Полный текст (2 098 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.
стр. 1156
وجد المحب إذا ما بان صاحبه ... وجد الصبي بثديي أمه الكلف
فقلت: فأنشديني من قولك، فقالت: الوافر
بنفسي من هواه على التنائي ... وطول الدهر مؤتنف جديد
ومن هو في الصلاة حديث نفسي ... وعدل الروح عندي بل يزيد
قال أبو العيناء: سمعت الأصمعي يقول: رأيت أعرابياً يرفع صوته على وال صرفه عند جعفر بن سليمان فقال: والله إنه ليقبل الرشوة، ويقضي بالعشوة، ويطيل النشوة، ولقد بنى حماماً زندقة وكفراً.
قال الأصمعي: جلس إلي رجل تقتحمه العين، والله ما ظننته يجمع بين كلمتين، فاستنطقته فإذا نار تأجج، فقلت: أتحسن شيئاً من الحكمة تفيدنيه؟ فقال: الرجوع عن الصمت أحسن من الرجوع عن الكلام، والعطية بعد المنع أحمد من المنع بعد العطية، والإقدام على العمل بعد التأني فيه أحسن من الإمساك عنه بعد الإقدام عليه؛ قال: فعظم والله في عيني حتى ملأ قلبي هيبة.
قال الأصمعي: حججت، فبينا أنا بالأبطح إذا شيخ في سحق عباء، صعل الرأس أثط أخزر أزرق، كأنما ينظر من فص زجاج أخضر، فسلمت
стр. 1157
فرد علي التحية، فقلت: ممن الشيخ؟ قال: من بني ضمرة بن بكر بن عبد مناف بن كنانة، قلت: فما الاسم؟ قال: خميصة بن قارب. ثم قال: أعرابي أنت؟ قلت: نعم، قال: من أية؟ قلت: من أهل البصرة، قال: فإلى من تعتزي؟ قلت: إلى قيس عيلان، قال: لأيهم؟ قلت: أحد بني بغيض، وأنا أقلب ألواحاً معي، قال: ما هذه الخشبات المقرونات؟ قلت: أكتب فيهن ما اسمع من كلامكم، قال: وإنكم مخلون إلى ذلك؟ قلت: نعم وأي خلة، فصمت ملياً ثم قال في وصف قومه: كانوا كالصخرة الصلدة تنبو عن صفحتها المعاول، ثم زحمها الدهر بمنكبه فصدعها صدع الزجاجة ما لها من جابر، فأصبحوا شذر مذر، أيادي سبا، ورب قوم - والله - عارم قد أحسنوا تأديبه، ودهر غاشم قد قوموا صعره، ومال صامت قد شتتوا تألفه، وخطة بوس قد حسمها أسوهم، وحرب عبوس ضاحكتها أسنتهم، أما والله يا أخا قيس لقد كانت كهولهم جحاجح، وشبانهم مراجح، ونائلهم مسفوح، وسائلهم ممنوح، وجنابهم ربيع، وجارهم منيع. فنهضت لأنصرف فأخذ بمجامع ذيلي فقال: اجلس لقد أخبرتك عن قومي حتى أخبرك عن قومك، فقلت في نفسي: إنا لله، سينشد في قيس والله وصمة تبقى على الدهر، فقلت: حسبك، لا حاجة بي إلى ذكرك قومي، قال لي: بلى والله، هم هضبة ململمة، العز أركانها، والمجد أغصانها، تمكنت في الحسب العد، تمكن الأصابع في اليد؛ فقمت مسرعا مخافة أن يفسد علي ما سمعت.
قال أبو عطاء مولى عتبة: قدم علينا ابن عباس سنة إحدى وأربعين
стр. 1158
وهو كالقرحة المنبجسة، وكان عتبة قليل الكلام، فنظر ابن عباس إلى عتبة يحد النظر إليه ويقل الكلام معه، فقال: يا أبا الوليد، ما بالك تحد النظر إلي وتقل الكلام معي؟ ألعقلة طالت أم لموجدة دامت؟ فقال عتبة: أما قلة كلامي معك فلقلته مع غيرك، وأما كثرة نظري إليك فلما أرى من أثر سبوغ النعمة عليك، ولئن سلطت الحق على نفسك لتعلمن أنه لا يعرض عنك إلا مبغض، ولا ينظر إليك إلا محب، ولئن كان هذا الكلام شفى منك داء، وأظهر منك مكتوماً، فما أحب غيره؛ فقال ابن عباس: أمهيت يا أبا الوليد، - يقال أمهيت الحديدة إذا حددتها - أي بلغت الغاية في الغدر، ولو كنت على يقين مما ظننت بك لكفاني، أو لأرضاني دون ما سمعت منك، فتبسم معاوية ثم قال: الرجز
دعوت عركاً ودعاً عراكا ... جندلتان اصطكتا اصطكاكا
من ينك العير ينك نياكا
لا تدخلوا بين بني عبد مناف، فإن الحلم لهم حاجز، والداخل بينهم عاجز، وإن فطنة ابن عباس مقرونة بعلمه، ثم تمثل: الطويل
سمين قريش مانع منك شحمه ... وغث قريش حيث كان سمين
قال ابن عائشة، قال عمرو بن عبيد: تعريف الجاهل أيسر من تغيير المنكر.
قال بعض الموالي لعمرو بن عتبة: يا مولاي، أعتقني أعتقك الله من النار، فقال له: يا بني، إنك لم تخرف، أي لم تدرك - يقال:
стр. 1159
أخرفت النخلة إذا بلغت أن تخرف - فقال: يا مولاي، إن التمرة تجتني زهراً قبل أن تكون مغراً، فقال: قاتلك الله ما أحسن ما استعتقت، قد وهبتك لواهبك لي.
قال محمد بن سلام، قال نحوي لرجل: أتشتعر حمارك؟ أي تعلفه الشعير. سألت الثقة عن هذا فأبى وقال: هو منكر، ولعله مقيس على كلام العرب، وهو مجهول الأصل.
قال العتبي: سأل أبي رجل عن السرور فقال: هو أن تنال ما تحب وإن قل، فإن من فارق ما يحب صار إلى ما يكره، والمحبة لا تختار الكثير رغبة عن القليل، ولا تغرب عن القليل اختياراً للكثير، ولكنه أطباع مختلفة، وأهواء مؤتلفة، توصف بجملتها، ويضيق القول في تفسيرها، وتوصف إذا كان، ولا تعرف بصفة قبل أن تكون.
قال العتبي لابنه: يا بني، اجعل دنياك وصلة إلى دينك، ولا ترض بها عوضاً منها، فإن الله تعالى لم يرضها ثواباً لمن رضي عنه من أهلها، ولا عقاباً لمن سخط عليه فيها.
قال العتبي: كان عمي ينفق ماله كأنه مال أعدائه، فكلمته زوجته في ذلك فقال: البسيط
هبت تلوم وتلحاني على خلق ... عودته عادة والخير تعويد
قلت اتركيني أبع مالي بمكرمة ... يبقى ثنائي بها ما أورق العود
إنا إذا ما أتينا أمر مكرمة ... قالت لنا أنفس عتبية عودوا
يقال: من الشعر القديم قول القائل: الخفيف
عين جودي على عبيل وهل ير ... جع ما فات فيضها بانسجام
стр. 1160
عمروا يثرباً وليس بها شف ... ر ولا صارخ ولا ذو سنام
غرسوا لينها بمجرى معين ... ثم حفوا النخيل بالآجام
ولي عبد الملك بن عمير القضاء بعد الشعبي فقال هذيل الأشجعي: الطويل
أتاه وليد بالشهود يسوقهم ... على ما ادعى من صامت المال والخول
يقود إليه كلثما وكلامها ... شفاء من الداء المخامر والخبل
فأدلى وليد عند ذاك بحجة ... وكان وليد ذا مراء وذا جدل
وكان لها دل وعين كحيلة ... فأدلت بحسن الدل منها وبالكحل
وما برحت تومي إليه بناظر ... وتومض أحيانا إذا خصمها غفل
فأفتنت القبطي حتى قضى لها ... بغير قضاء الله في محكم الطول
فلو كان من في القصر يعلم علمه ... لما استعمل القبطي فينا على عمل
له حين يقضي للنساء تخاوص ... وكان وما فيه التخاوص والحول
إذا ذات دل كلمته بحاجة ... فهم بأن يقضي تنحنح أو سعل
وبرق عينيه ولاك لسانه ... يرى كل شيء ما خلا شخصها جلل
стр. 1161
قال أبو العتاهية: الهزج
فصغ ما كنت حليت ... به سيفك خلخالا
فما تصنع بالسيف ... إذا لم تك قتالا
كان شريح إذا جلس للقضاء يلهج بهولاء الكلمات: سيعلم الظالمون حظ من نقصوا، إن الظالم ينتظر العقاب، وإن المظلوم ينتظر النصر.
كان الشعبي يقول في القاذف: يقبل اله تعالى توبته وتردون شهادته؟ وكان يقول: تقبل شهادته إذا تاب.
قال عبد الرحمن الأعرج: لا تجوز شهادة الظنة والحنة والجنة.
كان العشبي يجيز شهادة الرجل على شهادة الرجل إذا كان قد مات، ولا يجيز شهادته إذا كان حياً ولو كان بالصين.
قال الأعمش: أخبرني تميم بن سلمة أن رجلاً شهد عند شريح وعليه جبة ضيقة الكمين، فقال شريح: أتتوضأ وعليك جبتك؟ قال: نعم، قال: احسر عن ذراعيك، فحسر فلم يبلغ كم جبته إلى نصف الساعدين، فرد شهادته.
стр. 1162
وكان شريح يقول إذا ما أتاه الشاهدان: ما دعوتكما ولا أنها كما أن ترجعا إن شئتما، وما أنا أقضي على هذا المسلم، إن يقض عليه إلا خيركما، وإني متق بكما فاتقيا.
كان الشعبي يقول: إذا ارتهن الرجل الجارية فقبضها فليس للراهن أن يقربها حتى يفتكها.
قال ابن سيرين: كان لرجل قبل رجل حق إلى أجل، فغاب، فأتى أهله فتقاضاهم حقه على صاحبه، فقضوه إياه قبل محله؛ ثم إن الرجل قدم فأخبروه، فخاصمه إلى شريح، فقال شريح: رد على الرجل ماله، ولحبسه بقدر ما تعجلته قبل محله.
قال زياد بن سليمان: أمر ابن عمر رجلاً أن يشتري له متاعاً، فاشتراه له، ثم أتاه فرضيه ابن عمر ودفع إليه الثمن، فانطلق إلى صاحبه فدفع إليه الثمن واستوضعه دينارين ثم أتى بهما ابن عمر فأخبره، فقال ابن عمر: قد رضينا المتاع، فبأي شيء تأخذ هذين الدينارين؟ ردهما على الرجل.
قال: وأمر رجلاً أن يشتري متاعاً فاشتراه، فدفع إليه الثمن فقال: انطلق فادفعه إلى صاحبه، فلم يفعل، واحتبس الدراهم عنده، فلما طال على صاحب المتاع جاء إلى ابن عمر فقال: يا أبا عبد الرحمن، أريد أن أذكر لك شيئاً وأنا منه مستحي، قال: ما هو؟ قال: ثمن ذلك المتاع، قال: أو ما دفعه إليك فلان؟ قال: لا، فأرسل إليه فقال: ما منعك أن تدفع إلى الرجل ماله؟ أعطه مثله فليحبسه بقدر ما احتبست عندك من حقه.
стр. 1163
قال: ومات مولى له فأتى بميراثه فاشترى به رقاباً فأعتقهم.
ساوم عمر بن الخطاب ﵁ أعرابياً بفرس له، فلما قامت على ثمن أخذها عمر على أنه فيها بالخيار، إن شاء أمسك وإن كره رد، فحمل عمر عليها رجلاً فسورها، قال: فوقع في بئر فهلكت الفرس، فقال الأعرابي: ضمنت فرسي يا أمير المؤمنين قال: كلا إني لم أضمنها قال الأعرابي. فاجعل بيني وبينك رجلاً من المسلمين، فجعلا بينهما شريحاً، فقص عليه القصة فقال: ضمنت يا أمير المؤمنين فرس الرجل لأنك أخذتها على شيء معلوم فأنت لها ضامن حتى تردها عليه؛ قال: فقبل ذلك عمر ﵁ وبعث شريحاً على قضاء الكوفة.
قال الشعبي: لما بعث عمر ﵁ شريحاً على قضاء الكوفة قال له: ما تبين لك في كتاب الله فلا تسأل عنه أحداً، وما لم يتبيه لك في كتاب الله فاتبع سنة رسول الله، وما يتبين لك في السنة فاجتهد برأيك.
قال شريح: الخليط أحق من الشفيع، والشفيع أحق من الجار، والجار أحق ممن سواه.
قال أبو العيناء: كتب زنقاح الهاشمي إلى علي بن يحيى المنجم: بسم الله الرحمن الرحيم، أستوهب الله تعالى المكاره كلها يا سيدي فيك
стр. 1164
برحمته: أحب سيدي أنت أن تسقيني زبيب وعسل، فإن عندي رجل يشرب المطبوخ إن شاء الله.
قال أبو العيناء: وكتب أيضاً صديق له: فدتك نفسي برحمته، أنا وحدي والجواري عندي، وأنا وإسحاق وأبي العباس في البستان، موفقاً إن شاء الله.
قال أبو العيناء: وكتب أيضاً إلى صديق له يستعير دابة: أردت الركوب في حاجة إن شاء الله، فكتب إليه الرجل: في حفظ الله.
قال أبو العيناء: شكا بعض جيران محمد بن عبد الله بن المهدي أذى غلمانه للجيران وسأله أن ينهاهم، فكتب إليه محمد: صبحك الله، أنا في الخبر عن شكوى الغلمان بسبب الجيران وهو مملوكين، وكم ثمن دارك، ولو مثل قصر الخليفة حتى لم أكن أمتنع من هبتها لغلامك، ولو خرجت عن دخول بغداد، أي والله؛ ولو كنت حارسي الكلب إذا كنت غاسياً عنها، وأعوذ بالله لو كلمتك عشر سنين، فانظر الآن أنت إلي، علي المشي إلى بيت الله، أعني به الطلاق وثلاثين حجة أحرار لوجه الله، وسبيلي في دواب الله فعلت، موقناً إن شاء الله.
قال العتابي: ابتلي بعض ملوك الأعاجم بصمم فقال لهم: إن كنت أصبت بسمعي، فلقد متعت ببصري، ثم نادى مناديه: من ظلم فليلبس ثوباً مصبوغاً، وليقم حتى أراه فأدعوه به، وأنظر في أمره.
стр. 1165
قال بعض أهل اللغة في شيات الدواب: إذا لم يكن بالدابة شية فهو بهيم، ومن الشيات: القرحة، وهو بياض كالدرهم بجبهة الفرس، يقال فرس أقرح، فإذا سال البياض على وجهه ولم ينتشر فهو أغر شمراخ، فإذا انتشر في الوجه وذهب عرضاً فهو أغر شادخ، فإذا كان في وجهه بياض كثير أوسع وأكبر من القرحة فهي الغرة؛ فإذا كان البياض في العينين فهو مغرب، وإذا كان البياض بمقدار الدرهم على الجحفلة فهو أرثم، وإذا كان البياض في حد واحد فهو ملطوم، وإذا كان البياض في البطن فهو أنبط، وإذا كان أبيض القوائم فهو محجل، وإذا كان بإحدى رجليه بياض فهو أرجل، وإذا كانت رجلاه بيضاوين قيل: به شكال، وإذا كانت رجل واحدة بيضاء فهو اليمنى أو اليسرى، وإذا كان أبيض اليدين فهو مقيد، وإذا كان البياض وإذا كان البياض في اليدين وفي رجل قيل محجل بثلاث ومطلق واحدة بيد واحدة فهو اعصم وإذا كان في اليد اليمنى والرجل اليسرى قبل: به شكال مخالف.
قال: ومن الألوان: الأدهم وهو الأسود، والأدغم وهو الديزج إلى الحمرة يضرب، والأحمر وهو أدنى شيء إلى الدهمة، وكميت أشقر يعلوه سواد أو أصفر أشقر، وفرس ورد وهو بين الكميت والأشقر، والأشهب: الأبيض، والملمع: الذي في جسده لمع متفرقة، والغيهب: أشدها سواداً، والأدهم: الأدغم وهو الذي لون وجهه ومناخره ديزج، وأدهم
стр. 1166
أورق وهو الذي يشبه الرماد، وأحوى أحم وهو الذي بين الدهمة والخضرة، وأحوى أكهب وهو قلة الماء وكدورة اللون، وكيمت أحم وهو قريب من الحوى، وكميت عندمي وهو كأنه خضب بالحناء يضرب إلى الصفرة، والورد الأغبس وهو السمند، وأبرش ألمع وهو الذي يجتمع فيه من كل لون نكتة، وأشهب أحمر وهو الذي يعلوه سواد، وأبلق مطرف وهو الذي اسود رأسه وذنبه أو احمر أو ابيض، وأبلق مولع وهو الذي بلقه يتشحط في استطالة، والأصدأ الذي قد اشتدت حمرته حتى قاربت السواد، والمبرقع: الذي قد ابيض وجهه، والأشعل: الذي في ذنبه وهج، والصنابي على لون الخردل.
ويقال: أزرق العين اليمنى واليسرى، أو بخده الأيمن أو الأيسر، أو بكلفه سمة أو دارة، فإذا لم يكن من ذلك شيء فهو غفل؛ والذي يشبه الجلجون وسمند بالسواد وأشهب الحمرة وسمند ببياض، والمغرب الذي تبيض أشفار عينيه.
قال القاضي أبو حامد: حضرت مجلس ابن المغلس وعلي إذ ذاك مئزران، فرأيت شيخاً بهياً قد وشحته الطرز، وذاك انه كانت عليه عمامة
стр. 1167
مطرزة، وإزار مطرز، وقميص مطرز وهو على مساور مطرزة، وكان يتكلم في التيمم ويقول: التيمم إلى الكوع، وإن إطلاق اليد في الآية إلى الكوع ينتهي، فقلت: أنا أكلمك، إن ظاهر الآية ينتهي إلى المرافق، فقال لي: أنا لا أكلم من ليس طبقته طبقتي، فقلت: ولا تكلم أيضاً إلا من ثيابه ثيابك، وشيبته شيبتك، فقام إليه إنسان ووصفني له فقال: هات كلامك.
سمعت أبا حامد يقول: كلمت ابن المغلس في القياس فقال: لا يخلو إيجاب الربا في البر من معان، إما أن يحرم بالمعنى وحده، أو بالاسم والمعنى، أو بالاسم دون المعنى، قال: فإن قلتم بالاسم، أو بالاسم والمعنى، فالاسم غير موجود في الأرز، وإن قلتم بالمعنى فما الفائدة في النص على اسم البر، وقد كان يمكن أن ينص على العلة؟ قال أبو حامد: فقلت له: إن الله وصف القرآن فقال: " منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات " آل عمران: ٧ فبين أن منها ما يجل ومنها ما يدق، ثم فضل العلماء بعضهم على بعض، ولم يكن هذا الفضل إلا لاجتهادهم في إدراك المتشابه، فنص على البر ليتفاضل في إدراك المعنى ويكثر صواب من أصاب الحق، ولو لم يكن ذلك كذلك لسقط العلم؛ قال أبو حامد: قال ابن المغلس: كيف يصح القول بالمعاني وقد كانت موجودة قبل الشرع ولا حكم، فسكت.
قال أبو حامد: سأل رجل جعفر بن محمد فقال له: ما الدليل على الله تعالى ولا تذكر لي العالم والعرض والجسم؛ فقال له: هل ركبت البحر؟ قال: نعم، قال: فهل عصفت بكم الريح حتى خفتم الغرق؟ قال: نعم، قال: فهل انقطع رجاؤك من المركب ومن الملاحين؟ قال: نعم، قال: فهل تتبعت نفسك أن ثم من ينجيك؟ قال: نعم، قال: فإن ذلك هو الله
стр. 1168
تعالى. قال الله : " ضل من تدعون إلا إياه " الإسراء: ٦٧، وقال: " ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون " النحل ٥٣.
تكلم الداركي الفقيه يوماً في مجلس ابن معروف، وكان على قضاء القضاة - أعني ابن معروف - وكان ابن الدقاق يكلمه، فلحن الداركي، فقال له ابن الدقاق: لحنت، فقال الداركي: رايت أبا الفرج المالكي يناظر أبا إسحاق المروزي فقال له في النظر: إنك تلحن، فلو أصلحت من لسانك، فقال له أبو إسحاق: هذا أول انقطاعك، لأنك تعلم أني قد لحنت قبل هذا مراراً فلم تنكر علي، لما لزمك المعنى الآن صرت تعيب علي اللفظ، ثم قال الداركي: أنا ألحن وألحن، ولكن كلموني على المعاني إن كان لكم إليها سبيلاً.
كذا قال، وقد مضغ الداركي ذات بطنه بهذا الكلام، لأن المعاني ليست في وجهة والألفاظ في جهة، بل هي متمازجة متناسبة، والصحة عليها وقف، فمن ظن أن المعاني تخلص له مع سوء اللفظ وقبح التأليف والإخلال بالإعراب فقد دل على نقصه وعجزه.
سمعت أبا حامد يقول: قدمت امرأة بعلها إلى أبي عمر القاضي فادعت عليه مالاً فاعترف به فقالت: أيها القاضي، خذ بحقي ولو بحبسه، فتلطف بها لئلا تحبسه فأبت إلا ذلك، فأمر به، فلما مشى خطوات صاح أبو عمر بالرجل وقال له: ألست ممن لا يصبر على النساء؟ ففطن الرجل فقال: بلى، أصلح الله القاضي، فقال: خذها معك إلى الحبس، فلما عرفت الحقيقة ندمت على لجاجها وقالت: ما هذا أيها القاضي؟ فقال لها: لك عليه حق وله عليك
стр. 1169
حق، وما لك عليه لا يبطل ما له عليك، فعادت إلى السلاسة والرضا.
نظر عمر بن الخطاب إلى رجل يظهر النسك، متماوت، فخفقه بالدرة وقال: لا تمت علينا ديننا أماتك الله.
اعتذر رجل إلى سلم بن قتيبة من أمر بلغه عنه، فعذره ثم قال: يا هذا لا يحملنك الخروج من أمر تخلصت منه على الدخول في أمر لعلك لا تتخلص منه.
وكان الرشيد يأتزر في الطواف، فيدير إزاره ويباعد بين خطاه، فإذا رجع بيده كاد يفتن من رآه، فعند ذلك مدح وقيل فيه: المتقارب
جهير الكلام جهير العطاس ... جهير الرواء جهير النغم
ويخطو على ألأين خطو الظليم ... ويعلو الرجال بخلق عمم
قال يعقوب: يقال للرجل: صعد في الجبل وأسهل في الحضيض، وقال: يقال: صعد فيه البصر وصوب؛ وقال: الإيماض خطرات البرق.
لما قتل الوليد بن يزيد بن عبد الملك قام يزيد بن الوليد بن عبد
стр. 1170
الملك فخطب وقال: والله ما خرجت أشراً ولا بطراً، ولا حرصاً على الدنيا ولا رغبة في المال، وما بي إطراء نفسي، وإني لظلوم لها إن لم يرحمني الله، ولكني خرجت غضباً لله ولدينه، وداعياً إلى كتاب الله جل وعز وسنة نبيه صلى الله عليه، إذ انهدمت معالم الهدى، وطفئ نور التقوى، وظهر الجبار العنيد مستحلاً كل حرمة وراكباً كل بدعة، لا يصدق بالكتاب، ولا يؤمن بيوم الحساب، وإنه لابن عمي في النسب، وكفيي في الحسب، فلما رأيت ذلك استخرت الله في أمره، وسألته أن لا يكلني إلى نفسي، ودعوت إلى ذلك بقوة الله وحوله، لا بقوتي وحولي. أيها الناس: إن لكم علي ألا أضع حجراً على حجر، ولا أستأثر بذهر، ولا أنقل مالاً من بلد إلى بلد، حتى أسد ثغر ذلك البلد وخصاصة أهله بما يغنيهم، فإن فضل شيء نقلته إلى البلد الذي يليه لأهل الحاجة إليه، ولا أجمركم في ثغوركم فأفتنكم وأفتن أهليكم، ولا أغلق بابي دونكم فيأكل قويكم ضعيفكم، ولا أحمل عل أهل جزيتكم ما يجليهم ويقطع نسلهم، وإن لكم عندي أعطياتكم في كل سنة، وأرزاقكم في كل شهر، حتى تستدر المعيشة بين المسلمين، فيكون أقصاهم كأدناهم، فإن وفيت لكم بذلك فعليكم السمع والطاعة وحسن المؤازرة، وإن أنا لم أف لكم فلكم أن تخلعوني، إلا أن تستتيبوني فأتوب، فإن علمتم أن أحداً يوثق من صلاحه، ويعطيكم من نفسه مثل ما أعطيتكم وأردتم أن تبايعوه، فأنا أول من بايعة ودخل في طاعته.
أيها الناس، إنه لا طاعة لخلوق في معصية الخالق، ولا وفاء بنقض عهد الله تعالى، فمن أطاع الله فأطيعوه، فإذا عصى الله فهو أهل أن يعصى ويقتل؛ أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم، إنه واسع كريم.
قال فيلسوف: من نظر بعين الهوى حار، ومن حكم على الهوى جار.
стр. 1171
قال أعرابي: ربما أبصر الأعمى رشده، وأضل البصير قصده.
قال يحيى بن خالد: من بر العامة مدح، ومن توقاها حمد، ومن حماها رأس، ومن نصب لها افتضح، ومن تتبع عيوب الناس سقطت مروءته.
قال عمر بن شبة، قال أعرابي سئل عن حاله: إن لي قلب نزوعاً، وطرفاً دموعاً، فما يصنع كل واحد منهما بصاحبه، على أن داءهما دواؤهما، وسقمهما شفاؤهما.
قال رجل لذي النون: دلني على عمل واختصره، فقال له: قف طرفك في آلاء الله وعظمته حتى كأنك مشاهد لمسألته، فإنك إذا فعلت ذلك حسمت عينيك عن النظر، وقلبك عن المطالبات للمعاصي بالفكر.
قال بعض النساك لجارية: ما أحسن ساعدك؟ قالت: أجل لكنه لمن يخص به، فغض بصر جسمك عما ليس لك حتى ينفتح لك بصر عقلك، فترى ما لك وما ليس لك.
وقال بعض الصوفية: عشق العين سريع الانحلال بطيء العودة، فاحذر أن يؤول بك إلى عشق القلب فيصعب المرام.
стр. 1172
رأى سقراط رجلاً من تلامذته يتفرس في وجه أورجيا، وكانت فائقة الجمال، فقال له: ما هذا الشعل الذي قد منعك الروية والفكر؟ فقال: أتعجب من آثار حكمة الطبيعة في صورة أورجيا، فقال له: لا يصيرن نظرك مركباً لشهوتك، فيجمح بك في الوحول اللازبة، ولتكن نفسك منك على بال، فإن آثار الطبيعة في أورجيا الظاهرة تمحق بصرك، وإن فكرك في صورتها الباطنة يحد نظرك.
قال مسلم الخواص، قلت لمحمد بن علي الصوفي أوصني، فقال: إياك وإعمال النظر إلى كل ما دعاك إليه طرفك، وشوقك إليه قلبك، فإنهما إن ملكاك لم تملك شيئاً من جوارحك حتى تبلغ كرهاً ما يطالبانك به، وإن ملكتهما كنت الداعي لهما إلى ما أردت، فلم يعصيا لك قولاً، ولم يرداً لك أمراً.
نظر محمد بن سيار الصوفي إلى أبي المثنى الشيباني وقد كرر النظر فيوجه غلام أمرد فقال له: إياك وإدمان النظر، فإنه يكشف الخبر، ويفضح الستر، ويطول به المكث في سقر.
قال فيلسوف: العيون طلائع القلوب أرتج على عبد الله بن عامر بن كريز وهو على منير البصرة في يوم أضحى، فسكت ملياً ثم قال: والله لا أجمع عليكم عياً ولؤماً، من أخذ شاة من السوق فهي له، وثمنها علي.
стр. 1173
قال أبو العنبس الصيمري: أنا وأخي توأمان، وخرجت أنا وهو من البصرة في يوم واحد وساعة واحدة، ودخلنا سر من رأى في يوم واحد، فولي هو القضاء، وصيرت أنا صفعان، فمتى يصح أمر النجوم؟ كان عبد الملك بن مروان إذا أراد أن يولي رجلاً عمل البريد سأل عن صدقه ونزاهته وأناته، ويقول: كذبه يشكك في صدقه، وشرهه يدعوه في الحق إلى كتمانه، وعجلته تهجم بمن فوقه على ما يؤثمه ويندمه.
كان حاتم إذا قاتل غلب، وإذا غنم أنهب، وإذا سئل وهب، وإذا سوبق سبق، وإذا أسر أطلق.
لما قدم طلحة والزبير البصرة قام مطرف بن عبد الله بن الشخير خطيباً في مسجدها فقال: أيها الناس، إن هذين الرجلين - يعني طلحة والزبير - لما أضلا دينهما ببلدهما جاءا يطلبانه في بلدكم، ولو أصاباه عندكم ما زاداكم في صلاتكم ولا صومكم ولا زكاتكم ولا في حجكم ولا في غزوكم، وما جاءا إلا لينالا دنياهما بدينكم، فلا يكونن دنيا قوم آثر عندكم من دينكم، والسلام.
اشترى معاوية جارية وعنده صعصعة بن صوحان فقال له: كيف تراها؟ فقال: أراها فاترة الطرف، ذات شعر وحف، وفم ألمى كأقاحي تندى في رجراج الثرى، رضا العين مقبلة، وشفاء النفس مدبرة، إن تم منها شيء واحد، قال: ما هو؟ قال: المنطق إن عذب، فاستنطقت فلما نطقت
стр. 1174
قال: شهي كمجاج نحل جني، فهل عنها يا أمير المؤمنين مزحل؟ فقال: أما دون أن نبلو الخبر ونقضي الوطر فلن تدركها.
سمعت بعض العلماء يقول: لا تكون المائدة مائدة حتى يكون عليها طعام، وإلا فهي خوان، ولا يكون الرمح رمحاً حتى يكون عليه سنان إلا فهي قناة، ولا تكون الكأس كأساً حتى يكون فيها شراب وإلا فهو قدح، ولا تكون الأريكة أريكة حتى تكون عليها حجلة وإلا فهو سرير، ولا تكون الذنوب ذنوباً حتى يكون فيها ماء وإلا فهي دلو، وكذلك السجل، ولا تكون الشعيلة شعيلة حتى يكون فيها نار وإلا فهي فتيلة.
قال يحيى بن خالد: احرس عقلك من شهوتك، وشيبك من عادتك، ونفسك من الآثام، وبدنك من الهموم، وصمتك من التيه، وكلامك من الزلل، ولا حراسة إلا بأناة.
قال أعرابي: اللهم اغفر لي، فإن عدت إلى الذنب فعد بالغفران قبل أن يفنى الأمل، وينقطع الأجل.
كاتب: كتب فلان محشوة من فصها إلى مقاطعها بذكرك وشكرك.
وأنشد: الطويل
هي الخمر في حسن وكالخمر ريقها ... ورقة ذاك اللون في رقة الخمر
فقد جمعت فيها خمور ثلاثة ... وفي واحد سكر يزيد على السكر
стр. 1175
قال أبو العيناء: سمعت إبراهيم بن المهدي يقول: وذكر عفو المأمون عنه فقال: والله ما عفا عني تقرباً إلى الله، ولا صلة للرحم، ولكن قامت له سوق في العفو فكره أن تكسد بقتلي؛ قال: فذكرت هذا الحديث ليعقوب بن سليمان بن جعفر فقال: " قتل الإنسان ما أكفره " عبس: ١٧، أما المأمون فقد والله فاز بحفظها، كفر من كفر، وشكر من شكر.
قال الأصمعي: افتقر أعرابي وساءت حاله، فكان يسأل ويقول: الرجز
ألا فتى أروع ذو جمال ... من عرب الناس أو الموالي
يعينني اليوم على عيالي ... وصبية قد ضاق عنهم مالي
وساقهم جدب وسوء حال ... إليكم يا سادة الرجال
فقد مللت كثرة السؤال ... والله يجزيكم على الإفضال
قال أبو العيناء، حدثنا الأصمعي قال: لما أفضى الأمر إلى معاوية تكافت الشعراء عن مدحه حتى بدر الأخطل ذات يوم وعليه ثوب خز ومطرف خز وعمامة خز، فركدبين الصفين ثم قال: الكامل
تسمو الوفود إلى إمام عادل ... معطى المهابة نافع ضرار
وترى عليه إذا العيون شزرنه ... سيما الحليم وهيبة الجبار
стр. 1176
فتهافت الناس بعده في مدحه.
قال الأصمعي: استأذن الشعبي على عبد الملك بن مروان وعنده الأخطل فأذن له، فلما مثل بين يديه قال: أنا الشعبي يا أمير المؤمنين، قال عن علم بك أذن لك، قال الشعبي: فعقدت أولة إلى أن قال: من أشعر الناس؟ فقال الأخطل: أنا ولم أعرفه فقلت: كذبت يا شيخ، امرؤ القيس أشعر منك، قال: صدقت، ولكن أمير المؤمنين سألني عن أهل زمانه فخبرته، فإذا كذبت امرءاً فاعرف ما خطب قولك، فعقدت في يدي ثانية أخطأت فيها، فنهض الشيخ فقلت: من هذا يا أمير المؤمنين، فوجم، وعلمت أني قد أخطأت ثالثة، إذ صيرت أمير المؤمنين ولي مسألتي، فالتفت إلي عبد الملك فقال لي: هذا الأخطل؛ يا شعبي، لا يهولنك ما كان منك، فإن مع خطائك صواباً كثيراً.
قال الزبيري: حدثني عمي مصعب بن عبد الله عن الهيثم عن أبيه قال: كان المنصور ضم الشرقي بن القطامي إلى المهدي حين وضعه بالري، وأمره أن يأخذه بالحفظ لأيام العرب ومكارم أخلاقها ودراسة أخبارها وقراءة أشعارها، فقال له المهدي ذات ليلة: يا شرقي، ارح قلبي الليلة بشيء يلهيه، قلت: نعم أصلح الله الأمير، ذكروا أنه كان في ملوك الحيرة ملك له نديمان قد نزلا من قلبه منزلة نفسه عند نفسه، فكانا لا يفارقانه في لهوه وبأسه ومنامه
стр. 1177
ويقظته، وكان لا يقطع أمراً دونهما ولا يصدر إلا عن رأيهما، فغبر كذلك دهراً طويلاً؛ قال: فبينما هو ذات ليلة في شغله ولهوه إذ غلب عليه الشراب فأثر فيه تأثيراً أزال عقله، فدعا بسيفه فانتضاه وشد عليهما فقتلهما، وغلبته عيناه فنام، فلما أصبح سأل عنهما فأخبر بما كان، فأكب على الأرض حزناً لهما وأسفاً عليهما وجزعاً لفراقهما، امتنع من الطعام والشراب، وتسلب عليهما، ثم حلف ألا يشرب شراباً يخرج عقله ما عاش، وواراهما وبنى على قبريهما قبتين، وسن ألا يمر بهما أحد من الملك فمن دونه إلا سجد لهما، وكان إذا سن الملك سنة توارثوها وأحيوا ذكرها وأوصى بها الآباء أعقابهم؛ قال: فغبر الناس بذلك دهراً لا يمر بالقبر أحد صغير ولا كبير إلا سجد لهما، فصار ذلك سنة لازمة، وأثراً كالشريعة والفريضة، وحكم في من أبى أن يسجد لهما بالقتل بعد أن يحكم له في خصلتين يجاب إليهما، كائناً ما كان؛ فمر بهما يوماً قصار ومعه كارة ثيابه، وفيها مدقته، فقال الموكلون بالقبرين للقصار: اسجد، فأبى أن يفعل، فقالوا: إنك مقتول، فأبى، فرفع إلى الملك وأخبر بقصته فقال: ما منعك أن تسجد؟ قال: قد سجدت ولكن كذبوا علي، قال: الباطل قلت، فاحكم في خصلتين فإنك تجاب إليهما وإني قاتلك، قال: ولا بد من قتلي بقول هؤلاء؟ قال: لا بد من ذلك، قال: فإني أحكم أن أضرب رقبة الملك بمدقتي هذه ضربتين، قال له الملك: يا جاهل، لو حكمت علي بما يجدي على من تخلف كان أصلح، قال: ما أحكم إلا بضربة لرقبة الملك، فقال الملك لوزرائه: ما ترون فيما حكم هذا الجاهل؟ قالوا: نرى أن هذه سنة أنت سننتها، وأنت تعلم ما في نقض السنن من العار والبوار وعظيم الإثم، وأيضاً فإنك متى نقضت سنة نقضت أخرى، ثم يكون ذلك لمن بعدك، فتبطل السنن، قال: فاطلبوا إلى القصار أن يحكم بما شاء ويعفيني من هذه فإني أجيبه
стр. 1178
إلى ذلك ولو بلغ شطر ملكي، فطلبوا إليه فأبى فقال: ما أحكم إلا بضربة في رقبته، فلما رأى الملك ما عزم عليه القصار قعد له مجلساً عاماً، وأحضر القصار فأبدى مدقته فضرب بها عنق الملك ضربة وخر الملك مغشياً عليه، فأقام وقيذاً ستة أشهر، وبلغت به العلة حداً كان يجرع فيها الماء بالقطن؛ فلما أفاق وتكلم وطعم وشرب سأل عن القصار، فقيل له إنه محبوس، فأمر بإحضاره وقال: قد بقيت لك خصلة فاحكم فإني قاتلك لا محالة، فقال القصار: فإذا كان لا بد من قتلي فإني أحكم أن أضرب الجانب الآخر من رقبة الملك ضربة أخرى، فلما سمع بذلك الملك خر على وجهه من الجزع فقال: ذهبت والله إذن نفسي، ثم قال للقصار: ويلك دع عنك ما لا ينفعك فإنه لا ينفعك ما مضى، فاحكم بغيره أنفذه لك كائناً ما كان، قال: ما أحكم إلا في ضربة أخرى، فقال الملك لوزرائه: ما ترون؟ قالوا: هذه السنة، قال: ويلكم، إنه والله إن ضرب الجانب الآخر لم أشرب البارد أبداً، لأني أعلم ما قد مر بي، قالوا: فما عندنا حيلة، فلما رأى ذلك قال القصار: أخبرني، ألم أكن سمعتك تقول يوم جاء بك الشرط إنك سجدت وإنهم كذبوا عليك؟ قال: قد كنت قلت ذلك فلم أصدق، قال: فكنت قد سجدت؟ قال: نعم، فوثب من مجلسه وقبل رأسه وقال: أشهد أنك أصدق من أولئك وأنهم كذبوا عليك، فانصرف راشداً، فحمل كارته ومضى.
فضحك المهدي حتى فحص برجليه وقال: أحسنت والله، ووصله وبره
قال يونس بن عبد الأعلى: قدم على الليث بن سعد منصور بن
стр. 1179
عمار يسمع الحديث منه، فقال له: إني قد أتيت شيئاً أريد أن أعرضه عليك، فإن كان حسناً أمرتني أن أذيعه، وإن كان مما تكرهه انزجرت، قال: ما هو؟ قال: كلام الفقه ومواعظ القصاص، قال: ليس شيء غير القرآن والسنة، وما خالف ذلك فليس بشيء، قال: فتستمع وتتفضل، وكان عنده جماعة فأشاروا عليه بان يسمع منه، فابتدأ بمجلس القيامة، فلم يزل الليث يبكي ومن معه، وأمره يذيعه ولا يضمره، ولا يأخذ عليه أجراً، ووهب له ألف دينار.
يقال إن منصور بن عمار كان كاتباً لأبي عبيد الله كاتب المهدي.
قال الزبير بن بكار: كانت الخيزران كثيراً ما تكلم موسى في الحوائج، وكان يجيبها إلى كل شيء تسأل عنه، حتى مضى لذلك أربعة أشهر من خلافته فانثال الناس عليها وطمعوا فيها، فكانت المواكب تغدو إلى بابها؛ قال: فكلمته يوماً في أمر لم يجد إلى إجابتها سبيلاً، فاعتل فيه بعلة، فقالت: لا بد من إجابتي، قال: لا أفعل، قالت: فإني تضمنت هذه الحاجة لعبد الله بن مالك، قال: فغضب موسى وقال: ويلي على ابن الزانية، وقد علمت أنه صاحبها، والله لقضيتها لك، قالت: إذن والله لا أسألك حاجة أبداً، قال: إذن والله لا أبالي، وغضب، وقامت مغضبة فقال: مكانك تستوعبي كلامي، والله، وإلا فأنا نفي من قرابتي من رسول الله ﷺ ،
стр. 1180
لئن بلغني انه وقف أحد من قوادي وخاصتي وخدمي على بابك لأضربن عنقه ولأقبضن ماله، فمن شاء فليرم ذلك من هذه المواكب التي تغدو إلى بابك كل يوم؛ أما لك مغزل فيشغلك، أو مصحف يذكرك، أو بيت يصونك، إياك ثم إياك ما فتحت فاك في حاجة لملي أو ذمي والسلام. قال: فانصرفت وما تعقل ما تطأ، ولم تنطق عنده بحلو ولا مر بعدها.
قال أبو العيناء: كتب زنقاح الهاشمي - وهو محمد بن أحمد بن علي بن المهدي - إلى طبيبه: والك يا يوحنا، وأتم نعمته عليك، قد شربت الدواء خمسين مقعداً، والمغص والتقطع يقتل بطني، والرأس فلا تسل عنه، مصدعاً بعصابة منذ بعد أمس، فلا تؤخر احتباسك عني، فسوف أعلم أني سأموت وتبقى أنت فلا أنا، فعلت موفقاً إن شاء الله.
قال أبو العيناء: وكتب زنقاح إلى صديق له يسأله بخوراً: شممت اليوم منك، وحق الله، أعزك الله، رائحة طيبة، وذلك، وحياتك، باطراح الحشمة، موفقاً إن شاء الله.
قال رجل لأبي العيناء: كان أبوك أكمل منك، قال أبو العيناء: إن أبي كنت به ولم يك بي، وهو أولى بالكمال مني.
قال أبو العيناء: وقف علي أعرابي ما أحسبه بلغ ولا قارب، وخرج لي غلام أسود من الماء وقد اغتسل وهو يرعد، وكان غلاماً خبيثاً، فقلت وأومأت إلى الأسود: الرجز
كأنه ذئب غضى أزل
стр. 1181
أجزيا يا غلام أهب لك، فقال:
بات الندى يضربه والطل
فعجبت من بديهته ووهبت له دراهم.
قال أبو العيناء: أقبل جحظة ذات يوم يعظ عبادة المخنث، فقال له عبادة: مخنث مسلم مقر، خير من زنديق فاجر مصر.
قال أبو العيناء: قلت لمديني شكا سوء الحال إلي: أبشر فإن الله قد رزقك الإسلام والعافية، قال: أجل، ولكن بينهما جوع يقلقل الكبد.
قال المبرد: كان في أخلاق الحسن بن رجاء شراسة وفي كفه ضيق، فكتبت إليه: الناس أعز الله الأمير رجلان: حر وعبد، فثمن الحر الإكرام، وثمن العبد الإنعام. فأصلحه الله بهذا القول لي ولغيري مدة، ثم رجع إلى طبعه.
قال المبرد: إذا قال الرجل شعراً أو وضع كتاباً استهدف، فإن أحسن استشرف، وإن أساء استقذف.
وذكر أبو العباس يوماً النحو فقال: هو عيار الأشياء، وحلي الألسن، وجلاء الأسماع.
стр. 1182
وقال المبرد: أحسن المراثي ما خلط مدحاً يتفجع، واشتكاء بفضيلة، لأنه يجمع إلى التشكي الموجع مدحاً، والمدح الباذخ اعتباراً، فإذا وقع نظم ذلك بكلام صحيح ولهجة معربة ونظم غير متفاوت، فهو الغاية من كلام المخلوقين.
قال اللحياني: العرب تقول: فلان نادم سادم، وندمان سدمان، والمرأة ندمى سدمى، وقوم ندامى سدامى، والسادم: المهموم.
وقال بعضهم: الحزين وحيد محيد؛ وسليخ مليخ: الذي لا طعم له وأنشد: المتقارب
سليخ مليخ كلحم الحوار ... فلا أنت حلو ولا أنت مر
وفيه سلاخة وملاخة؛ ويقال مليه سليه.
قال: ويقال: بخ بخ وبه به إذا عظمت إنساناً، وعابس كابس؛ وحكي عن أعرابي: ما تصنع في ما كنك وسواك وغطاك وأرغمك وأدغمك؛ ويقال: رغماً دغماً شنغماً؛ ويقال: فعلت ذلك عن رغمه وشنغمه، ومعناه كله واحد؛ ويقال: إنه لفظ بظ؛ ويقال: له من فرقه أصيص وكصيص، أي انقباض وذعر؛ ويقال: يوم عك أك إذا كان شديد الحر، وليلة عكة أكة، وقد عكت تعك عكة، والعكة شدة الحر مع لثق واحتباس ريح؛ وهو لك أبداً سرمداً؛ وأنه لشكس لكس، أي عسر، ويقال للخب الخبيث: إنه لسملع هملع، وهو من نعت الذئب. هكذا قاله اللحياني.
стр. 1183
وأنشد في كتاب الشدة: الطويل
ونوم كحسو الطير نازعت صحبتي ... على شعب الأكوار بين الحوارك
وشعث يشجون الفلا في رؤوسه ... إذا حولت أم النجوم الشوابك
إذا رجعوا وهناً كست حيث موتت ... من الجهد أنفاس الرياح الحواشك
طعنت بهم أثباج ليل تخدرت ... به القور يثني زمل القوم حالك
قال إبراهيم الخواص: العارف لا يكدره شيء، ويصفو به كدر كل شيء.
قال أبو حمزة: رأيت أبا جعفر الحداد في البادية، وقد انكسر ساقه وهو يتثنى ويجره فقلت له: جر البلاء جر، فإن البلاء ممدود، فالتفت إلي وقال: إنما تحمل بلاياه مطاياه.
وقال عيسى بن مريم ﵇: طوبى لمن ترك شهوة حاضرة ليوم لم يره.
стр. 1184
هلال بن العلاء: الطويل
تحمل إذا ما الدهر أولاك غلظة ... فإن الغنى في النفس لا في التمول
يزين لئيم القوم كثرة ماله ... وما زين الأخيار مثل التجمل
آخر: الرجز
تطاول الليل على من لم ينم ... واحتمت العين احتمام ذي السقم
لبشار: الرمل
لم يطل ليلي ولكن لم أنم ... ونفى عني الكرى طيف ألم
الجهار: التراب الدقيق، والمسحول أيضاً. والعشار: جمع عشراء، وهي الناقة التي قد مضى لها عشرة أشهر من لقاحها، والعشر: ضرب من الشجر، والعشر: الإبل تبقى تسعة أيام لا تسقى ثم ترد اليوم العاشر.
وأنشد أيضاً فيه: الكامل
стр. 1185
أجنوب لو أبصرتني وفوارسي ... بالشعب حين تبادر الأشرار
سعة الطريق مخافة أن يهلكوا ... والخيل تتبعهم وهم فرار
حاشا الغلام المازني فإنه ... يوم الكريهة خلفهم كرار
حوس الفؤاد إذا الكماة تقارعوا ... لا طائش رعش ولا خوار
وكذاك كان أبوه في أعصاره ... يحمي إذا ما ضيع الإدبار
ويكر خلف الموجفين إذا دعوا ... كر المنيح أعاده الأيسار
أخاذ ألوية الحفاظ بحقها ... وبه يكون الورد والإصدار
في كل غمرة مأزق يصلى بها ال ... فرسان لا كشف ولا أغمار
يدعون سواراً إذا احمر القنا ... ولكل يوم عظيمة سوار
فيجيب أروع في اللقاء بخيله ... يحمى المضاف وتدرك الأوتار
حامي الحقيقة بالتراث مطلب ... للموت تحت لوائه صبار
إذ لا يزال مقلص عبل الشوى ... بجبينه ولبانه آثار
يدمين من وقع الأسنة والقنا ... وعلى فوارسها الكرام وقار
في فيلق لجب يشب ضرامه ... زرق الأسنة والقنا الخطار
والمعلمون على شوازب ضمر ... قد لاحها التعداء والتكرار
شبه السيوف تسل من أغمادها ... لا يجبنون ولا هم غدار
стр. 1186
ورثوا المكارم كابراً عن كابر ... وإليهم بالصالحات يشار
قوم بهم منع الإله حماءه ... وبهم على الملك الغشوم يجار
هذه أبيات قرئت على السيرافي وأنا أسمع، من كتاب الشدة، ومد الحمى، وهو عند أصحابنا مقصور، والشعر عربي عليه فجاجة المحرمين وسيما العنجهيين، ولا يطرد على مثله اعتراض، بل الواجب أن يقتدي به ويرجع إليه؛ وفي الأبيات كلمات غريبة تقتضي التفسير، ولكن أكره التثقيل والتطويل، فإن الكتاب قد أسأم القارئ وأمل الناظر وخيب الطالب ومنع جانبه المستنسخ، والرأي فيما هذا حاله التخفيف والاسترسال، والأخذ بما أمكن في الحال، وعلى ذلك قد جرينا، وإليه انتهينا، والله المعين.
قال أبو العيناء في رجلين فسد ما بينهما: تنازعا ثوب العقوق حتى صدعاه صدع الزجاجة ما لها من جابر.
قال: وقيل لأعرابي وهو على ركية ماء ملح: كيف هذا الماء؟ فقال: يخطئ الفؤاد ويصيب الأست.
قيل لأعرابي: ما تقول في الجري؟ قال: تمرة وسنانة غراء الطرف، صفراء السائر، عليها مثلها من الزبد أحب إلي منه، وما أحرمه.
قال أعرابي: بأبي وأمي رسول رب العالمين، ختمت به الدنيا وفتحت الآخرة.
قال يوسف بن أسباط لعلي النسائي: يا أبا الحسن، أتدري لم
стр. 1187
اتخذ الله إبراهيم خليلاً؟ قال: لا، قال: قال الله تعالى: يا إبراهيم تدري لم اتخذتك خليلاً قال: لا، قال: لأنك تأخذ وتعطي.
قيل لأعرابي: لا أقل من الرجاء، قال: بلى والله، اليأس الصريح.
قال بعض أهل اللغة: المنسر: ما بين الأربعين إلى السبعين، والرعلة: ما بين السبعين إلى المائة، والمقنب: من المائة إلى المائتين، والخميس: الخمسمائة، والفيلق: الألف، والجحفل: أربعة آلاف.
شاعر: الهزج
إذا ما كنت ذا مال ... ولم تبن به مجدا
ولم تحي به ذكراً ... ولم تور به زندا
ولم تحرز به أجراً ... ولم تكسب به حمدا
فإن شئت فكن كلباً ... وإن شئت فكن قردا
وإن شئت فخنزيراً ... ترى أسنانه دردا
وإن شئت فكن هزلاً ... وإن شئت فكن جداً
وإن شئت فكن سلحاً ... إلى مخرأة يهدي
قال ابن عمار: تذاكرنا ضيق المنازل، فقال الجماز: كنا على نبيذ لنا، فكان أحدنا إذا دخل الكنيف وجاءه القدح مد يده إلى الساقي فناوله إياه.
стр. 1188
قال الفزاري: رأيت مجنوناً يسوي رأس سكران ويقول: توبوا، والله لا أفلحت أبداً.
دخل لص دار قوم فلم يجد فيها شيئاً إلا دواة، فكتب على الحائط: عز علي فقركم وغناي.
لبعض الأشراف يصف كتاباً ورد عليه: الخفيف
صدف شق عن لآل ودر ... أم كتاب قد فض عن نظم شعر
وقواف مقومات لدى الأل ... باب موزونة بقسطاس فكر
أنشد لابن النقاش: الرجز
قلت لها لا تكثري ... خذي فؤادي أو ذري
حبك ما فارقني ... في سفري أو حضري
فليت شعري ما الذي ... عندك لي قالت حري
قلت: فهاتيه إذاً ... قالت: نعم في السحر
فلم أزل في ليلتي ... مغتبطاً بالنظر
حر كبير أملس ... في حسن وجه الخزر
مشاكل منظره ... لما أتى في الخبر
كأنه الأرنب في ... مجثمه للكبر
لم تر عيني مثله ... إلا حر أم البحتري
قال أعرابي لرجل: كن حلو الصبر عند مر النازلة.
стр. 1189
سمعت أبا حامد يقول: قرأ عبد الله بن أحمد بن حنبل في الصلاة: اقرأ باسم ربك الذي خلق، فقيل له: أنت وأبوك على طرفي نقيض، زعم أبوك أن القرآن ليس بمخلوق، وأنت تزعم أن الرب مخلوق.
وحكى أيضاً أن المحاملي المحدث قرأ: وفاكهة وإباً، فقيل له: الألف مفتوحة، فقال: هو في كتابي مضبوط.
حكي أن ابن أبي حاتم الرازي قرأ: فصيام ثلاثة أيام في الحج وتسعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة، فقيل: ما أقل بصرك بالحساب.
قال أعرابي: اجتناب أفعاله العامة من المروءة التامة.
نظر مزبد إلى امرأته تصعد في درجة، فقال لها: أنت طالق إن صعدت أو وقفت أو نزلت، فرمت بنفسها من حيث بلغت فقال: فداك أبي وأمي، إن مات مالك احتاج إليك أهل المدينة في أحكامهم.
وأنشد في سعد صاحب عبيد الله: الكامل
يا سعد إنك قد خدمت ثلاثة ... كل عليه منك وسم لائح
وبدأت تخدم رابعاً لتبيره ... رفقاً به فالشيخ شيخ صالح
стр. 1190
يا حاجب الوزراء إنك عندهم ... سعد ولكن أنت سعد الذابح
قال ابن أبي حية: كان عندنا شيخ من الشيعة يتأله، فرأى ابنه يوماً وقد أدخل غلاماً ليعبث به فقال: ما هذا يا فاسق؟ قال: إنه ناصي، قال: فادخل عليه ابن الفاجرة.
دعا محمد المخلوع عبد الله بن أبي عفان ليصطبح فأبطأ عنه، فلما جاء قال: أظنك أكلت؟ قال: لا والله، قال: أتصدق؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، فدعا بحكاك فحك أضراسه السفلى، فلما ذهب ليحك العليا قال: يا أمير المؤمنين دعها لغضبة أخرى.
قال أبو مسعود الكسائي: دخلت طاقات العلز فوطئت في شيء حار، فمسسته فإذا هو لين، فشممته فإذا هو منتن، فذقته فإذا هو مر، فنظرت إليه في السراج فإذا هو أصفر، فأريته أبا الشيص فإذا هو خرا، وأنا لا أعرفه.
قال أهل اللغة: التمتمة: الترديد في التاء، والفأفاة: في الفاء، والعقلة: التواء اللسان عند إرادة الكلام، والحبسة: تعذر الكلام، واللفف: إدخال حرف على حرف، والرتة: كالرتج يمنع منه، واللكنة: اللغة الأعجمية، واللثغة: عدل حرف إلى حرف.
قال أعرابي: العذر الجميل أحسن من المطل الطويل، فإن
стр. 1191
أردت الإنعام فأنجح، وإن تعذرت الحاجة فأفصح.
لجعيفران الموسوس: المجتث
يا سيدس وأليفي ... ومؤنسي وحليفي
أيست من كل خير ... عند ابن سعد الوصيفي
خرجت لا بطفيف ... ولا بغير طفيف
إلا طعاماً يسيراً ... خلفته في الكنيف
أبو العنبس: الهزج
أنا أفديك من بطن ... وثلثاك حر تحتي
وشفران غليظان ... قويان على النحت
أنا أدفع من فوق ... وهي تدفع من تحت
أعرابي:
جارية إحدى بنات الفرس ... تحمل معشوقاً وطيء الجس
يطلى بمسك أذفر وورس ... أولجت فيه أعجراً كالقلس
يشبه في العين بني عرس
أعرابي: الرجز
جارية من شعب ذي رعين ... قد خرجت من أهلها بعيني
стр. 1192
يا قوم خلوا بينها وبيني ... أشد ما خلي بين اثنين
آخر: الرجز
جارية من مالك بن مالك ... عزت عن الحسن ولم تشارك
ويحك يا أختي لم بدا لك ... إن تفعلي الخير فقد أنى لك
والله ما أمدح من نوالك ... ولا عطاء من جزيل مالك
بيدك اليمنة ولا شمالك ... إلا امتلاء العين من جمالك
ويلي عليك وعلى أمثالك
أعرابي: الرجز
جارية إحدى بنات الحيره ... ترفل بالعجيزة الكبيره
تأتي الذي تأتيه بالبصيره ... بالركب الوافر ذي الوثيره
تربو لدى النائك كالخميره ... طيبة الخلوة والسريره
تنبأ رجل أيام المأمون فقال: أنا أحمد النبي، فحمل إليه فقال له: أمظلوم أنت فتنصف؟ فقال له: ظلمت في ضيعتي، فتقدم بإنصافه، ثم قال: ما تقول؟ قال: أنا أحمد النبي، فهل تذمه أنت؟ سئل إبراهيم النخعي عن رجل يحيل صاحبه في حقه على رجل آخر، فقال، قال شريح: هو كابن الظئرين يرضع من أيهما شاء.
أتى رجل إلى علي بن أبي طالب رضوان الله عليه فقال: إن هذا زعم أنه احتلم على أمي، قال: أقمه في الشمس واضرب ظله.
стр. 1193
وسئل الشعبي عن رجل مر بغنم فعقره كلبها فقال: إن كان هو الداخل على الغنم فلا ضمان على صاحب الغنم، وإن لم يكن داخلاً عليها فعقره الكلب فصاحب الكلب ضامن.
أسماء مكة: مكة وبكة والنساسة وأم رحم وأم القرى ومعاد والحاطمة؛ ومن أسماء المدينة: طيبة ويثرب.
قيل: العلم يمنح ممتهن نفسه في طلبه صبابة لا إذالة معها، ويصفيه نعمة لا إحالة لها.
قال اللحياني: ويقال إنه أحمق بلغ ملغ - بالكسر فيهما جميعاً، والملغ النذل؛ وإنه لمعفت ملفت إذا كان يعفت كل شيء ويلفته أي يدقه؛ وإنه لسغل وغل، وساغل واغل بين السغولة والوغولة؛ ويقال: ما عنده تعريج على أصحابه ولا تعريج أي إقامة؛ وإنه حقير نقير، وحقر نقر؛ وإنه لعفريت نفريت، وعفرية نفرية.
ويقال: تركتهم في حيص بيص وكصيصة الظبي، وفي حيص بيص أي تركتهم في ضيق، وحكي: تركتهم في حيص بيص؛ وكصيصة الظبي وكصيصه: موضعه الذي يكون فيه.
قال ملك من ملوك الأعاجم: قد خفت أن يكون المظلوم يحجب عني، فجعل لبعض بيوته باباً إلى الطريق، ثم نادى مناديه: من ظلم فليقف حيال هذا الباب إلى الطريق مرة في كل يوم، فمن رآه واقفاً بحياله دعاه فنظر في أمره؛ وكان ذلك الباب يسمى: درسيو ميدان.
стр. 1194
قال أنوشروان: قد خفت أن يحجب عني المظلوم، فعلق على أقرب البيوت إلى بيته ستراً، وعلق عليه الأجراس، ونادى مناديه: من ظلم فليحرك هذا الستر حتى أسمع صوت الأجراس فأدعو به.
قال يعقوب: أغرت على العدو إغارة وغارة، ومثلها: أجبته إجابة وجابة، وأجرته أجيره إجاره وجاره، وأعرته عارة وإعارة، وأطفته إطافة وطافة، وأطعته إطاعة وطاعة.
شاعر: الوافر
أحن إليكم إن غبت عنكم ... وما أنا إن دنوت بمستريح
وآتيكم على علم بأني ... أؤوب بحسرة القلب القريح
قال عبد الصمد بن المعذل: هذه القصيدة مما ظلم صاحبها وأخمل ذكره، وصيرها شاذة لا يعرف قائلها، ولولا كراهتي ظلم الأدب لادعيتها، وهي: الكامل
ولقد قضيت من المدامة والصبا ... وطراً ولاعبت الغزال الأكحلا
ومججت في فيه العقار ومجه ... في في ثم غمزته فتدللا
وأتيت أخرى فانثني متمايلاً ... فلثمت خداً وارتشفت مقبلاً
وأباحني من ريقه بلسانه ... عذباً يراح له الفؤاد معسلا
ولويت معصمه فصد بوجهه ... خجلاً ومال وساءني أن يخجلا
كمطوقين تدانيا فتقابلا ... حتى إذا خافا الأنيس تزيلا
стр. 1195
فعففت عنه وقد قدرت ولم أزل ... آتى الأعف من الأمور الأجملا
ولقد أروح إلى الندامى لاحفاً ... للأرض هداب الإزار مرجلا
ولقد أنازعها على علاتها ... متراخياً سبط البنان مرفلا
مستهلكاً للمال في لذاته ... يمضي للذته ويعصي العذلا
وإذا لحاه العاذلون وأكثروا ... ولى وقال رؤوسكم والجندلا
عاطيته مما تعتق بابل ... صهباء أرخت عظمه والمفصلا
جريالة تحذي اللسان كأنما ... ذرت مرارتها عليها الفلفلا
طبخت بنار الشعريين ومسها ... برد الشمال فباخ منها ما علا
ومضت لها حجج فمدت دونها ... ستراً بنته العنكبوت مهلهلا
حتى إذا فضت تضوع ريحها ... وكأن تفاحاً بها وسفرجلا
وكأن نكهتها إذا هي صفقت ... مسك يخالط عنبراً وقرنفلا
طابت وأدمنها فأرخت طرفه ... فيخال أحول وهو ليس بأحولا
وأقول: ها خذها إليك وعاطني ... فيقول: هات وكان قبل يقول: لا
ما زلت أعدل بالزجاجة ميله ... حتى تقوم ميله فتعدلا
وإذا الزجاجة عقدت من صعبه ... ناولته أخرى بها فتحللا
داويته منها بها فشفيته ... وشحذت منه بالأخير الأولا
وجرت مجاريها الشمول فسهلت ... من طبعه ما خفت أن لا يسهلا
فكأنه والتاج فوق جبينه ... قمر تراءته العيون مكللا
следующие страницы →