Полный текст (811 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
تتشرف في محافل العرب فتقول: نكحت ابنة النعمان بن المنذر. وإلا فأي خير في اجتماع أعور وعمياء؟ فبعث إليها: كيف أمركم؟ قالت: سأختصر لك الجواب، أمسينا عشاء، وليس في الأرض عربي إلا وهو يرغب إلينا ويرهبنا، ثم أصبحنا وليس في الأرض عربي إلا ونحن نرغب إليه ونرهبه. قال: فما كان أبوك يقول في ثقيف؟ قالت اختصم إليه ونرهبه. قال: فما كان أبوك يقول في ثقيف؟ قتالت: اختصم إليه رجلان منهم، أحدهما ينميها إلى إيادٍ، والآخر إلى بكر بن هوازن، فقضى بها للإياديِّ وقال:
إنَّ ثقيفا لم تكن هَوازِنا
ولم تنايبْ عامراً ومازنا
يريد عامر بن صعصعة ومازن بن منصور. فقال المغيرةُ: أما نحن فمن بكر بن هوازن فليقل أبوك ما شاء.
ومن بني عطارد بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة أبو رجاء العطارديُّ: واسمه عمران بن تَيم، وقيل: عمران بن مِلحان. وقيل عمران بن عبد الله أدرك الجاهلية، ولم ير النبي ﷺ ، ولم يسمع منه. أسلم بعد المبعث وقيل: ولد قبل الهجرة بإحدى عشرة سنة. وقال أبو عمرو بن العلاء: قلت لأأبي رجاء العطارديِّ: ما تذكر؟ قال: قتلُ بسطام بن قيس على الحسن، والحسن: حَبلُ رملٍ. وأنشد أبو رجاء العطاردي لابن غنمة في بسطام ابن قيس بن مسعود الشيباني:
وخرَّ على الألاءة لم يُوسَّدْ ... كأنَّ جبينه سيفٌ صَقيلُ
قال الأصمعي: قتل بسطام بن قيس قبل الإسلام بقليل. وقيل إن قتل بسطام بن قيس كان بعد مبعث النبي ﷺ .
يُعدُّ أبو رجاء في كبار التابعين، عُظمُ روايته عن عمر وعلي وابن عباس وسمرة، وكان ثقة. روى أيوب الَّسختيانُّي وجماعة. وكان أبو رجاء يقول: بُعث النبي صلى الله ﵇، وأنا أرعى الإبل على أهلي، وأريش وأبري: فلما
стр. 282
سمعنا بخروجه لحقنا بمسيلمة. وكانت له عباة، وعُمِّر عُمرا طويلا. مات سنة خمس ومئة في أول خلافة هشام بن عبد الملك، وهو ابن مئة وثمان وعشرين سنة وذكر الهيثم بن عدي عن أبي بكر بن عياش قال: اجتمع في جنازة أبي رجاء العطارديِّ الحسن البصري والفرزدق. فقال الفرزدق للحسن: يا أبا سعيد، يقول الناس: اجتمع في هذه الجنازة خير الناس وشرهم. قال: لست بخيرهم ولست بشرهم، ولكن ما أعددت لهذا اليوم؟ قال: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله. ثم انصرف الفرزدق فقال:
ألم ترَ أن الناسَ ماتَ كبيرهم ... وقد كانَ قبل البعثِ محمدِ
ولم تُغنِ عنهُ عيشُ سبعينَ حجةً ... وستينَ لمَا بانَ غيرَ مُوَسَّدِ
إلى حُفرةٍ غبراءَ يُكْرهُ ورِدُها ... سِوى أنها مثوى وضيعٍ وسِّيدِ
ولو كان طولُ العمر يُخلِدُ واحداً ... ويدفعُ عنه عيبَ عُمرٍ عَمرَّدِ
لكان الذي راحوا به يَحملونَهُ ... مُقيماً، ولكن ليس حَيٌّ بِمُخلَدِ
تَروحُ وتغدو والحتوفُ أمامنا ... يضعن لنا حتفَ الرَّدى كل مَرصدِ
وقد قال لي: ماذا تُعدُّ لما ترى ... فقيهٌ إذا ما قال غيرُ مُفنَّد
стр. 283
ِفقالُ له: أعددتُ للبعثِ والذي أرادَ بهِ أني شهيدٌ بأحمدِ
وأنْ لا إلهٌ غيرُ ربي هو الذي ... يُميتُ ويُحيي يومَ بعثٍ ومَوعدِ
فهذا الذي أعددتُ لا شيءَ غيرُهُ ... وأن قلتَ لي أكثرْ من الخيرِ وازْدَدِ
فقالَ: لقد أعصمتَ بالخيرِ كلِّهِ ... تمسَّكْ بهذا يا فرزدق تُرشَدِ
وحدَّث جرير بن حازم قال: سمعت أبا رجاء العطاردي قال: سمعنا بالنبي ﷺ ، ونحن في مال لنا، فخرجنا هُرابا. قال: فمررت بقوم ظبي، فأخذتها وبللتها. قال: وطلبت في غِرارةٍ لنا فوجدت كفَّ شعير، فدققته بين حجرين، ثم ألقيته في قدر، ثم ودَجْتُ بعيرا لنا، فطبخته، فأكلت أطيب طعامٍ أكلته في الجاهلية. قلت: يا أبا رجاء، ما طعمُ الدم؟ قال: حلوٌ.
وروي أن أبا رجاء أتته امرأة في جوف الليل، وقد جاوز المئة ببضع فقالت: يا أبا رجاء، إن لطارق الليل حقا، إن بني فلان خرجوا إلى سفوانَ، وتركوا شيئا من متاعهم. فانتقل، وأخذ الكتب فأدَّاها ورجع إلى البصرة، وصلى بأصحابه الفجر، وهي مسيرة ليلةٍ للأبل.
ومن بني شجنة بن عطارد صفوان بن جناب بن شجنة بن عطارد: وكان صفوان هو الذي يجيز للناس بالحج من عرفة، ثم بنوه من بعده، حتى كان آخرهم كرب بن صفوان. وهو الذي قام عليه الإسلام. وفي ذلك يقول أوس بن مغراء السعديُّ
стр. 284
لا يبرحُ الناسُ ما حجوا معرَّ فهمْ ... حتى يقال: أجيروا آل صفوانا
متا تطلعُ الشمسُ إلا عندَ أولنا ... ولا تغيَّبُ إلا عند أُخرانا
وقال الفرزدق مناقضا الجرير من قصيدة طويلة:
إذا هبطَ المُحصَّبُ من مِنى ... عشيةَ يوم النحرِ من حيثُ عرَّفوا
ترى الناسَ ما سِرنا يسيرونَ خلفنا ... وإنْ نحن إومأنا إلى الناسِ وقَّفوا
وعدد ابيات هذه القصيدة مئة وثلاثة عشر بيتا. ولها خبر ذكره إبراهيم بن محمد بن سعد بن أبي وقاص الزهري في منتخب النقائض للنَّجيرمي. وفي هذه القصيدة البيت الذي استشهد به الزَّجاجيُّ في " الجمل " في باب الفعل المحمول على المعنى، وهو:
وعظُّ زمانٍ يا بْنَ مروانَ لم يدعْ ... من المالِ إلا مُسحَتٌ أو مُجلَّفُ
روى الكسائي مُسحتاً بالنصب، وهو المستأصل. والمجلَّفُ: شبيهٌ به. ومن رفع مسحتاً حمله على المعنى، لأنه إذا قال: لم يدعْ فكأنه لم يبقِ. قال أبو عبيدة: وسمعت رواية الفرزدق يروى " لم يَدعْ من المال ". وقال لم يَدِعْ: لم يَتَّدعْ: من الدَّعةِ. أي لم يثبتُ ولم يستقر.
ومن بني قريع بن عوف، وهو أخو عطارد وبهدلة الأضبط بن قُريع بن
стр. 285
عوفٍ: وكان رأس تميما في الجاهلية في بعض حروبهم. وهو المتقيِّل في القبائل. فلما لم يُحمدهم رجع إلى قومه وقال: بكلِ وادٍ بنو سعدٍ. وله حكم في شعره. وهو القائل في قصيدة مشهورة:
لكلِّ همٍّ من الهمومِ سَعهْ ... والمُسْيُ والصُبحُ لا فاحَ معهُ
الفلاح: البغاء ومنهم بنو أنف الناقة منهم شمَّاسُ بن لأيْ: الذي مدحه الحطيئة. وفيه يقول من قصيدة:
وإن التي نكتبها عن معاشرِ ... عِضابٍ عليَّ أنْ صَددتُ كما صَدُّوا
أتتْ آل شَّماسِ بن لأي وإنما ... أتتهمْ بها الأحلامُ والحسبُ العِدُّ
وإنَّ الشقيَّ مَن تُعادى رماحهمْ ... وذو الجَدِّ من لانوا إليه ومن وَدَّوا
يسوسونَ أحلاماً بعيداً أناتُها ... وإن غَضوا جتءَ الحفيظةُ والجِدُّ
أقلُّ عليهم لا أبا لأبيكمُ ... منَ اللومِ أو سُدوا المكانَ الذي سَّدوا
أولئك قومٌ إنْ بنوا أحسنوا البُنا ... وإن عاهدوا أوفوا وإن عقَدوا شَدُّوا
стр. 286
وإن كانتِ النَّعماءُ فيهم جضزَوا بها ... وإن أنعموا لا كدَّروها ولا كدُّوا
وفيها:
فمن مُبلغٌ لأْياً بأنْ قد سعى لكم ... إلى السورةِ لا يساوى عِنانهُ
جرى حين جارى لا يساوى عِنانهُ ... عنانٌ ولا يثنى أجاريَّةُ الجَهدُ
رأى مجد أقوام أُضيع فحثَّهم ... على مجدهمْ لمَّا رأى أنه المجد
وله ايضا يمدح آل شماس بن لأىٍ من قصيدة:
سيرى أُمام فإن الأكثرين حصًى ... والأكرمين إذا ما يُنسبونَ أبا
قومٌ هم الأنفُ والأذنابُ غيرهمُ ... ومن يساوى بأنفِ الناقةِ الدَّنيا؟
قومٌ إذا عقدوا عقداً لجارهمُ ... شدوا العِناجَ وشدوا فوقهُ الكربا
قومٌ يبيتُ قرير العين جارُهمُ ... إذا لوى بقوى أطنابهمْ طُنُبا
وله أيضا يمدح بني قريع، من قصيدةٍ:
стр. 287
فلا وأبيكَ ما ظلمتْ قُريعٌ ... بأن يبنوا المكارم حيثُ شاؤوا
وإنى قد عَلقت بحبل قومٍ ... أعانهم على الحسبِ الثَّراءُ
إذا نَزلَ الشتاءُ بجارِ قومٍ ... تجنَّبَ جارَ بيتهمُ الشتاءُ
همُ تالقومُ الذين إذا ألمَّتْ ... من الأيامِ مُظلمةٌ أضاؤوا
ومن بني أنف الناقة أوس بن مغراء.
ومن بني ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم المستوغر بن ربيعة ابن كعب بن سعد: عُمِّر ثلاث مئةٍ وثلاثين سنةً، وأدرك الإسلام. وهو القائل في طول عمره:
ولقد سئمت من الحياةِ وطولها ... وعُمِرتُ من عددِ السنين مِئينا
مئةٌ حَدتْها بعدها مئتانِ لى ... وازددتُ من عدد الشهورِ سنينا
هل ما بقيَ إلا كما قد فاتنا ... يومٌ يمرُ وليلةٍ تحدونا
وهو القائل حين هدم رُضى في الإسلام، وكانت بيتاً تعظِّمه بنو أبيه ربيعة بن كعب:
стр. 288
ولقد شددتُ على رضاءٍ شَدَّةً ... فتركتها قَفراً بقاعٍ أشحما
واسم المستوغر عمرو. وكان أطول مضر عُمراً.
وبنو ربيعة بن كعب بن سعد، وبنو الأعرج بن كعب بن سعد يقال لهم الأجاربُ. وفيهم يقول أحمرُ بن جندل:
ذودوا قليل تُلحقُ الجلاببُ ... تَلحقُنا حمَّانُ والأجاربُ
وقيل لهم الأجارب لأنهم كانوا يَعوُّون الناس بكثرة شرِّهم.
فمن الأجارب حارثةُ بن قدامة: صاحب شرطة علي بن أبي طالب، وعمرو بن جُرموز: قاتل الزبير بن العوام. والنسب إلى الأعرج بن كعب أعرجي نسبٌ معروف. وحِمّان: هو عبد العزى بن كعب ...
ومن بني سعد بن زيد مناة بن تميم ثم بني صَريم الصَّريمي الملقب عبسَ الطِّعان: وكان من الابطال. ترجَّل يوم هزم أصحاب قَطري " عبد العزيز بن عبد " الله بن خالد بن أسيد بن أبي العيص بن أمية، فقاتل حتى قُتل ﵀.
ومنهم من سيأتي ذكره بعد مقتل عليٍّ ﵁. وحرام بن كعب بن سعد: من بني حرام. والحرام بالراء وفتح الحاء والمهملة.
ومن بني الأعرج بن كعب بن سعد بن زيد مناة أسلعُ بن شَرِيك الأعرجي: " كان صاحب " رسول الله ﷺ ، وصاحب راحلته. نزل البصرة. روى عنه زريق المالكي.
стр. 289
ومن بني حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم داررمُ بن مالك بن حنظلةَ: وبنوه بطون. ويربوعٌ: وبنوه بطون. وهو يربوع بن حنظلة، عم دارم. ومن بني مالك بن حنظلة صُدَيٌ ويربوعٌ وزيد: وهم بنو العَدويَّة. نُسبوا إلى امهم، وبها يُعرفون. وأبوهم مالك بن حنظلة. وأخوتهم أبو سودِ بن مالك، وعوف بن مالك، وخُشيش بن مالك. أمهم طُهيَّة وبها يُعرفون. ويقال لبني طهية وبني العدوية " الجمارُ ". منهم: أبو البلاد الطُّهويُّ. ومن طُهية بنو شيطانٍ: بطنٌ فيهم فوارس. " قال الشاعر ":
فوارسُ لا يملُّون المنايا ... إذا دارت رَحى الحربِ الزَّبونِ
فولد دارمٌ: عبد الله بطنٌ، ومُجاشعا بطن، ونَهشلا بطن، والعنبر بطن. وولد يربوع: ثعلبة بطن، وغدافة بطن، ورياحا بطن، وحراما بطن، وسليطا بطن، والعنبر بطن.
فمن بني عبد الله بن دارم عطارد بن حاجب بن زرارة بن عدس بن زيد ابن عبد الله بن دارم: وهو من أشراف وجوه تميم. وبقوس أبيه حاجب يُضرب المثل حين رهنها عند كسرى، وخبرُها مشهور. ومات حاجب والقوس عند كسرى. فارتحل عطارد بن حاجب إليه يطلب قوس أبيه، فردها عليه، وكساه حلةً. فلما وفد إلى النبي ﵇ في بني تميم سنة تسع، وكان سيدا في قومه أهدى الحلة إلى رسول الله ﷺ ، فلم يقبلها، فباعها بأربعة آلاف درهم من رجل من اليهود. ولهذه الحلة خبر ذكره مسلم في صحيحه فقال: حدثنا شيبا بن فرُّوخ قال: نا جرير بن حازم قال: نا نافع عن أبن عمر قال: رأى عمر عطارد التميمي يُقيم بالسوق حلةً سِيراءَ. وكان رجلا يغشى الملوك، ويصيب منهم. فقال عمر: يا رسول الله، إني رأيت عطارد يقيم في السوق حلة سيراء. فلو اشتريتها فلبستها لوفود العرب إذا قدموا عليك، وأظنه قال:
стр. 290
ولبستها يوم الجمعة. فقال له رسول الله ﷺ : " إنما يلبس الحرير في الدنيا من لا خلاق له في الآخرة ". فلما كان بعد ذلك أُتي رسول الله ﵇ بحللٍ سيراءَ. فبعث إلى عمر بحلة، وبعث إلى أسامة بن زيد بحلة، واعطى علي بن أبي طالب حلة وقال: " شَققها خمرا بين نسائك ". قال: فجاء عمر بحلته يجعلها، فقال: يا رسول الله بعثت إلى بهذه، وقد قلت بالأمس في حلة عطارد ما قلت! فقال: " أما إني لم أبعث بها إليك لتلبسها، ولكن بعثت بها إليك لتُصيبَ بها ". وأما أسامة فراح في حلته فنظر إليه رسول الله ﷺ نظرا عرف أن رسول الله ﷺ قد أنكر ما صنع فقال: يا رسول الله، ما تنظر إلي؟ فأنت بعثت بها إلي! فقال: " إني لم أبعث إليك لتلبسها ولكن بعثتها إليك لتشققها خمرا بين نسائك ".
وابن ابنه محمد بن عمير بم عطارد: كان شريفا. وله يقول الشاعر:
علمَ القبائلُ من معدّ وغيرها ... أن الجوادَ محمدُ بن عُطاردِ
وذكرت بنو دارم يوما بحضرة عبد الملك، فقالوا: قومٌ لهم حظ. فقال عبد الملك: تقولون ذلك وقد مضى منهم لقيط بن زرارة، ولا عقب له. ومضى محمد ابن عمير بن عطارد، ولا عقب له. والله لا تنسى العرب هؤلاء الثلاثة أبدا.
وجلس الحجاج يوما، ومعه جماعة على المائدة، منهم محمد بن عمير بن عطارد ابن حاجب بن زرارة، وحجار بن الحرِّ بن بجير العِجْليُّ، فأقبل في وسط الطعام على محمد بن عمير. فقال: يا محمد، أيدعوك قتيبة بن مسلم إلى نُصرتي يوم رُسْتَقْباذَ فتقول: هذا أمر لا ناقة لي فيه ولا جمل؟ لا جعل الله لك فيه ناقة ولا جملا. يا حرسيُّ خذ بيدهِ، جَرِّد سيفك، فاضرب عنقه. فنظر إلى حجار وهو يبتسم، فدخلته العصبية. وكان مكان حجار من ربيعة كمكان محمد بن عمير من مضر. وأتى الخبازُ بفُرنيةٍ، فقال: اجعلها مما يلي محمدا، فإن اللبن
стр. 291
يُعجبه. ياحرسي شمْ سيفك وانصرف.
شِم سيفك: من الأضداد. يقال: شِمتَ السيف: إذا أغمدته وإذا سللته. وشمت البرق إذا نظرت إليه من أى ناحية يأتي. ومن شمت السيف: بمعنى سللته. قول النبي ﷺ حين خرج إلى أُحد للرجل الذي أصاب كُلاَّبَ سيفهِ ذنبُ فرسٍ، حين ذبَّ به، فاستله: " شم سيفك، فإني أرى السيوف ستسل اليوم ". وكان ﷺ يحب الفأل ولا يعتاف. ومن شمتُ السيف: بمعنى أغمدته، كقول الفرزدق:
بأيدي رجالٍ لم يشيموا سيوفهم ... ولم تكثرِ القتلى بها حين سُلَّتِ
وهذا البيت طريف عند أصحاب المعاني تأويله لم يشيموا ولم يغمدوا. ولم تكثر القتلى أى لم يُغمدوا سيوفهم إلا وقد كثرت القتلى حين سلت.
وكان محمد بن عمير حظيا عند بني مروان، وخاصا ببشر بن مروان. قال أبو عبيدة: قدم الأخطل على بشر الكوفة، فوجد عنده محمد بن عمير بن عطارد بن حاجب بن زرارة. فقال محمد للأخطل: إن الأمير سيسألك عن الفرزدق وجرير، فانظر ما أنت قائل، فقد عرفت قرابتنا.
وأم عبد الله ومجاشع ابني دارم الحلال بنت ظالم بن ذبيان التغلبي. فسأل بشر الأخطل عنهما، فقال: الفرزدق أشعر العرب. فقال جرير يهجو الفرزدق والأخطل ومحمد بن عمير بن عطارد في قصيدة طويلة أولها:
لمن الديارُ ببُرقةِ الروحانِ ... إذ لا نبيعُ زماننا بزمانِ
ومنها في ذكر محمد بن عمير وعمه لبيد:
стр. 292
لا يَخفينَ عليكَ أنَّ محمداً ... من نسلِ كلِّ ضِفِنَّةٍ مشبطانِ
إنْ عند بني أُسيدةَ عزَّنا ... فانقلْ مناكبَ يَذبُلٍ وأبانِ
إنا لنعرفُ ما أبوكَ لدارمٍ ... فالحقُ بأصليكَ من بنى دُهمانِ
ألقوا السلاح إليَّ آلَ عطاردٍ ... وتعاظموا ضرطاً على الدكان
قال المدائني: حَبقَ لبيد بن عطارد بن حاجب بن زرارة عند زياد، فأمر له بعشرة آلاف درهم. فعيَّره جرير بذلك. زمنها في ذكر الأخطل وتغلب. واسم الأخطل غِياثٌ بن غويث بن الصَّلت:
تَلقى الكرام إذا خُطبنَ عزالياً ... والتغلبيَّةُ مهرُها فَلسانِ
والتغلبيُّ مُغلبٌ قعدتْ بهِ ... مَسعاتُهُ عبدٌ بكلِّ مَكانِ
قَبحَ الإله من الصَّليب إلهُهُ واللابسينَ بَرانسَ الرُّهبانِ
والذابحينَ إذا تقابَ فِصحُهمْ ... شُهبَ الجُنوبِ ركيكةةَ الأثمانِ
من كلِّ ساجي الَّرفِ أعصَلَ نابُهُ ... في كلِّ قائمةٍ لهُ طِلقانِ
стр. 293
تَغشى الملائكةُ الكرامُ وفاتَنا ... والتَّغلبيُّ جنازةُ الشيطانِ
والتغلبيُّ كتابهُ بِشمالهِ ... وكتابُنا بأكفِّنا الأيمانِ
أيُّصدقون بمارَ سرجسَ وابنه ... ويكذِّبونَ بمُنْزَلِ الفُرقانِ؟
ما في ديارِ مُقام تغلبَ مَسجدٌ ... وترى مكاسِرَ حَنْتمٍ ودنانِ
ليس ابنُ عابدةِ الصليب بمنتَهٍ ... حتى يذوقَ بكأسِ مَن عادانى
تركَ الهُذيلَ قيس منكمُ ... قَتلى تُقبِّحُ روحَها الملكانِ
هزُّوا الرماحَ فأشرِعتْ لظهورهمْ ... هزَّ الرياح عواليَ المُرَّانِ
فتركتمُ جَزرَ السباع وفَلُّكُمْ ... يتساقطونَ تساقُط الحَمْنانِ
يا عبدَ خِندفَ لا تزال مُعبَّداً ... فاقعدْ بدارِ مَذَلَّةٍ وهوانِ
ولقد سبقتُ فما ورائي لاحقٌ ... بداءاً وخُلِّيَ في الجَراءِ عِنانى
فالحقْ بِحلفكَ في قُضاعةَ إنما ... قيسٌ عليك وخِندِفٌ أخوانِ
стр. 294
أحْموا عليكَ فما تجوزُ بِمهلٍ ... ما بين مصرَ إلى قصورِ عُمانِ
وزرارة بن عُدس: جد عطارد، وهو القائل المثل: " يا بعضى دع بعضاً "، وذلك أن ابنته كانت عند سويد بن ربيعة الميمي. ولها منه تسعة بنين. وإنَّ سويداً قتل ابنا لعمرو بن هند الملك صغيرا، ثم هرب، فلم يقدر عليه ابن هند. فأرسل إلى زرارة فقال: ائتني بولده من ابنتك. فجاء بهم، فأمر عمرو ابن هند بقتلهم. فتعلقوا بجدهم زرارة، فقال: " يابعضي دع بعضاً " فذهبت مثلا. وكان يقال لعبد الله ومجاشع ابنى دارم " اللباب ". وبيت دارم بنو زرارة، وهم عشرة، منهم: حاجب، وعلقمة، ومعبد، ولقيط، وابن عمهم عمرو عُدُس. من ولده: هلال بن وكيع بن بشر بن عمرو: قتل يوم الجمل مع عائشة. ومنهم مسكين الدارمي الشاعر هو مسكين بن عامر بن أنيف بن شُريح بن عمرو.
قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: قتل لقيط بن زرارة يوم شعب جبلة، وأُسر حاجب أخوه؛ أسره ذو الرقيبة، وأُسر سنان بن أبي حارثة المرِّيُ؛ أسره عروة الرحال، فجزَّ ناصيته.. فلم يُثبهُ أُسر عمرو بن عُدس؛ أسره.. ابن المنفق فجزَّ ناصيته، وخلاَّهُ طعماً في المكافأة، فلم يفعل. وقُتل مالك بن ربعي ابن جندل بن نهشل، ومنقذ بن طريف الأسديُّ. فقال جرير:
كأنك لم تشهدْ لقيطاً وحاجباًوعمرو بن إذ دعوا: يال دارمِ ويوم الصفا كنتم عبيدا لعامرٍوبالحَزنِ أصبحتم عبيدَ اللهازمِ
стр. 295
يعني بالحزن: يوم الوقيط، وقال جرير أيضا:
ويومَ الِّعبِ قد تركوا لقيطا ... كأنَّ عليه خَملةَ أرجوانِ
وكُبِّل حاجبٌ بسهامَ حولا ... فحكَّم ذا الرُّقيبةَ وهو عانِ
وكانت تحت لقيط بن زرارة القَذورُ بنت قيس بن خالد الشيباني: من ربيعة. وهي أخت بسطام بن قيس: فلما قتل تزوجها بعده رجل من قومها، فقال لها يوما: أنا أجمل أم لقيطٌ؟ فقالت: " ماء ولا كصًراءَ ".. أي أنت جميل ولست مثله. والقذور أول من تمثلت بهاذا المثل. قال المفضل: وصًرًاءُ: ركيَّةٌ لم يكن عندهم ماءٌ أعذبَ من مائها. وفيها يقول ضرار السعدي:
إني وتهيامى بزينب كالذي ... يطالب من أحواضِ صرَّاءَ مَشرَبا
ومن أمثال العرب: " مرعى ولا كالسَّعْدانِ " وهو لأمرأة من طيء، كان تزوجها امرؤ القيس بن حجر الكندي، وكان مُفَّركاً. فقال لها: أين أنا من زوجك الأول؟ فقالت: " مَرعى ولا كالسعدانِ ". أي إنك وإن كنت رضىً فلست كفلان. قال أبو عبيدٍ: السعدانُ: نبي تعتلفه الإبل، وهو من أفضل مراعيها. فإذا رأوا علفا دونه قالوا هذه المقالة.
ومن ولد علقمة بن زرارة يزيد بن شيبان بن علقمة: وله خبر طريف مع الرجل المهري، ذكره أبو علي البغدادي القالي في الأمالي. قال أبو علي: حدثنا
стр. 296
أبو بكر ﵀ قال: حدثنا أبو حاتم عن أبي عبيدة قال: قال أبو زرارة بَجالُ ابن حاجب العلقمي من ولد علقمة بن زرارة: خرج يزيد بن شيبان بن علقمة حاجَّا، فراى شارفَ البلدَ شيخا يحُّفه ركبٌ على إبل عتاقٍ بزحال ميسٍ مُلبسةٍ أدما. قال: فعدلتُ فسلمت عليهم، وبدأتُ به وقلت: من الرجل؟ ومن القوم؟ فأرَمَّ القومُ ينظرون إلى الشيخ هيبة له. فقال الشيخ: رجل من مهرة بن حيدان بن عمرو بن الحاف بن قُضاعة. فقلت: حياكم الله، وانصرفت. فقال الشيخ: قف أيها الرجل، نسبتنا فأنتسبنا لك، ثم انصرفت ولم تُكلمنا.
قال أبو بكر: وروى الَّكنُ بن سعيد عن محمد بن عباد: شاممتنا مشامَّة الذِّيب الغنمَ، ثم انصرفت. قلت: ما أنكرت سوءاً، ولكني طننتكم من عشيرتي فأناسبك فانتسبتم نسبا لا أعرفه، ولا أراه يعرفني. قال: فأمال الشيخ لثامه، حَسرَ عمامته وقال: لعمري لئن كنت من جِذْمٍ من أجذام العرب لأعرفنك. قلت: فإني من أكرم أجذامها. قال: فإن العرب بنيت على أربعة أركان: مُضر، وربيعة، واليمن، وقُضاعة. فمن أيهم أنت؟ قلت: من مُضر. قال: أمن الأرجاءِ أم من الفرسان؟ فعلمت أن الأرجاء خِندِفٌ، وأن الفرسان قيسٌ. قلت: من الأرجاء. قال: فأنت إذا من خندف؟ قلت: أجل. قال: فمن الأرنبة أم من الجُمجمة؟. فعلمت أن الأرنبة مُدركة، وأن الجمجمة طابخة. فقلت: من الجمجمة. قال: فأنت إذاً من طابخة؟ قلت: أجل. قال: أفمن الصميم أم من الوشيظ؟ فعلمت أم الصميم تميم وأن الوشيظ الِّباب. قلت: من الصميم. قال: فأنت إذا من تميم. قلت: أجل. قال: إفمن الأكرمين أم من الأحلمين أم من الأقلين؟ فعلمت أن الأكرمين زيد مناة، وأن الأحلمين عمرو بن تميم، وأن الأقلين الحرث بن تميم. قلت: من
стр. 297
الأكرمين. قال: فأنت إذا من زيد مناة؟ قلت: أجل. قال: فمن الجدود أم من البحور أم من الثِّماد؟ فعلمت أن الجدود مالك وأن البحور سعد، وأن الثماد بنو القيس بن زيد بن مناة. قلت: من الجدود. قال: فإنت إذا من بني مالك؟ قلت: أجل. قال: أفمن الذرى أم من الأرداف؟ فعلمت أن الذرى حنظلة، وأن الأرداف ربيعة ومعاوية، وهما الكُردوسانِ قلت: من الذرى. قال: فأنت إذا من بني حنظلة. قلت: أجل. قال: أفمن البدور أم من الفرسان أم من الجارثيم؟ فعلمت أن البدور مالك، وأن الفرسان يربوع، وأن الجارثيم البراجم. قلت: من البدور. قال: فأنت إذا من بني مالك بن حنظلة. قلت: أجل. قال: أفمن الأرنبة أم من القف؟ فعلمت أن الأرنبة دارم، وأن اللحيين طهية والعدوية، وأن القفا ربيعة بن حنظلة. قلت: من الأرنبة. قال: فأنت إذا من دارم؟ قلت: أجل. قال: أمن اللباب أم من الهضاب، أم من الشهاب؟ فعلمت أن اللباب عبد الله، وأن الهضاب مجاشع، وأن الشهاب نهشل. قلت: من اللباب. قال: فأنت إذا من بني عبد الله؟ قلت: أجل. قال: أفمن البيت أم من الزوافر؟ فعلمت أن البيت بنو زرارة، وأن الزوافر الأحلاف. قلت: من البيت. قال: فأنت إذا من بني زرارة؟ قلت: أجل. قال: فإن زرارة ولد عشرة: حاجيا، ولقيطا، وعلقمة، ومعبدا، وخزيمة، ولبيدا، وأبا الحرث، وعمرا، وعبد مناة، ومالكا. فمن أيهم أنت؟ قلت من بني علقمة. قال: فإن علقمة ولد شيبان، لم يلد غيره. فتزوج شيبان ثلاث نسوة مهدد بنت حُمران بن بشر بن عمرو بن مرثدٍ، فولدت له يزيد. وتزوج عكرشة بنت حاجب بن زرارة بن عُدس، فولدت له المأمور، وتزوج عمرَة بنت بِشْر بن عمرو بن عُدْس، فولدت له المُقعد، فلأيهن أنت؟ قلت: لمهدد. قال: يابن أخي، ما افترقت فرقتان بعد مدركة إلا كنت في أفضلهما حتى زاحمك أخواك، فإنهما أن تلدنى أمهما أحب إلي من أن تلدني أُمك. يابن أخي أتُراني عرفتك؟ قلت: إي وأبيك، أيُّ معرفة؟! ومن بني مجاشع بن دارم صعصعة بن ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان
стр. 298
ابن مجاشع بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، وهو من الصحابة. وهو جد الفرزدق الشاعر: واسم الفرزدق هَمَّامُ بن غالب بن صعصعة. وكان صعصعة من أشراف بني تميم ووجوه بني مجاشع. وكان في الجاهلية يفتد الموؤدات. قيل إنه افتدى مئة موءودة. ففخر بذلك الفرزدق في قوله: وجدىِّ الذي منع الوائدات وأحيا الوئيدَ فلم يُوءَدِ روى عنه طفيل بن عمرو وابنه عقال بن صعصعة والحسن البصري، إلا أنه قال: حدثني صعصعة عم الفرزدق، وهو جده. وكان الفرزدق من فحول الشعراء في الإسلام، وروى الحديث. قال مسلم في " الكنى ": أبو فراس الفرزذق الشاعر، سمع ابن عمر وأبا هريرة. روى عنه مروان الأصغر وابن أبي نجيح وابنه لبطة. وروى عن ابنه أبي سهل لبطةَ سفيان بن عُيينةَ.
ومنهم أعينُ بن ضُبيعةَ بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع: هو الولد النوارِ بنت أعين زوج الفرزدق، التي يقول فيها حين طلقها.
ندمتُ نَدامةَ الكُسعي لمَّ ... غدتْ منى مُطلَّقةً نوارُ
وكانت جنَّتي فخرجتُ منها ... كآدم حينَ أخرجه منها الِّرارُ
وأعين هو الذى عقر الجمل الذي كانت عليه عائشةُ أم المؤمنين ﵂. قاله ابن عبد البر في " الاستيعاب ". وقال الطبري: عقرَ الجمل بُحير بن
стр. 299
دُلجة الضَّبيُّ من أهل الكوفة. وكان اسم جمل عائشة " عكر ". وقَتل أعين أهل البصرة: قال الطبري في تاريخه الكبير في خبر يوم الجمل: جاء أعينُ بنُ ضُبيعة المجاشعيُّ حتى اطَّلع في الهودج. فقالت عائشة: إليك لعنك الله. فقال: والله ما أرى إلا حُميراءَ. فقالت: هتَك الله سِترك، وقطع يدك، وأبدى عورتك. فقُتل بالبصرة وصُلب وقُطعت يدهُ، ورُمي به عُريانا في خربة من خرب الأزد.
ومنهم عياضُ بن حمار بن أبي حمار بن ناجية بن عقال: وأبو حمارٍ جد عياض، أخو الفرزدق. سكن عياض البصرة، وروى عنه مُطرِّف ويزيد ابنا عبد الله بن الشخير والحسن وأبو التيَّاح. وكان صديقاً لرسول الله ﷺ قديما. وكان إذا قدم مكة لا يطوف إلا في ثياب رسول الله ﷺ لأنه كان من الجلَّة الذين لا يطوفون إلا في ثوبِ أحمسي.
ومنهم الأقرع بن حابس بن عقال الذي قال فيه العباس بن مرداس للنبي ﵇ حين قسم غنائم حُنين من أبياتٍ:
أتجعلُ نَهْبى نهبَ العُبي ... دِ بين عيينة والأقرعِ
وحابسٌ: والد الأقرع، عم صعصعة جد الفرزدق: ومنهم الحُتاتُ بن يزدي ين علقمة بن جُوى بن سفيان بن مجاشع: وكان رسول الله ﷺ آخى بين الحُتات هذا وبين معاوية بن أبي سفيان. فمات الحُتات عند معاوية، وهو خليفةٌ، فورثه بهذه الأُخوَّة. فقال الفرزدق، وهو شاب، لمعاوية:
أبوكَ وعمى يا مُعاويَ أورثا ... تُراثا فَيحتازُ التُراثَ أقاربهُ
стр. 300
فما بال ميراثِ الحُتاتِ أكلتَهُ ... وميراثُ صخرٍ جامدٌ لك ذائبُهْ
ومن بني مجاشع البعيثُ الشاعر: واسمه خداش بن بشير بن أبي خالد بن بيبةَ بن قُرط بن سفيان. والاصبغُ بن نباتة: صاحب علي ﵁.
ومن بني نَهشل بن دارمٍ عبَّادُ بن مسعودٍ: الذي قال فيه الحطيئة:
هضمَّتْ بدارِ ضرارٍ ثمَّ قلتُ لها: ... لا بل عليكِ بعبادِ بن مسعودِ
عليكِ دارَ رَحيبِ الباعِ ذى شَرفٍ ... ألقيتْ إليه تميمٌ بالمقاليدِ
ومنهم خازمً بن خُزيمةً النَّهْشليُّ: وهو من صخر بن نَهشل، وكان لأمِّ ولدٍ، ويكنى أبا خُزيمة. وولي خراسان، ثم وليَ عُمانَ، ومات ببغداد فعُزيَ عنه أبو جعفر. وابنه خزيمة بن خازم، يكنى أبا العباس، وولىَ الولايات. وابنه إبراهيم ابن خازم: قتله الوليد بن طريفٍ الشاري.
ومنهم الأسود بن يَعفُر الشاعر: جاهلي. وهو القائل من قصيدة:
ماذا أُؤمِّل بعد آلِ مُحرِّقٍ ... تركوا منازلهم وبعدَ إيادِ
أرض الخورنق والسديرِ وبارقٍ ... والقصر ذي الشُّرفاتِ من سِنْدادِ
стр. 301
نَزلوا بأنْقرةٍ يسيلُ عليهمُ ... ماءُ الفرات يجيءُ من أطوادِ
أرضٌ تَخيِّرها لطيب مَقيلها ... كعبُ بنُ مامةَ وابنُ أمِّ دُؤادِ
جَرت الرياحُ على مَحلِّ ديارهمْ ... فكأنهم كانوا على مِيعادِ
ولقد غَنُوا فيها بأنعمِ عيشةٍ ... في ظلِّ مُلكٍ ثابتِ الأوتادِ
فإذا النَّعيمُ وكلُّ ما يُلهَى بهِ ... يوماً يصير إلى بلىً ونَفادِ
وقال رجل من بني نَهشل بن دارم يمدح قومه:
إنَّ نَهشَلٍ لا ندَّعى لأَبٍ ... عنهُ ولا هوَ بالأبناءِ يَشْرينا
إنْ تُبْتَدرْ غايةٌ يوماً لمكرُمةٍ ... تلقَ السَّوابقَ منَّ والمُصَلِّينا
وليسَ يَهلِكُ منَّا سيدٌ أبداً ... إلا افْتَلَيْنا غُلاماً سيِّداً فينا
стр. 302
إنا لَمشن معشرٍ أَفْنى أوائلَهمْ قيلُ الكماةِ: ألا أين المحامونا؟
لو كان في الألف منّا واحدٌ فَدعَوا ... مَن عاطفٌ؟ خالهُم إياهُ يَعْنونا
إنا لنُرخِصُ يوم الرَّوع أنفسَنا ... ولو نُسامُ بها في الأمرِ أُغْلينا
إذا الكماةُ تَنحَّوا أن ينالهُمُ ... حدُّ الطُّباتِ وَصَلْناها بأيدينا
من قال: إنا بنو نهشل، جعل " بنو " خبر " إنَّ ". ومَن قال: " بني "، فإنما جعل الخبر على الاختصاص وهذا مدحٌ. ومثله: " نحن بني ضبة أصحابُ الجملْ ".
ومن بني فُقيم بن دارم أبو غاَضرةَ الفُقميُّ: واسمه عُروة، له صحبة ورواية. حديثه عن النبي ﵇: " دِينُ اللهِ يُسر ".
ومن بني فُقيم أبو سريةَ سُهيلُ بن خَليفةَ بن عبدةَ: سمع قيسَ بن عاصم. روى عنه ابنه عبدُ الملك.
ومنهم الحسنُ بن عَمرو الفُقيميَّ التميمي: روى عنه سفيان الثوري وإبراهيم النخعي. قال: إذا قيل: ... أنتَ. فقل: لاإله إلا اللهُ.
ومنهم فضيلُ الفقيمي: روى عن إبراهيم النخعي، عن علقمة، عن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: " لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقالُ ذرةٍ من كبرٍ ". خرجَّ الحديث مسلم.
стр. 303
ومنهم أبو العشراء أسامة بن مالك بن قهطم: وهو من التابعين، روى عن أبيه، وروى أبوه عن النبي ﷺ .
ومن بني أبان بن دارم سورة بن أبجر: كان فارسا، وولي خراسان. وذو الخرق بن شريح الشاعر.
ومن بني ثعلبة بن يربوع ثم من بني عرين بن ثعلبة واقد بن عبد الله بن عبد مناف بن عرين بن ثعلبة بن يربوع بن حنظلة بم مالك بن زيد مناة بن تميم: كان حليفا للخطَّاب بن نفيل، أسلم قبل دخول رسول الله ﷺ دار الأرقم. وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين بشر بن البراء ابن معرور. وهو الذي قتل عمرو بن الحضرمي أخا العلاء في أول يوم من رجب. وكان في البعث الذي بعثه النبي ﷺ إلى نخلة. وأهل السريَّة ثمانية رهط من المهاجرين ولم يكن فيهم من الأنصار أحد، وهم: عبد الله بن جحش الأسديُّ أمير السرية، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة العبشمُّي القريشيُّ، وعكاشة بن محصن الأسديُّ، وعتبة بن غزوان من بني مازن بن منصور أخى سليم بن منصور، وسعد بن أبي وقاص الزهريُّ، وعامر بن ربيعة من عنز ابن وائل، وواقد المذكور، وخالد بن البكير اللَّيثي، وسهيل بن بيضاء الفهري.
وفي واقد قال أبو بكر الصديق الأبيات التي ردَّ فيها على قريش حين استعظموا سفك الدَّم والسَّبي في الشهر الحرام، فيما قال ابن اسحاق. وقال ابن هشام: هي لعبد الله بن جحش.:
تَعدُّونَ قتلاً في الحرام عظيمةً ... وأعظمُ منهُ لو يَرى الرشدَ راشِدُ
صُدودُكمُ عمّا يقولُ محمدٌ ... وكفرٌ بهِ واللهُ راءٍ وشاهدُ
وإخراجُكمْ من مسجد اللهِ أهلَهُ ... لأَنْ لا يُرى في البيتِ للهِ ساجدُ
стр. 304
فإنَّا وإنْ عَيَّرتُمونا بقتلهِ ... وأَرجفَ بالإسلامِ باغٍ وحاسدُ
سَقَينا من ابن الحضرميِّ رماحَنا ... بِنَخلةَ لما أَوقدَ الحربَ واقِدُ
دَماً وابنُ عبد الله عثمانُ بَينَنا ... ينازعُهُ غُلٌّ من القِدِّ عانِدُ
شهد واقد بن عبد الله بدرا وأحدا والمشاهد كلَّها مع رسول الله ﷺ . وتوفي في خلافة عمر بن الخطاب ﵄.
ومن عرين بن ثعلبة ابن الكلحبة الشاعر الشجاع: واسمه جرير بن هبيرة. والكلحبة أمُّه، وهي امرأة من جرم، قاله أبو عبيد. وقال غيره: الكلحبة: السراج. وابن الكلحبة هو القائل من قصيدة:
فقلتُ لكأسٍ: أَلجميها فإنما ... حللتُ الكثيبَ من زَرودَ لأَفزَعا
يقول: لأغيث. وكأس: اسم جارية، وإنما أمرها بإلجام فرسه ليغيث. والفزع هنا: الاستنجاد والاستصراخ. ومنه قول النبي ﵇ للأنصار: " إنكم لتكثرون عند الفزع، وتقلُّون عند الطمع ". وقال جرير يهجو بني عرين ابن ثعلبة بن يربوع:
عَرينٌ من عُرينةَ ليس ممَّا ... بَرِئتُ إلى عُرينةَ من عَرينِ
والنسب إلى " عرين " عريني. وكثير من الناس يقول فيه: عرني. وعرينة من بجيلة، وهو عرينة بن نذير بن قسر بن عبقر بن أنمار بن ياراش. بن عمرو بن الغوث. ومن عرينة النفر الذي أغاروا على لقاح رسول الله ﷺ ، وخبرهم صحيح مشهور.
стр. 305
ومن بني ثعلبة بن يربوع متمِّم بن نويرة: وهو من الصحابة. وأخوه مالك، قتل في الردة في خلافة أبي بكر الصديق، ﵁. وقتل مالكا ضرار بن الأزور الأسديُّ. أمره بذلك خالد بن الوليد. ورثاه متمِّم أخوه بقصائد كثيرة.
قال أبو العباس المبرَّد: حدثني العباس بن الفرج الرِّياشيُّ عن محمد بن عبد الله الأنصاري في إسناد ذكره. قال: صلَّى متمِّم بن نويرة مع أبي بكر الصديق ﵀ الفجر في عقب قتل أخيه. وكان أخوه خرج مع خالد مرجعة من اليمامة، يظهر الإسلام. فظنَّ به خالد غير ذلك، فأمر ضرار بن الأزور الأسدي فقتله. وكان مالك من أرداف الملوك، ومن متقدِّمي فرسان بني يربوع. فلما صلى أبو بكر ﵀ قام متمم بحذائه فاتّكأ على سية قوسه. ثم قال:
نِعمَ القتيلُ إذا الرياحُ تَناوحتْ ... خلفَ البيوتِ، قَتلتَ يابنَ الأزور
ولَنعمَ حشوُ الدرعِ كنتَ أدابراً ... ولنعم مأوى الطارقِ المُتنوِّرِ
أَدَعوتَهُ باللهِ ثم غَدَرتَهُ ... لوْ هُوْ دَعاكَ بذمَّةٍ لم يَغْدُرِ
وأومأ إلى أبو بكر، فقال: والله ما دعوته ولا غدرته. ثم أتمَّ شعره فقال:
لا يمسِكُ الفحشاءَ تحت ثيابهِ ... حُلوٌ شمائلُهُ، عفيفُ المِئْزَرِ
ثم اتّكأ وانحطَّ على سية قوسه، وكان أعور دميما. فما زال يبكي حتى دمعت عينه العوراء، فقام إليه عمر بن الخطاب، ﵀ فقال: لوددت أنك رثيت زيدا أخي، بمثل ما رثيت به مالكا أخاك. فقال: يا أبا حفص، والله لو علمت أن أخي صار بحيث صار أخوك ما رثيته. فقال عمر: ماعزَّاني أحد عن
стр. 306
أخي بمثل تعزيتك. ولمتمِّم يرثي أخاه مالكا من قصيدة:
وكنا كندمانَيْ جَذِيمةَ حِقْبةً ... منَ الدهرِ قيلَ: لن يَتَصدَّعا
فلما تَفرَّقْنا كأنى ومالكاً ... لطولِ اجتماعٍ لم نَبتْ ليلةً مَعا
فعِشْنا بخيرٍ في الحياةِ وقَبلنا ... أصابَ المنايا رَهْطَ كِسرى وتُبَّعا
فإنْ تكنِ الأيامُ فَرَّقْنَ بينَنا ... فقد بان محموداً أخى حين ودَّعا
وله يرثيه:
لقد لامَنى عند القبورِ على البُكا ... خَليلى لِتَذرافِ الدموعِ السَّوافكِ
وقال: أتبكي كلَّ قبرٍ رأيتَهُ ... لقبرٍ ثَوى بينَ اللَّوى والدَّكادكِ
فقلت له: إنَّ الأسى يبعثُ الأسى ... فدعْني؛ فهذا كلُّهُ قبرُ مالكِ
وكان مالك بن نويرة من أرداف الملوك. وفي تصديق ذلك يقول جرير من قصيدة يفخر ببني يربوع:
منهمْ عُتيبةُ والمُحِلُّ وقَعنبٌ ... والحَنْتفانِ ومنهمُ الرِّدفانِ
стр. 307
فأحد الردفين مالك بن نويرة اليربوعي، والردف الآخر من بني رياح بن يربوع. وهو عتَّاب بن هرمي بن رياح وبنوه من بعده.
وللرِّدافة موضعان، أحدهما أن يردفه الملك على دابَّته في صيد أو نزهة أو ما أشبه ذلك من مواضع الأنس. والوجه الآخر أنبل، وهو أن يخلف الملك إذا قام عن مجلس الحكم، فينظر بين الناس بعده. وفيه جرى المثل: " فتى ولا كمالك " ذكر ذلك علُّي بن سليمان الأخفش وغيره.
ومن بني ثعلبة بن يربوع عتيبة بن الحرث بن شهاب: وهو جاهلي، وكان يقال له: صيَّاد الفوارس لشجاعته، والمحلُّ بن قدامة، وقعنب بن عصمة، والحنتف والحرث ابنا أوس، وهما الحنتفان.
ومن بني كليب بن يربوع جرير بن عطيَّة الخطفي: واسم الخطفي حذيفة ابن بدر بن سلمة بن عوف بن كليب بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم. وكان من فحولة شعراء الإسلام. ويكنى أبا حزرة بابنته. وأمُّها خالدة بنت سعيد بن أوس بن معاوية من بني كليب بن يربوع، وهي أمُّ حزرة. ولما توفيت رثاها في أول قصيدة مشهورة له طويلة، وناقض الفرزدق في بقيِّتها. وتخيَّرت من الرثاء ما يستحسن، وهو:
لولا الحياءُ لهاجني استِعْبارُ ... ولزرتُ قبرَكِ والحبيبُ يزارُ
فسَقى صدى جَدَثٍ ببُرقةَ ضاحكٌ ... هَزِمٌ أَجَشُّ ودِيمةٌ مِدْرارُ
صلى الملائكةُ الذينَ تُخُيِّروا ... والصالحونَ عليك والأبرارُ
стр. 308
نِعمَ القرينُ كُسيتِ أجملَ منظرٍ ... ومع الجمالِ سكينةٌ ووقارُ
كانت مُكارِمَةَ العشيرةِ ولم يكنْ ... يَخْشى غوائلَ أمِّ حَزرةَ جارُ
والريحُ طيبةٌ إذا استعرضتُها ... والعِرضُ لا دنسٌ ولا خَوَّارُ
كانت إذا هجرَ الحَليلُ فراشَها ... خُزِنَ الحديثُ وعفَّتِ الأَسرارُ
وَلَّهتِ قَلبيَ إذْ عَلتْني كَبرةٌ ... وذَوو التمائمِ من بنيكِ صِغارُ
لا يَلبثُ القُرَناءُ أن يَتَفرَّقوا ... ليلٌ يَكُرُّ عليهمُ ونَهارُ
وقال عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير: أول امرأة تزوجها جرير خالدة، وهي أمُّ حزرة، وزكرياء، والصُّنابح، والتِّيجان. ولها من البنات: مفدَّاة، وأمُّ غيلان، وأمُّ غالب، وكرامة. ثم تزوَّج بعدها أمامة بنت عمرو بن حرام الكليبيَّة، فولدت له: عكرمة، وموسى، وموفية، وجدلة، وريداء، وجعادة. ثم تزوَّج بعدها أمُّ حكيم، فولدت له: بلالا، ونوحا، وأمُّ سعد. فنبه من ولده جميعا بلال ونوح.
قال المؤلف، وفَّقه الله: أمُّ حكيم من العجم، من أهل الرَّي. وهبها له الحجاج. ثم تزوَّجها بعد، كما قال عمارة بن عقيل، وهي جدَّة أبيه. وذكر أن جريرا في أول دخوله العراق دخل على الحكم بن أبي أيوب بن أبي عقيل الثقفيِّ. وهو ابن عمِّ الحجاج وعامله على البصرة. وفي ذلك يقول جرير:
стр. 309
أَقبلْنَ من ثَهْلانَ أو وادي خِيَمْ
على قِلاصٍ مثلِ خيطانِ السَّلَمْ
إذا قَطعْنا علماً بعدَ عَلَمْ
حتى أَنَخْناها إلى بابِ الحَكمْ
خليفةِ الحجاجِ غيرِ المتَّهمْ
في ضئضئِ المجدِ وبحبوحِ الكرمْ
فكتب إليه الحكم بعد أن باطنه الحجاج في ذلك، وذلك في أول سنيه، إنه قدم عليَّ أعرابيٌّ باقعة لم أر مثله. فكتب إليه أن يحمله معه سنة. هذا على قول من قال: ولد عام الهجرة. ويقال: أتي به النبي ﵇، ودعا له. وكان له فقه وعلم. وكان على خاتم عبد الملك بن مروان. وقال الشعبيُّ: كان قبيصة من أعلم الناس بقضاء زيد بن ثابت.
ومن بني حزام بن عمرو بن حبشية بن سلول بن كعب سليمان بن صرد ابن الجون بن أبي الجون بن منقذ بن ربيعة بن أصرم، يكنى أبا مطرِّف. كان خيِّرا فاضلا، له دين وعبادة. كان اسمه في الجاهلية يسارا، فسمَّاه رسول الله ﷺ ، حين أسلم، سليمان. سكن الكوفة وابتنى بها دارا في خزاعة، وكان نزوله بها في أول ما نزلها المسلمون. وكانت له سن عالية وشرف في قومه وشهد مع عليّ صفين. وكان فيمن كتب إلى الحسين بن علي ﵉، يسأله القدوم إلى الكوفة. فلما قدمها ترك القتال معه، فلما قتل الحسين ندم هو والمسيَّب بن الفزاريُّ وجميع من حوله، إذ لم يقاتلوا معه. ثم قالوا: مالنا توبة ممَّا فعلنا إلا أن نقتل أنفسنا في الطلب بدمه. فخرجوا، فعسكروا بالنخيلة، وذلك في مستهلِّ ربيع الآخر سنة خمس وستين، وولَّوا أمرهم سليمان
стр. 310
ابن صرد، وسمَّوه أمير التَّوَّابين. ثم ساروا إلى عبيد الله بن زياد، فلقوا مقدِّمته في أربعة آلاف، عليها شرحبيل بن ذي الكلاع. فاقتتلوا فقتل سليمان بن صرد والمسيَّب بن نجبة بموضع يقال له عين الوردة. وحمل رأسه ورأس المسيَّب بن نجبة إلى مروان بن الحكم أدهم بن محرز الباهليُّ. وكان سليمان يوم قتل ابن ثلاث وتسعين سنة. وهو من المقلِّين في الرِّواية عن النبي ﵇.
وممَّا روى عنه ما حدَّث به أبو بكر بن أبي شيبة: نا حفص بن غياث عن الأعمش، عن عديِّ بن ثابت، عن سليمان بن صرد أن رجلين تلاحيا، فاشتدَّ غضب أحدهما فقال النبيُّ ﵇: " إني لأَعرف كلمة لو قالها سكن غضبه: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ".
ومنهم أكثم بن الجون أبي الجون بن منفذ عم سليمان بن صرد: أكثم وصرد أخوان. وهو الذي شبَّهه رسول الله ﷺ بعمرو بن لحيٍّ في حديث أبي هريرة المتقدِّم. وروي عن أكثم قال: قال لي رسول الله ﷺ : " اغز مع قومك تحسن خلفك وتكرم على رفقائك " وقد روي في الحديث: " اغز مع عيرِ قومك ".
ومنهم أمُّ معبد: واسمها عاتكة بنت خالد بن منقذ بن ربيعة بنت عم أكثم ابن الجوان. ويقال: هي عاتكة بنت خالد بن خليف. وقال ابن هشام: أمُّ معبد بنت كعب امرأة من بني كعب من خزاعة. ونسبها الأول أشهر وأعرف. وهي التي نزل عليها رسول الله ﷺ في خيمتها حين خرج من مكة إلى المدينة مهاجرا، وذلك الموضع يدعى اليوم بخيمة أمُّ معبد.
وروى حديث نزول النبيِّ في خيمتها أبو عبيد القاسم بن سلاَّم، وشرح أبو عبيد غريبه، ورواه أيضا أبو جعفر العقيلي بسنده عن أخيها حبيش بن خالد صاحب النبي ﷺ ، ورواه قاسم بن اصبغ أبو محمد البيَّانيُّ في رحلته إلى المشرق بقديد بسند آخره حبيش بن خالد. ورواية ابن وضَّاح له بالمشرق. وروى الحديث أيضا زوجها أبو معبد بمعنى حديث أخيها. والألفاظ متقاربة.
стр. 311
وأبو معبد هذا مذكور في الصحابة، وتوفي قبل موت النبي ﵇. وكان يسكن قديدا، قاله البخاري وغيره. وفي نزول النبي ﷺ على أمِّ معبد أصبح صوت بمكة عاليا، يسمعون الصوت ولا يدرون من صاحبه:
جزى اللهُ ربُّ الناس خيرَ جَزائهِ ... رَفيقَينِ حلاَّ خَيمتَيْ أمِّ مَعْبدِ
هُما نَزلاها بالهُدى واهتدتْ بهِ ... فقدْ فازَ مَن أَمسى رفيقَ مُحمدِ
فيا لَقُصيٍّ مازَوى اللهُ عنكمُ ... بهِ من فَعَالٍ لا تُجارَى وسُؤدَدِ
لِيَهنِئْ بني كعبٍ مَقامُ فتاتِهِمْ ... ومَقْعدُها للمؤمنينَ بِمَرصَدِ
سَلُوا أُختَكُمْ عن شاتِها وإنائِها ... فإنكمُ إنْ تَسأَلوا الشاةَ تَشْهدِ
فلما بلغ حسان بن ثابت الأنصاريَّ، جعل يجاوب الهاتف، وهو يقول:
لقد خابَ قومٌ غابَ عنهم نَبيُّهمْ ... وقُدِّسَ مَن يَسْرى إليهم ويَغْتدى
تَرحَّلَ عن قَومٍ فَضلَّتْ عقولُهم ... وحلَّ على قَومٍ بنُورٍ مُجدَّدِ
стр. 312
هَداهُمْ بهِ بعد الضَّلالةِ ربُّهمْ ... وأرشدهم، مَن يَتْبعِ الحقَّ يُرْشَدِ
لقد نَزلتْ منهُ على أَهلِ يَثربٍ ... رِكابُ هُدىً حلَّتْ عليهم بأَسْعُدِ
نَبيٌّ يرى مالا يَرى الناسُ حَولَهُ ... ويَتْلو كتابَ الله في كلِّ مسجدِ
لِيَهْنئ أبا بكرٍ سَعادةُ جَدِّهِ ... بِصُحبتهِ مَن يُسْعِدِ اللهُ يُسْعَدِ
ومن بني ضاطر بن حبشيَّة بن سلول بن كعب طلحة بن عبيد الله بن كريز من التابعين. روي عنه الحديث؛ روى عنه مالك في " جامع الحج " من الوطأ حديثين؛ أحدهما عن إبراهيم بن أبي علبة، عن طلحة. والثاني عن زياد ابن أبي زياد مولى عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة المخزومي عنه. وذكر مالك حديث زياد عن طلحة في الدُّعاء من آخر " كتاب الصلاة "، كما ذكره في " جامع الحج " بلفظه سواء.
ومنهم قرة بن إياس الشاعر: وكان ابنه يحيى بن قرة سيد قومه. وابن الحدَّادية الشاعر: واسمه قيس بن عمرو.
وأمَّا حليل بن حبشية: فكانت ابنته حبَّى عند قصي بن كلاب. وهي أمُّ بنيه. وابنه المحترش بن حليل: باع مفتاح الكعبة من قصي بن كلاب. وهلال بن حليل.
ومن بني حليل كرز بن علقمة: وهو الذي قفَّى أثر النبي ﵇ حين دخل الغار، وهو أعاد معالم الحرم في زمان معاوية إلى اليوم.
ومن بني كعب غير منسوب إلى بطن أبو شريح الكعبيُّ: واسمه خويلد
стр. 313
ابن عمرو بن صخر العزَّي. ورويت له أسماء، وأصحُّها خويلد بن عمرو. وأسلم قبل الفتح. وكان بيده أحد ألوية بني كعب من خزاعة يوم فتح مكة، وعداده من أهل الحجاز.
روى عنه عطاء بن يزيد الليثيُّ، وأبو سعيد المقبري، وسفيان بن أبي العوجاء. وقال الواقديُّ: كان أبو شريح الخزاعيُّ من عقلاء أهل المدينة. وروى أبو سعيد المقبريُّ عن أبى شريح الخزاعيِّ قال: لمَّا قدم عمرو بن الزبير مكة لقتال أخيه عبد الله بن الزبير جئته فقلت له: ياهذا، إنا كنا مع رسول الله ﷺ حين افتتح مكة. فلما كان الغد من الفتح عدت خزاعة على رجل من هذيل فقتلوه، وهو مشرك. فقام فينا رسول الله ﷺ خطيبا فقال:
" يأيها الناس، إن الله حرَّم مكة يوم خلق السماوات والأرض، فهي حرام من حرام إلى يوم القيامة، فلا يحلُّ لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دما، ولا يعضد فيها شجرا، لم تحلل لأحد كان قبلي، ولا تحلُّ لأحد يكون بعدي، ولم تحلل لي إلا غضبا على أهلها، إلا ثمَّ قد رجعت كحرمتها بالأمس. فليبلِّغ الشاهد منكم الغائب، فمن قال لكم إن رسول الله ﷺ قاتل فيها فقولوا إنَّ الله قد أحلَّها لرسوله، ولم يحللها لكم يامعشر خزاعة. ارفعوا أيديكم عن القتل، فقد كثر القتل إن نفع. لقد قتلتم قتيلا لأدينَّه. فمن قتل بعد مقامي هذا فأهله بخير النظرين؛ إن شاؤوا فدم قاتله، وإن شاؤوا فعقله ".
ثم ودا رسول الله ﷺ ذلك الرجل الذي قتله خزاعة. فقال عمرو لأبي شريح: انصرف أيها الشيخ، فنحن أعلم بحرمتها منك. إنها لا تمنع سافك دم، ولا مانع جزية. قال أبو شريح: إني كنت شاهدا وكنت غائبا. وقد أمرنا رسول الله ﷺ أن يبلغ شاهدنا غائبنا. وقد أبلغتك فأنت وشأنك.
ومن بني كعب عمرو بن الحمق بن كاهن بن حبيب: هاجر إلى النبيِّ ﵇ بعد الحديبية وقيل: أسلم عام حجة الوداع، والأول أصحُّ. وصحب
стр. 314
النبيَّ ﵇، وحفظ عنه أحاديث. وسكن الشام، ثم انتقل إلى الكوفة فسكنها.
روى عنه جبير بن نفير ورفاعة بن شداد وغيرهما. وكان ممَّن سار إلى عثمان، هو أحد الأربعة الذين دخلوا عليه الدار فيما ذكروا. ثم صار من شيعة علي ﵀، وشهد معه مشاهده كلَّها: الجمل وصفين والنهروان. وأعان حجر ابن عدي، ثم هرب من زياد إلى الموصل، ودخل غارا، فنهشته حية فقتلته. فبعث إلى الغار في طلبه فوجد ميِّتا. فأخذ عامل الموصل رأسه، وحمله إلى زياد. فبعث به زياد إلى معاوية. وكان أول رأس حمل في الإسلام من بلد إلى بلد وكانت وفاة عمرو بن الحمق سنة خمسين.
ومن بني كعب مطرود بن كعب الخزاعيُّ: الذي رثى بني عبد مناف: هاشما والمطَّلب وعبد شمس ونوفلا بالقصيدة الطويلة التائيَّة المسطورة في السِّير. ومن قوله يبكِّي عبد المطلب وبني عبد مناف، وأحسن:
يأيُّها الرجلُ المحوِّلُ رَحلَهُ ... هّلاَّ سألتَ عن آلِ عبدِ مَنافِ
هَبَلتْكَ أمُّك لو حَللتَ بدارهمْ ... ضَمِنوكَ من جُرمٍ ومِن إقْرافِ
المُنْعمِينَ إذا النجومُ تَغيَّرتْ ... والظاعنينَ لرِحلةِ الإيلافِ
والمُطْعِمينَ إذا الرِّياحُ تناوَحتْ ... حتى تَغيبَ الشمسُ في الرَّجَّافِ
стр. 315
إمَّا هَلكْتَ أبا الفَعال فما جَرى ... من فَوقِ مِثْلِكَ عقدُ ذاتِ نِطافِ
إلا أَبيكَ أخي المكارمِ وحدَهُ ... والفَيضِ مُطّلب أبي الأضيافِ
ومنهم الحصين بن نضلة: كان سيد أهل تهامة، ومات قبل الإسلام. والحرث بن أسد: صحب النبيَّ ﵇.
ومن بني مليح بن عمرو بن لحي عمرو بن سالم بن كلثوم: حجازي، روى حديثه المكيّون حيث خرج مستنصرا من مكة إلى المدينة، حتى وقف على رسول الله ﷺ في المسجد، فأنشده رجزا أوله:
لا هُمَّ إنى ناشدٌ مُحمَّدا ... حلف أبينا وأبيهِ الأَ تْلدا
إنَّ قريشاً أخلفتْك الموعدا ... ونَقَضوا ميثاقَك المؤكَّدا
وجعلوا لي في كَداءٍ رَصدا ... وزَعَموا أنْ لستَ تَدعو أحدا
وهمْ أَذلُّ وأقلُّ عَدَدا ... همْ بَيَّتونا بالوتيرِ هُجَّدا
وقَتَلونا ركَّعاً وسُجَّدا ... ووالداً كنّا وكنتَ الوَلَدا
ثُمَّتَ أَسلمْنا ولم نَنْزعْ يدا ... فانصرْ هداك اللهُ نَصراً أَيِّدا
стр. 316
فقال رسول الله ﷺ : " نصرت ياعمرو بن سالم ". وروي أنه قال: " لا نصرني الله إن لم أنصركم ". وقد روي من حديث عائشة أن رسول الله ﷺ قال: " لا نصرني الله إن لم أنصر بني كعب بالأسياف ". ثم تجهَّز رسول الله ﵇ لفتح مكة ناصرا لخزاعة كما جاء في السِّير وكتب المغازي.
ومنهم عبد الله بن خلف: وكان كاتبا لعمر بن الخطاب على ديوان الكوفة والبصرة، وقتل مع عائشة يوم الجمل. وأخوه سليمان بن خلف: كان مع علي ﵇ يوم الجمل فقتل. وابنه طلحة بن عبد الله بن خلف: الذي يقال له " طلحة الطلحات ". كان أجود العرب في الإسلام. وولي سجستان ومات بها. وفيه يقول عبد الله بن قيس الرقيَّات:
رحم اللهُ أَعظمُناً دَفَنوها ... بسجَستانَ طَلحة الطَّلَحاتِ
وحميد الطويل: الذي يروي عب أنس مولاه. وقال ابن قتيبة في " المعارف ": حميد الطويل هو حميد بن طرخان، مولى طلحة الطَّلحات الخزاعيِّ، ويكنى أبا عبيد. ومات سنة اثنين وأربعين ومئة. وقال مسلم في " الكنى " له: أبو عبيدة حميد بن تيرويه الطويل سمع أنس بن مالك والحسن. روى عنه حمَّاد بن سلمة وابن المبارك.
قال المؤلف عفا الله عنه: وهو من شيوخ مالك. وقال ابن قتيبة: رزين جدُّ طاهر ذي اليمينين مولى عبد الله بن خلف.
ومنهم كثيِّر عزَّة الشاعر: وهو كثيِّر بن عبد الرحمن. وبنو مليح من خزاعة ينتسبون إلى الصَّلت بن النَّضر بن كنانة. فلذلك قال كثيّر:
стр. 317
اْليس أني بالصَّلتِ أم ليس إخوتي ... بكلِّ هِجانٍ من بني النَّضر أَزْهَرا
وقد مضى الشعر الذي هذا البيت منه، وتفسير من ذكر كثيِّر فيه قبل عند ذكر النَّضر بن كنانة وولده. وكانن كثيِّر حسن الشعر، ذا أنفة وكبر، وكان ضئيلا. ويروي أن كثيرا دخل الملك بن مروان ﵀ فقال: أأنت كثيِّر؟ قال: نعم. قال: " أن تسمع بالمعيديِّ خير من أن تراه ". قال: يا أمير المؤمنين، كلٌّ عند محلِّه رحب الفناء، شامخ البناء، عالي السَّناء. ثم أنشأ يقول:
ترى الرجلَ النحيف فتّزْدَريه ... وفي أثوابهِ أسدٌ هَصورُ
ويُعجبُك الطَّريرُ إذا تراهُ ... فيُخلفُ ظنُّك الرجلُ الطَّريرُ
بغاثُ الطيرِ أطولُها رقاباً ... ولم تَطُلِ البُزاةُ ولا الصُّقورُ
خَشاشُ الطَّير أكثرُها فراخاً ... وأمُّ الصقر مِقْلاةٌ نَزورُ
ضعافُ الأُسْد أكثرُها زَئيراً ... وأَصرمُها اللواتي لا تَزيرُ
وقد عظمُ البعيرُ بغيرِ لبٍّ ... فلم يَسْتغنِ بالعِظَم البعيرُ
يُنَوَّخُ ثم يُضرب بالهراوي ... فلا عُرفٌ لديهِ ولا نَكيرُ
стр. 318
يُقوِّدُهُ الصَّبيُّ بكل أرضٍ ... وينْحرهُ على التُرْب الصغيرُ
فما عِظَمُ الرِّجالِ لهم بزينٍ ... ولكنْ زينُهمْ كرَمٌ وخِيرُ
وكان كثير يشبِّب بعزَّة كثيرا. وهو القائل فيها من قصيدة:
هنيئاً مريئاً غيرَ داءٍ مُخامِرٍ ... لعزَّةَ من أَعراضِنا ما استحلَّتِ
ومنها:
وكنتُ كذي رِجلينِ؛ رجلٍ صحيحةٍ ... ورِجلٍ رمى فيها الزمانُ فشَلَّتِ
ورأته عزَّة في طريق، وهي في هودجها، وهو راكب جملا، وكانت مهاجرة له. فلما التقيا أومأت إلى الجمل بيدها وقالت: حياك الله ياجمل. فقال كثير:
حيَّتك عزةُ بعد الهجرِ وانصرفتْ ... فحيِّ مَن حيَّاكَ ياجَملُ
ليتَ التحيةَ كانتْ لي فأشكرَها ... مكانَ يا جملاً حيِّيتَ يا رَجلُ
ومن بني عدي بن عمرو بن لحي بديل بن ورقاء: وبنوه: نافع وعبد الله وعبد الرحمن وسلمة. وكلُّهم لهم صحبة. وكان بديل سيد خزاعة. وقتل ابنه نافع يوم بئر معونة، وقال فيه عبد الله بن رواحة:
رحمَ اللهُ نافعَ بن بُديلٍ ... رحمةَ المُبْتغي ثوابَ الجهادِ
стр. 319
صابرٌ صادقُ اللقاءِ إذا ما ... أكثرَ القَومُ قال قَولَ السَّدادِ
قال ابن الكلبي: عبد الله وعبد الرحمن، ابنا بديل، كانا رسولي رسول الله ﷺ إلى اليمن، وشهدا جميعا صفين مع علي. وقال الطبريُّ وغيره: أسلم عبد الله يوم الفتح، وشهد حنينا والطائف وتبوك. وكان له قدر وجلالة. قتل هو وأخوه عبد الرحمن بصفين، وكان يومئذ على رجَّالة علي ﵁. وقال الشعبيُّ: كان عبد الله بن بديل في صفين عليه درعان وسيفان، وكان يضرب أهل الشام ويقول:
لم يبقَ إلا الصَّبرُ والتوكُّلْ
ثم التمشيِّ في الرَّعيل الأوَّلْ
مشيَ الجمالِ في حياضِ المنهلْ
واللهُ يَقضي مايَشا ويَفعَلْ
وأسلم بديل بمرِّ الظَّهران ليلة الفتح. روت عنه حبيبة بنت شيرين جدة عيسى بن مسعود بن الجكم الزُّرقي. روى عنه أيضا ابنه سلمة بن بديل أن النبيَّ ﷺ كتب له كتابا. وذكر البخاري عن سعيد بن يحيى ابن سعيد الأموي عن أبيه، عن ابن اسحاق قال: حدثني إبراهيم بن أبي عبلة عن ابن بديل بن ورقاء عن أبيه أن رسول الله ﷺ أمر بلالا أن يحبس السَّبايا والأموال بالجعرانة حتى يقدم عليه ففعل.
ومن بني عدي الحيسمان بن عبد عمرو: الذي جاء بقتل أهل بدر إلى مكة، وأسلم بعد ذلك. وقيل: الحيسمان بن................ ﷺ يومئذ ثلاث مرات في أول الناس، وفي وسطهم وفي آخرهم، أمره بذلك رسول الله ﷺ ، وكان شجاعا راميا محسنا وصنع في غزوة ذي قرد مالا يصنعه
стр. 320
جيش برميه. واستنقذ اللِّقاح وحده، وأعطاه رسول الله ﷺ ممَّا طرح الفزاريون وتركوا خوفا من رميه سهمين؛ سهم الراجل وسهم الفارس، جمعهما له. وقال فيه ﷺ في تلك الغزاة: " كان خير فرساننا اليوم أبو قتادة، وخير رجَّالتنا سلمة ".
وأردفه رسول الله ﷺ وراءه على ناقته العضباء حين رجع إلى المدينة من اتِّباع الفزاريين ذكر هذا كلَّه مسلم في صحيحه. روى عنه جماعة من تابعي أهل المدينة، وكان خيِّرا فاضلا. قال ابن اسحاق: سمعت أن سلمة بن الأكوع: هو الذي كلَّمه الذَّئب. قال سلمة: رأيت الذئب قد أخذ ظبيا فطلبته حتى نزعته منه. فقال: ويحك، مالي ولك؟ عمدت إلى رزق رزقنيه الله ليس من مالك تنتزعه مني. فقلت: أيا هذا لعجب! ذئب يتكلم! فقال الذئب: أعجب من هذا أن النبي ﷺ في أصول النَّحل يدعوكم إلى عبادة الله وتأبون إلا عبادة الأوثان. قال: فلحقت برسول الله ﷺ ، فأسلمت، والله أعلم أي ذلك كان. قال ابن اسحاق: وفيما تزعم طيئ أن رافع بن عميرة الطائيَّ هو الذي كلَّمه الذئب، وهو في ضأن له يرعاها. وكان لصا في الجاهلية، فدعاه الذئب إلى اللحوق برسول الله ﷺ . ولطيئ شعر في ذلك، زعموا أن رافع بن عميرة قاله في كلام الذئب إياه وهو:
رَعَيتُ الضَّأنَ أَحميها بكلبي ... من الضَّبَّ الخّفِيِّ وكلِّ ذِيبِ
سَعيتُ إليهِ قد شمَّرتُ ثَوبي ... على الساقَينِ قاعِدةَ الرَّكيبِ
فألفيتُ النبيَّ يقولُ قَولاً ... صَدوقاً ليسَ بالقَولِ الكَذوبِ
следующие страницы →