Полный текст (811 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
وقال أبو عمر بنُ عبد البَرِّ: نا سعيد بن نصر؛ نا قاسم بن إصبغ، نا ابن وضَّاح، نا ابنُ أبي النبيَّ ﵇ أتى بين أبي بكر وعمر وعبد الله يصلي، فافتتح بالنِّساء. فقال ﵇: " من أحبَّ أن يقرأ القرآن غضاً كما أُنزل فليقرأهُ على قراءةِ ابن أمِّ عبدٍ "، ثمَّ قعد يسألُ. فجعل النبيُّ ﷺ يقول: " سَلْ تُعطَهُ ". فقال فيما سأل: " اللهمَّ، إني أسألك إيماناً لا يرتدُّ، ونعيماً لا ينفَدُ، ومرافقةَ محمدٍ في أعلى جنة الخلد ". فأتى عمرُ عبد الله يُبشِّره، فوجد أبا بكرٍ خارجاً قد سبقه، فقال: إن فعلت لقد كنت سَبَّاقاً للخير.
وكان، ﵀، قصيراً نحيفاً يكادُ طِوال الرجال يُوازونه جلوساً، وهو قائم. وكان لا يُغير شَيبَةُ. وبعثه عمرُ بن الخطاب إلى الكوفة مع عمار بن ياسر، وكتب إليهم: إني قد بعثتُ إليكم بعمار بن ياسر أميراً، وبعبد اللهِ بن مسعودٍ مُعلما ووزيراً. وهما من النُّجباء من أهل بدرٍ فاقتَدُوا بهما، واسمعوا من قولهما. وقد آثرتُكم بعبد الله على نفسي. وقال فيه عمر: كُنيف مُلئ علماً. ومسح النبيُّ ﵇ برأسه، وقال: " يرحمُك اللهُ، فإنك غُليِّمٌ مُعلَّمٌ "، وذلك في أول إسلامه.
وروى عليُّ بن المدينيِّ قال: نا سُفيان قال: نا جامعُ بن أبي راشدٍ سمع حذيفة يحلف بالله: ما أعلمُ أحداً أشبه دّلاً ولا هدياً برسول الله ﷺ من حين يخرجُ من بيته إلى أن يرجع إليه من عبد الله بن مسعودٍ. ولقد عَلم المحفوظون من أصحاب محمدٍ ﷺ أنه من أقربهم وسيلةً إلى الله يوم القيامة. وقال بعض أصحاب ابن مسعود: ما سمعتُ ابن مسعود يقول في عثمان سُبَّةً قطُّ: وسمعته يقول: لئن قتلوهُ لا يَستخلفوا بعده مثله.
وأمُّ عبد: أمُّ عبد الله، وقد يُنسب إليها، وكانت من المهاجرات. روى عنها ابنها عبدُ الله بنُ مسعود أنها قالت: رأيتُ رسول الله ﷺ قَنَتَ في أوَّل الوتر، قبل الركوع. وروى وكيعٌ عن سفيان عن أبي إسحاق عن
стр. 212
مُصعب بن سعد قال: فرض عمر بن الخطاب لنساء المهاجرات في ألفين منهنَّ أمُّ عبد.
ولما مات ابنُ مسعود نُعي إلى أبي الدرداء فقال: ما ترك بعده مثلهُ. ومات ﵁ سنة ثلاثين، ودُفن بالبقيع، وصلَّى عليه عثمان. وقيل: بل صلى عليه عمار. وقيل: بل صلى عليه الزُّبير. ودُفن ليلاً بإيصاله ذلك إليه، ولم يُعلم عثمان بدفنه، فعاتب الزُّبير على ذلك. وكان يوم توفي ابن بضع وستين سنةً. وعن جابر بن زيد عن ابن عباسٍ قال: آخى رسولُ الله ﷺ بين الزُّبير وبين ابن مسعود.
ولد عبد الله بن مسعود عبد الرحمن: وبه كان يُكنى. وعتبةُ وأبو عبيدة، واسمه عامر.
فأما عبد الرحمن بن عبد الله فولد القاسم بن عبد الرحمن، وكان على قضاء الكوفة. ومعن بن عبد الرحمن فولد معن القاسم، وكان على قضاء الكوفة. ولم يرتزق شيئاً حتى مات. وكان عالماً بالفقه والحديث والشعر والنسب وأيام الناس، وكان يقال له شَعْبيَّ زمانه.
وأما عُتبةُ بن عبد الله فلهُ عقب، منهم: أبو عُميس عتببُ بنُ عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود. ومات ببغداد، وأخوهُ عبد الرحمن المسعوديُّ: اختلط في آخر عُمُره، ومات ببغداد، وهو المسعوديُّ الأكبر. فأما الأصغر فهو عبدُ الله بن عبد الملك بن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعودٍ، ويكنى أبا عبد الرحمن، وجدُّه أبو عبيدة روى عن أبيه، وروى عنه أبو إسحاق السَّبيعيُّ وعمرو ابن..........
عتبةُ بن مسعودٍ: أبو عبد الله، أخو عبد الله بن مسعود لأبيه وأمِّه. وكان قديم الإسلام. ولم يرو عن النبي ﷺ شيئاً، وهاجر مع أخيه إلى أرض الحبشة، الهجرة الثانية، ثم قدم المدينة فشهد أُحداً وما بعدها من المشاهد. وقال ابن عيينة: سمعت ابن شهاب يقول: ما كان عبدُ الله بأقدم
стр. 213
صحبةً من أخيه عتبة بن مسعود، ولكن عتبةُ مات قبلَهُ. ولما مات عتبةُ بن مسعود بكي عليه أخوهُ عبد الله، فقيل له: أتبكي؟ قال: نعم أخي في النسب، وصاحبي مع رسول الله، وأحبُّ الناس إليَّ، إلا ما كان مِن عمر بن الخطاب. ومات عتبة بن مسعود بالمدينة، وصلى عليه عمر بن الخطاب، وكان ذلك في خلافة عمر، قاله المسعوديُّ.
وابنُه عبد الله بن عتبة: يكنى أبا عبد الرحمن، فنزل الكوفة، وتوفي بها في خلافة عبد الملك بن مروان، وكان كثير الحديث والفُتْيا فقهياً، وُلد على عهد رسول الله ﷺ ، ووضع يده على رأسه، ودعا لهُ. حدَّث محمدُ بن خلف بن وكيع قال: قال: نا محمد بن عبد الله الخصوميُّ قال: أخبرني حمزة وفضل ابنا عون بن عبد الله بن عتبة عن جدَّتهما وكانت أمَّ ولد عبد الله بن عتبة. قالت: قلت لسيِّدي عبد الله بن عتبة: أيّ شيء تَذكر من النبيِّ ﷺ قال: أذكر أني غلام خماسي أو سداسيٌّ أجلسني النبيُّ ﵇ في حَجْرهِ، ومسح على وجهي، ودعا لي ولذريَّتي بالبركة.
استعمله عمر بن الخطاب ﵁، وروى عنه ابنُه حمزة بن عبد الله بن عُتبة قال: أذكر أن رسول الله ﷺ وضع يده على رأسي.
هو والد عبيد الله وعون وحمزة، وعبيد الله منهم شيخُ ابن شهاب فقيه مدينيٌّ من الفقهاء السبعة. وروى عن عبد الله بن عتبة ابنه عبيد الله وحميد بن عبد الرحمن ومحمد بن سيرين وعبد الله بن مَعْبدٍ الزِّمَّانيُّ: وكان عبيد الله ابنُه عالماً شاعراً. وعُوتب في قول الشعر فقال: لابدَّ للمصدور من أن يَنْفِثَ. وكان الزهريُّ يقوم له إذا خرج. فلما ظن أنه قد استنفدَ ما عنده لم يقُم. فقال: إنك في العَزَار فقُم. العَزار: الأرض الصلبةُ.
وسُئل عِراكُ بن مالك: من أَفقهُ من رأيت؟ قال: أَعلمُهُم سعيد بن المسيَّب، وأَغْزرُهم في الحديث عُروةُ، ولا تشاء أن تُفجِّر من عبيد الله بحراً إلا فَجَّرتَه. وقال الزهريُّ: سمعت من العلم شيئاً كثيراً فظننتُ أني قد اكتفيت حتى لقِيتُ عبد اله بن عبد الله بن عُتبة، فإذا كأن ليس في يديَّ شيء. وقال الزهريُّ: أدركتُ أربعة بحور، فذكر عُبيد الله مقدَّماً. وقال عمر بن عبد العزيز: لأَنْ
стр. 214
يكون لي مجلس من عُبيد الله أحبَّ إليَّ من الدنيا. وخرَّج عنه الأئمة.
وأخوهُ عون بن عبد الله بن عتبة: كان زاهداً عالماً، وكان في أول أمره يقول بالإِرجاءِ، ثم رجع عن ذلك فقال:
وأولُ ما نُفارقُ غيرَ شَكٍّ ... نفارقُ ما يقولُ المُرجِئونا
وقالوا: مؤمنٌ دمُهُ حَلالُ ... وقد حَرُمَتْ دِماءُ المؤمنينا
وقالوا: مُؤمنٌ من أهل جَورٍ ... وليس المؤمنونَ بِجَائرينا
وكان ذا منزلةٍ من عمر بن عبد العزيز، وهو خليفةٌ. وله يقول جرير بن عطَّية الخَطَفي:
يأيُّها القارئ المُرْخي عِمامَتهُ ... هذا زمانُكَ إني قد مَضى زَمَني
أبْلِغْ خليفَتَنا إن كنتَ لاقيَهُ ... أني لَدى الباب كالمَصْفودِ في قَرَنِ
وروى عَون بن عبد الله عن عبد الله بن عمر.
التِّرمذي: حدثنا أحمد بن إبراهيم الدَّورقيُّ: نا إسماعيل بن إبراهيم، نا الحجاجُ بن أبي عثمان بن الزُّبير عن عون بن عبد الله عن عمر قال: بينما نحن نُصلي مع رسول الله ﷺ إذ قال رجلٌ من القوم: اللهُ أكبرُ كبيراً واحمدُ للهِ كثيراً، وسُبحان الله بُكرةً وأصيلاً. فقال رسول الله صلى الله
стр. 215
عليه وسلم: " مَنِ القائلُ كذا وكذا؟ " فقال رجل من القوم: أنا يا رسول الله. قال: " عجبتُ لها، فُتحتْ أبوابُ السماءِ لها! ". قال ابنُ عمر: ما تركتهنَّ منذ سمعتُ رسول الله ﷺ . قال أبو عيسى: هذا حديث حسنٌ صحيح غريب من هذا الوجه. وحجاجُ بن أبي عثمان: هو حجاجُ بن مَيسرة الصوَّاف، ويُكنى أبا الصَّلت. وهو ثقةٌ عند أهل الحديث.
وروى عونٌ أيضاً عن أبيه، عن ابن مسعود. مسلم: حدثني يونس بن عبد الأعلى الصدقيُّ قال: نا عبد الله بن وهب قال: أخبرني عمرو بن الحرث عن سعيد بن أبي هلال، عن عون بن عبد الله، عن أبيه، عن ابن مسعود قال: كان بين إسلامنا وبين أن عاتَبَنا الله بهذه الآية:) ألم يأنِ للذين آمنوا أن تخشع قلوبُهم لذكر الله (إلا أربع سنين.
ومن هُذيل ٍ ثم من بني صُبح بن كاهل بن الحرث بن سعد بن هُذيل أبو بكرٍ الهذليُّ الفقيه.
ومن هُذيل سنان بن سَلمةَ بن المحبَّق الهُذليُّ، يُكنى أبا عبد الرحمن، وقيل: أبا حَبترٍ.. روى وكيعُ بن الجرَّاح عن أبيه. عنه أنه قال: وُلدت يوم حربٍ للنبي ﷺ ، فسمَّاني ﵇ " سناناً ". وقد قيل: إنه لما وُلد قال أبوه سلمة بن المحبَّق: لسنان. أُقاتلُ به في سبيل الله أحبُّ إليَّ منهُ، فسماه رسولُ الله ﷺ سِناناً. ورُوي عنه أنه قال: ولدتُ في يوم حربٍ كانت للنبي ﷺ فذهب بي أبي إلى رسول الله ﷺ فحنَّكني وتفل في فيَّ، ودعا لي، وسمَّاني سناناً. وكان من الشجعان البطال الفرسان. ولاَّهُ زياد بن أبيه غزوَ الهند بعد قتل راشد بن عمرو الجُريريِّ، وذلك سنة خمسين في وسط خلافة معاوية، قاله خليفةُ بن خياط. ولسنان بن سلمة خبرٌ عجيب في غزو الهند وتوفي في آخر أيام الحجاج.
ومن هُذيل ثم من بني صاهلة بطن عبد الله بن مسعود أبو ذؤيب الهذليٌّ الشاعر وكان مسلماً على عهد رسول الله ﷺ ، ولم يرهُ. ولا
стр. 216
خلاف أنه باهليٌّ إسلاميٌّ. واسمُه خُويلدُ بن خالد بن مُحرِّث بن زُبيد بن مخروم بن صاهلةَ بن كاهل بن الحرث بن تميم بن سعد بن هُذيل. وذكر الهرماسُ بن صَعصعة الهُذليُّ عن أبيه أن أبا ذَؤيب الشاعر حدَّثه قال: بلغنا أن رسول الله ﷺ عليل، فاستشعرت حزناً، وبتُّ بأطولِ ليلة لا ينجاب دَيْجورُها، ولا يطلع نورُها. فظَلْتُ أقاسي طولها، حتى إذا كان قُرب السَّحر أَغفيتُ. فهتف بي هاتف، وهو يقول:
خَطبٌ جليلٌ أناخَ بالإسلامِ ... بين النَّخيلِ ومَعْقِدِ الآطامِ
قُبضَ النبيُّ محمدٌ فعيونُنا ... تُذْري الدموعَ عليهِ بالتَّسْجامِ
قال أبة ذؤيب: فوثبتُ من نومي فزِعاً، فنظرتُ إلى السماء فلم أرَ إلا سعد الذابح، فتفاءلت به ذبحاً يقع في العرب. وعلمتُ أن النبيَّ ﷺ قد قُبض أو هو ميِّت من علَّتهِ. فركبتُ ناقتي وسِرتُ. فلما أصبحت طلبت شيئاً أزجرُ به، فعنَّ لي شَيهم، يعني القنفذُ، وقد قبض على صِلِّ يعني الحيةَ، فهي تلتوي عليه، والشَّيهمُ يقضُمها حتى أكلها، فزجرت ذلك، فقلتُ: شَيهم شيء مهم، والتواء الصِّلِّ والتواء الناس عن الحقِّ على القائم بعد رسول الله ﷺ . ثم أوَّلت أكلَ الشَّيهم إياها غَلبةَ القائم بعده على الأمر. فَحَثثتُ ناقتي، حتى إذا كنتُ بالغابة زجرتُ الطائر، فأخبرني بوفاتهِ، ونَعب غراب سانح فنطق بمثل ذلك، فتعوذتُ بالله من شرِّ ما عنَّ لي في طريقي، وقدِمْتُ المدينة، ولها ضجيجٌ بالبكاء كضجيج الحاجِّ إذا أهلُّوا بالإحرام. فقلتُ: مهْ. قالوا: قُبض رسول الله ﷺ ، فجئتُ إلى المسجد، فوجدته خالياً، فأتيتُ رسول الله ﷺ ، فاصبتُ بابَه مُرْتجاً، وقيل: هو مُسجًّى، وقد خلا به أهلُه. فقلتُ: أين الناسُ؟ فقيل: في سقيفة بني ساعدة، صاروا إلى الأنصار. فجئتُ إلى السقيفة، فأصبت أبا بكرٍ وأبا عبيدة بن الجراح وسالماً وجماعةً من
стр. 217
قريش، ورأيت الأنصار فيهم سعدُ بن عبادة، وفيهم شعراؤهم حسان بن ثابت وكعب بن مالك وملأ منهم. فأويتُ إلى قريش. وتكلمت الأنصار، فأطالوا الخطاب، وأكثروا الصواب. وتكلم أبو بكر ﵁، فلله درُّه من رجلٍ لا يطيل الكلام، ويعلمُ مواضع فصل الخصام. والله لقد تكلمَ بكلامٍ ما يسمعُهُ سامعُ إلا انقاد له ومال إليه. ثم تكلم عمر بعدهُ بدون كلامه. ومدَّ يده فبايعه وبايعوه، ورجع أبو بكرٍ ورجعتُ معه. قال أبو ذؤيب: فشهدتُ الصلاة على النبيِّ محمد ﷺ ، وشهدت دفنَه ﷺ . ثم أنشد أبو ذؤيب يبكي النبيَّ ﵇:
لمَّا رأبت الناسَ في عَسَلانِهِمْ ... ما بينَ مَلحودٍ لهُ ومُصرَّحِ
مُتبادرينَ لشرجَع بأكفِّهمْ ... نُصِّ الرِّقابَ لفقدِ أبيضَ أَرْوَحِ
فهناكَ صِرتُ إلى الهموم ومَن يَبتْ ... جارَ الهموم يَبِيتٌ غيرَ مُروَّحِ
كَسَفتْ لمصرعهِ النجومُ وبدرُها ... وترعرعتْ آطامُ بطنِ الأَبطحِ
وتزعزعتْ أجيالُ يَثربَ كلُّها ... ونخيلُها بحلول خَطْبٍ مُفْرِحِ
ولقد زجرتُ الطيرَ قبل وفاتِهِ ... بمُصابهِ، وزَجرتُ سعدَ الأُذْبُحِ
قال: ثم انصرف أبو ذؤيب إلى باديته، فأقام بها، وتوفي في خلافة عثمان بن عفان بطريق مكة قريباً منها. ودفنه ابن الزُّبير. وقيلَ: غَزا أبو ذؤيب مع
стр. 218
عبد الله بن الزُّبير إفريقيَّة ومدحه. وقيل: إنه ماتَ في غزوة إفريقية بمصر، مُنصرفاً بالفتح مع ابن الزبير، ونفذَ بالفتح وحدَه. وقيل: إن أبا ذؤيب مات غازياً بأرض الروم ودُفن هناك، وإنه لا يعلمُ لأحدٍ من المسلمين قبر وراء قبره وكان قد ندبه إلى الجهاد، فلم يزل مجاهداً حتى مات بأرض الروم، ودفنهُ هناك ابنُه أبو عُبيد. وعند موتِه قال له:
أبا عُبيدٍ رُفع الكتابُ ... واقتربَ الموعدُ والحسابُ
قال محمدُ بن سلاّم: قال أبو عمرو: وسُئل حسانُ بن ثابت: من أشعر الناسِ؟ فقال: حيّاً أم رجلاً؟ قالوا: حياً. قال: هُذيل أشعرُ الناس حياً. قال ابن سلام: وأقولُ: إن أشعر هُذيل أبو ذؤيب. قال عمر بن شَبةَ: يُقدَّم أبو ذؤيب على جميع شعراء هُذيل بقصيدته العينية التي يرثى فيها بنيه. وقال الأصمعيُّ: أبرعُ بيتٍ قالته العربُ بيتُ أبي ذؤيب:
والنفسُ راغبةٌ إذا رغَّبتها ... وإذا تُردُّ إلى قليلٍ تَقنعُ
وهذا البيت من شعره المفضَّل الذي يرثى فيه بنيه، وكانوا خمسةً أُصيبوا في يومٍ واحد، وفيه حكمُ وشواهد، أوَّلُه حيث يقول:
أمِنَ المنُونِ ورَيبهِ تَتوجَّعُ ... والدهرُ ليس بمُعتِبٍ مَن يَجْزَعُ
وفي هذه القصيدة يقول:
أَودَى بنيَّ فأَعقَبوني حَسرةً ... بعدَ الرُّقادِ وعبرةَ ما تُقلِعُ
стр. 219
فالعينُ بعدهمُ كأنَّ حِداقَها ... سُلمتْ بشَوكٍ فهْيَ عُورٌ تَدمعُ
سبَقوا هَوَيَّ وأعْنَقوا لهواهمُ ... فتُخُرِّموا، ولكلِّ جَنبٍ مَصْرَعُ
فَغَبرتُ بعدهمُ لعيشٍ ناصبٍ ... وإخالُ أني لاحقٌ مُستقْبِعُ
ولقد حَرصتُ بأن أُدافعَ عنهمُ ... فإذا المنيةُ أَقبلتْ لا تُدافَعُ
وإذا المنيةُ أَنشبتْ أظفارها ... ألفيتَ كلَّ تميمةٍ لا تنفعُ
وتجلُّدي للشامتينَ أُريهمُ ... أني لرَيبِ الدَّهرِ لا أتضعضَعُ
حتى كأني للحوادث مَرْوةٌ ... بصفا المشقَّرِ كلَّ يومٍ تُقرَعُ
ومن شعر أبي ذؤيب، ﵀، في النسيب، وأَحسنَ:
يل بيتَ دَهماءَ الذي أتجنَّبُ ... ذهبَ الشبابُ وحبُّها لا يذهبُ
مالي أحنُّ إذا جِمالُكِ قُرِّبتْ ... وأصدُّ عنكِ وأنتِ مني اقربُ
للهِ دَرُّكِ هل رأيتِ مُعوَّلاً ... لمكلَّفٍ أم هلْ لِوُدِّكِ مَطلبُ؟
стр. 220
تدعوا الحمامةُ شجوَها فَتَهيجني ... ويروحُ عازبُ شوقيَ المتأوِّبُ
وأرى البلادَ إذا سَكنتِ بغيرها ... جَدْباً، وإنْ كانتْ تُطَلُّ وتخْصَبُ
ويَحلُّ أهلي بالمكان فلا أَرى ... طرفي بغيركِ مَرةً يَتَقلَّبُ
وأُصانعُ الواشينَ فيك تَجمُّلاً ... وهُمُ عليَّ ذَوو ضَغائنَ ذُوَّبُ
وتَهيجُ ساريةُ الرِّياحِ مِنَ ارْضِكمْ ... فأَرى الجنابَ لها يحَلُّ ويجْنَبُ
وأرى العدوَّ يحبُّكمْ فأحبُّهُ ... إن كانَ يُنسَبُ منكِ أَوْ لا يُنسَبُ
ومِن هُذيل أبو خِراش الشاعر: واسمُه خُويلدُ بنُ مُرَّةَ القِرْديُّ. وقِرْدٌ اسمُه عُميرُ بنُ مُعاويةَ بن تميم بن سعد بن هُذيل. مات في زمن عمر بن الخطاب من نَهشِ حية. وله في ذلك خبرٌ عجيبٌ يأتي بعدُ. وكان ممَّن يَعدو على قدميه فيسبق الخيلَ. وكان في الجاهلية من فُتاك العرب، ثم أسلمَ فحسنَ إسلامُه. وهو القائلُ في الجاهلية في عَدْوِهِ:
رَفَوني وقالوا: ياخُويلدُ لا تُرَعْ ... فقلتُ، وأنكرتُ الوجوه: هُمُ هُمُ
стр. 221
فعاديتُ شيئاً والدَّريسُ كأنَّ ... يُزَعزعهُ وِردٌ من المُومِ مُرْدِمُ
تَذكُّرَ ما أينَ المفرُّ وإنَّني ... بغَرزِ الذي يُنجي من الموتِ مُعْصِمُ
أُوايلُ بالدِّ الذَّليقِ وحثَّني ... لدَى المتنِ مَشْبوحُ الذِّراعينِ خَلجَمُ
تقول ابنتي، لمَّا رأتني عشيةً: ... سلمتَ وما إنْ كِدْتَ بالأمس تَسلمُ
ولولا دِراكُ الشدِّ آضَتْ حَليلَتي ... تخيَّرُ من خُطَّابها وهيَ أُيِّمُ
وكِيدَ ضِباعُ القُفِّ يأكلْنَ جُثَّتي ... وكيدَ خِراشٌ يومَ ذلك يَيْتِمُ
وكان جميلُ بن معمر الجمحيُّ قد قَتل أخاهُ زُهيراً المعروف بالعَجْوة يوم فتح مكة مُسلماً، قاله محمدُ بن يزيد. وقيل: كان زهير ابن عمِّه، قاله أبو عبيدة. ذكر ابنُ هشام قال: حدثني أبو عبيدةَ قال: أُسر زهيرُ بن العجوةِ الهُذليُّ يوم حُنينٍ وكُتِفَ. فرآه جميلُ بن معمر فقال: أأنتَ الماشي لنا بالمغائظ؟ فضرب عنقه. فقال أبو خِراش الهذليُّ يرثيه، وكان ابن عمِّه. قال محمدُ بن يزيد: وكان جميلُ يومئذٍ مأسوراً، وجميلٌ يومئذٍ مُسلم. ففي ذلك يقول أبو خِراشٍ:
стр. 222
فجَّعَ أضيافي جميلُ بن معمر ... بذي فَجَرٍ تأوى إليه الأراملُ
طويلُ نجادِ السَّيف ليس بحَيْدرٍ ... إذا اهتزًّ واسترختْ عليه المحامِلُ
إلى بيتهِ يأوي الغريبُ إذا شَتا ومُهتَلِكُ ... بالي الدَّريسينِ عائلُ
تَكادُ يداهُ تُسْلمانِ رِداءهُ ... من الجودِ لمَّا اسْتَقبلتْهُ الشمائلُ
فأُقِسمُ لو لاقيتهُ غير مُوثَقٍ ... لآبَكَ بالجِزع الضِّباعُ النواهلُ
وإنَّكَ لوْ واجهتهُ أو لَقييتَهُ ... فنازَلْتَهُ أو كنت ممَّن يُنازِلُ
لكنتَ جميلٌ أسوأَ الناس صَرعةً ... ولكنَّ أقران الظُّهورِ مَقاتِلُ
فليسَ كعهدِ الدارِ يا أُمَّ مالكٍ ... ولكن أحاطت بالرقابِ السلاسلُ
وعادَ الفتى كالكهل ليس بقائلٍ سوى الحِّق شيئاً فاستراح العواذلُ
قوله: أحاطت بالرقاب السلاسلُ: يقول جاء الإسلامُ فمَنَع من طَلب الأوتار
стр. 223
إلا بحقِّها. وممِّا يُستَحْسنُ لأبي خِراشٍ الهُذَليِّ، وهو أحدُ حكماء العرب، قولُه يرثى أخاهُ عَروة:
لعمري لقد راعت أُميمة طلعتي ... وإنَّ ثَوائي عندها لقليلُ
تقول: أراهُ بعد عروة لاهياً ... وذلك رُزءٌ لو علمت جليلُ
فلا تَحسِبي أني تناسَيتُ عهدَهُ ... ولكنَّ صَبري ياأُميمَ جميلُ
ألم تَعلمي أنْ قد تفرَّق قبلَنا ... خَليلا صفاء: مالكُ وعَقيلُ
أبي الصبرُ أني لا يزالُ يُهيجُني ... مَبيت لنا فيما خَلا ومَقِيلُ
وأَني إذا ما الصبحُ آنستُ ضوءه ... يُعاوِدُني قِطعٌ عليَّ ثَقيلُ
قال أبو الحسن عليُّ بن سليمان الأخفش: مالك وعقيل اللذان ذكرهما نَدْمانا جَذيمة الأَبرش. وقصتُهما مع جذيمة مشهورة، وهما عَنى مُتمِّمُ بن نُويرةَ في آخر أشعاره التي رثى بها مالكاً أخاهُ، حيث يقول:
وكنّا كندْمانَيْ جَذيمةَ حِقبةً ... من الدهر حتى قيل: لن يَتَصدَّ " عا "
стр. 224
وقال أبو خراش يرثى أخاه عُروة،، أَبدع في ذلك: حَمِدتُ إلهي بعد عُروة إذ نجا خِراشٌ، وبعضُ الشرِّ أهونُ من بعضِ
فوالله لا أنسى قتيلاً رُزِئتُهُ ... بجانب قُوسَي ما مشيتُ على الأرض
بلى إنَّها تعفو الكلومُ وإنَّما ... تُوكِّلَ بالأَدنى وإنْ جلَّ ما يمضي
ولم أدرِ مَن أَلقى عليه رداءه ... على أنه قد سُلَّ عن ماجدٍ مَحضِ
قصة نهش الحية لأبي خِراش: حدَّث أبو بكر محمدُ بن الحسن بن دريدٍ قال: نا عبد ارحمن ابن أخي الأصمعي عن عمه قال: أسلم أبو خراش فحسُن إسلامه، ثم أتاه نفر من أهل اليمن، قدموا حُجاجاً، والماءُ منهم غير بعيد. فقال: يا بني عمِّ ما أمسى عندنا ماءٌ، ولكن هذه بُرمة وشاة، فرِدوا الماء، وكلوا شاتكم، ثم دَعوا بُرمتنا وقِربَتَنا على الماء حتى نأخذها. فقالوا: لا والله ما نحنُ بسائرين في ليلتنا هذه، وما نحن ببارحين حيث أمسينا. فلما رأى ذلك أبو خراش أخذ قِربته، وسعى نحو الماء تحت الليل حتى استسقى. ثم أقبل صادراً، فنهشتهُ حيةٌ قبل أن يصل إليهم. فأقبل مسرعاً حتى أعطاهم الماء وقال: اطبخوا شاتكم وكلوا. ولم يُعْلمْهُم ما أصابه. فباتوا على شاتهم يأكلون حتى أصبحوا، وأصبح أبو خراش في الموت، فلم يبرحوا حتى دفنوهُ. وقال وهو يموتُ في شعرٍ له:
لقد أَهلكتِ حيةَ بطنِ وادٍ ... على الإخوانِ ساقاً ذاتَ فَضل
стр. 225
فما تركتْ عَدوّاً بين بُصري ... إلى صنعاءَ يطلبهُ بذَخْلِ
فبلغ خبرُه عمر بن الخطاب، فغضبَ غضباً شديداً، وقال: لولا أن تكون سُبَّةً لأمرتُ أن لا يُضاف يمانٍ أبداً، ولكتبتُ يذلك إلى الآفاق. ثم كتب إلى عامله باليمن أن يأخذ النفرَ الذين نزلوا على أبي خِراشٍ الهُذليِّ، فيُغْرِمَهُم ديتَهُ، ويؤدِّبَهم بعد ذلك بعقوبةٍ يمَسُّهم جزاءً لِفِعلهم.
ومن هُذيل أبو كبير: واسمُهُ عامرُ بن الحِلس أحدُ بني سعد بن هُذيل، ثم أحدُ بني حُريْث، وهو جاهلي. ومن قوله مختار من قصيدة أَولُها:
أزُهير هَل عن شَيبةٍ منَ معدلِ ... أم لا سبيلَ إلى الشباب الأولِ
أمْ لا سبيل إلى الشبابِ، وذكرُهُ ... أَشهى إليَّ من الرَّحيقِ السلسلِ
ذهبَ الشبابُ وفات مني ما مضى ... ونَضا زُهيرَ كريهتي وتَبَطُّلي
وصَحوتُ عن ذكرِ الغواني وانتَهى ... عُمُري وأنكرْنَ الغداةَ تَقتُّلي
стр. 226
ومنها:
ولقد سَرَيتُ على الظلامِ بِمغشمٍ ... جَلدٍ من الفتيانِ غيرِ مُهَبَّلِ
ممَّن حَملنَ به وهنَّ عواقدٌ ... حُبُكَ النِّطاقِ فشبَّ غيرِ مُثقَّلِ
حَملتْ به في ليلةٍ مَزْؤودةٍ ... كَرْهاً، وعَقدُ نطاقِها لم يُحْلَلِ
فأتت به حُوشَ الفؤادِ مُبَطَّناً ... سُهُداً إذا ما نام ليلُ الهَوْجَلِ
ومُبرَّأ من كلِّ غُبَّرِ حَيْضةٍ ... وفَسادِ مُرضعةٍ وداء مُعْضِلِ
وإذا نَظرتَ إلى أسِرَّة وجههِ ... بَرقتْ كبرقِ العارضِ المُتَهلِّلِ
صَعبُ الكريهةِ لا يُرامُ جَنابُهُ ... ماضي العزيمةِ كالحسامِ المِفْصَلِ
يحمي الصِّحابَ إذا تكونُ عظيمةٌ ... وإذا همُ نزلوا فمأوى العُيَّلِ
стр. 227
ومنهم خُويلد بن مِطْحَل: أحد بني سهم بن معاوية بن تميم بن سعد بن هُذيل. وكان سيِّد هذيل. وابنُه مَعقلُ بن خُويلد من بعده، فأَطلقهم لهُ، فقال:
إمَّا صَرمتِ جديدَ الحبا ... لِ منَّا، وغيَّركِ الآشِبُ
فيارُبَّ حَيْرى جُماديةٍ ... تنزَّلَ فيها ندًى ساكبُ
ملكتُ سُراها إلى صُبْحها ... بشعثٍ، كأنهمُ حاصِبُ
لهُم عَدْوةٌ كانقصافِ الأَتِيْ ... يِ مَدَّ به الكَدِرُ اللاحِبُ
وسودِ الوُجوهِ جِعادِ اللَّحى ... ومِثْلُهمُ يَرْهبُ الراهبُ
أَتيتُ بأبنائكمْ منهمُ ... وليس معي منكمُ صاحبُ
وإني كما قالَ مُمْلي الكتا ... بِ في الرقِّ إذ خطَّهُ الكاتبُ
يَرى الحاضرُ الشاهدُ المطمئنُّ ... من الأمرِ ما لا يرى الغائبُ
ومن هذيل ثم من بني سهم بن معاوية بن تميم؛ رهط خُويلد بن مِطْحل أبو صخر الهذلي الشاعر: واسمه عبد الله بن سلمٍ السَّهميُّ، وهو من شعراء الدولة الأموية، وكان معتصباً لهم. وسجنه عبد الله بن الزبير حتى قُتل. فأطلقهُ عبد الملك بن مروان واحسن إليه. وهو القائلُ القصيدة التي أوَّلُها:
стр. 228
لِلَيلى بذات الجيش دارٌ عرفتُها ... وأخرى بذات البينِ آياتُها سَطرُ
ومنهم حُذيفة بن أنسٍ: أحد بني عامر الحرث بن تميم بن سعد بن هُذيل. وهو القائل يفخر بالشجاعة من قصيدةٍ:
نَشأنا بني حربٍ تَربَّتْ صغارُنا ... إذا هيَ تُمرَى بالسواعدِ دَرَّتِ
ونحملُ في الأبطالِ بِيضاً صوارماً ... إذا هيَ صابَتْ بالطَّوائف تَرَّتِ
وهل نحنُ إلا أهلُ دارٍ مُقيمةٍ ... بنعمانَ مَن عادتْ من الناسِ ضَرَّتِ
وله أيضاً يفخر بالشجاعة من قصيدةٍ:
وكنَّا أُناساً أَنْطقَتْنا سيوفُنا ... لنا في لقاءِ الموتِ جَدٌ وكوكبُ
بنو الحربِ أُرْضِعْنا بها مُقْمطِرَّةً ... فمَنْ يُلْقَ منَّا يُلقَ سِيدٌ مُدرَّبُ
فُرافِرةٌ أظفارُهُ مثلُ نابهِ ... فإنْ تُشْوِ نابٌ منهُ لا يُشْوِ مِخْلبُ
стр. 229
وله البيتُ المشهورُ من قصيدةٍ:
أخو الحربِ إنْ عضَّتْ به الحربُ عضَّها ... وإنْ سمَّرتْ عن ساقِها الحربُ شَمَّرا
ومنهم المُنتخِّل: واسمه مالك بن عمرو بن سُويد بن حَنَش بن خُناعةَ ابن عاريَّة بن صعصعة بن كعب بن طابخة بن لحيان بن هُذيل بن مُدركة. وقال حسان بن ثابت عنه: إنه أشعرُ هُذيل. ومن شعر المتنخِّل يرثى أخاهُ عُويْمراً، ويكنى أخا مالكٍ:
لَعَمرُكَ ما إنْ أبو مالكٍ ... بوانٍ، ولا بضعيفٍ قُواهْ
ولا بالألدِّ لهُ نازعٌ ... يُغادي أخاهُ إذا ما نَهاهْ
ولكنَّه هيِّنٌ ليِّنٌ ... كعاليةِ الرُّمح عَرْدٌ نَساهْ
إذا سُدْتَهُ سُدتَ مِطواعةً ... ومَهما وَكلتَ إليهِ كفاهْ
ألا مَن ينادي أبا مالكٍ: ... أفي أمرِنا هو أم في سِواهْ؟
أبو مالكٍ قاصِرٌ فَقرَهُ ... على نفسهِ ومُشِيعٌ غِناهْ
ومن هذيلٍ أمية بن أبي عائذٍ: وهو القائلُ من قصيدةٍ طويلة يصف الخيال:
стр. 230
خيالٌ لزينبَ قد هاجَ لي ... نُكاساً منَ الحبِّ بعدَ انْدمالِ
تَسدَّى مع الليل تِمثالُها ... دُنُوَّ الضَّبابِ إلينا بِطَلٍّ زلالِ
فباتَ يُسائِلُنا في المنامِ ... فأَحببْ إلينا بذاكَ السُّؤالِ
يُثَنِّي التحيةَ بعدَ السَّلا ... مِ ثمَّ يُغَدِّي بعضمٍّ وخالِ
إلى اللهِ أشكو الذي قد أرى ... منَ النائباتِ بعافٍ وعالِ
وإطلالَ هذا الزمانِ الذي ... تَبدَّلَ بالناسِ حالاً بحالِ
ومنهم ساعدة بن جُؤَيَّةَ: أحدُ بني كعب بن كاهل بن الحرث بن تميم ابن سعد بن هُذيل، وكان جاهلياً. وله من قصيدةٍ طويلة يصف الرماح:
فَتعاورُوا ضرباً وأُشرِعَ بينهمْ ... أَسلاتُ ما ضاعَ القُيونُ ورَكَّبُوا
من كلِّ أظمأَ عاتِرٍ لا شانَهُ ... قِصَرٌ، ولا راشَ الكعوبَ مُعلَّبُ
خَرِقٌ منَ الخطِّيِّ أُغمضَ حدُّهُ ... مثل الشهابِ، رفعْتَهُ، يَتلهَّبُ
ممَّا يُترَّصُ في الثِّقافِ يَزِينُهُ ... أَخْذى كخافيةِ العُقابِ مُجرَّبُ
стр. 231
لذَّ بِهَرِّ الكفِّ يَعسِلُ مَتنُهُ ... فيه كما عَسلَ الطريقَ الثَّعلبُ
ومنهم البُرَيق: واسمه عِياض بن خُويلد الخُناعيُّ. وخُناعةُ: هو ابن سعد بن هُذيل. وكان عمر أرسل البُريق في جُملة مَن أرسَل لاستفتاح مصر. ومن قوله:
رَفعتُ بني حواءَ إذ مالَ عَرشُهمْ ... وذلك منى في صريمٍ مُضلَّلُ
جَزَتْني بنو لِحْيانَ حَقنَ دمائهمْ ... جزاءَ سِنمَّارٍ بما كان يفعلُ
وكان من حديث سِنمَّار، فيما يحكيه العلماء أنه كان بنَّاء مُجيداً، وهو من الروم. فبنى الخورنق الذي بظهر الكوفة للنعمان بن امرئ القيس. فلما نظر إليه النعمانُ كره أن يعمل مثله لغيره، فألقاه من أعلى الخورنق، فخرَّ ميتاً. وفيه يقول القائل:
جَزَتْنا بنو سعدٍ لحسنِ فَعالِنا ... جزاءَ سِنمَّارٍ، وما كان ذا ذنبِ
قال هذا أبو عبيدٍ في الأمثال.
ومن هذيل أبو قِلابَةَ: وهو القائلُ في آخر قصيدةٍ:
стр. 232
إنَّ الرشادَ وإنَّ الغَيَّ في قَرنٍ ... بكلِّ ذلك يأتيك الجديدان
لا تأمننَّ وإنْ أصبحتَ في حَرَمٍ ... إنَّ المنايا بِجَنْبَيْ كلِّ إنسانِ
ولا تقولونْ لشيء: سوف أفعلُهُ ... حتى تَبيَّنَ ما يَمْنى لكَ الماني
ومنهم أبو العيال: وكان مسلماً. ومن قوله يرثى أبن عمٍّ له قُتل بالروم زمنَ معاويةَ من قصيدةٍ طويلةٍ:
ذكرتُ أخي فعاوَدَني ... صُداعُ الرأسِ والوصبُ
كما يعتادُ ذاتَ البَوْقِ ... وبعد سُلُوِّها الطربُ
فدمعُ العينِ من بُرَحا ... ءِ ما في القلبِ يَنسكبُ
على عبد بنِ زُهرةَ طُو ... لَ هذا الليلِ أكتئبُ
أخٌ لي دونَ مَن لي ... من بني عمٍّ ولو قَرُبوا
طَوى مَن كان ذا نَسبٍ ... إليَّ وزادَهُ نَسَبُ
أبو الأيتامِ والأَضْيا ... فِ ساعةَ لا يعدُّ أبُ
لهُ في كلِّ ما رفع ال ... فَتى من صالحٍ سببُ
стр. 233
وقال أبو العيال، وكان حُصر ببلادِ الروم، فكتب إلى معاوية كتاباً نظمه شعراً. فقرأ على الناس:
مَن أبي العيال أخي هذيل فاعرفوا ... قولي، ولا تَتَجَمْجَموا ما أُرسِلُ
أَبلغْ معاويةَ بن صَخر آيةً ... يَهوى إليكَ بها البريدُ المُعْجَلُ
والمرءَ عمراً فاتهِ بصحيفةٍ ... أَزرَى بنا في قَسمهِ إذ يعدِلُ
وإلى ألى الأحلامِ حيثُ لقيتَهُمْ ... حيثُ البقيةُ والكتابُ المُنْزَلُ
إنا لقينا بعدكُم بديارنا ... من جانَبَ الأمراجَ يوماً نُسألُ
أمراً تضيقُ به الصدورُ ودونَهُ ... مُهَجُ النفوسِ وليس عنه مَعدِلُ
في كلِّ مُعتركٍ يُرى منّا فتى ... يَهوى كعزلاءِ المَزَادةِ تُزْغِلُ
стр. 234
أو سيِّدٌ كهلٌ تَمورُ دماؤهُ ... أو جانحٌ في صدرِ رْمحٍ يَسْعُلُ
وتجرَّدتْ حربٌ يكونُ حِلابُها ... عَلَقاً ويَمْرِيها الغَوِيُّ المُبْطِلُ
فتَرى النِّبالَ تَعيرُ في أقطارِنا ... شُمُساً كأنَّ نِصالَهُنَّ السُّنْبُلُ
وترى الرماحَ كأنما هي بَيْنَنا ... أَشطانُ بئرٍ يُوغِلون ونُوغِلْ
ومن هذيل قِرد: وكان مشهورا بالزِّنى والعهارة. وفيه كانت العربُ تقول: " أَزنى من قِرْد ". قال الشاعر:
تُعير بني هذيل داءَ قِرْدٍ ... وهمْ كانوا بذاك الداءِ أولى
فأَرْخوا سِترَ عارِكمُ عليكمْ ... فإنكم بذاكَ العارِ أخْزَى
واسمُ قردٍ عُميرُ بن معاوية بن تميم بن سعد بن هذيل.
ومن بني لِحْيانَ بن هذيل أبو عزة الهُذَليُّ: واسمُه يسار بن عبد. وقيل: ابن عبد الله. وقيل: ابن عمرو ... روى عن النبي ﷺ : " إذا أراد اللهُ قبضَ روح عبدٍ بأرضٍ جعل له إليها حاجةً ".
ومن بني لحيان النفَر الغادرون مع عَضل والقارة بأصحاب الرَّجيع الستة: مَرْثَد بن أبي مَرْثَد الغَنَويِّ، وهو أمير الستة، وخُبيب بن عديٍّ، وعاصم بن ثابت
стр. 235
بن أبي الأفلح، وهما من بني عمرو بن عوفٍ من الأوس، وزيد بن الدَّثنة من بني بياضة بن عامر من الخزرج، وخالد بن البُكير الليثي، حليف بني عدي بن كعب بن لؤي، وعبد الله بن طارق حليف بني ظَفر من الأوس. والخبرُ بذلك صحيح مشهور. وقال حسان بن ثابت يهجو بني لحيان من هُذيل لغَدرهم بأصحاب الرجيع:
إنْ سرَّك الغَدرُ صِرفاً لا مِزاجَ له ... فَأْتِ الرَّجيعَ فسلْ عن دارِ لِحيانِ
قومٌ تَواصَوا بأَكل الجارِ بينهُمُ ... فالكلبُ والقردُ والإنسانُ مِثلانِ
لو يَنطقُ التَّيسُ يوماً قامَ يَخطُبُهمْ ... وكان ذا شَرفٍ فيهمْ وذا شانِ
وقال حسان أيضا يهجو هذيلاً:
سَألتْ هذيل رسول اللهِ فاحشةً ... ضلَّتْ هذيلٌ بما سَاْلتْ ولم تُصِبِ
سالوا رسولهُمُ ما ليس مُعْطِيَهُمْ ... حتى المماتِ، وكانوا سُبَّةَ العربِ
ولن تَرى لهُذيلٍ داعياً أبداً ... يدعو لمكْرُمةٍ عن منزلِ الحَسَبِ
стр. 236
لقد أرادو خِلالَ الفُحشِ وَيحهُمُ ... وأن يُحلُّوا حَراماً كان في الكتُبِ
وكانوا سألوا رسول الله أن يُبيح لهم الزِّنى.
وقال أيضاً يهجوهم:
لَعَمري لقد شانَتْ هُذيلَ بنَ مُدركٍ ... أحاديثُ كانت في خُبيبٍ وعاصمِ
أحاديثُ لِحْيان صَلُوا بِقبيحها ... ولحيان جَرَّامونَ شرَّ الجرائمِ
وهمُ غَدروا يوم الرَّجيعِ وأَسلمتْ ... أمانَتُهم ذا عِفَّةٍ ومَكارم
رسولَ رسولِ اللهِ غَدراً ولم تكنْ ... هُذيلٌ تَوَقَّى مُنكَراتِ المَحارمِ
قُبيَّلةٌ ليس الوفاءَ بهمِّهمْ ... وإنْ ظُلموا لم يدفَعوا كفَّ ظالمِ
مَحلُّهمُ دارُ البَوارِ ورأيُهمْ ... إذا نابَهُمْ أمرٌ كرأيِ البَهائمِ
ومن بني لحيان أسامةُ بن عمير: من أنفُس هذيل. له صحبة ورواية. وهو والد أبي المليح الهُذليِّ، واسم أبي المليح عامرُ بن أسامةَ. ويقال: زيد بن أُسامة. ولم يرو عن أسامة غيرُ ابنه أبي المليح من حديثه عن النبي عليه السلام
стр. 237
في سفر حُنين: فأصبنا مطر لم يَبُلَّ أسافل نعالنا. فنادى مُنادي رسول الله ﷺ أن صلُّوا في رحالكم.
ومن هُذيل حمل بن مالك بن النابغة: وهو المذكور في حديث المرأتين اللتين اقتتلتا من هذيل. مسلم عن أبي هُريرة فال: اقتتلت امرأتان من هذيل، فرمَت إحداهما الأخرى بحجر فقتلها وما في بطنها. فاختصموا إلى رسول الله ﷺ . فقضى رسول الله ﷺ أن دية جَنينها غُرةٌ عبداً ووليدةً. وقضى بدية المرأة على عاقلتها. وورثها ولدها ومن معهم. فقال حملُ بن النابغة الهذليُّ: يا رسول الله، كيف أغْرِم من لا شَرب ولا أكل ولا نطق ولا استهلَّ؟ فمثل ذلك بطَلَ. فقال رسول الله ﷺ : " إنما هذا من إخوانِ الكهَّان من أجل سجعهِ الذي سجع ". واسمُ إحدى المرأتين اللتين اقتتلتا من هذيل مُليكة بنت عُويمر، والأخرى أم غُطيف، روى ذلك عكرمة عن ابن عباس.
ومن هُذيل أبو سَبرة سالم بن سَلَمة: روى عن عبد الله بن عمرو، وروى عنه عبد الله بن بُريدة، وجعله خليفةُ بن خيَّاطٍ في الطبقة الأولى ممَّن حُفظ عنه الحديث من أهل البصرة بعد الصحابة. ورفع نسبة فقال: ومن هذيل ابن مُدركة بن الياس بن مُضر أبو سبرة واسمه سالمُ بن سلمة بن نوفل بن عبد العُزَّى بن أبي نصر بن جُهينة بن مطرود بن مازن بن عمرو بن الحرث بن تميم بن سعد بن هُذيل بن مدركة. وقال مسلم: أبو سبرة سالم بن سَبرة، ووَهِم في ذلك. واتَّفق البخاريُّ وابنُ أبي حاتم على أنه أبو سبرة سالم بن سلمة كما قال خليفة بن خياط.
ومن هذيل أبو عبد الله مُسلم بن جُندب الهذليُّ: القاصُّ، أحدُ أشياخ نافع بن أبي نُعيم المدني في القراءة. وأخذ مسلم القراءة عن أبي هريرة وابن عباس وعبد الله بن أبي ربيعة عن أبيِّ بن كعبٍ عن النبي ﷺ .
стр. 238
الياس بن مُضر: أمُّه الرَّبابُ بنت حيدرة بن مَعدِّ بن عدنان. وفي سيرة ابن إسحاق: أمُّه سودة بنت عكِّ بن عدنان. وذكر الواقديُّ أنه كان يَسمع في صُلبه تَلبية النبي ﵇ بالحج. وذكر الزبير بن بكَّار أن إلياس أول من أهدى البدنَ إلى البيت. قيل في اسمه الياسُ ضدُّ الرجاء، وعليه اكثر النُّسَّاب. واستشهدوا بقول قُصيِّ بن كلاب:
إني لدى الحربِ رَخِيُّ اللَّببِ
أُمَّهَتي خِندِفُ واليأسُ أبي
وقال أبو بكر بن الأنباري: هو إلياس المذكور في القرآن. وإلياس الذي ذكر الله في القرآن قال ابن قُتيبةَ في " المعارف " وقاله غيره: هو من سبط يوشع بن نون، بعثه الله إلى أهل بعلبكَّ، وكانوا يعبدون صنماً يقال له " بعل " وفيه قال الله:) أتدعون بعلاً وتَذَرونَ أحسنَ الخالقين؟ (.
قال المؤلف، وفقه الله: ويوشعُ بن نون هو ابنُ أفْراييم بن يوسف بن يعقوب، وهو فتى موسى وقال الفقيهُ الكاتب المحدِّث أبو عبد الله محمدُ بن أبي الخصال في قصيدته الكبيرة التي سمَّاها بمنهاج المناقب ومعراج الحسب الثاقب: إن إلياس بن مُضر هو المذكور في القرآن. ونصُّ ذكر إلياس في القصيدة:
وإلياسُ مأوى الناس في كل أزمةٍ ... ومَهربهُم في كلِّ خوفٍ ومَرهَبِ
وحين دَعَوا بعْلاً ضَلالاً وجُرأة ... على ربِّهم فاسْتَعْتبوا كلَّ مَعتَبِ
وجاءهُم بالركنِ بعدَ هلاكهِ ... وقد كان في صَدْعٍ من الأرضِ أَنكَبِ
стр. 239
وحَجَّ وأهدى البُدْنَ أوَّل مَشعِرٍ ... لها، وفُروض الحج لم تَتَرتَّبِ
ولم يقل ما قال رحمه اله إلا عن معرفة ونظر في كتب التواريخ. وقد ذكر ما ذكر الزبير بن البكار أن إلياس أول من أهدى البُدن الى البيت. وقد أجاد فيما نظمه في هذه القصيدة من مناقب وانساب حررها وحبرها، نفعه الله بها، وجعلها له ليوم الفزع الأكبر وامنا آمين.
وولد إلياس مُدركة وولده عامر، وقد تقدم ذكره، وطابخةَ واسمه عمرو، وقمعة واسمه عمير.
فولدت طابخةُ أُداً، وعَمراً، وعبد مناة، ومُراً. فولد أُدٌّ ضبَّة، وهي جمرة من جمرات العرب.
وولد ضبة سعداً، وسعيدا، وباسلا. فأما باسل فهو ابو الَّديلم. وقُتل سعيد ولا عقب له. قال المفضل بن محمد الضبي الراوية: إن ضبة بم أُدَّ كان له ابنان: سَعيد وسُعيد، فخرجا في طلب ابل لهما، فرجع سعد ولم يرجع سعيد. فكان ضبة كلما رأى شخصا مقبلا قال: " أسعد أم سعيد؟ ". فذهبت كلمته هذه مثلاً. قال: ثم ان ضبة بينما هو يسير، ومعه الحرث بن كعب، في الشهر الحرام إذ اتيا على مكان. فقال الحرث لضبة: أترى هذا الموضع؟ فإني لقيت فيه فتى، وأخذت منه هذا السيف. فإذا هي صفة سُعيدٍ ابنه. فقال له أرني السيف أنظر إليه. فناوله، فعرفه ضبة. فقال عندها: " إن الحديث ذو شجونٍ ". فذهبت كلمته الثانية مثلا. ثم ضرب به الحرث حتى قتله. قال: فلامه الناس في ذلك، وقالوا: أتقتل في الشهر الحرام! فقال: " سبق السيف العذَلَ ". فذهبت هذه الثالثة مثلا.
قال: وفيه يقول الفرزدقُ:
стр. 240
فلا تأمنَنّ َالحربَ إنَّ اسْتِعارَها ... كضبَّةَ إذ قال: الحديثُ شُجُونُ
وضبة كلها ترجع الى سعد بن ضبة. وفي سعد بطون كثيرة. والشرف منها في كعب بن بحالة. وهو بيت ضبة كلها؛ منهم: ضرار بن عَمرو، وهو القائل: " مَن سرَّرهُ بنوهُ ساءته نفسه ". وولد له ثلاثة عشر ذكرا.
ومن بني المنذر بن ضرار بن عمرو هذا أبو شُبرمة عبد الله بن شُبرمة: ولد سنة اثنتين وسبعين من الهجرة. وهو كوفي، تفقه بالشعبي، وروى عنه وعن أبي زُرعةَ هرمُ بن عمرو بن جرير البجليِّ. ومات سنة أربع وأربعين ومئة. قال حماد بن زيدٍ: ما رأيت كوفيا أفقه من ابن شُبْرمةَ. وقان قاضياً لأبي جعفر على سواد الكوفة، وكان شاعرا، حسن الخلق جواداً ربما كسا حتى يبيت في ثيابه. وله ابنا أخ يقال لهما: عمارة ويزيد ابنا القعقاع بن شُبرمة، وقد روي عنهما. وكان ابن شبرمة يقول لابنه: يابني لا تُمكن السفلة من نفسك، فإن أجرأَ الناس على السباع أكثرهم لها مُعاينةً.
وفي ضبة من الصحابة سلمان بن عامر بن أوس بن حجر بن عمرو بن الحرث بن تميم بن ذهل بن مالك بن بكر بن سعد بن ضبة بن أُدٍّ: سكن البصرة، وكان له دار بمقربة من الجامع بها. وله رواية عنالنبي ﵇. روى عنه محمد بن سيرين والَّبابُ بنت صُليع بنت أخى سلمان بن عامر. البخاري عن محمد بن سيرين قال: حدثنا سلمان بن عامر الضبي قال: " سمعتُ....... مع الغلام عقيقته فأهريقوا عنه دَما، وأميطوا عنه الأذى ".
وعتّاب بن شُمَير: روى عنه ابنه مُجمِّعُ بن عتاب. قال ابن ابي خَيثمة: وقد روى عن النبي ﵇ من بني ضبة عتّابُ بن شُمير. روى أبو نُعيم ويحيى الحِمَّانُّي قالا: نا عبد الصمد بن جابر بن ربيعة الضبي قال: نا مجمَّعُ بن عتاب بن شُمير عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله إن أبي شيخ كبير، ولي إخوة فإذهب اليهم، لعلهم يُسْلمونَ، فآتيكَ بهم فقال النبي ﵇: " إن هم أسلموا فهو خيرٌ لهم، وإن أبوا فإن الإسلام واسع عريض ". ويقال: إنه لم يرو عن النبي ﵇ من ضبة غير عتَّاب بن شمير وسلمان بن عامر.
стр. 241
ومن ضبة ثم من بني صُباح عبد الله بن زيد بن صفوان بن صُباح الصُّباحيُّ. وصُباح: هو ابن ظريف بن زيد بن عمرو بن عامر بن ربيعة بن كعب بن ربيعة بن ثعلبة بن سعد بن ضبة. وفد على النبي ﷺ وسماه عبد الله، ولم يرو عنه شيئاً. ونسبه ابن الكلبي ومحمد بن حبيب. وقال وسيم بن عمرو بن ضرار: شهد يوم الجمل مع عائشة. ذكر ذلك الطبري في تايخه الكبير عن المفضَّل بن محمد الضَّبيَّ الراوية عن عدي بن أبي عدي، عن أبي رجاء العُطاردي قال: إني لأنظر إلى رجل يوم الجمل، وهو يقلب سيفاً بيده كأنه مِخراقٌ، وهو يقول:
نحن بنو ضبةَ أصحابُ الجملْ
ننازلُ الموتَ إذا الموتُ نَزَلْ
والموتُ أَشهى عندنا من العسلْ
نَنْعى ابنَ عفانَ بأَطرافِ الأَسَلْ
ردُّوا علينا شيخَنا ثمَّ بَخَلْ
قال المفضل: الرجل هو وسيم بن عمرو بن ضرار الضبي. قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: قُتل يوم الجمل مع عائشة من بني ضبة ألف ومئة رجل ما منهم من يتحرك من مكانه.
ومنهم عُميرُ بن الأَهْلب: قتل يوم الجمل مع عائشة ذكره الطبري أيضاً في تريخه فقال: حدثنا بن محمد قال: نا رَوْحُ بن عبادة قال: نا عوف عن أبي رجاء قال: رأيت رجلاً قد اصطُلمتْ أذنُه. قلت: خِلقةٌ أم شيء أصابك؟ قال: أحدثك بينا أنا أمشي بين القتلى يوم الجمل، فإذا رجل يفحص برجله وهو يقول:
لقد أَوْرَدَتْنا حَومةُ الموتِ أمُّنا ... فلم ننصرفْ إلا ونحن رِواء
стр. 242
أطعنا قريشاً ضِلَّةْ مِن حُلومِنا ... ونُصرُتنا أهلَ الحجازِ عَناءُ
قال: قلت: يا عبد الله، قل: لا إله إلا الله. قال: ادنُ مني ولقِّنِّي، فإن في أُذني وقرٌ. قال: فدنوت منه، فقال لي: مَم أنت؟ قلت: رجل من أهل الكوفة. قال: فوثَب عليَّ فاصطلم أذني كما ترى. ثم قال: إذا لقيت أمك فأخبرها أن عمير بن الأهلب فعل بك هذا.
عباسُ بن محمد الذي روى عنه الطبري هذا الخبر مُشافهةً هو أبو الفضل الدُّوريُّ صاحب ابن معينٍ: قال النسائي: هو ثقة. وقال أبو حاتم: هو صَدوق. ورَوحٌ الذي روى عنه عباس الدوري هو روح بن عبادة القيسي أبو محمد، روى عن الأئمة: مالكٍ والثوري وشعْبةَ. وروى أيضاً عن سعيد بن أبي عروبة وابن جُريج. وعوفٌ الذي روى عنه رَوح هو أبو سهل عوف بن أبي جميلة الأَعرابي. سمع الحسن وابن سيرين وأبا رجاءٍ. روى عنه حمادُ بن سلمة وشعبة ويحيى القطان وأبو رجاء الذي روى عنه عوف الأعرابي هو العطاردي التميميُّ. ويأني ذكره بعد هذا في تميم إن شاء الله.
ويروي ايضا عباس الدوري عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن يزيد المُقرىءِ وأبي زكرياء يحيى بن أبي بُكير القاضي قاضي كَرْمانَ وغيرهم من الثقاتِ. وخرَّج عن عباس الدوري الترمذي كثيراً. وخرَّج ابنُ الجارود عنه حديثاً واحداً عن قُرادٍ أبي نوح في باب الخُلْع من)) المنتقى ((، رحم الله جميعهم ونفعهم ونفعنا بما صنَّفوهُ.
ومن ضبة ربيعة بم مَقْروم. وهو القائل في قصيدةٍ:
ودعَوا: نزالِ، فكنتُ أول نازلٍ ... وعلامَ أركبهُ إذا لم أنزِلِ؟
стр. 243
ومن ضبة شِظاظ: وفيه جرى مثل العرب " ألصُّ من شِظاظ ". وكان مشهوراً باللصوصوية.
ومن ضبة عاصم بن خليفة بن معقل: قاتلُ بَسطامَ بن قيس الشيباني.
وبسطام: هو فارس بكر بن وائل وابنُ سيِّدها. وقُتل بالحسنِ، وهو حبل رملٍ. وأسلم عاصم بن خليفة أيام عثمان بن عفان، فكان يقف ببابه، فيستأذن، فيقول: عاصم بن خليفة قاتلُ بسطام بن قيس بالباب. وكان سببُ قتله بسطام أن بسطام بن قيس أغار على بني ضبةَّ، وكان معه حازٍ يحزو له. قال أبو احسن الأخفش: حاز: زاجر. فقال بسطام إني سمعت في النوم قائلاً:
الدلوُ تأتي الغَرَبَ المَزِلَّةْ
فقال الحازمي: أفلا قلت:
ثم تعود بادِناً مُبتلَّهْ
قال: ما قلت: فاكتسح إبلهم، فتناوا واتبعوه. ونظرت أمُّ عاصمٍ إليه وهو يقع حديدةً له أي يحدُّها. والمِقَعةُ: المِطرقةُ. فقالت: ما تصنعُ بهذهِ؟ وكان عاصم منغوصاً. فقال: أقتلُ بها بسطام بن قيس، فنهرتْه وقالت له: اسْتُ أمِّك أضيق من ذلك. فنظر إلى فرسٍ لعمِّه موثقةٍ إلى شجرةٍ، فاغزوراها، أي ركبها عُرْياً، ثن أقبل بها الريح. فنظر بِسطامٌ إلى الخيل وقد لحقته. فجعل يطعن الإبلَ في أعجازها. فصاحت به بنو ضبة: ما هذا السَّفهُ يا بسطام؟ دعها، إما لنا وإما لك. فانحطَّ عليه عاصم، فطعنه، فرمى به على ألاءةٍ، وهي شجرة ليست بعظيمة.
وكان بِسطامُ نَصرانياً، وكان قتُله بعدَ مبعث النبي ﷺ .
стр. 244
فأراد أخوه الرجوع إلى القوم، فصاح بسطامُ: أنا حنيفٌ إن رَجعتَ. ففي ذلك يقول ابنُ غَنوةَ الضَّبيُّ، وكان نازلاً فب بني شيبان، فخرَّ الألاءة، ولم يوسَّد، كأنه جبينه سيف صَقيل.
ولما قُتل بسطام بن قيس لم يبت في بكر بن وائل بيت إلا هُجم أي هُدم.
ومن ولد ضرار بن عمرو الضبي زيد الفوارس: وهو زيد بن الحصين بن ضرار. وإياه أراد الفرزدق في قصيدة له طويلة، يناقض فيها جريراً:
زيدُ الفوارس وابنُ زيدٍ منهمُ ... وأبو قَبيصةَ والرئيسُ الأوَّلُ كامل
أبو قبيصة هو ضرار بن عمرو جدُّ زيد الفوارس. والرئيس الأول هو مُحَلَّمُ ابن سويد الضبي، ربَعَ ضبة وتميماً والِّرباب.
ومن ضبة حُبيشُ بن دُلَف: أحد العظيمي الفداءِ من العرب. أُسر يوم القَرنين، ففدى نفسه بأربعمئة بعير وبغيهب فحل إبل. وأسر حُبيش عمرو إبن الحرث بن أبي شَميرٍ الغسَّانيَّ، فجزَّ ناصيته، واشترط عليه أن يبعث إليه في كل سنة بحباء حتى يموت. وإياه يعنى الفرزدق أيضاً في القصيدة التي ذكر فيها زيد الفوارس:
يابنَ المَراغةِ أينَ خالُكَ؟ إنني ... خالى حُبيشٌ ذو الفَعالِ الأطولُ
стр. 245
خالى الذى اغتصبُ الملوكَ نفوسَهم ... وإليهِ كان حِباءُ جفنةَ يُنقَلُ
قال المؤلف، وفقه الله: قوله: " وإليه كان حباءُ جفنةَ ينقل " يعني ما اشترط عمرو بن الحرث بن أبي شمر لحبيش على نفسه حين أطلقه. وهو من آل جفنة. وجفنة: هو ابن حارثة بن عمرو ومُزَيْقَيا بن عامر، وهو ماءُ السماء، وحارثةُ: أبو جفنة أبو خزاعة وأخو ثعلبة العنقاء أو الأنصار. وأبوه الحرث بن أبي شمر: هو الحرث الأعرج. وكان خير ملوك الغسانيين، وأيمنهم طائراً، وأبعدهم مُغاراً، وأشدهم مغارا، وأشدهم مكيدة. وأُمهُ مارية ذات القرطَين: وهي مارية بنت ظالم بن وهب بن الحرث بن معاوية الكندي، وإياها غنى حسان بقوله:
أولادُ جفنةَ حولَ قبر أبيهمُ ... قبرِ ابن ماريةَ الكريم المفْضلِ
وأخت مارية هند الهنود: امرأة حجر آكل المُرار الكندي وهو حجر بن عمرو بن الحرث بن معاوية بن ثور بن مُرتِّع بن معوية بن ثور بن عُفير. وكِندةُهم ولد ثور بن عُفير بن الحرث بن مرة بن أُد بن زيد بن يَشجُب بن عَريب ابن زيد بن كهْلان بن سبأ. وحُجرُ بن آكل المُرار هو جدُّ جدِّ امرىءِ القيس الشاعر.
وهو امرؤُ القيس بن حجر بن عمرو بن الحرث بن حجر آكل المرار بن عمرو. وفي عمود هذا النسب اختلاف بين النسَّاب في زيادة أسماء ونقصها. وفي الحرث بن أبي شَمر الأعرج. يقول علقمة بن عبدة، وقد أتاه في أُسارىمن تميم، وفي أخيه شأس بن عبدة، فأطلقهم له:
стр. 246
إلى الحارث الوهَّاب أعلمتُ ناقتي ... لِكلْكلِها والقُصرَبَيْنِ وَجِيبُ
وفي كلِّ حيٍّ قد خَبطتَ بنعمةٍ ... فحقَّ لشأسٍ منْ نَداكَ ذَنوبُ
فقال الحرث: نعم وأذْنَبَةٌ. وفي ابنه عمرو يقول النابغة حين صار إليه، وفارق النعمان بن المنذر:
عليَّ لعمرٍو نعمةٌ بعد نعمةٍ ... لوالدهِ ليست بذاتِ عقاربِ
وحَليمةُ بنت الحرث الأعرجي: هي التي فيها جرى المثل: " ما يومَ حليمة بيسرٍّ ".
وملك آل جفنة من غسان الشام ستمئة سنة إلى أن جاء الإسلام وعدة ملوكهم سبعة وثلاثون ملكاً.
ومن ضبة سلمة بن هَزالٍ الضبي أبو حَبروسٍ: سمع سعد الإسكاف. روى عنه مسلم بن إبراهيم ويحيى بن يحيى.
ومنهم أبو معاذ عُتبةُ بن حُميدٍ الضبيُّ: روى عن يحيى بن يزيد وأبي بشر. روى عنه أبو خيثمة وأبو معاوية وابن عيينة.
ومنهم المُغيرةُ بن مِقْسمٍ الضبِّي: مولى لهم. روى عن أبيه وإبراهيم النخعي. وروى أبوه مقسم عن النعمان بن بشير.
стр. 247
ومنهم جرير بن عبد الحميد الضَّبي: روى البخارى ومسلم عن رجل عنه كثيراً. وتوفي سنة ثمانٍ وثمانين ومئة، وهو ابن اثنين وثمانين سنة.
ومن موالى بني ضبة يونس بن حبيب: وكان صاحب غريب ونحو، وكان النحو أغلب عليه. ومات سنة اثنين وثمانين، وهو ابن ثمان وثمانين.
وولد عمرو بن أُدٍّ بن طابخة أوسأ وعثمان، وهما مُزينةُ: نُسا إلى أمها مُزيةَ بنت كلب بن وبرة، وإليها يُنسب كل مُزيني. غلب عليهم اسم أمهم مزية. وفي مزينة كثير من الصحابة مباركون. ويروى أنه قدم على رسول الله ﷺ من مزينة أربعمئةٍ منهم: قُرَّةُ بن إياسٍ جد إياس بن معاوية بن قُرة، وبلال بن الحرث.
قال ابو عبد البر أبو عمر في كتاب " الإنباه ": حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال: نا قاسم بن أصبغ، قال: نا أحمد بن زهير، قال: نا عمرو بن مرزوق، قال: نا شعبة عن أبي بشر عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : " مزينةُ وأسلمُ وجهينة وغِفار خيرٌ من بني تميم وأسدٍ وغطفان ومن بني عامر بن صعصعة ".
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال: نا قاسم بن أصبغ قال: نا محمد بن عبد السلام الخُشنى قال: نا محمد بن بشار قال: نا غُنْدر عن شعبة، عن سعد ابن إبراهيم قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن يحدث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " أسلمُ وغِفارٌ ومُزينةُ ". أو قال: " مَن كانَ من جهينة خيرٌ من بني تميم ومن بني عامر بن صعصعة ومن الحليفين: أسدٍ وغَطَفانَ ". قال أبو عمرَ: هذان الحديثان من حديث شعبة لا مَطْعَنَ لأحدٍ فيهما من جهة النقل. قال المؤلف، أصلحه الله: خرَّجهما مسلم عن شعبة في صحيحه.
وفي مزينة من الصحابة بنو مُقرِّن، وهم سبعة. روى منهم عن النبي ﵇ خمسةٌ: النعمان وسويد ومعقل وسنان وعقي. ومما يُصحح أنهم كانوا سبعة إخوة ما ذكره مسلم فقال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن عبد الله ابن نمير " واللفظ لأبي بكر " قالا: نا ابن ادريس عن حصين. عن هلال
стр. 248
ابن يساف قال: عَجِلَ شيخ فلطم خادماً له فقال له سويد بن مُقرِّن: عجز عليك إلا حُرُّ وجهها. لقد رأيتني سابع سبعة من بني مقرن مالنا إلا خادم، فلطمها أصغرُنا. فأمرنا رسول الله ﷺ أن نعتقها. وروى مسلم هذا الحديث من طرق. وروى عن سويد بن مقرن ابنه معاوية بن سويد وهلال بن يساف وأبو شعبة العراقي مولى سويد. وعِدادُ أبي شعبة العراقي في أهل الحجاز مذكور فيمن لا يعرف اسمه. ويكنى سويدٌ أبا عدي، وقيل يكنى أبا عمرو. وكان النعمان بن مقرِّن من فضلاء الصحابة وخيارهم، فتح نهاوند لعمر، وقتل يومئذ، وكان أمير الجيش. وقبره هناك بموضع يقال له الإسفيذهانُ، وقبر طليحة بن خويلد، وقبر عمرو بن معد يكرب، وقبور جماعة من المسلمين. وقيل إنَّ عمرو بن معد يكرب شهد فتح نهاوند، وقاتل يومئذ حتى كان الفتح، وأثبتته الجراحات، فحُمل فمات بقريةٍ من قرى نهاوند يقال لها " رَوْذه ". فقال بعض شعرائهم:
لقد غادرَ الركبانُ يومَ تَحملوا ... برَوذةَ شخصاً لا جَباناً ولا غُمْرا
فقُلْ لزُبيدٍ بل لمذْحِجَ كلِّها: ... رُزِيتم أبا ثَورٍ قَريعَكُمُ عَمْرا
ومعقِلُ بنُ المُقرِّن: هو أبو عمرة المزنيُّ. كذا قال ابن قتيبة في " المعارف "، وقال ابنُ عبد البر في " كتاب الصحابة ": يُكنى أبا عمرو. وكان مسكن معقل واخوته الكوفة. ويكنى عقيل من إخوة النعمان أبا حكيم. قال الواقدي: وممن نزل الكوفة من الصحابة عقيل بن مثقرِّن أبو حكيم. وقال البخاري: عقيل بن مقرن أبو الحكيم.
وكان النعمان بن مقرِّن صاحب لواء مزينة يوم الفتح. وكان رضي الله
стр. 249
عنه أول صريع بنهاوند. وكانت وقعت نهاوند سنة أحدى وعشرين. واستشهد يوم جمعة، وكان اللواء بيده. ولما جاء نعيه عمر الخطاب ﵁ خرج فنعاه للناس على المنبر، ووضع يده على رأسه يبكي. وقال يحيى بن معين: نا غُندَر عن شعبة، عن حُصين قال: قال عبد الله بن مسعود: إن للإٌيمان بيوتاً، وللنفاق بيوتاً. وإن بيت بني مقرن من بيوت الإيمان. روى عن النعمان بن مقرن من الصحابة معقل بن يسار وطائفة من التابعين.
ومن مزينة عمرو بن عوف بن زيد بن مُليحةَ، ملحة بن عمرو ابن بكر بن عثمان بن عمرو بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر. وكان أحد البكَّائين الذين قال الله فيهم:) تَولَّوا وأَعينُهم تفيضُ من الدمع ألاَّ يَجدوا ما يُنْفقون (. له منزل بالمدينة. ولا يعلم حيٌ من العرب لهم مجلس بالمدينة غير مُزينةَ.
ذكر البخاري عن اسماعيل بن أبي أويس عن كثير بن عبد الله بن عمرو ابن عوف المزني، عن أبيه، عن جده قال: كنا مع النبي ﷺ حين قدِم المدينة، فصلى نحو بيت المقدس سبعة عشر شهراً. سكن المدينة ومات بها في آخر خلافة معاوية. يكنى أبا عبد الله، كنَّاه الواقدي. مخرج حديثه عن ولده وهم ضعفاء عند أهل الحديث.
ومنهم قرَّةُ بن إياس بن رئاب: جد إلياس بن معاوية بن قرة الحكيم الزَّكِن، قاضي البصرة. ويقال له قرةُ بن الأغَر. حدَّث أبو بكر بن أبي شيبة: نا شبابةُ بن سوَّار عن شعبة، عن معاوية بن قرة، عن أبيه أنه أتى النبي ﷺ ، وقد حلبَ وصَرَّ.
وقرةُ هذا قتلة الأزارقة في زمن معاوية بن أبي سفيان. وكان مع ابنه معاوية في عسكرٍ فيه نحوٌ من عشرين ألفاً. بعثه معاوية وعلى العسكر عبد الرحمن بن عُتَيس بن كُرَيز القرشي العَبشمي. وهو ابن خال عثمان، فقتل عبد الرحمن، فقتله رأسُ الأزارقة نافع بن الأزرق، وقتل معه قُرةُ. وقتل يومئذ معاوية ابنه قاتل أبيه.
стр. 250
وسئل معاوية بن قرة عن ابنه إياس: كيف ابنك؟ فقال نِعمَ الابنُ؛ كفانى أمر دُنياي، وفرَّغني لآخرتي.
وروى معاوية بن قرة عن أبيه وأنس وعبد الله بن مُغَّفل. وروى عنه قتادة وشعبة. ويكنى إياس أبا وائلة. وكان صادق الظن، لطيفاً في الأمور، وكان لأمِّ ولدٍ. وله عقبٌ بالبصرة وغيرها. وروى إياس عن أبيه وعن أنس بن مالك. وروى عنه ابن عجلان وحمَّاد بن سلمة وشعبة أيضاً.
ومنهم عبد الله بن هلال: والد علقمة وبكر ابني عبد الله المزني، وهو أحد البكائين الذين نزلت فيهم: " ولا على الذينَ إذا ما أتوكَ لتحملهم قُلتَ: لا أجدُ ... وكانوا ستة نفر؛ أحدهم عبد الله هذا، والآخر عمرو بن عوف المزني وقد تقدم ذكره بعد بني مقرنٍ، وعُلبةُ بن زيد الحارثي الأنصاري، وسالم ابن عمير الأنصاري من بني عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس، وهرم بن عبد الله بني واقف بن امرىء القيس بن مالك بن الأوس، وعمرو بن عَثمةَ بن عدي الأنصاري من بني سلمة. وروى عن عبد الله بن هلال المزني ابنه علقمة سماعاً منه، وابن بريدة. وأما ابنه بكر فلم يرو عنه لصغره، وسمع ابن عمرو وأنساً. وروى عنه حًميد الطويل ومحمد بن سيف. وكانت أمُ بكر موسرة.
وكان بكر حسن اللباس جداً. وروى معتمر بن سليمان عن أبيه أنَّ بكر ابن عبد الله كانت قيمة كسوته أربعة آلاف درهم. وقال غيره: اشترى بكر طيلساناً بأربع مئة درهم فأراد الخياط ليقطعه، فذهب ليذُرَّ عليه تراباً لموضع القطع، فقال له بكر: لا تعجل. وأمر بكافور، فسحق ثم ذرَّهُ عليه. وما سنة ثمانٍ ومئة. وحضر الحسن جنازته. قال المبارك فضالة: كنا في جنازة بكر بن عبد الله المزني ومعنا الحسن، فازدحموا على السرير، فقال الحسن: على علمه ازدحموا.
следующие страницы →