Полный текст (2 098 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.
стр. 1856
قال أعرابيٌّ لصاحبٍ له: أنت والله كالقمر الزّاهر عند الشّرب، والسّحاب الماطر لدى اللّزب، والأسد الخادر عند الحرب.
قيل لأبي عمرة: كيف امرأتك؟ قال: مسقاط اللّيل، معثار الذّيل.
يقال: الرّاحة للرجال غفلة وللنّساء غلمة.
ويقال: الشّيب خطام المنيّة، ووافد الحمام، وتاريخ الكتاب في عنوان العمر، وبريد الفناء، ورائد الموت، وتمهيد الهلاك، وأول مراحل الآخرة.
لهلال بن العلاء الرقّي: البسيط
لمّا عفوت ولم أحقد على أحدٍ ... أرحت نفسي من غمّ العداوات
إنّي أحيّي عدوّي عند رؤيته ... لأدفع الشرّ عنّي بالتّحيّات
وأظهر البشر للإنسان أبغضه ... كأنّه قد ملا قلبي محبّات
والنّاس داءٌ وداء النّاس قربهم ... وفي الجفاء لهم قطع الأخوّات
فلست أسلم ممن لست أعرفه ... فكيف أسلم من أهل المودّات
لبعض المتكلّمين: الطويل
إذا أمر الله الورى ونهاهم ... بما لم يركّب فيهم علم ذلك
فلا بدّ عندي من دليلٍ يدلّهم ... وإلاّ فلا عتبٌ على كلّ هالك
стр. 1857
قيل للإسكندر: إنّ فلاناً يثلبك فلو عاقتبه، قال: هو عند العقاب أعذر.
لما فتح قتيبة سمرقند أفضى إلى أثاثٍ لم ير مثله وإلى آلاتٍ لم يسمع بمثلها، فأحبّ أن يرى الناس ذلك، فأمر بالفرش ففرش، وأحضر قدوراً يرتقى إليها بسلالم، ودخل عليه الحضين بن المنذر بن الحارث بن وعلة الرّقاشيّ، فلمّا رآه عبد الله بن مسلم سأل قتيبة أن يأذن له في كلامه فقال: لا ترده فإنّه خبيث، فأبى عليه فأذن له، وكان عبد الله يضعّف، وكان قد تسوّر حائطاً إلى امرأةٍ قبل ذلك، فقال للحضين: أمن الباب دخلت يا أبا ساسان؟ قال: أجل، أسنّ عمّك عن تسوّر الحيطان، قال: أرأيت هذه القدور؟ قال: هي أعظم من أن لا ترى، قال: ما أحسب بكر بن وائلٍ رأى مثلها، قال: لا ولا عيلان، ولو كان رآها سمّي شبعان ولم يسمّ عيلان، قال عبد الله: أتعرف الذي يقول: الطويل
عزلنا وولّينا وبكر بن وائلٍ ... تجرّ خصاها تبتغي من تحالف
قال: أعرفه وأعرف الذي يقول: الوافر
وخيبة من يخيب على غنيٍّ ... وباهلة بن يعصر والرّكاب
قال له: أتعرف الذي يقول: الطويل
كأنّ فقاح الأزد حول ابن مسمعٍ ... وقد عرقت أفواه بكر بن وائل
стр. 1858
قال: أعرفه وأعرف الذي يقول: الكامل
قومٌ قتيبة أمّهم وأبوهم ... لولا قتيبة أصبحوا في مجهل
وحجز قتيبة بينهما.
قال قتادة بن مغرّب اليشكريّ: الرجز
رأيت عبد القيس لاقت ذلاّ ... إذا تعشّوا بصلاً وخلاًّ
وجوفياً ومالحاً قد صلاّ ... باتوا يسلّون الفساء سلاّ
سلّ النّبيط القصب المبتلاّ
قال النبيّ ﵌: " الخيل بطونها كنز، وظهورها عزٌّ ".
وقال ﵇ في النّخل: " الراسخات في الوحل، المطعمات في المحل ".
وقال ﵇: " يغرس في أرضٍ خوّارة، ويشرب من عينٍ خرّارة ".
وقال ﵇: " إيّاكم والمشارّة فإنّها تيمت الغرّة، وتحيي العرّة.
стр. 1859
اختصم بلال بن جرير وبكر بن الأحنف الحمّاني في ماء، فخشي بلالٌ أن يذكر أمّه وهي أمّ حكيم، وكانت أمةً للحجّاج فوهبها لجرير فولدت بلالاً ونوحاً، فقال بلال: إني لأعلم والله أنّك ستذكر أمّ حكيم، إنها لسبيئة زمام، وعطيّة ملك، وبنت دهقان، وزوج كريم، ليست كأمّك تغدو على أثر ضأنها بالمروت، والله أعلم بما وجد عليها فحلف ليهبنّها لألأم العرب، فلم جد ألأم من أبيك فوهبها له.
وجد في صندوقٍ لعبد الله بن الزّبير صحيفةٌ فيها مكتوب: إذا كان الحديث جلفاً، والميعاد خلفاً والمقيت إلفاً، والولد غيظاً، وغاص الكرام غيضاً، وفاض اللئام فيضاً، فأعنزٌ جفر، في بلدٍ قفر، خيرٌ من ملك بني النّضر.
قال العبّاس حين استسقى به عمر: اللهمّ إنّه لا ينزل بلاءٌ إلاّ بذنب، ولا يكشف إلاّ بتوبة، وقد توجّه بي القوم إليك لمكاني من نبيّك، وهذه أبداننا بالذّنوب، ونواصينا بالتّوبة، فاسقنا الغيث.
قال بعض قدماء العرب: أفضل النّساء أطولهنّ إذا قامت، وأعظمهنّ إذا نامت، وأصدقهنّ إذا قالت، التي إذا غضبت حلمت، وإذا ضحكت ابتسمت، وإذا صنعت جوّدت، التي تلزم بيتها، ولا تعصي بعلها
стр. 1860
العزيزة في قومها، الذّليلة في نفسها.
قال بعض السّلف: لعليٍّ أربع خصالٍ ضوارس قواطع: سطةٌ في العشيرة، وصهرٌ بالرسول، وعلمٌ بالتأويل، وصبرٌ إذا دعيت نزال؛ سطةٌ من وسطة، كعدةٍ من وعدة، وصفةٍ من وصفة، وزنةٍ من وزنة.
شقيق بن السّليك الغاضري: المتقارب
إذا ما نكحت فلا بالرّفاء ... وإمّا ابتنيت فلا بالبنينا
تزوّجت أصلع في غربةٍ ... تجنّ الحليلة منه جنونا
إذا ما نقلت إلى بيته ... أعدّ لجنبيك سوطاً أمينا
يشمّك أخبث أضراسه ... إذا ما دنوت لتستنشقينا
كأنّ المساويك في شدقه ... إذا هنّ أكرهن حمّلن طينا
كأنّ توالي أضراسه ... وبين ثناياه غسلاً لجينا
قال بعض السّلف: ما استنبط الصّواب بمثل المشورة، ولا حصّنت النّعم بمثل المواساة، ولا اكتسبت البغضة بمثل الكبر.
أتي الهادي برجلٍ مذنبٍ فجعل يقرّعه فقال الرجل: يا أمير
стр. 1861
المؤمنين، اعتذاري ممّا تقرّعني به ردٌّ عليك، وإقراري بما تعتدّ به عليّ يلزمني ذنباً، ولكني أقول: الطويل
فإن كنت ترجو في العقوبة راحةً ... فلا تزهدن عن المعافاة بالأجر
قدم عبد الصمد بن المفضّل الرّقاشي الرّيّ وخالد بن ديسم العربي على الديوان، فكتب إليه: الطويل
أخالد إنّ الرّيّ قد أجحفت بنا ... وضاق علينا كسبها ومعاشها
وقد أطمعتنا منك يوماً سحابةٌ ... أضاءت لنا برقاً وكفّ رشاشها
فلا غيمها يضحي فييأس طامعٌ ... ولا عيشها يأتي فتروي عطاشها
وقد طال إتعابي إليك مطيّتي ... فلم يبق إلاّ عظمها ومشاشها
ولو طاوعتني النّفس في بدو أمرها ... لألفيتها قد حدّ عنك انكماشها
فأقلل بها غنماً ونفعاً ونائلاً ... مواعيد لا يبدو عليّ رياشها
أيدفعني بالباب وهبٌ وعامرٌ ... وقد ولدتني ذهلها ورقاشها
سأل أعرابيٌّ فقال: لقد جعت حتى أكلت النّوى المحرق، ومشيت حتى انتعلت الدّم، وحتّى سقط من رجلي نحض لحم، وتمنّيت أنّ وجهي حذاءٌ لقدمي، فهل من أخٍ يرحم؟ لمّا استخلف عمر بن عبد العزيز بعث أهل بيت الحجّاج إلى الحارث بن عمرو الطائي، وكان على البلقاء، وكتب إليه: أما بعد، فإنّي قد
стр. 1862
بعثت إليك بآل أبي عقيل، وبئس والله أهل البيت في دين الله تعالى وهلاك المسلمين، فأنزلهم بقدر هوانهم على الله تعالى وعلى أمير المؤمنين.
قدم معاوية المدينة فدخل دار عثمان فقالت ابنته عائشة: واأبتاه! فقال لها معاوية: يا بنت أخي، إنّ النّاس أعطونا طاعةً وأعطيناهم أماناً، وأظهرنا لهم حلماً تحته غضب، وأظهروا لنا طاعةً تحتها حقد، فإن نكثنا بهم نكثوا بنا، فلا يدري أعلينا يكون أم لنا، فلأن تكوني بنت عمّ أمير المؤمنين خيرٌ من أن تكوني امرأةً من المسلمين.
لما صافّ قتيبة بن مسلم التّرك وهاله أمرهم، سأل عن محمد بن واسع فقيل: هو في أقصى الميمنة جانحاً على سية قوسه، ينضنض بإصبعه نحو السماء، فقال قتيبة: لتلك الإصبع الفاردة خيرٌ من ألف سيفٍ شهيرٍ، وسهمٍ طرير.
قال بعض القدماء: إن كنت حافظاً للسّلطان في ولايتك، حذراً منه عند تقريبه، أميناً له إذا ائتمنك، تشكر له ولا تكلّفه الشكر لك، تعلّمه وكأنّك تتعلم منه، وتؤدّبه وكأنّه يؤدّبك، بصيراً بهواه، مؤثراً لمنفعته، ذليلاً إن ضامك، قانعاً إن حرمك، وإلاّ فابعد منه كلّ البعد.
اجتاز أبو الأسود الدّؤليّ بقومٍ فقال بعضهم: كأنّ غضون قفاه
стр. 1863
فقاحٌ، فقال: هل تعرف فقحة أمّك يا فتى؟ فأخجله.
سأل كيسان خلفاً وكان به صمم فقال له: يا أبا محرز، علقمة بن عبدة جاهليٌّ أو من ضبّة؟ فقال له خلف: يا مجنون صحّح المسألة حتى يصحّ الجواب.
قال أعرابيّ: أصابنا مطرٌ دغر الأرض.
وقال أعرابيّ: النساء فرشٌ، وخيرهنّ أوثرهنّ.
كان أعشى همدان منقطعاً إلى عتّاب بن ورقاء التّميميّ، وكان ينادمه، فقال: يا أبا المصبّح، لئن أصبت إمرةً إنها لك خاصة، خاتمي في يدك تقضي في أمور النّاس؛ فاستعمل على أصفهان، فجاءه الأعشى فجفاه فقال: الوافر
تمنّيني إمارتها تميمٌ ... وما أمّي بأمّ بني تميم
وكان أبو سليمانٍ خليلي ... ولكنّ الشّراك من الأديم
أتينا أصبهان فأهزلتنا ... وكنّا قبل ذلك في نعيم
أتذكر يا خويلد إذ غزونا ... وأنت على بغيلك ذي الوشوم
ويركب رأسه في كلّ وعثٍ ... ويعثر في الطريق المستقيم
стр. 1864
وليس عليك إلا طيلسانٌ ... نصيبيٌّ وإلاّ سحق نيم
لما مات النبيّ صلّى الله عليه وعلى آله وسمع بذلك نساءٌ من كندة وحضرموت، خضبن أيديهنّ وضربن بالدّفوف، فقال رجلٌ منهم: الكامل
أبلغ أبا بكرٍ إذا ما جئته ... أنّ البغايا رمن كلّ مرام
أظهرن من موت النبيّ شماتةً ... وخضبن أيديهنّ بالعلاّم
فاقطع هديت أكفّهنّ بصارمٍ ... كالبرق أومض في جفون غمام
شاعر: البسيط
ما من صديقٍ وإن تمّت صداقته ... يوماً بأنجح في الحاجات من طبق
إذا تلثّم بالمنديل منطلقاً ... لم يخش نبوة بوّابٍ ولا غلق
لا تكذبنّ فإنّ النّاس مذ خلقوا ... لرغبةٍ يكرمون النّاس أو فرق
مرّ خالد بن صفوان على أبي الجهم وتحته حمار فقال: ما هذا يا ابن صفوان؟ فقال: عيرٌ من بنات الكداد، أصحر السّربال، محملج القوائم، يحمل الرّجلة، ويبلّغ المنزل، ويمنعني من أن أكون جباراً عنيداً.
стр. 1865
بعث النعمان إلى الحارث بن أبي شمر جيشاً وقال: من يعرف عدوّنا الذي أنفذنا إليه جيشنا؟ فقال بعض بني عجل: أنا، فقال النّعمان: صفه، فقال: قطفٌ نطف، صلفٌ قصف، فقام الرّديم وهو عمرو بن ضرار فقال: أبيت اللّعن، أوطأك العشوة: هو والله حليم النّشوة، شديد السّطوة، قال: صدقت، كذا ينبغي أن يكون عدوّنا.
لورد بن عاصم المبرسم في الحسن بن زيد العلوي: الوافر
له حقٌّ وليس عليه حقٌّ ... ومهما قال فالحسن الجميل
وقد كان الرسول يرى حقوقاً ... عليه لأهلها وهو الرّسول
فطلبه فهرب منه، ثم لم يشعر يوماً إلاّ وهو بين يديه يقول: الوافر
ستأتي عذرتي الحسن بن زيدٍ ... وتشهد لي بصفّين القبور
قبورٌ لو بأحمد أو عليٍّ ... يكون مجيرها حفظ المجير
هما أبواك من وضعا فضعه ... وأنت برفع من رفعا جدير
فاستخفّ الحسن كرمه، فقام فبسط رداءه وأجلسه عليه وأمّنه.
قال بعض أهل اللغة: لببت الشيء ألبّه لبّاً إذا شددته بحبلٍ أو خيط؛ ونادى أعرابيٌّ غلامه فقال: لبّيك، فقال: لبّ الحبل جنبيك؛
стр. 1866
هكذا قال أبو محمد الأندلسيّ، وكان كبيراً في اللغة، ورد بغداد وهو نحويٌّ، ولزم أبا سعيد السّيرافي، وأنشد لبعض أهل المغرب: البسيط
الجود والغول والعنقاء ثالثةٌ ... أسماء أشياء لم تخلق ولم تكن
وأنشد لآخر منهم: الخفيف
لو قضى الله للمنون بحتفٍ ... صيّر البين للمنون منونا
وكان أشحّ النّاس، وهذه شيمة أهل المغرب، وكان ربّما قرض البيت، إلا أنّه كان ركيك الشّعر رديء النّثر سيّء العبارة، كثير الحفظ جيّد الإتقان، ومات ببغداد سنة خمسٍ وسبعين وثلاثمائة.
للوليد بن عقبة: الطويل
وكنّا إذا ما حيّةٌ أعيت الرّقى ... وكان زعافاً يقطر السّمّ نابها
دسسنا لها تحت الظلام ابن ملجمٍ ... جريّاً إذا ما جاء نفساً حسابها
أبا حسنٍ ذقها على الرأس ضربةً ... بكفّ كريمٍ بعد وقتٍ ثوابها
أمات ابن عفّانٍ فلم تبق دمنةٌ ... ونحن موالي غمرةٍ لا نهابها
فألقى على المصريّ ثوب ظلامةٍ ... كما سلخت شاةٌ فطار انكعابها
قال أعرابيّ: لا يكشف منسدل الهمّ إلاّ مشمّر الصّبر.
стр. 1867
٧٣٩ب - قد سألت السّيرافيّ عن الانسدال والانشمار فقال: مسموعان.
قال بعض الفرس: الصّبر ربيع القلب.
وقال آخر: الصّبر يقلّم أظفار الخطوب.
كان أبو طالب نديماً لمسافر بن أبي عمرو، وهلك مسافرٌ فرثاه أبو طالب فقال: الخفيف
ليت شعري مسافر بن أبي عم ... روٍ وليتٌ يقولها المحزون
رجع الرّكب سالمين جميعاً ... وخليلي في مرمسٍ مدفون
قال بعض أهل اللغة: في الفم اثنتان وثلاثون سنّاً، ثنيّتان من فوق وثنيّتان من تحت، ورباعيّتان من فوق ورباعيّتان من تحت، ونابان من فوق ونابان من تحت، وضاحكتان من فوق وضاحكتان من تحت، وثلاث أرحاءٍ من فوق وثلاث أرحاءٍ من تحت، وثلاث أرحاءٍ من فوق وثلاث أرحاءٍ من تحت، وناجذان من فوق وناجذان من تحت.
وقّع أبو صالح محمد بن يزداد إلى عاملٍ أخّر أمراً: جعلنا إهمالنا لك وتعطّفنا ورفقنا بك مطيّةً لمطلك، وسبباً لدفعك ما لزمك ووجب عليك، فامح ببدارك إساءتك، وبتعجيلك مدافعتك، وأحضر حسابك مفصّلاً في باقي أسبوعك، ولا تحوج إلى عنفٍ بك، واستقصاءٍ عليك، إن شاء الله.
стр. 1868
وكتب إلى جعفر بن محمود: ما زلت - أيّدك الله - أذمّ الدهر بذمّه إياك، وأنتظر لنفسي لك عقباه، وأتمنّى زوال حال من لا ذنب له إلى رجاء عاقبةٍ محمودةٍ تكون لك بزوال حاله، وتركت الإعذار في الطّلب على اختلالٍ شديدٍ إليه، ضنّاً بالمعروف عندي إلاّ عن أهله، وحبساً لشكري إلاّ عن مستحقه.
فوقّع جعفر: لم أؤخّر ذكرك تناسياً لحقّك، ولا إغفالاً لواجبك، ولا إرجاءً لمهمّ أمرك، ولكني رجوت اتساع الحال بانفساح الأعمال، لأخصّك بأسناها خطراً، وأجلّها قدراً وأعودها بنفعٍ عليك، وأوفرها رزقاً لك، وأقربها مسافةً منك، وإذا كنت ممّن يحفزه الإعجال، ولا يتّسع له الإهمال، فسأختار لك خير ما يشير إليه، وأقدّم النظر فيه، وأجعله أول ما أمضيه، إنّ شاء الله.
خطب يزيد بدمشق فقال: أيّهاالناس، سافروا بأبصاركم في كرّ الجديدين، ثمّ ارجعوها كليلةً عن بلوغ الأمل، وإنّ الماضي عظةٌ للباقي، ولا تجعلوا الغرور سبيل العجز عن الجدّ فتنقطع حجتكم في موقفٍ الله تعالى سائلكم فيه ومحاسبكم على ما أسلفتم. أيّها النّاس، أمس شاهدٌ فاحذروه، واليوم مؤدّبٌ فاعرفوه، وغدٌ رسولٌ فأكرموه، وكونوا على حذرٍ من هجوم القدر، فإن أعمالكم مطيّات أبدانكم، والصّراط ميدان يكثر فيه العثار، والسالم ناجٍ والعاثر في النّار.
стр. 1869
قال محمد بن العلاء السّجزي: لما ولي عبيد الله بن سليمان الوزارة، أوصلت إليه كتاباً من عبيد الله بن عبد الله بن طاهر، وفيه يقول: الطويل
أبى دهرنا إسعافنا في أمورنا ... وأسعفنا فيمن نحبّ ونكرم
فقلت له نعماك فيهم أتمّها ... ودع أمرنا إنّ المهمّ المقدّم
ذكر أعرابيٌّ امرأةً فقال: إن دعت القلوب لم تبطء عنها، وإن قتلت لم يعد عليها.
قال الهيثم بن عديّ: قال جعفر بن معاوية لخالد بن صفوان: ما منعك أن يكون عندك امرأةٌ شريفةٌ من أشراف أهل البصرة؟ قال: فابغني امرأةً، قال: فأيّ النساء تريد؟ قال: ابغني امرأة بكراً كثيّبٍ وثيّباً كبكر، لا ضرعاً صغيرةً ولا عجوزاً كبيرة، عاشت في نعمةٍ وأدركتها حاجة، فخلق النّعمة معها وذلّ الحاجة فيها، وحسبي من حسبها أن تكون واسطةٌ في قومها، وحسبي من جمالها أن تكون فخمةً من بعيد، مليحةً من قريب، ترضى منّي بالسّنّة، وترفع عنّي المنّة، إن عشت أكرمتها، وإن متّ ورّثتها، لا ترفع رأسها إلى السماء رفعاً، ولا تضعه في الأرض وضعاً، أديبةً عاقلةً فصيحة. فقال جعفر: يا أبا صفوان، الناس في طلب هذه منذ زمانٍ حتى يبايعوها على الخلافة فلا يقدرون عليها، فاسل فإنّك حالم.
لمّا سيّر عليّ بن الجهم إلى خراسان كتب إلى بعض إخوانه على لسان غلامٍ له: أمّا بعد، فإنّ الله إذا أراد أمراً جعل له من قضائه سبباً يجري
стр. 1870
بعلمه، وينتهي إلى قدره، ولا إله إلاّه، أحصى كلّ شيءٍ عدداً، وأحاط بكلّ شيءٍ علماً، وجعل لكلّ قدراً، ومن أسباب قدره أن سهّل لي بعدك من الشّعر ما أخاطب به الشاهد وأكاتب الغائب، وأجتدي به وأستزيد، وأبلغ ما أريد، وهو يؤنسني إذا أوحشت، ويطيعني إذا عصيت، ويصدع عنّي إذا شيت، بليغ الخطبة، جميل العشرة، كريم الصّحبة، يرد الأندية، ويلج الأخبية، سائراً في البلاد، مسافراً من غير زاد، راضياً إن رضيت، مؤذياً إن أوذيت، جازياً بما أوليت، باقياً إذا أفنيت، معترضاً في الأسمار، عالماً بالأخبار، ومعزّياً عن الأوتار، يحضر إن غبت، ويجسر إن هبت، ولا يحظر بالحظر، ولا يوزع بالزّجر، إذا قيّد رتك، وإذا أغمد بتك، وإذا جرّد فتك، يلقح به الغزل ويعلل به الشمل ويأنس به الوجل وقد أتحفتك منه ببعض ما يجدّد عندك ذكرنا، وتعرف به خبرنا، وهو شعرٌ قلته في مقامٍ واحدٍ لم أزل أعجب منه، وسأصف لك المقام لتحمد الله تعالى عليه: لمّا كان اليوم الذي وردنا نيسابور، وقصدنا باب الأمير، وقد احتشد لنا الناس وكان من قدّر ذلك يتوهّم مع الخبر الشائع الذي حملنا له أنّ الداعي علينا سيكثر، وأنّ الشّامت بنا سيظهر، إذ كنّا في حالٍ لم يحمل على مثلها بابك ولا المازيار، وما منهما إلاّ قد رأينا؛ فبينا الناس كذلك إذ اقبل به في محملٍ قليل الوطاء، مسلوب الغطاء، فلمّا توسطنا الجماعة، ونظروا إليه، فلم يكن في ظاهره ما يسمج، ولا في قديمه ما ينكر، ولا في مساعيه ما ينقم، ولا في قدر الذّنب الذي ذكر أنه فعله ما يبلغ به ذلك عند الناس، وجد الوليّ إلى الدّعاء له بالخير سبيلاً، وساعده من حضر، وارتجّ الجميع بالدعاء له، فصار ما نعي عليه
стр. 1871
معونةً له، وأبى الله تعالى، المحسن إلينا، أن يسلبه السّتر الجميل، إذ سلبه الآدميّون الغطاء، وألاّ يزيل نعمه إذ زال كلّ ما كان فيه، وألا يجعل لأعدائه إلى الشّماتة به سبيلاً، والسلام.
قال عمر بن الخطّاب: ما رأيت صغير الهمّة إلاّ رأيته مذموم الأحدوثة.
جلد صهيبٌ المدينيّ في الشّراب، وكان جسيماً، وكان الجلاّد قصيراً قميئاً فقال له: تقاصر لينالك السّوط، فقال: ويلك، إلى أكل الفالوذج تدعوني؟! والله لوددت أنّي أطول من عوج، وأنت أقصر من يأجوج.
ضرب طويسٌ في الشّراب فقيل له: كيف كان جلدك على وقع السّياط؟ قال: بلغني أنّي كنت صبوراً.
شاعر: المتقارب
لكلّ أديبٍ ترى همّةً ... وهدياً يدلّ على همّته
ولم ار مثل فتىً ماجدٍ ... يداري الأمور على فطنته
يجازي الصّديق بإحسانه ... ويرجي العدوّ إلى غفلته
ويلبس الدهر تبّانه ويخضع للقرد في دولته.
بلوت الرجال وجرّبتهم ... فكلٌّ يدور على لذّته
قال تميم بن نصر بن سيّار لأعرابيّ: هل أصابتك تخمةٌ قطّ؟
стр. 1872
قال: أمّا من طعامك وطعام أبيك فلا.
شاعر: الكامل المجزوء
ودّعته فتناولت ... عيناه من عيني دموعا
أسف الزمان عليّ أن نبقى كما كنا جميعا
وأحلّني في غربةٍ ... وأحلّه البلد الشّسيعا
وما كنت أحسب أن يكو ... ن كذا تفرّقنا سريعا
قال أعرابيّ: قبحاً لدهرٍ لا تصفوا أيامه، ولا تنصف أحكامه، وأنشد: الطويل
فإن تك أحزانٌ وفائض عبرةٍ ... أثرن دماً من داخل الجوف منقعا
تجرّعتها من عاصمٍ واحتسيتها ... وأعظم منها ما احتسى من تجرّعا
فليت المنايا خلّفت لي عاصماً ... فعشنا جميعاً أو ذهبن بنا معا
قال أعرابيٌّ لرجل: إنّ فلاناً وإن ضحك إليك، فإنّ قلبه يضحك منك، ولئن أظهر شفقته عليك فإن عقاربه تسري إليك، فإن لم تتخذه عدوّا في علانيتك فلا تجعله صديقاً في سريرتك.
شاعر: الكامل المجزوء
وكلت قلبي بالولو ... ع وجفن عيني بالدّموع
إذ لا سبيل إلى الوصا ... ل ولا طريق إلى الرّجوع
أما ولوعات الفرا ... ق يشبّها بين الضّلوع
لا مال قلبي ما حيي ... ت من النّزاع إلى النّزوع
стр. 1873
كلاّ ولا ذاقت جفو ... ني بعده طيب الهجوع
قال أحمد بن الطّيب: نظر بعض الأفاضل إلى رجلين أحدهما قد حمل ديكاً ليقاتل به والآخر قد حمل محبرةً وورقاً ليستفيد أدباً فقال: إنّ سعيكما لشتّى.
لسلمان الفارسيّ: الوافر
أبي الإسلام لا أب لي سواه ... إذا افتخروا ببكرٍ أو تميم
بدعوى الجاهلية لم أجبهم ... ولا يدعوا بها غير الأثيم
دعي القوم ينصر مدّعيه ... ليلحقه بذي الحسب الصميم
قال سليمان التّميمي: دخلت على الأعمش وعنده نبيذٌ في إناء فقلت: ألا تغطّيه لئلا يقع فيه الذّباب؟ فقال: هذا أكرم من أين يقع الذّباب.
قال أبو هاشم: سمعت عمّي يقول: كان بين الأعمش وبين رقبة ابن مصقلة معارضةٌ، كتب إليه الأعمش كتاباً يتوعّده، فأجابه رقبة، أمّا بعد، يريبني منك أباً محمدٍ أنّك تضرع في وعيدك، وتستعين بأمثال غيرك، لو شئت لأضربنّ قذالك بتصريف المقال، ثم لأتبعنّها بنوافذ الأمثال؛ فوضع الأعمش يده على رأسه وقال: ما لنا ولخطباء عبد القيس.
стр. 1874
قال عيسى بن موسى وهو يلي الكوفة لابن أبي ليلى: اجمع الفقهاء وأحضروني، فجاء الأعمش في جبّة فروٍ وقد ربط وسطه بشريط، فأبطأوا، فقام الأعمش وقال: إن أردتم أن تعطونا شيئاً وإلا فخلّوا سبيلنا، فقال عيسى: أبا ليلى، قلت لك تأتيني بالفقهاء فجئتني بهذا؟ فقال: هذا سيّدنا، هذا الأعمش.
قال أبو معاوية الضّرير: كتب هشام بن عبد الملك إلى الأعمش أن اكتب إليّ بمناقب عثمان ومساوئ عليّ، فأخذ القرطاس فأدخله في فم الشّاة فأكلته وقال: قل له: هذا جوابه، فرجع الرسول وعاد فأتى الأعمش فقال الرسول: إنه بدا لي أن يقتلني، وتحمّل عليه بإخوانه، فقالوا: يا أبا محمد أنقذه من القتل، فلمّا ألحّوا قال له: اكتب:
بسم الله الرحمن الرحيم ، أمّا بعد، فلو كانت لعثمان مناقب أهل الأرض ما نفعتك، ولو كان لعليٍّ مساوئ أهل الأرض ما ضرّتك، فعليك بخويّصة نفسك والسلام.
قال أعرابيّ: سمعت خبراً استكّت منه مسامعي، واستهلّت له مدامعي.
قال أبو عبد الرحمن المقرئ: كنّا عند المقام وفينا مالك بن أنس، فطلع علينا أبو حنيفة فقال مالك: لقد جاءكم رجلٌ لو ناظر الشيطان قطعه.
стр. 1875
قال عبد العزيز الدراورديّ: كان مالك ينظر في كتب أبي حنيفة ليتفقّه بها.
قال الشافعيّ: قلت لمالك: أرأيت أبا حنيفة؟ قال: نعم رأيت رجلاً لو قال إنّ هذه السّاريةمن ذهبٍ لاحتجّ له.
قال مالك، إن أبا حنيفة قال في الإسلام ستّون مسألةً.
قال الأوزاعي: لا أنقم على أبي حنيفة أنه رأى كما أرى.
قال يحيى بن الزّبير بن عبادةبن حمزة بن عبد الله بن الزّبير، وكان من العبّاد: شكوت إلى هشام بن عروة ما ألقى من بعض أهلي فقال: يا ابن أخي اصبر عليهم فهكذا كنت مع إخوتي، ثم إني أصبحت لأبنائهم أباً، ولمنازلهم ربّاً.
قال هارون بن صالح: كنّا نعطي الغسّال الدراهم الكثيرة حتى يغسل ثيابنا في أثر ثياب عمر بن عبد العزيز من كثرة الطّيب فيها.
دخل رسول الله ﷺ على عائشة وهي تبكي فقال: " ما يبكيك "؟ فقالت: لفلانة مسكتان من ذهبٍ ولي مسكتان من ورقٍ، قال: " خلّقيهما بزعفران يأتيان كأنّهما ذهب ".
стр. 1876
قال مالك بن أنس: كانت جلسة رسول الله ﷺ أن يحتبي بيديه وينصب ركبتيه.
دخل المسور على معاوية فقال له: كيف تركت قريشاً؟ قال: أنت سيّدها يا أمير المؤمنين، أعلاها كعباً، وأسودها أباً، وأرفعها ذكراً، وأجلّها قدراً.
стр. 1877
/الجزء التاسع
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
رب أعن
اللهم أسألك خفايا لُطفك وفواتح توفيقك، ومألوف برك، وعوائد إحسانك، وجاه المقدمين من ملائكتك، ومنزلة المصطفين من رُسلك، ومكانة الأولياء من خلقك، وعاقبة المتقين من عبادن؛ أسألك القناعة برزقك، والرضا بحكمك، والنزاهة عن محظورك، والورع في شبهاتك، والقيام بحججك، والاعتبار بما أبديت، والتسليم لما أخفيت، والإقبال على ما أمرت، والوقوف عما زجرت، حتى أتخذ الحق جنة عند ما خف وثقل، والصدق سنة فيما عسر وسهل، وحتى أرى أن شعار الزاهد أعز شعار، ومنظر الباطل أشره منظر، فأتبختر في ملكوتك بالدعاء إليك، وأبلغ الغاية القصوى بين خلقك بالثناء عليك، متيقناً أن الاقتصاد أوطأ سبيلاً وأعز حريماً.
стр. 1878
هذا الجزء التاسع من البصائر، وكان عذري فيه - أعني الكتاب - أنه يتم بما يسر الناظر، وأرى العجز قد قهر، والاستعفاء قد حسن، والعذر قد وجب، لأن البقية من مذاكرة الأدب إذا اختصها هذا الجزء بقيت بقية في الصوفية، وقد كان الوعد سلف إفرادها عن سائر الفنون، وبقيت بقية أخرى من فلسفة الفلاسفة. وقال لي بعض إخواني: قدم من هذين الفنين ما إذا تخلص من الجملة كان لأثره وقع، فاقتصرت على ذلك، ولعمري إن الوصف على ما يأتي عليه، ولكن ليس الرأي على ما أرشد إليه، لأني فقير إلى ما يستغني هو ونظراؤه عنه، وضماني لا يزول برأي غيري، وحاجَتي لا تسقط بكفاية من سواي، وأنا جار على المصلحة المنوية في هذا الكتاب لنفسي ولمن يجري مجراي، ويعتذر إلى من خالفني في هذا الرأي. ولم يختر هذا التطويل، لأن الرغبة الصادقة في العلم تخفف علي كل (ثقيل) ، وتذلل كل صعب، وتزيل كل زهد، وترسل على الجساء ناعماً، و (تجعل) منظر الشوهاء رائعاً، وبعيد المطلوب دانياً، ووعر المحتاج إليه سهلاً، وأبي المتمني سمحاً، وعصي المراء طيعاً. واعلم أن المحظوظ من أنعم بالعلم عليه، ووفق للإخلاص فيه، وحشي سره طمأنينة، وبوشر قلبه بالسكون، ورفع همه عن الإشناق إلى ما لا يليق به واستشراف ما لا يصل إليه، ولن يحسن هذا المحظوظ عشرة هذه النعمة، ولا يستمتع بنضرتها، ولا يحمد غبها، دون أن يكون رائضاً للسانه على الشكر، وعامراً لصدره بالإخلاص، وهاجراً للهوينا في ما اجتلب الزيادة، مجانباً للتفريط في ما وكل به المقت والتصق به العار أو وصمته القالة؛ ولن ينتفع بهذه المقدمات كلها دون أن يعلم أن الدنيا دار عمل، والآخرة دار جزاء، وأن من فاتته في العاجل صنع له، وأن ما نال منها وبال، وأن القرار في دار الآخرة التي من سلك سبيلها نجا، ومن راغ عن
стр. 1879
سنتها ضل وغوى.
فاعرف - حفظك الله - هذه الوصايا، وأدب سرك بهذه المواعظ، واستيقن أن زائدها وإن اتصل ناقص، وظلها وإن امتد قالص، ومقيمها وإن تلوم شاخص، وكن مقبوض الكف، مغضوض الطرف، إلا عما أباح الله ورخص فيه وأذن لك أن تتناوله؛ واحذر الانهماك فإنه شوط عسير، وغاية ذات ندامة، وضرب (ليس) من حزب الفضلاء، واعمر عمرك بالصالح من العمل، والصادق من القول، والصحيح من الاعتقاد، ولا تبحث عما زوى الله سره عنك، ونزه حكمته عن تحصيلك، واستأثر بغيبه عن احتجاجك بقلبك، ولا تعترض على خالقك لالتباس يرد عليك، أو لشبهة تغالب فطنتك، فإن النظام جار على التمام، والخير واصل إلى الخاص والعام، فاحمد الله الذي أفردك بالصلاح في دهر الفساد، وزينك بالكرم في زمان اللؤم، وحبب إليك الإحسان بين أهل الإساءة.
وسل الله مزيداً لك، ورفقاً بك، وأخذاً بيدك، وعافية في جسمك، وحراسة للنعمة عندك، وصرفاً للصروف عن ساحتك، فإنه جواد واجد، ملك ماجد.
اللهم إني أشكو إليك سوانح نفسي، وفلتات ضجري، وقوارص لساني، وسيئات عملي، وخوادع أملي، فكن لي نصيراً وبي رحيماً، فلا قوة لي إلا بك، ولا توفيق إلا منك، ولا منال إلا على يدك، قلبني بين ما تحب وترضى، وقربني من حياضك الممدودة، ورياضك الممطورة، واسقني بكاس الرضا سلوة عن الدنيا، وامح أثرها من صدري، واجعل نازل قضاياك قريناً لصبري، وأحيني في طاعتك ناضر الوجه، صريح اللب، مرجواً مأمون الغوائل، ثم اقبضني إلى مقام الصادقين، واحشرني في
стр. 1880
حزبك، ألا إن حزب الله هم الغالبون؛ وصل على أمين خلقك، وحامل وحيك، الواسطة بينك وبين عبادك، ما لمع بارق، وذر شارق، إنك على ذلك أقدر القادرين وأجود الجائدين.
стр. 1881
قال النبي ﷺ : خمس من أتى الله بهن أو بواحدة منهن أو جب له الجنة: من سقى هامة صاديةً، أو أطعم كبد هافية، أو كسا جلدة عارية، أو حمل قدماً حافية، أو أعتق رقبة عانية.
قوله سقى وأسقى، وقد فصل قوم بينهما، فقال: سقى أي جعل له ما يسقي به نفسه، وأسقى أي حصل له ماء سقيا، والسقي - بكسر السين - فنصيبه الباقي من المسقي، فأما السقي فمصدر على بابه المعتاد. والهامة الصادية: الإنسان العطشان، وفي سقي الماء آثار مأثورة: والصدى مقصور، يقال: صدي يصدى صدىً وهو صادٍ. والكتاب يقولون: أن صاد إلى لقاؤك، على الاستعارة، فهو كلام العرب، وأما الصدى فهو الذي يجيبك إذا ناديت بين جبلين، وذلك تراجع الصوت على الحقيقة ليس إن حيواناً يرد عليك وتقول في الأول أن صادٍ وصديان وهي صادية وصديا، ويقال: فلان صدى مالٍ إذا كان سائساً له لا هم له سواه. وقوله: " كبداً هافية " من الجوع فإن الكبد تهفو أي تخف، يقال: فلان قلبه هافٍ وأمره غافٍ وسره وافٍ، هكذا سمعت الحراني بمكة، وكان فصيحاً. وأما الرقبة العانية فهي المماليك، لأنهم أسرة قبضة. وإنما قلت هذا لأن بعض ما يضيق عطنه عن الاتساع في الاستعارة قال: فإن أعتق عانياً لا يجوز، وهذا يعوزه تمييز تصحيح الكلام من سقيمه.
стр. 1882
خرج عمر بن الخطاب ﵁ ذات يوم وعليه حلة، فنظر الناس إليه مستريبين، فلما رآهم كذلك أنشد:
لا شيء فيما ترى إلا بشاشته ... يبقى الإله ويفنى المال والولد
والله ما الدنيا في الآخرة إلا كنفجة أرنب. هكذا سمعت ابن الجعابي يروي، قال: وقال بعض جفاة النساك: ما لبس عمر حلة قط. وهذا أيضاً جهل آخر، قد لبس رسول الله ﷺ الحلة، وركب الجواد، وشرب الحلو والبارد، وباشر النساء، ولم يله عن الله في خلال ذلك، لقوة عزيمته في الإيمان، ولشدة منته في التقوى، وكذلك الصالحون من هذه الأمة على درجاتهم، لا يصغر شيء من هذا، ومتى كان التناول لله والترك لله لم يكن للباطل بين ما الله وما بالله موقع، ولا للحق فيه منزع.
قيل لحاتم الأصم: لو قرأت لنا شيئاً من القرآن فقال: نعم، فاندفع يقرأ: آلم. ذلك الكتاب لا ريب فيه هدىً للشقيين الذين لا يؤمنون بالغيب ولا يقيمون الصلاة ومما رزقناهم يكنزون. قالوا: ليس هكذا قال: صدقتم. ولكن كذا أنتم قال يحيى بن وثاب في بغداد مدينة السلام وقبة الإسلام معدن الخلاف ومعقل الأناقة جعلها الله لخليفته مثوى ولشيعته مهوى.
قال ثعلب: يقال فلان كالبدر ليلة تمامه وكدرة شق عنها
стр. 1883
الصدف، وفلان أمضى من السيف، وأدفأ من النار، ولسان فلان كالمبرد ووجه فلان كالمسن، وجبينه كاللجين قال الناشئ الكبير
العيش فانٍ فمن عد الغنى كدراً ... فعف ثم اكتفى بالعفو منه صفا
أشدد يديك بمن تهوى فما أحد ... يمضي فيدرك حقاً بعده خلفا
واستعتب الحر إن أنكرت شيمته ... والحر يستأنف العتبى إذا أنفا
ولم تجد من له في قصده سبق ... إلا وجدت له عن حظه جنفا
من ذا الذي نال حظاً دون صاحبه ... يوماً وأنصفه في الود أو نصفا
لا خير في رجل يعطيك مهجته ... حتى إذا أعجبته حاله انحرفا
وله:
فإن تكن الأيام خانت فربما ... أرتنا زمام الحر في قبضة العبد
وله:
ملكنا وكل المماليك ميسما ... ودنا وكنا للديانة موسما
قال جحا لأمه: اخبزي، قالت: ليس لنا دقيق، قال: فاخبزي فطير
стр. 1884
لليثي في قتل محمد بن زيد وآله:
آل زيد رماكم الده ... ر واجتث أصلكم
بدد القتل بالصوا ... رم والسمر شملكم
لا أرى الذنب للذي ... أحدث الآن قتلكم
بل أراه لمعشر ... أسسوا ذاك قبلكم
لما صار امرؤ القيس بمدينة تدعى أنقرة مرض وأحس بالموت فقال:
رب خطبة مسحنفره ... وطعنة مثعنجره
وجفنة مدعثرة ... متروكة بأنقره
ورأى قبراً لمرأة من بعض بنات ملوك الروم فقال:
أجارتنا إلى الخطوب تنوب ... وأني مقيم ما أقام عسيب
أجارتنا إنا غريبان هاهنا ... وكل غريب للغريب نسيب
وكان وسيماً جسيماً وكان مع ذلك مفركاً، قال لامرأة: ما تكره
стр. 1885
النساء مني؟ قالت له: لأن ريحك إذا عرقت ريح كلب، قال: صدقت
قال ثعلب: الشبادع العقارب، وقال: الأزيب: الدعي، وهو في بيت الأعشى: الذكي، والأزيب من الرياح.
قال شبيب بن شيبة: اشتريت جارية فأصبت منها ما يصيب الشيخ من الشابة، ثم خرجت لحاجتي ورجعت وقد عصبت رأسها، فقلت: ما لك؟ قالت: لا جزاك الله خيراً، ما زدت على أن هيجته وتركته يتقطع في أوصالي قال الأصمعي، قال أبو عبيدة: رأيت بطريقي مكة أعرابية تبيع الخوص لم أر أجمل منها قط، فوقفت أنظر إليها متعجباً من جمالها، إذا أقبل شيخ فقير فأخذ بأذنها فسار بها، فقلت من هذا؟ قالت: زوجي، قلت: كيف يرضى مثلك بمثله؟ قالت: إن له قصة، ثم أنشدت:
أيا عجباً للخود يجري وشاحها ... تزف إلى شيخ من القوم تنبال
دعاني إليه أنه ذو قرابة ... فويل الغواني من بني العم والخال
стр. 1886
قرأت في مجموع لابن المعتز من أخبار شارية المغنية:
جعلت طريقي على بابكم ... وما كان بابكم لي طريقا
صرمت الأقارب من أجلكم ... وصافيت من لم يكن لي صديقا
سمع عمر بن الخطاب راكباً بفلاة يتغنى فقال: إن الغناء زاد الراكب.
قال أبو العيناء لرجل: والله ما فيك من العقل شيء إلا بمقدار ما تجب به الحجة عليك، والنار لك.
كاتب: إن الشكر من الله بأحسن المواضع، فازدد منه تزدد به، وحافظ عليه تحفظ به.
قال الناشئ الكبير، قال الحكماء: متى كانت الهمة فوق النعمة كان الفقر أحسن من السؤال.
شاعر:
العبد عبدك فاحكم فيه واحتكم ... وأعدل وجر غير مأخوذ بلا ولم
لا رد عندي لما تأتي به أبداً ... ولو حكمت لأعدائي بسفك دمي
اصدد إذا شئت أن يعتادني سقم ... وصل إذا شئت أن أبرا من السقم
ونور وجهك لولا ما أؤمله ... من نور طيفك لي في النوم لم أنم
стр. 1887
قال أحمد بن أبي طاهر، حدثني حبيب - يعني أبا تمام - قال، حدثني كرامة قال: قدم علينا رجل من ولد معدان بن عبيد المغني بغداد، وكان شاعراً قد ناله من البرامكة مال كثير، فقلت له: كيف تركت آل برمك؟ قال: تركتهم وقد أنست بهم النعمة حتى كأنها منهم أو بعضهم. قال كرامة: فحدثت بهذا الحديث ثعلبة بن الضحاك العامري فقال: قد سمعت من بعض أعرابكم نحواً من هذا، قلت: وما هو؟ قال: قدم علينا فلان في عنفوان خلافة هشام، فرأى آل خالد بن عبد الله القسري فقال: إني أرى النعمة قد لصقت بهؤلاء القوم حتى كأنها منهم، قلت: فإن صاحب هذا الكلام ابن عم صاحب ذلك الحديث في ما أرى.
قال أحمد، حدثني حبيب قال، حدثني أبو محسن الأزدي، قال، حدثني عمرو بن سراقة قال: قدم علينا شيخ من أزد البصرة وكان حدثاً قال: سأل رجل عبيد الله بن أبي بكرة فأغناه، فجاء الرجل بعشيرته شاكرين له، فالتفت عبيد الله إلى بعض ولده فقال: ما أخوفني أن يكون الحمد في
стр. 1888
الرياء!! فقال له: قد أمنك الله من هذا أيها الشيخ، قال: صدقت ويلك، أما ترى قليل ما أعطيناه وكثير ما أخذناه؟ قال أذاراي: الدهر زمان ساكن، والزمان دهر يفسد ما يحركه.
قال أفلاطون: من زعم أن الحركة يلزمها الخفة والثقل من جهة الإبطاء والسرعة وهي متناهية ذات أشكال كثيرة، وليس متناه ذو أشكال كثيرة إلا وأشكاله منفصلة، لم تنفصل إلا عن شيء لزم بعضها دون بعض.
قال أفلاطون: الإيضاح على نحوين: أحدهما من تلقائنا والآخر من تلقاء الطبيعة، فالذي من تلقاء الطبيعة كلي، والذي من تلقائنا جزئي.
وقال: لولا أن العقل شكله شكل فلكي لكان منقطعاً، وهو مع أنه يوصف بالحركة على نحو ما ساكن.
قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: إلى كم أغضي الجفون على القذى، وأسحب ذيلي على الأذى، وأقول لعل وعسى.
سمعت بدوياً ببطن نخل يقول في كلام له: رب مطرق على شجىً، ومعنق على وجىً.
стр. 1889
قال أعرابي في وصف سيده: هو نبعة أرومته، وأبلق كتيبته، ومدره عشيرته، ونابهم الذي عنه يفترون، وبابهم الذي إليه يضطرون.
قال أعرابي في وصف رجل: إذا ناضل كشف القناع، وإذا فاضل ترك الخداع، وإذا حارب حسر اللثام، وإذا سالم أصلح النظام.
سمعت بدوياً بفيدٍ يقول في وصف آخر: إن مد باعه إلى الكرم قصر، وإن أطلق لسانه في الجدل حصر.
وقال دريد بن الصمة لهوازن يوم حنين: أين أنتم؟ قالوا: بأوطاس، قال: لا حزم ضرس، ولا سهل دهس.
قال أعرابي: لا يشق غباره، ولا ينال طواره ولا يرتق فتقه، ولا يبلغ عمقه.
قال بعض النساك: أمارة الاغترار بالله، الإصرار على سخط الله.
قال أعرابي: سخيف لا يرعى، حقه لا يرعى.
سمعت أبا فرعون التميمي يقول: ما أسهل السرب على الماتح، وأهون المصيبة على النائح.
стр. 1890
أفلاطون: المتعلم يحتاج إلى لم، كما أن الفيلسوف يحتاج إلى ما.
وقال أيضاً: تبيان المسالة حسن الوضع.
وقال صاحب المنطق: الإيضاح لا يكون من الممكنات ولكن من المضطرات.
قال أرسطاطاليس في كتابه الذي بعد الطبيعة: فوق جوهر السماء جوهر لا عظم له ولا قدر من الأقدار، يستحيل بنوع من الاستحالات، لا نهاية لقوته، ومن أجل ذلك يفعل فعله بلا زمان، وهو فعال بذاته، فلذلك هو دائم الفعل، وليس فعله بحركة، ولا فيه شيء بالقوة، لكن الأشياء فيه بالفعل، وقوته منبعة في العالم دائماً.
كتب بعض الأدباء إلى ابن سعدان في وزارته رقعة دل بها على أنه كان. على الخير لا الشر، لكني وجدتها مليحة التلطف: عبد مولانا - أطال الله
стр. 1891
بقاءه - وإن كان منبوذاً بالعراء، مقصوداً بالجبه، لا يلحظ بعناية. ولا يضاف إلى كفاية، فإنه لنصح جيبه، ونقاء ضميره، وتعصبه لهذه الدولة الميمونة، وعشقه لهذه الأيام المأمونة، يستقري الجلي متعرفاً ويستنبط الخفي مستشفاً، ثم ينهيهما على رسم الخدمة، ليكونا مادة لرفع ولي وتقديمه، وقمع عدو وتقويمه، وكان كذا وكذا، وأنهيت ذلك على مذهب الخدم ليكون رأيه من ورائه، فإن رأى - لازالت كف السعادة له مصافحة، ولسان الدولة ناصحة، ما تعاقب الجديدان وتصافح اللديدان - أن يعرف انتصابي للخدمة، ونفيي والقذى عن المملكة، فعل إن شاء الله.
فلما قرأ أبو عبد الله قال: ما أحسن ما احتال في شكوى حاله بين أضعاف مدحه، جئني برقاعه وحاجته، فقضى كل حاجة كانت له.
قال كاتب: القلم الدوائ كالولد العاق وقالوا القلم أحد اللسانين، والعم أحد الأبوين، والتثبت أحد العفوين، والمطل أحد المنعين، وقلة العيال أحد اليسارين، والقناعة أحد الرزقين، والوعد أحد الصرفين، والإصلاح أحد الكسبين، والراوية أحد
стр. 1892
الهاجيين، والهجر أحد الفراقين، واليأس أحد النجحين، والمزاح أحد السبابين.
سألت السيرافي عن قول من قال: المزاح سمي مزاحاً لأنه أزيح عن الحق، فقال: هذا محكي عن ابن دريد، وهو باطل، الميم من سنخ الكلمة في (مزحت أمزح) ومن (أزيح) تكون زائدة.
وقال أبو سعيد: كان أبو بكر ضعيفاً في التصريف والنحو خاصة، وفي كتاب (الجمهرة) خلل كثير، قلنا له: فلو فصلت بالبيان عن هذا الخلل وفتحت لنا باباً من العلم فقال: نحن إلى ستر زلات العلماء أحوج منا إلى كشفها، وانتهى الكلام، فلما نهضنا من مجلسه قال بعض أصحابنا: قد كان ينبغي لنا أن نقول له: حراسة العلم أولى من حراسة العالم، وفي السكوت عن أبي بكر إجلال ولكن خيانة للعلم.
فاخر صاحب سيف صاحب قلم، فقال صاحب السيف: القلم خادم السيف إن بلغ مراده، وإلا فإلى السيف معاده.
شاعر:
стр. 1893
تعس الزمان لقد أتى بعجاب ... ومحا سطور الفضل والآداب
واتى بكتاب لو انطلقت يدي ... فيهم رددتهم إلى الكتاب
نعم من الأنعام إلا أنهم ... من بينهم خلقوا بلا أذناب
قال النبي ﷺ : " أعظم النساء بركة أحسنهن وجهاً وأرخصهن مهراً ".
وقال ﵇: " أفضل ما أفاد المسلم بعد الإسلام امرأة مؤمنة، إذا رآها سرته، وإذا أقسم عليها برته ".
يقال: التزويل هو أن يمتد الأير ولا يشتد، والإكسال أن يجامع الرجل ولا ينزل.
قال الكسائي: أفدت المال أعطيته غيري، وأفدته استفدته، قال الناس: يقال: فاد المال نفسه لفلان يفيد إذا ثبت له مال، والاسم الفائدة، وفاد الرجل إذا مات.
وقال النبي ﷺ : " إنما النساء لعب، فليستحسن الرجل لعبته ".
وقال ﵇: خير نساء ركبن الإبل هن صوالح قريش،
стр. 1894
أحناهن على والد، وأرعاهن على زوج في ذات يدٍ.
مات أعرابي عن أعرابية يقال لها طيبة، وخلف عليها بنياً، وتزوجت المرأة سراً والغلام لا يعلم، وكانت تختضب وتكتحل ويرى الغلام ما لا يعجبه، وكان الرجل يأتيها ليلاً وينصرف مع الصبح، فقال الغلام:
ياطيب ما هذا بفعل حانيه
أكل يوم حلة مدانية
وكحل عينين وكف قانيه
إما على بعل وإما زانيه
والله ما أرضى بهذا ثانيه
الحانية: المتعطفة، والمصدر الحنو، فأما قولهم: حنت النعجة فيريدون اشتهت الذكر.
قال أعرابي: في وصف الجارية يقال: ناصعة اللون، جيدة الشطب، نقية الثغر، حسنة العين والأنف، ظريفة اللسان، واردة الشعر، يقال في اللغة: التليعة: الطويلة العنق، ويقال: فيها تلع.
قيل لأعرابي: أتحسن وصف النساء؟ فقال: إذا عذب طرفاها، وسهل خداها، ونهد ثدياها، ولطف كفاها، وبض ساعداها، وعرض وراكها، والتف فخذاها، واخدلج ساقاها، فهي هم النفس ومناها.
стр. 1895
قال علي بن أبي طالب ﵁: قال رسول الله ﷺ : للمسلم على أخيه حقوق لا براء منها إلا بأداء أو عفو، ومنها: يغفر زلته ويرجم عبرته، ويقدم نصيحته، ويديم صلته، ويعود مرضته ويجيب دعوته ويقبل هديته ويكافئ صلته ويشكر نعمته، ويحسن نصرته، ويحفظ حليلته، ويقضي حاجته، ويشفع مسألته، ويشمت عطسته، وينشد ضالته، ويرد سلامه، ويطيب كلامه، ويبر إنعامه، ويصدق أقسامه، ويواليه ولا يعاديه. وينصره ظالماً ومظلوماً، وأما نصرته له ظالماً فيرده عن ظلمه، وأما نصرته مظلوماً فمفهوم، ولا يخذله، ويحب له من الخير ما يحب لنفسه، ويكره له من الشر ما يكره لنفسه.
ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله يقول: " إن أحدكم ليدع من حقوق أخيه شيئاً فيطالب به يوم القيامة فيقضى له عليه ".
وقال أيضاً: " إن أحدكم ليدع تشميت أخيه إن عطس فيطالب به يوم القيامة " قال الحكم الأعرابي. قال روح بن حاتم: بينا أنا واقف على بعض ولاة البصرة إذ أقبل خالد بن صفوان، فنظر إلي وقال: يا ابن أخي، والله ما بكرت ولا هجرت إلى باب أحد من الولاة إلا رأيتك واقفاً عليه، أكل هذا حب منك للدنيا وحرص عليها؟ قال: فأجللته عن الجواب وقلت إنما هو عم، ولعله أراد أن ينفرني ليعلم ما عندي في جوابه، فقلت: والله ياعم، حسبك برؤيتك إياي عليها طلباً منك للدنيا، فضحك وقال: يا ابن أخي، إن قلت ذاك لقد ذهب ماء الوجه وسناء البصر، واقترب العهد العلل، والله ما أتت
следующие страницы →