْتِسَابُ الْفَضَائِلِ وَتَحْصِيلُ الْمَفَاخِرِ , فَتَأَمَّلُوا عَوَاقِبَ مَصِيرِكُمْ فَاللَّبِيبُ يَرَى الآخِرَ.
(وَقَائِلَةٍ لَوْ كُنْتَ تَلْتَمِسُ الْغِنَى ... رَشَدْتَ , وَمَا أَوْصَتْ بِمَا كَانَ رَاشِدَا)
(أَبَى النَّاسُ إِلا حُبَّ دُنْيَا ذَمِيمَةٍ ... تُقَضَّى وَيَأْبَى الْمَوْتُ إِلا التَّزَوُّدَا)
(فَقُلْتُ سَلِي عَنْ ذِي الثَّرَاءِ تُخَبَّرِي ... وَذِي الْمُلْكِ بَعْدَ الْمُلْكِ مَاذَا تَوَسَّدَا)
(يَمُرُّونَ أَرْسَالا وَنَضْحَى كَأَنَّنَا ... لِمَا نَالَهُمْ بِالأَمْسِ لَمْ نَكُ شُهَّدَا)
(فَهَلْ يَنْفَعُنَا مَا نَرَى أو يَرُوعَنَا ... وَهَلْ نَذْكُرَنَّ الْيَوْمَ مَنْزِلَنَا غَدَا)
أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ عَلِيٍّ , حَدَّثَنَا الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ السمناني , حدثنا أبو الحسن ابن الصَّامِتِ , حَدَّثَنَا الْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَحَامِلِيُّ , حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى , حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ , حَدَّثَنَا الْجُنَيْدُ بْنُ أَبِي الْعَلاءِ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ , عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ , عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ , عَنْ عَلِيٍّ الدَّقَّاقِ , عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " تَفَرَّغُوا مِنَ الدُّنْيَا مَا اسْتَطَعْتُمْ , فَإِنَّهُ مَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ همه أفشى اللَّهُ ضَيْعَتَهُ وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ , وَمَنْ كَانَتِ الآخِرَةُ أَكْبَرَ هَمِّهِ جَمَعَ اللَّهُ لَهُ أُمُورَهُ وَجَعَلَ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ , وَمَا أَقْبَلَ عَبْدٌ بِقَلْبِهِ إِلَى اللَّهِ إِلا جَعَلَ اللَّهُ قُلُوبَ الْمُؤْمِنِينَ تُقْبِلُ إِلَيْهِ بِالْوُدِّ وَالرَّحْمَةِ , وَكَانَ اللَّهُ إِلَيْهِ بِكُلِّ خَيْرٍ أَسْرَعَ ".
أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ , أَنْبَأَنَا رِزْقُ اللَّهِ , أَنْبَأَنَا ابْنُ شَاذَانَ , أَنْبَأَنَا أَبُو جعفر
ابن يَزِيدَ , أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ الْقُرَشِيُّ , أَنْبَأَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ , حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ , حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ , عَنْ زَيْدٍ الشَّامِيِّ , عَنْ مُهَاجِرٍ الْعَامِرِيِّ , قَالَ قَالَ
стр. 140
عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁: إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ اثْنَتَانِ: اتِّبَاعُ الْهَوَى وَطُولُ الأَمَلِ. فَأَمَّا اتِّبَاعُ الْهَوَى فَيَصُدُّ عَنِ الْحَقِّ , وَأَمَّا طُولُ الأَمَلِ فَيُنْسِي الآخِرَةَ , أَلا وَإِنَّ الآخِرَةَ قَدِ ارْتَحَلَتْ مُقْبِلَةً أَلا وَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ وَلَّتْ مُدْبِرَةً , وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بَنُونَ , فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الآخِرَةِ وَلا تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا , فَإِنَّ الْيَوْمَ عَمَلٌ وَلا حِسَابَ , وَغَدًا حِسَابٌ وَلا عَمَلَ.
(يَا صِحَاحَ الأَجْسَادِ كَيْفَ بَطَلْتُمْ ... لا لِعُذْرٍ عَنْ صَالِحِ الأَعْمَالِ)
(لَوْ عَلِمْتُمْ أَنَّ الْبَطَالَةَ تُجْدِي ... حَسْرَةً فِي مَعَادِكُمْ وَالْمَآلِ)
(لَتَبَادَرْتُمْ إِلَى مَا يَقِيكُمْ ... مِنْ جَحِيمٍ فِي بَعْثِكُمْ وَنَكَالِ)
(إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ غُرُورٌ ... أَبَدًا تُطْمِعُ الْوَرَى فِي الْمُحَالِ)
(كَيْفَ يَهْنِيكُمُ الْقَرَارُ وَأَنْتُمْ ... بَعْدَ تَمْهِيدِكُمْ عَلَى الارْتِحَالِ)
(الْهُدَى وَاضِحٌ فَلا تَعْدِلُوا عَنْهُ ... وَلا تَسْلُكُوا سَبِيلَ الضَّلالِ)
(وَأَنِيبُوا قَبْلَ الْمَمَاتِ وَتُوبُوا ... تَسْلَمُوا فِي غَدٍ مِنَ الأَهْوَالِ)
الْكَلامُ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى
﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أبصارهم﴾ اعْلَمُوا أَنَّ إِطْلاقَ الْبَصَرِ سَبَبٌ لأَعْظَمِ الْفِتَنِ , وَهَذَا الْقُرْآنُ يَأْمُرُكَ بِاسْتِعْمَالِ الْحِمْيَةِ عَنْ مَا هُوَ سَبَبُ الضَّرَرِ , فَإِذَا تَعَرَّضْتَ بِالتَّخْلِيطِ فَوَقَعْتَ إِذًا فِي أَذًى , فَلَمْ تَضِجَّ مِنْ أَلِيمِ الألم.
أخبرنا إسماعيل ابن أحمد المقري , وعبيد الله بن محمد القاضي , ويحيى ابن عَلِيٍّ الْمُدَبّرُ , قَالُوا: أَنْبَأَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ النَّقُّورِ , أَنْبَأَنَا ابْنُ حُبَابَةَ , حَدَّثَنَا الْبَغَوِيُّ , حَدَّثَنَا هُدْبَةُ ,
حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ , عن سلمة ابن أبي الطفيل , عن علي ﵇ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " يَا عَلِيُّ إِنَّ لَكَ فِي الْجَنَّةِ كَنْزًا , وَإِنَّكَ ذُو قَرْنَيْهَا , فَلا تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النظرة , فإن
стр. 141
لَكَ الأُولَى وَلَيْسَتْ لَكَ الآخِرَةُ ".
فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِشْكَالٌ مِنْ أَرْبَعَةِ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: مِنْ حَيْثُ إِسْنَادِهِ , فَرُبَّمَا خُيِّلَ إِلَى السَّامِعِ أَنَّهُ قَدْ سَقَطَ مِنْهُ رَجُلٌ , لأَنَّهُ إِذَا سَمِعَ سَلَمَةَ بْنَ أَبِي الطُّفَيْلِ , عَنْ عَلِيٍّ , وَقَدْ عَرَفَ أَنَّ أَبَا الطُّفَيْلِ يَرْوِي عَنْ عَلِيٍّ يَظُنُّ ذَلِكَ بَلْ هُوَ صَحِيحٌ. وَسَلَمَةُ يَرْوِي عَنْ عَلِيٍّ أَيْضًا.
وَالثَّانِي: الْكِنَايَةُ فِي قَوْلِهِ: " وَإِنَّكَ ذُو قَرْنَيْهَا " وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا كِنَايَةٌ عَنْ هَذِهِ الأُمَّةِ , كَنَّى عَنْهَا مِنْ غَيْرِ ذِكْرٍ تَقَدَّمَ لَهَا كَمَا قَالَ اللَّهُ : ﴿حتى توارت بالحجاب﴾ يَعْنِي الشَّمْسَ , وَلَمْ يَتَقَدَّمْ لَهَا ذِكْرٌ. وَالثَّانِي: عَنِ الْجَنَّةِ.
وَالثَّالِثُ: يَعْنِي تَسْمِيَتَهُ بِذِي الْقَرْنَيْنِ وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: إِنْ قُلْنَا إِنَّ الْكِنَايَةَ عَنِ الأُمَّةِ فَإِنَّ عَلِيًّا ﵇ ضُرِبَ عَلَى رَأْسِهِ فِي اللَّهِ ضَرْبَتَيْنِ الأُولَى ضَرْبَةُ عَمْرِو بْنِ وَدٍّ وَالثَّانِيَةُ ابْنِ مُلْجِمٍ , كَمَا ضُرِبَ ذُو الْقَرْنَيْنِ عَلَى رَأْسِهِ ضَرْبَةً بَعْدَ ضَرْبَةٍ. وَإِنْ قُلْنَا: الْكِنَايَةُ عَنِ الْجَنَّةِ فَقَرْنَاهَا: جَانِبَاهَا. ذَكَرَهُ ابْنُ الأَنْبَارِيِّ.
وَالرَّابِعُ قَوْلُهُ: " فَلا تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ " رُبَّمَا تَخَايَلَ أَحَدٌ جَوَازَ الْقَصْدِ لِلأُولَى , وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا الأُولَى الَّتِي لَمْ تُقْصَدْ.
وَفِي أَفْرَادِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ نَظْرَةِ الْفَجْأَةِ فَقَالَ: " اصْرِفْ بَصَرَكَ ".
وَهَذَا لأَنَّ النَّظْرَةَ الأُولَى لَمْ يَحْضُرْهَا الْقَلْبُ فَلا يَتَأَمَّلُ بِهَا الْمَحَاسِنَ وَلا يَقَعُ الالْتِذَاذُ , فَمَتَى اسْتَدَامَهَا بِمِقْدَارِ حُضُورِ الذِّهْنِ كَانَتْ كَالثَّانِيَةِ فِي الإِثْمِ.
وَفِي حَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ سَعْدٍ , عَنْ عَلِيٍّ ﵇ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " يَا عَلِيُّ اتَّقِ النَّظْرَةَ بَعْدَ النَّظْرَةِ , فَإِنَّهَا سَهْمٌ مَسْمُومٌ تُورِثُ شَهْوَةً فِي الْقَلْبِ ".
стр. 142
وَرَوَى أَنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " نَظَرُ الرَّجُلِ إِلَى مَحَاسِنِ الْمَرْأَةِ سَهْمٌ مَسْمُومٌ مِنْ سِهَامِ إِبْلِيسَ , مَنْ تركه ابتغاء وجه الله أعطاه الله عِبَادَةً يَجِدُ طَعْمَ لَذَّتِهَا ".
وَكَانَ عِيسَى ﵇ يَقُولُ: النَّظْرَةُ تَزْرَعُ فِي الْقَلْبِ الشَّهْوَةَ وَكَفَى بِهَا خَطِيئَةً.
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁: مَا كَانَ مِنْ نَظْرَةٍ فَإِنَّ لِلشَّيْطَانِ فِيهَا مَطْمَعًا , وَالإِثْمُ خَرَّازُ الْقُلُوبِ. وَقَالَ: مَنْ أَطْلَقَ طَرْفَهُ كَانَ كَثِيرًا أَسَفُهُ.
وَقَدْ كَانَ السَّلَفُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ يُبَالِغُونَ فِي الاحْتِرَازِ مِنَ النَّظَرِ. وَكَانَ فِي دَارِ مُجَاهِدٍ عُلِّيَّةٌ قَدْ بُنِيَتْ , فَبَقِيَ ثَلاثِينَ سَنَةً وَلَمْ يَشْعُرْ بِهَا.
وَخَرَجَ حَسَّانُ بْنُ أَبِي سِنَانٍ يَوْمَ عِيدٍ , فَلَمَّا عَادَ قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: كَمْ مِنَ امْرَأَةٍ حَسْنَاءَ قَدْ رَأَيْتَ؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا نَظَرْتُ إِلا فِي إِبْهَامِي مُنْذُ خَرَجْتُ مِنْ عِنْدِكَ إِلَى أَنْ رَجَعْتُ إِلَيْكِ!
وَإِنَّمَا بَالَغَ السَّلَفُ فِي الغض حذراً من فتنة النظر وَخَوْفًا مِنْ عُقُوبَتِهِ.
فَأَمَّا فِتْنَتُهُ فَكَمْ مِنْ عَابِدٍ خَرَجَ عَنْ صَوْمَعِتِهِ بِسَبَبِ نَظْرَةٍ , وَكَمِ اسْتَغَاثَ مَنْ وَقَعَ فِي تِلْكَ الْفِتْنَةِ.
قَالَ إبراهيم بن صول:
(من كَانَ يُؤْتَى مِنْ عَدُوٍّ وَحَاسِدٍ ... فَإِنِّي مِنْ عَيْنَيَّ أُتِيتُ وَمِنْ قَلْبِي)
(هُمَا اعْتَوَرَانِي نَظْرَةً بَعْدَ نَظْرَةٍ ... فَمَا أَبْقَيَا لِي مِنْ رُقَادٍ وَلا لُبِّ)
وَقَالَ آخَرُ:
(وَأَنَا الَّذِي اجْتَلَبَ الْمَنِيَّةَ طَرْفُهُ ... فَمَنِ الْمُطَالَبُ وَالْقَتِيلُ الْقَاتِلُ)
وَقَالَ آخَرُ:
(عَاتَبْتُ قَلْبِي لَمَّا ... رَأَيْتُ جِسْمِي نَحِيلا)
стр. 143
(أَجَابَ قَلْبِي طَرْفِي ... وَقَالَ كُنْتَ الرَّسُولا)
(فَأَلْزَمَ الْقَلْبَ طَرْفِي ... بَلْ كُنْتَ أَنْتَ الدَّلِيلا)
(فَقُلْتُ كُفَّا جَمِيعًا ... تَرَكْتُمَانِي قَتِيلا)
وَقَالَ آخَرُ:
(يَا مَنْ يَرَى سُقْمِي يَزِيدُ ... وَعِلَّتِي تُعْيِي طَبِيبِي)
(لا تَعْجَبَنَّ فَهَكَذَا ... تَجْنِي الْعُيُونُ عَلَى الْقُلُوبِ)
وَقَالَ آخَرُ:
(لَوَاحِظُنَا تَجْنِي وَلا عِلْمَ عِنْدَهَا ... وَأَنْفُسُنَا مَأْخُوذَةٌ بِالْجَرَائِرِ)
(وَلَمْ أَرَ أَغْبَى مِنْ نُفُوسٍ عَفَائِفٍ ... تُصَدِّقُ أَخْبَارَ الْعُيُونِ الْفَوَاجِرِ)
(وَمَنْ كَانَتِ الأَجْفَانُ حُجَّابَ قَلْبِهِ ... أَذِنَّ عَلَى أَحْشَائِهِ بِالْفَوَاقِرِ)
وَقَالَ آخَرُ:
(إِذَا أَنْتَ لَمْ تَرْعَ الْبُرُوقَ اللَّوَامِحَا ... وَنِمْتَ جَرَى مِنْ تَحْتِكَ الْمَاءُ سَائِحَا)
(غَرَسْتَ الْهَوَى بِاللَّحْظِ حَتَّى احْتَقَرْتَهُ ... فَأَمْهَلْتَهُ مُسْتَأْنِسًا مُتَسَامِحَا)
(وَلَمْ تَدْرِ حَتَّى أَيْنَعَتْ شَجَرَاتُهُ ... وَهَبَّتْ رِيَاحُ الْهَجْرِ فِيهِ لَوَاقِحَا)
(وَأَمْسَيْتَ تَسْتَدْعِي مِنَ الصَّبْرِ عَازِبًا ... عَلَيْكَ وَتَسْتَدْنِي مِنَ النَّوْمِ نَازِحَا)
وَقَالَ آخَرُ:
(وَالْمَرْءُ مَا دَامَ ذَا عَيْنٍ يُقَلِّبُهَا ... فِي أَعْيُنِ الْعَيْنِ مَوْقُوفٌ عَلَى الْخَطَرِ)
(يَسُرُّ مُقْلَتَهُ مَا ضَرَّ مُهْجَتَهُ ... لا مَرْحَبًا بِسُرُورٍ جَاءَ بِالضَّرَرِ)
وَقَالَ آخَرُ:
(لأُعَذِّبَنَّ الْعَيْنَ غَيْرُ مُفَكِّرٍ ... فِيهَا جَرَتْ بِالدَّمْعِ أَوْ فَاضَتْ دَمَا)
(وَلأَهْجُرَنَّ مِنَ الرُّقَادِ لَذِيذَهُ ... حَتَّى يصير على الجفون محرما)
(سفكت دمي فلأسفكن دُمُوعَهَا ... وَهِيَ الَّتِي بَدَأَتْ فَكَانَتْ أَظْلَمَا)
(هِيَ أَوْقَعَتْنِي فِي حَبَائِلِ فِتْنَةٍ ... لَوْ لَمْ تَكُنْ نَظَرَتْ لَكُنْتُ مُسَلَّمَا)
стр. 144
وقال آخر:
(وسهام اللحظ يستحلين في وقت الوقوع ... )
(ثم يصرفن فلا يقلعن إلا عن صريع ... )
وقال آخر:
(إن كَانَ طَرْفِي أَصْلَ سُقْمِي فِي الْهَوَى ... لا أَذَاقَ اللَّهُ عَيْنِي الْوَسَنَا)
(لَوْ تَحَرَّى فِي مَرَامِي لَحْظِهِ ... يَوْمَ سَلْعٍ مَا عَنَانِي مَا عَنَا)
غَيْرُهُ:
(يَا عَيْنُ أَنْتِ قَتَلْتِنِي ... وَجَعَلْتِ ذَنْبِكِ مِنْ ذُنُوبِي)
(وَأَرَاكِ تَهْوِينَ الدُّمُوعَ ... كَأَنَّهَا رِيقُ الْحَبِيبِ)
(تَاللَّهِ أَحْلِفُ صَادِقًا ... وَالصِّدْقُ مِنْ شِيَمِ الأَرِيبِ ... )
(لَوْ مُيِّزَتْ نُوَبُ الزَّمَانِ ... مِنَ الْبَعِيدِ إِلَى الْقَرِيبِ)
(مَا كُنَّ إِلا دُونَ مَا ... جَنَتِ الْعُيُونُ عَلَى الْقُلُوبِ)
وَأَمَّا عُقُوبَةُ النَّظَرِ فَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَجُلا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَتَشَلْشَلُ دَمًا , فَقَالَ لَهُ مالك؟ فَقَالَ: مَرَّتْ بِيَ امْرَأَةٌ فَنَظَرْتُ إِلَيْهَا فَلَمْ أَزَلْ أُتْبِعُهَا بَصَرِي فَاسْتَقْبَلَنِي جِدَارٌ فَضَرَبَنِي فَصَنَعَ بي ما ثرى. فَقَالَ: " إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَرَادَ بِعَبْدٍ خَيْرًا عَجَّلَ لَهُ عُقُوبَتَهُ فِي الدُّنْيَا ".
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ حَبِيبٍ أَنْبَأَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْحَبِيرِيُّ , أَنْبَأَنَا ابْنُ بَاكَوِيَةَ , أَنْبَأَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيُّ، عَنْ أَبِي يَعْقُوبَ النَّهْرَجُورِيِّ , قَالَ: رَأَيْتُ فِي الطَّوَافِ رَجُلا بِفَرْدِ عَيْنٍ وَهُوَ يَقُولُ فِي طَوَافِهِ: أَعُوذُ بِكَ مِنْكَ. فَقُلْتُ لَهُ: مَا هَذَا الدُّعَاءُ؟ فَقَالَ: إِنِّي كُنْتُ مُجَاوِرًا مُنْذُ خَمْسِينَ سَنَةً فَنَظَرْتُ إِلَى شَخْصٍ يَوْمًا فَاسْتَحْسَنْتُهُ , فَإِذَا بِلَطْمَةٍ وَقَعَتْ عَلَى عَيْنِي فَسَالَتْ عَلَى خَدِّي , فَقُلْتُ: آهْ. فَوَقَعَتْ أُخْرَى , وَقَائِلٌ يَقُولُ: لَوْ زِدْتَ لَزِدْنَاكَ.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَزَّازُ , أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بن علي الحافظ , قال كتب لي أبوحاتم أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الرَّازِيُّ , يَذْكُرُ أَنَّهُ سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ
стр. 145
الْحَافِظَ يَقُولُ: قَالَ أَبُو سَعِيدٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصُّوفِيُّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عِيسَى , عَنْ أَبِي الأَدْيَانِ قَالَ كُنْتُ مَعَ أُسْتَاذِي أَبِي بَكْرٍ الدَّقَّاقِ فَمَرَّ حَدَثٌ فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ , فَرَآنِي أُسْتَاذِي وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ فَقَالَ: يَا بُنَيَّ لَتَجِدَنَّ غِبَّهَا وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ. فَبَقِيَتْ عِشْرِينَ سَنَةً وَأَنَا أُرَاعِي الْغِبَّ , فَنِمْتُ لَيْلَةً وَأَنَا مُتَفَكِّرٌ فِيهِ فَأَصْبَحْتُ وَقَدْ نُسِّيتُ الْقُرْآنَ كُلَّهُ.
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الصُّوفِيُّ , أَنْبَأَنَا أَبُو سَعْدِ بْنُ أَبِي صَادِقٍ , حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الشِّيرَازِيُّ ,
أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أحمد النجار , أخبرني أَبُو بَكْرٍ الْكَتَّانِيُّ , قَالَ: رَأَيْتُ بَعْضَ أَصْحَابِي فِي الْمَنَامِ فَقُلْتُ لَهُ مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ؟ فَقَالَ: عَرَضَ عَلَيَّ سَيِّئَاتِي وَقَالَ: فَعَلْتَ كَذَا وَكَذَا؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: وَفَعَلْتَ كَذَا؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: وَفَعَلْتَ كَذَا وَكَذَا فَاسْتَحْيَيْتُ أَنْ أُقِرَّ , فَقُلْتُ لَهُ: مَا كَانَ ذَلِكَ الذَّنْبُ؟ فَقَالَ: مَرَّ بِي غُلامٌ حَسَنُ الْوَجْهِ فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الزَّرَّادِ أَنَّهُ رُئِيَ فِي الْمَنَامِ فَقِيلَ لَهُ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ؟ قَالَ: غَفَرَ لِي كُلَّ ذَنْبٍ أَقْرَرْتُ بِهِ إِلا وَاحِدًا اسْتَحْيَيْتُ أَنْ أُقِرَّ بِهِ , فَأَوْقَفَنِي فِي الْعَرَقِ حَتَّى سَقَطَ لَحْمُ وَجْهِي. قِيلَ: مَا كَانَ الذَّنْبُ؟ قَالَ: نَظَرْتُ إِلَى شَخْصٍ جَمِيلٍ.
وَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: كل عين باكية يوم القيامة إلا عين غضت عن محارم الله , وعين سهرت في سبيل الله , وعين يَخْرُجُ مِنْهَا مِثْلُ رَأْسِ الذُّبَابِ - يَعْنِي الدُّمُوعَ - مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ".
إِخْوَانِي: تَذَكَّرُوا مَصِيرَ الصُّوَرِ , وَتَفَكَّرُوا فِي نُزُولِ بَيْتِ الْمَدَرِ , وَتَلَمَّحُوا بِعَيْنِ لفكر فِي حَالِ الصَّفَا وَالْكَدَرِ , وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ فِي دَارِ الْبَلاءِ فَالْحَذَرَ الْحَذَرَ.
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَحْمَدَ الْهَاشِمِيُّ , حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ , حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ النَّيْسَابُورِيُّ , أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَاذَانَ؛ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْقُرَشِيَّ يَقُولُ: كَانَ لِي جَارٌ شَابٌّ وَكَانَ أَدِيبًا , وَكَانَ يَهْوَى غُلامًا أَدِيبًا , فَنَظَرَ يَوْمًا إِلَى طَاقَاتِ شَعَرٍ بِيضٍ فِي عَارِضَيْهِ فَوَقَعَ لَهُ شَيْءٌ مِنَ الْفِكْرِ فهجر الغلام ,
следующие страницы →