← Адаб

Адаб · id 26423

البصائر والذخائر

أبو حيان التوحيدي

Полный текст (2 098 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

ليته فسّر وذكر الوجه والعلّة، وما أكثر ما يرسلون الكلام إرسال الآمن من التتبّع. قال ابن شهاب الزّهري: قدمت على عبد الملك بن مروان فقال لي: من أين قدمت يا زهريّ؟ قلت: من مكة، قال: فمن خلّفت يسودها؟ قلت عطاء بن أبي رباح، قال: أفمن العرب هو أم من الموالي؟ قلت: من الموالي، قال: فبم سادهم؟ قلت: بالديّانة، قال: إنّ أهل الديّانة والرّواية لينبغي أن يسودوا. قال: فمن يسود أهل اليمن؟ قلت: طاووس بن كيسان، قال: أفمن العرب هو أم من الموالي؟ قلت: من الموالي، قال: فبم سادهم؟ قلت: بما سادهم به عطاء، قال: فمن يسود أهل مصر؟ قلت: يزيد بن أبي حبيب، قال: أفمن العرب هو أم من الموالي؟ قلت: من الموالي، قال: فمن يسود أهل الشام؟ قلت: مكحول، قال: أمن العرب هو أم من الموالي؟ قلت: من الموالي، عبدٌ نوبيٌّ أعتقته امرأةٌ من هذيل، قال: فمن يسود أهل الجزيرة؟ قلت: ميمون بن مهران، قال: أمن العرب هو؟ قلت: بل من الموالي، قال: فمن يسود أهل خراسان؟ قلت: الضّحّاك بن مزاحم، قال: أفمن العرب هو؟ قلت: بل من الموالي، قال: فمن يسود أهل البصرة؟ قلت: الحسن البصري، قال: أفمن العرب هو؟ قلت: بل من الموالي، قال: ويلك فمن يسود أهل الكوفة؟ قلت: إبراهيم النّخعيّ، قال: أفمن العرب؟ قلت: من العرب، قال: ويلك فرّجت عنّي، والله ليسودنّ الموالي العرب حتى يخطب لها على المنابر والعرب تحتها، قال، قلت: يا أمير المؤمنين، إنّما هو دينٌ، من حفظه ساد، ومن ضيّعه سقط. لابن غريضٍ اليهودي: الكامل

стр. 1752

إبلٌ تبوأ في مبارك ذلّةٍ ... إذ لا ذليل أذل من وادي القرى أحياؤهم عارٌ على موتاهم ... والميّتون شرار من تحت الثّرى وإذا تصاحبهم تصاحب خانةً ... ومتى تفارقهم تفارق عن قلى لا يفزعون إلى مخافة جارهم ... وإذا عوى ذئبٌ لصاحبه عوى إخوان صدقٍ ما رأوك بغبطةٍ ... فإذا افتقرت فقد هوى بك ما هوى هل في السّماء لصاعدٍ من مرتقىً ... أم هل لحتفٍ راصدٍ من متّقى وإذا رأيت معمّراً فلتعلمن ... أن سوف تعركه الخطوب فيبتلى لله درّك من سبيلٍ واضحٍ ... سيّان فيه من تصعلك واقتنى من يغلبوا يهلك ومن لا يغلبوا ... يلحق بأرض ثمود حتى لا يرى الفقر يزري بالفتى عن قومه ... والعين يغضبها الكريم على القذى والمال يبسط للّئيم لسانه ... حتّى يكون كأنّه شيءٌ يرى فارفع ضعفيك لا تصغّر ضعفه ... يوماً فتدركه العواقب قد نمى والمال جد بفضوله فلتعلمن ... أنّ الغنيّ يصير يوماً للثّرى وابسط يديك لسائليك ولا تكن ... كزّ الأنامل يقفعلّ عن النّدى إنّ الكريم إذا أردت وصاله ... لم تلف حبل إخائه رثّ القوى أرعى أمانته وأحفظ عهده ... جهدي فيأتي بعد ذلك ما أتى يجزيك أو يثني عليك وإنّ من ... أثنى عليك بما فعلت فقد جزى

стр. 1753

قال أبو العيناء: سبّ إبراهيم بن رستم يوماً معاوية، فقال له رجل: لم لا تقول هذا بالكرخ؟ قال: ولم لا تصلّي أنت على محمد صلّى الله عليه وعلى آله بالقسطنطينية؟ أنشد أبو العالية لامرأةٍ من الخوارج: البسيط نجلتهم كسيوف الهيد أربعةً ... بيضاً مصاليت في الهيجاء كالأسد حتى إذا كملوا في السّنّ واتّسقوا ... أخنى على القوم ما أخنى على لبد لهفي عليهم فإنّي من تذكّرهم ... طويلة الحزن والإعوال والكمد لا أفتأ الدّهر أبكيهم بأربعةٍ ... ما اجترّت النّيب أو حنّت إلى ولد قال أبو العيناء، سمعت الأصمعي يقول: قال أبو العبّاس بن محمد: كنت بفلسطين فبنيت ظلّةً من قصبٍ فأورق، فأنشدني: الطويل ألم تعلما أنّ المصلّى مكانه ... وأنّ العقيق ذا الظّلال وذا البرد وأنّ به لو تعلمان أصائلاً ... وليلاً رقيقاً مثل حاشية البرد قال أبو العيناء: حدّثني دعبل قال: لقيت عمرو بن سعيد وأنا أريد الحجّ فقلت: هل من حاجةٍ؟ قال: نعم، لا تدع لي فإنّ دعاءك إغراء. للأعشى: البسيط وفتيةٍ كسيوف الهند قد علموا ... أن هالك كلّ من يحفى وينتعل رفع هالكٌ حين خفّف النون، وكذلك: لكن الله، ولكن

стр. 1754

الشياطين. وإن الخفيفة تكون في معنى ما قال الله تعالى: " إن الكافرون إّلا في غرورٍ " أي الكافرون، وإنّ وهي مكسورةٌ لا تكون إّلا وفي خبرها اللام، يقولون: إن زيد لمنطلقٌ، ولا يقولونه بغير لامٍ مخافة أن تلتبس بالتي معناها ما، وقد زعموا أنّ بعضهم يقول: إن زيداً لمنطلقٌ يعملها على المعنى، وهي مثل قوله: " إن كلّ نفسٍ لمّا عليها حافظٌ " وما زائدةٌ بالتوكيد، واللام زائدةٌ بالتوكيد. قال الشّعبيّ: تعايش الناس زماناً بالدّين حتى ذهب الدّين، وتعايشوا بالمروءة حتى ذهبت المروءة، ثمّ تعايشوا بالحياء حتى ذهب الحياء، ثمّ تعايشوا بالرّغبة والرهبة، وسيتعايشون بالجهالة زماناً طويلاً. قيل لحكيم: صف لنا الدّنيا وأوجز، فقال: ضحكة مستعبر. قال عيسى بن مريم ﵇: لو لم يعذّب الله تعالى على معصيته لكان ينبغي أن لا يعصى شكراً على نعمته. قال أحمد بن أبي الحواريّ: بلغني عن رباح القيسي أنّه كان له غلامٌ أسود لا ينام الليل، فقال له: لم لا تنام يا غلام؟ قال: إنّي إذا ذكرت الجنّة اشتدّ شوقي، وإذا ذكرت النار اشتدّ خوفي، وإذا ذكرت الموت طار النعاس عنّي يا مولاي، فمن كانت هذه حالته كيف يهنيه العيش في الدّنيا؟ فبكى رباح وقال: يا غلام، حقيقٌ على من كانت له هذه المعرفة أن لا يستعبد، اذهب فأنت حرٌّ، فبكى الغلام فقال: ما يبكيك؟ قال: يا مولاي، هذا العتق الأصغر فمن لي بالعتق الأكبر؟!

стр. 1755

دعا أعرابيٌّ فقال: اللهمّ إنّي أرى من فضلك ما لم أسألك، فعلمت أنّ لديك من النّعم ما لا أعلمه، فصغرت قيمة مطلبي فيما عاينته، وقصّرت غاية أملي عمّا شاهدته. ودعا آخر فقال: اللهمّ ما أعرف معتمداً من الزيادة فأطلب، ولا أجد غنىً فأترك، فإن ألححت في سؤالك فلفاقتي إلى ما عندك، وإن قصّرت في دعائك فلما تعودت من إسدائك. دعا آخر فقال: اللهمّ حطني بأمانك، وأرخ عليّ سترك، ولا تصرف عنّي وجهك، ولا تسلّط عليّ من لا يخافك، ولا تولّني غيرك يا من يتولّى الصالحين. دعا آخر: سبحان من علا فقهر، وقدر فغفر، وسبحان من يحيي الموتى ويميت الأحياء، وهو على كلّ شيءٍ قدير. قال الأصمعي: سمعت أعرابياً يدعو ويقول: اللهمّ إنّ ذنوبي تخّوفني منك، وجودك يبشرني عنك، فأخرجني بالخوف من الخطايا، وأوصلني بجودك إلى العطايا، حتى أكون غداّ في القيامة عتيق كرمك، كما أنا في الدّنيا ربيب نعمك. كتب زاهدٌ إلى آخر: أمّا بعد فإنّك في دار تمهيد، وأمامك منزلان لا بدّ لك من سكنى أحدهما، ولم يأتك أمانٌ فتطمئنّ إليه، ولا براءةٌ فتقصّر، والسلام. كان بمدينة السّلام رجلٌ ذو يسار، فبينما هو في منزله وقد جلس

стр. 1756

يأكل مع امرأته وبين يديه سكباجة وقد فاحت رائحتها، إذ دنا سائلٌ من الباب، وعساه كان ممّن امتحن بنكبةٍ بعد نعمةٍ فقال: أطعموني من فضل ما رزقكم الله تعالى، فقامت المرأة وغرفت من القدر، وأخذت رغيفين لتناوله، فلمّا رأى الزّوج ذلك حلف عليها أن لا تدفع له شيئاً، فمضى السائل خائباً حزيناً، واستوفى الرجل طعامه، وصعد السطح لبعض حوائجه فعثر بشيءٍ فسقط إلى الأرض فوقص ومات، وحازت المرأة ميراثه، وتصرّفت فيه، وضرب الدهر ضربانه. ثمّ إنّ السائل لما لقي من قبح الردّ وشدّة الشّهوة إلى ذلك الطّعام الذي شمّ رائحته عاد إلى منزله وأخذ مضرّبةً كان قد اشتراها، فأراد أن يفتقها ويغسلها ويبيعها فوجد فيها ألف دينار، فأخذها وغيّر حاله بها، ثمّ طلب امرأةُ يتزوج بها، فقالت له بعض الدّلاّلات: ها هنا امرأةٌ صالحةٌ وقد ورثت، فما تقول في مواصلتها؟ فأنعم، فسعت الدلاّلة بينهما حتى اتّفقا واجتمعا، فلما دخل بها تحدّثا يوماً، فقالت المرأة: ما أشدّ ما مضى على رأسك؟ فحدّثها بوقوفه على باب دار وامرأةٌ تأكل مع زوجها، فقالت المرأة: فاعلم أنّ هذه الدار هي تلك، وأنا المرأة، وأنّ زوجي صعد في ذلك اليوم السطح فسقط ومات، وقد أورثك الله تعالى داره وماله وزوجته، فسجد الرجل لله ﷻ شكراً، وحدّث إخوانه فتعجّبوا. قاتل الأحنف مرّةً واشتدّ فقيل له: أين الحلم يا أبا بحر؟ فقال: ذاك عند عقد الحبى. ومرّ عمر على رماة غرضٍ، فسمع أحدهم يقول لصاحبه: أخطيت وأسئيت، فقال عمر: مه! فسوء اللحن أشدّ من سوء الرّماية.

стр. 1757

وتضجّر عمر بن عبد العزيز من كلام رجلٍ حضره، فقال شرطيٌّ على رأسه للرجل: قم فقد أضجرت أمير المؤمنين، فقال عمر: أنت والله بتكذيبك أشدّ أذىً منه. وصف ابن سيّابة رجلاً فقال: فيه كياد مخنّث، وحسد نائحة، وشره قوّادة، ودلّ قابلة، وملق داية، وبخل كلب، وحرص نبّاش. قال خالد بن صفوان: من لم بين له سبب دائه، كثرت ألوان دوائه. سمعت أبا النّفيس الرياضي يقول: من كانت همّته أكله، كانت قيمته خراه. قال رجل من ولد عيسى بن موسى لشريك بن عبد الله حين عزل عن القضاء: يا أبا عبد الله، هل رأيت قاضياً عزل؟ قال: نعم، ووليّ عهدٍ خلع. قال جالينوس: ما دخل الزّمّان جوفاّ فاسداً إلا أصلحه، ولا دخل التّمر جوفاً صالحاً إلا أفسده. قال الحسن بن سهل: كان جالينوس ألثغ وكان مولعاً بالعنب، وكان بقراط أحدب وكان مولعاً بالتّين، وكان أفلاطون فقيراً وكان مولعاً باللّواط.

стр. 1758

قيل لابن ماسويه: ما شرّ الطّعام؟ قال: طعامٌ بين شرايين، وشرّ الشراب شرابٌ بين طعامين. قدم أعرابيٌّ على ابنة عمّه يخطبها فتمنّعت عليه، فقال لها: عندي سرٌّ أفأقوله؟ قالت: قل، قال لها: هل لك في ابن عمٍّ كاسٍ من الحسب، عارٍ من النّشب، يتصلصل معك في إزارك، ويدخل الحمّام طرفي نهارك، يواصل بين ثلاثٍ في واحدٍ، فمتى عجز فأمرك بيدك، قالت: يا ابن عمّي، لا يسمعنّ هذا أحدٌ، وأنا أمتك. أراد ملكٌ سفراً فقال: لا يصحبني ضخمٌ جبان، ولا حسن الوجه لئيم، ولا صغير رغيب. رأى رجل الهلال فاستحسنه، فقال له رجل: وما يستحسن منه؟ فوالله إنّ فيه لخصالاً لو كانت إحداهنّ في الحمار لردّ بها، قال: وما هنّ؟ قال: يدخل الرّوازن، ويمنع من الدّبيب، ويدلّ على اللصوص، ويسخّن الماء، ويحرق الكتّان، ويورث الزّكام، ويحلّ الدّين، ويزهم اللحم. قال معاوية: إنّ عليّاً طلب الدّنيا بالدّين فجمعت عليه، وإنّي طلبت الدّنيا بالدنيا فنلتها. قال ابن عبّاس: هل لك في المناظرة فيما زعمت أنّك خصمت صاحبي فيه؟ قال: وما تصنع بمناظرتي؟ أشغب بك وتشغب بي، فيبقى في

стр. 1759

قلبك ما لا ينفعك، وفي قلبي ما يضرّك؛ فسكت ابن عبّاس. سأل العتبيّ أعرابيّاً: ما بال العرب سمّت أولادها أسداً ونمراً وكلباً، وسمّت عبيدها مباركاً وسالماً؟ قال: لأنّها سمّت أولادها لأعدائها، وسمّت عبيدها لأنفسها. كاتب: بعثت بابني إليك مؤثراً لك به، فإنّي وإن كنت ولدته فنعمتك ربّته، وحياطتك كنفته، وسواءٌ عند الأحرار ربيب النّعم، وسليل الولادة. قال فيلسوف: المتأنّي في علاج الدّاء بعد ما عرف وجه علاجه كالمتأنّي في إطفاء النار وقد أخذت بحواشي ثيابه. قال أعرابي: لا يقوم عزّ الغضب بذلّ الاعتذار. لابن أبي الحقيق اليهودي: السريع لباب يا أخت بني مالكٍ ... لا تشتري العاجل بالآجل لباب هل لي عندكم نائلٌ ... وما يجدّ الوصل للواصل

стр. 1760

لباب داويه ولا تقتلي ... قد فضّل الشّافي على القاتل إن تسألي خابر أكفائنا ... والعلم قد يلفى لدى السّائل ينبئك من كان بنا عالماً ... عنّا وما العالم كالجاهل أنّا إذا جارت دواعي الهوى ... واستمع المنصت للقائل واصطرع القوم بألبابهم ... بمنزل القاصد والمائل لا نجعل الباطل حقّاً ولا ... نلطّ دون الحقّ بالباطل نخاف أن تسفه أحلامنا ... فنحمل الذّم مع الحامل إنّا إذا نحكم في ديننا ... نرضى بحكم العادل الفاضل تعذلك النفس على ما مضى ... وما تسلّي لومة العاذل إنّ طلاب المرء ما قد مضى ... داءٌ كمثل السّقم الدّاخل وإنّ لوّا ليس شيئاً سوى........................... علّلتني منك بما لم أنل ... يا ربّما علّلت بالباطل أناجز في العام موعودكم ... أم هو منظورٌ إلى قابل قال الفضيل بن عياض لأصحابه: إذا قيل لأحدكم: أتخاف الله؟ فليسكت، فإنّه إذا قال: لا، جاء بأمرٍ عظيم، وإن قال نعم، فالخائف على خلاف ما هو عليه. قال بعض الزهّاد: من اكتسب فوق قوته فهو خازنٌ لغيره. يقال: من كانت له غلّةٌ يستغلها فإنّما يستغلّ عمره. قال الرشيد لابن السّمّاك: عظني، قال: احذر يا أمير المؤمنين أن تصير إلى جنّةٍ عرضها السّماوات والأرض، ولا يكون لك موضع قدم.

стр. 1761

لما احتضر المنصور قال: يا ربيع بعنا الآخرة بنومة. واحتضر الرشيد فقال: واحيائي من رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله. واحتضر المأمون فقال: يا من لا يزول ملكه ارحم من قد زال ملكه. قيل لزاهدٍ وقد احتضر: أوص بشيءٍ، قال: بما أوصي؟ ما لي شيء، ولا لأحدٍ عندي شيء، ولا لنا عند أحدٍ شيء. قيل لزاهد: كيف ترى الدهر؟ قال: يخلق الأبدان، ويحدث الأحزان، ويباعد الأمنية، ويقرّب المنيّة. قال الفضيل بن عياض: يا ربّ إنّي لأستحيي أن أقول: توكّلت عليك، لو توكّلت عليك لما خفت ولا رجوت غيرك. استوفد عبد الملك بن مروان عاملاً بلغه أنّه قبل هديّةً فقال له:

стр. 1762

أقبلت هديّةً؟ قال: يا أمير المؤمنين، بلادك عامرة، ورعيّتك راضية، فقال: أجب عمّا تسأل عنه، قال: نعم، فقال عبد الملك: أما والله لئن كنت قبلت هديةً كافأت صاحبها بأن ولّيته من عملنا ما لم تكن لتولّيه لولا هديّته إنك للئيم، وإن كنت قبلتها ولم تعوّضه منها إنّك لخائنٌ حسود، وإن كنت أعطيته مثل ما أخذت وأطعمت في نفسك رعيّتك وعرّضتها لخليفتك إنّك لأحمق، ومن أتى شيئاً لا يخلو فيه من حمقٍ أو لؤمٍ أو خيانةٍ حقيقٌ بأن لا يقرّ على عمل. سئل جعفر بن محمد ﵄ عن النّحل، أمن الطّير هو أم من الهوامّ، قال: بل من الطّير، لولا ذلك لم يفهم. قال عنبسة القطّان: شهدت الحسن يوماً وقد قال له رجل: بلغنا أنّك تقول: لو كان عليٌّ بالمدينة يأكل حشفها كان خيراً له ممّا صنع، فقال الحسن: يا لكع، والله لقد فقدتموه سهماً من مرامي الله تعالى غير سؤومٍ عن أمر الله، ولا سروقةٍ لمال الله تعالى، أعطى القرآن عزائمه فيما عليه وله، فأحلّ حلاله وحرّم حرامه، حتى أورده ذلك رياضاً مونقةً وحدائق مغدقةً، ذاك ابن أبي طالب؛ روى هذا ثعلب في المجالسات. قيل لبعض التّابعين: كيف أصبحت؟ قال: في أجلٍ منقوص، وعملٍ محفوظ، والموت في رقابنا، والنار من ورائنا، ولا ندري ما يفعل الله بنا.

стр. 1763

وصف أعرابيٌّ رجلاً فقال: كان مفزعاً للأمّة، رفيع الجمّة. لمّا هلك الحسن بن عليّ دفنه الحسين بن عليّ ومحمد بن الحنفيّة ﵃، فلمّا حصل في حفرته دمعت عينا محمدٍ واستعبر ثم قال: رحمك الله يا أبا محمد، فلقد عزّت حياتك وهدّت وفاتك، ولنعم الرّوح روحٌ تضمّنه بدنك، ولنعم البدن بدنٌ تضمّنه كفنك، وكيف لا يكون كذلك وأنت سليل الهدى، وحليف التّقوى، خامس أصحاب الكساء، غذتك أكفّ الحقّ، وربّيت في حجر الإسلام، ورضعت ثدي الإيمان، طبت حيّاً وطبت ميتاً، وإن كانت أنفسنا غير طيّبةٍ بفراقك، ولا شاكةٍ في الخيار لك. قال يحيى بن زيد ﵄: نحن من أمّتنا بين أربعة أصناف: ظالمٌ لنا حقّنا، وبالغٌ بنا فوق قدرنا، ومعطٍ ما يجب لنا، وحاملٌ علينا ذنب غيرنا. وصف أعرابيٌّ رجلاً فقال: ذاك والله ممّن ينفع سلمه، ويتواصف حلمه، ولا يستمرأ ظلمه. قالت أعرابيّةٌ لزوجها ورأته مهموماً: إن كان همّك للدّنيا فقد فرغ الله منها، وإن كان همّك للآخرة فزادك الله تعالى همّاً بها. يقال: الدّنيا حمقاء لا تميل إّلا إلى أشباهها.

стр. 1764

مسلم بن الوليد: الطويل أرادت رجوع القلب بعد انصرافه ... وما علمت ما أحدثته المقادر يغرّ الفتى مرّ اللّيالي سليمةً ... وهنّ به عمّا قليلٍ عواثر قال الحسن بن آدم: صاحب الدّنيا ببدنك وفارقها بقلبك، فخذ ممّا في يديك لما بين يديك، فعند الموت يأتيك الخبر. شاعر: الطويل وأرعن ملموم الكتائب خيله ... مضرّجةٌ أعرافها ونحورها عليها مذالات العيون كأنّها ... عيون الأفاعي سردها وقتيرها إذا استجرست أصواته أذني سامعٍ ... رماها بأجراس اللّيوث زئيرها قال أبو بكر بن عيّاش: رأيت على الأعمش فروةً مقلوبةً، صوفها خارج، فأصابنا مطرٌ، فمررنا بكلبٍ فتنحّى الأعمش وقال: لا يحسبنا شاءً. وقال: كان ببغداد مجنونٌ يلبس فروةً مقلوبةً، فإذا قيل له في ذلك قال: لو علم الله تعالى أنّ الصّوف إلى داخل أجود عمله إلى داخل. شاعر: الطويل ويومٍ عبوريٍّ توقّد نجمه ... وعزّت به ماء الوجوه الهواجر بعثت به ليلاً من الشّمس داجياُ ... وقد ملكت قبض النّفوس الخناجر فنازعن فيه للسّوابغ حجّةً ... وسقف غبارٍ أنشأته الحوافر

стр. 1765

له فلكٌ حول الأسنّة دائرٌ ... ونقع المنايا مسبطرٌّ وثائر كأنّ نجوم الليل فوق رماحه ... طوالع ترعاها اللّيوث الخوادر أجزن قضايا الموت في مهج العدى ... به فاستباحتها المنايا الغوادر قال الحسن بن رجاء في خطّ كاتبٍ: متنزّه الألحاظ، ومجتنى الألفاظ. قال بشر بن المعتمر: القلب معدن، والعقل جوهر، واللسان مستنبط، والقلم صانع، والخطّ صنعة. وصف أحمد بن إسماعيل خطّاً فقال: لو كان نباتاً لكان زهراً، ولو كان معدناً لكان تبراً، ولو كان شراباً لكان صفواً. قال أبو العيناء: الخطوط رياض العلوم. وقال جعفر بن يحيى: الخطّ سمط الحكمة، به تفصّل شذورها، وينتظم منثورها. تخابر غلامان في خطّيهما إلى سهل بن هارون فقال: هذا وشي محبوك، وهذا ذهب مسبوك، تسابقتما إلى غاية، فوافيتما في نهاية.

стр. 1766

قيل لرجلٍ على باب رئيس: كيف وجدت فلاناً؟ قال: أمّا من الكرم في عراء، وأمّا من اللؤم في خراء. شاعر: الكامل وكنٌ تطالعها الكواكب والقنا ... أبراجها هاج الحمام طرادها جاءوا بتيهاء المنون طليعةً ... سلبت سيوف حماتها أغمادها ورثت كتائبها الجبال وسربلت ... حلق الحديد فأظهرته عتادها فتحال موج البحر يقفو بعضه ... بعضاً وميض قتيرها وسرادها قدحت عليها الشمس وقت طلوعها ... زنداً فأثقب قدحها إيقادها حتى أطار على الدّروع شرارها ... زيماً كما زفت الجنوب جرادها قال الأعمش لشريك بن عبد الله النّخعيّ المحدّث القاضي: يا شريك، لقد أدركت رجالاً عجنوا في الدّين عجناً، لو سألت رجلاً واحداً منهم عن مسألةٍ أو فريضةٍ ما أحسنها، وما من مكرمةٍ إّلا وهي معقودة بمفارق رؤوسهم، ما يسرني برجلٍ مهم عشرة مثلك، بل مائة ألف. أنشد سعيد بن المسيّب بين القبر والمنبر: الوافر ويذهب نخوة المختال عنّي ... رقيق الحدّ ضربته صموت بكفّي ماجدٍ لا عيب فيه ... إذا لاقى الكريهة يستميت

стр. 1767

ثم قال: ما شاء الله كان. وأنشد أيضاً: الوافر وصرف لو تبين لهم كلاماً ... لقالت إنّما لكم مبيت تريك قذى بها إن كان فيها ... بعيد النّوم، نشوتها هبيت بذلت بشربها نفسي ومالي ... وأبت بما هويت وما رزيت كان أبو هشام الرّفاعي يقول: سمعت عمّي يقول: اجتمع القرّاء في منزل إسحاق بن الحسين ليضعوا كتاباً في السنّة، فقال الأعمش: رحم الله امرءاً كفّ يده، وأمسك لسانه، وعالج ما في قلبه. قال الأعمش: إذا رأيتم الشّيخ لا يحسن شيئاً فاصفعوه. وكان الأعمش يلبس قميصاً مقلوباً قد جعل دروزه خارجةً، ويقول: الناس مجانين، يجعلون الخشن إلى ما داخل ممّا يلي جلودهم. قال أحمد بن الطّيب: كان الكندي يقول لي كثيراً: انسخ كلّ ما تجده مكتوباً إذا اتّسعت لك الجدة، وامتدّ بك الزمان، فإنّ مكان ما تكتبه أسود من دفترٍ، خيرٌ منه أبيض.

стр. 1768

وصف الحسن الأسواق فقال: موائد الله، فمن أتاها أصاب منها. كان أيّوب السّختيانيّ من الزّهّاد والعقلاء، وهو الذي قال: من أحبّ أبا بكرٍ فقد أقام الدّين، ومن أحبّ عمر فقد أوضح السّبيل، ومن أحبّ عثمان فقد استنار بنور الله، ومن أحبّ عليّاً فقد استمسك بالعروة الوثقى. قال مالك بن أنس: من أبغض أصحاب رسول الله صلّى الله عليه فليس له في فيء المسلمين حقٌّ، لأنّ القرآن نطق بذلك، قال الله : " ما أفاء الله على رسوله "، وذكر المهاجرين فقال: " والذّين تبوءوا الدّار والإيمان "، ثم قال: " والذّين جاءوا من بعدهم يقولون ربّنا اغفر لنا ولإخواننا " فمن كان في قلبه عليهم وعلى أحدٍ منهم شيءٌ فلا حقّ له في الفيء. سمع خالد بن صفوان رجلاً يتكلّم فيكثر فقال: يا هذا ليست البلاغة بخفّة اللّسان، وال بكثرة الهذيان، ولكنّها إصابة المعنى، والقصد إلى الحجّة. وذكر خالد بن صفوان رجلاً فقال: كان والله منهرت الشّدق بعذوبة المنطق، ذلق الحدّة، جزل الألفاظ، عربيّ اللسان، رقيق الحواشي، خفيف الشّفتين، بليل الرّيق، دائم النّظر، قليل الحركات، حسن الإشارات، حلو الشّمائل، حسن الطّلاوة، كثير الرّقّة، ذرب اللسان، حييّاً صموتاً قؤولاً، يهنأ الجرب، ويداوي الدّبر، ويصيب المفاصل، لم يكن

стр. 1769

بالهذر في منطقه، ولا بالزّمر في مروءته، ولا بالشّكس في خليقته، متبوعاً غير تابع، كأنه علمٌ في رأسه نار. وذكر خالد آخر فقال: كان والله قرّاءً غير نزّال، معطاءً غير سوّال، قوّالاً عند ذوي الأفهام، جلداً ألدّ الخصام. شاعر: المتقارب دعاني هواك فلبّيته ... ولم يدر أنّي له أعشق فقمت وللشوق في مفرقي ... إلى قدمي ألسن تنطق شاعر: الطويل وأشرب قلبي حبّها ومشى به ... تمشّي حميّا الكأس في جسم شارب يدبّ هواها في عظامي ولحمها ... كما دبّ في الملسوع سمّ العقارب شاعر: السريع نازعني من طرفه الوحيا ... وهمّ أن ينطق فاستحيا جرّد لي سيفين من هجره ... أموت من ذا وبذا أحيا شاعر: البسيط أستودع الله من قلبي لفرقته ... كأنّه طائرٌ قد بات في شبك ومن كأنّ فؤادي من تذكّره ... معلّقٌ بين قرن الشّمس والفلك قال أعرابيّ: شحذت سيفي، وذلّقت لساني، وها أنا في طلبك. وقال آخر: فلانٌ قليل الرّجوع، بطيء النّزوع. قال أعرابيٌّ في وصف آخر: فلانٌ البحر الطّامي يوم الوغى

стр. 1770

والغيث الهامي ليل القرى. قال أعرابيّ: نم ذا الذي صفا فلم يكن فيه عيب، وخلص فلم يكن فيه شوب. وقال آخر: فلانٌ حتف الأقران غداة النّزال، وربيع الضّيفان عشيّة النّزول. وقال أعرابيّ: لكلّ كاسٍ حاسٍ، ولكلّ عارٍ كاسٍ. قال أعرابيّ في آخر: لسانه حديد، وجوابه عتيد. وقال أعرابيّ: فلانٌ أجور من الأسد الضّاري، وأقتل من السّم السّاري. قال أعرابيّ: لا أمس ليومه، ولا قديم لقومه. قال أعرابيٌّ في وصف غوانٍ: حواجب مزجّجة، وثغورٌ مفلّجة، وخدودٌ مضرّجة. قال أعرابيّ: ما أفسح صدره، وأرحب بشره، وأبعد ذكره، وأعظم قدره، وأعلى شرفه، وأكثر ضففه ممّن عرفه ولم يعرفه، مع حسن الاستيفاء، وسعة الفناء، وعظم الإناء. شاعر: الطويل

стр. 1771

أيا منزلاً بالدّير أصبح خالياً ... تلاعب فيه شمألٌ ودبور كأنّك لم تقطنك بيضٌ نواهدٌ ... ولم تتبختر في فنائك حور وأبناء أملاكٍ عباشم سادةٌ ... صغيرهم عند الأنام كبير إذا لبسوا أدراعهم فضراغمٌ ... وإن لبسوا تيجانهم فبدور على أنّهم يوم اللّقاء قساورٌ ... ولكنّهم يوم النّوال بحور إذ الملك غضٌّ والخلافة لدنةٌ ... وأنت خصيبٌ والزّمان طرير وروضك مرتاضٌ ونبتك يافعٌ ... وعيش بني مروان فيك قصير رويدك إنّ اليوم يعقبه غدٌ ... وإنّ صروف النائبات تدور قال أعرابيّ: نحنّ إلى المكارم كما تحنّ الإبل إلى الحدا، والروض إلى النّدى. آخر: كان والله مريع الجناب، درور السّحاب. قال أعرابيّ: فلانٌ أفصح خلق الله تعالى إذا حدّث، وأحسنهم استماعاً إذا حدّث، وأمسكهم عن الملاحاة إذا خولف، يعطي صديقه النّافلة، ولا يسأله الفريضة، له نفسٌ عن العوراء محصورة، وعلى المعالي مقصورة، كالذّهب الإبريز الذي يعزّ كلّ أوان، والشمس المنيرة التي لا تخفى بكلّ مكان، هو النّجم المضيء للحيران، والبارد العذب للعطشان. قال أعرابيٌّ في وصف آخر: ليثٌ إذا عدا، وغيثٌ إذا غدا،

стр. 1772

وبدرٌ إذا بدا، ونجمٌ إذا هدى، وسمٌّ إذا أردى. قال أفلاطون: من القبيح أن نكسح من كرومنا فصل الورق والقضبان ولا نكسح من أنفسنا الشّهوات، ومن القبيح أن نمتنع من الطّعام اللذيذ لتصحّ أبداننا ولا نمتنع من القبائح لتصفو أنفسنا. قال فيلسوف: إني لأعجب من النّاس وقد مكّنهم الله تعالى من الاقتداء به ويقبلون إلى الاهتداء بالبهائم. قال فيلسوف: لا ينبغي لأحدٍ أن يطلب شيئاً من الحكمة والفضائل قبل أن ينفي عن نفسه العيوب والرذائل. قال أفلاطون: ينبغي لنا أن نفرّ من الأشياء الرّديئة، والأشياء الرّديئة العالم، فينبغي أن نفرّ من العالم، والفرار من العالم هو الاقتداء بالله تعالى. قال أعرابيّ: إن الدهر حوّلٌ ذو انقلاب، ولا بدّ للسّرّاء من الضّرّاء، والدهر يخلط صالحاً بفساد، وهو طعمان: معسول وممرور. كاتب: يا مولاي تعبّداً، وأخي تودّداً. قال أعرابيّ: أنت قرّة عيني ونورها، وأنس نفسي وسرورها. كاتب: أنت من أفتخر بأنوائه، وأهتدي بضيائه، وأتزيّن بإخائه، وأستظهر على الزمان بولائه. كاتب: أنت بهجة الدّنيا وزهرتها، وروضة نفسي ومنيتها

стр. 1773

وبستانها، وروح حياتي وريحانها. قال أعرابيٌّ لآخر: أنت سمعي وبصري، وشمسي وقمري. قال فيلسوف: كما أنه ليس بين الطّوف واللصّ صداقة، فكذلك ليس بين الحكمة والجهل صداقة. قيل لفيلسوف: بماذا تشبّه الحكماء؟ قال: إذا قيسوا إلى الناس فهم كالآلهة، وإذا قيسوا إلى الآلهة فهم كالملائكة. قيل لفيلسوف: ما الفضل بينك وبين الملك؟ قال: هو عبد الشّهوات وأنا مولاها. قيل لفيلسوف: إنّ الملك لا يحبّك، قال: الملك لا يحبّ من هو أكبر منه. قيل لفيلسوف: من الجواد؟ قال: من جاد بماله، وصان نفسه من مال غيره. وقيل لسقراط: لم تذكر في شرائعك عقوبة من قتل أباه،

стр. 1774

قال: لم أعلم أن هذا يكون. قال ثعلب في المجالسات: جاء رجلٌ من آل حكيم بن حزام إلى أبي أويس فقال: إنّي رأيت كأنّي أنظر في لوحٍ من ذهب، فقال: إنّ العبارة حكمٌ، وأكره أن أفسّره لك، قال: لا بدّ منه، قال: يذهب بصرك، قال: سبحان الله، قال: ما هو إّلا ما أقول لك، فعمي بعد قليل. جاء رجلٌ إلى سعيد بن المسيّب من قبل عبد الملك بن مروان فقال: رأيت كأنّي بلت خلف المقام أربع مرّات، قال له: كذبت لست صاحبها، قال: فإنّه عبد الملك، قال: يلي أربعةٌ من صلبه الخلافة. رئي عليّ بن الحسين مكتوباً على صدره: " قل هو الله " فاستعبر سعيد بن المسيّب فقال: بضعةٌ من رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله، نعى إليه نفسه. لمروان بن أبي حفصة: الرجز إن تحبسوني فالكريم يحبس ... إنّي لسامي النّاظرين أشوس مصابرٌ حتى تجيش الأنفس ... لا ساقطٌ علجٌ وال مدنّس عرضي نقيٌّ وأديمي أملس قال الفضل بن عيسى الرّقاشي: إنّا والله ما نعلّمكم ما

стр. 1775

تجهلون، ولكنّا نذكّركم ما تعلمون. قال ابن عجلان: شكا رجلٌ إلى الحسن الفاقة فقال: لقد أعطاك الله ديناً لو لم تشبع معه من خبز الشّعير كان قد أحسن إليك. قال عمير بن الحباب: البسيط أبلغ أميّة أنّ الأرض واسعةٌ ... وفي السيوف إذا ما جرتم عبر حتّى متى وعلام اليوم ناركم ... ما إن يزال لها في دورنا شرر إنّي أخاف عليكم أن تنوبكم ... منّا بوائق لا تبقي ولا تذر وإن تروا عارضاً منا يقودهم ... قرمٌ أغرّ أمام الحيّ يقتفر لا ينثني الدهر عن أمرٍ يهمّ به ... حتى يموت وفيه الرّمح منكسر يخاطب بهذه الأبيات عبد الملك بن مروان. قال أعرابي: الكريم يرعى حقّ اللفظة وحرمة اللّحظة. قال ابن عيينة: كانت لنا هرّةٌ ليس لها جراءٌ، فكانت لا تكشف القدور ولا تعيث في الدّور، فصار لها جراءٌ فكشفت القدور وأفسدت الدّور. لما قبض ابن عيينة صلة الخليفة قال أصحاب الحديث: قد وجدتم مقالاً فقولوا، متى رأيتم أبا عيالٍ أفلح؟

стр. 1776

قال هشام لخالد بن صفوان: أكنت تعرف الحسن؟ قال: كان فيما بلغني في داره صغيراً، ومجلسه في حلقته كبيراً، قال: فكيف كان؟ قال، كان أعمل الناس بما أمر به، وأترك النّاس لما نهي عنه، وكان إذا قعد على أمرٍ قام به، وإذا قام على أمرٍ قعد به، وكان معلّماً بالنّهار وراهباً بالليل. قال سلمة بن سعيد: أتي عمر بن الخطاب بمالٍ، فقام إليه عبد الرحمن بن عوف فقال: يا أمير المؤمنين، لو حبست من هذا المال في بيت المال لنائبةٍ تكون أو أمر يحدث فقال: كلمة ما عرضها ولقنها إلا شيطان لقاني الله حجّتها، ووقاني فتنتها، أعصي الله تعالى العام لخوف القابل؟ أعدّ لهم تقوى الله، قال الله تعالى: " ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب " وليكوننّ المال فتنةً على من يكون بعدي. جاء رجلٌ إلى سعيد بن المسيّب فقال: رأيت حديّاً جاءت حتى وقعت على شرف المسجد، فقال: إن صدقت رؤياك تزوّج الحجّاج في أهل هذا البيت، فتزوّج الحجّاج أمّ كلثوم ابنة عبد الله بن جعفر بن أبي طالب فأولدها بنتاً. جاء رجلٌ إلى سعيد بن المسيّب فقال: رأيت رسول الله ﷺ في المنام، فقال: يا هذا، بعثه الله بشيراً ونذيراً، فإن كنت على خيرٍ فازدد، وإن كنت على شرٍّ فتب. قال النحويّ: اعلم أن أسير بمعنى سرت إذا أردت بأسير معنى سرت؛ قال أبو سعيد السّيرافيّ: إنّما يستعمل ذلك إذا كان الفاعل قد عرف منه

стр. 1777

ذلك الفعل خلقاً وطبعاً، ولا ينتظر منه في المضيّ والاستقبال، ولا يكون لفعل فعله مرةً من الدهر، من ذلك قول بعض بني سلول: الكامل ولقد أمرّ على اللئيم يسبّني ... فمضيت ثمّت قلت لا يعنيني يريد: ولقد مررت، ولم يرد أنّ ذلك كان منه مرّةً، ولا أنه لا يعود إليه، وإنّما أراد أنّ ذلك سجيّته أبداّ؛ قال جرير: الكامل قالت جعادة ما لجسمك شاحباً ... ولقد يكون على الشّباب نضيرا قال خالد بن كلثوم الرّاوية: كان حنين صاحب خفيّ حنين من أهل اليمامة، وكان يحمل العطر فيطوف به في بلاد العرب، فطبن له بعض الخرّاز، فألقى في طريقه حين بدا من أهله فرد خفّ جديد، وألقى الفرد الآخر على قدر ميل، فأقبل حنين فلمّا رأى الفرد الآخر قال: الآن ننتفع بذلك الفرد، ونزل فعقل ناقته شفقةً عليها، ومضى فأخذ الفرد الآخر، وصاحب الخفّين قد كمن له، فلمّا تولّى حنين ركب البعير فذهب بما عليه وبه، فرجع حنين إلى أهله بالخفّين من جميع ما حمل، فصار خفّاه مثلاً. قال المدائني: كان في الزمان الأوّل ملكٌ نهى النّاس أن ينتشروا بالنّهار في حوائجهم، ونادى بالتصرّف في الليل والنّوم بالنّهار، وأقام الحرسيّ يدور بالنّهار، فأخذ الحرسيّ رجلاً على حمار فأتى به الملك، فأمر بعقوبته، فقال

стр. 1778

له، أصلحك الله، هل نهيت عن الدّلجة؟ قال: لا، قال: فأنا رجلٌ مسافرٌ أدلجت هذا الوقت كما كنّا نبكّر في نصف الليل، قال: صدق، خلّوا سبيله. سأل رجلٌ أبا عمرو بن العلاء عن الخيل لم سميت خيلاً فعيّ بذلك عمرو، وكان عنده أعرابيٌّ فقال: إنّما سميت خيلاً لاختيالها واختيال راكبها. وقال عمر بن عبد العزيز لجاريةٍ في صبائه - هكذا قال العلماء بالفتح والمدّ إذا أردت أيام صغر سنّه، وقالوا: الصّبا في هذا المعنى خطأ، إنّما الصّبا اللهو والدّد والغزل - بحضرة مؤدبّه: أعضّك الله تعالى بكذا، فقال له المؤدّب: قال: أعضّك عبد العزيز، فقال: إنّ الأمير أجلّ من ذاك، قال: فليكن الله تعالى أجلّ في صدرك، فما عاود كلمة خنا، الخنا مقصورٌ، يقال: أخنى الرجل في منطقه. يقال: شعّ دمه يشعّ أي تفرّق. ويقال: طويت فلاناً على بللته أي بنيته على بقيّة ودّه؛ وأنشد: الكامل

стр. 1779

ولقد طويتكم على بللاتكم ... وعرفت ما فيكم من الأدغال والعرب تزعم أنّ اللبن يطوي البطن، وأنّ نبات الأرض ينفخه. الدّحل: سربٌ في اعوجاجٍ من داخل الأرض؛ اندحل الطائر في وكره، واندحل السّبع في وجاره. يقال: خذه على هديتك وفديتك. مرّ أعرابيٌّ في أطمار رثّةٍ برجلٍ فقال له الرجل: والله ما يسرّني أن كنت ضيفك ليلتي هذه، فقال له الأعرابي: أما والله لو كنت ضيفي لغدوت من عندي أبطن من أمّك قبل أن تضعك بساعة، إنا والله - إذا وجدنا - آكلكم للمأدوم، وأطعمكم للمحروم، هكذا قال، وإن كان من الإطعام، وقد سمع من غير واحدٍ. وفي الخبر: إذا أراد الرجل أن يتزوج امرأةً فلينظر إليها فإنه أجدر أن يؤدم بينهما؛ أدم الرجل المرأة إذا خالطها أي إذا نكحها. قال خالد بن صفوان: أنا لا أصادق إّلا من يغفر زللي، يسدّ خللي، ويقبل عللي.

стр. 1780

وقيل ليزيد بن معاوية: ما حقّ الجود؟ قال: أن تعطي لمن لا تعرف، وإنّك لا تبلغه حتى تتخطّى به من لا تعرف. وقال النبيّ صلّى الله عليه وآله يوم حنين للعبّاس: " اصرخ بالناس "، ثم قال: " خلّل بالخزرج "، أي خصّهم. يقال للجاهل الكثير التّرداد: سوّاط. يقال: ملست الغلام: أي خصيته - اللاّم مخفّفة. قال الأصمعي: برح الخفاء يعني صار الأمر في براحٍ، أي ظهر لشدّته ونكرائه، وقيل: معناه من التبريح أي اشتدّ. وقال يعقوب: برح الخفاء أي استبان المكتوم. قبع الرجل إذا تحيّر. وقال عبد الملك بن مروان لأبي الحارث: بلغني أنكم من كندة؟ قال: يا أمير المؤمنين، أيّ خيرٍ فيمن لا يدّعي رغبةً، أو ينفي حسداً. طمر الرجل إذا انتفخ، وفرسٌ طمرٌّ، والمكان العالي: طمار،

стр. 1781

معرفةٌ مبنيّة على الكسر كقولك: حذام وقطام. شاعر: الطويل فإن كنت لا تدرين ما الموت فانظري ... إلى هانئٍ في السّوق وابن عقيل تري جسداً قد خدّد السيف لحمه ... وآخر يهوي من طمار قتيل قال المبرّد: وتميم تقول: من طمار، منزلة ما لا ينصرف. قال المبرّد في قوله تعالى: " يسألونك كأنّك حفيٌّ عنها " أي عن المسألة؛ وفي الخبر: أحفوا الشّوارب واعفوا اللّحى. ما ملئت دارٌ حبرةً، إّلا وستمتلئ عبرةً. " وأسرّوا النّدامة " أي أظهروا، من الأضداد، أي بدا ذلك في أسرّتهم. الضّيزن: الوزير، والوزير مأخوذٌ من الوزر.

стр. 1782

رأى عمر بن الخطّاب رجلاً في الطّواف يقول: اللهمّ اغفر لامّ أوفى، فقال له: من أمّ أوفى؟ فقال: امرأتي، والله على ذاك إنّها لورهاء مرغامة، أكولٌ قمّامة، لا تترك لها حامّة، ولكنّها حسناء فلا تفرك، وأمّ بنين فلا تترك. قال التّوّزي: سألنا أبو عبيدة عن مسألةٍ ثم قال: لا يستخرجها من الرّجال إّلا أسود الحيف، يريد من حنّكته السّنّ حتى اسودّت نواحي أنثييه. قال مصعب بن الزّبير لسكينة بنت الحسين ﵄: أنت مثل البغلة لا تلدين، قالت له: لا والله ولكن أبى كرمي أن يقبل لؤمك. نظر الجمّاز إلى سوداء عليها معصفرات فقال: كأنّها بعرةٌ عليها رعاف. قالت الخنفساء لأمّها: ما أمرّ بأحدٍ إّلا بزق عليّ، قالت: من حسنك تعوّذين.

стр. 1783

شاعر: الكامل المجزوء لما رأيت الدّهر يفني النّ ... اس من جيلٍ فجيل وعلمت أنّي هالكٌ ... وسبيل من ولّى سبيلي أوطأت نفسي عشوةً ... وعزفت عن قالٍ وقيل وشربتها مشمولةً ... نشأت على الدّهر الطويل رقّت فليس تحسّ كال ... شيء الخفيّ المستحيل من كفّ ظبيٍ فاتر ال ... ألحاظ كالرشأ الكحيل قال أعرابيّ: الفقير من الأهل مصروم، والغنيّ في الغربة موصول. قال أعرابيّ: أوحش قومك ما كان في إيحاشهم أنسك، واهجر أوطانك ما نبت عنها نفسك. قيل لأعرابيّ: أتشتاق إلى وطنك؟ قال: كيف لا أشتاق إلى رملةٍ كنت جنين ركامها، ورضيع غمامها. قال أعرابيّ: الاغتراب يردّ الجدّة، ويكسب الجدة. شاعر: الرمل المجزوء إن يكن مات صغيراً ... فالأسى غير صغير كان ريحاني فصار ال ... يوم ريحان القبور

стр. 1784

قال العتبيّ، سمعت أبي يقول: سابّ كميت بن معروف الأسديّ أمةً لقومٍ فقالت: الطويل لعمري لقد راش ابن سعدة ريشه ... بريش الذّنابى لا بريش القوادم بنى لك معروفٌ بناءً هدمته ... وللشّرف العاديّ بانٍ وهادم قال أبو موسى الحامض: قرئ على ثعلب من كتاب بخطّ ابن الأعرابي خطأٌ فردّه، فقيل له: إنّه بخطّه، قال: هو خطأ، قيل: أفنغيّره؟ قال: دعوه ليكون عذراً لمن أخطأ. لما سقطت ثنيّة معاوية أسف عليها لما فاته من البيان، فتمثّل: الرجز إنّ الليالي أسرعت في نقضي ... أخذن بعضي وتركن بعضي تركن رنقي وشربن محضي شاعر: الطويل

стр. 1785

يقرّ بعيني أن من مكانه ... ذرى هضبات الأجرع المتقاود وأن أرد الماء الذي وردت به ... سليمى وقد ملّ الكرى كلّ واحد وألصق أحشائي ببرد ترابه ... وإن كان مخلوطاً بسمّ الأساود أنشد الرّياشيّ لنهار بن توسعة: البسيط أضحى العراق سليباً لا ضياء له ... إّلا المهلّب بعد الله والمطر هذا يجود ويحمي عن ذماركم ... وذا يعيش به الأنعام والشّجر وأنشد أيضاً: الرجز الناس إخوانٌ وشتّى في الشّيم ويروى النّاس أسواءٌ، كذا أنشد البغداديون؛ قال الرّياشي: سألت عنه أعرابيّاً فصيحاً فقال: معناه أنّهم من أديمٍ واحد، أي من تراب يجمعهم كلّهم آدم، وإن اختلفت شيمهم، وفسّر البغداديون على خلاف هذا، قالوا: يجمعه بيت الأدم، لأنّ بيت الأدم فيه كلّ ضربٍ من رقاع الأدم. قال أبو حاتم، حدّثنا الأصمعي قال: كنت عند الرشيد في شهر

стр. 1786

رمضان، فأتي بسكران فهمّ به ثم سأل عنه فقلت: كفاك عليّ بن أبي طالب ذلك بالنّجاشي. قد شرب الخمر في رمضان فضربه ثمانين للسّكر، ومائةً لحرمة شهر رمضان، وحمله على حملٍ وطاف به في الكوفة، فجعل الصبيان يصيحون به: سلح سلح، فيقول: كلاّ إنّها يمانيةٌ، ووكاؤها شعرٌ؛ وهجا أهل الكوفة فقال: البسيط إذا سقى الله قوماً صوب غاديةٍ ... فلا سقى الله أهل الكوفة المطرا وأرسل الريح تسفي في عيونهم ... حتى إذا لا ترى ماءً ولا شجرا ألقى العداوة والبغضاء بينهم ... حتى يكونوا لمن عاداهم جزرا السّارقين إذا ما جنّ ليلهم ... والدّارسين إذا ما أصبحوا السّورا والتّاركين على طهرٍ نساءهم ... والنّاكحين بشطّي دجلة البقرا ثم ذهب إلى معاوية وقال في عليّ، وكان قد قال معاوية: البسيط يا أيّها الملك المهدي عداوته ... انظر لنفسك أيّ الأمر تأتمر واعلم يقيناً بأنّ المجد في نفرٍ ... هم العرانين ما ساواهم بشر فإن نفست على الأقوام مجدهم ... فابسط يديك فإنّ الخير مبتدر نعم الفتى أنت إّلا أنّ بينكما ... كما تفاضل ضوء الشّمس والقمر إنّي امرؤٌ قلّ ما أثني على أحدٍ ... حتى أبيّن ما آتي وما أذر

стр. 1787

لا تحمدون امرءاً حتى تجرّبه ... ولا تذمّنّ حتى تبله الخبر قال أبو عليّ ابن مقلة، قال لي الهداوي، أنشدنا الرّياشي: الكامل المجزوء يا عين بكّي للولي ... د بن الوليد بن المغيره إنّ الوليد بن الولي ... د أبا الوليد هو العشيره من كان غيثاً في السّني ... ن وجعفراً غدقاً وميره قال أعرابيّ: خلق القريب خيرٌ من جديد الغريب. قال العتبي، قال أبو دواد: الكامل المجزوء سقّى الرّباب مجلجل أل ... أكناف رعّادٌ بروقه جونٌ تكفكفه الصّبا ... وهناً ويمريه خريقه مري العسيف عشاره ... حتى إذا درّت عروقه حتى إذا ما جلده ... بالماء ضاق فما يطيقه هبّت له من خلفه ... ريحٌ يماينةٌ تسوقه حلّت عزاليه السّما ... ء فسحّ واهيةً خروقه قال أعرابيّ: العجز مقرونٌ به الشقاء، والحزم موكّلٌ به

стр. 1788

النّجاء؛ ثمرة الحزم السلامة، وثمرة العجز الندامة. قال أعرابيّ: آفة الحزم ترك الاستعداد، وآفة الرأي سوء الاستبداد. قال أعرابيّ: الحازم لا تدهش له عزيمة، ولا تكهم له صريمة. قال بعض تجّار البحر: حملنا مرةً متاعاً إلى الصّين من الأبلّة، وكان قد اجتمع ركبٌ فيه عشر سفنٍ، قال: ومن رسمنا إذا تزجّهنا في مثل هذا الوجه أن نأخذ قوماً ضعفاء، ونأخذ بضائع قوم، فبينا أنا قد أصلحت ما أريد إذ وقف عليّ شيخٌ فسلّم فرددت فقال: لي حاجةٌ قد سألتها غيرك من التّجار فلم يقضها، قلت: فما هي؟ قال: اضمن لي قضاءها حتى أذكرها، فضمنت، فأحضر لي رصاصةً من مائة منا، وقال لي: تأمر بحمل هذه الرصاصة معك، فإذا صرتم في لجّة كذا فاطرحها في البحر. فقلت: يا هذا، ليس هذا ممّا أفعله، قال: قد ضمنت لي، وما زال بي حتى قبلت وكتبت في روزنامجي؛ فلمّا صرنا في ذلك المكان عصفت الريح وهاج البحر، فاشتغلنا بأنفسنا ونسيت الرصاصة، ثم خرجنا من اللّجة وسرنا حتى بلغنا موضعاً، فبعت ما صحبني، وحضرني رجلٌ فقال لي: يا هذا، أمعك رصاصٌ؟ قلت: لا، فقال غلامي: معنا رصاصٌ، فقلت: لم أحمل رصاصاً قال بلى الشيخ فذكرت فقلت خالفناه؛ بلغنا إلى ها هنا وما يلحقني أن أبيعه ففيه ما ينفعه، فقلت للغلام: أحضرها، وساومني الرجل بها فبعتها بمائةٍ وثلاثين ديناراً وابتعت بها للشيخ طرائف الصّين، وخرجنا فوافينا المدينة، فبعت تلك الطرائف فبلغت سبعمائة دينار، وصرت إلى البصرة إلى الموضع الذي وصفه الشيخ، ووقفت بباب دار، وسألت عنه فقيل لي: قد توفي، قلت: فهل خلّف أحداً يرثه؟ قالوا: لا نعلم إّلا ابن أخٍ له في بعض نواحي البحر؛ قال: فتخبّرت

стр. 1789

فقيل: إنّ داره موقوفةٌ في يد أمين القاضي، فرجعت إلى الأبلّة والمال معي، فبينا أنا ذات يوم جالسٌ إذ وقف على رأسي رجلٌ فقال: أنت فلان؟ قلت: نعم، قال: وخرجت إلى الصين؟ قلت: نعم، قال: وبعت رجلاً هناك رصاصاً؟ قلت: نعم، قال: أتعرف الرجل؟ فتأملته، فقلت: أنت هو، قال: أعلمك أنّي قطعت تلك الرصاصة لأستعمل شيئاً منها فوجدتها مجوّفة، ووجدت فيها اثني عشر ألف دينار، وقد جئت بالمال فخذ مالك عافاك الله، فقلت له: ويحك، ليس المال لي، ولكنّه كان من خبره كذا وكذا، وحدّثته، قال: فتبسم الرجل ثم قال: أتعرف الشيخ؟ قلت: لا، قال: هو عمّي وأنا ابن أخيه، وليس له وارثٌ غيري، وأراد أن يزوي هذا المال عنّي، وهو هرّبني من البصرة سبع عشرة سنةً، فأبى الله تعالى إّلا ما ترى على رغمه؛ قال: فأعطيته الدنانير كلّها ومضى إلى البصرة فأقام بها. حدّثنا القاضي أبو حامد قال: كان لي عمٌّ بمرورّوذ، وكان وجيهاً في البلد، وكان شديد المقت لي فاحش الإعراض عنّي؛ واتفق أنّي حضرت بعض العشيّات مجلس رئيس البلد، ودخل عمّي بعدي وكنت في كلامٍ، فسمع بقيّة ما كنت فيه، فقال للرئيس: من هذا الفتى الكامل الفاضل؟ فوالله ما رأيت أحداً في سنّه أكثر عقلاً، ولا أحسن كلاماً منه، وإنّما أنكرني الاختلاط ظلام الليل، فقال الرئيس: إنّه أبو حامد، قال: ومن أبو حامد؟ قال: ابن أخيك، قال: لعنه الله وقبّحه، فما أعرف نسمةً أبغض منه إليّ، وإنك لو عرفت باطنة لما استحسنت ظاهرة ونهض متلوياً من حسد نار به ومناقضةٍ أتى بها، وحالٍ فجأته، وكامن ظهر عليه. وكان القاضي أبو حامد يحدّثني بهذا العمّ، وكان شديد العداوة، قاطع الرّحم، قبيح الجفاء، وكان يقول: والله لا ورثتني، ولأهبن مالي لبختيار - وكان أمير بغداد - ولساسته، ولا أتركه لك، ثمّ أبى الله ذلك.

стр. 1790

قال: وحدّثني أبو حامدٍ بحديثه مع عمّه حين حدّثته أنّ عمّي كان قاعداً في بعض العشيّات في قطيعة الرّبيع، فاجتزت به متوجّهاً إلى مجلس أبي الحسن ابن القطّان الفقيه الشافعيّ، فقال له جلساؤه: إنّ ابن أخيك با أبا العبّأس مجتهدٌ في طلب العلم، يغدو ويروح، ولقد سمعنا تلاوته للقرآن فاستجدناها، ولقد سمعنا منطقه فاستأنسنا به، وقد كتب الحديث الكثير، وسافر وتصّوف، فقال للجماعة: هذا كلّه كما تقولون، ولكن له عيبٌ واحد، قالوا: وما هو؟ قال: يأكل في كلّ يوم أربعة أرغفةٍ، فورد على الجماعة ما حيّرها وأضحكها. وقد رأينا أعماماً قطعوا أرحاماً، فقطع الله أعمارهم، وأقفر ديارهم، وأورثهم خسارهم. وإنّما سقت هذا ناهياً عن قطيعة الرّحم، وحاثّاً على حفظ القرابة، مذكّراً عواقب القطيعة، ومحذّراً من قبيح القالة، وإلى الله تعالى نفزع في كلّ ما دقّ وجلّ، فهو المنتهى وإليه الرجعى. احتضر ابن أخٍ لأبي الأسود الدؤلي - هكذا الفصيح يفتح الهمزة - فقال: يا عمّ، أموت والناس يحيون؟ قال: كما حييت والناس يموتون. قال ابن السّمّاك: أهل القبور على الاختبار، وأهل الدّور على الاضطرار والانتظار، فأمّا أهل القبور فندموا على ما قدّموا، وأمّا أهل الدّور فيقتتلون على ما عليه أهل القبور ندموا، فلا هؤلاء إلى هؤلاء يوجعون، ولا هؤلاء بهؤلاء يعتبرون. شاعر: الوافر أنا ابن محفّضٍ والسّكب خالي ... إذا أنا من بني رجل الحمار أسود إلى العلى بأبٍ وجدٍّ ... إذا عظمت مراهنة الخطار شيوخاً طال ما سادوا وقادوا ... تميماً في الملمّات الكبار فلا تمدد يديك بلا قديمٍ ... إلى أهل القديم ولا نجار
следующие страницы →