← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 26351

التبصرة لابن الجوزي

ابن الجوزي

Полный текст (793 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

لَكَ الأُولَى وَلَيْسَتْ لَكَ الآخِرَةُ ". فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِشْكَالٌ مِنْ أَرْبَعَةِ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: مِنْ حَيْثُ إِسْنَادِهِ , فَرُبَّمَا خُيِّلَ إِلَى السَّامِعِ أَنَّهُ قَدْ سَقَطَ مِنْهُ رَجُلٌ , لأَنَّهُ إِذَا سَمِعَ سَلَمَةَ بْنَ أَبِي الطُّفَيْلِ , عَنْ عَلِيٍّ , وَقَدْ عَرَفَ أَنَّ أَبَا الطُّفَيْلِ يَرْوِي عَنْ عَلِيٍّ يَظُنُّ ذَلِكَ بَلْ هُوَ صَحِيحٌ. وَسَلَمَةُ يَرْوِي عَنْ عَلِيٍّ أَيْضًا. وَالثَّانِي: الْكِنَايَةُ فِي قَوْلِهِ: " وَإِنَّكَ ذُو قَرْنَيْهَا " وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا كِنَايَةٌ عَنْ هَذِهِ الأُمَّةِ , كَنَّى عَنْهَا مِنْ غَيْرِ ذِكْرٍ تَقَدَّمَ لَهَا كَمَا قَالَ اللَّهُ : ﴿حتى توارت بالحجاب﴾ يَعْنِي الشَّمْسَ , وَلَمْ يَتَقَدَّمْ لَهَا ذِكْرٌ. وَالثَّانِي: عَنِ الْجَنَّةِ. وَالثَّالِثُ: يَعْنِي تَسْمِيَتَهُ بِذِي الْقَرْنَيْنِ وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: إِنْ قُلْنَا إِنَّ الْكِنَايَةَ عَنِ الأُمَّةِ فَإِنَّ عَلِيًّا ﵇ ضُرِبَ عَلَى رَأْسِهِ فِي اللَّهِ ضَرْبَتَيْنِ الأُولَى ضَرْبَةُ عَمْرِو بْنِ وَدٍّ وَالثَّانِيَةُ ابْنِ مُلْجِمٍ , كَمَا ضُرِبَ ذُو الْقَرْنَيْنِ عَلَى رَأْسِهِ ضَرْبَةً بَعْدَ ضَرْبَةٍ. وَإِنْ قُلْنَا: الْكِنَايَةُ عَنِ الْجَنَّةِ فَقَرْنَاهَا: جَانِبَاهَا. ذَكَرَهُ ابْنُ الأَنْبَارِيِّ. وَالرَّابِعُ قَوْلُهُ: " فَلا تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ " رُبَّمَا تَخَايَلَ أَحَدٌ جَوَازَ الْقَصْدِ لِلأُولَى , وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا الأُولَى الَّتِي لَمْ تُقْصَدْ. وَفِي أَفْرَادِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ نَظْرَةِ الْفَجْأَةِ فَقَالَ: " اصْرِفْ بَصَرَكَ ". وَهَذَا لأَنَّ النَّظْرَةَ الأُولَى لَمْ يَحْضُرْهَا الْقَلْبُ فَلا يَتَأَمَّلُ بِهَا الْمَحَاسِنَ وَلا يَقَعُ الالْتِذَاذُ , فَمَتَى اسْتَدَامَهَا بِمِقْدَارِ حُضُورِ الذِّهْنِ كَانَتْ كَالثَّانِيَةِ فِي الإِثْمِ. وَفِي حَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ سَعْدٍ , عَنْ عَلِيٍّ ﵇ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " يَا عَلِيُّ اتَّقِ النَّظْرَةَ بَعْدَ النَّظْرَةِ , فَإِنَّهَا سَهْمٌ مَسْمُومٌ تُورِثُ شَهْوَةً فِي الْقَلْبِ ".

стр. 142

وَرَوَى أَنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " نَظَرُ الرَّجُلِ إِلَى مَحَاسِنِ الْمَرْأَةِ سَهْمٌ مَسْمُومٌ مِنْ سِهَامِ إِبْلِيسَ , مَنْ تركه ابتغاء وجه الله أعطاه الله عِبَادَةً يَجِدُ طَعْمَ لَذَّتِهَا ". وَكَانَ عِيسَى ﵇ يَقُولُ: النَّظْرَةُ تَزْرَعُ فِي الْقَلْبِ الشَّهْوَةَ وَكَفَى بِهَا خَطِيئَةً. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁: مَا كَانَ مِنْ نَظْرَةٍ فَإِنَّ لِلشَّيْطَانِ فِيهَا مَطْمَعًا , وَالإِثْمُ خَرَّازُ الْقُلُوبِ. وَقَالَ: مَنْ أَطْلَقَ طَرْفَهُ كَانَ كَثِيرًا أَسَفُهُ. وَقَدْ كَانَ السَّلَفُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ يُبَالِغُونَ فِي الاحْتِرَازِ مِنَ النَّظَرِ. وَكَانَ فِي دَارِ مُجَاهِدٍ عُلِّيَّةٌ قَدْ بُنِيَتْ , فَبَقِيَ ثَلاثِينَ سَنَةً وَلَمْ يَشْعُرْ بِهَا. وَخَرَجَ حَسَّانُ بْنُ أَبِي سِنَانٍ يَوْمَ عِيدٍ , فَلَمَّا عَادَ قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: كَمْ مِنَ امْرَأَةٍ حَسْنَاءَ قَدْ رَأَيْتَ؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا نَظَرْتُ إِلا فِي إِبْهَامِي مُنْذُ خَرَجْتُ مِنْ عِنْدِكَ إِلَى أَنْ رَجَعْتُ إِلَيْكِ! وَإِنَّمَا بَالَغَ السَّلَفُ فِي الغض حذراً من فتنة النظر وَخَوْفًا مِنْ عُقُوبَتِهِ. فَأَمَّا فِتْنَتُهُ فَكَمْ مِنْ عَابِدٍ خَرَجَ عَنْ صَوْمَعِتِهِ بِسَبَبِ نَظْرَةٍ , وَكَمِ اسْتَغَاثَ مَنْ وَقَعَ فِي تِلْكَ الْفِتْنَةِ. قَالَ إبراهيم بن صول: (من كَانَ يُؤْتَى مِنْ عَدُوٍّ وَحَاسِدٍ ... فَإِنِّي مِنْ عَيْنَيَّ أُتِيتُ وَمِنْ قَلْبِي) (هُمَا اعْتَوَرَانِي نَظْرَةً بَعْدَ نَظْرَةٍ ... فَمَا أَبْقَيَا لِي مِنْ رُقَادٍ وَلا لُبِّ) وَقَالَ آخَرُ: (وَأَنَا الَّذِي اجْتَلَبَ الْمَنِيَّةَ طَرْفُهُ ... فَمَنِ الْمُطَالَبُ وَالْقَتِيلُ الْقَاتِلُ) وَقَالَ آخَرُ: (عَاتَبْتُ قَلْبِي لَمَّا ... رَأَيْتُ جِسْمِي نَحِيلا)

стр. 143

(أَجَابَ قَلْبِي طَرْفِي ... وَقَالَ كُنْتَ الرَّسُولا) (فَأَلْزَمَ الْقَلْبَ طَرْفِي ... بَلْ كُنْتَ أَنْتَ الدَّلِيلا) (فَقُلْتُ كُفَّا جَمِيعًا ... تَرَكْتُمَانِي قَتِيلا) وَقَالَ آخَرُ: (يَا مَنْ يَرَى سُقْمِي يَزِيدُ ... وَعِلَّتِي تُعْيِي طَبِيبِي) (لا تَعْجَبَنَّ فَهَكَذَا ... تَجْنِي الْعُيُونُ عَلَى الْقُلُوبِ) وَقَالَ آخَرُ: (لَوَاحِظُنَا تَجْنِي وَلا عِلْمَ عِنْدَهَا ... وَأَنْفُسُنَا مَأْخُوذَةٌ بِالْجَرَائِرِ) (وَلَمْ أَرَ أَغْبَى مِنْ نُفُوسٍ عَفَائِفٍ ... تُصَدِّقُ أَخْبَارَ الْعُيُونِ الْفَوَاجِرِ) (وَمَنْ كَانَتِ الأَجْفَانُ حُجَّابَ قَلْبِهِ ... أَذِنَّ عَلَى أَحْشَائِهِ بِالْفَوَاقِرِ) وَقَالَ آخَرُ: (إِذَا أَنْتَ لَمْ تَرْعَ الْبُرُوقَ اللَّوَامِحَا ... وَنِمْتَ جَرَى مِنْ تَحْتِكَ الْمَاءُ سَائِحَا) (غَرَسْتَ الْهَوَى بِاللَّحْظِ حَتَّى احْتَقَرْتَهُ ... فَأَمْهَلْتَهُ مُسْتَأْنِسًا مُتَسَامِحَا) (وَلَمْ تَدْرِ حَتَّى أَيْنَعَتْ شَجَرَاتُهُ ... وَهَبَّتْ رِيَاحُ الْهَجْرِ فِيهِ لَوَاقِحَا) (وَأَمْسَيْتَ تَسْتَدْعِي مِنَ الصَّبْرِ عَازِبًا ... عَلَيْكَ وَتَسْتَدْنِي مِنَ النَّوْمِ نَازِحَا) وَقَالَ آخَرُ: (وَالْمَرْءُ مَا دَامَ ذَا عَيْنٍ يُقَلِّبُهَا ... فِي أَعْيُنِ الْعَيْنِ مَوْقُوفٌ عَلَى الْخَطَرِ) (يَسُرُّ مُقْلَتَهُ مَا ضَرَّ مُهْجَتَهُ ... لا مَرْحَبًا بِسُرُورٍ جَاءَ بِالضَّرَرِ) وَقَالَ آخَرُ: (لأُعَذِّبَنَّ الْعَيْنَ غَيْرُ مُفَكِّرٍ ... فِيهَا جَرَتْ بِالدَّمْعِ أَوْ فَاضَتْ دَمَا) (وَلأَهْجُرَنَّ مِنَ الرُّقَادِ لَذِيذَهُ ... حَتَّى يصير على الجفون محرما) (سفكت دمي فلأسفكن دُمُوعَهَا ... وَهِيَ الَّتِي بَدَأَتْ فَكَانَتْ أَظْلَمَا) (هِيَ أَوْقَعَتْنِي فِي حَبَائِلِ فِتْنَةٍ ... لَوْ لَمْ تَكُنْ نَظَرَتْ لَكُنْتُ مُسَلَّمَا)

стр. 144

وقال آخر: (وسهام اللحظ يستحلين في وقت الوقوع ... ) (ثم يصرفن فلا يقلعن إلا عن صريع ... ) وقال آخر: (إن كَانَ طَرْفِي أَصْلَ سُقْمِي فِي الْهَوَى ... لا أَذَاقَ اللَّهُ عَيْنِي الْوَسَنَا) (لَوْ تَحَرَّى فِي مَرَامِي لَحْظِهِ ... يَوْمَ سَلْعٍ مَا عَنَانِي مَا عَنَا) غَيْرُهُ: (يَا عَيْنُ أَنْتِ قَتَلْتِنِي ... وَجَعَلْتِ ذَنْبِكِ مِنْ ذُنُوبِي) (وَأَرَاكِ تَهْوِينَ الدُّمُوعَ ... كَأَنَّهَا رِيقُ الْحَبِيبِ) (تَاللَّهِ أَحْلِفُ صَادِقًا ... وَالصِّدْقُ مِنْ شِيَمِ الأَرِيبِ ... ) (لَوْ مُيِّزَتْ نُوَبُ الزَّمَانِ ... مِنَ الْبَعِيدِ إِلَى الْقَرِيبِ) (مَا كُنَّ إِلا دُونَ مَا ... جَنَتِ الْعُيُونُ عَلَى الْقُلُوبِ) وَأَمَّا عُقُوبَةُ النَّظَرِ فَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَجُلا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَتَشَلْشَلُ دَمًا , فَقَالَ لَهُ مالك؟ فَقَالَ: مَرَّتْ بِيَ امْرَأَةٌ فَنَظَرْتُ إِلَيْهَا فَلَمْ أَزَلْ أُتْبِعُهَا بَصَرِي فَاسْتَقْبَلَنِي جِدَارٌ فَضَرَبَنِي فَصَنَعَ بي ما ثرى. فَقَالَ: " إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَرَادَ بِعَبْدٍ خَيْرًا عَجَّلَ لَهُ عُقُوبَتَهُ فِي الدُّنْيَا ". أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ حَبِيبٍ أَنْبَأَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْحَبِيرِيُّ , أَنْبَأَنَا ابْنُ بَاكَوِيَةَ , أَنْبَأَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيُّ، عَنْ أَبِي يَعْقُوبَ النَّهْرَجُورِيِّ , قَالَ: رَأَيْتُ فِي الطَّوَافِ رَجُلا بِفَرْدِ عَيْنٍ وَهُوَ يَقُولُ فِي طَوَافِهِ: أَعُوذُ بِكَ مِنْكَ. فَقُلْتُ لَهُ: مَا هَذَا الدُّعَاءُ؟ فَقَالَ: إِنِّي كُنْتُ مُجَاوِرًا مُنْذُ خَمْسِينَ سَنَةً فَنَظَرْتُ إِلَى شَخْصٍ يَوْمًا فَاسْتَحْسَنْتُهُ , فَإِذَا بِلَطْمَةٍ وَقَعَتْ عَلَى عَيْنِي فَسَالَتْ عَلَى خَدِّي , فَقُلْتُ: آهْ. فَوَقَعَتْ أُخْرَى , وَقَائِلٌ يَقُولُ: لَوْ زِدْتَ لَزِدْنَاكَ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَزَّازُ , أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بن علي الحافظ , قال كتب لي أبوحاتم أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الرَّازِيُّ , يَذْكُرُ أَنَّهُ سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ

стр. 145

الْحَافِظَ يَقُولُ: قَالَ أَبُو سَعِيدٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصُّوفِيُّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عِيسَى , عَنْ أَبِي الأَدْيَانِ قَالَ كُنْتُ مَعَ أُسْتَاذِي أَبِي بَكْرٍ الدَّقَّاقِ فَمَرَّ حَدَثٌ فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ , فَرَآنِي أُسْتَاذِي وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ فَقَالَ: يَا بُنَيَّ لَتَجِدَنَّ غِبَّهَا وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ. فَبَقِيَتْ عِشْرِينَ سَنَةً وَأَنَا أُرَاعِي الْغِبَّ , فَنِمْتُ لَيْلَةً وَأَنَا مُتَفَكِّرٌ فِيهِ فَأَصْبَحْتُ وَقَدْ نُسِّيتُ الْقُرْآنَ كُلَّهُ. أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الصُّوفِيُّ , أَنْبَأَنَا أَبُو سَعْدِ بْنُ أَبِي صَادِقٍ , حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الشِّيرَازِيُّ , أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أحمد النجار , أخبرني أَبُو بَكْرٍ الْكَتَّانِيُّ , قَالَ: رَأَيْتُ بَعْضَ أَصْحَابِي فِي الْمَنَامِ فَقُلْتُ لَهُ مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ؟ فَقَالَ: عَرَضَ عَلَيَّ سَيِّئَاتِي وَقَالَ: فَعَلْتَ كَذَا وَكَذَا؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: وَفَعَلْتَ كَذَا؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: وَفَعَلْتَ كَذَا وَكَذَا فَاسْتَحْيَيْتُ أَنْ أُقِرَّ , فَقُلْتُ لَهُ: مَا كَانَ ذَلِكَ الذَّنْبُ؟ فَقَالَ: مَرَّ بِي غُلامٌ حَسَنُ الْوَجْهِ فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الزَّرَّادِ أَنَّهُ رُئِيَ فِي الْمَنَامِ فَقِيلَ لَهُ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ؟ قَالَ: غَفَرَ لِي كُلَّ ذَنْبٍ أَقْرَرْتُ بِهِ إِلا وَاحِدًا اسْتَحْيَيْتُ أَنْ أُقِرَّ بِهِ , فَأَوْقَفَنِي فِي الْعَرَقِ حَتَّى سَقَطَ لَحْمُ وَجْهِي. قِيلَ: مَا كَانَ الذَّنْبُ؟ قَالَ: نَظَرْتُ إِلَى شَخْصٍ جَمِيلٍ. وَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: كل عين باكية يوم القيامة إلا عين غضت عن محارم الله , وعين سهرت في سبيل الله , وعين يَخْرُجُ مِنْهَا مِثْلُ رَأْسِ الذُّبَابِ - يَعْنِي الدُّمُوعَ - مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ". إِخْوَانِي: تَذَكَّرُوا مَصِيرَ الصُّوَرِ , وَتَفَكَّرُوا فِي نُزُولِ بَيْتِ الْمَدَرِ , وَتَلَمَّحُوا بِعَيْنِ لفكر فِي حَالِ الصَّفَا وَالْكَدَرِ , وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ فِي دَارِ الْبَلاءِ فَالْحَذَرَ الْحَذَرَ. أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَحْمَدَ الْهَاشِمِيُّ , حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ , حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ النَّيْسَابُورِيُّ , أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَاذَانَ؛ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْقُرَشِيَّ يَقُولُ: كَانَ لِي جَارٌ شَابٌّ وَكَانَ أَدِيبًا , وَكَانَ يَهْوَى غُلامًا أَدِيبًا , فَنَظَرَ يَوْمًا إِلَى طَاقَاتِ شَعَرٍ بِيضٍ فِي عَارِضَيْهِ فَوَقَعَ لَهُ شَيْءٌ مِنَ الْفِكْرِ فهجر الغلام ,

стр. 146

فكتب إليه الغلام: (مالي جُفِيتُ وَكُنْتُ لا أُجْفَى ... وَدَلائِلُ الْهِجْرَانِ لا تَخْفَى) (وَأَرَاكَ تَمْزُجُنِي وَتَشْرَبُنِي ... وَلَقَدْ عَهِدْتُكَ شَارِبِي صَرْفَا) فَقَلَبَ الرُّقْعَةَ وَكَتَبَ فِي ظَهْرِهَا: (التَّصَابِي مَعَ الشَّمَطِ ... سَمَتْنِي خَطَّةَ شَطَطِ) (لا تَلُمْنِي عَلَى جَفَايَ ... فَحَسْبِي الَّذِي فَرَطِ) (أَنَا رِهْنٌ بِمَا جَنَيْتُ ... فَذَرْنِي مِنَ الْغَلَطِ) (قَدْ رَأَيْنَا أَبَا الْخَلائِقِ ... فِي زَلَّةٍ هَبَطِ) إِخْوَانِي: الدُّنْيَا سُمُومٌ قَاتِلَةٌ , وَالنُّفُوسُ عَنْ مَكَائِدِهَا غَافِلَةٌ , كَمْ مَنْ نَظْرَةٍ تَحْلُو فِي الْعَاجِلَةِ , مَرَارَتُهَا لا تطاق في الآجلة , يا بن آدَمَ قَلْبُكَ قَلْبٌ ضَعِيفٌ , وَرَأْيُكَ فِي إِطْلاقِ الطَّرْفِ رَأْيٌ سَخِيفٌ , يَا طِفْلَ الْهَوَى مَتَى يُؤْنَسُ مِنْكَ رَشَدٌ , عَيْنُكَ مُطْلَقَةٌ فِي الْحَرَامِ , وَلِسَانُكَ مُهْمَلٌ فِي الآثَامِ وَجَسَدُكَ يَتْعَبُ فِي كَسْبِ الْحُطَامِ , كَمْ نَظْرَةٍ مُحْتَقَرَةٍ زَلَّتْ بِهَا الأَقْدَامُ. (فَتَبَصَّرْ وَلا تَشِمْ كُلَّ بَرْقٍ ... رُبَّ بَرْقٍ فِيهِ صَوَاعِقُ حِينِ) (وَاغْضُضِ الطَّرْفَ تَسْتَرِحْ مِنْ غَرَامٍ ... تَكْتَسِي فِيهِ ثَوْبَ ذُلٍّ وَشَيْنِ) (فَبَلاءُ الْهَوَى مُوَافَقَةُ النَّفْسِ ... وَبَدْءُ الْهَوَى طُمُوحُ الْعَيْنِ) سَجْعٌ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يغضوا من أبصارهم﴾ يَا عَجَبًا لِلْمَشْغُولِينَ بِأَوْطَارِهِمْ عَنْ ذِكْرِ أَخْطَارِهِمْ , لَوْ تَفَكَّرُوا فِي حَالِ صَفَائِهِمْ فِي أَكْدَارِهِمْ , لما سلكوا طريق اغترارهم , ما يَكْفِي فِي وَعْظِهِمْ وَازْدِجَارِهِمْ: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا من أبصارهم﴾ .

стр. 147

الدُّنْيَا دَارُ الآفَاتِ وَالْفِتَنِ , كَمْ غَرَّتْ غِرًّا وَمَا فَطَنَ , أَرَتْهُ ظَاهِرَهَا وَالظَّاهِرُ حَسَنٌ , فَلَمَّا فَتَحَ عَيْنَ الْفِكْرِ مِنَ الْوَسَنِ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونَ وَلَنْ , وَيْحَ الْمَقْتُولِينَ بِسَيْفِ اغْتِرَارِهِمْ , وَالشَّرْعُ يَنْهَاهُمْ عَنْ أَوْزَارِهِمْ ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أبصارهم﴾ . أَيْنَ أَرْبَابَ الْهَوَى وَالشَّهَوَاتِ , ذَهَبَتْ وَاللَّهِ اللَّذَّاتُ دُونَ التَّبِعَاتِ , وَنَدِمُوا إِذْ قَدِمُوا عَلَى مَا فَاتَ وَتَمَنَّوْا بَعْدَ يُبْسِ الْعُودِ الْعَوْدَ وَهَيْهَاتَ , فَتَلَمَّحْ فِي الآثَارِ سُوءَ أَذْكَارِهِمْ ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يغضوا من أبصارهم﴾ . نَازَلَهُمُ الْمَوْتُ عَلَى الذُّنُوبِ , فَأُسِرُوا فِي قُيُودِ الْجَهْلِ وَالْعُيُوبِ , فَرَحَلَتْ لَذَّاتٌ خَلَتْ عَنِ الأَفْوَاهِ وَالْقُلُوبِ , وَحَزِنُوا عَلَى الْفَائِتِ وَلا حُزْنَ يَعْقُوبَ , حِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ فِي ثِيَابِ إِدْبَارِهِمْ [وَعِصِيُّ التَّوْبِيخِ فِي أَدْبَارِهِمْ] ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا من أبصارهم﴾ . قُلْ لِلنَّاظِرِينَ إِلَى الْمُشْتَهَى فِي دِيَارِهِمْ , هَذَا أُنْمُوذَجٌ مِنْ دَارِ قَرَارِهِمْ , فَإِنِ اسْتَعْجَلَ أَطْفَالُ الْهَوَى فَدَارِهِمْ , وَعِدْهُمْ قُرْبَ الرَّحِيلِ إِلَى دَارِهِمْ ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم﴾ . احْذَرُوا نَظْرَةً تُفْسِدُ الْقُلُوبَ , وَتَجْنِي عَلَيْكُمُ الذَّمَّ وَالْعُيُوبَ , تُسْخِطُ مَوْلاكُمْ عَالِمَ الْغُيُوبِ , لَقَدْ وَصَفَ الطَّبِيبُ حِمْيَةً لِلْمَطْبُوبِ , فَلَوِ اسْتَعْمَلُوا الْحِمْيَةَ لَمْ تَتَعَرَّضِ الْحُمَّى بِأَبْشَارِهِمْ ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أبصارهم﴾ . وَفَّقَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ لِلْهُدَى , وَعَصَمَنَا مِنْ أَسْبَابِ الْجَهْلِ وَالرَّدَى , وَسَلَّمَنَا مِنْ شَرِّ النُّفُوسِ فَإِنَّهَا شَرُّ الْعِدَى , وَجَعَلَنَا مِنَ الْمُنْتَفِعِينَ بِوَعْظِ أَخْيَارِهِمْ ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم﴾ . وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصْحِبِهِ.

стр. 148

المجلس الحادي عشر فِي قِصَّةِ ذِي الْقَرْنَيْنِ الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي أَسْرَى لُطْفَهُ فَفَكَّ الأَسْرَى , وَأَجْرَى بِإِنْعَامِهِ لِلْعَامِلِينَ أَجْرًا , وَأَسْبَلَ بِكَرَمِهِ عَلَى الْعَاصِينَ سِتْرًا , وَقَسَّمَ بني آدم عبدا وحرا , ودبر أحوالهم غنى وفقرا [كَمَا رَتَّبَ الْبَسِيطَةَ عَامِرًا وَقَفْرًا] وَقَوَّى بَعْضَ عِبَادِهِ [عَلَى السِّيَاحَةِ] فَقَطَعَهَا شِبْرًا شِبْرًا ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذكرا﴾ . أَحْمَدُهُ حَمْدًا يَكُونُ لِي عِنْدَهُ ذُخْرًا , وَأُصَلِّي عَلَى رَسُولِهِ مُقَدَّمِ الأَنْبِيَاءِ فِي الدُّنْيَا وَالأُخْرَى وَعَلَى أَبِي بَكْرٍ الَّذِي أَنْفَقَ الْمَالَ عَلَى الإِسْلامِ حَتَّى مَالَ الْكَفُّ صِفْرًا , وَعَلَى عُمَرَ الَّذِي كَسَرَتْ هَيْبَتُهُ كِسْرَى , وَعَلَى عُثْمَانَ الْمَقْتُولِ مِنْ غَيْرِ جُرْمٍ صَبْرًا , وَعَلَى عَلِيٍّ الَّذِي كَانَ الرَّسُولُ يُعِزُّهُ بِالْعِلْمِ عِزًّا , وَعَلَى عَمِّهِ الْعَبَّاسِ أَعْلاهُمْ فِي النَّسَبِ قَدْرًا. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ويسألونك عن ذي القرنين﴾ . الَّذِينَ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ هُمُ الْيَهُودُ. وَفِي اسْمِ ذِي الْقَرْنَيْنِ أربعة أقوال: أحدها: عبد الله. قاله علي ﵇. وَالثَّانِي: الإِسْكَنْدَرُ. قَالَهُ وَهْبٌ. وَالثَّالِثُ: عَبَّاسٌ. قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ. وَالرَّابِعُ الصَّعْبُ بن جابر. ذكره ابن أبي خيثمة. في تَسْمِيَتِهِ بِذِي الْقَرْنَيْنِ عَشْرَةُ أَقْوَالٍ:

стр. 149

أَحَدُهَا: أَنَّهُ دَعَا قَوْمَهُ إِلَى اللَّهِ فَضَرَبُوهُ عَلَى قَرْنِهِ فَهَلَكَ فَغَبَرَ زَمَانًا ثُمَّ بَعَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى , فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ فَضَرَبُوهُ عَلَى قَرْنِهِ الآخَرِ فَهَلَكَ , فَذَانِكَ قَرْنَاهُ. قاله علي ﵇. وَالثَّانِي: أَنَّهُ سُمِّيَ بِذِي الْقَرْنَيْنِ لأَنَّهُ سَارَ مِنْ مَغْرِبِ الشَّمْسِ إِلَى مَطْلِعِهَا. رَوَاهُ أَبُو صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَالثَّالِثُ: لأَنَّ صَفْحَتَيْ رَأْسِهِ كَانَتَا مِنْ نُحَاسٍ. وَالرَّابِعُ: لأَنَّهُ رَأى فِي النَّوْمِ كَأَنَّهُ امْتَدَّ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ فَأَخَذَ بِقَرْنَيِ الشَّمْسِ , فَقَصَّ ذَلِكَ عَلَى قَوْمِهِ فَسُمِّيَ بِذِي الْقَرْنَيْنِ. وَالْخَامِسُ: لأَنَّهُ مَلَكَ الرُّومَ وَفَارِسَ. وَالسَّادِسُ: لأَنَّهُ كَانَ فِي رَأْسِهِ شِبْهُ الْقَرْنَيْنِ. رُوِيَتْ هَذِهِ الأَقْوَالُ الأَرْبَعَةُ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ ﵁. وَالسَّابِعُ: لأَنَّهُ كَانَتْ لَهُ غَدِيرَتَانِ مِنْ شَعَرٍ. قَالَهُ الْحَسَنُ. قَالَ ابْنُ الأَنْبَارِيِّ: وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الضَّفِيرَتَيْنِ مِنَ الشَّعَرِ غَدِيرَتَيْنِ وَقَرْنَيْنِ. [قَالَ: وَمَنْ قَالَ سُمِّيَ بِذَلِكَ لأَنَّهُ مَلَكَ فَارِسَ وَالرُّومَ قَالَ لأَنَّهُمَا عَالِيَانِ عَلَى جَانِبَيْنِ مِنَ الأَرْضِ يُقَالُ لَهُمَا قَرْنَانِ] وَالثَّامِنُ: لأَنَّهُ كَانَ كَرِيمَ الطَّرَفَيْنِ من أهل البيت ذِي شَرَفٍ. وَالتَّاسِعُ: لأَنَّهُ انْقَرَضَ فِي زَمَانِهِ قَرْنَانِ مِنَ النَّاسِ وَهُوَ حَيٌّ. وَالْعَاشِرُ: لأَنَّهُ مَلَكَ الظُّلْمَةَ وَالنُّورَ: ذَكَرَ هَذِهِ الأَقْوَالَ الثَّلاثَةَ أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ. وَاخْتَلَفُوا: هَلْ كَانَ نَبِيًّا أَمْ لا عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ كَانَ نبياً. قاله عبد الله ابن عَمْرٍو وَالضَّحَّاكُ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا صَالِحًا وَلَمْ يَكُنْ نَبِيًّا وَلا مَلِكًا , قَالَهُ عَلِيٌّ ﵇. وَقَالَ وَهْبٌ: كَانَ مَلِكًا وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ.

стр. 150

وَفِي زَمَانِ كَوْنِهِ ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ الأُولَى مِنْ وَلَدِ يَافِثَ بن نوح. قاله علي ﵇. وَالثَّانِي: أَنَّهُ كَانَ بَعْدَ ثَمُودَ. قَالَهُ الْحَسَنُ. وَالثَّالِثُ: كَانَ فِي الْفَتْرَةِ بَيْنَ عِيسَى وَمُحَمَّدٍ ﵉. قَالَهُ وَهْبٌ وَفِيهِ بُعْدٌ. قَوْلُهُ تعالى: ﴿سأتلو عليكم منه ذكرا﴾ أَيْ خَبَرًا يَتَضَمَّنُ ذِكْرَهُ ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ في الأرض﴾ أَيْ سَهَّلْنَا عَلَيْهِ السَّيْرَ فِيهَا. قَالَ عَلِيٌّ ﵇: إِنَّهُ أَطَاعَ اللَّهَ فَسَخَّرَ لَهُ السَّحَابَ , فَحَمَلَهُ عَلَيْهِ وَمَدَّ لَهُ فِي الأَسْبَابِ وَبَسَطَ لَهُ النُّورَ , فَكَانَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ عَلَيْهِ سَوَاءٌ. قَالَ محاهد: مَلَكَ الأَرْضَ مُؤْمِنَانِ وَكَافِرَانِ. فَالْمُؤْمِنَانِ: سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ وَذُو الْقُرْنَيْنِ. وَالْكَافِرَانِ: نُمْرُودُ وَبُخْتُنَصَّرُ. قَوْلُهُ تعالى: ﴿وآتيناه من كل شيء سبباً﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: عِلْمُ مَا يُتَسَبَّبُ بِهِ إِلَى مَا يُرِيدُ. وَقِيلَ: هُوَ الْعِلْمُ بِالطُّرُقِ والمسالك ﴿فأتبع سببا﴾ أَيْ قَفَا الأَثَرَ. وَقَرَأَ عَاصِمٌ وَابْنُ عَامِرٍ وحمزة والكسائي: ﴿فاتبع﴾ فِي الْمَوَاضِعِ الثَّلاثَةِ. قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: التَّقْدِيرُ فأتبع سبباً سبباً. والسبب: الطريق. قوله تعالى: ﴿في عين حمئة﴾ أَيْ ذَاتِ حَمْأَةٍ. وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ: ﴿حَامِيَةٍ﴾ أَيْ حَارَّةٍ. قَالَ الْحَسَنُ: وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي مَاءٍ يَغْلِي كَغَلَيَانِ الْقِدْرِ وَيَفِيضُ مِنَ الْمَاءِ تِلْكَ الْعَيْنُ الْحَارَّةُ حَتَّى يَفِيضَ حَوْلَهَا مَسِيرَةَ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فَلا يَأْتِي عَلَى شَيْءٍ إِلا احْتَرَقَ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا لِبَاسُهُمْ جُلُودُ السِّبَاعِ وَلَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلا مَا أَحْرَقَتِ الشَّمْسُ مِنَ الدَّوَابِّ إِذَا غَرَبَتْ نَحْوَهَا وَمَا لَفِظَتِ الْعَيْنُ مِنَ الْحِيتَانِ. ﴿قُلْنَا يَا ذَا القرنين﴾ مَنْ قَالَ هُوَ نَبِيٌّ قَالَ: هَذَا وَحْيٌ , وَمَنْ قَالَ لَيْسَ بِنَبِيٍّ قَالَ: إِلْهَامٌ ﴿إِمَّا أن تعذب﴾ أَيْ تَقْتُلُهُمْ إِنْ أَبَوْا مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ , وَإِمَّا أَنْ تَأْسِرَهُمْ فَتُبَصِّرَهُمُ الرَّشَدَ. ﴿قَالَ أَمَّا من ظلم﴾ أي أشرك ﴿فسوف نعذبه﴾ بِالْقَتْلِ إِذَا لَمْ يَرْجِعْ عَنِ الشِّرْكِ ﴿ثُمَّ يرد إلى ربه﴾ فَيُعَذِّبُهُ بِالنَّارِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى﴾ قَالَ الْفَرَّاءُ: الْحُسْنَى الْجَنَّةُ وَأُضِيفَ الْجَزَاءُ

стр. 151

إِلَيْهَا. وَهِيَ الْجَزَاءُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ اليقين﴾ ﴿ولدار الآخرة﴾ قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ: الْمَعْنَى فَلَهُ جَزَاءُ الخلال الْحُسْنَى. وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: ﴿فَلَهُ جَزَاءً﴾ بِالنَّصْبِ وَالتَّنْوِينِ. قَالَ الزَّجَّاجُ: وَهُوَ مَصْدَرٌ مَنْصُوبٌ عَلَى الحال. والمعنى: فله الحسنى مجزياً بها جزاه , ﴿وسنقول له من أمرنا يسرا﴾ أي قولاً جميلاً. ﴿ثم أتبع سببا﴾ أَيْ طَرِيقًا آخَرَ تُوَصِّلُهُ إِلَى الْمَشْرِقِ. قَالَ قَتَادَةُ: مَضَى يَفْتَحُ الْمَدَائِنَ وَيَجْمَعُ الْكُنُوزَ وَيَقْتُلُ مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ حَتَّى أَتَى مَطْلِعَ الشَّمْسِ , فَوَجَدَ أَقْوَامًا عُرَاةً فِي أَسْرَابٍ لَهُمْ لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلا مَا أَحْرَقَتِ الشَّمْسُ إِذَا طَلَعَتْ فَإِذَا تَوَسَّطَتِ السَّمَاءَ خَرَجُوا مِنْ أَسْرَابِهِمْ فِي طَلَبِ مَعَايِشِهِمْ مِمَّا أَحْرَقَتْهُ , وَبَلَغَنَا أَنَّهُمْ كَانُوا فِي مَكَانٍ لا يَثْبُتُ عَلَيْهِ بُنْيَانٌ. قَالَ الْحَسَنُ: إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ خَرَجُوا يَرْعَوْنَ كَمَا يَرْعَى الْوَحْشُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كذلك﴾ أَيْ كَمَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ بَلَغَ مَطْلِعَهَا ﴿وقد أحطنا بما لديه﴾ أَيْ بِمَا عِنْدَهُ وَمَعَهُ مِنَ الْجُيُوشِ ﴿خُبْرًا ثم أتبع سببا﴾ أَيْ طَرِيقًا ثَالِثًا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ﴿حَتَّى إذا بلغ بين السدين﴾ قَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: هُمَا جَبَلانِ مُنِيفَانِ فِي السَّمَاءِ مِنْ وَرَائِهِمَا الْبَحْرُ. وَقَرَأَ نَافِعٌ بِضَمِّ السِّينِ. قَالَ ثَعْلَبٌ: هُمَا لُغَتَانِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَا هُوَ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ مَضْمُومٌ. وَمَا هُوَ مِنْ فِعْلِ الآدَمِيِّينَ فَمَفْتُوحٌ. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قولا﴾ أَيْ لا يَفْهَمُونَهُ إِلا بَعْدَ إِبْطَاءٍ. وَأَمَّا يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ فَهُمَا رَجُلانِ مِنْ أَوْلادِ يَافِثَ بن نوح قال علي ﵇: مِنْهُمْ مَنْ طُولُهُ شِبْرٌ وَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ مُفْرِطٌ فِي الطُّولِ , وَلَهُمْ شَعَرٌ يُوَارِيهِمْ مِنَ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ , وَكَانَ فَسَادُهُمْ قَتْلَ النَّاسِ ﴿فَهَلْ تجعل لك خرجاً﴾ وَقَرَأَ حَمْزَةٌ: خَرَاجًا. قَالَ اللَّيْثُ: هُمَا لُغَتَانِ. وَقَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلاءِ: الْخَرْجُ مَا تبرعت

стр. 152

بِهِ , وَالْخَرَاجُ: مَا لَزِمَكَ أَدَاؤُهُ. ﴿قَالَ مَا مكني فيه ربي خير﴾ مما تبذلون ﴿فأعينوني بقوة﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: بِالرِّجَالِ وَقَالَ ابْنُ السَّائِبِ: بِالآلَةِ. وَالرَّدْمُ: الْحَاجِزُ. وَالزُّبَرُ: الْقِطَعُ وَالصَّدَفَانِ: جَانِبَا الْجَبَلِ. قَالَ عُلَمَاءُ السِّيَرِ: لَمَّا وَصَلَ إِلَى مُدُنٍ ممطلة قَدْ بَقِيَ فِيهَا بَقَايَا سَأَلُوهُ أَنْ يَسُدَّ مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ , فَأَمَرَ الصُّنَّاعَ فَضَرَبُوا اللَّبِنَ مِنَ الْحَدِيدِ , طُولُ كُلِّ لَبِنَةٍ ذِرَاعٌ وَنِصْفٌ وَسُمْكُهَا شِبْرٌ. وَرَوَى سَلامٌ التَّرْجُمَانُ قَالَ: بَعَثَنِي الْوَاثِقُ إِلَى السَّدِّ وَضَمَّ إِلَيَّ خَمْسِينَ رَجُلا , وَأَعْطَانَا مَالا , فَمَا زِلْنَا نَتَنَقَّلُ الْبِلادَ وَتَبْعَثُ الْمُلُوكُ مَعَنَا الأَدِلاءَ إِلَى أَنْ صِرْنَا إِلَى أَرْضٍ سَوْدَاءَ مُنْتِنَةِ الرِّيحِ , فَسِرْنَا فِيهَا عَشَرَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ صِرْنَا إِلَى مُدُنٍ خَرَابٍ فَسِرْنَا فِيهَا خَمْسَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا , وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ يَطْرُقُونَهَا , ثُمَّ صِرْنَا إِلَى حُصُونٍ بِالْقُرْبِ مِنَ السَّدِّ وَفِيهَا قَوْمٌ يتكلمون بالعربية والفارسية مسلمون يقرأون الْقُرْآنَ , فَسَأَلُونَا: مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتُمْ؟ قُلْنَا: نَحْنُ رُسُلُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. قَالُوا: مَا سَمِعْنَا بِهَذَا قَطُّ. ثُمَّ صِرْنَا إِلَى جَبَلٍ أَمْلَسَ وَفِيهِ السَّدُّ , وَهُنَاكَ بَابٌ حَدِيدٌ لَهُ مِصْرَاعَانِ مُغْلَقَانِ , عَرْضُ كُلِّ مِصْرَاعٍ خَمْسُونَ ذِرَاعًا فِي ارْتِفَاعِ خَمْسِينَ فِي ثِخَنِ خَمْسَةِ أَذْرُعٍ , وَقَائِمَتَاهُمَا فِي دَوَّارَةٌ , وَعَلَى الْبَابِ قُفْلٌ طُولُهُ سَبْعَةُ أَذْرُعٍ فِي غِلَظِ ذِرَاعٍ , وَارْتِفَاعُ الْقُفْلِ مِنَ الأَرْضِ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ ذِرَاعًا , وَفَوْقَ الْقُفْلِ بِقَدْرِ خَمْسَةِ أَذْرُعٍ غَلَقٌ طُولُهُ أَكْثَرُ مِنْ طُولِ الْقُفْلِ وَقَفِيزٌ , وَعَلَى الْغَلَقِ مِفْتَاحٌ مُعَلَّقٌ فِي سِلْسِلَةٍ طولها ثمان أَذْرُعٍ فِي اسْتِدَارَةِ أَرْبَعَةِ أَشْبَارٍ , وَعَتَبَةُ الْبَابِ عَشَرَةُ أَذْرُعٍ , وَرَئِيسُ تِلْكَ الْحُصُونِ يَرْكَبُ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ فِي عَشَرَةِ فَوَارِسَ , مَعَ كُلِّ فَارِسٍ مِرْزَبَةٌ حَدِيدٌ , فَيُضْرَبُ الْقُفْلُ بِتِلْكَ الْمِرْزَبَاتِ مَرَّاتٍ لِيَسْمَعُوا الصَّوْتَ فَيَعْلَمُوا أَنَّ هُنَاكَ حَفَظَةٌ. وَقَدْ رُوِّينَا أَنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ يَحْفِرُونَ السَّدَّ كُلَّ يَوْمٍ. أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ , أَنْبَأَنَا ابْنُ الْمُذْهِبِ , أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ , حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ , حَدَّثَنِي أَبِي , حَدَّثَنَا رَوْحٌ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ , حَدَّثَنَا أَبُو رَافِعٍ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ لَيَحْفِرُونَ السَّدَّ كُلَّ يَوْمٍ حَتَّى

стр. 153

إِذَا كَادُوا يَرَوْنَ شُعَاعَ الشَّمْسِ قَالَ الَّذِي عَلَيْهِمْ؛ ارْجِعُوا فَسَتَحْفِرُونَهُ غَدًا. فَيَعُودُونَ إِلَيْهِ فَيَرَوْنَهُ كَأَشَدِّ مَا كَانَ , حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ مُدَّتُهُمْ وأردا اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَهُمْ عَلَى النَّاسِ؛ [حَفَرُوا] حَتَّى إِذَا كَادُوا يَرَوْنَ شُعَاعَ الشَّمْسِ قَالَ الَّذِي عَلَيْهِمْ: ارْجِعُوا فَسَتَحْفِرُونَهُ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ. فَيَعُودُونَ إِلَيْهِ وَهُوَ عَلَى هَيْئَتِهِ الَّتِي تَرَكُوهُ فَيَحْفِرُونَهُ وَيَخْرُجُونَ عَلَى النَّاسِ فَيُنَشِّفُونَ الْمِيَاهَ وَيَتَحَصَّنُ النَّاسُ مِنْهُمْ فِي حُصُونِهِمْ , فَيَرْمُونَ بِسِهَامٍ إِلَى السَّمَاءِ , فَتَرْجِعُ وَعَلَيْهَا كَهَيْئَةِ الدَّمِ فَيَقُولُونَ. قَهَرْنَا أَهْلَ الأَرْضِ وَعَلَوْنَا أَهْلَ السَّمَاءِ , فَيَبْعَثُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ نَغَفًا فِي أَقْفَائِهِمْ فَيَقْتُلُهُمْ بِهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ دَوَابَّ الأَرْضِ لَتَسْمَنُ [وَتَشْكُرُ] مِنْ لُحُومِهِمْ وَدِمَائِهِمْ. ثُمَّ إِنَّ ذَا الْقَرْنَيْنِ لَمَّا عَادَ بَلَغَ بَابِلَ , فَنَزَلَ بِهِ الْمَوْتُ فَكَتَبَ إِلَى أُمِّهِ يُعَزِّيهَا عَنْ نَفْسِهِ , وَكَانَ فِي كِتَابِهِ , اصْنَعِي طَعَامًا وَاجْمَعِي مَنْ قَدَرْتِ عَلَيْهِ مِنْ أَبْنَاءِ الْمَمْلَكَةِ , وَلا يَأْكُلْ مِنْ طَعَامِكَ مَنْ أُصِيبَ بِمُصِيبَةٍ. فَفَعَلَتْ فَلَمْ يَأْكُلْ أَحَدٌ , فَعَلِمَتْ مَا أَرَادَ. فَلَمَّا وَصَلَ تَابُوتُهُ إِلَيْهَا قَالَتْ: يَا ذَا الَّذِي بَلَغَتِ السَّمَاءَ حكمته وجاز أقطار الأرض ملكه , مالك الْيَوْمَ نَائِمٌ لا تَسْتَيْقِظُ , وَسَاكِتٌ لا تَتَكَلَّمُ , مَنْ يُبْلِغُكَ عَنِّي أَنَّكَ وَعَظْتَنِي فَاتَّعَظْتُ وَعَزَّيْتَنِي فَتَعَزَّيْتُ , فَعَلَيْكَ السَّلامُ حَيًّا وَمَيِّتًا! الْكَلامُ عَلَى الْبَسْمَلَةِ (أَتُنْكِرُ أَمْرَ الْمَوْتِ أَمْ أَنْتَ عَارِفٌ ... بِمَنْزِلَةٍ تَفْنَى وَفِيهَا الْمَتَالِفُ) (كَأَنَّكَ قَدْ غُيِّبْتَ فِي اللَّحْدِ وَالثَّرَى ... كَمَا لَقِيَ الْمَوْتَ الْقُرُونُ السَّوَالِفُ) (أَرَى الْمَوْتَ قَدْ أَفْنَى الْقُرُونَ الَّتِي مَضَتْ ... فَلَمْ يَبْقَ مَأْلُوفٌ وَلَمْ يَبْقَ آلِفُ) (كَأَنَّ الْفَتَى لَمْ يَصْحَبِ النَّاسَ لَيْلَةً ... إِذَا عُصِّبَتْ يَوْمًا عَلَيْهِ اللَّفَائِفُ) (وَقَامَتْ عَلَيْهِ عُصْبَةٌ يَدْفِنُونَهُ ... فَمُسْتَذْكِرٌ يَبْكِي حَزِينًا وَهَاتِفُ) (وَغُيِّبَ فِي لَحْدٍ كَرِيهٍ فِنَاؤُهُ ... وَنُضِّدَ مِنْ لَبِنٍ عَلَيْهِ السَّقَائِفُ) (وَمَا صَاحِبُ الْبَحْرِ الْقَطِيعِ مَكَانَهُ ... إِذَا هَاجَ آذَى مَنْ عَلَيْهِ وَقَاصِفُ)

стр. 154

(أَحَقُّ بِطُولِ الْحُزْنِ مِنْ ضَيْفِ غُرْبَةٍ ... تَصَدَّعَ عَنْهُ أَهْلُهُ وَالْمَعَارِفُ) أَيْنَ مَنْ رَبِحَ فِي مَتَاجِرِ الدُّنْيَا وَاكْتَسَبَ , أَيْنَ مَنْ أُعْطِيَ وَأُولِيَ ثُمَّ وَالَى وَوَهَبَ , أَمَا رَحَلَ عَنْ قَصْرِهِ الذَّهَبُ فَذَهَبَ , أَمَا حَلَّ بِهِ فِي الْحَرْبِ الْمُصْطَلِمِ الْحَرَبُ , أَمَا نَازَلَهُ التَّلَفُ وَأَسَرَهُ الْعَطَبُ , أَمَا نَابَتْهُ نَائِبَةٌ لا تُشْبِهُ النُّوَبَ , أَنَفَعَهُ بُكَاءُ مَنْ بَكَى أَوْ نَدْبُ مَنْ نَدَبَ , أَمَا نَدِمَ عَلَى كُلِّ مَا جَنَى وَارْتَكَبَ , أَمَا تُوقِنُونَ أَنَّ طَالِبَهُ لَكُمْ فِي الطَّلَبِ , تَدَبَّرُوا قَوْلَ نَاصِحِكُمْ صَدَقَ أَوْ كَذَبَ. قَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ: خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵁ إِلَى الْمَقْبَرَةِ , فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى الْقُبُورِ بَكَى ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيَّ فَقَالَ: يَا أَبَا أَيُّوبَ: هَذِهِ قُبُورُ آبَائِي كَأَنَّهُمْ لَمْ يُشَارِكُوا أَهْلَ الدُّنْيَا فِي لَذَّتِهِمْ وَعَيْشِهِمْ , أَمَا تَرَاهُمْ صَرْعَى قَدْ حَلَّتْ بِهِمُ الْمَثُلاتُ وَاسْتَحْكَمَ فِيهِمُ الْبَلاءُ , وَأَصَابَ الْهَوَامُّ فِي أَبْدَانِهِمْ مَقِيلا! ثُمَّ بَكَى حَتَّى غُشِيَ عَلَيْهِ ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ: انْطَلِقْ بِنَا فَوَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَنْعَمَ مِمَّنْ صَارَ إِلَى هَذِهِ الْقُبُورِ وَقَدْ أَمِنَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ . (صُوَرٌ طَوَاهَا الْمَوْتُ طَيًّا ... كَانَتْ مُحَبَّبَةً إِلَيَّا) (تَبْلَى وَيَأْكُلُهَا التُّرَابُ ... وَذِكْرُهَا غَضٌّ إِلَيَّا) (صَرْعَى بِأَنْوَاعِ الْحُتُوفِ ... كَأَنَّهُمْ شَرِبُوا الْحُمَيَّا) (لَهْفِي عَلَى تِلْكَ الْوُجُوهِ ... وَهَلْ يَرُدُّ اللَّهْفُ شَيَّا) (أَبْكِي عَلَيْهِمْ ثُمَّ أَرْجِعُ ... بَعْدَهُمْ أَبْكِي عَلَيَّا) (أَنَا مَيِّتٌ بَعْدَ الْحَيَاةِ ... وَمَيِّتٌ لِلْحُزْنِ حَيَّا) (بَيْتِي الثَّرَى وَلَوْ أَنَّنِي ... نِلْتُ السَّمَاءَ أَوِ الثُّرَيَّا) (وَلَوِ اعْتَبَرْتُ لَعَادَ لِي ... غَيْلانُ وَهُوَ يَذُمُّ مَيَّا) (مَنْ لِلسَّمَاءِ بِأَنْ تَدُومَ ... وَأَنَّهَا تُدْعَى سُمَيَّا) (هَيْهَاتَ لا تَرْجُو الْبَقَاءَ ... وَابْكِ نَفْسَكَ يَا أُخَيَّا) كَأَنَّكَ بِالْمَوْتِ وَقَدْ فَصَمَ الْعُرَى الَّتِي بِهَا قَدْ تَمَكَّنْتَ , وَنَقَلَكَ إلى قبر ترى فيه

стр. 155

مَا أَسَأْتَ وَمَا أَحْسَنْتَ , ثُمَّ تَقُومُ لِلْجَزَاءِ عَلَى مَا أَسْرَرْتَ وَمَا أَعْلَنْتَ , فَتَزَيَّنْ بِالتَّقْوَى فَطُوبَى لَكَ إِنْ تَزَيَّنْتَ , وَاعْمَلِ الْيَوْمَ مَا يَنْفَعُكَ غَدًا وَإِلا فَمَنْ أَنْتَ. (كَمْ طَوَى الْمَوْتُ مِنْ نَعِيمٍ وَعِزٍّ ... وَدِيَارٍ مِنْ أَهْلِهَا أَخْلاهَا) (وَجُنُودٍ أَحَالَهَا وَجُدُودٍ ... وَوُجُوهٍ أَحَالَ مِنْهَا حَلاهَا) (أَيْنَ مَنْ كَانَ نَاعِمًا فِي قُصُورٍ ... بَعُلا الْمُكْرَمَاتِ شَيَّدَتْ عُلاهَا) (قَدْ جَفَاهَا مَنْ كَانَ يَرْتَاحُ حِينًا ... نَحْوَهَا بَعْدَ إِلْفِهِ وَقِلاهَا) يَا مَنْ فِي حُلَلِ جَهْلِهِ يَرْفُلُ وَيَمِيسُ يَا مُؤْثِرًا الرَّذَائِلَ عَلَى أَنْفَسِ نَفِيسٍ , يَا طويل لأمل مَاذَا صَنَعَ الْجَلِيسُ , يَا كَثِيرَ الْخَطَايَا أَشْمِتْ إِبْلِيسَ , مَنْ لَكَ إِذَا فَاجَأَكَ مُذِلُّ الرَّئِيسِ , وَاحْتَوَشَتْكَ أَعْوَانُ مَلَكِ الْمَوْتِ وَحَمِيَ الْوَطِيسُ , وَنُقِلْتَ إلى لحد مالك فيه إلا العمل أَنِيسٌ , أَيْنَ أَمْسُكَ يَا مَنْ أَمْسَكَ عُرَى أَمَلِهِ , أَمَا ذَهَبَ عَنْ كُلِّ عَبْدٍ بِبَعْضِ أَجَلِهِ , أَيْنَ لَذَّاتُ شَهَوَاتِكَ فِيمَا مَضَى مِنْ عُمْرِكَ , أَمَا تَصَرَّمَتْ وَالْوِزْرُ عَلَى ظَهْرِكَ , أَمَا الدُّنْيَا تَخْدَعُ مُرِيدَهَا , أَمَا الْعِبَرُ تَجَاذَبُ مُسْتَفِيدَهَا , أما زيادات الأيام تنقص الأجل , أما كمال الأَمْنُ قَرِينَ الْوَجَلِ. ( [وَمَنْ لِكِسْرَى لَوْ فَدَى نفسه ... بكل ما أحرره من بدر) (أنصبت العمار ساجاتهم ... ثُمَّ تَخَلَّى عَامِرٌ مِنْ عُمُرْ) (فَاسْمُ بِذِكْرِ اللَّهِ لا غَيْرِهِ ... فَإِنَّ ذِكْرَ اللَّهِ خَيْرُ السمر) (وشمر الذيل إِلَى عَفْوِهِ ... فَكُلُّ مَسْعُودٍ إِلَيْهِ انْشَمَرْ) كَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ: الثَّوَاءُ هَاهُنَا قَلِيلٌ , وَأَنْتُمْ آخِرُ أُمَّتِكُمْ , وَأُمَّتُكُمْ آخِرُ الأُمَمِ , وَقَدْ أَسْرَعَ بِخِيَارِكُمْ , فَمَاذَا تَنْظُرُونَ إِلا الْمُعَايَنَةَ , فَكَأَنَّهَا وَاللَّهِ قَدْ كَانَتْ , مَا بَعْدَ نَبِيِّكُمْ نَبِيٌّ وَلا بَعْدَ كتباكم كِتَابٌ , وَلا بَعْدَ أُمَّتِكُمْ أُمَّةٌ، تَسُوقُونَ النَّاسَ وَالسَّاعَةُ تَسُوقُكُمْ , وَمَا يَنْتَظِرُ أَوَّلُكُمْ إِلا أَنْ يلحق آخركم , فيا لها مَوْعِظَةٍ لَوْ وَافَقَتْ مِنَ الْقُلُوبِ حَيَاةً. (رَضِيَ الفتى بعنائه وشائقه ... لَوْ أَنَّ ظِلَّ بَقَائِهِ مَمْدُودُ)

стр. 156

(ويح له ما إن يعد لنفسه ... ويبيده نَفَسٌ لَهُ مَعْدُودُ) (يُغْذَى بِأَسْقِيَةٍ لَهُ وَأَلِذَّةٍ ... لَوْ كَانَ يَنْفَعُ فِي الْحَيَاةِ لُدُودُ) (مُلْكٌ يشيد مَا بَنَى وَيَشِيدُ أَرْكَانَ ... الْبَنَاءِ وَرُكْنُهُ مَهْدُودُ) (وَيَرَى طَرِيقَ الْحَقِّ كُلَّ أَخِي حِجًا ... وَكَأَنَّهُ عَنْ فِعْلِهِ مَصْدُودُ) (جَسَدٌ يَكِدُّ لأَنْ يَفُوزَ بِقُوتِهِ ... فَإِنِ اسْتَرَاحَ فَقَلْبُهُ الْمَكْدُودُ) الْكَلامُ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلا السَّاعَةَ أَنْ تأتيهم بغتة﴾ ﴿فهل ينظرون﴾ بِمَعْنَى يَنْتَظِرُونَ. وَالسَّاعَةُ: الْقِيَامَةُ. سُمِّيَتْ سَاعَةً لأَنَّهَا تَكُونُ فِي سَاعَةٍ. وَالْبَغْتَةُ: الْفَجْأَةُ: وَالأَشْرَاطُ: الْعَلامَاتُ. أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ الطَّوْسِيُّ وَأَبُو الْقَاسِمِ السَّمَرْقَنْدِيُّ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْبَنَّاءِ، وَأَبُو الْفَضْلِ بْنُ الْعَالِمَةِ وَأَبُو الْحَسَنِ الْخَيَّاطُ، قَالُوا أَنْبَأَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ النَّقُّورِ , أَنْبَأَنَا ابْنُ حُبَابَةَ , حَدَّثَنَا الْبَغَوِيُّ , حَدَّثَنَا طَالُوتُ بْنُ عَبَّادٍ , حَدَّثَنَا فَضَّالُ بْنُ جُبَيْرٍ , عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّ أَوَّلَ الآيَاتِ طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا ". أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْكَاتِبُ , حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ , أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ مَالِكٍ , حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا أَبِي , حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ , عَنْ مَالِكِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ , عَنِ الأَعْرَجِ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ فَيَقُولُ: يَا لَيْتَنِي مَكَانَكَ ". أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ. وَفِي لَفْظٍ: وَمَا بِهِ إِلا الْبَلاءُ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ

стр. 157

أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ وَيَظْهَرَ الْجَهْلُ وَتُشْرَبَ الْخَمْرُ وَيَظْهَرَ الزِّنَا , وَيَقِلَّ الرِّجَالُ وَيَكْثُرَ النِّسَاءُ حَتَّى يَكُونَ قَيِّمَ خَمْسِينَ امْرَأَةً رَجُلٌ وَاحِدٌ. وَفِي أَفْرَادِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ؟ قَالَ: أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ نَارٌ تَخْرُجُ مِنَ الْمَشْرِقِ فَتَحْشُرُ النَّاسَ إِلَى الْمَغْرِبِ. وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قال: لا تقوم لساعة حَتَّى يُقْبَضَ الْعِلْمُ وَتَكْثُرَ الزَّلازِلُ وَتْظَهَرَ الْفِتَنُ وَيَتَطَاوَلَ النَّاسُ فِي الْبُنْيَانِ وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ نَشَرَ الرَّجُلانِ ثَوْبَهُمَا فَلا يَتَبَايِعَانِهِ وَلا يَطْوِيَانِهِ , وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدِ انْصَرَفَ الرَّجُلُ بِلَبَنِ لِقْحَتِهِ فَلا يَطْعَمُهُ، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ رَفَعَ الرَّجُلُ أُكْلَتَهُ إِلَى فِيهِ فَلا يَطْعَمُهَا. وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُكَلِّمَ السِّبَاعُ الإِنْسَ وَيُكَلِّمَ الرَّجُلَ عَذَبَةُ سَوْطِهِ وَشِرَاكُ نَعْلِهِ وَتُخْبِرَهُ فَخِذُهُ بِمَا أَحْدَثَ أَهْلُهُ بَعْدَهُ ". أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ الْكَرُوخِيُّ , حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الأَزْدِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ الْغُورَجِيُّ , قَالا أَنْبَأَنَا الْجَرَّاحِيُّ، حَدَّثَنَا الْمَحْبُوبِيُّ، حَدَّثَنَا التِّرْمِذِيُّ , حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ , حَدَّثَنَا الْفَرَجُ بْنُ فَضَالَةَ , عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ , عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا فَعَلَتْ أُمَّتِي خَمْسَ عَشْرَةَ خَصْلَةً حَلَّ بِهَا الْبَلاءُ. قِيلَ: وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: إِذَا كَانَ الْمَغْنَمُ دُوَلا , وَالأَمَانَةُ مَغْنَمًا , وَالزَّكَاةُ مَغْرَمًا , وَأَطَاعَ الرَّجُلُ زوجته وعق أمه , وبر صديقه وجف أَبَاهُ , وَارْتَفَعَتِ الأَصْوَاتُ فِي الْمَسَاجِدِ , وَكَانَ زَعِيمُ الْقَوْمِ أَرْذَلَهُمْ , وَأُكْرِمَ الرَّجُلُ مَخَافَةَ شَرِّهِ , وَشُرِبَتِ الخمور , ولبس الحرير , واتخذت القيان وَالْمَعَازِفُ , وَلَعَنَ آخِرُ هَذِهِ الأُمَّةِ أَوَّلَهَا , فَلْيَرْتَقِبُوا عِنْدَ ذَلِكَ رِيحًا حَمْرَاءَ أَوْ خَسْفًا أَوْ مَسْخًا ". اعْلَمْ أَنَّكَ إِنْ لَمْ تُدْرِكْ أَشْرَاطَ الْقِيَامَةِ فَقِيَامَتُكَ الْعَاجِلَةُ مَوْتُكَ , فَإِذَا حَانَتْ

стр. 158

سَاعَةُ الْوَفَاةِ فَاتَ زَمَنُ الاسْتِدْرَاكِ وَخَرَجَ رَبِيعُ الْبِدَارِ , فَسُدَّ بَابُ الإِجَابَةِ عَنْ دُعَاءِ الإِنَابَةِ , كما قال في القيامة: ﴿فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم﴾ أَيْ فَمِنْ أَيْنَ لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ أَنْ يَتَذَكَّرُوا وَيَتُوبُوا إِذَا جَاءَتْ , فَكَذَلِكَ عِنْدَ صَرْعَةِ الْمَوْتِ لا عَثْرَةٌ تُقَالُ وَلا تَوْبَةٌ تُنَالُ. رَوَى مَرْوَانُ بْنُ سَالِمٍ عَنِ الْبُرْجُمِيِّ رَفَعَهُ , قَالَ: احْضَرُوا مَوْتَاكُمْ وَلَقِّنُوهُمْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَبَشِّرُوهُمْ بِالْجَنَّةِ , فَإِنَّ الْحَلِيمَ الْعَلِيمَ يَتَحَيَّرُ عِنْدَ ذَلِكَ الْمَصْرَعِ , وَإِنَّ إِبْلِيسَ أَقْرَبُ مَا يَكُونُ مِنَ الْعَبْدِ فِي ذَلِكَ الْمَوْطِنِ عِنْدَ فِرَاقِ الدُّنْيَا وَتَرْكِ الأَحِبَّةِ. (خُذْ لا أبالك لِلْمَنِيَّةِ عُدَّةً ... وَاحْتَلْ لِنَفْسِكَ إِنْ أَرَدْتَ صَلاحَهَا) (لا تَغْتَرِرْ فَكَأَنَّنِي بِعُقَابِ رَيْبِ ... الدَّهْرِ قَدْ نَشَرَتْ عَلَيْكَ جَنَاحَهَا) وَيْحَكَ! أَمِنَ الأُخْرَى عِوَضٌ؟ أَنْتُمْ فِي الدُّنْيَا عَرَضٌ , يَا مَنْ كُلَّمَا بَنَى نَقَضَ , يَا مَنْ كُلَّمَا رَفَعَ انْخَفَضَ , يَا عَجِيبَ الدَّاءِ وَالْمَرَضِ , كَمْ شَاهَدْتَ مَسْلُوبًا , كَمْ عَايَنْتَ مَغْلُوبًا , كَمْ مَخْفُوضٍ بَعْدَ الرَّفْعِ , كَمْ مَضْرُورٍ بَعْدَ النَّفْعِ , كَمْ مَدْفُوعٍ عَنْ أَغْرَاضِهِ أَقْبَحَ الدَّفْعِ , بَيْنَمَا هُوَ فِي ثِيَابِ أَوْجَاعِهِ وَمُنَى السَّلامَةِ تَخْطِرُ فِي أَطْمَاعِهِ , أَسْرَعَ الْمَوْتُ وَنَادَى بِإِسْرَاعِهِ , فَعَجَزَ عَنْ مُقَاوَمَتِهِ أَوْ عَنْ دِفَاعِهِ , فَحَارَتْ مِنْ حَالِهِ قُلُوبُ أَتْبَاعِهِ , وَاشْتَغَلَ بِضَيَاعِ أَمْرِهِ عَنْ ضَيَاعِهِ , وَأَقْبَلَتْ قَبَائِلُهُ عَلَى تَقْبِيلِهِ وَوَدَاعِهِ , وَبَكَى لِمَيْلِهِ إِلَى الْهَوَى عِنْدَ نَزْعِهِ وَنِزَاعِهِ , وَهَذَا مَصِيرُكَ فَانْتَبِهْ لَهُ وَرَاعِهِ. (تَرَدَّ بِالنُّسْكِ وَأَفْعَالِهِ ... يَا مَنْ إِذَا حَانَ مِنْكَ الْمَرَدّ) (وَرَدْتَ دُنْيَاكَ عَلَى غِرَّةٍ ... فَوَيْحُ مَغْرُورٍ عَلَيْهَا وَرَدْ) (إِنْ مَرَّ ذَا الفاتك في جهله ... فليخش يوماً ماله مِنْ مُرِدْ) [إِخْوَانِي] مَا بَالُ النُّفُوسِ تَعْرِفُ حَقَائِقَ الْمَصِيرِ , وَلا تَعْرِفُ عَوَائِقَ التَّقْصِيرِ , وَكَيْفَ رَضِيَتْ بِالزَّادِ الْيَسِيرِ , وَقَدْ عَلِمَتْ طُولَ الْمَسِيرِ , أَمْ كَيْفَ أَقْبَلَتْ عَلَى التَّبْذِيرِ وَقَدْ حُذِّرَتْ غَايَةَ التَّحْذِيرِ , أَمَا تَخَافُ زَلَلَ التَّعْثِيرِ إِذَا حُوسِبَتْ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ.

стр. 159

كَانَ خُلَيْدٌ الْبَصْرِيُّ يَقُولُ: كُلُّنَا قَدْ أَيْقَنَ بِالْمَوْتِ وَمَا نَرَى لَهُ مُسْتَعِدًّا , وَكُلُّنَا قَدْ أَيْقَنَ بِالْجَنَّةِ وَمَا نَرَى لَهَا عَامِلا , وَكُلُّنَا قَدْ أَيْقَنَ بِالنَّارِ وَمَا نَرَى لَهَا خَائِفًا , فَعَلامَ تَعْرُجُونَ وَمَاذَا عَسَيْتُمْ تَنْتَظِرُونَ , فَهَذَا الْمَوْتُ أَوَّلُ وَارِدٍ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ بِخَيْرٍ أَوْ بِشَرٍّ. فَيَا إِخْوَتَاهُ سِيرُوا إِلَى رَبِّكُمْ سَيْرًا جَمِيلا. (سَيَكْفِي بَعْضُ مَا فَاتَكْ ... فَلا تَأْسَ لِمَا فَاتَكْ) (وَلا تَرْكَنْ إِلَى الدُّنْيَا ... أَمَا تذكر أمواتك) دخل بَعْضُ الْعُبَّادِ عَلَى بَعْضِ الأُمَرَاءِ فَقَالَ لَهُ الأَمِيرُ: مَا أَزْهَدَكَ وَأَصْبَرَكَ. فَقَالَ: إِنَّ صَبْرِي جَزَعٌ مِنَ النَّارِ وَزُهْدِيَ رَغْبَةٌ فِي الْجَنَّةِ. يَا غَافِلا فِي بَطَالَتِهِ , يَا مَنْ لا يَفِيقُ مِنْ سَكْرَتِهِ , أَيْنَ نَدَمُكَ عَلَى ذُنُوبِكَ , أَيْنَ حَسْرَتُكَ عَلَى عُيُوبِكَ , إِلَى مَتَى تُؤْذِي بِالذَّنْبِ نَفْسَكَ وَتُضَيِّعُ يَوْمَكَ تَضْيِيعَكَ أَمْسِكَ , لا مَعَ الصَّادِقِينَ لَكَ قَدَمٌ , وَلا مَعَ التَّائِبِينَ لَكَ نَدَمٌ , هَلا بَسَطْتَ فِي الدُّجَى يَدًا سَائِلَةً , وَأَجْرَيْتَ فِي السَّحَرِ دُمُوعًا سَائِلَةً. (خَدَعَتْنَا زَخَارِفُ الآمَالِ ... فَلَهَوْنَا بِهَا عَنِ الآجَالِ) (عَجَبِي مِنْ مُؤَمِّلٍ آمِنِ السِّرْبِ ... بِهَا وَهِيَ خُطَّةُ الأَوْجَالِ) (نَحْنُ سَفْرٌ وَإِنَّمَا أَمْهَلَتْنَا ... رَيْثَمَا نَسْتَعِدُّ لِلتِّرْحَالِ) أَسَفًا لِمَنْ إِذَا رَبِحَ الْعَامِلُونَ خَسِرَ , وَإِذَا أُطْلِقَ الْمُقَيَّدُونَ أُسِرَ , مَنْ لَهُ إِذَا خُوصِمَ فَلَمْ يَنْتَصِرْ , وَنَسِيَ يَوْمَ الرَّحْمَةِ فَمَا ذكر , فالجد جد أَيُّهَا الْغَافِلُ فَأَيَّامُ الْعُمْرِ كُلُّهَا قَلائِلُ. سَجْعٌ على قوله تعالى ﴿فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم﴾ [لَوْ رَأَيْتَ الْعُصَاةَ وَالْكَرْبُ يَغْشَاهُمْ , وَالنَّدَمُ قَدْ أَحَاطَ بِهِمْ وَكَفَاهُمْ , وَالأَسَفُ عَلَى مَا فَاتَهُمْ قد أضناهم , يتمنون العافية وهيهات مناهم , ﴿فأنى لهم

стр. 160

إذا جاءتهم ذكراهم﴾ .] نَزَلَ بِهِمُ الْمَرَضُ فَأَلْقَاهُمْ كَالْحَرَضِ , فَانْفَكَّ أَمَلُهُمْ وَانْقَبَضَ , وَانْعَكَسَ عَلَيْهِمُ الْغَرَضُ , وَرَحِمَهُمْ فِي صَرْعَتِهِمْ من عاداهم ﴿فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم﴾ . يَتَمَنَّوْنَ عِنْدَ الْمَوْتِ رَاحَةً , وَيَشْتَهُونَ مِنَ الْكَرْبِ اسْتِرَاحَةً , وَيُنَاقَشُونَ عَلَى الْخَطَايَا وَلا سَمَاحَةَ , فَهُمْ كَطَائِرٍ قَصَرَ الصَّائِدُ جَنَاحَهُ , فِي حَبْسِ النَّزْعِ والكرب يغشاهم ﴿فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم﴾ . يَتَأَسَّفُونَ وَأَسَفُهُمْ أَشَدُّ مَا فِي الْعِلَّةِ , وَيَتَحَسَّرُونَ وَتَحَسُّرُهُمْ عَلَى مَا مَضَى مِنْ زَلَّةٍ , وَجَبَلُ نَدَمِهِمْ قَدْ شُقَّ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ , فَلَوْ رَأَيْتَهُمْ بَعْدَ الْكِبْرِ قَدْ صَارُوا أَذِلَّةً , وَتَمَلَّكَ أَمْوَالَهُمْ بعدهم سواهم ﴿فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم﴾ . مَا نَفَعَهُمْ مَا تَعِبُوا لِتَحْصِيلِهِ وَجَالُوا , وَلا رَدَّ عَنْهُمْ مَا جَمَعُوا وَاحْتَالُوا , جَاءَ الْمَرَضُ فَأَذَلَّهُمْ بَعْدَ أَنْ صَالُوا , فَإِذَا قَالَ الْعَائِدُ لأَهْلِيهِمْ: كَيْفَ بَاتُوا؟ قَالُوا: إِنَّ السُّقْمَ قَدْ وهاهم وها هم ﴿فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم﴾ . نَزَلُوا بُطُونَ الْفَلا فَلا يُقْبَلُ عُذْرَهُمْ , وَلا ذُو وُدٍّ يَنْفَعُهُمْ , قَدْ أَضْنَاهُمْ بَلاءُ الْبِلَى , فَلَوْ رَأَيْتَهُمْ فِي بِلاهِمْ وَهُمْ فِي بِلاهِمْ ﴿فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم﴾ . فَالْبِدَارَ الْبِدَارَ قَبْلَ الْفَوَاتِ , وَالْحِذَارَ الْحِذَارَ مِنْ يَوْمِ الْغَفَلاتِ , قَبْلَ أَنْ يَقُولَ الْمُذْنِبُ رَبِّ ارجعون فيقال فات , ويح الغافلين عن عقباهم ما أعماهم ﴿فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم﴾ . نَبَّهَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ مِنْ هَذِهِ الرَّقْدَةِ وَذَكَّرَنَا وَإِيَّاكُمُ الْمَوْتَ وَمَا بَعْدَهُ إِنَّهُ قَرِيبٌ مُجِيبٌ.

стр. 161

المجلس الثاني عشر فِي قِصَّةِ يُوسُفَ ﵇ الْحَمْدُ للَّهِ أَحْسَنِ الْخَالِقِينَ وَأَكْرَمِ الرَّازِقِينَ , مُكْرِمِ الْمُوَفَّقِينَ وَمُعَظِّمِ الصَّادِقِينَ , وَمُجِلِّ الْمُتَّقِينَ , وَمُذِلِّ الْمُنَافِقِينَ , حَفِظَ يُوسُفَ لعلمه بعلم اليقين , فألبسه عند الهم دروعا يَقِينٍ , وَمَلَّكَهُ إِذْ مَلَكَ عِنَانَ الْهَوَى مَيْدَانَ السَّابِقِينَ , فَذَلَّ لَهُ إِخْوَتَهُ يَوْمَ: " وَمَا كُنَّا سارقين " ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كنا لخاطئين﴾ أَحْمَدُهُ حَمْدَ الشَّاكِرِينَ وَأُصَلِّي عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ أَشْرَفِ الذَّاكِرِينَ , وَعَلَى أَبِي بَكْرٍ سَابِقِ الْمُبَكِّرِينَ , وَعَلَى عُمَرَ سَيِّدِ الآمِرِينَ بِالْمَعْرُوفِ وَالْمُنْكِرِينَ , وَعَلَى عُثْمَانَ الشَّهِيدِ بِأَيْدِي الْمَاكِرِينَ , وَعَلَى عَلِيٍّ إِمَامِ الْعُبَّادِ الْمُتَفَكِّرِينَ , وَعَلَى عَمِّهِ الْعَبَّاسِ أَبِي الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ. قَالَ اللَّهُ : ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثرك الله علينا﴾ . كَانَ يَعْقُوبُ قَدْ وُلِدَ فِي زَمَنِ إِبْرَاهِيمَ ونبيء في زمانه أيضا. وكان هو والعيص توأمين فَاخْتَصَمَا فَخَرَجَ هَارِبًا إِلَى خَالِهِ لابَانَ فَزَوَّجَهُ ابْنَتَهُ لِيَا , فَوَلَدَتْ لَهُ روبِيلَ ثُمَّ شَمْعُونَ وَلاوِي وَيَشْجُبَ وَيَهُوذَا وَزبالُونَ. ثُمَّ تُوُفِّيَتْ فَتَزَوَّجَ أُخْتَهَا رَاحِيلَ فَوَلَدَتْ لَهُ يُوسُفَ وَبِنْيَامِينَ , وَمَعْنَاهُ ابْنُ الْوَجَعِ لأَنْهَا مَاتَتْ فِي نُفَاسِهِ , وَوُلِدَ لَهُ مِنْ غَيْرِهَا أَرْبَعَةٌ فَكَانَ أَوْلادُهُ اثْنَيْ عَشَرَ , وَهُمُ الأَسْبَاطُ. وَكَانَ أَحَبَّ الْخَلْقِ إِلَيْهِ يُوسُفُ , فَحَسَدَهُ إِخْوَتُهُ فَاحْتَالُوا عَلَيْهِ , فَقَالُوا يَا

стр. 162

يُوسُفُ أَمَا تَشْتَاقُ أَنْ تَخْرُجَ مَعَنَا فَتَلْعَبَ وَتَتَصَيَّدَ؟ فَقَالَ: بَلَى. قَالُوا: فَسَلْ أَبَاكَ أَنْ يُرْسِلَكَ مَعَنَا , فَاسْتَأْذَنَهُ فَأَذِنَ لَهُ , فَلَمَّا أَصْحَرُوا أَظْهَرُوا لَهُ مَا فِي أَنْفُسِهِمْ مِنَ الْعَدَاوَةِ , فَجَعَلَ كُلَّمَا الْتَجَأَ إِلَى شَخْصٍ مِنْهُمْ آذَاهُ وَضَرَبَهُ , فَلَمَّا فَطِنَ لِمَا عَزَمُوا عَلَيْهِ قَالَ: يا أبتاه يا يعقوب لو رأيت يوسف وما نزل به من إخوته لأحزنك ذلك وأبكاك , يَا أَبَتَاهُ مَا أَسْرَعَ مَا نَسُوا عَهْدَكَ وَضَيَّعُوا وَصِيَّتَكَ. فَأَخَذَهُ روبِيلُ فَضَرَبَ بِهِ الأَرْضَ وجثم على صدره ليقتله وقال: يا بن رَاحِيلَ قُلْ لِرُؤْيَاكَ تُخَلِّصُكَ , وَكَانَ قَدْ رَأَى وَهُوَ ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ ساجدين له. فصاح: يا يهوذا حل بَيْنِي وَبَيْنَ مَنْ يُرِيدُ قَتْلِي. فَقَالَ يَهُوذَا: أَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ. فَنَزَعُوا قَمِيصَهُ لإِلْقَائِهِ , فَقَالَ رُدُّوهُ عَلَيَّ أَسْتُرُ بِهِ عَوْرَتِي وَيَكُونُ كَفَنًا لِي فِي مَمَاتِي. فَلَمَّا أَلْقَوْهُ أَخْرَجَ اللَّهُ لَهُ حَجَرًا مُرْتَفِعًا مِنَ الْمَاءِ فَاسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ قَدَمَاهُ , وَكَانَ يَعْقُوبُ ﵇ قَدْ أَدْرَجَ قَمِيصَ إِبْرَاهِيمَ ﵇ الَّذِي كَسِيَهُ يَوْمَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ فِي قَصَبَةٍ وَجَعَلَهَا فِي عُنُقِ يُوسُفَ , فَبَعَثَ اللَّهُ مَلَكًا فَاسْتَخْرَجَ الْقَمِيصَ فَأَلْبَسَهُ إِيَّاهُ وَأَضَاءَ لَهُ الْجُبَّ وَعَذُبَ مَاؤُهُ وَجَاءَهُ جِبْرِيلُ يُؤْنِسُهُ , فَلَمَّا أَمْسَى نَهَضَ جِبْرِيلُ لِيَذْهَبَ , فَقَالَ لَهُ يُوسُفُ: إِنَّكَ إِذَا خرجتَ عَنِّي استوحشتُ فَقَالَ إِذَا رَهِبْتَ شَيْئًا فَقُلْ: يَا صَرِيخَ الْمُسْتَصْرِخِينَ وَيَا غَيَّاثَ الْمُسْتَغِيثِينَ , وَيَا مُفَرِّجَ كَرْبِ الْمَكْرُوبِينَ , قَدْ تَرَى مَكَانِي وَتَعْلَمُ حَالِي وَلا يَخْفَى عَلَيْكَ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِي. فَلَمَّا قَالَهَا حَفَّتْ بِهِ الْمَلائِكَةُ فَاسْتَأْنَسَ بِهِمْ. وَذَبَحَ إِخْوَتُهُ جَدْيًا فَلَطَّخُوا بِهِ الْقَمِيصَ , وَقَالُوا أَكَلَهُ الذِّئْبُ , وَمَكَثَ فِي الْجُبِّ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ وَإِخْوَتُهُ يَرْعَوْنَ حَوْلَهُ , وَيَهُوذَا يَأْتِيهِ بِالْقُوتِ. فَلَمَّا جَاءَتِ السَّيَّارَةُ تَسْقِي مِنَ الْجُبِّ تَعَلَّقَ بِالْحَبْلِ فَأَخْرَجُوهُ , فَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَقَالُوا: هَذَا عَبْدٌ أَبَقَ مِنَّا. فَبَاعُوهُ مِنْهُمْ بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا وَحُلَّةٍ وَنَعْلَيْنِ. فَحَمَلُوهُ إِلَى مِصْرَ فَوَقَفُوهُ لِلْبَيْعِ , فَتَزَايَدَ النَّاسُ فِي ثَمَنِهِ , حَتَّى بَلَغَ وَزْنُهُ مِسْكًا وَوَزْنُهُ وَرِقًا وَوَزْنُهُ حَرِيرًا , وَاشْتَرَاهُ بِذَلِكَ قطفيرُ , وَكَانَ أَمِينَ مَلِكِهِمْ وَخَازِنِهِ , وَقَالَ لامْرَأَتِهِ زُلَيْخَا: أَكْرِمِي مَثْوَاهُ. فَرَاوَدَتْهُ فَعُصِمَ مِنْهَا , فَسَجَنَتْهُ إِذْ لَمْ يُوَافِقْهَا ,

стр. 163

فَبَقِيَ مَسْجُونًا إِلَى حِينِ مَنَامِ الْمَلَكِ , فَلَمَّا أَخْرَجَهُ مِنَ السِّجْنِ فَوَّضَ إِلَيْهِ أَمْرَ مِصْرَ , فَجَمَعَ الأَقْوَاتَ فِي زَمَنِ الرَّخَاءِ وَبَاعَ فِي زَمَنِ الْقَحْطِ , فَرُوِيَ أَنَّهُ بَاعَ مَكُّوكَ بُرٍّ بِمَكُّوكِ دُرٍّ , وَبَاعَ أَهْلُ مِصْرَ بِأَمْوَالِهِمْ وَحُلِيِّهِمْ وَمَوَاشِيهِمْ وَعَقَارِهِمْ وَعَبِيدِهِمْ , ثُمَّ بِأَوْلادِهِمْ ثُمَّ بِرِقَابِهِمْ , ثم قال: إني قد أعتقهم وَرَدَدْتُ عَلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ. وَكَانَ يُوُسفُ ﵇ لا يَشْبَعُ فِي تِلْكَ الأَيَّامِ وَيَقُولُ: أَخَافُ أَنْ أَنْسَى الْجَائِعَ! وَبَلَغَ الْقَحْطُ إِلَى كَنْعَانَ فَأَرْسَلَ يَعْقُوبُ وَلَدَهُ لِلْمِيرَةِ , وَقَالَ: يَا بَنِيَّ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّ بِمِصْرَ مَلِكًا صَالِحًا فَانْطَلِقُوا إِلَيْهِ فَأَقْرِئُوهُ مِنِّي السَّلامَ. فَمَضَوْا فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَأَنْكَرُوهُ , فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ أَتَيْتُمْ؟ فَقَالُوا: مِنْ أَرْضِ كَنْعَانَ , وَلَنَا شَيْخٌ يُقَالُ لَهُ يَعْقُوبُ , وَهُو يُقْرِئُكَ السَّلامَ. فَبَكَى وَعَصَرَ عَيْنَيْهِ وَقَالَ: لَعَلَّكُمْ جَوَاسِيسُ. فَقَالُوا: لا وَاللَّهِ. قَالَ: فَكَمْ أَنْتُمْ؟ قَالُوا: أَحَدَ عَشَرَ , وَكُنَّا اثْنَيْ عَشَرَ , فَأَكَلَ أَحَدَنَا الذِّئْبُ. فَقَالَ ائْتُونِي بِأَخِيكُمُ الَّذِي مِنْ أَبِيكُمْ. ثُمَّ دَرَجَ بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ. فَعَادُوا إِلَى أَبِيهِمْ , فَقَالُوا: إِنَّا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ. فَقَالَ يَعْقُوبُ: هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلا كَمَا أَمِنْتُكُمْ على أخيه من قبل؟! ثم حمله احتياجه إلى الطَّعَامَ إِلَى أَنْ أَرْسَلَهُ مَعَهُمْ. فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ أَجْلَسَ كُلَّ اثْنَيْنِ عَلَى مَائِدَةٍ , فَبَقِيَ بِنْيَامِينُ وَحِيدًا يَبْكِي , وَقَالَ: لَوْ كَانَ أَخِي حَيًّا لأَجْلَسَنِي مَعَهُ! فَضَمَّهُ يُوسُفُ إِلَيْهِ وَقَالَ: أُتُحِبُّ أَنْ أَكُونَ أَخَاكَ؟ فَقَالَ: أَيُّهَا الْمَلِكُ وَمَنْ يَجِدُ أَخًا مِثْلَكَ , وَلَكِنْ لَمْ يَلِدْكَ يَعْقُوبُ وَلا رَاحِيلُ. فَبَكَى يُوسُفُ وَقَامَ إِلَيْهِ فَاعْتَنَقَهُ وَقَالَ أَنَا أَخُوكَ. ثُمَّ احْتَالَ عَلَيْهِ فَوَضَعَ الصَّاعَ فِي رَحْلِهِ , فَلَمَّا لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى خَلاصِهِ أَقَامَ يَهُوذَا وَرَجَعُوا إِلَى يعقوب يقولون إن ابنك سرق. فَتَلَقَّاهُمْ بِصَبْرٍ جَمِيلٍ وَانْفَرَدَ بِحُزْنِهِ. قَالَ الْحَسَنُ: مَا فَارَقَهُ الْحُزْنُ ثَمَانِينَ سَنَةً , وَمَا جَفَّتْ عَيْنَاهُ , وَمَا أَحَدٌ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْهُ. ثُمَّ إِنَّ مَلَكَ الْمَوْتِ لَقِيَ يَعْقُوبَ فَسَأَلَهُ: هَلْ قَبَضْتَ رُوحَ يُوسُفَ؟ قَالَ: لا.

стр. 164

فَأَصْبَحَ يَقُولُ لِبَنِيهِ: ﴿اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وأخيه﴾ فَلَمَّا عَادُوا إِلَيْهِ بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ وَهِيَ الْقَلِيلَةُ , وقفوا موقف الذل , وقالوا: تصدق علينا. فقال: ﴿هل علمتم ما فعلتم بيوسف﴾ وكشف الحجاب عن نفسه , فعرفوه فقالوا: ﴿أئنك لأنت يوسف﴾ فَحِينَئِذٍ قَالُوا: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ علينا﴾ . قَالَ الزَّجَّاجُ: تَاللَّهِ بِمَعْنَى: وَاللَّهِ. إِلا أَنَّ التَّاءَ لا يُقْسَمُ بِهَا إِلا فِي اللَّهِ . وَلا يَجُوزُ: تَالرَّحْمَنِ وَلا تَرَبِّي. وَالتَّاءُ تُبْدَلُ مِنَ الْوَاوِ كَمَا قَالُوا فِي وُرَاثٍ: تُرَاثٌ. وَقَالُوا: يَتَّزِنُ. وَأَصْلُهُ يُوتَزَنُ , مِنَ الوزن. ومعنى " آثرك الله " اخْتَارَكَ وَفَضَّلَكَ , وَكَانَ قَدْ فُضِّل عَلَيْهِمْ بِالْحُسْنِ وَالْعَقْلِ وَالْحِلْمِ وَالصَّبْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ﴿وَإِنْ كُنَّا لخاطئين﴾ أَيْ لَمُذْنِبِينَ آثِمِينَ فِي أَمْرِكَ. ﴿قَالَ لا تثريب عليكم اليوم﴾ أَيْ لا أُعَيِّرُكُمْ بِمَا صَنَعْتُمْ. ثُمَّ سَأَلَهُمْ عَنْ أَبِيهِ فَقَالُوا: ذَهَبَتْ عَيْنَاهُ. فَأَعْطَاهُمْ قَمِيصَهُ وَقَالَ: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أبي يأت بصيرا﴾ وَهُوَ قَمِيصُ الْخَلِيلِ الَّذِي كَانَ فِي عُنُقِ يُوسُفَ , وَكَانَ مِنَ الْجَنَّةِ , فَلَمَّا خَرَجُوا مِنْ مِصْرَ حَمَلَ الْقَمِيصَ يَهُوذَا وَقَالَ: أَنَا حَمَلْتُ قَمِيصَ الدَّمِ وَهَا أَنَا أَحْمِلُ قَمِيصَ الْبِشَارَةِ. فَخَرَجَ حَافِيًا حَاسِرًا يَعْدُو وَمَعَهُ سَبْعَةُ أَرْغِفَةٍ لَمْ يَسْتَوْفِ أَكْلَهَا , فَقَالَ يَعْقُوبُ لِمَنْ حَضَرَ مِنْ أَهْلِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ: ﴿إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يوسف لولا أن تفندون﴾ أَيْ تُنْكِرُونَ عَلَيَّ لأَخْبَرْتُكُمْ أَنَّهُ حَيٌّ. ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بصيرا﴾ . ثم خرج في نحو من سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِهِ , وَخَرَجَ يُوسُفُ لِتَلَقِّيهِ , فَلَمَّا الْتَقَيَا قَالَ يَعْقُوبُ: السَّلامُ عَلَيْكَ يَا مُذْهِبَ الأَحْزَانِ. فَقَالَ يُوسُفُ: بَكَيْتَ يَا أَبَتِي حَتَّى ذَهَبَ بَصَرُكَ , أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْقِيَامَةَ تَجْمَعُنِي وَإِيَّاكَ! فَقَالَ: يَا بُنَيَّ خَشِيتُ أَنْ يُسْتَلَبَ دِينُكَ فَلا نَجْتَمِعُ! وَكَانَ يُوسُفُ ﵇ يركب في كل شهر ركبة في ثمانمائة أَلْفٍ , وَمَعَهُ أَلْفُ لِوَاءٍ وَأَلْفَا سَيْفٍ , فَيَدُورُ فِي عَمَلِهِ فَيَنْصِفُ الْمَظْلُومَ مِنَ الظَّالِمِ. وَكَانَتْ زُلَيْخَا تَلْبَسُ جُبَّةَ صُوفٍ وَتَشُدُّ وَسَطَهَا بِحَبْلٍ مِنْ لِيفٍ وَتَقِفُ عَلَى

стр. 165

قَارِعَةِ الطَّرِيقِ فَتُنَادِيهِ فَلا يَسْمَعُ , فَنَادَتْهُ يَوْمًا: أَيُّهَا الْعَزِيزُ سُبْحَانَ مَنْ جَعَلَ الْعَبِيدَ بِالطَّاعَةِ مُلُوكًا وَجَعَلَ الْمُلُوكَ بِالْمَعْصِيَةِ عَبِيدًا! فَسَمِعَهَا فَبَكَى وَقَالَ لِفَتَاهُ: انْطَلِقْ بِهَذِهِ الْعَجُوزِ إِلَى الدَّارِ وَاقْضِ لَهَا كُلَّ حَاجَةٍ. فَقَالَ لَهَا الْغُلامُ: مَا حَاجَاتُكَ يَا عَجُوزُ؟ فَقَالَتْ: حَاجَتِي مُحَرَّمَةٌ أَنْ يَقْضِيَهَا غَيْرُ يُوسُفَ. فَلَمَّا جَاءَ يُوسُفُ قَالَ: مَنْ أَنْتِ يَا عَجُوزُ؟ فَقَالَتْ: أَنَا زُلَيْخَا. قَالَ: مَا فَعَلَ حُسْنُكِ وَجَمَالُكِ؟ قَالَتْ ذَهَبَ بِهِ الَّذِي أَذْهَبَ ذُلَّكَ وَمَسْكَنَتَكَ. فَقَالَ: يَا زُلَيْخَا عِنْدِي قَضَاءُ ثَلاثِ حَوَائِجَ فَسَلِي , فَوَحَقِّ شَيْبَةِ إِبْرَاهِيمَ لأَقْضِيَنَّهَا. فَقَالَتْ: حَاجَتِي الأُولَى أن تدعوا اللَّهَ لِي أَنْ يَرُدَّ عَلَيَّ بَصَرِي وَشَبَابِي. فَدَعَا لَهَا , فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهَا بَصَرَهَا وَشَبَابَهَا , ثُمَّ قَالَتْ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَرُدَّ عَلَيَّ حُسْنِي كَمَا كَانَ. فَدَعَا لَهَا , فَرَدَّ عَلَيْهَا حُسْنَهَا وَزِيدَ فِيهِ. فَصَارَتْ كَأَنَّهَا بِنْتُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَةَ سَنَةً وَكَانَ لَهَا مِنَ الْعُمْرِ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً. فَقَالَتْ وَحَاجَتِي الثَّانِيَةُ أَنْ تَسْأَلَ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَغْفِرَ لِي مَا كَانَ مِنِّي. وَحَاجَتِي الثَّالِثَةُ أَنْ تَتَزَوَّجَ بِي. فَتَزَوَّجَ بِهَا فَأَصَابَهَا بِكْرًا وَأَوْلَدَهَا اثْنَيْ عَشَرَ وَلَدًا. ذَكَرَ هَذَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْمُنَادِي وَغَيْرُهُ عَنْ وَهْبٍ. وَأَقَامَ يَعْقُوبُ عِنْدَ يُوسُفَ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً فِي أَهْنَإِ عَيْشٍ , فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ أَوْصَى إِلَى يُوسُفَ أَنْ يَحْمِلَهُ إِلَى الشَّامِ حَتَّى يَدْفِنَهُ عِنْدَ أَبِيهِ إِسْحَاقَ , فَفَعَلَ. ثُمَّ إِنَّ يُوسُفَ ﵇ رَأَى أَنَّ أمره قد تم فقال: ﴿توفني مسلما﴾ وَأَوْصَى إِلَى يَهُوذَا. فَتَلَمَّحُوا عُلُوَّ قَدْرِ يَعْقُوبَ بِبَلائِهِ وَعِزَّ يُوسُفَ فِي صَبْرِهِ , وَلْيَكُنْ حَظُّكُمْ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فإن الله لا يضيع أجر المحسنين﴾ . وَلْيَتَفَكَّرِ الْعَاصِي فِي لَذَّاتٍ فَنِيَتْ وَتَبِعَاتٍ بَقِيَتْ , وَلْيَتَدَبَّرِ الصَّابِرُ لَذَّةَ مَدِيحَةٍ ثَبَتَتْ وَمَرَارَةَ مُصَابَرَةٍ خَلَتْ , وَالأَمْرُ بِآخِرِهِ وَلِلْعَوَاقِبِ يَعْمَلُ الْمُتَيَقِّظُ. رَزَقَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ صَبْرًا يَزِينُنَا , وَعِصْمَةً مِنْ هَوَى يَشِينُنَا , إِنَّهُ إِنْ فَعَلَ سَلِمَتْ دُنْيَانَا وَدِينُنَا , إِنَّهُ قَرِيبٌ مُجِيبٌ.

стр. 166

الْكَلامُ عَلَى الْبَسْمَلَةِ (إِلَى أَيِّ حِينٍ أَنْتَ في صبوة لاهي ... أمالك مِنْ شَيْءٍ وُعِظْتَ بِهِ نَاهِي) (وَيَا مُذْنِبًا يَرْجُو مِنَ اللَّهِ عَفْوَهُ ... أَتَرْضَى بِسَبْقِ الْمُتَّقِينَ إِلَى اللَّهِ) يَا مُبَارِزًا بِالْعَظَائِمِ كَيْفَ أَمِنْتَ فنمت , يا مصرا على الجرائم عجباً إِنْ سَلِمْتَ , يَا مُبَذِّرًا مُنْذَرًا كَأَنَّهُ مَا يَسْمَعُ , إِنْ فَاجَأَكَ الْعَذَابُ فَمَاذَا تَصْنَعُ , تَدَبَّرْ عُقْبَى أَبِي الآبَاءِ إِلَى مَا آبَ , وَتَفَكَّرْ في حال المذنبين فبئس المآب , بيناهم فِي أَمْنٍ قَدْ فُرِّقَ بَيْنَهُمْ وَنَعَقَ بَيْنَهُمْ لِلْبَيْنِ غُرَابٌ , فَتَرَاكَمَ رُكَامُ الْهَوَامِّ عَلَيْهِمْ فِي الْهَوَاءِ وَاللُّعَابِ , وَمَرَّ مَرِيرُ الرِّيقِ فَمَشَى فِي الْمُشَارِعِ الْعَذَابُ , وَامْتَدَّ سَاعِدُ الْبَلاءِ إِلَى إِغْلاقِ بَابِ الْعِتَابِ , وَسُئِلُوا عَنْ جَوْرِهِمْ فَقَوِيَ قَلَقُ الْجَوَى فِي الْجَوَابِ , وَذَاقُوا بَعْدَ حَلاوَةِ الْخِلافِ مِنْ أَخْلافِ الأَوْصَابِ الصَّابِّ , وَانْتَقَى الانْتِقَامُ نَقِيَّ لَذَّاتِهِمْ فَخَلَتْ مِمَّا لَذَّ أَوْ طَابَ , وَنَشَبَتْ فِي شَيْبِهِمْ وَشَبَابِهِمْ شَبَا سُيُوفِ الذَّمِّ وَعَتَا الْعِتَابُ , وَدَخَلُوا إِلَى نَارٍ تُهَابُ أَوْصَافُهَا قَبْلَ أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى الالْتِهَابِ , فَلَمَّا سَالَتِ الْعُيُونُ دَمًا قَرَّعُوا بِالأَنَامِلِ نَدَمًا لَمَّا نَابَ النَّابُ وَحَطَّ مِنْ رُبًا مِنْهُمْ عَلَى الرُّبَا فَاسْتَبْدَلَ صَوْتَ الأَسَى عَنِ الرَّبَابِ , فَاحْذَرُوا أَنْ يُصِيبَكُمْ من نصيبكم مِثْلُ حِصَصِهِمْ , فَلَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الأَلْبَابِ. (وَلَقَدْ رَأَيْتُ مَعَاشِرًا جَمَحَتْ بِهِمْ ... تِلْكَ الطَّبِيعَةُ نَحْوَ كُلِّ تَيَّارِ) (تَهْوَى نُفُوسُهُمْ هَوَى أَجْسَامِهِمْ ... شُغُلا بِكُلِّ دَنَاءَةٍ وَصَغَارِ) (تَبِعُوا الْهَوَى فَهَوَى بِهِمْ وَكَذَا الْهَوَى ... مِنْهُ الْهَوَانُ بِأَهْلِهِ فَحَذَارِ) (فَانْظُرْ بِعَيْنِ الْحَقِّ لا عَيْنِ الْهَوَى ... فَالْحَقُّ لِلْعَيْنِ الْجَلِيَّةِ عَارِ) (قَادَ الْهَوَى الْفُجَّارُ فَانْقَادُوا لَهُ ... وَأَبَتْ عَلَيْهِ مَقَادَةُ الأَبْرَارِ) إِخْوَانِي: مَنْ فَعَلَ مَا يُحِبُّ لَقِيَ مَا يَكْرَهُ , وَمَنْ صَبَرَ عَلَى مَا يَكْرَهُ نَالَ مَا يُحِبُّ , لا تَقْطَعْ مُشَاوَرَةَ الْعَقْلِ قَبْلَ مُشَاوَرَةِ الْهَوَى , فَإِنَّ الْمُسْتَبِدَّ بِرَأْيِهِ وَاقِفٌ عَلَى مَدَاحِضِ الزَّلَلِ , لَمْ تَزَلْ أَكُفُّ الْعَقْلِ ضَابِطَةً أَعِنَّةَ النُّفُوسِ غَيْرَ أَنَّ الْعَزْمَ يَنْقَلِبُ ,

стр. 167

رُكُوبُ الأَخْطَارِ يَسُوقُ الأَقْدَارَ , مَنْ قَرَأَ وَالنَّاسُ نِيَامٌ تَكَلَّمَ وَالنَّاسُ سُكُوتٌ. وَهَبَ بَعْضُ الْمُلُوكِ جَارِيَةً يُحِبُّهَا. فَقَالَ الْمَوْهُوبُ لَهُ: لا أُفَرِّقُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ مَنْ تَهْوَاهُ. فَقَالَ: خُذْهَا وَإِنْ كُنْتُ أُحِبُّهَا لِيَعْلَمَ هَوَايَ أَنِّي غَيْرُ طَائِعٍ لَهُ. وَقِيلَ لِلْمُرْتَعِشِ: إِنَّ فُلانًا يَمْشِي عَلَى الْمَاءِ. فَقَالَ: إِنَّ مَنْ مَكَّنَهُ اللَّهُ مِنْ مُخَالَفَةِ هَوَاهُ أَعْظَمُ مِنَ الْمَشْيِ عَلَى الْمَاءِ! (فَإِنَّ الْمُرَّ حِينَ يُسِرُّ حُلْوٌ ... وَإِنَّ الْحُلْوَ حِينَ يَضُرُّ مُرُّ) (فَخُذْ مُرًّا تُصَادِفُ مِنْهُ نَفْعًا ... وَلا تَعْدِلْ إِلَى حُلْوٍ يَضُرُّ) صَابِرْ لَيْلَ الْبِلا فَقَدْ دَنَا الْفَجْرُ , وَاثْبُتْ لِعَمَلِ نَهَارِ الْعُمْرِ تَسْتَوْفِ الأَجْرَ , وَاحْبِسْ نَفْسَكَ عَنْ هَوَاهَا فَسَيَنْفَعُكَ الْحَجْرُ , وَارْجُزْ لَهَا فَإِنْ لَمْ تُسَرَّ بِالرَّجَزِ فَبِالزَّجْرِ , مَا نَالَ مَنْ نَالَ مَا نَالَ إِلا بِالصَّبْرِ , وَبِهِ عَلا ذِكْرُ كُلِّ عَابِدٍ وَحَبْرٍ , وَهُوَ وَإِنْ مَرَّتْ مَذَاقَتُهُ بَانَتْ حَلاوَتُهُ فِي الْقَبْرِ , أَيُّهَا النَّائِمُ وَهُوَ مُنَتْبِهٌ , الْمُتَحَيِّرُ فِي أَمْرٍ لا يُشْتَبَهُ , يَا مَنْ قَدْ صَاحَ بِهِ الْمَوْتُ فِي سَلْبِ صَاحِبِهِ وَهُوَ مَغْرُورٌ بِجَهْلِهِ مَفْتُونٌ بِلَعِبِهِ , يَا وَاقِفًا مَعَ الْهَوَى وَالطَّبْعِ , أَأَمِنْتَ شَيْنَ الْقَلْبِ بِالْخَتْمِ وَالطَّبْعِ. [يَا عَظِيمَ الشِّقَاقِ يَا قَلِيلَ الْوِفَاقِ يَا مَرِيرَ الْمَذَاقِ , يَا قَبِيحَ الأَخْلاقِ , يَا كَثِيرَ التَّوَانِي قَدْ سَارَ الرِّفَاقُ , يَا شَدِيدَ التَّمَادِي قَدْ صَعُبَ اللِّحَاقُ , إِخْلاصُكَ مَعْدُومٌ وَمَا لِلنِّفَاقِ نِفَاقٌ , وَمَعَاصِيكَ فِي ازْدِيَادٍ وَالْعُمْرُ فِي انْمِحَاقٍ , وَسَاعِي أَجَلِكَ مُجِدٌّ كَأَنَّهُ فِي سِبَاقٍ , لا الْوَعْظُ يُنْذِرُكَ وَلا الْمَوْتُ يُزْجِرُكَ , مَا تُطَاقُ] . (اتْرُكِ الشَّرَّ وَلا تَأْنَسْ بِشَرٍّ ... وَتَوَاضَعْ إِنَمَّا أَنْتَ بَشَرْ) (هَذِهِ الأَجْسَامُ تُرْبٌ هَامِدٌ ... فَمِنَ الْجَهْلِ افْتِخَارٌ وَأَشَرْ) (جَسَدٌ مِنْ أَرْبَعٍ تَلْحَظُهَا ... سَبْعَةٌ مِنْ فَوْقِهَا فِي اثْنَيْ عَشَرْ) (فَعَجِيبٌ فَرَحُ النَّفْسِ إِذَا ... شَاعَ فِي الأَرْضِ ثَنَاهَا وَانْتَشَرْ) (مُسْتَشَارٌ خَائِنٌ فِي نُصْحِهِ ... وَأَمِينٌ نَاصِحٌ لَمْ يُسْتَشَرْ) (فَافْعَلِ الخير وأمل غبه ... فهو الدخر إِذَا اللَّهُ حَشَرْ)

стр. 168

(أَضْمِرِ الْخِيفَةَ وَأَظْهِرْ نَدَمًا ... قَلَّ مَا أَحْرَزَ الطَّرْفُ الْمَدَى حِينَ ضَمَرْ) (وَهِيَ الدُّنْيَا أَذَاهَا أَبَدًا ... زُمَرًا وَارِدَةً بَعْدَ زُمَرْ) (فِي حَيَاةٍ كَخَيَالٍ طَارِقٍ ... شُغِلَ الْفِكْرُ وَخَلاكَ وَمَرْ) الْكَلامُ على قوله تعالى ﴿وقضى ربك ألا تعبدو إلا إياه﴾ أَصْلُ الْقَضَاءِ الْحَتْمُ. وَهُو فِي الْقُرْآنِ عَلَى ثَلاثَةَ عَشَرَ وَجْهًا: أَحَدُهَا الْفَرَاغُ: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصلاة﴾ والثاني الفعل: ﴿فاقض ما أنت قاض﴾ والثالث: الإعلام: ﴿وقضينا إلى بني إسرائيل﴾ والرابع: الموت: ﴿ليقض علينا ربك﴾ والخامس: وجوب العذاب: ﴿وقضي الأمر﴾ وَالسَّادِسُ التَّمَامُ: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وحيه﴾ والسابع الفصل: ﴿وقضي بينهم بالحق﴾ والثامن الخلق: ﴿فقضاهن سبع سماوات﴾ والتاسع الحتم: ﴿وكان أمرا مقضيا﴾ والعاشر ذبح الموت: ﴿إذا قضي الأمر﴾ وَالْحَادِي عَشَرَ: إِغْلاقُ أَبْوَابِ جَهَنَّمَ: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لما قضي الأمر﴾ والثاني عشر الحكم: ﴿حرجا مما قضيت﴾ والثالث عشر: الأمر: ﴿وقضى ربك ألا تعبدو إلا إياه﴾ . قوله تعالى: ﴿وبالوالدين إحسانا﴾ وهو البر والإكرام ﴿إما يبلغن﴾ قال

стр. 169

الفراء: جعلت يبلغن فعلا لأحدهما , وَكُرِّرَ عَلَيْهِ " ﴿كِلاهُمَا﴾ " وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: " ﴿يَبْلُغَانِ﴾ " عَلَى التَّثْنِيَةِ , لأَنَّهُمَا قَدْ ذُكِرَا قَبْلَ ذَلِكَ. ثم قال: " ﴿أحدهما أو كلاهما﴾ " على الاستئناف كقوله " ﴿فعموا وصموا﴾ " ثم استأنف فقال: " ﴿كثير منهم﴾ ". ﴿فلا تقل لهما أف﴾ أَيْ لا تَقُلْ لَهُمَا كَلامًا تَتَبَرَّمُ فِيهِ بِهِمَا إِذَا كَبِرَا؛ قَالَ أَبُو مَنْصُورٍ اللُّغَوِيُّ: أَصْلُ أُفٍّ نَفْخُكَ الشَّيْءِ يَسْقُطُ عَلَيْكَ مِنْ تُرَابٍ أَوْ نَحْوِهِ , وَلِلْمَكَانِ تُرِيدُ إِمَاطَةَ الأَذَى عَنْهُ , فَقِيلَتْ لِكُلِّ مُسْتَقِلٍّ. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تنهرهما﴾ أَيْ لا تُكَلِّمْهُمَا ضَجَرًا صَائِحًا فِي وُجُوهِهِمَا. قَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ: لا تُنْفِضْ يَدَكَ عَلَيْهِمَا. قَالَ الْعُلَمَاءُ: إِنَّمَا نَهَى عَنِ الأَذَى لَهُمَا فِي حَالَةِ الْكِبَرِ وَإِنْ كَانَ مَنْهِيًّا عَنْهُ فِي كُلِّ حَالٍ , لأَنَّ حَالَ الْكِبَرِ يَظْهَرُ فِيهَا مِنْهُمَا مَا يُضْجِرُ وَيُؤْذِي , وتكثر خدمتهما. ﴿وقل لهما قولا كريما﴾ أَيْ لَيِّنًا لَطِيفًا أَحْسَنَ مَا تَجِدُ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: قَوْلَ الْعَبْدِ الْمُتَذَلِّلِ لِلسَّيِّدِ الفظ. ﴿واخفض لهما جناح الذل﴾ أَيْ أَلِنْ لَهُمَا جَانِبَكَ مُتَذَلِّلا لَهُمَا مِنْ رَحْمَتِكَ إِيَّاهُمَا. وَخَفْضُ الْجَنَاحِ عِبَارَةٌ عَنِ السُّكُونِ وَتَرْكُ التَّصَعُّبِ وَالإِيذَاءِ ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا ربياني صغيرا﴾ أَيْ مِثْلَ رَحْمَتِهِمَا إِيَّايَ فِي صِغَرِي حِينَ رَبَّيَانِي. أَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ , أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ , أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ مَالِكٍ , أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ , حَدَّثَنِي أَبِي , حَدَّثَنَا وَكِيعٌ , حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ وَسُفْيَانُ , عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ , عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ الْمَكِّيِّ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ , قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ يَسْتَأْذِنُ النَّبِيَّ ﷺ فِي الْجِهَادِ , فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أحي والدك؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ ". أَخْرَجَاهُ فِي الصحيحين.

стр. 170

وَبِالإِسْنَادِ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ , قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ , عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدَهُ إِلا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ ". أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ , وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ , قَالُوا حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ الْمَأْمُونِ , أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ السُّكَّرِيُّ , حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حَرْبٍ , حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عُمَرَ , حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ. ح. وأنبأنا علي بن عبد الله، ومحمد ابن عَبْدِ الْبَاقِي , أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الصَّرِيفِينِيُّ , أَنْبَأَنَا أَبُو حَفْصٍ الْكِنَانِيُّ , أَنْبَأَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ابن مَخْلَدٍ , حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ يَعْقُوبَ , حَدَّثَنَا عَلِيُّ بن عاصم. ح. وَأَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي , أَنْبَأَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْبَرْمَكِيُّ , حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ مَاسِيٍّ , أَنْبَأَنَا أَبُو مُسْلِمٍ الْكَجِّيُّ , حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ , عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمِ بن معونة بْنِ حِيدَةَ الْقُشَيْرِيِّ , عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ , قَالَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَبَرُّ؟ قَالَ: أُمَّكَ. قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: أُمَّكَ. قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: أُمَّكَ. ثُمَّ أَبَاكَ ثُمَّ الأَقْرَبَ فَالأَقْرَبَ ". أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ ظَفْرٍ , أَنْبَأَنَا أَبُو غَالِبٍ الْبَاقِلاوِيُّ , أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو الْعَلاءِ الْوَاسِطِيُّ , أَنْبَأَنَا أَبُو نَصْرٍ النَّيَازِكِيُّ , أَنْبَأَنَا أَبُو الْخَيْرِ الْكِرْمَانِيُّ , حَدَّثَنَا الْبُخَارِيُّ , حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ , أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي جَعْفَرِ بْنِ أَبِي كَثِيرٍ , أَخْبَرَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ , عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنِّي خَطَبْتُ امْرَأَةً فَأَبَتْ أَنْ تَنْكِحَنِي , وَخَطَبَهَا غَيْرِي فَأَحَبَّتْ أَنْ تَنْكِحَهُ فَغِرْتُ عَلَيْهَا فَقَتَلْتُهَا , فَهَلْ مِنْ تَوْبَةٍ؟ قَالَ: أُمُّكَ حَيَّةٌ؟ قَالَ: لا. قَالَ: تُبْ إِلَى اللَّهِ وَتَقَرَّبْ إِلَيْهِ مَا اسْتَطَعْتَ. فَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ: لِمَ سَأَلْتَهُ عَنْ حَيَاةِ أُمِّهِ؟ قَالَ: إِنِّي لا أَعْلَمُ عَمَلا أَقْرَبَ إِلَى اللَّهِ مِنْ بِرِّ الْوَالِدَةِ. وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ بَيْتِهِ وَقَفَ عَلَى بَابِ أُمِّهِ فقال: السلام عليك يَا أُمَّاهُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ. فَتَقُولُ: وَعَلَيْكَ السَّلامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ. فَيَقُولُ: رَحِمَكِ اللَّهُ كما ربيتيني صَغِيرًا. فَتَقُولُ: رَحِمَكَ اللَّهُ كَمَا بَرَرَتْنِي كَبِيرًا. وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ صَنَعَ مِثْلَ ذَلِكَ.

стр. 171

وَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: كَانَ رَجُلانِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَبَرَّ مَنْ كَانَ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ بِأُمِّهِمَا: عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَحَارِثَةُ بْنُ النُّعْمَانِ ﵄. أَمَّا عُثْمَانُ فَإِنَّهُ قَالَ: مَا قَدَرْتُ أَتَأَمَّلُ وَجْهَ أُمِّي مُنْذُ أَسْلَمْتُ. وَأَمَّا حَارِثَةُ فَكَانَ يُطْعِمُهَا بِيَدِهِ وَلَمْ يَسْتَفْهِمْهَا كَلامًا قَطُّ تَأْمُرُهُ بِهِ حَتَّى يَسْأَلَ مَنْ عِنْدَهَا بَعْدَ أَنْ يَخْرُجَ: مَاذَا قَالَتْ أُمِّي؟ وكان حجر بن عدي بن الأدبر يلتمس فِرَاشَ أُمِّهِ بِيَدِهِ فَيَتَّهِمُ غِلَظَ يَدِهِ , فَيَنْقَلِبُ عَلَيْهِ عَلَى ظَهْرِهِ , فَإِذَا أَمِنَ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ شَيْءٌ أَضْجَعَهَا. وَكَانَ ظَبْيَانُ بْنُ عَلِيٍّ مِنْ أَبَرِّ النَّاسِ بِأُمِّهِ , فَبَاتَتْ لَيْلَةً وَفِي صَدْرِهَا عَلَيْهِ شَيْءٌ فَقَامَ عَلَى رِجْلَيْهِ قَائِمًا يَكْرَهُ أَنْ يُوقِظَهَا وَيَكْرَهَ أَنْ يَقْعُدَ , حَتَّى إِذَا ضَعُفَ جَاءَ غُلامَانِ مِنْ غِلْمَانِهِ فَمَا زَالَ مُعْتَمِدًا عَلَيْهِمَا حَتَّى اسْتَيْقَظَتْ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهَا. وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ لا يُكَلِّمُ أُمَّهُ بِلِسَانِهِ كَلِمَةً تَخَشُّعًا لَهَا. وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ يَضَعُ خَدَّهُ عَلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَقُولُ لأُمِّهِ: ضَعِي قَدَمَكِ عَلَيْهِ! وَقَالَ ابْنُ الْمُنْكَدِرِ: بِتُّ أَغْمِزُ رِجْلَ أُمِّي وَبَاتَ أَخِي عُمَرُ يُصَلِّي , وَمَا يَسُرُّنِي أَنَّ لَيْلَتِي بِلَيْلَتِهِ! وَرُوِّينَا عَنِ ابْنِ عَوْنٍ أَنَّ أُمَّهُ نَادَتْهُ فَأَجَابَهَا , فَعَلا صَوْتُهُ عَلَى صَوْتِهَا فَأَعْتَقَ رَقَبَتَيْنِ. وَقَالَ بِشْرٌ الْحَافِي: الْوَلَدُ يَقْرُبُ مِنْ أُمِّهِ بِحَيْثُ يَسْمَعُ أُمَّهُ أَفْضَلُ مِنَ الَّذِي يَضْرِبُ بِسَيْفِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ , وَالنَّظَرُ إِلَيْهَا أَفْضَلُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ! وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ ذَكَرَ فِي الْكَبَائِرِ عُقُوقَ الْوَالِدِينَ. وَفِيهِمَا مِنْ حَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعٌ " قَالَ سُفْيَانُ: قَاطِعُ رَحِمٍ. وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَاقٌّ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَيْرِيزٍ: مَنْ مَشَى بَيْنَ يَدَيْ أَبِيهِ فَقَدْ عَقَّهُ إِلا أَنْ يَمْشِيَ

стр. 172

فَيُمِيطَ الأَذَى عَنْ طَرِيقِهِ , وَمَنْ دَعَا أَبَاهُ باسمه أبو بِكُنْيَتِهِ فَقَدْ عَقَّهُ إِلا أَنْ يَقُولَ يَا أَبَتِ. وَفِي حَدِيثِ أَبِي أَسِيدٍ أَنَّ رَجُلا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ بَقِيَ مِنْ بِرِّ أَبَوَيَّ شَيْءٌ بَعْدَ مَوْتِهِمَا؟ قَالَ: " نَعَمْ خِصَالٌ أَرْبَعٌ: الدُّعَاءُ وَالاسْتِغْفَارُ لَهُمَا وَإِيفَاءُ عَهْدِهِمَا وَإِكْرَامُ صَدِيقِهِمَا وَصِلَةُ الرَّحِمِ الَّتِي لا رَحِمَ لَكَ إِلا مِنْ قِبَلِهِمَا ". وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " أَبَرُّ الْبِرِّ صِلَةُ الْمَرْءِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ بَعْدَ أَنْ تُوُفِّيَ. أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ , أَنْبَأَنَا ابْنُ الْمُذْهِبِ , أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ مالك , أنبأنا عبد الله ابن أَحْمَدَ , حَدَّثَنِي أَبِي , حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ غَيْلانَ , حدثنا رشدين , عن زيان , عن سهل ابن مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ الْجُهَنِيِّ , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " إن الله تَعَالَى عِبَادًا لا يُكَلِّمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ. قِيلَ لَهُ: مَنْ أُولَئِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ مُتَبَرِّئٌ مِنْ وَالِدَيْهِ رَاغِبٌ عَنْهُمَا , وَمُتَبَرِّئٌ مِنْ وَلَدِهِ , وَرَجُلٌ أَنْعَمَ عَلَيْهِ قَوْمٌ فَكَفَرَ نِعْمَتَهُمْ وَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ ". وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ. قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: يَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَا الرَّجُلِ , فَيَسُبُّ أَبَاهُ وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ ". سَجْعٌ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ الْوَيْلُ كُلُّ الْوَيْلِ لِعَاقٍّ وَالِدَيْهِ , وَالْخِزْيُ كُلُّ الْخِزْيِ لِمَنْ مَاتَا غِضَابًا عَلَيْهِ , أُفٍّ لَهُ هَلْ جَزَاءُ الْمُحْسِنِ إِلا الإِحْسَانُ إِلَيْهِ , أَتْبِعِ الآنَ تَفْرِيطَكَ فِي حَقِّهِمَا أَنِينًا وَزَفِيرًا ﴿وَقُلْ رب ارحمهما كما ربياني صغيرا﴾ .

стр. 173

كم آثرك بِالشَّهَوَاتِ عَلَى النَّفْسِ , وَلَوْ غِبْتَ سَاعَةً صَارَا فِي حَبْسٍ , حَيَاتُهُمَا عِنْدَكَ بَقَايَا شَمْسٍ , لَقَدْ رَاعَيَاكَ طَوِيلا فَارْعَهُمَا قَصِيرًا , ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كما ربياني صغيرا﴾ . كَمْ لَيْلَةٍ سَهِرَا مَعَكَ إِلَى الْفَجْرِ , يُدَارِيَانِكَ مُدَارَاةَ الْعَاشِقِ فِي الْهَجْرِ , فَإِنْ مَرِضْتَ أَجْرَيَا دَمْعًا لَمْ يَجْرِ , تَاللَّهِ لَمْ يَرْضَيَا لِتَرْبِيَتِكَ غَيْرَ الْكَفِّ وَالْحِجْرِ سَرِيرًا ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كما ربياني صغيرا﴾ . يُعَالِجَانِ أَنْجَاسَكَ وَيُحِبَّانِ بَقَاءَكَ , وَلَوْ لَقِيتَ مِنْهُمَا أَذَى شَكَوْتَ شَقَاءَكَ , مَا تَشْتَاقُ لَهُمَا إِذَا غابا ويشتقاقان لِقَاءَكَ , كَمْ جَرَّعَاكَ حُلْوًا وَجَرَّعْتَهُمَا مَرِيرًا ﴿وَقُلْ رب ارحمهما كما ربياني صغيرا﴾ . أتحسن الإساءة في مقابلة الإحسان , أو ما تَأْنَفُ الإِنْسَانِيَّةُ لِلإِنْسَانِ , كَيْفَ تُعَارِضُ حُسْنَ فَضْلِهِمَا بِقُبْحِ الْعِصْيَانِ , ثُمَّ تَرْفَعُ عَلَيْهِمَا صَوْتًا جَهِيرًا , ﴿وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا﴾ . تُحِبُّ أَوْلادَكَ طَبْعًا , فَأَحْبِبْ وَالِدَيْكَ شَرْعًا , وَارْعَ أَصْلا أَثْمَرَ لَكَ فَرْعًا , وَاذْكُرْ لُطْفَهُمَا بِكَ وَطِيبَ الْمَرْعَى أَوَّلا وَأَخِيرًا ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كما ربياني صغيرا﴾ . تَصَدَّقْ عَنْهُمَا إِنْ كَانَا مَيِّتَيْنِ , وَصَلِّ لَهُمَا وَاقْضِ عَنْهُمَا الدَّيْنِ , وَاسْتَغْفِرْ لَهُمَا وَاسْتَدِمْ هَاتَيْنِ الْكَلِمَتَيْنِ , وَما تُكَلَّفُ إِلا أَمْرًا يَسِيرًا ﴿وَقُلْ رب ارحمهما كما ربياني صغيرا﴾ .

стр. 174

المجلس الثالث عشر فِي قِصَّةِ أَيُّوبَ ﵇ الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي ابْتَعَثَ بِلُطْفِهِ السَّحَابَ , فَرَوَّى الأَوْدِيَةَ وَالْهِضَابَ , وَأَنْبَتَ الْحَدَائِقَ وَأَخْرَجَ الأَعْنَابَ , وَأَلْبَسَ الأَرْضَ نَبَاتًا أَحْسَنَ مِنْ ثِيَابِ الْعُنَابِ , يَبْتَلِي لِيُدْعَى وَإِذَا دُعِيَ أَجَابَ , قَضَى عَلَى آدَمَ بِالذَّنْبِ ثُمَّ قضى أن تاب , ورفع إدريس بلطفه إِلَى أَكْرَمِ جَنَابٍ , وَأَرْسَلَ الطُّوفَانَ وَكَانَتِ السَّفِينَةُ مِنَ الْعُجَابِ , وَنَجَّى الْخَلِيلَ مِنْ نَارٍ شَدِيدَةِ الإلتهاب , وكان سَلامَةُ يُوسُفَ عِبْرَةً لأُولِي الأَلْبَابِ , وَشَدَّدَ الْبَلاءَ عَلَى أَيُّوبَ فَفَارَقَهُ الأَهْلُ وَالأَصْحَابُ , وَعَضَّهُ الْبَلاءُ إلى أن كل الظُّفْرَ وَالنَّابَ , فَنَادَى مُسْتَغِيثًا بِالْمَوْلَى فَجَاءَ الْجَوَابُ ﴿اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب﴾ . أَحْمَدُهُ حَمْدَ مَنْ أَخْلَصَ وَأَنَابَ , وَأُصَلِّي عَلَى رَسُولِهِ أَفْضَلِ نَبِيٍّ نَزَلَ عَلَيْهِ أَفْضَلُ كِتَابٍ , وعلى صاحبه أبي بكر مقدم الأصحاب , وَعَلَى الْفَارُوقِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ , وَعَلَى عُثْمَانَ شَهِيدِ الدَّارِ وَقَتِيلِ الْمِحْرَابِ , وَعَلَى عَلِيٍّ الْمَهِيبِ وَمَا سَلَّ سَيْفًا بَعْدُ مِنْ قِرَابٍ، وَعَلَى عَمِّهِ الْعَبَّاسِ الْمُقَدَّمِ نَسَبُهُ عَلَى الأَنْسَابِ. قَالَ اللَّهُ : ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نادى ربه أني مسني الشيطان بنضب وعذاب﴾ أَيُّوبُ اسْمٌ أَعْجَمِيٌّ , وَهُوَ أَيُّوبُ بْنُ أموصَ بن رزاح بن العيص ابن إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ. وَأَبُوهُ مِمَّنْ آمَنَ بِالْخَلِيلِ يَوْمَ أُحْرِقَ , وَأُمُّهُ بِنْتُ لُوطٍ النَّبِيِّ ﵇. وَكَانَ أَيُّوبُ فِي زَمَنِ يَعْقُوبَ ﵇ , فَتَزَوَّجَ ابْنَةَ يَعْقُوبَ وَكَانَ غَزِيرَ الْمَالِ كَثِيرَ الضِّيَافَةِ , وَكَانَ إِبْلِيسُ لا يُحْجَبُ يَوْمَئِذٍ من

стр. 175

السَّمَوَاتِ , فَسَمِعَ تَجَاوُبَ الْمَلائِكَةِ بِالصَّلاةِ عَلَى أَيُّوبَ فَحَسَدَهُ فَقَالَ: يَا رَبِّ لَوْ صَدَمْتَ أَيُّوبَ بالبلاء لكفر , فسلطني عليه. فقالت: قَدْ سَلَّطْتُكَ عَلَى مَالِهِ وَوَلَدِهِ. فَجَمَعَ إِبْلِيسُ جُنُودَهُ فَأَرْسَلَ بَعْضَهُمْ إِلَى دَوَابِّهِ وَبَعْضَهُمْ إِلَى زَرْعِهِ وَبَعْضَهُمْ إِلَى أَوْلادِهِ , وَكَانَ لَهُ ثَلاثَةَ عشَرَ وَلَدًا. وَقَالَ إِبْلِيسُ لأَصْحَابِهِ تَابِعُوهُ الْمَصَائِبَ بَعْضَهَا إِثْرَ بَعْضٍ. فَجَاءَ صَاحِبُ الزَّرْعِ فَقَالَ: يَا أَيُّوبُ أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ أَرْسَلَ إِلَى زَرْعِكَ نَارًا فَأَحْرَقَتْهُ. وَقَالَ: رَاعِي الإِبِلِ أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ أَرْسَلَ غُدَدًا فَذَهَبَتْ الإبل. وَقَالَ كَذَلِكَ صَاحِبُ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ. فَقَالَ: الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي رَزَقَنِي وَقَبِلَهُ مِنِّي. وَتَفَرَّدَ إِبْلِيسُ لِبَنِيهِ فَجَمَعَ أَرْكَانَ الْبَيْتِ فَهَدَمَهُ عَلَيْهِمْ وَجَاءَ فَقَالَ: يَا أَيُّوبُ إِنَّ الْبَيْتَ وَقَعَ عَلَى بَنِيكَ , فَلَوْ رَأَيْتَ كَيْفَ اخْتَلَطَتْ دِمَاؤُهُمْ وَلُحُومُهُمْ بِطَعَامِهِمْ وَشَرَابِهِمْ. فَقَالَ: لَوْ كَانَ فِيكَ خَيْرٌ لَقَبَضَكَ مَعَهُمْ فَانْصَرَفَ خَائِبًا. فَقَالَ: يَا رَبِّ سَلِّطْنِي عَلَى جَسَدِهِ فَسُلِّطَ فَنَفَخَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ نَفْخَةً فَقَرَّحَ بَدَنَهُ. قَالَ مُجَاهِدٌ: أَوَّلُ مَنْ أَصَابَهُ الْجُدَرِيُّ أَيُّوبُ. وَقَالَ وَهْبٌ: كَانَ يَخْرُجُ عَلَيْهِ مِثْلُ ثَدَايَا النِّسَاءِ ثُمَّ يَتَفَقَّأُ. قَالَ الْعُلَمَاءُ: لَمْ يَبْقَ مِنْهُ إِلا اللِّسَانُ لِلذِّكْرِ وَالْقَلْبُ لِلْمَعْرِفَةِ، وَكَانَ يَرَى مِعَاهُ وَعُرُوقَهُ وَعِظَامَهُ , وَوَقَعَتْ بِهِ حِكَّةٌ لا يَمْلِكُهَا , فَحَكَّ بِأَظْفَارِهِ فَسَقَطَتْ , ثُمَّ بِالْمُسُوحِ ثُمَّ بِالْحِجَارَةِ وَأَنْتَنَ جِسْمُهُ وَتَقَطَّعَ , وَأَخْرَجَهُ أَهْلُ الْقَرْيَةِ فَجَعَلُوا لَهُ عَرِيشًا عَلَى كُنَاسَةٍ، وَرَفَضَهُ الْخَلْقُ سِوَى زَوْجَتِهِ رَحْمَةَ بنت أفرايم بن يوسف ابن يَعْقُوبَ , فَكَانَتْ تَخْتَلِفُ إِلَيْهِ بِمَا يُصْلِحُهُ. وَفِي مُدَّةِ لُبْثِهِ فِي الْبَلاءِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: ثَمَانِي عَشْرَةَ سَنَةً. رَوَاهُ أَنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَالثَّانِي: سَبْعُ سِنِينَ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَكَعْبٌ. وَالثَّالِثُ: سَبْعُ سِنِينَ وَأَشْهُرٌ قَالَهُ الْحَسَنُ. وَالرَّابِعُ: ثَلاثُ سِنِينَ. قَالَهُ وَهْبٌ. وَفِي سَبَبِ سُؤَالِهِ الْعَافِيَةَ سِتَّةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا أَنَّهُ اشْتَهَى أُدْمًا فَلَمْ تُصِبْهُ امْرَأَتُهُ حَتَّى بَاعَتْ قَرْنًا مِنْ شَعْرِهَا , فَلَمَّا عَلِمَ

стр. 176

ذَلِكَ قَالَ: مَسَّنِيَ الضُّرُّ. رَوَاهُ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَالثَّانِي: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْسَاهُ الدعاء مع كثرة ذكره الله تَعَالَى , فَلَمَّا انْتَهَى زَمَانُ الْبَلاءِ أَلْهَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى الدُّعَاءَ. رَوَاهُ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ نَفَرًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مَرُّوا به فقال بعضهم: ما أصابه هذا إلا بذنب عظيم. فعندها دعا. قاله نَوْفٌ الْبِكَالِيُّ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَرَ: كَانَ لَهُ أَخَوَانِ فَأَتَيَاهُ يَوْمًا فَوَجَدَا رِيحًا فَقَالا: لَوْ كَانَ اللَّهُ عَلِمَ مِنْهُ خَيْرًا مَا بَلَغَ بِهِ هَذَا. فَمَا سَمِعَ شَيْئًا أَشَدَّ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ , فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي لَمْ أَبِتْ لَيْلَةً شَبْعَانَ وَأَنَا أَعْلَمُ مَكَانَ جَائِعٍ فَصَدِّقْنِي. فَصُدِّقَ وَهُمَا يَسْمَعَانِ. ثُمَّ قَالَ: اللَّهُّمَ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي لَمْ أَلْبَسْ قَمِيصًا وَأَنَا أَعْلَمُ مَكَانَ عَارٍ فَصَدِّقْنِي. فَصُدِّقَ وَهُمَا يَسْمَعَانِ , فَخَرَّ سَاجِدًا ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ لا أَرْفَعُ رَأْسِي حَتَّى تَكْشِفَ مَا بِي. فَكَشَفَ مَا بِهِ. وَالرَّابِعُ: أَنَّ إِبْلِيسَ جَاءَ إِلَى زَوْجَتِهِ بِسَخْلَةٍ فَقَالَ: لِيَذْبَحْ أَيُّوبُ هَذِهِ لِي وَقَدْ بَرَأَ. فَجَاءَتْ فَأَخْبَرَتْهُ فَقَالَ: إِنْ شَفَانِيَ اللَّهُ لأَجْلِدَنَّكِ مِائَةَ جَلْدَةٍ , أَمَرْتِنِي أَنْ أَذْبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ. ثُمَّ طَرَدَهَا عَنْهُ فَذَهَبَتْ فَلَمَّا رَأَى أَنَّهُ لا طَعَامٌ وَلا شَرَابٌ وَلا صَدِيقٌ خَرَّ سَاجِدًا وَقَالَ: مَسَّنِيَ الضُّرُّ. قَالَهُ الْحَسَنُ. وَالْخَامِسُ: أَنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيْهِ فِي عُنْفُوَانِ شَبَابِهِ: إِنِّي مُبْتَلِيكَ. فَقَالَ: يَا رَبِّ وَأَيْنَ يَكُونُ قَلْبِي. قَالَ: عِنْدِي فَصَبَّ عَلَيْهِ مِنَ الْبَلاءِ حَتَّى إِذَا بَلَغَ الْبَلاءُ مُنْتَهَاهُ أَوْحَى اللَّهُ: إِنِّي مُعَافِيكَ قَالَ: يَا رَبِّ وَأَيْنَ يَكُونُ قَلْبِي. قَالَ: عِنْدَكَ. قَالَ مَسَّنِيَ الضُّرُّ. قاله إبراهيم ابن شيبان. والسادس: أَنَّ الْوَحْيَ انْقَطَعَ عَنْهُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا , فَخَافَ هِجْرَانَ رَبِّهِ فَقَالَ: مَسَّنِيَ الضُّرُّ ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ. ومعنى: ﴿نادى ربه﴾ دَعَا وَإِنَّمَا أَضَافَ الأَمْرَ إِلَى الشَّيْطَانِ لأَنَّ الشيطان سلط عليه. قوله تعالى: ﴿بنصب﴾ قَرَأَ الْحَسَنُ: ﴿بِنَصَبٍ﴾ بِفَتْحِ النُّونِ وَالصَّادِ. قَالَ الْفَرَّاءُ: هُمَا كَالرُّشْدِ وَالرَّشَدِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: النُّصْبُ بِتَسْكِينِ الصَّادِ: الشَّرُّ. وَبِتَحْرِيكِهَا الإِعْيَاءُ. وَالْمُرَادُ: بالعذاب الأليم.

стр. 177

قوله تعالى: ﴿اركض برجلك﴾ . قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: جَاءَهُ جِبْرِيلُ فَأَخَذَهُ بِيَدِهِ فَقَالَ: قم: فقام فقال: اركض برجلك. فركض فنبعث عَيْنٌ , فَقَالَ: اغْتَسِلْ. فَاغْتَسَلَ. ثُمَّ نَحَّاهُ قَالَ اركض برجلك فركض. فنبعث عَيْنٌ فَقَالَ اشْرَبْ فَشَرِبَ. قَالَ ﴿هَذَا مُغْتَسَلٌ﴾ قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الْمُغْتَسَلُ: الْمَاءُ , وَهُوَ الْمَغْسُولُ أَيْضًا. ثُمَّ أَلْبَسَهُ جِبْرِيلُ حُلَّةً مِنَ الْجَنَّةِ. وَجَاءَتِ امْرَأَتُهُ فَقَالَتْ: يَا عَبْدَ اللَّهِ أَيْنَ المبتلى الذي كان ها هنا لَعَلَّ الذِّئَابُ ذَهَبَتْ بِهِ. فَقَالَ: وَيْحَكِ أَنَا أَيُّوبُ. فَقَالَتِ: اتَّقِ اللَّهَ وَلا تَسْخَرْ بِي. قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ أَهْلَهُ بِأَعْيَانِهِمْ وَآتَاهُ مِثْلَهُمْ مَعَهُمْ فِي الدُّنْيَا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَتْ قَدْ وَلَدَتْ لَهُ سَبْعَ بَنِينَ وَسَبْعَ بَنَاتٍ. فَنُشِرُوا لَهُ وَوَلَدَتْ لَهُ تِسْعَةَ بَنِينَ وَسَبْعَ بَنَاتٍ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: آتَاهُ اللَّهُ أُجُورَ أَهْلِهِ فِي الآخِرَةِ وَآتَاهُ مِثْلَهُمْ فِي الدُّنْيَا. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ كَانَ قَدْ حَلَفَ لَيَجْلِدَنَّ زَوْجَتَهُ مِائَةَ جَلْدَةٍ. وَفِي سَبَبِ هَذِهِ الْيَمِينِ ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: حَدِيثُ السَّخْلَةِ الَّذِي سَبَقَ. وَالثَّانِي: أَنَّ إِبْلِيسَ جَلَسَ فِي طَرِيقِ زَوْجَتِهِ كَأَنَّهُ طَبِيبٌ , فَقَالَتْ لَهُ: عَبْدَ اللَّهِ هَاهُنَا رَجُلٌ مُبْتَلًى , فَهَلْ لَكَ أَنْ تُدَاوِيَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ إِنِّي شَافِيهِ عَلَى أَنْ يَقُولَ لِي إِذَا بَرَأَ أَنْتَ شفيتني. جاءت فَأَخْبَرَتْهُ فَقَالَ: ذَاكَ الشَّيْطَانُ , للَّهِ عَلَيَّ إِنْ شَفَانِيَ اللَّهُ أَنْ أَجْلِدَكِ مِائَةً. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ إِبْلِيسَ لَقِيَهَا فَقَالَ: أَنَا الَّذِي فَعَلْتُ بِزَوْجِكَ وَأَنَا إِلَهُ الأَرْضِ , وَمَا أَخَذْتُهُ مِنْهُ فَهُوَ بِيَدِي فَانْطَلِقِي فَأُرِيكِ. فَمَشَى غَيْرَ بَعِيدٍ ثُمَّ سَحَرَ بَصَرَهَا فَأَرَاهَا وَادِيًا عَمِيقًا فِيهِ أَهْلُهَا وَمَالُهَا وَوَلَدُهَا , فَأَتَتْ أَيُّوبَ ﵇ فَأَخْبَرَتْهُ فَقَالَ: ذَاكَ الشَّيْطَانُ , وَيْحَكِ كَيْفَ وَعَى سَمْعُكَ قَوْلَهُ , وَاللَّهِ لَئِنْ شَفَانِيَ الله لأجلدنك مائة جلدة. قَالَهُ وَهْبٌ. وَأَمَّا الضِّغْثُ فَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ هُوَ الْحُزْمَةُ مِنَ الْخِلالِ وَالْعِيدَانِ. قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: جَزَى اللَّهُ زَوْجَتَهُ بِحُسْنِ صَبِرْهَا. أَنْ أَفْتَاهُ فِي ضَرْبِهَا , فَسَهَّلَ الأَمْرَ , فَجَمَعَ لَهَا مِائَةَ

стр. 178

عُودٍ وَقِيلَ مِائَةَ سُنْبُلَةٍ , وَقِيلَ كَانَتْ أَسَلا , وَقِيلَ كَانَتْ شَمَارِيخَ , فَضَرَبَهَا ضَرْبَةً وَاحِدَةً. وَهَلْ ذَلِكَ خَاصٌّ لَهُ أَمْ عَامٌّ؟ فِيهِ مَذْهَبَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ عَامٌّ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٌ. وَالثَّانِي: خَاصٌّ لَهُ. قَالَهُ مُجَاهِدٌ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ حَلَفَ أَنْ يَضْرِبَ عَبْدَهُ عَشَرَةَ أَسْوَاطٍ فَجَمَعَهَا وَضَرَبَهُ بِهَا ضَرْبَةً وَاحِدَةً. فَقَالَ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: لا يَبَرُّ. وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ إِذَا أصابه في الضربة الواحدة كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا فَقَدْ بَرَّ , وَاحْتَجُّوا بِعُمُومِ قِصَّةِ أَيُّوبَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ يُجَاءُ بِالْمَرِيضِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقَالُ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَعْبُدَنِي؟ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ ابْتَلَيْتَنِي. فَيُجَاءُ بِأَيُّوبَ فِي ضُرِّهِ فَيَقُولُ: أَنْتَ كُنْتَ أَشَدَّ ضُرًّا أَمْ هَذَا؟ فَيَقُولُ بَلْ هَذَا. فَيَقُولُ: هَذَا لَمْ يَمْنَعْهُ ذَلِكَ أَنْ عَبَدَنِي! مَا ضَرَّ أَيُّوبَ مَا جَرَى , كَأَنَّهُ سِنَةُ كَرَى , ثُمَّ شَاعَتْ مَدَائِحُهُ بَيْنَ الْوَرَى , وإنما يصير مَنْ فَهِمَ الْعَوَاقِبَ وَدَرَى. الْكَلامُ عَلَى الْبَسْمَلَةِ (مُنَافَسَةُ الْهَوَى فِيمَا يَزُولُ ... عَلَى نُقْصَانِ هِمَّتِهِ دَلِيلُ) (وَمُخْتَارُ الْقَلِيلِ أَقَلُّ مِنْهُ ... وَكُلُّ فَوَائِدِ الدُّنْيَا قَلِيلُ) يَا قَلِيلَ الصَّبْرِ عَنِ اللَّهْوِ وَالْعَبَثِ، يَا مَنْ كُلَّمَا عَاهَدَ غَدَرَ وَنَكَثَ , يا مغترا بساحر الهوى كما نَفَثَ , تَاللَّهِ لَقَدْ بُولِغَ فِي تَوْبِيخِهِ وَمَا اكْتَرَثَ , وَبَعَثَ إِلَيْهِ النَّذِيرَ وَلا يَدْرِي مِنَ الْعَبَثِ مَنْ بَعَثَ , سَيَنْدَمُ مَنْ لِلْقَبِيحِ حَرَثَ , سَيَبْكِي زَمَانَ الْهَوَى حِينَ الظَّمَإِ عِنْدَ اللَّهَثِ , سَيَعْرِفُ خَبَرَهُ الْعَاصِي إِذَا حَلَّ الْحَدَثُ , سَيَرَى سِيَرَهُ إِذَا نَاقَشَ الْمَسَائِلَ وَبَحَثَ , سَيَقْرَعُ سِنَّ الندم إذا نادى ولم يعث , عَجَبًا لِجَاهِلٍ بَاعَ تَعْذِيبَ النُّفُوسِ بِرَاحَاتِ الْجُثَثِ.

стр. 179

كَانَ الشِّبْلِيُّ يَقُولُ: لا تَغْتَرِرْ بِدَارٍ لا بُدَّ مِنَ الرَّحِيلِ عَنْهَا , وَلا تُخَرِّبْ دَارًا لا بُدَّ مِنَ الْخُلُودِ [فِيهَا] . أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَحْمَدَ الْهَاشِمِيُّ , أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ , أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ الدَّوْرَقِيُّ , حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْمُؤَدِّبُ , حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ , حَدَّثَنَا شَدَّادُ بْنُ عَلِيٍّ الْهَرَّابِيُّ , حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زَيْدٍ , قَالَ: مَرَرْتُ بِرَاهِبٍ فَنَادَيْتُهُ: يَا رَاهِبُ مَنْ تَعْبُدُ؟ قَالَ: الَّذِي خَلَقَنِي وَخَلَقَكَ. قُلْتُ عَظِيمٌ هُوَ؟ قَالَ: قَدْ جَاوَزَتْ عَظَمَتُهُ كُلَّ شَيْءٍ. قُلْتُ: فَمَتَى يَذُوقُ الْعَبْدُ حَلاوَةَ الأُنْسِ بِاللَّهِ؟ قَالَ: إِذَا صَفَا الْوُدُّ وَخَلَصَتِ الْمُعَامَلَةُ. قُلْتُ: فَمَتَى يَصْفُو الْوُدُّ؟ قَالَ: إِذَا اجْتَمَعَ الْهَمُّ فِي الطَّاعَةِ. قُلْتُ: فَمَتَى تَخْلُصُ الْمُعَامَلَةُ؟ قَالَ: إِذَا كَانَ الهم هماً واحداً. قلت فكيف تخليت بِالْوَحْدَةِ؟ قَالَ: لَوْ ذُقْتَ حَلاوَةَ الْوَحْدَةِ لاسْتَوْحَشْتَ إِلَيْهَا مِنْ نَفْسِكَ. قُلْتُ: فَمَا أَكْثَرُ مَا يَجِدُ الْعَبْدُ مِنَ الْوَحْدَةِ. قَالَ: الرَّاحَةَ مِنْ مُدَارَكَةِ النَّاسِ وَالسَّلامَةَ مِنْ شَرِّهِمْ. قُلْتُ: بِمَاذَا يُسْتَعَانُ عَلَى قِلَّةِ الْمَطْعَمِ؟ قَالَ: بِالتَّحَرِّي فِي الْمَكْسَبِ. قُلْتُ: زِدْنِي خِلالا. قَالَ كُلْ حَلالا وَارْقُدْ حَيْثُ شِئْتَ. قُلْتُ: فَأَيْنَ طَرِيقُ الرَّاحَةِ؟ قَالَ: خِلافُ الْهِوَى. قُلْتُ: لِمَ تَعَلَّقْتَ فِي هَذِهِ الصَّوْمَعَةِ؟ قَالَ: مَنْ مَشَى عَلَى الأَرْضِ عَثَرَ , فَتَحَصَّنْتُ بِمَنْ فِي السَّمَاءِ مِنْ فِتْنَةِ أَهْلِ الأَرْضِ لأَنَّهُمْ سُرَّاقُ الْعُقُولِ , وَذَلِكَ أَنَّ الْقَلْبَ إِذَا صَفَا ضَاقَتْ عَلَيْهِ الأَرْضُ فَأَحَبَّ قُرْبَ السَّمَاءِ. قُلْتُ: يَا رَاهِبُ مِنْ أَيْنَ تَأْكُلُ؟ قَالَ: مِنْ زَرْعٍ لَمْ أَبْذُرْهُ. قُلْتُ: مَنْ يَأْتِيكَ بِهِ؟ قَالَ: الَّذِي نَصَبَ الرَّحَا يَأْتِيهَا بِالطَّحِينِ. قُلْتُ: كَيْفَ تَرَى حَالَكَ؟ قَالَ: كَيْفَ يَكُونُ حَالُ مَنْ أَرَادَ سَفَرًا بِلا أُهْبَةٍ , وَيَسْكُنُ قَبْرًا بِلا مُؤْنِسٍ , وَيَقِفُ بَيْنَ يَدَيْ حَكَمٍ عَدْلٍ. ثُمَّ أَرْسَلَ عَيْنَهُ وَبَكَى. قُلْتُ: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: ذَكَرْتُ أَيَّامًا مَضَتْ مِنْ أَجَلِي لَمْ أُحَقِّقْ فِيهَا عَمَلِي , وَفَكَّرْتُ في قلة الزاد وفي عقبة هُبُوطٍ إِلَى الْجَنَّةِ أَوْ إِلَى النَّارِ. قُلْتُ يَا رَاهِبُ: بِمَ يُسْتَجْلَبُ الْحُزْنُ؟ قَالَ: بِطُولِ الْغُرْبَةِ , وَلَيْسَ الْغَرِيبُ مَنْ مَشَى مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ , وَلَكِنَّ الْغَرِيبَ صَالِحٌ بَيْنَ فُسَّاقٍ. ثُمَّ قَالَ: إِنَّ سُرْعَةَ الاسْتِغْفَارِ تَوْبَةُ الْكَذَّابِينَ , لَوْ عَلِمَ اللِّسَانُ مِمَّا يَسْتَغْفِرُ لَجَفَّ فِي الْحَنَكِ , إِنَّ الدُّنْيَا مُنْذُ سَاكَنَهَا الْمَوْتُ مَا قرت بها عين , كلما تزوجت الدنيا زوجا

стр. 180

طَلَّقَهُ الْمَوْتُ , فَمَثَلُهَا كَمَثَلِ الْحَيَّةِ لَيِّنٌ مَسُّهَا وَالسُّمُّ فِي جَوْفِهَا. ثُمَّ قَالَ: عِنْدَ تَصْحِيحِ الضَّمَائِرِ يَغْفِرُ اللَّهُ الْكَبَائِرَ , وَإِذَا عَزَمَ الْعَبْدُ عَلَى تَرْكِ الآثَامِ أَتَتْهُ مِنَ السَّمَاءِ الْفُتُوحُ , وَالدُّعَاءُ الْمُسْتَجَابُ الَّذِي تُحَرِّكُهُ الأَحْزَانُ. قُلْتُ: فَأَكُونُ مَعَكَ يَا رَاهِبُ؟ قَالَ: مَا أَصْنَعُ بِكَ وَمَعِي مُعْطِي الأَرْزَاقِ وَقَابِضُ الأَرْوَاحِ , يَسُوقُ إِلَيَّ الرِّزْقَ فِي كُلِّ وَقْتٍ , لَمْ يُكَلِّفْنِي جَمْعَهُ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ أَحَدٌ غَيْرَهُ. اسْمَعْ يَا خَائِنَ الذِّمَمِ يَا مُضَيِّعَ الْحُرَمِ , يَا من على التوبة عزم زعم , غَيْرَ أَنَّهُ كُلَّمَا بَنَى أَنْ يَلُوذَ بِنَا هَدَمَ , يَسْعَى إِلَى الْهُدَى فَإِذَا رَأَى جِيفَةَ الْهَوَى جَثَمَ , وَيْحَكَ إِطْلاقُ الْبَصَرِ فِي سُورِ الْحَذَرِ ثَلَمٌ , عَجَبًا لأَمْنِكَ وَأَنْتَ بَيْنَ فَكَّيْ جَلَمٍ , كَأَنَّكَ بِكَ تَتَمَنَّى الْعَدَمَ , وَتَبْكِي عَلَى تفريطك بندم , إلى كم هذا التواني كم كم وكم , وإياك وَالدُّنْيَا فَمَا تَشْفِي مِنْ قَرَمٍ , لِمَنْ تُحَدِّثُ لَقَدْ نَفَخْنَا مِنْ غَيْرِ ضَرَمٍ. (كَمْ أَسِيرٍ لِشَهْوَةٍ وَقَتِيلٍ ... أُفٍّ لِمُشْتَرٍ خِلافِ الْجَمِيلِ) (شَهَوَاتُ الإِنْسَانِ تُورِثُهُ الذُّلَّ وَتُلْقِيهِ فِي الْبَلاءِ الطَّوِيلِ ... ) يَا حَائِرًا لَمْ يُؤْثِرْ إِلا خِلافًا , يَا وَاعِدًا بِالتَّوْبَةِ وَلَمْ نَرَ إِلا إِخْلافًا , مَتَى سَتَعْمَلُ عَدْلا وَتُورِثُ إِنْصَافًا , أَتُصَافِي الْهَوَى مِنَ اليوم إذا صَافَى , أَمَا تَرَى النَّاسَ بِهَذِهِ الدَّارِ أَضْيَافًا , أتوقن بالحساب وترمي الفعل جُزَافًا , أَتَنْسَى الْمَوْتَ وَكَمْ قَدْ أَقَامَ سَيَّافًا , أَمَا بَقِيَ الْقَلِيلُ ثُمَّ تَلْحَقُ أَسْلافًا , مَتَى تعاملنا باليسير فنضاعفه أَضْعَافًا. (إِذَا كَثُرَتْ مِنْكَ الذُّنُوبُ فَدَاوِهَا ... بِرَفْعِ يَدٍ فِي اللَّيْلِ وَاللَّيْلُ مُظْلِمُ) (وَلا تَقْنَطَنَّ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّمَا ... قُنُوطُكَ مِنْهَا مِنْ خطاياك أعظم) (فرحمته للمحسنين كرامة ... ورحمة لِلْمُسْرِفِينَ تَكَرُّمُ) قَالَ بنَانٌ: دَخَلْتُ عَلَى ابْنِ الْعَرْجِيِّ وَهُوَ فِي بَيْتٍ مَمْلُوءٍ كُتُبًا , فَقُلْتُ لَهُ: اخْتَصِرْ لِي مِنْ هَذِهِ الْكُتُبِ كَلِمَتَيْنِ أَنْتَفِعُ بِهِمَا. قَالَ: لِيَكُنْ هَمُّكَ مَجْمُوعًا فِيمَا يُرْضِي اللَّهَ فَإِنِ اعْتَرَضَ عَلَيْكَ شَيْءٌ فَتُبْ مِنْ وَقْتِكَ.
следующие страницы →