← Адаб

Адаб · id 26423

البصائر والذخائر

أبو حيان التوحيدي

Полный текст (2 098 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

بقاءه - وإن كان منبوذاً بالعراء، مقصوداً بالجبه، لا يلحظ بعناية. ولا يضاف إلى كفاية، فإنه لنصح جيبه، ونقاء ضميره، وتعصبه لهذه الدولة الميمونة، وعشقه لهذه الأيام المأمونة، يستقري الجلي متعرفاً ويستنبط الخفي مستشفاً، ثم ينهيهما على رسم الخدمة، ليكونا مادة لرفع ولي وتقديمه، وقمع عدو وتقويمه، وكان كذا وكذا، وأنهيت ذلك على مذهب الخدم ليكون رأيه من ورائه، فإن رأى - لازالت كف السعادة له مصافحة، ولسان الدولة ناصحة، ما تعاقب الجديدان وتصافح اللديدان - أن يعرف انتصابي للخدمة، ونفيي والقذى عن المملكة، فعل إن شاء الله. فلما قرأ أبو عبد الله قال: ما أحسن ما احتال في شكوى حاله بين أضعاف مدحه، جئني برقاعه وحاجته، فقضى كل حاجة كانت له. قال كاتب: القلم الدوائ كالولد العاق وقالوا القلم أحد اللسانين، والعم أحد الأبوين، والتثبت أحد العفوين، والمطل أحد المنعين، وقلة العيال أحد اليسارين، والقناعة أحد الرزقين، والوعد أحد الصرفين، والإصلاح أحد الكسبين، والراوية أحد

стр. 1892

الهاجيين، والهجر أحد الفراقين، واليأس أحد النجحين، والمزاح أحد السبابين. سألت السيرافي عن قول من قال: المزاح سمي مزاحاً لأنه أزيح عن الحق، فقال: هذا محكي عن ابن دريد، وهو باطل، الميم من سنخ الكلمة في (مزحت أمزح) ومن (أزيح) تكون زائدة. وقال أبو سعيد: كان أبو بكر ضعيفاً في التصريف والنحو خاصة، وفي كتاب (الجمهرة) خلل كثير، قلنا له: فلو فصلت بالبيان عن هذا الخلل وفتحت لنا باباً من العلم فقال: نحن إلى ستر زلات العلماء أحوج منا إلى كشفها، وانتهى الكلام، فلما نهضنا من مجلسه قال بعض أصحابنا: قد كان ينبغي لنا أن نقول له: حراسة العلم أولى من حراسة العالم، وفي السكوت عن أبي بكر إجلال ولكن خيانة للعلم. فاخر صاحب سيف صاحب قلم، فقال صاحب السيف: القلم خادم السيف إن بلغ مراده، وإلا فإلى السيف معاده. شاعر:

стр. 1893

تعس الزمان لقد أتى بعجاب ... ومحا سطور الفضل والآداب واتى بكتاب لو انطلقت يدي ... فيهم رددتهم إلى الكتاب نعم من الأنعام إلا أنهم ... من بينهم خلقوا بلا أذناب قال النبي ﷺ : " أعظم النساء بركة أحسنهن وجهاً وأرخصهن مهراً ". وقال ﵇: " أفضل ما أفاد المسلم بعد الإسلام امرأة مؤمنة، إذا رآها سرته، وإذا أقسم عليها برته ". يقال: التزويل هو أن يمتد الأير ولا يشتد، والإكسال أن يجامع الرجل ولا ينزل. قال الكسائي: أفدت المال أعطيته غيري، وأفدته استفدته، قال الناس: يقال: فاد المال نفسه لفلان يفيد إذا ثبت له مال، والاسم الفائدة، وفاد الرجل إذا مات. وقال النبي ﷺ : " إنما النساء لعب، فليستحسن الرجل لعبته ". وقال ﵇: خير نساء ركبن الإبل هن صوالح قريش،

стр. 1894

أحناهن على والد، وأرعاهن على زوج في ذات يدٍ. مات أعرابي عن أعرابية يقال لها طيبة، وخلف عليها بنياً، وتزوجت المرأة سراً والغلام لا يعلم، وكانت تختضب وتكتحل ويرى الغلام ما لا يعجبه، وكان الرجل يأتيها ليلاً وينصرف مع الصبح، فقال الغلام: ياطيب ما هذا بفعل حانيه أكل يوم حلة مدانية وكحل عينين وكف قانيه إما على بعل وإما زانيه والله ما أرضى بهذا ثانيه الحانية: المتعطفة، والمصدر الحنو، فأما قولهم: حنت النعجة فيريدون اشتهت الذكر. قال أعرابي: في وصف الجارية يقال: ناصعة اللون، جيدة الشطب، نقية الثغر، حسنة العين والأنف، ظريفة اللسان، واردة الشعر، يقال في اللغة: التليعة: الطويلة العنق، ويقال: فيها تلع. قيل لأعرابي: أتحسن وصف النساء؟ فقال: إذا عذب طرفاها، وسهل خداها، ونهد ثدياها، ولطف كفاها، وبض ساعداها، وعرض وراكها، والتف فخذاها، واخدلج ساقاها، فهي هم النفس ومناها.

стр. 1895

قال علي بن أبي طالب ﵁: قال رسول الله ﷺ : للمسلم على أخيه حقوق لا براء منها إلا بأداء أو عفو، ومنها: يغفر زلته ويرجم عبرته، ويقدم نصيحته، ويديم صلته، ويعود مرضته ويجيب دعوته ويقبل هديته ويكافئ صلته ويشكر نعمته، ويحسن نصرته، ويحفظ حليلته، ويقضي حاجته، ويشفع مسألته، ويشمت عطسته، وينشد ضالته، ويرد سلامه، ويطيب كلامه، ويبر إنعامه، ويصدق أقسامه، ويواليه ولا يعاديه. وينصره ظالماً ومظلوماً، وأما نصرته له ظالماً فيرده عن ظلمه، وأما نصرته مظلوماً فمفهوم، ولا يخذله، ويحب له من الخير ما يحب لنفسه، ويكره له من الشر ما يكره لنفسه. ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله يقول: " إن أحدكم ليدع من حقوق أخيه شيئاً فيطالب به يوم القيامة فيقضى له عليه ". وقال أيضاً: " إن أحدكم ليدع تشميت أخيه إن عطس فيطالب به يوم القيامة " قال الحكم الأعرابي. قال روح بن حاتم: بينا أنا واقف على بعض ولاة البصرة إذ أقبل خالد بن صفوان، فنظر إلي وقال: يا ابن أخي، والله ما بكرت ولا هجرت إلى باب أحد من الولاة إلا رأيتك واقفاً عليه، أكل هذا حب منك للدنيا وحرص عليها؟ قال: فأجللته عن الجواب وقلت إنما هو عم، ولعله أراد أن ينفرني ليعلم ما عندي في جوابه، فقلت: والله ياعم، حسبك برؤيتك إياي عليها طلباً منك للدنيا، فضحك وقال: يا ابن أخي، إن قلت ذاك لقد ذهب ماء الوجه وسناء البصر، واقترب العهد العلل، والله ما أتت

стр. 1896

علينا ساعة من أعمارنا إلا ونحن نؤثر الدنيا على ما سواها، ثم ما نزداد لها إلا تحلياً، ولا تزداد عنا إلا تولياً. قيل لأعرابي: ما خلفت لأهلك؟ قال: الحافظين، قيل: وما هما؟ قال: أعريهن فلا يبرحن، وأجيعهن فلا يمرحن. وقال كعب بن جعيل: مدحت قريشاً واصطفيت ابن خالدٍ ... وللخير آيات بها يتوسم وكنت كمرتاد بمنقاره الثرى ... وصادف عين الماء إذا يترسم غياث الجياع والمراضيع إ ن ... بمكة يوم ذو أهابي أيتم فإن يسأل الله الشهور شهادةً ... ينبأ جمادى عنكم والمحرم بأنكم من خير من وطئ بالحصى ... إذا طفق المعطي يضن ويسأم قال ابن أبي بردة: غزا قوم الديلم فأسروا، وأسر الديلم شديد، قال: فاشتكى ابن ملك الديلم فقالت أمه: اذهبوا به إلى العرب لعل عندهم دواء، فجاءت به امرأة فقال لها رجل: هاتيه، فقال له رفيقه: أنشدك الله لا تعرضنا للهلكة، قال: هاتيه، فجعل يعوذه ويقول:

стр. 1897

أيا أم ذا المولود لا شب قرنه ... ولا زال فيه سقمه يتردد ويا أم ذا المولود جودي بكسرة ... لشيخين من همدان قيس ومرثد قال: فما أتت له ثالثة حتى برأ، فخلي عنهم كلهم. قال الناشئ في كتاب (نقد الشعر) : ومخاطبات النساء تحلو في الشعر وتعذب في القريض، لا سيما لغانية قد أطر الفتاء شاربها، وزوى الإباء حاجبها، وأشط الجمال قوامها، وأفرد الحسن تمامها، وأنجل الهوى عينيها، وأمرض الزهو جفنيها، وأرابت الصبابة ألفاظها، وفتر الرنو ألحاظها، وأرهف الظرف أعطافها، وألانت النعمة أطرافها، ولذ للراشف مبسمها، وأطرد ماء النعيم بين رياضها وجناتها، وترقرق جريال الشباب على سحناتها، وجدل للضم قدها، ومالت للجاذب جمائرها، ودالت للقاضب غدائرها، وشخصت للوفور مآكمها، وظمأت للذيول فضولها، وسهلت للعيون حجولها، وطابت للمتنسم ملاغمها، وأرجت للمتنعم فواغمها، فكيف إذا هي برزت من حجابها وسفرت عن نقابها، وتهادت بين أترابها، وقد هز الريح أردانها، استعز المراح أكنانها. بل كيف إذا هي أملها سائلها، وأكلها مقاولها، وأعرضت عنه صدوغاً، وتأوهت منه عزوفاً، وقد قطب التيه جبينها، واستغض الأنف عرنينها، واستخفها الطرب، واستهواها العجب، فافترت مبتسمة عن شتيت أنيابها، ومعسول رضابها، وكيف تقر نفس عاشقها إذا هي لسنته بعتابها، ولحنته بسبابها، وقد لاثت ذوابل أثوابها، وحسرت فواضل أسلابها، وطفقت تعد ذنوبه بحناجرها، وتأبى معاذره بمكاسرها، وهل تطوع لها أمنية إذ أعتبته من صدها، وبذلت له مصون ودها، ثم أسعفته بزورة وسنت لها عين راقبها، وغيلت بها نفس عاقبها، قد التفعت إليه ملاء ليل، أو وطئت إليه أعقاب قيل، قد خزل الأين أياطلها، وبل البهر غلائلها، وقصرت له أعاليها وأسافلها، وأوجل الوجل فرائصها، وأوجى العجل

стр. 1898

أخامصها، ثم طفقت تستعتب نفسها وتستكفها، حتى إذا أسمحت بها قرونتها، وأسجحت له سجيتها، وسكن إلى الإيناس قلقها، وأسرع إلى الإبساس علقها، ناسمته من حديثها بما هو أقر لعينه، وأشهى إلى نفسه من طول بقائها، ودوام نعمائها. ولنا في هذا الباب ما لم يخرج عن مذهب القوم، منه: فديتك لو أنهم يعقلون ... لردوا النواظر عن ناظريك ألم يقرءوا ويحهم ما يرون ... من وحي قلبك في مقلتيك وقد جعلوك رقيباً علينا ... فمن ذا يكون رقيباً عليك سأل سعيد بن فلان عبيد الله بن زياد أن يتغدى عنده، فأجابه وأمر بحمل البسط والفرش، ووجه إليه الخبازين والطباخين، فلما دخل عبيد الله قال: هات ما عملت، وبعث إلى منزله فحمل وأكل، فلما فرغ قال له سعيد: أصلح الله الأمير، لا يخرج من منزلي شيء، قال: دعنا نخرج. قال المدائني: قال سلم بن زياد لرجل يقال له طلحة الخزاعي: إني أريد أن أصل رجلاً له حق وصحبة بألف ألف، فما ترى؟ قال: أرى أن تجعل هذه لعشرة. قال: فخمس مائة ألف، قال: كثير قال: رجل بمائة

стр. 1899

ألف؟ قال: نعم، قال: وبها يقضى ذمام رجل له صحبة؟ قال: نعم. قال: هي لك فما أردت غيرك، قال: أقلني، قال: لا فعلت أبداً. قال الأصمعي: دهاة العرب أربعة كلهم ولدوا بالطائف: معاوية، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، والسائب بن الأقرع. قال: لما أتي سليمان بن عبد الملك برأس قتيبة كتب لوكيع بن أبي سود عهده على خراسان، فقال يزيد بن المهلب لابراهيم بن الأهتم: إن رددت أمير المؤمنين عن رأيه في وكيع فلك مائة ألف، فقام ابن الأهتم فتكلم بكلام تفرق الناس عن استحسانه فقال: يا أمير المؤمنين، إن وكيعاً أدرك في الثأر، وبالغ في الطاعة، فجزاه الله خيراً، غير أني لو خفت من إحدى يدي خلافاً على أمير المؤمنين لأحببت انبتاتها من صاحبتها، وإن وكيعاً لم يملك مائتي عناق قط فحدث نفسه بالطاعة، فلا تأخذنا بحديث إن كان منه، فقال سليمان: ويلك فمن لخرسان؟ قال: العبد في الطاعة، والأخ في النصيحة، يزيد، فولاه. قال بعض جلساء الأمراء: والله لقولة (يا غلام، هات الطعام) أحب إلي من صوت ابن سريج. قال: كان الحجاز يوضع له في كل يوم ألف خوان لأهل

стр. 1900

الشام، على كل خوان قفيز من دقيق وسبعة أرطال قديد وجنب شواء وسمكة وجرة لبن وجرة ماء وعسل، فشكوا يوماً قلة المرق، فدعا صاحب الطعام وضربه مائتي صوت وقال: يشكون قلة المرق وأنت على دجلة؟ قال الأصمعي: قلت لأعرابي: هل لك في ثريدة؟ قال: ثريدة محمومه ... في صحفة مكمومه قد ألحفت رقاقا ... وجللت عراقا أتى أبو دلامة ابا جعفر المنصور وهو سكران، فأمر بحبسه في السجن، فلما أصبح وصح كتب إليه: أمير المؤمنين فدتك نفسي ... علام حبستني وخرقت ساجي أمن صهباء صافية المزاج ... كأن شعاعها لهب السراج تسر به القلوب وتشتهيها ... إذا برزت تقرقر في الزجاج وقد طبخت بنار الله حتى ... لقد صارت على النطف النضاج أقاد إلى السجون بغير جرم ... كأني بعض عمال الخراج ولو معهم حبست لطاب عيشي ... ولكني حبست مع الدجاج وقد كانت تخبرني ذنوبي ... بأني من عذابك غير ناج

стр. 1901

على أني وإن لاقيت شراً ... لخيرك بعد ذاك الشر راج قال ابن المعتز: قلت لبعض أصحابنا: كم تكون تاركاً للتوبة مماطلاً به؟! فقال: قد قال الله تعالى: " خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئا " ً عسى الله أن يتوب عليهم " التوبة:١٠٢، وعسى إطماع، والكريم إذا أطمع فعل، قلت: فأين قول الله تعالى: " ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره " الزلزلة:٨، فقال: يراه فيغفر له. قال ابن المعتز: قال بعض أصحابنا: لا تنزل الهم إلى قلبك إلا على أشخاص، فإن الهم يتعلق بعضه ببعض. قال الصوفي: لا تباغض نفسك فلا بد من أن تغتر قليلاً وإلا فسدت دنياك وأسأت معاشرة نفسك. قال ابن المعتز: لما جاء جعفر بن يحيى من الرقة شيعه عبد الملك بن صالح، فلما أراد الانصراف قال: حاجة، قال: وما هي؟ قال: أن تكون كما قال الشاعر: وكوني على الواشين لداء شغبة ... كما أنا للواشي ألد شغوب فقال جعفر: بل نكون كما قال الشاعر: وإذا الواشي أتى يسعى بها ... نفع الواشي بما جاء يضر

стр. 1902

قال ابن المعتز: وإنما أراد أن يؤنب جعفراً فأنبه جعفر. لأبي نواس: مقرطقة لم يشقها سحب ذيلها ... ولا نازعتها الريح فضل البنائق كأن مخط الصدغ في صحن وجهها ... بقية أنقاس بإصبع لائق وقال ابن المعتز: قرأت بخط أبي المعسكر المسمعي، حدثني أبو عبيد قال، حدثنا أبو سعيد البصري قال، حدثنا الحسن بن عرفة قال، حدثني عيسى بن يونس عن الأوازي قال: وثب خالد بن عبد الله القسري على امرأة فقبلها، فشكته إلى رسول الله ﷺ ، فأرسل إليه فاعترف وقال: إن شاءت فلتقتص مني، فتبسم رسول الله ﷺ وقال: أو لا تعود، قال: لا أعود يا رسول الله. ولا أدري من هذا القسري وكيف هذه الرواية. بشر بن يزيد الكاتب: أيا دمن الدار لولا الخدود ... ولولا الجفون ولولا المقل ولولا الأقاحي ولولا النحور ... ولولا السوالف من ذات دل

стр. 1903

ولولا القدود ولولا الخصور ... ولولا ضفائر وحف رجل ولولا التعانق عند اللقاء ... بعد الفراق ولولا القبل لهانت على العاشقين الديار ... ورسم الربوع ومحو الطلل آخر: يا رب كأس قد سبقت بها ... عذل العذول وغرة الشمس وكأنما اليوم الطويل بها ... قصراً وطيباً قبلة الخلس آخر: صبحتهم والصبح ينفض رأسه ... قد هم بالإسفار أو لم يسفر والليل منهزم الظلام يشله ... صبح كناصية الحصان الأشقر لعمارة بن طارق: فصبحت قبل الصباح الفائق ... وقبل عصفور الأذان الناطق والصبح كالسربال ذي البنائق ... والنجم كالزند أمام السائق وقيل لجمعة الإيادية: أي الغيث أحب إليك؟ قالت: ذو الهيدب المنبعق، الأضخم المؤتلق، والصخب المنبثق. شاعر:

стр. 1904

جادك يا بغداد من بلاد ... صيب كل رائح وغاد يا ليت شعري والحنين زادي ... هل لي إلى ظلك من معاد لله ما هجت على البعاد ... لقلب حران إليك صاد بدل من ربعك بالبوادي ... وقفرة موحشة الأطواد مجهولة مجدبة حماد ... ورملة متعبة الإصعاد تخال في كثبانها الجعاد ... خطوط أقلام بلا مداد قال أرسطاطاليس في كتاب (الحيوان) : إذا جاع الثعلب ولم يقدر على صيد يأكله استلقى على ظهره ونفخ في بطنه، فتحسبته الطير قد مات فيقعن عليه، فيثب ويأخذ بعضها. وقال في الضبع أيضاً: تصير مرةً أنثى وتصير مرة ذكراً، وتبدل في كل سنة، تلقح أحياناً كالذكر، وتقبل اللقاح كالأنثى، لاختلاط جوهرها وتلونه، وزعم أنها إذا رأت الكلب في ليلة مقمرة يمشي على الإجار وطئت ظله فوقع، وأن من كان معه لسان ضبعة فمر بين الكلاب لم تكلب عليه، وأن من مر في مكان كثير الضباع وأخذ بيده أصلاً من أصول الحنظل هربت من بين يديه. قال، وقال في الذئب: إن يرى إنساناً قد خافه اجترأ عليه،

стр. 1905

وإن حمل عليه تأخر عنه، وذكر أنه خفي عليه مكان الغنم عوى حتى تسمع الكلاب صوته وتنبح فيقصدها للغنم التي معها فإذا اقرب من الغنم عوى فتقصد الكلاب صوته وتجتمع إلى ناحيته، ثم يخالفها فيقصد ناحية خالية منها فيختطف من الغنم، وزعم أن الذئب إن وطئ على العنصل مات من ساعته، والثعلب يأتي بهذه البقلة فيضعها في جحره لئلا يأتيه الذئب فيأكل جراءه. وقال في الجراد: أنه إن ظعن ظعن كله مثل العسكر العظيم، وإن حل حل جميعه، وإن وقع في المزارع لا يتحرك ساعة وقوعه حتى يأتيه وحي من السماء، وليس من طبيعته، وقال لابن المعتز: فهذا يكذب بالوحي إلى الآدميين، ويصدق به إلى الجراد. وأنشد للراعي: فبت وبات الحاطبان وراءها ... بجرداء محل يألسان الأفاعي فما برحا حتى أجنا فروخها ... وضما من العيدان رطباً وذاويا إذا حمشاها بالوقود تغيظت ... على اللحم حتى تترك العظم باديا وله:

стр. 1906

من الأثل أما ظلها فهو بارز ... أثيث وأما نبتها فأنيق لها هدبات فوق ميثاء سهلة ... نواعم ما في ظلهن فتوق جمع هدبة، وهي أغصان الأثل والأرض. شاعر: لعمرك إنني لأحب نجداً ... ولست أرى إلى نجد سبيلا خليلي اقعدا لي عللاني ... وضما من وسادي أن تميلا ألم تريا جنوحي واعتمادي ... على الأحشاء والصبر الجميلا خرج المهدي يتصيد، فعاربه فرسه حتى دفع إلى خباء أعرابي، فقال: يا أعرابي، هل من قرىً؟ قال: نعم، فأخرج له فضلة من ملة فأكلها، وفضلة من كرش فيه لبن فسقاه، ثم أتاه بنبيذ في زكرة فسقاه قعباً، فلما شرب المهدي قال: يا أعرابي، أتدري من أنا؟ قال: لا، قال: أنا من خدم الخاصة، فقال: بارك الله لك في موضعك، ثم سقاه آخر فلما شربه قال: يا أعرابي، أتدري من أنا؟ قال: نعم، زعمت أنك من خدم الخاصة: قال: لا بل أنا من قواد أمير المؤمنين، فقال: رحبت دارك، وطاب مزارك، ثم سقاه قدحاً ثالثاً، فلما فرغ منه قال: يا أعرابي، أتدري من أنا؟ قال: زعمت أنك من القواد، قال: لا ولكني أمير المؤمنين، فاخذ الأعرابي الزكرة فأوكاها وقال: والله لئن شربت الرابع لتقولن إنك رسول الله، فضحك المهدي، وأحاطت به الخيل وأبناء الملوك والأشراف، فطار لب

стр. 1907

الأعرابي، فقال له المهدي: لا بأس عليك، وأمر له بصلة. لعوف بن محلم: أفي كل عام غربة ونزوح ... أما للنوى من ونية فتريح لقد طلح البين المشت ركائبي ... فهل أرين البين وهو طليح وأرقني بالري نوح حمامة ... فنحت وذو الشجو الحزين ينوح على أنها ناحت ولم تذر عبرة ... ونحت وأسراب الدموع سفوح وناحت وفراخاها بحيث تراهما ... ومن دون أفراخي مهامه فيح عسى جود عبد الله أن يعكس النوى ... فتلقى عصا التطواف وهي طريح فإن الغنى يدني الفتى من صديقه ... وعدم الفتى للمقترين طروح قال أنس بن مالك لمصعب بن الزبير في رجل من الأنصار: احفظ فينا وصية النبي ﷺ ، قال: فنزل مصعب عن سريره وتمرغ في التراب ووضع خده على الأرض وقضى حاجته. مرداس السلمي: وغيث خصيب ماؤه تحت بقله ... يروعني منه غراب وناهق

стр. 1908

تبطنته والطير في وكناتها ... يدافع ركني سائم الطرف ناتق قويرح أعوام كأن سراته ... سراة طراف مددته الجوالق قال محمد بن يزيد الأموي البشري - من ولد بشر بن مروان يصف حماراً اصطاده: يظل مفارقاً للعين يكبو ... ومن دفع الدماء له إزار كأن النقع ممتداً عليه ... رواق في حواشيه احمرار قال الحجاج: أيها الناس، اتقوا الغبار فإنه سريع الدخول بطيء الخروج. شاعر: لا أستلذ حديث غانية ... وأرى حديثك كله حسناً ووعدتني وعداً فخست به ... ومطلتني فكفى بذا حزنا آخر: بكيت الجياد وفرسانها ... فلم أبك كالفرس الأبلق رمته المنايا فماذا رمت ... من الجري والحسب المعرق طويل الذراع قصير الكراع ... إذا شاهد الجري لم يسبق كميت تجول على متنه ... أساريع من لونه المشرق

стр. 1909

وكانت به الريح مغلولة ... متى ما تخص بحره تغرق وأدنى الشآبيب من جريه ... إذا انهل كالعارض المطلق قال ابن المعتز: أخبرني اسماعيل بن يحيى قال، حدثنا مؤرج قال: كان زكريا بن حسان من بني ربيعة بن مالك غرس فسائل له حتى إذا حسنت رمى عنهن يعني سافر عنهن - فمكث زماناً طويلاً فظن أنهن قد هلكن، فأتاهن فرآهن يتسامين فقال: كأنها وهي تناهى بالعبل ... غيد العذارى برزت من الحجل يرسلن للورد إذا الساقي غفل ... أرشية لم يثنها متن الحيل تنفي حصى البيداء عن نجل غلل ... معتلج لا ثمد ولا وشل فهي ترامى ثقلاً بعد ثقل ... فمرتقيها خائف على وجل من يهو منها يهومن مهوى زلل ... ناء من الأرض بعيد المنتقل قال ابن المعتز: من فضائل الليل التهجد الذي مدح الله أنبيائه به فقال: " كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون " الذاريات:١٧، وفي الليل تنقطع الأشغال، وتجم الأذهان، وتدر الخواطر، ويتسع مجال القلب، والليل أضوأ في مذاهب الفكر، وأخفى لعمل البر، وأعون على السر، وأصح لتلاوة

стр. 1910

الذكر، قال الله تعالى: " إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأقوم قيلاً " المزمل:٦، وقال الشاعر: ولم أر مثل الليل جنة فاتك ... إذا هم أمضى، أو غنيمة ناسك وفيه ينجو الهارب، ويدرك الطالب، ويفرق بين الشجاع والجبان. قال أبو دلف: أنا ابن الليل والخيل ... فنزال ورحال وللأبطال قتال ... وللأثقال حمال بشار: قد نام واش وغاب ذو حسد ... فاشرب هنيئاً خلا لك العطن آخر: ومنادم نبهته ... والليل ملتف الستور فكأنه متعلق ... طرباً بأجنحة النسور قال أبو هفان: رأى أبو نواس في سوق الكرخ غلماناً فقال: أما ننظر إلى الظباء، طوبى لمن كان جليس هؤلاء، واحسرتي عليهم إذ لا سبيل إليهم.

стр. 1911

قيل لعبد العزيز بن عمر: إن بنيك يشربون، فقال: صفوهم، فقالوا: أما فلان فإن يتقيأ في ثيابه فقال وهذا يدعو النبيذ قالوا وأما فلان فإذا شرب خرق ثيابه وثياب من معه وعربد، قال: هذا النبيذ، قالوا: وأما فلان فأسكن ما يكون وأحلمه، ولا ينال أحداً بسوء، قال: هذا لا يدع النبيذ. سلم رجل على إبراهيم القارئ فقال: كم تسلم علي؟! سلفني سلام شهر وأرحني. قال رجل للشعبي: ما زلت أطلبك، فقال: وما زلت فأراً منك. قال آخر: الإخوان بمنزلة النار، قليلها متاع، وكثيرها صداع. قال الأحنف: كانت المودة قبل اليوم محضاً، فليتها اليوم كانت مذقاً. لابن همام السلولي:

стр. 1912

حصر إن يسيل خيراً لم يجد ... وإذا ما سال الناس ألح كحمار السوء إن أشبعته ... عض من نال وإن جاع رمح أقرب الأشياء من أخلاقه ... كل لون لونت قوس قزح وقال آخر: ما احتنك قط رجل إلا أحب الخلوة. قال ابن المعتز: سمع الصوفي قول إبراهيم بن العباس الصولي: أبا جعفر خف نبوة بعد دولة ... وخفض قليلا من مدى غلوائكا فإن يك هذا اليوم يوماً حويته ... فإن رجائي في غد كرجائكا فقال: هذا رجل موسر من الفطنة. وسألت الصوفي عن ابن منارة فقال: ذاك في عقله خمسون كلباً سوى السنانير، كذا قال ابن المعتز. وقالوا: لا تجالس عدوك فإنه يحفظ عيوبك، ويماريك في صوابك. وقالوا: من استضاف بخيلاً استغنى عن الكنيف.

стр. 1913

وقال آخر: البغيض إذا بغض نفسه فإن أعوانه على ذلك كثير. قال عبد الله بن أحمد بن يوسف: دخلت على ابن منارة وبين يديه كتاب فقلت: ما هذا؟ فقال: هذا كتاب عملته مدخلاً إلى التوراة، فناظرته فيه وقلت: الناس ينكرون هذا، فقال: الناس كلهم جهال، قلت: فأنت إذن ضدهم؟ قال: نعم، قلت: فينبغي أن يكون ضدهم جاهلاً عندهم؟ قال: صدقت، قلت: قد ثبت أنك جاهل بإجماع الناس والناس جهال بقولك. عثر بعض أصحابنا في مجلس ثم عثر بعده آخر، فقال الصوفي: أرانا نعاشر قوماً تطرح قوائم. منصور بن باذان: وليس يخفى عليكم ... من المنازل طينه ولو رأيتم دخاناً ... في البحر صرتم سفينه قال الأصمعي: عوتب أعرابي على التطفيل فقال: إنما بنيت

стр. 1914

المنازل لتدخل، ووضعت الموائد لتؤكل، وما لي لا أدخل وأقعد مستأنساً، وأبسط وجهي إذا كان رب البيت عابساً. تطفل قوم على مزبد وهو يطبخ قدراً له، فنشل أحدهم قطعة لحم فأكلها وقال: تحتاج إلى خل، ونشل الآخر أخرى فأكلها وقال: تحتاج إلى أبزار، وفعل آخر مثل ذلك وقال: تحتاج إلى ملح، فأخذ مزبد قطعة فأكلها وقال: تحتاج إلى لحم، فضحكوا وقاموا عنه. رأى رجل مزبداً بالرها وعليه جبة خز، وكان قد خرج إلى الرها فحسنت حاله فقال له: يا مزبد تهب لي هذه الجبة؟ فقال: ما أملك غيرها، قال الرجل: إن الله تعالى يقول: " ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة " الحشر:٩ فقال مزبد: إن الله تعالى أرحم بعباده من أن ينزل هذا بالرها في كانون وكانون، وإنما نزلت بالحجاز في حزيران وتموز. قال المدائني: مات رجل بالحيرة في بيت خمار، فأخذه أهله وقالوا: أنت قتلته، فقال الخمار: والله ما قتلته إلا كلمة كان يرددها، قالوا: وما هي؟ قال:

стр. 1915

وأخرى تداويت منها بها قيل لبعض أصحاب النبيذ: أي صلاة تصلي؟ قال: الغداة والظهر والعصر، قالوا: فالمغرب؟ قالوا فالمغرب؟ قال: تعرف وتنكر، فالعتمة؟ قال: ما كانت لنا في حساب قط. وقيل: لم يداو السكر بشيء أفضل من نومة يطفأ بها ما التهب من شر طبيعته. قال ابن المعتز: حدثني بعض أصحابنا قال قلت لطباخ مرة: ما أطيب طبيخك لولا أنك تصغر البرمة، فقال: إنما يكمل طيب البرمة بأن يأكل منها القوم لقمة لقمة فيستطيبونها، وهؤلاء إذا طلبوا أخرى لم يجدوها. قدم إلى بعضهم لوزينج غليظ القشور فقال: ما عمل هذا إلا من عقب. العقب: العصب. قال ابن أبي برذعة: إذا عد عيش ناعم وتذوكرت ... غرائب أيام السرور الطرائف

стр. 1916

فمن خير أيام الحياة التي خلت ... وأطيبها يوم من العيش سالف أصبنا به من غرة الدهر خلسة ... كما نال ورد الماء هيمان خائف خرجنا وستر الله يجمع شملنا ... وكل لكل مسعد ومساعف وقد اخذت زهر الرياض حليها ... وألبست الأرض الفضاء الزخارف لجين وعقيان ودر وجوهر ... تؤلفه أيدي الربيع اللطائف وأهدت إلينا الأرض عذراء لم يطف ... بها من سوانا قبل ذلك طائف يباكرها وجه من الشمس طالع ... ويعقبها دمع من المزن واكف فتمت جمالاً واعتدالاً ونضرة ... وداف لنا الكافور والمسك دائف ومالت بنا منها غصون نواعم ... كما هز قضبان المتون الروادف يدير علينا الكأس رطب بنانه ... وصيف جفت في الشكل عنه الوصائف تسير إلينا من يديه وطرفه ... كؤوس لأسرار القلوب كواشف فرحنا وما فعل الزمان مذمم ... لدينا ولا وجه من العيش كاسف ومالت غصون البان بين رحالنا ... وجرت على وشي الرياض المطارف ولا مثل ذاك اليوم لولا انقضاؤه ... ولا مثلنا لو أخطأتنا المتالف وقال: سمعت مدينية تقول: ما في بيتي طحين ولا خبيز. شاعر: إلى الروض الذي قد أضحكته ... شآبيب السحائب بالبكاء قال ابن الأعرابي عن المفضل: تقول العرب: يدك من اللحم

стр. 1917

غمرة، ومن الشحم زهمة، ومن الزيت قنمة، ومن الدهن نمسة، ومن الخلوق ردعة، ومن الحناء عصمة، ومن اللبن ضرة، ومن السمك صمرة، ومن الحديد سهكة. أنشد التوزي: يا إبلي روحي إلى الأضياف ... إن لم يكن فيك صبوح كاف فأبشري بالقدر والأثافي ... وقادح ومغرف غراف قال أرسطاطاليس في كتاب الحيوان: ليس للسمك نوم ولا صوت، ومنه ما يعظم حتى يصير كالجزائر والجبال. وذكر أن من أجناس السمك وما لا قشور له ولا أجنحة، لا زمة قعر الماء الدهر كله. وزعم أن دابة بحرية تزمر أصواتاً طيبة تكاد بحلاوتها ولذتها تسلب أفهام السامعين، من سرتها إلى فوق تشبه الإنسان، ومن السرة إلى أسفل تشبه الفرس. وزعم أن السرطان يلتذ أكل لحم الصدف الذي فيه اللؤلؤ، وأنه لا يقدر عليه حتى يفتح صدفته، فإذا فعل جعل بينهما حجراً، وزعم أن السرطان يسلخ جلده في السنة سبع مرات، ومن قبل ذلك يعمل لحجره بابين:

стр. 1918

أحدهما شارع إلى الماء، والآخر إلى الشمس، فإذا سلخ جلده سد الشارع الذي إلى الماء لئلا يدخل السمك إليه فيأكله. قال ابن المعتز: سألت الصوفي عن بلدان طوف فيها فقلت: كم رأيت من البلاد؟ لا تسأل فإني شيطاني كان من الفيوج. وقال مرة عندي ونحن بسر من رأى: هذا النسيم يجندر الروح. قال التمار يصف نصيبين في قصيدة: أرض كأن رياضها ... أبداً بماء المسك تسقى وكأن تربة أرضها اج ... تذبت من الكافور عرقا يعقوب بن الربيع: لما وردت الثعلب ... ية عند مجتمع الرفاق وشممت من أرض الحجا ... ز نسيم أرواح العراق أيقنت لي ولمن أح ... ب بجمع شمل واتفاق وضحكت من فرح اللقا ... ء كما بكيت من الفراق

стр. 1919

قال: وقال الجاحظ في بعض كتبه وذكر العراق فقال: هي موضع التميمة، وواسطة القلادة، بها تلاحقت الطبائع، وصرحت عن اللب الأصيل والخلق الجميل. وصف أعرابي بلداً فقال: ارتحلت عنه ربات الخدور، وأقامت به رواحل القدور. قال الحجاج: الكوفة امرأة حسناء عاطل، والبصرة عجوز قد أوتيت من كل شيء. قال عبد الملك للحارث بن خالد بن العاص: أي البلاد أحب إليك؟ قال: ما حسنت فيه حالي، وعرض فيه جاهي. قال بعض الظرفاء: الكمأة بيض الأرض. وصف أعرابي غيثاً فقال: بكرنا وسمي خلفه ولي، فالأرض بساط أحكم نسجه وأبدع وشيه. قال بعض من تعصب للنرجس على الورد: النرجس أشبه بالعيون من الورد، فقال المتعصب عليه: يشبه عيون المرضى وأصحاب اليرقان ومن قد غلبت عليه المرة.

стр. 1920

وكان المأمون يشبه الأترج بالمقفع الزمن. قال بعضهم: لعن الله المرزنجوش والزادرخت، كأن هذا آذان الفار، وكأن هذا كف بق. وكان بعضهم يبغض السرو ويقول: كأنه نساء عليهن حداد. ومرة كان يقول: السرو ذنب ابن عرس. وقال: قلت للصوفي يوماً: لم تؤثر النرجس على غيره ولا تنتفع به في حال سوى شمه طرياً؟ فقال: النرجس روح كله، فإذا مات لم يخلف عندنا جسماً. قال أبو الحارث جمين، ورأى سرواً: كأنه دخان يخرج من كوة. وصف أعرابي الماء فقال: إن قلت هو متصل فبذاك يشهد انتظامه، وإن قلت متبايناً فعلى ذاك يدل انقسامه، أوائله جاذبة لأواخره، وأعجازه طوع صدره، هو طبيب الأرض من سقامها، تقذف بما تضمنت بطونها على ظهورها. وصف بعض الظرفاء الماء فقال: ما ظنكم بشيء إذا أجن وصار ملحاً أخرج العنبر وأثمر الجوهر.

стр. 1921

قال ابن الأعرابي في نوادره عن أعرابي: فأرسل الله سبحانه سبحاناً مستكفاً نشره، ضخاماً قطره، جواداً صوبه. شاعر: جاءت تهادى في محل نائي ... يضحك فيها البرق بالضياء وتارة تلمح باستحياء ... كلمحة من ذي هوىً مرائي تلوح منها الأرض في قباء ... وأصبحت في حلة خضراء يا حبرة في الصيف والشتاء العتابي: قلت للفرقدين والليل ملق ... سود أكنافه على الآفاق أبقيا ما استطعتما فسيرمى ... بين شخصيكما بسهم الفراق غر من ظن أن يفوت المنايا ... وعراها قلائد الأعناق قال: وقلت لبعض أصحابنا، وقد خرج القمر من الكسوف: شبهه لي، فقال: درهم ندر عن سكة. العرب تقول: قد هراق الليل أوله، إذا مضت منه ساعة. قال ابن المعتز: أخبرني الأسدي عن الرياشي عن محمد بن سلام

стр. 1922

عن يونس بن حبيب عن أبي عمرو بن العلاء قال: دفعت إلى ناحية فيها نفر من الأعراب، فرأيتها مجدبة فقلت لبعضهم: ليس لكم زرع ولا ضرع فكيف تعيشون؟ فقال: نحرش الضباب ونصيد الدواب فنأكلها، قلت: فكيف صبركم عليه؟ فقال: يا هناه! نسأل الله خالق الأرض هل سويت، فيقول: بل رضيت، هكذا بخط ابن المعتز. وقال بلال ابن أبي بردة لابن السماك: أي الطعام أحب إليك؟ فقال: إذا اشتد ضرس الجوع فليس شيء بأجود من ثريدة قد أكثر بلها وسطع ريحها، ثم أطرق قليلاً وقال: فإن جاءت صغار القصاع بعد الكبرى زاد ذلك فيما نهوى. قال: فما تقول في لوزينجة لان قشرها، وغرقت في سكرها ووهن لوزها فقلت ما أشد الوصف إذا عدم الموصوف إلى ها هنا من كتاب ابن المعتز. وهذه نتف ألفتها ها هنا، فبعضها مسموع من العامة، وبعضها مروي عن الخاصة التي تروي عن العامة، وهي تجري مجرى الأمثال المبتذلة، فيها طيب ومع الطيب عبرة، ومع العبرة فائدة، وقد خلت من الأصول الدالة على الفروع، ومن العلل المقتضية للأحكام، وقد عرضتها على علية الناس أسأل عن أسرارها ومدارها، وكيف كان قديمها وفاتحتها، وكيف

стр. 1923

انتشرت الآن بين العامة، وكيف أشكل على الجميع معانيها، فلم ألحق الناس إلا رجلاً واحداً في الجهل بها وبأسبابها، وقد سردتها لتشركنا في التعجب والطيب إن شاء الله: ١ - يقولون: إذا دخل الذباب في ثياب أحدهم مرض. ٢ - وإذا حكته يده قال: آخذ دراهم. ٣ - وإذا حكته رجله قال: أمشي إلى مكان بعيد. ٤ - وإن حكه أنفه قال: آكل لحم، هكذا يقولون، فلا تؤاخذ العامة باللحن، فإن الصواب في المعنى والإعراب في اللفظ عريان من قضاتك وعدولك وشيوخك. ٥ - وإن حكه وسطه قال: آكل السمك. ٦ - وإن اختلجت عينه من فوق قال: أرى إنساناً لم أره منذ حين، وإذا اختلجت من أسفل قال: سوف أبكي، أسأل الله السلامة. ٧ - وإذا وجد ثقلاً في المنام من المرة السوداء قال: وقع على بختي، وعض ابهام نفسه وقال: دلني على كنز. ٨ - ولا يقول بالليل: حية ويقولون: طويلة وإذا غلط أحدهم فقال: حية. قالها ثلاث مرات. ٩ - وإذا أشار إلى صاحبه بالسكين غرزها في الأرض وقال: الشيطان يعمل عمله.

стр. 1924

١٠ - وإذا كسف القمر ضربوا بالطست وقالوا: يا رب خلصه. ١١ - وإذا طنت أذن أحدهم قال: ترى من ذكرني؟ ١٢ - وإذا أراد أحدهم أن يبول بالليل بصق أولاً ثم بال. ١٣ - وإذا صاح الغراب قالوا: خير خير، وأنت شر طير. ١٤ - وإذا أراد أحدهم أن يشد زره إذا انقطع أخذ في فيه تبنة وقال: حتى لا يكذب علي أحد. ١٥ - ولا يقولون: عقرب، ويزعمون أنها تعرف اسمها فتهرب، ويقولون: تمرة. ١٦ - وإذا ذكروا الجن بالليل أخذوا بأطراف آذانهم. ١٧ - ويكرهون البول في الميزاب ويقولون: هي منازل القمر. ١٨ - ويقولون: دية نملة تمرة. ١٩ - ويقولون: في كل رمانة حبتين من الجنة. ٢٠ - وإذا مسح أحدهم يده بثوب صاحبه بصق وقال: حتى لا أبغضه. ٢١ - وإذا رش أحدهم على وجه إنسان ماءً قبّل يده وقال: حتى لا يصير نمش. ٢٢ - وإذا صاحت البومة قالوا: منا السكين ومنك اللحم.

стр. 1925

٢٣ - وإذا رأوا الخنفساء في ليالي الشتاء قالوا: مباركة ميمونة وإذا رأوها في ليالي الصيف قالوا: رسول العقرب. ٢٤ - وإذا طار الخفاش بالليل فسمعوا صوته قالوا: هذه الساحرة تطير، لا إله إلا الله، كأنما طيرانها ثوب يشق، ويكبون الطست ويقولون: باطل " وبطل ما كانوا يعملون " الأعراف:١١٧. ٢٥ - وإذا غاب لأحدهم غائب صوتوا في البئر ونخلوا الرماد بالليل، وزعموا أن الجن يثبتون حاله في الرماد. ٢٦ - وإذا صدع أحدهم قالوا: انشرخ رأسه، وربطوه بتكة. ٢٧ - ويطرحون في حب الدقيق جوزة لها ثلاثة خطوط يزعمون فيها بركة. ٢٨ - وإذا رأوا الشمس حارة قالوا: يجيء غداً مطر. ٢٩ - وإذا طارت من السراج شرارة إلى فوق قالوا: ينقص من أهل البيت واحد، وإذا وقعت إلى أسفل قالوا: يجيء غداً زائر. ٣٠ - وإذا غسلت السنورة وجهها قالوا: هدية. ٣١ - ويزعمون أن عوج بن عنق كان يصيد السمك م قرار البحر بيده ويشويه في عين الشمس. ٣٢ - ويزعمون أنه لا يرتفع إلى السماء من الدخان إلا قتار الكندر. ٣٣ - ويقولون: إن للزنادقة كبش تنتثر الدراهم من صوفه، فإذا اشتروا بها تحولت عند البائع ورق آس.

стр. 1926

٣٤ - وإن الشيطان يحسد على الزكام والدمل. ٣٥ - وإن الأسد محموم بالنهار فإذا كان الليل أفاق. ٣٦ - وإن الحمار لا يدفأ إلا يوماً من أيام تموز، وهو في سائر أيام السنة مقرور. ٣٧ - وإذا نكس أحدهم في مرضه أخذوا له دهناً من سبع دور ودهنوا به رأسه. ٣٨ - وإذا خرج بأحدهم دمل شد على تكته عفصة غير مثقوبة. ٣٩ - وإذا بكى الصبي لطخوا أسفل رجليه بنيلج. ٤٠ - وإذا أصابته العين أخذوا له من بول سبعة أنفس أحدهم حبشي ماء وصبوه عليه. ٤١ - وإذا حم أحدهم الربع بخروه بقرن كبش، وإذا أخذه الفواق عقد بيديه أربعاً وثلاثين وزعم أنه يسكن. ٤٢ - وإذا خرج به قوباء خط حولها خاتم سليمان ومسحه بالتراب وقال بالغداة: كيف أمسيت لا أصبحت، وبالعشي: كيف أصبحت لا أمسيت؟ ٤٣ - وإذا لسعته عقرب غسلوا الحصى وسقوه ماءه. ٤٤ - وإذا خرج على لسانه بثرة قال: خبأ لي إنسان شيئاً طيباً وأكله. ٤٥ - وإذا اشتكى فم معدته ذهبوا به إلى اللواية.

стр. 1927

٤٦ - وإذا رأوا في الدار حية بخروها بقرن أيل وقشور البيض. ٤٧ - وزعموا أن من أكل لحم سنور أسود لم يعمل فيه السحر. ٤٨ - وإذا رأوا في الأفق حمرة قالوا: في السماء نار وصاحوا: الصلاة الصلاة. ٤٩ - ويضربون بالشعير وينظرون في البخت، وأنت ترى أحدهم إذا عثر بصاحبه أخذ يده وصافحه، وربما قالوا: لئلا نتخاصم. ٥٠ - وزعموا أن عبد الله بن هلال صديق إبليس كان يغوص بالكوفة في الطست ويخرج من ساعته بتاهرت. وهذه أبواب خفية ليس يثبت معها روية، ولا يصح لمن اعتقدها عزم، وربما غلط فيها من هو فوق الناقص الغبي، ودون النحرير الذكي فيحسبها حقاً. ومن أمثال العامة: ١. لا تري الصبي بياض أسنانك فيريك سواد آسته. ٢. - ليس من قال: النار، احترق فمه. ٣. - الخنفساء في عين أمها مليحة. ٤. - من يشتهي الداح لا يقول أواح. ٥. - تمره وزنبوره كلما يكبر يدبر. ٦. - أنا أجرّه إلى المحراب وهو يخرا في الجراب. ٧. - نفس العجز في القبة.

стр. 1928

٨. - من يأكل ولا يحسب، يخرب بيته ولا يعلم. ٩. - إن كان معلم وإلا فدحرج. ١٠. - من صير نفسه نخالة بحثتها الدجاج. ١١. - أنذل من فار الحبس. ١٢. - أعتق من الحنطة. ١٣. - أحمق من الجمل. ١٤. - يضربون أسته ويصيح راسه. ١٥. - من لم ير اللحم أعجبته الرية. ١٦. - من يقفز على وتدين يدخل في أسته واحد. ١٧. - من يأكل بيدين يختنق. ١٨. - ما أطيب العرس لولا النفقة. ١٩. - من كان له دهن كثير يطلي أسته. ٢٠. - من كان دليله البوم كان مأواه الخراب. ٢١. - كل التمر على أنه كان مرة رطب. ٢٢. - إيش الذبابة وإيش مرقها. ٢٣. - ليت كل أرملة مثل بنت الملك. ٢٤. - إذا كان بولك صافي فاضرب به وجه الطبيب.

стр. 1929

٢٥. - البحر ملان ماء والكلب يلحس بلسانه. ٢٦. - من شاء سلح على أصحابه وقال في بطنه وجع. ٢٧. - خبز لم تخبزه أمك كله بأضراسك كلها. ٢٨. - لو كان في البومة خير ما تركها الصايد. ٢٩. - إن كان ذا وجه فليس في الدنيا است. ٣٠. - أهلك الله بدنك، ولا يسر كفنك، ولا آجر من دفنك. ٣١. - كف إنما وجهك خف. ٣٢. - راسك في است القس كلما عرق اندس. ٣٣. - ليت اليسار استقبلني من باب الدار. ٣٤. - سد البالوعة واسقني بالبير. ٥١ - وإذا كانت يد أحدهم غمرة قال: من يغسل يده من الخير. ٥٢ - وإن عطس قالوا: تعست، وإن تجشأ قالوا: خرا، وإن سعل قالوا: شوك، وإن ضحك قالوا: ضحك الأفعى في جراب النورة، وإن قرقر البطن قالوا: إن صدق الوعد مطرنا خرا. كان لرجل جاريتان فأرادت إحداهما أن تكيد الأخرى، وكان قد واقعها مولاها، فصاحت: يا مولاي ليس لنا دقيق وقد فني الخبز، فنام أيره ونهض عن الجارية.

стр. 1930

قد ضربت من أمثال العامة أشياء تتصل بأغراض صحيحة على سوء التأليف، وخبث اللفظ، وفيها فوائد عجيبة، فاعرف الخبيث والطيب، واختر أنفعهما لك في موضعه وأجدهما عليك عند استعماله، فلم ينبث هذا كله هذا في العالم إلا ليعرف ويميز، وليكون بعضه باعثاً على بعض وناهياً عن بعض، وباختلاف الأشياء تختلف الظنون وتنقسم الآفكار في طلب الحق وترخي الصواب وليس الحق شخصاً في محل يطوي إليه. فلا تصرف وجهك عن اللفظة السخيفة والكلمة الضعيفة، فإن المعنى الذي فيهما فوق كراهتك، وليس العالم تابعاً رايك ومحمولاً على استحسانك واستقباحك، بل يجل عن مقاحم فكرك، ويعلو على غايات فهمك، فإنك ترى لنفسك محلاً ليست به فتقول هذا حسن وهذا قبيح، دون أن تقف على حقائق ذلك الحسن والقبح بعقل ما شانه الهوى، ولا تحيفه الإلف ولا ضيعته العادة، ولا أفسده أقران السوء، ولا مني بالتخليط الرديء والمرة المسرفة، ومن لك بالكمال؟ بل من لك ببعض هذه الأحوال؟ هيهات! وأنت متردد بين غالب عليك، وقادح فيك، وآخذ منك، وهابط بك، إلا أن يأخذ الله بيدك، ويصرف كيد السوء عنك، ويحبس فعال الشيطان دونك، ويكون لك قائماً بالصنع، هادياً إلى النجاة.
следующие страницы →