Полный текст (811 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
إلى الحارث الوهَّاب أعلمتُ ناقتي ... لِكلْكلِها والقُصرَبَيْنِ وَجِيبُ
وفي كلِّ حيٍّ قد خَبطتَ بنعمةٍ ... فحقَّ لشأسٍ منْ نَداكَ ذَنوبُ
فقال الحرث: نعم وأذْنَبَةٌ. وفي ابنه عمرو يقول النابغة حين صار إليه، وفارق النعمان بن المنذر:
عليَّ لعمرٍو نعمةٌ بعد نعمةٍ ... لوالدهِ ليست بذاتِ عقاربِ
وحَليمةُ بنت الحرث الأعرجي: هي التي فيها جرى المثل: " ما يومَ حليمة بيسرٍّ ".
وملك آل جفنة من غسان الشام ستمئة سنة إلى أن جاء الإسلام وعدة ملوكهم سبعة وثلاثون ملكاً.
ومن ضبة سلمة بن هَزالٍ الضبي أبو حَبروسٍ: سمع سعد الإسكاف. روى عنه مسلم بن إبراهيم ويحيى بن يحيى.
ومنهم أبو معاذ عُتبةُ بن حُميدٍ الضبيُّ: روى عن يحيى بن يزيد وأبي بشر. روى عنه أبو خيثمة وأبو معاوية وابن عيينة.
ومنهم المُغيرةُ بن مِقْسمٍ الضبِّي: مولى لهم. روى عن أبيه وإبراهيم النخعي. وروى أبوه مقسم عن النعمان بن بشير.
стр. 247
ومنهم جرير بن عبد الحميد الضَّبي: روى البخارى ومسلم عن رجل عنه كثيراً. وتوفي سنة ثمانٍ وثمانين ومئة، وهو ابن اثنين وثمانين سنة.
ومن موالى بني ضبة يونس بن حبيب: وكان صاحب غريب ونحو، وكان النحو أغلب عليه. ومات سنة اثنين وثمانين، وهو ابن ثمان وثمانين.
وولد عمرو بن أُدٍّ بن طابخة أوسأ وعثمان، وهما مُزينةُ: نُسا إلى أمها مُزيةَ بنت كلب بن وبرة، وإليها يُنسب كل مُزيني. غلب عليهم اسم أمهم مزية. وفي مزينة كثير من الصحابة مباركون. ويروى أنه قدم على رسول الله ﷺ من مزينة أربعمئةٍ منهم: قُرَّةُ بن إياسٍ جد إياس بن معاوية بن قُرة، وبلال بن الحرث.
قال ابو عبد البر أبو عمر في كتاب " الإنباه ": حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال: نا قاسم بن أصبغ، قال: نا أحمد بن زهير، قال: نا عمرو بن مرزوق، قال: نا شعبة عن أبي بشر عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : " مزينةُ وأسلمُ وجهينة وغِفار خيرٌ من بني تميم وأسدٍ وغطفان ومن بني عامر بن صعصعة ".
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال: نا قاسم بن أصبغ قال: نا محمد بن عبد السلام الخُشنى قال: نا محمد بن بشار قال: نا غُنْدر عن شعبة، عن سعد ابن إبراهيم قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن يحدث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " أسلمُ وغِفارٌ ومُزينةُ ". أو قال: " مَن كانَ من جهينة خيرٌ من بني تميم ومن بني عامر بن صعصعة ومن الحليفين: أسدٍ وغَطَفانَ ". قال أبو عمرَ: هذان الحديثان من حديث شعبة لا مَطْعَنَ لأحدٍ فيهما من جهة النقل. قال المؤلف، أصلحه الله: خرَّجهما مسلم عن شعبة في صحيحه.
وفي مزينة من الصحابة بنو مُقرِّن، وهم سبعة. روى منهم عن النبي ﵇ خمسةٌ: النعمان وسويد ومعقل وسنان وعقي. ومما يُصحح أنهم كانوا سبعة إخوة ما ذكره مسلم فقال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن عبد الله ابن نمير " واللفظ لأبي بكر " قالا: نا ابن ادريس عن حصين. عن هلال
стр. 248
ابن يساف قال: عَجِلَ شيخ فلطم خادماً له فقال له سويد بن مُقرِّن: عجز عليك إلا حُرُّ وجهها. لقد رأيتني سابع سبعة من بني مقرن مالنا إلا خادم، فلطمها أصغرُنا. فأمرنا رسول الله ﷺ أن نعتقها. وروى مسلم هذا الحديث من طرق. وروى عن سويد بن مقرن ابنه معاوية بن سويد وهلال بن يساف وأبو شعبة العراقي مولى سويد. وعِدادُ أبي شعبة العراقي في أهل الحجاز مذكور فيمن لا يعرف اسمه. ويكنى سويدٌ أبا عدي، وقيل يكنى أبا عمرو. وكان النعمان بن مقرِّن من فضلاء الصحابة وخيارهم، فتح نهاوند لعمر، وقتل يومئذ، وكان أمير الجيش. وقبره هناك بموضع يقال له الإسفيذهانُ، وقبر طليحة بن خويلد، وقبر عمرو بن معد يكرب، وقبور جماعة من المسلمين. وقيل إنَّ عمرو بن معد يكرب شهد فتح نهاوند، وقاتل يومئذ حتى كان الفتح، وأثبتته الجراحات، فحُمل فمات بقريةٍ من قرى نهاوند يقال لها " رَوْذه ". فقال بعض شعرائهم:
لقد غادرَ الركبانُ يومَ تَحملوا ... برَوذةَ شخصاً لا جَباناً ولا غُمْرا
فقُلْ لزُبيدٍ بل لمذْحِجَ كلِّها: ... رُزِيتم أبا ثَورٍ قَريعَكُمُ عَمْرا
ومعقِلُ بنُ المُقرِّن: هو أبو عمرة المزنيُّ. كذا قال ابن قتيبة في " المعارف "، وقال ابنُ عبد البر في " كتاب الصحابة ": يُكنى أبا عمرو. وكان مسكن معقل واخوته الكوفة. ويكنى عقيل من إخوة النعمان أبا حكيم. قال الواقدي: وممن نزل الكوفة من الصحابة عقيل بن مثقرِّن أبو حكيم. وقال البخاري: عقيل بن مقرن أبو الحكيم.
وكان النعمان بن مقرِّن صاحب لواء مزينة يوم الفتح. وكان رضي الله
стр. 249
عنه أول صريع بنهاوند. وكانت وقعت نهاوند سنة أحدى وعشرين. واستشهد يوم جمعة، وكان اللواء بيده. ولما جاء نعيه عمر الخطاب ﵁ خرج فنعاه للناس على المنبر، ووضع يده على رأسه يبكي. وقال يحيى بن معين: نا غُندَر عن شعبة، عن حُصين قال: قال عبد الله بن مسعود: إن للإٌيمان بيوتاً، وللنفاق بيوتاً. وإن بيت بني مقرن من بيوت الإيمان. روى عن النعمان بن مقرن من الصحابة معقل بن يسار وطائفة من التابعين.
ومن مزينة عمرو بن عوف بن زيد بن مُليحةَ، ملحة بن عمرو ابن بكر بن عثمان بن عمرو بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر. وكان أحد البكَّائين الذين قال الله فيهم:) تَولَّوا وأَعينُهم تفيضُ من الدمع ألاَّ يَجدوا ما يُنْفقون (. له منزل بالمدينة. ولا يعلم حيٌ من العرب لهم مجلس بالمدينة غير مُزينةَ.
ذكر البخاري عن اسماعيل بن أبي أويس عن كثير بن عبد الله بن عمرو ابن عوف المزني، عن أبيه، عن جده قال: كنا مع النبي ﷺ حين قدِم المدينة، فصلى نحو بيت المقدس سبعة عشر شهراً. سكن المدينة ومات بها في آخر خلافة معاوية. يكنى أبا عبد الله، كنَّاه الواقدي. مخرج حديثه عن ولده وهم ضعفاء عند أهل الحديث.
ومنهم قرَّةُ بن إياس بن رئاب: جد إلياس بن معاوية بن قرة الحكيم الزَّكِن، قاضي البصرة. ويقال له قرةُ بن الأغَر. حدَّث أبو بكر بن أبي شيبة: نا شبابةُ بن سوَّار عن شعبة، عن معاوية بن قرة، عن أبيه أنه أتى النبي ﷺ ، وقد حلبَ وصَرَّ.
وقرةُ هذا قتلة الأزارقة في زمن معاوية بن أبي سفيان. وكان مع ابنه معاوية في عسكرٍ فيه نحوٌ من عشرين ألفاً. بعثه معاوية وعلى العسكر عبد الرحمن بن عُتَيس بن كُرَيز القرشي العَبشمي. وهو ابن خال عثمان، فقتل عبد الرحمن، فقتله رأسُ الأزارقة نافع بن الأزرق، وقتل معه قُرةُ. وقتل يومئذ معاوية ابنه قاتل أبيه.
стр. 250
وسئل معاوية بن قرة عن ابنه إياس: كيف ابنك؟ فقال نِعمَ الابنُ؛ كفانى أمر دُنياي، وفرَّغني لآخرتي.
وروى معاوية بن قرة عن أبيه وأنس وعبد الله بن مُغَّفل. وروى عنه قتادة وشعبة. ويكنى إياس أبا وائلة. وكان صادق الظن، لطيفاً في الأمور، وكان لأمِّ ولدٍ. وله عقبٌ بالبصرة وغيرها. وروى إياس عن أبيه وعن أنس بن مالك. وروى عنه ابن عجلان وحمَّاد بن سلمة وشعبة أيضاً.
ومنهم عبد الله بن هلال: والد علقمة وبكر ابني عبد الله المزني، وهو أحد البكائين الذين نزلت فيهم: " ولا على الذينَ إذا ما أتوكَ لتحملهم قُلتَ: لا أجدُ ... وكانوا ستة نفر؛ أحدهم عبد الله هذا، والآخر عمرو بن عوف المزني وقد تقدم ذكره بعد بني مقرنٍ، وعُلبةُ بن زيد الحارثي الأنصاري، وسالم ابن عمير الأنصاري من بني عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس، وهرم بن عبد الله بني واقف بن امرىء القيس بن مالك بن الأوس، وعمرو بن عَثمةَ بن عدي الأنصاري من بني سلمة. وروى عن عبد الله بن هلال المزني ابنه علقمة سماعاً منه، وابن بريدة. وأما ابنه بكر فلم يرو عنه لصغره، وسمع ابن عمرو وأنساً. وروى عنه حًميد الطويل ومحمد بن سيف. وكانت أمُ بكر موسرة.
وكان بكر حسن اللباس جداً. وروى معتمر بن سليمان عن أبيه أنَّ بكر ابن عبد الله كانت قيمة كسوته أربعة آلاف درهم. وقال غيره: اشترى بكر طيلساناً بأربع مئة درهم فأراد الخياط ليقطعه، فذهب ليذُرَّ عليه تراباً لموضع القطع، فقال له بكر: لا تعجل. وأمر بكافور، فسحق ثم ذرَّهُ عليه. وما سنة ثمانٍ ومئة. وحضر الحسن جنازته. قال المبارك فضالة: كنا في جنازة بكر بن عبد الله المزني ومعنا الحسن، فازدحموا على السرير، فقال الحسن: على علمه ازدحموا.
стр. 251
وكان بكر من جلَّة أهل البصرة، وكان يقال: الحسن شيخاها وبكر فتلها.
ومنهم بلال بن الحرث بن عُصْم بن سعيد بن مرة: وهو الذي أقطعه رسول الله ﷺ معادن القبلة. أسلم سنة خمس من الهجرة مع وفد مزينة الوافدين على النبي ﷺ ، وسكن موضعا يعرف بالأشعر وراء المدينة، ويكنى أبا عبد الرحمن. وكان أحد من يحمل ألوية مُزينة يوم الفتح. توفي سنة ستين في آخر خلافة معاوية وهو ابن ثمانين سنة. روى عنه ابنه الحرث بن بلال وعلقمة بن وقاص الليثي. وابنه حسان بن بلال: أول من أحدث الإرجاء بالبصرة.
ومنهم عبد الله بن مُغفَّل: ويكنى أبا عبد الرحمن. وقيل: أبو سعيد. سكن المدينة، ثم تحول إلى البصرة، وابْتنى بها داراً قريب المسجد الجامع. وتوفي بالبصرة سنة ستين، وأوصى أن يصلي عليه أبو بَرزةَ الأسلمي، وكان ممن بايع بيعة الرَّضوان، آخذاً بغصن من اغصان الشجرة التي بويع رسول الله تحتها، يُظلةُ بها.
وروى عنه جماعة من التابعين بالكوفة والبصرة. أروى الناس عنه الحسن قال الحسن: كان عبد الله بن مغفل أحد العشرة الذين بعثهم إلينا عمر، يفقهون الناس. وكان من نقباء أصحابه. وكان له سبعة أولادٍ.
ومنهم معقلُ بن يسار: ويكنى أبا عبد الله. وكان له عقب بالبصرة. وهو فجَّ فوهَّة نهر معقَل، وكان زياد حفره، فتيمن به لصحبته، فأمره ففجره، فنسب إليه. وإليه ينسب الرُّطبُ المعقلي. وتوفي في آخر خلافة معاوية.
ومن مواليه حبيب المعلِّمُ: وهو حبيب بن زيد. كذا قال ابن قتيبة. وقال مسلم: أبو محمد حبيب بن أبي قريبةَ العلم. سمع ابن سيرين وعطاء. روى عنه حمّاد بن سلمة وحماد بن زيد.
ومنهم عائذُ بن عمرو بن هلال المزني، يكنى أبا هريرة. كان ممن بايع بيعة الرضوان تحت الشجرة. وكان من صالحي الصحابة. سكن البصرة، وابتنى بها داراً. وقال له الدعيُّ عُبيد الله بن زياد، قبَّحه الله وابعده: إنك
стр. 252
لمن حثالة أصحاب محمد. فقال عائذٌ: وهل في أصحاب محمد ﷺ حثالة؟. كذا قال ابن قتيبة. وفي صحيح مسلم عن الحسن أن عائذ بن عمرو، وكان " من أصحاب النبي " ﷺ . دخل على عبيد الله إبن زياد فقال: أىْ بني إني سمعت رسول الله ﷺ " يقول: " إنَّ شّرَّ الرِّعاءِ الحطمةُ ". فإياك أن تكون منهم. فقال له: إجلس، أنت من نُخالة أصحاب محمد ﷺ . فقال: وهل كانت لهم نخالة؟ كانت النخالة بعدهم وفي غيرهم.
سكن عائذ البصرة، وابتنى بها داراً. وتوفي في أيام يزيد بن معاوية. روى عنه الحسن ومعاوية بن قرة.
ومنهم شُريحُ بن ضَمرةَ المزَنيُّ: وهو أول من قدم بصدقة مزينة على النبي ﷺ .
ومن مزينة عبد الله بن سَرجسَ المُزَني: له صحبة. وهو بصري. روىعنه عاصم الأحول وقتادة. خرجَّ مسلم عنه أحاديث، منها في كتاب الصلاة: " يوشك أن يصلي أحدكم الصبح أربعاً " ومنها في كتاب المناقب بسندٍ من ثلاث طرق عن عاصم الأحول، عن عبد الله بن سرجس قال: رأيت رسول الله ﷺ ، وأكلت معه خبزاً ولحماً، أو قال: ثريداً. قال: فقلت له: آستغفر لك النبي ﷺ ؟ قال: نعم ولك، ثم تلا هذه الآية:..) واستغفر لذنبك وللمؤمنين وللمؤمنات.. (. قال: ثم درتُ خلفه، فنظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه ...
ومنهم بُجيرُ بن زُهير وأخوه كعب بن زهير: وهما من الصحابة. وقدِم كعب على رسول الله ﷺ المدينة سنة تسعٍ، فأنشده قصيدته المشهورة
стр. 253
فبانت سعادُ فقلبي اليومَ مَتبولُ ... مُتيَّمٌ عندَها لم يُجزَ مكبولُ
وما سعادٌ غداةَ البَينِ إذْ برزتْ ... إلا أَغنُّ غضيضُ الطرفِ مكحولُ
تَجلو عوارضَ ذي ظَلْمٍ إذا ابتَسمتْ ... كأنه مَنْهلٌ بالرَّاح معلولُ
ومنها في مدح النبي ﵇:
نُبِّئت أن رسولَ الله أوعدني ... والعفوُ عند رسول اللهِ مأمولُ
مَهلاً هداكَ الذي أعطاك نافلةَ ال ... قرآنِ فيه مواعيدٌ وتفصيلُ
لا تَأخنِّي بأقوالِ الوُشاةِ ولم ... أُذنبْ، ولو كثرتْ فيَّ الأقاويلُ
إنَّ الرسولَ لنورٌ يُستضاء به ... مُهندٌ من سيوفِ اللهِ مَسلولُ
في عصبةٍ من قريش قالَ قائلهم ... ببطنِ مكةَ، لما أسلموا: زُولوا
زالوا، فما زال أنكاسٌ ولا كُشُفٌ ... عند اللقاءِ ولا ميلٌ مَعازيلُ
стр. 254
وله يمدح الأنصار:
مَنْ سرَّهُ كرمُ الحياةِ فلا يزلْ ... في مِقْنبٍ من صالحى الأنصارِ
المكرِهينَ السمهريَّ بأَذرعِ ... كسوالفِ الهِنديِّ غَيرِ قِصارِ
والناظرينَ بأعينٍ مُحمَّةٍ ... كالجَمرِ غيرِ كَليلةِ الأبصارِ
والبائعين نفوسهم لنبيِّهم ... للموتِ يومَ تَعانقٍ وكِرارِ
يَتطهَّرون يرونهُ نُسكاً لهم ... بدماءِ مَن عَلِقوا من الكُفارِ
ومنها:
قومٌ إذا خَوتِ النجومُ فإنهم ... للطارقينَ النازلينَ مَقارِ
وكان بجيرٌ شاعراً. وكان كعب وبجير قد خرجا إلى رسول الله ﷺ . فلما بلغا أبرقَ العزَّافِ قال كعب لبجير: إلق هذا الرجل، وأنا مقيم لك. فقدم بجير على رسول الله ﷺ ، فسمع منه وأسلم وبلغ كعباً، فقال أبياتاً أولها:
стр. 255
مَن مبلغٌ عني بُحيراً رسالةً ... فهل لك فيما قلتَ بالخيفِ هلْ لَكا؟
سَقاكَ بها المأمونُ كأساً رويةً ... فأنْهلك المأمونُ منها وعَلَّكا
وخالفت أسبابَ الهُدى واتَّبعتَهُ ... على أيِّ شيءٍ وِيْبَ غيركَ دَلَّكا
على خُلقٍ لم تُلفِ أُماً ولا أبا ... عليهِ ولم تُدركْ عليهِ أخاً لكا
فقال رسول الله صلى الله عيه وسلم، لما سمع " سقاك بها المأمونُ ": " صدق، وإنه لكَذوبٌ، أنا المأمونُ ". ولما سمع " على خلقٍ لم تُلفِ أماُ ولا أباً عليه " قال: " أجل، لم يلف أمِّه ولا أباه عليه ". ثم لما قدم رسول الله ﷺ مُنصرفهُ من الطائف كتب بُحيرٌ إلى كعب: إن كانت لك في نفسك حاجةٌ فاقدمْ إلى رسول الله ﷺ ، فإنه لا يقتل أحداً جاء تائباً، وذلك أنه بلغه أن رسول الله ﷺ أهدر دمه لقولٍ بلغه عنه، وبعث إليه:
مَم مبلغٌ كعباً فهل لك في التي ... تلومُ عليها باطلاً وهي أحزمُ
إلى الله، لا العُزَّى ولا اللآتِ وحدهُ ... فتَنجو إذا كان النجاءُ وتَسلمُ
لدي يوم لا ينجو وليس بمُفلتٍ ... من النارِ إلا طاهرُ القلبِ مُسلمُ
стр. 256
فَدينُ زهيرٍ وهوَ لا شيءَ دينُهُ ... ودينُ أبي سُلمى عليَّ مُحرَّمُ
وقال بجيرٌ يذكر حُنيناً والطائف من كلمةٍ له:
كانتْ عُلالةُ يوم بَطينِ حُنينكمْ ... وغداةَ أوطاسٍ ويومَ الأبرقِ
جَمعتْ هوازنُ جَمعها فتبددَّوا ... كالطيرِ تنجو من قَطامٍ أزرقِ
لم يمنعوا منا مُقاماً واحداً ... إلا جدارهمُ وبطنِ الخندق
ولقد تعرضنا لكيما يخرجوا ... فاستحصنوا منا ببابٍ مُغلق
وقال بُجيرٌ أيضا في يوم حُنين:
لولا الإله وعبدهُ ولَّيتمُ ... حينَ أستخفَ الُّعبُ كلَّ جَبانِ
بالجَزْع يومَ حَبالنا أقرانُنا ... وسوابحٌ يكبونَ للأذقانِ
من بين ساعٍ ثوبُهُ في كفِّه ... ومُقَطَّرٍ بسنابكٍ ولَبانِ
والله اكرمنا وأظهرَ ديننا ... وأعزنا بعبادةِ الرَّحمان
واللهُ أهلكهمْ وفرَّ قَ جَمعهُمْ ... وأذلَّهم بعبادةِ الشيطانِ
стр. 257
إذ قام عمُّ نبيكمووليُّهُ ... يَدعو: أيا لكتيبة الإيمانِ
أينَ الذينَ همُ أجابوا ربَّهم ... يومَ العُريض وبيعةِ الرضوانِ
وكان كعب بن زهير شاعراً مُجوداً كثير الشعر مُقدِّماً في طبقته هو وأخوه بحير، وكعب أشعرهما، وأبوهما زهير فوقهما، وهو أحد المبرِّزين الفحول من الشعراء. وهو زهير بن أبي سلمى: واسم أبي سلمى ربيعة بن رياح بن قُرطْ بن الحرث بن مازم بن ثعلبة بن ثور بن هرمة بن لاطم بن عثمان بن مزينة بن طابخة بن إلياس بن مضر. وقال خلف الأحمر لولا قصائد لزهير ما فضلته على ابنه كعبٍ.
ولكعب ابن شاعر اسمه عقبة: ولقبه المضرِّب، لأنه شبَّب بأمرأةٍ، فضربه أخوها بالسيف ضرباتٍ كثيرة فلم يمت.
ومما يستجاد لكعب بن زهير قوله:
لو كنتُ اعجبُ من شيءٍ لأعجبني ... سعيُ الفتى وهو مخبوءٌ لهُ القدرُ
يسعى الفتى لأمور ليس يدركها ... فالنفسُ واحدةٌ والهمُ منتشرُ
والمرءُ ما عاش ممدودٌ لهُ أملٌ ... لا ينتهى العين حتى ينتهى الأثرُ
ومما يستجاد له أيضاً:
إنْ كنتَ لا ترهبُ ذَمى لما ... تعرفُ من صفحى عن الجاهل
стр. 258
فاخشى سكوتي إننى منصتٌ ... فيك لمسموعِ خنا القائلِ
فالسامعُ الذَّمِّ شريكٌ له ... ومُطعمُ المأكول كالآكلِ
مقالةُ السوءِ إلى أهلها ... أسرع من مُنحدرٍ سائلِ
ومن دعا الناسَ إلى ذَمِّهِ ... ذموهُ بالحقِّ وبالباطلِ
وله من قصيدة أبدع فيها يفخر بخندِفَ على قيس، ويمدح أوسا وعثمان، ابنا مُزينة، قومَه:
متى أدعُ أوسٍ وعثمان تأتيني ... مَساعيرُ حربٍ كلُّهمْ سادةٌ دُعُمْ
همُ الأُسدُ عند البأس والحشدُ في القرى ... وهم عند عقدِ الجبارِ موفونَ بالذِّمَمْ
ومن مزينة عَنمة والد ابرهيم بن عنمة المُزنيني: له صحبة. روى عنه ابنه إبراهيم ومحمد بن الحرث التيمي. وسكن غنمة مصر، وهو مذكور فيمن سكنها من الصحابة.
واما عبد مناة بن أُد بن طابخة بن إلياس، فقال لولده " الرباب " وهم أربعة عدي، وثورأطحل. وأطحل جبل نسب إليه ثور، وعوف وهو عُكل، وتيم. إنما قيل لهم " الرباب " لأنهم غمسوا أيديهم في الرُّبِّ حين تحالفوا. وقال بعضهم: إنما سموا الرِّباب لأنهم إذ تحالفوا جمعوا قِداحاً، من كل قبيلة قِدحٌ، وجعلوها في قطعة من أدمٍ، وتسمى تلك القطعة الرِّبة، فسموا بذلك
стр. 259
" الرباب ". ومنهم من يجعل ضبة بن أدٍّ في الرباب.
فمن عديَّ بن عبد مناة أبو رفاعة العدويُّ: واسمه عبد الله بن الحرث، وقيل تميم بن أُسيد، وكان من فضلاء الصحابة. روى عنه الشيخان: مسلم والبخاري. وروى عنه من التابعين حُميدبن هلال وصلةُ بن أشيمَ. فمما روى عنه حُميد بن هلال ما ذكره الحافظ أبو نعيم الإصبهاني في " الرياضة " له، فقال: نا أبو بكر بن خَلاد، قال نا الحرث بن أبي أسامة، نا أبو النضر، نا سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال، عن أبي رفاعة، قال: أتيت النبي ﷺ ، وهو يخطب فقلت: رجل غريب جاء، يسأل عن دينه، ولا يدري ما دينه. قال: فأقبل إلي النبي ﷺ ، وترك خطبته، ثم أُتي بكرسي خِلتُ قوائمه حديدا، قال فقعد رسول الله ﷺ ، ثم جعل يعلمني مما علمه الله. ثم أتى خطبته فأتم آخرها.
حُميد بن هلال: الراوي عن أبي رفاعة وأنس وغيرهما. عدوي أيضا من بني عديِّ بن عبد مناة. روى عنه أيوب وابن عون.
ومنهم أبو قتادة العدويُّ: يعد في التابعين، بل هو من كبارهم. روى عن عمر وعبادة بن قُرصْ، ويقال: ابن قرطٍ الليثي. روى عنه حميد بن هلال ومؤرق بن مشمرج العجليُّ. وأسم أبي قتادة تميم بن نذير.
ومنهم ذو الرُّمَّة الشاعر: واسمه غيلان بن عقبة، واخوه هشام، وأوفى. وكان هشام أيضا شاعرا. " وهو " القائل في أخويه غيلان وأوفى، وماتا قبله:
تَعزَّيتُ عن أَوفى بغيلانَ بعدَهُ ... عزاءً، وجفنُ العين بالماءِ مُتْرعُ
ولم تُنسني أوفى المصيباتِ بعده ... ولكنَّ نكءَ القَرح بالقرح أوجعُ
стр. 260
ومن ثور بن عبد مناة، وهو ثور أطحل أبو عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري. وُلد في خلافة سليمان بن عبد الملك سنة ست وتسعين، وقيل سنة سبع. ومات بالبصرة متواريا من السلطان، ودُفن عشاءً. قال الشاعر:
تَحرَّزَ سفيانٌ وفرَّ بدينهِ ... وأمسى شريكٌ مُرصداً للدراهمِ
شريكٌ المذكور في هذا البيت: هو أبو عبد الله شريك بن عبد الله بن أبي شريك النخعي الكوفي. وُلد ببخارى سنة خمس وتسعين، ومات بالكوفة سنة سبع وسبعين ومئة. وولي القضاء بالكوفة ثم بالأهواز. قال سفيان بن عينة: ما تركت بالكوفة أحضر جوابا من شريك بن عبد الله. وروى شريك عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله البيعي، ومنصور بن المُعتمر الُّلمي، قال ذلك مسلم في كتاب " الكنى ".
ومن حضور جواب شريك: قال له عيسى بن موسى: يا أبا عبد الله، إن في كتاب الله آية ليس لك ولا لقومك فيها شيء. قال: وما هي؟ قال: " وإنه لذكر لك ولقومك ". قال: وليس لي أيضا ولا لقومي في قوله : " وكذَّ به قَومُك وهو الحقُ " شيءٌ. وقيل لشريك: ما تقول فيمن أراد أن يقنت في الصبح بعد الركوع، فقنت قبل الركوع؟ قال: هذا أراد أن يخطىء فأصاب. وكان شريك عدلا في قضائه، كبير الصواب ﵀.
وسفيان كوفي قال سفيان بن عُيينةَ: ما رأيت رجلا أعلم بالحلال والحرام من سفيان الثوري. وقال ابن أبي ذيب: ما رأيت أحدا من يشبه الثوري. وقال عبد الله بن المبارك: لا نعلم على وجه الأرض أعلم من سفيان. وقال علي بن المديني: سألت يحيى بن سعيد القطان فقلت: أيُّما أحب إليك، رأي مالك أو رأي سفيان؟ فقال: سفيان لا نشك في هذا. ثم قال يحيى: وسفيان فوق مالك
стр. 261
في كل شيءٍ. ودخل سفيان على المهدي، ولم يسلم عليه بالخلافة..... يقال له عيسى بن موسى: أتكلم أمير المؤمنين بمثل هذا الكلام، وأنت رجل من ثور حقير ذليل؟ لعن الله ثورا وما ولد. فقال له سفيان: من أطاع الله من آل ثورخير ممن عصى الله من قومك. وكان سفيان يقول..... اتخذوا سلما إلى الدنيا. فقالوا: ندخل على سلطان نُفرِّرج عن مكروبٍ، ونكلم في محبوس. وكان يقول: إذا لم تصل إلى حقك إلا بالخصومة والسلطان فدعه لما ترجو من سلام دينك.
ونقل عنه الفقه أبو اسحاق إبراهيم بن محمد الفزاريُّ، وعبد الله بن المبارك، وغسان بن عبيد ووكيع، ومحمد بن يوسف الفِريابُّي، ومحمد بن عند الوهاب القَنَّادُ، وغيرهم من الثقات. وقال يحيى بن معين: سفيان الثوري حافظ أهل الكوفة. وقال عبد الله بن محمد بن المغيرة: مرض سفيان الثوري مرضةً، فندم الناس عليه. فلما أفاق ازدحموا عليه، فحدثهم بخمسة وعشرين ألف حديث ظاهر. وسُئل يحيى بن معين: مَن كان الحفاظُ من أصحاب سليمان بن مِهران؟ فقال: سفيان الثوري وشعبة ومحمد بن خازم، وهو أبو معاوية الضرير، وأبو بكر بن عباش. قيل له: فشريكٌ؟ فقال: ليس مقام شريك مقام هؤلاء. على أن شريكا قد سمع من الأعمش، وهو ثقة. وقال أحمد بن حنبل: كان الحفظ لسفيان بالكوفة، ولمالك بالمدينة، ولليث بمصر، والأوزاعي بالشام. وذكر أن كتب الأوزاعي احترقت، فما حدَّث بعد احتراق كتبه إلا من حفظه.
وسئل بعض الفقهاء عن الثوري وأبي حنيفة، فقال: الثوري أعلم بما كان وأبو حنيفة أعلم بما يكون. قال الواقدي: مات سفيان سنة إحدى وستيم ومئة، وهو تابن أربع وستين سنة. وأخبرني أنه وُلد سنة سبع وتسعين. ولم يُعقب سفيان؛ كان له ابن فمات قبله، فجعل كل شيء لأخته وولدها، ولم يُورث أخاه المبارك بن سعيد شيئا.
وتوفي أخوه أبو عبد الرحمن المبارك بن سعيد بالكوفة سنة ثمانين ومئة. روى عن أبيه، وروى عنه ابن المبارك، وأبو النَّضر، ويحيى بن يحيى.
وأبوهما أبو سفيان سعيد بن مسروق: روى عن عكرمة، ومنذر بن يعلي الثوري، والشعبي. وروى عنه ابنه سفيان، وشعبة.
стр. 262
ومن ثور الربيع بن خثيم أبو يزيد: من أصحاب ابن مسعود، وروى عنه. وروى عن الربيع الشعبي والنَّخعي وكتن زاهدا من خيار كبار التابعين. يقال إنه كان في بني ثور ثلاثون رجلا، ليس منهم رجل دون الربيع بن مخثم، وهم بالكوفة ليس بالبصرة منهم أحد. وكان عبد الله بن مسعود رأى الربيع ابن خُثيم يقول:) .. وبَشِّرِ المُخبتينَ (لو رآك رسول الله ﷺ لسرَّه.
ومن عُكْل، وهم بنو عوف بن مناة بن أُد. حضنتهم عُكل، وهي أمةٌلا مرأةٍ من حمير، يقال لها: بنت اللحية فنسبوا اليها. النَّمِر بن تَوْلب بن زهير بن أقيش بن عوف بن عبد مناة بن أد بن طابخة يقال إنه ورد على النبي ﵇ مسلما ومدحه بشعر أوله:
إنَّا أتيناكَ وقد طال الَّفرْ
نقودُ خيلا ضُمَّراً فيها ضَررْ
نُطْعمُها اللحم إذا عزَّ الشجرْ
وفيها يقول:
يا قومُ إني رجاٌ عندي خَبَرْ
لله من آياتهِ هذا القَمرْ
والشمس والشِّعرى وآياتٌ أُخرْ
стр. 263
وروى قرة بن خالد السدوسي وسعيد الجريري عن أبي العلاء بن الشِّخير قال: كنابالّضبذةِ، فجاء أعرابي بكتف أو صحيفة فقال: اقرؤوا ما فيها. فإذا فيها: " هذا كتاب رسول الله ﷺ لبني زهير بن أقيش إنكم 'ن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وأديتم خُمسَ ما غنتم إلى النبي ﵇ فأنتم آمنون بأمان الله ". قلنا: سمعت هذا من رسول الله ﷺ ، قال: نعم. قلنا: حدثنا بشيء سمعته من رسول الله ﷺ . قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " صوم شهر الصبر وثلاثة أيام من كل شهر يُذهبن وغَرَ الصدرِ ".
قال الجريريُّ: وحضرَ الصَّدرِ: قلنا: أأنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ قال: ألا أراكم تتَّهموني؟. فأخذ الصحيفة ومضى. فسألنا عنه، فقيل: هذا النمر بن تولب. قال الأصمعي: كان النمرُ بن تولب العُكبيُّ أحد المخضرمين من الشعراء. وكان أبو عمرو بن العلاء يسميه الكيِّس. وقال أبو عبيدة: النمر بن تولب عكلي، وكان شاعر الرِّباب في الجاهلية، ولم يمدح أحداً، ولا هجا. وأدرك الإسلام وهو كبير. وهو القائل عن غير أبي عبيدة:
لا تغضبنَّ على امرىء في مالهِ ... وعلى كرائم صُلبِ مالكِ فاغْضَبِ
ومتى تُصبْكَ خَصاصةٌ فارجُ الغنى ... وإلى الذين يُعطى الرغائبَ فارغبِ
ومن بني عوف بن عبد مناة أكثل بن شَمَّاخ: قاله ابن الكلبي، وقال: شهد الجسر مع أبي عبيدة، وأسر مَردانشاه، وضرب عنقه وشهد القادسية، وله فيها آثار محمودة وقال: كان علي بن أبي طالب، إذا نظر إليه، قال: من أحب أن ينظر إلى الصبيح فلينظر إلى إكثل بن شمَّاخ.
стр. 264
ومن بني تيم بن عبد مناة عصمة بن أُبير: وفد على النبي ﷺ بإسلام قومه من تيم بن عبد مناة. نسبه ابن الكلبي فقال: عصمة بن أُبير ابن زيد بن عبد الله بن صريم بن وائلة بن تيم الرِّباب. وكان ممن شهد قتل سجاح في ايام أبي بكر، وكان على عبد مناة يومئذ عمر بن لجأ: الشاعر الذي كان يُهاجي جريراً.
وأما مُرُّ بن أُدِّ بن طابخةَ فولد تميماً والغوث. وولد تميم ثلاثة أولادٍ: زيد مناة، وعمراً، والحرث. ومن هؤلاء الثلاثة تفرَّعت قبائل تميم وأفخاذها. ومدح رسول الله ﷺ بني تميم، وأثنى عليهم. ذكر ذلك في صحيحه فقال: حدثنا قتيبة بن سعيد قال: نا جرير عن مغيرة عن الحرث، عن أبي زُرعة قال: قال أبو هريرة: لا أزال أحب بني تميم من ثلاث سمعتهنَّ من رسول الله ﷺ ؛ سمعت رسول الله ﷺ يقول: " هم أشدُّ أمتي على الدجَّال ". قال: وجاءت صدقاتهم، فقال النبي ﷺ : " هذه صدقاتُ قومنا ". قال: وكانت سبيئة منهم عند عائشة. فقال رسول الله ﷺ : " أَعتقيها، فإنها من ولد اسماعيل ".
وخرَّج البخاري حديث مسلم هذا بنصه عن محمد بن سلام عن جرير بن عبد الحميد، عن عُمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة عن أبي هريرة. وروى عن ابن عباس قال: مات تميم بم مرٍّ وأسدُ بن خزيمة وضبة بن أد على الإسلام فلا تذكروهم إلا بما يذكر به المسلمون. روى هذا الحديث الإمام الحافظ أبو الحسن علي بن عمر الدارقُطني عن القاضي المحامليِّ عن عبد الله بن شبيب قال: نا إبراهيم بن يحيى قال: حدثني أبي عن عبد الملك بن عبد العزيز، عن ابيه، عن أبن عباس.
فولد زيد مناة سعداً: وفيه العدد، وسعد هو الفِرزُ. وفيه المثل المضروبُ: " كما تفرقتْ مِعزى الفِرْز ". ومالك بن زيد مناة. فمن بني سعد بن زيد
стр. 265
مناة ثم من مِنْقَر بن بن عبيد بن الحرث، والحرثُ هو مقاعسُ بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة، قيس بن عاصم بن سنان بن خالد بن منقر: يكنى أبا علي، وهي أشهر كُناه. قدِم في وفد تيم على رسول الله ﷺ ، وذلك في سنة تسع. فلما رآه رسول الله ﷺ قال: " هذا شبيهُ أهلِ الوبرِ ". وكان عاقلا، حليما مشهورا بالحلم.
قيل للأحنف بن قيس: ممن تعلمت الحلم؟ قال: من قيس بن عاصم المنقري. رأيته قاعدا بفناء داره مُحتبياً بحمائل سيفه، يحدث قومه حتى أُتى برجل مكتوف وآخر مقتول. فقيل له: هذا ابن أخيك، قد قتل أبنك. قال: فوالله ما حلَّ حبوته، ولا قطع كلامه. فلما أتمه التفت إلى ابن أخيه فقال: يأبن أخي بئس ما فعلت، أَثمتَ بربك، وقطعت رحمك، وقتلت ابن عمك، ورميت نفسك بسهمك. ثم قال لابن له آخر: قم يا بني، وارِ أخاكَ، وحُلَّ كتاف ابن عمِّك، وسُق إلى أمِّه مئة ناقة دية أبنها، فإنها غريبة.
وكان قيس بن عاصم قد حَّم على نفسه الخمر في الجاهلية لأمور مُنكرة فعلها في سكره، فقال فيها:
رأيت الخمر صالحةً وفيها ... خِصالٌ تُفسدُ الرجلَ الحليما
فلا والله أشربُها حياتي ... ولا أعود لها أبداً نديما
فإنَّ الخمر تَفضحُ شاربيها ... وتُجنيهم بها الأمرَ العظيما
ومن جيد قوله:
إني امروٌ لا يَعترى خُلُقي ... دَنسٌ يفنِّدُهُ ولا أَفْنُ
مِن مِنْقرٍ في بيت مَكرمةٍ ... والغُصْنُ يَنْبتُ حولَهُ الغُصْنُ
стр. 266
خُطباءُ حين يقولُ قائلُهُمْ ... بيضُ الوجوهِ أَعِفَّةٌ لُسْنُ
لا يَفْطُنونَ لعيبِ جارِهُمُ ... وهُمُ لحُسنِ جُوارهِ فُطْنُ
ومن جيد قوله يخاطب امرأته:
أيابْنةَ عبدِ اللهِ وابنةَ مالكٍ ... ويا بْنةَ ذِي الجدَّينِ والفَرسِ الوَرْدِ
إذا ما صنعتِ الزادَ فالتمسي لهُ ... أكيلاً، فإني لستُ آكُلُه وحدي
قَصيّاً كريماً أو قريباً، فإنني ... أخافُ مَذَمّاتِ الأحاديثِ من بعدي
وإني لَعبدُ الضيفِ ما دام ثاوياً ... وما مِن خِلالي غيرَها شِيمةُ العبدِ
غيرها: استثناء مقدم. روى عن قيس بن عاصم الأحنف والحسن وخليفة ابن حصن وابنه حكيم بن قيس. وروى النضر بن شميل عن شعبة، عن قتادة، عن مُطرف بن عبد الله بن الشخير، عن حكيم بن قيس بن عاصم، عن أبيه أنه أوصى عند موته فقال: إذا مت فلا تنوحوا عليَّ، فإن رسول الله ﷺ لم ينح عليه. قال النضر بن شميل: وقال عبدة بن الطبيب يرثيه:
عليك سلامُ اللهِ قيسَ بنَ عاصمٍ ... ورحمتُهُ ما شاءَ أن يَتَرحَّما
стр. 267
تحيةَ مَن أوليتَهُ منكَ نِعمةً ... إذا زارَ عن شحطٍ بلادَك سَلَّما
فما كان قيسٌ هُلْكُهُ هُلْكُ واحدٍ ... ولكنه بُنيانُ قومٍ تَهدَّما
ومن بني مُرَّة بن عُبيد أخي مِنقَر بن عُبيد الأحنف بن قيس: واسمه الضحاك بن قيس في رواية. وقال أبو اليظان: هو صخر بن قيس بن معاوية ابن حصن بن عُبادة بن النزَّال بن مرة بن عُبيد. ورهطه بنو مرة بن عُبيد الذين بعثوا بصدقات أموالهم إلى رسول الله ﷺ مع عِكْراش بن ذُؤيب، يكنى الأحنف أبا بحر. وأتى رسول النبي ﷺ بني تميم، يدعوهم إلى الإسلام، فلم يجيبوا. فقال الأحنف: إنه ليدعوكم إلى مكارم الأخلاق، وينهاكم عن ملائمها، فأسلموا.
وأسلم الأحنف، ولم يَفِد إلى رسول الله ﷺ ، فلما كان زمن عمر وفَدَ إليه، وشهد مع علي صِفيِّن، ولم يشهد الجمل مع أحد من الفريقين. وحدَّث أبو بكر بن أبي خيثمة قال: نا موسى بن اسماعيل قال: نا حماد بن سلمة عن عليَّ زيد عن الأحنف بن قيس قال: بينا أنا أطوف بالبيت في زمن عثمان إذ جاء رجل من بني ليثٍ فأخذ بيدي. فقال ألا أبشِّرك؟ فقلت: بلى. قال: هل تذكر إذ بعثني رسول الله ﷺ إلى قومك بني سعدٍ، فجعلت عليهم الإسلام، وأدعوهم إليه؟. فقلت أنت: إنه ليدعوكم إلى خيرٍ، وما حسَّن إلا حسناً. فبلَّغتُ ذلك إلى رسول الله ﷺ . فقال رسول الله ﷺ : " اللهم اغفرْ للأحنف ". قال الأحنف: هذا من أرجا عملي عندي.
كان الأحنف بن قيس أحد الجَّلةِ الحلماء الدُّهاةِ، الحكماء العقلاء. يعدُّ في كبار التابعين بالبصرة. وذهبت إحدى عينيه يوم الحَرَّة وذكر الطبري في
стр. 268
تاريخه الكبير في أخبار صفين قال: لمَّا قدِمت عائشة البصرة أرسلت إلى الأحنف بن قيس، فأبى أن يأتيها. ثم أرسلت إليه، فأتاها، فقالت: ويحك يا أحنفُ! بم تعتذر إلى الله من تركك جهاد قتلة أمير المؤمنين عثمان؟ أمن قلة عددٍ، أو أنك لا تطاع في العشيرة؟. قال: يا أمَّ المؤمنين ما كَبِرتِ السِّنُّ، ولا طال العهدُ. وإن عهدي بك عام أول تقولين فيه، وتنالين منه. قالت: ويحك يا أحنف، إنهم ماصُوهُ مَوْصَ الإناء، ثم قتلوهُ. قال: يا أم المؤمنين، إني آخذُ بأمركِ وأنتِ راضيةٌ، وأدعه وأنت ساخطةٌ.
ووُلد الأحنف ملتزق الأليتين حتى شُقَّ، وكان أعورَ. وأُرسل في بعثٍ إلى خراسان، فبيَّتهم العدوُّ ليلاً. فكان الأحنف أول من ركب، وهو يقول:
إنَّ على كلِّ رئيسٍ حقَا
أن يَخْضِبَ الصعدةَ أو تَنْدقّا
ثم حمل عليهم، فقتل صاحب الطبل، وانهزم القوم، ومضوا في آثارهم حتى فتحوا مَرْوَ الرَّوذِ في خلافة عثمان ﵁. وعُمِّر الأحنف إلى زمن مُصعب بن الزبير، وخرج معه إلى الكوفة لقتال المختار، فمات بها سنة سبع وستين، ومشى مصعب في جنازته بغير رداء، راجلا بين يدى نعشه. وقال: هذا أُسيِّدُ أهل العراق. ودُفن بقرب قبر زيادٍ بالكوفة بموضع يقال له الثويَّة. وفي الثَّويَّة يقول حارثة بن بدر الغُدانيُّ يرثي زياد بن أبيه، ويكنى زياد أبا المغيرة:
صلى الإلهُ على قبرٍ وطهَّرهُ ... عند الثَّويَّةِ يَسْفي فوقَهُ المُورُ
стр. 269
أبا المغيرةِ والدُّنيا مُفَجِّعةٌ ... وإنَّ من غَرَّتِ الدنيا لمغرورُ
قد كانَ عندكَ للمعروفِ مَعرِفةٌ ... وكان عندَك للنَّكراءِ تنكَيرُ
وكنتَ تُغشَى وتُعطي المالَ من سَعةٍ ... إنْ كان بيتُكَ أضحى وهوَ مَجْهُورُ
الناسُ بعدَكَ قد خفَّتْ حلومُهمُ ... كأنما نَفختْ فيها الأعاصيرُ
ودخل الأحنف على معاوية بن أبي سفيان، وعليه مِدْرَعةُ صوفٍ وشِملةٌ. فلما مثل بين يديه اقتحمه عينة، فأقبل عليه، وقال: مَهْ. فقال الأحنف بن قيس: يا أمير المؤمنين، أهلُ البصرة عددٌ يسيرٌ، وعظمٌ كسيرٌ مع تتابعٍ من المحول، واتصال من الذُّحول. والمُكثرُ منها قد أطرق، والمقبل قد أملقَ، وبُلغ منه المُخَنَّق. فإنَّ رأى أمير المؤمنين أن يُنعشَ الفقيرَ، ويجبُرَ الكسير، ويسهِّل العسير، ويصفح عن الذحول، ويداوي المحول، ويأمر بالعطاء، ليكشف البلاءَ، ويُزيلَ اللأواءَ. وإن السيد من يَعمُّ ولا يخصُّ، ويدعو الجَهَلى، ولا يدعو النَّقَرى. إنْ أُحسن إليه شَكر، وإن أُسيء إليه غفر. ثم يكون من وراء ذلك لرعيته عماداً، يدفع عنهم الملمَّات، ويكشف عنهم المعضلات. فقال له معاوية: هَلُمنا يا أبا بحر، ثم تلا:) ولَتَعرِفنَّهم في لَحْنِ القَولِ (.
وابنه بحر الذي كان يكنى به كان مضعوفا. وقال لزبراء جارية أبيه: يافاعلةُ. فقالت: لو كنت كما تقول أتيت أباك بمثلك. وقيل له: ما منعك أن تجري على بعض أخلاق أبيك؟ فقال: الكسل.
стр. 270
وليس الأحنف عقب. وكان يقال: ليس لبني تميم حظ؛ سيدهم بالكوفة محمد بن عُمير بن عُطارِد بن حاجب بن زُرارة، ولا عقب له، وسيدهم بالبصرة الأحنف ولا عقب له.
وصعصعةُ بن معاوية: عمُ الأحنف، قد اختُلف في صحبته. والذي صحَّ من روايته إنما هو عن عائشة وعن أبي ذر الغِفاريِّ. روى عنه الأحنف والحسن البصريُّ وابنه عبدُ ربِّه بن صعصعة. سيِّد بني تميم في خلافة معاوية، وفرسُه الطُّرَّة اشتراها بتسعين ألفِ درهمٍ.
ومن بني مرة رهط الأحنف الأسود بن سريع بن خُمير بن عُبادة بن النَّزال بن مُرَّة: غزا مع النبيِّ ﷺ . يُكنى أبا عبد الله، نزل البصرة، وكان قاصّاً محْبِساً. هو أول من قصَّ في مسجد البصرة.
روى عنه الحسن وعبد الرحمن بن أبي بَكْرة. وروى الحسن عن الأسود بن سريع قال: غَزَوتُ مع النبيِّ ﵇ أربع غزواتٍ، فأفضى بهم القتل، إلى أن قتلوا الذُرِّيَّة. فقال بعضهم: يا رسول الله، إنهم أولاد المشركين. فقال رسول الله ﷺ : " أوَ ليسَ خياركم أولادُ المشركين؟ ما من مولود يولد إلا على فطرة الأسلام، فأبواه يُهوِّدانهِ ويُنصِّرانهِ ويُمجِّسانهِ ".
ومنهم عِكراشُ بن ذُؤيبٍ: قَدِم على رسول الله ﷺ بصدقات قومه بني مُرَّة. فقال له: " مَن أنت؟ ". قال: أنا عِكراشُ بن ذؤيب. فقال له: ارفع في النَّسب. فقال ابن حُرْقوص بن جَعدة بن عمرو بن النزّال بن مرَّة بن عُبيد. وهذه صدقاتُ بني مُرَّة بن عُبيد. قال فأمر بها رسول الله ﷺ ، فوُسمتْ بِمِيسَم الصدق، وضُمَّتْ إلى إبل الصدقة.
ويُكنى عكراش أبا الصَّهباء. وسكن البصرة، وكان شهد الجمل مع عائشة، فضُرب ضربة على أنفه، فعاش بعدها سنة، والضَّربةُ به. وكان له من الولد: عبد الله وعبيد الله وعبد السلام. ولعبيد الله العقب بالبصرة.
ومن بني مِنْقَر بن عُبيد رهط قيس بن عاصم: عمرو بن الأهتم. والأهتم: أبوه اسمه سنان بن خالد بن سميٍّ. ويقال: سنان بن سميِّ بن سنان بن خالد
стр. 271
ابن مِنقر بن عُبيد بن الحرث. وهو مُقاعسُ بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناةَ بن تميم. يقال: إنَّ قيس بن عاصم ضربه بقوس، فَهَتَم فاه، فسمي الأهتم.
قال ابو اليقظان: أمُّ عمرو بن الأهتم بنت فَدَكِّي بن أعبُدَ. ويكنى عمرو بن الأهتم أبا ربْعي. قدم على النبيِّ ﷺ وافدا في وجوه قومه من بني تميم فأسلم، وذلك في سنة تسع من الهجرة. وكان فيمن قَدِمَ معه الزِّبرِقانُ بن بدر وقيس بن عاصم. ففخر الزِّبرِقان، فقال: يا رسول الله، أنا سيد تميم والمطاع فيهم، والمُجاب منهم، آخذ لهم بحقوقهم، وأمنعهم من الظلم، وهذا يعلم ذلك. يعني عمرو بن الأهتم. فقال عمرو: إنه لشديد العارضة، مانع لجانبه، مطاع في أدْنَيْهِ. فقال الزبرقان: والله لقد كذب يا رسول الله، وما منعه من أن يتكلم إلا الحسد. فقال عمرو: أنا أحسدك!، فوالله إنه للئيم الخال، حديث المال، أحمق الوالد، مُبَّغَضٌ في العشيرة. والله ما كذبت في الأولى، ولقد صدقت في الثانية. فقال النبي ﷺ : " إنَّ من البيان لسحراً ". وكان خطيبا جميلا يدعى " المُكحَّلَ " لجماله، بليغا، شاعرا، محسنا. يقال: إن شعره كان حُللاً مُنشَّرة، وكان شريفا في قومه. وهو القائل لقيس بن عاصم حين أزرى به عند النبي ﷺ ، وقال: إنه غلام حدث خلَّفناهُ في ركابنا. والخبر مشهور.
ظَللتُ مُفترشَ العلياءِ تَشْتِمُني ... عند الرسولِ فلم تَصدقْ ولم تُصِبِ
إنْ تُبغضُونا فإنَّ الرومَ أصلكُمُ ... والرومُ لا تَملِكُ البغضاءَ للعَربِ
فإنَّ سُؤدَدَنا عَودٌ وسُؤدَدُكمْ ... مُؤخَّرٌ عند أصلِ العَجْبِ والذَّنَبِ
стр. 272
وله، وأحسن فيه:
ذَريني فإنَّ البخلَ يا أمَّ هَيْثمٍ ... لصالح أخلاقِ الرجالِ سَروقُ
ذَريني وحظي في هوايَ فإنَّني ... على الحسبِ العالي الرفيع شَفوقُ
ومُستنبحٍ بعد الهُدُوِّ أجَرتُهُ ... وقد حانَ مِن ساري الشتاءِ طُروقُ
فقلتُ له: أهلاً وسهلاً ومَرحباً ... فهذا مَبِيتٌ صالحٌ وغَبوقُ
أضَفتُ ولم أفحُش عليه ولم أقلْ ... لأحرمَهُ إنَّ الفِناءَ يضيقُ
لَعَمْرُكَ ما ضاقتْ بلادٌ بأهلها ... ولكنَّ أخلاقَ الرجالِ تَضيقُ
ومن ولده صفوان بن عبد الله بن عمرو الأهتم: أبو خالد. وكان ولي رياسة بني تميم أيام مسعود بن عمرو العَتكيِّ الأزديِّ، وكان خطيبا. وشهد الحسن وصيَّته، فأوصى بمئة ألف وعشرين ألف درهم، وقال أعددتها لِعَظًّ الزمان، وجفوة السلطان، ومباهاة العشيرة. فقال الحسن: خلَّفتها لمن لا يَحمدُك، وتَقْدحُ على من لا يَعذِرُك. ومات بالبصرة.
стр. 273
وابنه خالد بن صفوان: عُمِّر الى ان حادث أبا العباس عبد الله بن محمد السفّاح. وكان لسِنا، خطيبا، بخيلا، مِطلاقا.
ومن ولِد عمرو بن الأهتم شُبيب بن شّيْبة بن عبد الله بن عمرو بن الأهتم: الخطيب. وهو ابن عم خالد بن صفوان لَحّاً. ورُوي عنه الحديث. قال مسلم في الكنى: أبو مَعمر شبيب بن شَيبة المِنْقريُّ سمع عطاء بن أبي رباح، ومعاوية بن قُرة. روى عنه أبو سلمة، ومسلم، ويحيى بن يحيى.
قال المؤلف، وفَّقه الله: وروى أيضا شبيب بن شيبة عن الحسن البصريِّ. وروى عنه أيضا أبو معاوية محمد بن خازم الضرير ومسلم الراوي عن شبيب، ولم ينسبه مسلم. هو أبو عمرو مسلم بن إبراهيم الأزديُّ: سمع شعبة وأباناً العطار ووُهَيب بن خالد. وساق أبو نُعيم الحافظ رواية أبي معاوية الضرير. ومسلم بن إبراهيم المذكور عن شبيب بن شيبة في كتاب " الرياضة ". قال أبو نُعيم الحافظ الاصفهانيُّ: حدَّثنا سليمان بن أحمد: نا أحمد بن عمرو القِطرانيُّ: نا أبو الربيع الزَّهرانيُّ: نا أبو معاوية الضرير: نا شبيب بن شيبة المِنقريُّ عن الحسن، عن عمران بن حُصين قال: قال رسول الله ﷺ لأبي: " كم تعبد اليوم إلهاً؟ ". قال: سبعة؛ ستةٌ في الأرض وواحد في السماء. فقال: " يا حُصين إنك إن أسلمت علَّمتُك كلمتين تنفعانك ". فلما أسلم أتى النبيَّ ﷺ ، فقال: يا رسول الله، علِّمني الكلمتين. قال: " قل: اللهمَّ الهمني رُشدي، وأعِذْني من شرِّ نفسي ".
وقال أبو نُعيم: نا فاروق بن عبد الكريم: نا أبو مسلم الكَشِّيُّ: نا مسلم بن إبراهيم: نا شبيب بن شيبة قال: سمعت عطاء بن أبي رباح في مسجد الحرام يحدِّث عن أبي سعيد الخُدريِّ، عن النبي ﷺ قال: " ما أنزل الله من داء إلا أنزل معه دواء، عَلِمَه من عَلمه، وجَهِلَهُ من جَهله ".
قال المؤلف، غفر الله له: ولشبيب بن شيبة قصة مع أبي جعفر المنصور في أيام بني أمية رأيت إيرادها لحسنها في لفظ وجيز. قال شبيب بن شيبة الأهتمي: حججت عام هلك فيه هشام، وولي الوليد بن يزيد، وذلك سنة خمس وعشرين ومئة. فبينا أنا مُرِيحٌ ناحية من المسجد إذ طلع بعض أبواب المسجد فتى
стр. 274
أسمر، رقيق الشعر، مُوفَّر الِّلمَّة، خفيف اللحية، رحب الجبهة، أقنى بيِّن القنا، كأن عينيه لسانان ناطقان، يخلط أبَّهةَ الأملاك بزيِّ النسَّاك، تقبله القلوب، وتتبعه العيون، يُعرف الشرف في تواضعه، واللبُّ في مشيته. فما ملكت نفسي أن نهضت في أثره، سائلا عن خبره. وسبقني فتحرَّم بالطَّواف. فلما سبع قصد للمقام فركع، وأنا أرعاه ببصري ثم نهض منصرفا. فكأن عينا أصابته، فكبا كبوة دَميتْ لها إصبعه، فقعد لها القُرفصاء. فدنوت منه متوجعا لما ناله، متصلا به أمسح رجله من غبار التُّراب، فلم يمتنع عليَّ، ثم شققت حاشية ثوبي، فعصبت بها إصبعه. وما يُنكر ذلك، ولا يدفعه. ثم نهض متوكئا عليَّ، فأنقَدْت له أماشيه، حتى أتى دارا بأعلى مكة. فابتدره رجلان تكاد صدورهما تنفرج من هيبته، ففتحا له الباب، واجتذبني. فدخلت بدخوله فخلَّى يدي، وأقبل على القبلة فصلى ركعتين أوجز فيهما في تمام. ثم استوى في صدر مجلسه، فحمد الله وأثنى عليه، وصلَّى على النبيِّ ﷺ أتمَّ صلاة وأطيبها. ثم قال: لم يَخفَ عليَّ مكانك منذ اليوم، ولا فعلك بي. فمن تكون يرحمك الله؟ قلت: شبيب بن شيبة التَّميُّمي. قال: الأهتميُّ؟ قلت: نعم. قال: فرحَّب وقرَّب ووصف قومي بأبين بيان، وأفصح لسان. فقلت له: أنا أجِلُّك " أصلحك الله " عن المسألة، وأحبُّ المعرفة. فتبسَّم وقال: لطف اهل العراق، وأنا عبد الله ابن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس. فقلت: بأبي أنت وأمي، ما اشبهك بنسبك، وأدلَّك على منصبك! ولقد سبق الى قلبي من محبَّتك مالا أبلغه بوصفي لك. قال: فاحمد الله يا أخا بني تميم، فإنا قوم إنما يُسعد الله بِّحبنا من أحبَّه، ويشقى ببغضنا من أبغضه. ولن يصل الإيمان إلى قلب إحدكم حتى يحب الله ورسوله. ومهما ضَعُفنا عن جزائه قويَ اللهُ على أدائه. فقلت له: أنت توصف بالعلم، وأنا ممَّن حملته، وأيام الموسم ضيقة، وشُغل أهل مكة كثيرٌ. وفي نفسي أشياء أُحبُّ أن أسأل عنها؛ أفتأذن فيها جُعلتُ فداك؟ قال: نحن من أكثرالناس مستوحشون، وأرجو أن تكون للسرِّ موضعا، وللأمانة راعيا. فإن كنت كما رجوت فافعل. قال: فقدّمت من وثاق القول والأيمان ما سكن إليه. فتلا قول الله تعالى:) قُل أيُّ شيء أكبرُ شهادةً قلِ اللهُ شهيدٌ بَيني وبينكم (. ثم
стр. 275
قال: سَلْ عمَّ بدا لك. قلت: ما ترى في أمير الموسم؟ وكان عليه يوسف بن محمد ابن يوسف الثقفيّ، خال الوليد. فتنفس الصعداء وقال: أعن الصلاة خلفه تسألني أم كرهت أن يتأمر على آل الله من ليس منهم؟ قلت: عن كلا الأمرين. قال: إن هذا عند الله لعظيم. فأما الصلاة ففرض لله تعبد به خلقه، فأدِّ ما فرض الله عليك في كلِّ وقت ومع كل أحد وعلى كل حال. فإن الذي ندبك لحج بيته، وحضور جُمُعاتهِ وأعياده، لم يخبرك في كتابه أنه لا يقبل منك نسكا إلا مع أكمل المؤمنين إيمانا، رحمة منه لك. ولو فعل ذلك ضاق الأمر عليك. فاسمح يُسمح لك. قال: ثم داركت في السؤال عليه، فما احتجت أن أسأل عن أمر دين أحدا بعده. ثم قلت: يزعم أهل العلم أنه ستكون لكم دولة. قال: لا شك فيها، تطلع طلوع الشمس، وتظهر ظهورها. فنسأل الله تعالى خيرها، ونعوذ به من شرها، فخذ بحظ لسانك ويدك منها إن أدركتها. قلت: أوَ يتخلف عنها أحد من العرب، وأنتم سادتها؟ قال: نعم، قوم يأبون إلا وفاء لمن اصطنعهم، وبأبى إلا طلبا بحقنا، فنُنصر ويُخذلون، كما نُصر بأولنا أولهم، ويخذل بمخالفتنا من خالف منهم. قال: فاسترجعت. قال: سهل عليك الأمر، سنة الله التي قد خلت من قبل، ولن تجد لسنة الله تبديلا. وليس ما يكون منهم بحاجز لنا عن صلة أرحامهم، وحفظ أعقابهم، وتجديد الصنيعة عندهم. قلت: كيف تسلم لهم قلوبهم، وقد قاتلوكم مع عدوكم؟ قال: نحن قوم حبب الينا الوفاء، وإن كان علينا، وبغض إلينا الغدر، وإن كان لنا. وإنما يشدُّ علينا منهم الأقل، فإما أنصار دولتنا، ونقباء شيعتنا، وأمراء جيوشنا فهم ومواليهم منا، ومولى القوم من أنفسهم. فإذا وضعت الحرب
اوزارها صفحنا بالمحسن عن المسيء، ووهبنا للرجل قومه. ومن اتصل بأسبابه فتذهب النايرة، وتخبو الفتنة، وتطمئن القلوب. ها صفحنا بالمحسن عن المسيء، ووهبنا للرجل قومه. ومن اتصل بأسبابه فتذهب النايرة، وتخبو الفتنة، وتطمئن القلوب.
قلت: ويقال: إنه يُبتلى بكم مَن أخلص لكم المحبة. قال: قد رُوي أن البلاء أسرع إلى مُحِّبنا من الماء إلى قراره. قلت: لم أرد هذا. قال: فمه. قلت: تقعون بالولي، وتخطئون العدو. قال: من يسعد بنا من الأولياء أكثر، ومن يسلم لنا من الأعداء أقل وأيسر. وأنما نحن بشر، وأكثرنا أُذنٌ، ولا يعلم الغيب إلا
стр. 276
الله. وربما استترت عنا الأمورفنقع بمن لا نريد، وإنَّ لنا لأحسابا، يأسو الله بها ما نكلم، ويرم بها ما نثلم، ونستغفر الله مما لا نعلم. وما أنكرت من أن يكون الأمر على ما بلغك، ومع الوليُّ التعززُ والإدلال والثقة والاسترسال، ومع العدو التحرز والاحتيال والتدلل والاغتيال. ولربما ملَّ المدلل، وأخل المسترسل، وتجانب المتقرب، ومع المِقَة تكون الثقة. وعلى أن العاقبة لنا على عدونا، وهي لولينا. وإنك لسؤول يا أخا بني تميم قلت: إني أخاف أن لا أراك بعد اليوم. قال: إني أرجو أن أراك وتراني كما تُحبُّ عن قريب إن شاء الله. قلت: عجَّل الله ذلك. قال: آمين. وتبسم وقال: لا بأس عليك، ما أعاذك الله من ثلاثٍ. قلت: وما هي؟ قال: قدْحٌ في الدين، أو هَتكٌ للملك، أو تُهمةٌ في حُرمةٍ. ثم قال: احفظ عني ما أقول لك: اصدق وإن ضرَّك الصدق. وانصح وإن باعدك النصح. ولا تجالس عدوَّنا وإن أحظيناه، فإنه مخذول، ولا تخذل ولينا فإنه منصور. واصحبنا بترك المماكرة. وتواضع إذا رفعوك. وصِلْ إذا قطعوك. ولا تستخفَّ فَيمقتوك. ولا تبدأ حتى يبدؤوك. ولا تختطب الأعمال، ولا تتعرض للأهوال. وأنا رائح من عشِّيتي هذه، فهل من حاجة؟ فنهضت لوداعه، فودعته ثم قلت له: أتُوقِّت لظهور الأمر وقتا؟ قال: الله المقدِّر المُوقِّت. إذا قامت النَّوحتان باشام، فهما آخر العلامات. قلت وما هما؟ قال: موت هشام العامَ، وموت محمد بن علي المستهلَّ من ذي القعدة. وعليه تخلَّفت وما بلغت حتى أنضيتُ. قلت: فهل أوصى؟ قال: نعم، إلى أخي إبراهيم. قال: فلما خرجت فإذا مولى له يتبعني حتى عرف منزلى، ثم أتى بكسوة من كسوته. فقال: يأمرك أبو جعفر أن تصلي في هذه. قال: وافترقنا، فوالله ما رأيته إلا وحرسيّان قابضان عليَّ، يُدنياني منه في جماعة من قومي، لأبايعه فلما نظر إليَّ قال: خَلَّيا عمَّن صحَّت مَودتُه، وتقَّدمت حرمته، وأُخذت قبل اليوم ببيعته. قال: فأكبر الناس ذلك من قوله، ووجدته على أول عهده. ثم قال لي: أين كنت عنِّي أيام أخي أبي العباس؟ فذهبت أعتذر. قال: أمسكْ، فإنَّ لكل شيء وقتا لا يعدوه، ولن يفوتك إن شاء الله حظُّ مودتك وحق مشايعتك. فاختر بين رزقٍ يتبَعُكَ أو عمل
стр. 277
يرفعك. قلت: أنا حافظ لوصيتك. قال: وأنا لها أحفظ، إنما نهيتك أن تخطب الأعمال، ولم أنهك عن قبولها. قلت: الرزق مع قرب أمير المؤمنين أحب إلي وأعفى إن شاء الله. قال: هل زدت في عيالك بعدي شيئا؟ وقد كان يسألني عنهم، فذكرتهم له، فعجبتُ من حفظهِ. قلت: الفَرسُ والخادم. قال: قد الحقنا عيالك بعيالنا، وخادمك بخادمنا، وفرسك بخيلنا. ولو وسعني لحملت لك على بيت المال، وقد ضممتك إلى المهدي، وأنا موصيك به، فإنه أفرعُ لك مني.
ومن بني مرة بن عبيد؛ إخوة منقرٍ: سلامة بن جندل الشاعر، والسليك بن السُّلكة أحد فُتَّاك العرب، ويقال له الرِّئبالُ لأنه كان يغير وحده. ومنهم عبد الله بن صُفار الذي تنسب إليه الُّفريةُ، وعبد الله بن إباض الذي تنسب إليه الإباضية.
ومن بني مقاعس، واسمه الحرثُ، وهو جد منقر ومُرَّ خُليفٌ الذي تنسب إليه الفالوذجة الخُليفية. وهو خليف بن عقبة، ويكنى أبا بكر، كناه بذلك محمد بن سيرين، وكان من أصحابه. وكان من أظرف أهل البصرة وله بها عَقب.
وفي سعد بن زيد مناة أيضا بطون منها: بَهدلة، وعطارد، وقريع، وهم إخوة، بنو عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم.
فمن بني بهدلة الزِّبرقانُ: واسمه حصين بن بدر بن خلف بن بهدلة. وكان يقال له: " قمرُ نجدٍ ". وهو من الصحابة، ويكنى أبا عباس بابنه، وأبا شذرة ببنته. وعقبة بالبادية كثير. واستعمله رسول الله ﷺ على صدقات قومه. وتوفي النبي ﷺ ، فذهب بالصدقة الى أبي بكر، وهي سبعمئة بعيرٍ.
ومنهم الإُحيمر بن خلف بن بهدلة: عم الزبرقان، صاحب بُردي مُحرِّقٍ الذي قيل فيه:
أيا بْنةَ عبد الله وابنةَ مالكِ ... ويا بنةَ ذي البُردينِ والفَرسِ الوردِ
стр. 278
قال أبو عبيدة فسي كتاب " التاج ": أشرفُ بيتٍ في مضر " غير مُدافع " في الجاهلية بيت بهدلة بن عوف بن عد بن زيد مناة بن تميم.
قال المنذر بن ماء السماء ذات يوم، وعنده وجوه العرب ووفود القبائل. ودعا ببُردَيْ محرِّق فقال: ليلبس هذين البردين أكرم العرب نسبا، وأشرفهم حسبا، وأعزهم قبيلة. فأحجم الناس، فقام الأحيمر بن خلف بن بهدلة بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة. فقال: أنا لها. فأتزَر بأحدهما، وارتدى بالآخر. فقال له المنذر: ما حجتك فيما ادعيت؟ قال: الشرف من نزار كلها في مضر، ثم في تميم، ثم في كعب، ثم في بهدلة. قال له النعمان: هذا أنت في أصلك، فكيف أنت في عشيرتك؟ قال: أنا أبو عشرة، وخالُ عشرة. قال: فهذا أنت في عشيرتك فكيف أنت في نفسك؟ فقال: شاهد العين شاهدي. ثم قام ووضع قدمه في الأرض، فقال: من أزالها فله مئة من الإبل. فلم يقم إليه أحد، ولا تعاطى ذلك. ففيه يقول الفرزدق:
فَما تمَّ من سعيدٍ ولا آلِ مالكٍ ... غلامٌ إذا ما قيلَ لم يتَبَهدلِِ
لهم وهبَ النعمانُ بُردَيْ مُحرِّقٍ ... بمجدِ معدٍ والعديد المحصَّلِ
قال المؤلف، غفر الله له: مُحرِّقٌ الذي لبس الأُحيمر بُرديهِ: هو الحرث ابن عمرو بن عدي بن نصر. وفي آله يقول الأسود بن يَعفُرَ:
ماذا أُمِّل بعد آل مُحرِّقٍ ... تركوا منازلهم وبعدَ إيادِ؟
وأبن اخيه عمرو بن هندٍ: نُسب إلى أمه، وكان أيضا يدعى محرِّقا، لما يذكر بعد من أمره مع بني دارمٍ. وأبوه المنذر بن امرىء القيس بن عمرو بن عديِّ
стр. 279
ابن نصر اللخميُّ. وعمرو بن عدي هو ابن أخت جَذيمة الأبرش الملك بالحيرة. وجَذيمةُ هو ابن ملك بن فهم بن عم بن دوس بن عُدثان الأزديُّ، صاحب الزَّبَّاء، وقتل الزباءَ عمرو بن عدي، أخذ بثأر خاله جذيمة. وأعانه على ذلك قصير بن سعد بدهائه ومكره. وهو الذي قيل فيه: " لأمرٍ ما جدع قَصيرٌ أنفه ".
وعمرو بن هند هو مُضرِّرط الحجارة. وأبوه المنذر بن أمرىء القيس. أمه ماء السماء. وقيل: " لقبت " بماء السماء لجمالها. وأبوها عوف بن جشم من النَّمر ابن قاسط بن أفصى بن دُعميِّ بن جَديلةَ بن أسد بن ربيعة بن نزار: وهو الذي ببردي مُحرِّق في الخبر المتقدم.
وعم عمرو بن هند النعمان بن امرىء القيس: هو النعمان الأكبر، وكان أعور وهو بنى الخورنق، وانخلع عن ملكه، ولبس الأمساح وساح في الأرض. وهو الذي ذكره عدي بن زيد فقال:
وتَبَيَّنْ، ربَّ الخورنقِ، إذْ أش ... رفَ يوما وللهدى تفكيرُ
سَرَّةُ حالهُ وكثرةُ ما يَمْ ... لكُ والبحرُ مُعرضا والسديرُ
فارْعَوى قلبُهُ وقال: فما غِبْ ... طةُ حيٍّ إلى المماتِ يصيرُ
وخبره مشهور وسمي عمرو بن هند محرقا لأنه أحرق من بني دارمٍ ثمانية وتسعين رجلا، وأكملهم وئة برجل من البراجم وبأمرأة نَهشَليَّة. ولذلك قيل: إن الشقي وافد البراجم. وكان رجل من بني دارمٍ قتل ابنه خطأ.
стр. 280
وأمه هندة بنت الحرث بن عمرو الكندي. والحرث هو آكل المُرار. ولدت للمنذر بن أمرىء القيس عَمرا مُحرِّقا، وقابوسا قينة العروس، وكان فيه لينٌ.
والمنذر بن المنذر: وهو أبو النعمان بن المنذر ممدوح النابغة وصاحب المتجرد. قتله كسرى أبرويزُ بسباط المدائن. أمر به فأُلي تحت أرجل الفيلة، فتوطأته حتى مات. قال سلامة بن جندل المقاعسي يذكر أبرويزَ:
هو المُدخلُ النعمانَ بيتاً، سَماؤهُ ... نحورُ الفُيول بعد بيتٍ مُسَرْدَقِ
وهو صاحب الغريين. وكان له يومان؛ يوم بؤسى ويوم نعمٍ. وقتل عبيد بن الأبرص الأسدي الشاعر يوم بؤسه. وهو قاتل عدي بن زيد العبادي الشاعر، ويكنى أبا قابوس.
وبنته الحُرَقةُ: واسمها بنت النعمان. عُمِّرت إلى أن ولي المغيرةبن شعبة الكوفة. وكانت مترهبةً، نصرانيةً. وخطبها المغيرة في ديرها، فردته أحسن رد بكلام بليغ.
قال أبو العباس محمد بن يزيد المبَّردُ: كان المغيرة بن شعبة، هو والي الكوفة، صار إلى دير هند بنت النعمان بن المنذر، وهي فيه عمياء مترهبةٌ. فاستأذن عليها، فقيل لها: أمير هذه المدرة بالباب. فقالت: قولوا له: أمن أولاد جَبَلة بن الأيهم أنت؟ قال: لا. قالت: فمن ولد المنذر بن ماء السماء؟ قال: لا. قالت: فمن أنت؟ قال: المغيرة بن شعبة الثقفي، قالت: فما حاجتك؟ قال: جئت خاطبا. قالت: لو جئتني لجمالٍ أو لمالٍ لأطلبتك، ولكنك أردت أن
стр. 281
تتشرف في محافل العرب فتقول: نكحت ابنة النعمان بن المنذر. وإلا فأي خير في اجتماع أعور وعمياء؟ فبعث إليها: كيف أمركم؟ قالت: سأختصر لك الجواب، أمسينا عشاء، وليس في الأرض عربي إلا وهو يرغب إلينا ويرهبنا، ثم أصبحنا وليس في الأرض عربي إلا ونحن نرغب إليه ونرهبه. قال: فما كان أبوك يقول في ثقيف؟ قالت اختصم إليه ونرهبه. قال: فما كان أبوك يقول في ثقيف؟ قتالت: اختصم إليه رجلان منهم، أحدهما ينميها إلى إيادٍ، والآخر إلى بكر بن هوازن، فقضى بها للإياديِّ وقال:
إنَّ ثقيفا لم تكن هَوازِنا
ولم تنايبْ عامراً ومازنا
يريد عامر بن صعصعة ومازن بن منصور. فقال المغيرةُ: أما نحن فمن بكر بن هوازن فليقل أبوك ما شاء.
ومن بني عطارد بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة أبو رجاء العطارديُّ: واسمه عمران بن تَيم، وقيل: عمران بن مِلحان. وقيل عمران بن عبد الله أدرك الجاهلية، ولم ير النبي ﷺ ، ولم يسمع منه. أسلم بعد المبعث وقيل: ولد قبل الهجرة بإحدى عشرة سنة. وقال أبو عمرو بن العلاء: قلت لأأبي رجاء العطارديِّ: ما تذكر؟ قال: قتلُ بسطام بن قيس على الحسن، والحسن: حَبلُ رملٍ. وأنشد أبو رجاء العطاردي لابن غنمة في بسطام ابن قيس بن مسعود الشيباني:
وخرَّ على الألاءة لم يُوسَّدْ ... كأنَّ جبينه سيفٌ صَقيلُ
قال الأصمعي: قتل بسطام بن قيس قبل الإسلام بقليل. وقيل إن قتل بسطام بن قيس كان بعد مبعث النبي ﷺ .
يُعدُّ أبو رجاء في كبار التابعين، عُظمُ روايته عن عمر وعلي وابن عباس وسمرة، وكان ثقة. روى أيوب الَّسختيانُّي وجماعة. وكان أبو رجاء يقول: بُعث النبي صلى الله ﵇، وأنا أرعى الإبل على أهلي، وأريش وأبري: فلما
стр. 282
سمعنا بخروجه لحقنا بمسيلمة. وكانت له عباة، وعُمِّر عُمرا طويلا. مات سنة خمس ومئة في أول خلافة هشام بن عبد الملك، وهو ابن مئة وثمان وعشرين سنة وذكر الهيثم بن عدي عن أبي بكر بن عياش قال: اجتمع في جنازة أبي رجاء العطارديِّ الحسن البصري والفرزدق. فقال الفرزدق للحسن: يا أبا سعيد، يقول الناس: اجتمع في هذه الجنازة خير الناس وشرهم. قال: لست بخيرهم ولست بشرهم، ولكن ما أعددت لهذا اليوم؟ قال: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله. ثم انصرف الفرزدق فقال:
ألم ترَ أن الناسَ ماتَ كبيرهم ... وقد كانَ قبل البعثِ محمدِ
ولم تُغنِ عنهُ عيشُ سبعينَ حجةً ... وستينَ لمَا بانَ غيرَ مُوَسَّدِ
إلى حُفرةٍ غبراءَ يُكْرهُ ورِدُها ... سِوى أنها مثوى وضيعٍ وسِّيدِ
ولو كان طولُ العمر يُخلِدُ واحداً ... ويدفعُ عنه عيبَ عُمرٍ عَمرَّدِ
لكان الذي راحوا به يَحملونَهُ ... مُقيماً، ولكن ليس حَيٌّ بِمُخلَدِ
تَروحُ وتغدو والحتوفُ أمامنا ... يضعن لنا حتفَ الرَّدى كل مَرصدِ
وقد قال لي: ماذا تُعدُّ لما ترى ... فقيهٌ إذا ما قال غيرُ مُفنَّد
стр. 283
ِفقالُ له: أعددتُ للبعثِ والذي أرادَ بهِ أني شهيدٌ بأحمدِ
وأنْ لا إلهٌ غيرُ ربي هو الذي ... يُميتُ ويُحيي يومَ بعثٍ ومَوعدِ
فهذا الذي أعددتُ لا شيءَ غيرُهُ ... وأن قلتَ لي أكثرْ من الخيرِ وازْدَدِ
فقالَ: لقد أعصمتَ بالخيرِ كلِّهِ ... تمسَّكْ بهذا يا فرزدق تُرشَدِ
وحدَّث جرير بن حازم قال: سمعت أبا رجاء العطاردي قال: سمعنا بالنبي ﷺ ، ونحن في مال لنا، فخرجنا هُرابا. قال: فمررت بقوم ظبي، فأخذتها وبللتها. قال: وطلبت في غِرارةٍ لنا فوجدت كفَّ شعير، فدققته بين حجرين، ثم ألقيته في قدر، ثم ودَجْتُ بعيرا لنا، فطبخته، فأكلت أطيب طعامٍ أكلته في الجاهلية. قلت: يا أبا رجاء، ما طعمُ الدم؟ قال: حلوٌ.
وروي أن أبا رجاء أتته امرأة في جوف الليل، وقد جاوز المئة ببضع فقالت: يا أبا رجاء، إن لطارق الليل حقا، إن بني فلان خرجوا إلى سفوانَ، وتركوا شيئا من متاعهم. فانتقل، وأخذ الكتب فأدَّاها ورجع إلى البصرة، وصلى بأصحابه الفجر، وهي مسيرة ليلةٍ للأبل.
ومن بني شجنة بن عطارد صفوان بن جناب بن شجنة بن عطارد: وكان صفوان هو الذي يجيز للناس بالحج من عرفة، ثم بنوه من بعده، حتى كان آخرهم كرب بن صفوان. وهو الذي قام عليه الإسلام. وفي ذلك يقول أوس بن مغراء السعديُّ
стр. 284
لا يبرحُ الناسُ ما حجوا معرَّ فهمْ ... حتى يقال: أجيروا آل صفوانا
متا تطلعُ الشمسُ إلا عندَ أولنا ... ولا تغيَّبُ إلا عند أُخرانا
وقال الفرزدق مناقضا الجرير من قصيدة طويلة:
إذا هبطَ المُحصَّبُ من مِنى ... عشيةَ يوم النحرِ من حيثُ عرَّفوا
ترى الناسَ ما سِرنا يسيرونَ خلفنا ... وإنْ نحن إومأنا إلى الناسِ وقَّفوا
وعدد ابيات هذه القصيدة مئة وثلاثة عشر بيتا. ولها خبر ذكره إبراهيم بن محمد بن سعد بن أبي وقاص الزهري في منتخب النقائض للنَّجيرمي. وفي هذه القصيدة البيت الذي استشهد به الزَّجاجيُّ في " الجمل " في باب الفعل المحمول على المعنى، وهو:
وعظُّ زمانٍ يا بْنَ مروانَ لم يدعْ ... من المالِ إلا مُسحَتٌ أو مُجلَّفُ
روى الكسائي مُسحتاً بالنصب، وهو المستأصل. والمجلَّفُ: شبيهٌ به. ومن رفع مسحتاً حمله على المعنى، لأنه إذا قال: لم يدعْ فكأنه لم يبقِ. قال أبو عبيدة: وسمعت رواية الفرزدق يروى " لم يَدعْ من المال ". وقال لم يَدِعْ: لم يَتَّدعْ: من الدَّعةِ. أي لم يثبتُ ولم يستقر.
ومن بني قريع بن عوف، وهو أخو عطارد وبهدلة الأضبط بن قُريع بن
стр. 285
عوفٍ: وكان رأس تميما في الجاهلية في بعض حروبهم. وهو المتقيِّل في القبائل. فلما لم يُحمدهم رجع إلى قومه وقال: بكلِ وادٍ بنو سعدٍ. وله حكم في شعره. وهو القائل في قصيدة مشهورة:
لكلِّ همٍّ من الهمومِ سَعهْ ... والمُسْيُ والصُبحُ لا فاحَ معهُ
الفلاح: البغاء ومنهم بنو أنف الناقة منهم شمَّاسُ بن لأيْ: الذي مدحه الحطيئة. وفيه يقول من قصيدة:
وإن التي نكتبها عن معاشرِ ... عِضابٍ عليَّ أنْ صَددتُ كما صَدُّوا
أتتْ آل شَّماسِ بن لأي وإنما ... أتتهمْ بها الأحلامُ والحسبُ العِدُّ
وإنَّ الشقيَّ مَن تُعادى رماحهمْ ... وذو الجَدِّ من لانوا إليه ومن وَدَّوا
يسوسونَ أحلاماً بعيداً أناتُها ... وإن غَضوا جتءَ الحفيظةُ والجِدُّ
أقلُّ عليهم لا أبا لأبيكمُ ... منَ اللومِ أو سُدوا المكانَ الذي سَّدوا
أولئك قومٌ إنْ بنوا أحسنوا البُنا ... وإن عاهدوا أوفوا وإن عقَدوا شَدُّوا
следующие страницы →