Полный текст (811 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
فكتب المنصور إلى سوَّار: بلغني أن فلاناً تُوفي، فانظر في تَركته، فاستوف منها مالنا قِبَلَهُ، واقسم ما بقي من الغرماء. فكتب إليه سوَّار: وصلني كتابُ أمير المؤمنين، وعلمتُ ما تضمَّنه، وإني قدَّمت كتاب الله على كتابه. وإنما أميرُ المؤمنين غريم من الغرماء، يَسعُهُ ما يسعُهُم. فكتب إليه المنصورُ: ملأتُ بك الأرض عدلاً يا سوَّارُ.
ومنهم عبيد الله بن الحسن بن الحُصين القاضي: وهو ابن عمِّ سوَّار. وكان عبيد الله أحد الأدباء الفقهاء الصُّلحاء. وذكر ابن عائشة أن عبيد الله بن الحسن شهد عندَه رجلٌ من بني نَهشَلٍ على أمرٍ أحسبه دَيناً. فقال له: أتروي قول الأسود بن يَعفُر:
نام الخليُّ فما أُحسُّ رُقادي؟
فقال له الرجل: لا. فردَّ شهادته، وقال: لو كان في هذا خيرٌ لروي شرف أهله. ومات عبيد الله بن الحسن سنة ثمانٍ وستين ومئة.
ومنهم طلحة العنبريُّ أبو خلف: سمع الشعبيَّ، روى عنه موسى بن إسماعيل.
ومنهم أبو هبيرة عبد الوارث بن سعيد العنبري، ويُعرف بالتنُّوري. سمع أيوب وإسحاق بن سُويد، روى عنه الثوريُّ وابنه عبد الصمد. وروى مسلم عن ابن ابنه عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث. ولم يكن عبدُ الوارث بن سعيد من أَنفس بني العنبر، وإنما كان مَولى لهم، ومَولى القوم منهم. وتُوفي بالبصرة في المحرَّم سنةَ ثمانين ومئة.
ومنهم أبو عبد الله مَندَل بن علي العنبريُّ: الكوفي المحدِّث. روى عن ابن جريج عن إبراهيم بن مَيسرة، عن عمرو بن الشريد، عن أبيه قال: أبصر النبيُّ ﷺ رجلاً وقد جلسن فاتكأ على يدهِ اليسرى. فقال: هذه جِلسةُ المغضوب عليهم. وماتَ مندل سنة ستٍ وسبعين ومئة.
وأخوهُ حِبَّانُ بن علي: من حَملةِ الحديث. وروى مَندل وحِبَّان ابنا علي
стр. 177
عن يونس بن يزيد، عن عُقيل، عن أبن شِهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباسٍ قال: خيرُ الأصحاب الأربعة.
ومنهم مُعاذ بن معاذٍ أبو المثنَّى العنبريُّ: وكان من جِلَّة المحدِّثين.. وتُوفي سنة ستٍ وتسعين..
وبنو العنبر الصَّميمُ من ولد إسماعيل شهد لهم بذلك النبيُّ ﵇. يُروى أن رسول الله ﷺ قال لعائشةَ ﵂، وقد كانت نذَرت أن تُعتق قوماً من ولد إسماعيل فسُبيَ قومٌ من بني العنبر: " إنْ سرَّكِ أن تُعتق الصميم من ولد إسماعيل فأَعتقي هؤلاء ". وبنو العنبر يقال لهم خُضَّم. وفيهم يقول طريف بن تميم العنبريُّ في الجاهلية:
حَولي أُسيِّدُ والهُجَيمُ ومازنٌ ... وإذا حللتُ فَحولَ بَيتي خُضَّمُ
وقال أبو عبيدة مَعمر بن المثنى: والعنبرُ يسمَّى خُضَّم. وأولُ قصيدة طريف:
أوَ كُلَّما وَردتْ عكاظَ قبيلةٌ ... بعثوا إليَّ عَريفَهم يَتوسَّمُ
فتوَسَّمُوني إنَّني أناذاكمُ ... شاكٍ سِلاحي في الحوادثِ مُعْلَمُ
تَحتي الأَغرَّ وفوقَ جِلدي نَثْرةٌ ... زَغْفٌ تَردُّ السيفَ وهْوَ مُثَلَّمُ
نثرة: درع. والزغف: الواسعةُ، وقيل: اللينةُ.
ومن العنبر بنو دُغَةَ بنت مغنج التي يقال فيها: " أحمقُ من دُغَةَ "؛ ودُغةُ: أبوها، هو ربيعةُ بن عِجْل بن لُجَيم، تزوَّجها عمرو بن جُندب بن العنبر فَوَلدت
стр. 178
له. فبنوهُ يقال لهم: بنو دُغةَ. ولها أخبارٌ طربفة مُضحكة في الحمق. منها أنها لما أخذها الطَّلْقُ لم تدرِ ما في بطنها، فخرجت إلى البراز للتبرُّز، فوضعتْ ذا بطنها، ثم انصرفتْ إلى حاضنتِها، فقالت: يا هنتاهُ، هل يفتح الجَعْرُ " فاهُ "؟ قالت: نعم، ويَدعو أباهُ. وانصرفت الحاضنة فأتت بالمولود. وقال ابنُ عبد ربه في العقد: إنَّ دُغةَ من إياد بن نزار.
وأمُّ العنبر والهُجيم وأسيِّد بني عمرو بن تميم أمُّ خارجة بنت سعد بن قُرادٍ من " بَجيلةَ ".
ومنهم أبو الهُذيل زُفَرُ بن الهُذيل: صاحبُ الرأي. وكان قد سمع الحديث وغلبَهُ الرأيُ، ومات بالبصرة. وكان أبوهُ الهُذيل على إصبهانَ.
... ومنهم عبد الرحمن ... من كبار حَمَلة الحديث. روى عن مالك وغيره من الجلَّة الثقات. ومات سنةَ ثمانٍ وتسعين ومئة، وهو ابنُ ثلاثٍ وستين سنةً، ويُكنى أبا سعيد.
ومنهم عباس بن عبد العظيم العنبريُّ: صاحب ابن معين.
ومنهم بني الهُجيم بن عَمرو بن تميم، ويقال لبني الهُجيم " الحِبالُ " أبو تميمة الهُجَيميُّ: واسمه طريفُ بن مُجالدٍ، ذكره العُقيليُّ في الصحابة، وروى عنه حديثاً لا يصحُّ إسنادُهُ. ولا يُعرف في الصحابة أبو تميمةَ، والصحيحُ أنه تابعيٌّ بصْريٌّ، يروى عن أبي هُريرةَ وأبي موسى. وروى عنه قتادةُ وبكر بن عبد الله المُزَينُّي. قال: نا أبو حاتمٍ قال: قال أبو تميمة، وأَسرتْه الترك:
ألا ليتَ شعري هل أبيتنَّ ليلةً ... وِسادي كفٌّ في السِّوارِ خضيبُ
وبينَ بني سَلَّى وهَمدانَ مَجلسٌ ... على نأيهِ منِّى إليَّ حَبيبُ
كرامُ المساعي يأمنُ الجارُ فيهمُ....... الخطابِ مُصيبُ
стр. 179
وقال عمرو بن علي: كان أبو تميمةَ رجلاً من العرب، فباعه عمُّه، فأغلظتْ له مولاتُهُ. فقال لها: وَيحكِ إني رجلٌ من العرب. فلما جاء زوجها قالت له: ألا ترى ما يقول طريف؟ فسأله، فأخبره، فقال خذه هذه الناقة....النفقة، فالحق بقومكَ. فقال: واللهِ لا ألحقُ بقومٍ باعوني أبداً. فكان ولاؤُهُ لبني الهُجيم حتى ماتَ.
ومنهم أبو جُدَي الهُجَيميُّ: واسمُه سُليم بن جابر، وقيل: جابر بن سُليم، وهو الأصحُّ. له صحبةٌ وسماعٌ من النبي ﷺ . روى عنه أبو رَجاءٍ العُطارديُّ وأبو تميمة الهُجَيميُّ وعَقيل بن طلحة وغيرهم. وعِدادُهُ في أهلِ البصرة، وحديثه عندهم.
ومن بني الحرث بن عمرو بن تميم، والحرثُ هو الحَبِطُ. وقيل له الحبطُ، لأنه أكل طعاماً فَحَبِط به. والنسبُ إليه حَبَطَي، بفتح الباء. ويقال لوَلدِه الحَبشطاتُ عبَّاد بن الحُصين الحَبَطُّي: وكان من فرسان العرب، مقدَّماً في تميم. ووَلى شُرطةَ البصرة أيام ابن الزُّبير. وكان مع مُصعب أيام المختار. وأبلى يوم أبي فُدَيكٍ الخارجيّ ما لم يُبلِهِ أحداً يُعدَلُ بألف فارس حتى رأيت عباداً. وكان ابنه جَهْضمُ، وبه كان يُكنى، مع ابن الأشعث، فقتله الحجاجُ.
ومن بني مازن بن مالك بن عمرو بن تميم أبو عمرو بن العلاء بن عمَّار بن عبد الله بن الحُصين بن الحرث بن جُلهم بن خُزاعي بن مازن بن مالك بن عمرو بن تميم: وجدُّه عمار يَروي عن علي ﵁. فممَّا روى عنه ما ذكره أبو عمر بن عبد البر في كتاب الصحابة عند ذكر عليٍّ وسياق فضائله. قال أبو عمر: حدثنا سعيد بن نصر قال: نا قاسمُ بن أَصبغ قال: نا محمد بن عبد السلام الخشني قال: نا أبو الفضل العباسُ بن محمد الرياشيُّ قال: نا أبو عاصمٍ الضحاكُ بن مَخْلدٍ عن مُعاذِ بن العلاء أخي أبي عمرو بن العلاء عن أبيه، عن جدِّه قال: سمعت عليَّ بن أبي طالب يقول: ما أصَبْتُ من فِيكم إلا
стр. 180
هذه القارة أهداها لي الدِّهقانُ. ثم نزلَ إلى بيت المال ففرَّقَ كلَّ ما فيه، ثم جعل يقول:
أفلح مَن كانتْ لهُ قَوْصَرَّهْ
يأكلُ منها كلَّ يومٍ مرَّهْ
وأمُّ أبي عمرو عائشة بنت عبد الرحمن بن ربيعة بن بكر من بني حنيفة. ولحق من الصحابة أنسَ بن مالك وغيره ممَّن تأخَّر موتُه من شباب الصحابة، لكن لا تحفظُ له عن أحدٍ منهم رواية. وهو من القُرَّاء السَّبعة، قرأَ على جماعةٍ من التابعين، منهم مُجاهد وَسعيد بن جُبير وعِكرمةُ بن خالد وعبد الله بن كثير وعطاءُ بن رَباح وحُميدُ بن قيس الأعرجُ وأبو جعفر يزيدُ بن القعقاع وشيبةُ بن نِصاح ويزيدُ بن رومان والحسن بن أبي الحسن البَصري ويحيى بن يعمر. وأخذ قراءتهُ عنه أبو محمدٍ يحيى بن المبارك العَدَويُّ المعروف باليزيديِّ. وقيل له اليزيديُّ لصحبته يزيد بن منصور الحمْيريَّ خال المهديِّ.
وروى عن اليزيديِّ قراءة أبي عمرو: أبو عمر حفص بن عمر بن عبد العزيز بن صُهْبانَ الدُّوريُّ الأزديُّ. والدُّور موضع ببغداد. وأبو سُعيب صالح بن زياد بن عبد الله بن إسماعيل الرُّسْتُبيُّ السُّوسيُّ. وكان أبو عمرو ابن العلاء عالماً باللغة والنحو والشعر وأيام العرب إماماً في ذلك من أهل السُّنة، ﵀. واسمُه زُبانُ، وقيل: العُريانُ، وقيل: اسمُه كنيته. ونوفي بالكوفةِ سنة أربع وخمسين ومئة.
واخوهُ أبو سفيان بن العلاء، واسمُه كنيته أيضاً. ولهمت أخٌ ثالث اسمُه مُعاذ. وفي أبي عمرو يقول الفرزدق:
ما زلتُ أفتحُ أبواباً وأُغلقها ... حتى أتيتُ أبا عمرو بن عمَّار
стр. 181
ومنهم عَبَّاد بن أَخضر المازِنيُّ: وأخضر زوجُ أمِّه. وهو عبَّاد أمِّهز وهو عبَّادُ بن علقمةَ، قاتلُ أبي بلال مِرداس الخارجيِّ وأصحابه، وقد مضى ذكرُ ذلك وجيزاً مُختصراً مُفيداً.
ومنهم مالك بن الرَّيب: الشاعرُ، وكان منَ الفُتَّاكِ، وأهدرَ عثمانُ دَمه. وهو القائل في قصيدة رثى بها نفسه حين نهشتْهُ الحيةُ وهو طريدٌ:
يقولون: لا تَبعَدْ وهمْ يدفُنونني ... وأينَ مكانُ البعدِ إلا مكانيا؟
ومنهم قطريُّ بن الفُجاءة: صاحبُ الأزراقة، وهو من كابية بن حُرقوص بن مازن بن مالك بن عمرو بن تميم. وكان يُكنى أبا نعامة. وخرج زمنَ مُصعب بن الزُّبير، فبقيَ " أبعده اللهَ " عشرين سنةً يقاتل، ويُسلَّم عليه بالخلافة. كذا قال ابنُ قُتيبة في " المعارف ".
وللمهلَّب بن أبي صُفرةَ معه وقائع كثيرةٌ، حتى اختلف كلمةُ الخوارج على قَطريٍّ، وصار مع عَبْدِ ربِّه الصغير مولى بني قيس بن ثعلبةَ بن عُكابةَ بن صَعب بن علي بن بكر بن وائل من الخوارج ...
وهلال بن أَحْوز:.... " له " ... :
لو يستطعْنَ إذا ضافتكَ مُجحِفَةُ ... وقَّيْنَكَ الموت بالآباء والوَلدِ
стр. 182
ومن بني الجِرْماز بن عمرو بن تميمٍ أبو منصور المثنى بن عوف الجِرْمازي ...
ووَلد الحرثُ بن تميم شَقِرة: واسمُه معاويةُ بنُ الحرث بن تميم. وقيل: إنَّ الحرث نفسَه هو شَقرة ببيتٍ قالهُ، هو:
وقد اجملُ الرمح الأصمَّ كُعوبَهُ ... به من دماء القوم كالشَّقِراتِ
والشَّقراتُ: شقائقُ النعمان، واحدتُها شَقِرة.
فمن بني شقرة أسامة بن أَخدري السَّقَريُّ: له صحبةٌ، ونزل البصرة. وهو عمُّ بشير بن ميمون، وروى عنه.
ومنهم المسيَّب بن شريكٍ: الفقيهُ. هكذا قال فيه أبو عمر احمد بن محمد ابن عبد ربه في كتاب " العقد " وقال مسلم في " الكنى " له: أبو سعيد المسيَّب بن شريك التميميُّ الكوفيُّ، متروكُ الحديث.
ومن بني تميم صبيغُ بن عسل: الذي كان يُسأل عن متشابه القرآن. رُوي عن سليمان بن يَسار أن رجلاً من بني تميم يقال له صبيغ. فقال عمر: وأنا عبد الله عمر. ثم أهوى إليه، فجعل يضربه بتلك العراجين. فما زال يضربهُ حتى شجَّه، فجعل الدمُ يسيل على وجهه. فقال: حسبُك يا أمير المؤمنين، فقد والله ذهب الذي كنت أجد في رأسي.
وعن يزيد بن خصيفة عن السائب بن يزيد قال: أتى ناسُ عمر بن الخطاب ﵁ فقالوا: يا أمير المؤمنين، إنا لقينا رجلاً يُسأل عن تأويل القرآن، فقال: اللهمَّ أمكنِّي منه. قال: فبينا عمر ذات يوم يغدِّي الناس إذ جاءه وعليه ثيابُ " و " عمامة فتغدَّى، حتى إذا فرغ قال: يا أمير المؤمنين،)
стр. 183
والذارياتِ ذَرواْ، فالحاملات وقراً (. فقال عمرُ: أأنتَ هو؟ فقام إليه فحسَرَ عن ذراعيه، فلم يزل يجلِدُه بالدرَّة حتى سقطت عِمامته. فقال: والذي نفسُ عمرَ بيدهِ لو وجدتُك محلوقاً لضربتُ رأسك. أَلبسوهُ ثيابه، واحملوهُ على ... تقدَّموا به بلادَه، وليقم خطيباً، ثم ليقل: إنَّ صَبيغاً طلب العلمَ فأخطأهُ، فلم يزل وضيعاً في قدره ...
وأمَّا الغوث بن مُرٍّ: فكان يلي الإجازة للناس بالحج من عَرفة، وولدهُ من بعدهِ. وكان يقال له ولولدهِ " صُوفة ". وإنما وَلي ذلك الغَوث بن مُر أن أمَّه كانت امرأةً من جُرهم، وكانت لا تلد. فنذرت لله إن هي وَلدت رجلاً أن تصدَّق به على الكعبة عبداً لها، يخدمُها، ويقوم عليها، فولدت الغوث. وكان يقومُ على الكعبة في الدهر الأول مع أخواله من جُرهم، فوَليَ الإجازة بالناس من عرفةَ لمكانه الذي كان به من الكعبة، وولده من بعدِه، حتى انقرضوا. فقال مُرُّ بن أُودٍّ لوفاءِ نذْرِ امرأتهِ أمِّ الغوث:
إني جَعلتُ ربِّ مِن بَنيَّه ... رَبِيطةً بمكةَ العليَّه
فبارِكَنَّ لي بها أليَّه ... واجعلْهُ لي من صالحِ البَرِيَّه
وورث الإجازة بعد صوفةَ آلُ صفوان بن الحرثِ بن شحنة بن عُطارد بن عَوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم بن مُرّ. وقد تقدَّم ذكرُ ذلك مُستوعَباً وجيزاً. وقال ابن قُتيبةَ في " المعارف ": صارت صوفةُ في اليمن.
فمن الغوث بن مُر شُرحبيل بن حسنةَ: قال ابن هشام: هو شُرحبيل بن عبد الله أحدُ بني الغوث بن مُر أخي تميم بن مُر. وقال غيرُه شُرحبيلُ بن عبد الله بن المطاع بن عمرو، من كندةَ، حليف لبني زهرةَ، يُكنى أبا عبد الله، ونُسب إلى أمه حَسنة. وقال ابن إسحاق: أمُّه حسنة، امرأةٌ عُدوليَّة وولاؤها
стр. 184
لمعمر بن حبيب بن وهب بن حُذافة بن جمح. وقال الزُّبير بن بكار: حسنةُ التي يُنسبُ إليها شُرحبيلُ بن عبد الله بن المطاع، تَبنَّته، وليس بابن لها. وكانت مَولاةً لمعمر بن حبيب. وقال أبو عمر بن عبد البرِّ كان شُرحبيل بن حسنة من مُهاجرة الحبشة، معدوداً في وجوه قريش، وكان أميراً على ربُع من أرباع الشام لعمر بن الخطاب. وتوفي في طاعون عَمَواس سنة ثمانَ عشرةن وهو ابنُ سبعٍ وستين سنة.
وأخوه عبد الرحمن بن حسنة: له صحبةٌ. ولم يرو عن عبد الرحمن غيرُ زيد بن وهب الجهَني. وكان لشرحبيل ابنان: عبدُ الرحمن وربيعة، وهما المذكوران في حديث أبي ذر في مصر وأهلها. مسلم عن أبي بَصرة عن أبي ذَر قال: قال رسول الله ﷺ : " إنكم ستفتحون مصر، وهي أرضٌ يُسمى فيها القيراط. فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها، فإن لهم ذمَّةً ورحماً " أو قال: " ذمة وصهراً ... ".
ومن وَلده بكر بن مُضر: المحدِّث، وهو من الثقات. قال فيه أحمد بن إبراهيم بن أبي خالدٍ الطبيب في كتاب " التعريف بصحيح التاريخ " من تاليفه: هو أبو عبد الملك بكر بن مضَرَ المصريُّ من ولد شُرحبيل بن حسنة المَذْحجيُّ. ومات سنة أربع وسبعين ومئة. وقال فيه مسلم في الكنى: أبو محمدٍ، ويقال: أبو عبد الملك بكرُ بن مضَرَ بن محمد بن حكيم بن سلمان. سمع جعفر بن ربيعة، روى عنه ابنُ أبي مريم وقتيبةُ.
قال المؤلف، غفر الله له: فممَّا روى قتيبةُ عن بكر بن مضر، هو قتيبة بن سعيد الثقفيُّ ما ذكره التِّرمذيُّ في جامعه. فقال: نا قتيبة، نا بكر بن مضر عن ابن الهاد، عن عبد الله بن خبَّاب، عن أبي سعد الخدريَّ أنه سمع رسول الله صلى الله عليه ويسلم يقول: " إذا رأى الرؤيا يحبُّها، فإنما هي من الله، فليحمد الله عليها، وليحدِّث بما رأى. وإذا رأى غير ذلك مما يكره، فإنما هي من الشيطان، فليستعذ بالله من شرها، ولا يذكرها لأحد فإنه لا تضُّرة ".
قال: وفي باب عن أبي قتادة قال: وهذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. وابن الهاد: أسمه يزيد بن عبد الله بن أسامه بن هاد المدني، وهو ثقة. وروى عنه مالك والناس.
стр. 185
وقال المؤلف، وفقه الله: نسب شرحبيل بن اسحاق إلى كندة. ونسبه ابن أبي خالد إلى المذحج، وكندة فخذ من مذحج، وجماع مذحج مالك بن أدَد. وكل من لم ينتسب إلى مالك فليس بمذحجي. وهو مالك بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ.
واختلف في معنى مذحج، فقيل: هي أم مالك نسِبَ إليها ولدها، وقيل: بل هي أكمة حمراء، ولد عليها مالك، فعرف بها ولده. وقيل: بل اجتمعوا إلى أكمة باليمين، والأكمة تسمَّى مذحجاً. فقالوا: تعالوا نجعل مذحجاً أمّاً فتمذحجوا.
وأمَّا عمير بن إلياس بن مضر: فهو قمعه أخو مدركة وطابخة، وهو أبو خزاعة. قال ابن إسحاق: حدثني محمد بن إبراهيم بن الحرث التَّيمي أن أبا صالح السَّمان حدَّثه انه سمع أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول لأكثم بن جون الخزاعيَّ: " يا أكثمُ، رأيت عمرو بن لُحَيِّ بن قمعة بن خندق يجر قصبة في النار، فما رأيت رجلاً أشبه برجل منك به، ولا به منك ". فقال أكثم: عسى أن يضرَّني شبهه يا نبي الله. قال: " لا، انك مؤمن وهو كافر وإنه أول من غيرَّ دين إسماعيل فنصب الأوثان، وبحر البحيرة، وسيَّب السائبة، ووصل الوصيلة، وحمى الحامي ".
وحدث أبو بكر بن أبي شيبة: نا محمد بن بشر، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : " عُرضت علي النار فرأيت فيها عمرو بن لحيَّ بن قمعه بن خندف يجرُّ قصبة في النار، وهو أول من غير عهد إبراهيم فسَّيب السُّيَّب، وبحَّر البحائر، وحمى الحامي، ونصب الأوثان. وأشبه من رأيت به أكثم بن أبي الجون " فقال أكثم: يا رسول الله، أيضرني لي شبهه؟ قال: لا، إنك مسلم وهو كافر ".
وأما بني إلياس، وهم: مدركة، وطابخة وقمعة، وخندف: وأسمها ليلى بنت
стр. 186
عمرو بن الحاف بنت قضاعة. وخندفُ جِذم رسول الله ﷺ . وهم أشراف مضر. وحديث إلياس وبنيه وامرأته مشهور في كتب التَّواريخ. ذكر ابنُ إسحاق أن مدركة وطابخة كانا في إبلٍ لهما يرعيانها، فاقتنصا صيداً، فقعدا عليه يطبخانه. وعدت عاديةٌ على إبلهما. فقال عامر، وهو مدركةُ، لعمرو، وهو طابخةُ: أتدرك الإبل أم تطبخُ هذا الصَّيد؟ فلحق عامرٌ بالإبل، فجاء بها. فلما راحا على أبيهما، وحدَّثاهُ قال لعامر: أنت مُدركة، وقال لعمرو: وأنت طابخةُ. والخبزُ عند أهل العلم بالنَّسب في هذه القصة أطولُ من هذا، وأحسن سياقةً. واتى به ابن إسحاق مُختصراً. قال ابن إسحاق ومصعب الزُّبيريُّ: خُزاعةُ في مضر، وهم من ولد قمعة بن الياس بن مضر. وقال ابنُ إسحاق: خزاعة هو كعب بن عمرو بن لُحي بن قَمعةَ بن خندف. وقد ذكر أن ولد الياس بن مضر ينتسبون إلى أمِّهم خندف. ورُوي عن أبي حَصينٍ الوادعيِّ عن أبي صالح، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: عَمرو بن لُحَيِّ بن قَمعةَ بن خِندفَ هو أبو خُزاعةَ. هذا قولُ نُسَّاب مضر وخُزاعةُ تأبى هذا، وتقول: نحن بنو عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر بن حارثة بن امرىء القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد بن الغوث، وخندفُ أمُّنا. ذكر هذا أبو عبيدة معمر بن المثنى وابن الكلبي. فعلى قول ابن إسحاق ومُصعب: خزاعة مُضريَّةٌ في عدنان، وعلى قول أبي عبيدة وابن الكلبيِّ: خزاعةُ قحطانيَّة في اليمن. وإنما سُميت خُزاعة، لأنهم تخزَّعوا من ولدِ عمرو بن عامرٍ، أي فارقوهم حين أقبلُوا من اليمن، يريدون الشام. فنزلوا بمرِّ الظَّهران بجنبات الحَرم، ووَلوُا حجابةَ البيت دَهراً.
وخزاعةُ عَيبة رسول الله ﷺ ، وهم حُلفاؤه، لأنهم حُلفاءُ بنس هاشم، ولنزول خزاعة في الحرم ومُجاورَتِهمْ قريشاً. قال ابن عباس: نزل القرآنُ بلغة الكَعَبيْنِ؛ كعب بن لؤي وكعب بن عمرو بن لُحَي. وقد أَدخلهم رسول الله ﷺ معه في كتاب القضيَّة عامَ الحُديبية. وأَدخلت قريش بني بكر بن مناة معهم، فوقعت حرب بين خزاعة وبين بني بكر. فأعان مشركو
стр. 187
قريش حلفاءهم بني بكر، ونقضوا بذلك العهد، فكان ذلك سبب فتح مكة لنصر رسول الله ﷺ حافءَه. وقال ﵇، حين قدم عليه عَمرو بن سالم مُستنصراً، وقد عرض له عنانٌ من السماء: " أنَّ هذه السحابة لتستهلُّ بنصر بني كعب ". وأعطاهم رسول الله ﷺ منزلةً لم يُعطها أحداً من الناس؛ أَن جعلهم مهاجرين بأرضهم، وكتب لهم بذلك كتاباً. فقال يفخرُ بذلك نُجَيدُ بن عمران في أبيات له يوم فتح مكة، وحُقَّ له أن يَفخر:
وقد أنشأ اللهُ السحابَ بنصرنا ... رُكامَ سحاب الهَيدَبِ المتراكبِ
وهجرتُنا في أرضنا عندنا بها ... أَنني من مُمْلٍ وكاتبِ
ومن أَجانا حَلَّتْ بمكةَ حُرمةٌ ... لِندرِكَ ثأراً بالسيوف القواضبِ
وهذه بطونُ خزاعة: كعب ومُليْحٌ وعديٌّ وسَعدٌ بنو عمرو بن ربيعةَ بن حارثةَ بن عمرو بن عامر، وربيعةُ بنُ حارثة هو لُحَي. وأَفصى بتُ حارثة أخو لُحيٍّ، يقال لولده أيضاً: خزاعةُ. وهم أسلمُ ومَلْكان ومالك بنو أَفصى لأنهم تخزَّعوا من بني مازن بن الأزد في إقبالهم معَهم من اليمن، ثم تفرقوا في البلاد. والاْنخراعُ: التقاعسُ والتخلُّفُ.
قال محمدُ بن عبدة بن سليمان النسابة: افترقَت خُزاعةُ على أربعة شعوب؛ فالشعب الأول: ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر، إلا بيتين من ربيعةَ بن حارثة، وهم بنو جفنةَ الذين بالشام في غسَّان. والشعبُ الثاني: أَسلمُ بن أَفصى. والشعب الثالث: مَلكان بن أفصى. والشعب الرابع: مالك بن أفصى.
стр. 188
فمن بني كعب بن عمرو بن ربيعة: غاضِرةُ بن حُبْشيَّة بن سلول بن كعب، وهو بطن، وكُليب بن حبشيَّةَ بطن، وقُمير بن حبشيَّة بطن، وحِزام بن عَمرو بن حبشيَّة بطن، وحُليلُ بن حبشيَّة بطن.
فمن بني غاضرة عِمران بن حُصين بن عبيد بن خلف بن عبد نَهْم بن سالم بن غاضرة بن حُبشيَّة بن سلول بن كعب الخزاعيُّ الكعبيُّ: يكنى أبا نُجيدٍ بابنهِ نُجيد بن عمران. أسلم أبو هُريرةَ وعمرانُ بن حُصين عامَ خيبر. وقال خليفة بن خَياطٍ: استقضى عبدُ الله بن عامر عمران بن حُصين على البصرة، ثم استعفاهُ فأَعفاهُ. وكان عمران بن حُصين من فُضلاء الصحابة وفُقهائهم. يقول أهل البصرة: إنه كان يرى الحفظَة، وكانت تُكلِّمهُ، حتى اكتوى. وقال محمد بن سيرين: أفضلُ من نزل البصرةَ من أصحاب رسول الله ﷺ عمران بن حصين وأبو بكرةَ. سكن عمرانُ البصرة ومات بها سنة اثنتين وخمسين في خلافة معاوية. رَوى عنه جماعةٌ من تابعي أهل البصرة والكوفة.
ومنهم سعيدُ بن سارية: ولى شرطة علي بن أبي طالب. ومنهم أبو جُمعة: جدُّ كُثيرِّ عزة لأبيه.
ومن بني كليب بن حُبشيَّة مُعتِّب بن عوف بن عامر بن الفضل بن عفيف بن كُليب بن حُبشيَّة: شهد بدراً. وهو من خلفاء بني مخزوم، وهو الذي يقال له مُعتِّب بن حمراءَ، وكان يُدعى عَيْهامة. ويقال للناقة، إذا طال عنقُها، عَيْهامة.
ومنهم خِراشُ بن أُميَّة: وهو الذي بعثه رسولُ الله ﷺ إلى قريش بمكة حين صدُّوهُ عن البيت في عُمرة الحديبية، وحمله على بعيرٍ له، يقال له الثعلب، ليُبلِّغَ أشرافهم عنه ما جاء له فَعَقروا به جملَ رسول الله ﷺ ، وأرادوا قتله، فمنعتْهُ الأحابيشُ، فخلَّوا سبيلهُ، حتى أتى رسول الله ﷺ .
وخراش هو قاتل أبن الأثْوغِ الهُذْلي في الغد من يوم فتح مكة. وقال سعيد
стр. 189
بن المسيَّب: لما بلغ رسول الله ﷺ ما صنَعَ خِراشُ بن أمية بابن الأثوغ قال: " إن خراشاً لقتَّال " يعيبُه بذلك.
ومن بني قُمير بن حُبشيَّة ذُؤيبُ بن حَلحَلة: ويقال: ذؤيبُ بن حبيب بن حلحلة بن عمرو بن كُليب بن أَصرم بن عبد الله بن قُمير بن حُبشيَّة. كان ذؤيب هذا صاحب بُدن النبيِّ ﷺ ، وكان يبعث معه الهَدْيَ، ويأمره إن عَطب منه شيءٌ قبل محلِّه أن يَنْحره، ويخلي بين الناس وبينه.
روى سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، عن سنان بن سلمة، عن ابن عباس أن ذُؤيباً أبا قُبيصةَ حدَّثه أن رسول الله ﷺ كان يبعث معه بالبدن، ثم يقول: " إن عطب منها شيء قبل مَحلِّه فخشيتَ عليهِ مَوتاً، فانْحرْها، ثم اغمس نعلها في دمِها، ثم اضرب به صفحتها، ول تَطعَمْها أنت، ولا أحد من أهل رُفقتك ". شهد ذؤيب الفتح مع رسول الله ﷺ ، وكان يسكن قُديداً، وله دارٌ بالمدينة، وعاش إلى زمن معاوية.
وابنه قبيصةُ بن ذؤيب: ولد في أول سنةٍ من الهجرة. وقيل: ولد عام الفتح. يكنى أبا إسحاقَ، قيل: أبا سعيدٍ. روى عن أبى الدَّرداء وأبى هُريرة وزيد بن ثابتٍ وجماعةٍ من الصحابة. روى عنه الزهريُّ ورجاءُ بن حيوةَ ومكحول. وكان ابنُ شهاب إذا ذكر قبيص بن ذؤيب قال: كان من علماء هذه الأمة. توفي سنةَ ستٍ وثمانين، وله ست وثمانون...... وذكرهُ في الطبقات، وقال: كان مع عبد الله بن الأرقم على بيت المال زمن عمر بن الخطاب. وهو من جلَّة تابعي أهل المدينة وعلمائها، ويُكنى أبا محمد. روى عن عُمر وغيره من كبار الصحابة. وروى عنه عُروةُ بن الزُّبير وحُميدُ بن عبد الرحمن. وتوفي سنة إحدى وثمانين، وهو ابن ثمان وسبعين سنةً بالمدينة.
стр. 190
وأخوه عبد الله بن عبد: من ولده عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبدٍ، من شيوخ مالكٍ. روى عنه في كتاب " الأَقضية " ما نصُّه: مالك عن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبدٍ القارسِّ، عن أبيه أنه قال: قَدم على عُمر بن الخطاب رجلٌ من قبل أبي موسى الأَشعري، فسأله عن الناس فأَخبرهُ، فقال له عمر بن الخطاب: هل مِن مُغرِّبةِ خبرٍ؟ فقال: نعم، رجلٌ كفر بعد إسلامه. قال: فما فعلتُم به؟ قال: قرَّبناه فضربنا عنقه. فقال عمر: أفلا حَبستموه ثلاثاً وأطعمتموهُ كلَّ يوم رغيفاً واسْتَتَبْتُموهُ، لعلَّه يتوبُ ويراجع أمرَ الله؟ ثم قال عمر: اللهمَّ إني لم أَحضُر، ولم آمُرْ، ولم أرض إذ بَلغَني.
وابنه يعقوب بن عبد الرحمن بن عبد الله: خرَّجَ مسلم عن واحدٍ عنه في صحيحه كثيراً.
وأما أسدُ بن خُزيمة: فولد دُودانَ وكاهلاً وحُلمة وغيرهم. وأمُّهم أَودةُ بنت زيد أختُ نهدٍ وجُهينة ابنا زيد بن ليث بن سودِ بن أسلم بن الحافِ بن قُضاعةَ.
فمن بني غَنم بن دُودانَ زينبُ بنتُ جحشٍ: زوجُ النبي ﷺ ، وهي بنتُ عمَّته أُميمة. وإخوتُها عبدُ الله، وهو المجدَّعُ في الله. وأبو أحمدَ، وكان أعمى، وعُبيد الله، وأختاها: " حَمْنةُ " وحبيبةُ.
فأما أبو أحمد الأعمى: واسمُه عبدٌ فكان هو وأخوهُ عبدُ الله من المهاجرين الأولين. وكان يمشي مكة أسفلها وأعلاها بلا قائدٍ. وكان شاعراً مُجيداً، وهو القائل، يذكر هجرة بني أَسدِ بن خُزيمةَ من قومهِ إلى ﵎، وإلى الرسول ﷺ ، و، ويعابَهم في ذلك حين دُعوا إلى الهجرة:
لو حَلفتْ بين الصَّفا أمُّ أحمدٍ ... ومَروتِها باللهِ برَّت يَمينُها
لنحنُ الأُلى كنَّا بها ثم لم نزلْ ... بمكةَ حتَّى عادَ غَثَاً سَمنُها
стр. 191
بِها خَيَّمتْ غَنمُ بنُ دُودانَ وابْتَنتْ ... وما إنْ غدتْ غَنمٌ وخفَّ قَطينُها
إلى اللهِ تَغدو بينَ مَثْنى وواحدٍ ... ودْنُ رسولِ اللهِ بالحقِّ دِينُها
وله وفي ذلك مُتَخيَّرٌ من قصيدة:
إلى اللهِ وجهي والرسولِ ومَن يَقُمْ ... إلى اللهِ يوماً وجههُ لا يُخيَّبُ
فكم قد تَركنا من حبيبٍ مُناصِحٍ ... وناصحةٍ تَبكي بدمعٍ وتَندُبُ
تَرى أنَّ وِتْراً نَأْيُنا عن بلادِها ... ونحن نرى أنَّ الرَّغائبَ نَطلُبُ
دَعوتُ بني غَنمٍ لحقنِ دمائهم ... وللحقِّ لمَّا لاحَ للناسِ مِلْحَبُ
أجابوا بحمدِ اللهِ لمَّا دعاهُمُ ... إلى الحقِّ داعٍ والنَّجاحِ فأَوْعَبُوا
ورِعنا إلى قولِ النبيِّ محمدٍ ... فطابَ أُلاتُ الحقِّ منَّا وطُبَّبُوا
نَمتُّ بأرحامٍ إليهمْ قَريبةٍ ... ولا قُرْبَ للأَرحامِ ما لم تُقرَّبِ
стр. 192
واستُشهد عبدُ الله بن جحشٍ يومَ أُحدٍ.
وأما عُبيدُ الله بن جَحشٍ: فهو الذي تنصَّر بأرض الحبشة، وماتَ بها نصرانياً.
وأما أختُها حَمنَةُ بنت جَحشٍ: فهي من المهاجرات، ومن أصحاب الإفكِ. وكانت تحت مُصعب بن عُمير العبدري، فقُتل عنها يومَ أُحدٍ، وتزوَّجها بعدهُ طلحةُ بنُ عبيد الله، وهي أمُّ ولده محمد السَّجاد المقتول مع عائشةَ يوم الجمل.
وأما أختُها حَبيبةُ بنت جحش: ويقال: أمُّ حَبيبة، وهو المشهورُ. فهي أيضاً من المهاجرات، وكانت تُستحاضُ، هذا هو الصحيح، ووَهِمَ مالك ﵀ في الموطَّأ في قوله: زينبُ بنت جحش التي كانت تحت عبد الرحمن بن عوف، وكانت تُستحاضُ. ولم تكن زينب قطُ تُستحاضُ ولا كلنت تحتَ عبد الرحمن بن عوف، وإنما كانت تحت زيد بن حارثة، ثم بعده، تحتَ رسول الله ﷺ ، والتي كانت عند عبد الرحمن بن عوف هي أمُّ حبيبة بنتُ جحش، روى ذلك هشامُ بن عروة عن أبيه، عن زينب بنت أبي سَلمة أن أمَّ حبيبة بنت جحش، وذكر الحديث. وكذلك رواه يحيى بن سعيد عن عَمرة، عن زينب بنت أبي سلمة أن أمَّ حبيبة. وروى الزُّهريُّ حديثهما مُسنداً عن عروة، عن عائشة أن أمَّ حبيبة بنت جحش امرأة عبد الرحمن بن عوف سألت النبيَّ ﷺ . وخرَّجَه ابن الجارود في " المنتقى " عن عروة عن عائشة، قال الجاروديُّ: حدَّثنا محمد بن يحيى قال: نا عبدُ الله بن يوسُف الدِّمشقي قال: نا بكرُ بن مضر قال: نا جعفر بن ربيعة عن عراك، عن عروة، عن عائشة قالت: إنَّ أمَّ حبيبة بنت جحش التي كانت تحت عبد الرحمن بن عوف شكت إلى النبيِّ ﷺ الدَّمَ، فقال لها: " امكُثي قَدر ما كانت تَحبِسُكِ حَيْضَتُك، ثم اغتسلي ". قالت: وكانت تغتسلُ عند كلِّ صلاةٍ. وهذا الحديث بعَينه خرَّجه مسلم كما نصَّه ابنُ الجارود سواءً عن عروة، عن عائشة.
ومن بني غنم بن دُودان عُكاشة بن مَحْصن بن حُدْثان بن قيس بن مُرَّةَ ابن كبير بن غنم بن دُودان بن أسَدِ بن خزيمة: يكنى أبا محصنٍ، وهو قديمُ الإسلام، شَهد بدراً، وكان من فضلاء الصحابة، وأبلى يوم بدرٍ بلاء حسناً،
стр. 193
حتى تقطَّع سيفُه في يده. فأتى رسول الله ﷺ فأعطاه جِذلاً من حطب، فقال: " قاتل بهذا أبا عكاشة ". فلما أخذهُ من رسول الله ﷺ هزَّه، فعاد سيفاً في يدهِ، طويل القامة، شديد المتن، أبيض الحديدة. فقاتل به حتى فتح اللهُ على المسلمين. وكان ذلك السيف يسمى العون، لم يزل معه يَشهد به المشاهد الشجاعة، شديد البأس على المشركين. ولما أغار عُيَينةُ بن حصن الفِزاريُّ على لِقاح رسول الله ﷺ بالغابة خرج رسول الله ﷺ ، والمسلمون في آثارهم، وهي غَزوة ذي قَرَدٍ، فأدركَ عكاشةُ أوْباراً وابنه عَمرو بن أَوبار، وهما على بعيرٍ واحد، فانتظمهما بالرمح فقتلهما. وقال رسول الله ﷺ : " منَّا خيرُ فارس في العرب ". قالوا: من هو يا رسول الله؟ قال: " عكاشة بن محصنٍ ". فقال ضِرار بن الأزور الأسدي: ذلك رجلٌ منا يا رسول الله. قال: " ليس منكم، ولكنه منَّا للحِلف ". وهو الذي قال لرسول الله ﷺ حين سمعه يقول: " يدخلُ الجنةَ سبعون ألفاً من أمَّتي على صورة القمر ليلة البدر ". فقال: يا رسول الله، ادعُ الله أن يجعلني منهم. قال: " اللهمَّ احعله منهم ". فقام رجلٌ من الأنصار فقال: يا رسول الله ادعُ الله أن يجعلني منهم. قال " سبقكَ عُكاشةُ وبردتِ الدعوةُ ".
وروى حمَّاد بن سلمة عن عاصم، عن زر، عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: " عُرضتْ عليَّ الأمَمُ بالموسمِ، فراثَت عليَّ أمتي. ثم رأيتهم فأعجبني كثرتُهم؛ قد ملؤوا السهل والجبل، فقال: " محمدُ، أرضيتَ؟ ". قلت: " نعم ياربِّ ". قال: " فإنَّ لك مع هؤلاء سبعين ألفاً يدخلون الجنةَ بلا حساب، هم الذين لا يسْتَرقون، ولا يَكْتوون، ولا يتطيَّرون، وعلى ربهم يتوكلون ". فقال عُكاشةُ بن مِحصَن: ادعُ الله ان يجعلني منهم. فدَعَا لهُ. فقام رجلٌ أخر فقال: يا رسول الله ادعُ اللهَ أن يجعلني منهم، فقال سبقك بها عكاشة ".
стр. 194
وقال البخاريُّ: حدثنا مُعاذ بن أسد قال: نا عبد الله، قال: نا يونسُ عن الزهريِّ قال: حدثني سعيدُ بن المسيَّب أن أبا هُريرة حدَّثه قال: نا سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: " يدخلُ الجنة من أمتي زمرةٌ هم سبعون ألفاً تُضيء وجوهُهم إضاءةَ القمر ليلة البدر ". قال أبو هُريرة: فقام عُكاشةُ بن مِحصَن الأسديُّ يرفع نَمِرةً عليه. فقال: يا رسول الله، ادعُ الله أن يجعلني منهم. فقال: " اللهمَّ اجعلهُ منهم ". ثم قام رجلٌ من الأنصار فقال: يا رسول الله ادعُ الله أن يجعلني منهم. قال: " سبقك بها عكاشةُ ".
قال بعض أهل العلم: إن ذلك الرجل كان منافقاً، فأجابه بمعاريض من القول. وكان ﷺ لا يكادُ يمنعُ شيئاً من يسأله إذا قَدرَ عليه. وكان عكاشةُ من أجمل الرجال. روى عنه من الصحابة أبو هُريرة وابنُ عباس. وتُوفي في خلافة أبي بكر الصديق يوم بُزاحة في الرِّدة. قتله طُليحةُ بن خُويلدٍ الأسديُّ، وقَتل معه ثابتَ بن أقرمَ البلوي حليف الأوس في يومٍ واحد سنة إحدى عشرة من الهجرة. واْشتركَ طُليحة وأخوهُ في قتلهما جميعاً. وكان طليحةُ تنبَّأ في بني أسدٍ، وكان معه عُيينة بن حصنٍ في بني فَزارةَ، ثم أسلم بعدُ، فحسُن إسلامه. وقال له عمر بن الخطاب بعد ما أسلم: لا أُحبُّك بعد قتلك الرجلين الصالحين، يعني عُكاشة وثابتاً. فقال: يا أمير المؤمنين أَكرمَهُما اللهُ بيدي، ولم يُهِنِّي بأيديهما.
وأبلى طُليحةُ في فتوح العراق بلاءً حسناً، وكان له فيها غَناء عظيم. حدَّث بقيُّ بن مَخْلدٍ قال: نا أبو بكر بن أبي شيبةَ قال: نا ابن عُيينة عن عبد الملك بن عُمير قال: كتب عمرُ إلى النعمان بن مُقرِّن: استشِر واستعِن في حَربك بطُليحة وعمر وبن معد يكرب، ولا تُولِّهما من الأمرِ شيئاً، فإن كلَّ صانع هو أعلمُ بصناعته.
стр. 195
وأبو سنان بن محصنٍ: أخو عكاشة، وابنه سنانُ بن أبي سنان ممَّن شهد بدراً. وأسلم أبي سنان وهب على اختلاف في اسمهِ، والأشهرُ وهب. وروى وكيعٌ عن إسماعيل بن أبي خالدٍ عن الشعبي قال: أولُ من بايع بيعة الرِّضوان أبو سنانٍ الأسديُّ. وحدَّث سفيان بن عُيينة عن إسماعيل، عن الشعبيِّ قال: أولُ الناس بايع يوم الحديبية أبو سنان انتهى إلى النبي ﵇ تحت الشجرة وقد دعا الناس إلى البيعة، فقال: يامحمدُ، ابسط يدك أبايعْك. قال: " علامَ تُبايع؟ " قال: أبايعُ على ما في نفسك. وقيل: إنَّ ابنه سناناً بايع بيعة الرضوان، والأكثرُ الأشهرُ أبو سنان.
وأختُهما أمُّ قيس بنتُ محصنٍ: من المهاجرات الأُول. وبايعت النبيَّ ﵇. روى عنها من الصحابة وابِصةُ بن مَعبدٍ، وروى عنها من التابعين عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة بن مسعودٍ. مالك عن ابن شهاب، عن عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة بن مسعود، عن أمِّ قيس بنت مِحصنٍ أنها أتت بابن لها صغيرٍ، لم يأكل الطعامَ إلى رسول الله ﷺ فأجلسه في حجْرهِن فبالَ على ثوبهِ. فدعا رسولُ الله بماء فنضخهُ، ولم يغسلْهُ.
مسلم: حدَّثني حَرملةُ بن يحيى قال: نا ابن وهب قال: أخبرني يونس بن يزيد أنَّ ابن شهابٍ اخبره قال: نا عُبيدُ الله بن عبد اله بن عُتيبة بن مسعود أن أمَّ قيس بنت مِحْصنٍ، وكانت من المهاجرات الأُول اللائي بايعن رسول الله ﷺ ، وهي أخت عُكَّاشةَ بن محصن أخي بني أسد بن خزيمة قال: أخبرتني أنها أتت رسول الله ﷺ بابن لها، لم يبلغْ أن يأكل الطعام، وقد أعلقت عليه من العُذرة. قال يونسُ: أَعلقت: غَمرت فهي تخافُ أن تكون به عُذرة. قالت: فقال رسول الله ﷺ : " على مَه تَدْغرون أولادكم بهذا العِلاق؟ عليكم بهذا العودِ الهندي ". يعني به الكُسْتَ، فإن فيه سبعة أَشْفيةٍ، منها ذاتُ الجنب. قال عُبيدُ الله: وأخبرتني
стр. 196
أن ابنها ذاك بالَ في حجرِ رسول الله ﷺ . فدعا رسول الله ﷺ بماء فنضحه على بولهِ، ولم يَغسلهُ غسلاً.
ومن بني غنم بن دُودان مُحرزُ بنُ نَضلةَ بن عبد الله بن مُرَّةَ بن كَبير بن غَنم بن دُودان شهد بدراً، وكان فارساً، ويقال له الأخرمُ وقُميراً، استُشهد في حين غارة عُيينة بن حصنٍ الفزاريِّ على لِقاحِ رسول الله ﷺ في غطفان. وكان أول من نَذرَ بهم سَلَمةُ بن الأكوع الأسلميُّ، وأول من لحقهم مُحرِزٌ هذا على فرسٍ لمحمود بن مَسلمةَ الشهليِّ الأوسيِّ أخي محمد بن مَسلمة. ومحمود هو الذي مات بشدْخ الرَّحَى في غزوة خَيبر. فقال لهم مُحرزٌ: قِفُوا معشر اللَّكيعة حتى يلحق بكم مَن وراءكم من المهاجرين والأنصار. فحمل عليه رجلٌ منهم فقتله رحمةُ الله عليه.
وقال ابنُ عبد البر في كتاب " الصحابة " في باب الأخرم من حرف الألف: قتل محرزاً عبد الرحمن بن عُيينة بن حصنٍ. ولم يُقتل من المسلمين غيره على ما قال ابن إسحاق. وقال ابن هشام: وقُتل يومئذ من المسلمين مع مُحرزٍ وَقاصُ بن مُجَزِّز المُدْلجيُّ فيما ذكر غيرُ واحدٍ من أهل العلم. وقال مسلم: إنَّ الذي أغار على اللَّقاح عبد الرحمن الفزاريُّ: قال ابو عمر بن عبد البرِّ: هو عبد الرحمن بن عُيينة بن حصن. وقال غيره: ولا يَبعد ان يكون عبد الرحمن بن عُيينة كان في مقدمة أبيه، فأسرع الغارةَ على اللقاح، ثم لحقه أبوهُ. فيصحُّ ما رواه ابنُ إسحاق ومسلم. وقَتل أبو قَتادة الحرث بن ربعي السَّلميُّ الخزرجيُّ، وهو فارسُ رسول الله ﷺ يومئذ، حبيب بن عُيينة بن حِصن.
وكان بنو غَنم بن دُودان أهل إسلام. قد أَوْعَبوا إلى المدينة مع رسول الله ﷺ هجرةً رجالهم ونساؤُهم. منهم من ذكرنا قبلُ، ومنهم شجاع بن وهب بن ربيعة، وأخوه عقبةُ بن وهب، ويزيد بن رُقَيش بن رِئاب ابن عمِّ عبد الله بن جحش بن رئاب. وربيعة بنُ أكثم بن سَخْبَرةَ، ومحمد بن عبد الله بن جحشٍ. وجميعُهم بدريون ﵃. ومنهم: عمرو بن محصنٍ
стр. 197
أخو عُكَّاشةَ، شهد أُحُداً، ولم يشهد بدراً. وكلُّ من ذكر من بني غَنم بن دودان كانوا حلفاء بني أسدٍ.
وفي بني دودان يقول امرؤ القيس لقتل بني أسدٍ أباه:
قُولا لدُودانَ عبيدَ العصا ... ما غَرَّكمْ بالأسد الباسلِ؟
قد قَرَّتِ العَينانِ من مالكٍ ... ومن بني عمرو ومن كاهلِ
ومن بني غَنم بِن دُودان إذْ ... نقذفُ أعلاهُمْ على السافلِ
نَطعنُهمْ سُلكي ومَخْلوجةً ... لفتكَ لأَميْنِ على نابلِ
ومن بني ثَعلبة دُودان عمرو بن شأس بن عُبيد بن ثعلبة بن رُؤيبة بن مالك بن الحارث بن سعد بن ثعلبة بن دُودان: له صحبةٌ ورواية. وهو ممن شهد الحديبية، وممَّن شُهر بالبأس والنجدة. وكان شاعراً مطبوعاً، يُعدُّ في أهلِ الحجاز
стр. 198
وهو أبو عرارٍ، وكان عِرارٌ أسودَ من أمةٍ سوداء، وكان نجيباً، وكان أبوهُ يحبه. وكانت امرأته أمُّ حسان تُؤذي عِراراً، وتُعيِّره به. فقال يعاتب امرأته من قصيدةٍ:
أرادتْ عِراراً بالهوانِ ومَن يُردْ ... عِراراً، لَعَمري بالهوانِ، فقد ظَلمْ
فإن كنتِ مني أو تريدينَ صُحبتي ... فكوني له كالسَّمنِ رَبَّبهُ الأدَمْ
وإنَّ عراراً إن يكنْ غيرَ واضحٍ ... فإني أحبُّ الجَون ذا المنكِب العَمَمْ
يُروى عَراراً بالفتح، وعِراراً بالكسر. فالعرار بالفتح: شجر. والعرار بالكسر: صِياحُ الظَّليم. وخبرُ عِرار مع عبد الملك بن مروانَ حين بعثه إليه الحجاجُ رسولاً صحيح مشهور. وعمرو بن شأسٍ هو القائل:
إذا نحنُ أَدْلَجنا وأنتَ أمامنا ... كفى لمطايانا بوجهِكَ هاديا
أليسَ يزيدُ العِيسَ خِفَّةَ أذرُع ... وإن كنَّ حَسرى أن تكونَ أمامِيا
وقال أبو عمرو الشيبانيُّ: جَهدَ عمرو بن شأس أن يُصلح بين ابنه وبين امرأتهِ فلم يُمكنه ذلك، فطلَّقها، ثم نَدم ولامَ نفسَه، فقال:
стр. 199
تَذكَّر ذكرى أمِّ حسَّانَ فاقْشَعرْ ... على دُبرٍ لمَّا تبيَّن ما ائْتَمرْ
تذكرتُها وهناً وقد حالَ دونَها ... رِعانٌ وقِيعانٌ بها الماءُ والشجر
فكنتُ كذاتِ البَوِّ لمَّا تَذكَّرتْ ... لها رُبَعاً حنَّتْ لمعهدِهِ سَحَرْ
ومن حديث عمرو بن شأس ما حدَّث أبو بكرٍ أحمدُ بن زهير أبي خَيثَمةَ: نا أبي، نا يعقوب بن إبراهيم بن سَعدٍ، نا أبي عن ابن إسحاق، عن أبان بن صالحٍ، عن الفَضْل بن معقل بن سنان، عن عبد الله بن دينار، عن عمرو بن شأسٍ قال: قال لي رسولُ الله ﷺ : " قد آذيْتَني ". فقلت: ما أحبُّ أن أؤذِيَك. فقال: " مَن آذى علياً فقد آذاني ". وذكر الطبريُّ هذا الحديث في ذيل المذَّل له، وقال فيه: إنَّ عمراً كان مع عليٍّ في بَعثٍ، فرأى منه بعض الجفاء، فلما قدِم عليَ من البَعث شكاهُ عَمرو إلى النبي ﷺ ، فقال له مثل ما في حديث ابن أبي خَيثَمة.
ومن بني عَمرو بن أسد خُريمُ بن فاتك: وهو خُريم بن الأخرم بن شدَّاد ابن عمرو بن الفاتك بن القُليب بن عمرو بن أسد بن خزيمةَ. أبوه الأخرم، يقال له فاتك. وقيل: إن فاتكاً هو ابنُ الأخرم، ويكنى خُريم أبا يحيى. وقيل: أبا أيمن، بابنه أيمن، قال ذلك البخاريُّ.
وأخوهُ سَبْرةُ بن فاتك: قيل: إنهما شهدأ بدرا. ولم يذكرهما ابن إسحاق في البدريين، وذكرهما غيرُه. وكان خُريم شاعراً، وابنُه أيمن بن خُريم كذلك. وأسلم أيمنُ يوم الفتح، وهو غلامٌ يفاع. وروى عن أبيه وعمَّه. وقال الدارَقُطنيُّ:
стр. 200
قد روى أيمنُ بن خُريم عن النبي ﵇. أما أنا فما وجدتُ له روايةً إلا عن أبيه وعمه. وحدَّث محمدُ بن حازم أبو معاوية الضريرُ السُّلميُّ مَولى لهم عن إسماعيل بن أبي خالدٍ، عن الشعبيِّ، قال: أريل مَروان إلى أيمن بن خُريم: ألا تتَّبعُنا على ما نحن فيه؟ فقال: إن أبي وعمي شهدا بدراً، وإنهما عَهدا إليَّ ألا أقاتل رجلاً يَشهدُ أنْ لا إله إلا اللهُ وأنَّ محمداً رسولُ الله. فإن جئتني ببراءةٍ من النار فأنا معك. فقال: لا حاجةَ لنا في معونتك. فخرج وهو يقول:
ولستُ بقاتلٍ رجلاً يصلِّي ... على سُلطانِ آخرَ من قُريشِ
لهُ سلطانُهُ وعليَّ إثمي ... معاذَ الله من سَفَهٍ وَطيشِ
وطلب مروان من أيمن الاتباع حين خروجه إلى مرج راهطٍ حيث قُتل الضحاك ابن قيس الفهريُّ. وكان أيمن أبرص، وكان مع بني مروان يُسامرهم ويُؤاكلهم. ذكر ذلك ابن قتيبة في " المعارف ". وقال: أيمن بن خريم، وأحسن فيما قال وأجاد:
إذا المرءُ وفَّى الأربعين ولم يكن ... له دونَ ما يأتي حياءٌ ولا سِتْرُ
فدعْهُ ولا تَنْبِسْ عليه الذي ارتأى ... وإن جدَّ أسباب الحياة له العُمْرُ
ومن بني غاضرة بن مالك بن ثعلب بن دودان زرُّ بن حبيش بن حباشة: يكنى أبا مريم، أدرك الجاهلية، ولم يرَ النبيَّ ﷺ . وهو من جلَّة التابعين، ومن كبار أصحاب ابن مسعود. أدرك أبا بكر وعمر، وروى عن عمر وعلي. روى عنه الشعبيُّ وإبراهيم النخعيُّ، وكان عالماً بالقرآن، قارئاً فاضلاً. قرأ على عثمان وابن مسعود. وهو من رجال عاصم بن بهدله؛ أحد القراء السَّبعة. وتوفي سنة ثلاث وثمانين، وهو ابن مئة وعشرين وكان أسنَّ من
стр. 201
أبي وائل. روى أبو بكر بن عيَّاش عن عاصم بن أبي النجود. واسم أبي النجود عبد. وبهدلة أمُّ عاصم. قال: كان زر أكبر من أبي وائل، فكانا إذا جلسا جميعاً لم يحدِّث أبو وائل مع زر.
وقال إسماعيل بن أبي خالدٍ: رأيت زرَّ بن حبيش تختلج لحياه من الكبر، وهو يقول: أنا ابن عشرين ومئة سنةٍ. يعدُّ في الكوفيين. ومات زرُّ بدير الجماجم. وكان أعرب الناس، كان عبد الله بن مسعودٍ يسأله عن العربية.
ومن بني أسد، غير منسوب إلى بطنٍ، وهو من أنفُسهم شقيق بن سلمة: أبو وائلٍ، صاحب ابن مسعودٍ. أدرك الجاهلية، قال: بعث النبيُّ ﷺ ، وأنا شاب ابن عشر حججٍ، أرعى إبلاً لأهلي. وقال: أتانا مُصدِّق النبيِّ ﵊، وأنا غلام يومئذ. فكان يأخذ الصدقة من كلِّ خمسين ناقةً ناقةً وأتيته بكبش فقلت: خذ من هذا صدقته، فقال: " ليس في هذا صدقة ".
وروى ابن معاوية الضرير عن الأعمش قال: قال لي شقيق بن سلمة: يا سليمان، لو رأيتني، ونحن هرَّاب من خالد بن الوليد يوم بزاخة، فوقعت عن البعير، فكانت عنقي تندقُّ. ولو مت يومئذٍ كانت النار. قال: وكنت يومئذ ابن إحدى وعشرين سنةً.
قال المؤلف عفا الله عنه، وآتاه رحمةً من لدُنُه: كان يجب أن يكون أبو وائل ابن أربع وثلاثين سنةً يوم بزاخة على قوله إنه كان ابن عشر سنين حين بُعث رسول الله ﷺ ، اللهمَّ إلا أن يريد بالبعث الهجرة، فحينئذ يصحُّ كونه يوم بزاخة ابن إحدى وعشرين سنةً. وممَّا يؤيد أنه أراد بالبعث الهجرة رواية هُشيمٍ عن مغيرة، عنه أنه قال: أتانا مصدَِق النبي ﵇ وأنا غلام يومئذ. ولو كان عند البعث ابن عشرٍ لم يكن عند أخذ النبي الصدقة غلاماً.
وكانت أمُّ أبي وائلٍ نصرانيةً، وكان له خصُّ يكون فيه هو وفرسه.
стр. 202
فكان إذا غزا نقضه، وإذا رجع أعاده. وروى حماد بن زيدٍ عن عاصم بن أبي النُّجود قال: أدركت أقواماً يتَّخذون هذا الليل جملاً، إن كانوا ليشربون نبيذ الجرَّ، ويلبسون المعصفر، ولا يرون بذلك بأساً. منهم أبو وائل وزرُّ بن حبيش. ومات أبو وائل زمنَ الحجاج بعد " الجماجم ". ومات زِرٌّ قبلهُ.
وقال الحافظ أبو نُعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق الأصبهانيُّ في كتاب رياضة المتعلمين له: حدثنا أبو عليِّ بن الصوَّاف: نا محمد بن عثمان بن أبي شَيبة: نا إسماعيل بن بهرام: نا أبو بكر بن عياش عن عاصم بن أبي النُّجود قال: كان أبو وائلٍ عثمانياً، وكان زرُّ بن حُبيش عِلوياً، وكان مُصلاّهما في مسجد واحدٍ، ما رأيتُ واحداً منهما قطُّ يكلِّم صاحبه في شيء، فما هو عليه حتى ماتا. وكان أبو وائل معظِّماً لزرٍّ.
قال المؤلف أعزَّه الله بتقواه، وأعانه على العمل الصالح الذي يرفعه، وقوَّاه: أبو عليِّ بنُ الصوَّاف: الذي روى عنه الحافظ أبو نُعيم اسمُه محمدُ بن أحمد بن الحسن، وروى عن ثقات، منهم محمدُ بن عثمان بن أبي شيبة المذكور في هذا الحديث. ويوسف القاضي: وهو يوسف بن يعقوب بن إسماعيل بن حماد بن زيد بن درهم ابن عم القاضي أبي إسحاق إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل ابن حماد. وحماد بن زيد بن درهم: جدُّهما من أئمة المحدِّثينَّ الحفَّاظ المكثرين من الحديث. وهو مَولى جرير بن حازم الجَهْضَميِّ الأزديِّ.
وتُوفي أبو إسماعيل حماد يوم الجمعة في شهر رمضان سنة تسع وسبعين ومئة، سنة مات مالكُ بن أنس، وصلى عليه إسحاقُ بن سُليمان الهاشميُّ، وهو يومئذٍ والي البصرة لهارون الرشيد.
وأخوه سعيدُ بن زيد: أبو الحسن، قد رُويَ عنه، ومات قبل حمَّاد. وروى يوسف القاضي عن: نصر بن عليٍّ الجَهْضَميِّ، وأبي الربيع سليمان بن داود الزهرانيِّ، ومُسدَّد بن مُسَرْهَدٍ، ومحمد بن أبي بكر المقدَّمي. وهؤلاء من شيوخ مُسلم. ويروى أيضاً يوسف القاضي عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك
стр. 203
الطيالسيَّ، وعن سليمان بن حربٍ الواشجيِّ الأزديِّ من أنفُسهم، ويكنى أبا أيوب ويروى مُسلم عن رجل، عن أبي الوليد الطيالسيِّ، وعن رجل عن سليمان بن حرب. ويروى البخاريُّ عن سليمان بن حرب بن حرب مُشافهةً. ومات أبو الوليد الطيالسي بالبصرة سنة سبع وعشرين ومئتين، وهو ابن أربعٍ وثمانين سنةً. وولى سليمانُ ابن حرب قضاء مكة.
وكان يوسف القاضي من قضاة المعتضد. وكان أيضاً هو وابنه محمد بن يوسف من قضاة المكتفي بالله عليِّ بن أحمد المعتضد بن طلحة الموفَّق بن جعفر المتوكِّل بن أبي إسحاق المعتصم محمد بن هارون الرشيد بن محمد المهديِّ بن أبي جعفر المنصور عبد الله بن محمد بن عليِّ بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب.
وكان ابنه أبو عمر محمد بن يوسف: حاجب ابن عمِّ أبيه إسماعيل بن إسحاق القاضي. وكان ذا وقارٍ وهيئةٍ حسنةٍ وأبَّهة. وكان يُضرب بسمته المثلُ في بغداد.
وابنه أبو الحسين عمرُ بن محمد بن يوسف: ناظر ابا بكر الصَّيرفيَّ فقيه أصحاب الشافعيِّ. وله كتابٌ في الردِّ على مَن أنكر إجماع أهل المدينة. وكان يقال ببغداد إسماعيل بحاجبهِ، وأبو الحسين بأبيه، وأبو عُمر بنفسه. فكان المدحُ في الجميع راجعاً إلى أبي عمر.
وابنُه أبو نصر يوسف بن عمر بن محمد بن يوسف القاضي: كان فقيهاً فاضلاً. وهو آخر من ولي القضاء في بغداد من ولد حمّضاد بن زيد في أيام المتَّقى إبراهيم بن أحمد.
وولى يوسف وبنوه القضاء للمعتضد والمكتفي والمقتدر والقاهر والراضي والمتَّقي. وولى أبو إسحاق إسماعيل بن إسحاق القضاء للمعتضد بالله، وابن عمِّه يوسف بن يعقوب كذلك. وكان إسماعيل مالكيَّ المذهب جليلاً محدِّثاً فقسهاً. روى عن عليِّ بن المديني ومُسدَّدٍ وأشياخ ابن عمَّه يوسف. وكان يقول: أفخر على الناس برجلين بالبصرة: أحمدُ بن المعدَّلِ يُعلمني الفقه، وعليُّ بن
стр. 204
الدينيِّ يعلمني الحديث. وعليُّ من الثَّقات، روى عنه الأئمة. وأبوه عبد الله بن جعفر روى عنه الأئمةُ. وأبوه عبد الله بن جعفر يضعِّف في الحديث، ضعَّفه يحيى بن معين وغيره، كذا قال التِّرمذيُّ.
وكان إسماعيل ممَّن جمع القرآن والحديث، وآثار العلماء، والفقه والكلام والمعرفة بعلم اللسان. وكان من نُظراء أبي العباس محمد بن يزيد المبرَّد في علم كتاب سيبويه. وكان المبرَّديقول: لولا أنه مشتغلٌ برياسة العلم والقضاء لذهب برياستنا في النحو والدب. وردَّ على المخالفين من أصحاب الشافعي وأبي حنيفة. وحُمل من البصرة إلى بغداد، وولى القضاء، ومات سنة اثنتين وثمانين ومئتين ببغداد في خلافة المعتضد.
وروى أيضا ابو عليِّ بن الصوّاف سيخ أبينُعيم الحافظ عن أبي جعفر ابن محمد الفِريابي، وهو من شيوخ أبي بكر ألآجُريِّ. وكان من الثِّقات المحدِّثين المشاهير. وممَّن روى الفِريابيُّ عنه قُتيبةُ بن سعيد، وأبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة، وإسحاق بن راهويهِ، وعُبيد الله بن عمر القواريريُّ وسُويد بن سعيد، وعبيدُ الله بن مُعاذٍ العنبريُّ، وعبد الأعلى بن حمَّاد، والحسن بن عليٍّ الحَلوانيُّ، وإسحاق بن موسى الأنصاريُّ، وابو كامل فُضيلُ بن حسين الجَحدريُّ وابو مسعود أحمد بن الفرات، ومِنجاب بن الحرث، وأبو كُريب محمدُ بن العلاء الهمدانيُّ، ومحمدُ بن عبيد بن حِسَابٍ، وابو موسى محمدُ بن المثنى الزَّمِنُ العَنَزيُّ، ومحمدُ بن أبي عمر المكِّي، وحِبَّانُ بن موسى، ووهب بن بقيَّة الواسطيُّ. وهؤلاء كلُّهم من شيوخ مسلم. وخرّضج البخاريُّ عنهم كثيراً. وروى الفِريابيُّ أيضاً عن محمد بن إسماعيل البخاريِّ الإمام.
قال المؤلف وفَّقه الله: وأمَّا محمدُ بن يوسف الفِريابيُّ فطبقته في الرواية أعلى من طبقة جعغر بن محمد الفِريابيِّ المذكور آنفاً. وأشياخ محمد بن يوسف الفِريابيَّ سفيان الثَّوريُّ. ولزمه كثيراً، وجلُّ حديث سفيان واختيار فقهه عنه وروى عن غيره من الأئمة. وروى عن عَبَّادِ بن كثير، وعبَّاد يروي عن أبي الزِّناد. قال الحافظ أبو نعيم في الرِّياضة: نا سليمان بن أحمد عمْرو بن ثورٍ
стр. 205
الجُذاميُّ، نا محمدُ بن يوسف الفِريابيُّ، نا عبَّاد بن كثير عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " تَواضعوا لمن تَعَلَّمون منه، وتواضعوا لمن تُعلِّمون ولا تكونوا جبابرة العلماء "، زاد حجَّاج بن نُصيرٍ عن عبَّادٍ: " فيغلبَ جهلُكم علمَكم " هو الفَساطيطيُّ. روى عن شُعبة وهشام الدَّسْتَوانيَّ، وهو متروك الحديث، وعبادُ بن كَثير ثقة. وسليمان بن أحمد الذي روى عنه أو نعيمٍ الحافظ يروي عن إسحاق بن إبراهيم الحنظليِّ؛ شيخ مسلم، وهو ابنُ راهَويه، وعن عبد الله بن أحمد بن حنبل ويوسف بن يعقوب القاضي وغيرهم من الثِّقات.
قال المؤلف شرح الله صدره، ويسَّر أمره، وجعل صالح العمل فقره ذُخره: هذه فوائد مُفترقة في كتب هذا العلم جمعتها، وفي غاية الوضوح نيِّرة أطلعْتُها، تُفيد من تَصفَّحها من الفقهاء النُّبهاء ما يَعيه جَنانُه، ويُبرزُه لدى المحاضرة مُحرَّراً مُحبَّراً لسانه، لا تمجُّها عند سماعها الآذانُ، ولا يَملُّها من له بالآثار عِرفان. والله يجعلنا ممَّن عَمل بما عَلم، ووُقيَ مما يخالف أمْرهُ وعُصم آمين.
.... وسماكُ بن خرشة النصاريُّ، وليس بأبي دجانة، على عمر في وفود أهل الكوفة بالأحماس، فانتسبوا له سِماك وسماك وسماكٌ. فقال: بارك الله فيكم، اللهم اسمُك بهم الإسلام وأيدِّ بهم ومنهم وابصة بن معبد بن عبيد الأسديُّ، ويكنى أبا شدَّاد، ويقال: أبا فِرصافة. سكن الكوفة ثم تحوَّل إلى الرقة، ومات بها. له صُحبة ورواية، روى عن النبيِّ ﷺ أنه أمَرَ رجلاً يصلي خلف الصفِّ وحده أن يُعيد الصلاة.
стр. 206
ومنهم زياد بن حُدير أبو المغيرة: ويقال أبو عبد الرحمن. سمع عمر وعلياً. روى عنه الشعبيُّ وإبراهيم بن مهاجر وحفص بن حميدٍ.
ومن بني قُعين بن الحرث بن ثعلبة بن دُودان بن أسدٍ قبيصَة بن بُرمة: وهو من الصحابة، خرَّج عنه البزَّار. قال البزَّارُ: حدثنا محمدُ بن رزق الله الكَلوذانيُّ قال: نا عليُّ بن أبي هاشم قال: نا أبو عمر نُصيرُ بن عُمر بن يزيد بن قبيصة بن بُرمة قال: سمعت يزيد بن قبيصة أنه سمع قبيصة بن بُرمة الأسديُّ يقول: كنت عند رسول الله ﷺ ، فسمعته يقول. " إنَّ أهل المعروف في الدنيا هم أهلُ المعروف في الآخرة. وإنَّ أهلَ المنكر في الدنيا هم أهلُ المنكر في الآخرة ". وخرَّج هذا الحديث أبو أحمد الحاكم. قال: أبو أحمدُ يعني ابن يوسف السلميَّ قال: نا عليُّ بن أبي هاشم قال: نا أبو عمر نُصيرُ بن عمر بن يزيد بن قبيصة بن برمة يحدِّث أنه قبيصة بن برمة الأسدي يقول: كنتُ عند النبي ﵇ جالساً فسمعته يقول، فذكرهُ.............
ومن موالي بني أسدٍ أبو أحمد الزُّبيريُّ، واسمه محمدُ بن عبد الله بن الزبير، خرَّج عنه البخاريُّ، " وتُوفي " سنة ثلاثٍ ومئتين.
ومن مواليهم أبو دُلامة الشاعر واسمُه زَندُ بن الجَون، وكان خاصاً بأبي جعفر المنصور وولده، وله معهم نوادرُ مُستظرفة.
ومن بني خُجوان بن فقعس بن عمرو بن قُعين طُليحُة بن خُوَيلدٍ. الأسديُّ قاتل عكاشة بن مِحصنٍ، وقد تقدَّم ذكره.
ومن بني الصَّيداء بن عمرو بن قُعين الصامت بن الأفقم الذي قتل ربيعة بن مالك أبا لبيد بن ربيعة الشاعر يوم ذي عَلق. وفي بني الصيداء يقول الشاعر:
стр. 207
يا بني الصَّيداءِ رُدُّوا فرسي ... إنُّما يُفعلُ هذا بالَّدليلْ
ومن بني قُعين ذؤابُ بن رَبيعَة الذي َقتل عُتَيبةَ بن الحرث بن شهابً اليربوعَّي. ومنهم: بشر بن أبي خازم الشاعر، وعبيد بن الأبرص.
ومن بني غاضرة بن ملك بن ثعلبة بن دودان الحساس بن هند الذي ينسب إليه عبد بني الحساس. وكان جيد الشعر جداً، وهو القائلُ، وأحسنَ:
أَشعارُ عبدِ بنى الحسحاسِ قُمنَ لهُ ... عند الفَخار مَقامَ الأصلِ والوَرِقِ
إن كنتُ عبداً فنفسي حرةٌ كَرَماً ... أو أسودَ اللونِ إني أبيضُ الخُلُقِ
وكان عبدُ بنى الحسحاس يرتضخُ لُكنةً. فلما أنشد عمر بن الخطاب:
عُميرةَ ودِّعْ إن تجهَّزتَ غاديا ... كفى الشيبُ والإسلامُ للمرءِ ناهيا
فقال عمرُ، ﵀: لو قدَّمتَ الإسلام على الشيب لأَجزتُك قال: ما سعرتُ، يريد: ما شعرت.
ومن بني كاهل بن أسدٍ علباء بن الحرث: الذي يقول فيه امرؤ القيس:
стр. 208
وأفلتهُنَّ عِلباءٌ جريضاً ... ولو أدركنهُ صَفرَ الوطابُ
وفي بني كاهلٍ يقول امرؤ القيس:
واللهِ لا يذهبُ شَيخي باطِلا
حتى أُبِيرَ مالكاً وكاهِلا
القاتِلين الملكَ الحُلاحِلا
خيرَ معدٍّ حَسباً ونائِلا
.... ومن مالي بني كاهل سليمان بن مِهرانَ: أبو محمدٍ الأعمشُ، وكان يوم قُتل الحسين، وذلك يوم عاشوراءَ سنة إحدى وستين. وكان من جملة حَملة الحديث.
وأما حُلمةُ بن أسدٍ: فأفناهمُ امرؤ القيس بن حُجر أخذاً بثأر أبيه.
ومن بني أسدٍ ثم من بني والبةَ بن الحارث أخي قُعين بن الحارث عليُّ بن ربيعة الأسديُّ الوالبيُّ: أبو المغيرة. سمع علياً وابن عمر. روى. عنه سعيد بن عُبيد وسَلمة بن كُهيل وأبو إسحاق السَّبيعي ومنصور بن المُعتمر. خرَّج عنه مسلم والتِّرمذيُّ وغيرهم. وعن علي بن ربيعة في الشريعة للآجُرِّيِّ، عن علي ﵁ ما أنصُّه الآن:
стр. 209
الآجُرِّيُّ: حدثنا أبو محمدٍ يحيى بن محمد بن صاعدٍ قال: نا يوسف بن موسى القَطَّانُ قال: نا جَريرٌ عن منصور بن المعتمر عن عليِّ بن ربيعةَ الأسديِّ قال: رأيت عليَّ بن أبي طالب أُتِيَ بدابَّةٍ، فوضع رِجلَهُ في الرِّكاب فقال: بسم الله. فلما اسْتَوى عليها قال: الحمدُ لله. ثم قال:) سبحانَ الذي سخَّر لنا هذا، وما كنَّا لهُ مُقْرِنينَ، وإنَّا إلى ربِّنا لَمنقلبون (، ثم كبَّر ثلاثاً، وحمِدَ ثلاثاً ثم قال: لا إله إلا أنتَ، سبحانك إني قد ظلمتُ نفسي فاغفرْ لي ذنبي، إنه لا يغفرُ الذنوبَ إلا أنتَ. ثم استُضحك، فقلتُ: ممَّ استُضحكتَ؟ فقال: إن رسولَ الله ﷺ قال يوماً مثل ما قلتُ ثم استُضحك، فقلتُ: ممَّ استُضحكت يا رسول الله؟ قال: يَعجبُ ربُّنا من قَول عبده: " سبحانك إني قد ظلمتُ نفسي، فاغفر لي ذنبي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ". وخرَّج هذا الحديث التِّرمذيُّ عن علي بن ربيعة عن علي بن أبي طالب.
ومن موالى والبة بن الحرث سعيدُ بن جُبير: أبو عبد الله، وكان من خيار التابعين، روى عن ابن عباس وابن عمر، وكان أسود. وكتب لعبد الله بن عُتبة بن مسعود، ثم كتب لأبي بردة بن أبي موسى وهو على القضاء. وقال خُصيف: وكان أعلمهم بالطلاق سعيد بن المسيَّب، وأعلمهم بالحج عطاء وأعلمهم بالحلال والحرام طاووس، وأعلمهم بالتفسير مُجاهد، واجمعَهم لذلك كلِّه سعيد بن جُبير. وكان أبن عباس ﵁ إذا أتاه أهل الكوفة يسألونه يقول: يسألونني وفيهم ابن أمِّ دَهماء، يعن سعيداً. وخرَّج سعيد مع عبد الرحمن بن الأشعث. فلما " قُتل عبدُ الرحمن " أمر الحجاجُ به، فأخذه خالد بن عبد الله القسريُّ، فبعث به إلى الحجاج. وكان خالد والي الوليد بن عبد الملك على مكة.
وحدثنا أبو ألصَّهباء قال: قال الحجاجُ لسعيد بن جُبير: اختر أيَّ قِتْلةٍ شئتَ. فقال له: بل اختر أنت لنفسك ... القصاصَ أمامك. وقتله الحجاجُ سنةَ أربع وتسعين، وهو ابن تسعٍ وأربعين سنة. وكان له ابنان: عبد الله وعبد الملك ابنا سعيدٍ، يُروى عنهما.
стр. 210
ومن بني أسد ... إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة الأسدي. سمع ابن المنكدر وأيوب ومالك بن دينارٍ وابن عَون، روى عنه شعبةُ وإسحاق.
ومنهم أبو عمر حفصُ بن سليمان.
مُدركةُ بن إلياس: فَوَلد مُدركة خُزيمة، وقد تقدَّم ذكره، وهُزيلاً. وأمهما امرأة من قُضاعةَ. كذا قال ابن إسحاق، وذكرهما غيرُه وسمَّاها ونسبها، فقال: هي سلمى بنتُ سودِ بن أسلم بن الجاف بن قُضاعة.
وفي هُذيل بطون منها: صَاهلِةُ بن كاهل بن الحرث بن تميم بن سعد بن هُذيل، ولِحْيانُ بن هُذيل.
فمن صاهلةَ عبد الله بن مسعود بن غافل " بالغين المنقوط والفاء " بن حبيب بن شمخ بن فار بن مخزوم بن صاهلة بن كاهل بن الحرث بت تميم بن سعد بن هُذيل بن مُدركة أبو عبد الرحمن، حليف بني زهرة. وكان أبوه مسعود بن غافل قد حالف في الجاهلية عبد الله بن الحرث بن زهرة. وأمُّه أمُّ عَبدٍ بنت عبد وُد، هُذلية من فخذ أبيه، وأمُّها زُهرية، قيل بنت الحرث بن زهرة. وكان إسلامه قديماً في أول الإسلام. وهو من القُراء وممَّن جمع القرآن على عهد النبي ﷺ . وهاجر الهجرتين، وصلى القبلتين، وشهد بدراً والحديبية. وشهد له النبيُّ ﵇ بالجنة، وكان يُعرف في الصحابة بصاحب السِّواد والسِّواك. والسِّوادُ: السِّرارُ. وكان يَلجُ على النبيِّ ﷺ ، ويُلبسه نعليه، ويمشي أمامهُ ومعه، ويَستُره إذا اغتسل، ويوقظُهُ إذا نام. وقال: قال لي رسولُ الله ﷺ : " إذنُك عليَّ أن ترفعَ الحجابَ، وأن تسمعَ سِوادي حتى أَنهاك ". أخرج هذا الحديث مسلم في الصحيح المسند له.
وقال رسول الله ﷺ : " رضيتُ لأمتي ما رضيَ لها ابنُ أمِّ عبدٍ ". وقال عليٌّ ﵁: أمر النبيُّ ﷺ عبد الله بن مسعود أن يصعد شجرةً، فيأتيَهُ بشيء منه. فنظر أصحابُه إلى خُموشهِ ساقَييه، فضحكوا. فقال النبيُّ ﷺ : " ما يُضحكِكُم؟ لَرِجلا عبدِ الله في الميزان أثقلُ من أُحُدٍ ".
стр. 211
وقال أبو عمر بنُ عبد البَرِّ: نا سعيد بن نصر؛ نا قاسم بن إصبغ، نا ابن وضَّاح، نا ابنُ أبي النبيَّ ﵇ أتى بين أبي بكر وعمر وعبد الله يصلي، فافتتح بالنِّساء. فقال ﵇: " من أحبَّ أن يقرأ القرآن غضاً كما أُنزل فليقرأهُ على قراءةِ ابن أمِّ عبدٍ "، ثمَّ قعد يسألُ. فجعل النبيُّ ﷺ يقول: " سَلْ تُعطَهُ ". فقال فيما سأل: " اللهمَّ، إني أسألك إيماناً لا يرتدُّ، ونعيماً لا ينفَدُ، ومرافقةَ محمدٍ في أعلى جنة الخلد ". فأتى عمرُ عبد الله يُبشِّره، فوجد أبا بكرٍ خارجاً قد سبقه، فقال: إن فعلت لقد كنت سَبَّاقاً للخير.
وكان، ﵀، قصيراً نحيفاً يكادُ طِوال الرجال يُوازونه جلوساً، وهو قائم. وكان لا يُغير شَيبَةُ. وبعثه عمرُ بن الخطاب إلى الكوفة مع عمار بن ياسر، وكتب إليهم: إني قد بعثتُ إليكم بعمار بن ياسر أميراً، وبعبد اللهِ بن مسعودٍ مُعلما ووزيراً. وهما من النُّجباء من أهل بدرٍ فاقتَدُوا بهما، واسمعوا من قولهما. وقد آثرتُكم بعبد الله على نفسي. وقال فيه عمر: كُنيف مُلئ علماً. ومسح النبيُّ ﵇ برأسه، وقال: " يرحمُك اللهُ، فإنك غُليِّمٌ مُعلَّمٌ "، وذلك في أول إسلامه.
وروى عليُّ بن المدينيِّ قال: نا سُفيان قال: نا جامعُ بن أبي راشدٍ سمع حذيفة يحلف بالله: ما أعلمُ أحداً أشبه دّلاً ولا هدياً برسول الله ﷺ من حين يخرجُ من بيته إلى أن يرجع إليه من عبد الله بن مسعودٍ. ولقد عَلم المحفوظون من أصحاب محمدٍ ﷺ أنه من أقربهم وسيلةً إلى الله يوم القيامة. وقال بعض أصحاب ابن مسعود: ما سمعتُ ابن مسعود يقول في عثمان سُبَّةً قطُّ: وسمعته يقول: لئن قتلوهُ لا يَستخلفوا بعده مثله.
وأمُّ عبد: أمُّ عبد الله، وقد يُنسب إليها، وكانت من المهاجرات. روى عنها ابنها عبدُ الله بنُ مسعود أنها قالت: رأيتُ رسول الله ﷺ قَنَتَ في أوَّل الوتر، قبل الركوع. وروى وكيعٌ عن سفيان عن أبي إسحاق عن
стр. 212
مُصعب بن سعد قال: فرض عمر بن الخطاب لنساء المهاجرات في ألفين منهنَّ أمُّ عبد.
ولما مات ابنُ مسعود نُعي إلى أبي الدرداء فقال: ما ترك بعده مثلهُ. ومات ﵁ سنة ثلاثين، ودُفن بالبقيع، وصلَّى عليه عثمان. وقيل: بل صلى عليه عمار. وقيل: بل صلى عليه الزُّبير. ودُفن ليلاً بإيصاله ذلك إليه، ولم يُعلم عثمان بدفنه، فعاتب الزُّبير على ذلك. وكان يوم توفي ابن بضع وستين سنةً. وعن جابر بن زيد عن ابن عباسٍ قال: آخى رسولُ الله ﷺ بين الزُّبير وبين ابن مسعود.
ولد عبد الله بن مسعود عبد الرحمن: وبه كان يُكنى. وعتبةُ وأبو عبيدة، واسمه عامر.
فأما عبد الرحمن بن عبد الله فولد القاسم بن عبد الرحمن، وكان على قضاء الكوفة. ومعن بن عبد الرحمن فولد معن القاسم، وكان على قضاء الكوفة. ولم يرتزق شيئاً حتى مات. وكان عالماً بالفقه والحديث والشعر والنسب وأيام الناس، وكان يقال له شَعْبيَّ زمانه.
وأما عُتبةُ بن عبد الله فلهُ عقب، منهم: أبو عُميس عتببُ بنُ عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود. ومات ببغداد، وأخوهُ عبد الرحمن المسعوديُّ: اختلط في آخر عُمُره، ومات ببغداد، وهو المسعوديُّ الأكبر. فأما الأصغر فهو عبدُ الله بن عبد الملك بن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعودٍ، ويكنى أبا عبد الرحمن، وجدُّه أبو عبيدة روى عن أبيه، وروى عنه أبو إسحاق السَّبيعيُّ وعمرو ابن..........
عتبةُ بن مسعودٍ: أبو عبد الله، أخو عبد الله بن مسعود لأبيه وأمِّه. وكان قديم الإسلام. ولم يرو عن النبي ﷺ شيئاً، وهاجر مع أخيه إلى أرض الحبشة، الهجرة الثانية، ثم قدم المدينة فشهد أُحداً وما بعدها من المشاهد. وقال ابن عيينة: سمعت ابن شهاب يقول: ما كان عبدُ الله بأقدم
стр. 213
صحبةً من أخيه عتبة بن مسعود، ولكن عتبةُ مات قبلَهُ. ولما مات عتبةُ بن مسعود بكي عليه أخوهُ عبد الله، فقيل له: أتبكي؟ قال: نعم أخي في النسب، وصاحبي مع رسول الله، وأحبُّ الناس إليَّ، إلا ما كان مِن عمر بن الخطاب. ومات عتبة بن مسعود بالمدينة، وصلى عليه عمر بن الخطاب، وكان ذلك في خلافة عمر، قاله المسعوديُّ.
وابنُه عبد الله بن عتبة: يكنى أبا عبد الرحمن، فنزل الكوفة، وتوفي بها في خلافة عبد الملك بن مروان، وكان كثير الحديث والفُتْيا فقهياً، وُلد على عهد رسول الله ﷺ ، ووضع يده على رأسه، ودعا لهُ. حدَّث محمدُ بن خلف بن وكيع قال: قال: نا محمد بن عبد الله الخصوميُّ قال: أخبرني حمزة وفضل ابنا عون بن عبد الله بن عتبة عن جدَّتهما وكانت أمَّ ولد عبد الله بن عتبة. قالت: قلت لسيِّدي عبد الله بن عتبة: أيّ شيء تَذكر من النبيِّ ﷺ قال: أذكر أني غلام خماسي أو سداسيٌّ أجلسني النبيُّ ﵇ في حَجْرهِ، ومسح على وجهي، ودعا لي ولذريَّتي بالبركة.
استعمله عمر بن الخطاب ﵁، وروى عنه ابنُه حمزة بن عبد الله بن عُتبة قال: أذكر أن رسول الله ﷺ وضع يده على رأسي.
هو والد عبيد الله وعون وحمزة، وعبيد الله منهم شيخُ ابن شهاب فقيه مدينيٌّ من الفقهاء السبعة. وروى عن عبد الله بن عتبة ابنه عبيد الله وحميد بن عبد الرحمن ومحمد بن سيرين وعبد الله بن مَعْبدٍ الزِّمَّانيُّ: وكان عبيد الله ابنُه عالماً شاعراً. وعُوتب في قول الشعر فقال: لابدَّ للمصدور من أن يَنْفِثَ. وكان الزهريُّ يقوم له إذا خرج. فلما ظن أنه قد استنفدَ ما عنده لم يقُم. فقال: إنك في العَزَار فقُم. العَزار: الأرض الصلبةُ.
وسُئل عِراكُ بن مالك: من أَفقهُ من رأيت؟ قال: أَعلمُهُم سعيد بن المسيَّب، وأَغْزرُهم في الحديث عُروةُ، ولا تشاء أن تُفجِّر من عبيد الله بحراً إلا فَجَّرتَه. وقال الزهريُّ: سمعت من العلم شيئاً كثيراً فظننتُ أني قد اكتفيت حتى لقِيتُ عبد اله بن عبد الله بن عُتبة، فإذا كأن ليس في يديَّ شيء. وقال الزهريُّ: أدركتُ أربعة بحور، فذكر عُبيد الله مقدَّماً. وقال عمر بن عبد العزيز: لأَنْ
стр. 214
يكون لي مجلس من عُبيد الله أحبَّ إليَّ من الدنيا. وخرَّج عنه الأئمة.
وأخوهُ عون بن عبد الله بن عتبة: كان زاهداً عالماً، وكان في أول أمره يقول بالإِرجاءِ، ثم رجع عن ذلك فقال:
وأولُ ما نُفارقُ غيرَ شَكٍّ ... نفارقُ ما يقولُ المُرجِئونا
وقالوا: مؤمنٌ دمُهُ حَلالُ ... وقد حَرُمَتْ دِماءُ المؤمنينا
وقالوا: مُؤمنٌ من أهل جَورٍ ... وليس المؤمنونَ بِجَائرينا
وكان ذا منزلةٍ من عمر بن عبد العزيز، وهو خليفةٌ. وله يقول جرير بن عطَّية الخَطَفي:
يأيُّها القارئ المُرْخي عِمامَتهُ ... هذا زمانُكَ إني قد مَضى زَمَني
أبْلِغْ خليفَتَنا إن كنتَ لاقيَهُ ... أني لَدى الباب كالمَصْفودِ في قَرَنِ
وروى عَون بن عبد الله عن عبد الله بن عمر.
التِّرمذي: حدثنا أحمد بن إبراهيم الدَّورقيُّ: نا إسماعيل بن إبراهيم، نا الحجاجُ بن أبي عثمان بن الزُّبير عن عون بن عبد الله عن عمر قال: بينما نحن نُصلي مع رسول الله ﷺ إذ قال رجلٌ من القوم: اللهُ أكبرُ كبيراً واحمدُ للهِ كثيراً، وسُبحان الله بُكرةً وأصيلاً. فقال رسول الله صلى الله
стр. 215
عليه وسلم: " مَنِ القائلُ كذا وكذا؟ " فقال رجل من القوم: أنا يا رسول الله. قال: " عجبتُ لها، فُتحتْ أبوابُ السماءِ لها! ". قال ابنُ عمر: ما تركتهنَّ منذ سمعتُ رسول الله ﷺ . قال أبو عيسى: هذا حديث حسنٌ صحيح غريب من هذا الوجه. وحجاجُ بن أبي عثمان: هو حجاجُ بن مَيسرة الصوَّاف، ويُكنى أبا الصَّلت. وهو ثقةٌ عند أهل الحديث.
وروى عونٌ أيضاً عن أبيه، عن ابن مسعود. مسلم: حدثني يونس بن عبد الأعلى الصدقيُّ قال: نا عبد الله بن وهب قال: أخبرني عمرو بن الحرث عن سعيد بن أبي هلال، عن عون بن عبد الله، عن أبيه، عن ابن مسعود قال: كان بين إسلامنا وبين أن عاتَبَنا الله بهذه الآية:) ألم يأنِ للذين آمنوا أن تخشع قلوبُهم لذكر الله (إلا أربع سنين.
ومن هُذيل ٍ ثم من بني صُبح بن كاهل بن الحرث بن سعد بن هُذيل أبو بكرٍ الهذليُّ الفقيه.
ومن هُذيل سنان بن سَلمةَ بن المحبَّق الهُذليُّ، يُكنى أبا عبد الرحمن، وقيل: أبا حَبترٍ.. روى وكيعُ بن الجرَّاح عن أبيه. عنه أنه قال: وُلدت يوم حربٍ للنبي ﷺ ، فسمَّاني ﵇ " سناناً ". وقد قيل: إنه لما وُلد قال أبوه سلمة بن المحبَّق: لسنان. أُقاتلُ به في سبيل الله أحبُّ إليَّ منهُ، فسماه رسولُ الله ﷺ سِناناً. ورُوي عنه أنه قال: ولدتُ في يوم حربٍ كانت للنبي ﷺ فذهب بي أبي إلى رسول الله ﷺ فحنَّكني وتفل في فيَّ، ودعا لي، وسمَّاني سناناً. وكان من الشجعان البطال الفرسان. ولاَّهُ زياد بن أبيه غزوَ الهند بعد قتل راشد بن عمرو الجُريريِّ، وذلك سنة خمسين في وسط خلافة معاوية، قاله خليفةُ بن خياط. ولسنان بن سلمة خبرٌ عجيب في غزو الهند وتوفي في آخر أيام الحجاج.
ومن هُذيل ثم من بني صاهلة بطن عبد الله بن مسعود أبو ذؤيب الهذليٌّ الشاعر وكان مسلماً على عهد رسول الله ﷺ ، ولم يرهُ. ولا
следующие страницы →