← Ансаб

Ансаб · id 26484

الجوهرة في نسب النبي وأصحابه العشرة

محمد البري

Полный текст (811 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

أخضر مُحيلا. وعن غير الترمذي: ووقفت بي أمي على روث الفيل وأنا أعقلُه. ذكر ذلك ابن عبد البر في كتاب " الصحابة ". وقال: إنَّ السائل لقباثٍ عبدُ الملك بن مروان. ومن بني ليثٍ هشام بن صُبابة: أخو مقيس بن صُبابة، قُتل في غزوة ذي قرد مسلما. وذلك في سنة ستٍ من الهجرة، أصابه رجل من الأنصار من رهط عبادة بن الصامت وهو يُرى أنه من العدوِّ فقتله خطأ. وأمر رسولُ الله ﷺ بقتل أخيه مقيس يوم الفتح. قال أبن إسحاق: وإنما أمر رسول الله ﷺ بقتله لقتل الأنصاريِّ الذي كان قتل أخاه خطأ، ورُجوعه إلى مكة مشركاً. قتله نُميلةُ بن عبد الله من عامر بن ليث، رجل من قومه، فقالت أخت مِقيس في مقتله: لَعمري لقد أخزى نُميلةُ رهطهُ ... وفجَّع أضْيافَ الشتاء بمقيس ومن بني ليث عُروةُ بن أُذَينة: روى عنه مالك في الموطأ ما أسرُدهُ هنا. مالك عن عروة بن أذينة الليثيِّ أنه قال: خرجتُ مع جدَّة لي عليها مشيٌ إلي بيت الله. حتى إذا كنا ببعض الطريق عجزت، فأرسلت مولى لأهلها يسأل عبد الله بن عمر، فخرجت معه. فسأل عبد الله بن عمر فقال له عبدُ الله بن عمر: مُرها فلتركب، ثم لتمش من حيثُ عجزت. وكان عروةُ شاعراً مجيداً في الغزل، مُبرِّزاً فيهز وهو القائل: يا ديارَ الحيِّ بالأجمه ... لم تُبيِّن أيُّها كَلِمَه

стр. 142

الشعرُ له، وهو وضع لحنه. وهو القائل: قالت، وأبثثتها وَجدي فَبُحتُ به: ... قد كنت عندي تحبُّ السِّتر، فاستتر ألست تُبصر حولي؟ فقلتُ لها: ... غطَّي هواك وما ألقي على بصري ووقفت عليه امرأة فقالت: أنت الذي يقال فيه الرجل الصالحُ، وأنت تقول: إذا وجدتُ أُوار الحبِّ في كبدي ... عَمدتُ نحو سقاء القوم أبتَردُ هذا بَردتُ ببرد الماء ظاهرهُ ... فمن لنارٍ على الأحشاء تتَّقدُ؟ والله ما قال هذا صالح ... ومنهم أنس بن عياض. الليثُّي المدنُّي: سمع أبا حازم وربيعة الرأي وجعفر بن محمدٍ. وكان يُكنى أبا ضمرة. خَرَّج عنه البُخاريُّ ومسلم وغيرهما كثيراً. ومنهم أبو النصر هاشم بن القاسم الليثي: سمع شعبة وجريراً وأبا جعفر الرازي. ومن موالي بني ليث أبو عبد الرحمن نافع بن عبد الرحمن بن أبي نُعيم القارئ المديني مولى جعونَة بن شعوب الليثي: حليف حمزة بن عبد المطلب. أصله من أصبهان. وتوفي بالمدينة سنة تسع وستين ومئة. وقال نافع: قرأت على سبعين من التابعين. ومن موالي بني ليث أبو حازم سلمةُ بن دينار: القاصُّ الحكيم الزاهدُ. وكان يقصُ في مسجد المدينة.. عن سُهيل بن سعد الساعدي. وتوفى في

стр. 143

خلافة أبي جعفر المنصور سنة أربعين ومئة. وهو أحد أشياخ مالك. وابنه عبد العزيز بن أبي حازم: يكنى أبا تمام. ومات ... وأصل أبي حازم من فارس، وحضر عند سليمان عند سليمان بن عبد الملك مجلسا..... ومن الدئل بن بكر، أخى ليث بن بكر نوفل بن معاوية بن عمرو، وأحد بني نفاثة بن عديِّ بن الدُّئل. وكان أبوه معاوية على الدُّئل في الفجار الأول. وعُمِّر نوفل في الجاهلية ستين سنة، وفي الإسلام ستين سنة. أسلم بعد الخندق، وحجَّ مع أبي بكر الصديق سنة تسع. وحجَّ مع النبي ﵇ سنة عشر حجَّة الوداع. وسكن المدينة، ولم ينزل بها حتى توفي زمن زيد بن معاوية. روي عن النبي صلى الله عيه وسلم أحاديث وروي عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن وهشام عبد الرحمن بن مطيع بن الأسود وعراك بن مالك. ومنهم أبو أناس: وهو ابن زنيم الدُّؤلي، وزنيم جده. وهو من أشراف كنانه. وكان أبو أناس شاعرا. وهو القائل يتعذر إلى صلى الله عيه وسلم ﷺ ، ممَّا قال فيهم عمرو بن سالم الخزاعيُّ حين صبَّحُوهم بالوتير، وأنه هاجا النبيَّ ﵇، من قصيدة: أنت الذي تُهدّى مَعَدٌّ بأمرهِ ... بلِ اللهُ يَهْديهمْ وقالَ لكَ: اشْهد وما حَملتَ من ناقةٍ فوقَ رحِلها ... أَبَرَّ وأَوفى ذمَّةً من محمدِ أَحَثَّ على خيرٍ وأَوسعَ نائلاً ... إذ راحَ كالسَّيف الصَّقيل المهنَّدِ

стр. 144

وأكسى لبُرْدِ الخال قبلَ اجتدائهِ ... وأعطى لرأسِ السابقِ المُتجرِّد تَعلَّمْ رسول الله أنِّك مُدرِكي ... وأنَّ وعيداً منكَ كَالأَخذِ باليدِ ونَبَّئوا رسولَ الله أنِّي هَجوتُهُ ... فلا حَملتْ سَوطي إليَّ إذاً يدِي وقال أبن إسحاق في السيرة: إنَّ قائل هذه القصيد هو أنس بن زنيم، وعمُّ أبي أناس سارية بن زنيم هو الذي قال فيه عمر بن الخطاب: يا سارية الجبل. وهو يخطب، والخبر مشهور. وابنه أنس بن أبي أناس: كان شاعرا: وهو القائل لأخيه أُسيد، وكان أيضا شاعرا، حين تزوج مصعب بن الزبير عائشة بنت طلحة، فأعطاها ألف ألف درهم أبياتا يبلغها عبد الله بن الزبير بمكة: أَبلغَ أميرَ المؤمنينَ رسالةً ... من ناصحٍ لكَ لا يُريدُ وَداعا بُضْعُ الفتاةِ بألفِ ألفٍ كاملٍ ... وتَبيتُ ساداتُ الجنودِ جٍياعا لو لأبي حفصٍ أقولُ مقالتي ... وأقُصُّ شأنَ حديثهِمْ لارتْاعا ومن بني الدُّئل ربيعة بن عباد الدُّؤلي: روي عن ابن المنكدر وأبو الزِّناد وزيد بن أسلم وغيرهم. يُعدُّ في أهل المدينة، وعُمِّر عمرا طويلا. ويقال: ربيعة بن عباد، والصواب عندهم بالكسر. من حديث أبي الزناد عن ربيعة بن عباد أنه رأى النبيِّ صلى الله عيه وسلم بذي المجاز، وهو يقول:) يا أيها

стр. 145

الناسُ لا إله إلا الله تُفلحوا (. ووراءه رجل أحول ذو غديرتين يقول: إنه صابئ، إنه صائب كذاَّب. فسألت عنه فقالوا: هذا عمّه أبو لهب. قال ربيعة: وأنا يومئذ أزفر القرب لأهلي. ومنهم أبو الأسود الدَّولي: وأسمه ظالم بن عمرو. وكان عاقلاً، حازمأً، بخيلا. وهو أول من وضع العربية. وكان شاعراً مجيداً. وشهد صفين مع علي، وولي البصرة لأبن العباس. وفلج بالبصرة، ومات بها وقد أسن. وابنه أبو حرب: يروى عنه حديث. وكان أبو الأسود، ﵀، مَّمن صحب علياً ﵁. وكان من المتخفَّفين بمحبته ومحبه والده. وفي ذلك يقول: يقولٍ الأرذلونَ بنو قُشيرٍ: ... طَوالَ الدهرِ ما تَنسى عليا ً أحبُّ محمداً حباً شديداً وعباساً وَحمزةَ والوَصيَّا بنو عمِّ النبي وأقربوهُ ... أحَبٌّ الناسِ كلِّهِمُ إليَّا أحبَّهمُ بحبَّ الله حتى ... أجىء إذا بٌعثْتُ على هَوَيَّا هوى أعْطيتُهُ منذ استدارت ... رحى الإسلاِم لم يَعدِلْ سويَّاً فأن يكُ حبٌّهمْ رُشداً أُصبْهُ ... ولست بمخطىء إن كانَ غَيَّا

стр. 146

وكان نازلاً في بني قشير بالبصرة، وكانوا عثمانية. فكانوا يرجمونه بالليل لمحبته لعلىَّ وولده. فإذا أصبح وذكر رجمهم قالوا: الله يرجمك. فيقول لهم: تكذبون. لو رجمني الله لأصابني، وأنتم ترجمون ولا تصيبون. وفي الكامل أنه كان يقول لهم: كذبتم والله، لو كان الله يرميني ما أخطأني. وكان تقش خاتمه يا غالبي حسبُكَ من غالب ... إرحمْ علي بن أبي طالب يلوموني أنْ بعتُ بالرُّخص منزلي ... ولم يعلموا جاَراً هناكَ بنغِّصُ فقلت لهم: بعضَ الملام فإنَّما ... بجيرتها تَعلو الديارُ وتَرخُصُ ودخل أبو الأسود على عبيد اله بن زياد، وقد أسنَّ. فقال له عبيد الله يهزأ به يا أبا الأسود: أخنى الشباب الذي أفنيتُ جدَّته ... كرُّ الجديدين من آتٍ ومُنطلق ومن بني ضَمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة عمرو بن أُمية بن خُويلد بن عبد الله بن إياس بن عبيد بن ناشرة بن كعب الضَّمريُّ: وهو وأبوه من الصحابة، وصحبةُ عمرو، أشهر. وكان من رجال العرب نجدة وجرأة. وشهد بدراً وأُحداً مع المشركين، ثم أسلم حين انصرف المشركون من أُحد، وشهد بئر معونة، وهي أول مشهدٍ له مع المسلمين. فأسرهُ عامر بن الطُّفيل يومئذ، وقال له: انه كان على أميِّ نسمة، فاذهب فأنت حرٌّ عنها. وجزَّ ناصيته.

стр. 147

وكان رسول الله ﷺ يبعثه في أموره. بعثه ﵇ إلى أبي سفيان بن حرب بهدية إلى مكة. وقال الواقديَّ: بعثه رسول الله ﷺ في سنة الست النَّجاشيِّ بكتاب يدعوه إلى الإسلام. فأسلم النجاشي، وشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمد رسول الله. وهو معدود في أهل الحجاز. روى عنه أبناه: جعفر بن عمرو بن أمية وعبد الله بن عمرو بن أمية وابن أخيه الزِّبرقان بن عبد الله بن أمية. ومنهم جعيل بن سراقة: وهو من خيار الصحابة. وقال فيه قائل من أصحاب رسول الله ﷺ للنبي ﵇: يا رسول الله أعطيت عيينة بن حصن والأقرع بن حابس مئةً مئةً الإبل، وتركت جعيل بن سراقة الضَّمريَّ! فقال رسول الله ﷺ : " أما والذي نفسي بيده لجعيل بن سراقة خير من طلاع الأرض، كلهم مثل عيينة والأقرع، ولكنَّي تأَّلفتهما ليسلما، ووكل تجعيل بن سراقة إلى إسلامه ". ومن بني غفار بن مليلٍ بن ضمرة أبو ذر جندب بن جنادة: واختلف في اسمه اختلافاً كثيراً. والصحيح جندب، وهو قديم الإسلام، أربعةً، فكان خامسهم. وله في إسلامه خبر حسن. وروي من حديث ابن العباس عنه، ومن حديث عبد الله بن الصَّامت عنه. فأما حديث ابن عباس فهو صحيح مسلم وفي سُنن أبي داود. وأما حديث عبد الله بن الصامت، وهو ابنُ أخي أبي ذرٍّ، ويُكنى أبا نصر، فذكره مسلم في صحيحه. وحدَّث الليث بن سعدٍ عن يزيد بن أبي حُبيب قال: قدم أبو ذرَّ على النبي ﷺ ، وهو بمكة، فأسلم ثم رجع إلى قومه، فكان يسخر بآلتهم. ثم إنه قدم على رسول الله ﷺ . فلما رآه وَهم في اسمه فقال: " أَأنت أبونملة؟ ". فقال: أنا أبو ذر. قال: " نعم، أبو ذر ". وكان ﵁ من الزهَّاد. وقال النبيُّ ﷺ فيه: " ما أظلَّت الخضراء، ولا أقلَّت الغبراء من ذي لهجةٍ أصدق من أبي ذَرٍّ ". الخضراء: السماء. والغبراء:

стр. 148

الأرض. وقال رسول الله ﵇: " أبو ذر في أمتي على زُهد عيسى ابن مريم ". وقال علي ﵁: وعى أبو عِلماً عَجَز الناس عنه، ثم أوكى عليه فلم يُخرج شيئاً منه. وتوفي ﵁ بالرَّبذة مُسيراً إليها بأمر عثمان سنة إحدى وثلاثين أو اثنتين وثلاثين، وليس له عقب. وصلى عليه عبدُ الله بن مسعود، وجد جنازتهُ على قارعة الطريق، وهو سائر في ركب من العراق إلى المدينة. وقال ابن قُتيبة في " المعارف ": حدثني أبو الخطاب قال: حدثنا أبو عتَّاب سهل بن حمَّادٍ قال: حدثنا عمرو بن ثابت عن أبي 'سحاق عن حنش بن المُعتمر قال: جئت وأبو ذرٍّ آخذ بحلقه باب الكعبة، وهو يقول: أنا أبو ذرٍّ الغِفاريُّ من لم يعرفني فأنا جُندب صاحب رسول الله ﷺ . سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: " مثل أهل بيتي مثل: سفينة نوح؛ من ركبها نجا ". وفي غِفار قال النبيُّ ﷺ ما ذكره مسلم في مسنده الصحيح وغيرُهُ. مسلم: حدثنا يحيى بن يحيى ويحيى بن أيوب وقُتيبة وابنُ حُجر قال يحيى بن يحيى: نا، وقال الآخرون: نا إسماعيل بن جعفر عن عبد الله بن دينار أنه سمع بن عُمر قال: قال رسول الله ﷺ : غِفار غفر اللهُ له، أسلم سالمَها الله، وعُصيَّةُ عصت الله ورسوله ". مُسلم عن عبد الله بن الصَّامت عن أبي ذرٍّ قال: لي رسول الله ﵇: " إئتِ قومك فقل: 'نّض رسول الله ﷺ قال: أسلمُ سلمَها اللهُ، وغِفار غفر اللهُ لها ". مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " أسلمُ سالمها اللهُ، وغفارُ غفر اللهُ لها، أما إني لم أقلها بل قالها الله ". مسلم عن

стр. 149

خُفاف بن أيماء الغفاري قال: قال رسول الله ﷺ في صلاة: " اللهمَّ العنْ لِحْيانَ ورِعلاً وذَكوان وعُصيَّةَ عصوا الله ورسوله، غفار غفر الله لها، وأسلم سالمَها الله ". ولم يشهد أبو ذر بدراً ولا الخندق، لأنه حين أسلم بمكة رجع إلى قومه، فأقام حتى مضت هذه المشاهُ، ثم قدم المدينة على رسول الله ﷺ . وأخوه أُنيسُ بن جُنادة: أسلم معه قديماً. وأسلمت أمُّهما وصدَّقت. واسمها رملة بنت الوقيعة من بني غفار. " وكان " أُنيس شاعراً.. ومن بني غفارٍ خُفاف بن إيماء بن رَخَضَةَ بن خُربَّة الغفاري: أسلم إيماء أبوه قريباً من الحديبية، وشهد خُفاف الحديبية. وكان إمام بني غفار وخطيبهم. وتُوفي في خلافة عمر بن الخطاب بالمدينة، يُعدُّ في المدنيين. روى عنه عبد الله بن الحرث وحنظلة بن علي الأسهميُّ. ويقال: إن لخفاف هذا ولأبيه إيماء ولجدِّه رحضَة صُحبة. كلُّهم صحب النبيَّ ﷺ . وكانوا ينزلقون عيقة من بلاد غفارٍ، ويأتون المدينة كثيراً. ومنهم أبو بصرة حُميل بن بصرة بن وقاص بن حبيب بن غفار: له ولابنه بصرة صحبة. وهما معدودان فيمن نزل مصر من أصحاب رسول الله ﷺ . وحديثُ مالك في الموطأ عن يزيد ين الهادي، عن محمد بن إبراهيم التَّيمي، عن أبي هُريرة قال: فلقيت بصرة بن أبي بصرة الغفاريَّ فقال: من أين أقبلت؟: فقلت: من الطُّور. فقال: لو أدركتُك قبل إن تخرج إليه ما خرجت، سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تعملُ المطيُّ إلا إلى ثلاثة مساجد.. الحديث. لا يوجد هكذا إلا في الموطأ لبصرة بن أبي بصرة. وإنما الحديث لأبي هُريرة. فلقيت أبا بصرة، يعني أباه، هكذا رواه يحيى بن أبي كثير عن أبي هُريرة. وكذلك رواهُ سعيد بن المسيَّب وسعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هُريرة، كلُّهم بقول فيه: فلقيت أبا بصرة وأظنُّ الوهم جاء فيه من قبل يزيد ين الهادي، والله أعلمُ.

стр. 150

ومنهم أبو مسلم أُهبان بن صيفي الغفاريُّ: له صحبة. وقال البخاري: وُهبان بالواو. وهو من ولد حرام بن غفار. نزل البصرة، واتَّخذ بها داراً، وسمع من النبي ﷺ : " إذا كانتِ الفتنةُ فاتَّخذ سيفاً من خشبٍ ". ولم يقاتل مع علي لهذا الحديث. ولما حضره الموتُ قال: كفِّنوني في ثوبين. قالت ابنته عُديسةُ: فزدنا ثالثاً قميصاً، ودفناه. فأصبح ذلك القميصُ على المشجب موضوعاً ". روى خَبره هذا ثقات، منهم: محمد بن عبد الله بن المثنى الأنصاري، ومُعتمر بن سليمان عن المعلَّى بن جابر قال: حدثني عديسةُ بنةُ وُهبان الغفاري بذلك كله. ومنهم جهْجاةُ بن سعيد الغفاري: وكان من فقراء المهاجرين، أجيراً لعمر بم الخطاب. وهو الذي تنازع مع سنان بن وَبرة الجهني في غزوة بني المصطلق على الماء، فازدحما حتى اقتتلا، فصاح جهجاة: يا للمهاجرين. وصاح سنان: يا للأنصار. والخبر المشهور. ومنهم أبو رُهم كلثوم بن الحُصين بن عتبة بن خلف: وكان من أصحاب رسول الله ﷺ الذين بايعوا تحت الشجرة. قال أبو اليقظان: وفي غفار رهط يقال لهم بنو النار، رجل ليست ماء بدرٍ إليه. ومن بني ضمرة البرّاض بن قيس: وهو الذي يقال فيه: أَفتك من البرّاض، وهو الذي فتك بعُروة الرحَّال بن عُتبة بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن. وكان ذلك الذي هيَّج حرب الفجار بين قريش ومن معها من كنانة وبين قيس عَيلان. وقتل البرّاض عروة الرحَّال في أحد الأشهر الحرم. وقال البرّاض في ذلك: وداهيةٍ تهمُّ الناس قَبلي ... شَدَدتُ لها بني بكر ضلوعي هدمتُ بها بيوتَ بني كلابٍ ... وأرضعتُ المواليَ بالضَّروعِ

стр. 151

رفعتُ له بذي طَلاَّل كفِّي فخرَّ يميدُ كالجِذع الصَّريع ومنهم مَخشيُّ بن عمرو: وهو الذي عاقد النبيَّ ﵇ على بني ضمرة في غزوة ودَّان. وهي أول غزوة غزاها بنفسه ﷺ في صفر على رأسِ اثني عشر شهراً من مقدمة المدينة. وكان مَخشيُّ سيد بني ضمرة في زمانه. وأما عامر بن عبد مناة بن كنانة: فولد جذيمة بن عامر، والنسبُ إليه جَذميّ. وبنو جذيمة هم الذين قتلهم خالد بن الوليد بالغُميصاء إثر فتح مكة، وكانوا أسلموا. ولم يقبل خالد قولهم وإقرارهم بالإسلام. فبعث إليهم رسول ﷺ عليَّ بن أبي طالب فودى لهم جميع قتلاهم، وردَّ إليهم ما أخذ لهم. وقال علي: انظروا إن فقدتم عقالاً أدَّيته إليكم، فبهذا أمرني رسول الله. ورفع رسول الله ﷺ يديه، فقال: " اللهمَّ إني أبرأُ إليك من صُنع خالد ". وأما مُرةُ بن عبد مناة بن كنانة، فولد مُدلج بن مرة. فمن بني مُدلج، وهم القافةُ: سُراقة بن مالك بن جُشعم بن مالك بن عمرو بن مالك بن تيم بن مُدلج: يُكنى أبا سفيان. وهو الذي اتبع النبيَّ ﷺ حين هاجر إلى المدينة، ليَردَّه على قريش. وكانت قريش جعلت لمن ردَّه عليهم مئة ناقة. فلما أدرك سراقةُ رسول الله ﷺ ، وقرُبَ منه غاصت قوائم فرسه في الأرض، وسقط عنه. ثم انتزع يديه من الأرض، وتبعهما دُخان كالإعصار. فقال: أنظروني أكلمكم، فوا لله لا أريبكم ولا أدل عليكم ولئن لقيتُ أحداً يطلبُك يا محمد لأردَّنَّه عنك. فقد علمتُ أنك مَمنوع ممَّن أرادك. وإن شئت فخذ سهماً من كنانتي، فإذا مررت ببني فلان فادفعهُ إليهم، وخذُ من غنمي ما شئت. فقال النبي ﷺ : " لا حاجة لنا في غنمك ". وقيل: إنه قال للنبي ﵇.. فخُذ سهماً، فإنك ستمرُّ على إبلي بمكان كذا وكذا،

стр. 152

فخذ منها حاجتك ... ﵇: " لا حاجة لنا في إبلك ". فقال: يا محمد، اكتب لي كتاباً يكون علامةً بيني وبينك. فقال النبي ﷺ لعامر بن فُهيرة: " اكتب ". قال: فكتب له عامر كتاباً في قطعة أدمٍ أو في عَظم أو في رقعةٍ. فأخذ الكتاب ورجع إلى قريش، ولم يذكر شيئاً ممَّا كان. ذكر البخاريُّ أن كاتب الكتاب لسراقة عامر بن فُهيرة. وقال ابن إسحاق: كتبه أبو بكر الصديقُ ﵁. قال سراقة: حتى إذا كان فتح مكة على رسول الله ﷺ ، وفَرغ من حُنين والطائف خرجتُ ومعي الكتاب لألقاه. فلقيته بالجِعرانةِ قال: فدخلتُ في كتيبة الأنصار. قال فجعلوا يقرعُونني بالرماح، ويقولون: إليكَ إليك، ماذا تريد؟ قال: فدنوتُ من رسول الله ﷺ ، وهو على ناقته، والله لكأني أنظرُ إلى ساقه في غرزه كأنها جُمارة. قال فرفعت يدي بالكتاب ثم قلت: يا رسول الله، هذا كتابك، أنا سُراقة بن جُعشم. قال: فقال رسول الله ﷺ : " يومُ وفاءٍ وبرِ، أدْنُهْ ". فدنوت منه، وأسلمتُ. ثم تذكرتُ شيئاً أسألُ رسول الله ﷺ عنه فما أذكره، إلا أني قلت: يا رسول الله الضالَّة من الإبل تغشى حياضي، وقد ملأتُها لإبلي، هل من أجرٍ في أن أسقيها؟ قال: " نعم، في كلِّ ذات كبدٍ حرَّي أجر ". قال: ثم رجعتُ إلى قومي، فسُقت إلى رسول الله ﷺ صدقني. وفي صحيح مسلم عن البَراءِ بن عازب وأبيه حديثُ الهجرة " مع " أبي بكر الصديق، قصةُ سُراقةَ حين اتبع رسول الله ﷺ ، يقول أبو بكر: فارتحلنا بعد ما زالت الشمس، واتَّبعنا سراقة بن مالك. قال: ونحن في جَدَدٍ من الأرض. فقلت: يا رسول الله أُتينا. فقال: " لا تحزن إن الله معنا ". فدعا عليه رسول الله ﷺ ، فارْتَطمت فرسه إلى بطنها ... فقال: إني قد علمتُ أنكما قد دَعوتما عليَّ، فادعوا لي، فاللهُ لكما أن أردَّ عنكما الطَّلب.

стр. 153

فدعا الله، فنجا، فرجع، لا يلقى أحداً إلا قال: قد كفيتكم ما هنا، فلا يلقى أحداً إلا ردَّه. قال: ووفى لنا. وسراقةُ هو القائل لأبي جهل بن هشام حين رَجَعَ من اتِّباع رسول الله ﷺ في الهجرة، وكان شاعراً مجيداً أبا حكمٍ والله لو كنت شاهداً ... لأمر جوادي إذ تَسوخُ قوائمُه علمت ولم تَشْكَك بأنَّ محمداً ... رسول ببُرهانٍ فَمَن ذا يُقاومُه؟ عليك بكفِّ القوم عنه فإنني ... أرى أمره يوماً سَتبدو مَعالمه بأمر يودُّ الناسُ فيه بأسرهم ... بأن جميع الناس طُرأً يُسالمُه وسراقةُ هو الذي تبدَّى إبليس على صورته لما أجمعت قريش المسير إلى بدر. وذكرت الذي بينها وبين بني بكر بن عبد مناة بن كنانة. فكان ذلك يَثنيهم. فقال لهم إبليس، وهم يظنونه سُراقة: أنا لكم حارٌ من أنْ تأتيكم كنانةُ بشيء تكرهونه. فخرجوا سراعاً فلما التقى الجمعان ببدرٍ، ورأى إبليس جنود الله من الملائكة قد نزلت للنصر والإمداد نكص على عقبيه، وقال للمشركين: " إني بريء منكم، إني أرى مالا ترون ". قال أبن إسحاق: وعُمير بن وهب الجُمحيُّ والحرث بن هشام المخزوميُّ: قد ذُكر لي أحدهما هو الذي رأى إبليس يوم بدر، قد نكص على عقبيه: فقال: أين أي سُراق؟ ومثل عدوِّ الله، فذهب. فأنزل اللهُ ﵎:) وإذ زينَّ لهُم الشيطانُ أعمالهم وقال: لا غالب لكم اليوم من الناس، وإني جارٌ لكم (فذكر استدراج إبليس إياهم، يستشهدُ بسراقة من مالك بن جُعشُم لهم، لأنهم كانوا يرونه في كل

стр. 154

منزلٍ في صورة سُراقة، لا يُنكرونه. حتى إذا كان يوم بدرٍ، والتقى الجمعان نكص على عقبيه فأوردهم ثم أسلمهم. قال ابن هشام: نكص: رجع. قال أوسُ بن حجر أحدُ بني أُسيد بن عمرو بن تميم: نكَصتُم على أعقابكم يوم جئتم ... تُرجُّون إقفال الخميس العرمرم وروى الحسن البصريُّ أن رسول الله ﷺ قال لسراقةَ بن مالك: " كيف بكَ إذا لبستَ سِواري كسرى؟ فلما أُتي عمر بسواري كسرى ومنطقته وتاجه دعا سراقة فألبسه إياهما. وكان سُراقة رجلاً أزبَّ؛ كثير شعر الساعدين. وقال له: ارفع يديك فقل: اللهُ أكبرُ، الحمدُ لله الذي سلبهما كسرى بن هُرمز الذي كان يقول: أنا ربُّ الناس، وألبسهما سراقةَ بن مالك بن جُعشم أعرابيٌّ من بني مُدلج، ورفع بها عُمر صوته. وكان سراقةُ من أشراف مُدلج، يعدُّ في أهل المدينة. وكان قُدَيداً. ويقال: إنه سكن مكة. روى عنه من الصحابة ابن عباس وجابر. وروى عنه من التابعين سعيدُ بن المسيَّب وابنه محمد بن سراقة. ذكر عبدُ الرزاق عن ابن عُيينة، عن وائل بن داود، عن الزهري، عن محمد بن سراقة، عن أبيه سراقة بن مالك أنه جاء إلى النبي ﵇، فقال: يا رسول الله، أرأيت الضالَّةَ تردُ على حوض إبلي، ألي أجرٌ إن سقيتُها؟ فقال: في الكبد الحرَّي أجر. مات سراقةُ سنة أربع وعشرين في صدر خلافة عثمان. وقيل إنه مات بعد عثمان. ومن بني مُدلج وقاص بن مُحرِّز: استشهد يوم ذي قَردٍ حين أغار عيينةُ ابن حصنٍ على لقاح النبي ﵇.

стр. 155

ومن كنانة أبو ليث بن العلاء الكناني: سمع روح بن عُبادة. ومنهم حيَّان بن هلال الكناني أبو حبيب: سمع شعبة وحماد بن سلمة. ومن موالي كنانةَ أبو معبد عبدُ الله بن كثير الكناني الداريُّ الفطَّار: وهو قارئ أهل مكة، من أبناء فارس. وكان من الطبقة الثانية من التابعين. ألقى من الصحابة عبد الله بن السائب المخزومي، وقرأ عليه وعلى مجاهد بن جبر وقرأ على دِرباس مولى ابن عباس، وتوفي بمكة سنة عشرين ومئة. خُزيمة بن مُدركة: وولد خُزيمة كنانة، وقد تقدَّم ذكره، وأسداً، والهَون وهو أبو القارة، والقارةُ هم رماةُ الحدقِ. وفيهم قيل: " قد أنصف القارة من راماها ". وقال شاعر هم: دعونا قارةً لا تُنفِرونا ... فنُجفِل مثل إجفال الظَّليم والظليمُ: ذكر النعام. وفي القارة من الصحابة: مسعود بن ربيعة بن عمرو بن عبد العُزَّى ابن حمالة بن غالب بن مُحلِّم بن عايذة بن سُبيع بن الهَون بن خُزيمة: شهد بدراً، واستُشهد يوم خيبر، قال ابن ماكولاء: هو أَيثعُ بن الهَون؟. وقال ابن دريد: ييثعُ، وهو مأخوذ من ثاع - يثيعُ إذا اتَّسع. ومن القارة عبد الرحمن بن عبد القارئ: وُلد على عهد رسول الله ﷺ ، وليس له منه سَماع، ولا لهُ عنه روايةٌ. وقال الواقدي: هو صحابي........... فلما دخل عليه قال له: بلغني أنك ذو بديهةٍ، فقل في هذه الجارية؛ لجارية

стр. 156

قائمة على رأسه. فقال جرير: مالي أن أقول فيها حتى أتأملها، ومالي أن أتأمل جارية الأمير. قال: بلى، فتأمَّلها واسألها. فقال لها: مل اسمك يا جاريةُ؟ فأمسكت. فقال لها الحجاجُ: خبرَّيه يا لخناء. فقالت: أمامةُ. فقال جرير: ودِّع أمامةَ حان منك رحيلُ ... إنَّ الوَداع لمن تحبُّ قليلُ مثلُ الكثيب تمايلت أعطافُهُ ... فالريحُ تَجبُرُ متنَهُ وتَهيلُ هذي القلوبُ صوادياً تَيَّمتِها ... وارى الشفاء وما إليه سَبيلُ فقال الحجاجُ: قد جعل اللهُ لكَ السبيل إليها، خذْها هي لم. فضرب بيدهِ إلى يدها، فتمنَّعت عنه. فقال: إنْ كان طِبَّكُم الدَّلالُ فإنهُ ... حسنٌ دلالُكِ يا أُمامُ جَميلُ فاستُضحك الحجاجُ، وأمرَ بتجهيزها معه إلى اليمامة. وخُبِّرت أنها كانت أهل الرَّيَّ، وكان إخوتُها أحراراً، فاتبعوهُ فأعطوهُ حتى بلَّغوه عشرين ألفاً. فلم بفعل. وفي ذلك يقول: إذا عَرضوا عشرين ألفاً تعرَّضت ... لأمِّ حكيمٍ حاجةٌ هي ماهيا لقد زدت أهل الريِّ عندي محبةً ... وحبَّبتِ أضعافاً إليَّ المواليا

стр. 157

فأولدها بلالاً وحكيماً ونوحاً. ويقال إنَّ الحِمَّانيَّ قاولَ بلالاً ذات يوم، فيما كان بينهما من الشرِّ. فقال يا بن أمِّ حكيم. فقال له بلال: ما تذكر من ابنه دهقان، أخيذةِ أماحٍ، وعطيةُ مالك ليست كأمك التي بالمُّروت تغدو على إثر ضانها، كأنما عَقِباها حوافر حمار فقال له الحِمُّانيُّ. أنا أعلم بأمِّك، إنما عتب عليها الحجاجُ في أمرٍ اللهُ أعلمُ به. فحلف أن يدفعها إلى ألأم العرب، فلما رأى أباك لم يَشْكُكْ. قال أبو عبيدة: حجَّ الفرزدق، فعاهد الله بين الباب والمقام أن لا يهجوَ أحداً، وأنْ يقيِّد نفسه، حتى يجمع القرآن قالت رَيداء بنتُ جرير: فمرَّ بنا الفرزدق حاجاً، وهو مُعادل النَّوار بنت أعين بن ضُبيعة امرأته، حتى نزل بلُقاط، ونحن بها، فأندى له جرير، ثم أتاه فاعتذر إليه من هجائه البعيث، وقال: فعل وفعل. ثم أنشده جرير، والنوار خلفه في فُسيطيط صغير. فقالت: قاتلهُ الله، ما أرقَّ منسبته وأشدَّ هجاءه! فقال لها الفرزدق: أترين هذا؟ أما إني لن أموت حتى أُبتلى بمهاجاته. فلما قدِمَ الفرزدق البصرة قيَّد نفسه، وقال توبةً من الشعر: ألم تَرَني عاهدتُ ربي وإنني ... لَبينَ رِتاجٍ قائماً ومقام على قسمٍ لا أَشْتِمُ الدهرَ مُسلماً ... ولا خارجاً من فيَّ سوء كلامِ " وأمضى " كذلك مدةً، ثم بلغه فحشُ جريرٍ بنساء مجا شع، فأحفظه ذلك ففضَّ قيده، وقال - وهو مُتخيَّرٌ من قصيدة:

стр. 158

ألا استَهزَأتْ مني هُنيدةُ أن رأتْ ... أسيراً يُداني خَطوَهُ حَلَقُ الحجْلِ لَعَمري لَئِن قيَّدتُ نفسي لطالما ... سَعَيتُ وأوضعتُ المطيَّةَ في الجهلِ فإن يكُ قَيدي كان نَذراً نَذرته ... فما بيَ عن أحسابِ قوميَ من شُغلِ أنا الضامنُ الراعي عليهم وإنما ... يُدافعُ عن أحسابهم أنا أو مِثلي ولو ضاعَ ما قالوا: ارْعَ منَّا، وجدتَهُمْ ... شِداداً على العالي من الحَسيِ الجزلِ فمهما أعِشْ لا يُضْمنوني ولا أَضَعْ ... لهمْ حَسَباً ما حرَّكت قَدمي نَعلي ولستُ إذا ثارَ الغبارُ على امرئ ... غداةَ الرِّهانِ بالبطيءِ ولا الوَغْلِ ولكنْ تُرى لي غايةُ المجد سابقاً ... إذا الخيلُ قادتها الجيادُ مع الفَحْلِ وإني لَمِن قومٍ يكونُ غسول هم ... قِرَي فأرةِ الداريِّ تُضْرَب في الغَسلِ فَما وجدَ الشافونَ مثلَ دِمائنا ... شِفاءٌ ولا الساقونَ من عسلِ النَّحلِ

стр. 159

ولجرير في الفرزدق من قصيدة طويلة: يُوصِّل حَبليه إذا جنَّ ليلُهُ ... ليرقى إلى جاراتهِ بالسلالم أتيتَ حدودَ اللهِ مُذ أنت يافعٌ ... وشِبتَ فما نهاكَ شيبُ اللهازمِ تَتَبَّعُ في الماخور كلَّ مُريبةٍ ... ولستَ بأهلِ المُحْصَناتِ الكرائمِ تَدَلَّيتَ تزنى من ثمانين قامةً ... وقصَّرت عن باعِ العُلا والمكارمِ عيَّره بقوله: هُما دلَّتاني من ثمانين قامةً ... كما انقضَّ بازٍ أقثَمُ الريشِ كاسِرُه ثم قال جرير: فإنكَ لا مُوفٍ بجارٍ أجرتَهُ ... ولا مُستَعفٌّ عن خَبيث المطاعِمِ هو الرِّجسُ يا أهل المدينة فاحذروا ... مَداخلَ رِجسٍ بالخبائث عالمِ لقد كان إخراجُ الفرزدقِ عنكمُ ... طَهوراً لما بين المصلَّى وواقمِ

стр. 160

وقال جرير، وكان اشترى مولىً من بني حنيفةَ من أهل اليمامة، يقال له: زيدُ بن النَّجار، جاريةً فأبغضته، وجعلت دمعتها لا ترقأُ على زيد: تُكلِّفني معيشةُ آل زيدٍ ... ومن لي بالمراقَّق والصِّنابُ وقالت: لا تضمَّ كضمِّ زيدٍ ... وما ضَمِّي وليس معي شبابي فأجابه الفرزدق فإن تَفرُكْكَ عِلجةُ آل زيدٍ ... ويُعْوزُكَ المُرقَّقُ والصِّنابُ فقِدْ ماً كان عيشُ أبيك مراً ... يعيشُ بما تعيشُ بهِ الكلابُ ولجرير في الغزل، وأحسنَ: إن العيون التي في طرفها مَرضٌ ... قَتَلْننا ثم لم يُحيينَ قَتْلانا يصرعْنَ ذا اللبِّ حتى لا حراكَ به ... وهنَّ أضعفُ خلقِ اللهِ أركانا ومن بني غُدافة بن يربوع بن حَنظلة وكيعُ بن حسان بن قيس بن أبي سودٍ: قاتل قتيبةَ بن مسلم الباهليِّ في خرسان في خلافة سليمان بن عبد

стр. 161

الملك. ولجدِّه أبي سودٍ بن وكيع صحبةٌ ورواية. روى عن النبي ﷺ في اليمين الفاجرة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " اليمينُ التي يقطع الرجلُ بها مالَ أخيه تُعقم الرحم ". رواه عبد الرزاق عن معمرٍ عن رجلٍ من بني تميم، عن أبي سودٍ. وكان وكيعٌ من سادات تميم وأبطالها، وكانت فيه أعرابيةٌ وغفلةٌ يُخدع بها. خاصم إلى إياس رجلٌ رجلاً في دين، وهو قاضي بالبصرة، وطلب منه البيِّنة، فلم يأته بمَقنع. فقيل للمُطالب: استجر وكيع بن أبي سُود حتى يشهدَ لكَ، فإن إياساً لا يجتريءُ على ردِّ شهادتك. فقال وكيعٌ: واللهِ لأَشْهدنَّ لك، فإن ردَّ شهادتي لأعمِّمنَّه السيف. فلما طَلع وكيعٌ فهم إياس فأقعده إلى جانبهِ، ثم سأله عن حاجته، فقال: جئتُ شاهداً. فقال له: يا أبا المطرف، أتشهدُ كما تفعل الموالي والعجمُ وأنت تجلُّ عن هذا؟ فقال: إذاً والله لا أشهدُ. فقيل لوكيع بعدُ: إنما خَدعك. فقال: أولى لابن اللَّخناء. ومنهم حارثةُ بن بدرٍ الغُدافيُّ: وكان رجل بني تميم في وقته، فارساً شاعراً، وكان غَلب على زيادٍ، وكان الشراب قد غلب عليه. فقيل لزياد: إن هذا قد غَلب عليك، وهو مستهترٌ بالشراب. فقال زياد: كيف باطِّراح رجل هو يُسايرني منذ دخلتُ العراق، ولم يصكُك ركابي ركاباهُ، ولا تَقدَّمني. فنظرتُ إلى قفاه، ولا تأخَّر عنَّي. فَلَويتُ عنقي إليه، ولا أخذَ عليَّ الشمس في شتاء قطُّ، ولا الرَّوح في صيفٍ قطُّ، ولا سألته عن علمٍ إلا ظننتُه لم يُحسن غيره. فلما مات زياد جفاهُ عُبيد الله، فقال له حارثةُ: أيها الأميرُ، ما هذا الجفاءُ مع معرفتك بالحال عند أبي المغيرة؟ فقال له عبيد الله: إنَّ أبا المغيرة قد كان برعَ برُوعا لا يَلحقهُ معه عيبٌ وأنا حَدَث، وإنما أنسب إلى من يَغلبُ عليَّ، وأنت رجل تُديم الشراب فمتى قرَّبتُك فظهرت رائحة الشراب منك لم آمن أن يُظنَّ بي، فدعِ الشراب، وكُن أول داخل عليَّ، وآخر خارج عني. فقال له حارثةُ: أنا لا أدعهُ لمن يملك ضَرِّي ونفعي، أفأدعُه للحال عندك؟ قال: فاختر من

стр. 162

عملي ما شئت. قال: تولِّيني " رام هُرمز " فإنها أرض عذاةٌ و " سُرَّق "، فإنَّ فيها شراباً وُصف لي، إياها. فلما خرج شيَّعة الناس. فقال أنسُ بن أُنيس الدُّؤلي: أحارِ بنَ بدرٍ قد وَلِيتَ إمارة ... فكن جُرَذاً فيها تَخونُ وتَسرقُ ولا تَحقِرَنْ يا حارِ شيئاً وجدتهُ ... فحظُّكَ من مُلك العراقين سُرَّقُ وباه تميماً بالغنى إنَّ للغنّى ... لساناً به المرءُ الهيوبةُ ينطقُ فإنَّ جميع الناس إمَّا مكذِّبٌ ... يقولُ بما يهوى، وإما مُصدِّقُ يقولونَ أقوالاً ولا يعلمونَها ... ولو قيل: هاتُوا حقِّقوا، لم يُحَقِّقُوا ومن بني يربوع أبو قُرَّة عِسلُ بن سُفيان اليربوعيُّ: روى عن عطاءٍ، وروى عنه شُعبةُ وحمَّاد بن زيد. ومن بني رياح بن يربوع عَتَّابُ بن وَرقاء: وهو أحدُ أجواد العرب، ويكنى أبا ورقاء. ووَليَ إصبهان في فتنة الزُّبير. ووجَّهه الحجاجُ على جيش أهل الكوفة في قتال الأزارقة، فَبيَّتهُ شبيب الخارجيَّ، فتفرَّق عنه جيشه، فقُتل.

стр. 163

ومنهم مَطُر بن ناجية: الذي غَلب على الكوفة أيام ابن الأشعث. والحرثُ ابن يزيد: صاحب الحسين بن علي. ومَعقِلُ بن قَيسٍ: صاحبُ علي بن أبي طالب، وهو الذي يقول فيه جرير: ومنَّا فتى الفتيان والبأس معقل ... ومنا الذي لاقى بدجلةَ مَعقلا وسحيم بن وثيل الشاعر. وقَعنَب بن أمِّ صاحبٍ الشاعر، وهو القائلُ: صُمٌّ إذا سَمعوا خيراً ذُكرت به ... وإنْ ذُكرتُ بسوءٍ عندهُم أَذنوا وابو الهندي الشاعر: وهو عبد المؤمن بن عبد القُدُّس بن شَبَثِ بن ربعيٍّ الرياحيُّ. وشَهدَ جدُّهُ شبث مع عليٍّ ﵁ الجمل وصفِّينَ ثم فارقه حين التَّحكيم، وصار مع المحكمةِ، قال هذا المبِّردُ. وقال مسلم: أبو عبد القدوس شبثُ بن ربعي الحنظلُّي عن عليٍّ روى عنه محمدُ بن كعب. وقال الأزهريُّ الموصليُّ الحافظ: شبث بن ربعي فيه نظر، هو أوَّلُ من حرَّر الحرورية. وكان أبو الهندي قد غَلب عليه الشراب على كرم منصبه وشرف أسرته، حتى كادَ يُبطلهُ. وكان عجيب الجواب، فجلس غليه رجلٌ مرةً، وكان أبوه صُلب في خِرابةٍ. والخِرابةُ: سَرَقُ الإبل خاصَّةً. فاقبل يُعرِّض لأبي الهنديِّ بالشراب، فلما أكثر عليه قال أبو الهندي: أحدهم يرى القَذاةَ في عين أخيه، ولا يرى الجِذع في إست أبيه.

стр. 164

ومرَّ نصرُ بن سيار الليثيُّ بأبي الهندي، وهو يميل سُكراً. فقال: أفسدت شرفك. فقال أبو الهندي: لو لم أُفسد شرفي لم تكن أنت والي خراسان. وحجَّ به نصرُ بن سيار مرةً، فلما وردَ الحَرم قال له نصر: إنك بفناء بيت الله، ومحلَّ حَرمهِ، فدعْ ليَ الشراب. فوضعه بين يديه، وأقبل يشرب ويبكي ويقول: رضيعُ مُدامٍ فارق الرَّوح روحه ... فظلَّ عليها مُستهلَّ المدامع أَديرا عليَّ الكأس إنِّي فقدتُها ... كما فقد المفطومُ درَّ المراضع وكان يشربُ مع قيس بن أبي الوليد الكنانيِّ. وكان أبو الوليد ناسكاً، فاستعدي عليه وعلى ابنه فهربا منه. وقال أبو الهنديِّ قُل للسَّريِّ أبي قَيسٍ: أتُوعد ... ودارنا أصبحت من داركم صَدَدا؟ أبا الوليد أَمَا والله لو عَملت ... فيك الشَّمولُ لمَا حَرَّمتَها أبدا ولا نسيتَ حُميَّاها ولذتَها ... ولاعدلت بها مالاً ولا وَلدا ومن موالي رياح أبو العالية رُفيع بن مهران الرِّياحيُّ البصري: مولى امرأةٍ من بني رياح، أدرك الجاهلية، وأسلم بعد موت النبي ﷺ ، ودخل على أبي بكر، وصلى خلف عمر. وتُوفي سنة ثلاث وتسعين. وذُكر الحسنُ لأبي العالية فقال: رجلٌ مسلمٌ يأمر بالمعروف، وينهي عن المنكر، وأدركنا الخير، وتعلَّمنا قبل أن يولد الحسنُ. ومن بني العَنبر بن يربوع سَجاحِ بنت أوس: كذا قال أبو عبيد في كتاب النَّسب له، وقال ابن قُتيبة في " المعارف "، والمبرد في " الكامل ": هي من بني

стр. 165

حرام بن يربوع. ولم يَذكر أبو عبيد في بني يربوع بن حنظلة حَرَاماً. وسَجاجِ هي التي تنبأت، وهي صاحبةُ مُسليمة الكذاب. وتُكنى أمَّ صادر. وأسلمت بعد قتله. وقال ابنُ الكلبي: قُتلت مع مُسيلمة، ولم تُسلم. وفيها يقول عُطاردُ بن حاجب بن زُرارة: أَضحتْ نبيَّيُنا أُنثى تُطيفُ بها ... وأصبحت أنبياءُ الناس ذُكرانا وكان مُؤذنها زهير بن عمرو من بني سليط بن يربوع. ويقال: إن شَبَثَ ابن ربعيٍّ الرياحيَّ أذَّن لها أيضاً ومن بني سَليط بن يربوع المُساور بن رِئاب: وكان أحد الأجواد. وفيه يقول أعشى بني أبي ربيعة: لا تُجاوز إلى فتىً تَعتفيه ... حين تَلقى المساور بن رِئابِ ومن بني سَليط الزُّبير بن علي وعُبيد الله بن بشير بن الماخور: وكانا من رؤوس الخوارج. وقُتل ابن الماخُور يوم " سُلَّى وسُلِّبرَي ". وفي قتله يقول بعض أصحاب المهلَّب: ويوم سُلِّى وسُلَّبرى أحاط بهم ... منا صواعقُ لا تُبقي ولا تَذَرُ حتى تركنا عبيد الله مُنجدلاً ... كما تجدَّلَ مالَ مُنقعرُ ومن بني الفُضيل بن عياض بن مسعودٍ أبو علي: سمع منصوراً

стр. 166

والأعمش وغيرهما. ووُلد بأبيورد من خراسان، وقدم الكوفة، وهو كبيرٌ، فسمع بها الحديث ممن ذُكر. ثم تعبد وانتقل إلى مكة، فنزلها إلى أن ماتبها سنة سبعٍ وثمانين ومئة. ومن بني حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تَميم البراجم: وهم خمسُ قبائل: عمرو، والظَّليم، وكُلفَة، وقيس، وغالب.. بنو حنظلة لصُلبه. والبراجم: أصابع اليد سُمُّوا بها. وفي البُراجم من الصحابة خارجةُ بن الصَّليت البُرْجُميُّ: يعدُّ في الكوفيين. روى عنه الشَّعبيُّ. ومنهم عُمير بن ضابيء البرجميُّ: وهو الذي دخل على الحجاج بن يوسف حين ولى العراق، وحشَرَ الناس إلى المهلب بن أبي صفرة لحرب ألأزارقة. وهو شيخ يرعش كِبراً. فقال: أيها الأمير إني من الضعف على ما ترى. ولي ابنٌ هو أقوى على الأسفار مني، فتقبَّله بدلاً مني. فقال الحجاج: نفعل أيها الشيخ. فلما ولَّى قال له قائلٌ: أتدري من هذا أيها الأمير؟ قال: لا. قال: هذا عُمير بن ضابىء البرجميُّ الذي يقول أبوه: هَممتُ ولم أفعل وكدتُ وليتني ... تركتُ على عثمان تَبكى حلانلُهْ ودخل هذا الشيخ على عثمان مقتولاً، فوطىء بطنه، فكسَر ضلعين من أضلاعه. فقال: ردُّوهُ. فلما رُدَّ قال له الحجاجُ: أيها الشيخُ، هلا بعثتَ إلى أمير المؤمنين عثمان بدلاً يوم الدار؟ إن في قتلك أيها الشيخُ لصلاحاً للمسلمين، يا حارسيَّ اضربا عنقه. فجعل الرجلُ يَضيقُ عليه أمرُهُ، فيرحل ويأمرُ وليَّه أن يَلحَقهُ بزاده. ففي ذلك يقول عبد الله بن الزُّبير الأسَديُّ؛ أسدُ خُزيمة: تجبَّرْ فإمَّا أن تزور ابن ضابيءٍ ... عُميراً، وإما أن تَزور المُهلَّبا

стр. 167

هُما خطَّتا خَسفٍ نجاؤك منهما ... ركوبُك حولياُ من الثلج أَشهبا فما إن أرى الحجاجَ يرفع سيفهُ ... عن القتل، حتى يترك الطفل أشهبا وكان من قصة عُمير بن ضابيءِ بن الحرث البُرْجُميِّ، أن أباهُ ضابيءَ بن الحرث وجب عليه حبسٌ عند عثمان وأدب. وذلك أنه كان استعار من قومٍ كلباً، فأعاروه إياه، ثم طلبوه منه. وكان فحَّاشاً، فرمى أمَّهم به، فقال في بعض كلامه: وأمَّكُمُ لا تتركوها وكلبَكُمْ ... فإن عقوق الوالداتِ كبيرُ فاضطغن على عثمان ما فعل به. فلما دُعي ليؤدَّب شَكَّ سكِّيناً في ساقه ليقتل بها عثمان، فعثر عليه، فأَحسنَ أدبه. ففي ذلك يقول: وقائلةٍ إن مات في السجن ضابيءٌ ... لَنعم الفتى تَخلو به وتُواصلُه وقائلةٍ لا يَبْعدنْ ذلك الفتى ... ولا تَبعدنْ أخلاقُه وشمائلُه وقائلةٍ لا يُبعِدِ الله ضابئاً ... إذا الخصمُ لم يوجَدْ له من يُقاولُه هممتُ ولم أفعلْ وكديُ وليتي ... تكتُ على عثمانَ تبكي حلائلُه ولضابيء: وما عاجلاتُ الطير تُدنى من الفتى ... نجاحاً ولا عَن رَيثهِنَّ يَخيبُ

стр. 168

وربَّ أمورٍ لا تَضيرُك ضيرةً ... وللقلبِ من مَخْشاتهنَّ وجيبُ ولا خيرَ فيمَن لا يوطِّنُ نفسهُ ... على نائباتِ الدهر حين تَنوبُ ومن بني ربيعة بن حنظلة بن مالك، وهو أخو البَراجِمِ عُروة بن أُديَّة، ومِرداس بن أُديَّة: وأُديَّة جدة لهما من محارب نُسِبا. إليها. ويقال: بل كانت ظئراً لهما. وهما ابنا حُدَير أحدُ بني ربيعة بن حنظلة. وسيفُ عروةَ أول سيف سُلَّ من سيوف الخوارج، وذلك أنه أقبل على الأشعث، فقال: ما هذه الدَّنية يا أشعث؟ وما هذا التحكيم؟ أشرطٌ أوثقُ من شرطِ الله؟ ثم شهر عليه السيف والأشعث موَلٍّ، فضرب به عجزُ البغلة. فشبَّت البغلةُ، فنفرت اليمانيةُ، وكانوا جلَّ أصحاب علي ﵀. فلما رأى ذلك الأحنفُ قصد هو وجارية بن قُدامة ومسعود بن فَدَكيِّ بن أعبُد وشبت بن ربعيٍّ الرياحيِّ إلى الأشعث. فسألوه الصفح ففعل. وكان عروة بن أُديَّة نجا من حرب النّهروان، فلم يزل باقياً مدةً من خلافة معاوية، ثم أي به زيادٌ ومعه مولىً له، فسأله عن أبي بكر وعمر فقال: خيراً. ثم سأله فقال: ما تقول في أمير المؤمنين عثمان ﵀ وأبي التراب؟ فتولى عثمان ستَ سنين من خلافتهِ، ثم شهد عليه بالكفر. وفَعل في أمر عليٍّ ﵇ مثل ذلك، إلى أن حكَّم، ثم شهد عليه بالكفر. ثم سأله عن معاويةَ فسبَّهُ سبّاً قبيحاً، ثم سأله عن نفسهِ، فقال: أوَّلُك لزنيةٍ وآخرُك لِدعوة، وأنت بعدُ عاص لربك. فأمر به فضُربت عنقُه. ثم دعا مَولاهُ فقال: صفْ لي أموره، فقال: أُطْنِبُ أم أَختصر؟ قال: بل اختصر. قال: ما أتيتُهُ بطعامٍ بنهارٍ قطُّ، ولا فرشتُ له فراشاً بليلٍ قطُّ. قال المؤلف، وفقه الله: وهذا الشقيُّ البائس، وإن كان صائمَ النهار قائم اليل فقد أَحبط اللهُ عملهُ بتكفير الخليفتين الراشدَين المهْدِيَّين، ﵄، وخروجه عن الجماعة، وسلِّه السيف " في الطر " يق الخاسرِ. وهو حقاً ممن قال فيهم رسول الله ﷺ : " سيأتي قومٌ يقرؤون القرآن، لا يُجاوزُ تَراقيَهُم،

стр. 169

أو يعدو تراقيهم، يَمرقون من الإسلام، كما يَمرُقُ السهمُ من الرميَّة لا يعودون في الإسلام، حتى يعود السهمُ على فُوقهِ، طوبى لمن قَتَلهم أو قتلوهُ " روى هذا الحديث أبو أُمامةَ صُديُّ بن عجلان الباهليُّ صاحبُ النبيِّ ﷺ . ورواهُ عن أبي أُمامة أبو غالب حَزَوَّرُ. وروى عن أبي غالب سفيان بن عُيينةَ وحماد بن زيد، كذا قال مُسلم في الكنى، وقال غيرُه: وروى عن غالب أزهرُ بن صالح هذا الحديث في كتاب الشريعة للآجُريِّ. وروى سفيانُ بن عُيينة عن معمر ابن طاووس، عن أبيه قال: ذُكر لابن عباس الخوارج، وما يُصيبهم عند قراءة القرآن، فقال: يؤمنون بمُحكمه، ويَضلُّون عند مُتشابههِ وقرأ:) وما يعلم تأويلهُ إلا الهُ والراسخون في العلم يقولون: آمنَّا بهِ، كلٌّ من عند ربِّنا (. وروى سفيان أيضاً عن عبد اله بن أبي يزيد قال: سمعتُ ابن عباس، وذُكر الخوارجُ، فقال: حيارى سُكارى ليسُوا بيهود ولا نصارى. وروى أن علياً ﵁ تُليَ بحضرته، " قُل: نُنبِّئكُم بالأخسرين أعمالاً الذين ضلَّ سعيهم في الحياة الدنيا، وهم يَحسبون أنهم يُحسنون صُنعاً ". فقال علي: أهلُ حَروراءَ منهم. وروى بُكيرُ بن عبد الله بن الأشجِّ عن بسر بن سعيدٍ عن عُبيد الله بن أبي رافع مولى أم سلمة أن الحرورية لما خرجوا، وهم مع علي بن أبي طالب ﵁، قالوا: لا حكم إلا لله. فقال عليٌّ: أجلْ كلمةُ حقٍّ أُريد بها باطل. وكان أبو بلال مرداس بن حُدير أخو عروة مجتهداً كثير الصواب في لفظه، وكان قد شَهد صفِّين مع علي بن أبي طالب ﵇، وأنكر التحكيم، كما أنكرهُ أخوه عروةُ، وشهد النهر، ونجا. وكان ابن زياد حبَسهُ. فلما خَرج من حبسهِ خَرج عليه في أربعين رجلاً، فوجَّه إليهم ابنُ زياد أسلم بن

стр. 170

زُرعة الكلابيَّ في ألفين، فهزموهُ فلما وردَ علي ابن زيادٍ غضب عليه غضباً شديداً، وقال: ويلك، أتمضي في ألفين فتهزم لحملةٍ من أربعين؟ وكان أسلم يقول: لأنْ يذُمَّني ابن زياد حياً، أحبُّ إليَّ من أن يمدحني ميِّتاً. وكان إذا خرج إلى السوق أو مرَّ بصبيانٍ صاحوا به: أبو بلال وراءك. حتى شكا ذلك إلى ابن زيادٍ لهم الناس، فاختار عباد بن أخضر، ولس بابن أخضر هو عبادة بن علقمة المازنيُّ التميميُّ. وكان أخضر زوج أمَّه، فغلب عليه، فوجَّهه في أربعة آلاف فنهد لهم فقاتلهم عباد يوم الجمعة حتى حان وقت صلاة الجمعة، فنادهم أبو بلال: ياقوم، هذا وقت الصلاة فوادعونا حتى نصلي وتصلوا. قال: ذلك لك. فرمى القوم أجمعون بأسلحتهم، وعمدوا للصلاة. وأسرع عباد، ومن معه، والحرورية مبطئون، فهم بين الراكع ساجد وقائم في للصلاة وقاعد حتى مال عليهم عباد ومن معه. فقتلوهم جميعاً، وأتى برأس أبي بلال، فلما فرغ من أولئك الجماعة أقبل بهم فصلبت رؤوسهم وفيهم داود بن شبث وكان ناسكاً. وفي قتل أبي بلال يقول عمران بن حطَّان السَّدوسي، وكان من قعد الخوارج شاعرا ًمجيداً: لقد زادَ الحياةَ إلىَّ بُغْضهاً ... وحباً للخروجِ أبو بلال أُحاذِرُ أن أموتَ على فراشي ... وأرجو الموت تحت ذُرا العوالي فمن يك همُّه الدنيا فإني ... لها واللهِ ربِّ البَيتِ قال وفيه يقولُ من أبياتٍ: أنكرتُ بعدكَ ما قد كنتُ أَعرفُه ... ما الناسُ بعدكَ يا مرداسُ بالناسَ

стр. 171

ومن بني ربيعة بن مالك بن حنظلة الحَنتفُ بن السجف بن سعد بن عوف بن زهير بن مالك: كان يُكنى أبا عبد الله، وكان دَيِّناً شريفاً. وكانت له منزلةٌ من عُبيد الله بن زياد. ولما وقعت فتنةُ ابن الزبير سار حُبيشُ بن دَلجةَ القَينيُّ من قُضاعة إلى المدينة يريد قتال ابن الزُّبير، فعقد الحرثُ بن عبد الله المخزوميُّ القُباع، وهو أمير البصرة، للحنتف لواءً، فسار في سبعمئةٍ، وخرج إليهم حُبيش من المدينة، فلقيهُم بالرَّبذة. فقتل الحنتف حُبيشاً وعبيد الله بن الحكم أخا مروان بن الحكم، وانهزم الحجاجُ بن يُوسف، وأبوه يومئذٍ. وقال توسعةُ في ذلك: ونجَّى يوسف الثقفيَّ ركضٌ ... دراك بعدما سقطَ اللواءُ ولو أدركتهُ لقضينَ نَحباً ... به ولكلِّ مُخطئةٍ وِقاءُ ثم سار الحنتف نحو الشام، حتى إذا كان بوادي القُرى سُمَّ في طعامه، فمات هناك. وبنو ربيعة بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم بن مُر لصلبه حُبيش ورزام وكعبٌ: يقال لهم الخِشاب. وفيهم يقول جرير من قصيدةٍ طويلة: أثعلبةَ الفوارِس أم رِياحاً ... عَدلتَ بهم طُهيَّةَ والخشابا وأمُّ حبيش بن ربيعة أخي رزامٍ وكعبٍ حُطَّى على مثال حُبلى، وبها يُعرف بنوه.

стр. 172

ومن موالي بني يربوع بن مالك بن حنظلة أبو عثمان عمرو بن عبيد بن باب البصريُّ: رأس المعتزلة. اعتزل الحسن وأصحاب له، فسُموا المعتزلة. وكان مجتهداً في العبادة. ومات عمرو في طريق مكة، ودُفن بِمَران على ليلتين من مكة، على طريق البصرة، وصلى عليه سليمانُ بنُ عبد الله بن عباسٍ، ورثاهُ أبو جعفرٍ المنصورُ، فقال: صلى الإلهُ عليك من مُتوسِّدٍ ... قبراً مررتُ بهِ على مَرَّان قبراً تَضمَّنَ مؤمناً مُتحنِّفاً ... صدق الإله ودانَ بالعِرفانِ فلو أنَّ هذا الدهرَ أَبقى صالحاً ... أبقى لنا حياً أبا عُثمانِ ......ومن بني حنظلة بن مالكٍ أبو القاسم الأصبَغُ بن نُباتَةَ الحنظليُّ ... ومن بني ربيعة بن مالك بن زيد مناة أخي حنظلة بن مالك عَلقمة بن عَبدةَ الفحلُ الشاعر، وأخوهُ شأسٌ. والرَّبايعُ ثلاثةٌ: ربيعة الكبرى ابنُ مالك بن زيد مناة المذكور: وهو ربيعة الجوع، وهو عمُّ ربيعة الأوسطُ. والأوسطُ هو ربيعةُ بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة. والأصغرُ هو ربيعة بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة. وكلُّ واحدٍ منهم عمُّ صاحبهِ. ومن مالي ربيعة الجوع حَمَّادُ بن سَلَمةَ بن دينارٍ: وهو ابنُ أختِ حُميد

стр. 173

الطويل، وأمُّه مولاةُ خُزاعة. مات بالبصرة سنةَ سبع وستين ومئة. وحمادٌ من جِلَّة المحدّثين. وأمَّا عمرو بن تَميم فولَد أسيِّداً، بطنٌ، والعنبر، بطن وهو خُضَّم. والهجيمَ، بطن. والحرث الحَبط، بطن، وابن ابنه مارزن بن مالك بن عمرو بن تميم، بطنٌ. وقليباً، بطن، والنسب إليه معروف. فمن بني أُسيِّد، والنسب إليه أُسديٌّ بالتخفيف، وإذا سُمَّيت شدَّدت. حنظلةُ بن الربيع بن صيفيٍّ: الكاتب من الصحابة. وهو ابن أخي أكثم بن صيفي، حكيم العرب. وأدرك أكثمُ بن صيفي مُبعث النبي ﷺ ، وهو ابنُ مئةٍ وتسعين سنةً. وكان يوصي قومه بإتيان النبي ﵇، ولم يُسلم. وكان قد كتب إلى النبي ﷺ فجاوبه رسول الله ﷺ ، فسُرَّ بجوابه. ويُكنى حنظلةُ أبا ربعي، وهو من بطن بني أسيِّد، يقال لهم بنو شُريف، وبنو أسيِّد من أشراف بني تميم. قال أبو نافع بن الأسود التميميُّ يفخر بقومه: قومي أسيِّدُ إن سألتَ ومَنصبي ... ولقد علمتَ مَعادنَ الأحسابِ وحنظلةُ أحد الذين كتبوا لرسول الله ﷺ ، ويُعرف بالكاتب. شهد القادسية، وهو ممَّن تخلَّف عن علي في قتال أهل البصرة يوم الجمل. جلُّ حديثه عند أهل الكوفة. ولما تُوفي ﵀ جزِعت عليه امرأته فنَهيْنَها جاراتها، وقُلن: إنَّ هذا يُحبط أجركِ. فقالت: تعجبت دعدُ لمحزونةٍ ... تبكي على ذي شَيبةٍ شاحبِ إن تسأليني اليوم ما شفَّني ... أُخبركِ قولاً ليس بالكاذبِ

стр. 174

إن سوادَ العينِ أَودي به ... حزنٌ على حَنظلةَ الكاتبِ ومات حنظلة في إمارة معاوية بن أبي سفيان، ولا عقبَ له. ومن بني أسيِّد هند وهالة: ابنا أبي هالة، وكانا رَبيبي رسول الله ﷺ . وأدركا الإسلام فأسلما. وأبو هالة اسمه زُرارةُ بن النَّباش بن وَقدان بن حبيب بن صُرَدِ بن سلامة بن جِروةَ بن أسيِّد بن عمرو بن تميم. وقُتل هندُ بن أبي هالة يومَ الجمل مع علي ﵁. وقُتل ابنُه هندُ بن هندٍ مع مصعب بن الزُّبير أيام المختار. وقيل: مات بالبصرة في الطاعون الجارف، فازدحم الناس على جنازته، وتركوا جَنائزهم، وقالوا: ابنُ ربيب رسول الله ﷺ . ونادت امرأة: واهنداهُ بن هنداهُ. فمال الناسُ إليه. وكان هند بن أبي هالة وصَّافاً فصيحاً. وصف رسول الله ﷺ فأحسن وأتقن. وقد شرح أبو عبيد القاسم بن سلاَّمٍ وابنُ قتيبةَ وصفه ذلك لما فيه من الفصاحة وفوائد اللغة. وروى عنه أهلُ البصرة حديثاً واحداً، ذكره أبو عمر بن عبد البرِّ في كتاب الصحابة. فقال: حدَّثنا خلفُ بن قاسم أبو القاسم الحافظ قال: نا سعيد بنُ السَّكن قال: حدثني محمد بن جُبير بن عيسى الواسطيُّ بمصر قال: نا السَّريُّ بن يحيى عن مالك بن دينارٍ قال: حدثني هندُ بن خَديج زوجُ النبي ﷺ قال: مرَّ النبي ﵇ بالحكم أبي مروان بن الحكم قال: فجعل يَغمزُهُ. فالتفتَ إليه النبيُّ ﵇ فقال: اللهمَّ اجعل به وزعاً. فرجف مكانه. والوزعُ الارتعاش. ومن بني أُسَيِّد حُرَيثُ بن السَّائِب الأسيديُّ: سمع الحسن. روى عنه ابن المبارك والنَّضرُ بن شُميل ومسلم بن إبراهيم. ومن بني العنبر بن عمرو بن تميم عامرُ بن عبد الله العنبريُّ: العابد، ويُكنى أبا عبد الله. وهو عامرُ بن عبد قيس من ولشد كعب بن جُندب. كان على عهد رسول الله ﷺ رجلاً، ولم يره. وهو من كبار التابعين،

стр. 175

وكان خيِّراً فاضلاً. ورآه عثمانُ يوماً في دِهليزه، فرأى شيخاً ثطَّاً أَشغى في عباءة. فأَنكر مكانه، ولم يعرفْهُ. فقال: يا أعرابيُّ، أين ربُّك؟ قال: بالمرصاد. وسيَّره عبد الله بن عامرٍ إلى الشام بأمر عثمان. فمات هناك، ولا عقبَ له. ومنهم أبو بشرٍ الوليد بن مسلم العنبريُّ: " روى " عن خُبيب بن عبد الله وعن أبان مولى عثمان بن " عفان، وروى " عنه خالدٌ الحذّاء ومنصور. ومنهم أبو عبد الله سَوَّارُ بن عبد الله العنبريُّ: قاضي البصرة لأبي جعفر المنصور، وأقام قاضياً بها سبع عشرة سنةً، ووَلى صلاة البصرة مرتين. ومات وهو أميرها سنة ستٍّ وخمسين ومئة. وأبوهُ أبو السوَّار عبد الله بن قُدامة بن عَثرة من ولد كعب بن العنبر. روى عن أبي بَرزةَ الأسلميِّ. وروى عنه تَوبةُ العنبريُّ. ووَلى أيضاً قضاء البصرة مثل ابنهِ سوَّار. وابو السوَّار معدود في الطبقة الثانية من تابعي أهل البصرة، قاله مسلم. وولى عبدُ الله بن سَوَّار القضاء بعد أبيه. ووليَ القضاء ابنُ ابنه أيضاً وهو سوَّار بن عبد الله. فَوَلوا القضاء أربعةً في نَسقٍ. وخرَّج عن سوار الأخير التِّرمذسُّ. وكان سوار أبو عبد الله فقيهاً، عدلاً، صالحاً. رُوي أن رجلاً من الأعراب تقدَّم إلى سوارٍ في أمر فلم يصادف عنده ما يجبُ، فاجتهد، فلم يظفر بحاجته، قال: فقال الأعرابيُّ، وكانت في يده عصاً: رأيتُ رؤيا ثم عبَّرتُها ... وكنت للأحلام عبَّارا بأنَّني أخبطُ في ليلتي ... كلباً، فكان الكلبُ سوَّارا ثم أنحى على سوَّار بالعصا، قال: فما عاتبهُ سوَّار بشيءٍ. ومات رجلٌ بالبصرة، كان لأبي جعفر المنصور عليه مال. وكانت عليه ديون للناس

стр. 176

فكتب المنصور إلى سوَّار: بلغني أن فلاناً تُوفي، فانظر في تَركته، فاستوف منها مالنا قِبَلَهُ، واقسم ما بقي من الغرماء. فكتب إليه سوَّار: وصلني كتابُ أمير المؤمنين، وعلمتُ ما تضمَّنه، وإني قدَّمت كتاب الله على كتابه. وإنما أميرُ المؤمنين غريم من الغرماء، يَسعُهُ ما يسعُهُم. فكتب إليه المنصورُ: ملأتُ بك الأرض عدلاً يا سوَّارُ. ومنهم عبيد الله بن الحسن بن الحُصين القاضي: وهو ابن عمِّ سوَّار. وكان عبيد الله أحد الأدباء الفقهاء الصُّلحاء. وذكر ابن عائشة أن عبيد الله بن الحسن شهد عندَه رجلٌ من بني نَهشَلٍ على أمرٍ أحسبه دَيناً. فقال له: أتروي قول الأسود بن يَعفُر: نام الخليُّ فما أُحسُّ رُقادي؟ فقال له الرجل: لا. فردَّ شهادته، وقال: لو كان في هذا خيرٌ لروي شرف أهله. ومات عبيد الله بن الحسن سنة ثمانٍ وستين ومئة. ومنهم طلحة العنبريُّ أبو خلف: سمع الشعبيَّ، روى عنه موسى بن إسماعيل. ومنهم أبو هبيرة عبد الوارث بن سعيد العنبري، ويُعرف بالتنُّوري. سمع أيوب وإسحاق بن سُويد، روى عنه الثوريُّ وابنه عبد الصمد. وروى مسلم عن ابن ابنه عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث. ولم يكن عبدُ الوارث بن سعيد من أَنفس بني العنبر، وإنما كان مَولى لهم، ومَولى القوم منهم. وتُوفي بالبصرة في المحرَّم سنةَ ثمانين ومئة. ومنهم أبو عبد الله مَندَل بن علي العنبريُّ: الكوفي المحدِّث. روى عن ابن جريج عن إبراهيم بن مَيسرة، عن عمرو بن الشريد، عن أبيه قال: أبصر النبيُّ ﷺ رجلاً وقد جلسن فاتكأ على يدهِ اليسرى. فقال: هذه جِلسةُ المغضوب عليهم. وماتَ مندل سنة ستٍ وسبعين ومئة. وأخوهُ حِبَّانُ بن علي: من حَملةِ الحديث. وروى مَندل وحِبَّان ابنا علي

стр. 177

عن يونس بن يزيد، عن عُقيل، عن أبن شِهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباسٍ قال: خيرُ الأصحاب الأربعة. ومنهم مُعاذ بن معاذٍ أبو المثنَّى العنبريُّ: وكان من جِلَّة المحدِّثين.. وتُوفي سنة ستٍ وتسعين.. وبنو العنبر الصَّميمُ من ولد إسماعيل شهد لهم بذلك النبيُّ ﵇. يُروى أن رسول الله ﷺ قال لعائشةَ ﵂، وقد كانت نذَرت أن تُعتق قوماً من ولد إسماعيل فسُبيَ قومٌ من بني العنبر: " إنْ سرَّكِ أن تُعتق الصميم من ولد إسماعيل فأَعتقي هؤلاء ". وبنو العنبر يقال لهم خُضَّم. وفيهم يقول طريف بن تميم العنبريُّ في الجاهلية: حَولي أُسيِّدُ والهُجَيمُ ومازنٌ ... وإذا حللتُ فَحولَ بَيتي خُضَّمُ وقال أبو عبيدة مَعمر بن المثنى: والعنبرُ يسمَّى خُضَّم. وأولُ قصيدة طريف: أوَ كُلَّما وَردتْ عكاظَ قبيلةٌ ... بعثوا إليَّ عَريفَهم يَتوسَّمُ فتوَسَّمُوني إنَّني أناذاكمُ ... شاكٍ سِلاحي في الحوادثِ مُعْلَمُ تَحتي الأَغرَّ وفوقَ جِلدي نَثْرةٌ ... زَغْفٌ تَردُّ السيفَ وهْوَ مُثَلَّمُ نثرة: درع. والزغف: الواسعةُ، وقيل: اللينةُ. ومن العنبر بنو دُغَةَ بنت مغنج التي يقال فيها: " أحمقُ من دُغَةَ "؛ ودُغةُ: أبوها، هو ربيعةُ بن عِجْل بن لُجَيم، تزوَّجها عمرو بن جُندب بن العنبر فَوَلدت

стр. 178

له. فبنوهُ يقال لهم: بنو دُغةَ. ولها أخبارٌ طربفة مُضحكة في الحمق. منها أنها لما أخذها الطَّلْقُ لم تدرِ ما في بطنها، فخرجت إلى البراز للتبرُّز، فوضعتْ ذا بطنها، ثم انصرفتْ إلى حاضنتِها، فقالت: يا هنتاهُ، هل يفتح الجَعْرُ " فاهُ "؟ قالت: نعم، ويَدعو أباهُ. وانصرفت الحاضنة فأتت بالمولود. وقال ابنُ عبد ربه في العقد: إنَّ دُغةَ من إياد بن نزار. وأمُّ العنبر والهُجيم وأسيِّد بني عمرو بن تميم أمُّ خارجة بنت سعد بن قُرادٍ من " بَجيلةَ ". ومنهم أبو الهُذيل زُفَرُ بن الهُذيل: صاحبُ الرأي. وكان قد سمع الحديث وغلبَهُ الرأيُ، ومات بالبصرة. وكان أبوهُ الهُذيل على إصبهانَ. ... ومنهم عبد الرحمن ... من كبار حَمَلة الحديث. روى عن مالك وغيره من الجلَّة الثقات. ومات سنةَ ثمانٍ وتسعين ومئة، وهو ابنُ ثلاثٍ وستين سنةً، ويُكنى أبا سعيد. ومنهم عباس بن عبد العظيم العنبريُّ: صاحب ابن معين. ومنهم بني الهُجيم بن عَمرو بن تميم، ويقال لبني الهُجيم " الحِبالُ " أبو تميمة الهُجَيميُّ: واسمه طريفُ بن مُجالدٍ، ذكره العُقيليُّ في الصحابة، وروى عنه حديثاً لا يصحُّ إسنادُهُ. ولا يُعرف في الصحابة أبو تميمةَ، والصحيحُ أنه تابعيٌّ بصْريٌّ، يروى عن أبي هُريرةَ وأبي موسى. وروى عنه قتادةُ وبكر بن عبد الله المُزَينُّي. قال: نا أبو حاتمٍ قال: قال أبو تميمة، وأَسرتْه الترك: ألا ليتَ شعري هل أبيتنَّ ليلةً ... وِسادي كفٌّ في السِّوارِ خضيبُ وبينَ بني سَلَّى وهَمدانَ مَجلسٌ ... على نأيهِ منِّى إليَّ حَبيبُ كرامُ المساعي يأمنُ الجارُ فيهمُ....... الخطابِ مُصيبُ

стр. 179

وقال عمرو بن علي: كان أبو تميمةَ رجلاً من العرب، فباعه عمُّه، فأغلظتْ له مولاتُهُ. فقال لها: وَيحكِ إني رجلٌ من العرب. فلما جاء زوجها قالت له: ألا ترى ما يقول طريف؟ فسأله، فأخبره، فقال خذه هذه الناقة....النفقة، فالحق بقومكَ. فقال: واللهِ لا ألحقُ بقومٍ باعوني أبداً. فكان ولاؤُهُ لبني الهُجيم حتى ماتَ. ومنهم أبو جُدَي الهُجَيميُّ: واسمُه سُليم بن جابر، وقيل: جابر بن سُليم، وهو الأصحُّ. له صحبةٌ وسماعٌ من النبي ﷺ . روى عنه أبو رَجاءٍ العُطارديُّ وأبو تميمة الهُجَيميُّ وعَقيل بن طلحة وغيرهم. وعِدادُهُ في أهلِ البصرة، وحديثه عندهم. ومن بني الحرث بن عمرو بن تميم، والحرثُ هو الحَبِطُ. وقيل له الحبطُ، لأنه أكل طعاماً فَحَبِط به. والنسبُ إليه حَبَطَي، بفتح الباء. ويقال لوَلدِه الحَبشطاتُ عبَّاد بن الحُصين الحَبَطُّي: وكان من فرسان العرب، مقدَّماً في تميم. ووَلى شُرطةَ البصرة أيام ابن الزُّبير. وكان مع مُصعب أيام المختار. وأبلى يوم أبي فُدَيكٍ الخارجيّ ما لم يُبلِهِ أحداً يُعدَلُ بألف فارس حتى رأيت عباداً. وكان ابنه جَهْضمُ، وبه كان يُكنى، مع ابن الأشعث، فقتله الحجاجُ. ومن بني مازن بن مالك بن عمرو بن تميم أبو عمرو بن العلاء بن عمَّار بن عبد الله بن الحُصين بن الحرث بن جُلهم بن خُزاعي بن مازن بن مالك بن عمرو بن تميم: وجدُّه عمار يَروي عن علي ﵁. فممَّا روى عنه ما ذكره أبو عمر بن عبد البر في كتاب الصحابة عند ذكر عليٍّ وسياق فضائله. قال أبو عمر: حدثنا سعيد بن نصر قال: نا قاسمُ بن أَصبغ قال: نا محمد بن عبد السلام الخشني قال: نا أبو الفضل العباسُ بن محمد الرياشيُّ قال: نا أبو عاصمٍ الضحاكُ بن مَخْلدٍ عن مُعاذِ بن العلاء أخي أبي عمرو بن العلاء عن أبيه، عن جدِّه قال: سمعت عليَّ بن أبي طالب يقول: ما أصَبْتُ من فِيكم إلا

стр. 180

هذه القارة أهداها لي الدِّهقانُ. ثم نزلَ إلى بيت المال ففرَّقَ كلَّ ما فيه، ثم جعل يقول: أفلح مَن كانتْ لهُ قَوْصَرَّهْ يأكلُ منها كلَّ يومٍ مرَّهْ وأمُّ أبي عمرو عائشة بنت عبد الرحمن بن ربيعة بن بكر من بني حنيفة. ولحق من الصحابة أنسَ بن مالك وغيره ممَّن تأخَّر موتُه من شباب الصحابة، لكن لا تحفظُ له عن أحدٍ منهم رواية. وهو من القُرَّاء السَّبعة، قرأَ على جماعةٍ من التابعين، منهم مُجاهد وَسعيد بن جُبير وعِكرمةُ بن خالد وعبد الله بن كثير وعطاءُ بن رَباح وحُميدُ بن قيس الأعرجُ وأبو جعفر يزيدُ بن القعقاع وشيبةُ بن نِصاح ويزيدُ بن رومان والحسن بن أبي الحسن البَصري ويحيى بن يعمر. وأخذ قراءتهُ عنه أبو محمدٍ يحيى بن المبارك العَدَويُّ المعروف باليزيديِّ. وقيل له اليزيديُّ لصحبته يزيد بن منصور الحمْيريَّ خال المهديِّ. وروى عن اليزيديِّ قراءة أبي عمرو: أبو عمر حفص بن عمر بن عبد العزيز بن صُهْبانَ الدُّوريُّ الأزديُّ. والدُّور موضع ببغداد. وأبو سُعيب صالح بن زياد بن عبد الله بن إسماعيل الرُّسْتُبيُّ السُّوسيُّ. وكان أبو عمرو ابن العلاء عالماً باللغة والنحو والشعر وأيام العرب إماماً في ذلك من أهل السُّنة، ﵀. واسمُه زُبانُ، وقيل: العُريانُ، وقيل: اسمُه كنيته. ونوفي بالكوفةِ سنة أربع وخمسين ومئة. واخوهُ أبو سفيان بن العلاء، واسمُه كنيته أيضاً. ولهمت أخٌ ثالث اسمُه مُعاذ. وفي أبي عمرو يقول الفرزدق: ما زلتُ أفتحُ أبواباً وأُغلقها ... حتى أتيتُ أبا عمرو بن عمَّار
следующие страницы →