Полный текст (811 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
لي ابن جُريج: اكتب لي أحاديث من أحاديثك جياداً. فكتبتُ له ألف حديث، ودفعتها إليه، ما قراها عليَّ، ولا قرأتُها عليه. ومات أبو بكر سنة اثنتين وستين ومئة، وهو ابن ستين سنةً.
ومن بني عامر بن لؤي عبد الله بن سعد بن أبي سرح بن الحرث بن حبيب بن جِزيمة بن حسل بن عامر بن لؤي، يُكنى أبا يحيى. قال ابن الكلبي في نسبه: حبيب بن جَزيمة بالتخفيف. وقال محمد بن حبيب: وكان يكتب الوحي لرسول الله ﷺ ، ثم ارتدَّ مشركاً، وصار إلى قريش بمكة، فقال لهم: إني كنت أَصرف محمداً حيث أريد، كان يُملي عليَّ: عزيز حكيم، فأقول: أو عليم حكيم؟ فيقول: " نعم، كلٌّ صواب ".
وأمر النبيُّ ﵇ بقتله يوم الفتح ففرَّ إلى عثمان، وكان أخاه من الرضاعة، فَغَيَّبه عنده، واستأمن له عثمان رسول الله ﷺ بعدما اطمأنَّ أهل مكة، فصمت رسول الله ﷺ طويلاً، ثم قال: " نعم ". فلما انصرف عثمان قال رسول الله ﷺ : " ما صمتُّ إلا ليقوم إليه أحدٌ فيضرب عنقه ". فقال رجل من الأنصار: فهلاَّ أومأت إليَّ يا رسول الله؟ فقال: " إن النبيَّ لا ينبغي أن تكون له خائنةُ الأعين ".
وحسُن إسلامُه بعد ذلك، ولم يُر منه شيء يُنكر عليه. وهو أحد النُّجباء العقلاء الكرماء من قريش. ثم ولاَّه عثمان بعد ذلك مصر سنة خمس وعشرين. وافتتح إفريقيَّة سنة سبع وعشرين. وكان فارس بني عامر بن لؤي. ولم يبايع لعليٍّ ولا لمعاوية. وكانت وفاته قبل اجتماع الناس على معاوية، فارّاً من الفتنة بعسقلان سنة ستٍ وثلاثين، دعا ربَّه فقال: اللهمَ اجعل خاتمة عملي صلاة الصبح. فقبض الله روحه حين سلَّم من صلاة الصبح. ذكر ذلك يزيد بن أبي حبيب وغيره.
وولدُهّ عِياض بن عبد الله خرَّج عنه مالك ومسلم وغيرهما. وكان من جلّة التابعين. ونصُّ ما عنه في الموطأ: مالك عن يزيد بن أسلم عن عياض بن عبد الله ابن أبي سرح العامريِّ أنه سمع أبا سعيد الخُدريَّ يقول: كنا نُخرجُ زكاة
стр. 107
الفطر صاعاً من طعامٍ أو صاعاً من شعير أو صاعاً من تمر أو صاعاً من أقِطٍ أو صاعاً من زبيب، وذلك بصاع النبي ﷺ . وأخرج هذا الحديث مسلم عن يحيى بن يحيى التَّميمي، عن مالك بلفظه، ولم يَذكر فيه: وذلك بصاع النبي ﷺ .
وابنه زيدُ بن عِياض: روى عن أبي سعيد الخُدريِّ قال للنبي ﷺ : أليس شهادةُ المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟ قال: " بلى ". قال: " فذلك من نقصان عقلها ". خرَّج هذا الحديث البخاريُّ، ورواه عن زيد بن عياض محمد بن جعفر..
ومنهم بُسرُ بن أَرطأة بن أبي أرطأة عُويمر بن عمران بن الحُليس بن يسار بن نزار بن مَعيص بن عامر بن لؤي، يكنى أبا عبد الرحمن. قُبض النبيُّ ﷺ وهو صغير. واستعمله معاوية على اليمن أيام صفِّين، وكان عليها عُبيد الله بن العباس لعلي. فهرب عُبيد اله حين أحسَّ ببُسر، ونزلها بسر فقضى فيها القضية الشَّنعاء، بذبحه صَبيِّين صغيرين لعبيد الله بن عباس، ويأتي ذكرهما بعد عند ذكر آل أبي طالب، وهناك أذكر من خبر بسر ما يجب.
ومنهم عمرو بن عبد وُدِّ بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي، وكان من أبطال مشركي قريش. قتله عليُّ بن أبي طالب يوم الخندق مُبارزة. وقال لمَّا قتله:
نصر الحجارةَ من سَفاهةِ رأيهِ ... ونَصرتُ دين محمدٍ بضرابِ
وصَددْتُ حين تركتهُ متجدِّلاً ... كالجِذع بين دَكادِكٍ وروابِ
стр. 108
وعففت عن أثوابه ولو انَّني ... كنت المقطَّر بذَّني أثوابي
ولا تحسبنَّ الله خاذل دينه ... ونبيِّه يا معشر الأَحزاب
وأمَّا أسامة بن لؤي: فخرج إلى عُمان، وكان بها. ويزعمون أنَّ عامر بن لؤي أخرجه، وذلك أنه كان بينهما شيءٌ. ففقأ سامة عين عامر، فأخافه عامر، فخرج إلى عُمان. فيزعمون أن سامة بن لؤي بينا هو يسير على ناقته إذ وضعت رأسها ترتع. فأخذت حيةً بمشرفها فهصرتها حتى وقعت الناقة لِششقِّها، ثم نهشت سامة فقتلته، فقال سامة حين أحسَّ بالموت، فيما يزعمون، من قصيدةٍ:
بلِّغا عامراً وكعباً رسولاً ... أنَّ نفسي إليهما مُشتاقه
إن تكن في عُمان داري فإني ... غالبيٌّ خرجت من غير فاقه
ربَّ كأس هرقت يا بن لؤيٍّ ... حذر الموت، لم تكن مُهراقه
رُمت دفع الحتوف يا بن لؤيٍّ ... ما لمن رام ذاك بالحتف طاقه
قال ابن هشام: وبلغني أن بعض ولده أتى رسول الله ﷺ فانتسب إلى سامة بن لؤي، فقال رسول الله ﷺ : " آلشاعر؟ ". فقال له بعض أصحابه: كانَّك يا رسول الله أردت قوله:
ربَّ كأسٍ هَرقت يا بن لؤيٍّ ... حذرَ الموت، لم تكن مُهراقَه
قال: " أجل ".
стр. 109
ومن موالي بني عامر بن لؤي هلال بن علي بن سامة بن أبي ميمونة. ومن قال فيه: هلال بن " سامة " نسبه إلى جده. وكذلك من قال فيه: هلال بن أبي ميمونة نسبه إلى جدّه. لمالكٍ عته في الموطأ حديث واحد اختصره من حديثه الطويل عن عطاء بن ... عن عُمر بن الحكم في الجارية.
... يعرفون أيضاً بأمهم ناجيةً بنت جُرم بن ربَّان من قضاعة. ويقال للرجل منهم: " ناجي ". منهم أبو المتوكل عليُّ بن داود الناجي وأبو الصديق بكر بن عمر الناجي: وكلاهما من التابعين. روى أبو المتوكل عن ابن عباس وأبي سعيد الخُدري، وروى عنه الوليد بن محمد الموقَّريُّ. وكانت ناجية بنت جُرم بن ربَّان تحت سامة بن لؤي. فولدت له غالب بن سامة. ثم هلك عنها فخلف عليها الحارث بن سامة ابنه. ومن بني سامة بن لؤي أبو أحمد عَريرة البرند.
وأمَّا عوف بن لؤي: فشاع نسبه في ذُبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس بن غيلان بن مُضر إذ آخاه ثَعلبة بن سعد بد ذبيان حين أُبطيء به بأرض غطفان وهو في ركب قريش. فانطلق من كان معه من قومه. فأتاه ثعلبة بن سعد، وهو أخوه في نسب بني ذبيان، ثعلبة بن سعد ابن ذبيان، وعوف بن سعد بن ذبيان، فزوَّجه والتاطه وآخاه.
فولد عوف بن لؤي حقاً، وبالإِخاء عوف بن سعد مُرَّة بن عوف: وإليه ينتسب المُرِّبون من غطفان.
منهم الحارث بن عوف بن سنانٍ، أبو أسماء. وهو صاحب الحمالة في حرب داحس. وكان الحارث أحد رؤساء المشركين يوم الأحزاب، ثم أسلم بعد ذلك، فحسُن إسلامُه.
стр. 110
ومنهم الحُصين بن الحمام. وهو القائل حين انتمى إلى قريش، وأكذب نفسه في انتمائه إلى غطفان:
ندمت على قول مضى كنت قلته ... تبيَّنت فيه أنه قول كاذب
فليت لساني كان نصفين منهما ... بكيم ونصف عند مجرى الكواكب
أبونا كنانيٌّ بمكة قبره ... بمعتلج البطحاء بين الأَخاشب
لنا الرُّبع من بيت الحرام وراثةً ... وربع البطحاء عند دار ابن حاطب
يعني أن بني لؤي كانوا أربعةً: كعب، وعامر، وسامة، وعوف.
قال أبو حاتم الرازيُّ: ومن ولد الحصين بن الحمام أبو ثفال ثُمامة بن وائل بن حصين بن حمام الشاعر. وقال مسلم: روى عن رباح بن عبد الرحمن، وروى عنه عبدُ العزيز بن محمد وعبدُ الله بن جعفر. ونسبه مسلم إلى جدِّه فقال: أبو ثفال المرِّيُّ ثمامة بن الحُصين الشاعر.
ومنهم هرم بن سنان بن أبي حارثة: الجواد الذي كان يمدحه زهير بن أبي سُلمى. وفيه يقول من كلمة له:
إنَّ البخيل ملوم حيث كان ولا ... كِنَّ الجواد على علاَّته هرم
стр. 111
وأخوه خارجة بن سنان: بقير غطفان، استُخرج من بطن أمه بعدما هلكت. وهاشم بن حَرملة: وهو الذي يقول فيه عامر الخصفيُّ بن قيس بن عيلان:
أحيا أباه هاشم بن حرمله
يومَ الهباءات ويوم اليعمله
ترى الملوك عندهُ مُغربله
يقتل ذا الذنب ومن لا ذنب له
وقال الكُميت بن زيد فيه من قصيدةٍ له كبيرةٍ شهيرةٍ:
وهاشمُ مُرَّة المُفنى ملوكً ... بلا ذنبٍ إليه ومُذنِبينا
ومنهم الحارث بن ظالم الذي يقال فيه: أمنع من الحارث. وهو القائل حين هرب النعمان بن المنذر، ولحق بقريشٍ:
فما قومي بثعلبة بن سعدٍ ... ولا بفزارةَ الشُّعُر الرِّقابا
وقومي، إن سألت، بنو لؤيٍّ ... بمكة علَّموا مُضر الضِّرابا
стр. 112
سَفِهنا باتِّباع بني بغيض ... وترك الأقربين لنا انتسبابا
سفاهة مُخلف لمَّا تروَّى ... هراق الماء واتَّبع السَّرابا
ومنهم أرطأة بن سُهيَّة، وشبيب بن البرصاء، وابن ميَّادة الشاعر وعثمان بن حَيَّان، وكان خاصَّاً ببني أمية، وولى المدينة في أيام أبي جعفر. وله يقول بن ميَّادة:
أمرتك يا رياحُ بأمر حَزمٍ ... فقلت: هشيمةٌ من آل نَجدِ
نهيتُك عن رجالٍ من قريشٍ ... على محبوكة الأصلاب جُردِ
وقصة أبيه عثمان بن حيَّان مع ابن أبي عتيق وسَلامة الزرقاء حين وَلي المدينة وحرَّم الغناء بها مشهور.
ومنهم مُسلم بن عُقبة: صاحب الحرَّة، أبعده الله. وعقيل بن عُلَّفة: وكان عقيل من الغيرة والأنفة على ما ليس عليه أخذ علم من أشراف العرب. وخطب إليه عبدُ الملك بن مروان ابنته على أحد بنيه. وكانت لعقيل إليه حاجات فقال له: أمَّا إذا كنت فاعلاً فجنِّبني هُجناءك. وخطب إليه ابنتهُ
стр. 113
إبراهيم بن هشام بن إسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة المخزوميُّ، وهو خال هشام بن عبد الملك، وكان والي المدينة، وكان أبيض شديد البياض، وهو الذي هجاه العَرجيُّ، فردَّه عقيل وقال:
رددت صحيفة القرشيِّ لمَّا ... أبت أعراقهُ إلا احمرارا
وعقيل هو القائل من غَيرته:
إني وإنْ سِيق إليَّ المَهرُ
أَلفٌ وعُبدانٌ وذودٌ عَشرُ
أَحبُّ أصهاري إليَّ القبرُ
وبنو مُرَّة بن عوف كان لهم صيت وذكر في غطفان وقيس كلِّها، فأقاموا على نسبهم في غطفان. وقال عمر بن الخطاب ﵁: لو كنت مُدَّعياً حياً من العرب، أو ملحِقَهم بنا لادَّعيت بني مُرَّة بن عوف. إنا لنعرف منهم الأشباه مع ما نعرف من موقع ذلك الرجل حيثُ وقع. وبنو مرة يقولون: إذا ذُكر لهم هذا النسب لا نُنكرُهُ ولا نَجحده، وإنه لأحب النسب إلينا.
وفي بني مُرَّة بن عوف كان البَسل قاله ابن إسحاق. والبسلُ فيما يزعمون: ثمانية أشهر حُرم لهم في كل سنة من بين العرب. قد عَرفت ذلك لهم العربُ، لا يُنكرونه ولا يدفعونه، يسيرون به إلى أيَّ بلاد العرب شاؤوا، ولا يخافون منهم شيئاً. قال زهير بن أبي سُلمى يعني بني مُرَّة:
تأمَّل فإنْ تُقو المروراةُ منهم ... وداراتُها لا يُقو منهم إذاً نخلُ
стр. 114
بلاد بها نادمتُهُمْ وألِفْتهم ... فإنْ تُقويا منهم فإنَّهمُ بَسْلُ
غالب بن فهر: وولد غالب لؤياً، وقد مضى ذكره، وتيماً. ويقال لولده: بنو الأَدْرم، وهم أعراب قريش ليس بمكة منهم أحدٌ. وفيهم يقول الشاعر:
إنَّ بني الأدرم ليسوا من أحد
ولا توفَّاهم قريش في العَدَدْ
وأمُّ لؤي وتيم ابني غالب سلمى بنت كعب بن عمرو الخزاعيِّ.
فمن بني تيم بن غالب عبد الله بن خطل: وهو الذي أمر بقتل النبيُّ ﷺ يوم فتح مكة، وهو متعلق بأستار الكعبة. وإنما أمر بقتله لأنه كان مسلماً. فبعثه رسول الله ﷺ مُصدِّقاً، وبعث معه رجلاً من الأنصار، وكان معه مولَّى له يخدمه، وكان مسلماً. فنزل منزلاً، وأمر المولى أن يذبح له تيساً، فيصنع له طعاماً، فنام، فاستيقظ ولم يصنع له شيئاً، فعدا عليه فقتله، ثم ارتدَّ مشركاً. وكانت له قَينتان: فَرْتَنى وصاحبتها، وكانتا تُغنِّيان بهجاء رسول الله ﷺ . فأمر بقتلهما معه. فقُتلت إحداهما، وهربت الأخرى حتى استؤمن لها من رسول الله ﷺ بعدُ، فأَمَّنها. ثم بقيت حتى أوطأها رجلُ من الناس فرساً في في زمن عمر بن الخطاب، فقتلها.
وفي كتاب الحج من الموطأ في شأن ابن خطل ما نصُّه: مالك عن ابن شهاب عن أنس بن مالك أنَّ رسول الله ﷺ دخل مكة عام الفتح، وعلى رأسه المِغْفَر فلما نزعه جاء رجلُ فقال له: ابن خطل متعلق بأستار الكعبة. فقال رسول الله ﷺ : " اقتلوه ". قال مالك: قال ابن شهاب: ولم يكن رسول الله ﷺ يومئذٍ مُحرماً. وقتل عبد الله بن خطلٍ سعيد بن حُريث المخزومي وأبو برزة الأسلميُّ، اشتركا في دمهِ.
стр. 115
فهر بن مالك: قال مصعب بن عبد الله الزبيريُّ: كلُّ من لم ينتسب إلى فهر فليس بقرشيٍّ. وقال عليٌّ بن كيسان: فهر هو أبو قريش. ومن لم يكن من ولد فهر فليس بقُرشي. وهذا أصحُّ الأقاويل في النسبة لا في المعنى الذي من أجله سُميت قريش قريشاً. والدليل على صحة هذا القول أنَّا لا نعلم اليوم قرشياً في شيءٍ من كتب أهل النسب ينتسب إلى أبٍ فوق فهرٍ، فهو دون لقاء فهرٍ. ولذلك قال مصعب وابن كيسان والزبير بن بكارٍ، وهم أعلم الناس بهذا الشأن، وأوثقُ من ينسبُ علم ذلك إليه: إنَّ فهر بن مالك جِماعُ قريش كلِّها بأَسرها.
وقال آخرون: أهل قريش النَّضر بن كنانة. وحجَّتهم في ذلك حديث الأشعث بن قيس الكِنديِّ: قال: قدمت على رسول الله ﷺ في وفد كندة، فقلتُ: ألستم منا يا رسول الله؟ فقال: " لا، نحنُ بنو النضر بن كنانة، لا نقفو أُمَّنا ولا ننتفي من أبينا ". ذكر هذا أبو عمر بن عبد البرِّ في الإنباه.
وذكر أبو نعيم الحافظ في الرياضة عن الأشعث بن قيس قال: أتيتُ رسول الله ﷺ في نفرٍ من كندة لا يَروني أفضلهم. قال فقلت: يا رسول الله إنا نَزعم أنك منا. فقال النبيُّ ﷺ : " نحن بنو النَّضر ابن كنانة، لا نقفو أمَّنا ولا ننتفي من أبينا ". قال أشعث: والله لا أسمع أحداً نفى قريشاً من النَّضر بن كنانة إلا جَلدته. وكلُّهم مجتهد مصيب إن شاء اللهُ.
ورُوي عن النبي ﷺ أنه قال: " الأئمة من قريش ". وقال ﷺ : " قَدَِموا قريشاً ولا تَقَدَّمُوها ". وقال ﵇، لما قَتل الحارث بن كَلَدة: " لا يُقتل قُرشيُّ صبراً بعد هذا اليوم ". يريد أنه لا يكفر قرشيٌّ بعد هذا اليوم فيُقتل صبراً.
وعن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود قال: " قريش الجُؤجؤ والعرب الجَناحان. والجؤجؤ لا ينهض إلا بالجناحين ". وروى الحسن عن
стр. 116
الأحنف بن قيس قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: قريش رؤوس الناس، ليس أحدٌ منهم يدخل من باب إلا دخل منه طائفة من الناس.
وقريشٌ: قوم رسول الله ﷺ ، وهم الذين سبق لهم الفضل من الله. قال الله :) وإنه لَذِكرٌ لك ولقومِكَ (. ويقال: قريش عمارة رسول الله ﷺ ، وكنانةُ قبيلته، وعبدُ مناف بطنه. وكانت قريش تدْعي النضر بن كنانة. وكانوا متفرقين في بني كنانة، فجمعهم قصي بن كلاب بن مُرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر من كل أوب إلى البيت، فسُمُّوا قريشاً، والتقرُّش: التجمُّع. قال أبو عبد الله أحمد بن محمد العدويُّ القشيُّ: التجمُّع: أصح ما فيه عندنا. وقال غيره: الدليل على ذلك قولُ أبي جلدة اليَشْكُريَّ:
إخوة قرَّشُوا الذُّنوب علبنا ... في حديثٍ من عهدِنا وقديم
ولذلك سُمي قصيُّ بن كلاب مُجمِّعاً. قال حبيبُ بن أوسٍ الطائي يرثى بعض الأشراف:
غَدوا في زوايا نَعشهِ وكأنما ... قريشٌ قريشٌ يوم مات مُجمِّع
يريد بمجمِّع قصياً، وهو بني المشعر الحرام. وكان يُسرجُ عليه أيام الحج، فسماه الله مشعراً، وأمر بالوقوف عنده. قال الله تعالى:) فاذكروا الله عند المشعر الحرام (. وإنما جَمعَ قصيٌّ إلى مكة بني فهر بن مالك. فجدُّ قريشٍ كلِّها فهرُ بن مالك. فما دونهُ قريش، وما فوقه عرب مثلُ كنانةَ وأسدٍ
стр. 117
وغيرها من قبائل مُضر. وأما قبائل قريش فإنما تنتهي إلى فهر بن مالك، لا تجاوزه. وكانت قريش تسمى " آل الله " و " جيران الله " و " سكان حرم الله ". وفي ذلك يقول المطلب بن هاشم:
نحنُ آلُ في ذمَّته ... لم يزل ذاك على عهدٍ قِدم
إنَّ للبيت لَرَباً مانعاً ... من يُرِدْهُ بآثامٍ يُخْتَرَم
لم تَزل لله فينا حُرمةٌ ... يدفعُ اللهُ بها عنا النِّقم
واستعمل عمر بن الخطاب ﵁ نافع بن عبد الحرث الخزاعيَّ عل مكة، وفيهم سادة قريش. فخرج نافع إلى عمر بن الخطاب ﵁، واستخلف مولاه عبد الرحمن بن أبزي. فقال له عمر: استخلف على آل الله مولاك. فعزلهُ، وولى خالد بن العاصي بن هشام بن المغيرة المخزومي. وكان نافع بن عبد الحرث من فضلاء الصحابة. قيل: إنه أسلم يوم الفتح، وأقام بمكة ولم يهاجر. روى عنه أبو سلمة بن عبد الرحمن وغيرُه. ومولاه عبدُ الرحمن بن أَبْزَي أدرك النبيَّ ﵇، وصلى خلفه. وأكثرُ روايته عن عمر وأُبَيِّ بن كعب. وقال فيه عمر بن الخطاب: عبدُ الرحمن بن أَبزَي ممن رفعه الله بالقرآن. روى عنه ابناه: سعيد وعبد الله ومحمد بن أبي المُجالد.
قال أبو المنذر هشام بن محمد بن السائب الكلبيُّ: تسميةُ من انتهى إليه الشرف من قريش في الجاهلية، فوصلهُ بالإسلام عشرةُ رهطٍ من عشرة أَبطُنٍ، وهم: هاشم، وأمية، ونوفل، وعبد الدار، وأسد، وتيم، ومخزوم، وعديٌّ، وجُمح، وسهم. فكان من هاشم العباسُ بن عبد المطلب يسقي الحجاج في الجاهلية. وبقي ذلك له في الإسلام.
ومن بني أمية أبو سفيان بن حرب كانت عنده " العُقاب "؛ راية قريش. وإذا كانت عند رجل أخرجَها إذا حَميت الحربُ. فإن اجتمعت قريش على أحدٍ أعطوهُ العُقاب، وإن لم يجتمعوا على أحدٍ رأسوا صاحبها وقدَّموه.
стр. 118
ومن بني نوفل الحارث بن عامر: وكانت إليه الرِّفادة، وهي ما كانت تُخرجُه من أموالها، وتُرفدُ به مُنقطعي الحاجِّ.
ومن بني عبد الدار عثمان بن طلحة: كان إليه اللواء والسِّدانة مع الحجابة. ويقال: والندوةُ أيضاً في بني عبد الدار.
ومن بني يزيد بن زمعة بن الأسود: وكانت إليه المشورة، وذلك أن رؤساء قريش لم يكونوا يُجمعون على أمرٍ حتى يعرضوه عليه، فإن وافقه ومالأهم عليه، وإلا تَخَيَّروا، وكانوا له أعواناً. واستشهد مع رسول الله بالطائف.
ومن بني تيم أبو بكر الصديق: وكانت إليه الأشناقُ في الجاهلية، وهي الدِّيات والمضغْرمُ. فكان إذا احتمل شيئاً يسأل فيه قُريشاً صدَّقوه وأمضوا حمالة من نهض معهن وإن حملها غيره خذلوه.
ومن بني مخزوم خالد بن الوليد: وكانت إليه القُبَّةُ والأَعنَّةُ. فأما القبةُ فإنهم كانوا يضربونها، ثم يجمعون إليها ما يُجهِّزون به الجيش. وأما الأعنَّة فإنه كان يكون على خيل قريش في الحرب.
ومن بني عديٍّ عمر بن الخطاب: وكانت إليه السِّفارةُ في الجاهلية، وكانت إذا وقعت بين قريش وغيرهم مُنازعةٌ بعثوه سفيراً، وإن نافَرهم حيٌّ لمفاخرةٍ بعثوهُ مُنافراً ورَضُوا بهِ.
ومن بني جُمح صفوان بن أمية: وكانت إليه الأيسار، وهي الأزلام. كان لا يُسبق بأمرٍ عامٍ حتى يكون هو الذي يجري تيسيره على يديه.
ومن بني سهم الحارث بن قيس: وكانت إليه الحكومةُ والأموالُ المُحجَّرة، التي سمَّوها لآلتهم.
فهذه مكارم قريش التي كانت في الجاهلية، وهي: السِّقاية، والعمارة، والعُقاب، والرِّفادة، والسِّدانة، والحجابة، والنَّدوة، واللواء، والمشُورة، والأشناق،
стр. 119
والقُبَّة، والسِّفارة، والأيسار، والحكومة، والأموال المحجَّرة.
إلى هؤلاء العشرة من هذه البطون العشرة على حال ما كانت في أوَّليَّتهم يتوارثون ذلك كابراً عن كابر، فقام الإسلام فوصل ذلك لهم، وكذلك كل شرف من شرف الجاهلية، أدركه الإسلام. وكانت سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام وحُلوانُ النفر في بني هاشم. فأما السقاية فمعروفةٌ. وأما العمارة فهو ألا يتكلم أحد في المسجد الحرام بهُجر ولا رَفث، ولا يُرفع فيه صوت، كان العباس ينهاهم عن ذلك. وأما حُلوان النَّفر فإن العرب لم تكن تملِّكُ عليها في الجاهلية أحداً، فإذا كانت حرب أقرعوا بين أهل الرياسة. فمن خرجت عليه القرعةُ أحضروه صغيراً كان أو كبيراً. فلما الفِجَار أقرعوأ بين بني هاشمٍ " فخرج سهمُ العباس وهو صغير فأجلسوه على التُّرس.
قال المؤلف، وفَّقه الله لإِرشاد، وتولاَّه بما تولَّى به الصالحين من عباده. المسلمون من العَشرة الذين ذكرهم ابنُ الكلبي هشام، وانتهى إليهم الشرف في قريش ثمانية: العباسُ بن عبد المطلب الهاشميُّ، وأبو سفيان بن حرب الأُمويُّ، وعثمان بن طلحة العبدريُّ، ويزيد بن زمعة الأسدي، وأبو بكر الصدِّيق التَّيميُّ، وخالد بن الوليد المخزوميُّ، وعمر بن الخطاب العَدَويُّ، وصفوان بن أمية الجمحيُّ. والاثنان الباقيان ماتا مشركين، وهما: الحرثُ بن عامر بن نوفل بن عبد مناف النَّوفليُّ. والثاني الحرث بن قيس بن عديِّ بن سهمٍ السَّهميُّ.
فأما الحرث بن عامر النَّوفليُّ فهو من أهل قليب بدر، قتله خُبيب بن إساف الخزرجيُّ. وأما الحرثُ بن قيس بن عدي السهميُّ فكان أحد المستهزئين الذين جعلوا القرآن عِضين، وهو الذي يقال له ابن الغيلطة، وهي أمُّه وإليها يُنسب ولدُها. فيقال لهم الغياطل، وهي من بني كنانة. وأبوه قيس بن عدي، وهو جدُّ عبد الله بن الزِّبعري الأقرب. كان في زمانه من أجلِّ قريش رجلاً، وهو الذي جمع الأحلاف على بني عبد مناف. والأحلف: عدي ومخروم وسهم وجُمح.
стр. 120
وبنو الحرث بن قيس تسعةٌ، منهم ثمانية مسلمون، وهم: تميمٌ وبشرٌ وسعيدٌ وعبد الله ومَعمر وأبو قيس والسائب والحارث. والتاسع الحجاج بن الحرث، أُسر يوم بدر ومات كافراً. وهاجر الثمانية كلُّهم إلى أرض الحبشةِ. ولم يذكر ابن إسحاق أحداً منهم في من شهد بدراً. واستشهد تميم يوم أجنادين، وقُتل عبد الله منهم يوم الطائف شهيداً. والسائب جُرح يوم الطائف، واستشهد يوم فحل بالشام. وقيل إنَّ السائب استُشهد مع أخيه عبد الله بالطائف، كذا قال الزبير بن بكار وطائفةُ. وقد قيل: إن عبد الله قُتل باليمامة شهيداً مع أخيه أبى قيس بن الحرث، فالله أعلمُ. ويقال لعبد الله بن الحارث هذا " المُبْرِق "، لبيت قاله في قصيدة، هو:
إذا أنا لم أُبرِق فلا يَسَعنَّني ... من الأرض برٌّ ذو فضاءِ ولا بحر
وفيها يقول:
وتلكم قريشٌ تجحدُ الله ربَّها ... كما جحدت عادٌ ومَدينُ والحِجْرُ
وقال أبو إسماعيل محمد بن عبد الله الأزديُّ البصريُّ في كتاب فتوح الشام له: استُشهد سعيد بن الحرث والحارث بن الحرث يوم فَحلٍ.
ومن مناقب قريش ما ذكر مسلم في الصحيح فقال: حدَّثنا محمد بن رافع قال: نا عبد الرزاق قال: نا معمر عن همَّام بن مُنبِّه قال: هذا ما حدَّثنا أبو هُريرة عن رسول الله ﷺ ، فذكر أحاديث منها. وقال: قال رسول الله ﷺ : " الناسُ تَبعٌ لقريش في هذا الشأن؛ مُسلمُهم تبع لمسلمهم، وكافرهم تبع لكافرهم ". قال مسلم: وحدثني يحيى بن حبيب الحارثيُّ قال: نا روح، قال: نا ابن جُريج، قال حدثني أبو الزُّبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: قال النبيُّ ﷺ : " الناس تبَعٌ لقريش في الخير والشر ". وقال أيضاً: حدَّثنا أحمد بن عبد الله بن يونس قال: نا عاصم بن محمدٍ عن أبيه قال: قال عبد الله: قال رسول الله ﷺ : " لا
стр. 121
يزال هذا الأمر في قريش ما بقي من الناس اثنان ". وخرَّج البخاريُّ هذا الحديث بسنده ولفظه. وقال البخاري: حدّثنا أبو اليمان: نا شُعيب عن الزهري قال: كان محمد بن جُبير بن مُطعم يُحدِّث أنه بلغ معاوية - وهو عنده في وفدٍ من قريش - أن عبد الله بن عمر يحدّث أنه سيكون ملك من قحطان. فغضب، فقام، فأثني على الله بما هو أهلُه ثم قال: أما بعدُ، فإنه بلغني أن رجالاً منكم يحدِّثون أحاديث ليست في كتاب الله، ولا تُؤثر عن رسول الله ﷺ يقول: " إن هذا الأمر في قريش لا يُعاديهم أحد إلا كبَّه الله على وجهه ما أقاموا الدين ".
وولد فهر غالباً وقد مضى ذِكره، والحارث، ومُحارباً وأمُّهم ليلى بنت سعد بن هُذيل بن مُدركة. قال ابن هشام: وجَندلةُ بنت فهر: وهي امُّ يربوع ابن حنظلة، وأمُّها أمُّ الحارث ومحارب. وفيها يقول جرير بن عطية الخطفيُّ الكُليبيُّ اليربوعيُّ من آخر قصيدة طويلة، يفخر فيها ويناقض الفرزدق:
إني إلى جبلي تَميم مَعقلي ... ومَحلُّ بيتي في اليفاع الأطولِ
أحلامنا تزن الجبال رزانة ... ويفوق جاهلنا فَعال الجُهَّل
وإذا غَضبتُ رمى ورائي بالحصى ... أبناء جَندلةٍ كخيرِ الجندلِ
وأمُّ فهر جندلةُ بنت الحارث بن مِضاضٍ الجُرْهُميِّ، وليس بابن مِضاضٍ الأكبر.
стр. 122
فمن بني الحارث بن فهر: أبو عبيدة بن الجراح الأمين ﵁، وسهل، وسهيل، وصفوان، بنو بيضاء: وهي أمُّهم غَلبت على اسمهم فنُسبوا إليها. واسمها دعد بنت جدم بن أمية بن ظرب بن الحارث بن فهر. وأبوهم وهب بن ربيعة بن هلال بن أُهيب بن ضبَّة بن الحرث بن فهر.
وشهد سُهيل وصفوان بدراً. واستشهد صفوان يومئذ، قتله طُعيمة بن عدي النَّوفليُّ أخو المُطعم وعمُّ جُبير. فأما سهل فماتا بالمدينة، وصلى عليهما النبيُّ ﷺ في المسجد.
مسلم: حدثني هارون بن عبد الله ومحمد بن رافع، واللفظ لابن رافع قالا: نا ابن أبي فديك: أرنا الضحاك يعني ابن عثمان عن أبي النَّضر، عن أبي سَلمة بن عبد الرحمن أن عائشة لما توفِّي سعد بن أبي وقاص قالت: ادخلوا به المسجد حتى أُصلي عليه. فأُنكر ذلك عليها. فقالت: والله لقد صلى رسول الله ﷺ على ابنَيْ بيضاء في المسجد: سُهيل وأخيه.
وقالت عائشة في الحديث الذي قبل هذا، ورواية عنها عَبَّادُ بن عبد الله بن الزُّبير: ما أسرع الناس أن يعيبوا مالا علم لهم به! عابوا علينا أن يُمرَّ بجنازة في المسجد، وما صلى رسول الله ﷺ على سُهيل بن بيضاء إلا في جوف المسجد، واخرج الحديث مالك في الموطأ عن عائشة وذكرت سُهيلاً وحده.
وابنا عمِّهما لحَّا عمرو بن أبي سرح بن ربيعة ووهب بن أبي سرح: كانا من مُهاجرة الحبشة. وشهدا جميعاً بدراً. هكذا قال موسى بن عقبة ومحمد بن إسحاق: عمرو بن أبي سرح. وكذلك قال هشام بن محمد الكلبي. وقال الطبريُّ عن الواقديُّ وأبي مَعشر: هو مَعمر بن أبي سرح. وقالا شهد بدراً وأحداً والخندق والمشاهد كلَّها مع رسول الله ﷺ ، ومات بالمدينة سنة ثلاثين في خلافة عثمان.
стр. 123
ومنهم عياض بن زهير بن أبي شدَّاد بن ربيعة بن هلال بن وهيب بن ضبَّة بن الحرث بن فهر: يكنى أبا سعد، وكان من مهاجرة الحبشة، وشهد بدراً. ذكره إبراهيم بن سعد ابن إسحاق في البدريين، وذكره ابن عقبة وخليفة والواقديُّ في البدريين. وتوفي بالشام سنة ثلاثين. وهو معروف في الفتوحات بالشام.
وابن أخيه عياض بن غنم بن زهير: أسلم قبل الحديبية، وشهدها فيما ذكر الواقديُّ. وكان ربيب أبي عبيدة بن الجراح؛ ابن امرأته. ولما مات أبو عبيدة استخلف عياض بن غنم على الشام، فأقره عمر. وقال: ما أنا بمبدِّل أميراً أمره أبو عبيدة. ثم توفي عياض، فأمر عمر مكانه سعيد بن عامر بن حِذيم الجُمحيَّ.
وعياض بن غنم افتتح عامة بلاد الجزيرة والرَّقَّة وصالحه وجوه أهلها، وهو أول من أجاز الدرب إلى الروم، فيما ذكر الزُّبير. وكان شريفاً في قومه. وقد ذكره ابن الرُّقَيَّات فيمن ذكر من أشراف قريش، فقال:
وعياض وما عياض بن غنمٍ ... كان من خير من أَجَنَّ النساءُ
ومات عياض بن غنم بالشام سنة عشرين، وهو ابن ستين سنةً. وقال ابن المدينيِّ: عياض بن غنم كان أحد الولاة باليرموك.
ومن بني مُحارب بن فهر ضرار بن الخطاب بن مرداس بن كبير بن عمرو بن شيبان بن محارب بن فهر: كان أبوه الخطَّاب بن مرداس رئيس بني فهر في زمانه. وكان يأخذ المِرباع لقومه. وكان ضرار بن الخطاب يوم الفجار على بني محارب بن فهر. وكان من فرسان قريش وشجعانهم وشعرائهم المطبوعين
стр. 124
المجوِّدين. وهو أحد الذين وثبوا الخندق. قال الزُّبير بن بكار: وكانت قريش تقدِّمه على ابن الزِّبعري، لأنه أقلُّ سقطاً منه، وأحسن صنعةً. وهو القائل يستعطف النبيَّ ﵇ يوم الفتح حين قال سعد بن عبادة: اليوم يوم المَلحمَة:
يانبيَّ الهُدى إليك لَجا حي ... يُ قريش، ولات حين لجاء
حين ضاقت عليهم سعة الأر ... ض وعاداهمُ إله السماء
والتقت حَلقتا البِطان على القو ... مِ ونُودوا بالصَّيلم الصَّلعاء
إنَّ سعداً يريد قاصمة الظَّه ... ر بأهل الحُجون والبطحاءِ
خَزرجيٌّ لو يستطيع من الغي ... ظِ رَمانا بالنَّسر والعوَّاءِ
وغرُ الصَّدر لا يَهمُّ بشيءٍ ... غير سفك الدِّما وسبي النساءِ
قد تَلظَّى على البطاحِ وجاءت ... عنه هند بالسَّوءةِ السَّوآءِ
إذ ينادي بذلِّ حيِّ قريشٍ ... وابنُ حربٍ بذا من الشُّهداءِ
стр. 125
فأخذ النبيُّ ﷺ الراية من يد سعد بن عبادة، وجعلها في يد ابنه قيس بن سعد لئلاَّ يجد في نفسه سعد شيئاً. وقيل: إنه أعطى الزُّبير الراية إذ نزعها من سعدٍ. وقيل: إنه أمر علياً فأخذ الراية، فذهب بها حتى دخل مكة، فغرزها عند الركن. وقال ضرارُ بن الخطاب يوماً لأبي بكرٍ الصديق: نحن كنا لقريش خيراً منكم، أدخلناهمُ الجنة، وأوردتُموهمُ النارَ.
واختلف الأوس والخزرج فيمن كان أشجع يوم أحدٍ، فمرَّ بهم ضرار بن الخطاب، فقالوا: هذا شَهدها، وهو عالمٌ بها. فبعثوا إليه فتىً منهم، فسأله عن ذلك فقال: لا أدري ما أوسُكم من خزرجكم، ولكني زوَّجت يوم أحدٍ منكم أحد عشر رجلاً من الحر العين.
ومنهم عقبة بن نافع بن عبد القيس الفهري: وُلد على عهد رسول الله ﷺ ، ولا تصحُّ له صحبة. وكان أبن خالة عمرو بن العاصي. ولاَّه عمرو بن العاصي إفريقية، وهو على مصر. وهو اختطَّ القيروان، وافتتح عامَّة بلاد البربر. وقُتل عقبة بن نافع سنة ثلاث وستين، بعد أن غزا السوس الأقصى. قتله كَسيلة بن لمزم الأورنبي. وكان كسيلة نصرانياً، ثم قُتل كسيلة في ذلك العام أو في العام الذي يليه. قتله زُهير بن قيس البَلويُّ. ويقال: إن عقبة بن نافع كان مستجاب الدعوة.
ومنهم الضحاك بن قيس بن خالد الأكبر بن وهب بن ثعلبة بن واثِلة بن عمرو بن شيبان بن محارب بن فهر: يكنى أبا أُنيس. وقيل: أبو عبد الرحمن، قاله خليفة بن خياط. والأولُ قولُ الواقديِّ، ولا يصحُّ سماعه من النبي ﵇. قيل: إنه وُلد قبل وفاة رسول الله ﵇ بسبع سنين أو نحوها.
стр. 126
وكان على شُرطة معاوية، ثم صار عاملاً له على الكوفة بعد زياد، وولاه عليها معاوية سنة ثلاثٍ وخمسين، وعزله سنة سبع وخمسين. وولى مكانه عبد الرحمن بن أمُّ الحكم، وضمَّه إلى الشام. فكان معه حتى مات معاوية، فصلى عليه، وقام بخلافته حتى قدم يزيد بن معاوية. فكان معه إلى أن مات يزيدُ، ومات بعده ابنه معاوية بن يزيد.
ووثب مروان بن الحكم على بعض الشام، فبُويع له. وبايع الضحاك بن قيس أكثر أهل الشام لابن الزُّبير، ودعا له فاقتتلوا، فقُتل الضحاك بن قيس، وذلك بمرج راهط. وكان يوم المرج للنصف من ذي الحجة سنة أربع وستين. روى عنه الحسن البصري، وتميم بن طرفة، وميمون بن مهران، وسماك بن حرب. فحديث الحسن عنه في الفتن، وحديث تميم عنه في ذمِّ الرياء وإخلاص العمل لله.
وأخته فاطمة بنت قيس: يقال إنها كانت أكبر منه بعشر سنين، وهي من المهاجرات الأوَل. وكانت ذات جمال وعقل وكمال. وفي بيتها اجتمع أصحاب الشورى عند قتل عمر بن الخطاب، وخطبوا خطبتهم المأثور. وقال الزُّبير: وكانت امرأةً نجوداً. والنَّجود: النبيلة. وكانت عند أبي عمرو بن حفص بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم. وقيل: أبو عمرو بن حفص بن عمرو بن المغيرة، فطلقها باليمن، وكان في البعث الذي سار فيه عليٌّ أميراً علىاليمن. وقال مالك: إنه طَلَّقها البتَّة، وهو غائب بالشام. ذكر ذلك عنها أبو سلمة بن عبد الرحمن والحديث مشهور، ونصُّه في الموطأ: مالك عن عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، عن فاطمة بنت قيس أن أبا عمرو بن حفص طَلَّقها البتَّة، وهو غائب بالشام. فأرسل إليها وكيلُه بشعير فسخطتْهُ. فقال: والله ملك علينا من شيء. فجاءت إلى رسول الله ﷺ ، فذكرت ذلك له: فقال: " ليس لك عليه نفَقةٌ ". وأمرها أن تعتدَّ في بيت أمِّ شريكٍ. ثم
стр. 127
قال: " تلك امراة يغشاها أصحابي، اعتدى عند عبد الله ابن أمِّ مكتوم، فأنه رجلٌ أعمى، تَضعين ثيابك. فإذا حللتِ فآذنيني ". فلما حَللت ذكرتُ له: إن معوية بن أبي سفيان وأبا جَهم بن هشام خطباني. فقال رسول الله صلى عليه وسلم: " أما أبو جهمٍ فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية فصُعلوك لا مال له. انكحي أسامة بن زيد ". قالت: فكرهتُهُ. ثم قال: " انكحي أسامة بن زيد ". فنكحتُهُ، فجعل الله في ذلك خيراً، واغتبطتُ به.
وأبو عمرو بن حفص المخزوميُّ زوج فاطمة بنت قيس هذه، المطلِّقُ لها، هو الذي كلَّم عمر بن الخطاب، وواجهه في عزله خالد بن الوليد عن حروب الشام. ذكر النَّسائيُّ قال: نا إبراهيم بن يعقوب الجَوْزَجانيُّ: نا وهب بن زمعة قال: نا عبد الله بن المبارك عن سعيد بن يزيد قال: سمعتُ الحارث بن يزيد يحدِّث عن عليِّ بن رَباح، عن ناشرة بن سُميٍّ اليَزَنَيِّ قال: سمعتُ عمر بن الخطاب يقول يوم الجابية في حديث ذكره: وأعتذِرُ إليكم من خالد بن الوليد، فإني أمرته أن يحبس هذا المال علىضعَفة المهاجرين فأعطاه ذا البأس واليسار وذا الشَّرف. فنزعته وأثبتُّ أبا عبيدة بن الجَّراح. فقال أبو عمرو بن حفص بن المغيرة: والله لقد نزعت غلاماً أو عاملاً استعمله رسول الله ﷺ ، وغَمدت سيفاً سلَّهُ الله ووضعت لواء نصبَه رسول الله ﷺ . ولقد قطعت الرحِم، وحسدت ابن العمِّ. فقال عمر: أما إنك قريب القرابة، حديث السن، تغضبٌ لابن عمِّك. قال إبراهيم بن يعقوب: سألت أبا هشامٍ المخزوميَّ، وكان علاَّمةً بأسمائهم عن اسم أبي عمرو هذا. فقال: اسمه أحمد. وذكر البخاريُّ هذا الخبر في التاريخ عن عبدان عن ابن المبارك باسنادٍ نحوه. وأخرجه فيمن لا يعرف اسمه من الكنى المجرَّدة عن الأسماء.
قال المؤلف، غفر الله لهُ، وبلَّغه من رضاه أملهُ: وهب بن زَمعة الذي روى عنه إبراهيم بن يعقوب الجَوْزَجَانيُّ شيخ النسائي. قال مسلم عنه في الكنى: هو أبو عبد الله وهب بن زمعة التميمي المروزيُّ، سمع عبد الله بن المبارك. وقال في سعيد بن يزيد أبي شجاع الذي روى عنه ابن المبارك إنه روى عن خالد بن
стр. 128
أبي عمران والحارث بن يزيد. وهو الراوي عن عليَّ بن رباح. وقال مسلم: أبو موسى عليُّ بن رباح اللخميُّ سمع أبا هُريرة وعمرو بن العاصي وعقبة بن عامر روى عنه ابنُه موسى.
قال القاضي أبو الوليد هشام بن أحمد الكنانيُّ الوَقشيُّ ﵀: أدخل البخاريُّ عليَّ بن رَباح هذا في باب عَليّ " مُكبَّراً ".. ويقال عُليٌّ، والصحيح على. والأشهرُ في اسمه عُلي " مُصغراً ".وقيل: كان يغضب منه ويقول: لا أجعلُ من قال عُليٌّ في حِلٍّ. وهكذا ذكرهُ الدارقطني مصغراً وكان يُلقَّب به، ويخرج على من سماه عُلياً بالتصغير. وكان اسمه علياً.
وابنه موسى بن علي: وكان أيضاً يجدُ إذا قيل له: ابن عُليٍّ، بالتصغير. قال الليث بن سعدٍ: سمعت موسى بن علي يقول: من قال لي موسى بن عُلي لم أجعله في حلٍّ. وروى موسى عن أبيه عن عقبة بن عامر وأبي هُريرة. وروى عن موسى ابن مهدي ووكيع وأبو نُعيم.
ومن قريش أبو محمد عبد الله بن وهب بن مسلم القرشيُّ: المصريُّ الفقيه. تفقَّه بمالك والليث بن سعد وعبد العزيز بن أبي حازم وابن دينار والمغيرة. وصنَّف الموطَّأ الكبير والموطَّأ الصغير. قال ابن وهب: ولدتُ سنة خمس وعشرين ومئة، وطلبتُ العلم، وأنا ابن سبع عشرة سنةً، وأدركت من أصحاب ابن شهاب أكثر من عشرين رجلاً، ورحلتُ إلى مالك سنة ثمان وأربعين ومئة. قال أبو الطاهر بن السرح: سمع ابن وهب من مالك قبل عبد الرحمن بن القاسم ببضع عشرة سنةً، لم يزل يسمعُ منه من سنةِ ثمان وأربعين ومئة إلى سنة تسع وسبعين ومئة. وقال أبو الطاهر: وكان مالك ... إليه في المسائل إلى عبد الله بن وهب المعنيِّ، ولم يكن يفعل هذا بغيره. وتوفي ابنُ وهب يوم ...
مالك بن النَّضر: وولد مالك بن النَّضر فهراً، وقد مضى ذكرُه. ولم يذكر ابن إسحاق لمالك بن النَّضر غير فهرٍ وحده ولداً.
النّضر بن كنانة: وولد النضر مالكاً أبا فهرٍ كما ذكرتُ، والصَّلت بن النضر
стр. 129
فيما قال أبو عمرو المدنيُّ. وأمُّهما بنت سعد بن ظرب العَدوانيِّ. قيل: اسمها هند. وقال ابن إسحاق: أمُّ مالك بن النضر عاتكةُ بنت عَدوان بن عمرو بن قيس بن غَيلان. وفي الصلت يقولُ كُثيرِّ بن عبد الرحمن. وهو كثيِّرُ عزَّة، من قصيدة:
أليس أبي بالصَّلت أم ليس إخوتي ... بكلِّ هجان من بني النَّضر أزهرا؟
رأيتُ ثياب العصب مُختلط السَّدى ... بنا وبهم والحضرميَّ المخصَّرا
فإن لم تكونوا من بني النَّضر فاترُكوا ... أراكاً بأذناب الفوائج أخضرا
إذا ما قطعنا من قريش قرابةً ... فأيُّ قسيٍّ تحفِزُ النَّيل ميسرا
وإنَّ التي قد سُمتني فأبيتُها ... إذا سُمتَها يوماً قبيضةَ أنكرا
والذين يُعزونَ إلى الصَّلت بن النضر منخُزاعة: بنو مُليح بن عمرو، ورهط كثيرِّ وميسرةُ المذكور هو ابن أمِّ حيدرةَ من خُزاعة. يقول: إذا قطعنا قرابتنا من قريش فبمن نستعين على عدوِّنا؟. وضرب القسيِّ مثلاً لأنها تحفزُ النَّبل، وتُعينها على الذَّهاب. وقبيضة بن ذُؤيب الخزاعيُّ.
وأمُّ النَّضر: برَّة بنت مُرَّ أخت تميم بن مُرِّ. قال جرير بن عطية الكُليبيُّ
стр. 130
اليربوعيُّ يمدح هشام بن عبد الملك بن مروان، ويذكر أمَّ النَّضر، لأنها ولدت قريشاً. وهذه الأبيات مُتحيزة من كلمةٍ له:
وأنت إذا نظرت إلى هشامٍ ... عرفت نجار مُنتخبٍ كريم
إذا بعض السنين تعرَّقتنا ... كفى الأيتام فقد أبىاليتيم
أمير المؤمنين على صراطٍ ... إذا اعوجَّ الموارد مُستقيم
لك المُتخيِّران أبا وخلاً ... فأكرم بالخُؤولة والعموم
فيا بن المُطعمين إذا شتونا ... ويا بن الذائدين عن الحريم
سمابك خالد وبنو هشامٍ ... إلى العلياء في الحسب الجسيم
وتنزل من أُمية حيث تُلقى ... شُؤون الرأس مجتمع الصَّميم
فما الأمُّ التي ولدت قريشاً ... بمُقرفة النِّجار ولا عقيم
стр. 131
وما فحل بأنجب من أبيكم ... ولا خالٌ بأكرم من تميم
يَعني برَّة بنت مُرٍّ أخت تميم بن مُرٍّ أمَّ النَّضر.
كنانة بن خُزيمة: فولد كنانةُ النَّضر المذكور آنفاً، ومالكاً، وعبدَ مناة، ومِلكان. ويقال لبني كنانة، وقريش فيهم، بنو عليٍّ، لأن عليٍّ بن مسعود الأزديَّ تزوج أمَّ كنانة، فنسبتهم العرب إلى علي، وذلك موجود في أشعارها. قال أمية بن أبي الصلت في القصيدة التي يرثي بها من أُصيب من قريش يوم بدر:
لله درُّ بني عل ... يٍّ؛ أيِّم منهم وناكح
إن لم يُغيروا غارةً ... شعواء تُحجِر كلَّ نابح
وأما بنو ملكان بن كنانة: فلهم بقية. وليس لهم شرفٌ بارعٌ.
وأما مالك بن كنانة: فمن بنيه فُقيم وفراس. وبنو فقيم هم نسأةُ الشهور، وهم أشراف كنانة. وفقُيم: هو ابن عديِّ بن عامر بن ثعلبة بن الحرث بن مالك بن كنانة.
ومن بني فُقيم القَلَمَّسُ: وهو حذيفة بن عبد بن فُقيم. وكان أول من نسأ الشهور على العرب، فأحلَّت منها ما أحلَّ، وحرَّمت منها ما حرَّم. وكانت العرب إذا فرغت من حجِّها اجتمعت إليه أعني القلمَّس، فحرَّم الأشهر الأربعة، وهي: رجب، وذو القعدة، وذو الحجَّة، والمحرَّم. فإذا أراد أن يُحلَّ منها شيئاً أحل المحرَّم
стр. 132
فأحلوه، وحرَّم مكانه صفراً فحرَّموه، لِيُواطيء عدَّة الأشهر الحُرُم. فإذا أرادوا الصدر قام فيهم، فقال: اللهمَّ إني قد أحللت لهم أحد الصفرين؛ الصَّفر الأول، ونسأت الآخر للعام المُقبل. فقال في ذلك عُمير بن قيس جذل الطِّعان، أحد بني فراس بن غنم بن مالك بن كنانة يفخر بالنَّساة على العرب:
لقد علمتْ مَعدٌّ أنَّ قومي ... كرام الناس إن لهم كِراما
فأيَّ الناس فاتونا بوترٍ ... وأيُّ الناس لم نُعلك لِجاما
ألسنا الناسئين على مَعّدٍّ ... شهور الحِلِّ نَجعلها حَراما
ثم قام بعد القَلمَّس، وهو حُذيفة على ذلك ابنه عبَّادُ بن حُذيفة: حتى كان آخر بنيه، وعليه قام الإسلامُ، أبو ثُمامة جُنادة بن عوف بن أميَّة بن قَلع بن عباد بن حذيفة.
ومن بني فراس جذل الطَّعان المذكور وربيعة بن مُكدم: وهما من فرسان العرب، جاهليان. وبنو فراسٍ أشجع أهل بيت في العرب. وفيهم قال عليُّ بن أبي طالب لأهل الكوفة: وددتُ والله أن لي بمئة ألف منكم ثلاثمئة من بني فراس بن غنم بن ثعلبة.
ومنهم الفراسيُّ: ويقال: فراس، وهو من بني فراس بن مالك بن كنانة. حديثه عند أهل مصر: أن رسول الله ﷺ قال له: " إن كنت لابدَّ سائلاً فسل الصالحين ". وله حديث آخر مثل حديث أبي هُريرة في البحر: " هو الطَّهور ماؤه، الحلُّ ميتتُهُ ".كلاهما يرويه الليث بن سعد عن جعفر بن ربيعة، عن بكر بن سوادة، عن مسلم بن مَخشي، عن ابن الفراسيِّ، عن أبيه، عن النبي ﷺ يُعدُّ في أهل مصر، ومَخرج حديثه عنهم.
وأمَّا عبد مناة بن كنانة: فولد بكراً، عامراً، ومُرَّة. فولد بكر ليثاً، والدُّئل، وضمرة. فمن بني سعد بن ليث: خالد، وغافل، وعامر، وإياس؛ بنو البُكير بن عبد ياليل بن قاشب بن غيرة بن سعد بن ليث. وهم بدريَّون أسلموا قديماً، وهاجروا وهم حُلفاء بني عديِّ بن كعب.
стр. 133
ومنهم أبو الطُّفيل عامر بن واثلة بن عبد الله بن عُمير بن حُميس بن جُديِّ بن سعد بن ليث، ولد عام أحدٍ، وأدرك من حياة النبيِّ ﷺ ثماني سنين. نزل الكوفة، وصحب علياً ﵁ في مشاهد كلَّها، فلما قُتل علي انصرف إلى مكة، فاقام بها حتى سنة مئة، وهو آخر من مات ممَّن رأى النبيَّ ﵇.
روى حماد بن زيد عن سعيدٍ الجُريريِّ، عن أبى الطُّفيل قال: ما على وجه الأرض اليوم رجل رأى النبيَّ ﵇ غيري. وروى إسماعيل بن إسحاق القاضي عن عليِّ بن المدينيِّ عن سُليم بن أخضر، عن الجُريريِّ سمعه يقول: كنت أطوف بالبيت مع أبى الطُّفيل، فيحدِّثني وأحدِّثُه. فقال لي: ما بَقي على وجهِ الأرض عين تطرف رأى النبيَّ ﵇ غيري. قال علي: ومات بمكة. وكان أبو الطُّفيل شاعراً مُحسناً. وهو القائلُ:
أيدعونني شيخاً وقد عشتُ حِقْبةً ... وهنَّ من الأَزواج نحوي نوازعُ
وما شاب رأسي من سنين تتابعت ... عليَّ، ولكن شَيَّبتْني الوقائع
وهذا من جيد الشعر. وذكره ابن أبي خيثمة في شعراء الصحابة. وكان فاضلاً، عاقلاً، حاضر الجواب. وكان يتشيَّع في علي ﵁، ويُفضله ويثني على الشيخين أبي بكر وعمر ﵄، ويترحَّم على عثمان ﵁. ودخل أبو الطُّفيل يوماً على معاوية. فقال له: كيف وجدُك علي خليلك أبى الحسن؟ قال: كوجْدِ أمِّ موسى على موسى، وأشكو إلى الله التَّقصير.
وقال معاويةُ يوماً: كنت فيمن حضر قتل عثمان؟ قال: لا، ولكني كنت فيمن حضره. قال فما منعك من تصرهِ؟ قال: وأنت ما منعك من نصره إذ
стр. 134
تربصت به ريب المنون، وكنت في أهل الشام، وكلُّهم تابع لك فيما تريد؟ فقال معاوية: أو ما ترى طلبي بدمه نُصرةً له؟ قال: بلى، ولكنك كما قال القائل:
لأُلقينَّك بعد الموت تندُبني ... وفي حياتي ما زوَّدتني زادي
ومنهم أبو الأسقع واثلة بن الأسقع بن عبد العُزى بن عبد ياليل بن ناشب بن غِيرة بن سعد بن ليثٍ. أسلم، والنبيُّ ﵇، يتجهز إلى تبوك. ويقال: إنه خدم النبيَّ ﵇ ثلاث سنين. وكان من أهل الصُّفَّة، نزل البصرة، وله دار بها، ثم سكن الشام. وكان منزله على ثلاث فراسخ من دمشق بقريةٍ يقال لها " البلاط ". وشهد المغازي بدمشق وحمص. ثم تحوَّل إلى بيت المقدس، ومات بها، وهو الن مئة سنة. وقيل توفي في دمشق في آخر خلافة عبد الملك سنة خمس أو ست وثمانين، وهو أبن ثمانٍ وتسعين سنة.
روى عنه الشاميون: مكحول وعبد الله بن عامر اليحصبيُّ، أحد القراء السبعة. وشَدَّاد أبو عمار: وهو شدّاد بن عبد اله، ويروى شداد أيضاً عن أبي أُمامة الباهليُّ: وروى عنه الأوزاعيُّ وعكرمةُ بن عمار.
ومن بني عتوارة بن عامر بن ليث شَدَّادُ بن الهادي. قال مسلم بن الحجاج: يقال: اسم الهادي أسامةُ بن عمرو بن عبد الله بن بشر بن عتوارة بن عامر بن ليث. وقيل لأسامة أبيه الهادي، لأنه كان يوقد النار ليلاً لمن سلك الطريق. وكانت عند شدادٍ سلمى بنتُ عُميس، أخت أسماء بنت عُميس. فولدت له عبد الله بن شداد. وكان فقيهاً محدِّثاً. وهو ابن خالة عبد بن عباس وخالد بن الوليد وعبد الله بن جعفر الطيار ومحمد بن أبي بكر الصديق ويحيى بن علي بن أبي طالب.
стр. 135
وكان شدّاد سلفاً لرسول الله ﷺ ولأبي بكر الصديق وللعباس بن عبد المطلب. وسكن المدينة، وتحوَّل إلى الكوفة، وداره بالمدينة معروفة. من حديثه عن النبيِّ ﷺ أنه قال: خرج علينا رسول الله ﷺ في إحدى صَلاتي العشاء. وهو حاملٌ أحدَ ابني ابنته: الحسن أو الحسين، الحديث.
روى عنه ابنُه عبد الله بن شداد وابن أبي عمار. وهو أبو عمر عمار بن أبي عمار مولى بني هاشم. وسمع عمارُ بن أبي عمار أيضاً أبا قتادة الحرث بن ربعي السَّلميَّ الأنصاريَّ، وأبا هُريرة وابن عباس، روى عنه عوف الأعرابيُّ وشعبة ويونس.
ومن بني جُندع بن ليث عُمير بن قَتادة بن سعد بن عامر بن جُندع: سكن مكة. له صحبةٌ ورواية؛ روى عنه أبو داود في كتابه السُّنن. فقال: حدثنا إبراهيم بم يعقوب الجَوْزَجانيُّ قال: نا معاذ بن هانيء قال " نا جندب بن سوادٍ قال: نا يحيى بن أبي كثير عن عبد الحميد بن سنان، عن عُبيد بن عُمير عن أبيه أنه حَدثه، وكانت له صحبةٌ، أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ عن الكبائر فقال: " هنَّ تسع: الشركُ بالله، والِّحرُ، وقتلُ النفس التي حرَّم الله، وأكلُ الرِّبا، وأكلُ مال اليتيم، والتَّواني يوم الزحف، وقذف المحصنات، وعقوق الوالدين المسلمين، واستحلالُ البيت الحرام قِبلتِكم أحياءً وأمواتاً ".
ولم يرو عنه غيرُ ابنه عُبيد بن عُمير من كبار التابعين. وكان قاضي أهل مكة، ويُكنى أبا عاصم. وهو أولُ من قصَّ بمكة ومات بها سنة ثمانٍ وستين. وسمع عُبيدٌ أيضاً عمر بن الخطاب وعائشة وعبد الله بن عمرو بن العاصي. وروى عنه عطاء بن أبي رباح ومُجاهد. وقال البخاريُّ: إنه رأى النبيَّ ﷺ ، وذكره مسلم بن الحجاج فيمن وُلد على عهد رسول الله ﷺ .
стр. 136
وابنه أبو هاشم عبد الله بن عُبيد بن عُمير: روى عن ابن عُمر وأبيه. ومات سنة ثلاث عشرة ومئة. وروى عنه الزهريُّ والضحاك بن عثمان.
وولد عبد الله بن عُبيد بن عُمير محمداً: وكان ضعيفاً في الحديث. مسلم: حدثني عبد الرحمن بن بشر العبدي قال: سمعت يحيى ين سعيد القطان ذُكر عنده محمد بن عبد الله بن عُبيد بن عُمير الليثي، فضعَّفه جداً. فقيل ليحيى: أضعف من يعقوب بن عطاء؟ قال: نعم. ثم قال: ما كنت أرى أحداً يروي عن محمد بن عبد الله بن عُبيد بن عُمير.
ومنهم أمية بن الأسكر الجُندعي: حجازيٌّ أدرك الإسلام، وهو شيخ كبير، وكان شريفاً في قومه، وكان له ابنان ففرَّا منه. وكان أحدهما يسمى كلاباً، فبكاهما بأشعارٍ له، وكان شاعراً، فردَّهما عليه عمر بن الخطاب، وحلف عليهما ألا بفارقاه أبداً حتى يموت. خبره مشهور صحيح، رواه الزهريُّ وهشام بن عروة عن أبيه عروة بن الزُّبير.
ومن بني جُندع بن ليث عطاء بن يزيد الليثيُّ: يُعدُّ من كبار التابعين. سمع أبا أيوب وأبا سعيد الخُدريَّ وأبا هُريرة. روى عنه الزهريُّ وسُهيل بن أبي صالح. وخرَّج عنه مالك والبخاريُّ ومسلم وغيرهم. روى عنه مالك في الموطأ جملة أحاديث، منها في كتاب الصلاة حديثين، وفي كتاب الجامع حديثين، كلُّها عن ابن شهاب عنه. فأما الحديثان اللذان في كتاب الصلاة فأحدهما حديث: " إذا سمعتُم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذِّن " عن أبي سعيد الخُدريِّ. والثاني حديثُ الرجل الذي سارَّ رسول اله ﷺ في قتل رجلٍ من المنافقين عن عبيد الله بن عديِّ بن الخيار النَّوفليِّ القرشيِّ.
وأما الحديثان اللذان في كتاب الجامع، فأحدهما في المهاجرة عن أبي أيوب الأنصاريِّ، والثاني في التعفُّف عن المسألة عن أبي سعيد الخُدريِّ. وأما روايته عن أبي هُريرة فذكر مسلم: حدثني عبد الحميد بن بَيان الواسطيُّ قال: نا خالدُ بن عبد الله عن سُهيل، عن أبي عُبيد المَدحجيِّ قال مسلم: أبو عبيد مولى سليمان بن عبد الملك عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي هُريرة، عن رسول الله ﷺ : " من سَبَّح الله في دُبر كل صلاةٍ ثلاثاً وثلاثين،
стр. 137
وحمِدَ الله ثلاثاً وثلاثين، وكبَّر اللهَ فتلك تسعة وتسعون - قال: - تمام المئة: لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، لهُ الملكُ ولهُ الحمدُ، وهو على كل شيء قدير، غُفرت خطاياهُ، وإن كانت مثل زبد البحر. وروى مالك هذا الحديث موقوفاً على أبي هُريرة في آخر كتاب الصلاة من الموطأ، عن أبي عُبيد مولى سليمان بن عبد الملك عن عطاءٍ، عن أبي هُريرة. ويُكنى عطاءً أبا محمد. وتوفي سنة سبع ومئة، وهو ابنُ اثنتين وثمانين سنة.
ومن مولى بني جُندع بن ليث سعيد بن أبي سعيد المقبرُي: واسم أبي سعيد كيسان. وكان كاتباً لرجل من بني جُندع بن ليث. فأدَّى كتابته، فعتق. وكان منزله عند المقابر، فقيل له المقبُري لذلك. وأكثر رواية أبي سعيد عن أبي هُريرة، وروى أيضاً عن عمر، وتوفي سنة مئة في خلافة عمر بن عبد العزيز. وقيل: تُوفي بالمدينة في خلافة سليمان بن عبد الملك. وكان سعيد من سكان المدينة، وبها كانت وفاته في خلافة هشام سنة ثلاث وعشرين ومئة. وأكثر روايته عن أبيه ولمالك عن سعيد في الموطأ خمسة أحاديث، أحدها موقوف........
ومن بني عامر بن ليث أبو واقد الليثي: واسمه الحرث بن عوف، وقيل: عوف بن الحرث، وقيل: الحرث بن مالك. قيل إنه شهد بدراً، وكان قديم الإسلام. وقيل: إنه كان معه لواء بني ليثٍ وضمرة ابني بكر بن عبد مناة بن كِنانةَ يوم الفتح. وقيل: إنه من مُسلمة الفتح، والأول أصح وأكثر. وكان يُعدُّ في أهل المدينة. وروى عن النبي ﷺ ، ورُوي عنه.
مالك عن ضمرة بن سعيد المازنيِّ عن عبد الله بن عُتبة بن مسعود أن عمر بن الخطاب سأل أبا واقدٍ الليثيَّ ما كان يقرأ به رسول الله ﷺ في الأضحى والفِطر. فقال: كان يقرأ بقاف والقرآن المجيد، واقتربت الساعةُ، وانشق القمر.
وأخرج مُسلم هذا الحديث عن يحيى بن يحيى التَّميميَّ عن مالك مثل ما نصَّه في الموطأ. وجاورَ أبو واقدٍ بمكة، ومات بها، ودفن في مقبرة المهاجرين سنة ثمانٍ وستين. وهو ابنُ خمسٍ وسبعين سنة، وقيل: ابن خمسٍ وثمانين.
стр. 138
ومن بني عامر بن الليث الصَّعب بن جَثامة بن قيس: وكان ينزل ودَّان من أرض الحجاز. روى عنه عبد الله بن عباس حديث الحمار الوحشي. مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن عبد الله بن عباس، عن الصَّعب بن جثامة الليثي أنه أهدى لرسول الله ﷺ حماراً وحشياَ، وهو بالأيواء أبو بودان، فردَّه عليه رسول الله ﷺ . فلما رأى رسول الله ﷺ ما في وجهي قال: " إنا لم نَرْدُدْهُ عليك إلا أنَّا حُرُم ".
وروى عنه أيضاً شُريحُ بن عُبيد الحضرميُّ. ومات الصعب بن جثامة في خلافة أبي بكر الصديق ﵁.
وأخوه مُحلِّم بن جَثامة: قاتل عامر بن الأضبط الأشجعي، وخبرهما مشهور في صحيح مسلم وغيره.
ومن بني يعمر بن عوف بن كعب بن عامر بن ليث فَضالةُ بن عُمير بن الملوَّح. وهو الذي أراد قتل النبيِّ ﷺ ، وهو يطوف بالبيت عام الفتح. فلما دنا منه قال رسول الله ﷺ : " فضالةُ؟ " قال: نعم، فضالةُ يا رسول الله. قال: " ماذا كنت تحدِّث نفسك؟ " قال: لا شيءَ، كنت أذكر الله. قال: فضحك النبيُّ ﷺ ثم قال: " استغفر الله "، ثم وضع يده على صدره، فسكن قلبُه. فكان فضالةُ يقول: والله ما رفع يده عن صدري حتى ما من خلق الله شيء أحبُ إليَّ منه. قال فضالةُ: فرجعت إلى أهلي، فمررتُ بامرأة، كنت أتحدَّث إليها فقالت: هلمَّ إلي الحديث. فقلت: لا وانبعث فضالةُ يقول:
قالت: هلمَّ إلي الحديث. فقلت: لا ... يأبى عليكِ الله والإسلامُ
стр. 139
لو ما رأيت محمداً وقبيله ... بالفتح يوم تكسَّرُ الأصنامُ
لرأيت دين الله أصبح بيِّناً ... والشِّرك غشَّى وجَههُ الإظلامُ
ويعمر بن عوف بن كعب بن عامر بن ليث: هو الشَّدَّاخ. وقيل له الشدّاخ لأنه كان الذي أصلح بين قصيٍّ وخُزاعة وبني بكر بن عبد مناة بن كنانة، إذ كانوا فوَّضوا إليه الحكم بينهم، ورضُوا به حكماً. فحكم بأن قصياً أولى بالكعبة ومكة منهم، وأنَّ كلَّ دمٍ أصابه قصي من خزاعة وبني بكر يشدخُه تحت قدميه، وأنَّ ما أصابت خُزاعة من قريش وكنانة وقضاعة ففيه الدِّيةٌ مُؤدَّاة. فسمِّي يعمر بن عوف يومئذ الشدّاخ لما شدخ من الدماء، ووضع منها.
ومن بني يعمر بن ليث مَعدان بن أبي طلحة اليعمريُّ: من التابعين وروى عن ثوبان مولى النبي ﵇. مسلم: حدثنا محمد بن بشار حدثنا يحيى ... بن سعيد: حدثنا شعبةُ: حدثني قتادة عن سالم بن أبي الجعد، عن مَعدان بن أبي طلحة اليَعمريِّ، عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ قال: " من صلى على جنازةٍ فله قيراط، فإن شهد دفنها فله قيرطان، القيراطُ مثلُ أحدٍ ". مسلم: حدثنا أبو غسَّان المسمَعُّي ومحمد بن مُثنَّى وابن بشار، وألفاظُهم متقاربة قالوا: نا معاد بن هشام قال: حدثني أبي عن قتادة، عن سالم بن أبي الجَعد، عن مَعدان بن أبي طلحة اليعمريِّ، عن ثوبان أن نبَّي الله ﷺ قال: " إني لبعُقر حَوضي أذودُ الناس لأهل اليمن، أضربُ بعصاي حتى يَرفضَّ عليهم "، فسئل عن عَرضه فقال: " من مَقامي إلى عُمان "، وسُئل عن شرابه فقال: " أشدُّ بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، يُبعث فيه ميزابان يُمِدَّانه من الجنة؛ أحدهما من الذهب والآخر من وَرِقٍ ".
ومن بني الشدّاخ ابن دَأب: وهو عيسى بن يزيد بن بكر بن دَأبٍ،
стр. 140
ويكنى أبا الوليد. وله عقب بالبصرة. وأخوه يحيى بن يزيد. وكان أبوهما أيضاً عالماً بأخبار العرب وأشعارها. وكان شاعراً أيضاً. والأغلبُ على آل دأب الأخبار.
ومن بني ليثٍ علقمةُ بن وقّاص: وُلد على عهد النبي ﵇، فيما ذكر الواقدي. ويدل على ذلك روايته عن عمر بن الخطاب: وهو من كبار التابعين. وتوفي في خلافة عبد الملك بن مروان بالمدينةز وله دار بها في بني ليث، وخرّضج عنه الأئمة.
وابنُ ابنه أبو عبد الله محمد بن عمرو بن علقمة: من شيوخ مالكٍ له عنه حديث واحدٌ مُسند في كتاب الجامع. مالك عن محمد بن عمرو بن علقمة عن أبيه، عن بلال بن الحرث المزني أن رسول الله ﷺ قال: " إنَّ الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما كان يظنُّه أن تبلغ ما بلغت يكتب الله له رضوانهُ إلى يوم يلقاهُ، وان الرجل ليتكلَّم بالكلمة من سخط الله ما كان يظُنُّ أن تبلُغ ما بلغت، يكتب الله له بها سَخطه إلى يوم يلقاهُ. وتوفي محمد بن عمرو بالمدينة، وكان من ساكنيها سنة أربع وأربعين ومئة في خلافة أبي جعفر المنصور، وكان كثير الحديث.
ومن بني يعمر ليث قباث بن أشيم بن عامر بن الملوَّح الكنانيُّ: سكن دمشق. وذكر البخاريُّ قال: حدثنا عبد الله بن يوسف: نا الوليد بن مسلم: نا ثور، عن يونس بن سيف، عن عبد الرحمن بن زياد، عن قباث بن أشيم الليثيِّ قال ك قال رسول الله ﷺ : " صلاةُ رجلين يَؤُمُّهما أحدهما أزكى عند الله من صلاة ثمانية، وصلاة ثمانية يؤمُّهم أحدُهم، أزكى عند الله من صلاة مئة تَترى ". ذكره البخاري في التاريخ. وفي جامع التِّرمذيِّ في باب ميلاد النبيِّ ﵇: وسأل عثمان بن عفان قباث بن أشيم أخا بني يعمر ابن ليثٍ: أأنتَ أكبرُ أم رسولُ الله ﷺ ؟ فقال: رسول الله ﷺ أكبرُ مني، وأنا أقدمُ منه في الميلاد. وُلد رسول الله ﷺ عام الفيل، ووقفت بي أمي على الموضع. قال: ورأيت خذق الطير
стр. 141
أخضر مُحيلا. وعن غير الترمذي: ووقفت بي أمي على روث الفيل وأنا أعقلُه. ذكر ذلك ابن عبد البر في كتاب " الصحابة ". وقال: إنَّ السائل لقباثٍ عبدُ الملك بن مروان.
ومن بني ليثٍ هشام بن صُبابة: أخو مقيس بن صُبابة، قُتل في غزوة ذي قرد مسلما. وذلك في سنة ستٍ من الهجرة، أصابه رجل من الأنصار من رهط عبادة بن الصامت وهو يُرى أنه من العدوِّ فقتله خطأ. وأمر رسولُ الله ﷺ بقتل أخيه مقيس يوم الفتح.
قال أبن إسحاق: وإنما أمر رسول الله ﷺ بقتله لقتل الأنصاريِّ الذي كان قتل أخاه خطأ، ورُجوعه إلى مكة مشركاً. قتله نُميلةُ بن عبد الله من عامر بن ليث، رجل من قومه، فقالت أخت مِقيس في مقتله:
لَعمري لقد أخزى نُميلةُ رهطهُ ... وفجَّع أضْيافَ الشتاء بمقيس
ومن بني ليث عُروةُ بن أُذَينة: روى عنه مالك في الموطأ ما أسرُدهُ هنا. مالك عن عروة بن أذينة الليثيِّ أنه قال: خرجتُ مع جدَّة لي عليها مشيٌ إلي بيت الله. حتى إذا كنا ببعض الطريق عجزت، فأرسلت مولى لأهلها يسأل عبد الله بن عمر، فخرجت معه. فسأل عبد الله بن عمر فقال له عبدُ الله بن عمر: مُرها فلتركب، ثم لتمش من حيثُ عجزت. وكان عروةُ شاعراً مجيداً في الغزل، مُبرِّزاً فيهز وهو القائل:
يا ديارَ الحيِّ بالأجمه ... لم تُبيِّن أيُّها كَلِمَه
стр. 142
الشعرُ له، وهو وضع لحنه. وهو القائل:
قالت، وأبثثتها وَجدي فَبُحتُ به: ... قد كنت عندي تحبُّ السِّتر، فاستتر
ألست تُبصر حولي؟ فقلتُ لها: ... غطَّي هواك وما ألقي على بصري
ووقفت عليه امرأة فقالت: أنت الذي يقال فيه الرجل الصالحُ، وأنت تقول:
إذا وجدتُ أُوار الحبِّ في كبدي ... عَمدتُ نحو سقاء القوم أبتَردُ
هذا بَردتُ ببرد الماء ظاهرهُ ... فمن لنارٍ على الأحشاء تتَّقدُ؟
والله ما قال هذا صالح ...
ومنهم أنس بن عياض. الليثُّي المدنُّي: سمع أبا حازم وربيعة الرأي وجعفر بن محمدٍ. وكان يُكنى أبا ضمرة. خَرَّج عنه البُخاريُّ ومسلم وغيرهما كثيراً.
ومنهم أبو النصر هاشم بن القاسم الليثي: سمع شعبة وجريراً وأبا جعفر الرازي. ومن موالي بني ليث أبو عبد الرحمن نافع بن عبد الرحمن بن أبي نُعيم القارئ المديني مولى جعونَة بن شعوب الليثي: حليف حمزة بن عبد المطلب. أصله من أصبهان. وتوفي بالمدينة سنة تسع وستين ومئة. وقال نافع: قرأت على سبعين من التابعين.
ومن موالي بني ليث أبو حازم سلمةُ بن دينار: القاصُّ الحكيم الزاهدُ. وكان يقصُ في مسجد المدينة.. عن سُهيل بن سعد الساعدي. وتوفى في
стр. 143
خلافة أبي جعفر المنصور سنة أربعين ومئة. وهو أحد أشياخ مالك.
وابنه عبد العزيز بن أبي حازم: يكنى أبا تمام. ومات ... وأصل أبي حازم من فارس، وحضر عند سليمان عند سليمان بن عبد الملك مجلسا.....
ومن الدئل بن بكر، أخى ليث بن بكر نوفل بن معاوية بن عمرو، وأحد بني نفاثة بن عديِّ بن الدُّئل. وكان أبوه معاوية على الدُّئل في الفجار الأول. وعُمِّر نوفل في الجاهلية ستين سنة، وفي الإسلام ستين سنة. أسلم بعد الخندق، وحجَّ مع أبي بكر الصديق سنة تسع. وحجَّ مع النبي ﵇ سنة عشر حجَّة الوداع. وسكن المدينة، ولم ينزل بها حتى توفي زمن زيد بن معاوية.
روي عن النبي صلى الله عيه وسلم أحاديث وروي عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن وهشام عبد الرحمن بن مطيع بن الأسود وعراك بن مالك.
ومنهم أبو أناس: وهو ابن زنيم الدُّؤلي، وزنيم جده. وهو من أشراف كنانه. وكان أبو أناس شاعرا. وهو القائل يتعذر إلى صلى الله عيه وسلم ﷺ ، ممَّا قال فيهم عمرو بن سالم الخزاعيُّ حين صبَّحُوهم بالوتير، وأنه هاجا النبيَّ ﵇، من قصيدة:
أنت الذي تُهدّى مَعَدٌّ بأمرهِ ... بلِ اللهُ يَهْديهمْ وقالَ لكَ: اشْهد
وما حَملتَ من ناقةٍ فوقَ رحِلها ... أَبَرَّ وأَوفى ذمَّةً من محمدِ
أَحَثَّ على خيرٍ وأَوسعَ نائلاً ... إذ راحَ كالسَّيف الصَّقيل المهنَّدِ
стр. 144
وأكسى لبُرْدِ الخال قبلَ اجتدائهِ ... وأعطى لرأسِ السابقِ المُتجرِّد
تَعلَّمْ رسول الله أنِّك مُدرِكي ... وأنَّ وعيداً منكَ كَالأَخذِ باليدِ
ونَبَّئوا رسولَ الله أنِّي هَجوتُهُ ... فلا حَملتْ سَوطي إليَّ إذاً يدِي
وقال أبن إسحاق في السيرة: إنَّ قائل هذه القصيد هو أنس بن زنيم، وعمُّ أبي أناس سارية بن زنيم هو الذي قال فيه عمر بن الخطاب: يا سارية الجبل. وهو يخطب، والخبر مشهور.
وابنه أنس بن أبي أناس: كان شاعرا: وهو القائل لأخيه أُسيد، وكان أيضا شاعرا، حين تزوج مصعب بن الزبير عائشة بنت طلحة، فأعطاها ألف ألف درهم أبياتا يبلغها عبد الله بن الزبير بمكة:
أَبلغَ أميرَ المؤمنينَ رسالةً ... من ناصحٍ لكَ لا يُريدُ وَداعا
بُضْعُ الفتاةِ بألفِ ألفٍ كاملٍ ... وتَبيتُ ساداتُ الجنودِ جٍياعا
لو لأبي حفصٍ أقولُ مقالتي ... وأقُصُّ شأنَ حديثهِمْ لارتْاعا
ومن بني الدُّئل ربيعة بن عباد الدُّؤلي: روي عن ابن المنكدر وأبو الزِّناد وزيد بن أسلم وغيرهم. يُعدُّ في أهل المدينة، وعُمِّر عمرا طويلا. ويقال: ربيعة بن عباد، والصواب عندهم بالكسر. من حديث أبي الزناد عن ربيعة بن عباد أنه رأى النبيِّ صلى الله عيه وسلم بذي المجاز، وهو يقول:) يا أيها
стр. 145
الناسُ لا إله إلا الله تُفلحوا (. ووراءه رجل أحول ذو غديرتين يقول: إنه صابئ، إنه صائب كذاَّب. فسألت عنه فقالوا: هذا عمّه أبو لهب. قال ربيعة: وأنا يومئذ أزفر القرب لأهلي.
ومنهم أبو الأسود الدَّولي: وأسمه ظالم بن عمرو. وكان عاقلاً، حازمأً، بخيلا. وهو أول من وضع العربية. وكان شاعراً مجيداً. وشهد صفين مع علي، وولي البصرة لأبن العباس. وفلج بالبصرة، ومات بها وقد أسن.
وابنه أبو حرب: يروى عنه حديث. وكان أبو الأسود، ﵀، مَّمن صحب علياً ﵁. وكان من المتخفَّفين بمحبته ومحبه والده. وفي ذلك يقول:
يقولٍ الأرذلونَ بنو قُشيرٍ: ... طَوالَ الدهرِ ما تَنسى عليا
ً أحبُّ محمداً حباً شديداً وعباساً وَحمزةَ والوَصيَّا
بنو عمِّ النبي وأقربوهُ ... أحَبٌّ الناسِ كلِّهِمُ إليَّا
أحبَّهمُ بحبَّ الله حتى ... أجىء إذا بٌعثْتُ على هَوَيَّا
هوى أعْطيتُهُ منذ استدارت ... رحى الإسلاِم لم يَعدِلْ سويَّاً
فأن يكُ حبٌّهمْ رُشداً أُصبْهُ ... ولست بمخطىء إن كانَ غَيَّا
следующие страницы →