Полный текст (793 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
ذَلِكَ قَالَ: مَسَّنِيَ الضُّرُّ. رَوَاهُ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَالثَّانِي: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْسَاهُ الدعاء مع كثرة ذكره الله تَعَالَى , فَلَمَّا انْتَهَى زَمَانُ الْبَلاءِ أَلْهَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى الدُّعَاءَ. رَوَاهُ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ نَفَرًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مَرُّوا به فقال بعضهم: ما أصابه هذا إلا بذنب عظيم. فعندها دعا. قاله نَوْفٌ الْبِكَالِيُّ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَرَ: كَانَ لَهُ أَخَوَانِ فَأَتَيَاهُ يَوْمًا فَوَجَدَا رِيحًا فَقَالا: لَوْ كَانَ اللَّهُ عَلِمَ مِنْهُ خَيْرًا مَا بَلَغَ بِهِ هَذَا. فَمَا سَمِعَ شَيْئًا أَشَدَّ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ , فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي
لَمْ أَبِتْ لَيْلَةً شَبْعَانَ وَأَنَا أَعْلَمُ مَكَانَ جَائِعٍ فَصَدِّقْنِي. فَصُدِّقَ وَهُمَا يَسْمَعَانِ. ثُمَّ قَالَ: اللَّهُّمَ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي لَمْ أَلْبَسْ قَمِيصًا وَأَنَا أَعْلَمُ مَكَانَ عَارٍ فَصَدِّقْنِي. فَصُدِّقَ وَهُمَا يَسْمَعَانِ , فَخَرَّ سَاجِدًا ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ لا أَرْفَعُ رَأْسِي حَتَّى تَكْشِفَ مَا بِي. فَكَشَفَ مَا بِهِ. وَالرَّابِعُ: أَنَّ إِبْلِيسَ جَاءَ إِلَى زَوْجَتِهِ بِسَخْلَةٍ فَقَالَ: لِيَذْبَحْ أَيُّوبُ هَذِهِ لِي وَقَدْ بَرَأَ. فَجَاءَتْ فَأَخْبَرَتْهُ فَقَالَ: إِنْ شَفَانِيَ اللَّهُ لأَجْلِدَنَّكِ مِائَةَ جَلْدَةٍ , أَمَرْتِنِي أَنْ أَذْبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ. ثُمَّ طَرَدَهَا عَنْهُ فَذَهَبَتْ فَلَمَّا رَأَى أَنَّهُ لا طَعَامٌ وَلا شَرَابٌ وَلا صَدِيقٌ خَرَّ سَاجِدًا وَقَالَ: مَسَّنِيَ الضُّرُّ. قَالَهُ الْحَسَنُ. وَالْخَامِسُ: أَنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيْهِ فِي عُنْفُوَانِ شَبَابِهِ: إِنِّي مُبْتَلِيكَ. فَقَالَ: يَا رَبِّ وَأَيْنَ يَكُونُ قَلْبِي. قَالَ: عِنْدِي فَصَبَّ عَلَيْهِ مِنَ الْبَلاءِ حَتَّى إِذَا بَلَغَ الْبَلاءُ مُنْتَهَاهُ أَوْحَى اللَّهُ: إِنِّي مُعَافِيكَ قَالَ: يَا رَبِّ وَأَيْنَ يَكُونُ قَلْبِي. قَالَ: عِنْدَكَ. قَالَ مَسَّنِيَ الضُّرُّ. قاله إبراهيم ابن شيبان. والسادس: أَنَّ الْوَحْيَ انْقَطَعَ عَنْهُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا , فَخَافَ هِجْرَانَ رَبِّهِ فَقَالَ: مَسَّنِيَ الضُّرُّ ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ.
ومعنى: ﴿نادى ربه﴾ دَعَا وَإِنَّمَا أَضَافَ الأَمْرَ إِلَى الشَّيْطَانِ لأَنَّ الشيطان سلط عليه.
قوله تعالى: ﴿بنصب﴾ قَرَأَ الْحَسَنُ: ﴿بِنَصَبٍ﴾ بِفَتْحِ النُّونِ وَالصَّادِ. قَالَ الْفَرَّاءُ: هُمَا كَالرُّشْدِ وَالرَّشَدِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: النُّصْبُ بِتَسْكِينِ الصَّادِ: الشَّرُّ. وَبِتَحْرِيكِهَا الإِعْيَاءُ. وَالْمُرَادُ: بالعذاب الأليم.
стр. 177
قوله تعالى: ﴿اركض برجلك﴾ . قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: جَاءَهُ جِبْرِيلُ فَأَخَذَهُ بِيَدِهِ فَقَالَ: قم: فقام فقال: اركض برجلك. فركض فنبعث عَيْنٌ , فَقَالَ: اغْتَسِلْ. فَاغْتَسَلَ. ثُمَّ نَحَّاهُ قَالَ اركض برجلك فركض. فنبعث عَيْنٌ فَقَالَ اشْرَبْ فَشَرِبَ. قَالَ ﴿هَذَا مُغْتَسَلٌ﴾ قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الْمُغْتَسَلُ: الْمَاءُ , وَهُوَ الْمَغْسُولُ أَيْضًا. ثُمَّ أَلْبَسَهُ جِبْرِيلُ حُلَّةً مِنَ الْجَنَّةِ. وَجَاءَتِ امْرَأَتُهُ فَقَالَتْ: يَا عَبْدَ اللَّهِ أَيْنَ المبتلى الذي كان ها هنا لَعَلَّ الذِّئَابُ ذَهَبَتْ بِهِ. فَقَالَ: وَيْحَكِ أَنَا أَيُّوبُ. فَقَالَتِ: اتَّقِ اللَّهَ وَلا تَسْخَرْ بِي. قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ أَهْلَهُ بِأَعْيَانِهِمْ وَآتَاهُ مِثْلَهُمْ مَعَهُمْ فِي الدُّنْيَا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَتْ قَدْ وَلَدَتْ لَهُ سَبْعَ بَنِينَ وَسَبْعَ بَنَاتٍ. فَنُشِرُوا لَهُ وَوَلَدَتْ
لَهُ تِسْعَةَ بَنِينَ وَسَبْعَ بَنَاتٍ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: آتَاهُ اللَّهُ أُجُورَ أَهْلِهِ فِي الآخِرَةِ وَآتَاهُ مِثْلَهُمْ فِي الدُّنْيَا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ كَانَ قَدْ حَلَفَ لَيَجْلِدَنَّ زَوْجَتَهُ مِائَةَ جَلْدَةٍ.
وَفِي سَبَبِ هَذِهِ الْيَمِينِ ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: حَدِيثُ السَّخْلَةِ الَّذِي سَبَقَ. وَالثَّانِي: أَنَّ إِبْلِيسَ جَلَسَ فِي طَرِيقِ زَوْجَتِهِ كَأَنَّهُ طَبِيبٌ , فَقَالَتْ لَهُ: عَبْدَ اللَّهِ هَاهُنَا رَجُلٌ مُبْتَلًى , فَهَلْ لَكَ أَنْ تُدَاوِيَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ إِنِّي شَافِيهِ عَلَى أَنْ يَقُولَ لِي إِذَا بَرَأَ أَنْتَ شفيتني. جاءت فَأَخْبَرَتْهُ فَقَالَ: ذَاكَ الشَّيْطَانُ , للَّهِ عَلَيَّ إِنْ شَفَانِيَ اللَّهُ أَنْ أَجْلِدَكِ مِائَةً. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ إِبْلِيسَ لَقِيَهَا فَقَالَ: أَنَا الَّذِي فَعَلْتُ بِزَوْجِكَ وَأَنَا إِلَهُ الأَرْضِ , وَمَا أَخَذْتُهُ مِنْهُ فَهُوَ بِيَدِي فَانْطَلِقِي فَأُرِيكِ. فَمَشَى غَيْرَ بَعِيدٍ ثُمَّ سَحَرَ بَصَرَهَا فَأَرَاهَا وَادِيًا عَمِيقًا فِيهِ أَهْلُهَا وَمَالُهَا وَوَلَدُهَا , فَأَتَتْ أَيُّوبَ ﵇ فَأَخْبَرَتْهُ فَقَالَ: ذَاكَ الشَّيْطَانُ , وَيْحَكِ كَيْفَ وَعَى سَمْعُكَ قَوْلَهُ , وَاللَّهِ لَئِنْ شَفَانِيَ الله لأجلدنك مائة جلدة. قَالَهُ وَهْبٌ.
وَأَمَّا الضِّغْثُ فَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ هُوَ الْحُزْمَةُ مِنَ الْخِلالِ وَالْعِيدَانِ. قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: جَزَى اللَّهُ زَوْجَتَهُ بِحُسْنِ صَبِرْهَا. أَنْ أَفْتَاهُ فِي ضَرْبِهَا , فَسَهَّلَ الأَمْرَ , فَجَمَعَ لَهَا مِائَةَ
стр. 178
عُودٍ وَقِيلَ مِائَةَ سُنْبُلَةٍ , وَقِيلَ كَانَتْ أَسَلا , وَقِيلَ كَانَتْ شَمَارِيخَ , فَضَرَبَهَا ضَرْبَةً وَاحِدَةً.
وَهَلْ ذَلِكَ خَاصٌّ لَهُ أَمْ عَامٌّ؟ فِيهِ مَذْهَبَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ عَامٌّ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٌ. وَالثَّانِي: خَاصٌّ لَهُ. قَالَهُ مُجَاهِدٌ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ حَلَفَ أَنْ يَضْرِبَ عَبْدَهُ عَشَرَةَ أَسْوَاطٍ فَجَمَعَهَا وَضَرَبَهُ بِهَا ضَرْبَةً وَاحِدَةً. فَقَالَ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: لا يَبَرُّ. وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ إِذَا أصابه في الضربة الواحدة كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا فَقَدْ بَرَّ , وَاحْتَجُّوا بِعُمُومِ قِصَّةِ أَيُّوبَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ يُجَاءُ بِالْمَرِيضِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقَالُ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَعْبُدَنِي؟ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ ابْتَلَيْتَنِي. فَيُجَاءُ بِأَيُّوبَ فِي ضُرِّهِ فَيَقُولُ: أَنْتَ كُنْتَ أَشَدَّ ضُرًّا أَمْ هَذَا؟ فَيَقُولُ بَلْ هَذَا. فَيَقُولُ: هَذَا لَمْ يَمْنَعْهُ ذَلِكَ أَنْ عَبَدَنِي!
مَا ضَرَّ أَيُّوبَ مَا جَرَى , كَأَنَّهُ سِنَةُ كَرَى , ثُمَّ شَاعَتْ مَدَائِحُهُ بَيْنَ الْوَرَى , وإنما يصير مَنْ فَهِمَ الْعَوَاقِبَ وَدَرَى.
الْكَلامُ عَلَى الْبَسْمَلَةِ
(مُنَافَسَةُ الْهَوَى فِيمَا يَزُولُ ... عَلَى نُقْصَانِ هِمَّتِهِ دَلِيلُ)
(وَمُخْتَارُ الْقَلِيلِ أَقَلُّ مِنْهُ ... وَكُلُّ فَوَائِدِ الدُّنْيَا قَلِيلُ)
يَا قَلِيلَ الصَّبْرِ عَنِ اللَّهْوِ وَالْعَبَثِ، يَا مَنْ كُلَّمَا عَاهَدَ غَدَرَ وَنَكَثَ , يا مغترا بساحر الهوى كما نَفَثَ , تَاللَّهِ لَقَدْ بُولِغَ فِي تَوْبِيخِهِ وَمَا اكْتَرَثَ , وَبَعَثَ إِلَيْهِ النَّذِيرَ وَلا يَدْرِي مِنَ الْعَبَثِ مَنْ بَعَثَ , سَيَنْدَمُ مَنْ لِلْقَبِيحِ حَرَثَ , سَيَبْكِي زَمَانَ الْهَوَى حِينَ الظَّمَإِ عِنْدَ اللَّهَثِ , سَيَعْرِفُ خَبَرَهُ الْعَاصِي إِذَا حَلَّ الْحَدَثُ , سَيَرَى سِيَرَهُ إِذَا نَاقَشَ الْمَسَائِلَ وَبَحَثَ , سَيَقْرَعُ سِنَّ الندم إذا نادى ولم يعث , عَجَبًا لِجَاهِلٍ بَاعَ تَعْذِيبَ النُّفُوسِ بِرَاحَاتِ الْجُثَثِ.
стр. 179
كَانَ الشِّبْلِيُّ يَقُولُ: لا تَغْتَرِرْ بِدَارٍ لا بُدَّ مِنَ الرَّحِيلِ عَنْهَا , وَلا تُخَرِّبْ دَارًا لا بُدَّ مِنَ الْخُلُودِ [فِيهَا] .
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَحْمَدَ الْهَاشِمِيُّ , أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ , أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ الدَّوْرَقِيُّ , حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْمُؤَدِّبُ , حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ , حَدَّثَنَا شَدَّادُ بْنُ عَلِيٍّ الْهَرَّابِيُّ , حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زَيْدٍ , قَالَ: مَرَرْتُ بِرَاهِبٍ فَنَادَيْتُهُ: يَا رَاهِبُ مَنْ تَعْبُدُ؟ قَالَ: الَّذِي خَلَقَنِي وَخَلَقَكَ. قُلْتُ عَظِيمٌ هُوَ؟ قَالَ: قَدْ جَاوَزَتْ عَظَمَتُهُ كُلَّ شَيْءٍ. قُلْتُ: فَمَتَى يَذُوقُ الْعَبْدُ حَلاوَةَ الأُنْسِ بِاللَّهِ؟ قَالَ: إِذَا صَفَا الْوُدُّ وَخَلَصَتِ الْمُعَامَلَةُ. قُلْتُ: فَمَتَى يَصْفُو الْوُدُّ؟ قَالَ: إِذَا اجْتَمَعَ الْهَمُّ فِي الطَّاعَةِ. قُلْتُ: فَمَتَى تَخْلُصُ الْمُعَامَلَةُ؟ قَالَ: إِذَا كَانَ الهم هماً واحداً. قلت فكيف تخليت بِالْوَحْدَةِ؟ قَالَ: لَوْ ذُقْتَ حَلاوَةَ الْوَحْدَةِ لاسْتَوْحَشْتَ إِلَيْهَا مِنْ نَفْسِكَ. قُلْتُ: فَمَا أَكْثَرُ مَا يَجِدُ الْعَبْدُ مِنَ الْوَحْدَةِ. قَالَ: الرَّاحَةَ مِنْ مُدَارَكَةِ النَّاسِ وَالسَّلامَةَ مِنْ شَرِّهِمْ. قُلْتُ: بِمَاذَا يُسْتَعَانُ عَلَى قِلَّةِ الْمَطْعَمِ؟ قَالَ: بِالتَّحَرِّي فِي الْمَكْسَبِ. قُلْتُ: زِدْنِي خِلالا. قَالَ كُلْ حَلالا وَارْقُدْ حَيْثُ شِئْتَ. قُلْتُ: فَأَيْنَ طَرِيقُ الرَّاحَةِ؟ قَالَ: خِلافُ الْهِوَى. قُلْتُ: لِمَ تَعَلَّقْتَ فِي هَذِهِ الصَّوْمَعَةِ؟ قَالَ: مَنْ مَشَى عَلَى
الأَرْضِ عَثَرَ , فَتَحَصَّنْتُ بِمَنْ فِي السَّمَاءِ مِنْ فِتْنَةِ أَهْلِ الأَرْضِ لأَنَّهُمْ سُرَّاقُ الْعُقُولِ , وَذَلِكَ أَنَّ الْقَلْبَ إِذَا صَفَا ضَاقَتْ عَلَيْهِ الأَرْضُ فَأَحَبَّ قُرْبَ السَّمَاءِ. قُلْتُ: يَا رَاهِبُ مِنْ أَيْنَ تَأْكُلُ؟ قَالَ: مِنْ زَرْعٍ لَمْ أَبْذُرْهُ. قُلْتُ: مَنْ يَأْتِيكَ بِهِ؟ قَالَ: الَّذِي نَصَبَ الرَّحَا يَأْتِيهَا بِالطَّحِينِ. قُلْتُ: كَيْفَ تَرَى حَالَكَ؟ قَالَ: كَيْفَ يَكُونُ حَالُ مَنْ أَرَادَ سَفَرًا بِلا أُهْبَةٍ , وَيَسْكُنُ قَبْرًا بِلا مُؤْنِسٍ , وَيَقِفُ بَيْنَ يَدَيْ حَكَمٍ عَدْلٍ. ثُمَّ أَرْسَلَ عَيْنَهُ وَبَكَى. قُلْتُ: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: ذَكَرْتُ أَيَّامًا مَضَتْ مِنْ أَجَلِي لَمْ أُحَقِّقْ فِيهَا عَمَلِي , وَفَكَّرْتُ في قلة الزاد وفي عقبة هُبُوطٍ إِلَى الْجَنَّةِ أَوْ إِلَى النَّارِ. قُلْتُ يَا رَاهِبُ: بِمَ يُسْتَجْلَبُ الْحُزْنُ؟ قَالَ: بِطُولِ الْغُرْبَةِ , وَلَيْسَ الْغَرِيبُ مَنْ مَشَى مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ , وَلَكِنَّ الْغَرِيبَ صَالِحٌ بَيْنَ فُسَّاقٍ.
ثُمَّ قَالَ: إِنَّ سُرْعَةَ الاسْتِغْفَارِ تَوْبَةُ الْكَذَّابِينَ , لَوْ عَلِمَ اللِّسَانُ مِمَّا يَسْتَغْفِرُ لَجَفَّ فِي الْحَنَكِ , إِنَّ الدُّنْيَا مُنْذُ سَاكَنَهَا الْمَوْتُ مَا قرت بها عين , كلما تزوجت الدنيا زوجا
стр. 180
طَلَّقَهُ الْمَوْتُ , فَمَثَلُهَا كَمَثَلِ الْحَيَّةِ لَيِّنٌ مَسُّهَا وَالسُّمُّ فِي جَوْفِهَا.
ثُمَّ قَالَ: عِنْدَ تَصْحِيحِ الضَّمَائِرِ يَغْفِرُ اللَّهُ الْكَبَائِرَ , وَإِذَا عَزَمَ الْعَبْدُ عَلَى تَرْكِ الآثَامِ أَتَتْهُ مِنَ السَّمَاءِ الْفُتُوحُ , وَالدُّعَاءُ الْمُسْتَجَابُ الَّذِي تُحَرِّكُهُ الأَحْزَانُ.
قُلْتُ: فَأَكُونُ مَعَكَ يَا رَاهِبُ؟ قَالَ: مَا أَصْنَعُ بِكَ وَمَعِي مُعْطِي الأَرْزَاقِ وَقَابِضُ الأَرْوَاحِ , يَسُوقُ إِلَيَّ الرِّزْقَ فِي كُلِّ وَقْتٍ , لَمْ يُكَلِّفْنِي جَمْعَهُ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ أَحَدٌ غَيْرَهُ.
اسْمَعْ يَا خَائِنَ الذِّمَمِ يَا مُضَيِّعَ الْحُرَمِ , يَا من على التوبة عزم زعم , غَيْرَ أَنَّهُ كُلَّمَا بَنَى أَنْ يَلُوذَ بِنَا هَدَمَ , يَسْعَى إِلَى الْهُدَى فَإِذَا رَأَى جِيفَةَ الْهَوَى جَثَمَ , وَيْحَكَ إِطْلاقُ الْبَصَرِ فِي سُورِ الْحَذَرِ ثَلَمٌ , عَجَبًا لأَمْنِكَ وَأَنْتَ بَيْنَ فَكَّيْ جَلَمٍ , كَأَنَّكَ بِكَ تَتَمَنَّى الْعَدَمَ , وَتَبْكِي
عَلَى تفريطك بندم , إلى كم هذا التواني كم كم وكم , وإياك وَالدُّنْيَا فَمَا تَشْفِي مِنْ قَرَمٍ , لِمَنْ تُحَدِّثُ لَقَدْ نَفَخْنَا مِنْ غَيْرِ ضَرَمٍ.
(كَمْ أَسِيرٍ لِشَهْوَةٍ وَقَتِيلٍ ... أُفٍّ لِمُشْتَرٍ خِلافِ الْجَمِيلِ)
(شَهَوَاتُ الإِنْسَانِ تُورِثُهُ الذُّلَّ وَتُلْقِيهِ فِي الْبَلاءِ الطَّوِيلِ ... )
يَا حَائِرًا لَمْ يُؤْثِرْ إِلا خِلافًا , يَا وَاعِدًا بِالتَّوْبَةِ وَلَمْ نَرَ إِلا إِخْلافًا , مَتَى سَتَعْمَلُ عَدْلا وَتُورِثُ إِنْصَافًا , أَتُصَافِي الْهَوَى مِنَ اليوم إذا صَافَى , أَمَا تَرَى النَّاسَ بِهَذِهِ الدَّارِ أَضْيَافًا , أتوقن بالحساب وترمي الفعل جُزَافًا , أَتَنْسَى الْمَوْتَ وَكَمْ قَدْ أَقَامَ سَيَّافًا , أَمَا بَقِيَ الْقَلِيلُ ثُمَّ تَلْحَقُ أَسْلافًا , مَتَى تعاملنا باليسير فنضاعفه أَضْعَافًا.
(إِذَا كَثُرَتْ مِنْكَ الذُّنُوبُ فَدَاوِهَا ... بِرَفْعِ يَدٍ فِي اللَّيْلِ وَاللَّيْلُ مُظْلِمُ)
(وَلا تَقْنَطَنَّ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّمَا ... قُنُوطُكَ مِنْهَا مِنْ خطاياك أعظم)
(فرحمته للمحسنين كرامة ... ورحمة لِلْمُسْرِفِينَ تَكَرُّمُ)
قَالَ بنَانٌ: دَخَلْتُ عَلَى ابْنِ الْعَرْجِيِّ وَهُوَ فِي بَيْتٍ مَمْلُوءٍ كُتُبًا , فَقُلْتُ لَهُ: اخْتَصِرْ لِي مِنْ هَذِهِ الْكُتُبِ كَلِمَتَيْنِ أَنْتَفِعُ بِهِمَا. قَالَ: لِيَكُنْ هَمُّكَ مَجْمُوعًا فِيمَا يُرْضِي اللَّهَ فَإِنِ اعْتَرَضَ عَلَيْكَ شَيْءٌ فَتُبْ مِنْ وَقْتِكَ.
стр. 181
الْكَلامُ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى
﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بما صبروا﴾ كَانَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ كَأَبِي جَهْلٍ وَعُتْبَةَ وَالْوَلِيدِ قَدِ اتَّخَذُوا فُقَرَاءَ الصَّحَابَةِ كَعَمَّارٍ وَبِلالٍ وَخَبَّابٍ وصهيب سخرياً يستهزءون بِهِمْ وَيَضْحَكُونَ مِنْهُمْ , فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ قِيلَ لَهُمْ: ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا﴾ على أذاكم واستهزائكم.
أما عَلِمَ الصَّالِحُونَ أَنَّ الدُّنْيَا دَارُ رِحْلَةٍ دَافَعُوا زَمَانَ الْبَلاءِ وَأَدْلَجُوا فِي لَيْلِ الصَّبْرِ عِلْمًا مِنْهُمْ بِقُرْبِ فَجْرِ الأَجْرِ , فَمَا كَانَتْ إِلا رَقْدَةٌ حَتَّى صَبَّحُوا مَنْزِلَ السَّلامَةِ , نَفِذَتْ أَبْصَارُ بَصَائِرِهِمْ بِنُورِ الْغَيْبِ إِلَى مُشَاهَدَةِ مَوْصُوفِ الْوَعْدِ , فَتَعَلَقَّتْ يَدُ الآمَالِ بِمَا عَايَنَتْ بَوَاطِنُ الْقُلُوبِ , وَأَخْمَصُوا عَنِ الْحَرَامِ الْبُطُونَ , وَغَضُّوا عَنِ الآثَامِ الْجُفُونَ , وَسَكَبُوا فِي ظَلامِ اللَّيْلِ الدُّمُوعَ , وَتَمْلَمُلوا تململ الملسوع , استقاد قلوبهم زمان التطلف , ثُمَّ جَثَّهَا سَائِقُ التَّعَسُّفِ , فَكُلَّمَا أَلاحَ لَهُمُ الرَّجَاءُ نُورَ الْوِصَالِ طَبَّقَ ظَلامُ الْخَوْفِ سَمَاءَ الأَعْمَالِ , فَهُمْ فِي بَيْدَاءِ التَّحَيُّرِ يَسْرَحُونَ , وَمِنْ بَابِ التَّضَرُّعِ لا يَبْرَحُونَ , وَحُزْنُهُمْ أَوْلَى مِمَّا يَفْرَحُونَ , فَإِذَا عَمَّهُمُ الْغَمُّ فَبِالذِّكْرِ يَتَرَوَّحُونَ , رَفَضُوا الدُّنْيَا فَسَلَّمُوا وَطَلَبُوا الأُخْرَى فَمَا نَدِمُوا , يَا بُشْرَاهُمْ إِذَا قَدِمُوا وَغَنِمُوا.
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الصوفي , أنبأنا أبو سعد الْحِيرِيُّ , أَنْبَأَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الشِّيرَازِيُّ , حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ الطَّبَرِيُّ , حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ , حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ , حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ , حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ , عن الوليد ابن مُسْلِمٍ , عَنِ الأَوْزَاعِيِّ , قَالَ حَدَّثَنِي حَكِيمٌ مِنَ الحكماء قال مرت بِعَرِيشِ مِصْرَ وَأَنَا أُرِيدُ الرِّبَاطَ , فَإِذَا أَنَا بِرَجُلٍ فِي مَظَلَّةٍ قَدْ ذَهَبَتْ عَيْنَاهُ وَيَدَاهُ وَرِجْلاهُ وَبِهِ أَنْوَاعُ الْبَلاءِ وَهُوَ يَقُولُ: الْحَمْدُ للَّهِ حَمْدًا يُوَافِي
стр. 182
شُكْرَكَ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَفَضَّلْتَنِي عَلَى كَثِيرٍ مِنْ خَلْقِكَ تَفْضِيلا. فَقُلْتُ: لأَنْظُرَنَّ أَشَيْءٌ عُلِّمَهُ أَوْ أُلْهِمَهُ إِلْهَامًا. فَقُلْتُ: عَلَى أَيِّ نِعْمَةٍ تَحْمَدُهُ , فَوَاللَّهِ مَا أَرَى شَيْئًا مِنَ الْبَلاءِ إِلا وَهُوَ بِكَ! فَقَالَ: أَلا تَرَى مَا قد صَنَعَ بِي؟ فَوَاللَّهِ لَوْ أَرْسَلَ السَّمَاءَ عَلَيَّ نَارًا فَأَحْرَقَتْنِي وَأَمَرَ الْجِبَالَ فَدَكَّتْنِي وَأَمَرَ الْبِحَارَ فَغَرَّقَتْنِي مَا ازْدَدْتُ لَهُ إِلا حَمْدًا وَشُكْرًا , وَلَكِنْ لِي إِلَيْكَ حَاجَةٌ , بُنَيَّةٌ لِي كَانَتْ تَخْدِمُنِي وَتَتَعَاهَدُنِي عِنْدَ إِفْطَارِي فَانْظُرْ هَلْ تُحِسُّ بِهَا؟ فَقُلْتُ: وَاللَّهِ إِنِّي لأَرْجِو أَنْ يَكُونَ لِي فِي قَضَاءِ حَاجَةِ هَذَا الْعَبْدِ الصَّالِحِ قُرْبَةٌ إِلَى اللَّهِ . فَخَرَجْتُ أَطْلُبُهَا بَيْنَ تِلْكَ الرِّمَالِ فَإِذَا السَّبُعُ قَدْ أَكَلَهَا فقلت: إنا لله وإنا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ! مِنْ أَيْنَ آتِي هَذَا الْعَبْدَ الصَّالِحَ فَأُخْبِرُهُ بِمَوْتِ ابْنَتِهِ , فَأَتَيْتُهُ
فَقُلْتُ: أَنْتَ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً أَمْ أَيُّوبُ؟ ابْتَلاهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَالِهِ وَأَهْلِهِ وَوَلَدِهِ وَبَدَنِهِ حَتَّى صَارَ غَرَضًا لِلنَّاسِ؟ فَقَالَ: لا بَلْ أَيُّوبُ. فَقُلْتُ: إِنَّ ابْنَتَكَ الَّتِي أَمَرْتَنِي أَنْ أَطْلُبَهَا أَصَبْتُهَا فَإِذَا السَّبُعُ قَدْ أَكَلَهَا. فَقَالَ: الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي لَمْ يُخْرِجْنِي مِنَ الدُّنْيَا وَفِي قَلْبِي شَيْءٌ. ثُمَّ شَهَقَ شَهْقَةً فَمَاتَ. فَصَلَّيْتُ عَلَيْهِ أَنَا وَجَمَاعَةٌ مَعِي ثُمَّ دَفَنْتُهُ. ثُمَّ بِتُّ لَيْلَتِي حَتَّى إِذَا مَضَى مِنَ اللَّيْلِ قَدْرُ ثُلُثِهِ وَإِذَا بِهِ فِي رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ وَإِذَا عَلَيْهِ حُلَّتَانِ خَضْرَاوَانِ وَهُوَ قَائِمٌ يَتْلُو الْقُرْآنَ , فَقُلْتُ: أَلَسْتَ صَاحِبِي بِالأَمْسِ؟ فَقَالَ: بَلَى. فَقُلْتُ: مَا صَيَّرَكَ إِلَى مَا أَرَى؟ فَلَقَدْ زِدْتَ عَلَى الْعَابِدِينَ دَرَجَةً لَمْ يَنَالُوهَا. قَالَ: بِالصَّبْرِ عِنْدَ الْبَلاءِ وَالشُّكْرِ عِنْدَ الرَّخَاءِ.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ , أَنْبَأَنَا أَبُو طَالِبٍ الْيُوسُفِيُّ , أَنْبَأَنَا يُوسُفُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمِهْرَانِيُّ , أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَسْنُونٍ , حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ الْخَوَّاصُ , حَدَّثَنَا ابْنُ مَسْرُوقٍ , حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ بِسْطَامٍ الأَصْغَرُ , حَدَّثَنِي حُرَيْثُ بْنُ طَرَفَةَ قَالَ كَانَ حَسَّانُ بْنُ أَبِي سِنَانٍ يَصُومُ الدَّهْرَ وَيُفْطِرُ عَلَى قُرْصٍ وَيَتَسَحَّرُ بِآخَرَ , فَنَحِلَ وَسَقِمَ جِسْمُهُ حَتَّى صَارَ كَهَيْئَةِ الْخَيَالِ , فَلَمَّا مَاتَ وَأُدْخِلَ مُغْتَسَلَهُ لِيُغَسَّلَ كُشِفَ الثَّوْبُ عَنْهُ فَإِذَا هُوَ كَالْخَيْطِ الأَسْوَدِ قَالَ: وَأَصْحَابُهُ يَبْكُونَ حَوْلَهُ. قَالَ حُرَيْثٌ: فحدثني يحيى البكاء وإبراهيم ابن مُحَمَّدٍ الْعُرَنِيُّ قَالا: لَمَّا نَظَرْنَا إِلَى حَسَّانٍ عَلَى مُغْتَسَلِهِ وَمَا قَدْ أَبْلاهُ الدُّءُوبُ اسْتَدْمَعَ أَهْلُ الْبَيْتِ وَعَلَتْ
стр. 183
أَصْوَاتُهُمْ , فَسَمِعْنَا قَائِلا يَقُولُ مِنْ نَاحِيَةِ الْبَيْتِ:
(تَجُوعُ لِلإِلَهِ لِكَيْ يَرَاهُ ... نَحِيلَ الْجِسْمِ مِنْ طُولِ الصِّيَامِ)
فَوَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا فِي الْبَيْتِ إِلا بَاكِيًا وَنَظَرْنَا فَلَمْ نَرَ أَحَدًا. قَالَ حُرَيْثٌ: فَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ بَعْضَ الْجِنِّ قَدْ بَكَاهُ.
قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ بِشْرِ بْنِ الْحَارِثِ: جِئْتُ إِلَى بَابِهِ فَإِذَا هُوَ فِي الدِّهْلِيزِ وَبَيْنَ يَدَيْهِ بِطِّيخَةٌ وَهُوَ يَقُولُ لِنَفْسِهِ: أَكَلْتِيهَا فَكَانَ مَاذَا؟ فَطَرَقْتُ عَلَيْهِ الْبَابَ وَدَخَلْتُ وَقُلْتُ أَيُّ شَيْءٍ هَذِهِ تُعَاتِبُ نَفْسَكَ فِيهَا. فَقَالَ:
(صبرت على الأيام حتى تولت ... وألزمت نفس صَبْرَهَا فَاسْتَمَرَّتْ)
(وَمَا النَّفْسُ إِلا حَيْثُ يَجْعَلُهَا الفتى ... فإن أطمعت تَاقَتْ وَإِلا تَسَلَّتْ)
ثُمَّ رَمَى بِالْبِطِّيخَةِ إِلَيَّ وَأَنْشَأَ يَقُولُ:
(وَإِنَّ كَدِّي لِشِبَعِ بَطْنِي ... يَبِيعُ دِينِي بِلا مَحَالِ)
(مَنْ نَالَ دُنْيَا بِغَيْرِ دين ... بال وَبَالا عَلَى وَبَالِ)
أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ عَلِيٍّ , أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ الْخَيَّاطُ , أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ الحسين بن حمكان , حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ النَّقَّاشُ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ السَّرَّاجِ , قَالَ سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ الْفَتْحِ يَقُولُ: رَأَيْتُ بِشْرَ بْنَ الْحَارِثِ فِي مَنَامِي وَهُوَ قَاعِدٌ فِي بُسْتَانٍ وَبَيْنَ يَدَيْهِ مَائِدَةٌ وَهُوَ يَأْكُلُ مِنْهَا فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا نَصْرٍ مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ؟ قَالَ: رَحِمَنِي وَغَفَرَ لِي وَأَبَاحَنِي الْجَنَّةَ بِأَسْرِهَا وَقَالَ لِي: كُلْ مِنْ جَمِيعِ ثِمَارِهَا وَاشْرَبْ مِنْ أَنْهَارِهَا وَتَمَتَّعْ بِجَمِيعِ مَا فِيهَا , كَمَا كُنْتَ تُحَرِّمُ عَلَى نَفْسِكَ الشَّهَوَاتِ فِي دَارِ الدُّنْيَا.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الْحَافِظُ , أَنْبَأَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ , أَنْبَأَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الطَّنَاجِيرِيُّ أَنْبَأَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ , أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بن محمد العنبري , أخبرنا عبد الرحمن ابن مُعَاوِيَةَ الْقُرَشِيُّ , حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَرَجِ الصَّدَفِيُّ , حدثنا جعر بن هرون , عن مسلمة ابن جَعْفَرٍ , عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: إِنَّ للَّهِ تَعَالَى عِبَادًا كَمَنْ رَأَى أَهْلَ الْجَنَّةِ فِي الْجَنَّةِ مُخَلَّدِينَ وَكَمَنْ رَأَى أَهْلَ النَّارِ فِي النَّارِ معذبين ,
стр. 184
قُلُوبُهُمْ مَحْزُونَةٌ وَشُرُورُهُمْ مَأْمُونَةٌ وَأَنْفُسُهُمْ عَفِيفَةٌ , وَحَوَائِجُهُمْ خَفِيفَةٌ , صَبَرُوا أَيَّامًا قِصَارًا تَعْقُبُ رَاحَةً طَوِيلَةً , أَمَّا اللَّيْلَ فَصَافَّةٌ أَقْدَامُهُمْ تَسِيلُ دُمُوعُهُمْ عَلَى خُدُودِهِمْ , يَجْأَرُونَ إِلَى رَبِّهِمْ رَبَّنَا رَبَّنَا. وَأَمَّا النَّهَارَ فَعُلَمَاءُ حُلَمَاءُ بَرَرَةٌ أَتْقِيَاءُ يَنْظُرُ إِلَيْهِمُ النَّاظِرُ فَيَحْسَبُهُمْ مَرْضَى أَوْ قَدْ خُولِطُوا , وَمَا بِهِمْ مَرَضٌ وَلَكِنْ خَالَطَ الْقَوْمَ أَمْرٌ عَظِيمٌ.
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الصُّوفِيُّ , أَنْبَأَنَا أَبُو سَعْدٍ الْحِيرِيُّ , حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الشِّيرَازِيُّ , حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الزَّنْجَانِيُّ , حَدَّثَنَا عيسى بن هرون , حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْجُنَيْدِ , حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحِ بْنِ يَحْيَى , عَنْ شُعَيْبِ بْنِ حَرْبٍ , قَالَ: كَانَ قَوْمٌ مِنَ الْحَوَارِيِّينَ عَلَى
شَاطِئِ البحر يتحدثون في ملكوت السماء وَفِي خَدْعَةِ الدُّنْيَا لِمَنْ فِيهَا , فَسَمِعُوا هَاتِفًا من البحر يقول: إن للَّهِ عِبَادًا أَخْلَصَتْهُمُ الْخَشْيَةُ وَأَذَابَهُمُ الْحُزْنُ , فَلَمْ تَجِفَّ دَمْعَتُهُمْ وَلَمْ يَشْغَلْهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ شَاغِلٌ , تَفَرَّغُوا لَهُ وَنَصَبُوهُ بَيْنَ أَعْيُنِهِمْ , أُولَئِكَ عَلَى كَرَاسِيٍّ مِنْ نُورٍ عِنْدَ قَائِمَةِ الْعَرْشِ يَضْحَكُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ وَيَضْحَكُونَ إِلَيْهِ فَصُعِقُوا وَسَقَطَ بَعْضُهُمْ فِي الْبَحْرِ وَمَاتَ بَاقِيهِمْ.
أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ , أنبأنا محمد بن علي الْقُرَشِيِّ , حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُسَيْنِيُّ , حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْوَشَّاءُ , حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جعر , حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ يَحْيَى الدِّهْقَانُ , حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَمَّادِ بْنِ عَمْرٍو , حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ حسين بن محمد ابن بَكْرٍ , عَنْ أَبِي الْجَارُودِ , عَنْ عَطِيَّةَ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّهُ لَيَبْلُغُ مِنْ كَرَامَةِ الْعَبْدِ عَلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَّهُ لَيَكُونُ لَهُ فِي الْجَنَّةِ أَلْفُ بَابٍ , مَا مِنْهَا بَابٌ إِلا عَلَيْهِ خَدَمٌ مِنْ خَدَمِهِ , فَتُقْبِلُ الْمَلائِكَةُ حَتَّى يَنْتَهُوا إِلَى تِلْكَ الأَبْوَابِ فَيَقُولُونَ هَلْ عَلَى سَيِّدِكُمْ مِنْ إِذْنٍ؟ فَيَقُولُونَ: مَا نَدْرِي. فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُونَ إِنَّ مَلائِكَةً مِنْ مَلائِكَةِ اللَّهِ عَلَى الأَبْوَابِ يَقُولُونَ: هَلْ عَلَى سَيِّدِكُمْ مِنْ إِذْنٍ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ. فَيَدْخُلُونَ عَلَيْهِ بِالتَّحِيَّةِ ".
يَا قَلِيلَ الصَّبْرِ إِنَّمَا هِيَ مَرَاحِلُ , فَصَابِرْ لُجَّةَ الْبَلاءِ فَالْمَوْتُ سَاحِلٌ , تَأَمَّلْ تَحْتَ سَجْفِ لَيْلِ الصَّبْرِ صُبْحُ الأَجْرِ , وَاحْبِسْ لِسَانَكَ عَنِ الشَّكْوَى فِي سِجْنِ
стр. 185
الصَّبْرِ , وَاقْطَعْ نَهَارَ اللأْوَاءِ بِحَدِيثِ الْفِكْرِ , وَأَوْقِدْ فِي دَيَاجِي الآلامِ مِصْبَاحَ الشُّكْرِ , وَقَلِّبْ قَلْبَكَ بين
ذكر النواب وَتَمْحِيصِ الْوِزْرِ , وَتَعَلَّمْ أَنَّ الْبَلاءَ يُمَزِّقُ رُكَامَ الذُّنُوبِ تَمْزِيقَ الشِّبَاكِ , وَيَرْفَعُ دَرَجَاتِ الْفَضَائِلِ إِلَى كَاهِلِ السَّمَّاكِ , وَمَنْ تَفَكَّرَ فِي سِرِّ: ﴿إِنَّ الله مع الصابرين﴾ . أَنِسَ بِجَلِيسِهِ , وَمَنْ تَذَكَّرَ ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أجرهم بغير حساب﴾ فرح بامتلاء كيسه.
(إذا أَنْتَ لَمْ تَرْحَلْ بِزَادٍ مِنَ التُّقَى ... وَلاقَيْتَ بَعْدَ الْمَوْتِ مَنْ قَدْ تَزَوَّدَا)
(نَدِمْتَ عَلَى أَنْ لا تَكُونَ كَمِثْلِهِ ... وَإِنَّكَ لَمْ تَرْصُدْ كَمَا كَانَ أَرْصَدَا)
سَجْعٌ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى
﴿إني جزيتهم اليوم بما صبروا﴾ للَّهِ أَقْوَامٌ امْتَثَلُوا مَا أُمِرُوا , وَزُجِرُوا عَنِ الزَّلَلِ فَانْزَجَرُوا , فَإِذَا لاحَتِ الدُّنْيَا غَابُوا وَإِذَا بَانَتِ الأُخْرَى حَضَرُوا , فَلَوْ رَأَيْتَهُمْ فِي الْقِيَامَةِ إِذَا حُشِرُوا ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا﴾ .
جَنَّ عَلَيْهِمُ اللَّيْلُ فَسَهِرُوا , وَطَالَعُوا صُحُفَ الذُّنُوبِ فَانْكَسَرُوا , وَطَرَقُوا بَابَ الْمَحْبُوبِ وَاعْتَذَرُوا , وَبَالَغُوا فِي الْمَطْلُوبِ ثُمَّ حَذِرُوا , فَانْظُرْ بِمَاذَا وُعِدُوا فِي الذِّكْرِ وَذَكَرُوا ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا﴾ .
رَبِحُوا وَاللَّهِ وَمَا خَسِرُوا , وَعَاهَدُوا عَلَى الزُّهْدِ فَمَا غَدَرُوا , وَاحْتَالُوا عَلَى نُفُوسِهِمْ فَمَلَكُوا وَأَسَرُوا , وتفقدوا أنه الْمَوْلَى فَاعْتَرَفُوا وَشَكَرُوا ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صبروا﴾ .
بُيُوتُهُمْ فِي خُلُوِّهَا كَالصَّوَامِعِ , وَعُيُونُهُمْ تَنْظُرُ بِالتُّقَى من طرف [خَاشِعٍ] وَالأَجْفَانُ قَدْ سَحَّتْ سُحُبَ الْمَدَامِعِ تَسْقِي بَذْرَ الْفِكْرِ الَّذِي بَذَرُوا ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بما صبروا﴾ .
стр. 186
اسْتَوْحَشُوا مِنْ كُلِّ جَلِيسٍ , شُغُلا بِالْمَعْنَى النَّفِيسِ , وَزَمُّوا مَطَايَا الْجِدَّ فَسَارَتِ الْعِيسُ , وَبَادَرُوا الْفُرْصَةَ فَفَاتُوا إِبْلِيسَ , لا وَقَفُوا وَلا فَتَرُوا ﴿إِنِّي جزيتهم اليوم بما صبروا﴾ .
قُلُوبٌ فِي الْخِدْمَةِ حَضَرَتْ، أَسْرَارٌ بِالصِّدْقِ عَمَرَتْ , كَمْ شَهْوَةٍ فِي صُدُورِهِمُ انْكَسَرَتْ , أَخْبَارُهُمْ تُحْيِي الْقُلُوبَ إِذَا نُشِرَتْ , وَيُقَالُ عَنِ الْقَوْمِ إِذَا نشروا ﴿إني جزيتهم اليوم بما صبروا﴾ .
جَدُّوا فَلَيْسَ فِيهِمْ مَنْ يَلْعَبُ , وَرَفَضُوا الدُّنْيَا فَتَرَكُوهَا تَخْرَبُ , وَأَذَابُوا قُلُوبَهُمْ بِقِلَّةِ الْمَطْعَمِ وَالْمَشْرَبِ , فَغَدًا يُقَالُ: كُلْ يَا مَنْ لَمْ يَأْكُلْ وَاشْرَبْ يَا مَنْ لَمْ يَشْرَبْ أَذْكَارُهُمْ فِي الْحَيَاةِ وَإِنْ كَانُوا قُبِرُوا ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بما صبروا﴾ .
عَلِمُوا أَنَّ الدُّنَيْا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ , وَأَنَّ مَنْ وَافَقَ مُرَادَهَا فَارَقَ دِينَهُ , فَحَذِرُوا مِنْ غُرُورٍ يُجْدِي غَبِينَةً , فَرَكِبُوا مِنَ التُّقَى فِي سَفِينَةٍ أَشْحَنُوهَا بِالزَّادِ وَعَبَرُوا " ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بما صبروا﴾ .
طُوبَى لَهُمْ وَالأَمْلاكُ تَتَلَقَّاهُمْ , كُشِفَ الْحِجَابُ عَنْ عُيُونِهِمْ فَأَرَاهُمْ , هَذَا أَقْصَى آمَالِهِمْ وَقَدْ ظَفَرُوا ﴿إني جزيتهم اليوم بما صبروا﴾ .
بَلَّغَنَا اللَّهُ ذَلِكَ الْمَبْلَغَ , وَأَسْمَعَنَا زَجْرَ النَّاصِحِ فَقَدْ أَبْلَغَ , وَسَتَرَنَا مِنَ الْعِقَابِ فَإِنَّهُ إِنْ عَفَا أَسْبَغَ , وَلَوْلا عَوْنُهُ مَا قَدَرُوا ﴿إِنِّي جزيتهم اليوم بما صبروا﴾ .
стр. 187
المجلس الرابع عشر
فِي ذِكْرِ قِصَّةِ شُعَيْبٍ ﵇
الْحَمْدُ للَّهِ الْقَدِيمِ فَلا يُقَالُ مَتَى كَانَ , الْعَظِيمِ فَلا يَحْوِيهِ مَكَانٌ , أَنْشَأَ آدَمَ وَأَخْرَجَ ذُرِّيَّتَهُ بِنُعْمَانَ , وَرَفَعَ إِدْرِيسَ إِلَى أَعَالِي الْجِنَانِ , وَنَجَّى نُوحًا وَأَهْلَكَ كَنْعَانَ , وَسَلَّمَ الْخَلِيلَ بِلُطْفِهِ يَوْمَ النِّيرَانِ , وَيُوسُفُ مِنَ الْفَاحِشَةِ حِينَ الْبُرْهَانِ , وَبَعَثَ شُعَيْبًا إِلَى مَدْيَنَ يَنْهَى عَنِ الْبَخْسِ وَالْعُدْوَانِ , وَيُنَادِيهِمْ فِي نَادِيهِمْ وَلَكِنْ صُمَّتِ الآذَانُ ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ﴾ .
أَحْمَدُهُ حَمْدًا يَمْلأُ الْمِيزَانَ , وَأُصَلِّي عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ الَّذِي فَاقَ دِينُهُ الأَدْيَانَ , وَعَلَى صَاحِبِهِ أبو بَكْرٍ أَوَّلِ مَنْ جَمَعَ الْقُرْآنَ , وَعَلَى عُمَرَ الْفَارُوقِ الَّذِي كَانَ يَفْرَقُ مِنْهُ الشَّيْطَانُ , وَعَلَى زَوْجِ الابْنَتَيْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ , وَعَلَى عَلِيٍّ بَحْرِ الْعُلُومِ وَسَيِّدِ الشُّجْعَانِ , وَعَلَى عَمِّهِ الْمُسْتَسْقَى بشيبته فأقبح السَّحُّ الْهَتَّانُ.
قَالَ اللَّهُ : ﴿وَإِلَى مدين أخاهم شعيبا﴾
قَالَ قَتَادَةُ: مَدْيَنُ مَاءٌ كَانَ عَلَيْهِ قَوْمُ شُعَيْبٍ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: مَدْيَنُ هَذَا هُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ لِصُلْبِهِ. وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ: هُوَ مَدْيَنُ بْنُ مَدْيَانَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ.
وَالْمَعْنَى: أَرْسَلْنَا إِلَى وَلَدِ مَدْيَنَ. فَعَلَى هَذَا هُوَ اسْمُ قَبِيلَةٍ.
وَشُعَيْبُ هُوَ ابْنُ عيفَا بْنِ نويبَ بْنِ مَدْيَنَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ , أَرْسَلَ إِلَى مَدْيَنَ وَهُوَ ابْنُ عِشْرِينَ سَنَةً وَكَانُوا مَعَ كُفْرِهِمْ يَبْخَسُونَ الْمَكَايِيلَ وَالْمَوَازِينَ , فَدَعَاهُمْ إِلَى
стр. 188
التَّوْحِيدِ وَنَهَاهُمْ عَنِ التَّطْفِيفِ , وَكَانَ يُقَالُ لَهُ خَطِيبُ الأَنْبِيَاءِ لِحُسْنِ مُرَاجَعَتِهِ قَوْمِهِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قد جاءتكم بينة من ربكم﴾ وَلَمْ يَذْكُرْ مُعْجِزَتَهُ. ﴿وَلا تَبْخَسُوا
الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ﴾ أَيْ لا تَنْقُصُوا ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ﴾ أَيْ لا تَعْمَلُوا فِيهَا الْمَعَاصِيَ بَعْدَ أَنْ أَصْلَحَهَا بِالأَمْرِ بِالْعَدْلِ ﴿وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ﴾ أي بكل طريق ﴿توعدون﴾ وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ بِكَذَا لأَنَّ الْعَرَبَ إِذَا أَخْلَتِ الْفِعْلَ مِنَ الْمَفْعُولِ لا يَدُلُّ إِلا عَلَى شَرٍّ , يَقُولُونَ: أَوْعَدْتَ فلاناَ. وَكَذَلِكَ إِذَا أَفْرَدُوا ﴿وَعَدْتَ﴾ مِنْ مَفْعُولٍ فَإِنَّهُ لا يَدُلُّ إِلا عَلَى خَيْرٍ. قَالَ الْفَرَّاءُ: يَقُولُونَ: وَعَدْتُهُ خَيْرًا وَوَعَدْتُهُ شَرًّا , فَإِذَا أَسْقَطُوا الْخَيْرَ وَالشَّرَّ قَالُوا: وَعَدْتُهُ فِي الْخَيْرِ. وَأَوْعَدْتُهُ فِي الشَّرِّ.
وَلِلْمُفَسِّرِينَ فِي الْمُرَادِ بِهَذَا الإِيعَادِ ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُمْ كَانُوا يُوعِدُونَ مَنْ آمَنَ بِشُعَيْبٍ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَالثَّانِي: أَنَّهُمْ كَانُوا عَشَّارِينَ قَالَهُ السُّدِّيُّ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُمْ كَانُوا يَقْطَعُونَ الطَّرِيقَ. قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَتَصُدُّونَ عَنْ سبيل الله﴾ أَيْ تُصْرِفُونَ عَنْ دِينِهِ ﴿مَنْ آمَنَ بِهِ وتبغونها عوجاً﴾ أَيْ تَطْلُبُونَ لِلسَّبِيلِ عِوَجًا أَيْ زَيْفًا ﴿وَاذْكُرُوا إذ كنتم قليلاً فكثركم﴾ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أَشْيَاءَ: أَحَدُهَا: كُنْتُمْ فُقَرَاءَ فَأَغْنَاكُمْ , وَقَلِيلا عَدَدُكُمْ فَكَثَّرَكُمْ , وَغَيْرَ ذِي مَقْدِرَةٍ فَأَقْدَرَكُمْ. وَكَانُوا مَعَ كَثْرَةِ أَمْوَالِهِمْ قَدْ أُغْرُوا بِالتَّطْفِيفِ.
وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ مَا رَدُّوا عَلَيْهِ: " أَصَلاتُكَ تأمرك " أَيْ دِينُكَ وَقِرَاءَتُكَ. " أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا " الْمَعْنَى: [أَوْ] أَنْ نَتْرُكَ أَنْ نَفْعَلَ. وَقَرَأَ الضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ الْفِهْرِيُّ: ﴿مَا تَشَاءُ﴾ فَاسْتَغْنَى عَنِ الإِضْمَارِ. وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: أَمَرَهُمْ بِالزَّكَاةِ فامتنعوا. وقالوا: ﴿إنك لأنت الحليم الرشيد﴾ استهزاء به.
стр. 189
فَخَوَّفَهُمْ أَخَذَاتِ الأُمَمِ وَقَالَ: ﴿لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي﴾ أَيْ لا تَحْمِلَنَّكُمْ عَدَاوَتُكُمْ إِيَّايَ أَنْ تُعَذَّبُوا. وَكَانَ أَقْرَبُ الإِهْلاكَاتِ إِلَيْهِمْ قَوْمَ لُوطٍ فَقَالَ: ﴿وما قوم لوط منكم ببعيد﴾ .
فقالوا: " ما نفقه كثيراً مما تقول " أَيْ مَا نَعْرِفُ صِحَّةَ ذَلِكَ ﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فينا ضعيفاً﴾
وَكَانَ قَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ. كَذَا يَقُولُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنَادِي: وَهَذَا إِنْ ثَبَتَ كَانَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ لأَنَّهُ لا يُبْعَثُ نَبِيٌّ أَعْمَى. قَالَ أَبُو رَوْقٍ: لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا أَعْمَى وَلا مَنْ بِهِ زَمَانَةٌ. قَالَ ابْنُ الْمُنَادِي: وَهَذا الْقَوْلُ أَلْيَطُ بِالْقُلُوبِ مِنْ قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.
﴿وَلَوْلا رهطك﴾ يعني عشيرتك ﴿لرجمناك﴾ أَيْ لَقَتَلْنَاكَ بِالرَّجْمِ. فَقَالَ لَهُمْ: ﴿أَرَهْطِي أَعَزُّ عليكم من الله﴾ أَيْ تُرَاعُونَ رَهْطِي فِي وَلا تُرَاعُونَ اللَّهَ في ﴿واتخذتموه وراءكم ظهريا﴾ أَيْ رَمَيْتُمْ أَمْرَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ.
ثُمَّ كان آخر أمره أن قال: ﴿فارتقبوا إني معكم رقيب﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: ارْتَقِبُوا الْعَذَابَ فَإِنِّي أَرْتَقِبُ الثَّوَابَ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ عُذِّبَ أَهْلُ مَدْيَنَ بِثَلاثَةِ أَصْنَافٍ: أَخَذَتْهُمْ رَجْفَةٌ فِي دِيَارِهِمْ حَتَّى خَافُوا أَنْ تَسْقُطَ عَلَيْهِمْ , فَخَرَجُوا مِنْهَا فَأَصَابَهُمْ حَرٌّ شَدِيدٌ , فَبَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى الظُّلَّةُ فَنَادَوْا: هَلُمُّوا إِلَى الظِّلِّ. فَدَخَلُوا فِيهِ فَصِيحَ بِهِمْ صَيْحَةٌ وَاحِدَةٌ فَمَاتُوا كُلُّهُمْ.
وَهَذَا الْقَوْلُ عَلَى أَنَّ أَهْلَ مَدْيَنَ أَصْحَابُ الظُّلَّةِ , وَإِلَيْهِ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ فعلى هذا إنما خذف ذِكْرُ الأَخِ مِنْ سُورَةِ الشُّعَرَاءِ تَخْفِيفًا.
وَذَهَبَ مُقَاتِلٌ إِلَى أَنَّ أَهْلَ مَدْيَنَ لَمَّا هَلَكُوا بُعِثَ شُعَيْبٌ إِلَى أَصْحَابِ الأَيْكَةِ فَأُهْلِكُوا بِالظُّلَّةِ.
قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْمُنَادِي: وَكَانَ أَبُو جَادٍ وَهَوازٍ وَحُطِّي وَكَلَمُونَ وَسعفصَ وَقُرَيْشَاتَ بْنِ الأَمْحَضِ بْنِ جَنْدَلِ بْنِ يَعْصُبَ بْنِ مَدْيَنَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ مُلُوكًا , وَكَانَ
стр. 190
أَبُو جَادٍ مَلِكَ مَكَّةَ وَمَا وَالاهَا مِنْ تِهَامَةَ , وَكَانَ هَوازُ وَحُطِّي مَلِكَيْ وَجٍّ وَهُوَ الطَّائِفُ , وَكَانَ سعفصُ وَقُريشَاتُ مَلِكَيْ مَدْيَنَ , ثُمَّ خَلَفَهُمْ كَلَمُونُ فَكَانَ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ فِي مُلْكِهِ. فَقَالَتْ حَالِفَةُ بِنْتُ كَلَمُونَ تَرْثِيهِ:
(كَلَمُونُ هَدَّ رُكْنِي ... هَلْكُهُ وَسْطَ الْمَحَلَّهْ)
(سَيِّدُ الْقَوْمِ أَتَاهُ الْحَتْفُ نَارٌ وَسْطَ ظُلَّهْ ... )
(كُوِّنَتْ نَارًا فَأَضْحَتْ ... دَارُهُمْ كَالْمُضْمَحِلَّهْ)
قَالَ ابْنُ الْمُنَادِي: ثُمَّ إن شعيباً مكث في أصحاب الأيكة باقي عُمْرُهُ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فَمَا ازْدَادُوا إِلا عُتُوًّا فَسُلِّطَ عَلَيْهِمُ الْحَرُّ. فَجَائِزٌ أَنْ تَكُونَ الأُمَّتَانِ اتَّفَقَتَا فِي التَّعْذِيبِ.
وَقَدْ قَالَ قَتَادَةُ: أَمَّا أَهْلُ مَدْيَنَ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ وَالرَّجْفَةُ , وَأَمَّا أَصْحَابُ الأَيْكَةَ فَسُلِّطَ عَلَيْهِمُ الْحَرُّ سَبْعَةَ أَيَّامٍ , ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ نَارًا فَأَكَلَتْهُمْ , فَذَلِكَ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ.
ثُمَّ إِنَّ شُعَيْبًا زَوَّجَ مُوسَى ابْنَتَهُ , ثُمَّ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ فَمَاتَ بِهَا وَكَانَ عُمْرُهُ مِائَةً وأربعين سنة , ودفن فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حِيَالَ الْحَجَرِ الأَسْوَدِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَظَّمَ ذِكْرَ الْبَخْسِ فِي قِصَّتِهِمْ وَشَدَّدَ فِيهِ وَأَطْنَبَ فِي ذِكْرِهِ وَأَشَارَ إِلَى التَّوْحِيدِ , لِيُنَبِّهَنَا عَلَى مَا نَرْتَكِبُهُ , فَإِذْ قَدْ عَرَفْنَا قُبْحَ الشِّرْكِ لَمْ نَحْتَجْ إِلَى الإِطْنَابِ فِي ذِكْرِهِ , وَكَذَلِكَ عَابَ قَوْمَ لُوطٍ بِالْفَاحِشَةِ وَبَالَغَ فِي ذِكْرِهَا , وَكُلُّ ذَلِكَ لِتَخْوِيفِنَا.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ كَانُوا مِنْ أَخَبْثِ النَّاسِ كَيْلا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ .
وَاعْلَمْ أَنَّهُ خَوَّفَ الْمُطَفِّفِينَ بِذِكْرِ الْوَيْلِ لَهُمْ ثُمَّ قَالَ: ﴿أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ﴾ وَالْمَعْنَى: لَوْ ظَنُّوا الْبَعْثَ مَا بَخَسُوا ﴿يَوْمَ يقوم الناس لرب العالمين﴾ أَيْ لأَمْرِ الْجَزَاءِ.
стр. 191
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " يَقُومُ أَحَدُهُمْ فِي رَشْحِهِ إلى أنصاف أذنيه " وقال كعب: يقفون ثلاثمائة عَامٍ.
أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ , أَنْبَأَنَا ابْنُ الْمُذْهِبِ , أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ , حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ ابن أَحْمَدَ , حَدَّثَنِي أَبِي , حَدَّثَنَا سُفْيَانُ , عَنِ الْعَلاءِ , عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , ﵁
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِرَجُلٍ يَبِيعُ طَعَامًا فَسَأَلَهُ: كَيْفَ تَبِيعُ؟ فَأَخْبَرَهُ , فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ: أَدْخِلْ يَدَكَ فِيهِ. فَأَدْخَلَ يَدَهُ فَإِذَا هُوَ مَبْلُولٌ , فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَيْسَ مِنَّا مَنْ غَشَّ ".
وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ وَاسِعٍ أَنَّهُ رُئِيَ يَعْرِضُ حِمَارًا لَهُ عَلَى الْبَيْعِ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: أَتَرْضَاهُ لِي؟ فَقَالَ: لَوْ رَضِيتُهُ لَمْ أَبِعْهُ.
وَفِي أَفْرَادِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ:
" لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لا يُبَالِي الْمَرْءُ بِمَا أَخَذَ الْمَالَ مِنْ حَلالٍ أَمْ حَرَامٍ ".
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ رَفْعِ الأَمَانَةِ فَقَالَ: " يَنَامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ ".
الْكَلامُ عَلَى الْبَسْمَلَةِ
(يَا أَخِي كُنْ عَلَى حَذَرْ ... قَبْلَ أَنْ تَحْدُثَ الْغِيَرْ)
(لا تَكُنْ جَاهِلا كَأَنَّكَ لا تَعْرِفُ الْخَبَرْ ... )
(نَشَرَ الْعَيْشُ صَفْوَهُ ... فَطَوَى الْمَوْتُ مَا نَشَرْ)
(فَإِذَا مَا صَفَا لك الدهر فاعمل على الحر ... )
(أَيْنَ مَنْ طَالَ عُمْرُهُ ... أَيْنَ مَنْ كَانَ ذَا قَصَرْ)
(لا الرُّقَى أَخَّرَتْهُمُ ... مِنْ طَبِيبٍ وَلا الْبَشَرْ)
(رَحِمَ اللَّهُ مَنْ تَفَكَّرَ فِي الْمَوْتِ وَاعْتَبَرْ ... )
(قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ النُّفُوسُ ... وَلا تُمْكِنُ الْفِكَرْ)
(فَكَأَنَّا بِيَوْمِنَا ... قَدْ أَتَانَا بِهِ القدر)
стр. 192
(واستوى عنده المواصل ... فيه ومن هَجَرْ)
(وَعُدِمْنَا النَّهَارَ وَاللَّيْلَ ... وَالْحَرَّ وَالَمَطَرْ)
(وَانْقَضَى الْعَدُّ بِالنُّجُومِ ... وَبِالشَّمْسِ وَالْقَمَرْ)
(مَا انْتِظَارِي وَكُلُّ وحي لَهُ ... الْمَوْتُ يَنْتَظِرْ)
(رَقَّ جِلْدِي وَدَقَّ عَظْمِي ... وَقَلْبِي فَمِنْ حَجَرْ)
(كُلَّمَا تُبْتُ مِنْ ذُنُوبٍ ... تَقَحَّمْتُ فِي أُخَرْ)
يَا غَرِيقًا فِي لُجَجِ لُجَاجِهِ , يَا رَاحِلا عَنْ قَلِيلٍ عَنْ أَهْلِهِ وماله وأزواجه , يا مسئولاً ماله جَوَابٌ فِي احْتِجَاجِهِ , مَتَى يَأْتِي الْهُدَى مِنْ طُرُقِهِ وَفِجَاجِهِ , مَتَى تُنِيرُ الْقُلُوبُ بِإِيقَادِ سِرَاجِهِ , مَتَى يُكْتَمُ هَذَا الْجُرْحُ بِانْتِسَاجِهِ , مَتَى يُفْتَحُ بَابٌ يَا طُولَ ارْتِيَاجِهِ , مَتَى يُسْتَدْرَكُ عُمْرٌ قَدْ مَرَّ بِانْدِمَاجِهِ , مَتَى يَرْجِعُ سِفْرُ النَّدَمِ بِقَضَاءِ حَاجِهِ , إِلَى مَتَى يُقَالُ فَلا تَقْبَلُ , أَمَا الْمَوْتُ نَحْوَكَ قَدْ أَقْبَلَ , أَمَا الْعُمْرُ أَيَّامٌ تُنْهَبُ , أَمَا السَّاعَاتُ أَحْلامٌ تَذْهَبُ , أَمَا الْمَعَاصِي تَضُرُّ الْكَاسِبَ , أَمَا الْخَطَايَا شَرُّ الْمَكَاسِبِ , أَبْعَدَ احْتِجَاجُ الشَّيْبِ مَا تَرْعَوِي , أَبْعَدَ اعْوِجَاجُ الصُّلْبِ مَا تَسْتَوِي.
(إِلَى كَمْ يَكُونُ الْعَتْبُ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ ... وَلِمَ لا تَمَلُّونَ الْقَطِيعَةَ وَالْهَجْرَا)
(رُوَيْدَكَ إِنَّ الدَّهْرَ فِيهِ كِفَايَةٌ ... لِتَفْرِيقِ ذَاتِ الْبَيْنِ فَانْتَظِرِ الدَّهْرَا)
للَّهِ دَرُّ أَقْوَامٍ نَظَرُوا إِلَى الأَشْيَاءِ بِعَيْبِهَا , فَكَشَفَتْ لَهُمُ الْعَوَاقِبُ عَنْ غَيْبِهَا , وَأَخْبَرَتْهُمُ الدُّنْيَا بِكُلِّ عَيْبِهَا , فَشَمَّرُوا لِلْجِدِّ عَنْ سُوقِ الْعَزَائِمِ وَأَنْتَ فِي الْغَفْلَةِ نَائِمٌ.
أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ عَلِيٍّ , أَنْبَأَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْمُهْتَدِي , حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْعَلافُ , حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَغَوِيُّ , حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْنٍ , حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عَطِيَّةَ , عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ , قَالَ بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْشِي اسْتَقْبَلَهُ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : كَيْفَ أَصْبَحْتَ يَا حَارِثَةُ؟ قَالَ: أَصْبَحْتُ مُؤْمِنًا بِاللَّهِ حَقًّا. قَالَ: انْظُرْ مَا تَقُولُ , فَإِنَّ لِكُلِّ قَوْلٍ حَقِيقَةً , فَمَا حَقِيقَةُ إِيمَانِكَ؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَرَفَتْ نَفْسِي الدُّنْيَا
стр. 193
فَأَسْهَرْتُ لَيْلِي وَأَظْمَأْتُ نَهَارِي , وَكَأَنِّي بِعَرْشِ رَبِّي بَارِزًا , وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ
الْجَنَّةِ يَتَزَاوَرُونَ فِيهَا , وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ النَّارِ يَتَعَاوَوْنَ فيها. قال: أبصرت فالزم.
عبد نور الله الإِيمَانُ فِي قَلْبِهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , ادْعُ اللَّهَ لِي بِالشَّهَادَةِ , فَدَعَا لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , فَنُودِيَ يَوْمًا فِي الْخَيْلِ , فَكَانَ أَوَّلَ فَارِسٍ رَكِبَ وَأَوَّلَ فَارِسٍ اسْتُشْهِدَ قَالَ: فَبَلَغَ ذَلِكَ أُمَّهُ فَجَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: إِنْ يَكُنْ فِي الْجَنَّةِ لَمْ أَبْكِ عَلَيْهِ , وَلَكِنْ أَحْزَنُ , وَإِنْ يَكُنْ فِي النَّارِ بَكَيْتُ عَلَيْهِ مَا عِشْتُ فِي دَارِ الدُّنْيَا. فَقَالَ: " يَا أُمَّ حَارِثَةَ إِنَّهَا لَيْسَتْ بِجَنَّةٍ وَلَكِنْ جَنَّاتٌ , وَالْحَارِثُ فِي الْفِرْدَوْسِ الأَعْلَى ". فَرَجَعَتْ وَهِيَ تَضْحَكُ وَتَقُولُ: بَخٍ بَخٍ لَكَ يَا حَارِثَةُ!
يَا هَذَا سَبَقَكَ أَهْلُ الْعَزَائِمِ وأنت في الغفلة نائم , لقد بعث الْمَعَالِي بِالْكَسَلِ , وَآثَرْتَ الْبَطَالَةَ عَلَى الْعَمَلِ , أَزْعَجَ ذِكْرُ الْقِيَامَةِ قُلُوبَ الْخَائِفِينَ , وَقَلْقَلَ خَوْفُ الْعِتَابِ أَفْئِدَةَ الْعَارِفِينَ , فَاشْتَغَلُوا عَنْ طَعَامِ الطَّغَامِ , وَمَالَ بِهِمْ حَذَرُ الْبَاسِ عَنْ تَنَوُّقِ اللِّبَاسِ.
كَانَ أُوَيْسٌ الْقَرَنِيُّ يَلْتَقِطُ الرِّقَاعَ مِنَ الْمَزَابِلِ وَيَغْسِلُهَا فِي الْفُرَاتِ وَيَضَعُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ:
(أَطْمَارُهُ رَثَّةٌ فَقَدْ ضَاعَ ... لا ضَاعَ , وَضَاعَ الثَّمِينُ فِي بَلَدِهِ)
(لَيْسَ لَهُ نَاقِدٌ فَيَعْرِفُهُ ... وَآفَةُ التِّبْرِ ضَعْفُ مُنْتَقِدِهِ)
يَا مُفَرِّطًا فِي سَاعَاتِهِ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ , لَوْ عَلِمْتَ مَا فَاتَ شَابَهَتْ دُمُوعُكَ الأَنْهَارَ , يَا طَوِيلَ النَّوْمِ عَدِمْتَ خَيْرَاتِ الأَسْحَارِ , لَوْ رَأَى طَرْفُكَ مَا نَالَ الأَبْرَارُ حَارَ , يَا مَخْدُوعًا بِالْهَوَى سَاكِنًا فِي دَارٍ , قَدْ حَامَ حَوْلَ سَاكِنِهَا طَارِقُ الْفَنَاءِ وَدَارَ , سَارَ الصَّالِحُونَ فَاجْتَهِدْ فِي اتِّبَاعِ الآثَارِ , وَاذْكُرْ بظلام لليل ظَلامَ الْقَبْرِ وَخُلُوَّ الدِّيَارِ , وَحَارِبْ عَدُوًّا قَدْ قَتَلَكَ بِالْهَوَى وَاطْلُبِ الثَّأْرَ , فَقَدْ أَرَيْتُكَ طَرِيقًا إِنْ سَلَكْتَهَا أَمِنْتَ الْعِثَارَ , فَإِنْ فُزْتَ بِالْمُرَادِ فَالصَّيْدُ لِمَنْ أَثَارَ.
стр. 194
(مَنْ لِنَفْسٍ أَبَتْ نَاصِحًا إِذْ صَبَتْ ... كَمْ جَدِيدٍ مِنْ صِبًا فِي جَدِيدٍ أَبْلَتْ)
(وَأَطَاعَتْ مَنْ هَوَى فَهَوَتْ إِذْ هَفَتْ ... عَدِمَتْ يَقَظَتْهَا فِيهِ حَتَّى قَضَتْ)
(وَيْكَ يَا نَفْسُ أَلا حَذَرٌ مِنْ غَفْلَةْ ... إِنَّمَا الدُّنْيَا أَسَى كَمْ دُمُوعٍ أَذْرَتْ)
(إِنْ بَنَتْ مَا شَيَّدَتْ هَدَمَتْ ما بنت ... أوحبت سَائِلَهَا رَجَعَتْ فِي الْهِبَةْ)
(أَوْ صَفَتْ عِنْدَ فَتًى كَدَّرَتْ مَا أَصْفَتْ ... كَمْ صَرِيعٍ نَقَلَتْ إِذْ قَلَتْ فِي قُلَّةْ)
(كَمْ غَبِيٍّ غَافِلٍ أَسْمَعَتْ إِذْ نَعَتْ ... غَادَرَتْهُ جُثَّةً لِرُفَاتِ عِلَّةْ)
(لَمْ يَكُنْ يَنْفَعُهُ كُلُّ عَيْنٍ بَكَتْ ... آهٍ يَوْمًا حَسْرَةً لأُمُورٍ جَرَتْ)
الْكَلامُ عَلَى قَوْلِهِ تعالى
﴿كلا إذا بلغت التراقي﴾ كَلا رَدْعٌ وَزَجْرٌ. وَالْمَعْنَى: ارْتَدِعُوا عَنْ مَا يؤدي إلى العذاب ﴿إذا بلغت﴾ يَعْنِي النَّفْسَ. وَهَذِهِ كِنَايَةٌ عَنْ غَيْرِ مَذْكُورٍ. وَالتَّرَاقِي: الْعِظَامُ الْمُكْتَنِفَةُ لِثَغْرَةِ النَّحْرِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ , وَوَاحِدُ التَّرَاقِي تَرْقُوَةٌ. وَيُكَنَّى بِبُلُوغِ النَّفْسِ إِلَى التَّرَاقِي عَنِ الإِشْفَاءِ عَلَى الْمَوْتِ. ﴿وَقِيلَ من راق﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَوْلُ الْمَلائِكَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ: مَنْ يَرْقِي رُوحَهُ؟ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ أَوْ مَلائِكَةُ الْعَذَابِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ أَهْلِهِ: مَنْ يَرْقِيهِ بِالرُّقَى. وَالْقَوْلانِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
قوله تعالى: ﴿وظن﴾ أَيْ أَيْقَنَ الَّذِي بَلَغَتْ رُوحُهُ إِلَى التَّرَاقِي ﴿أنه الفراق﴾ للدنيا. ﴿والتفت الساق بالساق﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَمْرُ الدُّنْيَا بِأَمْرِ الآخِرَةِ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَالثَّانِي: اجْتَمَعَ فِيهِ الْحَيَاةُ وَالْمَوْتُ. قَالَهُ الْحَسَنُ. وَالثَّالِثُ: الْتَفَّتْ سَاقَاهُ عِنْدَ الْمَوْتِ. قَالَهُ الشَّعْبِيُّ. وَالرَّابِعُ: الْتَفَّتْ سَاقَاهُ فِي الْكَفَنِ. قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ.
стр. 195
وَالْخَامِسُ: الْتَفَّتِ الشِّدَّةُ بِالشِّدَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ. قَالَ الزَّجَّاجُ: آخِرُ شِدَّةِ الدُّنْيَا بِأَوَّلِ شِدَّةِ الآخِرَةِ.
يَا لَهَا مِنْ سَاعَةٍ لا تُشْبِهُهَا سَاعَةٌ , يَنْدَمُ فِيهَا أَهْلُ التُّقَى فَكَيْفَ أَهْلُ الإِضَاعَةِ , يَجْتَمِعُ فِيهَا شِدَّةُ الْمَوْتِ إِلَى حَسْرَةِ الْفَوْتِ.
لَمَّا احْتُضِرَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ قَالَتْ عَائِشَةُ:
(لَعَمْرُكَ مَا يُغْنِي الثَّرَاءُ عَنِ الْفَتَى ... إِذَا حَشْرَجَتْ يَوْمًا وَضَاقَ بِهَا الصَّدْرُ)
فَقَالَ: لَيْسَ كَذَلِكَ وَلَكِنْ قُولِي: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تحيد﴾ وَلِذَلِكَ كَانَ يَقُولُهَا أَبُو بَكْرٍ.
وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ عِنْدَ الْمَوْتِ: وَيْلِي وَوَيْلُ أُمِّي إِنْ لَمْ يَرْحَمْنِي رَبِّي! وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى عُثْمَانَ ﵁ جَعَلَ يَتَمَثَّلُ:
(أَرَى الْمَوْتَ لا يُبْقِي حَزِينًا وَلا يَدَعُ ... لِعَادٍ مِلاكًا فِي الْبِلادِ وَمُرْتَقى)
(يَبِيتُ أَهْلُ الْحِصْنِ وَالْحِصْنُ مُغْلَقٌ ... وَيَأْتِي الْجِبَالَ مِنْ شَمَارِيخِهَا العُلَى)
وَلَمَّا جُرِحَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ جَعَلَ يَقُولُ:
(شُدَّ حَيَازِيمَكَ لِلْمَوْتِ ... فَإِنَّ الْمَوْتَ لاقِيكَ)
(وَلا تجرع مِنَ الْمَوْتِ ... إِذَا حَلَّ بِوَادِيكَ)
وَلمَّا احْتُضِرَ مُعَاوِيَةُ جَعَلَ يَقُولُ:
(إِنْ تُنَاقِشْ يَكُنْ نِقَاشُكَ يَا رَبِّ ... عَذَابًا لا طَوْقَ لِي بِالْعَذَابِ)
(أَوْ تَجَاوَزْ فَأَنْتَ رَبُّ عَفْوٍ ... عَنْ مُسِيءٍ ذُنُوبُهُ كَالتُّرَابِ)
وَلَمَّا احْتُضِرَ مُعَاذٌ جَعَلَ يَقُولُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ لَيْلَةٍ صَبَاحُهَا النَّارُ , مَرْحَبًا بِالْمَوْتِ مَرْحَبًا زَائِرٌ مُغِبٌّ حَبِيبٌ جَاءَ عَلَى فاقة , اللهم إني قد كُنْتُ أَخَافُكَ وَأَنَا الْيَوْمَ أَرْجُوكَ , اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أُحِبُّ الدُّنْيَا وَطُولَ الْبَقَاءِ فِيهَا لِكِرَى
стр. 196
الأَنْهَارِ وَلا لِغَرْسِ الأَشْجَارِ , وَلَكِنْ لِظَمَإِ الْهَوَاجِرِ وَمُكَابَدَةِ السَّاعَاتِ وَمُزَاحَمَةِ الْعُلَمَاءِ بِالرَّكْبِ عِنْدَ حِلَقِ الذِّكْرِ.
وَلَمَّا احْتُضِرَ أَبُو الدَّرْدَاءِ جَعَلَ يَقُولُ: أَلا رَجُلٌ يَعْمَلُ لِمِثْلِ مَصْرَعِي هَذَا؟ أَلا رَجُلٌ
يَعْمَلُ لِمِثْلِ سَاعَتِي هَذِهِ , أَلا رَجُلٌ يَعْمَلُ لِمِثْلِ يَوْمِي هَذَا! وَبَكَى. فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: تَبْكِي وَقَدْ صَاحَبْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ؟ فقال: ومالي لا أَبْكِي وَلا أَدْرِي عَلامَ أُهْجَمُ مِنْ ذُنُوبِي.
وَلَمَّا احْتُضِرَ أَبُو هُرَيْرَةَ بَكَى , فَقِيلَ لَهُ: وَمَا يُبْكِيكَ؟ فَقَالَ: بُعْدُ الْمَفَازَةِ وَقِلَّةُ الزَّادِ وَعَقَبَةٌ كَئُودٌ , الْمَهْبِطُ مِنْهَا إِلَى الْجَنَّةِ أَوْ إِلَى النَّارِ.
وَقِيلَ لِحُذَيْفَةَ فِي مَرَضِهِ: مَا تَشْتَهِي؟ قَالَ الْجَنَّةَ. قِيلَ: فَمَا تَشْتَكِي؟ قَالَ: الذُّنُوبَ.
وَلَمَّا احْتُضِرَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ قيل له: كيف تجدك؟ فقال: والله لكأن جنبي في تَخْتٍ , وَكَأَنِّي أَتَنَفَّسُ مِنْ سَمِّ الْخِيَاطِ , وَكَأَنَّ غُصْنَ شَوْكٍ يُجَرُّ بِهِ مِنْ قَدَمِي إِلَى هَامَتِي. ثُمَّ قَالَ:
(لَيْتَنِي كُنْتُ قَبْلَ مَا قَدْ بَدَا لِي ... فِي قِلالِ الْجِبَالِ أَرْعَى الْوُعُولا)
لَيْتَنِي كُنْتُ حَمْضًا عَرَكَتْنِي الإِمَاءُ بِذَرِيرِ الإِذْخِرِ. وَنَظَرَ إِلَى صَنَادِيقَ فِيهَا مَالٌ فَقَالَ لِبَنِيهِ: مَنْ يَأْخُذُهَا بِمَا فِيهَا؟ يَا لَيْتَهُ كَانَ بَعْرًا!
وَكَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ يقول في مرضه: وددت إني عبد لرحل مِنْ تِهَامَةَ أَرْعَى غُنَيْمَاتٍ فِي جِبَالِهَا وَأَنِّي لَمْ أَلِ مِنْ هَذَا الأَمْرِ شَيْئًا.
وَلَمَّا احْتُضِرَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: إِلَهِي أَمَرْتَنِي فَلَمْ أَئْتَمِرْ وَزَجَرْتَنِي فَلَمْ أَنْزَجِرْ. غَيْرَ أني أقول: لا له إِلا اللَّهُ.
وَلَمَّا احْتُضِرَ الرَّشِيدُ أَمَرَ بِحَفْرِ قَبْرِهِ ثُمَّ حُمِلَ إِلَيْهِ فَاطَّلَعَ فِيهِ فَبَكَى حَتَّى رُحِمَ ثُمَّ قَالَ: يَا مَنْ لا يَزُولُ مُلْكُهُ ارْحَمْ مَنْ قَدْ زَالَ مُلْكُهُ.
وَكَانَ الْمُعْتَصِمُ يَقُولُ عِنْدَ مَوْتِهِ: ذَهَبَتِ الْحِيَلُ فلا حيلة.
стр. 197
وَبَكَى عَامِرُ بْنُ عَبْدِ قَيْسٍ لَمَّا احْتُضِرَ وَقَالَ: إِنَّمَا أَبْكِي عَلَى ظَمَإِ الْهَوَاجِرِ وَقِيَامِ لَيْلِ الشِّتَاءِ.
وَبَكَى أَبُو الشَّعْثَاءِ عِنْدَ مَوْتِهِ فَقِيلَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ؟ فَقَالَ: لَمْ أَشْتَفِ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ.
وَبَكَى يَزِيدُ الرَّقَاشِيُّ عِنْدَ مَوْتِهِ فَقِيلَ: مَا يُبْكِيكَ؟ فَقَالَ: أَبْكِي عَلَى مَا يَفُوتُنِي مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ وَصِيَامِ النَّهَارِ. ثُمَّ جَعَلَ يَقُولُ: يَا يَزِيدُ مَنْ يُصَلِّي لَكَ وَمَنْ يَصُومُ عَنْكَ , وَمَنْ يَتَقَرَّبُ إِلَى اللَّهِ بِالأَعْمَالِ بَعْدَكَ , وَيْحَكُمْ: يَا إِخْوَانِي , لا تَغْتَرُّوا بِشَبَابِكُمْ , فَكَأَنَّ قَدْ حَلَّ بِكُمْ مِثْلُ مَا قَدْ حَلَّ بِي.
وَقَالَ الْمُزَنِيُّ: دَخَلْتُ عَلَى الشَّافِعِيِّ فِي عِلَّتِهِ الَّتِي مَاتَ فِيهَا فَقُلْتُ لَهُ: أَبَا عَبْدِ اللَّهِ كَيْفَ أَصْبَحْتَ؟ قَالَ: أَصْبَحْتُ مِنَ الدُّنْيَا رَاحِلا وَلإِخْوَانِي مُفَارِقًا وَبِكَأْسِ الْمَنِيَّةِ شَارِبًا , وَعَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَارِدًا , وَلا أَدْرِي نَفْسِي تَصِيرُ إِلَى الْجَنَّةِ فَأُهَنِّئُهَا أَمْ إِلَى النَّارِ فَأُعَزِّيهَا , ثُمَّ بكى وقال:
(ولما قسا قَلْبِي وَضَاقَتْ مَذَاهِبِي ... جَعَلْتُ رَجَائِي نَحْوَ عَفْوِكَ سُلَّمَا)
(تَعَاظَمَنِي ذَنْبِي فَلَمَّا قَرَنْتُهُ ... بِعَفْوِكَ رَبِّي كَانَ عَفْوُكَ أَعْظَمَا)
(وَمَا زِلْتُ ذَا عَفْوٍ عَنِ الذَّنْبِ سَيِّدِي ... تَجُودُ وَتَعْفُو مِنَّةً وَتَكُرُّمَا)
(ولولاك لم يغوي بِإِبْلِيسَ عَابِدٌ ... فَكَيْفَ وَقَدْ أَغْوَى صَفِيَّكَ آدَمَا)
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ: مَرِضَ بَعْضُ الْعُبَّادِ فَدَخَلْنَا نَعُودُهُ , فَجَعَلَ يَتَنَفَّسُ وَيَتَأَسَّفُ فَقُلْتُ لَهُ: عَلَى مَاذَا تَتَأَسَّفُ؟ قَالَ: عَلَى لَيْلَةٍ نِمْتُهَا وَيَوْمٍ أَفْطَرْتُهُ وَسَاعَةٍ غَفَلْتُ فِيهَا عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ .
وَبَكَى بَعْضُ الْعُبَّادِ عِنْدَ مَوْتِهِ فَقِيلَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ؟ فَقَالَ: أَنْ يَصُومَ الصَّائِمُونَ وَلَسْتُ فِيهِمْ , وَيَذْكُرَ الذَّاكِرُونَ وَلَسْتُ فِيهِمْ , وَيُصَلِّيَ الْمُصَلُّونَ وَلَسْتُ فِيهِمْ.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْعجلِيُّ: دَخَلْتُ عَلَى رَجُلٍ وَهُوَ فِي الْمَوْتِ فَقَالَ لِي: سَخِرَتْ بِيَ الدُّنْيَا حَتَّى ذهبت أيامي.
стр. 198
وَلَمَّا احْتُضِرَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ تَمَثَّلَ:
(قَتَلْتُ صَنَادِيدَ الرِّجَالِ فَلَمْ أَدَعْ ... عَدُوًّا وَلَمْ أُمْهِلْ عَلَى ظِنَّةٍ خَلْقَا)
(وَأَخْلَيْتُ دُورَ الْمُلْكِ مِنْ كُلِّ نَازِلٍ ... فَشَرَّدْتُهُمْ غَرْبًا وَبَدَدَّتْهُمْ شَرْقَا)
(فَلَمَّا بَلَغْتُ الْمَجْدَ عِزًّا وَرِفْعَةً ... وَصَارَتْ رِقَابُ الْخَلْقِ أَجْمَعُ لِي رِقَّا)
(رَمَانِي الرَّدَى سَهْمًا فَأَخْمَدَ جَمْرَتِي ... فَهَا أَنَا ذَا فِي جَفْوَتِي عَاطِلا مُلْقَا)
(فَأَذْهَبْتُ دُنْيَايَ وَدِينَي سَفَاهَةً ... فَمَنْ ذَا الَّذِي مِنِّي بِمَصْرَعِهِ أَشْقَى)
ثُمَّ جَعَلَ يَقُولُ: " مَا أغنى عني ماليه , هلك عني سلطانية. ". فَرَددَّهَا إِلَى أَنْ مَاتَ
(رَكِبَ الأَمَانُ مِنَ الزَّمَانِ مَطِيَّةً ... لَيْسَتْ كَمَا اعْتَادَ الرَّكَائِبَ تَبْرَكُ)
(وَالْمَرْءُ مِثْلُ الْخَوْفِ بَيْنَ سُهَادِهِ ... وَكِرَاهُ يَسْكُنُ تَارَةً وَيُحَرَّكُ)
يَا مَشْغُولا قَلْبُهُ بِلُبْنَى وَسُعْدَى , يَا مُسْتَلِذَّ الرُّقَادِ وَهَذِي الرَّكَائِبُ تُحْدَى , يَا عَظِيمَ الْمَعَاصِي يَا مُخْطِئًا جِدًّا , يَا طَالَمَا طال ما عتا وتعدى , كم جاوز حداً وكم أَتَى ذَنْبًا عَمْدًا , يَا أَسِيرَ الْهَوَى قَدْ أَصْبَحَ لَهُ عَبْدًا , يَا نَاظِمًا خَرَزَاتِ الأَمَلِ فِي سَلْكِ الْمُنَى عِقْدًا , يَا مُعْرِضًا عَمَا قَدْ حَلَّ كَمْ حَلَّ عَقْدَا , كَمْ عَاهَدَ مرة وكم نَقَضَ عَهْدَا , مَنْ لَكَ إِذَا سُقِيتَ كَأْسًا لا تجد من شربها بدا مزجت أو صاباً وِصَابًا صَارَ الْمُصَابُ عِنْدَهَا شُهْدًا , مَنْ لَكَ إِذَا لَحِقْتَ أَبًا وَأُمًّا وَأَخًا وَعَمًّا وَجَدًّا , وَتَوَسَّدْتَ بَعْدَ اللِّينِ حَجَرًا صُلْبًا صَلْدًا , وَسَافَرْتَ سفراً يَا لَهُ مِنْ سَفَرٍ بُعْدًا , وَاحْتَوَشَكَ عَمَلُكَ هَزْلا كَانَ أَوْ جَدًّا , وَلَقِيتَ مُنْكَرًا وَنَكِيرًا فَهَلْ لَقِيتَ أُسْدًا , فَبَادِرْ قَبْلَ الْمَوْتِ فَمَا تَسْتَطِيعُ لِلْفَوْتِ رَدًّا.
(نَهَاكَ عَنِ الْبَطَالَةِ وَالتَّصَابِي ... نُحُولُ الْجِسْمِ وَالرَّأْسُ الْخَضِيبُ)
(إِذَا مَا مَاتَ بَعْضُكَ فَابْكِ بَعْضًا ... فَبَعْضُ الشَّيْءِ مِنْ بَعْضٍ قَرِيبُ)
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ , أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ , أَنْبَأَنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ شَاذَانَ , سَمِعْتُ
أَبَا صَالِحٍ كَاتِبَ اللَّيْثِ يَذْكُرُ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ زِيَادٍ , عَنِ الأَوْزَاعِيِّ , أَنَّهُ
стр. 199
وَعَظَ فَقَالَ فِي مَوْعِظَتِهِ:
أَيُّهَا النَّاسُ تَقَوُّوا بِهَذِهِ النِّعَمِ الَّتِي أَصْبَحْتُمْ فِيهَا عَلَى الْهَرَبِ مِنَ النَّارِ الْمُوقَدَةِ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ , فَإِنَّكُمْ فِي دَارِ الثَّوَاءِ فِيهَا قَلِيلٌ , وَأَنْتُمْ فِيهَا مُؤَجَّلُونَ وَخَلائِفُ مِنْ بَعْدِ الْقُرُونِ , الَّذِينَ اسْتَقْبَلُوا مِنَ الدُّنْيَا زُخْرُفَهَا وَزَهْرَتَهَا , فَهُمْ كَانُوا أَطْوَلَ مِنْكُمْ أَعْمَارًا وَأَمَدَّ أَجْسَامًا وَأَعْظَمَ آثَارًا , فحددوا الْجِبَالَ وَجَابُوا الصُّخُورَ , وَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ مُؤَيَّدِينَ بِبَطْشٍ شَدِيدٍ وَأَجْسَامٍ كَالْعِمَادِ , فَمَا لَبِثَتِ الأَيَّامُ وَاللَّيَالِي أَنْ طَوَتْ مُدَّتَهُمْ , وَعَفَتْ آثَارَهُمْ , وَأَخْوَتْ مَنَازِلَهُمْ , وَأَنْسَتْ ذِكْرَهُمْ , فَمَا تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ وَلا تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا. كَانُوا بِلَهْوِ الأَمَلِ آمِنِينَ كَبَيَاتِ قَوْمٍ غَافِلِينَ أَوْ كَصَبَاحِ قَوْمٍ نَادِمِينَ , ثُمَّ إِنَّكُمْ قَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِي قَدْ نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ بَيَاتًا فَأَصْبَحَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ , وَأَصْبَحَ الْبَاقُونَ يَنْظُرُونَ فِي آثَارِ نِقْمَةٍ وَزَوَالِ نِعْمَةٍ وَمَسَاكِنَ خَاوِيَةٍ , فِيهَا آيَةٌ لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الأَلِيمَ وَعِبْرَةٌ لِمَنْ يَخْشَى , وَأَصْبَحْتُمْ مِنْ بَعْدِهِمْ فِي أَجَلٍ مَنْقُوصٍ وَدُنْيَا مَقْبُوضَةٍ , فِي زَمَانٍ قَدْ وَلَّى عَفْوُهُ وَذَهَبَ رَجَاؤُهُ , فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ إِلا جُمَّةُ شَرٍّ وَصَبَابَةُ كَدَرٍ وَأَهَاوِيلُ عِبَرٍ [وَعُقُوبَاتُ غُبَرٍ] وَأَرْسَالُ فِتَنٍ وَرَذَالَةُ خَلَفٍ , بِهِمْ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ , فَلا تَكُونُوا أَشْبَاهًا لِمَنْ خَدَعَهُ الأَمَلُ وَغَرَّهُ طُولُ الأَجَلِ , نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنَا مِمَّنْ وَعَى نَذَرَهُ وعقل سراه فمهد لِنَفْسِهِ.
(تَزَوَّجَ دُنْيَاهُ الْغَبِيُّ بِجَهْلِهِ ... فَقَدْ نَشَزَتْ مِنْ بَعْدِ مَا قُبِضَ الْمَهْرُ)
(تَطَهَّرْ بِبُعْدٍ مِنْ أَذَاهَا وَكَيْدِهَا ... فَتِلْكَ بَغِيٌّ لا يَصِحُّ لَهَا طُهْرُ)
(وَنَحْنُ كَرَكْبِ الْمَوْجِ مَا بَيْنَ بَعْضِهِمْ ... وَبَيْنَ الرَّدَى إِلا الذِّرَاعُ أَوِ الشِّبْرُ)
الْكَلامُ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى
﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وما عند الله باق﴾ يَا كَثِيرَ الْخِلافِ , يَا عَظِيمَ الشِّقَاقِ , يَا سيىء الآدَابِ , يَا قَبِيحَ الأَخْلاقِ , يَا
стр. 200
قَلِيلَ الصَّبْرِ
يَا عَدِيمَ الْوِفَاقِ , يَا مَنْ سيبكي كثيراً إِذَا انْتَبَهَ وَفَاقَ , وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ. أَيْنَ مَنْ أَنِسَ بِالدُّنْيَا وَنَسِيَ الزَّوَالَ , أَيْنَ مَنْ عَمَّرَ الْقُصُورَ وَجَمَعَ الْمَالَ , تَقَلَّبَتْ بِالْقَوْمِ أَحْوَالُ الأَهْوَالِ , كَمْ أَرَاكَ عِبْرَةً وَقَدْ قَالَ ﴿سَنُرِيهِمْ آياتنا في الآفاق﴾ .
أَيْنَ صَدِيقُكَ الْمُؤَانِسُ , أَيْنَ رَفِيقُكَ الْمُجَالِسُ , أَيْنَ الْمَاشِي فَقِيرًا وَأَيْنَ الْفَارِسُ , امْتَدَّتْ إِلَى الْكُلِّ كَفُّ الْمَخَالِسِ , فَنَزَلُوا تَحْتَ الأَطْبَاقِ.
وَكَأَنْ قَدْ رحلت كما رحلوا , ونزلت وشيكاً حيث نَزَلُوا , وَحُمِلْتَ إِلَى الْقَبْرِ كَمَا حُمِلُوا , إِلَى ربك يومئذ المساق.
مَنْ لَكَ إِذَا أَلَمَّ الأَلَمُ , وَسَكَتَ الصَّوْتُ وَتَمَكَّنَ النَّدَمُ , وَوَقَعَ بِكَ الْفَوْتُ , وَأَقْبَلَ لأَخْذِ الرُّوحِ مَلَكُ الْمَوْتِ , وَجَاءَتْ جُنُودُهُ وَقِيلَ مَنْ راق.
وَنَزَلْتَ مَنْزِلا لَيْسَ بِمَسْكُونٍ , وَتَعَوَّضْتَ بَعْدَ الْحَرَكَاتِ السُّكُونَ , فَيَا أَسَفَا لَكَ كَيْفَ تَكُونُ , وَأَهْوَالُ القبر لا تطاق , وفرق مالك وسكنت الدار , وَدَارُ الْبَلاءِ فَمَا دَارٌ إِذْ دَارَ , وَشَغَلَكَ الْوِزْرُ عَمَّنْ هَجَرَ وَزَارَ , وَلَمْ يَنْفَعْكَ نَدَمُ الرِّفَاقِ.
أَمَا أَكْثَرُ عُمْرِكَ قَدْ مَضَى , أَمَا أَعْظَمُ زَمَانِكَ قَدِ انْقَضَى , أَفِي أَفْعَالِكَ مَا يَصْلُحُ لِلرِّضَا , إِذَا الْتَقَيْنَا يَوْمَ التَّلاقِ , يَا سَاعِيًا فِي هَوَاهِ تَصَوَّرْ رَمْسَكَ , يَا مُوسِعًا إِلَى خُطَاهُ تَذَكَّرْ حَبْسَكَ , يَا مَأْسُورًا فِي سِجْنِ الشَّهَوَاتِ خَلِّصْ نَفْسَكَ قَبْلَ أَنْ تَعِزَّ السلامة وتعتاق الأَعْنَاقُ , وَيُنْصَبَ الصِّرَاطُ وَيُوضَعَ الْمِيزَانُ , وَيُنْشَرَ الْكِتَابُ يَحْوِي مَا قَدْ كَانَ , وَيَشْهَدَ الْجِلْدُ وَالْمِلْكُ وَالْمَكَانُ , وَالنَّارُ الْحَبْسُ وَالْحَاكِمُ الْخَلاقُ , فَحِينَئِذٍ يَشِيبُ الْمَوْلُودُ , وَتَخْرَسُ الأَلْسُنُ وَتَنْطِقُ الْجُلُودُ , وَتَظْهَرُ الْوُجُوهُ بَيْنَ بِيضٍ وَسُودٍ , يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ. فَبَادِرْ قَبْلَ أَنْ لا يُمْكِنَ , وَحَاذِرْ قَبْلَ أَنْ يَفُوتَ الْمُمْكِنُ , وَأَحْسِنْ قَبْلَ أَنْ لا تُحْسِنَ , فَالْيَوْمُ الْبُرْهَانُ وَغَدًا السِّبَاقُ.
فَانْتَهِبْ عُمْرًا يَفْنَى بِالْمَسَاءِ وَالصَّبَاحِ , وَعَامِلْ مَوْلَى يُجْزِلُ الْعَطَايَا والأرباح , ولا تبخل فقد حدث عَلَى السَّمَاحِ ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ الله باق﴾ .
стр. 201
المجلس الخامس عشر
فِي قِصَّةِ سَيِّدِنَا مُوسَى ﵇
الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي لا نِدٌّ لَهُ فَيُبَارَى , ولا ضِدٌّ لَهُ فَيُجَارَى , وَلا شَرِيكٌ لَهُ فَيُدَارَى , وَلا مُعْتَرِضَ لَهُ فَيُمَارَى , بَسَطَ الأَرْضَ قَرَارًا وَأَجْرَى فِيهَا أَنْهَارًا , وَأَخْرَجَ زَرْعًا وَثِمَارًا , وَأَنْشَأَ لَيْلا وَنَهَارًا , خَلَقَ آدَمَ وَأَسْكَنَهُ الْجَنَّةَ دَارًا , فَغَفَلَ عَنِ النَّهْيِ وَمَا دَارَى , أُمِرَ أَنْ يَأْخُذَ يَمِينًا فَأَخَذَ يَسَارًا , وَأُهْبِطَ فَقِيرًا قَدْ عَدِمَ يَسَارًا غَيْرَ أَنَّهُ جَبَرَ مِنْهُ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِ انْكِسَارًا , وَأَقَامَهُ خَلِيفَةً وَيَكْفِيهِ افْتِخَارًا , ثُمَّ ابْتَعَثَ الأَنْبِيَاءَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ وَنَصَبَ لَهُمْ مِنْ أَدِلَّتِهِ مَنَارًا , وَجَعَلَ إِدْرِيسَ وَنُوحًا وَالْخَلِيلَ رُءُوسًا ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى إِذْ رَأَى نَارًا﴾ .
أَحْمَدُهُ سِرًّا وَجِهَارًا , وَأُصَلِّي عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ الَّذِي أَصْبَحَ وَادِي النُّبُوَّةِ بِرِسَالَتِهِ مِعْطَارًا , وَعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكْرٍ الْمُنْفِقِ سِرًّا وَجِهَارًا , وَعَلَى عُمَرَ الْفَارُوقِ الَّذِي لاثَ عَنْ وَجْهِهِ الإِسْلامُ خمارا , وعلى عثمان الذي صرف على جَيْشِ الْعُسْرَةِ بِإِنْفَاقِهِ إِعْسَارًا , وعَلَى عَلِيٍّ أَخِيهِ وَابْنِ عَمِّهِ الَّذِي لا يَتَمَارَى , وَعَلَى عَمِّهِ الْعَبَّاسِ أَبِي الْخُلَفَاءِ وَيَكْفِيهِمُ افْتِخَارًا.
قَالَ اللَّهُ : ﴿وهل أتاك حديث موسى﴾ هَلْ بِمَعْنَى قَدْ. كَقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ.
وَمُوسَى: هو ابن عمران بن قاهث ابن لاوِي بْنِ يَعْقُوبَ , وَاسْمُ أُمِّهِ يوخابِذُ. وَبَيْنَ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ أَلْفُ سَنَةٍ , وَكَانَتِ الْكَهَنَةُ قَدْ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ: يُولَدُ مَوْلُودٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَكُونُ هَلاكُكَ عَلَى يَدِهِ فَأَمَرَ بِذَبْحِ أَبْنَائِهِمْ ثُمَّ شَكَتِ الْقِبْطُ إِلَى
стр. 202
فِرْعَوْنَ فَقَالُوا إِنْ دُمْتَ عَلَى الذَّبْحِ لَمْ يَبْقَ لَنَا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مَنْ يَخْدِمُنَا. فَصَارَ يَذْبَحُ سَنَةً وَيَتْرُكُ سَنَةً. فَذَبَحَ سَبْعِينَ أَلْفَ مَوْلُودٍ. وَوُلِدَ هَارُونُ فِي السَّنَةِ الَّتِي لا يُذْبَحُ فِيهَا , وَوُلِدَ مُوسَى فِي السَّنَةِ
الَّتِي يُذْبَحُ فِيهَا. فَوَلَدَتْهُ أُمُّهُ وَكَتَمَتْ أَمْرَهُ فَدَخَلَ الطَّلَبُ إِلَى بَيْتِهَا فَرَمَتْهُ فِي التَّنُّورِ , فَسَلِمَ , فَخَافَتْ عَلَيْهِ فَصَنَعَتْ لَهُ تَابُوتًا وَأَلْقَتْهُ فِي الْيَمِّ , فَحَمَلَهُ الْمَاءُ إِلَى أَنْ أَلْقَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ , فَلَمَّا فَتَحَ التَّابُوتَ نَظَرَ إِلَيْهِ فَقَالَ: عَبْرَانِيٌّ مِنَ الأَعْدَاءِ كَيْفَ أَخْطَأَهُ الذَّبْحُ! فَقَالَتْ آسِيَةُ: دَعْهُ يَكُونُ قُرَّةَ عَيْنٍ لِي وَلَكَ , وَكَانَ لا يُولَدُ لِفِرْعَوْنَ إِلا الْبَنَاتُ. فتركه.
ولما رمته أمه أدركها الجزع فقالت لأخته مريم: قصيه. فَدَخَلَتْ دَارَ فِرْعَوْنَ , وَقَدْ عُرِضَتْ عَلَيْهِ الْمُرْضِعَاتُ , فَلَمْ يَقْبَلْ ثَدْيًا , فَقَالَتْ: " ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أهل بيت يكفلونه لكم﴾ " فَجَاءُوا بِأُمِّهِ فَشَرِبَ مِنْهَا , فَلَمَّا تَمَّ رَضَاعُهُ رَدَّتْهُ إِلَى فِرْعَوْنَ فَأَخَذَهُ يَوْمًا فِي حِجْرِهِ فَمَدَّ يَدَهُ لِلِحْيَتِهِ فَقَالَ: عَلَيَّ بِالذَّبَّاحِ فَقَالَتْ آسِيَةُ: إِنَّمَا هُوَ صَبِيٌّ لا يَعْقِلُ. وَأَخْرَجَتْ له ياقوتاً وَجَمْرًا فَأَخَذَ جَمْرَةً فَطَرَحَهَا فِي فِيهِ فَأَحْرَقَتْ لِسَانَهُ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: " وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي ".
فَلَمَّا كَبِرَ كَانَ يَرْكَبُ مَرَاكِبَ فِرْعَوْنَ وَيَلْبَسُ مَلابِسَ فِرْعَوْنَ , فَلَمَّا جَرَى الْقَدَرُ بِقَتْلِ الْقِبْطِيِّ وَعَلِمُوا أَنَّهُ هُوَ الْقَاتِلُ خَرَجَ عَنْهُمْ فَهَدَاهُ اللَّهُ إِلَى مَدْيَنَ , فَسَقَى لِبِنْتَيْ شُعَيْبٍ وَاسْمُهُمَا صفورَا وَلِيَا , فَاسْتَدْعَاهُ شُعَيْبٌ وَزَوَّجَهُ صفورَا , ثُمَّ خرج بزوجتته يَقْصِدُ أَرْضَ مِصْرَ فَوَلَدَتْ لَهُ فِي الطَّرِيقِ فقال لأهله: " ﴿امكثوا﴾ " أي أقيموا " ﴿إني آنست نارا﴾ ً " أَيْ أَبْصَرْتُ. وَإِنَّمَا رَأَى نُورًا , وَلَكِنْ وَقَعَ الإِخْبَارُ بِمَا كَانَ فِي ظَنِّهِ. وَالْقَبَسُ: مَا أَخَذْتَهُ مِنَ النَّارِ فِي رَأْسِ عُودٍ أَوْ فتيلة ﴿أو أجد على النار هدى﴾ وَكَانَ قَدْ ضَلَّ الطَّرِيقَ فَعَلِمَ أَنَّ النَّارَ لا تَخْلُو مِنْ وَاقِدٍ.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ , أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ , أَنْبَأَنَا أَبُو عَلِيٍّ التَّمِيمِيُّ , أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ , حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ , حَدَّثَنِي أَبِي , حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ , حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ مُغَفَّلٍ , عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ , قَالَ:
стр. 203
لَمَّا رَأَى مُوسَى النَّارَ انْطَلَقَ يَسِيرُ حَتَّى وَقَفَ مِنْهَا قَرِيبًا فَإِذَا هُوَ بِنَارٍ عَظِيمَةٍ تَفُورُ مِنْ فُرُوعِ شَجَرَةٍ خَضْرَاءَ شَدِيدَةِ الْخُضْرَةِ لا تَزْدَادُ النَّارُ فِيمَا يَرَى إِلا عَظْمًا وَتَضَرُّمًا , وَلا تَزْدَادُ الشَّجَرَةُ عَلَى شِدَّةِ الْحَرِيقِ إِلا خُضْرَةً وَحُسْنًا , فَوَقَفَ يَنْظُرُ لا يَدْرِي مَا يَصْنَعُ أَمْرَهَا , إِلا أَنَّهُ قَدْ ظَنَّ أَنَّهَا شَجَرَةٌ
تُحْرَقُ أَوْقَدَ إِلَيْهَا مُوقِدٌ فَنَالَهَا فَاحْتَرَقَتْ , وَأَنَّهُ إِنَّمَا يَمْنَعُ النَّارَ شِدَّةُ خُضْرَتِهَا وَكَثْرَةُ مَا بِهَا , فَوَقَفَ وَهُوَ يَطْمَعُ أَنْ يَسْقُطَ مِنْهَا شَيْءٌ فَيَقْتَبِسُهُ , فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَهْوَى إِلَيْهَا بِضِغْثٍ فِي يَدِهِ لِيَقْتَبِسَ فَمَالَتْ نَحْوَهُ كَأَنَّهَا تُرِيدُهُ , فَاسْتَأْخَرَ ثُمَّ عَادَ , فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ فَمَا كَانَ بِأَوْشَكَ مِنْ خُمُودِهَا فَتَعَجَّبَ وَقَالَ إِنَّ لِهَذِهِ النَّارِ لَشَأْنًا , فَوَقَفَ مُتَحَيِّرًا فَإِذَا بِخُضْرَتِهَا قَدْ صَارَتْ نُورًا عَمُودًا مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ , فَاشْتَدَّ خَوْفُهُ وَكَادَ يُخَالِطُ فِي عَقْلِهِ مِنْ شِدَّةِ الْخَوْفِ , فنودي من الشجرة: " يا موسى " فَأَجَابَ سَرِيعًا وَمَا يَدْرِي مَنْ دَعَاهُ فَقَالَ: لَبَّيْكَ مَنْ أَنْتَ , أَسْمَعُ صَوْتَكَ وَلا أَرَى مَكَانَكَ , فَأَيْنَ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا فَوْقَكَ وَمَعَكَ وَأَمَامَكَ وَأَقْرَبُ إِلَيْكَ مِنْكَ. فَلَمَّا سَمِعَ هَذَا مُوسَى عَلِمَ أَنَّهُ لا يَنْبَغِي ذَلِكَ إِلا لِرَبِّهِ تَعَالَى فَآمَنَ بِهِ فَقَالَ: كَذَلِكَ أَنْتَ يَا إِلَهِي , فَكَلامَكَ أَسْمَعُ أَمْ كَلامَ رَسُولِكَ فَقَالَ: بَلْ أَنَا الَّذِي أُكَلِّمُكَ فَادْنُ مِنِّي. فَجَمَعَ مُوسَى يَدَيْهِ فِي الْعَصَا ثُمَّ تَحَامَلَ حَتَّى اسْتَقَلَّ قَائِمًا فَارْتَعَدَتْ فَرَائِصُهُ حَتَّى اخْتَلَفَتْ وَاضْطَرَبَتْ رِجْلاهُ وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ عَظْمٌ يَحْمِلُ الآخَرَ , وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَيِّتِ إِلا أَنَّ رُوحَ الْحَيَاةِ تَجْرِي فِيهِ , ثُمَّ زَحَفَ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ مَرْعُوبٌ حَتَّى وَقَفَ قَرِيبًا مِنَ الشَّجَرَةِ فَقَالَ لَهُ الرَّبُّ تَعَالَى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا موسى قال هي عصاي﴾ قَالَ: وَمَا تَصْنَعُ بِهَا؟ قَالَ: ﴿أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أخرى﴾ وَكَانَتْ لَهَا شُعْبَتَانِ وَمِحْجَنٌ تَحْتَ الشُّعْبَتَيْنِ ﴿قَالَ ألقها يا موسى﴾ فَظَنَّ أَنَّهُ يَقُولُ لَهُ ارْفُضْهَا فَأَلْقَاهَا عَلَى وَجْهِ الرَّفْضِ , ثُمَّ حَانَتْ مِنْهُ نَظْرَةٌ فَإِذَا بِأَعْظَمِ ثُعْبَانٍ نَظَرَ إِلَيْهِ النَّاظِرُ يَدُبُّ يَلْتَمِسُ كَأَنَّهُ يَبْتَغِي شَيْئًا يُرِيدُ أَخْذَهُ , يَمُرُّ بِالصَّخْرَةِ مِثْلَ الْخَلِفَةِ مِنَ الإِبِلِ فَيَقْتَلِعُهَا , وَيَطْعَنُ بِالنَّابِ من أنيابه في أَصْلِ الشَّجَرَةِ الْعَظِيمَةِ فَيَجْذِبُهَا , وَعَيْنَاهُ تُوقَدَانِ نَارًا وَقَدْ عَادَ الْمِحْجَنُ عُرْفًا فِيهِ
стр. 204
شَعَرٌ مِثْلَ النَّيَازِكِ , وَعَادَتِ الشُّعْبَتَانِ فَمَا مِثْلُ الْقَلِيبِ الْوَاسِعِ فِيهِ أَضْرَاسٌ وَأَنْيَابٌ لَهَا صَرِيفٌ , فَلَمَّا عَايَنَ مُوسَى ذَلِكَ وَلَّى مُدْبِرًا , فَذَهَبَ حَتَّى أَمْعَنَ وَرَأَى أَنَّهُ قَدْ أَعْجَزَ الْحَيَّةَ , ثُمَّ ذَكَرَ رَبَّهُ فَوَقَفَ اسْتِحْيَاءً مِنْهُ.
ثُمَّ نُودِيَ: يَا مُوسَى إِلَيَّ فَارْجِعْ حَيْثُ كُنْتَ. فَرَجَعَ وَهُوَ شَديِدُ الْخَوْفِ فَقَالَ: ﴿خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى﴾ وَعَلَى مُوسَى حِينَئِذٍ مِدْرَعَةٌ مِنْ صُوفٍ قَدْ خَلَّلَهَا بِخِلالٍ مِنْ عِيدَانٍ , فَلَمَّا أَمَرَهُ بِأَخْذِهَا ثَنَى طَرَفَ الْمِدْرَعَةِ عَلَى يَدِهِ فَقَالَ لَهُ مَلَكٌ: أَرَأَيْتَ يَا مُوسَى لَوْ أَذِنَ اللَّهُ لِمَا تُحَاذِرُ أَكَانَتِ الْمِدْرَعَةُ تُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا؟ قَالَ: لا وَلَكِنِّي ضَعِيفٌ وَمِنْ ضَعْفٍ خُلِقْتُ. فَكَشَفَ عَنْ يَدِهِ ثُمَّ وَضَعَهَا فِي الْحَيَّةِ حَتَّى سَمِعَ حِسَّ الأَضْرَاسِ وَالأَنْيَابِ , ثُمَّ قَبَضَ فَإِذَا هِيَ عَصَاهُ الَّتِي عَهِدَهَا وَإِذَا يَدَاهُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَ يَضَعُهَا فِيهِ إِذَا تَوَكَّأَ بَيْنَ الشُّعْبَتَيْنِ , فَقَالَ اللَّهُ : ادْنُ فَلَمْ يَزَلْ يُدْنِيهِ حَتَّى أَسْنَدَ ظَهْرَهُ بِجِذْعِ الشَّجَرَةِ , فَاسْتَقَرَّ وَذَهَبَتْ عَنْهُ الرِّعْدَةُ , ثُمَّ جَمَعَ يَدَيْهِ فِي الْعَصَا وَخَشَعَ بِرَأْسِهِ وَعُنُقِهِ ثُمَّ قَالَ لَهُ: إِنِّي قَدْ أَقَمْتُكَ الْيَوْمَ مَقَامًا لا يَنْبَغِي لِبَشَرٍ بَعْدَكَ أَنْ يَقُومَ مَقَامَكَ , أَدْنَيْتُكَ وَقَرَّبْتُكَ حَتَّى سَمِعْتَ كَلامِي وَكُنْتَ بِأَقْرَبِ الأَمْكِنَةِ مِنِّي , فَانْطَلِقْ بِرِسَالَتِي , فَإِنَّكَ بِعَيْنِي وَسَمْعِي وَإِنَّ مَعَكَ يَدِي وَبَصَرِي , فَأَنْتَ جُنْدٌ عَظِيمٌ مِنْ جُنْدِي بَعَثْتُكَ إِلَى خَلْقٍ ضَعِيفٍ مِنْ خَلْقِي , بَطِرَ نِعْمَتِي وَأَمِنَ مَكْرِي وَغَرَّتْهُ الدُّنْيَا عَنِّي حَتَّى جَحَدَ حَقِّي وَأَنْكَرَ رُبُوبِيَّتِي وَعَبَدَ دُونِي وَزَعَمَ أَنَّهُ لا يَعْرِفُنِي , وَإِنِّي أُقْسِمُ بِعِزَّتِي لَوْلا الْعُذْرُ وَالْحُجَّةُ اللَّذَانِ وَضَعْتُ بَيْنِي وَبَيْنَ خَلْقِي لَبَطَشْتُ بِهِ بَطْشَةَ جَبَّارٍ يَغْضَبُ لِغَضَبِهِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَالْبِحَارُ , فَإِنْ أَمَرْتُ السَّمَاءَ حَصَبَتْهُ وَإِنْ أَمَرْتُ الأَرْضَ ابْتَلَعَتْهُ , وَإِنْ أَمَرْتُ الْجِبَالَ دَمَّرَتْهُ وَإِنْ أَمَرْتُ الْبِحَارَ غَرَّقَتْهُ , وَلَكِنْ هَانَ عَلَيَّ وَسَقَطَ مِنْ عَيْنِي وَوَسِعَهُ حِلْمِي وَاسْتَغْنَيْتُ بِمَا عِنْدِي , وَحَقٌّ لِي , أَنِّي أَنَا اللَّهُ الْغَنِيُّ لا غَنِيَّ غَيْرِي , فَبَلِّغْهُ رِسَالاتِي وَادْعُهُ إِلَى عِبَادَتِي وَتَوْحِيدِي وَالإِخْلاصِ بِاسْمِي , وَذَكِّرْهُ بِأَيَّامِي وَحَذِّرْهُ نِقْمَتِي وَبَأْسِي , وَأَخْبِرْهُ أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ وَالْمَغْفِرَةُ أَسْرَعُ مِنِّي إِلَى الْغَضَبِ وَالْعُقُوبَةِ , وَلا يُرِعْكَ مَا
стр. 205
ألبسه من لباس الدنياا فَإِنَّ نَاصِيَتَهُ بِيَدِي , لَيْسَ يَطْرِفُ وَلا يَنْطِقُ وَلا يَتَكَلَّمُ وَلا يَتَنَفَّسُ إِلا بِإِذْنِي , قُلْ لَهُ: أَجِبْ رَبَّكَ فَإِنَّهُ وَاسِعُ المغفرة , وإنه قد أمهلك أربعمائة سَنَةٍ وَفِي كُلِّهَا أَنْتَ مُبَارِزٌ بِمُحَارَبَتِهِ تُشَبِّهُ وَتُمَثِّلُ بِهِ , وَتَصَدُّ عِبَادَهُ عَنْ سَبِيلِهِ ,
وَهُوَ يُمْطِرُ عَلَيْكَ السَّمَاءَ وَيُنْبِتُ لَكَ الأَرْضَ , لَمْ تَسْقَمْ وَلَمْ تَهْرَمْ وَلَمْ تَفْتَقِرْ وَلَمْ تُغْلَبْ , وَلْو شَاءَ أَنْ يُعَجِّلَ ذَلِكَ لَكَ أَوْ يَسْلُبَكَهُ فَعَلَ , وَلَكِنَّهُ ذُو أَنَاةٍ وَحِلْمٍ. وَجَاهِدْهُ بِنَفْسِكَ وَأَخِيكَ وَأَنْتُمَا مُحْتَسِبَانِ بِجِهَادِهِ , فَإِنِّي لَوْ شِئْتُ أَنْ آتِيَهُ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُ بِهَا لَفَعَلْتُ , وَلَكِنْ لِيَعْلَمْ هَذَا الْعَبْدُ الضَّعِيفُ الَّذِي قَدْ أَعْجَبَتْهُ نَفْسُهُ وَجُمُوعُهُ أَنَّ الْفِئَةَ الْقَلِيلَةَ وَلا قَلِيلَ مِنِّي , تَغْلِبُ الْفِئَةَ الْكَثِيرَةَ بِإِذْنِي , وَلا تُعْجِبْكُمَا زِينَتَهُ وَمَا مُتِّعَ بِهِ وَلا تَمُدَّانِ إِلَى ذَلِكَ أَعْيُنَكُمَا , فَإِنَّهَا زَهْرَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَةُ الْمُتْرَفِينَ , فَإِنِّي لَوْ شِئْتُ أَنْ أُزَيِّنَكُمَا مِنَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ يَعْلَمُ فِرْعَوْنُ حِينَ يَنْظُرُ إِلَيْهَا أَنَّ مَقْدِرَتَهُ تَعْجِزُ عَنْ مثل ما آتيتكما فَعَلْتُ , وَلَكِنْ أَرْغَبُ بِكُمَا عَنْ ذَلِكَ وَأَزْوِيهِ عَنْكُمَا وَكَذَلِكَ أَفْعَلُ بِأَوْلِيَائِي , وَقَدِيمًا مَا خِرْتُ لهم في ذلك فإني أذودهم عن نعيمها ورخائها كما يذود الرَّاعِي الشَّفِيقُ إِبِلَهُ عَنْ مَرَاتِعِ الْهَلَكَةِ , وَإِنِّي لأُجَنِّبُهُمْ سُكُونَهَا وَعَيْشَهَا كَمَا يُجَنِّبُ الرَّاعِي الشَّفِيقُ إِبِلَهُ عَنْ مَبَارَكِ العُرّة , وَمَا ذَلِكَ لِهَوَانِهِمْ عَلَيَّ وَلَكِنْ لِيَسْتَكْمِلُوا نَصِيبَهُمْ مِنْ كَرَامَتِي مُوفَرًا لَمْ تَكْلِمْهُ الدُّنْيَا وَلَمْ يُطْفِهِ الْهَوَى , وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَمْ يَتَزَيَّنِ الْعِبَادُ بِزِينَةٍ أَبْلَغَ مِنَ الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا , وَإِنَّهَا زِينَةُ الْمُتَّقِينَ , عَلَيْهِمْ مِنْهَا لِبَاسٌ يُعْرَفُونَ بِهِ مِنَ السَّكِينَةِ وَالْخُشُوعِ , سيماهم في وجوههم من أثر السجود , أُولَئِكَ أَوْلِيَائِي حَقًّا , فَإِذَا لَقِيتَهُمْ فَاخْفِضْ لَهُمْ جَنَاحَكَ وَذَلِّلْ لَهُمْ قَلْبَكَ وَلِسَانَكَ , وَاعْلَمْ أَنَّ مَنْ أَهَانَ لِي وَلِيًّا أَوْ أَخَافَهُ فَقَدْ بَارَزَنِي بِالْمُحَارَبَةِ وَبَادَأَنِي وَعَرَّضَ نَفْسَهُ وَدَعَانِي إِلَيْهَا , وَأَنَا أَسْرَعُ شَيْءٍ إِلَى نُصْرَةِ أَوْلِيَائِي , أَفَيَظُنُّ الَّذِي يُحَارِبُنِي أَنْ يَقُومَ بِي؟ أَوْ يَظُنُّ الَّذِي يُعَادِينِي أَنْ يُعْجِزَنِي؟ أَمْ يَظُنُّ الَّذِي يُبَارِزُنِي أَنْ يَسْبِقَنِي أَوْ يَفُوتَنِي؟ فَكَيْفَ وَأَنَا الثَّائِرُ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لا أكِلُ نُصْرَتَهُمْ إِلَى غَيْرِي.
قَالَ: فَأَقْبَلَ مُوسَى إِلَى فِرْعَوْنَ فِي مَدِينَةٍ قَدْ جُعِلَ حَوْلَهَا الأُسْدُ في عيضه قَدْ غَرَسَهَا وَالأُسْدُ فِيهَا مَعَ سَاسَتِهَا إِذَا أَسَّدَتْهَا عَلَى أَحَدٍ أُكِل , وَلِلْمَدِينَةِ أَرْبَعَةُ
стр. 206
أَبْوَابٍ
فِي الْغَيْضَةِ , فَأَقْبَلَ مُوسَى مِنَ الطَّرِيقِ الأَعْظَمِ الَّذِي يَرَاهُ فِرْعَوْنُ , فَلَمَّا رَأَتْهُ الأُسْدُ صَاحَتْ صِيَاحَ الثَّعَالِبِ , فَأَنْكَرَ ذَلِكَ السَّاسَةُ وَفَرَقُوا مِنْ فِرْعَوْنَ , فَأَقْبَلَ مُوسَى حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْبَابِ فَقَرَعَهُ بِعَصَاهُ وَعَلَيْهِ جُبَّةُ صُوفٍ وَسَرَاوِيلُ , فَلَمَّا رَآهُ الْبَوَّابُ عَجِبَ مِنْ جُرْأَتِهِ , فَتَرَكَهُ وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ وَقَالَ: هَلْ تَدْرِي بَابَ مَنْ أَنْتَ تَضْرِبُ! إِنَّمَا تَضْرِبُ بَابَ سَيِّدِكَ! فَقَالَ: أَنَا وَأَنْتَ وَفِرْعَوْنُ عَبِيدُ اللَّهِ وَأَنَا نَاصِرُهُ. فَأَخْبَرَ الْبَوَّابُ الَّذِي يَلِيهِ حَتَّى بَلَغَ ذَلِكَ أَدْنَاهُمْ , وَدُونَهُمْ سَبْعُونَ حَاجِبًا كُلُّ حَاجِبٍ مِنْهُمْ تَحْتَ يَدِهِ مِنَ الْجُنُودِ مَا شَاءَ اللَّهُ كَأَعْظَمِ أَمِيرٍ الْيَوْمَ إِمَارَةً , حَتَّى خَلَصَ الْخَبَرُ إِلَى فِرْعَوْنَ فَقَالَ أَدْخِلُوهُ عَلَيَّ , فَأُدْخِلَ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ: أَعْرِفُكَ. قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وليدا. فَرَدَّدَ مُوسَى ﵇ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ , فَقَالَ: خُذُوهُ.
فَبَادَرَهُمْ مُوسَى فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ , فَحَمَلَتْ عَلَى النَّاسِ فَانْهَزَمُوا فَمَاتَ مِنْهُمْ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا , قَتَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا , وَقَامَ فِرْعَوْنُ مُنْهَزِمًا حَتَّى دَخَلَ الْبَيْتَ وَقَالَ لِمُوسَى: اجْعَلْ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَجَلا نَنْظُرُ فِيهِ. فَقَالَ مُوسَى: لَمْ أُومَرْ بِذَلِكَ وَإِنَّمَا أُمِرْتُ بِمُنَاجَزَتِكَ , فَإِنْ أَنْتَ لَمْ تَخْرُجْ إِلَيَّ دَخَلْتُ عَلَيْكَ.
فَأَوْحَى الله تعالى إلى موسى: أن اجْعَلْ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ أَجَلا , وَقُلْ لَهُ يَجْعَلُهُ هُوَ. فَقَالَ فِرْعَوْنُ: اجْعَلْهُ إِلَى أَرْبَعِينَ يَوْمًا. فَفَعَلَ. وَكَانَ فِرْعَوْنُ لا يَأْتِي الْخَلاءَ إِلا فِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا مَرَّةً , فَاخْتَلَفَ ذَلِكَ الْيَوْمَ أَرْبَعِينَ مَرَّةً. قَالَ: وَخَرَجَ مُوسَى فَلَمَّا مَرَّ بِالأُسْدِ مَضَغَتْ بِأَذْنَابِهَا وَسَارَتْ مَعَ مُوسَى تُشَيِّعُهُ وَلا تُهِيجُهُ.
قَالَ عُلَمَاءُ السِّيَرِ: قَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ " ﴿إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا﴾ " فَأَلْقَى الْعَصَا ثُمَّ أَخْرَجَ يَدَهُ وَهِيَ بَيْضَاءُ لَهَا نُورٌ كَالشَّمْسِ , فَبَعَثَ فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ السَّحَرَةَ وَكَانُوا سَبْعِينَ أَلْفًا , وَكَانَ رُءُوسُهُمْ سَابُورَ وَعَازُورَ وَحطحطُ ومصفى , وَهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا , فَجَمَعُوا حِبَالَهُمْ وعصيهم وتواعدوا يوم الزينة وكان عيداً لهم فألقوا
стр. 207
يَوْمَئِذٍ مَا مَعَهُمْ , فَإِذَا حَيَّاتٌ كَأَمْثَالِ الْجِبَالِ قَدْ مَلأَتِ الْوَادِي فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَتَلَقَّفَتْ مَا صَنَعُوا , فَسَجَدَتِ السَّحَرَةُ فَقَتَلَهُمْ فِرْعَوْنُ.
ثُمَّ جَاءَ الطُّوفَانُ وَهُوَ مَطَرٌ أَغْرَقَ كُلَّ شَيْءٍ لَهُمْ , ثُمَّ الْجَرَادُ فَأَكَلَ زَرْعَهُمْ , وَالْقُمَّلُ وَهُوَ الدَّبَا , وَالضَّفَادِعُ فَمَلأَتِ الْبُيُوتَ وَالأَوَانِيَ , وَالدَّمُ فَكَانَ الإِسْرَائِيلِيُّ يَسْتَقِي مَاءً وَيَسْتَقِي الْقِبْطِيُّ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ دَمًا , فَمَكَثَ مُوسَى يُرِيهِمْ هَذِهِ الآيَاتِ عِشْرِينَ سَنَةً.
ثُمَّ أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يخرج ببني إسرائيل , فخرج ومعه ستمائة أَلْفٍ وَعِشْرُونَ أَلْفًا , وَدَعَا عَلَيْهِمْ حِينَ خَرَجَ فقال: ﴿ربنا اطمس على أموالهم﴾ فَجُعِلَتْ دَرَاهِمُهُمْ وَدَنَانِيرُهُمْ حِجَارَةً حَتَّى الْحِمَّصُ وَالْعَدَسُ , وَأُلْقِيَ الْمَوْتُ عَلَيْهِمْ لَيْلَةَ خُرُوجِ مُوسَى , فَشُغِلُوا بِدَفْنِ مَوْتَاهُمْ , ثُمَّ تَبِعَهُمْ فِرْعَوْنُ عَلَى مُقَدِّمَتِهِ هامان في ألف ألف وسبعمائة أَلْفِ حِصَانٍ ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ موسى إنا لمدركون﴾ هَذَا الْبَحْرُ بَيْنَ أَيْدِينَا وَهَذَا فِرْعَوْنُ مِنْ خلفنا ﴿قال﴾ موسى ﴿كلا إن معي ربي سيهدين﴾ فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَضَرَبَهُ فَانْفَلَقَ اثْنَيْ عَشَرَ طَرِيقًا , عَلَى عَدَدِ الأَسْبَاطِ. فَسَارَ مُوسَى وَأَصْحَابُهُ عَلَى طَرِيقِ يُبْسٍ وَالْمَاءُ قَائِمٌ بَيْنَ كُلِّ فِرْقَتَيْنِ , فَلَمَّا دَخَلَ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ أَقْبَلَ فِرْعَوْنُ عَلَى حِصَانٍ لَهُ حَتَّى وَقَفَ عَلَى شَفِيرِ الْبَحْرِ , فَهَابَ الْحِصَانُ أَنْ يَتَقَدَّمَ فَعَرَضَ لَهُ جِبْرِيلُ ﵇ عَلَى فرس أنثى [فَدَخَلَ] فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَجِبْرِيلُ أَمَامَهُمْ وَمِيكَائِيلُ عَلَى فَرَسٍ خَلْفَ الْقَوْمِ يَسْتَحِثُّهُمْ , فَلَمَّا أَرَادَ أَوَّلُهُمْ أَنْ يَصْعَدَ وَتَكَامَلَ نُزُولُ آخِرِهِمُ انْطَبَقَ الْبَحْرُ عَلَيْهِمْ , فَنَادَى فِرْعَوْنُ: آمَنْتُ. قَالَ جِبْرِيلُ: يَا مُحَمَّدُ لَوْ رَأَيْتَنِي وَأَنَا آخُذُ مِنْ حَمْأَةِ الْبَحْرِ فَأَدُسُّهُ فِي فِي فِرْعَوْنَ مَخَافَةَ أَنْ تُدْرِكَهُ الرَّحْمَةُ!
ثُمَّ إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ طَلَبُوا مِنْ مُوسَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ , فَوَعَدَهُ اللَّهُ ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتَمَّهَا بِعَشْرٍ , فَعَبَدُوا الْعِجْلَ فِي غَيْبَتِهِ , فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالتَّوْرَاةِ وما
стр. 208
فِيهَا مِنَ التَّثْقِيلِ أَبَوْهَا فَنَتَقَ عَلَيْهِمُ الْجَبَلَ , فَلَمَّا سَكَنُوا خَرَجَ يَعْتَذِرُ عَنْ مَنْ عَبْدَ الْعِجْلَ فَأُمِرُوا بِقَتْلِ أَنْفُسِهِمْ , فَبَعَثَ عَلَيْهِمْ ظُلْمَةً فَاقْتَتَلُوا فِيهَا فَانْكَشَفَتْ عَنْ سَبْعِينَ أَلْفَ قَتِيلٍ , فَجُعِلَ الْقَتْلُ لِلْمَقْتُولِ شَهَادَةً وَلِلْحَيِّ تَوْبَةً , وَلَمْ يَزَلْ يَلْقَى مِنْ أَصْحَابِهِ الشَّدَائِدَ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ بِأَرْضِ التِّيهِ وَهُوَ ابْنُ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً.
الْكَلامُ عَلَى الْبَسْمَلَةِ
(يَا نَفْسُ أَنَّى تُؤْفَكِينَا ... حَتَّى مَتَى لا تَرْعَوِينَا)
(حَتَّى مَتَى لا تَعْقِلِينَ ... وَتَسْمَعِينَ وَتُبْصِرِينَا)
(يَا نَفْسُ إِنْ لَمْ تَصْلُحِي ... فَتَشَبَّهِي بِالصَّالِحِينَا)
(وَتَفَكَّرِي فِيمَا أَقُولُ ... لَعَلَّ رُشْدَكِ أَنْ يَحِينَا)
(فَلْيَأْتِيَنَّ عَلَيْكِ مَا ... أفنى القرون الأولينا)
(أين الأُولى جَمَعُوا وَكَانُوا ... لِلْحَوَادِثِ آمِنِينَا)
(أَفْنَاهُمُ الْمَوْتُ الْمُطِلُّ ... عَلَى الْخَلائِقِ أَجْمَعِينَا)
(فَإِذَا مَسَاكِنُهُمْ وَمَا ... جَمَعُوا لِقَوْمٍ آخَرِينَا)
يَا مَنْ يُؤْمَرُ بِمَا يُصْلِحُهُ فَلا يَقْبَلُ , أَمَا الشَّيْبُ نَذِيرٌ بِالْمَوْتِ قَدْ أَقْبَلَ , أَمَا أَنْتَ الَّذِي عَنْ أَفْعَالِهِ تُسْأَلُ , أَمَا أَنْتَ تَخْلُو فِي اللَّحْدِ بِمَا تَعْمَلُ , سَتَعْلَمُ يَوْمَ الْحِسَابِ عِنْدَ الْعِتَابِ مَنْ يَخْجَلُ , يَا مُبَادِرًا بِالْخَطَايَا تَوَقَّفْ لا تَعْجَلْ , يَا مُفْسِدًا مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ لا تَفْعَلْ.
[ (تَرَى الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَصْبُو ... وَمَا يَخْلُو مِنَ الشَّهَوَاتِ قلب)
]
(فضول العيش أكثرها هموم ... وَأَكْثَرُ مَا يَضُرُّكَ مَا تُحِبُّ)
(فَلا يَغْرُرْكَ زُخْرَفَ مَا تَرَاهُ ... وَعَيْشٌ لَيِّنُ الأَطْرَافِ رَطْبُ)
(إِذَا مَا بُلْغَةٌ جَاءَتْكَ عَفْوًا ... فَخُذْهَا فَالْغِنَى مَرْعًى وَشُرْبُ)
(إِذَا اتَّفَقَ الْقَلِيلُ وَفِيهِ سَلْمٌ ... فَلا تَرِدِ الْكَثِيرَ وَفِيهِ حَرْبُ)
إِخْوَانِي: أَيَّامُكُمْ قَلائِلُ , وَآثَامُكُمْ غَوَائِلُ , وَمَوَاعِظُكُمْ قَوَائِلُ , وَأَهْوَاؤُكُمْ قَوَاتِلُ , فَلْيَعْتَبِرِ الأَوَاخِرُ بِالأَوَائِلِ. يَا مَنْ يُوقِنُ أَنَّهُ لا شَكَّ رَاحِلٌ , وَمَا لَهُ زَادٌ وَلا
стр. 209
رَوَاحِلُ , يَا مَنْ لَجَّ فِي لَجَّةِ الْهَوَى متى يرتقي إلى الساحل , هل لا تَنَبَّهْتَ مِنْ رُقَادٍ شَامِلٍ , وَحَضَرْتَ الْمَوَاعِظَ بِقَلْبٍ قَابِلٍ , وَقُمْتَ فِي الدُّجَى قِيَامَ عَاقِلٍ , وَكَتَبْتَ بِالدُّمُوعِ سُطُورَ الرَّسَائِلِ , تُحِفُّ بِهَا
زَفَرَاتِ النَّدَمِ كالوسائل , وبعثتها في سفينة دَمْعٌ سَائِلٌ , لَعَلَّهَا تُرْسَى بِسَاحِلٍ " هَلْ مِنْ سائل " واأسفا لِمَغْرُورٍ غَفُولٍ جَاهِلٍ قَدْ أَثْقَلَ بَعْدَ الْكُهُولَةِ بِالذَّنْبِ الْكَاهِلَ , وَضَيَّعَ فِي الْبِضَاعَةِ وَبَذَّرَ الْحَاصِلَ , وَرَكَنَ إِلَى رُكْنٍ لَوْ رَآهُ مَائِلٍ , يَبْنِي الْحُصُونَ وَيُشَيِّدُ الْمَعَاقِلَ , وَهُوَ عَنْ شَهِيدِ قَبْرِهِ مُتَثَاقِلٌ , ثُمَّ يَدَّعِي بَعْدَ هَذَا أَنَّهُ عَاقِلٌ , تَاللَّهِ لَقَدْ سَبَقَهُ الأَبْطَالُ إِلَى أَعْلَى الْمَنَازِلِ , وَهُوَ يُؤَمِّلُ فِي بَطَالَتِهِ فَوْزَ الْعَامِلِ , هَيْهَاتَ مَا عَلَّقَ بَطَّالُ بَطَائِلَ.
(إِذَا بَكَيْتَ مَا مضى من زمن ... فحق لي أن أَبْكِي وَمَنْ لِي بِالْبُكَا)
(مَنْ أَبْصَرَ الدُّنْيَا بِعَيْنِ عَقْلِهِ ... أَدْرَكَ أَنَّ الدَّارَ لَيْسَتْ لِلْبَقَا)
(مطية وَارِدَةٌ إِلَى الرَّدَى ... وَإِنْ تَرَاخَى الْعُمْرُ وَامْتَدَّ الْمَدَى)
(إِنْ هِيَ أَعْطَتْ كَانَ هَمًّا حَاضِرًا ... أَوْ مَنَعَتْ كَانَ عَذَابًا وَأَذَى)
(وَالْمَرْءُ رِهْنُ أَمَلٍ مَا يَنْتَهِي ... حَتَّى يُوَافِيَ أَجَلا قَدِ انْتَهَى)
كَانَ بِشْرٌ الْحَافِي إِذَا ذُكِرَ عِنْدَهُ الْمَوْتُ يَقُولُ: يَنْبَغِي لِمَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَمُوتُ أَنْ يَكُونَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ جَمَعَ زَادَهُ فَوَضَعَهُ عَلَى رَحْلِهِ لَمْ يَدَعْ شَيْئًا مِمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ إِلا وَضَعَهُ عَلَيْهِ.
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَحْمَدَ الْهَاشِمِيُّ , أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ , أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الأَهْوَازِيُّ , سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ الدَّنَفَ الصُّوفِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ جَامِعِ بْنِ أَحْمَدَ قال: سمعت يحيى ابن مُعَاذٍ يَقُولُ: لِيَكُنْ بَيْتُكَ الْخَلْوَةَ وَطَعَامُكَ الْجُوعَ وَحَدِيثُكَ الْمُنَاجَاةَ , فَإِمَّا أَنْ تَمُوتَ بِدَائِكَ أَوْ تَصِلَ إِلَى دَوَائِكَ.
أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ ظَفْرٍ , أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ , حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَلِيٍّ , أَنْبَأَنَا ابْنُ جَهْضَمٍ , حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ جَعْفَرٍ الْوَرَّاقُ , حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَكِّيُّ , قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِلْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ: رَأَيْتُ الْبَارِحَةَ فِي النَّوْمِ كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ لَهُ الْفُضَيْلُ: ألست حامل القرآن؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ فَتَنَامُ
стр. 210
بالليل وأنت حامل القرآن! أَمَا تَخَافُ أَنْ يَأْخُذَكَ وَأَنْتَ نَائِمٌ.
يَا غَافِلا طُولَ دَهْرِهِ عَنْ مَمَرِّ يَوْمِهِ وَشَهْرِهِ , يَا مَوْعُوظًا فِي سِرِّهِ وَجَهْرِهِ بِجَفَافِ النَّبَاتِ وَزَهْرِهِ , يَا مُنَبَّهًا فِي أَمْرِهِ بِأَسْرِهِ عَلَى حَبْسِهِ وَأَسْرِهِ , يَا مَذْكُورًا فِي عُسْرِهِ وَيُسْرِهِ , سَلْ حَادِثَاتِ الزَّمَانِ عَنْ يُسْرِهِ , يَا عُصْفُورًا لا بُدَّ مِنْ ذَبْحِهِ وَتَخْرِيبِ وَكْرِهِ , ثُمَّ لا يَجُولُ ذَلِكَ عَلَى فِكْرِهِ , مَتَى يَفِيقُ سَكْرَانُ الْهَوَى مِنْ سُكْرِهِ فَيَسْتَبِدُّ الْعِرْفُ بِنُكْرِهِ , أَلا يَتَنَبَّهُ هَذَا الْمُبَذِّرُ لِبَذْرِهِ , أَلا يَتَيَقَّظُ الْجَانِي لإِقَامَةِ عُذْرِهِ , وَاللَّهِ لَوْ سَكَّنَ قَلْبُهُ خَوْفَ حَشْرِهِ لَخَرَجَ فِي أَعْمَالِ الْجِدِّ مِنْ قِشْرِهِ , بَلْ لَوْ تَفَكَّرَ حَقَّ التَّفَكُّرِ فِي نَشْرِهِ لَمْ يَبِعْ ثَوْبًا وَلَمْ يَشْرِهِ , مَضَى الزَّمَانُ فِي مَدِّ اللَّهْوِ وَجَزْرِهِ , وَمَا حَظِيَ الْمُفَرِّطُ بِغَيْرِ وِزْرِهِ , تَاللَّهِ لَقَدِ اغْتَبَطَ الْمُحْسِنُ فِي قَبْرِهِ وَنَدِمَ الْمُسِيءُ عَلَى قِلَّةِ صَبْرِهِ , بأحسن مَا أَطَاعَ بِتَرْتِيلِ الْقُرْآنِ أَبُو عَمْرٍو وَيا خُسْرَ مَا أَضَاعَ أَبُو نُوَاسٍ فِي خَمْرِهِ.
(حَيَاةٌ وَمَوْتٌ وَانْتِظَارُ قِيَامَةٍ ... ثَلاثٌ أَفَادَتْنَا أُلُوفَ مَعَانِي)
(فَلا تُمْهِرِ الدُّنْيَا الدَّنِيَّةَ إِنَّهَا ... تُفَارِقُ أَهْلِيهَا فِرَاقَ لِعَانِ)
(وَلا تَطْلُبُوهَا مِنْ سِنَانٍ وَصَارِمٍ ... بِيَوْمِ ضِرَابٍ أَوْ بِيَوْمِ طِعَانِ)
(فَإِنْ شِئْتُمَا أَنْ تَخْلُصَا مِنْ أَذَاتِهَا ... فَحُطَّا بِهَا الأَثْقَالَ وَاتَّبِعَانِي)
(عَجِبْتُ مِنَ الصُّبْحِ الْمُنِيرِ وَضِدِّهِ ... عَلَى أَهْلِ هَذَا الضِّدِّ يَطَّلِعَانِ)
(وَقَدْ أَخْرَجَانِي بِالْكَرَاهَةِ مِنْهُمَا ... كَأَنَّهُمَا لِلضَّيْفِ مَا وَسِعَانِي)
(دَعَانِي إِلَى هَذا التَّفَرُّدِ إِنَّنِي ... خَبِيرٌ فَجُدَّا فِي السُّرَى وَدَعَانِي)
سَجْعٌ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى
﴿إِنَّ الأبرار لفي نعيم﴾ مَا أَشْرَفَ مَنْ أَكْرَمَهُ الْمَوْلَى الْعَظِيمُ , وَمَا أَعْلَى مَنْ مَدَحَهُ فِي الْكَلامِ الْقَدِيمُ , وَمَا أَسْعَدَ مَنْ خَصَّهُ بِالتَّشْرِيفِ وَالتَّعْظِيمِ , وَمَا أَقْرَبَ مَنْ أَهَّلَهُ لِلْفَوْزِ وَالتَّقْدِيمِ , وَمَا
стр. 211
أَجَلَّ مَنْ أَثْنَى عَلَيْهِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴿إِنَّ الأبرار لفي نعيم﴾ .
نُعِّمُوا فِي الدُّنْيَا بِالإِخْلاصِ فِي الطَّاعَةِ , وَفَازُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالرِّبْحِ فِي الْبِضَاعَةِ , وَتَنَزَّهُوا عَنِ التَّقْصِيرِ وَالْغَفْلَةِ وَالإِضَاعَةِ , وَلَبِسُوا ثِيَابَ التُّقَى وَارْتَدَوْا بِالْقَنَاعَةِ , وَدَامُوا فِي الدُّنْيَا عَلَى السَّهَرِ وَالْمَجَاعَةِ , فَيَا فَخْرَهُمْ إِذَا قَامَتِ السَّاعَةُ , وَقَدْ قُرِّبَتْ إِلَيْهِمْ مَطَايَا التَّكْرِيمِ ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ .
نُعِّمُوا فِي الدُّنْيَا بِالْوَحْدَةِ وَالْخَلْوَةِ , وَاعْتَذَرُوا فِي الأَسْحَارِ مِنْ زَلَّةٍ وَهَفْوَةٍ , وَحَذِرُوا مِنْ مُوجِبَاتِ الإبعاد والجفوة , فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُخْتَارُونَ الصَّفْوَةُ , الصِّدْقُ قَرِينُهُمْ وَالصَّبْرُ نديم ﴿إن الأبرار لفي نعيم﴾ .
حَرَسَهُمْ مَوْلاهُمْ مِنْ مُوجِبَاتِ الشَّيْنِ , وَحَفِظَهُمْ مِنْ جَهْلٍ وَعَيْبٍ وَمَيْنٍ , وَأَرَاهُمْ مَحَجَّةَ الْهُدَى رَأْيَ الْعَيْنِ , وَأَزَالَ فِي وِصَالِهِمْ قَاطِعَ الْجَفَاءِ وَعَارِضَ الْبَيْنِ , وَكَمَّلَ لَهُمْ جَمِيعَ الْمَآثِرِ كَمَالَ الزَّيْنِ , وَكَشَفَ عَنْ قُلُوبِهِمْ أَغْطِيَةَ الْهَوَى وَحُجُبَ الْغَيْنِ , فقاموا بالأوامر على غاية الوفا في قضاء الدين , واعتذروا بعد الأذى وقيل الغريم ﴿إن الأبرار لفي نعيم﴾ .
طَالَ مَا تَعِبَتْ أَجْسَامُهُمْ مِنَ الْجُوعِ وَالسَّهَرِ , وَكَفَّتْ جَوَارِحُهُمْ عَنِ اللَّهْوِ وَالأَشَرِ , وَحَبَسُوا أَعْرَاضَهُمْ عَنِ الْكَلامِ وَالنَّظَرِ , وَانْتَهَوْا عَمَّا نَهَاهُمْ وَامْتَثَلُوا مَا أَمَرَ , وَتَقَبَّلُوا مَفْرُوضَاتِهِ بِالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ , وَتَغَنَّوْا بِكَلامِهِ وَالْقَلْبُ قَدْ حَضَرَ , وَاسْتَعَدُّوا مِنَ الزَّادِ مَا يَصْلُحُ لِلسَّفَرِ , فَالْخَوْفُ يُقْلِقُهُمْ فَيَمْنَعُهُمْ قَضَاءَ الْوَطَرِ , وَالْعِبْرَةُ تَجْرِي وَالْقَلْبُ قَدِ اعْتَبَرَ , فَيَا حُسْنَهُمْ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ وَوَقْتِ السَّحَرِ , السِّرُّ صَافٍ وَالْحَالُ مُسْتَقِيمٌ ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ .
جَنَّ الظَّلامُ فَزُمَّتْ مَطَايَاهُمْ , وَجَاءَ السَّحَرُ فَتَوَفَّرَتْ عَطَايَاهُمْ , وَكَثُرَ الاسْتِغْفَارُ فَحُطَّتْ خَطَايَاهُمْ , وَكُلَّمَا طَلَبُوا مِنْ فَضْلِ سَيِّدِهِمْ أَعْطَاهُمْ , فَسُبْحَانَ مَنِ اخْتَارَهُمْ مِنَ الْكُلِّ وَاصْطَفَاهُمْ , وَخَلَّصَهُمْ بِالإِخْلاصِ مِنْ شَوَائِبِ الكدر
стр. 212
وَصَفَّاهُمْ , فَلَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنَ الْخَلْقِ بِالْمَحَبَّةِ سِوَاهُمْ , أَزْعَجَتْهُمْ عَوَاصِفُ الْمَخَافَةِ فَتَدَارَكَهُمْ مِنَ الرَّجَاءِ نَسِيمٌ ﴿إن الأبرار لفي نعيم﴾ .
قصورهم في الجنان عالية , وعيشهم فِي الْقُصُورِ صَافِيَةٌ , وَهُمْ فِي عَفْوٍ مَمْزُوجٍ بِعَافِيَةٍ , وَقُطُوفُ الأَشْجَارِ مِنَ الْقَوْمِ دَانِيَةٌ , وَأَقْدَامُهُمْ عَلَى أَرْضٍ مِنَ الْمِسْكِ سَاعِيَةٌ , وَأَبْدَانُهُمْ مِنَ السُّنْدُسِ وَالإِسْتَبْرَقِ كَاسِيَةٌ , وَالْعَيْشُ لَذِيذٌ وَالْمُلْكُ عَظِيمٌ ﴿إن الأبرار لفي نعيم﴾ .
رَضِيَ عَنْهُمْ جَبَّارُهُمْ , وَأَشْرَقَتْ بِرِضَاهُ دَارُهُمْ , وَصَفَتْ بِبُلُوغِ الْمُنَى أَسْرَارُهُمْ , فَارْتَفَعَتْ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ أَكْدَارُهُمْ , وَوَرَّدَتْ فِي الْجِنَانِ أَشْجَارُهُمْ , وَاطَّرَدَتْ تَحْتَ الْقُصُورِ أَنْهَارُهُمْ , وَتَرَنَّمَتْ عَلَى الْوَرَقِ أَطْيَارُهُمْ , وَالْمَلائِكَةُ تَحُفُّهُمْ وَتَخُصُّهُمْ بِالتَّسْلِيمِ , وَالْعُيُونُ تَجْرِي مِنْ رَحِيقٍ وَتَسْنِيمٍ , وَالْمَلِكُ قَدْ وَصَفَهُمْ فِي الْكَلامِ الْقَدِيمِ ﴿إن الأبرار لفي نعيم﴾ .
قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " يَقُولُ اللَّهُ : أَنَا رَبُّكُمُ الَّذِي صَدَقْتُكُمْ وَعْدِي وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي فَهَذَا مَحَلُّ كَرَامَتِي , فَاسْأَلُونِي مَا شِئْتُمْ. فَيَقُولُونَ: نَسْأَلُكَ رِضْوَانَكَ. فَيَقُولُ: رِضْوَانِي أَحَلَّكُمْ دَارِي وَأَدْنَاكُمْ مِنْ جِوَارِي ".
وَرُوِّينَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ لأَوْلِيَائِهِ فِي الْقِيَامَةِ: " أوليائي طال ما لَمَحْتُكُمْ فِي الدُّنْيَا وَقَدْ غَارَتْ أَعْيُنُكُمْ وَقَلَصَتْ شفاهكم عن الأشربة وخفقت بُطُونُكُمْ , فَتَعَاطَوُا الْكَأْسَ فِيمَا بَيْنَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ ".
وَقَوْلُهُ تعالى: ﴿على الأرائك ينظرون﴾ الأَرَائِكُ: السُّرُرُ فِي الْحِجَالِ. قَالَ ثَعْلَبٌ: لا تَكُونُ الأَرِيكَةُ إِلا سَرِيرًا فِي قُبَّةٍ عَلَيْهِ شَوَارُهُ وَمَتَاعُهُ. وَالشَّوَارُ مَتَاعُ الْبَيْتِ.
стр. 213
وفي قوله: ﴿ينظرون﴾ قَوْلانِ: أَحَدُهُمَا: يَنْظُرُونَ إِلَى مَا أَعْطَاهُمُ اللَّهُ مِنَ الْكَرَامَةِ. وَالثَّانِي: إِلَى أَعْدَائِهِمْ حِينَ يُعَذَّبُونَ.
سَجْعٌ
كَانُوا فِي الدُّنْيَا عَلَى الْمُجَاهَدَةِ يُصِرُّونَ , وَفِي دَيَاجِي اللَّيْلِ يَسْهَرُونَ , وَيَصُومُونَ وَهُمْ عَلَى الطَّعَامِ يَقْدِرُونَ , وَيُسَارِعُونَ إِلَى مَا يُرْضِي مَوْلاهُمْ وَيُبَادِرُونَ , فَشَكَرَ مَنْ رَاحَ مِنْهُمْ وغدا فهم غدا ﴿على الأرائك ينظرون﴾ .
كانون يحملون أعباء الجهد والعنا , ويفرحون بِاللَّيْلِ إِذَا أَقْبَلَ وَدَنَا , وَيَرْفُضُونَ الدُّنْيَا لِعِلْمِهِمْ أَنَّهَا تَصِيرُ إِلَى الْفَنَا , وَيُخَلِّصُونَ الأَعْمَالَ مِنْ شَوَائِبِ الآفَاتِ لَنَا , وَيُحَارِبُونَ الشَّيْطَانَ بِسِلاحٍ مِنَ التُّقَى أَقْطَعَ مِنَ السَّيْفِ وَأَصْلَبَ مِنَ الْقَنَا , فَغَدًا يَتَّكِئُونَ عَلَى الأَرَائِكَ وَقُطُوفُهُمْ دَانِيَةُ الْمُجْتَنَى , وَأَعْظَمُ مِنْ هَذَا النَّعِيمِ أَنْ أَتَجَلَّى لَهُمْ أَنَا , كَفَى فَخْرًا أَنَّهُمْ عِنْدِي غَدًا يَحْضُرُونَ ﴿على الأرائك ينظرون﴾ .
كَانَتْ جُنُوبُهُمْ تَتَجَافَى عَنْ مَضَاجِعِهَا , وَلا تَسْكُنُ لأَجْلِي إِلَى مَوَاضِعِهَا , وَتَطْلُبُ مِنِّي نُفُوسُهُمْ جَزِيلَ مَنَافِعِهَا , وَتَسْتَجِيرُنِي مِنْ مَوَانِعِهَا وَتَسْتَعِيذُ بِجَلالِي مِنْ قَوَاطِعِهَا , وَتَصُولُ بِعِزَّتِي عَلَى مَخَادِعِهَا , فَقَدْ أَبْدَلْتُهُمْ بِتَعَبِ تِلْكَ الْمُجَاهَدَةِ لَذَّةَ السُّكُونَ , فَهُمْ ﴿عَلَى الأرائك ينظرون﴾ .
يَا حُسْنَهُمْ وَالْوِلْدَانُ بِهِمْ يَحُفُّونَ , وَالْمَلائِكَةُ لَهُمْ يَزُفُّونَ , وَالْخُدَّامُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ يَقِفُونَ , وَقَدْ أَمِنُوا مَا كَانُوا يَخَافُونَ , وَبِالْحُورِ الْعِينِ الْحِسَانِ فِي خِيَامِ اللُّؤْلُؤِ يَتَنَعَّمُونَ , وَعَلَى أَسِرَّةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ يَتَزَاوَرُونَ , وَبِالْوُجُوهِ النَّضِرَةِ يَتَقَابَلُونَ , وَيَقُولُونَ بِفَضْلِي عَلَيْهِمْ وَنِعْمَتِي لِلشَّيْءِ كُنْ فَيَكُونُ ﴿عَلَى الأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ .
سَجْعٌ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى
﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نضرة النعيم﴾ قَالَ الْفَرَّاءُ: بَرِيقَ النَّعِيمِ.
стр. 214
وُجُوهٌ طَالَ مَا غَسَلَتْهَا دُمُوعُ الأَحْزَانِ , وُجُوهٌ طَالَ مَا غَبَّرَتْهَا حُرُقَاتُ الأَشْجَانِ , وُجُوهٌ تُخْبِرُ عَنِ الْقُلُوبِ إِخْبَارَ الْعُنْوَانِ , حَرَسُوا الْوَقْتَ بِالْيَقَظَةِ وَحَفِظُوا الزَّمَانَ , وَشَغَلُوا الْعُيُونَ بِالْبُكَاءِ وَالأَلْسُنَ بِالْقُرْآنِ , فإذا رَأَيْتَهُمْ يَوْمَ الْجَزَاءِ رَأَيْتَ الْفَوْزَ الْعَظِيمَ ﴿تَعْرِفُ في وجوههم نضرة النعيم﴾ .
وُجُوهٌ مَا تَوَجَّهَتْ لِغَيْرِي وَلا اسْتَدَارَتْ , وَأَقْدَامٌ إِلَى غَيْرِ مَا يُرْضِينِي مَا سَارَتْ ,
وَعُزُومٌ لِغَيْرِ مَرْضَاتِي مَا ثَارَتْ , وَقُلُوبٌ بِغَيْرِي قَطُّ مَا اسْتَجَارَتْ , وَأَفْئِدَةٌ بِغَيْرِ ذِكْرِي مَا اسْتَنَارَتْ , وَلَوْ رَأَتْ عُيُونُ الْغَافِلِينَ مَا أَعْدَدْتُ لَهُمْ لَحَارَتْ مِنْ فَضْلٍ عَظِيمٍ وَمُلْكٍ جَسِيمٍ ﴿تَعْرِفُ في وجوههم نضرة النعيم﴾ .
أَشْرَقَتْ وُجُوهُهُمْ فِي الدُّنْيَا بِحُسْنِ الْمُجَاهَدَةِ , وَتُشْرِقُ وُجُوهُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالْقُرْبِ وَالْمُشَاهَدَةِ , أَشْرَقَتْ وُجُوهُهُمْ فِي اللَّيْلِ بِنُورِ السَّهَرِ , وَتُشْرِقُ غَدًا بِمُشَاهَدَةِ الْحَقِّ إِذَا ظَهَرَ , أَشْرَقَتْ وُجُوهُهُمْ فِي الدُّنْيَا بِجَرَيَانِ الدُّمُوعِ عَلَى الْخُدُودِ , وَتُشْرِقُ غَدًا فِي جنان الخلود , فإذا رَأَيْتَهُمْ فِي سُرُورٍ مَا فِيهِ مَا يُضِيمُ ﴿تعرف في وجوههم نضرة النعيم﴾ .
قوله تعالى: ﴿يسقون من رحيق مختوم﴾ فِي الرَّحِيقِ ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ , أَحَدُهَا: أَنَّهُ الْخَمْرُ. قاله ابن عباس. وفي صفة الْخَمْرِ الْمُسَمَّاةِ بِالرَّحِيقِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهَا أَجْوَدُ الْخَمْرِ. قَالَهُ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ. وَالثَّانِي: الْخَالِصَةُ مِنَ الْغِشِّ. قَالَهُ الأَخْفَشُ. وَالثَّالِثُ: الْخَمْرُ الْبَيْضَاءُ. قَالَهُ مُقَاتِلٌ. وَالرَّابِعُ: الْخَمْرُ الْعَتِيقَةُ. قَالَهُ ابن قتيبة.
стр. 215
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ عَيْنٌ فِي الْجَنَّةِ مَشُوبَةٌ بالمسك. قاله الحسن. والثالث: الشَّرَابِ الَّذِي لا غِشَّ فِيهِ. قَالَهُ ابْنُ قتيبة والزجاج.
وفي قوله ﴿مختوم﴾ ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ , أَحَدُهَا: مَمْزُوجٌ. قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ. والثاني: مختوم على إنائه وهو مذهب. قاله مجاهد. وَالثَّالِثُ: لَهُ خِتَامٌ أَيْ عَاقِبَتُهُ رِبْحٌ.
سَجْعٌ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى
﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ﴾ يَا لَهُ مِنْ كَأْسٍ مَصُونٍ تَقَرُّ بِهِ الْعُيُونُ , يَقُولُ لَهُ الْمَلِكُ كُنْ فَيَكُونُ , يُوجِدُهُ بين الكاف والنوم , إِذَا شَرِبُوهُ لا يَحْزَنُونَ , إِذَا اسْتَوْعَبُوهُ لا يَسْكَرُونَ , نَعِيمُهُمْ لا كَدَرٌ فِيهِ وَلا هُمُومٌ ﴿يسقون من رحيق مختوم﴾ .
شَرَابٌ قَدْ حَلا وَطَابَ , كَأْسٌ يَصْلُحُ لِلأَحْبَابِ , نَعِيمٌ مِنْ فَضْلِ الْوَهَّابِ , لَذَّتْ لَذَّةُ
الدَّارِ وَدَارَ الشَّرَابُ , كَمُلَ الصَّفَا وَزَالَ الْعِتَابُ , طَابَ الْوَقْتُ وَرُفِعَ الْحِجَابُ , صَفَتِ الْحَالُ وَفُتِّحَتِ الأَبْوَابُ , زَارَ الْمُحِبُّ وَسَمِعَ الْخِطَابَ , ثُمَّ فَرِحَ الْقَوْمُ بقرب القيوم ﴿يسقون من رحيق مختوم﴾ .
زَالَ الْعَنَا عَنْهُمْ وَأَقْبَلَ الرَّوْحُ وَالْفَرَحُ , وَارْتَفَعَتِ الْهُمُومُ عَنِ الصُّدُورِ فَانْفَسَحَ الصَّدْرُ وَانْشَرَحَ , وَرَضِيَ الرَّبُّ فَأَعْطَى الْمُنَى وَأَوْلَى وَمَدَحَ , وَطَافَ عَلَيْهِمُ الْوِلْدَانُ بِالأَكْوَابِ فَيَا لَذَّةَ الشَّرَابِ وَيَا حُسْنَ الْقَدَحِ , وَاسْتَرَاحَ مِنَ التَّعَبِ مَنْ كَانَ يَسْهَرُ ويصوم ﴿يسقون من رحيق مختوم﴾ .
قوله تعالى: ﴿ختامه مسك﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أَحَدُهُمَا: خَلْطَةُ مِسْكٍ. قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَمُجَاهِدٌ. وَالثَّانِي: أَنَّ الَّذِي يُخْتَمُ بِهِ طَعْمُ الإِنَاءِ مِسْكٌ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ.
قَوْلُهُ تعالى: ﴿وفي ذلك فليتنافس المتنافسون﴾ أَيْ فَلْيَجِدُّوا فِي طَلَبِهِ وَلْيَحْرِصُوا عَلَيْهِ بِطَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى , وَالتَّنَافُسُ كَالتَّشَاحِ عَلَى الشَّيْءِ وَالتَّنَازُعِ فِيهِ.
سَجْعٌ
أَيُّهَا الْغَافِلُ رَبِحَ الْقَوْمُ وَخَسِرْتَ , وَسَارُوا إِلَى الْحَبِيبِ وَمَا سِرْتَ , وَقَامُوا
следующие страницы →