← Ансаб

Ансаб · id 26484

الجوهرة في نسب النبي وأصحابه العشرة

محمد البري

Полный текст (811 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

الموطأ. مالك عن ابن شهاب، عن أبي ثعلبة الخشني أن رسول الله ﷺ وقال: " أكل كلِّ ذي نابٍ من السَّبع حرام ". ومن تنوخ بن قيم بن النَّمر بن وبرة أُذينةُ: وهو الذي يقول فيه الأعشى: أزال أذينةُ عن مُلكه ... وأخرج عن حصنه ذايَزَنْ ومن بني التَّيم بن النمرة بن وبرة، ثم من بني مَشجعة بن الغوث معاوية بن حُجير: الذي يقال له ابن قارب وهو الذي قتل داود بن هبولة السَّليحيَّ، وكان مَلِكاً. ومن جرم بن ربَّان بن حُلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة سلمة بن قيس الجرْميُّ: له صحبة، وهو والد عمرو بن سلمة الذي كان يؤمُّ قومهن وهو بن سبع سنين أو ثمان، وعليه بردة. كان إذا سجد بدت منها عورته. فقالت امرأة من الحيِّ غطُّوا عنا اسْتَ قاريكم، ذكره البخاريُّ. ويكنى عمرو بن سلمة أبا يزيد. وكان يؤمُّ قومه على عهد رسول الله ﷺ ، لأنه كان أقرأهم للقرآن؛ أخذه عن قومه، وعمَّن كان يمرُّ به. وقيل إنه قدم مع أبيه على النبي ﵇، ولم يُختلف في قدوم أبيه. نزل عمرو البصرة، وروى عنه أبو قِلابة وعاصم الأحول وأبو الزُّبير المكي وأيوب السَّختيانيُّ. ومن جرم شهاب بن المجنون: جدُّ عاصم بن كُليب. ولشهاب وأبيه صحبة. ومنهم أسماء بن رياب الجرمي: وهو الذي خاصم عند رسول الله ﷺ في أرض بني عامر بن صعصعةَ. وهو القائل: وإني أخو جرم كما قد علمتمُ ... إذا اجتمعت عند النبيِّ المجامعُ فإن انتمُ لم تَقْنعوا بقضائهِ ... فإني بما قال النبيُّ لقانعُ

стр. 457

ومن جرم عصام بن شُهير بن الحرث: وكان شاعراً شديداً. وله يقول النابغة: فإني لا ألومُكَ في دخولٍ ... ولكنْ ما وراءك يا عصامُ وله قيل: نفسُ عصامٍ سوَّدت عِصاما ... وعلَّمته الكرَّ والإقداما وجعلتْهُ مَلكاً هُماماً ومن بني قدامة بن جرم كنَّارُ بن صريم: الذي كان يهاجي عمرو بن معد يكرب. ووعلة بن عبد الله بن الحرث: الذي قتل الحرث بن عبد المدان. وفي التابعين من جرم أبو قلابة عبد الله بن زيد الجرميُّ: روى عن أنس بن مالك. وكان ديوانه بالشام. ومات سنة أربع ومئة. وقال أيوب السجستانيُّ: كان أبو قِلابة يحثُّني على الاحتراف، ويقول: إن الغنى من العافية. ورَبَّان: بالراء والد جَرم هو عِلاف. وإلى عِلاف تُنسب الرجالُ العلافية قال الشاعر: وَكُورٌ عِلافيٌّ وقِطْعٌ ونُمْرقُ ومن بطون عمران بن الحاف مهرةُ. قال ابن الكلبي: هو مُهرةُ بن حيدان ابن عمران بن الحاف بن قُضاعة. وتزيد بن حيدان: أخو مَهرة. وإليه تُنسب الثياب التَّزيدية. وقال غيره: إنَّ مهرة في جُرهم. وروى قائل هذا أن عليَّ بن أبي طالب ﵁ سأل رجلاً: ممَّن أنت؟ فقال: من مهرة. فقال ﵁: " واذكر أخا عادٍ إذ أَنذرَ قومَه بالأحقاف ". ورَوَوا أن قبر هود في مهرة. وقيل: بل مَهرةُ هو حيدان بن معدِّ بن عدنان أخو إياد وقضاعة وقُنُص ونزار. هذا قول من زعم أنَّ لمعدٍّ بنين عدداً. وإلى مهرة تُنسب الإبل المهريَّة.

стр. 458

ومن مهرة كُرز: الذي سار إلى معد يكرب بن جبلة الكنديِّ. وهو الذي يقول: تقولُ بُنيَّتي، لمَّا رأتني ... أكرُّ عليهمُ وأذُ بّث وَحدي لَعمرُك إنْ وَنَيتَ اليومَ عنهمْ ... لتَنْقَلِبنَّ مصروعاً لخدِّ ومنهم مهرة زهير بن القرضم بن " الجعيل " المهريَُ: وفد على النبيِّ ﷺ ، فأسلم فكان يُكرمُه لبُعد مسافته. وكتب له كتاباً، وردَّه إلى قومه. هكذا ذكره الطبريُّ: زهير بن قرضم. وقال محمد بن حبيب: هو دُهير بن الفرض بن الجُعيل، فالله أعلمُ. ومن بطون عمران بن الحاف سليح: وهو عمرو بن حلوان بن عمران، هكذا ذكر ابنُ عبد ربِّه في " العقد ". وقال ابن الكلبي: سليخ بن عمرو بن الحاف بن قضاعة. فمن بني سعد بن سليح الضَّماعجة الذين كانوا ملوك الشام قبل غسان. بطون عمرو بن الحاف بن قضاعة: بلي بن عمرو بن الحاف، وبهراء بن عمرو بن الحاف، وخولان بن عمرو بن الحاف، ونهد بن زيد بن سود بن أسلم عمرو بن الحاف، وجُهينة بن زيد بن سود بن أسلم، وعذرة بن سعد بن زيد بن سود بن أسلُم. وأسلُم هذا بضم اللام، وكذا رواه أهل النسب دون اختلاف. والذي في خزاعة أسلمُ بن أفضى بفتح اللام. وقيل إن عذرة هو عذرة بن سعد هُذيم بن ليث بن سود بن أسلم. فمن بلى كعب بن عجرة البلويُّ: حليف للأنصار. وفيه نزلت:) ففديةٌ من صيامٍ أو صدقةٍ أو نُسكٍ (. مالك عن عبد الكريم بن مالك الجزري، عن ابن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه

стр. 459

وسلم محرماً فأذاه القمل في رأسه، فأمره رسول الله ﷺ أن يحلق. وقال: صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو انسك بشاة. وابن ابنه سعد بن إسحاق بن كعب بن عُجرة: روى عنه مالك في الموطأ في آخر كتاب الطلاق عن عمته زينب بنت كعب بن عجرة حديث الفُريعة بنت مالك بن سنان أخت أبي سعيد الخدريِّ، حين تُوفي زوجها. ووهم في اسمه يحيى بن يحيى الأندلسيُ. فقال مالك عن سعيد بن إسحاق، والصواب سعد، وكذلك رواه جميع رواة الموطأ عن مالك رحم الله جميعهم. ومنهم أبو بردة هانئ بن نيار بن عمرو بن عبيد بن كلاب بن دهمان بن غنم البلويُّ حليف بني حارثة بن الحرث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس: شهد العقبة وبدراً وسائر المشاهد. وهو خال البراء بن عازب، ولا عقب له، ومات في خلافة معاوية. روى عنه البراء بن عازب وجماعة من التابعين. وهو الذي ضحَّى قبل النبيِّ، فأمره أن يُعيد نُسُكاً. مسلم: حدثنا يحيى بن يحيى فال: أنا هُشيم عن داود، عن الشعبيِّ، عن البراء بن عازب أن خاله أبا بردة بن نيار ذبح قبل أن يذبح النبيُّ. فقال: يا رسول الله إنَّ هذا يوم اللحم فيه مفروم، وإني عجَّلتُ نَسيكتي لأطعم أهلي وجيراني. فقال رسول الله: " أَعِدْ نسُكاً ". فقال: يا رسول الله إن عندي عناق لبن هي خير من شاتَيْ لحم. فقال: " هيَ خيرُ نسيكَتيكَ، ولا تُجزئ جَذَعَةً عن أحدٍ بعدَك ". وحدثنا محمد بن مُثنى وابنُ بشار، واللفظ لابن مُثنى، قالا: نا محمد بن جعفر، قال: نا شُعبة عن زُبيد الياميِّ، عن الشعبيِّ، عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله: " إنَّ أولَ ما نبدأ به في يومنا هذا نُصلِّي، ثم نرجع فننحر. فمن فعل ذلك فقد أصاب سُنَّتنا، ومن ذبح فإنما هو لحمٌ قدَّمه لأهله، ليس من النُّسُك في شيء ". وكان أبو بردة بن نيار قد ذَبح، فقال: عندي جذعةٌ خبرٌ من مُسنَّةٍ

стр. 460

فقال: " اذبحْها، ولن تُجزئ عن أحدٍ بعدك ". وأورد مسلم هذا الحديث عن الشعبيِّ، عن البراء من طرُقٍ. وعن أبي جُحيفة عن البراء عن طريق واحد. وروى مالك، ﵀، حديث أبي بردة هذا في الموطأن وحديثُ مسلم أَتمُّ. ومات في صدر خلافة معاوية. ومنهم المُجذَّر بن ذياد بن عمرو البلويُّ: حليفُ بني سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج. واسمُ المجذَّر عبد الله. وقيل له المجذر، لأنه كان مجذَّر الخلق. وهو الغليظ، شهد بدراً، وقتل أبا البختريِّ العاصي بن هشام بن الحارث بن أسد بن عبد العُزَّى بن قصيٍّ يومئذ. وقال حين قاتله: بشِّرْ بِيُتْمٍ من أبيهِ البختري ... أو بشِّرنْ بمثلها منِّي بني أنا الذي أزعمُ أَصلي من بَلى ... أضرِبُ بالهنديِّ حتى يَنْثني واستشهد المجذَّر يوم أُحد. ومنه سواد بن غزيَّة بن أُهيب: حليف بني عديِّ بن النجَّار من الأنصار. شهد بدراً طعنه النبيُّ ﷺ بمخصرة ثم أعطاه إياها، وقال: " استفِدْ عَدْلاً منه " صلى الله عليه. وذكر ابن إسحاق أن رسول الله ﷺ عدَّل صفوف أصحابه يوم بدر، وفي يده قِدح يعدِّل به القوم. فمرَّ بسواد بن غَزيَّة حليف بني عديِّ بن النجار قال، وهو مُستنثل من الصف، قال ابن هشام: مُستنصل من الصف. فطعن في بطنه بالقدح وقال: " استو يا سواد ". فقال: يا رسول الله أَوْجَعْتني وقد بعثك الله بالحق فأَقِدْني. قال: فكشف رسول الله ﷺ عن بطنه وقال: " استقِدْ ". قال: فاعتنقه فقبَّل بطنه. فقال: " ما حَملكَ على هذا يا سَوادُ؟ ". فقال: يا رسول الله حضر ما ترى، فأَردتُ أن يمونَ آخر العهد بك أن يمسَّ جِلدي جلدك. فدعا له رسول الله ﷺ بخيرٍ.

стр. 461

وسواد بن غزية كان عامل رسول الله ﷺ على خيبر، فأتاه بتمر جَنيب، وأخذ منه صاعاً بصاعين من الجمع. فنهاه عن ذلك وقال: " بع الجمْع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جَنيباً ". روى الحديث مالك ومسلم، ولم يسمِّيا سواداً وسماه غيرُهما. ومن بلي النُّعمان بن عصر بن الربيع بن الحارث بن أُديم البلويُّ: وقيل: هو النعمان بن عصر بن عبيد بن وائلة بن جارية، حليف للأنصار لبني معاوية بن مالك بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس. شهد بدراً وأحداً والخندق والمشاهد كلَّها، وقُتل يوم اليمامة شهيداً. ومنهم سهل بن رافع بن أبي عمرو بن عائذ بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن غنم بن سري بن سلمة بن أُنيف: حليف الأوس. وهو صاحب الصاع الذي لمزهُ المنافقون. والشهر أنه أبو عقيل البلوي. واسمه جَثجاث سماه قتادة. وقال ابن إسحاق: أبو عقيل صاحب الصاع أخو بني أُنيف حليف بني عمرو بن عوف، أتى بصاع أبي عقيل. ورُوي عن ابن عباس وغيره في قوله) الذين يلمزون المطَّوِّعين من المؤمنين في الصدقات، والذين لا يجدون إلا جُهدهم (أن رسول الله ﷺ حضَّ على الصدقة يوماً، فأتى عبد الرحمن بن عوف بنصف ماله؛ أربعة آلاف درهم أو أربع مئة دينار. وأتى عاصم بن عدي بمئة وسق وتمر، فلمزهُما المنافقون، وقالوا: هذا رياء. فنزلت:) يلمزون المطَّوِّعين من المؤمنين في الصدقات، والذين لا يجدون إلا جُهدهم ". أبو عقيل جاء بصاع تمر فقال: مالي غيرُ صاعين، نقلتُ فيهما الماء على ظهري. حَبستُ أحدهما لعيلي، وجئتُ بالآخر. فقال المنافقون: إنَّ الله لغنيٌّ عن صاع هذا. ومن بَلي، ثم من العَجلان بن ضُبيعة ثابت بن أَقْرم بن ثعلبة بن عدي ابن العجلان بن ضُبيعة، وعبد الله بن سلمة بن مالك بن الحارث بن عدي بن

стр. 462

العجلان، وزيد بن أسلم بن ثعلبة بن عدي بن العجلان، وربعيُّ بن رافع بن زيد بن حارثة بن عدي بن العجلان، ومعن بن عديٍّ بن الجدِّ بن العجلان بن ضُبيعة. وهؤلاء كلُّهم شهدوا بدراً. وهم خلفاء بني عمرو بن عوف من الأوس. وعاصم بن عديٍّ: أخو معن بن عدي، ردَّه رسول الله ﷺ حين خرج إلى بدرٍ من الطريق قيل: من الرَّوحاء لشيء بلغه عن أهل مسجد الضِّرار. وضرب له بسهمه مع أصحاب بدرٍ، وشهد ما بعد بدرٍ من المشاهد. وقيل: بل كان رسولُ الله ﷺ قد استخلفه حين خرج إلى بدر على قباء وأهل العالية، وضرب له بسهمه، فكان كمن شهدها. وهو صاحب عُويمر العجلانيِّ. وهو عويمر بن أبيض الأنصاريُّ الذي قال له: سل لي يا عاصم عن ذلك رسول الله ﷺ في حديث اللِّعان. وهو والدُ أبي البدّاح بن عاصم بن عدي. وتوفي عاصم سنة خمسٍ وأربعين، وهو ابن عشرين ومئة سنة. ومن بني العجلان من بلي شريك بن سحناء: وهي أمُّه. وهو شريك بن عبدة بن مغيب بن الجدِّ بن العجلان صاحب اللِّعان. وهو أخو البراء بن مالك لأمه. قيل: إنه شهد مع أبيه أُحداً. وهو الذي قذفه هلال بن أمية الواقفي بامراته. فقيل: إنه أولُ من لاعن في الإسلام، قاله هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن انس بن مالك. خرَّج الحديث مسلم. ومن بهراء بن عمرو بن الحاف المقداد بن عمرو البهرانيُّ: وإنما قيل له المقداد بن الأسود، لن السود بن عبد يغوث بن وهب الزهري كان تبناه، فنُسب إليه، وقد يُنسب أيضا إلى كندة. وذلك أن كندة سَبَتْه في الجاهلية، فأَقام فيهم وهو من نجباء الصحابة، قديم الإسلام. وهاجر وشهد بدراً وما بعدها من المشاهد. وهو حليف بني زُهرة. وكان فارس رسول الله ﷺ يوم بدر وقال فيه للنبيِّ ﵇ المقالة التي سُرَّ بها، وشهدت بفضله، وطيبت نفوس المسلمين على لقاء عدوِّهم. وكانت تحته ضُباعة بنت الزبير بن عبد المطلب بنت عم النبي ﵇. فولدت له عبد الله وكريمة. وقُتل عبد الله

стр. 463

يوم الجمل مع عائشة ﵂. ولضباعة عن النبي ﵇ أحاديث روى عنها الأعرج وعروة بن الزبير. وروي من حديث ابن بُريدة عن أبيه، عن النبي ﷺ أنه قال: " أمرني ربي بحبِّ أربعة، وأخبرني أنه يحبُّهم: عليٌّ وأبو ذرٍّ والمقدادُ وسلمان. ويكنى المقدادُ أبا سعيد، ومات بالجرف، فحُمل على رقاب الرجال حتى دُفن بالمدينة سنة ثلاث وثلاثين، وهو ابنُ سبعين سنة أو نحوها. ومن خولان بن عمرو أخى بهراء وبلي أبو مسلم الخَولانيُّ: العابد أدرك الجاهلية، وأسلم قبل وفاة النبيِّ ﵇ ولم يره. وقدم المدينة حين قُبض رسول الله ﷺ ، واستخلف أبو بكر، فهو معدود في كبار التابعين. وله كرامات وفضائل. روى عنه ابن إدريس الخَولانيُّ وجماعة من تابعي أهل الشام، وهو الذي قذفه الأسود بن قيس العَنَسيُّ الكذاب في النار، فخرج منها ولم تضرَّه. واسمُ أبي مُسلم عبدُ الله بن ثُوب. ومنهم أبو إدريسَ الخَولانيُّ: واسمهُ عائذُ الله بنُ عبد الله بن عمرو. وولد عام حنين. يُعدُّ في كبار التابعين، وكان قاضيا بدمشق بعد فضالة بن عُبيد لمعاوية وابنه إلى خلافة عبد الملك بن مروان سمع أبا الدَّرداء وعُبادة بن الصامت وعبد الله بن مسعود وحُذيفة بن اليمان. واختلف ي سماعه من معاذ بن جَبل. والصحيحُ أنه أدركه وسمع منه وروى عنه. ومن الرواة عن ابنُ شهاب وربيعةُ بن يزيد وبشرُ بن عبيد الله وغيرهم. ومن بني نهد بن زيد بن سُود بن أُسلمُ بن عمرو بن الحاف بن قُضاعة أبو عثمانَ النَّهديُّ: واسمه عبد الرحمن بن مُلِّ بن عمرو بن عديٍّز أسلم على عهد رسول الله ﷺ ، وأدَّى إليه صدقات، ولم يره. وغزا في عهد عمر القادسية وجلولاء وتُستر. وهو معدود في كبار التابعين في البصرة. وروى عن عمر وابن مسعود وأبي موسى. وروى مُعتمر بن سُليمان قال: سمعت أبي يقول: سمعت أبا عثمان النَّهديَّ يقول: أدركت الجاهلية فما سمعت صوت صنج ولا

стр. 464

برْبط ولا مزمار أحسن من صوت أبي موسى في القرآن. وإن كان ليُصلِّي بنا صلاة الصبح فنودُّ لو قرأ البقرة من حسن صوته. ومنهم أبو حُذيفةَ موسى بن مَسعودٍ النَّهديُّ: سمع الثوريُّ وعِكرمة بن عمار. وكان ربيبب الثَّوريِّ، ومات بالبصرة سنة عشرين ومئتين. ومن نهد الصَّقْعبُّ: وهو جُشَم بن عمرو بن سعد. وكان سيد نهد في زمانه، وكان قصيرا أسود دميما، وكان من حكماء العرب. وكان النعمان قد سمع شرفه فأتاه. فلما نظر إليه نبتْ عينُه عنه فقال: " تسمعُ بالمُعيديِّ خيرٌ من أن تراه ". فقال: أبيتَ اللعنَ إن الرجال ليست بمسُوكٍ يستقي فيها الماءُ. وإنما المرءُ بأصغريه؛ قلبه ولسانه، إنْ نطقَ نطق ببيان، وإن صال بجنان. قال: صدقت. ثم قال له: كيف علمك بالأمور؟ قال: أنقُضُ منها المفتول وأُبرمُ منها المسحول، وأُجيلُها حتى تجول، وليس لها بصاحب من لم ينظر في العواقب. وقال له النعمانُ: ما الدَّاءُ العياء؟ قال: جارُ السوء الذي إذا ناولته بهتك، وإذا غبت عن سبعك. ومن جُهينة بن زيد أخى نهدٍ عُقبةُ بن عامر الجُهَنيُّ: من مشاهير الصحابة، وروى عنه، منهم: جابرٌ وابنُ عباس وأبو أُمامةَ. وسكن مصر، وكان والياً عليها، وابتنى بها دارا، ومات في آخر خلافة معاوية. ويُكني أبا حمّاد. وأما الرُواةُ عنه من التابعين فكثير. كان يُكثر الرَّمي لما سمع من النبي ﷺ فيه. ومات وترك خمسين قوسا بجعابها ونبالها. وشهد صِفِّين مع معاوية. وكان يخضبُ بالسواد. ومن جُهينة بشيرُ بن عَقربةَ الجُهنيُّ: ويُكنى أبا اليمان، ويُعرف بالفلسطيني. له صحبةٌ. استشهد أبوه مع النبي ﷺ ، ومات هو بعد خمسٍ وثمانين من الهجرة.. عبد الملك قال لبشير بن عقربة يوم قُتل

стр. 465

عمرُو بن سعيد بن العاصي: يا أبا اليمان قد احتجنا إلى كلامك، فقُم فتكلم. فقال: سمعتُ النبيَّ ﷺ يقول: " مَن قامَ مقامَ رياء وسُمعة رأى اللهَ به وسمع ". ومن جُهينة عديُّ بن أبي الزغباء: واسمُ أبي الزغباء سنانُ بن سُبيع بن ثعلبة بن ربيعة الجهني حليف بني مالك بن النجار. شهد بدرا وأُحدا والخندق وسائر المشاهد مع رسول الله ﷺ . وتوفي في خلافة عمر بن الخطاب وهو الذي بعثه رسول الله ﷺ عينا مع بسبس بن عمرو يتجسَّسان له عير أبي سُفيان في قصة بدر. ومنهم عمرو بن مُرَّةَ بن عبس بن مالك: أحدُ بني غَطفانَ بن قيس جهينة يكنى أبا مريم. أتى النبيّ ﷺ وقال: آمنتُ بكل ما جئت به من حلال وحرام، وإن أرغم ذلك كثيرا من الأقوام، وفي حديث طويل. كان إسلامه قديما، وشهد مع رسول الله ﷺ : أكثر المشاهد، ومات في خلافة معاوية. ومن حديثه عن النبي ﷺ : " أيما والٍ أو قاضٍ أغلق بابه دون ذَوي الحاجة والخلَّة والمسكنة أغلق اللهُ أبواب السماء دون حاجته وخَلَّتهِ ومَسكنته " روى عنه جماعةٌ منهم: القاسمُ بن مُخَيمرةَ وعثمانُ بن طلحةَ. ومن بني غطفانَ بن قيس بن جُهينةَ سُويد بن عَمرو بن جَذيمةَ بن سَبرةَ بن خَديج بن مالك بن ثعلبة بن رِفاعةَ نصر بن مالك بن غطفان بن قيس بن جهينةَ، وكان شريفا. ومن جُهينة الحُرَقة: وهم بنو حُميس بن عامر بن مودعة بن جُهينَة. منهم الرجل الذي سأله عمر: ما اسمك؟ وحديثه مع عمر في الموطأ. ونص الحديث: مالك عن يحيى بن سعيد أن عمر بن الخطاب قال لرجل: ما اسمك؟ فقال: جَمرة. قال ابن مَن؟ فقال: ابن شهاب. قال: ممَّن؟ قال: من الحُرقة. قال: أيم مسكنك؟ قال: بحرَّة النار. قال: بأيُّها؟ قال: بذات لظى. قال عمر: أدرِك أهلك فقد احترقوا. قال: فكان كما قال عمر بن الخطاب.

стр. 466

ومن موالي الحُرَقة العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب: وهو من شيوخ مالك. وكانت له سنٌّ. وبقي إلى أول خلافة أبي جعفر. وقال مالك: كانت عند العلاء صحيفة يحدِّث بما فيها، فربَّما أراد الرجل أن يكتب بعضها فيقول له: إما أن تأخذها جميعا، وأما أن تدعها جميعا. وصحيفته بالمدينة جميعا. ومن جُهينة عبد الله بن بدر الجُهينيُّ: كان اسمه عبد العُزَّى، فسماه رسول الله ﷺ عبد الله. وهو أحد الذين حملوا ألوية جُهينة يوم الفتح. يكنى أبا بُعجَة بابنه بعجة. ولم يرو عنه غير ابنه بعجة. وروى بعجة أيضا عن أبي هريرة خرَّج عنه مسلم. وروى عن بعجة يحيى با أبي كثير أبو حازم سلمة بن دينار. ومات قبل القاسم بن محمد. وابنه معاوية بن بعجة روى عنه عبد العزيز بن محمد الدَّراورديُّ. ومن جُهينة أبو عبد الرحمن زيد بن خالد الجُّهنيُّ. وكان من خيار الصحابة. شهد الحديبية. وروى عنه عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود وعبد الله بن قيس بن مَخرَمة وغيرهما. وله في الموطأ أحاديث منها في كتاب الصلاة في صلاة النبيِّ ﵇ في الوتر عن عبد الله بن قيس بن مخرمة عنه حديث: لأرمَقَنَّ صلاة رسول الله ﷺ . ومنها أيضا في كتاب الصلاة في الاستمطار بالنجوم حديث نصُّه: مالك عن صالح بن كيسان، عن عبيد الله عن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن زيد بن خالد الجُهنيُّ أنه قال: صلى لنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليل. فلما انصرف أقبل على الناس فقال: " أتدرون ماذا قال ربُّكم؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: " أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بي. فأما من قال: مُطرنا بفضل الله ورحمة فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب. وأما من قال: مُطِرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن الكوكب ". ومن جهينة عبد الله بن أنيس بن أسعد بن حرام الجُهنيُّ: حليف لبني نابي بن عمرو بن سواد من بني سلمة. شهد العقبة مع السَّبهين، وشهد بدرا وأحدا وما بعدهما من المشاهد. روى عنه من الصحابة أبو أمامة وجابر بن عبد

стр. 467

الله. وروى عنه من التابعين بسر بن سعيد وبنوه: عطية وعمرو وضمرة وعبد الله. وهو الذي سأل رسول الله ﷺ عن ليلة القدر. وقال: يا رسول الله إني شاسع الدار، فمرني بليلة أنزل لها. فقال: " انزل ليلة ثلاثٍ وعشرين ". وتُعرف تلك الليلة بليلة الجُهنيِّ وليلة الأعرابي. ويكنى أبا يحيى. وأعطاه رسول الله ﷺ عصاً وقال: هي آية بيني وبينك يوم القيامة " إنَّ أقلَّ الناس المتخصِّرون يومئذ " فقرنها عبد الله بن أنيس مع سيفه. فلما حضرته الوفاة أمر أن تجعل معه في قبره. وكان منزله بأعراف على بريد من المدينة. وتوفي سنة أربع وخمسين. وقال ابن الكلبي: هو من ولد البَرْك بن وبرة أخي كلب بن وبرة. والبرك دخل في جُهينة. وقال مسلم في الكنى: أبو يحيى عبد الله بن أنيس الجهنيُّ له صحبة. ومنهم سنان بن وبرة الجهنيُّ حليف الأوس. غزا مع رسول الله ﷺ غزوة المُريسيع. وكان شعارهم يومئذ: يا منصور أمِت أمِتْ. وهو الذي تنازع مع جهجاه الغفاري يومئذ حين ازدحما على الماء حتى اقتتلا. فصرخ الجهنيُّ: يا معشر الأنصار. وصرخ جهجاه: يا معشر المهاجرين. فغضب عبد الله بن أُبي وقال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرِجنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ. والخبر بذلك مشهور في السِّير وغيرها. ومنهم أبو معبد عبد الله بن عُكيم: اختلف في سماعه من النبي ﷺ . وهو القائل: جاءنا كتاب رسول الله ﷺ إلى أرض جُهينة قبل وفاته بشهر ألا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب، يعدُّ في الكوفيين. روى عنه عبد الرحمن بن أبي ليلى وهلال الوزان. ومنهم سبرة بن معبد الجُهنيُّ: وكان يُكنى ابا ثُرية " بضم الثاء، وهو الصواب " سكن المدينة، وله بها دار. ثم انتقل في آخر أيامه إلى المروة، وهو والد الربيع بن سبرة. روى عن الربيع جماعة أجلُّهم ابن شهاب حديثه في نكاح المتعة أن رسول الله ﷺ حرَّمها بعد أن أَذن فيها.

стр. 468

ومن ولد الربيع بن سبرة حرملة بن عبد العزيز بن الربيع بن سبرة: أبوه قد روى عن أبيه. وروى عنه إبراهيم بن المنذر. وفي التابعين من جُهينة زيد بن وهب الجهني: أبو سليمان. سمع علياً وابن سعود وأبا ذرٍ. روى عنه العمش وحمّاد بن أبي سُليم. ومنهم الأُسيفع: الذي كان يسبق الحاجَّ. وهو الذي قال فيه عمر بن الخطاب. أما بعدُ أيها الناس، فإن الأُسيفع أسيفع جُهينة رضي من دينه وأمانته بأن يقال له: سبق الحاجَّ. ألا وإنَّ قد ادان مُعرضاً، فأصبح قد دين به، فمن كان له عليه دَين فليأتنا بالغداة نقسم ماله بينهم، وإياكم والدَّين فإنَّ أوله همٌ وآخره حرب. وفي المحدثين من جُهينة عبد الله بن صالح: كاتب الليث بن سعد. ومات بمصر سنة ثلاثٍ وعشرين ومئتين. ومن عذرة بن سعد أخي نهد وجُهينة بني زيد بن سُود أسلم خالد بن عُرفطة بن صُعير: ابن أخي ثعلبة بن صُعير، ذكره أبو عمر بن عبد البر في الصحابة، وولاه سعد بن أبي وقاص ميمنة الناس يوم القادسية. وسكن خالد ابن عُرفطة الكوفة، ومات بها سنة إحدى وستين، وهي السنة التي قُتل فيها الحسين ﵁ وولده عمر بن عبد العزيز. وروى عنه أبو عثمان النَّهديُّ ومسلم مولاه وعبد الله بن يسارٍ. وعمُّه ثعلبة بن صُعير: من الصحابة. وكان حليفاً لبني زهرة. روى عنه عبد الرحمن بن كعب بن مالك وابنه عبد الله بن ثعلبة. ولابنه عبد الله أيضا صحبة. قال مسلم في " الكنى ": أبو محمد عبد الله بن ثعلبة بن صُعير العُذريُّ حليف بني زُهرة، له صحبة، ولد قبل الهجرة بأربع سنين، وتُوفي سنة تسع وثمانين، وهو ابن ثلاثٍ وثمانين. روى عنه ابن شهاب وعبد الحميد بن جعفر. ومنهم رزاح بن ربيعة: أخو قصيٍّ لأمِّه. وهو الذي أعان قُصياً حتى غلب على البيت. ومنهم عروة بن حزام: صاحب عفراء.

стр. 469

ومنهم جميل بن عبد الله بن معمر بن نَهيك: صاحب بُثينة. ومن عُذارة خُرافة: وهو الذي يقال فيه: حديث خُرافة. قال ابن قتيبة في " المعارف ": حدَّثني ابو سفيان الغنويُّ قالك نا سعيد بن عبد الله السُّلمي قال: حدثني سعيد بن أبي سارة عن ثابت عن أنس بن مالك أن النبيَّ ﷺ قال لعائشة: " إن أصدق الأحاديث حديث خرافة ". وكان رجلاً من بني عذرة سبته الجنُّ. فكان يكون معهم فإذا استرقوا السَّمع أخبروه فيُخبر به أهل الأرض، فيجدونه كما قال. ومن بني عذرة هُدبة بن خشرم بن كرز: العذريُّ الشاعر، وكان قتل زيادة بن زيد العذريَّ، وأقرَّ على نفسه بالقتل بين يدي معاوية. وكان لزيادة ولد صغير، فأمر معاوية بحبس هدبة حتى يكبر ولد زيادة، فإن شاء أن يأخذ بوتر أبيه أخذ، وإن شاء أن يقبل منه الدِّية قبل. فحُبس بالمدينة حتى أدرك ابن زيادة، فأبى أن يقبل الدية، وقتله بأبيه. ويقال: إنه عرض على ابن زيادة عشر ديات فأبى إلا القَوَدَ. وكان ممَّن عرض عليه الديات الحسين بن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن جعفر، وسعيد بن العاصي، ومروان بن الحكم، وسائر الأقوام من قريش والأنصار. وكان من المتجلِّدين عند القتل. ولمَّا قُدِّم للقتل نظر إلى امرأته فدخلته غيرة، وقد كان جُدع في حربٍ، فقال: فغن يكُ أَنفي بانَ منه جمالُهُ ... فما حَسَبي في الصالحين بأَجدعا فلا تنكحي إن فرَّق الدهرُ بيننا ... أَغمَّ القَفا والوجهِ ليس بأَنزعا فقالت: قفوا عنه ساعةً، ثم مضت واصطلمت أنفها وأتته وقالت: أهذا فعلُ من له إلى الرجال حاجةٌ؟ فقال: الآن طاب الموت. ثم أقبل على أبويه فقال: أَبْلياني اليومَ صبراً منكُما ... إنَّ حزْناً مِنكُما اليومَ أشَرْ

стр. 470

ما أظنُّ الموتَ إلا هيّناُ ... إنَّ بعدَ الموتِ دارُ المستقرْ ومن قوله، وهو في السجن: طربتَ وكنتَ أحياناً طروبُ ... وكيفَ وقد تَعلاَّكَ المشيبُ؟ يُجدُّ النأيُ ذِكرَكَ في فؤادي ... إذا ذَهلتْ عن النأي القلوبُ يؤرِّقني اكتئابُ أبي نُميرٍ ... وقلبي من كآبتهِ كئيبُ فقلتُ له: هداك اللهُ خيراً ... وخيرُ القولِ ذو اللبِّ المصيبُ عسى الكربُ الذي أَمسيتُ فيه ... يكون وراءهَ فرحٌ قريبُ ومن موالي قُضاعة عبد العزيز بن محمد الدَّراورديُّ: واصله من دراورد؛ قريةٍ بخراسان. وقال بعضهمك هو منسوب إلى " درابجرد " من فارس على غير قياسٍ، والقياس داربي أو جردي. ولكن وُلد بالمدينة ونشأ بها وتُوفي فيها سنة سبعٍ وثمانين ومئة. وأما قنص بن معد بن معد بن عدنان فهلكت بقيَّتهم فيما تزعم نُساب معدٍّ. وكان منهم النعمان بن المنذر. وقال الزهريُّ ابن شهاب: إن النعمان بن المنذر كان من ولد قُنُص بن معدٍّن وكان منهم. ورُوي أن عمر بن الخطاب ﵁ حين أُتي بسيف النعمان بن المنذر دعا جُبير بن مُطعم بن عديّ بن نوفل بن عبد مناف بن قُصيٍّ. وكان جُبير أنسب قريشٍ لقريشٍ وللعرب قاطبةً. وكان يقول: إنما أخذت النسب من أبي بكرٍ الصديق رضي الله

стр. 471

عنه. ثم قال: ممَّن كان يا جُبير النعمان بن المنذر؟ قال: كان من أشلاء قُنُص ابن مَعدٍَ. وسائر العرب يزعمون أن النعمان كان رجلاً من لضخمٍ من ولد ربيعة بن نصر والله أعلمُ بالصحيح من ذلك. قال المؤلف، أعزَّه الله بطاعته، ولا حمَّله فوق استطاعته: قد وَفَيت بما اشترطْت من ذكر جدود رسول الله ﷺ من عبد المطلب إلى عدنان وإخوتهم ومن ولدوا، وما به من المآثر في الجاهلية والإسلام انْفَردوا، وبيَّنت ذلك كما يجب أحسن البيان بمنتقى المعارف المُسْتجادة. وسُقْتُه بليغاً موجزاً مُفيداً غاية الإفادة. وها أنا أذكرُ سير رسول الله ﷺ المصطفى المختار من مولده إلى وفاته ذِكراً يُفصحُ عن أصحِّ الآثار، ويُعربُ عن أغرب الأخبار. ثم أُتبعُهُ نسَبَ العشرة الهادين المُهتدين؛ سُرُج الدين وأئمة المتَّقين. نفَعَ اللهُ به، وعليه أعانَ، وهو الرحمنُ المستعانُ.

стр. 472

١ ١ - بسم الله الرحمن الرحيم عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف جدّ رسول الله ﷺ كان لعبد المطَّلب من الولد لصُلبه عشرة من الذكور، ومن الإناث ست بنات. الذكور: عبد الله ابن عبد المطلب أبو النبيِّ ﷺ ، والزبير، وأبو طالب واسمه عبد مناف، وحمزة، والعباس، وضرار، والمثقوَّم، وأبو لهب واسمه عبد العزى، والغيداق، واسمه حَجْل، وسُمَّي غيداقا لكثرة سماحه وخيره، والحارث وهو أكبر ولد عبد المطلب، وبه كان يُكنى. الإناث: عاتكة بنت عبد المطلب، وأُميمة، والبيضاء وهي أُمُّ حكيم وبَرَّة وصفيَّة، وأروى. وأمُّ عبد المطلب: سلمى بنت عمرو بن زيد بن لبيد بن خداش بن عامر بن عديِّ بن النجّار. واسم النجّار تيم الله ابن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج أخي الأوس. والأوس والخزرج ابنا حارثة بن ثعلبة العنقاء بن عمرو مُزَيقِيا بن عامر ماء السماء بن حارثة الغطريف بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد ابن الغوث بن ثَبِت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يعرب بن يَشجُب ابن قحطان. وأمُّ الأوس والخزرج: عُذرية، واسمها قيلة بنت كاهل بن عذرة بن سعد ابن زيد بن ليث بن سُود بن أسلُم بن الحاف بن قُضاعة. ولذلك قيل للأوس والخزرج: بنو قَليَة. قال النعمان بن بشر الأنصاريُّ يمدح الأوس والخزرج: بَهاليلُ من أبناءِ قَيلةَ لم يجدْ ... عليهم خليطٌ في مُخالطةٍ عَتْبا مساميحُ أبطالٌ يُراحون للنَّدى ... يَرَون عليهمْ فعلَ آبائهمْ نَحْبا

стр. 473

وأمُّ سلمى: أُمُّ عبد المطلب عُميرة بنت صخر بن الحرث بن ثعلبة بن مازن ابن النجار. وكان لعبد المطلب من الأخوة لأبيه: أسد بن هاشم: وهو أبو فاطمة أمُّ عليَّ ﵁، وأبو صيفي بن هاشم، وفَضلة بن هاشم. ومن الأخوات لأبيه: الشِّفاء وخالدة وضعيفة وحيَّة. فأما الشفاء منهنَّ فتزوَّجها عبد المطلب بن عبد مناف فولدت له عبد يزيد الذي كان يُقال له المَحْضُ لا قذى فيه. وهو أبو رُكانة الشديد، وقد تقدَّم ذكر ركانة وأبيه كما يجب في أول الكتاب. وتزوج هاشم سلمى بنت عمرو ببلدها يثرب، فولدت له عبد المطلب ورقيَّة. وكانت قبل هاشم عند أُحَيْحَة بن الجُلاح، فولدت له عمرو بن أحيحة. فهو أخو عبد المطلب لأمِّه. وهلك هاشم بالشام، وعبد المطلب صبي صغير عند أمه بالمدينة. فلما شبَّ جاء عبد المطلب لأمه، وأراد أخذَهُ منها ليحمله إلى مكة، فمنعته من حمله. فلم يزل بها المطلب حتى دفعته إليه فذهب به، وأردفه خلفه، وحمله إلى مكة. فلما دخل مكة قالت قريش: هذا عبد المطلب. فقال المطلب: ويحكم إنه ابن هاشم أخي، قدِمتُ به من يثرب. فلزمه هذا الاسم، واسمه شَيبَةُ. أمهات بني عبد المطلب وبناته أمُّ عبد الله والد النبي ﵇، وأبي طالب، وجميع النساء غير صفية. فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم بن يَقَظَة بن مُرَّة بن كعب ابن لؤي بن غالب بن فهر. وأمُّ حمزة والمُقوَّم والحَجْل وصفية: هالة بنت أُهَيب بن عبد مناف بن زُهرة بن كلاب بن مُرَّة بن كعب بن لؤي. وأُمَُ العباس وضرار: نُتَيلة بنت جَناب بن كُليب بن مالك بن عمرو بن

стр. 474

عامر بن زيد مناة بن عامر بن سعد بن الخزرج بن تيم اللات بن النَّمِر بن قاسط بن هِنْب بن أفضى بن دُعميِّ بن جديلة بن أسيد بن ربيعة بن نزار، هكذا نسبها ابن إسحاق، ونسبها أبو عبيدة كما يأتي بعد. وأمُّ الحرث بن عبد المطلب: سمراء بنت جُندب بن جُحير بن رئاب بن سُواءة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة. وأُمُّ أبي لهب: لبنى بنت هاجر بن عبد مناف بن ضاطر بن حُبيشة بن سلول بن كعب بن عمرو الخزاعي. ذكر عمومة رسول الله ﷺ أسلم منهم اثنان: حمزة والعباس. فوجب تقديمهم للذِّكر. حمزة بن عبد المطلب: أسلم ﵁ قبل عمر، وكان مع رسول الله ﷺ بدار الأرقم المخزوميِّ عند الصَّفا قبل كمال المسلمين أربعين رجلا بها. وغنما أُكملوا أربعين بعمر ﵁. وكان سبب إسلام حمزة أَنفة وغضبا لما نال أبو جهل عدوّ الله من النبي ﵇ من السبِّ والأذى عند الصَّفا. أخبرت حمزة بذلك مولاة عبد الله بن جُدعان، وقد رجع من قنصه متوشحا قوسه. وكان صاحب قَنص. ورفع قوسه فضربه بها فشجَّه شَجَّة مُنكرة. وقال: أتشتمه! فأنا على دينه أقول ما يقول، فردَّ عليَّ ذلك إن استطعت، وتمَّ ﵁ على إسلامه لما أراد الله به من كرامته. وهاجر حمزة إلى المدينة قبل هجرة النبي ﵇، وشهد بدرا، وهو أخو رسول الله ﷺ من الرَّضاع. وكان حمزة أسنَّ منه، بينهما سنتان، أرضعت النبيَّ ﷺ وحمزة وأبا سلمة بن عبد الأسد " ثُوَيبَة " مولاة أبي لهب. فكان رسول الله ﷺ يُكرم ثُويبة، وكانت تدخل على خديجة بعد أن تزوج خديجة. فكانت خديجة تكرمها. وأعتقها أبو لهب بعدما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة. فكان ﵇ يبعث إليها من المدينة بصِلة وكسوة حتى ماتت بعد فتح خيبر.

стр. 475

وحمزة سيد الشهداء استشهد يوم أحد، قتله " وحشي " غلام جُبير بن مُطعم. ويكنّى وحشي أبا وسمة. وأسلم وحشي بعد فتح مكة والطائف. وكان يخاف أن يُقتل إن ظُفر به. فقال له رجل: ويحك أن محمدا لا يقتل أحدا من الناس دخل في دينه، فقدِم المدينة فلم يَرُعْ رسول الله صلى عليه وسلم إلا وهو قائم على رأسه يستشهد شهادة الحق. فقال رسول الله ﷺ : " أَوَحشيُّ ". قال نعم يا رسول الله. فقال " اقعد فحدِّثني كيف قتلت حمزة ". فقال وحشي: فلما فرغت من حديثي قال لي: " ويحك غيِّب عني وجهك، فلا أريَنَّك ". قال: فكنت أتنكَّب رسول الله حيث كان لئلا يراني، حتى قبضه الله ﷺ ، وأستُخلف أبو بكر. فلما خرج المسلمون إلى مُسيلمة الكذاب صاحب اليمامة خرجتُ معهم وأخذتُ حربتي التي قتلتُ بها حمزة. فلما التقى الناس رأيتُ مسيلمة قائما، في يده السيف، وما أعرفهُ فتهيأتُ له، وتهيأ له رجل من الأنصار من الناحية الأخرى، كلانا يريده. فهززتُ حربتي، حتى إذا رضيتُ منها دفعتُها عليه فوقعتْ فيه. وشدَّ عليه الأنصاريُّ فضربه بالسيف، فربُّك أعلم أيُّنا قتله. فإن كنت قتلت حمزة فقد قتلت خير الناس بعد رسول الله ﷺ . وإن كنت قتلت مسيلمة فقد قتلت شرَّ الناس. ودُفن حمزة ﵁ بأُحُد حيث قُتل في بُرده لم يُغسل. قال ابن عباس: أمر رسول الله ﷺ فسُجِّي ببُرده، ثم صلى عليه فكبَّر سبع تكبيرات ثن أُتي بالقتلى يوضعون إلى حمزة، فيُصلِّي عليهم وعليه معهم حتَّى صلَّى عليه ثِنتين وسبعين صلاة. وكان قد مثل به المشركون، فوقف عليه رسول الله ﷺ وقال " ما وقفتُ موقفا قطُّ أَغيظَ عليَّ من هذا، لن أُصاب بمثلك أبدا ". وجاءت أخته شقيقته صفية لتنظر إليه، فأمر رسول الله ﷺ الزبير بن العوَّام ابنها أن يأمرها بالرجوع. فقال لها الزبير يا أمَّاه إِنَّ النبيَّ ﷺ يأمرك بالرجوع. فقالت: يا بُنَيَّ، ما أردت إلا أن أراه فأترحَّم عليه، وأسترجع. فقد بلغني أنَّه قد مُثِّل بأخي، وذلك في الله قليل، فما أرضانا بما كان من ذلك. لأحتسبنَّ ولأصبرنَّ إن شاء الله. فأخبر الزبير بذلك النبيَّ ﵇. فقال: خلِّ سبيلها. فأتته، فنظرت إليه،

стр. 476

فصلَّت عليه واستغفرت له. وقال ﵇: " لولا أن تحزن صفية لتركته حتى يُحشر من حواصل الطير وبطون السباع ". وقال ﷺ : " جاءني جبريل فأخبرني أن حمزة بن عبد المطلب مكتوب في أهل السماوات السبع حمزة ابن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله ". وقال عبد الله بن رواحة الأنصاري الخزرجي يبكي حمزة بن عبد المطلب: بكتْ عيني وحُقَّ لها بُكاها ... وما يُغني البكاء ولا العويلُ على أسدِ الإلاهِ غداةَ قالوا ... أحمزةُ ذاكُمُ الرجلُ القتيلُ أصيبَ المسلمونَ به جميعا ... هناكَ وقد أُصيبَ به الرسولُ أبا يَعلى لكَ الأركانُ هُدَّتْ ... وأنت الماجدُ البَرُّ الوَصولُ عليك سلامُ ربِّك في جنانٍ ... مخالطُها نعيمُ لا يزولُ وقال حسان بن ثابت يُبكي حمزة بن عبد المطلب من قصيدة: ولقد هَدِدتُ لِفَقدِ حمزةَ هَدَّةً ... ظلَّتْ بناتُ الجَوفِ منها تُرعَدُ

стр. 477

ولو أنَّهُ فُجِعتْ حَراء بمثلهِ ... لرأيتَ راسِيَ صخرِها يتبدَّدُ قَرْمٌ تمكَّنَ في ذؤابةِ هاشمٍ ... حيثُ النبوَّةُ والنَّدى والسَّؤدَدُ والعاقرُ الكومَ الجلادُ إذا غَدَتْ ... ريحٌ يكادُ الماء منها يجمدُ والتاركُ القِرنَ الكَمِيَّ مُجدَّلاً ... يوم الكريهة والقنَا تتقصَّد وتراه يرفُلُ في الحديد كأنه ... ذو لِبدةٍ شُثْنُ البَراثِنِ أربَدُ عمُّ النبيِّ محمدٍ وصفيُّهُ ... وردَ الحِمامَ فطابَ ذاكَ الموردُ وأتى المنيةَ مُعْلَماً في أسرةٍ ... صَدقوا النبيَّ ومنهمُ المستَشهدُ وأُمُّ حمزة: هالة بنت أهيب بن عبد مناف بن زُهرة بنت عمِّ آمنة بنت وهب ابن عبد مناف أمِّ رسول الله ﷺ . وكانت لحمزة كُنيتان: أبو يعلى وأبو عُمارة. وأم عُمارة امرأة من بني النجار من الأنصار. ولم يُعقب، وكان له من البنات أمُّ أبيها واسمها أُمامة، وأُمُّ الفضل. فأمَّا أُمُّ أبيها فأُمُّها زينب بنت عُميس الخثعمية، وكانت تحت عمر بن أبي سلمة المخزوميِّ ربيب النبي ﵇. وأما أمُّ الفضل فروى عنها عبد الله ابن شدّاد قالت: تُفي مولى لنا وترك ابنة وأختا. فأتينا رسول الله ﷺ ، فأعطى الابنة النِّصف وأعطى الأخت النصف.

стр. 478

العباس بن عبد المطلب: كان أسنَّ من رسول الله ﷺ بسنتين وقيل: ثلاث سنين. وأمُّه امرأة من النَّمِرِ بن قاسط، وهي نُثيلة بنت جناب بن حبيب بن مالك بن عمرو بن عامر الضَّحيان الأصغر بن زيد مناة ابن عامر الضَّحيان الأكبر بن سعد بن الخزرج بن تيم الله بن النَّمر بن قاسط. هكذا نسبها أبو عبيدة معمر بن المثنَّى، قال: وهي أول عربية كست البيت الحرام الحرير والدِّيباج وأصناف الكسوة؛ وذلك أن العباس ضلَّ وهو صبي، فنذرَتْ إن وجدَتْهُ أن تكسو البيت الحرام فوجدته وفعلت. وكان رئيسا في الجاهلية، وإليه كانت عمارة المسجد الحرام والسقاية في الجاهلية. فالسقاية معروفة، وأما العمارة فإنه كان لا يدع أحدا يستبُّ في المسجد الحرام، ولا يقول فيه هُجرا، يحملهم على عمارته في الخير، لا يستطيعون لذلك امتناعا منه لأنه كان ملأ قريش قد اجتمعوا وتعاقدوا على ذلك، فكانوا أعوانا عليه، وسلَّموا ذلك إليه. وكان أنصر الناس لرسول الله ﷺ بعد أبي طالب. وشهد مع رسول الله ﷺ بيعة العقبة مع الأنصار السَّبعين ليشُدَّ العقد للنبيَّ ﵇ عليهم، وهو على شركه. وأسلم العباس قبل فتح خيبر، وقيل: أسلم قبل بدر إذ ذكر بعض من ألَّف في المغازي أنه قال لرسول الله ﷺ حين أُسِر يوم بدر: يا رسول الله إني مسلم، وإني أُخرِجتُ كَرها. فقال: " الله أعلم بإسلامك، وأما ظاهر أمرك فعلينا ". وكان مقيما بمكة من أجل السقاية أذن له النبي ﷺ في ذلك. وكان يسُرُّه ما يفتح الله على المسلمين، ويكتب بأخبار المشركين إلى رسول الله ﷺ . وكان المسلمون يتقوُّنَ به، ولكن يكتم إسلامه، وفي حديث الحجاج بن عِلاط السُّلَمِيِّ ثم البَهْزي أنه كان مسلما في قصته مع قريش حين خدعهم بعد فتح خيبر، وحديثه بذلك صحيح من رواية ثابت البنانيِّ وغيره عن أنس. وقد مضى ذكره في بَهْزٍ من سُلَيم. وأُسر العباس يوم بدر ففدى نفسه وفدى نوفلا وعقيلا ابني أخويه الحارث وأبي طالب. والذي أسر العباس أبو اليَسَر كعب بن عمرو السُّلميُّ من بني سَلٍمة بن الخزرج. وكان أبو اليَسَر رجلا قصيرا مجموعا، والعباس رجل طويل ضخم. فقال النبي ﷺ : " لقد أعانك عليه مَلَكٌ كريم ". وقال:

стр. 479

رسول الله ﷺ : " من لقي منكم العباس فلا يقتله فإنَّ قريشا أخرجته إلى بدر كرها ". ولما شُدَّ وثاقه مع الأسرى بات رسول الله ﷺ ساهرا تلك الليلة ولم ينم. فقال له بعض أصحابه: ما يسهرك يا رسول الله؟ قال: " أسهر لأنين العباس ". فقام رجل من القوم فأرخى من وثاقه. فقال رسول الله ﷺ ما لي لا أسمع أنين العباس؟ فقال الرجل: أنا أرخيت من وثاقه. فقال رسول الله ﷺ : " فافعل ذلك بالأسرى كلِّهم ". وكان رسول الله ﷺ يعظِّم العباس ويجله ويقول " هذا عمي وصنوِ أبي ". وقال ﵇ " هذا عمي العباس أجود قريش كفا وأوصلها ". ووجَّهه رسول الله ﷺ مرة إلى أهل مكة فأبطأ عليه، فقال: " ردُّوا عليَّ أبي، أما والله لئن فعلت به قريش ما فعلت ثقيف بعروة بن مسعود لأضرمنَّها عليهم نارا ". وكان عمر وعثمان ﵄، إذا لقيا العباس بن عبد المطلب وهما راكبان نزلا، ويقولن: عمُّ رسول الله ﷺ . وقال خُرَيم بن أوس بن حارثة الطائي ويُكنَّى أبا نجاء: هاجرت إلى رسول الله ﷺ مُنصرفه من تبوك، فسمعت العباس عمَّه يقول: يا رسول الله إني أريد أن أمدحك، فقال له النبي ﵇: " قُل لا يُفضض الله فاك "، فأنشأ يقول: مِن قَبلها طِبتَ في الظِّلالِ وفى ... مُستَودعٍ حيثُ يُخصفُ الورقُ ثمَّ هبطتَ البلادَ لا بَشَرٌ ... أنتَ لا مُضغةٌ ولا عَلَقُ بل نُطفة تركب السفينَ وقد ... ألجمَ نَسراً وأَهلَهُ الغرقُ

стр. 480

تُنقَلُ من صالبٍ إلى رَحمٍ ... إذا مضى عالمٌ بدا طَبقُ حتى احُتَوى بيتُكَ المُهَيمِنُ مِن ... خِندِفَ علياء تَحتَها النُّطُقُ فنحنُ في ذلك الضياء وفي الن ... ور وسُبْلِ الرَّشَادِ نَخْتَرِقُ وقال ابن شهاب: كان أصحاب النبيِّ ﵇ يعرفون للعباس فضله، ويقدِّمونه ويشاورونه ويأخذون برأيه. وقال غيره: كان العباس جميلا أبيضا بضَّا ذا ضفيرتين معتدل القامة. وقيل: بل كان طُوالا. وروى ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن جابر قال: أردنا أن نكسو العباس حين أُسر يوم بدر فما أصبنا قميصا يصلح عليه إلا قميص عبد الله بن أُبي. وذُكر في صحيح التاريخ أن العباس كان جوادا مطعما. وهو من المطعمين يوم بدر. وكان وصولا للرحم، ذا رأي حسن ودعوة مرجوَّة. واستسقى به عمر زمن الرَّمادة وذلك سنة سبع عشرة. وكان كعب الأحبار قال له: يا أمير المؤمنين إن بني إسرائيل كانوا إذا قُحطوا استسقوا بعصبة الأنبياء. قال: فخرج عمر وخرج معه العباس وقال: اللهم إنا نتقرب إليك بعمِّ نبيِّك. ونستشفع به. فاحفظ فيه نبيَّك، كما حفظت الغلامين لصلاح أبيهما، وأتيناك مستغفرين ومستشفعين. ثم أقبل على الناس فقال: استغفروا ربَّكم إنه كان غفَّارا، يُرسل السَّماء عليكم مِدرارا. ثم قام العباس وعيناه تنضحان، فطال

стр. 481

عمر ثم قال: اللهم إنه لم ينزل من السماء بلاء إلا بذنب، ولن يُكشف إلا بتوبة، وقد توجَّه بي القوم إليك لمكاني من نبيِّك، وإنَّك لا تُهمل الضَّالَّة ولا تدع الكسير بدار مضيعة. فقد ضرع الصغير، وفَرِق الكبير، وارتفعت الشكوى، وأنت تعلم السِّرَّ وأخفى. اللهمَّ أغِثْهُم بغيثك قبل أن يقنطوا فيهلكوا. فإنه لا ييأس من روحك إلا القوم الكافرون. اللهمَّ شفِّعنا في أنفسنا وأهلنا. اللهمَّ إِنَّا شفعاء عمَّن لا ينطق من بهائمنا وإنعامنا. اللهم اسقنا سقيا وادعا نافعا طَبَقا سَحَا عاما. قال: فأرخت السماء غزالَيها. فجاءت بأمثال الجبال حتى استوت الحفرُ بالآكام، وأخصبت الأرض، معاش الناس. فقال عمر: هذا والله الوسيلة إلى الله والمكان منه. وفي رواية أخرى: فنشأت طُريرة من سحاب. فقال الناس: تَرونَ تَرونَ، حتى تلاءمت واسْتَتَبَّتْ، ومسَّت فيها ريح ثم هرَّت ودرَّت. فوالله ما برحوا حتى اعتلقوا الحذاء، وقلَّصوا المآزر. وطفق الناس يمسحون بأركان العباس ويقولون: هنيئا لك ساقي الحرمين. وقال حسان بن ثابت: سألَ الإمامُ وقد تَتابع جَدبُنا ... فسُقي الغَمامُ بغرَّة العباسِ عمِّ النبيِّ وصِنوِ والدهِ الذي ... ورِثَ الفَخارَ بذَاك دون الناسِ أحيا المليكُ به البلادّ فأصبحتْ ... مُخضَرَّة الأجنابِ بعدَ الياسِ وقال الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب بن عبد المطلب: بعمِّي سَقَى اللهُ الحجازَ وأهلَهُ ... عشيَّةَ يستقي بشيْبتِهِ عُمَرُ

стр. 482

توجَّه بالعباس في الجدبِ راغبا ... فما كرَّ حتى جاء بالدَّيمةِ المطرُ ومن فضائله ﵁ الترمذي: حدثنا قتيبة، نا أبو عَوانَةَ عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الله بن الحارث بن جَزْء: حدثني عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب أن العباس بن عبد المطلب دخل على رسول الله ﷺ مغضبا وأنا عنده، فقال: " ما أغضبك؟ ". قال: يا رسول الله، ما لنا ولقريش، إذا تلاقوا بينهم تلاقوا بوجوه مبشرة، وإذا لقونا لقونا بغير ذلك؟ قال: فغضب رسول الله ﷺ حتى احمرَّ وجهه، ثم قال: " والذي نفسي بيده، لا يدخل قلب رجل الإيمان حتى يحبَّكم لله ولرسوله، ثم قال: " يا أيها الناس من آذى عمِّي فقد آذاني، فإنَّما عمُّ الرجل صنو أبيه "، قال: هذا حديث حسن. الترمذي: نا القاسم بن دينار الكوفي: نا عبيد الله عن إسرائيل، عن عبد العلي، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس. قال: قال رسول الله ﷺ : " العباس مني وأنا منه ". ومات العباس ﵁ قبل موت عثمان بسنتين، وهو ابن ثمان وثمانين سنة، وقيل: ابن تسع وثمانين لاثنتي عشرة ليلة خلت من رجب. وقيل: بل من رمضان سنة اثنين وثلاثين، وصلى عليه عثمان ودُفن بالبقيع. وقال خليفة بن خياط: كانت وفاة العباس سنة ثلاث وثلاثين، ودخل قبره ابنه عبد الله بن عباس. ومن موالي العباس: عُبيد بن حُنين: روى عن ابن عباس حديث: كنت أريد أن أسأل عمر عن المرأتين اللتين تظاهرتا على رسول الله ﷺ ، وهو حديث طويل، خرَّجه مسلم، وروى عن عبيد بن حنين يحيى بن سعيد الأنصاريُّ وهو قال فيه: مولى العباس. وفي الموطأ في كتاب " الصلاة " عن عبيد بن حنين مولى آل زيد بن الخطاب عن أبي هريرة حديث الرجل الذي سمعه رسول الله ﷺ يقرأ:) قل هو الله أحد (. وولد العباس الفضل الرَّدْفَ، وبه كان يُكنى، وعبد الله الحَبْر، وعُبيد الله الجواد، وقُثَم الشهيد بسمرقند، وعبد الرحمن، ومعبدا. وأُمُّهُم أمُّ الفضل لُبابة

стр. 483

الكبرى الهلالية من بني عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصعة. كُنيت بالفضل ابنها. وهي لُبابة بنت الحارث بن حَزْن أخت ميمونة زوج النبي ﷺ لأبيها وأمِّها. ويقال: أنها أول امرأة أسلمت بعد خديجة. فكان النبي ﵇ يزورها ويقيل عنها. وروت عنه أحاديث كثيرة. وكانت من المُنجِبات، ولدت للعباس ستة رجالا لم تلد امرأة مثلهم. وفي أم الفضل هذه يقول عبد الله بن يزيد الهلالي: ما ولدتْ نجيبةٌ من فحلِ بجَبلٍ نعلمُهُ وسهلِ كَستَّةٍ من بطن أمِّ الفضلِ أكرِمْ بها من كهلةٍ وكهلِ عمِّ النبيِّ المصطفى ذي الفضلِ وخاتمِ الرُّسْلِ وخَيرِ الرسْلِ الفضل بن عباس: سُمِّي الفضل الرَّدف لأنه كان رديف رسول الله ﷺ في حجَّة الوداع، ونصُّ ذلك في الموطأ كتاب " الحج ". مالك عن بن شهاب، عن سليمان بن شهاب، عن سليمان بن يسار عن عبد الله بن عباس قال: كان الفضل بن عباس رديف رسول الله ﷺ ، فجاءته امرأة من خَثعم تستفتيه. فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه. فجعل رسول الله ﷺ يصرف وجه الفضل إلى الشقِّ الآخر. فقالت: يا رسول الله إنَّ فريضة الله في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا، لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، أفأحجُّ عنه؟ قال: " نعم "، وذلك في حجَّة الوداع. ويكنَّى الفضل أبا عبد الله. وقيل: يكنى أبا محمد. غزا مع رسول الله ﷺ حُنينا، وشهد معه حجة الوداع، وشهد غسله ﷺ .

стр. 484

وهو الذي كان يصُبُّ على عليٍّ يومئذ، وكان أجمل الناس وجها. وأختُلف في وقت وفاة الفضل. فقيل: أصيب يوم أجنادين في خلافة أبي بكر الصديق ﵁. وقيل: بل يوم مُرج الصُّفَّر، وكلا الوقيعتين كانتا سنة ثلاث عشرة. وقد قيل: مات الفضل في طاعون عَمَواس بالشام سنة ثمان عشرة. وقد قيل: إنه قتل يوم اليرموك سنة خمس عشرة في خلافة عمر. ولم يترك ولدا إلا أمَّ كلثوم، تزوجها الحسن بن علي، ثم فارقها. فتزوجها أبو موسى الأشعريُّ. روى عنه أخوه عبد الله بن عباس وأبو هريرة. عبد الله بن عباس أبو العباس: ولد، ﵁، بالشِّعب قبل خروج بني هاشم منه، وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين. ودعا له رسول الله ﷺ حين وضع له الوضوء، فقال: " اللهم فقِّهه "، وضرب بيده في صدره. وفي حديث آخر: " اللهمَّ فقَّهه بالدِّين وعلِّمه التَّأويل ". وفي آخر " اللهمَّ علِّمه الحكمة وتأويل القرآن ". وفي آخر " اللهمَّ بارك فيه وانشر منه، واجعله من عبادك الصالحين ". وهي أحاديث كلها صحاح. وقال مجاهد عن ابن عباس: رأيت جبريل عند النبي ﵇ مرتين. ودعا لي رسول الله ﷺ بالحكمة مرتين. وقال ابن مسعود: نِعمَ ترجمان القرآن ابن عباس، لو أدرك.... ما عاشره منا رجل. وقال مجاهد: ما سمعت فتيا أحسن من فتيا ابن عباس، إلا أن يقول قائل: قال رسول الله ﷺ . وقال مسروق: كنت إذا رأيت ابن عباس قلت: أجمل الناس، فإذا تكلم قلت: أفصح الناس، وإذا تحدث قلت: أعلم الناس. وقال يزيد بن الأصمِّ: خرج معاوية حاجَّا معه ابن عباس. فكان لمعاوية موكب ولابن عباس موكب ممَّن يطلب العلم. وحدَّث يحيى بن معين قال: نا الحجاج بن محمد عن ابن جُريح، عن عطاء قال: كان ناس يأتون ابن عباس في الشِّعر والأنساب، وناس يأتون لأيام العرب ووقائعها، وناس يأتون للعلم والفقه. فما منهم صف إلا يُقبل عليهم بما شاؤوا. وقال ﵁: تُوفي رسول الله ﷺ وأنا قد ناهزت الاحتلام. وفي الموطأ مالك: عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن عبد الله بن عباس أنه قال: أقبلتُ راكبا على أتان وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام ورسول الله ﷺ بمنى، فمررت بين يدي بعض

стр. 485

الصفَّ. فنزلت فأرسلت الأتان ترتع، ودخلت في الصفِّ، فلم يُنكر ذلك على أحد. قال المؤلف، وفقه الله: كان ذلك، في حجَّة الوداع، وبين موته ﵇ وصلاته للناس بمنى ثلاثة أشهر وأربعة أيام. وروى الزَّهريُّ عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال له: " يا غلام ألا أُعلِّمك كلمات ينفعك الله بهنَّ: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك. تعرَّف إليه في الرَّخاء، يعرفك في الشدَّة. إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله. جفَّ القلم بما هو كائن، فلو اجتمع الخلق على أن يعطوك شيئا لم يكتبه الله لك لم يقدروا عليه. فاعمل لله بالرضى في اليقين. واعلم أن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا، وأن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا ". قال أبو عمرو بن العلاء: نظر الحطيئة إلى ابن عباس في مجلس عمر بن الخطاب غالبا عليه، فقال: من هذا الذي برع الناس بعلمه، ونزل عنهم بسنِّه؟ قالوا عبد الله بن عباس. وفيه يقول حسان بن ثابت: إذا ما بنُ عباسٍ بدا لك وجهُهُ ... رأيتَ له في كلِّ أحولِهِ فَضْلا إذا قالَ لمْ يترك مقالا لقائلٍ ... بمنتظِماتٍ لا تَرى بينها فَضْلا كفى وشَفى ما في النفوسِ فَلَم يَدَعْ ... لذي إرْبةٍ في القَولِ جِدّاً ولا هَزلا

стр. 486

سَموتَ إلى العُليا بغير مشقَّةٍ ... فنلتَ ذُراها لا دَنيّاً ولا وَغْلا خُلقتَ حليفاً للمروءةِ والنَّدى ... بَليجاً ولم تُخْلَقْ جباناً ولا جِبْلا ويُروى أن معاوية نظر إلى ابن عباس يوما فأتبعه بصره، وقال متمثِّلا: إذا قال لم يترك مقالا لقائل ... مُصيبٍ ولم يَثْنِ اللسانَ على هُجْر يُصرِّف بالقولِ اللسانَ إذا انتحى ... وينظر في أعطافهِ نَظرَ الصَّقْرِ وروي أنَّ عبد الله بن صفوان بن أمية بن خلف الجمحيَّ مرَّ يوما بدار عبد الله بن عباس بمكة، فرأى فيها جماعة من طالبي الفقه. ومرَّ بدار عبيد الله بن عباس فرأى فيها جماعة ينتابونها للطعام، فدخل على ابن الزبير فقال: أصبحتَ والله كما قال القائل: فإن تُصبك من الأيام قارعةٌ ... لم أبكِ منكَ على دُنيا ولا دينِ قال: وما ذاك يا أعرج؟ هذان ابنا العباس، أحدهما يفقِّه الناس، والآخر يُطعم الناس، فما أبقيا لك مكرمة. فدعا عبد الله بن مُطيع وقال له: انطلق لإلى ابني عباس فقل لهما: يقول لكما أمير المؤمنين اخرجا عني، أنتما ومن انضوى إليكما من أهل العراق، وإلا فعلت وفعلت. فقال عبد الله بن عباس: قل لابن الزبير، والله ما يأتينا من الناس إلا رجل يطلب فقها ورجل يطلب فضلا، فأيَّ هذيم تمنع؟ وكان بالحضرة أبو الطفيل عامر بن واثلة الكنائي، فجعل يقول:

стр. 487

لا دَرَّ دَرُّ الليالي كيف تُضحكنا ... منها خطوبٌ أعاجيبٍ وتُبكينا ما مِثلُ ما تُحْدِثُ الأيامُ من غِيَرٍ ... في ابنِ الزبير عن الدنيا يُسلِّينا كنا نَجيء ابن عباس فيُقْبِسنا ... فِقْهاً ويُكسِبُنا أجراً ويَهدينا ولا يزال عُبيدُ الله مُتْرعَةً ... جِفانُهُ مُطعِماً ضَيفا ومسكينا فالبِرُّ والدينُ والدنيا بدارهما ... نَنالُ منه الذي نَبغي إذا شِينا إن النبيَّ هو النوُ الذي كُشطتْ ... به عمايةُ ماضِينا وباقينا ورهطُهُ عِصمةٌ في ديننا ولهمْ ... فضلٌ علينا وحقٌ واجبٌ فينا ففيمَ تمنعُنا منهمْ وتَمنعهمْ ... منا وتُوذيهمُ فينا وتُوذينا؟ فلستَ فاعلمْ بأولاهُمْ به رَحِما ... يا بْنَ الزُّبير ولا أولى به دِينا لن يؤتيَ الله إنساناً ببغضتهمْ ... في الدين عزّاً ولا في الأرض تمكينا وقال فيه عمر بن الخطاب، ﵁: عبد الله فتى الكُهول، وله لسان سؤول، وقلب عقول. وقال طاووس: أدركتُ نحو خمسمئة من أصحاب رسول الله ﷺ ، إذا ذاكروا ابن عباس فخالفوه لم يزل يُقرُّهم حتى ينتهوا إلى

стр. 488

قوله. وقال له العباس: يا بُنيَّ، إني أرى هذا الرجل " يعني أمير المؤمنين عمر بن الخطاب " يختصُّك ويستشيرك دون من ترى من أبناء الصحابة من المهاجرين والأنصار، وإني موصيك بثلاث وفي رواية احفظ عني ثلاثا: لا تُفشينَّ له سِرّاً، ولا يُجربنَّ عليك كذبا، ولا تُغتابنَّ عنده أحدا. قال: فقال: يا أبه كلُّ واحدة منها خير من ألف. فقال: كلُّ واحدة منها خير من عشرة آلاف. وكان عمر، ﵁، يحبُّه ويدينه ويقربُّه ويشاوره مع جلَّ الصحابة. وقال القاسم بن محمد: ما رأيت في مجلس أبن عباس باطلا قُطُّ. وما سمعت فتوى أشبه بالسنَّةِ من فتواه. وكان أصحابه يسمونه البحر والحبر. وقال أبو الزنَّاد عن عبيد الله: ما رأيت أحدا كان أعلم بالسنَّة، ولا أجلد رأيا، ولا أثقب نظرا من ابن عباس. ولقد كان عمر يُعدُّه للمعضلات مع اجتهاد عمر ونظره للمسلمين. وعمى، رضى الله عنه، في آخر عمره. روي عنه أنه رأى رجلا مع النبي ﵇، فلم يعرفه. فسأل النبيَّ ﵇. فقال رسول الله ﷺ : " أرأيته؟ ". قال: نعم. قال: " ذلك جبريل، أما إنك ستفقد بصرك ". فكان كما قال رسول الله ﵇. وهو القائل في ذلك في ما روي عنه من وجوه: إن يأخِذ اللهُ من عينيَّة نورَهما ... ففي فؤادي وقلبي منها نورُ قلبي ذكيٌّ وعقلي غيرُ ذي دَخَلٍ ... وفي فمي صارمٌ كالسيف مأثورُ وهو القائل أيضا حين أسنَّ: ما زلتُ أرمُقُ حبلَ الدهر منتظراً ... حتى بَليتُ وحبلُ الدهرِ ممدودُ

стр. 489

أقدِّمُ العُودَ قُدَّامي وأتبعُهُ ... وكنتُ حيناً وما يَمشي بيَ العُودُ وتوفي، ﵁، بالطائف في أيام عبد الله بن الزيبر سنة ثمان وستين، وهو أبن سبعين سنة، وقيل: أبن إحدى وسبعين سنة. وصلَّى عليه محمد أبن الحنفيّة، وكبَّر عليه أربعا، وقال: اليوم مات ربَّانيُّ هذه الأمة. وضرب على قبره فسطاطا. وقال أبو الزبير: مات أبن عباس بالطائف، فجاء طائر أبيض، فدخل في نعشه حين حُمل، فما رُئي خارجا منه. وقيل: إنه بصره بالتأويل. وشهد أبن عباس مع عليّ، ﵂ الجمل وصفِّين والنهروان. وشهدها معه الحسن والحسين ومحمد بنوه، وعبد الله وقثم ابنا العباس، وعبد الله ومحمد وعون بنو جعفر بن أبي طالب وعبد الله بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب. وولد عبد الله بن عباس عليا، وهو أجلُّ ولده قدرا، وأشهرهم وأعظمهم. وعباسا وبه كان يكنى عبد الله. ومحمدا. والفضل. وعبد الرحمن. وعبيد الله ولبابة. وأمُّهم زرعة بنت مشرح. كنديَّة. وليس لمحمد. والفضل. وعبيد الله أعقاب. وأما عليُّ بن عبد الله فكان من أعبد الناس وأجملهم وأكثرهم صلاة. كان يصلي كلَّ يوم وليلة ألف ركعة. وقيل: كان له خمسمئة أصل من زيتون، يصلي في كلِّ يوم لكلِّ أصل ركعتين. وولد في الليلة التي قتل فيها علي بن أبي طالب، ذكر ذلك الواقديُّ، وهو الأشهر. وفي الكامل قال أبو العباس: ويروي عن على بن أبي طالب ﵇ أنه افتقد عبد الله بن العباس ﵀ في وقت صلاة الظهيرة، فقلا لأصحابه، ما بال أبي العباس لم يحضُر؟ فقالوا: ولد له مولود. فلما صلي عليٌّ قال: امضوا بنا إليه. فاتاه فهنَّأ فقال: شكرت الواهب وبورك لك في الموهوب. ما سَّميتَهُ؟ قال: أيجوز لي أن أسمِّيهُ حتى تُسمِّيهُ؟ فأمر به فأخرج إليه، فأخذه وحنَّكهُ ودعا لهُ، ثم ردَّه إليه، وقال: خُذ

стр. 490

إليك أبا الأملاك، قد سَّميته عليا، وكنَّيته أبا الحسن. فلما قام معاوية قال لأبن عباس: ليس لك أسمه وكنيته، وقد كنَّيته أبا محمد، فجرت عليه. وقال فيه مسلم في كتاب " الكُنى ": أبو محمد، ويقال: أبو عبد الله عليٌّ بن عباس بن عبد المطلب. روى عنه ابنه محمد والزُّهريُّ. وكان عليٌّ سيدا شريفا بليغا، وكان يقال له السَّجَّاد، ويُدعى ذا الثفنات. وقد ذكره دعبل بن عليُّ الخزاعيُّ في قصيدته التي رثى بها آل علي بن أبي طالب ﵃ في بيت منها. ومن القصيدة مُتخيَّر، قوله: مدارسُ آياتٍ عفَتْ من تِلاوةٍ ... ومنزِلُ وحي مُقفِرُ العَرَصاتِ لآلِ رسول الله بالخيفِ من مِنى ... وبالبيتِ والتعريف والجَمَراتِ ديارُ عليٍّ والحسينِ وعفرٍ ... وحمزةَ والسجَّادِ ذي الثَفِناتِ قفا نسألِ الدارَ التي خفَّ أهلها ... متَى عهدُها بالصَّوم والصلواتِ؟ وأين الأُلى شطَّت بهمْ غُربةُ ألنَّوى ... أفانينَ الآفاقِ مُفتَرِقاتِ نفوسٌ لدي النَّهرينِ من بطنِ كربلا ... مُعرَّسُهم منها مطَى الفَلَواتِ بِنفسي كرامٌ من كهولٍ وفتيةٍ ... لفكَّ عُناةٍ أو لحملِ دِياتِي أآل رسولِ الله خُمْسٌ بطونُهم ... وآلُ زيادٍ غُلَّظُ القَصَراتِ؟

стр. 491

أرى فيأهم في غيرهم متقسِّماً ... وأيديَهم من فيئهمْ صَفِراتِ؟ إذا وُتروا مَدُّوا إلى واتريهمُ ... أكفّاً عنِ الأوتار مُنّقبضاتِ أحبُّ قَصِيَّ الدارِ من أجل حبِّهم وأهجُرُ فيهمْ أُسْرتي وثقاتي وضربه الوليد بن عبد الملك بن مروان بالسِّياط مرتين؛ إحداهما في تزويجه لُبابة بنت عبد الله بن جعفر بن أبي طالب. وكانت قبل عليّ عند عبد الملك بن مروان. فعضَّ تفاحة ثم رمى إليها، وكان أبخر. فدعت بسكين. فقال: ما تصنعين؟ فقالت: أُميطُ عنها الأذى. ففارقها فتزوَّجها عليُّ بن عبد الله، فضربه الوليد وقال: إنما تتزوَّج نساء الخلفاء لتضع منهم، كما فعل مروان بن الحكم حين تزوَّج أمَّ خالد بن يزيد بن معاوية ليضع منعا فقال علي: إنما أردت الخروج من هذه البلدة وأنا ابن عمِّها فتزوجتها لأكون لها محرما. وأما ضربه إياه في المرة الثانية فلأنه كان يرى أن الخلافة في ولده، وطيف به على بعير ووجهه ممَّا يلي ذَنَب البعير، وصائح يصيح عليه: هذا عليٌّ بن عبد الله الكذاب. وما كذب بل صدق وبرَّ، ومن ضربَهُ ظَلَم وفَجَر. قال الذي رآه مضروبا على حمار: فأتيته فقُلتُ له: ما هذا الذي نسبوه إليك من الكذب؟ قال: بلغهم أني أقول: إن هذا الأمر سيكون في ولدي، والله ليكوننَّ فيهم حتى يملكهم عبيدهم الصغار العيون العراض الوجوه، الذي كأنَّ وجوههم المجانُّ المطارقة. وقال عليُّ بن عبيد الله بن العباس في شأن يوم الحَرَّة يفخر: أبي العباسُ قَرْمُ بني قُصَيٍّ ... وأخوالي الملوكُ بنو وَليعَة همُ مَنعوا ذِماريَ يوم جاءتْ ... كتائبُ مُسرِفٍ وبنو اللكيعَهْ

стр. 492

أراد بيَ التي لا عزَّ فيها ... فحالت دونَهُ أيدٍ مَنيعه قوله: بنو وليعة هم أخواله من الكِندة، وأمه زُرعة بنت مِشرح الكندية، ثم أحد بني وليعة، وقد تقدم ذكرها وذكر بنيها قبل. وقوله: كتائب مُسرف، يعني مُسلم بن عقبة المرِّيَّ صاحب الحرَّة، وأهل الحجاز يسمونها مُسيرفا وكان أراد أهل المدينة جميعا على أن يبايعوا يزيد بن معاوية، على أن كلَّ واحد منهم عبدٌ قِنٌ له إلاَّ إلا عليَّ بن الحسين. فقال حُصين بن نُمير السَّكونيُّ من كِندة: ولا يبايع ابن أختنا عليَّ عبد الله إلا ما يبايع عليه عليُّ ابن الحسين، على أنه ابن عمِّ أمير المؤمنين وإلا فالحرب بيننا. فأُعفيَ عليُّ بن عبد الله، وقُبِل منه ما أراد، فقال هذا الشعر لذلك. وقوله بني اللَّكيعة فهي اللئيمة. ويقال في النداء للَّئيم: يا لُكع، وللأنثى: يا لَكَاع، لأنه موضع معرفة. كما يُقال: يا فُستقُ ويا خُبثُ، فإن لم تُرد أن تعد له عن جهته قلت للرجل: يا لُكعُ، وللأنثى يا لْكعاء. وهذا موضع لا تقع فيه النكرة. وقد جاء في الحديث، والأصل ما ذكرت لك " لا تقوم الساعة حتى يلي الناس لُكع بن لُكع ". فهذا كناية عن اللئيم بن اللئيم، وهذا بمنزلة عُمر ينصرف في النكرة ولا ينصرف في المعرفة. ولُكاع يُبنى على الكسر. وقد اضطرَّ الحطيئة فذكر لكاعِ في غير النداء. وقال يهجو امرأته: أطوِّفُ ما أطوِّفُ ثم آوي ... إلى بيتٍ قعيدته لَكاعِ وكان عبد الملك بن مروان يكرم عليَّا ويُقدِّمه. قال علي بن عبد الله: سايرتُ يوما عبد الملك، فما جاوزنا إلا يسيرا حتى لقيه الحجاج قادما عليه. فلما رآه ترجَّل ومشى بين يديه. فحثَّ عبد الملك فأسرع الحجاج، فزاد عبد الملك فهرول الحجاج. فقلت لعبد الملك: أَبِكَ مَوجدة على هذا؟ قال: لا، ولكنه رفع من نفسه، فأحببتُ أن أغُضَّ منه. وحضر عليٌّ عبد الملك وقد أُهديت له من خراسان جارية وفَصٌّ وسيف فقال: يا أبا محمد، إن حاضر الهدية شريك فيها، فاختر من الثلاثة واحدا. فاختار الجارية وكانت تُسمَّى سُعدى، وهي من سبي الصُّغد من رهط عُجيف بن عَنبة.

стр. 493

فأولدها سليمان بن علي وصالح بن علي. وكانت فيها رُتَّة، فكانت معروفة في ولد سليمان وولد صالح. ودخل عليُّ بن عبد الله على هشام بن عبد الملك، وهو شيخ كبير ومعه ابنا ابنه الخليفتان أبو جعفر وأبو العباس. فأوسع له على سريره، وسأله عن حاجته فقال: ثلاثون ألف درهم، عليَّ دين. فأمر بقضائها. وقال: وتستوصي بابنيَّ هذين خيرا، ففعل وشكره. فقال: وصلتك رحم. فلما ولَّى علي قال الخليفة لأصحابه: إن هذا الشيخ قد اختلَّ وأسنَّ وخَلط، فصار يقول: إن هذا الأمر سيُنقل إلى ولده. فسمعه فقال: والله ليكوننَّ ذلك وَلَيَملكنَّ هذان. ومات عليٌّ بالسَّراة سنة ثمان عشرة ومئة. وهو ابن ثمانين سنة، قاله الواقدي وقال غيره: تُوفي سنة تسع عشرة ومئة. وولد عليُّ بن عبد الله بن عباس محمداً: أمُّه العالية بنت عبيد الله بن عباس، وأُمُّها عائشة بنت عبد الله ابن عبد المَدَان الحارثيِّ، وداود وعيسى لأمِّ ولد، وسليمان وصالحا لأمِّ ولد تُسمى سُعدى وإسماعيل وعبد الصَّمد لأُمِّ ولد، وعبد الله، وعبد الله، وعبد الله ثلاثة. وأحد هؤلاء العبادلة، اُمُّه أُمُّ أبيها بنت عبد الله بن جعفر وأمُّها ليلى بنت مسعود بن خالد النَّهشلي. والثاني أُمُّه بربرية اسمها هنَّادة، وهو الذي خالف على أبي جعفر فأرسل إليه أبو جعفر أبا مسلم، ثم حبسه أبو جعفر في بيت جُعل أساسه مِلحا، ثم أطلق عليه الماء ليلا، فسقط عليه البيت فمات. فأما محمد بن علي فكان من أجمل الناس وأعظمهم قدرا. وكان بينه وبين أبيه أربع عشرة سنة. وكان عليٌّ يخضب بالسواد ومحمد بالحمرة. فيظن من لا يعرفهما أن محمدا هو علي. ومات سنة اثنتين وعشرين ومئة، وفيها ولد المهديُّ. ويقال: مات سنة خمس وعشرين ومئة بالسَّراة من أرض الشام، وهو ابن ستين سنة، وخلفاء ولد العباس من ولده أبي جعفر فإن العباس لم يُعقِب وكان محمد يُنهى أن يتزوج في بني الحارث بن كعب، كان ينهاه عن ذلك خلفاء بني أمية لأنهم كانوا يرون في الحدثان أن صاحب الرايات السود الخارجة من خراسان من بني هاشم ثم من بني العباس أمُّه من بني الحارث بن كعب، فلما قام عمر

стр. 494

بن عبد العزيز جاءه فقال: يا أمير المؤمنين إني مُنعت أن أتزوَّج ابنة خالي من بني الحارث بن كعب. فقال عمر: تزوَّج رحمك الله من أحببت. فتزوجها، فأولدها أبا العباس أمير المؤمنين. وكان لأخوة محمد بن على ولأعقابهم شرف وصيت وولايات حين صارت لهم الدَّولة. وولد محمد بن علي بن إبراهيم الذي يُدعى الإمام، وإليه أوصى أبوه محمد، ومات بالشام مسموما. وعبد الله أبا العباس وعبد الله أبا جعفر وموسى ويحيى. فأما أبو العباس عبد الله بن محمد: ويُعرف بالسَّفَّاح فأمُّه رَيطة بنت عبيد بن عبد الله بن عبد المدان بن الديَّان وعبد المدان واسمه عمرو بن الديَّان. والديَّان: اسمه يزيد بن قَطَن بن زياد بن الحارث بن مالك بن ربيعة ابن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن نصر بن الأزد بن الغوث الحارثية الأزدية. وبنو الحارث بن كعب من أشراف الأزد. وجدُّ ريطة عبد الله ابن عبد المدان. قال الطبريُّ: إنه وفد على النبي ﷺ في وفد بني الحارث بن كعب، فقال له: " مَن أنتَ؟ " فقال: أنا عبد الحَجَر. فقال: " أَنتَ عبد الله " فأسلم. وكانت ابنته عائشة عند عبيد الله بن العباس. ويأتي ذكرها عند ذكره. وهي التي قتل باليمن ولديها منه بُسر بن أرطأة. وفي الديَّان من بني الحارث بن كعب يقول الزبير بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف: ولقد صحَبتُ الناسَ ثم خَبرتُهم ... فوجدتُ أكرمَهمْ بني الديَّانِ قومُ إذا نزل الغريبُ بدارهمْ ... تركوهُ ربَّ صَواهلٍ وقِيانِ لا يَنكُتون الأرضَ عند سؤالهمْ ... لتلمُّسِ العلاَّتِ بالعِيدانِ بل يَبسُطونَ وجوهَهمْ فَترى لها ... عند السؤالِ كأحسنِ الألوانِ

стр. 495

وإذا تَعصَّوا بالصوارِم والقَنا ... سَدُّوا شعاعَ الشمسِ بالمُرَّانِ هذه الأبيات منسوبة لقائلها من تاريخ بغداد الكبير للخطيب الحافظ أبي بكر أحمد بن عليِّ بن ثابت بن أحمد بن مهديِّ ﵁. وقال حسان بن ثابت في بني عبد المدان: وقد كنا نقول إذا رأينا ... أخا جسم يهولُ وذا بَيانِ كأنا أيها المُعطَى بَيانا ... وجسما من بني عبدِ المدانِ وبويع أبو العباس ليلة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من ربيع الأول بالكوفة سنة اثنتين وثلاثين ومئة في بني أوْد فخذٍ من مَذححج في دار الوليد بن سعد مولى بني هاشم، دخل عليه وعلى أخيه أبي جعفر الدار المذكورة أبو سلمة حفص بن سليمان الخلَّلُ، وكانا فيها مُختفيين، فقال: أيكما عبد الله؟ فقال أبو جعفر كلانا عبد الله. فقال أبو سلمة: أيُّكم ابن الحارثية؟ فقال أبو العباس أنا. فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، وبايعه. فلما أصبح أمره فركب. ثم حمله حتى صلى بالناس الجمعة في مسجد الكوفة الأعظم. وبويع في ذلك اليوم بيعة العامة، فأقام في خلافته أربع سنين وتسعة أشهر، وتوفي بالأنبار في ذي الحجة سنة ستٍّ وثلاثين ومئة. ويقال إنه ولي العهد وهو ابن ثمان وعشرين سنة. وقال المسعودي: عُمِّر ثلاثا وثلاثين سنة، وكانت بنته ريطة عند المهديِّ. وأما عبد الله بن محمد أبو جعفر المنصور فأمه بربريَّة اسمها سلاَّمة، ومولده بالسَّراة في ذي الحجة سنة خمس وتسعين. وكانت خلافته اثنين وعشرين سنة إلا شهرا. وبويع له بالأنبار يوم مات أبو العباس أخوه، وكان أبو جعفر غائبا، وولي ذلك والإرسال به في الوجوه عيسى بن علي عمُّه. فلقيتْ أبا جعفر
следующие страницы →