← Ансаб

Ансаб · id 26484

الجوهرة في نسب النبي وأصحابه العشرة

محمد البري

Полный текст (811 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الحزونةُ تعرف فينا حتى اليوم وفي ولدهِ حزونة وسوء خُلُقٍ معروف ذلك منهم، لا يكاد يُعدم منهم. وأسلم ابنه حكيم عام الفتح، وقُتل يوم اليمامة شهيداً مع أخيه عبد الرحمن أبيه حزن. وأمُّ حكيم بن حزن فاطمةُ بنتُ السائب بن عثويمر بن عائذ بن عمران بن مخزوم. وأمُّ المسيَّب بن حزن وأخوته عبد الرحمن والسائب وأبي معبد أمُّ الحارث بنت سعيد بن أبي قيس بن عبدوُدِّ بن نصر بن مالك بن حِسْلِ بن عامر بن لؤي. قال مصعب الزُّبيريُّ. وشهد المسيِّبُ بيعة الرِّضوان. وخرَّج البخاري ومسلم أن سعيد بن المسيَّب شهد الشجرة مع أبيه، ووَهِما في ذلك. قال الدارقُطني: أصحاب المغازي ينكرون ذلك. قال المؤلف أصلحه الله: الدليل على ما قاله الدارقطنيُّ أن سعيداً وُلد في صدر خلافة عمر، ويأتي ذكرُ ذلك بعد. ولا خلاف أن المسيَّب ممن بايع تحت الشجرة. وابنه سعيد بن المسيَّب: من كبار التابعين، وأحد الفقهاء السبعة، ويُكنى أبا محمد بابنه محمد، وكان نسَّابةً، وسعيد أيضاً كان نسابة. حَّث محمد بن عبد السلام الخُشني قال: نا نصر بن علي الجَهضميُّ قال: نا الأصمعي قال: نا إسحاق بن يحيى بن طلحة قال: جئت سعيد بن المسيَّب، فسلَّمت عليه فردَّ عليَّ فقلت له: أنا ابن يحيى بن طلحة. فضمَّني إليه وقال: ائتِ محمداً ابني، فإنَّ عنده ما عندي، إنما هي شعوب وقبائل وعمائر وبطون وأفخاذ وفصائل. قال المؤلف وفقه الله لما يُرضيه، ومنحه خير ما يقضيه: نصر بن علي الجَهضَميُّ الذي روى عنه الخشنيُّ محمد بن عبد السلام الأندلسيُّ. روى عنه مسلم في صحيحه كثيراً. وخرَّج عنه الترِّمذي وغيره من الأئمة. ويُكنى أبا عمرو. وروى مسلم أيضاً عن ابنه عليَّ بن نصر. وأكثرُ روايته عن أبيه نصر. وهو من أشياخه الذين أكثر الرواية عنهم. ومات نصر بن علي وابنه علي بن نصر المذكوران في سنةٍ واحدة؛ سنة خمسين ومئتين. مات منها أبوهُ في ربيع الآخر، ومات هو منها لأيامٍ بقين من شعبان، ونَسبهما إلى جَهضم بن مالك بن

стр. 72

فَهم بن دوس بن عُدثان بن عبد الله بن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد بن الغوث. ودَوس: رهط أبي هُريرة عبد الرحمن بن صخر. ومن دوس الطُّفيل بن عمرو، وذو النُّور ﵄ الأصمعيُّ: هو عبد الملك بن قُريب من باهلة، وإسحاق بن يحيى الذي روى عنه الأصمعي هو إسحاق بن يحيى بن طلحة بن عُبيد الله القرشيُّ التَّيميُّ، وجدُّه طلحة أحد العشرة المشهود لهم بالجنة. وروى إسحاق بن يحيى أيضاً عن المسيَّب بن رافع الكاهليِّ الأسديِّ؛ أسد خُزيمة. وروى المسيب عن البراء بن عازب الأنصاري الحارثيِّ الخزرجيِّ من بني حارثة بن الحارث بن الخزرج. ووُلد سعيد بن المسيب لسنتين مضتا من خلافة عمر. وتوفي بالمدينة. قال يحيى بن سعيد: سنة إحدى واثنتين وتسعين. وقال الواقدي: سنة أربع وتسعين، وهي سنة الفقهاء لكثرة من مات فيها منهم. وقال المدائنيُّ ويحيى بن مَعين: سنة خمس ومئة. وقال ابن عمر، ﵁، لرجل سأله عن مسألةٍ: ائتِ ذلك فاسأله، - يعني سعيداً - ثم ارجع إليَّ وأخبرني. ففعل ذلك ثم أخبره فقال: ألم أُخبرك أنهُ أحد العلماء؟. وقال عبد الله بن عمر لأصحابه: لو رأى رسول الله ﷺ هذا لَسَرَّهُ. وقال الزُّهريُّ: أخذ سعيد علمه عن زيد بن ثابت، وجالس ابن عباس وابن عمر وسعد بن أبي وقاص، ودخل على زوجي النبي ﷺ ؛ عائشة وأمِّ سلمة وغيرهما، وسمع عثمان وعلياً وصُهيباً. وجُلُّ روايته المسندة عن أبي هريرة، وكان زوج ابنته. وكان يقال: ليس أحد أعلم بكلِّ ما قَضَى به عمر وعثمان منه وكان يقال له: رواية عمر. وقال القاسم بن محمد: هو سيدنا وأعلمنا. وقال قتادةُ: ما جمعت علم الحسن إلى علم أحدٍ من العلماء إلا وجدت له عليه فضلاً، غير أنه كان أَشكل عليه شيء كتب إلى سعيد بن المسيَّب يسأله. وكان سعيد أفقه أهل الحجاز وأَعبر الناس لرؤيا وقال له رجل: رأيت كأني أخذت عبد الملك بن مروان، فأَضجعته إلى الأرض، ثم بطحتُه، فوتَدْتُ في

стр. 73

ظهره أربعة أوتاد. فقال: ما أنت رأيتها، ولكن رآها ابن الزبير. ولئن صدَقت رؤياهُ قتله عبد الملك بن مروان، وخرج من صلبه أربعة كلهم يكون خليفة. وقال له آخر: رأيتني أبول في يدي. فقال تحتك ذات مُحرم، فنظر فإذا امرأته بينهُ وبينها رضاع. وكان جابر بن الأسود أمير المدينة لابن الزبير. فدعا سعيدا إلى البيعة لابن الزبير، فأبى فضربه ستين سوطاً. وضربه أيضاً هشام بن إسماعيل ستين سوطاً، وطاف به المدينة في تبَّان من شعرٍ، وذلك أنه دعاه إلى البيعة للوليد وسليمان بالعهد فلم يفعل. ومن بني مخزوم المطَّلب بن عبد الله بن حنطب بن الحارث بن عبيد بن عمر بن مخزوم: كان من التابعين، رُوي عنه الحديث. وعمُّه المطلب بن حَنطب: كان من أُسارى بدر، وأُطلق بغير فداء. ومولى المطلب بن عبد الله عمرو بن أبي عمرو بن عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب بن عبد الله بن حنطب، عن أني بن مالك. ومن بني مخزوم هُبيرةُ بن أبي وهب: وهو أخو حزن بن أبي وهب، وزوج أم هانيء بنت أبي طالب. وأبوهما أبو وهب: خال أبي رسول الله ﷺ . وكان من سَرَواتِ قريش، شريفا. وهو الذي أخذ حجراً من الكعبة حين اجتمعت قريش لِهدمها، فوثب من يده حتى رجع إلى موضعه. فقال: يا معشر قريش، لا تُدخلوا في بنيانها من كسبكم إلا طيِّباً، لا تدخلوا فيه مَهْرَ بغيٍّ، ولا بيع رباً، ولا مَظلمة أحد من الناس. قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبي نجيح المكيُّ أنه حُدِّث عن عبيد الله بن صفوان بن أمية بن خلف الجُمحيِّ أنه رأى ابناً لجعدة بن هُبيرة بن أبي وهب يطوف بالبيت. فسأل عنه فقيل: هذا ابن لجعدة بن هُبيرة. فقال عبد الله بن صفوان عند ذلك: جدّث هذا، يعني أبا وهب، الذي أخذ حجراً من الكعبة حين اجتمعت قريش لِهدمها، فوثب من يده حتى رجَعَ إلى موضعه، فقال الكلام المتقدِّم قبلُ. وله يقول شاعر من العرب:

стр. 74

لو بأبي وهب أنختُ مطيَّتي ... غَدت من نَداه رحلُها غيرُ خائب أُبيِّضُ من فَرعيْ لؤيَّ بن غالبٍ ... إذا خُلِّصتْ أنسابُها في الذوائب أَبي لأخذ الضَّيم يرتاح للنِّدا ... تَوسَّط جَدَّاهُ فُروعَ الأطايب وكان هبيرة بن أبي وهب شاعراً من رجال قريش هرب يوم فتح مكة إلى اليمن، ومات بها كافراً. وقال حين بلغه إسلام أمِّ هانيء واسمها هند، وهو بنجران القصيدة التي أولها: أشاقتْكَ هندّ أم نآكَ سُؤالها ... كذاك النَّوى أسبابها وانفتالُها وقد أرَّقت في رأس حصن ممنَّعٍ ... بنجران يسري بعد ليلٍ خيالُها لئن كنت قد تابعت دين محمد ... وعطَّفت الأرحامُ منك حبالُها فكوني على أعلى سحيقٍ بهضبةٍ ... مُمنَّعةٍ لا تُستطاعُ قِلالُها وفيها: وإني لحَامٍ من وراء عشيرتي ... إذغ كان من تحت العوالي مجالُها

стр. 75

وصارت بأيدي القوم بيض كأنها ... مخاريقُ ولدانٍ تنوشُ ضِلالُها وفيها: وإنَّ كلام المرء في غير كُنههِ ... لكالنَّبل تهوى ليس فيها نِصالُها وابنه جعدة بن هُبيرة: مذكور في الصحابة، ولاَّهُ خاله عليُّ بن أبي طالب على خرسان، وكان فقيهاً ووَلدت أمُّ هانئ بنت أبي طالب لهبيرة من البنين أربعةً، وهم: جعدةُ، وعَمرو، وبه كان يُكنى، وهانيء، ويوسف. ذكر هذا الزبير بن بكَّار. قال الزبير: وجعدةُ بن هُبيرة هو الذي يقول: أبي من بني مخزومٍ انْ كنت سائلاً ... ومن هاشمٍ أمِّي لخيرِ قَبيلِ فمن ذا الذي يَبأى عليَّ بخالهِ ... وخالي عليٌّ ذو الهدى وعَقيلظ رَوى عن جعدةَ مُجاهد بن جبر أبو الحجاج. ومن مخزوم الأرقم بن أبي الأرقم: واسم الرقم عبد مناف بن أسد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، يُكنى أبا عبد الله. كان من المهاجرين الأولين، قديم الإسلام. قيل إنه كان سُبُعَ الإسلام؛ سابع سبعة. وقيل أسلم بعد عشرة أنفُس، وذكره ابن عقبة وابن إسحاق فيمن شهد بدراً. وفي دار الأرقم بن أبي الأرقم هذا كان النبي ﷺ مستخفياً من قريش بمكة، يدعو الناس فيها إلى الإسلام في أول الإسلام، حتى خرج عنها. وكانت دارُة بمكة على الصَّفا. فاسلم فيها جماعة كبيرة. وهو صاحبُ حلف الفضول. روى عن

стр. 76

النبي ﷺ أحاديث. وذكر سعيد بن أبي مَريم قال: نا عطَّاف ابن خالد قال: حدثني عبد الله بن عثمان بن الأرقم عن جدَّه الرقم، وكان بَدرياً، وكان رسول الله ﷺ في داره عند الصَّفا، حتى تكاملوا أربعين رجلاً مُستلئمين. وكان آخرهم إسلاما عمر بن الخطاب. فلما كانوا أربعين خرجوا. وكانت وفاته - فيما ذكر أبو العباس محمد بن إسحاق السَّرَّاج - قال: سمعت أحمد بن عبد الله بن عثمان بن الأرقم بن أبي الأرقم يقول: سمعت أبي ومشائخنا يقولون: تُوفي الرقم سنة خمس وخمسين بالمدينة، وهو ابن بضع وثمانين سنة. وكان قد أوصى أن يُصلى عليه سعد بن أبي وقاص، وكان في قصره بالعقيق. فقال مروان: أيُحبس صاحب رسول الله ﷺ لرجل غائب؟ فأبى عبيد الله بن الرقم ذلك على مروان. وقامت بنو مخزوم معه، ووقع بينهم كلام ثم جاء سعد فصلى عليه. وذكر ابن أبي خيثمة أبا الأرقم أباه فيمن أسلم، وروى من بني مخزوم، وغلط في ذلك، والله أعلمُ. ولم يُسلم أبوه فيما عُلم. وِن صحَّ هذا فممكن أن يكون أبوه أبو الأرقم مات يوم مات أبو بكر الصديق. وتوفي الرقم سنة خمس وخمسين. وعلى هذا يصحُّ قول أبي بكر بن أبي خثيمة أنَّ له صحبةً وروايةً. وغلط أيضا أبو حاتم محمد بن إدريس الرازيُّ وابنه عبد الرحمن فجعلا الأرقم بن أبي الأرقم هذا والد عبد الله بن الأرقم الزهري. والأرقم والد عبد الله: هو ابن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة. والأرقم بن أبي الأرقم مخزومي كبير، أسلم في داره كبارُ الصحابة في ابتداء الإسلام، والله الموفق للصَّواب. ومن بني مخزوم فاطمة بنت أبي الأسود ... " قال فيها رسول الله ": " ولو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها " ... ومنهم الفاكه بن المُغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم. وكان زوج هند بنت عُتبة أمِّ معاوية قبل أبي سفيان بن حرب، وله معها خبر مشهور أَذكره: قيل: كان الفاكه بن المغيرة المخزومي أحد فتيان قريش، وكان قد تزوج هنداً

стр. 77

بنت عتبة. وكان له بيت للضيافة يغشاه الناس فيه عن غير إذن. فقال يوماً في ذلك البيت، وهند معه. ثم خرج الفاكه عنها وتركها نائمةً، فجاء بعض من كان يغشى البيت، فلما وجدها نائمةً ولى عنها. واستقبله الفاكه بن المغيرة، فدخل على هندٍ وأَنبهها، وقال: من هذا الخارج من عندك؟ قالت: والله ما انتبهت حتى أنبهتني، وما رأيت أحداَ فقال: الحقي بأبيك. وخاض الناس في أمرهم. فقال لها أبوها: يا بُنيَّة، أَنبئيني بشأنك. فإن كان الرجل صادقاً دسست إليه من يقتله، فينقطع عنك العار. وإن كان كاذباً حاكمته إلى بعض كهَّان اليمن. قالت: والله يا أبت إنه لكاذب. فخرج عتبة فقال: إنك رميت ابنتي بأمر عظيم. فإمَّا أن تُبيِّن ما قلت، وإما أن تحاكمني إلى بعض كهان اليمن. قال: ذلك لك. فخرج الفاكهُ في جماعة من رجالٍ ونسوة من بني مخزوم، وخرج عتبة في جماعة من رجال ونسوة من بني عبد مناف. فلما شارفوا بلاد الكاهن تغير وجه هند، وكسف لونها. فقال أبوها: يا بنية، ألا كان هذا قبل أن يشتهر خروجنا في الناس؟! قالت له: والله يا أبت، ما ذلك لمكروه أجدُ قبلي. ولكنكم تأتون بشراً يخطئ ويصيب، ولعله أن يسمني بميسمٍ يبقى على ألسنة العرب. قال أبوها: صدقت ولكني سأَخبُرُه لك. فصفر بفرسه. فلما أدلى عَمَد إلى حبِّة بُرٍ فأدخلها في إحليله، ثم أَوكى عليها، وسار. فلما نزلوا على الكاهن أكرمهم ونَحر لهم. فقال له عتبة: إنا أتيناك في أمر، وقد خَبأتُ لك خبيئةً أخبرك بها. فقل: ما هي؟ قال: ثمرة في كمرة. قال أريد أبين من هذا. قال: حبة برٍّ في إحليل مُهرٍ. قال: صدقت فانظر في أمر هؤلاء النِّسوة. فجعل يمسح على رأس كلِّ واحدة منهن، ويقول: قومي لشأنك. حتى إذا بلغ إلى هند مَسح يده على رأسها وقال: قومي غير رسحاء ولا زانيةٍ، وستلدين مَلِكا يقال له معاوية. فلما خرجت أخذ الفاكه بيدها، فنثرت يدها من يده وقالت: والله لأحرصنَّ أن يكون ذلك الولد من غيرك. فتزوجها بعده أبو سفيان، فولدت معاوية.

стр. 78

وقُتل الفاكه كافراً، وهو قافل من تجارة كان خرج فيها إلى اليمن مع نفر من قريش، منهم: عفان بن أبي العاصي، وابنه عثمان، وعوف بن عبد عوف، وابنه عبد الرحمن بن عوف. قُتل الفاكه بأرض بني جذيمة، وأُخذ ماله. وقُتل مع الفاكه عوف والد عبد الرحمن وأُخذ ماله أيضا، وقَتَل عبد الرحمن قاتل أبيه خالد بن هشام من بني جَذيمة، ونجا عفان بن العصي وابنه عثمان. والخبر بذلك مُستوفي في سيرة ابن إسحاق عِقب فتح مكة حين أصاب خالد بن الوليد بني جذيمة من كنانة بالغُميْصاء وأنكر عليه عبد الرحمن بن عوف قتْل من قَتل منهم. وابنه قيس بن الفاكه: كان من المُجاهرين بالظلم لرسول الله ﷺ بمكة. وقُتل قيس يوم بدرٍ كافراً، قتله حمزة وقيل علي ﵄. ومن موالي مخزوم: مجاهد بن " جبر " أبو الحجاج: مولى قيس بن السائب بن عُويمر بن عائذ بن عمران بن مخزوم. قال قيس بن السائب: نزلت) وعلى الذين يطيقونهُ فدية طعامُ مسكينٍ (فأفطروا " وأطعموا " مسكيناً. وكان عبد الله بن كثير يقول: مجاهد مولى عبد الله بن السائب بن أبي السائب. ذكرت ذلك في أول الكتاب. وكان مجاهد من كبار أصحاب ابن عباس مقرَّباً مفسِّراً، وكان أعلم من طاووس ... وقال مجاهد: كان ابن عمر يأخذ لي الركاب ... إذا ركبت. ومات بمكة وهو ساجد سنة ثلاث ومئة، وابنُ ثلاثٍ وثمانين. وابنه عبد الوهاب بن مجاهد كان متروك الحديث ... قاله المَوْصليُّ. كعب بن لؤي وكان كعب مؤمناً بالله ، وهو أول من قال: أما بعدُ، وأول مَن

стр. 79

أشعر البُدن، وأول من سمَّى العروبة الجمعة. وكان خطيباً فصيحاً. وولد كعب مُرَّة، وقد تقدم ذكره وذكر ولده، وهو المقدم حقيقا. وكذلك أقدم كل أب من آباء رسول الله ﷺ في عمود نسبه على إخوته، وعَديِّا وهُصيصاً. فأُّ مرة وعديٍّ وهُصيص وحشية بنت شيبان بن محارب بن فهر. فمن بني عدي: عمر بن الخطاب، وسعيد بن زيد، ونُعيم بن عبد الله بن أسد بن عوف بن عبيد بن عَويج بن عدي بن كعب. ونُعيم: هو النحَّام، لأن النبي ﵇ قال: " دخلتُ الجنةَ فسمعتُ نَحِمةً من نُعيم فيها ". والنَّحمة: السَّعلة. وقيل: النَّحمة والنحنحة الممدود آخرها، فسمي بذلك " النَّحام ". وكان نُعيم قديم الإسلام. يقال: إنه أسلم بعد عشرة أنفس قبل إسلام عمر بن الخطاب ﵁. وكان يكتم إسلامه. ومنعه قومه لشرفه فيهم من الهجرة، لأنه كان ينفق على أرامل بني عدي ويمونهم. فقالوا: أقم عندنا على أيُّ دين شئت، وأقم في ربعك واكفنا ما أنت كافٍ من أراملنا. فوالله لا يتعرض لك أحدٌ إلا ذهبت أنفسنا جميعاً دونك. وكانت هجرة نُعيم عام خيبر. وقيل: بل هاجر أيام الحديبية. وقال الواقديُّ ذلك وزاد: وشهد مع النبي ﵇ ما بعد ذلك من المشاهد. وقُتل يوم اليرموك شهيداً في رجب سنة خمس عشرة. ومنهم مُطيع بن الأسود بن حارقة بن نضلة بن عوف بن عبيد بن عويج بن عديِّ بن عديِّ بن كعب. مات مطيع بالمدينة في خلافة عثمان ﵁. ورَوى عن النبي ﷺ ما ذكره مسلم. فقال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: نا عليٌّ بن مُسهر ووكيع عن زكرياء عن الشعبيِّ قال: لأخبرني عبد الله بن مطيع عن أبيه قال: سمعت النبي ﷺ يقول يوم فتح مكة: " لا يقتلُ قرشيٌّ صبراً بعد هذا اليوم إلى يوم القيامة ". وقال: نا أبن نُمير قال: نا أبي قال: نا زكرياءُ بهذا الإسناد وزاد، قال: ولم يكن أسلم أحدٌ من عُصاة قريش غير مُطيع، كان اسمه العاصي، فسماه رسول الله ﷺ مُطيعاً.

стр. 80

وابنه عبد الله بن مطيع: من جلَّة قريش شجاعة وجلداً وقُتل مع ابن الزبير. وكان على قريش أميراً يوم الحَرَّة. ذكر ذلك الواقديُّ: فلما هُزم أهل الحرة هرب ولحق بمكة. فلما حصر الحجاج ابن الزبير جعل عبد الله بن مطيع يقاتل ويقول: أنا الذي فَررتُ يوم الحَرَّة ... والحرُّ لا يفرُّ إلا مَرَّه لأجْزِينَّ كرَّةً بِفرَّه وأمر عبد اله بن مطيع في الحرة مشهورٌ. وورد في صحيح مسلم منه ما نصُّه: مسلم: حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبريُّ قال: نا عاصم، وهو ابن محمد بن زيد عن زيد بن محمد، عن نافع قال: جاء عبد الله بن عمر إلى عبد الله بن مُطيع حين كان من أمر الحرة ما كان زمن يزيد بن معاوية، فقال: اطرحوا لأبي عبد الرحمن وسادةً. فقال: إني لم آتك لأجلس، أتيتك لأحدثك: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من خلع يداً من طاعةٍ لقِيَ الله يوم القيامة لا حُجَّة له. ومن مات وليس في عنقهِ بيعة مات مِيتة جاهلية ". وكان على الأنصار يوم الحرَّة أميراً عبد الله بن حنظلة الغسيل بن أبي عامر عبد عمرو الراهب بل الفاسق بن صَفيَِ بن نعمان بن مالك بن أمة بن ضُبيعة بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس أخي الخزرج. وحنظلةُ أبوه: هو " غسيل الملائكة "، استشهد يوم أُحد. وتُوفي رسول الله ﷺ وعبد الله بن حنظلة ابن سبع سنين، وروى عنه. وقال أبو عمر بن البرِّ: أحاديثه عندي مُرسلة. وقُتل يوم الحرَّة سنة ثلاث وستين. وكانت الأنصار قد بايعته يومئذ، وكان مقدماً فيهم، خيِّراً فاضلاً. ومما يحقق بيعة الأنصار له يوم الحرَّة ما ذكره مُسلم فقال: حدَّثنا إسحاق بن إبراهيم قال: أنا المخزومي قال: وهيب قال: نا عمرو بن يحيى عن عبَّاد بن تميم،

стр. 81

عن عبد الله بن زيد، قال: أتاه آت فقال: هذاك ابن حنظلة، يبايع الناس. فقال: على ماذا؟ قال: على الموت. قال: لا أبايع على هذا أحداً بعد رسول الله ﷺ . قال المؤلف غفر الله له ورحمه: عبد الله بن زيد الذي أتاه الآتي عن ابن حنظلة من أصحاب رسول الله ﷺ ، وهو عبد الله بن زيد بن عاصم بن كعب بن عمرو بن عوف بن مَبذول بن عمرو بن غَنم بن مازن بن النَّجار. واسم النَّجار تيم الله بن ثَعلبة بن عمرو بن الخزرج، أخي الأوس من بني مازن بن النجار: شهد أحداً ولم يشهد بدراً. وهو المشترك في قتل مُسيلمة. وعَبَّاد بن تميم الراوي عن عبد الله بن: هو ابن أخيه تميم بن زيد بن عاصم. وعمرو بن يحيى الراوي عن عبّادٍ: هو عمرو بن يحيى المازنيُّ شيخ مالك، روى عنه مالك في الموطأ أربعة أحاديث، أحدها مُرسل. وعبد اله بن زيد جدُّ عمرو بن يحيى لأمِّه، وهو روى عنه حديث صفة وضوء رسول الله ﷺ في الموطأ وغيره. وهو عمرو بن يحيى بن عُمارة بن أبي حسن. ولجدِّه عُمارة صحبة ورواية. وأبو جدِّه عمارة أبو حسن كان عَقبيَّاً بدريا. واسم أبي حسن تميم بن عمرو من مازن بن النجار. وقيل: اسمُه كُنيتُه ولا اسم له غير ذلك. وقُتل عبد الله ابن زيد يوم الحرَّة ﵁ ولا رَحَم قاتله. وولد هُصيص عَمراً. فولد عمرو سهما وجمح. فمن سهم خُنيس بن حُذافة بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم. وكانت تحته حفصة بنت عمر قبل النبي ﵇. وأخواه عبد الله وقيس. وكانت في عبد الله دُعابة. وكلهم من المهاجرين الأولين. وشهد خُنيس وعبد الله بدراً. ولم يذكر ابن إسحاق عبد

стр. 82

الله في البدريين، وذكر خُنيساً، وروى محمد بن عمرو بن علقمة عن عمر بن الحكم بن ثوبان أنَّ أبا سعيد الخُدري قال: كان عبد الله بن حذافة بت قيس السَّهميُّ من أصحاب بدرٍ، وكانت فيه دُعابة. وكان عبد الله رسولَ رسولِ الله ﷺ إلى كسرى بكتابه، يدعوه إلى الإسلام. فمزَّق كسرى الكتاب فقال رسولُ الله ﷺ : " مزَّق الله ملكه ". وقال: " إذا مات كسرى فلا كسرى بعده ". قال الواقدي: فسُلط على كسرى ابنه سِيرَويْه، فقتله ليلة الثلاثاء لعشرٍ مضين من جمادي سنة سبعٍ. وعبد الله بن حُذافة هذا هو القائل لرسول الله ﷺ حين قال: " سَلُوني عمَّا شِئتم ": من أبي يا رسول الله؟ قال: " أبوك حُذافةُ بن قيس ". فقالت أمُّه: ما سمعت بابن أعقَّ منك! أأَمنت أن تكون أمُّك فارقت ما يفارق نساء الجاهلية، فتفضحها على أعين الناس؟ فقال: والله لو ألحقني بعبد أسود للحقت به. ومن دُعابة أبي حُذافة عبد الله بن حذافة أنَّ رسول الله ﷺ أمَّره على سرية، فامرهم أن يجمعوا حطباً ويُقدوا ناراً. فلما أوقدوها أمرهم بالتَّقحم فيها، فأبوا. فقال لهم: ألم يأمركم رسول الله ﷺ بطاعتي؟ وقال: " من أطاع أميري فقد أطاعني ". فقالوا: ما آمنَّا بالله واتَّبعنا رسوله إلا لننجو من النار. فصوَّب رسول الله ﷺ فعلهم، وقال: " لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، قال الله: لا تُقتلوا أنفسكم " وهو حديث صحيح الإسناد مشهور. روى عنه من المدنيين مسعود بن الحكم وأبو سلمة وسليمان بن يسار. وروى عنه من الكوفيين أبو وائل. ومن حديثه ما رواه الزُّهري عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أنَّ عبد الله بن حذافة صلى فجهر بصلاته. فقال له رسول الله ﷺ : " ناج ربِّك بقراءتك يابن حذافة، ولا تُسمعني، وأَسمِع ربك ". ومات في خلافة عثمان. قال ابن لهيعة: توفي عبد الله بن حذافة السَّهمي بمصر، ودُفن في مقبرتها ﵁.

стр. 83

ومن بني سَهم هشام بن العاصي بن وائل بن هاشم بن سعيد بن سهم وهو أخو عمرو بن العاصي لأبيه. وكان هشام قديم الإسلام بمكة، وهاجر إلى أرض الحبشة، ثم قدم مكة حين بلغهُ مُهاجرُ النبيِّ ﵇ إلى المدينة، فحبسه أبوه وقومه بمكة حتى قدم بعد الخندق على النبيِّ ﵇ المدينة، وكان أصغر سناً من أخيه عمرو. وكان خيِّرا فاضلا. وسُئل عمرو بن العاصي: من أفضل أنت أ، أخوك هشام؟ فقال: أحدِّثكم عني وعنه: أمُّه بنت هشام بن المغيرة، وأمي سبيَّة. وكان أحبَّ إلى أبيه مني، وتعرفون فراسة الوالد في ولده. واستبقنا إلى الله فسبقني، أمسك عليَّ السِّترة حتى تطهَّرت وتحنَّطت، ثم أمسكت عليه حتى فعل مثل ذلك. ثم عرضنا أنفسنا على الله فَقبله وتركني. واستشهد هشام بن العاصي بالشام يوم أجنادين في خلافة أبي بكر سنة ثلاث عشرة. وروى ابن المبارك عن أهل الشام أنه استشهد يوم اليرموك. وقال الواقديُّ: حدثنا عبد الملك بن وهب عن جعفر بن يَعيش، عن الزُّهريِّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتبة قال: حدثني من حضر هشام بن العاصي ضرب رجلاً من بني غسان فأبدى سحرهُ. فكرَّت غسان على هشام فضربوه بأسيافهم حتى قتلوه، فلقد وطئته الخيل حتى كرَّ عليه عمرو، فجمع لحمه فدفنه. وأخوه عمرو بن العاصي: أسلم في هدنة الحُديبية هو وخالد بن الوليد وعثمان بن طلحة، كما تقدم قبل. والصحيح أنه قدم على رسول الله ﷺ مسلماً في صفر سنة ثمانٍ قبل الفتح بستة أشهر، ومعه خالد وعثمان المذكوران، ذكر ذلك الواقديُّ وغيره. وأمَّره رسول الله ﷺ على سريَّة بعثها إلى ذات السلاسل من بلاد قُضاعة، فكتب إلى النبي ﵇ من تلك الغزاة يستمدُّهّ، فأَمدَّه بجيش من مئتي فارس من المهاجرين والأنصار أهل الشرف فيهم أبو بكر وعمر، وأمَّر عليهم أبا عبيدة، وعهد إليه النبي ﵇: " إذا قدمت على عمرو فتطاوعا ولا تختلفا ". فلما بلغ أبو عبيدة عمراً

стр. 84

سلَّم إليه الإمرة حين خالفه عمرو، وصلَّى خلفه في الجيش كلِّه، وكانوا خمسمئة. وولَّى رسول اللهُ ﷺ عمرو بن العاصي على عُمان فلم يزل عليها حتى قُبض رسول الله ﷺ . وكان أحد أُمراء الأجناد بالشام. وعمل لعمر وعثمان. ولما قُت عثمان سار إلى معاوية باستجلاب معاوية له، وشهد صفين معه. وكان منه بصفِّين في التحكيم ما هو عند أهل العلم بأيام الناس معلوم. ثم ولاه مصر، فلم يزل عليها إلى أن مات بها أميراً عليها سنة ثلاث وأربعين. وكان له يوم مات تسعون سنةً، ودُفن بالمُقطَّم من ناحية الفج. وصلى عليه ابنه عبد الله، ثم رجع فصلى بالناس صلاة العيد. وأمُّه النابغة بنت حرملة: سبيَّة من جلاَّن بن عنزة بن أسد بن ربيعة ابن نزار وكان من فرسان قريش وأبطالهم في الجاهلية، مذكورا بذلك فيهم. وكان شاعراً حسن الشعر. حُفظ عنه منه الكثير في مشاهد شتَّى. ومن شعره في أبيات له يخاطب بها عُمارة بن الوليد بن المغيرة عند النجاشي: إذا المرء لم يترك طعاماً يحبُّهُ ... ولم يَنه قلباً غوياً حيثُ يمَّما قضى وطراً منه وغادر سُبَّةً ... إذا ذُكرت أمثالها تملأُ الفما وخبره مع عُمارة بأرض الحبشة مشهور؛ إذ سعى عمرو بعُمارة إلى النجَّاشيِّ أنه يخلفه إلى أهله، فأَمر به النجاشيُّ فسُحر، فهام مع الوحش وكان عمرو

стр. 85

بن العاصي أحد الدُّهاة في أمور الدنيا المقدَّمين في الرأي والميز والدَّهاء. وكان عمر إذا استضعف رجلاً في رأيه وعقله قال: أشهد أنَّ خالقك وخالق عمرو واحد؛ يريد خالق الأضداد. ولما حضرته الوفاة قال: اللهمَّ إنك أمرتني فلم أَأتَمر، وزجرتني فلم أنزجر. ووضع يده في موضع الغُلِّ فقال: اللهمِّ لا قويَّ فأنتصر، ولا بريَْ فأعتذر، ولا مُستكبر، لا إله إلا أنت. فلم يزل يردِّدُها حتى مات. وحدَّث أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطَّحاويُّ عن أبي إبراهيم إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل بن عمرو بن إسحاق المزني صاحب الشافعي قال: سمعت الشافعيَّ يقول: دخل ابنُ عباس على عمرو بن العاصي في مرضه، فسلم عليه وقال: كيف أصبحت يا أبا عبد الله؟ قال: أصبحت وقد أصلحت من دنياي كثيراً، وأفسدت من ديني كثيراً. فلو كان الذي أصلحت هو الذي أفسدت، والذي أفسدت هو الذي أصلحتُ لفزتُ. ولو كان ينفعني أنْ اطلب طلبتُ. والذي يُنجيني أن أهرب هربت، فصرت كالمنخنق بين السماء والأرض لا أرقى بيدين، ولا أهبط برجلين. فعِظْني بعظة ٍ أنتفعُ بها يا بْن أخي. فقال له ابنُ عباس: هَيهات يا أبا عبد الله، صار ابنُ أخيك أخاك، ولا تشاء أن تبكي إلا بكيت، كيف يؤمر برحيل من هو مقيم؟ فقال عمرو على حينها: من حين ابن بضع وثمانين تُقنِّطني من رحمة ربي. اللهمَّ إنَّ ابن عباس يُقنِّطني من رحمتك، فخذ مني حتى ترضى. فقال ابنُ عباس: هيهات يا أبا عبد الله، أخذت جديداً وتُعطى خَلَقاً. فقال عمرو: مالي ولك يا بن عباسٍ!، ما أُرسل كلمةً إلا أرسلت نقيضتها؟. وابنه عبد الله بن عمرو بن العاصي: كان يُكنى أبا محمد، وهو الأشهرُ. أمُّه رَيطةُ بنت مُنبِّه بن الحجاج السَّهميَّة. ولم يَعلُهُ أبوه في السنِّ إلا باثنتَي عشرة سنةً. وُلد لعمرو عبد الله وهو ابن اثنتي عشرة سنةً. أسلم قبل أبيه، وكان فاضلاً، حافظاً، عالماً، قرأ الكتب. واستأذن النبيَّ ﷺ في أن يكتب حديثه، فأذِنَ له. قال: يا رسول الله، أأكتبُ كلَّ ما أسمع منك في الرضى والغضب؟ قال: " نعم، فإني لا أقول إلا حقاً ".

стр. 86

وقال أبو نُعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق الأصبهاني الحافظ في كتاب " رياضة المتعلمين " ووَلد عبد الله محمداً، فولد محمد شُعيباً، وولد شُعيب عمرو بن شعيب، وكان سرياً ربما قسم في المجلس الواحد من صدقة جدِّه خمسين ألفاً، وحُمل عنه الحديث. وفي الموطأ: مالك عن يحيى بن سعيد، عن عمرو بن شعيب أن رسول الله ﷺ قال: " اللهم اسق عبادَك وبهيمتَك، وانشر رحمتَك، وأَحْي بلدَك الميِّت. ولعمرو بن شعيب في صحيح مسلم عن أنس بن مالك حديث: " ما رأيتُ أحداً كان أرحمَ بالعباد من رسول الله ﷺ ". وقال مسلم في كتاب الكُنى: أبو إبراهيم عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاصي، روى عن أبيه وطاووس وابن المسيَّب. وروى عنه الزُّهريُّ وداود بن أبي هندٍ. وقال أبو الفتح محمد بن الحسين بن أحمد بن الحسين الأزديُّ المَوصلُّي الحافظ في كتاب الضعفاء والمتروكين له: عمرو بن شُعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاصي قال أيوب السجستانيُّ: كنت إذا أتيتُ مجلس عمرو بن شُعيب غَطيتُ رأسي حياءً من الناس. قال أبو الفتح: وسمعت عدةً من أهل العلم بالحديث يذكرون أن عمرو بن شعيب، فيما رواه عن سعيد بن المسيَّب وغيره، فهو صدوق. وما رواه عن أبيه عن جدِّه فهي صحيفة يتوارثها آلُ عمرو بن العصي. فما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده فيجب التوقف فيه. وكان لعمرو بن العصي ابنٌ اسمه محمد. والعاصي بن وائل أبو هشام وعمرو من المستهزئين الذين كُفيهم النبي ﵇. وفيه أنزل الله تعالى:) إنَّ شانِئَك هو الأبترُ (.

стр. 87

ومنهم أبو وداعةَ: واسمه الحارث بن صبيرة بن سعيد بن سعد بن سهم، وابنه المطلب بن أبي وداعة. وهما من مسلمة الفتح. أُسر أبوه وداعة يوم بدر فافتداه ابنه المطلب. ومن بني سهم عبد الله بن الزِّبعري بن قيس بن سعد بن سهم الشاعر أمُّه عاتكة بنت عبد الله بن عمرو بن وهب بن حذافة بن جُمح. وكان من أشدِّ الناس على رسول الله ﷺ وعلى أصحاب بلسانه ونفسه. وكان من أشعر الناس وأطبعهم. ويقولون: إنه أشعر قريش قاطبة. قال محمد بن سلام: كان بمكة شعراء، فأبرعهم شعراً عبد الله بن الزِّبعري ثم أسلم عبد الله عام الفتح بعد أن هرب يوم الفتح إلى نجران، ثم قدم على رسول الله ﷺ ، فأسلم، وحُسن إسلامُه. واعتذر إلى النبي ﵇، فقبل عذره. ثم شهد ما بعد الفتح من المشاهد. ومن قوله بعد إسلامه للنبي ﷺ معتذراً: يا رسول المليك إنَّ لساني ... راتق ما فتقتُ إذ أنا بُورُ إذ أجاري الشيطانَ في سَننِ الغيْ ... يِ ومَن مال ميلَةُ مَثبورُ يشهدُ السمع والفؤاد بما قُل ... ت، ونفْسي الشَّهيد وهي الخبير أنَّ ما جئتنا به حقُّ صدقٍ ... ساطعٌ نورُهُ مُضيءٌ مُنيرُ

стр. 88

جئتنا باليقين والصدق والبر ... رِ وفي الصِّدق واليقين السُّرور أذهبَ الله ضلَّةَ الجهل عنَّا ... وأتانا الرخاء والميسُورُ وقال أيضا يمدح النبيِّ ﵇، ويعتذر إليه: منع الرقاد بلابل وهموم ... والليل مُعتلج الرِّواق بَهيم ممَّا أتاني أنَّ أحمد لامني ... فيه فبتُّ كأنَّني مَحموم يا خير من حَملت على أوصالها ... عَيرانةٌ سُرُحُ اليدين غَشوم إني لمعتذر إليك من الذي ... أَسديتُ إذ أنل في الضَّلال أَهيم أيام تأمُرني بأغوى خُطَّةٍ ... سَهمٌ وتأمُرني بها مَخْزومُ وأمدُّ أسباب الرَّدى ويقودني ... أمر الغواة وأمرُهم مشؤومُ فاليوم آمنَ بالنبيِّ محمدٍ ... قلبي، ومُخطيءُ هذه محرومُ

стр. 89

مضتِ العداوةُ وانقضتْ أسبابُها ... وأتتْ أواصرُ بيننا وحُلومُ فاغفر فدَّى لك والديَ كلاهُما ... وارحم فإنك راحم مَرحومُ وعليكَ من سِمةِ المليك علامةٌ ... نورُ أَغرُّ وخاتمٌ مختومُ أعطاك بعد محبةٍ برهانَه ... شَرفاً وبرهانُ الإله عظيمُ وقُتل من المشركين من بني سَهم يوم بدرٍ مُنبِّه بن الحجاج بن عامر بن حُذيفة بن سعد بن سَهم قتله أبو اليَسَر كعبُ بن عمرو أخو بني سَلمة. وابنه العاصي بن مُنبِّه بن الحجاج، قتله عليُّ بن أبي طالب، فيما قال ابن هشام. ونُبيه بن الحجاج أخو مُنبِّه قتله حمزة بن عبد المطلب وسعد بن أبي وقاص اشتركا فيه فيما قال ابن هشام. ومنبِّه نُبيه ابنا الحجاج من المُطعمين. ومن بني جُمح عثمان بن مَظعون وإخوته: قُدامةُ وعبد الله والسائب شَقائقه. والسائب بن عثمان بن مظعون وهم من خيار الصحابة. إسلامهم قديم، وهاجروا الهجرتين، وشهدوا بدراً، وهم أخوال أم المؤمنين حفصةَ وأخيها عبد الله ابني عمر بن الخطاب، ﵃. فأما عثمان بن مظعونٍ فيُكنى أبا السائب بابنه السائب. وأمُّه وأمُّ إخوته قدامة وعبد الله والسائب سُخليةُ بنت العَنْبَس بن أُهبان بن حذافة بن جُمح. قال ابن إسحاق: أسلم عثمان بن مظعون بعد ثلاثة عشر رجلاً، وهاج الهجرتين وشهد بدراً. وقال ابن إسحاق وسالم أبو النضر مولى عمر بن عبيد الله بن مَعمر: كان عثمان بن مظعون أول رجل مات بالمدينة من المهاجرين، بعدما رجع من بدر. وقيل: إنه مات على رأس ثلاثين شهراً من الهجرة بعد شُهوده

стр. 90

بدراً. فلما غُسل وكفِّن قبَّل رسول الله ﷺ بين عينيه. فلما دُفن قال: " نعمَ السَّلف هوَ لنا عثمانُ بن مظعون ". ولما توفيِّ إبراهيم بن النبي ﵇ قال رسول الله ﷺ : " إلحق بالسلف الصالح عثمان بن مظعون ". ورُوي عنه ﵇ أنه قال ذلك حين تُوفيت زينب ابنته، قال: " إلحقي بسلفنا الخير عثمان بن مظعون ". وأعلم رسول الله ﷺ قبره بحجر، وكان يزوره. وذكر الواقديُّ عن ابن أبي سَبرة عن عاصم بن عبيد الله، عن عبيد الله بن أبي رافع قال: كان أول من دُفن ببقيع الغرقد عثمان بن مظعون، فوضع رسول الله ﷺ حجراً عند رأيه وقال: " هذا قبرُ فَرَطِنا ". وكان عابداً مجتهداً من فضلاء الصحابة، وقد كان هو وعليُّ بن أبي طالب وأبو ذرٍّ همُّوا أن يختصُوا ويتبتَّلوا فنهاهم رسول الله ﷺ عن ذلك وقالسعد بن أبي وقاص: رد رسول الله ﷺ على عثمان بن مظعون التبتُّل، ولو أَذن له، لاختَصينا. وروت عنه عائشة بنت قدامة بن مظعون عن أبيها، عن أخيه عثمان بن مظعون أنه قال: يا رسول الله، إنه تشُقُّ علينا الغُربة في المغازي، أفتأذن لي يا رسول الله في الخصاء فأَختصي؟ فقال رسول الله ﷺ : " لا، ولكن عليك يا بن مظعون بالصِّيام فإنه مُجفرٌ ". وكانت تحت عثمان بن مظعون خولة بنت حكيم بن أمية بن حارثة بن الأوقص بن مُرة بن هلال بن فالج بن ذكوان بن ثعلبة بن بُهثة بن سُليم بن منصور السُّلميَّة ثم الذَّكوانية. وهي أمُّ شريك التي وهبت نفيها للنبي ﵇ في قول بعضهم. وكانت امرأة فاضلةً صالحةً. ويقال فيها: " خُويلةُ " بالتصغير. روى عنها سعد بن أبي وقاص في التعوُّذ بكلمات الله عند النزول في السفر.

стр. 91

مسلم: حدثنا هارون بن معروف وأبو الطاهر كلاهما عن أبي وهب، واللفظ لهارون قالا: نا عبد الله بن وهب قال: أنا عمرو، وهو ابن الحارث أنَّ يزيد بن أبي حبيب والحارث بن يعقوب حدّثاه عن يعقوب بن عبد الله بن الأشجِّ، عن بُسر بن سعيد، عن سعد بن أبي وقاص، عن خولة بنت حكيم السُّليمة أنَّها سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إذا نزلَ أحدُكم منزلا فليقل: أعوذُ بكلمات اله التامَّات من شرِّ ما خَلق، فإنه لا يضرُّه شيء حتى يرتحل منه ". قال يعقوب وقال القعقاع بن حكيم عن ذكوان أبي صالح، عن أبي هُريرة قال: جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، ما لقيت من عقرب لدغتني البارحة؟ قال: " أما لو قلت حين أمسيت: أعوذ بكلمات اله التامّات من شرِّ ما خلق لم تَضِرْكَ ". وروى عن خولة هذه جماعة من التابعين مشاهير. منهم: سعيد بن المسيَّب وعمر بن عبد العزيز ومحمد بن يحيى بن حبان المازنيُّ الأنصاري من بني مازن بن النجَّار. وهي التي قال لها رسول الله ﷺ ، وهو مُحاصر أهل الطائف إذ سألته إن فتح الله عليه الطائف حَلْيَ بادية بنت غيلان أو حلي الفارعة بنت عقيل، وكانتا من أحلى نساء ثقيف: " وإن كان لم يُؤذن لي في ثقيف يا خولة ". فذكرت ذلك لعمر الحديث، وهو مشهور. وأمَّا قُدامةُ بن مظعونٍ: فكانت تحته صفية بنت الخطاب أخت عمر. وشهد، بعدما شهد بدراً، سائر المشاهد. واستعمله عمر بن الخطاب على البحرين، ثم عزله، وولى عثمان بن أبي العاصي. وكان سبب عزله أنه شرب الخمر بالبحرين، فسكر، وشهد عليه بذلك الجارود سيِّد عبد القيس وأبو هريرة. فأمر عمر بقُدامة فجُلد، فغاضب عمر قدامة وهجره. ثم اصطلحا بعد في قُفول عمر من حجَّةٍ حجَّها، وقدامة معه، لرؤيا رآها عمر حين نزل بالسُّقيا في تلك الحجَّة، ﵄. وقال عبد الرزاق بن همَّام: نا ابن جُريج قال: سمعت أيوب ين أبي تميمة قال: لم يحدَّ في الخمر أحد من أهل بدرٍ إلا قدامة بن مظعون. وتُوفي قدامة سنة ستٍّ وثلاثين، وهو ابن ثمان وستين. ومن ولد قدامة بن مظعون عبد الملك بن قدامة: روى عن عبد اله بن دينار، وروى عنه ابن أبي أُويْس قال البخاريُّ في حديثه: تعرف وتنكر.

стр. 92

وأمَّا عبد الله بن مظعون، فقال الواقديُّ: توفي سنة ثلاثين، وهو ابن ستين سنة. ولاتُحفظ لأحد من بني مظعون رواية إلا لقدامة. وأمّا السائب بن مظعون: فلم يذكره موسى بن عقبة ولا ابن إسحاق في البدريين، وذكره هشام بن محمد بن السائب الكلبيُّ وغيره في المهاجرين البدريين. وأمَّا السائب بن عثمان بن مظعون: فشهد بدراً والمشاهد كلَّها. وقُتل، ﵁، وهو ابن بضع وثلاثين سنة يوم اليمامة شهيداً. ومن بني جُمح أيضا صفوان بن أُمية بن خلف بن وهب بن حذافة بن جُمح: يكنى أبا وهب. وقيل: يُكنى أبا أمية، وهما كُنيتان له مشهورتان. وفي الموطأ لمالك عن " ابن " شهاب أن رسول الله ﷺ قال لصفوان بن أمية: " انزل أبا وهب ". وذكر ابن إسحاق " عن أبي " جعفر محمد بن علي أن النبيَّ ﷺ قال لصفوان بن أمية: " يا أبا أمية ". وقُتل أبو أمية بن خلف ببدرٍ وهو من المطعمين. قال ابن إسحاق وحدثني عبد الواحد بن أبي عونٍ " عن " سعد بن إبراهيم، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن عوف قال لي أمية بن خلف: وأنا بينه وبين ... قال المؤلف وفقه الله: يعني يوم بدر، بعدما استَلبَ عبد الرحمن أدراعاً وهو يحملها، ومرَّ بأمية وابنه علي. ودعاه أمية بما اتفقا عليه بمكة من الاسم، وأمرَهُ بطرح الأدراع، وأن يأخذه أسيرا مع ابنه، فهو خير له منها: يا عبد الإله، من الرجل منكم المًعلم بريشة نعامة في صدره؟ قال قلت: ذاك حمزة بن عبد المطلب. قال: ذاك الذي فعل بنا الأفاعيل. قال عبد الرحمن: فوالله إني لأقودهما إذ رآه بلال معي، وكان هو الذي يعذِّب بلالاً بمكة على ترك الإسلام، فيُخرجه إلى رمضاء مكة إذا حَميتِ الشمسُ، فيُضجعهُ على ظهره، ثم يأمر بالصخرة العظيمة، فتُوضع على صدره ثم يقول: لا تزال هكذا أو تُفارق دين محمد فيقول بلال: أحدٌ أحدٌ. قال: قلتُ: أي بلال، بأسيريَّ! قال: لا نجوت إن نجا. قال: قلت: أتسمع يا بن السوداء؟ قال: لا نجوتُ إن نجا. قال: ثم صرخ بأعلى صوته: يا أنصار الله، رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوت

стр. 93

إن نجا. فأحاطوا بنا حتى جعلونا في مثل المَسَكة، وأنا أذب عنه. قال: فأجلف رجل السيف فضرب " رجل " ابنه، فوقع وصاح أمية صيحة ما سمعت مثلها قط. قال: فقلت: انج بنفسك، ولا نجاء به، فوالله " مارُعْتَنى " عنك شيئا. قال: فهَبَرُوهما بأسيافهم حتى فرغوا منهما. قال: فكان عبد الرحمن يقول: يرحمُ الله بلالاً، هبت أدراعي وفجعني بأسيريَّ. قال ابن هشام: قتل أميةَ بن خلف معاذ بن عَفراء وخارجةُ بن زيد وخُبيب بن إسافٍ، اشتركوا فيه. وقال ابنُ إسحاق: قَتل ابنهُ عليَّ بن أمية عمَّار بن ياسرٍ. وهرب صفوان بن أمية يوم الفتح، وفي ذلك يقول خَناس بن قيس البلويُّ يخاطب امرأته فيما ذكر ابن إسحاق وغيره. إنك لو شهدت يوم الخَندمه إذ فرَّ صفوانٌ وفرَّ عكرمه واستقبلتْنا بالسيوف المُسلمه يَقطعن كلَّ ساعدٍ وجُمجمَه ضرباً فلا تَسمع إلا غَمغمه لهم نبيبٌ خَلفنا وهمهمه لم تَنطقي في اللمِ أدنى كَلمَه ثم رجع صفوان إلى رسول الله ﷺ ، فشهد معه حُنيناً والطائف، وهو كافرٌ وامرأته مسلمة، وهي فاختةُ بنت الوليد بن المغيرة أخت خالد بن الوليد. أسلمت يوم الفتح قبل صفوان بشهرٍ قاله داود بن الحُصين شيخ مالك، وأقرَّا على نكاحهما. وكان عُمير بن وهب قد اسْتأمن لصفوان رسول

стр. 94

الله ﷺ حين هرب يوم الفتح وذهب إليه، وهو يريد أن يركب البحر برداء رسول الله ﷺ أو ببرده، فانصرف معه، فوقف على رسول الله ﷺ وناداه في جماعة الناس: يا محمد، إنَّ هذا وهب بن عُمير يزعم أنك أمَّنتني على أسير شهرين. فقال له رسول الله ﷺ : " أَنزِلْ أبا وهب ". فقال: لا، حتى تُبين لي. فقال رسول الله ﷺ : " أَنزِل، فلك تسييرُ أربعة أشهر ". وخرج معه إلى حُنين، فاستعاره رسول الله ﷺ سلاحاً، فقال: طوعاً أو كرها؟ فقال: " بل طوعا عاريَّةً مضمونةً "، فأَعاره. وأعطاه رسول الله ﷺ يوم حنين فأكثر. فقال صفوان: أَشهد بالله ما طابت بهذا نفس إلا نفس نبيٍّ فأَسلم وأقام بمكة. ثم إنه قيل له: من لم يهاجر هلك، ولا إسلام لمن لا هجرة له. فقدم المدينة مُهاجراً، فنزل على العباس بن عبد المطلب، وذكر ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: " لا هجرة بعد الفتح ". ثم أمره رسول الله ﷺ أن ينصرف إلى مكة، فانصرف إليها، فأقام بها حتى مات. وفي الموطأ في كتاب الحدود: مالك عن ابن شهاب، عن صفوان بن عبد الله بن صفوان أنَّ صفوان بن أمية قيل له: إنه من لم يهاجر هلك، فقدم صفوان بن أمية المدينة فنام في المسجد، وتوسَّد رداءه. فجاء سارق فأخذ رداءه. فأَخذ صفوان السارق، فجاء به إلى رسول الله ﷺ ، فأمر رسول الله ﷺ أن تُقطع يده. فقال صفوان: إني لم أُرِدْ هذا يا رسول الله، هو عليه صدقة. فقال رسول الله ﷺ : " فهل لا قبل أن تأتيني به؟ ". وكان صفوان بن أمية أحد أشراف قريش في الجاهلية. وكان جواداً مُطعماً. وكان يقال له: " سدادُ البطحاء ". وهو أحد المؤلفة قلوبهم، وممَّن حسُن إسلامه منهم. وكان أفصح قريش لساناً. ويقال إنه لم يجتمع لقومٍ أن يكون مهم مُطعمون خمسة إلا لعمرو بن عبد الله بن صفوان

стр. 95

بن امية بن خلف. أطعم خلف وأمية وصفوان وعبد الله وعمرو. ولم يكن في العرب غيرهم إلا قيس بن سعد بن عبادة بن دُليم في الأنصار، فإن هؤلاء الأربعة مُطعمون. وقال معاوية يوماً: من يُطعم بمكة من قريش؟ فقالوا: عمرو بن عبد الله عن صفوان. فقال: بخ، تلك نار لا تطفأ! وقُتل ابنه عبد الله بن صفوان مع ابن الزبير، وذلك أنه كان عدوّاً لبني أمية، وكان أعرج. وتوفي صفوان بن أمية بمكة سنة اثنتين وأربعين في خلافة معاوية. روى عنه ابنه عبد اله بن صفوان وطاووس وغيرهم. ومن بنات أمية بن خلف التَّوءمة: ولدت مع أختها التوءمة في بطن. فسميت تلك باسمٍ، وسميت هذه " التوءمة ". وهي مولاةُ صالح بن أبي صالح مولى التوءمة، وهي أعتقت أبا صالح. واسم أبي صالح يسار. روى صالح عن أبي هريرة. وبقى حتى توفي سنة خمس وعشرين ومئة. والورقاء ... ومنهم عُمير بن وهب بن خلف بن وهب بن حُذافة بن جُمح، وهو ابنُ عم صفوان بن أمية لحَّاً. ويُكنى أبا أمية. وكان له قدر وشرف في قريش. وشهد بدراً كافراً. وهو القائل لقريش يومئذ في الأنصار: إني لأرى وجوهاً كوجوه الحيَّات، لا يموتُنَّ ظماءً أو يَقتلون أعدادهم. فلا تَعرضوا لهم بهذه الوجوه التي كأنها المصابيح. فقالوا له: دع هذا عنك. ثم حرَّش بين القوم. وكان أول من رمى بنفسه على فرسه بين أصحاب رسول الله ﷺ ، وأنشأ الحرب. وكان من أبطال قريش، وشيطاناً من شياطينها. وهو اذي مشى حول عسكر النبي ﷺ ليحزُر عدده يوم بدر. وأُسر ابنه وهب بن عُمير يومئذ. ثم قدم عُمير المدينة، يريد افتك برسول الله ﷺ . فأخبره رسول الله ﷺ بما جرى بينه وبين صفوان بن أمية في شأنه، فأسلم وحسُن إسلامه، وأطلق له ابنه عُميرا بغير فداء، والخبر بذلك مسطور في السِّير. وهو أحد الأربعة الذين أمدَّ بهم عمر بن الخطاب عمرو بن العاصي بمصر، وهم: الزبير بن العوام، وعُمير ابن وهب الجُمحي، وخارجة بن حُذافة، وبُسر بن أرطأة. وقيل: المقداد موضع بُسر وهو والد وهب بن عُمير، وإسلامه

стр. 96

كان قبله بيسير. وكلاهما أسلم عقب بدر. وعُمير هو الذي أطلق له رسول الله ﷺ رداءَه إذ جاء يطلب الأمان لصفوان بن أمية، ومات ابنه وهب بالشام مُجاهداً ﵀. ومنهم أبو مَحذُورة: واختُلف في اسمه على أن اسم أبي مَحذُورة أوس. وهؤلاء أعلم بطريق أنساب قريش. وهو أوس بن مِعير بن لَوذان بن سعد بن جُمح. هكذا نسبه ابن مَعين. وقال غيره: أوس بن مِعير بن لَودان بن ربيعة بن عُريج بن سعد بن جُمح. وقال الطبريُّ وغيره: كان لأبي محذورة أخٌ لأبيه اسمه أنيس قُتل يوم بدراً كافراً. وأمُّهما امرأة من خُزاعة ولا عَقب لهما. وأسلم مُنصرف رسول الله ﷺ من حنين. وكان أبو محذورة مؤذَِن رسول الله ﷺ بمكة أمره بالأذان، فَأعجبه صوته، فأمر أن يوتى به. فأسلم يومئذٍ، وأمره بالأذان بها. فلم يزل يؤذِّن بها هو وولدُهُ، ثم عبد الله بن مُحيريز ابن عمِّه وولده، فلما انقطع ولد ابن مُحريز صار الذان بها إلى ولد ربيعة بن سعد بن جُميح. وأبو محذورة وابن مُحيريز من ولد لَوذان بن سعد بن جُمح. قال الزبير: أبو محذورة أحسن الناس أذاناً وأنداهم صوتاً. وقال له عمر يوماً، وسمعه يؤذن: كدت أن تنشق مُر يطاؤك. قال: وأنشدني عمي مصعب لبعض شعراء قريش في أذان أبي محذورة: أما وربِّ الكعبة المستره وما تلا محمد من سوره والنَّغمات من أب محذوره لأفعلنَّ فِعلةً مَذكوره

стр. 97

المُريطاءُ: ما بين الصدر إلى العانة من البطن قال أبو عمرو: والمريطاءُ تمدُّ وتُقصر. وقال خلف الأحمر: حظُّه القصر. وكان خلف الأحمر عالماً بالغريب، شاعراً جيد الشعر كثيره، لم يكن في نُظرائه أحد يقول مثل شعره. وقال الأصمعي: كان خلف الأحمر مولى أبي بُردة بن أبي موسى الأشعري، وأعتقه وأعتق أبويه، وكانا فَرغانيَّين. وقال ابن مُحيريز: رأيت أبا محذورة صاحب رسول الله ﷺ ، وله شَعرةٌ، فقلت: ياعمِّ، ألا تأخذ من شعرك؟ قال: ما كنت لآخذ شعراً مسح رسول الله عليه، ودعا بالبركة. وتوفي أبو محذورة بمكة سنة تسعٍ وخمسين. وعبد الله بن مُحيريز ابن عم أبي محذورة، ومن كبار التابعين، مشهور شريف من أشراف قريش من بني جُمح، سكن الشام. وكانت له ثمَّ جلالةٌ في الدين والعلم، يروي عن عُبادة بن الصامت وأبي سعيد الخُدري وأبي محذور ومعاوية. روى عنه الزُّهريُّ، ومكحول، ومحمد بن يحيى بن حَبَّان. وذكر ضَمرةُ بن ربيعة الفلسطيني أبو عبد الله عن رجاء بن أبي سلمة أبي المقدام، عن رجاء بن حياة الكنديِّ قال: كنا في مجلس ابن مُحيريز إذ أتانا ابن عمر، فلما خرج قال ابن محيريز: إني لأعُدُّ بقاءه أماناً لأهل الأرض. قال رجاءٌ: وأنا والله كنت أعدُّ بقاء ابن مُحيريز أماناً لأهل الأرض. ومات ابن مُحيريز وابن المسيَّب في ولاية يزيد بن عبد الملك، وكانت ولاية الوليد من سنة ستٍ وثمانين إلى سنة ست وتسعين. وقال بان قُتيبة: كنية رجاء بن حياة أبو المقدام، ويقال أبو نصر. وقال جرير بن حازم الجهضميُّ الأزديُّ مولى حمَّاد بن زيد: رأيت رجاء بن حياة ورأسه أحمرُ، ولحيته بيضاء. ومات سنة اثنتي عشرة ومئة. وحَّث أبو بكر أحمد بن زُهير أبي خَيثمة عن الهيثم بن خارجة البغدادي أبي أحمد عن محمد بن حِمير، عن أبي إسماعيل إبراهيم بن أبي عَبلة الشامي،

стр. 98

عن رجاء بن حياة قال: كان أهلُ المدينة يرون عبد الله بن عمر فيهم إماماً، وإنا نرى ابن محيريز فينا إماماً. ومن بني جُمح أبو عزة عمرو بن عبد الله بن عثمان بن وأُهيب بن حذافة بن جُمح: كان من أُسارى بدر، وكان شاعراً، وكان محتاجاً ذا بناتٍ. فكلَّم رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، لقد عرفت مالي من مالٍ، وإني لذو حاجةٍ وذو عيال فامنُن عليَّ. فمنَّ عليه رسول الله ﷺ ، وأخذ عليه ألا يُظاهر عليه أحداً. فقال أبو عزة في ذلك يمتدح رسول الله ﷺ ، ويذكر فضله في قومه: مَن مبلغ عني الرسول محمداً ... بأنك حق والمليكُ حميدُ؟ وأنت امرؤ تدعو إلى الحق والهدى ... عليك من الله العظيم شهيداُ وأنت امرؤ قد بُؤتَ فينا مَباءةً ... لها درجات سَهلة وصعودُ فإنك من حاربته لمحاربٌ ... شقيٌّ، ومن سالمته، لسعيدُ لؤي بن غالب ووَلد لؤيُّ بن غالب كعباً، وقد مضى ذكره، وعامراً، وسامَةَ، وعوفاً. فأمُّ كعب وعامر وسامة بني لؤيٍّ ماويَّة بنت كعب بن القين بن جَسر بن شَيع الله. ويقال: جسر بن سُبع الله من قُضاعة. وقيل: امُّ عامرٍ مخشيَّةُ بنت شيبان ابن محارب بن فهر. وقيل: ليلى بنت شيبان. ولم يذكر ابن إسحاق اسم أمِّ عوف بن لؤي. وهؤلاء المشاهير من ولد لؤي في ابن إسحاق. وقال ابن

стр. 99

هشام: ومن بنيه الحرث بن لؤي، وهم جُشم بن الحرث في هِزَّان من ربيعة. قال جرير: بني جُشم لستُم لهِزَّان فانتموا ... لأعلى الرَّوابي من لؤيِّ بن غالب ولا تنكحوا في آل ضَورٍ نساءكم ... ولا في شكَيسٍ بئس مثوى الغرائب وسعدُ بن لؤي: وانتسب والده في شيبان بن ثعلبة بن عُكابة بن مصعب بن علي بن بكر بن وائل، من ربيعة. وقيل: إن سعد بن لؤي هو أبو ولد بُنانة رهط أبي محمد ثابت بن أسلم البُناني، ونُسب ولده إليها ... وسمع ثابت البُناني ابن عمر وأنس بن مالك وابن الزبير. وروى عنه شُعبةث وحمَّاد بن زيد وحماد بن سلمة. وخثزيمة بن لؤي، وخزيمة وبنوه وهم عائذة في سيبان بن ثعلبة أيضا. وعائذة امرأة من اليمن، وهي أمُّ بني عُبيد بن خزيمة بن لؤي. فأما عامر بن لؤي فمن بنيه السكران بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ودّ ابن نضر بن مالك بن حِسل بن عامر بن لؤي: ومات مهاجراً بأرض الحبشة. وكانت تحته سودة بنت زَمعة، فَخلف عليها رسول الله ﷺ بعده. وسَليط وأبو خاطب وسهيل بنو عمرو وإخوته. فأما سليط فكان من المهاجرين الأولين، ممَّن شهد الهجرتين. وذكره موسى بن عُقبة فيمن شهد بدراً، ولم يذكره غيره في البدريين. وهو الذي بعثه رسول الله ﷺ إلى هَوذة بن علي الحنفي، وإلى ثُمامة بن أُثال الحنفيِّ، وهما ربييا اليمامة،

стр. 100

وذلك في سنة ستٍّ أو سبع. وأما خاطب فذكره أبن إسحاق في المهاجرين إلى أرض الحبشة. وأما سُهيل بن عمرو فكان من أسرى بدرٍ، وعلى يديه كان صلح الحُديبية. وأسلم يوم الفتح، فحسن إسلامه. وقُتل يوم اليرموك شهيداً. وقيل: مات في طاعون عَمَواس، والأول أشهر. وكان خطيباً فصيحاً عاقلاً شريفاً، من خيار مُسلمة الفتح، ﵁. وابنه عبد الله بن سهيل بن عمرو: أسلم قديماً، وهاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية في قول ابن إسحاق ومحمد بن عمر. ثم رجع إلى مكة فأخذه أبوه فأوثقه عنده، وفَتنه في دينه. ثم خرج مع أبيه سُهيل بن عمرو إلى بدرٍ. وكان يكتمُ أباه إسلامهُ. فلما نزل رسول الله ﷺ بدراً انحاز من المشركين، وهرب إلى رسول الله ﷺ مُسلماً، وشهد معه بدراً والمشاهد كلَّها. وكان من فضلاء الصحابة. وكان أحد الشهود في صلح الحديبية. وهو أسنُّ من أخيه أبي جندل. وعبد الله أخذ الأمان لأبيه سهيل يوم الفتح. واستشهد عبد الله يوم اليمام، وهو ابن ثمان وثلاثين سنةً، ويكنى أبا سُهيل. وأخوه أبو جندل بن سهيل: أسلم بمكة، فطرحه أبوه في حَديده. فلما كان يوم الحديبية جاء يوسف في الحديد إلى رسول الله ﷺ . وكان أبوه سهيل قد كتب في كتاب الصلح: أن من جاءك منا تردُّه علينا. فخلاَّه رسول الله ﷺ ، لذلك أفلت بعد ذلك أبو جندل، فلحق بأبي بصير عُتبة بن أسد الثقفيِّ. وكان معه في سبعين رجلاً من المسلمين بالعيص من ناحية " ذي المروة " يقطعون على من مرَّ بهم من عِير قريش وتجارتهم، وكانت طريق قريش إلى رسول الله ﷺ تسأله بأرحامها إلا آواهم، فلا حاجة لهم بهم. فضمَّهم إليه ﷺ .

стр. 101

وقال أبو جندلٍ، وهو مع أبي بصير: أبلغ قريشاً عن أبي جندل ... أنَّا بذي المروة بالسَّاحل في معشر تخفقُ أيمانهم ... بالبيض فيها والقنا الذَّابل ولم يشهد أبو جندل شيئاً من المشاهد قبل الفتح. قال موسى بن عقبة: لم يزل أبو جندل بن سهيل وأبوه مجاهدين بالشام حتى ماتا، يعني في خلافة عمر. ومن بني عامر بن لؤي عبد الله بن مَخرمة بن عبد العُزَّى بن أبي قيس بن عبد ودِّ بن نصْر بن مالك بن حِسْل بن عامر بن لؤي، يكنى أبا محمد في قول الواقدي. أمه نَهيك بنت صفوان من بني مالك بن كنانة آخى رسول الله ﷺ بينه وبين فَروة بن عمرو بن وَدفة بن عبيد ابن عامر بن بياضة البياضيِّ الأنصاريِّ الخزرجي. وشهد فروة هذا بيعة العَقبة مع السبعين، ثم شهد بدراً وسائر المشاهد. وحديثه عن النبي ﷺ : " لا يَجْهرْ بعضُكمْ على بعض القرآن " رواه مالك عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم بن الحرث التَّيميِّ، عم أبي حازم التَّمَّار، عن البياضيِّ، ولم يسمِّه في الموطأ في هذا الحديث. وكان محمد بن وضاح وإبراهيم بن مُزَين يقولان: إنما سكت مالك عن اسمه لأنه كان ممَّن أعان على قتل عثمان، ولا وجه لما ذكراه من ذلك، ولم يكن لقائل هذا علم بما كان من الأنصار يوم الدار. ولم يُختلف في اسم البياضي: وبياضةُ في الأنصار هو بياضة بن عامر بن زُريق بن عبد حارثة بن مالك بن عَضب بن جُشم بن الخزرج أخى الأوس. واسم أبي حازم التَّمَّار: دينار، وهو مولى الأنصار. وقيل: اسمُه يسار، مولى قيس بن سعد بن عُبادة. وقيل: هو مولى أبي رُهم كلثوم بن حُصين الغِفاريِّ.

стр. 102

وكان عبد الله بن مخرمة العامري من المهاجرين الأولين، وشهد بدراً وسائر امشاهد. وقال الواقديُّ: هاجر عبد الله بن مخرمة العامريُّ الهجرتين جميعاً. واستشهد يوم اليمامة سنة اثنتي عشرة، وهو ابن احدى وأربعين سنة. رُوى عنه أنه دعا الله ألا يُميته حتى يرى في كلِّ مفصل منه ضربةً في سبيل الله. فضُرب يوم اليمامة في مفاصله، واستشهد. وكان فاضلاً عابداً. وقال عبد الله بن عمر: أتيتُ على عبد الله بن مخرمة صريعا يوم اليمامة، فوقفت عليه فقال: يا عبد الله بن عمر، هل أفطر الصائم؟ قلت: نعم. قال: فاجعل في هذا المجنِّ ماءً لعلِّي أُفطر عليه. قال: فأَتيت الحوض وهو مملوء دماً، فضربته بحجفةٍ معي، ثم اغترفت فيه، فأتيتهُ به، فوجدتهُ قد قضى. ومن ولدهِ أبو نَوفل عبد الملك بن نوفل بن مساحق بن عبد الله بن مخرمة. قال مُسلم في الكُنى له: روى عن عبد الملك بن نوفل سُفيان بن عُيينةَ قال: وروى أبوه نوفل بن مُساحق عن سعيد بن زيد، وروى عن نوفل عمر بن عبد العزيز ﵁. قال المؤلف أصلحه الله: سعيد بن زيد الراوي عنه نوفل بن مُساحق أحد العشرة الكرام ﵃. وهو سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفيل ابن عم عمر بن الخطاب بن نُفيل ﵄. وعبد الملك بن نوفل: يُعرف بالمُساحقي، نُسب إلى جدِّه مُساحق بن عبد الله. ويروى عن أبيه، عن سعيد بن زيد وعن كَيسان أبي سعيد المقْبُريِّ، عن هاشم بن عتبة المرقال الزهريِّ. ومن بني عامر حُويطب بن عبد العُزَّى بن أبي قيس بن عبد وُدِّ بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي، وهو من مُسلمة الفتح. وعاش ستين سنة في الجاهلية وستين سنة في الإسلام. وكان من صُلحاء المؤلفة قلوبُهم. وهو عمُّ عبد الله بن مخرمة: وعمُّ حُويطب عمرو بن عبد ودٍّ قتيل علي يوم الخندق. وقال له مروان بن الحكم يوماً تأخَّر إسلامُك أيها الشيخ حتى سبقك الأحداث؟؟! فقال

стр. 103

له حُويطب: والله لقد أردت الإسلام مراراً، فكان أبوك يُثبِّطني، ويسفِّه رَأيي، ويقول لي: تترك دينك ودين آبائك لدين محدثٍ؟ فكأنما ألقم مروان حجراً. ثم قال له: أما بلغك ما لقي عثمان من أبيك حين أسلم من المكروه والأذى؟. فازداد مروان غماً ولم يُحر جواباً. وتوفي حُويطب سنة أربع وخمسين في خلافة معاوية. وابنه أبو سفيان بن حُويطب: أسلم أيضا يوم الفتح، وقُتل يوم الجمل. ومنهم عبد الله بن أم كلثوم الأعمى: وأمُّه، أمُّ مكتوم، اسمُها عاتكة بنت عبد الله بن عنكثةَ بن عامر بن مخزوم، وقيل: اسمه عمرو. وقال محمد بن سعد كاتب الواقديِّ: أما أهل المدينة فيقولون: اسمه عبد الله، وأما أهل العراق فيقولون: اسمه عمرو. ثم جمعوا على أنه ابن قيس بن زائدة بن الأصمِّ. والأصمُّ: هو جندب بن هرم بن رواحة بن حجر بن عبد بن معيص بن عامر ابن لؤي. وهو ابن خال خديجة بنت خويلد، أخي أمِّها، وهو قديم الإسلام. وقدم المدينة مع مُعصب بن عُمير قبل النبيِّ ﵇. وقال الواقديُّ: قدمها بعد بدرس بيسير. وكان يؤذِّن للنبيِّ ﵇ مع بلال. مالك عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر أنَّ رسول الله ﷺ قال: " إنَّ بلالاً ينادي بليل: فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أمِّ مكتوم ". وشهد فتح القادسية. وكان معه اللواء يومئذ. قال أنس بن مالك: رأيت يوم القادسية عبد الله بن أمَّ مكتوم الأعمى، وعليه درع يجُرُّ أطرافها، وبيده راية سوداء. فقيل له: أليس قد أَنزل اللهُ عُذرك؟ قال: بلى، ولكني أُكثِّرُ المسلمين بنفسي. ورُويَ أنه قال: فكيف بسوادي في سبيل الله؟. وقُتل شهيداً بالقادسية. وقال الواقديُّ: رجع ابن أمِّ مكتوم من القادسية إلى المدينة فمات، ولم يُسمع له بذكر بعد عمر بن الخطاب. واستخلفه رسول الله ﷺ ثلاث عشرةَ مرةً في غزواته. وفي شأنه نزلت:) عبس وتولَّى (. الترمذي: حدثنا سعيد بن يحيى بن سعيد الأمويُّ: حدَّثني أبي قال: هذا ما عَرضنا على هشام بن عُروة عن أبيه، عن عائشة قالت: أنزلَ) عبس وتولى (في ابن أمِّ مكتومٍ الأعمى، أتى رسول الله ﷺ ، فجعل يقول: يا رسول الله أرشدني. وعند رسول الله ﷺ رجل من عظماء المشركين، فجعل رسول الله ﷺ يُعرض عنه ويُقبل على الآخر، ويقول: " أترى بما أقول بأساً؟ ". فيقول: لا. ففي هذا أُنزل. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب. وروى بعضهم هذا الحديث عن هشام بن عُروة، عن أبيه، قال: أُنزل) عبس وتولى (

стр. 104

في ابن أمِّ مكتوم، ولم يذكر فيه شيئاً عن عائشة. قال المؤلف، وفَّقه الله لطاعته: وكذلك وقع في الموطَّأ عن عروة، ولم يذكرهُ عن عائشة. مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أنه قال: أُنزلت) عبس وتولى (في عبد الله بن أمِّ مكتوم، جاء إلى رسول الله، فجعل يقول: يا محمد، استَدْنِني. وعند النبيِّ ﷺ رجل من عظماء المسلمين. فجعل النبيُّ ﷺ يُعرض عنه، ويُقبل على الآخر، ويقول: " يا أبا فلان، هل ترى فيما أقولُ بأساً؟ "، فيقول: لا ... لا أرى بما تقول بأساً. فنزلت) عبس وتولى أن جاءه الأعمى (. ومنهم أبو الحارث محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذيب: واسم أبي ذيب هشام بن شُعبة. وكان أبو ذيب أتى قيصر فسُعى به، فحبسه حتى مات في حبسه. ومحمد بن عبد الرحمن من الفقهاء المُفتين. روى عن الزهريِّ ونافعز وروى عنه الثوريُّ ويحيى بن سعيد القَطَّان. وسأل أبو جعفر المنصور مالكاً: من بقي في المدينة من المَشيخة؟ فقال: يا أمير المؤمنين، ابن أبي ذيبٍ وابن سلمة وابن أبي سبرة. وابن أبي سلمة الذي ذكر مالك هو عبد اله عبد العزيز بن عبيد الله ابن أبي سلمة الماجَشون، ومات ببغداد سنة ستين ومئة، ودُفن في مقابر قريش. هكذا ذكر الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازيُّ في " طبقات الفقهاء ". ومات ابن أبي ذيب بالكوفة. قال أحمد بن حنبل: مات سنة تسع

стр. 105

وخمسين ومئة. وهو ابن سبعٍ وسبعين سنةً. وقال ابن أبي فُديك: مات سنة ثمان وخمسين ومئة. ومنهم أبو سَبرة بن أبي رُهم بن عبد العُزَّى بن أبي قيس بن عبد وُدَّ بن نصر بن مَلد بن حسل بن عامر بن لؤي: هاجر الهجرتين جميعاً، وكانت معه في الهجرة الثانية في قول ابن إسحاق والواقديِّ امرأته أمُّ كلثوم بنت سُهيل بن عمرو. وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين سَلمة بن سلامة بن وقش بن زُغبة بن زعُوراء بن عبد الأشهل بن الحرث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس أخى الخزرج. وشهد سلمة العقبة مع السبعين، ثم شهد بدراً. وهو القائل للأعرابي الذي لقي النبيَّ ﷺ ، وهو بِعرق الظُّبية سائراً إلى بدر، وقال له: إن كنت رسول الله فأخبرني عمَّا في بطن ناقتي هذه. لا تسأل رسول الله، وأقبل عليَّ فأنا أُخبرك بذلك..نزوت عليها، ففي بطنك منها نغلة. فقال رسول الله ﷺ : " مَه فَحَشتَ على الرجل ". ثم أعرض عن سلمة. ورضي اله عن سلمة فإنه من البدريين الذين قال رسول الله ﷺ فيهم لعمر بن الخطاب لمَّا قال في شأن حاطب بن أبي بلتعة اللخميِّ ما قال: " وما يُدريك يا عمر؟ لعلَّ الله اطَّلع على أصحاب بدرٍ فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرتُ لكم ". وشهد أبو سبرة بن أبي رُهم بدراً وأحداً والمشاهد كلَّها مع النبي ﵇. وامُّه بَرَّة بنت عبد المطلب، فهو أخو أبي سلمة بن عبد الأسد لأمِّه. وتثفي ابو سبرة في خلافة عثمان ﵄. ومن ولده الفقيه أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن أبي سبرة. وكان يُفتى بالمدينة مع مالك. وولى القضاء لأبي جعفر. وولي قضاء موسى الهادي بن المهدي، وهو وليُّ عهد فلما مات استُقضيَ أبو يوسف مكانه. وقال أبو بكر: قال

стр. 106

لي ابن جُريج: اكتب لي أحاديث من أحاديثك جياداً. فكتبتُ له ألف حديث، ودفعتها إليه، ما قراها عليَّ، ولا قرأتُها عليه. ومات أبو بكر سنة اثنتين وستين ومئة، وهو ابن ستين سنةً. ومن بني عامر بن لؤي عبد الله بن سعد بن أبي سرح بن الحرث بن حبيب بن جِزيمة بن حسل بن عامر بن لؤي، يُكنى أبا يحيى. قال ابن الكلبي في نسبه: حبيب بن جَزيمة بالتخفيف. وقال محمد بن حبيب: وكان يكتب الوحي لرسول الله ﷺ ، ثم ارتدَّ مشركاً، وصار إلى قريش بمكة، فقال لهم: إني كنت أَصرف محمداً حيث أريد، كان يُملي عليَّ: عزيز حكيم، فأقول: أو عليم حكيم؟ فيقول: " نعم، كلٌّ صواب ". وأمر النبيُّ ﵇ بقتله يوم الفتح ففرَّ إلى عثمان، وكان أخاه من الرضاعة، فَغَيَّبه عنده، واستأمن له عثمان رسول الله ﷺ بعدما اطمأنَّ أهل مكة، فصمت رسول الله ﷺ طويلاً، ثم قال: " نعم ". فلما انصرف عثمان قال رسول الله ﷺ : " ما صمتُّ إلا ليقوم إليه أحدٌ فيضرب عنقه ". فقال رجل من الأنصار: فهلاَّ أومأت إليَّ يا رسول الله؟ فقال: " إن النبيَّ لا ينبغي أن تكون له خائنةُ الأعين ". وحسُن إسلامُه بعد ذلك، ولم يُر منه شيء يُنكر عليه. وهو أحد النُّجباء العقلاء الكرماء من قريش. ثم ولاَّه عثمان بعد ذلك مصر سنة خمس وعشرين. وافتتح إفريقيَّة سنة سبع وعشرين. وكان فارس بني عامر بن لؤي. ولم يبايع لعليٍّ ولا لمعاوية. وكانت وفاته قبل اجتماع الناس على معاوية، فارّاً من الفتنة بعسقلان سنة ستٍ وثلاثين، دعا ربَّه فقال: اللهمَ اجعل خاتمة عملي صلاة الصبح. فقبض الله روحه حين سلَّم من صلاة الصبح. ذكر ذلك يزيد بن أبي حبيب وغيره. وولدُهّ عِياض بن عبد الله خرَّج عنه مالك ومسلم وغيرهما. وكان من جلّة التابعين. ونصُّ ما عنه في الموطأ: مالك عن يزيد بن أسلم عن عياض بن عبد الله ابن أبي سرح العامريِّ أنه سمع أبا سعيد الخُدريَّ يقول: كنا نُخرجُ زكاة

стр. 107

الفطر صاعاً من طعامٍ أو صاعاً من شعير أو صاعاً من تمر أو صاعاً من أقِطٍ أو صاعاً من زبيب، وذلك بصاع النبي ﷺ . وأخرج هذا الحديث مسلم عن يحيى بن يحيى التَّميمي، عن مالك بلفظه، ولم يَذكر فيه: وذلك بصاع النبي ﷺ . وابنه زيدُ بن عِياض: روى عن أبي سعيد الخُدريِّ قال للنبي ﷺ : أليس شهادةُ المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟ قال: " بلى ". قال: " فذلك من نقصان عقلها ". خرَّج هذا الحديث البخاريُّ، ورواه عن زيد بن عياض محمد بن جعفر.. ومنهم بُسرُ بن أَرطأة بن أبي أرطأة عُويمر بن عمران بن الحُليس بن يسار بن نزار بن مَعيص بن عامر بن لؤي، يكنى أبا عبد الرحمن. قُبض النبيُّ ﷺ وهو صغير. واستعمله معاوية على اليمن أيام صفِّين، وكان عليها عُبيد الله بن العباس لعلي. فهرب عُبيد اله حين أحسَّ ببُسر، ونزلها بسر فقضى فيها القضية الشَّنعاء، بذبحه صَبيِّين صغيرين لعبيد الله بن عباس، ويأتي ذكرهما بعد عند ذكر آل أبي طالب، وهناك أذكر من خبر بسر ما يجب. ومنهم عمرو بن عبد وُدِّ بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي، وكان من أبطال مشركي قريش. قتله عليُّ بن أبي طالب يوم الخندق مُبارزة. وقال لمَّا قتله: نصر الحجارةَ من سَفاهةِ رأيهِ ... ونَصرتُ دين محمدٍ بضرابِ وصَددْتُ حين تركتهُ متجدِّلاً ... كالجِذع بين دَكادِكٍ وروابِ

стр. 108

وعففت عن أثوابه ولو انَّني ... كنت المقطَّر بذَّني أثوابي ولا تحسبنَّ الله خاذل دينه ... ونبيِّه يا معشر الأَحزاب وأمَّا أسامة بن لؤي: فخرج إلى عُمان، وكان بها. ويزعمون أنَّ عامر بن لؤي أخرجه، وذلك أنه كان بينهما شيءٌ. ففقأ سامة عين عامر، فأخافه عامر، فخرج إلى عُمان. فيزعمون أن سامة بن لؤي بينا هو يسير على ناقته إذ وضعت رأسها ترتع. فأخذت حيةً بمشرفها فهصرتها حتى وقعت الناقة لِششقِّها، ثم نهشت سامة فقتلته، فقال سامة حين أحسَّ بالموت، فيما يزعمون، من قصيدةٍ: بلِّغا عامراً وكعباً رسولاً ... أنَّ نفسي إليهما مُشتاقه إن تكن في عُمان داري فإني ... غالبيٌّ خرجت من غير فاقه ربَّ كأس هرقت يا بن لؤيٍّ ... حذر الموت، لم تكن مُهراقه رُمت دفع الحتوف يا بن لؤيٍّ ... ما لمن رام ذاك بالحتف طاقه قال ابن هشام: وبلغني أن بعض ولده أتى رسول الله ﷺ فانتسب إلى سامة بن لؤي، فقال رسول الله ﷺ : " آلشاعر؟ ". فقال له بعض أصحابه: كانَّك يا رسول الله أردت قوله: ربَّ كأسٍ هَرقت يا بن لؤيٍّ ... حذرَ الموت، لم تكن مُهراقَه قال: " أجل ".

стр. 109

ومن موالي بني عامر بن لؤي هلال بن علي بن سامة بن أبي ميمونة. ومن قال فيه: هلال بن " سامة " نسبه إلى جده. وكذلك من قال فيه: هلال بن أبي ميمونة نسبه إلى جدّه. لمالكٍ عته في الموطأ حديث واحد اختصره من حديثه الطويل عن عطاء بن ... عن عُمر بن الحكم في الجارية. ... يعرفون أيضاً بأمهم ناجيةً بنت جُرم بن ربَّان من قضاعة. ويقال للرجل منهم: " ناجي ". منهم أبو المتوكل عليُّ بن داود الناجي وأبو الصديق بكر بن عمر الناجي: وكلاهما من التابعين. روى أبو المتوكل عن ابن عباس وأبي سعيد الخُدري، وروى عنه الوليد بن محمد الموقَّريُّ. وكانت ناجية بنت جُرم بن ربَّان تحت سامة بن لؤي. فولدت له غالب بن سامة. ثم هلك عنها فخلف عليها الحارث بن سامة ابنه. ومن بني سامة بن لؤي أبو أحمد عَريرة البرند. وأمَّا عوف بن لؤي: فشاع نسبه في ذُبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس بن غيلان بن مُضر إذ آخاه ثَعلبة بن سعد بد ذبيان حين أُبطيء به بأرض غطفان وهو في ركب قريش. فانطلق من كان معه من قومه. فأتاه ثعلبة بن سعد، وهو أخوه في نسب بني ذبيان، ثعلبة بن سعد ابن ذبيان، وعوف بن سعد بن ذبيان، فزوَّجه والتاطه وآخاه. فولد عوف بن لؤي حقاً، وبالإِخاء عوف بن سعد مُرَّة بن عوف: وإليه ينتسب المُرِّبون من غطفان. منهم الحارث بن عوف بن سنانٍ، أبو أسماء. وهو صاحب الحمالة في حرب داحس. وكان الحارث أحد رؤساء المشركين يوم الأحزاب، ثم أسلم بعد ذلك، فحسُن إسلامُه.

стр. 110

ومنهم الحُصين بن الحمام. وهو القائل حين انتمى إلى قريش، وأكذب نفسه في انتمائه إلى غطفان: ندمت على قول مضى كنت قلته ... تبيَّنت فيه أنه قول كاذب فليت لساني كان نصفين منهما ... بكيم ونصف عند مجرى الكواكب أبونا كنانيٌّ بمكة قبره ... بمعتلج البطحاء بين الأَخاشب لنا الرُّبع من بيت الحرام وراثةً ... وربع البطحاء عند دار ابن حاطب يعني أن بني لؤي كانوا أربعةً: كعب، وعامر، وسامة، وعوف. قال أبو حاتم الرازيُّ: ومن ولد الحصين بن الحمام أبو ثفال ثُمامة بن وائل بن حصين بن حمام الشاعر. وقال مسلم: روى عن رباح بن عبد الرحمن، وروى عنه عبدُ العزيز بن محمد وعبدُ الله بن جعفر. ونسبه مسلم إلى جدِّه فقال: أبو ثفال المرِّيُّ ثمامة بن الحُصين الشاعر. ومنهم هرم بن سنان بن أبي حارثة: الجواد الذي كان يمدحه زهير بن أبي سُلمى. وفيه يقول من كلمة له: إنَّ البخيل ملوم حيث كان ولا ... كِنَّ الجواد على علاَّته هرم
следующие страницы →