Полный текст (811 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
خارجة بن حُذافَة السَّهميُّ، حين كبَّر للصلاة، فقتله. فقبض عليه الناس بعد جولة. وكان عمرو بن العاصي مريضا يشتكي بطنه: فقَدم خارجة ليصلي بالناس. فلما أُدخل الخارجيُّ على عمرو، ورأى الناس يسلمون عليه بالإمرة قال: أو ما قتلتُ عمروا؟ قالوا: لا إنما قتلتَ خارجة. فقال: أردتُ عمرا وأراد الله خارجة، فأمر به عمرو، فقُتِل.
وفي عمرو وخارجة يقول الكاتب الأديب أبو محمد عبد المجيد بن عبدون الأندلسيُّ الطليوسيُّ من قصيدة:
وليتَها إذ فَدَتْ عَمراً بخارجةٍ ... فدت علياً بمن شاءتْ من البشرِ
ومات عليٌّ ﵁، ليلة إحدى وعشرين من رمضان سنة أربعين. ودُفن في قصر الإمارة بالكوفة عند مسجد الجماعة. وصلى عليه الحسن، هذا قول أبي اليقظان. وقال الواقديُّ: دُفِن ليلاً وعُمِّي قبره.
وروي عن أبي جعفر محمد بن علي أن قبر علي جُهل موضعه. وكانت ولايته خمس سنين إلا ثلاثة أشهر، وقال ابن قتيبة في " المعارف ". وقالت عائشة، رحمها الله، لما بلغها قتلُ علي: لتصنع العرب ما شاءت، فليس أحد ينهاها. وقال الحسن صبيحة ليلة دفن علي في المسجد الأعظم: " أيها الناس، إنكم فقدتم رجلا لم يسبقه الأولون، ولا يدركه الآخرون. وكان إذا شهد الحرب اكتنفه جبريل عن يمينه، وميكائيل عن يساره. ولم يترك إلا ثمان مئة درهم. أو سبع مئة درهم فضلت من عطائه، كان يُعدُّها لخادم يشتريها لأهله.
стр. 737
وقال الفضل بن العباس بن عنبة بن أبي لهب يرثي عليا ﵁:
ما كنتُ أحسبُ أن الأمر مُنصرفٌ ... عن هاشمٍ ثم منها عن أبي الحَسنِ
أليسَ أولَ مَن صلَّى لِقِبلتهِ ... وأعلمَ الناس بالقرآنِ والسُّننِ؟
وقالت أمُّ الهيثم بنتُ العُريان النَّخعيَّة ترثيه:
ألا يا عينُ وَيْحكِ أسعِدِينا ... ألا تَبكي أميرَ المؤمنيِنا
تُبكِّي أمُّ كلثومٍ عليهِ ... بعَبْرتِها وقد رأت القِينا
ألا قُل للخوارج حيثُ كانوا ... فلا قَرَّتْ عيون الشامِتينا
أفي شهرِ الصِّيام فَجعتُمُونا ... بخيرِ الناسِ طُرّاً أجْمعينا؟
قَتَلتم خيرَ مَن ركب المطايا ... وذَلَّلَها ومن رَكب السفينا
ومن لبسَ النعالَ ومَن حذاها ... ومن قرأ المثاني والمِئِينا
وكلُّ مناقبِ الخيراتِ فيهِ ... وحبُّ رسولِ ربِّ العالمينا
стр. 738
لقد علمتْ قريشٌ حيث كانتْ ... بأنكَ خيرُها حَسَباً ودِينا
إذا استَقْبَلتَ وجه أبي حُسينٍ ... رأيتَ النورَ فوقَ الناظرينا
وكنا قبلَ مقتلهِ بخيرٍ ... نرى مولى رسول الله فينا
يُقيمُ الحقَّ لا يرتابُ فيه ... ويَعدِل في العِدا والأقربينا
وليس بكاتمٍ علماً لديهِ ... ولم يُخْلقْ من المتجبِّرينا
كأنَّ الناس إذا فقدوا علياً ... نَعامٌ حارَ في بلدٍ سِنينا
فلا تَشْمتْ معاويةَ بن صَخرٍ ... فإنَّ بقيةَ الخلفاء فينا
قاضي عليِّ: شُرَيح. كاتبه: عبيد الله بن أبي رافع مولى رسول الله ﷺ . حاجبه: قُنْبُر مولاه.
نعته: كان ﵁ عظيم العينين أدعَجَهُما، عظيم البطن، عريض المنكبين، حسن الوجه، أغيَد، كأنًَّ عنقه إبريق فضَّة، آدم، شديد الأُدمة، أصلع ليس في رأسه شعرٌ إلا من خلفه، لا يتبيَّن عضده من ساعديه، قد أُدمجت إدماجا، شديد الساعد واليد. إذا أمسك بذراعه رجل أمسك بنفسه، فلم يستطع أن يتنفَّس. إذا مشى إلى الحرب هرول ثَبْتَ الجَنان، قويا، شجاعا،
стр. 739
منصورا على من لاقاه، أبيض الرأس واللحية، لا يُغيِّر شَيبَه. ورأتهُ امرأة بالكوفة فقالت: مَن هذا الذي كأنه كُسِر ثم جُبِر؟ عمره: خمس وستون، وقيل: ثلاث وستون، قاله أبو نُعَيم الفضل بن دُكَين وغيره. وقيل: ثمان وخمسون، قاله أبو جعفر محمد بن عليّ. واختلفت عنه الرواية في ذلك، رضي الله عن عليّ وعلى آله الأكرمين الطاهرين المنتجبين، آمين.
قال المؤلف: غفر الله له: لقد ذكرتُ من صحيح الآثار والأخبار في مناقب الخلفاء الأربعة ما يملأ الآذان حُسنا، ويمنح مَن سلك سبيلها الزِّيادة والحُسنى، والحمد لله على ما وفق ليه وأعان بفضله عليه. قال رسول الله ﷺ : " عليكم بسُنَّتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديِّين، عضُّوا عليها بالنواجذ ".
وفضائلهم ﵃ ليس لها نفاد، ولا يحصرها تعداد، إذ هم أئمة الهدى، ومصابيح الدُّجى، وأرباب التُّقى، وواضحوا سُبُل سنَّة نبيِّنا محمد المصطفى، نفعنا الله بمحبَّتهم، وحشرنا في زمرتهم آمين.
стр. 740
ذكر الستة الباقية من العشرة
رضوان الله عليهم
أبو عبد الله الزبير بن العوام
стр. 741
أبو عبد الله الزبير بن العوام
ابن خويلد بن أسد بن عبد العُزَّى بن قُصيٍّ بن كلاب بن مُرَّة بن كعب ابن لؤي. يجتمع مع رسول الله ﷺ في قصي بن كلاب.
وينتسب الزبير أسديا إلى أسد بن عبد العُزَّى بن قُصيٍّ وأمه صفية بنت عبد المطلب عمة النبيِّ ﷺ ، وعمته خديجة بنت خويلد زوج النبي ﷺ .
أسلم، ﵁، وهو ابن خمس عشرة سنة. وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين سلمة بن سلامة بن وَقش. وهو حواريُّ رسول الله ﷺ . مسلم: حدثنا عمرو الناقد قال: نا سفيان بن عُيينة، عن محمد بن المُنْكدر، عن جابر بن عبد الله قال: سمعته يقول: ندب رسول الله الناس يوم الخندق. فانتدب الزبير ثم ندبَهُم فانتدب الزبير ثم ندبهم فانتدب الزبير. فقال النبيُّ ﷺ : " لكلِّ نبيٍّ حواريُّ وحواريِّ الزبير ".
مسلم: حدثنا إسماعيل بن الخليل وسويد بن سعيد كلاهما عن ابن مُسهِر قال إسماعيل: نا عليُّ بن مُسهر عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بتن الزبير قال: كنت أنا وعمر بن أبي سلمة يوم الخندق مع النِّسوة في أطمِ حسَّان، فكان يُطاطئ لي مرة فينظر كنت أعرف أبي إذا مرَّ على فرسه في السلاح إلى بني قريظة قال: وأخبرني عبد الله بن عروة عن عبد الله بن الزبير، قال: فذكرت ذلك لأبي فقال: ورأيتني يا بُنَيِّ؟
стр. 742
قلتُ: نعم. قال: أما والله لقد جمع لي رسول الله ﷺ يومئذ أبويه. فقال: فداك أبي وأمي.
مسلم: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: نا ابن نُمَير وعبدة قالا: نا هشام عن أبيه قال: قالت لي عائشة: أبوك والله من الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح. وقال ﵇: " الزبير ابن عمَّتي وحواريِّ من أُمَّتي ". وسمع ابن عمر رجلا يقول: أنا ابن الحواريِّ، فقال: إن كنت ابن الزبير وإلا فلا.
وقال محمد بن سلاَّم: سألت يونس بن حبيب عن قوله ﵇: " حواريِّ الزبير ". قال: " خُلْصانُه ". وقال غيره: الحواريُّ الناصر.. وذكر قول الأعور الكلابي:
ولكنَّه ألقى زِمامَ قَلوصِهِ ... فيحيل كريماً أو يموت حَوَارِيَّا
وقال محمد بن عبد السلام الخُشنيُّ: نا محمد بن بشار: نا محمد بن جعفر قال: نا شعبة، قال: سمعت أبا إسحاق السَّبيعيَّ قال: سألت مجلسا فيه أكثر من عشرين رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ : مَن كان أكرم الناس على رسول الله ﷺ ؟ قالوا: الزبير وعليُّ بن أبي طالب.
وجاء في صحيح الآثار أنه كان مُعتمرا بعمامة صفراء يوم بدر، فيقال: إنه نزلت الملائكة يوم بدر على سيما الزبير. وروى أبو إسحاق الفزاريُّ عن هشام بن عروة، عن عباد بن حمزة بن الزُّبير. قال: كان على الزبير عمامة صفراء معتجرا بها يوم بدر. ونزلت الملائكة عليها عمائم صُفر.
وكان الزبير تاجرا مجدودا في التجارة. وقيل له يوما: بِمَ كنت في التجارة وما أدركتَ؟ فقال: لأني لم أشتر عيبا ولم أرُدَّ ربحا، والله يبارك لمن يشاء. وقال حسان بن ثابت يمدحه:
стр. 743
أقام على عهدِ النبيِّ وهديهِ ... حواريُّهُ والقولُ بالقول يُعدَلُ
أقام على مِنْهاجِهِ وطريقِهِ ... يُوالي وليَّ الحقِّ والحقُّ أعدلُ
هو الفارسُ المشهورُ والبطلُ الذي ... يصولُ إذا ما كانَ يومٌ مُحجَّلُ
وإنَّ امرأ كانت صفيةُ أمَّه ... ومِن أسدٍ في بَيتهِ لَمُرَفَّلُ
لهُ من رسول اللهِ قُربى قَريبةٌ ... ومن نُصرةِ الإسلامِ مجدٌ مؤثَّلُ
فكم كُربةٍ ذَبَّ الزبيرُ بسيفهِ ... عن المصطفى واللهُ يُعطي ويُجزِلُ
إذ كشَّفتْ عن ساقِها الحرثُ حشَّها ... بأبيضَ سبَّاقٍ إلى الموتِ يُرقلُ
فما مثلُه فيهمْ ولا كانَ قبلَهُ ... وليس يكونُ الدهرَ ما دامَ يَدْبُلُ
وحضر الزبير ﵁ يوم اليرموك وأبلى فيه. قال عروة ابن الزبير: إنَّ أصحاب النبيَّ ﷺ قالوا للزبير يوم اليرموك: ألا تشدَّ فَنشدَّ
стр. 744
معك؟ قال: إني أخاف إذا شددتُ كذبتُم. قالوا: لا نفعل. فحمل عليهم حتى شقَّ صفوفهم، فجاوزهم وما معه أحد منهم. ثم رجع مُقبلا، فأخذوا بلجامه فضربوه ضربتين على عاتقه، بينها ضربة ضربها يوم بدر. قال عروة: فكنت أدخل أصابعي في تلك الضربات ألعب وأنا صغير.
وحضر، ﵁، فتح مصر مع عمرو بن العاصي، بعثه عمر بن الخطاب من المدينة مددا لعمرو. وشهد الجمل مع عائشة ﵂، وقُتل بوادي السباع راجعا من حرب الجمل.
وذكر الإمام الحافظ أبو جعفر محمد بن جرير الطبريُّ في تاريخه الكبير عن قتادة قال: سار عليٌّ من الزاوية يريد الزبير وطلحة وعائشة، وساروا من الفَرضَة يريدون عليا، فالتقوا عند موضع قصر عبيد الله بن زياد في النِّصف من جمادى الآخرة سنة ستٍّ وثلاثين يوم الخميس. فلما تراءى الجمعان خرج الزبير على فرس عليه السلاح. فقيل لعلي: هذا الزبير. فقال: أما إنه أحرى الرجلين إن ذُكِّر بالله أن يذكر. وخرج طلحة فخرج إليهما علي، فدنا منهما حتى اختلف أعناق دوابِّهما. فقال علي: لعمري لقد أعددتما سلاحا وخيلا ورجالا إن كنتم أعددتما عند الله عُذراً فاتَّقيا الله ولا تكونا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة إنكاثا، ألم أكن أخاكما في دينكما تحرِّمان دمي وأحرِّم دمائكما، فهل من حدث أحلَّ لكما دمي؟ قال طلحة: ألَّبتَ الناس على عثمان. قال علي: يومئذ يُوفِّيهمُ اللهُ دينهم الحقُّ ويعلمون أن الله هو الحقُّ المبين. يا طلحة تطلب بدم عثمان؟ فلعن الله قتلة عثمان. يا زبير أتذكر يوم مررت بي مع رسول الله ﷺ ؟ فناظر إليَّ فضحك وضحكت إليه، فقلت: لا يدعو ابن أبي طالب زهوه. فقال لك رسول الله ﷺ : " إنه ليس بمُزْهٍ، ولتُقاتلنَّه، وأنت له ظالم "! فقال اللهمَّ نعم، ولو تذكَّرت ما سرتُ مسيري هذا. والله لا أقاتلك أبدا. فانصرف على إلى أصحابه فقال: أما الزبير فقد أعطى الله عهدا ألاَّ يقاتلكم. ورجع الزبير إلى عائشة فقال لها: ما كنتُ في موطن منذ عقِلت إلا وأنا أعرف فيه أمري غير موطني هذا. فقالت: فماذا تريد أن تصنع؟ فقال: أريد أن
стр. 745
أدعهم وأذهب. فقال له ابن عبد الله: جمعت هذين العارين حتى إذا حدَّد بعضهم لبعض أردت أن تتركهم وتذهب أحسستَ رايات ابن أبي طالب، وعلمت أنها تحملها فتية أنجاد؟ قال: إني قد حلفت أن لا أقاتله. فأحفظه ما قال له: كفِّر عن يمينك وقاتل. فدعا غلاما له يقال له " مكحول " فأعتقه. فقال رجل من شعرائهم:
يُعتِقُ مَكحولاً لصَونِ دينهِ ... كفَّارةً للهِ عن يمينهِ
والنَّكثُ قد لاحَ على جبينهِ وقال آخر:
لم أَرَ كاليومِ أخَا إخْوانِي ... أعجبَ من مُكفِّرِ الأيمانِ
بالعِتقِ في مَعْصِيَةِ الرَّحمنِ وقال الطبري في خبر آخر مُسند إلى من شهد يوم الجمل قال: لما انهزم الناس عن طلحة والزبير، مضى الزبير حتى مَرَّ بعسكر الأحنف. فلما رأوه وأخبر به قال: والله ما هذا بجبان. فقال للناس: من يأتنا بخبره؟ فقال عمرو بن جرموز لأصحابه: أنا. فتبعه، فلما لحقه نظر إليه الزبير وكان شديد الغضب. فقال: ما وراءك. قال: إنما أردت أن أسألك. فقال غلام للزبير يُدعى عطيَّة كان معه: إنه مُعد. فقال: ما يهولك من رجل. وحضرت الصلاة، فقال ابن جرموز: الصلاة. فقال الزبير: الصلاة. ويستدبره ابن جرموز، فطعنه من خلفه في جربَّان درعه، وأخذ فرسه وخاتمه وسلاحه، وخلَّى عن الغلام، فدفنه بوادي السباع، ورجع إلى الناس بالخبر. فأمَّا الأحنف فقال: والله ما أدري أأحسنت أم أسأت. ثم انحدر إلى عليٍّ، وابن جرموز معه فدخل عليه، فأخبره. فدعا بالسيف فقال: سيف طالما جلَّى الكرب عن وجه رسول الله ﷺ . وبعث بذلك إلى عائشة.
стр. 746
وقال الطبريُّ أيضا: حدثنا محمد بن عمارة الأسديُّ قال: أنا فُضَيل عن شقيق بن عُقبة، عن قُرَّة بن الحارث، عن جون بن قتادة قال قُرَّة بن الحارث: كنتُ مع الحنف، وكان جون قتادة ابن عمي مع الزبير بن العوَّام، فحدَّثني جون بن قتادة قال: كنت مع الزبير فجاء فارس يسير، وكانوا يسلِّمون على الزبير بالإمارة. فقال: السلام عليك أيها الأمير. فقال: وعليك السلام. قال: هؤلاء القوم قد أتوا مكان كذا وكذا. فلم أر قوما أرثَّ سلاحا ولا أقلَّ عددا ولا أرعب قلوبا من قوم أتوك. ثم انصرف عنه، قال: ثم جاء فارس فقال: السلام عليك أيها الأمير. فقال: وعليك السلام. قال: جاء القوم حتى أتوا مكان كذا. فسمعوا ما جمع الله من العدد والعُدَّة والجدِّ. فقذف الله في قلوبهم الرعب، فولَّوا مدبرين. قال الزبير: أيها عنك، فوالله لو لم يجد ابن أبي طالب إلا العرفَجَ دبَّ إلينا فيه. قال: ثم انصرف. قال: ثم جاء فارس، وقد كادت الخيول أن تخرج من الرَّهج. فقال: السلام عليك أيها الأمير. قال: وعليم السلام. قال: هؤلاء القوم قد أتوك، فلقيت عمارا. فقلت له، وقال لي: فقال الزبير: إنه ليس فيهم. فقال: بلى والله إنه لفيهم. قال: لا والله ما جعله الله فيهم. قال: والله لقد جعله الله فيهم. فلما رأى الرجل يخالفه قال لبعض أهله: اركب فانظر أحقٌّ ما يقول؟ قال: فركب معه، فانطلقا، وأنا أنظر إليهما حتى وقفا في جانب الخيل قليلا، ثم رجعا إلينا. فقال الزبير لصاحبه: ما عندك؟ قال: صدق الرجل. قال الزبير: يا جدع أنفاه، أو يا قطع ظهراه. قال محمد بن عمارة: قال عبيد الله: قال فُضَيل: لا أدري أيهما. قال: ثم أخذه أفكل. قال: فجعل السلاح ينتقض. قال فقال جونٌ: ثكلتني أمي، هذا الذي كنت أريد أن أموت معه، أو أعيش. والذي نفسي بيده ما أخذ هذا ما أرى إلا لشيء قد سمعه، أو رآه فارس رسول الله ﷺ . قال: فلما تشاغل الناس انصرف فجلس على دابته، ثم ذهب. قال: ثم جاء فارسان حتى أتيا الأحنف وأصحابه فنزلا فأتياه فأكبَّا عليه. فناجاه ساعه ثم انصرفا، ثم جاء عمرو بن جرموز إلى الأحنف فقال: أدركته في وادي السباع فقتلته. فكان قُرَّة يقول: والذي نفسي بيده إنَّ صاحب الزبير لَلأحنف.
стр. 747
وقال غير الطبري: كان الزبير قد انصرف عن القتال نادما مفارقا للجماعة التي خرج فيها منصرفا إلى المدينة. فرآه ابن جرموز فقال: أتى يؤرِِّش بين الناس، ثم تركهم، والله لا تركته. ثم تبعه، فلما لحق بالزبير ورأى أنه يريده أقبل عليه، فقال له ابن جرموز أذكِّرك الله. فكفَّ عنه الزبير حتى فعل ذلك مرارا. فقال الزبير: قاتله الله، يذكِّرنا الله وينساه. ثم غافصه، ابن جرموز فقتله، وذلك يوم الخميس في جمادى الأولى لعشر خلون منه، وهو ابن أربع وستين سنة، هذا قول الواقديّ. وقال أبو اليقظان قُتِل وهو ابن ستين سنة.
وقيل: إن عمرو بن جرموز لما قتل الزبير أتى بلبسه إلى عليٍّ واستأذن عليه، فلم يأذن له. وقال: بشِّروه بالنار. سمعت رسول الله ﷺ يقول: " بشِّروا قاتل ابن صفية بالنار ". وكيف لا يُبشَّر بالنار من قتل حواريَّ رسول الله ﷺ غدرا؟ لقد جاء شيئا نُكرا، وباء بإثم عظيم لقتل حواريٍّ كريم.
وقال ابن جرموز حين استأذن على علي ﵁ فلم يأذن له وبشَّره بالنار:
أتَيتُ عليّاً برأسِ الزُّبيْرِ ... أرجو لديهِ بهِ الزُّلفَةْ
فبشَّرَ بالنار إذْ جئتُهُ ... فبئسَ البِشارةُ والتُّحْفَةْ
وسيانِ عندي قَتلُ الزُّبِيرِ ... وضرطةُ عَيْرٍ بذي الجِحْفَةْ
وتزوَّج الزبير بمكة أسماء بنت أبي بكر الصدِّيق، وهي أسنُّ من عائشة، وهي ذات النطاقين. وسميت بذلك لأن رسول الله ﷺ لما هاجر إلى المدينة نسيت أن تشُدَّ سِفرة الزاد بشيء، فقطعت نطاقها نصفين، فشدَّت
стр. 748
بالواحد السُفرَة، وانتطقت بالآخر. فقال لها النبيُّ ﷺ : " أبدلك الله بنطاقك هذا نطاقين في الجنة ". وزعم ابن إسحاق أن أسماء بنت أبي بكر أسلمت بعد إسلام سبعة عشر إنسانا.
وتوفيت أسماء بمكة في جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين بعد قتل ابنها عبد الله بن الزبير بيسير، لم تلبث بعد إنزاله من الخشبة إلا ليالي عشرى، وقيل: عشرين، وقيل: بضعا وعشرين. وماتت وقد بلغت مئة سنة، وعُميت في آخر عُمرها.
وولدت للزبير عبد الله، وبه كان يُكنى، وبه كانت تُكنى عائشة ﵂، وعروة، وعاصما، ومات عاصم وهو غلام لا عقب له، والمنذر.
فأما عبد الله بن الزبير: فهو أول مولود في الإسلام من المهاجرين، هاجرت أمُّه أسماء وهي به حامل، فوضعته بقباء. مسلم: حدتنا أبو كُرَيب محمد بن العلاء، قال: نا أبو أسامة عن هاشم، عن أبيه، عن أسماء أنها حملت بعبد الله بن الزبير بمكة. قالت: فخرجتُ وأنا مُتِمٌّ، فأتيت المدينة فنزلت بقباء. ثم أتيت رسول الله ﷺ فوضعه في حجره، ثم دعا بتمرة فمضغها، ثم تفل في فيه، فكان أول شيء يدخل جوفه ريق رسول الله ﷺ ، ثم حنَّكه بالتَّمرة، ثم دعا له وبرَّك عليه، وكان أول مولود في الإسلام.
مسلم: عن عائشة قالت: جئنا بعبد الله بن الزبير إلى النبي ﷺ ، لم يحنِّكه، فطلبنا تمرة، فعزَّ علينا طلبها. وخرَّج مسلم أيضا عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان يؤتي بالصِّبيان فيُبرِّك عليهم ويحنِّكهم. وقال الطبري: حدَّثني الحارث قال: نا ابن سعد قال: قال محمد بن عمر الواقديُّ: ولد ابن الزبير بعد الهجرة بعشرين شهرا بالمدينة، وكان أول مولود ولد من المهاجرين في دار الهجرة، فكبَّر، فيما ذكر أصحاب رسول الله ﷺ حين ولد، وذلك أن المسلمين كانوا قد تحدَّثوا أن اليهود يذكرون أنهم قد سحروهم، فلا يولد لهم. فكان تكبيرهم ذلك سرورا منهم بتكذيب الله اليهود فيما قالوا من ذلك.
стр. 749
الطبري: حدثني الحارث قال: نا ابن سعد قال: أنا محمد بن عمر قال: نا مصعب بن ثابت عن أبي الأسود قال: ذُكر النعمان بن بشير عند عبد الله بن الزبير فقال: هو أسنُّ مني بستَّة أشهر. قال أبو الأسود: وُلد ابن الزبير على عشرين شهرا من مُهاجر رسول الله ﷺ ، وولد النعمان على رأس أربعة عشر شهرا في ربيع الآخر. وقيل: إن عبد الله بن الزبير ولد في السنة الأولى من الهجرة، ذكره ابن عبد البرِّ في " الاستيعاب ". وذكر أيضا ما قال ابن البرِّ محمد بن عمر الواقديُّ ومسلم.
وقال عبد الله بن الزبير: ادخلني الزبير وأنا ابن سبع سنين على رسول الله ﷺ ، ومعي غلمان في سنيِّ، معهم آباؤهم لنبايعه ﵇، فكلُّهم كعُّوا إلا أنا، فإنني تقدّمت. فلما وصلت إليه تبسَّم ومد يده فبايعته، وقال: " إنه ابن أبيه ".
وقال مسلم: حدثنا الحكم بن موسى أبو صالح قال: نا شُعيبُ يعني ابن إسحاق قال: أخبرني هشام بن عروة قال: حدَّثني عروةُ بن الزبير وفاطمة بنت المنذر بن الزبير أنهما قالا: خرجت أسماء بنت أبي بكر حين هاجرت، وهي حُبْلى بعبد الله بن الزبير فقدمت قُباء فنُفِست بعبد الله بقُباء، ثم خرجت حين نُفستْ إلى رسول الله ﷺ ليحنِّكه فأخذه رسول الله ﷺ منها، فوضعه في حَجرهِ، ثم دعا بتمرة. قال: قالت عائشة: فمكثنا ساعة نلتمسُها قبل أن نجدها، فمضغها ثم وضعها في فيه. فإنَّ أول شيء دخل بطنه لريق رسول الله ﷺ . ثم قالت أسماء: ثم مسحه وصلى عليه، وسماه عبد الله. ثم جاء وهو ابن سبع سنين أو ثمان ليبايع رسول الله ﷺ ، وأمره بذلك الزبير. فتبسَّم رسول الله ﷺ حين رآه مُقبلا إليه، ثم بايعهُ.
وحدَّث أبو زرعة عبد الحمن بن عمرو والدِّمشقيُّ: نا محمد بن شَريكٍ المَكيُّ عن ابن أبي مُليكة، نع عبد الله بن الزبير قال: سُميتُ باسم جدي أبي بكر وكُنِيتُ بكُنيِته. وذُكر أنه كان يلعب مع الغلمان في أول خلافة عمر، فمرَّ عليهم
стр. 750
عمر فتفرَّقوا، ربقي عبد الله واقفا. فلما وصل إليه عمر قال: ياعبد الله مالك لا تفرُّ مع أصحابك؟ فقال: يا أمير المؤمنين لم أجْرُمْ فأخافك، ولم يكن بالطريق ضيق فأوسع عليك.
وكان عبد الله مع العسكر الذي استفتح إفريقية، وكان شجاعا بئيسا مُقْدِما مثل أبيه. ويقال: إنه قتل جرجيس ملك أفريقية، ونفَّله عبد الله بن أبي سَرْح ابنة جرجيس. وبعثه ابن أبي سرح بفتح إفريقية إلى عثمان. فلما وصل إلى المدينة ودخل على عثمان، وأجبره عن الفتح قال: يا بن أخي أتقدر أن تتكلم بهذا الكلام على الناس؟ فقال: أنت والله يا أمير المؤمنين أهيب في عيني منهم. فلما كان من الغد صعد عثمان على المنبر، وخطب الناس فقال: إنَّ الله قد فتح عليكم إفريقية، وهذا عبد الله يُخبرُكم خبرها إن شاء الله. ثم جلس عثمان على المنبر وأقام عبد الله إلى جنبه، فتكلم عبد الله في الفتح بكلام بليغ عجب منه الصحابةُ. فلما فرغ من كلامه قام الزبير إليه فاعتنقه وقبَّل بين عينيه وقال: يا بُنَّي إذا نكحت امرأة فانكحها على شبه أبيها أو أخيها؛ فإنها تأتيك بأحدهما، والله مازلت تنطق بلسان أبي بكر حتى صمتَّ.
وشهد الجمل مع أبيه وخالته، وكان شهما شرسا ذا أنفة. ذكر الطبريُّ في تاريخه عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: كان لا يجيء أحد يوم الجمل فيأخذ بالزِّمام إلا قال: أنا فلان بن فلان، يا أمَّ المؤمنين. فجاء عبد الله بن الزبير فقالت حين لم يتكلم: من أنت؟ فقال: أنا عبد الله، أنا أبنك، أنا أبن أختك. قالت: وأثكل أسماء " تعنى أختها " وينتهي إلى الجمل الأشتر وعديُّ بن حاتم، فخرج عبد الله بن حكين بن عزام إلى الأشتر، فمشى إليه الأشتر، فاختلفا ضربتين فقتله الأشتر، ومشى إليه عبد الله بن الزبير فضربه الأشتر على رأسه فجرحه جرحا شديدا، وضرب عبد الأشتر ضربة خفيفة، وأعتنق كلُّ واحد منهما صاحبه، وخرَّا إلى الأرض يعتر كان. فقال عبد الله بن الزبير: اقتلوني ومالكا. فكان مالك يقول: ما أحبُّ أن يكون. قال الأشتر: وإن لي حمر النعم. وشدَّ أناس من أصحاب على وأصحاب عائشة، فافترقا، وتنقَّذ كلُّ واحد الفريقين صاحبه. وقال دينار أبو العيزار: طعن عبد الله بن حكيم بن حزام قبل أن يقتله الأشتر عديَّ بن حاتم في عينه، ففقأها.
стр. 751
وذكر الطبريُّ أيضا عن الشعبيِّ قال: لزم الخطام يوم الجمل سبعون رجلا من قريش، كلهُّم يقتل، وهو أخذ بالخطام. وحمل الأشتر فاعترض عبد الله بن الزبير، فاختلفا ضربتين، ضربه الأشتر فأمَّه وواثبه عبد الله، فاعتنقه فصرعه. فجعل يقول: اقتلوني ومالكا.. وكان له ألف نفس، ما نجا منها شيء. وما زال يضرب في يدي عبد الله حتى أفلت. وكان الرجل إذا حمل على الجمل ثم نجا لم يعد. وجرح يومئذ مروان وعبد الله بن الزبير.
وذكر الطبريُّ عن عبَّاد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال: أمسيت يوم الجمل، وبي سبعة وثلاثون جراحة من طعنة وضربة. وما رأيت مثل يوم الجمل قطُّ، ما ينهزم منا أحد، وما نحن إلا مثل الجبل الأسود، وما يأخذ أحد بخطام الجمل إلا قتله. فأخذ عبد الرحمن بن عتاب فقتل، وأخذه الأسود بن أبي البختريِّ فصرع. وجئت فأخذت بالخطام، فقالت عائشة: من أنت؟ قالت: ابن الزبير. قالت: واثكل أسماء. ومرِّ بي الأشتر، فعرفته فعانقته فسقطنا جميعا. فناديت: اقتلوني ومالكا. فجاء ناس منا ومنهم، فقاتلوا عنا حتى تحاجزنا، وضاع الخطام. ونادى علي: اعقر الجمل، فإنه إن عقر تفرَّقوا. فضربه رجل فسقط، فما سمعت صوتا قطُّ أشدَّ من عجيج الجمل. وأمر علي محمد بن أبي بكر فضرب على عائشة قبَّة، وقال: انظروا هل وصل إليها شيء؟ فأدخل رأسه فقالت: من أنت ويلك؟ قال: أبغض أهلك إليك. قالت: أأنت أبن الخثعمية؟ قال: نعم. قالت: بأبي أنت وأمي الحمد الله الذي عافاك.
وعن دينار أبي العيزار قال: سمعت الأشتر يقول: لقيت عبد الرحمن بن عتَّاب بن أسيد، فلقيت أشدَّ الناس وأحرقه. فما لبثة أن قتلته، ولقيت الأسود بن عوف، فلقيت أشدَّ الناس وأشجعه. فاستعلاني فما كدت أنجو، فتمنيت أني لم أكن لقيته. ولحقني جُندب بن زهير الغامديُّ فضربته، ولقيت عبد الله ابن الزُّبير فلقيت أشدَّ الناس وأروعه فعانقته فسقطنا إلى الأرض جميعا فنادى: اقتلوني ومالكا.
وأوى عبد الله بن الزبير بعد الهزيمة إلى دار رجل من الأزد يُدعى وزيرا
стр. 752
وقال: إيت أمَّ المؤمنين فأعلمها بمكاني، وإياك أن يَطَّلع على على ذلك محمد بن أبي بكر. فأتى عائشة، فأخبرها، فقالت: عليَّ بمحمد، فقال يا أمَّ المؤمنين إنه قد نهاني أن يعلم به محمد فأرسلت إليه، فقالت: إذهب مع هذا الرجل حتى تجيئني بابن أختك. فانطلق معه، فدخل الأزديُّ على ابن الزُّبير، فقال: جئتك والله بما كرهت، وأبَت أمُّ المؤمنين إلا ذلك. فخرج عبد الله ومحمد يتشاتمان حتى انتهيا إلى عائشة في دار عبد الله بن خلف. وكان عبد الله بن خلف قُتِل يوم الجمل مع عائشة في طلب من كان جريحا، فضمَّت منهم ناسا، وضمَّت مروان فيمن ضمَّت، وكانوا في البيت.
نبذ من أخبارِ يوم الجمل
أوجب سياقها ذكر أمِّ المؤمنين عائشة وابن أختها عبد الله بن الزبير. الطبري: عن عيسى بن حِطَّان قال: حاص الناسحيصة يعني يوم الجمل ثم رجعنا وعائشة على جمل أحمر في هودج أحمر ما شبَّهته إلا القُنفذ من النَّبل. وحدَّث ابن عون عن أبي رجاء قال: ذكروا يوم الجمل فقال: كأني أنظر إلى خدر عائشة كأنه قُنفُذ مما رُمي فيه من النَّبل فقلت لأبي رجاء: قاتلت يومئذ؟ قال والله لقد رميت بأسهم ما أدري ما صنعن.
وانتهى محمد بن أبي بكر إلى الهودج ومعه عمار، وقطعا الأنساع عن الهودج واحتملاه. فلما وضعاه أدخل محمد يده وقال: أخوك محمد. فقالت: مُذمَّم. قال: يا أُخيَّةُ، هل أصابك شيء؟ قالت: ما أنت من ذاك. قال: فمن إذا الضُّلاَّل؟ قالت: بل الهُداةُ.
وانتهى إليها علي فقال: كيف أنت أي أمَّه؟ قالت: بخير. قال: يغفر الله لكِ. قالت: ولكَ.
وخرج محمد بعائشة حتى أدخلها البصرة فأنزلها في دار عبد الله بن خلف الخُزاعِّي على صفية بنة الحارث بن طلحة بن أبي طلحة بن عبد العُزَّي بن عثمان بن عبد الدار بن قُصي. وأبوها الحارث قُتل يوم أحد كافرا. قتله قُزمان،
стр. 753
وهو أخو عثمان بن طلحة الذي دفع إليه النبيُّ ﵇ مفتاح الكعبة في فتح مكة.
وصفية هي أمَّ طلحة الطَّلحات بن عبد الله بن خلف، وهو الجوادُ الذي رثاه ابن قيس الرُّقَيَّات، وقد تقدَّم ذكره وذكر أبيه وعمِّ سليمان في بني مُليح من خُزاعة.
وكان قتلى الجمل حول الجمل؛ نصفُهم من أصحاب عليٍّ ونصفهم من أصحاب عائشة: من الأزد ألفان ومن سائر اليمن خمسمئة، ومن مضر ألفان: خمسمئة من قيس وخمسمئة من تميم وألف من بني ضبَّة، وخمسمئة من بكر بن وائل. وقُتلمن بني عديِّ الرِّباب يومئذ سبعون شيخا، كلهم قد قرأ القرآن سوى الشباب، ومن يقرأ القرآن.
وقالت عائشة: مازلتُ أرجو النَّصر حتى خُفيت أصوات بني عديٍّ. وصلى عليٌّ على قتلاهم من أهل البصرة، وعلى قتلاهم من أهل الكوفة، وصلى على قريش من هؤلاء وهؤلاء. وكانوا مدنيين وكوفيين ومكيين. وجمع ما كان في العسكر من شيء، ثم بعث به إلى مسجد البصرة؛ أن من عرف شيئا فليأخذه، إلا سلاحا كان في الخزائن عليه سمة السلطان، فإنه لما بقي لم يُعرف قال لأصحابه: خُذوا ما أجْلَبوا به عليكم من مال الله. ولا يحلُّ للمسلم من مال المسلم المتوفيَّ شيء، وإنما كان ذلك السلاح في أيديهم من غير تنفُّل من سلطان.
ودخل عليٌّ البصرة يوم الاثنين، فانتهى إلى المسجد، فصلى فيه، ثم دخل البصرة فأتاه الناس، ثم راح إلى عائشة على بغلته. فلما انتهى إلى دار عبد الله بن خلف، وهي أعظم دار بالبصرة وجد النساء يبكين على عبد الله وسليمان ابني خلف مع عائشة وصفية بنة الحارث زوج عبد الله بن خلف أمِّ طلحة الطَّلحات، مُختَمِرة تبكي. فلما رأته قالت: يا عليُّ يا قاتل الأحبَّة، يا مفرِّق الجمع، أيْتَمَ الله بَنيك منك كما أيتمت ولد عبد الله منه. فلم يردَّ عليها. ولم يزل على حاله حتى دخل على عائشة، فسلم عليها وقعد عندها وقال: جَبَهتنا صفية، وقال: أمَّا إني لم أرها منذ كانت جارية حتى اليوم. فلما خرج عليٌّ أقبلت عليه فأعادت الكلام، فكفَّ بغلتَّه فقال: ألا لَهَمَمْتُ. وأشار إلى أبواب من الدار، أن أفتح هذا الباب
стр. 754
وأقتل من فيه ثم هذا وأقتل من فيه. وكان أناس من الجرحى قد لجؤوا إلى عائشة فأخبر عليٌّ بمكانهم عندها، فتغافل عنهم، فسكت فخرج علي فقال له رجل من الأزد: والله لا تُفلِتُنا هذه الرأة. فغضب وقال: صه لاتهتكنَّ سترا، ولا تدخلنَّ دارا، ولا تهيجنَّ امرأة بأذى وإن شتمن أعراضكم، وسفَّهن أمراءكم فإنهنَّ ضعاف. ولقد كنا نُؤمر بالكفِّ عنهنَّ، وإنهنَّ لمشركات، وإنَّ الرجل ليكافئ المرأة ويتناولها بالضَّرب فيغيَّرُ بها عقبة من بعده. فلا يَبْلغني عن أحد عَرَضَ لا مرأة فأُنكِّلَ به شَرار الناس.
وجهَّز عليٌّ عائشة ﵂ بكل شيء ينبغي لها من مركب أو زاد أو متاع، وأخرج معها كلَّ من نجا ممَّن خرج معها إلا من أحب المُفام. واختار لها أربعين امرأة من نساء أهل البصرة المعروفات، وقال: تجهَّزْ يامحمد فبلِّغْها. فلما كان اليوم الذي ترتحل فيه جاءها حتى وقف لها، وحضر الناس، فخرجت على الناس، فودَّعوها وودّعتهم وقالت: يابنيَّ، يَعتُبُ بعضنا على بعض استبطاء وزيادة، فلا يَعْتدن أحد منكم على أحد بشيء بلغه من ذلك، أنه والله ما كان بيني وبين علي في القديم إلا ما يكون بين المرأة وأحمائها، وأنه عندي على مَعْتِبتي لَمِنَ الأخيار.
وقال علي: يأيُّها الناس، صدقت وبرَّت، ما كان بيني وبينها إلا ذاك. وإنها لزوجة نبيكم في الدنيا والآخرة.
وخرجت يوم السبت غُرة رجب سنة ستٍّ وثلاثين، وشيَّعها عليٌّ أميلا، وسرَّح بنيه معها يوما. وعن جرير بن حازم قال: سمعت أبا يزيد المدنيَّ يقول: قال عمار بن ياسر لعائشة حين فرغ القوم من أمر الجمل: يا أمَّ المؤمنين، ما أبعد هذا المسير من العهد الذي عُهد إليك! قالت: أبا اليقظان؟ قال: نعم. قالت: والله إنك ما علمت لقوال بالحقِّ. قال: الحمد لله الذي قضى لي على لسانِكِ.
وروى إسماعيل بن عُلية عن أبي سُفيان بن العلاء، عن ابن عتيق قال: قالت عائشة: إذا مرَّ ابن عمر فأرونيهِ. فلما مرَّ ابن عمر قالوا: هذا ابن عمر. فقالت: يا أبا عبد الرحمن ما منعك أن تَنهاني عن مَسيري؟ قال: رأيت رجلا غلب
стр. 755
عليك، وظننت أنك لا تخالفينه، يعني ابن الزبير. قالت: أما أنك لو نهيتَني ما خرجت.
البخاري: حدثنا محمد بن بشار: نا شعبة عن الحكم، عم أبي وائل. وحدَّثنا عبد الله بن محمد: نا يحيى بن آدم: نا بكر بن عياش: نا أبو حصين: نا أبو مريم عبد الله بن زياد الأسدي قال: لما سار طلحة والزبير وعائشة إلى البصرة بعث عليٌّ عمار بن ياسر والحسن بن علي زاد شعبة ليستنفرهم، وقدما علينا الكوفة، فصعد المنبر، فكان الحسن على فوق المنبر في أعلاه، وقام عمار أسفل من الحسن. فاجتمعنا إليه فسمعت عمارا يقول: إن عائشة قد سارت إلى البصرة، والله إنها لزوجة نبيكم ﷺ في الدنيا والآخرة، ولكنَّ الله ابتلاكم ليعلم أإياهُ تُطيعون أم هي ...
البخاريُّ: حدثنا عثمان بن الهيثم: نا عوف عن الحسن، عن أبي بكرة قال: نفعني الله بكلمة سمعتها من رسول الله ﷺ أيام الجمل بعد أن كدت أن ألحق بأصحاب الجمل، فأقاتل معهم. قال: لما بلغ النبيَّ ﷺ أنَّ أهل فارس قد ملَّكوا عليهم بنت كسرى قال: " لن يُفلح قوم ولَّوا أمرهم امرأة ". وعن سعيد القُطعيِّ قال: كنا نتحدث أنَّ قتلى أهل الجمل يزيدون على ستة آلاف.
وأمر عليٌّ من نادى يوم الجمل: لا يُتبعنَّ مُدبر، ولا يُجهز على جريح، ولا تسلبوهم ما معهم. فقال له أصحابه: أيحلُّ لنا قتلُهم ولا يحلُّ لنا سلبُهم؟ قال: إنهم من أهل القبلة وليسوا بكفار. وإنما قاتلناهم لبغيهم علينا حتى يفيئوا إلى أمر الله. فلما اكثروا عليه قال: اقترعوا أيُّكم يأخذ عائشة في سهمه. فقالوا معاذ الله أمُّنا! ورضوا بحكمه.
وقال عبد الله بن عباس: لما فرغ علي، ﵁، من أمر الجمل صعد على ربوة من الأرض وخطب أهل البصرة فقال: يا أنصار المرأة وأصحاب البهيمة، رغا فحننتم، وانخشر فانهزمتم. نزلتم شر بلاد أبعدها من السماء، بها
стр. 756
مَغيض كل ماء هي البصرة والبصيرة والموتفكة وتَدْمرُ. أين ابن عباس؟ قال: فدُعيت له من كلِّ جانب. فلما حضرت قال لي: سِرْ إلى الرأة، يعني أمَّ المؤمنين عائشة، وقل لها: تسير إلى الموضع الذي أمرها الله أن تقرَّ فيه. قال ابن عباس: فجئتها، فاستأذنت عليها فلم تأذن لي. فدخلت عليها بغير إذن، وعمدت إلى وساد كان في البيت فجلست عليه، فقالت: تالله ما رأيت مثلك يابن عباس! تدخل بيتي وتجلس على وسادي بغير إذني؟ قال: فقلت لها: والله ما هو بيتك إلا الذي أمرك الله أن تقرِّي فيه، فلم تفعلي. إن أمير المؤمنين يأمرك بالمسير إلى المدينة. فبكت وقالت: رحم الله أمير المؤمنين، ذاك عمر بن الخطاب. فقلت لها: نعم، وهذا أمير المؤمنين عليُّ بن أبي طالب. فقالت: أبيتُ أبيتُ. فقلت لها: ما كان إباؤك إلا مثل فواق ناقة بكيَّةٍ، ثم صرت لا تحلين ولا تمُرِّين. فقالت: نعم اسيرُ، إنَّ أبعض البلاد إليَّ بلد أنتم فيه. فقلت: والله ماكان هذا جزاؤنا منك، أن صيَّرناك للمؤمنين أمَّا، وصيَّرنا اباكِ لهم صدِّيقا فقالت: أتمنُّ عليَّ برسول الله يابن عباس؟ قلت: بلى والله نمنُّ عليك بمنٍّ لو كان منك بمنزلته منَّا لمننت به علينا.
وذُكر أن عليا ﵁ جاء إلى هودج عائشة، وهي فيه بعدما عُقر الجمل، فضربه بقضيب كان في يده، وقال لها: كيف رأيت صَنيعَ الله بك؟ فقالت له: مَلكت فأسْجِحْ.
وقال رسول الله ﷺ : " أيَّتُكُنَّ صاحبةُ الجمل الأدبَبِ تخرج فتّنْبجها كلاب الحوأب، يُقتل حولها قتلى كثير وتنجو بعدما كادت ". وهذا الحديث من أعلام نبوَّته ﷺ ، وهو حديث مشهور، رواه عكرمة عن ابن عباس.
стр. 757
بقية أخبار عبد الله بن الزبير وكيفيةُ إمرتهِ وقتلهِ ﵀
قال علي ﵁: ما زال يُعَدُّ منا أهل البيت حتى نشاء عبد الله. وكانت له لسانة وفصاحة، وكان أطلس لا لحية له، ولا شعر في وجهه. وقال عليُّ بن زيد الجُدْعانيُّ: كان عبد الله بن الزبير كثير الصلاة، كثير الصيام، شديد البأس، كريم الجدّات والأمهات والخالات، إلا أنه كانت فيه خصال لا تصلح معها الخلافة لأنه كان بخيلا ضيِّقَ العَطَن سيء الخُلق حسودا، كثير الخلاف. أخرج محمد ابن الحنفية، وسجنه، ونفي عبد الله بن عباس إلى الطائف، وهو القائل من بخلة لجنده: أكلتم تمرى وعصيتم أمري، وفي ذلك قال الشاعر:
رأيت أبا بكر وربُّك غالبٌ ... على أمرهِ يَبغي الخلافةَ بالتَّمرِ
وبويع له بالخلافة سنة خمس وستين، وكان قبل ذلك لا يُدعى باسم الخلافة. وكانت بيعة بعد موت معاوية بن يزيد. واجتمع على طاعته أهل الحجاز واليمن والعراق وخرسان، وحجَّ بالناس ثماني حجج. وروى عيسى عن ابن القاسم عن ... قال: ابن الزبير كان أفضل من مروان، وكان ألى بالأمر من مروان ومن أبنه. وبدأ الحجاج بحصاره من أول ليلة من ذي الحِجَّة سنة اثنين وسبعين. وحج بالناس الحجاجُ في ذلك العام. ووقف بعرفة في تلك السنة، وعليه درع ومغفر، ولم يطوفوا بالبيت ذلك العام. فحاصره ستة أشهر وسبعة عشر يوما، إلى أن قُتل في النصف من جُمادي ىلآخر سنة ثلاث وسبعين.
وعن هشام بن عُروة عن أبيه قال: لما كان قبل قتل عبد الله بن الزبير بعشرة أيام دخل على أمه أسماء وهي شاكية، فقال لها: كيف تَجدِينَك يا أُمَّهْ؟ قالت: ما أجدُني إلا شاكية. فقال لها: إن في الموت لراحة. فقالت: لعلك
стр. 758
تمنيت لي ما أحبُّ أن تموت حتى تأتي على أحد طرفيك؛ إمَّا قُتلت فأحتسبك، وإمَّا ظفرت بعدوِّك، فقرَّت عيني. قال عروةُ: فالتفت إليَّ عبد الله فضحك. فلما كان في اليوم الذي قُتل فيه دخل عليها في المسجد. فقالت له: يابُنيَّ لا تقبلن منهم خطَّة تخاف فيها على نفسك الذلَّ مخافة القتل. فوالله لضربة بسيف في عزٍّ خير من ضربة بسوط في مَذَلَّة. قال: فخرج وقد جعل له مصراع عند الكعبة، فكان تحته، فأتاه رجل من قُريش، فقال: ألا نفتحُ لك باب الكعبة؟ فقال عبد الله: من كلِّ شيء تحفظ أخاك إلا من نفسه. والله لو وجدوكم تحت أستار الكعبة لقتلوكم. وهل حُرمة المسد إلا كحُرمة البيت؟ ثم تمثَّل:
ولستُ بمُبتاعِ الحياةِ بسُبَّةٍ ... ولا مُرتَقٍ من خشيةِ الموت سُلَّما
وشد عليه أصحاب الحجاج من أبواب المسجد الحرام. فقال لأصحابه: اكسروا أغماد سيوفكم ولا تسلوا عني فإني في الرَّعيل الأول. قال: ففعلوا. ثم حملوا عليهم وحملوا عليه. فجعل يضربهم بسيفه حتى أخرجهم من المسجد وهزمهم ثلاث مرات، حتى أقبل عليه حجر من ناحية الصَّفا فضربه بين عينه، فنكَّس رأسه وهو يقول:
لست على الأعقابِ تَدمى كلومُنا ... ولكنْ على أعقابنا يقطر الدَّمُ
هكذا تمثَّل به الزبير بن بكار، قال: ثم أجمعوا عليه، فلم يزالوا يضربونه حتى قتلوه. ولما قُتل كبَّر أهلُ الشام، فقال عبد الله بن عمر: المكبِّرون عليه يوم وُلد خير من المكبِّرين عليه يوم قُتل.
وبعث الحجاجُ برأس عبد الله بن الزبير وعبد الله بن صفوان بن أمية بن خلف الجُحميِّ ورأس عُمارة بن عمر بن حزم الأنصاريِّ البخاريِّ إلى المدينة، فنُصبوا بها. ثم بعثوا برؤوسهم إلى عبد الملك، وصُلبت جثة ابن الزبير على ثَنيَّةِ أهل المدينة عند المقابر.
مسلم: حدَّثنا عقبةُ بن مُكرَمٍ العَمِّيُّ قال: نا يعقوب يعني ابن إسحاق
стр. 759
الحضرميَّ، قال: نا الأسود بن شَيبان عن أبي نوفل قال: رأيت عبد الله بن الزبير على عقبة المدينة، قال: فجعلت قريش تمر عليه والناس حتى مرَّ عبد الله ابن عمر فوقف عليه فقال: السلام عليك أبا ضُبيب، السلام عليك أبا ضبيب، السلامُ عليك أبا ضبيب. أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا، أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا، أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا. أما والله إن كنت ماعملت صوّاما قوَّاما وصولا للرَّحم. أما والله لأمَّة أنت شرُّها لأمة خير. ثم نفذ عبدُ الله بن عمر فبلغ الحجاج موقف عبد الله وقوله، فأرسل إليه، فأنزل عن جذعه فألقي في قبور اليهود. ثم أرسل إلى أمَّه أسماء بنة أبي بكر الصدِّيق، فأبت أن تأتيهُ، فأعاد عليه الرسول: لتأتينِّي أو لأبعثن إليك من يسحبُك بقرونك، قال: فأبت وقالت: والله لا آتيك حتى تبعث إليَّ من يسحبُني بقروني. قال: فقال: أرُوني سِبْتَيَّ، فأخذ نعليه، ثم انطلق يَتَوذَّف حتى دخل عليها، فقال: كيف رأيتني صنعتُ بعدوِّ الله؟ قالت: رأيتُك أفسدت عليه دُنياهُ وأفسد عليك آخرتك. بلغَني أنك يقول له: يابن ذات النِّطاقين، أنا والله ذات النطاقين، أمَّا أحدهما فكنت أرفع به طعام رسول الله ﷺ وطعام أبي بكر الصديق من الدوابِّ، وأما الآخر فنطاق المرأة التي لا تستغني عنه. أما إنَّ رسول الله ﷺ حدَّثنا أن في ثقيف كذَّابا ومبيرا، فأما الكذاب فرأيناه، وأما المبير فلا إخالك إلا إياه. قال: فقام عنها ولم يراجعها.
وقال يعلي بن حرملة: دخلتُ مكة بعدما قُتل ابن الزبير بثلاثة أيام فإذا هو مصلوب، فجاءته امرأة عجوز طويلة مكفوفة البصر تُقاد، فقالت للحجاج: أما آن لهذا الراكب أن ينزل؟ فقال لها الحجاج: المنافق؟ فقالت: والله ما كان مُنافقا، ولكنه كان صوَّاما قوَّاما بَرَّاً. قال: انصرفي فإنك عجوز وقد خرفت. قالت: لا والله ما خرفت، ولقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: يخرج في ثقيف كذابٌ ومُبيرٌ. أما الكذابُ فقد رأيناه، وأما المُبيرُ فأنت المُبيرُ. وقيل: إن الكذاب هو المختار بن أبي عُبيد الثقفيُّ. وذكر أن الحجاج حين ذكرت له هذا الحديث قال لها: اللهمَّ مُبيرٌ لا كذاب.
стр. 760
وقال ابن أبي مُلَيْكة واسمه عبد الله بن عبيد الله بن عبد الله بن أبي مُليكة. واسم أبي ملكية زهير بن عبد الله بن جُدعان التَّيميُّ تيمُ قريش: كنت الآذن لِمن بشَّر أسماء بنزول ابنها عبد الله بن الزبير من الخشبة. فدعت بِمركن وشَبٍّ يمانيٍّ وأمرتني بغسله. فكنا لا نتناول عضوا إلا جاء معنا. فكنا نغسل العضو ونضعه في أكفانه، ونتناول العضو الذي يليه فنغسله ونضعه في أكفانه. حتى إذا فرغنا منه قامت فصلَّت عليه، وكانت تقول قبل ذلك: اللهمَّ لا تمُتْني حتى تُقرَّ عيني بجثَّته، فما أتت عليها جُمعة حتى ماتت.
وقيل: إن عروة بن الزبير رحل من مكة إلى دمشق بعدما قتل الحجاجُ أخاه عبد الله. فلما وقف بباب عبد الملك قال للحاجب، قل لأمير المؤمنين: أبو محمد بالباب. فارتاع الحاجب وقال: ما أجفاك يا هذا! إنَّ أمير المؤمنين لا يُستأذن عليه بالكنى. فقال: إنك إن لم تفعل ما أمرتك به عاقَبَك. فدخل الحاجب مغضبا، فقال له عبد الملك: مالك ويحك؟ قال: يا أمير المؤمنين، بالباب رجل أظنُّه من أهل الحجاز، عليه ثياب غلاظ مُشَمَّرة قال لي قولا أُجلُّ أمير المؤمنين أن أخاطبهُ به. قال: قل ويحك. قال: يقول: قل لأمير المؤمنين أبو محمد بالباب. فضحك عبد الملك، وقال: هو عُروة بن الزبير، إئذن له. فلمَّا دخل عليه رغب إليه في إنزال أخيه من الخشبة، فأسعفه وأكرمه ووصله.
وقال عليُّ بن مجاهد: قُتل مع ابن الزُّبير مئتان وأربعون رجلا، منهم من سال دمه في جوف الكعبة. وقال سفيان بن عُيينة: مكث عامر بن عبد الله بن الزبير بعد قتل أبيه حولا لا يسأل الله لنفسه شيئا إلا الدُّعاء لأبيه.
وولد عبدُ الله عبدَ الله، وكان أشبه القوم بأبيه، وخُبيبا، وبه كان يُكنى أيضا، ولا عقب له، وقيسا ولا عقب له، وعامرا، وعبادا، وحمزة، وثابتا، وموسى. ولهولاء الخمسة أعقاب، وأنجبوا. ويروى عن عامر وعباد وحمزة الحديث.
وكان عامر بن عبد الله من أعبد أهل زمانه. وكانت فيه غفلة. أتيي بعطائه وهو في المسجد، فقام ونسبه في موضعه، فلما سار إلى بيته ذكره، فقال: يا غلام إئتني بعطائي الذي نسيت في المسجد. قال له: وأين يوجد وقد دخل المسجد بعدك جماعة؟ قال: وبَقِيَ أحد أن يأخذ ما ليس له؟ وسُرقت نعله فلم
стр. 761
يلبس بعد ذلك نعلا حتى مات. وقال: أكره أن أتَّخذ نعلا، فيجيء من يسرقُها فيأثمُ. وفي هذا الضرب من الناس قال أيوب السِّختيانيُّ: في أصحابي من أرجو بركة دُعائه ولا أجيزُ شهادته. ويكنى عامر أبا الحارث. ولمالك عنه مُشافهة في كتاب الصلاة من الموطأ حديثان مُسندان نصُّهما.
مالك: عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن عمر بن سُليم الزِّرقيِّ، عن أبي قتادة الأنصاريِّ أنَّ رسول الله ﷺ كان يصلِّي، وهو حامل أمامة بنت زينب بنة رسول الله ﷺ لأبي العاصي بن الربيع بن عبد شمس. فإذا سجد وضعها، وإذا قام حملها.
مالك: عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن عمرو بن سُليم الزُّرْقيِّ، عن أبي قتادة الأنصاريِّ أن رسول الله ﷺ قال: " إذا دَخل أحدُكم المسجد فليركع رَكعتين قبل أن يجلس، وذلك حسن وليس بواجب ". وروىمالك أيضا عن عَبَّادَ بن عبد الله بن الزبير في جامع الجنائز من الموطأ ما نصُّه: مالك عن هشام بن عروة، عن عبَّاد بن عبد الله بن الزبير أن عائشة زوج النبيَّ ﷺ أخبرته أنها سمعت رسول الله ﷺ قبل أن يموت، وهو مُسْتَندٌ إلى صدرها، وأصغتْ إليه يقول: " اللهمَّ اغفرْ لي وارحَمْني وألحِقْني بالرفيق ". وروى عباد عن عائشة وأبيه، وروى عنه ابنه يحيى بن عبَّاد.
وأما حمزةُ بن عبد الله بن الزبير: فيكنى أبا عُمارة. وكان من أجواد العرب. وكان عامل أبيه على البصرة وله عقب. وفيه يقول موسى شَهَوات:
حمزةُ المبتاعُ بالمالِ الثَّنا ... ويرى في بَيعهِ أنْ قد غَبَنْ
وهو إن أعطى عطاء كاملاً ... ذا إخاء لم يُكدِّرْهُ بِمَنْ
стр. 762
وإذا ما سَنَةٌ مُجحِفَةٌ ... بَرَتِ المالَ كَبْريٍ بالسَّفَنْ
حَسَرتْ عنهُ نقياً عرضُهُ ... طاهرَ الأثوابِ ما فيهِ دَرَنْ
وروى حمزة عن عائشة، وابنه عبد الواحد بن حمزة حمزة روى عن عمِّه عبادِ بن عبد الله [بن] الزبير. وروى عن عبد الواحد عبد العزيز بن محمد الدَّراوَرْدِيُّ وموسى بن عقبة.
وأما ثابتُ بن عبد الله بن الزبير: فكان بذيئاً لسِنا بئيساً. وولد ثابت نافعا ومُصْعبا. ويكنى نافع أبا عبد الله. ومات سنة خمس وخمسين ومئة، وقد بلغ اثنتين وتسعين سنة.
وابنه أبو بكر عبد الله بن نافع: سمع مالك بن أنس، ذكره مسلم في كتاب " الكنى ".
وأما أخوه مصعب بن ثابت: فمات بالمدينة سنة سبع وخمسين ومئة، وهو ابن ثلاث وسبعين سنة.
وابنه عبد الله بن مصعب: كان عامل مروان بن محمد على المدينة واليمن، وهو والد مصعب بن عبد الله الزُّبيري، وبكار والد الزُّبير بن بكار. وكان الغالب على مصعب بن عبد الله الزُّبيريِّ النسب والأخبار. وله كتاب في نسب قريش، وكذلك ابن أخيه الزبير بن بكار. ووَليَ الزُّبير قضاء مكة.
وأما موسى بن عبد الله بن الزبير: فكان له عقب بالمدينة، منهم: صُدَيقُ ابن موسى، وكان من سَرِواتِ قُريش.
ومن موالي عبد الله بن الزُّبير أبو نُعيم وهْبُ بن كَيسان: وهو من التابعين. روى عن جابر بن عبد الله وعمر بن أبي سَلمة. ولمالك عنه في الموطأ حديثان.
عروةُ بن الزبير: كنيته أبو عبد الله وأبو محمد، كان يُدعى بهما، وأبو عبد
стр. 763
الله أشهر. وكان فقيها فاضلا، وهو أحد الفقهاء السبعة. قال عمر بن العزيز: ما أحد أعلم من عروة بن الزبير. وقال ابن شهاب: عروة بحر لا تكدَّرُه الدَّلاء. وكان من الزهَّاد في الدنيا، الراغبين في الآخرة، العالمين بالكتاب والسُّنَّة. تمنىَّ على الله خير أُمنية بصدق نية، فأنعم عليه بما يتمنى، وسهَّل له مطلوبّهُ وسَنَّى.
ذُكر أنه اجتمع عبد الله بن الزبير وعُروة ومُصعب أخواه وعبد الملك بن مروان يوما بمكة في حِجْر إسماعيل ﵇. فقال بعضهُم: هلمَّ فَلنْتمنَّ على الله، فإن هذا موضع استجابة للدُّعاء. فقال عبد الله بن الزبير: أتمنَّى أن أملك الحرمين، وأُسمَّى أمير المؤمنين. وقال مصعب بن الزبير: اتمنَّى أن أَلِيَ العراقين، وأن أنكح عائشة بنت طلحة وسُكينة بنت الحسين. وقال عبد الملك بن مروان: أتمنى أن أملك الأرض كلَّها. وقال عروة بن الزبير: لستُ ممَّا أنتم في شيء؛ أتمنى الزُّهد في الدنيا والجنة في الآخرة، وأن أكون مِمَّن يُروى عنه هذا العلمُ. فبلغ كلُّ واحد منهم أُمنيَّتَهُ؛ فكان عبد الملك بن مروان يقول: من سَّرهُ أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى عروة بن الزبير.
وأصابت عُروة الأكِلةُ في رجله، وهو بالشام عند الوليد بن عبد الملك فقُطعت رجله والوليد حاضر فلم يتحرَّك، ولم يشعر الوليد أنها تُقطع حتى كُويَتْ، فوجدوا رائحة الكيِّ، وبقي بعد ذلك ثماني سنين. ولما قُطعت رجله ووُضعت بين يديه قال: الحمد لله الذي أخذ مني واحدة، وأبقى لي ثلاثا، يعني رجله الأخرى ويديه. ولم يدع وِردَةُ تلك الليلة. وقال أيضا:
لعَمرُك ما أهويتُ كفي لريبَةٍ ... ولا حَملتْني نحوَ فاحشةٍ رِجْلي
ولا قادني سمعي ولا بَصري لها ... ولا دلَّني دِيني عليها ولا عقلي
وأَعلمُ أني لم تُصبْني مُصيبةٌ ... منَ الدهر إلا قد أصابت فتىً قبلي
وولد عُروة سنة ست وعشرين ومات سنة أربع وتسعين، قاله مصعب بن
стр. 764
عبد الله الزبيريُّ. وكانت تلك السنة تُدعى سنة الفُقهاء، لكثرة من مات منهم فيها. وقال الواقديُّ: مات وهو ابن سبع وستين.
وولد عروة عبد الله وهشاما ومحمدا ويحيى. فأما عبد الله بن عروة فكان من أخطب الناس وأبلغهم. وكان يشبَّه بخالد بن صفوان في البلاغة وقيل له: تركت المدينة دار الهجرة، فلو رجعت لقيت الناس، ولقيك الناس فقال: وأين الناس؟ إنما الناس رجلان. شامت بنكبة أو حاسد لنعمة. وعَمي قبل موته، وأعقب بالمدينة. وروى عنه أخوه هشام.
ومن ولده عامر بن صالح بن عبد الله بن عروة أبو الحارث. سمع عمَّ أبيه هشاما. روى عنه احمد بن حنبل.
وأما هشام بن عروة: فكان فقيها، وكان من ساكني المدينة، وهو أحد أشياخ مالك. وله عنه في الموطأ خمسون حديثا، منها ستة وثلاثون مُسندة وسائرها مراسل تستند من وجوه صحاح. وقدم الكوفة أيام أبي جعفر فسمع منه الكوفيون. وقدم بغداد في آخر عُمره، فمات بها سنة ست وأربعين ومئة. ودفن في مَقْبرة الخيزُران، وأعقب بالمدينة وبالبصرة. وكان يكنى أبا المنذر. وروى هشام عن أبيه كثيرا. وروى أيضا عن امرأته فاطمة بنة عبد المنذر بن الزبير، وكانت تحته، وكانت أسنَّ منه.
وأما محمد بن عروة: فكان من أجمل الناس ولا عقب له الرجال. وأما يحيى بن عروة فكان له علم بالنَّسب وأيام الناس فذكر إبراهيم بن هشام المخزوميَّ خال هشام بن عبد الملك وواليَهُ على المدينة، قادحا في نسبه. فأمر به هشام فضُرب فمات بعد الضرب. وأعقب بالمدينة.
المنذر بن الزبير: كان يُكنى أبا عثمان، وكان سيدا حليما. وقُتل مع ابن الزبير.
ومن ولده محمد وعاصم. فأما محمد بن المنذر فكان يقال له سيد قُريش ويكنى أبا زيد. وكان إذا مرَّ في الطريق أُطفئت النيران تعظيما له. وانقطع يوما قِبال نعلهِ، فقال برجله هكذا. فنزع الأخرى ومضى، وتركهما ولم يعرِّج
стр. 765
عليها. وهو القائل: ماقلَّ سفهاء قوم قطُّ إلا ذلَّوا. وله عقب.
وأما عاصم بن المنذر فمن ولده أبو عبد الله بن الزبير بن أحمد بن سليمان ابن عبد الله بن عاصم بن المنذر بن الزبير بن العوام، مات قبل العشرين وثلاثمئة، وكان أعمى. وله مصنفات في مذهب الشافعي كثيرة مليحة، منها: الكافي، وكتاب النِّية، وكتاب سَترِ العورة، وكتاب الهدية، وكتاب الاستشارة والاستخارة، وكتاب رياضة المتعلم، وكتاب الإمارة.
انقضى ذكر ولد الزبير من أسماء بنت الصديق وأعقابهم.
ذكرُ ولد الزبير من غير أسماء ﵂، وهم: مصعب، وحمزة، وقتل حمزة مع أخيه عبد الله بمكة، ولا عقب له، وخالد، وعمر، وعبيدة، وجعفر.
فأما مصعب: فكان يكنى أبا عبد الله وأبا عيسى، وكان أجود العرب جميلا، باهر المَرْآةِ، شريف النفس، بعيد الهمَّة غزيزها. وفيه يقول عبيد الله بن قيس الرقيات:
إنما مصعبٌ شهابٌ من الله ... تجلَّتْ عن وجههِ الظُّلماء
مُلكُهُ ملكُ رحمةٍ ليسَ فيه ... جَبروتُ منهُ ولا كِبرياءُ
يتَّقي اللهَ في الأمور وقد أف ... لحَ مَن كان همُّه الاتِّقاء
وولاَّهُ أخوه عبد الله العراقين، فسار إليه عبد الملك، ووجَّه أخاه محمد بن مروان على مقدِّمته. فلقيه مصعب فقاتلهُ، فقتل محمد مصعبا بدير الجاثليق بين الشام والكوفة سنة إحدى وسبعين. وقُتل ابنه عيسى بن مصعب معه. وخطبة أخيه عبد الله حين بلغه قتله مما يُعدُّ من فصاحته وبلاغته. يُروى أنه لما أتى عبد الله بن الزبير قتل مصعب خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعدُ فإنه أتانا خبر مصعب فسُرونا واكتأبنا، فأما السرور فلما قُدِّر له من الشهادة و....
стр. 766
له من الثواب. وأما الكآبة فلوعة يجدها الحميمُ عند فراق حميمه. وإذا والله ما نموتُ.
وجمع المصعب بين عَقيلتين لم يجمع بينهما شريف، وهما سُكينة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب وعائشة بنت طلحة بن عبيد الله. وكانتا في غاية من الشرف والجمال. وأخبار سُكينة أكثر من أن تُحصى. وكانت سُكينة تحت المصعب حين قتل. ولما كان يوم مَسكين وهرب أكثر الناس عن المصعب دخل إلى سُكينة بنة الحسين وكانت له شديدة المحبة، وكانت تُخفي ذلك عليه، فلبس غِلالة وتوشَّح عليها، وانتضى السيف. فلما رأت ذلك عَلِمت أنه عزم ألا يرجع فصاحت من ورائه: فالتفت إليها، فقال: أوهذا لي في قلبك؟ فقالت: أي والله وأكثر من هذا. فقال: أما لو علمت لكان لي ولك شأن. ثم خرج، فقال لأبنه عيسى: أنجُ إلى نجائك، فإن القوم لا حاجة بهم إلى غيري. فقال: يا أبتاه لا أحرِّف عنك والله أبدا، فقال له؛ وهي الحظوظُ، أما والله لئن فعلت ذلك لما زلت أعرف الكرم في أسرارك وأنت تَقلَّب في مَهدك. فقتل بين يدي أبيه ففي ذلك يقول شاعر أهل الشام من اليمامة:
نحن قتلنا مُصعباً وعيسى
وابنَ الزبير البطلَ الرئيسا
عَمْداً أذٌَْنا مُضَرَ التبئيسا
وقال رجل من أهل الشام يذمُّ رجلا:
فلو كانَ شَهْمَ النَّفس؟ أوذا حفيظةٍ ... رأى ما رأى في الموتِ عيسى بنُ صعبِ
ولما أرادت سُكينة بنت الحسين الرحيل من الكوفة بعد قتل زوجها المصعب حفَّ بها أهل الكوفة، وقالوا: أحسن الله صحابتك يابنة رسول الله. فقالت: لا
стр. 767
جزاكم الله خيرا من قوم، ولا أحسن الخلافة عليكم. قتلتم أبي وجدي وعمي وزوجي، أيتمتموني صغيرة وأرملتموني كبيرة.
ومما نُقم على أهل الكوفة أنهم أغدر الناس؛ انتهبوا عسكر الحسن بن غلي وهم من جنده، وخذلوا الحسين بن عليٍّ بعد أن استدعوه حتى قُتل، وشكوا سعد ابن أبي وقاص إلى عمر بن الخطاب، وزعموا أنه لا يحسن أن يُصلي، فدعا عليهم ألاَّ يُرضِيهم الله عن وال، ولا يُرضي واليا عنهم. وقد دعا عليهم عليُّ بن أبي طالب وقال: اللهمَّ ارمهم بالغلام الثَّقفيِّ الذي لايقبل من مُحسنهم ولا يتجازو عن مُسيئهم، وشكوا عمار بن ياسر والمغيرة بن شعبة، وطردوا سعيد بن العاصي والوليد بن عقبة، وقالوا لعثمان: لا حاجة لنا في سعيدك ولا وليدك.
وقال بعض شعرائهم:
يا وَيلتي قد ذهبَ الوليدُ
وجاءنا من بعده سعيدُ
ينقصُ في الصَّاع ولا يزيدُ
ومن أخبار عائشة بنت طلحة: نظر أبو هريرة ﵁ إلى عائشة بنت طلحة فقال: سبحان الله ما أحسن ما غذَّاك أهلُك! والله ما رأيت وجها أحسن من وجهك إلا وجه معاوية على منبر رسول الله ﷺ . وكان معاوية من أحسن الناس وجها. ونظر ابن أبي ذئب إلى عائشة بنة طلحة تطوف بالكعبة فقال لها: من أنت؟ فقالت:
من اللائي لم يَجْجُجْنَ يَعْين حِسبةً ... ولكنْ ليقتلْنَ البريء المُغفَّلا
مثلك أبا عبد الله. قال: صان الله ذاك الوجه عن النار. قيل: أفَتَنتْك أبا عبد الله. قال: لا، ولكنَّ الحسن مرحوم. وعن الشعبيِّ قال: إني لفي المسجد نصف النهار إذ سمعت باب القصر يُفتح، فإذا بمصعب بن الزبير معه جماعة، فقال: يا شعبيُّ اتبعني، فاتبعته فأتى دار موسى بن طلحة، فدخل مقصورة، فأتبعته فإذا امرأة جالسة عليها من الحلي والجواهر مالم أر مثله، ولهي أحسن من الحلي
стр. 768
الذي عليها. فقال: ياشعبيُّ، هذه التي يقول فيها الشاعر:
وما زلتُ في ليلي لَدُنْ طَرَّ شاربي ... إلى اليوم أُخفي حبَّها وأداجِنُ
وأحملُ في ليلي لقَومي ضغينةً ... وتُحملُ في ليلي عليَّ الضغائنُ
هذه عائشة بنت طلحة. فقالت: أمَّا إذ جَلَوْتني عليه فأحسن إليه فقال: يا شعبيُّ، رُحِ العشيَّة، فرحتُ. فقال: يا شعبيُّ ما ينبغي لمن جُليت عليه عائشة أن يُنقص من عشرة آلاف شيئا. فأمر لي بها وبكسوة وبقارورة غالية. فقيل للشعبِّي في ذلك اليوم: كيف الحال؟ قال: وكيف حال من صدر عن الأمير ببدرة وكسوة وقارورة غالية ونظر في وجه عائشة بنت طلحة؟ وكانت قبل مصعب عند ابن خالها عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصدِّيق، فولدت له طلحة، وكان جوادا، ولم تلد إلا له.
وأصدق المصعب عائشة حين تزوجها ألف ألف درعهم. وفي صداقها قال أنس ابن زُنيم الدُّؤليُّ، وكان مع المصعب بالعراق لأخيه، وكان مع عبد الله بن الزبير بمكة:
أَبلغْ أميرَ المؤمنينَ رسالةً ... من ناصحٍ لكَ لا يريدُ وَداعا
لو لأبي حَفصٍ أقولُ مقالتي ... وأقصُّ شأنَ حديثهم لارتاعا
قوله: أبلغ أمير المؤمنين يعني عبد الله بن الزبير. وقوله: لو لأبي حفص يعني عمر بن الخطاب ﵁. وقد أثبت هذه الأبيات لقائلها في صدر هذا الكتاب عند ذكر بني الدُّئل في كنانة.
وتزوَّجها بعد قتل المصعب عُمر بن عبيد الله بن مَعْمر، وروى مصعب عن أبيه الزبير، كذا قال مسلم في الكنى، وكناه بأبي عبد الله.
стр. 769
وولد مصعب عيسى وعُكاشة وجعفر وحمزة، فأما عيسى فقُتل مع أبيه ولا عقب له، وأما عُكاشة فكان له عقب بالمدينة. وابنه مصعب بن عكاشة: قُتل يوم قُديد. وأما جعفر فتزوَّج مُليكة بنت الحسن بن الحسن بن علي فولدت له نساء، وله ولد من غيرها. وأما حمزة فقُتل هو وابنه عُمارة يوم قُديد. وأعقب بالمدينة. ومن ولده: أبو إسحاق إبراهيم بن حمزة بن محمد بن حمزة بن مصعب بن الزبير. سمع والدَّرواورْديَّ وابن وهْبٍ.
وأما خالد بن الزبير: فاستعمله أخوه عبد الله على اليمن. وله عقب منهم خالد بن عثمان بن الزبير. كان خرج مع محمد بن عبد الله الحُسيني، فأخذه أبو جعفر فصلبه.
وأما عمرو بن الزبير: فكان يُكنى أبا الزبير، وكان له قدر كبير. وخالف أخاه عبد الله، فقاتله، ثم جاءه في جُوار عُبيدة أخيه، فقتله. وله عقب.
وابنه عمرو بن عمرو: الذي يقول أبو حُكيم الحزين بن سُليمان:
لو ان اللُّؤمَ كان معَ الثريا ... تناولَ رأسه عمرُو بنُ عمرِو
وقيل: اسم الحزين عمرو بن عبيد من بني ليث بن كنانة. ذكر هذا الواقديُّ. والأولُ قولُ عمر بن شَبَّة. وقال إنه مَوليِّ.
وأما عُبيدة بن الزبير فهو الذي قال لعمرو بن الزبير حين قاتل أخلاه عبد الله: امض معي إليه، وأنت في جواري. فإن أمنك وإلا رددتُك إلى مأمنِك. فمضى معه، فلم يُجر عبد الله أمانه، وأقصَّ منه حتى مات. ولعبيدة عقب.
وأما جعفر بن الزبير فكان من فتيان قريش. وكان صاحب غزل، وابنه محمد بن جعفر روى عن ابن عمِّه عبَّادِ بن عبد الله بن الزبير عن عائشة حديث الرجل الذي وطئ نهارا في رمضان. فقال: احترقت. خرَّجه مسلم. ورواه عنه عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، أحد شيوخ
стр. 770
مالك. وروى أيضا عن عمِّه عُروة بن الزبير عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: " مَن مات وعليه صيام صام عنه وليُه ".
ومن بنات الزبير رملةُ: وكانت تحت خالد بن يزيد ين معاوية وكان يحبُّها، زفيها يقول:
تجولُ خلاخيلُ النساء ولا أرى ... لرملةَ خَلخالاً يجولُ ولا قُلْبا
فلا تُكثِروا فيها الملامَ فإنني ... تخيَّرتُها منهم زُبيريةً صُلبا
أحب بني العوَّام طُرَّاَّ لحبِّها ... ومن أجلها أحببتُ أخوالها كَلبا
وافتعل على لسان خالد بيت رابع، وهو:
فإنْ تُسْلمي أْسْلمْ وإنْ تَتنصَّري ... يُعلِّقْ رجالٌ بين أعيُنِهم صُلْبا
ويروى أن عبد الملك بن مروان أنشد خالدا البيت فغضب وقال: يا أمير المؤمنين على قائله لعنة الله.
ومن موالي الزبير البَهيُّ الذي يروي عن عائئشة، واسمه عبد الله بن يسار، ويكنى أبا محمد. ونزل الكوفة، فروى عنه الكوفيون. روى البَهيُّ عن عائشة قال: سأل رجل النبيَّ ﷺ : أيُّ الناس خير؟ قال:....... خرَّج الحديث مسلم.
ومن موالي آل الزبير حُميدُ بن قيس الأعرج المكيُّ أحد أشياخ أبي عمرو ابن العلاء في القراءة. وكان قاريء أهل مكة، كثير الحديث، فارضا، حاسبا. وروى عنه مالك في الموطأ، وقرأ على مجاهد.
стр. 771
وأخوه عمر بن قيس يضعَّفُ في حديثه.
وكان الزبير من الإخوة: السائب وعبد الرحمن فأما السائب فكان شقيق الزبير، وشهد أحدا والخندق وسائر المشاهد مع رسول الله ﷺ . وقُتل يوم اليمامة شهيدا.
وأما عبد الرحمن فكان أخا الزبير لأبيه وأسلم عام الفتح، وصحب النبيَّ ﷺ ، واستشهد يوم اليرموك، وقُتل ابنه عبد الله بن عبد الرحمن يوم الدار. وامرأته جميلة بنت عبد العزَّي بن قَطَن من بني المُصْطلِقِ من خزاعة، كانت من المبايعات. ولا نعلم لها رواية. وهي أمُّ ابنه عبد الله بن عبد الرحمن وغيره. وأبوها عبد العزَّي بن قَطنٍ هو الذي شَبَّه به رسول الله ﷺ الدجّال في حديث النَّواسِ بن سَمعان. خرَّجه مسلم.
стр. 772
أبو محمد
طلحة بن عبيد الله
стр. 773
أبو محمد طلحة بن عبيد الله
ابن عثمان نب عمرو بن عامر نب عثمان بن كعب بن سعد بن تميم بن مرة ابن كعب. نسبه ونسب أبي بكر الصديق واحد، يجتمع معه في كعب بن سعد ابن تميم. وكان يقال له طلحة الخير وطلحة الجُود وطلحة الفيَّاض. وقال فيه رسول الله ﷺ يوم أحد: " أوجب طلحةُ ".
الترمذي: حدثنا أبو سعيد الأشجُّ: نا يونس بن بُكير عن محمد بن إسحاق، عن عبَّاد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن جده عبد الله ابن الزبير قال: كان رسول الله ﷺ يوم أحد درعان، فنهض إلى صخرة فلم يستطع، فأقعد تحته طلحة، وصعد النبيُّ ﷺ ، حتى استوى على الصخرة فقال: سمعت النبيَّ ﷺ يقول: " أوجب طلحة، وكان شهيدا وهو حيٌّ ".
الترمذي: نا قُتيبة: نا صالح بن موسى الطَّلحيُّ من ولد بن عبيد الله، عن السَّلطيِّ بن دينار، عن أبي نضرة قال: قال جابر بن عبد الله: سمعت رسول الله ﷺ يقول " " من سَّره أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر طلحة بن عبيد الله ". وكان ممَّن أنزل الله فيه؛ " فمنهم مَن قَضى نحبه ".
الترمذي: حدثنا عبد القدوس بن محمد العطار: نا عمرو بن عاصم، عن إسحاق بن يحيى بن طلحة، عن عمِّه موسى بن طلحة قال: دخلت على معاوية
стр. 774
فقال: ألا أبشِّرُك، سمعت رسول الله ﷺ يقول: " طلحة ممَّن قضى نحبه ". وقال البخاريُّ في كتاب " الفوائد " له: حدثنا أبو كُريب محمد بن العلاء: نا يونس بن بُكير: نا طلحة بن يحيى عن موسى وعيسى ابني طلحة عن أبيهما طلحة أن أصحاب رسول الله ﷺ قالوا لأعرابيٍّ جاهل: سَله عمَّن قضى نحبه مَن هو؟ وكانوا لا يجترئون هم على مسألته يُوقِّرونه ويهابونه. فسأله الأعرابيُّ فأعرض عنه. ثم إني طلعت من باب المسجد وعليَّ ثياب خضر، فلما رآني رسول الله ﷺ قال " " أين السائل عمَّن قضى نحبه؟ ". قال الأعرابيُّ: أنا يا رسول الله. قال " " هذا ممَّن قضى نحبه ".
وخرَّج الترمذيُّ هذا الحديث عن البخاري. بسنده ونصِّه. وكان ممَّن ثبت مع رسول الله ﷺ يوم أحد وسلم يوم أحد ووقاه بيده من ضربة قُصد بها فشلَّت يده. حدَّث أحمد بن زهير أبي خيثمة قال: نايحيى بن معين: نا وكيع عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم قال: رأينت يد طلحة شلاَّء.
الترمذي: عن علي بن أبي طالب قال: سمعت أذني من في رسول الله ﷺ وهو يقول: " طلحة والزبير جاراي في الجنَّة ". وقال أبو عليٍّ إسماعيل بن القاسم البغداديُّ في " النوادر " له: حدثنا أبو بكر محمد بن القاسم قال: نا خلف بن عمرو العكْبريُّ قال: نا أبو عبد الرحمن بن عائشة قال: نا عبد الرحمن بن حماد عن طلحة بن يحيى بن طلحة، عن أبيه، عن طلحة بن عبيد الله قال: رمي إليَّ رسول الله ﷺ بسفرجلة وقال: " دونكها يا أبا محمد فإنها تجمُّ الفؤاد " قال أبو بكر: قال خلف بن عمرو: قال أبو عبد الرحمن ابن عائشة: تجمُّ الفؤاد: تُريحه. قال أبو بكر وقال غيره: تجمُّ الفؤاد معناه تفتحه وتوسِّعه. من جمام الماء وهو اتساعه وكثرته.
ولم يشهد طلحة بدرا. قدم من الشام بعد رجوع رسول الله ﷺ منبدر. فضرب له ﷺ بسهمه وأجره، فكان كمن
стр. 775
شهدها. وهو من المهاجرين الأولين. وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين كعب بن مالك حين آخى بين المهاجرين ةالأنصار. وأمُّ طلحة الصعبة بنت الحضرمي أخت العلاء بن الحضرميِّ. وكانت قبل عُبيد الله عند أبي سفيان بن حرب، فطلقها، ثم تتبَّعتها " نفسه " وقال:
إني وصعبةُ فيما نَرى ... بَعيدانِ والودُّ ودٌّ قريبُ
فإلاَّ يكنْ حسَبٌ ثاقبٌ ... فعند الفتاةِ جمالٌ وطيبُ
فيالَ قُصيٍّ ألا فاعْجبوا ... ألِلْوبَرِ صار الغزالُ الربيبُ؟
كان طلحة أول من بايع عليا عندما قُتل عثمان، وكانت يدُه شلاء. فقال رجل ممَّن " شهد ": يد شلاء بايعت أولا، ما أسرعها للنكث! فكان كما قال.
وحضر الجمل مع عائشة " ومع " مروان بن الحكم. وروى جُويرية بن أسماء عن يحيى بن سعيد عن عمِّه قال: رمى مروان بالسَّهم ثم التفت إلى أبان بن عثمان. فقال: قد كفيناك بعض قتلة أبيك وقال أحمد بن....: نا عبد السلام ابن صالح: نا عليُّ بن مُسهر: نا إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم.... أبصر طلحة بن عبيد الله واقفا يوم الجمل. فقال: لا أطلب بثأري بعد اليوم، فرماه، فأصاب فخذه فشكها بسرجة، فانتزع السهم فكان إذا أمسكوا الجرح انتفخت الفخذ وإن خلَّوه سال الدم فقال طلحة: دعوه فإنه سهم من سهام الله أرسله، فمات فدُفن بقنطرة ... رأت عائشة بنته بعد موته بثلاثين سنة في المنام أنه يشكو النَّرَّ، فأمرت به فاستخرج " وتولى " إخراجه عبد الرحمن بن سلامة التميمي فدُفن في داره في الهَجَريِّي بالبصرة ... وقيل: إنهم لما نبشوا عنه وجدوا ما يلي الأرض من " جسمه " مخضرا وقد تحاصَّ شعَرُهُ فاشتروا له دارا
следующие страницы →