Полный текст (811 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
رَوى " سفينة " مولى رسول الله ﷺ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: " الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثُم تَعود مُلكاً ". ولما بويع الحسن سار إلى معاوية بجنود العراق، وسار إليه معاوية بأهل الشام، فالتقوا بموضع يقال له " مَسْكِن " بأرض الكوفة، فاصطلحوا. وسلَّم الحسن إليه الخلافة. واشترط عليه شروطا، منها أن يذهب ما بين أهل العراق وبين أهل الشام من الذُّحول والضغائن، وأن يكون له الأمرُ من بعده. فرضي معاوية كلَّ ما اشترط عليه الحسن، وكاد يطير فرحا.
البخاريُّ: نا عبد الله بن محمد. نا سفيان عن أبي موسى قال: سمعت الحسن يقول: استقبل والله الحسن بن علي معاوية بن أبي سفيان بكتائب أمثال الجبال. فقال عمرو بن العاصي: إني لأرى كتائب لا توليَّ حتى تقتل أقرانها فقال معاوية: وكان والله خير الرجلين. أي عمرو، إن قتل هؤلاء هؤلاء وهؤلاء هؤلاء مَن لي بأمور الناس؟ مَن لي بضيعتهم؟ فبعث إليه رجلين من قريش من بني عبد شمس: عبد الرحمن بن سَمُرة وعبد الله بن عامر. فقال: اذهبا إلى هذا الرجل، فأعرضا عليه، وقولا له، واطلبا إليه، فأتياه، فدخلا عليه، فتكلما. وقالا له، وطلبا إليه. فقال لهم الحسن بن علي: " إنا بنو عبد المطلب قد أصبنا من هذا المال، وإنَّ هذه الأمة قد عاثت في دمائها ".
قالا له: فإنه يعرض عليك كذا كذا، ويطلب إليك ويسألك. قال: فمن لي بهذا؟ قالا: نحن لك به. فما سألهما شيئا إلا قالا: نحن لك به. فصالحه. فقال الحسن: ولقد سمعت أبا بكرة يقول: رأيت رسول الله ﷺ على
стр. 667
المنبر والحسن ابن علي إلى جنبه وهو يُقبل على الناس مرّة وعليه أخرى، ويقول: " إن ابني هذا سيِّد، ولعل الله يُصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين ". قال البخاريُّ: قال لي عليُّ بن عبد الله: إنما ثبت عندنا سماع الحسن من أبي بكرة بهذا الحديث.
وحدَّث أحمد بن زهير، وهو أبو بكر بن أبي خَيثَمة قال: نا هارون بن معروف: نا ضمرة عن ابن شَوْذَب قال: لمَّا قُتل عليٌّ سار الحسن فيمن معه من أهل الحجاز والعراق. وسار معاوية في أهل الشام قال: فالتقوا. فكَرِهَ الحسن القتال، وبايع معاوية على أن يجعل العهد للحسن من بعده. قال: فكان أصحاب الحسن يقولون له: يا عار المؤمنين فيقول: العار خير من النار.
ودخل على الحسن بعض شيعة أبيه الناصحين له فقال: السلام عليك يا مُذِلَّ المؤمنين بايعت معاوية ومعك أربعون ألف سيف من أهل العراق. قال: اجلس يا بن فلان، لا تقل كذلك. إنَّ أبي عهد إليَّ إنه لا بُدَّ لمعاوية أن يليَ هذا الأمر. فلو قاتلناه بالشجر والحصى والجندل لم ينفعنا ذلك. وقد سبق القضاء والقدر بولايته. ولما خرج ذلك الرجل من عند الحسن دخل على الحسين فقال: أمدُد يدك نُبايعك. فقال له الحسين أما مادام أبو محمد حيا فلا.
وكان الحسن يُكنى أبا محمد، والحسين يُكنى أبا عبد الله.
وذكر أبو عميرة بن عبد البرّ في كتاب " الصحابة " فقال: نا خلف بن قاسم قال: نا عبد الله بن عمر بن إسحاق بن مَعمر قال: نا أحمد بن محمد بن الحجاج بن رشدِين قال: حدثني عمرو بن خالد مرارا قال: حدثني زهير بن معاوية الجَعْفيُّ قال: حدثني أبو رَوْق الهَمْدانيُّ أن أبا الغريف حدَّثهم قال: كنا في مقَّدمة الحسن ابن علي اثني عشر ألفا بمسْكِن مُستميتين، تقطُر أسيلفنا من الجدَّ والحرص على قتال أهل الشام، وعلينا أبو العَمَرُّطة. فلما جاءنا صُلح الحسن ابن علي كأنما كُسرت ظهورنا من الغيظ والحزن. فلما جاء الحسن الكوفة جاءه شيخ يُكنى أبا عامر شفيق بن ليلى فقال: السلام عليك يا مُذِلِّ المؤمنين فقال: لا تقل يا أبا عامر، فإني لم أُذِلَّ المؤمنين ولكنِّي كرهت أن أقتلهم في طلب المُلك.
стр. 668
وحدَّث ابن وهب قال: أخبرني يونس بن يزيد عن ابن شهاب قال: لما دخل معاوية الكوفة حين سلَّم إليه الأمر الحسن بن علي كلَّم عمرو بن العاصي معاوية أن يأمر الحسن بن علي فيخطب الناس، فكره ذلك معاوية وقال: لا حاجة بنا إلى ذلك. قال عمرو: ولكني أُريد ذلك ليبدو عِيُّه، فإنه لا يدري هذه الأمور ما هي. ولم يزل بمعاوية حتى أمر الحسن يخطب. وقال له: قُم يا حسن، فكلِّم الناس فيما جرى بيننا. فقام الحسن، فتشهَّد وحمد الله وأثنى عليه وقال في بديهته: " أما بعدُ أيها الناس، فإن الله هداكم بأوَّلنا، وحقن دماءكم بآخرنا. وإنَّ لهذا الأمر مُدَّة، والدنيا دُول. وإن الله يقول:) وإن أدري أقريبٌ أم بعيدٌ ما تُوعَدونَ إنه يعلم الجهرَ من القول ويعلمُ ما تكتمُون وإن أدري لعله فتنةٌ لكم ومتاعٌ إلى حين (.
فلما قالها قال له معاوية: إجلس فجلس. ثم قام معاوية فخطب الناس. ثم قال لعمرو: هذا من رأيك.
وروى مُجالد بن سعيد عن الشعبي قال: لما جرى الصُّلح بين الحسن بن علي وبين معاوية. قال له معاوية: قُم فاخطب الناس وأذكر ما كنت فيه. فقام الحسن، فخطب. فقال: " الحمد لله الذي هدى بنا أوَّلكم، وحقن بنا دماء آخركم. ألا أنَّ أكيس الكيس التُّقى، وأعجز العجز الفُجور. وإنَّ هذا الأمر الذي اختلفت فيه أنا ومعاوية. إما أن يكون كان أحقَّ به مني، وأما أن يكون حقي، فتركته لله ولصلاح أمة محمد ﷺ وحقن دمائهم. قال: ثم التفت إلى معاوية فقال:) وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين (.
ثم نزل فقال عمرو لمعاوية: ما أردت إلا هذا.
ومات الحسن، ﵁، مسموما يُقال إن امرأته " جَعْدة " بنت الأشعث بن قيس سمَّته. دَسَّ إليها معاوية أن تسمَّه. فإذا مات أعطاها أربعين
стр. 669
ألفا، وزوَّجها من يزيد فلما مات الحسن وفَّى لها بالمال وقال لها: ... حاجة هذا ما صنعت بابن فاطمة، فكيف تصنع بابن معاوية؟ فخسرت وما ربحت. وهذا أمر لا يعلمه إلا الله، ويُحاشى معاوية منه، وقيل: إن يزيد دسَّ إلى جعدة بذلك. وقد ذكر الخبرين أصحاب التواريخ.
وحدَّث قاسم بن أصبغ البيَّانيُّ قال: نا عبد الله بن رَوْح، نا عثمان بن عمر بن فارس قال: نا ابن عون، عن عُمير بن إسحاق قال: كنا عند الحسن ابن علي فدخل المَخْرَجَ ثم خرج فقال: سُقيت السمَّ مرارا وما سُقيت مثل هذه المرة. ولقد لفظتُ طائفة من كبدي، فرأيتني أُقلِّبها بعود معي. فقال الحسين: أي أخي من سقاك! فقال: وما تريد إليه؟ أتريد أن تقتله؟ قال: نعم. قال: لئن كان الذي أظنُّ فالله أشدُّ نقمة. ولئن كان غيره فما أريد أن يُقتل بي بريء.
ولما ورد البريد بموته على معاوية أتى ابن عباس معاوية فقال له: يابن عباس، احتسب الحسن، ولا يُحْزِنك الله ولا يسوؤك. فقال: أما ما أبقاك الله لي يا أمير المؤمنين فلا يُحزِنُني الله ولا يَسُوؤني. فأعطاه على كلمته ألف ألف وعوضا وأشياء. وقال له: خُذها واقسمها على أهلك.
وذُكر أنه لما بلغ معاوية موت الحسن كبَّر، وكبَّر من كان في مجلسه معه. وسمعت فاختة بنت قَرظَة زوجُه التكبير. فلما دخل عليها قالت له: يا أمير المؤمنين؛ إني سمعت تكبيرا عاليا في مجلسك، فما الخبر؟ فقال لها: مات الحسن. فبكت وقالت: إنا لله وإنا إليه راجعون، سيِّد المسلمين وابن رسول الله تُكبِّر على موته؟ فقال لها معاوية: إنه والله كما قُلتِ فأقلِّي لومي ويحك.
ودخل عليه أبن عباس عشية يوم هذه القصة فقال: يا بن عباس أسمعت بموت الحسن؟ فبكى ابن عباس وقال: قد سمعت به، وبلغني يا معاوية إنك كبَّرتَ على موته، أما والله ما زاد موته في عمرك، وقد وافاه أجله، وقد زكا قوله وعمله، وصار إلى ما أعد الله له من الكرامة في دار المقامة مع جدَّه الرسول وأمَّه البتول وأبيه النفاع في الله الضَّرار، وعمه ذي الجناحين الطيار. ولئن رزئنا بفقدِ مَن هو خير منه؛ محمد ﷺ .
стр. 670
وكانت وفاة الحسن بالمدينة في شهر ربيع الأول سنةَ تسع وأربعين، وهو يومئذ ابن سبع وأربعين سنة، ودفن بالبقيع إلى جنب أمه فاطمة ﵂ وعن بنيها أجمعين. وصلى عليه سعيد بن العاصي والد عمرو الأشدق، وكان يومئذ أميرا على المدينة. قدَّمه الحسين للصلاة عليه، وقال: هي السَّنة، ولولا أنها سنة ما قدَّمتك.
وكان أوصى أن يُدفن مع رسول الله ﷺ ، إلا أن تكون فتنة تُثير قتالا، فإن كانت فادفنوني بالبقيع. فلما جيء بسريره إلى المسجد منعهم مروان من الدخول وقال: والله لا، يُدفن أمير المؤمنين عثمان في البقيع وتدفنون الحسن مع رسول الله. وتنازعوا حتى دخلت بنو هاشم مع الحسين في السلاح وبنو أمية مع مروان كذلك فأصلح الناس، وأبو هريرة، بينهم. وقال أبو هريرة والله إن هذا لظلم، يُمنع الحسن أن يُدفن مع جدِّه. ثم ناشد الله الحسين وقال: يا أبا عبد الله أليس قد قال الحسن: ادفنوني بالبقيع إن كانت فتنة تثير قتالا؟ ولم يزل به حتى سكن غضبه ورضي، ودَفن الحسن بالبقيع، ﵄.
ولما توفي الحسن ﵇ أدخله قبره الحسين ومحمد ابن الحنفيَّة وعبيد الله ابن عباس. ثم وقف على قبره وقد اغرورقت عيناه فقال: " رحمة الله عليك أبا محمد. فلئن عزَّتْ حياتك لقد هدَّت وفاتك، ولنعم الروح روح تضمَّنه بدنك، ولنعم الجسد جسد تَضمَّنه كفنك، ولنعم الكفن كفن تضمَّنه لحدك. وكيف لا تكون كذلك وأنت حلف التُقى وجدُّك النبي المصطفى وأبوك عليِّ المُرْتضَى، وأمك فاطمة الزَّهراء، وعمُّك جعفر الطيار في جنة المأوى؟ غَذتْك أكفُّ الحقِّ، ورُبيت في حجْر الإسلام ورَضِعتَ ثدي الإيمان. فطِبتَ حياً وميتا. فلئن كانت الأنفُس غير طيِّبةٍ بفِراقك فإنها غير شاكةٍ أنه قد خير لك، وإنك وأخاك سيِّدا شباب أهل الجنة. فعليك السلام منا ".
وكان الحسن والحسين ﵄ من أجواد الإسلام، ولهما ولعبد الله جعفر ولعبيد الله بن عباس ولسعيد بن العاصي أخبار مأثورة عزيزة الوجود في المبِّرزينَ في الجود.
стр. 671
وولد الحسن بن علي الحسن، أمّه خولة بنت منظور بن زبان الفزارية، وعمراً أمُّه ثقفيَّة، وابنه محمد بن عمرو. وروى عن جابر بن عبد الله حديث: " ليس من البَّر أن تصوموا في السفر "، خرَّجه مسلم. والحُسين الأثرم لأمِّ ولدِ، وطلحة وأمُّه أمُ إسحاق بنت طلحة بن عُبيد الله.
فأما الحسن بنُ الحسن بن علي فولد: عبد الله، والحسن، وإبراهيم ومحمداً، وجعفراً، وداود.
وكان عبد الله بن حسن بن حسن بن حسن يُكنى أبا محمد، وكان خيِّراً. ورؤي يوماً يمسح على خفَّيه. فقيل له: تمسح؟ قال: نعم، قد مسح عمر بن الخطاب. ومَن جعل عمر بينه وبين الله فقد استوثق. وروي أن عمر بن عبد العزيز وجَّه إلى عبد الله بن الحسن بن حسن: إذا كانت لك حاجةً فأكتب بها لك رُقعةً، فإني أستحي من الله أن يراك على بابي.
ومن ولد عبد الله بن الحسن: إبراهيم، ومحمد، وإدريس. فأما إبراهيم ومحمد فكانت لهما فطنةً وذكاء في صغرهما، وكانا من أهل البلاغة واللَسن في كبرهما.
الأصمعي: عن بعض شيوخه الثقات، عن عبد الله بن طاووس. قال: أقبلت إلى عبد الله بن الحسن، فأدخلني بيتاً قد نُجِّد بالرُّهاوي وكل فرشةٍ شريفةٍ. قال: فبسطت نطعي، وجلست عليه، وأبناه محمد وإبراهيم صبيان يلعبان. فلما نظرا إليَّ قال أحدهما لصاحبه: مِيمْ. قال الآخر: جِيْمْ. فقلت أنا: نونْ واوْ نونْ. فاستُغرِقا ضحكاً، وخَرجا إلى أبيهما، فأخبراه فتبسَّم.
تُوفي عبد الله بن طاووس في خلافة أبي العباس السفاح، وروي عنه الحديث وكان من الثقات، وأكثر روايته عن أبيه. وأبوه طاووس: كان من أصحاب ابن عباس. وتوفي بمكة سنة ستٍ ومئة قبل التَّرْوية بيوم وصلى
стр. 672
عليه هشام بن عبد الملك. وهو طاووس بن كيْسانَ مولى لأهل اليمن. وأُمُّه مولاة لحِمير. وكان يُكنى أبا عبد الرحمن. وخرَّج عنه الأئمةُ مالكّ والبخاريُّ ومسلم والترمذيُّ وغيرهم.
وخرج محمد وإبراهيم على أبي جعفر بن المنصور، وغَلبا على المدينة ومكة والبصرة. فبعث إليهما، فقتل محمد في المدينة، وقتل إبراهيم ببا خمْرا، على ستة عشر فرسخا من الكوفة.
وأما إدريس بن عبد الله أخوهما، فهو الذي صار إلى أرض البربر بالمغرب هاربا في خلافة هارون الرشيد. وولد إدريس الأصغر، ترك أمَّه حاملا به حين سُمَّ، وخبرهُ مشهور.
ومن ولد إدريس بن إدريس الشرفاء بالمغرب، والأمراء بقرطبة ومالقةَ وسبتةَ، وذلك بعد انقراض دولة المنصور محمد بن أبي عامر المعافري ودولة ولديه.
وأمُّ عبد الله بن حسن بن حسن فاطمة بنت
الحسين بن علي ، أخت سكينة. وكانت أجمل من سكينة. وكان الحسين ﵁ أرى ابن أخيها الحسن بن الحسن ابنتيه سكينة وفاطمة، وخيَّره فيهما، فاختار فاطمة.
ومات عبد الله بن حسن في سجن أبي جعفر، وأخوته معه، وهم: حسن وداود وإبراهيم.
стр. 673
ومن ولد إبراهيم بن حسن ابن طباطبا وهو محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن حسن بن حسن، وهو صاحب أبي السرايا الشَّيباني وخرج ابن طباطبا على المأمون عبد الله بن الرشيد بالكوفة سنة تسع وتسعين ومئة. وهي السنة الثانية من خلافة المأمون. وبويع للمأمون عند قتل المخلوع أخيه محمد الأمين ليلاً ببغداد، وهو بخراسان لخمس بقين من المحرم سنة ثمان وتسعين ومئة. وتولَّى قتل المخلوع طاهر بن الحسين ذو اليمينين.
ومن موالي الحسن بن علي ﵄ الحسن بن سعد: روى عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب. مسلم: حدثنا شيبان بن فرُّوج قال: نا مهديًّ ُ بن ميمون قال: نا محمد بن عبيد الله بن أبي يعقوب عن الحسن بن سعد مولى الحسن بن علي عن عبد الله بن جعفر قال: أرْدَفَني رسول الله ﷺ ذات يوم خلفَه، فأسرَّني حديثاً لا آخذ به احتراس الناس "؟ ".
وأبو أسامة حماد بن أسامة: المحدِّث الثقة، مولى الحسن بن سعد هذا. فهو مَولى مَولى. توفي أبو أسامة بالكوفة سنة تسع ومئتين وهو ابن ثمانين سنة.
стр. 674
الحسين بن علي
بن أبي طالب ﵉
وُلد الحسين في شعبان سنة أربع من الهجرة. ويكنى أبا عبد الله. وعلقت فاطمة بالحسين بعد وضعها الحسن بخمسين يوما. قاله الواقدي. وكان الحسين ﵁ من الفقهاء العاملين بالكتاب والسنة. وروى عن النبي ﷺ قوله " من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ". هكذا حدَّث به العُمريُّ عن الزَّهريِ، عن علي بن حسين، عن أبيه، عن النبي ﷺ . وروى إبراهيم بن سعد عن ابن إسحاق، عن الزُّهريِّ، عن سنان بن أبي سنان الدُّؤلي عن حسين بن علي، عن النبي ﷺ حديثا في ابن صائد: " اختلفتم وأنا بين أظهركم وأنتم بعدي أشدُّ اختلافا ". وحديث " من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، وهو ثُلُث الإسلام ". رواه أيضا أبو هريرة.
وروى سفيان بن عُيينة عن عبد الله بن شريك عن بِشر بن غالب قال: سمعت ابن الزبير وهو يسأل حسين بن علي: يا أبا عبد الله، ما تقول في فكاك الأسير على مَن هو؟ قال: على القوم الذين أعانهم. وربما قال: قاتل معهم. قال سفيان: يعني يُقاتل مع أهل الذِّمَّة فيُفَكُّ من جزيتهم، قال: وسمعته يقول: يا أبا عبد الله متى يجب عطاء الصبيِّ؟ قال: إذا استملى وجب عطاؤه ورزقه. وسأله عن الشرب قائما، فدعا بلقحة له فحُلبت وشرب قائما، وناوله، وكان يُعلِّق الشاة المَصْلية فيُطعمنا منها، ونحن نمشي معه.
وكان كثير الصلاة والصيام والحج. حجَّ ﵁ عشرين حجَّة، ماشيا. قال ذلك مصعب بن عبد الله الزبيريُّ. وكان ﵁ متواضعا. مرَّ على قوم من المساكين، وكان راكبا، فسلَّم عليهم، وهم قد وضعوا كسرا
стр. 675
بالأرض، وهم يأكلون. فقالوا: هلُمَّ يا ابن رسول الله. فنزل عن دابته وقال: إنَّ الله لا يحبُّ المستكبرين، ثم جلس وأكل معهم. فلما فرغوا قال: إنكم دعوتموني فأجبتكم. وإني أدعوكم إلى منزلي، فأجابوه. فلما دخلوا منزله وجلسوا قال: يا رباب هاتِ ما كنتِ تدَّخرين.
ومن مناقبه ما ذكر التَّرمذيُّ بسنده عن يعلى بن مُرَّة قال: قال رسول الله ﷺ : " حسين مني وأنا من حسين. أحبَّ الله من أحبَّ حسينا. حسين سبط من الأسباط ". وقال أبو هريره " أبصرتْ عيناي هاتان، وسمعتْ أذناي قال رسول الله ﷺ ، وهو آخذ بكفَّي حسين، وقدماه على قدم قال رسول الله ﷺ وهو يقول: " تَرَقَّ عَين بَقَّة ". قال: فرَقيَ الغلام حتى وضع قدمه على صدر قال رسول الله ﷺ ، ثم قال رسول الله ﷺ : " افتح فَاك ". ثمَّ قبَّلَه، ثم قال: " اللهمَّ أحِبَّه فإني أُحِبُّه ".
الترمذي: حدثنا عُقبة بن مُكرم العضمِّي: نا وَهَب بن جرير بن حازم: نا أبي عن محمد بن أبي يعقوب عن عبد الرحمن بن أبي نُعْم أن رجلا من أهل العراق سأل ابن عمر عن دمِّ البعوض يصيب الثوب. فقال ابن عمر: انظروا إلى هذا، يسأل عن دمِّ البعوض، وقد قتلوا ابن قال رسول الله ﷺ وسمعت قال رسول الله ﷺ يقول: " إنَّ الحسن والحسين ريحانتاي من الدنيا ".
ولما مات معاوية، وبويع يزيد ابنه وصل البريد ببيعة يزيد إلى المدينة، وأمر واليها الوليد بن عتبة بن أبي سفيان بأخذ الحسن بالبيعة. فأرسل إليه ليلا،
стр. 676
وأقرأه كتاب يزيد وطلبه بالبيعة، فقال: مثلي لا يبايع سرا، فإذا كان في غد بايعت علانيَّة. فلما همَّ بالخروج قال مروان بن الحكم للوليد وكان حاضرا معه في مجلسه لتدبير أمر بيعة يزيد: يا لها من غلطة، ما رأيت لها مثيلا، تترك الأمر مُستقبِلا، وتُبطله مُستدبِرا؟ فقال له: فما ترى أنت؟ قال: تأخذوه بالبيعة. إن أبي ضَرَبتَ عنقَه. فسمعه الحسين. فسلَّ سيفه، وهمَّ أن يضرب مروان، ثم قال له: يا ابن الزرقاء، أمِثْلُكَ يأمُر بقتل مِثْلي؟ وكان الحسين قد دعا بمواليه، وأهل بيته فأقعدهم على الباب حين دخل وقال لهم: إن ارتفع صوتي فاقتحموا عليَّ الدار، وإلا فمكانكم حتى أخرج إليكم. وحين خرج الحسين عن الوليد ارتحل من ليلته إلى مكة. وقيل: إنه ارتحل نهارا.
وكان عبد الله بن الزبير كان قد خرج من أول هذه الليلة إلى مكَّة هاربا بعد ما اجتمع مع الحسين مخافة أن يؤخَذ بالبيعة ليزيد، وهرب معه أخوه جعفر ابن الزبير. ومضيا على طريق " الفرْع "، وهي طريق غير الجادة، خوفا من الطلب، فلم يُقدَر عليهما. فلما قدم الحسين مكة كتب إليه سليمان بن صُرد الخزاعيُّ والمُسَيَّب بن نَجَبَة الفزاريُّ وغيرهما من رجال أبيه وشيعته من الكوفة: " هلمَّ إلينا يا ابن رسول الله، فأنت أحقُّ بالخلافة من يزيد الخَمُور "، وكتبوا بيعتهم. فلما أراد الخروج من مكة جاءه عبد الله بن عمر فقال: إلى أين تسير يا أبا عبد الله؟ قال: هذه بيعة أهل العراق وكُتُبِهِم قد أتتني. قال: أتسير إلى قوم قتلوا أباك، وخذلوا أخاك، وكانت طاعتهم لهما أكثر ممَّا لك الآن؟ وجعل عبد الله يُثَبِّطه عن الخروج. فلما أبى عليه اعتنقه وقال: أستودعك الله من قتيل.
وبعث الحسين من مكة إلى الكوفة ابن عمِّه مسلم بن عقيل ليصحِّح بيعته بها، ويأخذ العهود له من أهلها. فقُتِل بعد خَطبِ "؟ " طويل. قتله عبيد الله بن
стр. 677
زياد، وقتل معه هانئ بن عروة المراديَّ. وقيل أن الوالي على المدينة عند بيعة يزيد بن معاوية خال بن الحكم أخو مروان. ثم عُزل وولاها عثمان بن محمد بن أبي سفيان. وهو الذي قال: لمَّا خرج الحسين عن المدينة، ولم يبايع: اركبوا كلَّ بعير بين الأرض والسماء، فاطلبوه، فطلبوه فلم يُدْرَك.
وخرج الحسين من مكة إلى العراق فلقيه الفرزدق في الطريق، فسأله عن أمر الناس، فقال: يا ابن رسول الله، القلوب معك والسيوف عليك، والنصر من السماء. وخرج عبيد الله بن زياد من الكوفة بجيشه إلى الحسين، وعلى مقدِّمته عمر بن سعد بن أبي وقاص. وكان مسلم بن عقيل لمَّا قُدِّمَ لِيُقْتَل بين يدي عبيد الله ابن زياد، وقد أُثخِن جراحا نظر، هل يرى أحد من قريش؟ فرأى عمر بن سعد، فقال: ادنُ مني. فدنا منه عمر، فقال: أنت أقرب الناس إليَّ في النسب، فإن أردت أن تفوز بشرف الدارين فابعث إلى الحسين ليرجع من الطريق، فإني تركته ومن معه، وهم تسعون إنسانا على الخروج من مكة، وإنهم الآن في الطريق، واكتب إليه بما أصابني.
فلما انصرف عنه عمر بن سعد قال لابن زياد: أتدري ما قال لي مسلم؟ قال: اكتم على ابن عمِّك. قال: الأمر أعظم من ذلك. قال: اكتم على ابن عمِّك فلما أكثر على ابن زياد قال له مسلم، قال له: قل أخبرني أن حسينا خرج في أهله وقرابته ومن اتبعه من الناس إلى الكوفة. قال له ابن زياد: أمَّا إذ أخبرتني فوالله لا خرج لقتاله غيرك. أما والله لو أسرَّ إليَّ كما أسرَّ إليك لرددتهم. ويحك ما حفظت وصية ابن عمِّك حين رآك لها أهلا؟ ثم التقوا مع الحسين بكربلاء: وهو موضع على الفرات. فأتاه عمر بن سعد فقال: ما هذا المسير يا أبا عبد الله؟ قال: سرتُ إلى قوم غرُّوني بكتبهم، ولا مردَّ للقضاء. وإني أسأل منكم إحدى ثلاث خِلال: إما أن تتركوني أرجع من حيث جئت، وأمَّا أن تُخلُّوا بيني وبين الطريق إلى الأعاجم، أُقاتل فيهم حتى
стр. 678
أموت، وأما أن أسير إلى يزيد فأضع يدي في يده. فأخبر عمر بن سعد بذلك عبيد الله بن زياد، فقال: لا أُعطيه واحدة من الثلاث. ولكن ينزل على حُكمي. فأخبر عمر بن سعد ذلك إلى الحسين فقال: أأنزل على حكم ابن مَرجانة الدَّعِيُّ؟ والموت والله عندي دون ذلك أشهى وأحلى. ومرجانة: أمُّ عبيد الله وهي أَمَة. ولما أبي عبيد الله أن يعطي الحسين واحدة من الخلال الثلاث التي تطلب، قالت طائفة من عسكر عبيد الله: يعرض عليك ابن بنت رسول الله واحدة من ثلاث خلال فلم تسعفوه بها! لقد خاب سعيكم، وشقي من يتبعكم. فانصرفوا إلى الحسين، فقتلوا معه، ﵃، ورحمهم.
وأبلى الحسين في ذلك اليوم بلاء عظيما، وقتل من عسكر عبيد الله أشقياء كثيرة، حتى قتل، رضوان الله عليه. وقتل معه من ولده وولد أخيه الحسن وولد عمِّه عقيل جماعة لم ينشأ في الإسلام مثلهم. وروى فطر عن مُنذر الثَّوريِّ عن ابن الحنفيَّة قال: قُتل مع الحسين بن علي سبعة عشر رجلا، كلُّهم من ولد فاطمة.
وقُتل، ﵁، يوم عاشوراء، سنة إحدى وستين، وهو ابن ثمان وخمسين سنة. واختلف فيمن قتله، فقيل: شَمِرُ بنُ ذي الجوْشَن الضِّبابيُّ، لعنه الله. وهو القائل لعبيد الله بن زياد:
أوقِرْ رِكابي فضةً وذَهبا ... إني قتلتُ الملكَ المُحَحَّبَا
خيرَ عبادِ الله أمَّاً وأباً ... وخيرَهم إذ ينسُبون نَسبا
وقال مُصعبُ الزُّبيريُّ: الذي ولي قتل الحسين بن علي سنان بن أبي سنان النَّخعيُّ، لا ﵀. وهو جدُّ شريك بن عبد الله القاضي، ويُصدِّق قولُ الشاعر:
стр. 679
وأيُّ رَزِيَّةٍ عَدلتْ حُسينا ... غداةَ تُبيرُهُ كفَّا سِنانِ
ولمَّا أدخل أهله على يزيد بن معاوية بالشام، وهم في حال سيئة، وكانوا على الأقتاب، لم يوطَّاُ في طريقهم إليه. قالت له أمُّ كلثوم بنت علي من غير فاطمةَ: يا يزيدُ، بنات رسول الله سبايا أذلَّة!! فقال: بل كرام أعزَّة. وبكى، وأمر بإدخالهم إلى حرمه.
وجعل بين يدي يزيد عليُّ بن الحسين الأصغر، وهو زين العابدين. وكان عليُّ الأكبر قُتل مع الحسين مع جملة من قتل من بنته وبني أخيه الحسن وبني عمِّه عقيل. فقرأ يزيد:) وما أصابكم من مُصيبةٍ فَبِما كسَبتْ أيديكمُ ويَعفو عن كَثير ". فقال لا تقل ذلك يا يزيد، ولكن قل:) ما أصابَ من مصيبةٍ في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتابٍ من قبل أن نُبْراها، أن ذلك على الله يسير (.
واستشار يزيد أهل الشام في من بقي من ولد الحسين وولد أخيه الصِّغار. فقال له بعض الأشقياء منهم: لا تَتَّخذُ من كلب سوء جرواً يا أمير المؤمنين. فقال النعمان بن بشير: اصنع بهم يا أمير المؤمنين ما كان يصنع بهم رسول الله ﷺ لو رآهم على هذا الحال. فأمر بإنزالهم وإكرامهم. ثم قال: لو كان بينهم وبين من عضَّ بظر أمِّه نسب، يعنى ابن زياد ما قتلهم، ثم ضرب عليهم القبقاب بعدما أدخلوا الحمَّام، وأمال عليهم المطبخ، وكساهم، وأخرج لهم جوائز كثيرة، وبعث معهم من ردَّهم إلى المدينة.
وأُتي يزيد برأس الحسين ﵇. فلما وضع بين يديه جعل ينكت أسنانه بقضيب كان في يده ويقول: كان أبو عبد الله صبيحا. فقال النعمان بن بشير: ارفع يدك يا يزيدُ عن فم طالما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 680
يُقبِّلُه. قال: فاستحيا يزيدُ، وأمر برفع الرأس. وما روي بعد قتل الحسين من العبر في يقظة ومنام روي عن رواة صحائح الآثار والأخبار.
الترمذي بسنده عن أمِّ سلمة قالت: رأيت رسول الله صلى الله عيه وسلم " تعني في المنام " وعلى رأسه ولحيته الترابُ. فقال: مالك يا رسول الله؟ قال: شهدت قتل الحسين آنفا. وحدَّث أبي بكر بن أبي شيبة قال: نا حَّماد سن سَلمة قال: نا عمار، عن ابن عباس قال: رأيت النبي صلى الله عيه وسلم، فيما النائم نصف النهار، وهو أشعث أغبرُ، في يده قارورة فيها دمٌ. فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ما هذا؟ قال: " هذا دمُ الحسين، لم أزل ألتقطه منذ اليوم " فوجد قد قُتل في ذلك اليوم.
وبكى الناسُ الحسين، فأكثروا وأحسنوا. قالت الربابُ بنتُ امريء القيس الكلبية، ترثي زوجها الحسين بن علي ﵄:
إنَّ الذي كان نوراً يُستضاء به ... بكربلاء قتيلاً غيرَ مَدْفونِ
سِبط النبيِّ جزاكَ الله صالحةً ... عنا وجُنِّبتَ خُسرانَ الموازينِ
قد كنتَ لي جَبَلاً صعباً ألوذ به ... وكنتَ تَصْحبُنا بالرَّحْم والدين
مَن لليَتَامى ومن للسائلين ومَن ... يَقي ويأوي إليهِ كلُّ مِسكنِ؟
стр. 681
وقال سليمان بن قنَّةَ الخزاعي، وأجاد فيما قال:
مررتُ على أبياتِ آلِ محمدٍ ... فلم أر من أمثالها حيثُ حلَّتِ
فلا يُبعِدِ اللهُ البيوتَ وأهلَها ... وإن أصبحتْ منهم برَغْمي تَخلَّتِ
وكانوا رجاء ثم عادوا رزيَّةً ... لقد عظُمتْ تلك الرزايا وجلَّتِ
وإن قتيلَ الطَّفِّ، من آلِ هاشمٍ ... أذلَّ رقاباً من قُريشٍ فذَلَّتِ
ألم ترَ أ، الأرضَ أضحتْ مريضةً ... لفقدِ حُسينٍ، والبلادُ اقشعرَّتَ
وقد أعْولتْ تبكي السماءُ لفقده ... وأنجمُها ناحتْ عليه وصَلَّتِ
كذا قال عمر بن عبد البِّر في الاستيعاب: عن سليمان بن قنَّةَ إنه خزاعي. وقال المُبرد في الكامل: هو من تميم بن مُرَّةَ بن كعب بن لؤي. وكان منقطعا إلى بني هاشم. وقال ابن قُتيبة، في " المعارف ": سليمان بن قُنةَ هو منسوب إلى أمِّه. وهو مولى لتيم قريش. وكان مع روايته الحديث شاعرا. وهو القائل:
وقد يحرِمُ الله الفتى وهْوُ عاقلٌ ... ويُعطى الفتى.... وليس عاقلا
стр. 682
وهذا البيت زعموا لا يُدري قائله:
أتَرجو أُمَّةٌ قَتلتْ حُسيناً ... شَفاعةَ جدِّهِ يومَ الحسابِ؟
ولبعض المُحسنين المُجيدين يرثى الحسين ﵁:
أمرُرْ على جَدَثِ الحسي ... ن وقُل لأَعظُمهِ الزكيَّةْ:
يا أعظُماً لا زلتِ من ... وَطْفاءَ ساكبةٍ رَوِيَّةْ
وإذا مَررتَ بقبرهِ ... فأَطِلْ بهِ، وقِفِ المطيَّة'
وابكِ المطهَّرَ للمُطَهْ ... رِ والمطَهَّرةِ التَّقيَّةْ
كبكاء مُعْوِلةٍ أتَتْ ... يوماً لواحدِها مَنِيَّةْ
وقال بعض من وقذ رُزء الحسين فؤاده، وألف الحزن على مصابه الجلل واعتاده. نفعه الله بما قاله، من عثرات الذنوب أقاله:
أيا رُزء الرِّضَى الذاكي حُسينٍ ... أسَلْتَ مع الدموعِ لنا نَجيعا
ِبُقعَة كربلاء أرَيتَ سِبْطاً ... لخيرِ المرسَلين لَقًي صَريعا
стр. 683
رُزِئنا ابنَ البَتولِ وأيُّ رُزْءِ ... جليلٍ قد رأى خَطْباً شَنيعا
أثارَ لنا اكتئاباً وانتحاباً ... وأجَّحَ لفحُهُ من الضُّلوعا
وكَم مِن أجلهِ صبرٌ تَوَلَّى ... وكم عينٍ لها هَجَرتْ هُجوعا
وكم قلب به أضحى مَرُوعاً ... ونَفْسٍ فارقَتْ جَلَداً ورُوعا
فيا صَبْري على بَلْوى حُسينٍ ... ألا ودِّعْ فؤاداً لي جَزُوعا
وما عافَ الأسى والوجدَ مثلي ... عليهِ ولا الكآبة والخُشوعا
دَهاهُ ابنُ الدَّعيِّ بشرِّ ناسٍ ... فجدُوا الأَصلَ منهُ والفروعا
لقد خسِروا بما اكتَسَبوا فَمنْ ذا ... يكونُ لهم إذا بُعثوا شَفيعا
هُمُ وَتَروا شفيعَ الخلقِ في ابْنٍ ... لديهِ كان محفوظاً رَفيعا
فلا سقتِ الغَوادي قبرَ رجسٍ ... زَنيمٍ لِلغَرورِ غَداً مُطيعا
تَحكَّم في بني المختارِ قَسراً ... وأجرى من دِمائهمُ رَبيعا
стр. 684
عن ماء الفراتِ حَمَى كِراماً ... لِرَعْي حقوقِهمْ أَضحى مُضِيعًا
أتى في الذِّكرِ ذِكرهُمُ بقُدْسٍ ... فكن يا من تَلاهُ له مُذيعاً
وولد الحسينُ، ﵁، عليا الأكبر: أمُّه مُرَّةُ بنتُ عُروةَ بن مسعود الثَّقفيِّ. كذا قال محمد بن شبل في روايته غير ابن شبل هي بنت مُرة بن عروة ابن مسعود، وقُتل مع أبيه الحسين.
وولد عليا الأصغر لأّم ولد، وفاطمةَ: أمُّها أمُّ إسحاق بنت طلحة بن عبيد الله، وسُكينةَ: أمُّها الربابُ بنت امرئ القيس الكلبية، وفيها كان الحسين يقول:
لعَمُرك إِنَّني لأُحبُّ داراُ ... تَحلُّ به سُكينةُ والربابُ
فأما عليٌّ الأصغر فليس للحسين عقب إلا منه، زين العابدين. وكان أفضل بني هاشم بعد علي والحسين، وأمُّه فارسية، معروفة النسب، واسمها سلافةُ بنت يزدجرد بن شهريار بن كسرى أنو شروان بن قُباذ. وكانت سلافةُ من خيرات النساء. ويقال: إنها عمةُ أمُّ يزيد الناقص أو أختها. وكان عليُّ ابن الحسين من أبرِّ الناس بأمِّه سُلافة. وكان لا يأكل معها في صحفة واحدة، فسئل عن ذلك فقال: أكره أن تسبق يدي إلى ما سبقت إليه عينها، فأكون قد عققتها. وكان يقال له " ابنَ الخِيرَتين " لقول رسول الله ﷺ : " لله من عباده خيرتان ". فخيرتُه من العرب قريش، ومن العجم فارس.
وخلف على سلافة بعد الحسين بن علي زِبَيد مولاه. فولدت له عبد الله بن
стр. 685
زِبَيد فهو أخو عليِّ بن حسين لأمِّه. ورُوي أن عليَّ بن حسين زوَّج أمَّه من مولاه، وأعتق جارية له وتزوَّجها. فكتب إليه عبد الملك يعيِّره بذلك، فكتب إليه عليِّ: " قد كان لكم في رسول الله أسوةٌ حسنةٌ. قد أعتق رسول الله ﷺ صفيَّة بنت حُيَيّ وتزوجها، وأعتق زيد بن حارثة وزوَّجه بنت عمته زينب بنت جحش ".
وتوفي عليُّ بن الحسين بالمدينة، وهو ابن ثمان وخمسين سنة، سنة أربع وتسعين. وكان يُكنى أبا الحسن. ودفن بالبقيع، وكان خيِّرا فاضلا. قال الزُّهريُّ: ما رأيت قرشيا أفضل منه. وقال يحيى بن سعيد الأنصاريُّ: عليُّ بن حسين أفضل هاشميّ رأيت بالمدينة. وكان، ﵁ من أهل العلم. وكان معظما عند خلفاء بني أمية.
وأشهر ولد عليّ بن الحسين: محمد وعليّ وزيد. فأما محمد فهو الباقر: أمُّه أمُّ عبد الله بنت الحسن بن عليّ. وقيل له الباقر، لأنه بقَّر العلم أي شقَّه، وكان من الفقهاء. لقي جابر بن عبد الله وأنس بن مالك وغيرهما ممَّن تأخَّر موته من شباب الصحابة. ومات بالمدينة سنة سبع عشرة ومئة، وهو ابن ثمان وخمسين سنة. وقال المدائنيُّ: مات وهو ابن ثلاث وستين.
وأخوه شقيقه عليُّ بن عليِّ بن الحسين: كان يلقب الأفطس. وأعقب. ومن عقبه حسين بن حسن بن علي بن علي بن علي بن الحسين: خرج على المأمون بمكة سنة تسع وتسعين ومئة.
وقيل لمحمد بن عليّ بن الحسين ﵈: من أزهد الناس؟ قال: من لا يُبالي في يدي من كانت الدنيا. ومن العجب أن يشغل الرجل نفسه بشيء، التدبير فيه إلى غيره.
وكان ﵁، يقول: أدَّب الله محمدا ﷺ أحسن
стр. 686
الأدب، فقال:) خُذِ العفو وأمُر بالعُرفِ وأعرض عن الجاهلين (. فلما وعى عن الله ما أمره قال:) وإنك لعلى خلق عظيم (. فلما قبل منه ما فوَّض إليه قال:) وما آتاكم الرسولُ فخذُوهُ وما نهاكم عنه فانْتَهُوا (. وقال ﵁: " وإنَّ شرَّ الأبناء من دعاه التقصير إلى العقوق. وإنَّ شرَّ الآباء مند دعاه البرُّ إلى الإفراط ".
وولد محمد الباقر جعفرا وهو الصادق: ولده أبو بكر الصديق، ﵁ مرتين. أمُّه أمُّ فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر، وأمُّها أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر. وكان من ساكني المدينة. وبها مات في خلافة أبي جعفر في قول المدائني والواقدي. قال الواقديُّ: لمَّا خرج محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن بالمدينة على أبي جعفر هرب جعفر بن محمد إلى ماله بالفُرُع. فلم يزل هنالك مقيما متنحِّيا عما كانوا فيه، حتى قُتل محمد فلما قُتل محمد واطمأنَّ الناس وأمِنوا رجع إلى المدينة، فلم يزل بها حتى تُوفي سنة ثمان وأربعين ومئة. وهو يومئذ ابن إحدى وسبعين سنة. وكان فاضلا، وتكذِب عليه الشيعة كثيرا، وكان من شيوخ مالك وسفيان الثوريِّ. ولمالك عنه في الموطأ تسعة أحاديث، منها خمسة متصلة مسندة، أصلها حديث واحد وهو حديث جابر الطويل في الحج، والأربعة منقطعة، وكان يُكنى أبا عبد الله.
وكان أبو جعفر يعُظِّمهُ ويعرف له حق القرابة والطاعة. وأراده مرة بسوء لأمر باطل قُرف به، فصرف الله عنه. وعلم أبو جعفر براءته وصدقه وإخلاصه ونصحه، ﵁ وعن آبائه.
وولد جعفر موسى. وولد موسى عليا وهو الرِّضى، وهو مولى معروف الكرخي الزاهد. وحدَّث الرِّضى عليُّ بن موسى عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن عليِّ بن.... وبايع المأمون لعليِّ الرِّضى بولاية العهد بعده بخراسان. وأمر الناس بلباس الخُضرة وترك السَّواد. فلما بلغ أهل بغداد ما فعل من ردِّ الأمر إلى
стр. 687
آل أبي طالب بايعوا عمَّه إبراهيم بن المهدي، وهو الذي كان يقال له: ابن شَكْلة. وخبره مع المأمون مشهور. وكان أسود حسن الصوت والغناء.
ومات الرِّضى بخراسان، فصرف المأمون عن الطالبيِّن الأمر، ورجع هو وأهل دولته إلى أهل السواد.
وأما زيد بن علي بن الحسين فكان يُكنى أبا الحسين، وأمُّه سنديَّة. وكان بعيد الهمَّة، شريف النفس سديد القول، بليغ المنطق. حدَّث شَبابة ابن سَوَّار الفزاريُّ قال: حدَّثني ... ابن أبي الصَّبَّاح الكوفيُّ، عن أبي سلمة يحيى بن دينار، عن أبي المُطهَّر الوراق قال: بينما زيد بن علي في بعض أزقة الكوفة إذ بصُرَ به رجل من الشيعة، فدعاه إلى منزله فأحضرهُ طعاما. فتسامعت به الشيعة، فدخلوا عليه حتى غَصَّ المجلس منهم فأكلوا معه، ثم استسقى فقالوا أي شراب نسقيك يا بن رسول الله؟ قال: أصلبه وأشدُّه. فأتوه بعُسٍّ من نبيذ، فشرب. ودار العُسُّ عليهم فشربوا. ثم قالوا: يا بن رسول الله، لو حدَّثتنا في هذا النَّبيذ بحديث رويته عن أبيك، عن جدِّك، فإن العلماء يختلفون فيه. فقال زيد: حدَّثني أبي عن جدي أن النبيَّ ﷺ قال: " لتركبنَّ طبقة بني إسرائيل القُدَّة بالقُدَّة، والنَّعلَ بالنَّعل. ألا وإن الله ابتلى بني إسرائيل بنهر طالوت، حلَّ منه الغرفة والغرفتين، وحرَّم منه الرِّيَّ. وقد ابتلاكم بهذا النبيذ، أحلَّ منه القليل وحرَّم منه الكثير ". فكان أهل الكوفة يُسمُّون النبيذ نهر طالوت.
شبابة بن سَوَّار: راوي هذا الخبر هو مولى لفزارة من أهل بغداد من أبناء أهل خراسان. وتحوَّل إلى المدائن، فنزل بها، ثم خرج إلى مكة فأقام بها حتى مات. وروى مسلم في صحيحه عن ابن أبي شَيْبةَ أبي بكر، عن شبابة وعن زهير بن حرب عنه، وعن حجّاج بن الشاعر ومحمد بن رافع وإسحاق بن إبراهيم
стр. 688
الحنظلي. وهو ابن زاهَويَهِ عنه. ويَروي شبابة عن شُعبة وسليمان بن المغيرة وورقاء بن عمر وغيرهم من الثقات.
ولزيد بن علي مع ابن شهاب الزُّهريُّ خبر طريف. رأى الزُّهريُّ في منامه كأنه مدفون في قبر، وكفُّه خارجة من القبر، مخضوبة بالحنَّاء. فسئل عن ذلك سعيد بن المسيَّب فقال: هذا رجل صالح، يُصيب دما خطأ. فاستُعمل الزهريُّ على صدقات بني عُذرة. فاستعمل مولى للصَّلت بن عبد الله بن الحرث بن نوفل ابن الحرث بن عبد المطلب، سلعيا. فخان، فضربه الزُّهريُّ بعصا، فأصاب جرحا كان بظهره قد برأ. فانتفض عليه عند ضربه إياه فمات منه. فجزع الزُّهريُّ وندم، وقال: لا أقرب امرأة، ولا يُظلُّني سقف بيت وظلَّ متخفيا منفردا عن الناس. فمرَّ به زيد بن علي بن الحسين فقال: يا ابن شهاب، إتَّقِ الله، فوالله ما أخاف أن تعجز عنك رحمة الله، ولكني أخاف أن يوبقك قنوطك من رحمة الله. يُب إلى الله تعالى، وابعث إلى أهل الرجل بديَّته، وارجع إلى أهلك ومنزلك. فكان الزُّهريُّ يقول: زيد بن عليٍّ أعظم الناس عَلَيَّ منَّة.
ودخل زيد على هشام بن عبد الملك وهو خليفة. فقال له هشام: بلغني أنَّك تدَّعي الخلافة، وأنت ابن أمَة. فقال له: إنَّ الله وضع بالإسلام النَّقيصة، ورفع به الخسيسة. هذا إسماعيل أمه هاجر، وهي أمَة، أخرج الله من صلبه سيِّد ولد آدم محمدا ﷺ وهذا إسحاق ابن حُرَّة، أخرج الله من صُلبه من مسخَه ق ﴿ردة وخنازير. فأسمعه هشام ما كره. فخرج مُغضبا وهو يقول: ما أحَبَّ أحد الحياة إلا ذَلَّ. قال مولاه: فلما سمعت منه هذا الكلام علمتُ أنَّه سيخرج. فخرج على هشام بالكوفة، واجتمع عليه عسكر كبير. وحارب فبعث إليه يوسف بن عمر الثقفيّ عامل هشام على العراق جيشا، فرُمي بسهم فمات وصُلِب. صلبه يوسف بن عمر بالكُناسة، وذلك سنة اثنتين وعشرين ومئة. وإليه تُنسب الزيدية. وهم أقلُّ الرافضة غُلوّاً. غير أنهم يرون الخروج مع كلِّ من خَرَج.
стр. 689
فوَلَد زيد بن علي يحيى وعيسى وحسينا. فأما يحيى فقُتل بخراسان بالخُوزَجان منها، زمن نصر بن سيار. وقدم برأسه إلى الشام على الوليد بن يزيد الماجن. وأمُّ يحيى رَيطةُ بنت أبي هاشم عبد الله بن محمد الحنفية.
وأما عيسى بن زيد فخرج على أبي جعفر المنصور بعد قتل أبي مسلم واستيلائه على مُلك العراقين والشام والحجاز وخُراسان ومصر واليمن. وقاتله فيما بين الكوفة وبغداد، ولقيه في جموع كثيرة، نحو من عشرين ومئة ألف. فأقام أياما يقاتله في كلِّ يوم، حتى همَّ أبو جعفر بالهزيمة، وركب فرسه لذلك. ثمَّ جعل يشجِّع الناس، ويَعِدهم العطايا الواسعة والصلات العظيمة، فقاتلوا. ثم أنَّ أبا جعفر غلبته عينه، وهو على فرسه. فنام. فرأى في نومه كأنه يُمدُّ، وتُستمر يداه ورجلاه على الأرض. فاستيقظ، فدعا عبَّارا كان معه. فأخبره بما رأى. فقال له: أبشر يا أمير المؤمنين، فإن سلطانك ثابت، وسيليه بعدك جماعة من ولدك. وهذا الرجل منهزم. فما كان بأسرع أن نظر المنصور إلى عيسى بن زيد منهزما.
وأما حسين بن زيد: فَعَمي. وكانت ابنته ميمونة عند المهدي. وكان له ولد.
وولَد عليٌّ من غير فاطمة بنت رسول الله ﷺ ورضي عنهما محمدا وهو ابن الحنفية وأبا بكر وعثمان والعباس وجعفر وعبد الله وإبراهيم. وقُتل هؤلاء الستة مع الحسين ﵁ وعنهم. وعُبيد الله قتله المختار، ولا عَقِبَ له. ويحيى: وأمُّه أسماء بنت عُميس. وعمر: أمُّه تغلبيَّة. وكان خالد بن الوليد سباها في الرِّدَّة، فاشتراها علي. وحُمل عنه الحديث. وروى عن عمر بن الخطاب، وكان له عَقِب بالمدينة. ومن ولده محمد، وأمُّه أسماء بنت عقيل بن أبي طالب.
ومن ولد محمد بن عمر أبو الطاهر أحمد بن عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب. حدَّث عن ابن أبي فُديْك، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عباس قال: سمعت علي
стр. 690
بن أبي طالب ﵁ يقول: خرج إلينا رسول الله ﷺ ، فقال: " اللهمَّ ارحم خلفائي ". قيل: يا رسول الله، ومن خلفاؤك؟ قال: " الذين يأتون من بعدي، يروون أحاديثي وسنَّتي ويُعلِّمونها الناس " خرَّج هذا الحديث أبو نُعَيم الحافظ الأصبهانيُّ في " الرياضة " عن أبي حُصين محمد بن الحسين بن حبيب القاضي، عن أبي الطاهر، مرفوع النسب، عن ابن أبي فُديْك.
وأعقب العباس بن علي. ترك ولدين: عبيد الله، أمُّه لبانة بنت عبيد الله ابن العباس. وحسنا لأمِّ ولد. وأمُّ العباس وأخويه جعفر وعبد الله أمُّ البنين بنت حرام الوحيدية. وليس لجعفر عقب وأمُّ عبيد الله وأبي بكر ابني علي: ليلى بنت مسعود بن خالد النَّهشليِّ.
وأمَّا أبو القاسم محمد بن علي ابن الحنفية فأمُّه من سبي بني حنيفة، اشتراها علي، واتَّخذها أمَّ وِلد. فولدت له محمدا فأنجبت. واسمها خولة بنت إياس بن جعفر جانِّ الصَّفا. ويقال: بل كانت أمة لبني حنيفة، سندية سوداء. ولم تكن من أنفُسِهم. وإنما صالحهم خالد بن الوليد على الرقيق ولم يصالحهم على أنفسهم.
وكان شجاعا أيَّدا فصيحا عالما بالكتاب والسُّنة، وللشيعة فيه أقاويل، يكذبون عليه فيها، وينكرها أهل السنَّة ويُحاشى عنها، ﵁. وكان يُفضِّل أبا بكر وعمر، ويُثني على عثمان ﵃ وعنه.
وكان ابن الزُّبير قد حبس محمد بن الحنفية في خمسة عشر رجلا من بني هاشم، فقال: لتُبايعُنَّ أو لأُحرِقَنَّكُم، فأبوا البيعة، وكان السجن الذي حبسهم فيه يُدعى سجن عارم وفي ذلك يقول كُثيِّر، يخاطب ابن الزبير:
تُخَبِّرُ من لاقَيتَ أنك عائذٌ ... بل العائذُ المحبوسُ في سجنِ عارمِ
стр. 691
وصيُّ النبيِّ المصطفى وابْنُ عمِّه ... وفَكَّاكُ أعناقٍ وقاضي مَغارِمِ
أراد ابن وصيِّ النبيِّ. والعرب تُقيم المضاف إليه في هذا الباب مقام المضاف، كما قال الآخر:
صَبَّحْنَ من كاظمةَ الخصَّ الخَرِبْ ... يَحملْنَ عباسَ بنَ عبد المطَّلب
يريد ابن عباس. وكان ابن الزبير يُدعى العائذ، لأنه عاذ بالبيت. وكان يُدعى المُحِلَّ لإحلاله القتال في الحرم. وفي ذلك يقول رجل في رملة بنت الزبير:
ألا مَن لقلبٍ مُعَنَّى غَزلْ ... بِقَتلِ المُحِلَّةِ أختِ المُحِل؟
وكان عبد الله بن الزبير يُظهر البغض لابن الحنفيَّة إلى بغض أهله وكان يحسده على أيْدِه. ويُقال أن عليَّا استطال درعا، فقال: ليُنقض منها كذا وكذا حلقة. فقبض محمد ابن الحنفية على ذيلها بإحدى يديه، وبالأخرى على فضلها ثم جذبها فقطعها من الموضع الذي حدَّ أبوه فكان ابن الزبير إذا حُدِّث بهذا غضب واعتراه له أفكَل.
ومات محمد بن الحنفية بالطائف سنة إحدى وثمانين، وهو يومئذ ابن خمس وستين سنة. وروي عنه أنه قال: " الحسن والحسين خير مني، وأنا أعلم بحديث أبي منهما ". وولد لسنتين بقيا من خلافة عمر. وروى فِطِر عن منذر الثَّوريِّ عن محمد ابن الحنفية، قال: قال لي علي: قلت يا رسول الله إن ولد لي من بعدك ولد أسمِّيه باسمك وأكنِّيه بكنيتك؟ قال: " نعم ". أخرج هذا الحديث الترمذيُّ عن محمد بن بشار، عن يحيى بن سعيد القَطَّان عن فِطر.
وأشهر ولد محمد ابن الحنفية: عبد الله أبو هاشم، والحسن أبو محمد، وروي
стр. 692
عنهما الحديث. مالك عن ابن شهاب، عن عبد الله والحسن ابنَي محمد بن عليّ ابن أبي طالب، عن أبيهما، عن عليّ بن أبي طالب أن رسول الله ﷺ نهى عن متعة النساء يوم خيبر، وعن أكل لحوم الحُمر الأُنسيَّة. قال عمرو ابن دينار: ما رأيت أحدا أعلم بما اختُلف فيه من الحسن بن محمد، وما كان زُهريُّكم هذا إلا غلاما من غلمانه، يعني ابن شهاب. ومات زمن عمر بن عبد العزيز.
وأما أبو هاشم أخوه فكان عظيم القدر. وكانت الشيعة تتولاه، فحضرته الوفاة بالشام، فأوصى إلى محمد بن علي بن عبد الله بن العباس. وقال له: أنت صاحب هذا الأمر، وهو من ولدك. ودفع إليه كتبه، وصرف الشيعة إليه. وليس لأبي هاشم عقب.
وبنات عليٍّ ﵁ من غير فاطمة كنَّ عند ولد عقيل وولد العباس، وعند جَعدة بن هُبيرة المخزوميَّ، وعند سعيد بن الأسود بن أبي البَخْتَريِّ القرشيِّ الأسديِّ. واسم أبي البَخْتريِّ: العاصي بن هشام بن الحارث بن أسد. وهو قتيل وهو قتيل المُجذَّر بن ذِياد يوم بدر. وقد ذكرت خبره في بني أسد من قُريش.
ومن موالي آل علي ﵁ وعنهم يحيى بن أبي كثير: روى عنه الأوزاعيُّ. قال أيوب السَّختياني: ما بقي على الأرض مثل يحيى بن أبي كثير. ومات يحيى سنة تسع وعشرين ومئة. وروى عنه ابنه عبد الله بن يحيى وغيره الحديث.
стр. 693
فضائل علي ومواعظه ووصاياه ﵁
مسلم: حدَّثنا محمد بن المثنىَّ وابن بشَّار قالا: نا شُعبة عن الحكم، عن مُصعب بن سعد، عن سعد بن أبي وقَّاص قال: خلَّف رسول الله ﷺ عليَّ بن أبي طالب في غزوة تبوك، فقال: يا رسول الله تُخلِّفني في النساء والصبيان؟ فقال: " أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ غير أنَّه لا نبيَّ بعدي ".
الترمذيُّ حدَّثنا واصل بن عبد الأعلى، نا محمد بن فُضَيل عن عبد الله ابن عبد الرحمن أبي نصر، عن المُساور الحمْيَريِّ، عن أمه، قال دخلت على أمِّ سلمة فسمعتها تقول. كان رسول الله صلى الله عليه ةوسلم يقول " لا يُحب عليا مُنافق، ولا يُبغضه مؤمن ".
مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شَيبةَ قال: نا وَكيع وأبو معاوية عن الأعمش، عن عديِّ بن ثابتٍ، عن زرِّ بن حُبيش قال: قال عليِّ ﵁ " والَذي فلق الحبةَ وبَرأ النَّسمةَ إنه لَعهدُ النبيَّ الأمِّيِّ إليَّ ألا يُحبَّني إلا مُؤمن، ولا يُبغضني إلا منافق ".
الترمذيُّ: حدثنا سفيان بن وكيع، نا عبيد الله بن موسى عن عيسى بن عمر، عن السدِّي، عن أنس بن مالك قال: كان عند النبي ﷺ طير فقال: " اللهمَّ ائتني بأحبِّ خَلقكَ إليك، يأكلْ معي هذا الطير ". فجاء عليٌّ، فأكل معه. قال أبو عيسى: هذا حديث غريب، لا نعرفه من حديث السُّدِّي إلا من هذا الوجه. وقد رويَ من غير وجه عن أنس.
الترمذيًّ: حدَّثنا إسماعيل بن موسى الفزاريُّ ابن بنت السُّدِّي، نا شريك عن أبي ربيعة عن ابن بَريدَة عن أبيه، قال رسول الله ﷺ : " إن الله أمرني بحبِّ أربعة ". قيل يا رسول الله سِّمهم. قال: " عليٌّ
стр. 694
منهم "، يقول ذلك ثلاثاً: " وأبو ذَر والمقداد وسلمان أمرني بحبِّهم، وأخبرني أنه يحبهم ". قال هذا حديث حسن غريب.
الترمذيُّ: حدَّثنا إسماعيل بن موسى، نا شريك عن أبي إسحاق عن حُبْشيِّ بن جُنادة قال: قال رسول الله ﷺ : " عليٌّ مني وأنا من علي، ولا يؤدِّي عني إلا أنا أو علي ".
النَّسائي: أخبرنا محمد بن يحيى بن عبد الله النيسابوريُّ، وأحمد بن عثمان ابن حكيم قال: نا عمرو بن طَلحة قال: نا أسباط عن سِماك، عن عكرمة، عن ابن عباس أنَّ عليا كان يقول: " والله إني لأخو رسول الله ﷺ ووليُّه ". ولما آخى رسول الله ﷺ بين المهاجرين بمكة ثم آخى بين المهاجرين والأنصار بالمدينة قال: " في كل واحدة منهما لعلي، أنت أخي في الدنيا والآخرة ".
الترمذيُّ: حدَّثنا يوسف بن موسى القطَّان البغداديُّ، نا عليُّ بن قادم، نا عليُّ بن صالح بن حيَّ، عن حكيم، عن بُشير، عن جُميع بن عُمير التَّيمي، عن ابن عمر: آخى رسول الله ﷺ بين أصحابه، فجاء عليٌّ تدمَع عيناه، فقال: يا رسول الله آخيت بين أصحابك، ولم تُؤاخ بيني وبين أحد؟!. فقال رسول الله ﷺ : " أنت أخي في الدنيا والآخرة ".
وحدَّث أبو بكر بن أبي شيبة قال: نا عبد الله بن نُمير عن حجّاج، عن الحكم، عن مِقسَم، عن ابن عباس. أنَّ النبيَّ ﷺ قال لعلي: " أنت أخي وصاحبي ". وقال: حدَّثنا عبد الله بن نُمير عن الحارث بن حصيرة قال: حدَّثني أبو سليمان الجُهنيُّ يعني: زيد بن وهب قال: سمعت عليا يقول على المنبر: " أنا عبد الله وأخو رسوله، لم يقلها أحد قبلي، ولا يقولها بعدي إلا كذاب مفترٍ ".
وروى أبو داود الطيالسيُّ قال: نا أبو عوانة، عن أبي بِلْج، عن عمرو بن ميمون، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال لعلي: " أنت وليّ كلِّ مؤمن بعدي ". وقال خُزيمة بن خازم قال: حدثني أبي عليٌّ بن عبد الله
стр. 695
قال: حدثني أبي عبد الله بن عباس قال: كنت أنا وابن عباس بن عبد المطَّلب جالسين عند رسول الله ﷺ إذ دخل عليُّ بن أبي طالب فسلَّم، فردّض عليه رسول الله ﷺ وبشَّ به، وقام إليه واعتنقه وقبل بين عينيه، وأجلسه عن يمينه فقال العباس: يا رسول الله أتحبُّ هذا؟ فقال النبي ﵇: " يا عمَّ رسول الله والله لَلَّهُ أشدُّ حبّاً له مني، إنَّ الله جعل ذريَّة كلِّ نبيٍّ في صلبه، وجعل ذريتي في صلب هذا ".
وروى أبو نعيم الأصبهانيُّ في " رياضة المتعلمين " عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " يا عليُّ إن الله أمرني أن أُدنيك ولا أُقصيك، وأُعلِّمك ولا أجفوك ". وذكر البخاريُّ في قصة الحديبية أن رسول الله ﷺ قال لعلي: " أنت مني وأنا منك ".
الترمذي: حدثنا قُتيبة نا محمد بن سُليمان الأصبهانيُّ عن يحيى بن عُبيد، عن عطاء بن أبي رباح، عن عمر بن أبي سَلمة ربيب النبيِّ ﷺ قال: أُنزلت هذه الآية على النبيِّ ﷺ :) إنما يُريدُ اللهُ ليُذهب عنكم الرِّجسَ أهل البيت ويُطهِّرَكم تطهيراً (في بيت أُم سلمة.
فدعا النبيُّ ﷺ فاطمة وحسنا وحسينا، فجلَّلهم بكساء، وعليٌّ خلف ظهره ثم قال: " اللهم هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرِّجس وطهِّرهم تطهيرا ". قالت أُمُّ سَلمة: وأنا معهم يا نبيَّ الله؟ قال: " أنت على مكانك وأنت إلى خير ".
الطبري: حدثنا أبو كُريب محمد بن العلاء ومحمد بن عمر بن هيَّاج قالا: نا يحيى بن عبد الرحمن الأزديُّ قال: نا إبراهيم بن يوسف، عن أبيه عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب قال: بعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الإسلام، فكنتُ فيمن سار معه، فأقام عليهم ستة أشهر لا يجيبونه إلى شيء. فبعث النبي ﷺ عليَّ ابن أبي طالب، وأمره أن يُقفل خالدا ومن اتبعه إلا من أراد البقاء مع علي
стр. 696
فيتركه. قال البراء: فكنتُ فيمن عقب مع علي. فلما انتهينا إلى أوائل اليمن بلغ القوم الخبر فجمعوا له، فصلَّى علىُّ الفجر. فلما فرغ صفَّنا صفا واحدا ثم تقدَّم بين أيدينا فحمد الله وأثنى عليه، ثم قرأ عليهم كتاب رسول الله ﷺ . فأسلمت همدان كلُّها في يوم واحد. وكتب بذلك عليٌّ إلى رسول الله. فلما قرأ كتابه خرَّ ساجدا، ثم جلس فقال: " السلام على همدان، السلام على همدان ".
وتتابع أهل اليمن على الإسلام. وقال له رسول الله ﷺ : " يا عليُّ ألا أعلِّمك كلمات إذا قُلتهنَّ غفر الله لك، مع أنَّك مغفور لك؟ " قلت بلى. قال: " قل: لا إله إلا الله الحليم العليم، لا إله إلا الله العليُّ العظيم، لا إله إلا الله ربُّ السماوات وربُّ العرش الكريم ". وقال ﷺ : " من أحبَّ عليّاً فقد أحبَّني، ومن أبغض عليّاً فقد بغضني، ومن آذى عليّاً فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله ". وقال له ﷺ : " يهلِكُ فيك رجلان: محبٌّ مُطْرٍ وكذاب مُفتر ". وقال له: " تفترق فيك أمَّتي كما افترقت بنو إسرائيل في عيسى ".
وروى بُريدة بن الحُصيب وأبو هُريرة والبراء بن عازب وزيد بن أرقم وجابر بن عبد الله الأنصاريُّ، كلُّ واحد عن النبي ﷺ أنه قال يوم غدير خُم: " من كنت مولاه فعليٌّ مولاه، اللهمَّ والِ من والاه وعادي من عاداه ". ورواية جابر لهذا الحديث بالسند أذكرها: حدَّث أبو سعيد عبد الله بن سعيد الأشجع قال: نا المطَّلب بن زياد عن عبيد الله بن محمد بن عقيل قال: كنا عند جابر بن عبد الله في بيته، وعليُّ بن الحسين ومحمد بن الحنفيَّة وأبو جعفر، فدخل رجل من أهل العراق فقال: أنشدك بالله إلا حدَّثتني ما رأيت وما سمعت من رسول الله ﷺ . فقال:
стр. 697
كنا بالجُحْفَة بغدير خم، وثَمَّ ناس كثير من جُهينة ومُزينة وغِفار، فخرج علينا رسول الله ﷺ من خِباء أو فُسطاط، وأشار بيده ثلاثا، فأخذ بيد عليٍّ فقال: " من كنت مولاه فعليٌّ مولاه ". عبد الله بن محمد بن عقيل راوي هذا الحديث عن جابر. قُتل أخوه محمد مع الحسين، وجدَّه عقيل هو عقيل بن أبي طالب. وكان عبد الله بن محمد بن عقيل فقيها يُروى عنه. وكان أحول، وأمُّه وأمُّ أخويه: القاسم وعبد الرحمن، زينب الصغرى بنت عليّ بن أبي طالب.
وروى أبو العباس سهل بن سعد وبُريدة الأسلميُّ وأبو سعيد الخدريُّ وعبد الله بن عمر وعمران بن حصين، كلُّهم بمعنى واحد عن النبيّ ﷺ أنه قال يوم خيبر: " لأعطينَّ الراية غدا رجلا يحبُّ الله ورسوله ويحبُّه الله ورسوله، ليس بفرَّار يفتح الله على يديه ". ثم دعا بعليٍّ وهو أرمد، فتفل في عينيه وأعطاه الراية، ففتح الله عليه.
وروى هذا الحديث أيضا أبو هريرة وسعد بن أبي وقاص وسَلَمَة بن الأكوع. مسلم: حدَّثنا قتيبة بن سعيد قال: نا يعقوب، يعني ابن عبد الرحمن القارئ عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال يوم خيبر " لأعطينَّ هذه الراية رجلا يحبُّ الله ورسوله، يفتح الله على يديه " قال عمر بن الخطاب: ما أحبب الإمارة إلا يومئذ. قال: فتساورتُ لها رجاء أن أُدعى لها. قال: فدعا رسول الله ﷺ عليَّ بن أبي طالب، فأعطاه إياها فقال: " امشِ ولا تلتفت حتى يفتح الله عليك ". قال: فسار عليٌّ شيئا ولم يلتفت، فصرخ برسول الله: على ماذا أقاتل الناس؟! قال: " قاتلهُم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلا بحقِّها، وحسابهم على الله ".
стр. 698
الترمذي: حدثنا قُتيبة: نا حاتم بن إسماعيل، عن بكير بن مسمار، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه قال: أمر معاوية بن أبي سفيان سعدا فقال: ما منعك أن تَسُبَّ أبا تُراب! قال: أمّا ما ذكرت ثلاثا قاله رسول الله ﷺ فلن أسُبَّه، لأن تكون لي واحدة منهنَّ أحبَّ إليَّ من حُمر النَّعم. سمعت رسول الله ﷺ يقول لعلي، وخَلفَهُ في بعض مغازيه، فقال له عليَّ: يا رسول الله تُخلِّفُني على النساء والصبيان؟! فقال له رسول الله ﷺ : " أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبوة بعدي ". وسمعته يقول يوم خيبر: " لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله ". قال: فتطاولنا لها فقال: ادع لي عليا، فأتاه وبه رمد، فبصق في عينيه، فدفع الراية إليه، ففتح الله عليه. وأُنزلت هذه الآية:) تعالَوْا ندعُ أبناءنا وأبناءكم ... (الآية دعا رسول الله ﷺ وفاطمة وحسنا وحسينا فقال: " اللهمَّ هؤلاء أهلي ". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب.
وقال ابن إسحاق: حدَّثني بُريدة بن سفيان بن فروة الأسلميُّ عن أبيه سفيان عن سَلمة بن عمرو بن الأكوع قال: بعث رسول الله ﷺ أبا بكر الصديق برايته إلى بعض حصون خيبر يقاتل ثمَّ رجع، ولم يكن فتح، وقد جُهد. فقال رسول الله ﷺ : " لأعطينَّ الراية غدا رجلا يحبُّ الله ورسوله، يفتح على يديه، ليس بفرَّار ". قال: يقول سلمة: فدعا رسول الله ﷺ عليا وهو أرمد فتَفَل في عينيه ثم قال: " خذ هذه الراية فامض بها حتى يفتح الله عليك ". فمضى والله بها يأْنِح يُهرول هرولة، وإنا لخلفه نتبع أثره حتى ركز رايته في رَضْم من حجارة الحصن، فاطَّلع إليه يهوديٌّ من
стр. 699
رأس الحصن فقال: مَن أنت؟ قال: أنا عليُّ بن أبي طالب. قال: يقول اليهوديُّ: علَوتُم علينا وما أُنزل على موسى، أو كما قال. فما رجع حتى فتح الله على يديه.
قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن حسن، عن بعض أهله، عن أبي رافع مولى رسول الله ﷺ قال: خرجنا مع عليِّ بن أبي طالب حين بعثه رسول الله ﷺ برايته يوم خيبر. فلما دنا من الحصن خرج إليه أهله، فقاتلهم، فضربه رجل من يهود، فطرح ترسه من يده فتناول علي بابا كان عند الحصن، فَتَرس به عن نفسه. فلم يزل في يده وهو يقاتل حتى فتح الله عليه، ثم ألقاه من يده حين فرغ. فاقد رأيتني في نفر معي سبعة أنا منهم، نجهد على أن نقلب ذلك الباب فما نقلبه.
وبعثه رسول الله ﷺ إلى اليمن وهو شاب ليقضي بينهم فقال: يا رسول الله، إني لا أدري ما القضاء. فضرب رسول الله ﷺ بيده على صدره وقال: " اللهم اهد قلبه، وسدِّد لسانه ". قال علي: فوالله ما شككت بعدها في قضاء بين اثنين. وقال رسول الله ﷺ : " أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها فمن أراد العلم فليأته من بابه ". وقال رسول الله ﷺ : " إن توُلُّوا أبا بكر تجدوه ضعيفا في بدنه، قويا في دينه. وإن تولُّوا عمر تجدوه قويا في بدنه قويا في دينه. وإن تولُّوا عليا " ولن تفعلوا " تجدوه هاديا مهديَّا، فيسلك بكم المطيَّ لله وحرامه معه ". وقال ﷺ : " أقضاكم عليٌّ، وأفرضُكم زيد بن ثابت، وأعلمكم..... جَبل وما أظلَّت الخضراء، ولا أقلَّت الغبراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذَرٍّ. ولكلِّ أمة حكيم، وحكيم هذه الأمة أبو الدرداء ".
وروى ابن عباس عن عمر: أقضانا عليُّ، وأقرؤنا أُبي. وعن علقمةَ،
стр. 700
عن عبد الله قال: كنا نتحدث أنَّ أقضي أهل المدينة عليُّ بنُ أبي طالب. وعن سعيد بن وهب قال: قال عبد الله: أعلم أهل المدينة بالفرائض ابن أبي طالب. وحدَّث أحمد بن ُ زهير قال: نا عبيد الله بن عمر القواريريُّ: نا مؤمَّل بن إسماعيل: حدَّثنا سفيان الثَّوريُّ عن يحيى بن سعيد بن المسيَّب قال: كان عمر يتعوَّذ بالله من معضلة ليس لها أبو حسن.
وقال في المجنونة التي أمر عمر برَجْمها، وفي التي وضعت لستَّة أشهر، فأراد عمر رجْمها فقال علي: إن الله يقول) وحملُه وفِصالُه ثلاثون شهراً (، الحديث. وقال له: إنَّ اللهَ رفعَ الغَلمَ عن المجنون، الحديث. فكان عمرو يقول: " لولا عليُّ هلَك عمر ". وقالت عائشة: مَن أفتاكم بصَوم عاشورا؟ قالوا: عليٌ. قالت: أمَا إنَّه أعلمُ الناس بالسُّنَّة.
ورَوى سعيد بن جبير عن ابن عبَّاس قال: كنا إذا أتانا الثِّبْت عن عليٍّ لم نعدل به. وروى جُوَيْبر عن الضحَّاك بن مُزاحم، عن عبد الله بن عباس قال: والله لقد أُعطي عليُّ بن أبي طالب تسعة أعشار العلم، وأيم الله لقد شاركهم في العشر العاشر. وسأل شريح بن هانيء عائشة أمَّ المؤمنين عن المسح على الخُفَّين فقالت: إئتِ عليا فسله. وروى عبد الرحمن بن أُذَيْنَة عن أبيه أُذَيْنَة ابن مَسْلمة العبديِّ قال: أتيت عمر بن الخطاب فسألته: مِن أين أعتمر؟ قال: إئتِ عليا فسله. وذكر الحديث.
مالك: عن ثور بن زيد الدِّيليَّ أن عمر بن الخطاب استشار في الخمر يشربها الرجل. فقال له عليُّ بن أبي طالب: نرى أن تجلده ثمانين، فإنه إذا شرب سكر وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، أو كما قال. فجلد عمر في الخمر ثمانين.
البخاري: حدثنا عبد الله بن عبد الوهَّاب: نا خالد بن الحارث: نا سفيان: حدثنا أبو حُصين: سمعت عمر بن سعد النَّخعيَّ يقول: سمعت عليَّ بن أبي
стр. 701
طالب يقول: ما كنت لأقيم حدَّا على أحد فيموت، فأجد في نفسي إلا صاحب الخمر. فإنه لو مات ودَيتُه وذلك أن رسول الله ﷺ لم يَسُنَّه.
وروى مّعمر عن ابن طاووس عن أبيه، عن المطَّلب بن عبد الله بن حنطب قال: قال رسول الله ﷺ لوفد ثقيف حين جاؤوه: " لتُسلِمُنَّ أو لأبعثَنَّ رجلا مني "، أو كما قال: " مثل نفسي فليضربَنَّ أعناقكم أو ليَسْبيَنَّ ذَراريَّكم، وليأخذَنَّ أموالكم ". قال عمر: فوالله ما تمنَّيت الإمارة إلا يومئذ، وجعلت أنصب صدري له رجاء أن يقول: هو هذا. قال فالتفت إلى علي، فأخذه بيده ثم قال: " هو هذا، هو هذا ".
وروى عمار الدُّهنيُّ عن أبي الزبير، عن جابر قال: ما كنَّا نعرف المنافقين إلا ببغض علي بن أبي طالب. وعن يزيد بن أبي زياد، عن إسحاق بن كعب ابن عُجْرَة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : " عليٌّ مخْشَوْشِنٌ في ذات الله ". وعن حُذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : " إنْ ولَّوا عليا فهاديا مهديّا ". وسأل رجل الحسن بن أبي حسن البصريِّ عن علي بن أبي طالب فقال: كان عليٌّ والله سهما صائبا من مرامي الله على عدوِّه، وربَّانيَّ هذه الأمة، وذا فضلها وذا سابقتِها، وذا قرابتها من رسول الله، لم يكن بالنَّؤومة عن أمر الله، ولا بالملومة في دين الله ولا بالسَّروقة لمال الله، وأعطى القرآن عزائمه، ففاز منه برياض مونقة ذلك عليُّ بن أبي طالب يا لُكع.
وكان معاوية ﵀ يكتب فيما ينزل به ليسأل عليَّ بن أبي طالب عن ذلك. فلما بلغه قتله قال: ذهب الفقه والعلم بموت ابن أبي طالب. فقال له عُتبة أخوه: لا يسمع هذا منك أهل الشام. قال: دعني عنك.
وروى معْمر بن وهب بن عبد الله بن أبي الطُّفيل قال: شهدت عليا يخطب، وهو يقول: سلوني، فوالله لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم. وسلوني عن كتاب الله فوالله ما من آية إلا وأنا أعلم أبليل نزلت أم بنهار أم في سهل أم في جبل. وخطب يوما بالكوفة فقال: سلوني قبل أن تفقدوني، فإنَّ بين جنبيَّ علما
стр. 702
جما. فقام إليه عبد الله بن الكوَّاء فقال: يا أمير المؤمنين، ما) الذَارياتِ ذَرْواً والحاملاتِ وقْراً والجارياتِ يُسراً فالمقسِّمات أمراً (فقال: ويحك سَل تَفَقُّها ولا تسل تعنُّتا؛ الذاريات ذَرْواً: الرياح. والحاملات وقْراً: السحاب. والجاريات يُسراً: السفن. والمقسِّمات أمراً: الملائكة.
وقام إليه ابن الكوَّاء يوما آخر، وهو يخطب فقال: ما السواد الذي في القمر؟ فقال له: قاتلك الله، سَل تفققُها ولا تَسل تعنُّتا، ألا سألت عن شيء ينفعك في أمر دنياك وآخرتك؟ ثم قال: مَحْوُ الليل.
ودخل ضرار بن ضّمْرة الصُّدائيُّ، وكان من أصحاب ألوية عليٍّ بصفين على معاوية بعد وفاة علي: فقال له: يا ضِرار صف لي عليا فقال: اعفني يا أمير المؤمنين قال: لتَصفنَّه. قال: أما إذا لا بدَّ من وصفه فكان والله بعيد المدى، شديد القُوى، يقول فصلا، ويحكم عدلا، يتفجَّر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدُّنيا وزهرتها، ويستأنس بالليل ووحشته. وكان غزير العَبرة، طويل الفكرة، يقلِّب كفَّه، ويخاطب نفسه، يُعجبه من اللِّباس ما قَصُر، ومن الطعام ما خشُن. وكان فينا كأحدِنا؛ يُجيبُنا إذا سألناه، ويُنبئنا إذا استنبأناه ونحن والله مع تقريبه إيانا، وقربه منا لا نكاد نكلمه لهيبته، ولا نبتديه لعظمته، يُعظِّم فينا أهل الدين، ويُقرِّب المساكين. لا يطمع القويُّ في باطله، ولا ييأس الضَّعيف من عدله. وأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه، وقد أرخى الليل سدوله، وغارت نجومه، قابضا على لحيته يَتَململُ تَمَلمُلَ السليم، ويبكي بُكاء الحزين، ويقول: يا دُنيا غُرِّي غيري إليَّ تعرَّضت أم إليَّ تشوَّفتِ. هيهات بتتك ثلاثا لا رجعة فيها؛ فعمرك قصير، وخطرك قليل حقير: آه من قلَّة الزاد وبعد السَّفر، ووحشة الطريق.
فبكى معاوية وقال: رحم الله أبا الحسن، كان والله كذلك، فكيف حزنك عليه يا ضِرار؟ قال: حُزن من ذُبح واحدُها،.... فهي ... لا تَرقى لها دمعة، ولا تنقضي لها حسرة.
стр. 703
قال المبرِّد: وحدَّث ابن عائشة في إسناد ذكره أن عليا ﵀ انتهى إليه أن خيلا لمعاوية وردت الآبار فقتلت عاملا له يُقال له حسان بن حسان. فخرج مُغضبا يجرُّ ثوبه حتى أتى النُخيلة، واتَّبعه الناس، فرقيَ رباوة من الأرض، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على محمد نبيَّه ﷺ ثم قال: أما بعد فإن الجهاد باب من أبواب الجنة، فمن تركه رغبة عنه ألبسه الله الذُّلَّ، وسِيما الخسف، ودُيِّث بالصغار. وقد دعوتكم إلى حرب هؤلاء القوم ليلا ونهارا، وسرّا وإعلانا. وقلت لكم: اغزوهم من قبل أن يغزوكم. فوالذي نفسي بيده ما غُزي قوم قطُّ في عُقر دارهم إلا ذَلُّوا. فتخاذلتم وتواكلتم، وثَقُل عليكم قولي، واتَّخذتموه وراءكم ظهريّا حتى شُنَّت عليكم الغارات.
هذا أخو غامد، قد وردت خيله الأنبار، وقتلوا حسان بن حسان، ورجالا كثيرا منهم ونساء. والذي نفسي بيده لقد بلغني أنه كان يدخل على المرأة لمسلمة والمُعاهدة فتُنزَع أحجالُهما ورُعثُهما، ثم انصرفوا موفورين، ولم يُكلَم أحد منهم كَلما فلو أنَّ أمرأ مسلما مات من دون هذا أسفا ما كان فيه عندي ملوما. بل كان به جديرا. يا عجبا كلَّ العجب من تضافر هؤلاء القوم على باطلهم، وفشلِكم عن حقِّكم.
إذا قلت لكم: اغزوهم في الشتاء. قلتم: هذا أوان قُرٍّ وصِرٍّ. وإن قلت لكم: اغزوهم في الصيف قلتم: هذه حمارة القيظ، أنظِرنا ينصرم الحرُّ عنا. فإذا كنتم من الحرِّ والبرد تفرُّون فأنتم والله من السيف أفرُّ. يا أشباه الرجال ولا رجال، ويا " طغام الأحلام "، ويا عقول ربّات الحجال. والله لقد أفسدتم
стр. 704
عليَّ رأيي بالعصيان ولقد ملأتم جوفي غيظا، حتى قالت قريش: ابن أبي طالب شجاع ولكن لا رأي له في الحرب. لله درُّهم! ومّن ذا يكون أعلم بها مني، وأسدّض لها مِراسا! فوالله لقد نهضت فيها، وما بلغت العشرين. ولقد نيَّفت اليوم على الستين. ولكن لا رأي لمن لا يُطاع ". يقولها ثلاثا. فقام اليه رجل. ومعه أخوه فقال: يا أمير المؤمنين أنا وأخي هذا كما قال الله:) ربِّ إني لا أملِكُ إلا نفسي وأخي (، فمرنا بأمرك. فوالله لننتَهيَّن إليه. ولو حال بيننا وبينه جَمرُ الغضا وشوك القتاد. فدعا لهما بخير. ثم قال: وأين تقعان ممّ أريد؟ ثم نزل.
قوله: دُيِّثَ بالصِّغار؛ تأويله ذُلِّل. يقال: بعير مُديِّث أي مذلَّل. وقوله: في عقر دارهم؛ العُقر: الأصل. وقوله: شُنَّتْ عليكم الغارات؛ معناها صُبَّت. يقال: شننت الماء على رأسه أي صببته. وقوله: هذا أخو غامد؛ هو رجل مشهور من أصحاب معاوية من بني نصر بن غامد بن نصر بن الأزدِ بن الغَوث. وفي هذه القبيلة يقول القائل:
ألا هل أتاها على نَأْيها ... بما فَضَحتْ قومَها غامِدُ
تَمنَّيتُمُ مئتي فارسٍ ... فردَّكمُ فارسٌ واحدُ
والأحجال: الخلاخيل، واحدها، حجل. ويقال للصَّيد: حِجْل، لأنه يقع في ذلك الموضع. وقوله: ورُعُثُهما: الواحدة رَعْثَة، وجمعها رعاث وجمع الجمع رُعُث؛ وهي الشُّنوف.
قال المؤلف: غفر الله له: ابن عائشة الراوي لهذا الخبر هو عبد الله بن محمد
стр. 705
ابن حفص التَّيميُّ؛ تيم قريش. ويكنى أبا عبد الرحمن. ويقال لأبيه أيضا: ابن عائشة. وتوفي بالبصرة سنة ثمان وعشرين ومئتين. والرجل الغامديُّ الذي لم يُسمَّ اسمه " سفيان بن عوف " وكان من أصحاب الطوائف لمعاوية. وقال المبرد في غامد: هو غامد بن نصر بن الأزد بن الغَوث.
وقال القاضي أبو القاسم صاعد بن محمد بن صاعد الطُّليطليُّ، ﵀، في " مختصر النسب " له: غامد بن عبد الله بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن نصر بن الأزد.
ورُوي أن عليا، ﵁، خطب الناس، فحمد الله. وأثنى عليه، وصلى على النبي محمد ﷺ ، ثم قال: " أما بعد، فإني أحذِّرُكم الدنيا، فإنها خَضِرة، حُفَّت بالشهوات، وحُسِّنت بالعاجلة، وعُمِّرت بالآمال، وزُينت بالغرور، لا يدوم خيرُها، ولا تؤمن فجائعُها. لا تعدو إذا تاهت أُمنيَّة أهل الرغبة فيها، والرضى عنها، أن تكون كما قال الله :) كماء أنزلناهُ من السماء فاختلطَ به نباتُ الأرضِ فأصبحَ هشيماً تَذروهُ الرياحُ وكان اللهُ على كل شيء مُقتدراً (، مع أنَّ أمرا لم يكن منها في حَبْرة إلا أعقبتْه بعدها عَبْرة، ولم يبق من سَرَّائها بطنا إلا مَنَحتْه من ضرَّائها ظهرا، ولم تَطُلَّه منها دِيمة رخاء إلا هَتنتْ عليه مُزْنة بلاء حري إذا هي أصبحت لك مُتَنضِّرة أن تسمي لك مُتَنكِّرة، مع أن وراء ذلك سكرات الموت وزَفَراته وهول المطَّلَع، والوقوف بين يدي الملك العدل) ليجزيَ الذين أساؤوا بما عَمِلوا ويَجْزِيَ الذينَ أحسنوا بالحسنى (.
وخطب ﵁ فقال: " ألا إنَّ الدنيا قد أدبرت وآذنت بالوداع، والآخرة قد أقبلت وآذنت باطَّلاع. ألا وإن المِضْمار اليوم، والسباق غدا. ألا وإنَّ السَّبقة الجنة، والغاية النار. ألا وأنكم في مَهَل من ورائه أجل، تحته عجل. فمن عمل في أيام مَهَله قبل حضور
следующие страницы →