Полный текст (2 098 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.
стр. 1121
قال بعض السلف: لا تسبوا الغوغاء فإنهم يطفئون الحريق، ويخرجون الغريق، ويسدون البثوق.
قالت أخت عمرو ذي الكلب: المتقارب
وخرق تجاوزت مجهوله ... بوجناء خرق تشكى الكلالا
فكنت النهار به شمسه ... وكنت دجى الليل منه الهلالا
فأقسمت يا عمرو لو نبهاك ... إذاً نبها منك داء عضالا
إذاً نبها ليث عريسة ... مفيداً مفيتاً نفوساً ومالا
استأذن أبو سفيان على عثمان فحجبه فقال: لا عدمت من قومي من إذا شاء حجبني.
وأنشد: الخفيف
قد أطلنا بالباب امس القعودا ... وجفينا به جفاء شديدا
وذممنا العبيد حتى إذا نح ... ن بلونا المولى عذرنا العبيدا
كتب عبد الملك إلى الحجاج: جنبني دماء آل أبي طالب فإني رأيت آل حرب لما قتلوا حسيناً نزع الله منهم الملك.
стр. 1122
شاعر: الخفيف
عش بجد ولا يضرك نوك ... إنما عيش من ترى بالجدود
رب ذي إربة مقل من الما ... ل وذي عنجهية مجدود
شاعر: البسيط
الحذر ينفع ما لم ينزل القدر ... فإن أتى قدر لم ينفع الحذر
وليس من قدر إلا له سبب ... وليس من سبب إلا له قدر
ليس الكريم الذي يؤذي مجاوره ... بل الكريم الذي يؤذي فيصطبر
إن الشباب لهم عذر وإن جهلوا ... وليس يقبل من ذي شيبة عذر
قال ابن عباس ﵀: أتيتم بأبي موسى مبرنساً فقلتم: لا نرضى إلا بهذا، وأيم الله ما استفدنا منه علما ولا انتظرنا منه غائباً، ولا أمنا ضعفه ولا رجونا توبة صاحبه، وما أفسد بما صنعا العراق ولا أصحا الشام، ولا أماتا حق علي ولا أحييا باطل معاوية، ولا يذهب الحق فلتة رأي ولا نغمة شيطان.
الناشئ الكبير: السريع
القصد شيء كل ما دونه ... نقص وما جاوزه فضل
وكل هذين رأيناهما ... جوراً وما بينهما عدل
стр. 1123
كتب الوليد إلى الحجاج: اكتب إلي سيرتك، فكتب إليه: إني أيقظت رأيي وأنمت هواي، وأدنيت السيد المطاع في قومه، ووليت الجلد الحازم في أمره، وقلدت الخراج المؤثر لأمانته، وجعلت لكل خصم من نفسي خصماً يعطيه حظاً من نظري ولطف عنايتي، وصرفت السيف إلى المسيء، فخاف المريب صولة العقاب، وتمسك المحسن بحظه من الثواب.
شاعر: الرجز
ما قد مضى قد انقضى ... وما بقي كما مضى
وإنما أعمارنا ... مثل ديون تقتضي
جاء رجل إلى ابن سيرين فقال: رأيت زياد بن علاقة راكباً فيلاً يهوي به في البحر، فقال: الفيل شيطان والبحر جهنم.
قال بشر الحافي: لو كنت لا أعلم لكان أروح لقلبي؛ وأنشد: الكامل
الصعود يرتع في الرياض وإنما ... حبس الهزار لأنه يترنم
لو كنت أجهل ما علمت لسرني ... جهلي كما قد ساءني ما أعلم
روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: إذا سأل العبد
стр. 1124
الله الشهادة وعلم أنه من خلوص نيته كتبها له وإن توفاه على فراشه.
قيل لابن عباس: لم لا تكتب في براءة بسم الله الرحمن الرحيم؟ قال: لأن بسم الله الرحمن الرحيم أمان، وبراءة نزلت بالسيف ولا أمان فيها.
من دعاء بعض السلف: اللهم إنك أنت أنت، انقطع الرجاء إلا منك.
وقال بعض السلف في دعائه: اللهم إني أعوذ بك من نظرة غيظ نفذت من عين حاسد، غائبها الحرب، وشاهدها سلم.
وأنشد: الوافر
إذا امتنع المقال عليك فامدح ... أمير المؤمنين تجد مقالاً
فتى ما إن تزال له ركاب ... وضعن مدائحاً وحملن مالا
لدعبل: المتقارب
وميثاء خضراء زريبة ... بها النور يزهر من كل فن
ضحوكاً إذا لاعبته الرياح ... تأود كالشارب المرجحن
فشبه صحبي نواره ... بديباج كسرى وعصب اليمن
فقلت بعدتم ولكنني ... أشبه بجناب الحسن
стр. 1125
أنشد بعض من وفد على عثمان في خلافته وقد سأله عن حصن بناحية هراة: الطويل
محلقة دون السماء كأنها ... غمامة صيف زل عنها سحابها
ولا يبلغ الأروى شماريخها العلى ... ولا الطير إلا نسرها وعقابها
وما خوفت بالذئب ولدان أهلها ... ولا نبحت إلا النجوم كلابها
شاعر: الخفيف المجزوء
ريما خير الفتى ... وهو للأمر كاره
وأتاه السرور من ... حيث تأتي المكاره
آخر: الكامل المجزوء
يا صاح قلبي غير صاح ... لج الهوى بي في جماح
جسد كسي ثوب الضنى ... فالروح منه على رواح
قالت مزحت بهجره ... والقتل ليس من المزاح
قال أبو سعيد: " زيتون " يجوز أن يكون فيعولاً وفعلوتاً وهو أولي لأنه من الزيت وقد لزم الواو.
وقال الناشئ أبو العباس في نقد الشعر: الشعر قيد الكلام، وعقال الأدب، وسور البلاغة، ومحل البراعة، ومجال الجنان، ومسرح البيان، وذريعة المتوسل، ووسيلة المتوصل، وذمام الغريب، وحرمة
стр. 1126
الأديب، وعصمة الهارب، وعذر الراهب، وفرحة المتمثل، وحاكم الإعراب، وشاهد الصواب.
شاعر: الوافر
أما والراقصات بذات عرق ... ومن قد طاف بالبيت العتيق
لقد دب الهوى لك في فؤادي ... دبيب دم الحياة إلى العروق
قال أعرابي لآخر في حديث له: والله لو نظرت إلى أجفانه وقد تجافت عن سحابة عينه تهطل رذاذاً كأنها تغازل معشوقاً، تعاتب تارة وتصالح أخرى، وكأن إنسان مقلته ناثر دراً على عروس وجنتيه لأهميت حسرة على حسرة، وأطلقت زفرة على زفرة، ولشققت مرارة على مرارة، وبكيت أهل العشق رحمة.
لما ماتت أخت بشر بن الحارث الحافي حزن بشر، فقيل له في ذلك فقال: والله ما حزني عليها ولكن يقال: إذا قصر العبد في طاعة الله سلبه الله ما كان يأنس به في دار الدنيا.
قيل لبشار: أي شيء تتمنى له البصر؟ قال: السماء، لقول الله تعالى " وزينا السماء الدنيا بمصابيح " فصلت: ١٢ وما زينة الله ووصفه يجب أن يكون حسناً.
لأحد بني طاهر بن الحسين: السريع
стр. 1127
يا سائلي عن موقع الحظ وال ... عقل انصرف بالحجج القاهره
الحظ للدنيا التي تنقضي ... والعقل للدنيا وللآخرة
قال رسول الله صلى الله عليه وآله: استقيموا لقريش ما استقاموا لكم، فإذا لم يستقيموا لكم فضعوا السيوف على عواتقكم ثم أبيدوا خضراءهم.
وروي عنه صلى الله عليه: لا تهزمن قريش ما استرحموا فرحموا، وقسموا فعدلوا، فإن لم يفعلوا فعليهم لعنة الله.
شاعر: الطويل
ولما علاها الماء قنع رأسها ... بدرع حباب صيغ من لؤلؤ رطب
أرق من الشكوى وأحلى من المنى ... وأعذب من حب يزيد هوى حب
يقال هما للراضي.
لإبراهيم بن سيار النظام المتكلم: المتقارب
ذكرتك والراح في راحتي ... وشبت المدام بدمع غزير
فإذا ينفد الدمع فرط الأسى ... بكاك الفؤاد بدمع الضمير
لابن طباطبا العلوي: الكامل
لم يكف ما قد سامني بغيابه ... حتى تلقاني بسيف عتابه
نفسي الفداء لغائب عن ناظري ... ومحله في القلب دون حجابه
لولا تمتع مقلتي بجماله ... لوهبتها لمبشري بإيابه
стр. 1128
قال أبو عثمان: إن الله تعالى قد قسم الصنع بين جميع أفعاله: محبوبها ومكروهها، فأضحك وأبكى، وأمات وأحيا، وعافى وابتلى، وعاقب وعفا، ولم يعطل البلاء من تكليف الصبر، كما لم يعطل النعمة من تكليف الشكر، وجعل الشكر لا ينال إلا بالصبر، كما جعل الصبر لا ينال إلا بالعزم وجعل العزم لا ينال إلا بالعلم، كما جعل العلم لا ينال إلا بالعقل، وجعل الخيرة مقرونة بالمكروه، كما جعل الشكر موصولاً بالمزيد، وجعل طول النصب استنفاداً للقوة، فجعلنا نعالج الجمام بالكد، كما نعالج بالجمام، وكل ذلك ليردنا إلى الاقتصاد، ويعرفنا أن الفضيلة في تعديل الأمور، وجعل النسيان حظاً من الخيرة، ولذلك قال الحسن: إن الله تعالى "......... " ولولا ذلك لما انتفع النبيون والصديقون بالعيش وهو الأمل والأجل والنسيان، فجعل النسيان ركناً من أركان المصالح، ولو اجتمع في حفظ الإنسان وذكره توقع مكروه يجوز وقوعه، وفوت كل مرجو يجوز فوته، وذكر كل جناية جناها على من لا تؤمن مكافأته، وجناها جان ثم عجز عن مجازاته، ثم ذكر ذلة المعجزة وخمول ذي القلة، وذكر مع ذلك كل قاذورة كانت منه في شبيبته، وكل فسولة كانت منه في كهولته، لشغلة ذلك عن كسب ما لا بد منه من مرمة دنياه، وإصلاح أمر آخرته، وكذلك صنيع الله في الجد والمزاح في إمتاعه بالمنى والضحك وهما وإن كانا في ظاهر الأمر لا يعجلان عليك نفعاً معروف المكان، فإنهما يحدثان خيراً في باطن النفس، ويثمران نفعاً عند تعقب الأمور، لأن المنى استراحة وتفرغ، والضحك سرور وتنشيط، وفرق بين الأماني والآمال أن الآمال مقيدة بالأسباب، والأماني منطلقة لا يجوزها حد، ولا يحلبها سبب، وإصلاح موقع
стр. 1129
الأماني بتوقع الأماني من النفوس صارت النفوس كلها لا تمنع منها، ولا تخلو من الذهاب معها.
والنفس الحية الحاسة لا يجوز أن تبقى فارغة ممسكة عن جميع الأفعال، فتكون هي والموتى سواء، ومتى لم يحضر للقلب عزم على أمر معروف أو منكر في حاجة قائمة، عاجلة وآجلة، فلا بد للقلب من أن ينصرف إلى عمل من الأعمال، وليس بعد الاعتزال إلا المنى، فقد صارت الأمنية من أكبر الآفات، وأثبت الأركان، وليس في طاقة القلب أن يكون أبداً محتملاً لوحشة الفكر وثقل الاعتبار، وللنظر في ملكوت السموات والأرض، ولكل يوم أجل، ولكل استطاعة غاية فأطلق المباح، وألزم الفرض، وخير في النفل وأرغب فيه ولم يفرضه، وأعطى عليه الثواب ولم يوجبه، وركب الدنيا على الصميمين والفصلين، وقال رسول الله ﷺ : أنا أمزح ولا أقول إلا الحق، وقال: قد جئتكم بالحنيفية السمحة غير القاسية ولا الغالية، وأمرت بالإفطار والصوم والصلاة والنوم، ولو حمل الناس أنفسهم على حد الجد في كل حال ومر الحق في كل مذهب، لا نحلت القوى، وانتقضت المنن، ولذلك قالوا: دين الله بين الغالي والمقصر، وقالوا: خير الأمور أوساطها، وشر السير الحقحقة، وقالوا: بينهما يرمي الرامي، وقالوا في المثل: لا تكن حلوا فتبلع، ولا مراً فتلفظ، ولولا أن النفس مكدودة متعبة ومعناة نصبة من حين لا يعرف، ومن ضربان عرق لا يفتر، واختلاج عصب لا يسكن، ومعالجة القلب الهموم، ومدافعة الطباع الأغذية، وطلب الاستمرار من تنفس الرئة
стр. 1130
واسترواح النفس من حد المنخرين، واستراحتها إلى التثاؤب والتمطي، ومضادة الطبائع للنفس، ومنازعة الشهوات إلى ما تدعو إليه، ومعالجة الأمراض وألم الجسد.
وقال: المؤمن بين أربع: بين كافر يجاهره، ومنافق يبغضه، وشيطان يفتنه، ومؤمن يحسده، مع غير هؤلاء من الأمور التي تساره تارة، وتعالنه أخرى.
أنا ألهج - أيدك الله - بكلام أي عثمان ولي فيه شركاء من أفاضل الناس، فلا تنكر روايتي لكلامه فإن لي فيه شفاء، وبه تأدباً ومعرفة، قد يسلم على أكثر الناس، ولم يبر إلا على متخلف ساقط دونه.
قال أبو بكر بن دريد: أوضح الدلالة على ضعف الرجل في صناعته أن يكون محظوظاً منها، لأنه لا تكاد تجد متناهياً في حذاقته إلا وجدته متناهياً في حرفته.
قال أعرابي: إياك والعجلة فإن العرب كانت تكنيها أم الندامات لأن صاحبها يقول قبل أن يعلم، ويجيب قبل أن يفهم، ويعزم قبل أن يفكر، ويقطع قبل أن يقدر، ويحمد قبل أن يجرب، ويذم بعد الحمد، ومن كان كذلك صحب الندامة، واعتزل السلامة.
شاعر: الوافر
خلا من دهره خمسون عاماً ... وأدبه التجارب والزمان
فلا أحد يدوم على وفاء ... ولا للدهر من حدث أمان
стр. 1131
إذا ما كان عندي قوت يوم ... ألا فعلي بالدنيا هوان
كأن القوم قد مسخوا كلاباً ... لهم عن كل مكرمة حران
فدعني لا تعرضني لقوم ... فقد بينت لو نفع البيان
ولي شأن طويت عليه همي ... وكل فتى له هم وشان
قال الجاحظ: قلت مرة للحرامي: قد رضيت بقول الناس إنك بخيل؟ قال: لا أعدمني الله هذا الاسم، قلت: وكيف ذاك؟ قال: لأنه لا يقال فلان بخيل إلا وهو ذو مال، فإذا سلم لي مالي فادعني بأي اسم شئت، قلت: ولا يقال سخي إلا وهو ذو مال، فقد جمع هذا الاسم المال والحمد، وجمع ذلك الاسم المال والذم، قال: بينهما فرق، قلت: هاته، قال: في قولهم بخيل تثبيت لإقامة المال في ملكه، واسم البخيل اسم فيه حزم وذم، واسم الصخاء فيه تضييع وحمد، والمال نافع ومكرم لأهله معز، والحمد ريح وسخرية، واستماعه ضعف وفسولة، وما أقل والله غناء الحمد عنه إذا جاع بطنه وعري جلده، وضاع عياله وشمت عدوه.
قيل لجعفر بن يحيى: ما البلاغة؟ قال: أن يكون للكلام حد لا يدخل فيه غيره، قيل: مثل ماذا؟ قال: مثل قول علي ﵁: أين من سعى واجتهد، وجمع عدد، وزخرف ونجد، وبنى وشيد؛ فأتبع كل حرف من جنسه، ولم يقل سعى ونجد، وزخرف وعدد، وول قال زخرف وعدد لكان كلاماً، ولكن بينهما ما بين السماء والأرض.
стр. 1132
قيل لعلي ﵁: كم بين السماء والأرض؟ قال: دعوة مستجابة، قيل: فكم بين المشرق والمغرب؟ قال: مسيرة يوم للشمس، قيل: فكيف يحاسب الله يوم القيامة الخلق على كثرة عددهم؟ قال: كما يرزقهم في الدنيا على كثرة عددهم.
قيل لأفلاطون: أي الأمور أعجب؟ قال: أن يكون العمل على خلاف العلم.
قيل لأعرابي: أما تتأذى برائحة الودك؟ قال: فقدي له أشد أذى.
قيل لفيلسوف: لم لا يشتد فرحك بأخيك في حياته كشدة حزنك عليه بعد وفاته؟ قال: لأني كنت أعلم في حياته أنه يموت، والآن أعلم بعد وفاته أنه لا يعيش.
قال أعرابي: أتيت فلاناً قبل أن ينطق الديك فخرس عن جوابي، ورجعت إلى أهلي خفيف الظهر وافر العرض.
قال ابن السماك في دعائه: اللهم أصلحني قبل الموت، وارحمني عند الموت، واغفر لي بعد الموت.
قيل لمحمد بن واسع: كسف أصبحت؟ قال: أصبحت والله طويلاً أملي، قصيراً أجلي، سيئاً عملي.
стр. 1133
كتب عمر بن عبد العزيز إلى عون بن عبد الله يعزيه بابنه: أما بعد، فإنا ناس من أهل الآخرة أسكنا الدنيا أموات أبناء أموات، فالعجب لميت يكتب إلى ميت يعزيه عن ميت والسلام.
قيل لفيلسوف: من الحكيم؟ قال: م تظهر أفعاله وأقواله متساوية متشابهة.
كتب إبراهيم بن يحيى إلى بعض الخلفاء: أما بعد، فإن من عرف حق الله فيما أخذ منه عظم حق الله تعالى عليه فيما أبقى له؛ واعلم أن الماضي قبلك هو الباقي بعدك، والباقي بعدك هو الماضي قبلك، وأن أجر الصابرين فيما يصابون به أعظم من النعمة عليهم فيما يعاقبون عليه.
قال أبو تميم الهجيمي: إن أقواماً غرهم ستر الله تعالى، وفتنهم ثناء الناس، فلا يغلبن جهل غيرك بك علمك بنفسك، أعاذنا الله تعالى وإياك أن نكون مغرورين بالستر، مفتونين بالثناء.
وقال فيلسوف: ينبغي للعاقل أن يفعل الواجب من غير أن يجب عليه، ويمتنع مما لا يجب من غير أن يمنع منه.
وقال علي بن أبي طالب ﵁: الدنيا دار صدق لمن
стр. 1134
صدقها، ودار عافية لمن فهم عنها، ودارغنى لمن تزود منها، مهبط وحي الله تعالى، ومصلى أنبيائه، ومسجد أوليائه، واكتسبوا فيها الحسنة، ونالوا الرحمة، فمن ذا يذمها وقد آذنت ببينها، ودعت إلى خرابها، ترغيباً وتخويفاً، فيا أيها الذام للدنيا متى استذمت إليك؟ متى غرتك؟ أبمنازل آبائك من البلى أم بمضاجع أمهاتك في الثرى؟ ثم أشرف على أهل المقابر فقال: يا أهل الغربة، ويا أهل التربة، أما المنازل فقد سكنت، وأما الأزواج فقد هديت، وأما الأموال فقد قسمت، هذا خبر ما عندنا، فليت شعري ما خبر ما عندكم؟ ثم التفت إلى أصحابه وقال: والذي نفسي بيده لو أذن لهم في الكلام لأجابوا: ألا إن خبر الزاد التقوى.
قال الحسن البصري: لا تجاهد في الطلب جهاد المغلب، ولا تتكل على القدر اتكال المستسلم، فإن ابتغاء الفضل من السنة، والإجمال في الطلب من العفة، وليست العفة بدافعة رزقاً، ولا الحرص بجالب فضلاً؛ الرزق مقسوم، والأجل محتوم، وفي الحرص اكتساب المآتم.
قال جابر بن عبد الله، قال رسول الله ﷺ : لا يتم بعد حلم، ولا رضاع بعد فطام، ولا صمت يوما إلى الليل، ولا وصال في الصيام، ولا نذر في معصية، ولا تعرب بعد الهجرة، ولا هجرة بعد الفتح،
стр. 1135
ولا طلاق قبل النكاح، ولا عتق قبل ملك، ولا يمين لزوجة مع زوح، ولا يمين لولد مع والد، ولا يمين لمملوك مع سيده والسلام.
هذا آخر الجزء الخامس من كتاب البصائر، والله أسأل الانتفاع به والعمل ببعض ما فيه فإنه قد تحمل أدباً جماً، وعلما غزيراً وفضلاً بارعاً، وأساله أن ينفعك به ويتم نعمه عليك إن شاء الله تعالى، والله الموفق.
стр. 1136
بسم الله الرحمن الرحيم
رب أعن برحمتك
الجزء السادس
اللهم إني أبرأ من الثقة إلا بك، ومن الأمل إلا فيك، ومن التسليم إلا لك، ومن التفويض إلا إليك، ومن التوكل إلا عليك، ومن الطلب إلا منك، ومن الرضا إلا عنك، ومن الذل إلا في طاعتك، ومن الصبر إلا على بابك، وأسالك أن تجعل الإخلاص قرين عقيدتي، والشكر على نعمتك شعاري ودثاري، والنظر في ملكوتك دأبي وديدني، والانقياد لك شأني وشغلي، والخوف منك أمني وإيماني، واللياذ بذكرك بهجتي وسروري.
اللهم تتابع برك،، واتصل خيرك، وعظم رفدك، وتناهي إحسانك، وصدق وعدك، وبر قسمك، وعمت فواضلك، وتمت نوافلك، ولم تبق حاجة إلا قد قضيتها وتكلفت بقضائها، فاختم ذلك كله بالرضا والمغفرة، إنك أهل ذلك والقادر عليه والملي به.
стр. 1137
هذا الجزء - أبقاك الله - الجزء السادس من كتاب البصائر والذهائر، وإليه وقع الانتهاء، وعليه وقف العزم، وعنده بلغ النشاط، لأن المراد تم به، وما في النفس سكن معه، فقد كان يجول في النفس ما يعسر تدوينه، ويصعب تضمينه، مع تحول الحال، ونحول البال، وذلك لأن الكتاب طال طولاً يمل الناسخ، ويضجر القارئ، ويقبض المنبسط، ويكل النشيط، ويفتر الشهوات، ويفل غرب الحريص، ويتعب الطالب والراغب، ويصير ما أردنا أن يكون سبباً لاجتبائه سبباً لاجتنابه، وما أحببنا أن يكون باعثاً على طلابه مؤيساً من وجدانه، وهكذا كل ما طال وكثر، وازدحم وانتشر، وليس يصير هذا عيباً إلا عند فسولتنا في طلب العلم، وسوء رغبتنا في إفشاء الحكمة، وقلة طاعتنا للحق، أعراضنا عن الحظ، واستبدالنا للخير، واعتيادنا للهو، وجهلنا بعواقب الدنيا، ولو صدقت النية، وانبعثت الهمة، وأذعنت الشهوة، وذلت النقيبة، وساعد التوفيق، كان ما استبعد في هذا الباب قريباً، وما استوعر سهلاً، وما استغلي رخيصاً، وما استثقل خفيفاً، وما استكثر قليلاً، ولكن من يصبر على هذا السوم، ويصير إلى هذا الحكم، ويأنف من هذا الطعن، وينفر من هذه اللائمة، مع ضميره المدخول، وعادته الفاسدة، ومنشئه الردي، وقرينه الفاضح، وحبه للراحة، واختطافه للذة، وتعجله للممكن، وتسويفه في الخير، وتوصله إلى الشر، وهذا قطرة من البحر، وحصاة من الجبل، مع تنكر الزمان، وفساد الدهر، واختلاف المقالات، وتشابه الآراء، وتكافؤ الجدال، وتزاحم الشبه، وتراكم الحجج، وسوء بيان العلماء، وقلة
стр. 1138
إنصاف الحكماء، وقبح أخلاق الأدباء.
أنا رأيت شيخاً قد انتهى في السن، وبلغ الغاية في الحكمة، وأشرف على نهاية التجربة، قد قسم حاله بين إرجاف بالسلطان، أو وقيعة في الإخوان، أو شكوى من الزمان، هذا عين ما قد وجده واستفاده، وهو بزعمه وزعم ناصره - فرد أوحدي، ونقاب لوذعي؛ وهكذا مشايخ دينك، وأنصار شريعتك، وأعلام ملتك، والمتكلمون في بلادك، فماذا أتوقع لنفسي إذا كنت آخذاً عنهم، ومقتدياً بهم، ونازعاً إليهم؟
قلت يوماً لابن الخليل: كيف صرت في الشكوى أخطب من قس، وأبلغ من سحبان، وأنطق من شبيب، وأفصح من صفوان؟ قال: وكيف لا أكون كذلك وأنا في زمان إن ذكرت أهله بما يستسرونه ويتباهون به، ويشتملون عليه ويتهالكون فيه، هتم فمي، وسفك دمي، وشهد علي بالكفر، ولم يرض لي إلا بالصلب؛ قلت: فبح بما في نفسك، على اختصار لفظك، وإيجاز قولك، قال: اعلم أني قد أصبحت بين إمام لا يعدل، ووزير لا يفضل، وعالم لا يتأله، وناسك لا يتنزه، وغني لا يواسي، وفقير لا يصبر، وجليس لا يحلم، وواعظ لا يعف، وحاسد لا
стр. 1139
يكف، وصديق لا يعين، وجار لا يستر، وجاهل لا يتعلم، ومتعلم لا يتحرج، وقاض لا ينصف، واشهد لا يصدق، وتاجر لا يتورع، وعدو لا يتقي، ومؤذ لا يفتر، فهل ترى لمثلي بعد ما عددته قراراً، أو تجد لأحد عليه اصطباراً؟ والله لو عن لي رأي في الصبر عليه لملكته، ولو بدا لي طريق في السكوت عنه لسلكته، ولكني ذو صدر جياش، وعقل مفتون.
وأقطع حديث هذا الرجل، فإنه كان يكثر من هذا الفن، ويأتي فيه بكل ما توهم وظن، وكان ذا عارضة عريضة، ولسان بليل، وقلب مكوي، وركية غزيرة، وله مذاهب استأثر بها، وتوحد فيها، وأشياء طريفة كان يكتمها، ولا يعرب عنها، وكان من كبار المعتزلة، ولكنه خالفهم، وأفرط في التشنيع عليهم، وتناهى في تتبع قبائحهم. ولقد قال هذا لرجل قولاً، ووجد عيباً، فركب جواداً، وسلك جدداً، وأصاب بدداً، وعرف داء، وطلب دواء، ولو استوى لك أن تكذبه، وتزيف قوله، وترد عليه دعواه لفعلت، ولكن كما قد علمت أن ما طوى أكثر مما نشر، وما دفن أخبث مما أنشر، وما أشار إليه أقبح مما نص عليه، وما روي عنه أفحش مما أفصح به.
فانتفع - حفظك الله - بسماع ما روي لك، وعرض على عقلك، ونيط بفهمك، وقرب من سمعك، ولاح لعينك، وعالج نفسك بمقت الهوى، وأودع قلبك برد اليقين، وحدث سرك بالإقلاع، وخف عاقبة الإصرار، وراقب إلهك في السر والجهر، والتفت إلى حظك بالاختيار
стр. 1140
والقهر، وجانب كل ما جنبك الخير، واهجر كل ما أعلقك الذم، وأورثك الندم، وثبت على طاعة الله قدميك، واستحفظ نعم الله تعالى قبلك، واشهد آلاءه عندك، واعترف له بالربوبية، وتذلل بين يديه بشمائل العبودية، واعلم أنك منه بمرأى مسمع ومطلع، واجعل أساس أمرك، وخميرة حالك، وزبدة تدبيرك، وعمدة شأنك، الزهد في الدنيا، وإزجاءها بما طف منها، والرضا بالبلغة فيها، فإنك إذا فعلت ذلك هان عليك ما عداه، وقرب منك ما تهواه.
الزهد في الدنيا باب السعادة، ودرجة السلامة، ووعاء النجاة، وظرف الراحة؛ بالزهد تملك هواك عن الجماح، وطرفك عن الطماح، ونفسك عن اللجاج، وطباعك عن الغي، وظاهرك عن الهجنة، وباطنك عن الفتنة، فبه يذل لك كل ما نشأ عنه، وصار فرعاً عليه. هناك تتفرغ لحسابك، وتتصفح ما يخصك، اعتبار ما يكون صلاحه منوطاً بك، وفساده منفياً عنك، وآثاره راجعة إليك، وريعه واقفاً عليك، فلا تعتقد إلا حقاً يصحبه البرهان، ولا تقول إلا صواباً يشهد له الدليل، ولا تعمل إلا صالحاً يؤيده القول والحق، ومتى خلصت إلى هذه الرتبة حفت بك السعادة، وتواصلت إليك الزيادة، وكان جليسك منك بين ملحوظ يقتدي بك فيه، وملفوظ يمتثل أمرك به، ولن تحوز هذه الحال، ولن تفوز بهذا الكمال، حتى تبرأ من الجدال في الدين، وتهجر هذيان المتكلمين، وتبعد عن مجالس المشككين، وتألف عادة الصالحين، وتأخذ بهدي المسلمين، وتحسم طبعك عن معرفة أسرار رب العالمين، في هذا الخلق أجمعين.
نعم، وحتى تترك الخوض في الجزء والطفرة، والجوهر والعرض،
стр. 1141
والكمون والظهور، والمداخلة والمجاورة، وما مراد الله في كذا، وما علته في كذا، وما سببه في كذا، وواجب عليه أن يفعل كذا، ويستحيل عليه فعل كذا، ولو فعل كذا لكان كذا، وهذا تحكك بالإله، وتمرس بالرب، وليس لك من ذلك إلا ما ألقاه إليك، وعرضه عليك، وسهله لك، ورفع الشبهة عنك؛ فأما ما غمض واستتر، وخفي واستسر، فإياك أن تتعرض له، وتحوم حوله، وتطلب قياسه ونظيره، فإنك إما أن تكل دون بلوغه، أو تضل قبل مناله، لأن الله تعالى لم يبن هذه الدار، ولم يرتب هذا العالم، ولم ينظم هذا الفلك، على قدر عقلك الضعيف، ولم يستشر استحسانك واستقباحك، ولم يجعل لك إلى شيء من ذلك سبيلاً إلا على حسب ما أعارك من القوة، وأعلمك بالتكليف، وألهمك بالتوفيق، فإن تعديت طورك، وتعليت قدرك، نكسك وردك على عقبيك، وأسرك بعجزك، وعراك من لبوس عزك، وجعلك عبرة للناظر إليك، وآية للمعتبرين بك، وأحدوثة للغابرين بعدك.
فاحذر التخطي إلى سياج ربك ومعالم إلهك، والزم حدودك في عبوديتك، فبهذا أمرت، واستقم كما أمرت، لعل الله تعالى يرى فقرك فيغنيك، وضعفك فيقويك، وانحطاطك فيعليك، وذر الذين يخوضون فيما ليس إليهم، يتكلفون ما ليس عليهم، فسيعلمون أي منقلب ينقلبون.
حرس الله علينا وعليك الدين، ووفر حظنا وحظك من اليقين، وجعلنا وإياك من عباده المتقين، الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
стр. 1142
هذا الكتاب - حفظك الله - وإن كان قد تأبط هزلاً، واستبطن سخفاً، وتحمل مزاحاً، فإنه قد تضمن أدباً وعلماً، وتوشح حكمة وفصاحة، ودعا إلى الله أمراً وزجراً، ودل على الخير إيجازاً وإطناباً، ونشر حكم الله رواية واستخراجاً، وأمتع النفس سراراً وجهاراً، فلا تجعل نصيبك منه الخطأ والخطل، وقد اعترض لك منه العلم والفائدة، ولا تحكم على مصنفه وجامعه إلا بعد أن تستظهر بالحجة، وتعتقد الإنصاف، وتعتمد على الحق. وإنما أوصيك بهذا خوفاً من أن يقول ما يقول من لا يشفق على عرضه، ولا يتعقب فرطات حكمه، ولا يفلي مواقع رأيه، ولا يملك خطام لسانه، ولا يبالي بما ووجه به.
واستيقن أن الكتاب قد حوى من الذهن لواقحه، ومن العقل قرائحه، ومن العلم غنائمه، ومن الفهم نتائجه، ومن الصدر ذخائره، ومن الدهر سرائره، ومن الأدب أرواحه، ومن البال خواطره، ومن الروية جواهرها، ومن الحكمة حقائقها، ومن التجربة أعيانها، ومن الأمم ودائعها، ومن الحنكة فرائدها، ومن الأخلاق محاسنها، ومن العرب بيانها، ومن الفرس سياستها، ومن اليونان دقائقها ومن الشريعة رقائقها، فهو إذن للكليل شحذ، وللوسنان يقظة، وللعقل سمة، وللعي بلاغة، وللأخرس ترجمان، وللناسي تذكرة، وللغزير تجربة، وللأديب عدة، وللعالم عمدة، وللخامل نباهة، وللمجهول علامة، وللجاد محجة، وللهازل مفكهة، وللناسك بصيرة، وللعائل نصيحة، جمعت فيه كل عرة لائحة، وحجة واضحة،
стр. 1143
وبرهان مبين، وقول متين، ونادرة ملهية، وموعظة مبكية، وللرفيع فيه مرتع، وللمتوسط إليه مفزع، وللدني به مقمع، وأفنيت في ذلك وأطنبت، وصعدت فيه وصوبت.
فلا تحرمني عفوك عند زلة أفتضح بها عندك، ولا تبخل علي بمدحك في صواب عليك، وأجهزه إليك، وكن من إخوان الصدق، وأعوان الحق، ولعمري لك علي مقال فيه، ومتعلق به، ومدخل منه، لأني قد شعثت أعراض قوم، وأعلنت أسرار ناس، وزدت في بعض ذلك مستثيباً، ونقصت مجانباً، وألممت معرضاً، وكاشفت مصرحاً، وطويت محسناً، ونشرت مقبحاً، ولكن ذاك مع توخي الحق مقبول، وفي خلال الصواب مستحسن، وفي جمهور الصدق نافع.
ومن هذا الذي تصدى لمثل هذا الكتاب، مع طوله وكثرة عدد أوراقه، وتصرف راويه، واختلاف أساليبه ومعانيه، مع ضيق الصدر، وغروب الصبر، وخفة ذات اليد، وسوء الظن باليوم أو غد، فلم يهرف، ولمخرف، ولم يظلم ولم يجزف؟ هذا ضمان لا يصح الوفاء به، ووعد لا يبعد من الخلف فيه، وحكم لا يبرأ الشطط منه، وإذا مزج حقه بباطله، وقرن خيره وشره، وأضيف سقيمه إلى صحيحه، كان قوام الجميع للحق، وكنت إذ ذاك في طبقة من يسامح بما كره له لبلوغه الغاية فيما أصاب فيه. على أنا نلجأ إلى الله في كل عسر ويسر، وعليه نتوكل في كل صغير وكبير، وإياه نستعين في جميع الأمور، فبيده الخير وهو على كل شيء قدير.
стр. 1144
لما ولى عمر بن الخطاب عبد الله بن مسعود قال له: يا ابن مسعود، اجلس للناس طرفي النهار، وأقرئ القرآن وحدث عن السنة وصالح ما سمعت عن نبيك ﷺ ، وإياك والقصص والكلف وصلة الحديث، فإذا انقطعت بك الأمور فاقطعها، ولا تستنكف إذا سئلت عما لا تعلم أن تقول لا أعلم، وقل إذا علمت، واصمت إذا جهلت، وأقلل الفتيا، فإنك لم تحط بالأمور علماً، وأجب الدعوة، ولا تقبل الهدية، وليست بحرام، ولكني أخاف عليك القالة، والسلام.
قال إبراهيم الإمام: إن البصرة أفواه البحار ومواضع التجار، فأنزلوها سليمان بن علي، وإن الكوفة فم الحجاز وطريق الحاج، فأنزلوها عيسى بن علي، وإن الشام عش بني أمية وباب المغرب ومادة العراق، فأنزلوها أبا جعفر المهدي؛ وأنزل كل رجل ممن ذكره في الموضع الذي ذكر له.
قال علي بن عبد الله: السواد معصفر الرجال.
قال عبد الله بن عباس: البياض جمال لأحيائكم، وتكفن فيه موتاكم، ولو كان البياض صبغاً لتنافس فيه الرجال.
دعي ابن عون إلى وليمة فجيء بماء يصب على يده قبل الطعام فقال: ما أحسب غسل اليد قبل الطعام إلا من توقير النعمة.
стр. 1145
قال المكي، قال أبو العبناء: أعطاني فلان بره تفاريق وعقوبته جملة.
ذم أبو العيناء رجلاً فقال: له ضحك كالبكاء، وتودد كالسباب والافتراء، ونوادر كندب الموتى.
عزى أبو العيناء رجلاً بامرأته فقال: تقديم الحرمة من جزيل النعمة، فأنت إلى التهنئة بالنعمة في هذه المصيبة أولى منك بالتعزية، فالحمد لله الذي جعل لك أجرها، ولم يجعلك لها ثواباً، وإن عظم الفقد لطول الأنس والصحبة، فثواب الله أعظم وأجزل.
عزى أبو العيناء بعض الرؤساء فقال: كان العزاء لك لا بك، والفناء لنا لا لك.
قال الأصمعي: ضل لأعرابي شيء فقال: اللهم ضوئ عنه، أي أظهره.
قال يعقوب: الأكمة الصغيرة والرويبية يقال لها: فرط.
ماع يميع إذا سال، واماع السمن إذا ذاب وأماث.
مر يدأل: إذا قرمط في مشيته، ويقال: مر يذأل إذا مر مرا خفيفاً، ومنه سمي الذئب ذؤالة.
стр. 1146
التثفين أن تمس الثفن الأرض؛ السامد الشاخص من الخيل، والمذمر الموضع الذي يلمس.
يقال: صاد ثوراً وحماراً وظبياً وأرنباً وذئباً وثعلباً وضبعاً وضباً وورلاً ويربوعاً وجراداً وطائراً وكمأة، والكمأة صيد، وجنى نعامة وبيض نعامة.
السرب: القطيع من البقر والظباء؛ ويقال: إجل من بقر، وربرب، وصوار، وعانة من حمير، ورعلة من قطا، ورجل من جراد، وخرقة من جراد، وفيء من طير، وفيء من غربان ومن نسور.
قال الأصمعي: قيل لبني عبس: كيف صبرتم وكيف كانت حالكم؟ قالوا: طاحت والله الغرائب من النساء فما بقي إلا بنات العم، وما بقي معنا من الإبل إلا الحمر الكلف، وما بقي من الخيل إلا الكميت الوقاح، وطاح ما سوى ذلك من الأهلين والمال.
ذم أعرابي قوما فقال: لهم بيوت تدخل حبوا إلى غير نمارق ولا شبارق، فصح الألسنة برد السائل، جذم الأكف عن النائل.
стр. 1147
سئل أعرابي عن ابن أخيه فقال: سكير لا يفيق، يتهم الصديق ويعصي الشفيق.
قيل لأعرابي: في خلافة من ولدت؟ قال: في خلافة يوسف بن عمر، أو كسرى بن هرمز، وأعوذ بالله أن أقول على الله إلا حقاً.
قال أعرابي: الدراهم مواسم، تسم جميلاً أو دميماً، فمن حبسها كان لها، ومن أنفقها كانت له.
وصف أعرابي مملوكاً له فقال: الرجز
يزعزع الدلو ... وما يزعزعه
يكفيه من جم ... ع البنان إصبعه
تكاد آذان ... الدلاء تتبعه
كاتب: كرم الوزير ورغبته في المعروف يطلقان الألسن بالمسألة، ويقربان الطالب من البغية، وعوائد إحسانه وترادف امتنانه يضمنان النجح ويؤكدان الثقة.
كان الشعبي يجلس إلى خياط، فقال له يوماً: إذا حدثت فلا
стр. 1148
تكذب، فقال له الشعبي: ما أحوجك إلى محدرج شديد الفتل، لين المهزة، أصلع الرأس، عظيم الثمرة، ياخذ من عجب الذنب إلى مغرز العنق، فيوضع منك على مثل ذلك، فيكثر له رقصك من غير جذل، فقال: وما يا هو أبا عمرو؟ قال: شيء لنا فيه أرب، ولك فيه أدب.
قال أعرابي: العبوس بوس، والبشر بشرى، والحاجة تفتق الحيلة، والحيلة تشحذ الطبيعة.
قال بعض أهل العلم: العرب تتبرك بالجنوب لأنها تجمع السحاب وتؤلفه، وتتشاءم بالشمال لأنها تفرقه وتذهبه.
لحميد بن ثور: الطويل
ليالي أبصار الغواني ولحظها ... إلي وإذا ريحي لهن جنوب
قال الحسين بن سعيد: أفئدة العلماء ينابيع الحكم، ومعادن، جواهر الفطن، إذا جرت مياه فكرها في جداول الاستنباط، ثم مشت في عروق مغارس الإحساس، نضرت أصول بدائع الروية، وأورقت غرائب الأفهام، وأثمرت أفنان حكم الآراء، فاجتنبها أنامل كرم الطباع، وتفكه بها أهل التجربة والانتفاع.
كلام نبيل وقمر رؤيته تعجب، وقد رأيت من يؤثره ويستحسنه.
كاتب: أنا صب إلى قربك، صاد إلى لقائك، ومن ظمئي إلى
стр. 1149
غرتك أستحق الري من رؤيتك، فقصر يومنا الطويل بأنسك الذي يشفي الغليل.
كاتب: قد أهديت إليك مودتي رغبة، ورضيت منك بقبولها مثوبة، وأنت بالقبول قاض لحق، ومالك لرق.
وأنشد أبو الفضل ابن العميد لأعرابي: الوافر
وما ذو شقة نفض يمان ... بنجد ظل مغترباً نزيعاً
يمارس راعياً لا لين فيه ... وقيداً قد أضر به وجيعاً
إذا ما البرق لاح له سناه ... حجازياً سمعت له سجيعاً
بأكثر لوعة مني ووجداً ... لو أن الشعب كان بنا جميعاً
قال رجل لأبي المجيب: إني لأودك، فقال: إني لأجد رائد ذلك.
وأنشد: الطويل
أهن عامراً تكرم عليه فإنما ... أخو عامر من مسه بهوان
قال أعرابي: مجالسة الأحمق خطر، والقيام عنه ظفر.
العرب تقول: أشد العرب بأساً العماليق، وأعظمهم أجساماً وأحلاماً عاد، وأكثرهم نجداً ونفيراً حمير.
стр. 1150
قال بعض السلف: لا شيء أضيع من مودة عند من لا وفاء له، وبلاء عند من لا شكر له، وأدب عند من لا ينتفع به، وشعر عند من لا حصافة معه.
وقال أعرابي لآخر: إيت فلاناً فإنه لم ينظر في قفا محروم قط.
قال ثمامة: الخمول كل الخمول ألا يعرف الرجل بخير فيؤمل، ولا بشر فيحذر، قاتل الله الهاجي حيث يقول: الهزج
أرى العلباء كالعلبا ... ء لا حلو ولا مر
حمار من بني الجار ... د لا خير ولا شر
قال المبرد، قال بعض السلف: أعجب ما في هذا الإنسان قلبه، وله مواد من الحكمة، وأضداد من خلافها، فإن سنح له الرجاء أذلة الطمع، وإن هاج به الطمع أهلكه الحرص، وإن ملكه اليأس قتله الأسف، وإن عرض له الغضب اشتد به الغيظ، وإن أسعده الرضا نسي التحفظ، وإن ناله الخوف شغله الحذر، وإن اتسع له الأمر استلبته العزة، وإن أقاد مالاً أطغاه الغنى، وإن عارضته فاقة فضحه الجزع، وإن جهده الجوع قعد به الضعف، وإن أفرط به الشبع كظته البطنة، فكل تقصير به مضر، وكل إفراط له مفسد.
شاعر: الطويل
стр. 1151
لعمري لئن أصبحت في دار غربة ... خميص إلى إني بها لشريف
أمر بأكناف القصور كأنني ... أخو بطنه والثوب فيه نحيف
وما أنا ممن تعتريه شراهة ... لمدخل باب يعتري ويطيف
أخو كرم يكفيه خمسين ليلة ... من الماء نزر بارد ورغيف
ومن شق فاه الله قدر رزقه ... وربي بمن يلجا إليه لطيف
وأنشد: الوافر
ألا حييت عنا يا لميس ... علانية فقد بلغ الرسيس
رغبت إليك كيما تنكحيني ... فقلت: فإنه رجل سريس
ولو جربتني في ذاك يوماً ... رضيت وقلت: أنت الدردبيس
سلي عني ابنة الطماح سعدي ... غداة أتيت قبتها أريس
ألم تصرم ثلاثاً من وقاعي ... إذا نهضت ترنح أو تكوس
أغرك أنني رجل دميم ... دحيدحة وأنك عيطموس
قال ثعلب في المجالسات: حدثني عمر بن شبة، حدثني معمر بن عمر قال: حدثنا أبو يوسف القاضي عن محمد بن عبد الرحمن بن سلمة عن مروان بن الحكم قال: اشتكى علي بن أبي طالب ﵁ شكوى أدنف منه، فأتاه عثمان عائداً وأنا معه، فقال: كيف أنتن كيف تجدك؟ حتى إذا فرغ من مسألة العيادة قال: والله ما أدري أنا بموتك أسر أم ببقائك، ولئن مت
стр. 1152
لا أجد لك خلفاً، ولئن بقيت لا أعدم طاعناً عائباً يتخذك عضداً أو يعدك كهفاً، لا يمنعني إلا مكانه منك ومكانه منه، فأنا منك كأبي العاق، إن مات فجعه وإن عاش عقه، فإنا سلم فتسالم، وإما حرب فتباين، ولا تجعلنا بين السماء والماء، إنك والله إن قتلتني لا تجد مني خلفاً، ولئن قتلتك لا أجد منك خلفاً، ولن يلي هذا الأمر بادي فتنة وإن أتم الناس بها المرابض مع العنز؛ قال: فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن فيما تكلمت فيه لجواباً، ولكني عن جوابك مشغول، ولكني أقول كما قال العبد الصالح " فصبر جميل والله المستعا " يوسف: ١٨؛ قال: فقلت: إنا إذن والله لنكسرت رماحنا، ولنقطعن سيوفنا، ولا تكون في هذا حياة لما ولا خير لمن بعدنا.
شاعر: الكامل المجزوء
إنا إذا صيغ الكلا ... م فللكلام الجزل صاغه
طبن بأنحاء البلا ... غة شاغل فيها فراغه
مستجمع شرف البدي ... هة والإصابة في البلاغة
قال ثعلب: الإسب: شعر الفرج، والجميع: الآساب.
أنشد ثعلب لسلمي بن عويه: الكامل
стр. 1153
لا يبعدن عهد الشباب ولا ... لذاته ونباته النضر
والمرشقات من الخدود كإي ... ماض الغمام صواحب القطر
وطراد خيل مثلها التقتا ... لحفيظة ومقاعد الخمر
لولا أولئك ما حفلت متى ... عوليت في حرج إلى قبر
هزئت زنيبة أن رأت ثرمي ... وأن انحنى لتقادم ظهري
من بعد ما عهدت فأدلفني ... يوم يجيء وليلة تسري
حتى كأني خاتل قنصاً ... والمرء بعد تمامه يحري
لا تهزني مني زنيب فما ... في ذاك من عجب ومن سخر
أو لم تري لقمان أهلكه ... ما اقتات من سنة ومن شهر
وبقاء نسر كلما انقرضت ... أيامه عادت إلى نسر
ما طال من أبد على لبد ... رجعت محورته إلى قصر
ولقد حلبت الدهر أشطره ... وعلمت ما آتي من الأمر
قال أبو العيناء: كتب بعض الحمقى إلى آخر: بسم الله الرحمن الرحيم، وأمتع بك، حفظك الله، وأبقى لك من النار سوء الحساب؛ كتبت إليك والدجلة تطفح، وسفن الموصل هيا هيا، والخبز رطلين، فعليك بتقوى الله، وإياك والموتفإنه طعام سوء، وكتب لإحدى وعشرين بقيت من عاشوراء سنة افتصد عجيف مولى أمير المؤمنين.
стр. 1154
قال أبو العيناء: قال أبو توبة القاص: احمدوا ربكم، تشترون شاة سوداء، وتعلفونها حشيشاً أخضر، وتحلبونها لبناً أبيض، وتتبخرون في ثيابكم فيعبق البخور، وتفسون في ثيابكم فلا يعبق.
قال أبو العيناء: رأيت رجلاً وقد حمل كرة بنصف درهم، فلما أراد الرجوع اكترى إلى ذلك الموضع حماراً بأربعة دوانيق.
قال أبو العيناء: كتب بعض الهاشميين إلى السندي بن شاهك: بسم الله وأمتع بك؛ إن أخانا أحد خادمي أخذ رجلاً من الشرط بسبب كلب يقال له موسى، وموسى عندنا ليس بذاعر، فإن رأيت أن تأمر بسبيل تخليته فعلت إن شاء الله.
قال أبو العيناء: كتب أبو جعفر ابن المتوكل إلى أبي أحمد ابن الموفق: أطال الله بقاءك يا عمي، وأدام عزك وأبقاك، أنا وحق النبي ﷺ أحبك أشد من المتوكل، وأشد من والدي، ولا أحتشمك أيضاً، وقد جابوا لك مطبوخ من عكبرا، فأحب أن تبعث إلي منه خمس دنان، وإلا ثلاث خماسيات، ولا تردني فأحرد، بحياتي.
قال علي بن عبيدة الريحاني: في جوهر من خلا أنت، وفي محل من مات مقيم.
стр. 1155
قال الأصمعي: كان بالبصرة أعرابي من بني تميم يطفل على الناس، فعاتبته في ذلك فقال: والله ما بنيت المنازل إلا لتدخل، ولا وضع الطعام إلا ليؤكل، وما قدمت هدية فأتوقع رسولاً، وما أكره أن أكون كلا ثقيلاً على من أراه بخيلاً وأقتحم عليه مستأنساً، وأضحك إن رأيته عابساً، فآكل برغمه وأدعه لغمه، وما احترق في اللهوات طعام أطيب من طعام لا تنفق فيه درهماً، ولا تعني إليهخادماً، ثم أنشد: الخفيف
كل يوم أدور في عرصة الحي ... ي أشم القتار شم الذئاب
فإذا ما رأيت آثار عرس ... أو ختان أو مجمع الأصحاب
لم أروع دون التقحم لا أر ... هب دفعاً أو لكزة البواب
مستهيناً بما هجمت عليه ... غير مستأذن ولا هياب
فتراني ألف بالرغم منه ... كل ما قدموه لف العقاب
ذاك أدنى من التكلف والغر ... م وغيظ الخباز والقصاب
قال الأصمعي: رأيت أعرابية بالنباج فقلت لها: أتنشدينني؟ فقالت: إيها والله، إني لأنشد وأقول، فقلت: فأنشديني، فقالت: البسيط
لا بارك الله فيمن كان يخبرني ... أن المحب إذا ما شاء ينصرف
стр. 1156
وجد المحب إذا ما بان صاحبه ... وجد الصبي بثديي أمه الكلف
فقلت: فأنشديني من قولك، فقالت: الوافر
بنفسي من هواه على التنائي ... وطول الدهر مؤتنف جديد
ومن هو في الصلاة حديث نفسي ... وعدل الروح عندي بل يزيد
قال أبو العيناء: سمعت الأصمعي يقول: رأيت أعرابياً يرفع صوته على وال صرفه عند جعفر بن سليمان فقال: والله إنه ليقبل الرشوة، ويقضي بالعشوة، ويطيل النشوة، ولقد بنى حماماً زندقة وكفراً.
قال الأصمعي: جلس إلي رجل تقتحمه العين، والله ما ظننته يجمع بين كلمتين، فاستنطقته فإذا نار تأجج، فقلت: أتحسن شيئاً من الحكمة تفيدنيه؟ فقال: الرجوع عن الصمت أحسن من الرجوع عن الكلام، والعطية بعد المنع أحمد من المنع بعد العطية، والإقدام على العمل بعد التأني فيه أحسن من الإمساك عنه بعد الإقدام عليه؛ قال: فعظم والله في عيني حتى ملأ قلبي هيبة.
قال الأصمعي: حججت، فبينا أنا بالأبطح إذا شيخ في سحق عباء، صعل الرأس أثط أخزر أزرق، كأنما ينظر من فص زجاج أخضر، فسلمت
стр. 1157
فرد علي التحية، فقلت: ممن الشيخ؟ قال: من بني ضمرة بن بكر بن عبد مناف بن كنانة، قلت: فما الاسم؟ قال: خميصة بن قارب. ثم قال: أعرابي أنت؟ قلت: نعم، قال: من أية؟ قلت: من أهل البصرة، قال: فإلى من تعتزي؟ قلت: إلى قيس عيلان، قال: لأيهم؟ قلت: أحد بني بغيض، وأنا أقلب ألواحاً معي، قال: ما هذه الخشبات المقرونات؟ قلت: أكتب فيهن ما اسمع من كلامكم، قال: وإنكم مخلون إلى ذلك؟ قلت: نعم وأي خلة، فصمت ملياً ثم قال في وصف قومه: كانوا كالصخرة الصلدة تنبو عن صفحتها المعاول، ثم زحمها الدهر بمنكبه فصدعها صدع الزجاجة ما لها من جابر، فأصبحوا شذر مذر، أيادي سبا، ورب قوم - والله - عارم قد أحسنوا تأديبه، ودهر غاشم قد قوموا صعره، ومال صامت قد شتتوا تألفه، وخطة بوس قد حسمها أسوهم، وحرب عبوس ضاحكتها أسنتهم، أما والله يا أخا قيس لقد كانت كهولهم جحاجح، وشبانهم مراجح، ونائلهم مسفوح، وسائلهم ممنوح، وجنابهم ربيع، وجارهم منيع. فنهضت لأنصرف فأخذ بمجامع ذيلي فقال: اجلس لقد أخبرتك عن قومي حتى أخبرك عن قومك، فقلت في نفسي: إنا لله، سينشد في قيس والله وصمة تبقى على الدهر، فقلت: حسبك، لا حاجة بي إلى ذكرك قومي، قال لي: بلى والله، هم هضبة ململمة، العز أركانها، والمجد أغصانها، تمكنت في الحسب العد، تمكن الأصابع في اليد؛ فقمت مسرعا مخافة أن يفسد علي ما سمعت.
قال أبو عطاء مولى عتبة: قدم علينا ابن عباس سنة إحدى وأربعين
стр. 1158
وهو كالقرحة المنبجسة، وكان عتبة قليل الكلام، فنظر ابن عباس إلى عتبة يحد النظر إليه ويقل الكلام معه، فقال: يا أبا الوليد، ما بالك تحد النظر إلي وتقل الكلام معي؟ ألعقلة طالت أم لموجدة دامت؟ فقال عتبة: أما قلة كلامي معك فلقلته مع غيرك، وأما كثرة نظري إليك فلما أرى من أثر سبوغ النعمة عليك، ولئن سلطت الحق على نفسك لتعلمن أنه لا يعرض عنك إلا مبغض، ولا ينظر إليك إلا محب، ولئن كان هذا الكلام شفى منك داء، وأظهر منك مكتوماً، فما أحب غيره؛ فقال ابن عباس: أمهيت يا أبا الوليد، - يقال أمهيت الحديدة إذا حددتها - أي بلغت الغاية في الغدر، ولو كنت على يقين مما ظننت بك لكفاني، أو لأرضاني دون ما سمعت منك، فتبسم معاوية ثم قال: الرجز
دعوت عركاً ودعاً عراكا ... جندلتان اصطكتا اصطكاكا
من ينك العير ينك نياكا
لا تدخلوا بين بني عبد مناف، فإن الحلم لهم حاجز، والداخل بينهم عاجز، وإن فطنة ابن عباس مقرونة بعلمه، ثم تمثل: الطويل
سمين قريش مانع منك شحمه ... وغث قريش حيث كان سمين
قال ابن عائشة، قال عمرو بن عبيد: تعريف الجاهل أيسر من تغيير المنكر.
قال بعض الموالي لعمرو بن عتبة: يا مولاي، أعتقني أعتقك الله من النار، فقال له: يا بني، إنك لم تخرف، أي لم تدرك - يقال:
стр. 1159
أخرفت النخلة إذا بلغت أن تخرف - فقال: يا مولاي، إن التمرة تجتني زهراً قبل أن تكون مغراً، فقال: قاتلك الله ما أحسن ما استعتقت، قد وهبتك لواهبك لي.
قال محمد بن سلام، قال نحوي لرجل: أتشتعر حمارك؟ أي تعلفه الشعير. سألت الثقة عن هذا فأبى وقال: هو منكر، ولعله مقيس على كلام العرب، وهو مجهول الأصل.
قال العتبي: سأل أبي رجل عن السرور فقال: هو أن تنال ما تحب وإن قل، فإن من فارق ما يحب صار إلى ما يكره، والمحبة لا تختار الكثير رغبة عن القليل، ولا تغرب عن القليل اختياراً للكثير، ولكنه أطباع مختلفة، وأهواء مؤتلفة، توصف بجملتها، ويضيق القول في تفسيرها، وتوصف إذا كان، ولا تعرف بصفة قبل أن تكون.
قال العتبي لابنه: يا بني، اجعل دنياك وصلة إلى دينك، ولا ترض بها عوضاً منها، فإن الله تعالى لم يرضها ثواباً لمن رضي عنه من أهلها، ولا عقاباً لمن سخط عليه فيها.
قال العتبي: كان عمي ينفق ماله كأنه مال أعدائه، فكلمته زوجته في ذلك فقال: البسيط
هبت تلوم وتلحاني على خلق ... عودته عادة والخير تعويد
قلت اتركيني أبع مالي بمكرمة ... يبقى ثنائي بها ما أورق العود
إنا إذا ما أتينا أمر مكرمة ... قالت لنا أنفس عتبية عودوا
يقال: من الشعر القديم قول القائل: الخفيف
عين جودي على عبيل وهل ير ... جع ما فات فيضها بانسجام
стр. 1160
عمروا يثرباً وليس بها شف ... ر ولا صارخ ولا ذو سنام
غرسوا لينها بمجرى معين ... ثم حفوا النخيل بالآجام
ولي عبد الملك بن عمير القضاء بعد الشعبي فقال هذيل الأشجعي: الطويل
أتاه وليد بالشهود يسوقهم ... على ما ادعى من صامت المال والخول
يقود إليه كلثما وكلامها ... شفاء من الداء المخامر والخبل
فأدلى وليد عند ذاك بحجة ... وكان وليد ذا مراء وذا جدل
وكان لها دل وعين كحيلة ... فأدلت بحسن الدل منها وبالكحل
وما برحت تومي إليه بناظر ... وتومض أحيانا إذا خصمها غفل
فأفتنت القبطي حتى قضى لها ... بغير قضاء الله في محكم الطول
فلو كان من في القصر يعلم علمه ... لما استعمل القبطي فينا على عمل
له حين يقضي للنساء تخاوص ... وكان وما فيه التخاوص والحول
إذا ذات دل كلمته بحاجة ... فهم بأن يقضي تنحنح أو سعل
وبرق عينيه ولاك لسانه ... يرى كل شيء ما خلا شخصها جلل
следующие страницы →