← Ансаб

Ансаб · id 26484

الجوهرة في نسب النبي وأصحابه العشرة

محمد البري

Полный текст (811 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

طالب يقول: ما كنت لأقيم حدَّا على أحد فيموت، فأجد في نفسي إلا صاحب الخمر. فإنه لو مات ودَيتُه وذلك أن رسول الله ﷺ لم يَسُنَّه. وروى مّعمر عن ابن طاووس عن أبيه، عن المطَّلب بن عبد الله بن حنطب قال: قال رسول الله ﷺ لوفد ثقيف حين جاؤوه: " لتُسلِمُنَّ أو لأبعثَنَّ رجلا مني "، أو كما قال: " مثل نفسي فليضربَنَّ أعناقكم أو ليَسْبيَنَّ ذَراريَّكم، وليأخذَنَّ أموالكم ". قال عمر: فوالله ما تمنَّيت الإمارة إلا يومئذ، وجعلت أنصب صدري له رجاء أن يقول: هو هذا. قال فالتفت إلى علي، فأخذه بيده ثم قال: " هو هذا، هو هذا ". وروى عمار الدُّهنيُّ عن أبي الزبير، عن جابر قال: ما كنَّا نعرف المنافقين إلا ببغض علي بن أبي طالب. وعن يزيد بن أبي زياد، عن إسحاق بن كعب ابن عُجْرَة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : " عليٌّ مخْشَوْشِنٌ في ذات الله ". وعن حُذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : " إنْ ولَّوا عليا فهاديا مهديّا ". وسأل رجل الحسن بن أبي حسن البصريِّ عن علي بن أبي طالب فقال: كان عليٌّ والله سهما صائبا من مرامي الله على عدوِّه، وربَّانيَّ هذه الأمة، وذا فضلها وذا سابقتِها، وذا قرابتها من رسول الله، لم يكن بالنَّؤومة عن أمر الله، ولا بالملومة في دين الله ولا بالسَّروقة لمال الله، وأعطى القرآن عزائمه، ففاز منه برياض مونقة ذلك عليُّ بن أبي طالب يا لُكع. وكان معاوية ﵀ يكتب فيما ينزل به ليسأل عليَّ بن أبي طالب عن ذلك. فلما بلغه قتله قال: ذهب الفقه والعلم بموت ابن أبي طالب. فقال له عُتبة أخوه: لا يسمع هذا منك أهل الشام. قال: دعني عنك. وروى معْمر بن وهب بن عبد الله بن أبي الطُّفيل قال: شهدت عليا يخطب، وهو يقول: سلوني، فوالله لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم. وسلوني عن كتاب الله فوالله ما من آية إلا وأنا أعلم أبليل نزلت أم بنهار أم في سهل أم في جبل. وخطب يوما بالكوفة فقال: سلوني قبل أن تفقدوني، فإنَّ بين جنبيَّ علما

стр. 702

جما. فقام إليه عبد الله بن الكوَّاء فقال: يا أمير المؤمنين، ما) الذَارياتِ ذَرْواً والحاملاتِ وقْراً والجارياتِ يُسراً فالمقسِّمات أمراً (فقال: ويحك سَل تَفَقُّها ولا تسل تعنُّتا؛ الذاريات ذَرْواً: الرياح. والحاملات وقْراً: السحاب. والجاريات يُسراً: السفن. والمقسِّمات أمراً: الملائكة. وقام إليه ابن الكوَّاء يوما آخر، وهو يخطب فقال: ما السواد الذي في القمر؟ فقال له: قاتلك الله، سَل تفققُها ولا تَسل تعنُّتا، ألا سألت عن شيء ينفعك في أمر دنياك وآخرتك؟ ثم قال: مَحْوُ الليل. ودخل ضرار بن ضّمْرة الصُّدائيُّ، وكان من أصحاب ألوية عليٍّ بصفين على معاوية بعد وفاة علي: فقال له: يا ضِرار صف لي عليا فقال: اعفني يا أمير المؤمنين قال: لتَصفنَّه. قال: أما إذا لا بدَّ من وصفه فكان والله بعيد المدى، شديد القُوى، يقول فصلا، ويحكم عدلا، يتفجَّر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدُّنيا وزهرتها، ويستأنس بالليل ووحشته. وكان غزير العَبرة، طويل الفكرة، يقلِّب كفَّه، ويخاطب نفسه، يُعجبه من اللِّباس ما قَصُر، ومن الطعام ما خشُن. وكان فينا كأحدِنا؛ يُجيبُنا إذا سألناه، ويُنبئنا إذا استنبأناه ونحن والله مع تقريبه إيانا، وقربه منا لا نكاد نكلمه لهيبته، ولا نبتديه لعظمته، يُعظِّم فينا أهل الدين، ويُقرِّب المساكين. لا يطمع القويُّ في باطله، ولا ييأس الضَّعيف من عدله. وأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه، وقد أرخى الليل سدوله، وغارت نجومه، قابضا على لحيته يَتَململُ تَمَلمُلَ السليم، ويبكي بُكاء الحزين، ويقول: يا دُنيا غُرِّي غيري إليَّ تعرَّضت أم إليَّ تشوَّفتِ. هيهات بتتك ثلاثا لا رجعة فيها؛ فعمرك قصير، وخطرك قليل حقير: آه من قلَّة الزاد وبعد السَّفر، ووحشة الطريق. فبكى معاوية وقال: رحم الله أبا الحسن، كان والله كذلك، فكيف حزنك عليه يا ضِرار؟ قال: حُزن من ذُبح واحدُها،.... فهي ... لا تَرقى لها دمعة، ولا تنقضي لها حسرة.

стр. 703

قال المبرِّد: وحدَّث ابن عائشة في إسناد ذكره أن عليا ﵀ انتهى إليه أن خيلا لمعاوية وردت الآبار فقتلت عاملا له يُقال له حسان بن حسان. فخرج مُغضبا يجرُّ ثوبه حتى أتى النُخيلة، واتَّبعه الناس، فرقيَ رباوة من الأرض، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على محمد نبيَّه ﷺ ثم قال: أما بعد فإن الجهاد باب من أبواب الجنة، فمن تركه رغبة عنه ألبسه الله الذُّلَّ، وسِيما الخسف، ودُيِّث بالصغار. وقد دعوتكم إلى حرب هؤلاء القوم ليلا ونهارا، وسرّا وإعلانا. وقلت لكم: اغزوهم من قبل أن يغزوكم. فوالذي نفسي بيده ما غُزي قوم قطُّ في عُقر دارهم إلا ذَلُّوا. فتخاذلتم وتواكلتم، وثَقُل عليكم قولي، واتَّخذتموه وراءكم ظهريّا حتى شُنَّت عليكم الغارات. هذا أخو غامد، قد وردت خيله الأنبار، وقتلوا حسان بن حسان، ورجالا كثيرا منهم ونساء. والذي نفسي بيده لقد بلغني أنه كان يدخل على المرأة لمسلمة والمُعاهدة فتُنزَع أحجالُهما ورُعثُهما، ثم انصرفوا موفورين، ولم يُكلَم أحد منهم كَلما فلو أنَّ أمرأ مسلما مات من دون هذا أسفا ما كان فيه عندي ملوما. بل كان به جديرا. يا عجبا كلَّ العجب من تضافر هؤلاء القوم على باطلهم، وفشلِكم عن حقِّكم. إذا قلت لكم: اغزوهم في الشتاء. قلتم: هذا أوان قُرٍّ وصِرٍّ. وإن قلت لكم: اغزوهم في الصيف قلتم: هذه حمارة القيظ، أنظِرنا ينصرم الحرُّ عنا. فإذا كنتم من الحرِّ والبرد تفرُّون فأنتم والله من السيف أفرُّ. يا أشباه الرجال ولا رجال، ويا " طغام الأحلام "، ويا عقول ربّات الحجال. والله لقد أفسدتم

стр. 704

عليَّ رأيي بالعصيان ولقد ملأتم جوفي غيظا، حتى قالت قريش: ابن أبي طالب شجاع ولكن لا رأي له في الحرب. لله درُّهم! ومّن ذا يكون أعلم بها مني، وأسدّض لها مِراسا! فوالله لقد نهضت فيها، وما بلغت العشرين. ولقد نيَّفت اليوم على الستين. ولكن لا رأي لمن لا يُطاع ". يقولها ثلاثا. فقام اليه رجل. ومعه أخوه فقال: يا أمير المؤمنين أنا وأخي هذا كما قال الله:) ربِّ إني لا أملِكُ إلا نفسي وأخي (، فمرنا بأمرك. فوالله لننتَهيَّن إليه. ولو حال بيننا وبينه جَمرُ الغضا وشوك القتاد. فدعا لهما بخير. ثم قال: وأين تقعان ممّ أريد؟ ثم نزل. قوله: دُيِّثَ بالصِّغار؛ تأويله ذُلِّل. يقال: بعير مُديِّث أي مذلَّل. وقوله: في عقر دارهم؛ العُقر: الأصل. وقوله: شُنَّتْ عليكم الغارات؛ معناها صُبَّت. يقال: شننت الماء على رأسه أي صببته. وقوله: هذا أخو غامد؛ هو رجل مشهور من أصحاب معاوية من بني نصر بن غامد بن نصر بن الأزدِ بن الغَوث. وفي هذه القبيلة يقول القائل: ألا هل أتاها على نَأْيها ... بما فَضَحتْ قومَها غامِدُ تَمنَّيتُمُ مئتي فارسٍ ... فردَّكمُ فارسٌ واحدُ والأحجال: الخلاخيل، واحدها، حجل. ويقال للصَّيد: حِجْل، لأنه يقع في ذلك الموضع. وقوله: ورُعُثُهما: الواحدة رَعْثَة، وجمعها رعاث وجمع الجمع رُعُث؛ وهي الشُّنوف. قال المؤلف: غفر الله له: ابن عائشة الراوي لهذا الخبر هو عبد الله بن محمد

стр. 705

ابن حفص التَّيميُّ؛ تيم قريش. ويكنى أبا عبد الرحمن. ويقال لأبيه أيضا: ابن عائشة. وتوفي بالبصرة سنة ثمان وعشرين ومئتين. والرجل الغامديُّ الذي لم يُسمَّ اسمه " سفيان بن عوف " وكان من أصحاب الطوائف لمعاوية. وقال المبرد في غامد: هو غامد بن نصر بن الأزد بن الغَوث. وقال القاضي أبو القاسم صاعد بن محمد بن صاعد الطُّليطليُّ، ﵀، في " مختصر النسب " له: غامد بن عبد الله بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن نصر بن الأزد. ورُوي أن عليا، ﵁، خطب الناس، فحمد الله. وأثنى عليه، وصلى على النبي محمد ﷺ ، ثم قال: " أما بعد، فإني أحذِّرُكم الدنيا، فإنها خَضِرة، حُفَّت بالشهوات، وحُسِّنت بالعاجلة، وعُمِّرت بالآمال، وزُينت بالغرور، لا يدوم خيرُها، ولا تؤمن فجائعُها. لا تعدو إذا تاهت أُمنيَّة أهل الرغبة فيها، والرضى عنها، أن تكون كما قال الله :) كماء أنزلناهُ من السماء فاختلطَ به نباتُ الأرضِ فأصبحَ هشيماً تَذروهُ الرياحُ وكان اللهُ على كل شيء مُقتدراً (، مع أنَّ أمرا لم يكن منها في حَبْرة إلا أعقبتْه بعدها عَبْرة، ولم يبق من سَرَّائها بطنا إلا مَنَحتْه من ضرَّائها ظهرا، ولم تَطُلَّه منها دِيمة رخاء إلا هَتنتْ عليه مُزْنة بلاء حري إذا هي أصبحت لك مُتَنضِّرة أن تسمي لك مُتَنكِّرة، مع أن وراء ذلك سكرات الموت وزَفَراته وهول المطَّلَع، والوقوف بين يدي الملك العدل) ليجزيَ الذين أساؤوا بما عَمِلوا ويَجْزِيَ الذينَ أحسنوا بالحسنى (. وخطب ﵁ فقال: " ألا إنَّ الدنيا قد أدبرت وآذنت بالوداع، والآخرة قد أقبلت وآذنت باطَّلاع. ألا وإن المِضْمار اليوم، والسباق غدا. ألا وإنَّ السَّبقة الجنة، والغاية النار. ألا وأنكم في مَهَل من ورائه أجل، تحته عجل. فمن عمل في أيام مَهَله قبل حضور

стр. 706

أجله نفعه عمله ولم يضره أمله ومن لم يعمل في أيام مَهَله قبل حضور أجله ضَرَّه أمله وساءه عمله ". وخطب ﵁ يوما فقال: " أيها الناس، اتقوا الله الذي إن قلتم سَمع، وإن أضمرتم علَم. وبادِروا الموت الذي إن هربتم أدرككم، وإن أقَمتُم أخذكم ". وخطب ﵁، فقال: " إن التَّققوى يوم القيامة مطايا ذُلُل ركبها أهلها، وأعطَوها أزِمَّتها. فسارت حتى أتت ظلاً ظليلا، فنزلوا، فتحدَّثوا، ففُتح لهم أبواب الجنة، ففاح عليهم زهرتُها ونَعيمُها. وقيل: ادخُلوها بسلام آمنين. ألا وإنَّ الخطايا خَيلٌ شُمُس، حُمل عليها أهلُها، ونُزع لُجُمها، فحمحمت بهم، حتى ألقتهم في النار ". وخطب، ﵁، فقال: " ألا وإن الأمل يُسَهِّي العقل، ويُورث الحسرة. ألا فاعزِفوا عن الأمل كأشدِّ ما أنتم عن شيء عازِفون ... غرر، وصاحبه مُعنَّى مغرور. فافزعوا إلى قوام دينكم بالجدِّ في أموركم، فإني لم أر كالجنة نام طالبُها، ولا كالنار نام هاربُها. فتزَوَّدوا في الدنيا ما تَحوزون به أنفسَكم في الآخرة، واعملوا خيرا تُجزوا به خيرا يوم يفوز بالخير مَن يقدِّمُه ". وكتب ﵁ إلى عثمان بن حُنيف الأنصاريِّ الأوسيِّ حين استعمله على البصرة: " أما بعد، فقد بلغني أنَّ بعض قُطَّان البصرة دعاك إلى مأدُبة، فأسرعت. وكرَّت عليكم الجفان، فكرعت، فأكلت أكل يتيم نهم، أو ضبع قرِم. وما خلتك تأكل طعام قوم عائلهم مجفوٌّ، وغنيُّهم مدعوٌّ. واعلموا أن إمامكم قد اكتفى بطِمرته، يسدُّ فورة جوعه بقُرصته، ولا يُطعم الفلذة إلا في سنة

стр. 707

أُضحيَّته. ولن تقدروا على ذلك، فأعينوني بورع واجتهاد. فمتاع الدنيا صائر إلى نفاد والله ما ادَّخرت من دنياكم تبرا، ولا أخذت من أقطارها شبرا. وإن قوتي فيها لبعض قوت أتان دبرة، ولهي عندي أهون من عصفة مَقِرة) تلك الدارُ الآخرةُ نجعلُها للذين لا يُريدون عُلوّاً في الأرضِ ولا فساداً والعاقِبةُ للمُتَّقين (. ولو شئت لأهديت إلى هذا العَسل المصفَّى ولُباب البُرِّ المُربَّى حين يُنضجه وَقودُه. هيهات أن يَغُرَّني معقودُه. ولعلَّ يتيما في المدينة يتضوَّر من سغَبه، أأبيت مِبطانا، وحولي بطون غَرثى؟ إذا يَخصُمُني في القيمة دَهْم من ذكر وأُنثى، وكأن بِقائلكم يقول: إذا كان هذا قوت أمير المؤمنين فقد قَعد به العجز عن مبارزة الشجعان ومنازعة الأقران، ألم تسمعوا الله يقول:) فما وهَنُوا لِما أصابهم في سبيل الله وما ضَعُفوا وما استكانُوا واللهُ يحبُّ الصابرين (. والله ما اقتلعت باب خيبر بقوة جسدانيَّة ولا بحركة غذائية، لكنِّي أُيِّدت بقوة ملكوتيَّة. وأنا من أحمد كالضوء من الضَّوء. والله لو تظاهرت العرب على قتالي ما باليت، ولو أمكنتي من رقابها ما بغيت:) وسيعلمُ الذينَ ظلموا أيَّ مُنْقلب يَنقلبونَ (. إليك عني يا دنيا، حَبْلُكِ على غارِبكِ، بَثَثْتِ ليَ الحِبالةَ، فانسَللتُ من مخالبِك، ورأيتُ آثار مكائدِك، فاجْتَنبت العبور في مراحِضِك. أين القُرون التي أفنيْتَها بزَخارِفِك، وفي حبائلك أوقعتِها ومتالفِك. والله لو كنت شخصا مَرْئيا أو طَالا حِسِّيا لأقمت عليكِ حدود الله في عباد أسلمْتِهمْ إلى التلف، وأوردْتِهِم مَوارِد الهلكة والأسف هَيْهات هَيهات. مَن وَطِيء رَحضَكِ زلِق، ومَن شرب مِن مائك شرِق. والسالم منك قليل، وعزيزُك وإن عظُم حقير ذليل.

стр. 708

فاغْربي عنِّي، فوالله لا ألينُ لكِ فتَخْدَعيني، ولا أنقادُ لكِ فتَذُلِّيني. أتَغرّيني بأنْ أنام على القَباطِّي من اليَمن، وأتمرَّغ في مَفْروش مِن منقوش الأرمِنِ، وأغذو نفْساً حُلوَها ومُزَّها لِتسمَّن، إذَنْ أكونَ كإبلٍ ترْعى وتَبْعَرُ. والله لأُرُوضَنَّ، نفسي رياضة تهشُّ إلى قُوتها إذا عنه نفرت، وتقنع بمِلحها مأدوما إذا هي أفطرت، لعلَّها تنال نعيما، وملكا كبيرا جسيما والسلم ". وعن أبي حمزة الثُماليِّ، عن عبد الرحمن بن جُندَب، عن كُميل بن زياد النَّخعيِّ قال: أخذ عليُّ بن أبي طالب بيدي، فأخرجني إلى ناحية الجبَّان، فلما أصحَر تنفَّس الصُّعداء ثم قال: " يا كُميل، إن هذه القلوب أوعية فخيرها أوعاها. يا كُميل احفظ عني ما أقول: الناس ثلاثة؛ عالم ربَّاني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رَعاع، لكلِّ ناعق أتباع يميلون مع كلِّ ريح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى رُكن وثيق. يا كُميل، العلم خير من المال. العلم يحرُسُك، وأنت تحرس المال. والمال تنقصه النَّفقة، والعلم يزكو على الإنفاق. يا كميل محبة العلم دين يُدان به يكسبه الطاعة في حياته وجميل الأُحدوثة بعد وفاته، ومنفعة المال تزول بزواله. والعلم حاكم والمال محكوم عليه. ياكُميل، مات خُزَّان المال والعلماء باقون ما بقي الدهر. أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة. ثم قال: ها إنَّ هاهُنا علما " وأشار إلى صدره " لو أصبت لها حملة، بلى أصبته لَقِنا غير مأمون. يستعمل آلة الدِّين في طلب الدُّنيا، ويَستظهر بحُجج الله على أوليائه، وبنِعَم الله على معاصيه، أو مُنقادا لِحمَلَة العلم، لا بصيرة له في أنحائه. يقدح الشك في قلبه بأول ناعق من شُبهة، ألا لا ذا ولا ذاك. فمن هو منهوم باللذات، سَلِس القيادة إلى الشهوات، ومغرم بالجمع والادِّخار. وليس من دعاة الدين أقرب شبها به الأنعام، كذلك يموت العلم بموت حامليه ". ثم قال: " اللهمَّ لا تخلو الأرض من قائم بحجَّة إمَّا ظاهرا مستورا، وإمَّا خافيا مغمورا، لئلا تَبطُل حجج الله وميثاقه. وكم وأين أولئك الأقلَّون عددا،

стр. 709

والأعظمون قدرا، بهم يحفظ الله حججه التي يودعها في أشباههم، هجم بهم العلم على حقائق الأمور، فباشروا روح اليقين، واستلانوا ما استوعر المترَفون، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون، صحبوا الدنيا بأبدان، أرواحها معلَّقة بالمحلِّ الأعلى. يا كميل، أولئك خلفاء الله في أرضه، والدُّعاة إلى دينه. هاه هاه شوقا إليهم وإلى رؤيتهم، وأستغفر الله لنا ولهم ". وعن شَريك بن عبد الله بن أبي نَمِر، عن سعيد بن المسيَّب، عن علي بن أبي طالب، ﵁، قال: " إنَّ من حقِّ العالِم أن لا تُكثر عليه السؤال، ولا تُعَنِّته في الجواب، ولا تلحّض عليه إذا كَسَل، ولا تأخذ بثوبه إذا نهض، ولا تُشير إليه بيدك، ولا تُفشي له سِرّا، ولا تَغتابَنَّ عنده أحدا، ولا تَطلُبَنَّ عَثرتَه، فإن زلَّ انتظرتَ أوبَتَه، وقبلتَ معذِرته، وأن تُوقِّره، وتُعظِّمه لله، ولا تمشي أمامه، وإن كانت له حاجة سَبَقْتَ القوم إلى خدمته. ولا تَتَبَرَّمنَّ من طول صُحبته. فإنما هو بمنزلة النَّخلَة، تنتظر ما سقط عليك منها منفعة. وإذا جئت فسلِّم على القوم، وخصه بالتحية، واحفظه شاهدا وغائبا. وليكن ذلك كله لله، فإن العالِم أعظم أجرا من الصائم القائم المجاهد في سبيل الله تعالى. وإذا مات العالِم انثلمت في الإسلام ثلمة إلى يوم القيامة، لا يسدُّها إلا خَلَفٌ مثله. وطالب العلم تُشيِّعه الملائكة من السماء ". وقال ﵁: " رحِم الله عبدا سمِع فوَعَى، ودُعي إلى الرشد فدنا، وأخذ بحُجزة هُدى فنجا، وراقب ربَّه، وخاف ذنبه، وقدَّم خالصا، وعمل صالحا، واكتسب مذخورا، واجتنب محضورا، وكابر هواه، وكذب مُناه، وحذِر أجلا، ودأب عَمَلا. وجعل الصبر رغبة حياته، والتُّقى جنَّة وفاته ". وقال لرجال من أصحابه: " كيف أنتم؟ قالوا: نرجو ونخاف. قال علي: من رجا شيئا طلبه، ومن خاف شيئا هرب منه. وما أدري ما خوف رجل عرضت له شهوة فلم يتركها لما يخاف، وما أدرى ما رجلٍ نزل به بلاء فلم يصبر عليه لما يرجو ".

стр. 710

وقال، ﵁: " يأتي على الناس زمان لا يقرِّب فيه، إلا الملاح، ولا يظرف فيه إلا الفاجر، ولا يضعَّف فيه إلا المنصف. يتَّخذون الفيء مغنما، والصدقة مغرما، وصلة الرَّحم منًّا والعباد استطالة على الناس. فعند ذلك يكون سلطان النساء، ومشاورة الإماء، وإمارة الصبيان ". وقال له، ﵁ قائل: " أين كان ربُّك قبل أن يخلق السماء والأرض؟ قال: يا أعرابيُّ، أين سؤال عن مكان، وكان الله ولا مكان ". وقال: " سيأتي على الناس زمان لا يبقى من الإسلام إلا اسمه، ولا من القرآن إلا رسمه. مساجدهم يومئذ عامرة، وهي خرائب من الهدى علما، وهم شرُّ من تحت أديم السماء منهم خرجت الفتنة، وفيهم تعود ". وقال، ﵁: " لا يزال الدين والدنيا قائمان ما دام العلماء يستعملون ما علموا، والجهّالُ يستكثرون ما لم يعلموا، والأغنياء لا يبخلون بما خُوِّلوا، والفقراء لا يبيعون آخرتهم بدنياهم ". وقال، ﵁: " قطيعة العاقل تعدل صلة الجاهل ". وقال: " من سعادة المرء خمس أشياء: أن تكون زوجته موافقه، وأولاده، أبرارا، وإخوانه أتقياء، وجيرانه صالحين، ورزقه في بلده ". ويروى أن عليا، ﵁، لما رجع من صفِّين، فدخل أوائل الكوفة، إذا هو بقبر. قال: " قبر من هذا؟ " قالوا: " قبر خبَّاب بن الأرتِّ. فوقف عليه وقال: " رحم الله خبابا، أسلم راغبا، وهاجر طائعا، وعاش مجاهدا،

стр. 711

وأبتلي في جسمه أحوالا. ولم يضيع الله أجر من أحسن عملا ". ثم مضى فإذا أقبر، فجاء حتى وقف عليها، فقال: " السلام عليكم أهل الدِّيار الموحشة، والمحالِّ المقفرة. أنتم لنا سلف، ونحن لكم تبع، وبكم عمَّا قليل لاحقون. اللهمَّ اغفر لنا ولهم، وتجاوز عنا وعنهم طوبي لمن ذكر المعاد، وعمل للحساب، وقنع بالكفاف، ورضي عن الله تعالى ". ثم قال: " يا أهل القبور، أما الأزواج فقد نكحت، وأما الدار فقد سكنت، وأما الأموال فقد قسمت. فهذا خبر ما عندنا فما خبر ما عندكم؟ ". ثم التفتَّ إلى أصحابه فقال: " أما انهم، تكلموا لقالوا: وجدنا خير الزاد التَّقوى ". وقال الزبير بن بكار: أوصى عليٌّ ﵁، أبنه الحسن فقال: " يا بُنيَّ أوصيك بتقوى الله تعالى في الغيب والشهادة وكلمه الحق في الرِّضى والغضب، والقصد في الغني والفقر والعدل على الصديق والعدوِّ، والعمل في النشاط والكسل، والرضى عن الله في شدَّة والرَّخاء. يا بنيَّ مباشر بعدة الجنة بشرٍّ، ولا خير بعده النار بخير. وكلُّ نعيم دون الجنة حقير. وكلُّ بلاء دون الله عافية. اعلم يا بُنيَّ إنَّ من ابصر عيب نفسه شُغل عن عيب غيره. ومن رضي بقسم الله تعالى لم يحزن على ما فاته. ومن سلَّ سيف بغي قُتل به. ومن حفر لأخيه بئرا وقع فيها. ومن هتك حجاب أخيه انكشفت عورات بيته. ومن نسي خطيئته استعظم خطيئة غيره. ومن أعجب برأيه ضلَّ. ومن استغنى بعقله زلَّ. ومن تكبَّر على الناس ذلُّ. ومن خالط الأنذال احتقر. ومن دخل مداخل السوء أتهمُّ. ومن جالس العلماء وقِّر. ومن مزح استخفَّ به. ومن أكثر شيئا عرف به. ومن كثر كلامه كثر خطؤه، وقل حياؤه ومن قلَّ حياؤه قلَّ ورعه ومن قلَّ ورعه مات قلبه. ومن مات قلبه دخل النار. يا بُنيَّ العافية عشرة أجزاء؛ تسع منها في الصَّمت، إلا عن ذكر الله ، وواحدة في ترك مجالسة السُّفهاء. يا بُنيَّ زينة الفقر الصَّبر، وزينة الغنى الشكر. يا بُنيَّ لا شرف أعلى من الإسلام، ولا كرم اعزُّ من التقوى، ولا أنجح من التَّوبة. ولا لباس أجمل من العافية. والحرص مفتاح المقت، ومطيَّة للنَّصب. التدبُّر قبل

стр. 712

العمل يؤمنك الندم. بئس الزاد للمعاد العدوان على العباد. طوبي لمن أخلص لله علمه وحبَّه وبغضه وأخذه وتركه وكلامه وصمته وقوله وفعله ". وعن عبد الملك بن هارون بن عنترة، عن أبيه، عن جده قال: أتى رجل عليَّ بن أبي طالب ﵁، فقال: أخبرني عن القدر. قال: " طريق مظلم فلا تسلكه ". قال: أخبرني عن القدر. قال: " بحر عميق فلا تلجه ". قال: أخبرني عن القدر. قال: " سر الله فلا تكَلَّفْهُ ". قال: ثمَّ ولَّى الرجل غير بعيد ثم رجع، فقال لعلي: في المشيئة الأولى أقوام وأقعد وأقبظ وأبسط. فقال له عليٌّ ﵁: " إني سائلك عن ثلاث خصال، ولم يجعل الله لك ولا لمن ذكر المشيئة مخرجا أخبرني: أخلفك الله لما شاء أو لما شئت؟ " قال: بل لما شاء. قال: " أخبرني أفتجيء يوم القيامة كما شاء أو كما شئت؟ ". قال: بل كما شاء. قال: " فليس لك من المشيئة شيء ". وكان عليٌّ ﵁، يسير في الفيء، بسير أبي بكر الصديق في القسم. وإذا ورد عليه مال لم يبق منه شيئا إلا قسمَّه في يومه ذلك. ويقول: " يا دنيا عُرِّى غيري ". ولم يكنت يستأثر بشيء من الفيء، ولا يخصُّ به حميما ولا قريبا. ولا يخصُّ بالولايات أهل الدِّيانات والأمانات. وإذا بلغه هن أحدهم جناية كتب إليه: " قد جاءتكم موعظة من ربكم، فأوفوا الكيل والميزان بالقسط، ولا تبخسوا الناس أشياءهم، ولا تعثوا في الأرض مفسدين، بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين. وما أنا عليكم بحفيظ. إذا أتاك كتابي هذا فتحفظ بما في بين يديك من عملنا حتى نبعث إليك من يتسلمه منك ". ثم يرفع طرفه إلى السماء فيقول " اللهمَّ إنك تعلم إني لم أمرهم بظلم خلقك ولا بترك حقك ". وعن الأجلح بن عبد الله الكندي، عن أبي المغيرة بن أبي الهذيل. قال: رأيت عليا خرج وعليه قميص غليظ رازي، إذا مدَّكم قميصه بلغ إلى الظفر، وإذا أرسل صار إلى نصف الساعد. وحدَّث الحرَّ بن جرْموز عن أبيه قال: رأيت عليا ابن أبي طالب يخرج من

стр. 713

مسجد الكوفة وعليه قطريتان، مجزر بالواحدة، مرتد بالأخرى، وإزاره إلى نصف الساق وهو يطوف في الأسواق، ومعه درَّة، يأمرهم بتقوى الله الحديث، وحسن البيع، والوفاء بالكيل والميزان. وعن مجمع التميمي أبي حمزة أن عليا قسم ما في بيت المال بين المسلمين، ثم أمر به. فكنس، ثم صلَّى فيه رجاء أن يشهد له يوم القيامة. وحدَّث سفيانُ بن عُيينةَ قال: نا عاصم بن كليب عن أبيه قال: قدم عليٍّ مال من أصبهان، فقسمه سبعة أسباع، ووجد فيه رغيفا فقسمه سبع كسر، وجعل على كل جزء كسرة. ثم أقرع بينهم أيهم يعطى أولا. وذكر عبد الرزاق عن الثَّوري عن أبي حيَّا التيميِّ قال: رأيت عليَّ بن أبي طالب على المنبر يقول: " من يشتري مني سيفي هذا؟ فلو كان عندي ثمن إزار ما بعته ". فقام إليه رجل فقال: أنا أسلِّفُك ثمن إزار. وروى وكيع بن عليِّ بن صالح، عن عطاء قال: رأيت على قميص عليَّ قميص كرابيس غير غسيل. وقال أبو نيزر: جاء عليٌّ، وأنا أقوم بضيعة عين نيزر والبغيبة فقال لي: " هل عندك من طعام؟. فقلت: طعام لا أرضاه لأمير المؤمنين؛ من قرع الضيعة بهالة نسخة. فقال: " عليٍّ به ". فقام إلى الربيع، وهو جدول، فغسل يده، ثم أصاب من ذلك شيئا، ثم رجع إلى الربيع فغسل يده بالرمل حتى أنقهما، ثم ضمَّ " يديه " كل واحدة منها إلى أختها،

стр. 714

وشرب بها حسا من الربيع ثم قال: " يأبا نيزر إنَّ الأكفَّ أنظف الآنية ". ثم مسح ندى ذلك الماء على بطنه، وقال: " من أدخل بطنهُ النار فأبعده ". ثم أخذ المعول وأنحدر في العين فجعل يضرب، وأبطأ عليه الماء، وقد تفضَّج جبينه عرقا. فانتكف العرق على جبينه، ثم أخذ المعول وعاد إلى العين، فأقبل يضرب، فيها وجعل يهمهم، فانثالت كأنَّها عنق جزور، فخرج مسرعا. فقال: " أشهد الله " أنها صدقة. عليَّ بداوات وصحيفة ". قال: فجعلتُ بهما، فكتب: " بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما تصدَّق بالضَّيعتين المعروفتين بعين أبي نَيزَر والبُغَيبَغَة على فقراء أهل المدينة وابن السبيل، ليقي الله بهما وجهه حرَّ النار يوم القيامة، لا تُباعا ولا تُوهبا حتى يرثها الله، وهو خير الوارثين، إلا أن يحتاج إليهما الحسن والحسين، فهما طِلْق لهما، وليس لأحد غيرهم ". قال: فركب الحسين دينٌ، فحمل إليه معاوية بعين أبي نَيْزَر مئتي ألف دينار، فبى أن يبيع. وقال: إنَّما تصدَّق بها أبي ليَقِيَ الله به وجهه حرَّ النار. ولست بائعهما بشيء. كان أبو نَيزَر من أبناء ملوك الأعاجم. وقيل أنه من ولد النَّجاشيُّ، وهو الصحيح. فرغب في الإسلام صغيرا. فأتى رسول الله ﷺ ، وكان معه في بيوته. فلما توفي رسول الله ﷺ صار مع فاطمة وولدها ﵈.

стр. 715

وأخباره ﵁ في تقشُّفه في لباسه، وفي طعمه، أشهرها من هذا كلِّه، ولا يحيط بِسِيَرِهِ وفضائله كتاب وحدَّث حفص بن غياث: نا الثَّوريُّ، عن أبي قيس الأوديِّ قال: أدركتُ الناس وهم ثلاث طبقات: أهل دين يحبون عليا، وأهل دنيا يحبون معاوية، وخوارج. وقال أحمد بن حنبل وإسماعيل بن إسحاق القاضي: لم يُروَ في فضائل أحد من الصحابة بالأسانيد ما روي في فضائل علي بن أبي طالب. وكذلك قال أحمد بن شُعيب بن علي أبو عبد الرحمن النسَّائي ﵀. وقال هارون بن إسحاق: سمعت يحيى بن معين يقول: مَن قال: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وعرف لعلي سابقته وفضله، فهو صاحب سُنَّة. ومن قال أبو بكر وعمر وعلي وعثمان، وعرف لعثمان سابقته وفضله فهو صاحب سُنَّة. وكان يحيى بن معين يقول: أبو بكر وعمر وعلي وعثمان. ووقف جماعة من أئمة أهل السُنَّة في علي وعثمان، فلم يُفضِّلوا واحدا منهما على صاحبه، منهم: مالك بن أنس، ويحيى بن سعيد القطَّان. وأكثر أهل السُنَّة على تقديم أبي بكر في الفضل على عمر، وتقديم عمر على عثمان، وتقديم عثمان على علي. وقد كان بنو أمية ينالون منه وينتقصونه، فما زاده الله بذلك إلا سموَّا وعلوَّا ومحبة عند العلماء. وذكر الطبري قال: نا عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه قال: قيل لسهل بن سعد إنَّ أمير المدينة يريد

стр. 716

أن يبعث إليك تَسبُّ عليا عند المنبر. قال: أقول ماذا؟ قال: تقول: أبا تراب. فقال: والله ما سمَّاه ذلك إلا رسول الله ﷺ . قال: قلت: وكيف ذلك يا أبا العباس؟ قال: دخل عليٌّ على فاطمة، ثم خرج من عندها، فاضطجع في صحن المسجد، فدخل رسول الله ﷺ على فاطمة. فقال: أين ابن عمِّك؟ قالت: هو ذاك مضطجعا في المسجد. قال: فجاء رسول الله ﷺ ، فوجده قد سقط رداؤه عن ظهره، وخلص التراب إلى ظهره فجعل يمسح التراب عن ظهره، ويقول: اجلس أبا تراب، فوالله ما سماه به إلا رسول الله ﷺ ، ما كان اسم أحبَّ إليه منه. وروى ابن وهب عن حفص بن ميسرة عن عامر بن عبيد الله بن الزبير أنه سمع ابنا له يتنقَّصُ عليا، فقال: يا بني إياك والعودة إلى ذلك، فإن بنو مروان شتموه ستين سنة، فلم يزده الله بذلك إلا رفعة، وإن الديِّنَ لم يبن شيئا، فهدمته الدنيا. وإن الدُّنيا لم تبن شيئا إلا عادت إلى ما بنت فهدمته. وحدَّث محمد بن إسحاق السرَّاج: نا محمد بن أحمد بن أبي خلف قال: حدثني حُصَين بن عمر عن مُخارق، وعن طارق قال: جاء ناس إلى ابن عباس فقالوا: جئناك نسألك. فقال: سلوا عمَّا شئتم. فقالوا: أيُّ رجل كان أبو بكر؟ قال: كان خيرا كلَّه، أو قال: كالخير كلِّه على حِدَّة كانت فيه. قالوا: فأيُّ رجل كان عمر؟ قال: كالطير الحذر الذي يظنُّ أن له في كلِّ طرق شَرَكاً. قالوا: فأيُّ رجل كان عثمان؟ قال: رجل ألهته نومته عن يقظته. قالوا: فأيُّ رجل كان علي؟ قال: كان قد مُلئ جوفه حُكما وعلما وبئسا ونجدة مع قرابته من رسول الله ﷺ كان يظنَّ أن لا يمُدّ يده إلى شيء إلا ناله، فما مدَّ إلى شيء فناله. قال ابن السَّرَّاج: وأخبرنا محمد بن الصبَّاح قال: نا عبد العزيز الدَّراورديُّ عن عمر مولى غُفرَة، عن محمد بن كعب، عن عبد الله بن عمر قال: قال عمر لأهل الشورى: لله درُّهم إن ولاَّها الأُصَيلع، يعني عليا وكيف يحملهم على الحق، ولو كان السيف على عنقه. فقلت: أيعلم ذلك ولا يولِّيَهُ؟ قال: إنه قال: إن لم أستخلف وأترككم فقد ترككم من هو خير مني.

стр. 717

وقال الشعبيُّ: قال لي علقمة: تدري ما مَثَلُ علي في هذه الأمة؟ قلت: وما مَثَلُه؟ قال: مثل عيسى ابن مريم، أحبَّه قوم حتى هلكوا في حبِّه، وأبغضه قوم حتى هلكوا في بغضه. وحدَّث شَبابة بن سوَّار: نا أبو بكر الهذليُّ عن الحسن قال: لمَّا قَدِمَ عليٌّ ﵁ بالبصرة قام إليه ابن الكوَّاء وقيس بن عُباد فقالا له: ألا تُخبرنا عن مسيرك هذا الذي سرتَ فيه تتولَّى على هذه الأمة، تضرب بعضهم ببعض، أعهدٌ من رسول الله ﷺ عَهِدَهُ إليك؟ فحدِّثنا فأنت الموثوق المأمون على ما سمعت. فقال: أمَّا أن يكون عندي عهدٌ من النبيِّ ﷺ في ذلك فلا والله. وإن كنت من أول من صدَّقه فلا أكون من أول من كذب عليه. ولو كان عندي من النبي ﷺ في ذلك عهد ما تركت أخا تيم بن مُرَّة وعمر بن الخطاب يقومان على منبره، ولقاتلتهم بيدي، ولو لم أجد إلا بُردي هذا، ولكن رسول الله ﷺ لم يُقتَل قتلا، ولم يَمُت فُجأة. مكث في مرضه أياما وليالي. يأتيه المؤذن فيؤذنه بالصلاة، فيأمر أبا بكر فيصلي بالناس، وهو يرى مكاني، ثم يأتيه المؤذِّن فيؤذِّنه بالصلاة، فيأمر أبا بكر فيصلي بالناس، وهو يرى مكاني، ثم يأتيه المؤذن فيؤذنه بالصلاة، فيأمر أبا بكر فيصلي بالناس، وهو يرى مكاني. ولقد أرادت امرأة من نسائه أن تصرفه عن أبا بكر فأبى عليها وغضب، وقال: أنتنَّ صواحب يوسف، مروا أبا بكر فيصلي بالناس. فلما قبض الله نبيَّه نظرنا في أمورنا، فاخترنا لدنيانا من رضيه النبيُّ ﷺ لديننا. وكانت الصلاة أصل الإسلام، وقِوام الدين. فبايعنا أبا بكر، وكان لذلك أهلا، لم يختلف عليه منّا اثنان. ولم يشهد بعضنا على بعض، ولم نقطع منه البراءة، فأدّيت إلى أبي بكر حقَّه، وعرفتُ له طاعته، وغزوت معه في جنوده. وكنتُ آخذ إذا أعطاني، وأغزو إذا أغزاني، واَرب بين يديه الحدود بسوطي. فلما قُبض، ﵁، ولاّها عمر، فأخذها بسُنَّة صاحبه وما يعرف من أمره. فبايعنا عمر، ولم يختلف عليه منا اثنان، ولم يشهد بعضنا على بعض، ولم

стр. 718

نقطع منه البراءة. فأدَّيت إلى عمر حقَّه، وعرفتُ له طاعته، وغزوتُ معه في جيوشه. فكنت آخذ إذا أعطاني، وأغزو إذا أغزاني، وأضرب بين يديه الحدود بسوطي. فلما قُبض ذكرت في نفسي قرابتي وسابقتي وفضلي، وأنا أظنُّ أن لا يعْدِلَ بي، ولكن خَشِيَ أن لا يعمل الخليفة بعده ذنبا إلا لحقه في قبره، فأخرج نفسه وولده. ولو كانت محاباة منه لآثرها بها ولده، فبرئ منها إلى رهط من قريش، أنا أحدهم. فلما اجتمع الرَّهط تذكَّرتُ في نفسي قرابتي وسالفتي وفضلي، وأنا أظنُّ أن لا يعدِلوا بي. فأخذ عبد الرحمن مواثيقنا على أن نسمع ونطيع من أمرنا، ثم أخذ بيد عثمان، فضرب بيده على يده. فنظرتُ في أمري، فإذا طاعتي قد سبقت بيعتي، وإذا ميثاقي قد أُخِذ لغيري. فبايعنا عثمان، فأدَّيتُ إليه حقَّه، وعرفت له طاعته، وغزوت معه في جيوشه. فكنتُ آخذ إذا أعطاني، وأغزو إذا أغزاني، وأضرب بين يديه الحدود بسوطي. فلما أُصيب نظرت في أموري، فإذا الخليفتان اللذان أخذاها بعهد رسول الله ﷺ إليهما بالصلاة قد مَضَيا، وهذا الذي أُخذ له ميثاقي قد أُصيب. فبايعني أهل الحرمين وأهل هذين المصرين. بيعته وبويع لعلي، ﵁، بالخلافة يوم قُتِل عثمان، ﵀، واجتمع على بيعته المهاجرون والأنصار، وتخلف عن بيعته منهم نفر، فلم يَهجهُم، ولم يُكرِهُهُم. وسئل عنهم، فقال: " أولئك قوم قعدوا عن الحق، ولم يقوموا مع الباطل ". ورواية أخرى: " أولئك قوم خذلوا الحقَّ، ولم يبصروا الباطل ". وتخلف عن بيعته أيضا معاوية ومن معه في جماعة أهل الشام. فكان منهم في صِفِّين بعد الجمل ما قد كان تغمَّد الله جميعهم بالغفران. وقُتل مع عليٍّ في صفين أبو اليقظان عمار بن ياسر بن عامر مالك بن كنانة بن قيس بن الحُصين بن لَوذين ويقال: لوذيم بن ثعلبة بن عَوف بن حارثة بن عامر بن يام بن عنس العنسيُّ المذحجيُّ. وعَنس بالنون أخو مرادٍ،

стр. 719

وأبوهما مالك بن أُدَد، وهو جِماع مَذْحِج. وكان ياسر أبو عمَّار قَدِم مكة من اليمن. فحالف أبا حُذيفة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم. فزوَّجه أبو حُذيفة أمة له يقال لها سُميَّة بنت خياط، فولدت له عمارا، فأعتقه أبو حذيفة. فمن هاهنا هو عمار مولى لبني مخزوم، وأبوه عربي كما ذُكر. وكان عمار وأمُّه سُميَّة وأبوه ياسر ممَّن عُذِّب في الله. ثم أعطاهم عمار ما أرادوا بلسانه. واطمأنَّ بالإيمان قلبه، فنزلت فيه: " إلا مَن أُكره وقلبه مطمئن بالإيمان "، وهذا مما اجتمع عليه أهل التفسير. وكان رسول الله ﷺ يمرُّ بهم، وهم يُعذَّبون، فيقول لهم: " صبرا آل ياسر، صبرا آل ياسر، فإنَّ موعدكم الجنَّة. اللهمَّ اغفر لآل ياسر، وقد فعلتَ ". وأمُّه سميَّة فيما روى سفيان وشُعبة وجرير عن منصور، وعن مجاهد بن جبر، أول شهيد استُشهد في الإسلام. وروى أبو رزين عن عبد الله بن مسعود قال: إنَّ أبا جهل طعن بحربة في فخذ سميَّة، أمَّ عمار عتى بلغت فرجها، فماتت. فقال عمار: يا رسول الله، بلغ منَّا العذاب كلَّ مبلغ. فقال رسول الله ﷺ : " صبرا أبا اليقظان، اللهمَّ لا تُعذِّب من آل ياسر أحدا بالنار ". وقال مجاهد: أول من أظهر الإسلام وأبو بكر وبلال وصهيب وخبَّاب وعمار وسميَّة أمُّ عمار. وهاجر عمار إلى أرض الحبشة، وصلى القبلتين، وهو من المهاجرين الأولين. ثم شهد بدرا والمشاهد كلَّها. وأبلى ببدر بلاء حسنا. ثم شهد اليمامة فأبلى فيها أيضا، ويومئذ قُطعت أذنه. وذكر الواقديُّ: حدَّثنا عبد الله بن نافع عن أبيه، وعن عبد الله بن عمر قال: رأيت عمار بن ياسر يوم اليمامة على صخرة، وقد أشرف يصيح: " يا معشر المسلمين أمِن الجنَّة تفرُّون؟ أنا عمار بن ياسر، هلُمُّوا إلي ". وأنا أنظر إلى أذنه، قد قُطِعت، فهي تذبذب، وهو يقاتل أشدَّ القتال.

стр. 720

وكان، فيما ذكر الواقديُّ، طويلا أشهل، بعيد ما بين المنكبين. وقال إبراهيم بن سعد: بَلَغَنا أن عمار بن ياسر قال: كنتُ تِربا لرسول الله ﷺ في سنَّه، ولم يكن أحد أقرب منه سنا منَّي. وروي عن ابن عباس في قول الله :) أوَمن كان مَيْتاً فأحيَيناهُ وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس (، قال: هو عمار بن ياسر) كمن مَثَلُه في الظلمات ليس بخارج منها (قال: أبو جهل ابن هشام. وقال رسول الله ﷺ : " إنَّ عمارا مُلئ إيمانا إلى مُشاشته " وروى مسروق عن عائشة قالت: ما من أحد من أصحاب محمد أشاء أن أقول فيه إلا قلتُ، إلا عمار بن ياسر، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " عمار بن ياسر حُشِي ما بين أخمص قدميه إلى شحمة أذنه إيمانا ". وعن خالد بن الوليد أن رسول الله ﷺ قال: " من أبغضَ عمارا أبغضه الله ". قال خالد: فما زلت أحبُّه من يومئذ. وعن علي بن أبي طالب قال: " جاء عمار يستأذن على النبي ﷺ يوما، فعرف صوته النبيُّ: فقال " مرحبا بالطيِّب المطيَّب، ائذنوا له ". وقال عبد الرحمن بن أبْزَي: شهدنا مع عليٍّ صفين في ثمان مئة ممَّن بايع بيعة الرِّضوان: قُتل منَّا ثلاثة وستون، منهم عمار بن ياسر. وتواترت الآثار عن النبي ﷺ أنه قال: " تقتل عمار الفئة الباغية ". وهو حديث ثابت صحيح، أخبر فيه ﵇ بما يكون بعده من مغيَّبات الأمور، وهو من بواهر معجزاته ﷺ . وروى هذا الحديث

стр. 721

جماعة من الصحابة مشهورون وهم: عثمان بن عفان، وأبو هريرة، وأُبَي بن كعب، وأبو سعيد الخدريُّ، وأنس بن مالك، وعمرو بن العاصي، وابنه عبد الله ابن عمرو، وخُزيمة بن ثابت الأنصاري ذو الشهادتين. قال محمد بن عمارة بن خزيمة بن ثابت: ما زال جدَّي خزيمة كافَّاً سلاحه يوم صفين. فلما قُتل عمَّار سلَّ سيفه، فقاتل حتى قُتِل. وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " تقتل عمار الفئة الباغية ". وروته أمُّ سَلَمَة ﵂. مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: نا إسماعيل بن إبراهيم، عن ابن عون، عن الحسن، عن أمِّه، عن أمِّ سَلَمة قالت: قال رسول الله ﷺ : " تقتل عمار الفئة الباغية ". وعن أبي عبد الرحمن السُلميُّ قال: شهدتُ مع علي، ﵀، صِفِّين، فرأيت عمار بن ياسر لا يأخذ في جمعة، ولا واد من أودية صفِّين إلا رأيت أصحاب محمد ﷺ يتبعونه كأنه عَلَمٌ لهم. وسمعت عمارا يقول يومئذ لهاشم بن عُتبَة: يا هاشم تَقدَّم الجنة تحت الأبارقة. اليومَ ألقَى الأحبَّة محمداً وحزبَهْ والله لو هزمونا حتى يبلغوا بنا سَعَفَات هَجْر لعلمن أنَّا على الحقِّ وأنهم على الباطل. وروِي أن عليا قال بعد مصاب بصفين: " إنَّ امرأ من المسلمين لم يعظم عليه قتل ابن ياسر، وتدخل عليه به المصيبة الموجعة لغير رشيد. رحم الله عمارا يوم أسلم، ورحم الله عمارا يوم قُتِل، ورحم الله عمارا يوم يُبعث حيا. ولقد رأيتُ عمارا يوم يُبعث حيا. لقد رأيت عمارا، وما يُذكر من أصحاب محمد ﷺ أربعة إلا كان رابعا، ولا خمسة إلا كان خامسا. وما كان أحد من قدماء أصحاب محمد ﷺ يشكُّ أن عمارا قد وجبت له الجنة في غير موطن، ولا اثنين. فهنيئا لعمار الجنة. ولقد قيل: إنَّ عمارا مع الحق، والحقُّ مع عمار. يدور عمار مع الحق أين ما دار وقاتل عمار في النار.

стр. 722

وعن الصَّعب بن زُهير بن عبد الله بن جَنادة أبي رملة أنَّ سفيان بن عوف حدَّثه بمكة، والتقيا في الحجِّ، فقال: إنَّي لعندَ معاوية إذ أُتي برأس عمار بن ياسر، فقال عبد الله بن عمرو بن العاصي: بشِّر قاتل عمار بالنار. فقال معاوية، وضرب على صدره: أبطلت، ففيهم نحن إذاً؟ فقال: سمعت النبيَّ ﷺ يقول: " تقتل عمار الفئة الباغية ". فقال معاوية: صدَقْت، إنك لا تعرف تأويل هذا المنطق، نبغي قتلة ابن عفان حتى ننقى بدمه. وعَهِدَ إليه ﷺ أنَّ آخر شُربة يشربها من الدنيا شَربة لبن. فاستسقى يوم صفين. فأتته امرأة طويلة اليدين بإناء فيه ضَيَاح من لبن، فقال عمار حين شربه: الحمد لله، الجنة تحت الأسنَّة. ثم قاتل حتى قُتِل. وكانت سنُّ عمار يوم قُتِل نيِّفا على تسعين سنة. قتله أبو الغادية الفِزاريُّ، واحتزَّ ابن جُزء السَّكسَكيُّ. ودفنه علي في ثيابه، ولم يُغسِّله. وروى أهل الكوفة أنه صلَّى عليه. وهو مذهبهم في الشهداء أنهم لا يُغسَلون، ولكنَّهم يُصلَّى عليهم. وكانت صفين في ربيع الآخر سنة سبع وثلاثين. ولما أجهد أهل الشام القتال بصفين، وسئموا منه، وخافوا الفناء رفعوا المصاحف على أسنَّة الرِّماح، وقالوا: بيننا وبينكم كتاب الله. أمرهم بذلك عمرو بن العاصي، فقال أهل العراق لعليّ: يا أمير المؤمنين، بيننا وبينهم كتاب الله نُحاكمهم إليه. فقال: " إنها مكيدة منهم، فناجزوهم حتى يرجعوا في أمر الله وحُكمه ". فأبوا عليه. وحَكَّم أهل العراق أبا موسى الأشعريَّ، وحكَّم أهل الشام عمرو بن العاصي. وكان عليٌّ قال لأهل العراق: " حكِّموا عبد الله بن عباس ". فقالوا: لا والله، لا يجتمع في الحُكم مُضريَّان. فلما اجتمع أبو موسى وعمرو مكر عمرو بأبي موسى.

стр. 723

ولما كان من أمر الحَكَمَين ما كان خَرَجت الخوارج على عليٍّ، فكفَّروه، وكفَّروا كلَّ مَن معه، إذ رضي بالتحكيم، وقالوا له: حَكَّمت الرجال في دين الله، والله يقول: " إنِ الحكمُ إلا للهِ ". ثم اجتمعوا، وشقُّوا عصا المسلمين، ونصبوا راية الخلاف، وسفكوا الدماء، وقطعوا السُّبل، وقتلوا عبد الله بن خَبَّاب بن الأرتِّ ذبحا. وقيل إنهم ضربوا عنقه، وبقروا بطن امرأته، وهي حُبلى، أبعدهم الله. وخبَّاب: أبوه من خيار الصحابة، شهد بدرا، وكان من المعذَّبين في الله بمكة في أول الإسلام. وهو من بني سعد بن مناة بن تميم. وكان أصابه سِباء، فبيع بمكة، فاشترته أمَّ أنمار الخُزاعية، وهي أمُّ أبي نياز سِباع بن عبد العُزَّى الخُزاعيِّ الغُبشانِّي، حليف بني زُهرة، فأعتقته. وكانت أمُّ سِباع ختَّانة بمكة. ولولدها سباع قال حمزة يوم أُحد: هلمَّ إليَّ يا بن مقطِّعة البظور. وحين التقيا ضربه حمزة فقتله. وانظمَّ خُباب إلى سِباع، وادَّعى حلفَ بني زُهرة بهذا السبب. وكان خباب رجلا قَيْنا. وكان بظهره بَرص. الواقديُّ قال: كان خُبَّاب يُكنى أبا عبد الله. ومات بالكوفة سنة سبع وثلاثين، وهو ابن ثلاث وستين أو ثلاث وسبعين. وهو أوّل من قَبَرَه علي بالكوفة، وصلى عليه مُنصرَفَه من صفين، وله عقب. كيفية قتل الخوارج عبد الله بن خَباب قال أبو بكر محمد بن الحسين الآجُرِّيُّ في كتاب " الشريعة " له: حدثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغويُّ قال: نا شيبان بن فرُّوخ قال: نا سليمان بن المغيرة، عن شيبان بن هلال، عن رجل كان مع الخوارج، ثم فارقهم. وحدَّثنا جدِّي وأبو خَيثَمة زُهير بن حرب قالا: نا إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب، عن حُميد بن هلال، عن رجل من عبد القيس كان مع

стр. 724

الخوارج ثم فارقهم، قال: دخلوا قرية، فخرج عبد الله بن خباب يجرُّ رداءه. فقالوا: لم تُرَع؟ مرتين. فقال والله لقد رُعتموني قالوا: أأنت عبد الله بن خبَّاب صاحب رسول الله ﷺ فحدَّثناه؟ قال: سمعته يقول عن رسول الله ﷺ أنه ذكر فتنة القاعد فيها خير فيها من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي. قال: فإن أدركتها فكن عبد الله المقتول. قال أيوب: ولا أعلمه إلا قال: ولا تكُن عبد الله القاتل. قالوا: أأنت سمعت هذا من أبيك يُحدِّث به عن رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم. فقدَّموه على ضفَّة النهر، فضربوا عنقه، فسال دمه كأنه شِراك ما امذفرَّ، يعني: ما اختلط بالماء الدَّم، وبقروا أمَّ ولده عمَّا في بطنها. وقال المبرد في الكامل: إن الخوارج قالوا لعبد الله بن خباب: ما تقول في أبي بكر وعمر؟ فأثنى خيرا. فقالوا له: فما تقول في علي قبل التحكيم؟ وفي عثمان ستَّ سنين؟ فأثنى خيرا. وقالوا: فما تقول في الحكومة والتحكيم؟ قال: أقول: إنَّ عليا أعلم بالله منكم وأشدُّ توقِّيا لدينه، وأنفذ بصيرة. قالوا: إنك لست تتبع الهدى، إنَّما تتبع الرجال على أسمائها. ثم قرَّبوه إلى شاطئ النهر فذبحوه، فامْذفر دمه، أي جرى مستطيلا على ذقنه. وساموا رجلا نصرانيا بنخلة، فقال: هي لكم. فقالوا: ما كنا لنأخذها إلا بثمن. فقال: ما أعجب هذا! تقتلون مثل عبد الله بن خباب، ولا تقبلون منا نخلة إلا بثمن؟ وكان قتلُ عبد الله بقرية يُقال لها " كَسْكَر " فبهذا السبب استحلَّ عليٌّ قتالهم، واستئصالهم بالقتل. قتل علي الخوارج وخرج إليهم ﵁ بمن معه، ورام رجعتهم، فأبوا إلا القتال. وكان

стр. 725

عليٌّ أرسل إليهم عبد الله بن عباس، فاجتمع معهم واحتجَّ عليهم بحُجج من كتاب الله ، ومن فعل النبي ﷺ وفعل أبي بكر وعمر حتى قطعهم: ولم يجدوا جوابا لما قال. فقال بعضهم لبعض: دعوه عنكم ولا تجيبوه، فلن تُطيقوا مخاصمة ابن عباس، فإنه من القوم الذين قال الله تعالى فيهم:) بل هم خصِمون (وقال جلَّ ثناؤه:) وتُنْذِرُ به قوماً لُدّاً (. وكان فيهم مَن تبيَّن له الحقُّ. فرجع معه منهم من " حَروراء " ألفان إلى الحقِّ. وصدَّقوا ابن عباس فيما قال، ولزموا عليَّا. وأما الباقون فمكثوا على ضلالهم وعنادهم، وهم أهل النهروان، وكانوا ستة آلاف. فقتل منهم علي في النهروان ألفين وثماني مئة في أصحِّ الأقاويل. وقُتل معهم رئيسهم عبد الله بن وهبذو التَّفنات الراسبيُّ الأزديُّ من بني راسب بن مالك بن مَيْدَعَان بن مالك بن نضر ابن الأزد بن الغوث. ثم جمعوا لعلي بعد ذلك بالنُّخَيلة، فقتلهم أجمعين، ولم يُفلت منهم إلا ثمانيو، ولم يُقتل من عسكر علي غير تسعة. وكان رسول الله ﷺ أخبر عليا خبرهم، وأنه يقتلهم. وآية ذلك أنَّ أحدهم إحدى عَضديه مثل ثدي المرأة. فلما قتلهم عليٌّ أمر بتفتيش المُخْدَج اليد. فلم يوجد، فتغيَّر وجه علي، وقال: " والله ما كَذِبتُ ولا كُذِّبْت، فتشوه ". ففتشوه فوجدوه في وهدة من الأرض بين القتلى. فلما رآه علي كبَّر وحمد الله تعالى. وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد الخدريِّ قال: بينما نحن عند النبيِّ ﷺ ، وهو يقسم قَسما أتاه ذو الخُوَيصِرة؛ رجل من بني

стр. 726

نعيم فقال لرسول الله ﷺ : أعْدِل. قال: " ويلك، ومَن يعدل إذا لم أعدِل! قد خِبتُ وخسِرتُ إن لم أعدِل ". فقال عمر: يا رسول الله، إئذن لي فيه أضرب عنقه. فقال له: " دعه، فإن له أصحابا يحقِر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم. يقرؤون القرآن ولا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدِّين كما يمرَق السَّهم من الرميَّة، ينظر إلى نَصله فلا يوجد فيه شيء، ثم يُنظر إلى قُذَذِه، فلا يوجد فيه شيء، ثم يُنظَر إلى رصافه فلا يوجد فيه شيء، ثم يُنظر إلى نَضِّه " وهو قِدْحُه " فلا يوجد فيه شيء. قد سَبَقَ الفَرثَ الدَّمَ. آيتهم رجل أسود، إحدى عضُدَيه مثل ثدي المرأة، أو مثل البَضْعَة، تَدَرْدَرُ، يخرجون على حين فُرقة من الناس ". قال أبو سعيد: فأشهد أني سمعت هذا الحديث من رسول الله ﷺ ، وأشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم، وأنا معه. فأمر بذلك الرجل فالتُمس في القتلى، فأُتي به، حتى نظرتُ إليه على نعت النبي ﷺ الذي نعته. وعن يزيد بن أبي زياد قال: سألت سعيد بن جُبير عن أصحاب النهر فقال: حدَّثني مسروق قال: سألتني عائشة، ﵂ وعنهم، فقالت: هل أبصرت أنت الرجل الذي يذكرون ذو الثَّديَة؟ قال: فقلتُ لم أره. ولكن شهد عندي من قد رآه. قالت: فإذا قَدِمتَ الأرض فاكتب إليَّ بشهادة نفر قد رأوه. قال: فجئتُ، والناس أسباع. قال: فكلَّمت من كلِّ سُبع عشرة ممَّن قد رآه. قال: فقلت: كلُّ هؤلاء عدل رضا. فقالت: قاتل الله فلانا، فإنه كتب إليَّ أنه أصابه بمصر. قال يزيد: وحدَّثني من سمع عائشة، رحمها الله، تقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إنه من شرار أمتي يقتلهم خيار أمتي ".

стр. 727

وحدَّث قَطَن بن عبد الله الحُدَّايني قال: حدثني أبي قال: نا أبو غالب قال: كنتُ في مسجد دمشق فجاءوا بسبعين رأسا من رؤوس الخوارج، فنُصب على درج المسجد. فجاء أبو أُمامة، فنظر إليها فقال: كلاب جهنم شرُّ قتلى قُتلوا تحت ظلِّ السماء، وبكى ونظر إلي. قال: فقال: يا أبا غالب، إنك ببلد هؤلاء به كثير. قال: قلت: نعم. قال: أعاذك الله منهم. ثم قال: أتقرأ القرآن؟ قلت: نعم. قال:) هو الذي أنزل عليكَ الكتابَ مِنهُ آياتٌ مُحكماتٌ هُنَّ أمُّ الكتاب وأُخَرُ مُتشابهاتٌ (إلى قوله:) والراسخون في العلم يقولونَ آمَنَّا به (. قال: قلتُ: يا أبا أُمامة إني رأيتك تغرغرت لهم عيناك. قال: رحمة لهم إنهم كانوا من أهل الإسلام، فخرجوا من الإسلام. فقال له رجل: يا أبا أُمامة، أمِن رأيك تقوله أو شيء سمعته من رسول الله ﷺ ؟ قال: إني إذا لجريء، لقد سمعته من رسول الله ﷺ غير مرة ولا مرتين ولا ثلاث ولا أربع حتى عدَّ سبع مرات. أبو غالب روى هذا الحديث عن أبو أُمامة اسمه حَزَوَّر: روى عنه أزهر ابن صالح وابن عيِّنة، وحماد بن زيد. ذكره مسلم صاحب الصحيح في كتاب " الكُنى ". وأبو أُمامة: هو حُدَيُّ بن عجلان الباهليُّ صاحب النبيِّ ﵇. وروى الأعمش عن ابن أبي أوفى عن النبي ﷺ قال: " الخوارج كلاب النار ". وقال ﵇ فيهم: " طوبى لمن قتلهم أو قتلوه ". خبر مقتل علي ﵁ ذكر عمر بن شَبَّة عن الضحَّاك بن مَخْلَد أبي عاصم النَّبيل وموسى بن إسماعيل أنه سمع أباه يقول: جاء عبد الرحمن بن مُلجم يستحمل عليا فحمله ثم قال: أريدُ حباءهُ ويريدُ قَتلي ... عَذيري من خليليَ من مراد

стр. 728

أما إنَّ هذا قاتلي. قيل له: فما يمنعك منه؟ قال: " إنه لم يقتلني بعد ". وأُتي علي فقيل له: إنَّ بن مُلجم يسُمُّ سيفه ويقول: إنَّه سيفتك فتكة تُحدِّث بها العرب. فبعث فيه وقال له: " لِمَ تَسُمُّ سيفك؟ " فقال: لعدوِّي وعدوَّك. فَخَلَّى عنه، وقال: " ما قَتَلَني بعد ". وكان سبب قتل ابن مُلجم لعلي أنه خطب امرأة من بني عِجل بن لُجَيم يقال لها قَطام وقال المُبرَّد: إنها قطام بنت علقمة بن تَيم الرِّباب وكانت ترى رأي الخوارج. وكان عليٌّ قد قتل أباها وإخوتها بالنَّهروان، فلما تعاقد الخوارج على قتل علي وعمرو بن العاصي ومعاوية بن أبي سفيان خرج منهم ثلاثة نفر لذلك. وكان عبد الرحمن بن مُلجم المراديُّ حليفا لهم من تَجوبَ، وقيل من السَّكون من كِندة. وقيل من حِمْير هو الذي اشترط قتل علي منهم. والثاني الحجاج بن عبد الله: وهو البُرَكُ التَّميميُّ الصَّريميُّ اشترط قتل معاوية. والثالث زَاذَوَيهِ: مولى بن العنبر بن عمرو بن تميم. اشترط قتل عمرو بن العاصي. وتواعدوا أن يكون ذلك في ليلة واحدة، وهي ليلة سبع عشرة، وقيل: ثمان عشرة، وقيل: ليلة تسع عشرة من رمضان. فدخل ابن مُلجم، لعنه الله، الكوفة عازما على ذلك، واشترى لذلك سيفا بألف، وسقاه السُّمَّ فيما زعموا حتى لفظه. وكان في خلال ذلك يأتي عليا، ويستحمله فيحمله. إلى أن وقعت عينه على قَطَام، وكانت امرأة رائعة جميلة، فأعجبته، وكانت معتكفة بالمسجد الأعظم بالكوفة، ووقعت بنفسه فخطبها فقالت: آليت أن لا أتزوج إلا على مهر لا أريد سواه فقال: وما هو؟ قالت: ثلاثة آلاف وعبد وقينَةٌ وقَتْلُ علي بن أبي طالب. فقال: والله قصدتُ لقتل

стр. 729

علي بن أبي طالب والفَتكِ به، وما أقدمني إلى هذا المصر غير ذلك. ولكن لما رأيتك آثرت تزويجك. فقالت: ليس إلا الذي قلت. فقال لها: وما يُغنيك أو يُغني منك قتْلُ علي، وأنا أعلم إن قَتَلْتَهُ لم أفُتْ؟. فقالت: إن قتلته ونجوت فهو الذي أردت أن تبلغ شفاء نفسي، ويهنيك العيش معي. وإن قُتلت فما عند الله خير من الدنيا وما فيها. فقال لها: لكِ ما اشترطتِ. وفي تزوُّج ابن مُلجم لقطام وما دار بينهما في قتل علي يقول شاعر الخوارج: ولم أرَ مَهراً ساقَهُ ذو سَماحةٍ ... كمهرِ قَطامٍ من فَصيحٍ وأعجمِ ثلاثةُ آلافٍ وعبدٌ وقَينةٌ ... وضربٌ عليٍّ بالحسامِ المصمِّمِ فلا مهرَ أغلى من عليٍّ وإن غَلا ... ولا فَتْكَ إلا دونَ فتكِ ابن مُلجمِ وقيل: إن عدوَّ الله ابن ملجم جلس مع شبيب بن بَجرَة الأشجعي بعد محاورة كانت بينهما في قتل علي قُبالة السدَّة التي يخرج منها علي إلى المسجد. فخرج علي إلى صلاة الصبح فبدره شبيب فضربه فأخطأه، وضربه عبد الرحمن بن ملجم على رأسه وقال: الحكم لله يا علي لا لك ولا لأصحابك. فقال علي: " فزْتُ وربِّ الكعبة. لا يفوتنَّكم الكلب ". فشدَّ عليه الناس من كلِّ ناحية. فلما همَّ الناس به حمل عليهم بسيفه، فأفرجوا له، فتلقَّاه المُغيرة بن نوفل ابن الحارث بن عبد المطلب بقطيفةٍ، فرمى بها عليه واحتمله، وضرب به

стр. 730

الأرض، وقعد على صدره، وانتزع سيفه، وكان أيِّداً. ثم حمل ابن مُلجم، وحُبس حتى مات علي، ﵀، فقُتِل لا ﵀، ورحم الله عليا والمغيرة. وقال عبد الله بن حبيب أبو عبد الرحمن السُّلميُّ: أتيت الحسن بن عليّ في قصر أبيه، وكان يقرأ عليَّ وذلك في اليوم الذي قُتل فيه علي. فقال لي أنه سمع أباه في ذلك السَّحر يقول له: " يا بُنيَّ، رأيت رسول الله ﷺ الليلة في نومة نمتها. فقلتُ: يا رسول الله ماذا لقيت من أُمَّتك من الأودِ؟ فقال: ادعُ الله عليهم. فقال: اللهمَّ أبدلني بهم خيرا منهم، وابدلهم بي مَن هو شرٌّ منِّي ". ثم انتبه، وجاء مؤذنه بالصلاة، فخرج، فاعْتَوَره الرجلان. فأما أحدهما فوقعت ضربته في الطاق. وأما الآخر فضربه في رأسه. وذلك في صبيحة يوم الجمعة لسبعَ عشرة من رمضان، صبيحة بدر. وروى أبو رؤوف عبد الله بن مالك قال: جُمع الأطباء إلى علي ﵁ يوم جُرِح، وكان أبصرهم بالطِّبِّ أُثَيِّر بن عمرو السكونيُّ: وكان يُقال له: أثيِّر بن عُمَريَّا، وكان صاحب كرسي يتطبَّب. وهو الذي تُنسب إليه صحراء أثيِّر فأخذ أثير رئة شاة، فتتبَّع عرقا منها، فاستخرجه وأدخله في جراحة عليٍّ، ثم نفخ العرق فاستخرجه فإذا عليه بياض، وإذا الضربة قد وصلت إلى أمَّ رأسه. فقال: يا أمير المؤمنين أعهد عهدك، فإنك ميِّت. وفي ذلك يقول عمران بن حَطَّان الخارجيُّ: يا ضَربةً من تَقيٍّ ما أرادَ بها ... إلا ليبلُغَ مِن ذي العرشِ رضْوانا إني لأذكرُهُ حيناً فأحسِبُهُ ... أوفَى البريَّةِ عندَ اللهِ مِيزاناً

стр. 731

كَذَبَ أبعده الله. وقال بكر بن حماد التاهرتيُّ مناهضا له: قُل لابنِ مُلجمٍ والأقدارُ غالبةٌ ... هدمتَ ويلكَ للإسلامِ أركانا قَتلتَ أفضلَ مَن يمشي على قدمٍ ... وأوَّل النس إسلاماً وإيمانا وأعلمَ الناس بالقرآنِ ثمَّ بِما ... أسنَّ الرسولُ لنا شَرعاً وتِبْيَانا صِهرُ النبيِّ ومولاهُ وناصرُهُ ... أضحتْ مناقبه نوراً وبُرهانا وكانت منهُ على رغم الحسودِ لهُ ... مكانَ هارونَ من موسى بن عِمْرانا وكان في الحرب سيفاً صارماً ذَكَراً ... ليثاً إذا لقِيَ القرانُ أقرانا ذكرتُ قاتلَهُ والدمعُ مُنحدِرٌ ... فقلت: سُبحان ربِّ العرش سُبحانا إني لأحسِبُه ما كَانَ من بشرٍ ... يَخْشى المعاد ولكن كان شيطانا أشقَى مُرادٍ إذا عُدَّت قبائلُها ... وأخسرُ الناس عند اللهِ مِيزانا كعاقِر الناقةِ الأولى التي جَلبتْ ... على ثمودَ بأرضِ الحجْرِ خُسرانا

стр. 732

قد كان يُخبِرهُم أنْ سوفَ يَخضِبُها ... قبل المنيَّة أزماناً فأزمانا فلا عفا اللهُ عنه ما تحمَّله ... ولا سَقَى قَبرَ عِمرَانَ بن حِطَّانا لقولهِ في شقيٍّ ظلَّ مُخْتبلاً ... ونالَ ما نالَهُ ظلما وعُدوَانا يا ضَربةً من تَقيِّ ما أرادَ بها ... إلا ليبلغَ من ذي العَرشِ رضوانا بل ضربةً من شقيٍّ أورَدَتْه لظىً ... مُخَلَّدا قد أتى الرحمنَ غَضْبانا وروى ابن الهادي عن عثمان بن صهيب، عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال لعلي: " مَن أشقى الأولين؟ " قال: الذي عقر الناقة. قال: " صدقت. فمن أشقى الآخرين؟ " قال: لا أدري. قال: " الذي يضربك على هذه " يعني لحيته. وكان علي، ﵁، كثيرا ما يقول: ما يمنع أشقاها، أو: ما ينظر أشقاها أن يخضب هذه من دم هذا " ويشير إلى لحيته ورأسه " خضاب دم ولا خضاب عطر وعبير. وذكر النَّسَّائيُّ من حديث عمار بن ياسر عن النبي ﵇ أنه قال لعليٍّ: " أشقى الناس الذي عقر الناقة، والذي يضربك على هذه " ووضع يده على رأسه حتى يخضب هذه " يعني لحيته ". وذكره الطبري وغيره، وذكره ابن إسحاق في " السيرة " عن عمار في غزوة ذي العُشَيرَة. وروى الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن ثعلبة الحِمَّانيُّ، سمع عليَّ ابن أبي طالب يقول: " والذي فلق الحبَّة، وبرأ النسمة، لتخضَبنَّ هذه من دم هذا " يعني رأسه.

стр. 733

وقال بكر بن حمَّاد الناهرتي، ﵀: وهزَّ عليٌّ بالعراقينِ لحيةً ... مُصيبتُها جلَّت على كلِّ مُسلمِ فقال: سيأتيها من الله حادثٌ ... ويَخضِبُها أشقَى البرية بالدَّمِ فباكرَهُ بالسيف شَلَّتْ يمينُه ... لشؤم قَطامٍ عند ذاكَ ابنُ مُلجِمِ فيا ضربةً من خاسرٍ ضلَّ سعيهُ ... تَبوَّأ منها مَقْعداً في جهنمِ ففازَ أميرُ المؤمنينَ بحظِّهِ ... وإن طَرقتْ فيه الخطوبُ بِمَعْظَمِ ألا إنما الدنيا بلاء وفتنةٌ ... حلاوتُها شِيْبتْ بصابٍ وعَلقمِ وقال أبو زَبيد الطائيُّ: إنَّ الكرامَ على ما كانَ من خُلُقٍ ... رهطُ امرئ خارهُ للدّين مُختارُ طَبِّ بصير بأَضعانِ الرجال ولم ... يُعدل بِحَبْرِ رسولِ اللهِ أحْبارُ

стр. 734

وقَطرةٌ قَطرتْ إذ حانَ موعدُها ... وكلُّ شيء لهُ وقتٌ ومِقْدَارُ حتى تنَصَّلها في مسجدٍ طُهْرٍ ... على إمامِ هُدىً إنُ معشرٌ جاروا حُمَّت ليدخُلَ جنَّاتٍ أبو حسنٍ ... وأوجِبَتْ بعدَه للقاتلِ النارُ وقال الكُمَيت: والوصيُّ الذي أمالَ التَّجوبيْ ... به عرش أمَّةٍ لانهِدامِ قَتلوا يومَ ذَاكَ إذ قتلوهُ ... حَكَماً لا كغابرِ الحكَّامِ الإمامَ الزكيَّ والفارسَ المُعْ ... لِمَ تحتَ العجاج غيرَ الكَهامِ راعياً كانَ مُسْجِحاً فَفَقدْنا ... هُ وفَقْدُ المُسيمِ هُلُك السَّوامِ وكان قتادة، ﵀، يقول: قُتل علي ﵁ على غير مال احتَجْنَه، ولا دنيا أصابها. وذُكر أن ابن مُلجم لما ضرب عليا، ﵁، أُدخل منزله فاعترته غَشية، ثم أفاق، فدعا الحسن والحسين فقال: " أوصيكما بتقوى الله تعالى، والرغبة في الآخرة، والزُّهد في الدنيا، ولا تأسفا على شيء فاتكما منها. واعملا الخير، وكونا للظالمين خصما، وللمظلوم عونا ".

стр. 735

ثم دعا محمدا فقال: " أما سمعت بما أوصيت به أخويك؟ " قال: بلى. قال: فإني أوصيك به. وعليك ببرِّ أخويك، وتوقيرهما، ومعرفة فضلهما. ولا تقطع أمرا دونهما ". ثم أقبل عليهما فقال: " أوصيكما به خيرا، فإنه سيفكما وابن أبيكما. وأنتما تعلمان أن أباه كان يحبُّه فأحبَّاه ". ولما أُدخل ابن مُلجم، عدوُّ الله، على عليٍّ ﵁، قال له الذين أدخلوه: يا عدوَّ الله، لا بأس على أمير المؤمنين. قال: فعلام تبكي إذا أمُّ كلثوم؟ والله لقد ضربته ضربة لو كانت بأهل مِنىً لوسعتهم. ولقد سقيت سيفي السُّمَّ حتى لفظه، وما كان ليخونني. ولما مُثِّلَ بين يدي عليّ قال: " احبسوه، واحسنوا إساره، فإن أعيش فسأرى فيه رأيي في العفو أو القِصَاص. وإن أمُتْ فقتلُ نفس بنفس، ولا تمثِّلوا به ". ولما دُفن علي ﵁ أراد الحسن أن يقتل عدوَّ الله ابن ملجم بضربة واحدة. فقال عبد الله بن جعفر: كلا والله حتى أذيقه العذاب الأليم. فقطعه عضوا عضوا حتى مات، لعنه الله. وروي أن البُرَك الصَّريميُّ وزادوايهِ فارقا ابن ملجم من الكوفة على ما تعاقدوا عليه. فذهب البركُ إلى الشام إلى معاوية للفتك به، فضربه على إليته، وهو في الصلاة. فأمر به، فحُبس، وأراد قتله. فقال له البَرْك: لا تعجل واحبسني فإن في هذه الليلة قُتل علي. فقال: ويلك، وما يُدريك؟ قال: إنا تواعدنا ثلاثة لقتل علي وقتلك وقتل عمرو بن العاصي. فإن وجدت الأمر على خلاف ما قلتُ فاضرب عنقي. فوصل الخبر إلى معاوية بقتل علي، كما ذكره البرك فأطلقه بعدما قطع يده ورجله. ثم قتله بعد ذلك زياد بن سُميَّة بالكوفة. ودعا معاوية بالطبيب فقال له: إنَّ الضَّربة مسمومة فاختر لي إحدى خَصلتين؛ إما أن تصبر على الكيِّ، وأما أن أسقيك شربة تقطع عنك الولد. فقال: لا صبر لي على النار، ولي يزيد وعبد الله كفاية. فسقاه الشربة، فلم يولد له بعدها. وذهب زَاذَويهِ إلى مصر للفتك بعمرو بن العاصي. فدخل المسجد فضرب

стр. 736

خارجة بن حُذافَة السَّهميُّ، حين كبَّر للصلاة، فقتله. فقبض عليه الناس بعد جولة. وكان عمرو بن العاصي مريضا يشتكي بطنه: فقَدم خارجة ليصلي بالناس. فلما أُدخل الخارجيُّ على عمرو، ورأى الناس يسلمون عليه بالإمرة قال: أو ما قتلتُ عمروا؟ قالوا: لا إنما قتلتَ خارجة. فقال: أردتُ عمرا وأراد الله خارجة، فأمر به عمرو، فقُتِل. وفي عمرو وخارجة يقول الكاتب الأديب أبو محمد عبد المجيد بن عبدون الأندلسيُّ الطليوسيُّ من قصيدة: وليتَها إذ فَدَتْ عَمراً بخارجةٍ ... فدت علياً بمن شاءتْ من البشرِ ومات عليٌّ ﵁، ليلة إحدى وعشرين من رمضان سنة أربعين. ودُفن في قصر الإمارة بالكوفة عند مسجد الجماعة. وصلى عليه الحسن، هذا قول أبي اليقظان. وقال الواقديُّ: دُفِن ليلاً وعُمِّي قبره. وروي عن أبي جعفر محمد بن علي أن قبر علي جُهل موضعه. وكانت ولايته خمس سنين إلا ثلاثة أشهر، وقال ابن قتيبة في " المعارف ". وقالت عائشة، رحمها الله، لما بلغها قتلُ علي: لتصنع العرب ما شاءت، فليس أحد ينهاها. وقال الحسن صبيحة ليلة دفن علي في المسجد الأعظم: " أيها الناس، إنكم فقدتم رجلا لم يسبقه الأولون، ولا يدركه الآخرون. وكان إذا شهد الحرب اكتنفه جبريل عن يمينه، وميكائيل عن يساره. ولم يترك إلا ثمان مئة درهم. أو سبع مئة درهم فضلت من عطائه، كان يُعدُّها لخادم يشتريها لأهله.

стр. 737

وقال الفضل بن العباس بن عنبة بن أبي لهب يرثي عليا ﵁: ما كنتُ أحسبُ أن الأمر مُنصرفٌ ... عن هاشمٍ ثم منها عن أبي الحَسنِ أليسَ أولَ مَن صلَّى لِقِبلتهِ ... وأعلمَ الناس بالقرآنِ والسُّننِ؟ وقالت أمُّ الهيثم بنتُ العُريان النَّخعيَّة ترثيه: ألا يا عينُ وَيْحكِ أسعِدِينا ... ألا تَبكي أميرَ المؤمنيِنا تُبكِّي أمُّ كلثومٍ عليهِ ... بعَبْرتِها وقد رأت القِينا ألا قُل للخوارج حيثُ كانوا ... فلا قَرَّتْ عيون الشامِتينا أفي شهرِ الصِّيام فَجعتُمُونا ... بخيرِ الناسِ طُرّاً أجْمعينا؟ قَتَلتم خيرَ مَن ركب المطايا ... وذَلَّلَها ومن رَكب السفينا ومن لبسَ النعالَ ومَن حذاها ... ومن قرأ المثاني والمِئِينا وكلُّ مناقبِ الخيراتِ فيهِ ... وحبُّ رسولِ ربِّ العالمينا

стр. 738

لقد علمتْ قريشٌ حيث كانتْ ... بأنكَ خيرُها حَسَباً ودِينا إذا استَقْبَلتَ وجه أبي حُسينٍ ... رأيتَ النورَ فوقَ الناظرينا وكنا قبلَ مقتلهِ بخيرٍ ... نرى مولى رسول الله فينا يُقيمُ الحقَّ لا يرتابُ فيه ... ويَعدِل في العِدا والأقربينا وليس بكاتمٍ علماً لديهِ ... ولم يُخْلقْ من المتجبِّرينا كأنَّ الناس إذا فقدوا علياً ... نَعامٌ حارَ في بلدٍ سِنينا فلا تَشْمتْ معاويةَ بن صَخرٍ ... فإنَّ بقيةَ الخلفاء فينا قاضي عليِّ: شُرَيح. كاتبه: عبيد الله بن أبي رافع مولى رسول الله ﷺ . حاجبه: قُنْبُر مولاه. نعته: كان ﵁ عظيم العينين أدعَجَهُما، عظيم البطن، عريض المنكبين، حسن الوجه، أغيَد، كأنًَّ عنقه إبريق فضَّة، آدم، شديد الأُدمة، أصلع ليس في رأسه شعرٌ إلا من خلفه، لا يتبيَّن عضده من ساعديه، قد أُدمجت إدماجا، شديد الساعد واليد. إذا أمسك بذراعه رجل أمسك بنفسه، فلم يستطع أن يتنفَّس. إذا مشى إلى الحرب هرول ثَبْتَ الجَنان، قويا، شجاعا،

стр. 739

منصورا على من لاقاه، أبيض الرأس واللحية، لا يُغيِّر شَيبَه. ورأتهُ امرأة بالكوفة فقالت: مَن هذا الذي كأنه كُسِر ثم جُبِر؟ عمره: خمس وستون، وقيل: ثلاث وستون، قاله أبو نُعَيم الفضل بن دُكَين وغيره. وقيل: ثمان وخمسون، قاله أبو جعفر محمد بن عليّ. واختلفت عنه الرواية في ذلك، رضي الله عن عليّ وعلى آله الأكرمين الطاهرين المنتجبين، آمين. قال المؤلف: غفر الله له: لقد ذكرتُ من صحيح الآثار والأخبار في مناقب الخلفاء الأربعة ما يملأ الآذان حُسنا، ويمنح مَن سلك سبيلها الزِّيادة والحُسنى، والحمد لله على ما وفق ليه وأعان بفضله عليه. قال رسول الله ﷺ : " عليكم بسُنَّتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديِّين، عضُّوا عليها بالنواجذ ". وفضائلهم ﵃ ليس لها نفاد، ولا يحصرها تعداد، إذ هم أئمة الهدى، ومصابيح الدُّجى، وأرباب التُّقى، وواضحوا سُبُل سنَّة نبيِّنا محمد المصطفى، نفعنا الله بمحبَّتهم، وحشرنا في زمرتهم آمين.

стр. 740

ذكر الستة الباقية من العشرة رضوان الله عليهم أبو عبد الله الزبير بن العوام
следующие страницы →