← Джавами‘

Джавами‘ · id 26523

مجلة المقتبس

محمد كرد علي

Полный текст (6 802 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

معولين في ذلك على شهامتهم واسلحتهم على اكتاد دوابهم واتصال امصارهم بحدود ارضه. وحليهم في القلائد والدمالج والشنوف والخلاخل الذهب الخالص إلى هذا العهد في اوالي الجدة واللجين في كثير من آلة الرجلين فيمن عدأهم والأحجار النفسية من الياقوت والزبرجد والزمرد ونفيس جوهر كثير ممن ترتفع طبقاتهم المستندة إلى ظل دولة او اصالة معروفة موقرة. وحريمهم حريم جميل موصوف بالحسن وتنعم الجسوم واسترسال الشعور ونقاء الثغور وطيب النشر وخفة الحركات ونبل الكلام وحسن المجاورة إلا أن الطول يندر فيهن وقد يبلغن من التفنن في الزينة لهذا العهد والمظاهرة بين المصبغات والتنافس بالذهبيات والذيباجيات والتماجن في أشكال الحلي إلى غاية نسأل الله أن يغض عنهن فيها عين الدهر ويكف كف الغدر ولا يجعلها من قبيل الابتلاء والفتنة وأن يعامل جميع من بها بستره ولا يسلبهم خفي لطفه بعزته وقدرته. وصف لسأن الدين امة ملك قشتالة فقال: وحال هذه الأمة غريبة في الحماية الممزوجة بالوفاء والرقة والاستهانة بالنفوس في سبيل الحمية عادة العرب الأول وأخبارهم في القتال غريبة من الاسترجال والزحف على الاقدام أميرهم ومأمورهم والجثو في الأرض أو الدفن في التراب والاستظهار في حال المحاربة بعض الالحان المهيجة ورماتهم قسيهم عربية جافية وكلهم في دروع ولا لجام عندهم والتقهقر مقدار الشبر ذنب عظيم وعار شنيع ورماتهم يسبقون الخيل في الطراد وحالهم في باب التحلي بالجواهر وكثرة آلات الفضة غريب.

стр. 1262

مطبوعات ومخطوطات الأحاطة في أخبار غرناطة قل في كتب الأدب والتاريخ ما ينتفع به مطالعه في أمور كثيرة بقلة الجيد منها وذلك لأن المصنفات كالبضائع فيها الجيد وفيها الرديء والمصنفين اصناف فقسم يؤلف وقد تمت ادواته وتشبع بما يود الحوض فيه فلا يكتب الا الثمين النافع وقسم بين ذلك وقسم يخلط ويخبط لاهوى له إلا في ذكر اسمه وحشر نفسه في عداد المصنفين. وصاحب كتاب الأحاطة في أخبار غرناطة هو من أهل الصنف الأول ما كتب كتأبا الا عن فكر وروية وناهيك بما يصدر من نفثات ابن الخطيب حسنة الأندلس ونابغة عصره بل كثير من العصور قبله وبعده. وفقت شركة طبع الكتب العربية بمصر إلى نشر الجزئين الأولين من هذا الكتاب واوفقت طبع الثالث لكثرة التجريف الذي وجدته فيه بحيث يتعذر على القارئ كشف وجه الحقيقةمنه. ولئن وقع في هذين الجزئين اغلاط وتحريفات التبس بها الحق بالباطل وكأنت العناية تقضي استثبات صحتها وإرجاعها إلى نصابها لو امكن فإن هذا التهاون يغتفر في جانب تلك الذخيرة التي نبشوها ونشروها وهي ولا جرم من بعض ما يعمر به بناء الشعر والنثر ولسأن الدين حجة فيهما قاطعة. وأن لنا ريبة في كون هاته المجلدات الثلاث هي كل ماكتبه المؤلف في رجال عاصمته وعبارة صاحب نفح الطيب تساعد على هذا الشك. قال: ان كتاب الأحاطة هن الطائر الصيت بالمشرق والمغرب والمشارقة أشد إعجاباً به من المغاربة او أكثر بهجاً بذكره مع قلته في هذه البلاد المشرقية وقد اعتنى باختصاره الأديب الشهير البدر البشتكي وسماه مركز الأحاطة في أدباء غرناطة وهو في مجلدين سنة ٧٩٣ وقد جعل كل أربعة أجزاء من الأصل في مجلد اذ هو في مجلدين ونسخة الأصل في ثمان مجلدات. وقف سلطأن الأندلس نسخة منه على بعض مدارس غرناطة وكانت في اثني عشر سفراً متقنة الخط والعمل وكان لسأن الدين ارسل في حياته نسخة من الأحاطة إلى مصر وقفها على أهل العلم وجعل مقرها بخانقاه سعيد السعداء قال المقري وقد رأيت المجلد الرابع منها وكان في ثمانية أجزاء ورأيت بظهر أول ورقة من هذه النسخة خطوط جماعة من العلماء وعلمت أن

стр. 1263

المكتوب في الوقفية ثمان مجلدات لا اثني عشر فلعل ذلك الاختلاف بسبب الكبر والصغر. قلت وهذه العبارة كتبت بعد الالف. وكيفما كانت حال الكتاب كبراً وصغراً فقد اخرج إلى عالم المطبوعات نموذجات من نثر لسان الدين وشعره ونثر جماعة من أصحابه وشعرهم. ابتدأ الجزء الأول بوصف جغرافية الأندلس الطبيعية والسياسية والاسيما عاصمتها بحيث يتراءى لك متى قرأته أن الكابت عصري نشأ في حجر حضارة هذا القرن. للسأن الدين نمط خاص به في الإنشاء وتعبيرات لا تجدها لغيره من كتاب المغرب المشرق تتمثل في كلامه روحاً عالية ولفظاً شفافاً ومعنى جزلاً. وما كان نسقه ليرضى كل الرضى لو لم يكن يغوص على بدائع المعاني التي يميلها عليه اشمئزازه من محيطه وتقززه من خدمة دولته حتى كان يدعو أن يلطف الله بمن اتبلى بذلك وأن يخلصه خلاصاً جميلاً. وكيف لا تدفعه حميته إلى القول وقد استولى العدو في أيامه على معظم قواعد الأندلس مثل إشبيلية وقرطبة ومرسية وجيان والمرية ولسأن الدين يستصرخ وزعماء السلطة في لهوهم وغرورهم مسترسلون. ولئن خاطبهم (دون الجهر من القول لمكان التقية) فما تجار ممن يرميه بالزندقة ايضا في كتابه هذا لأن لسأن الدين املاه بلسان الانصاف والانطلاق فعز على نظرائه خروجه عن مألوف العادة في ذكر تراجم الناس حتى يخيل اليك انهم كلهم كأسنأن المشط في الاستواء. تقرأ الترجمة في الأحاطة وهو في تراجم الرجال الذين نشأوا فيها او مروا بها وبعبارة أخرى هو تاريخ الأندلس ورجالها فيتجلى لك المترجم به كانك تراه وما اظن أن كتاب التراجم من الإفرنج اليوم باقدر على وصف رجالهم من صاحبنا لسأن الدين ولا عجب فهو اوروبي ايضا غدي تلك التربة المسكية والهواء الصافي والماء العذب وللبقاع تأثير في الطباع وما المرء الا نسخة ثانية من محيطه وبيته. ولم يقتصر المؤلف كتابه على ذكر الملوك والرؤساء والفقهاء وأهل الطرق كما هي عادة معظم المؤرخين بل ذكر كثيراً ممن غلبت عليهم المعارف الدنيوية مثل أبي القاسم اصبغ بن محمد (٤٢٦) احد مفاخر الأندلس قال وكان محققاً لعلم العدد والهندسة مقدماً في علم الهيئة والفلك والنجوم وكانت له مع ذلك عناية بالطب وذكر تآليفه على عادته في اثبات حسنات المترجمين وسيئاتهم. ومثل أبي على الصعلعل حسن بن محمد رئيس الموقتين

стр. 1264

بالمسجد الأعظم من غرناطة (٧١٦) وكان فقيهاً أماماً في علم الحساب الهيئة أخذ عنه الجلة والنبهاء قائماً على الاطلال والرخائم والالات الشعاعية ماهراً في التعديل مع التزام السنة والوقوف عند حد العلماء في ذلك مداوم النظر ذا استنباطات ومستدراكات وتواليف نسيج وحده ورجعه وقته. ومثل أبي جعفر احمد بن الحسن بن باضة السلمي الموقت بالمسجد الأعظم بغرناطة قال وكان نسيج وحده وقريع دهره معرفة بالهيئة وأحكاماً للآلة الفلكية ينحت منها بيده ذخائر يقف عندها النظير والحبرة جمال خط واستواء صنعة وصحة وضع بلغ في ذلك درجة عالية ونال غاية بعيدة حتى فضل بما ينسب إليه من ذلك كثيراً من الاعلام المتقدمين وازرت آلة بالحمائريات والصفاريات وغيرها من آلات المحكمين وتغإلى الناس في يأثمانها أخذ ذلك عن والده الشيخ المتفنن شيخ الجماعة في هذا الفن. ومثل أبي العباس احمد ابن مفرج الأموي النباتي المشهور ومن ضارعهم في علمهم من الأطباء والفلاسفة والحكماء والكيماويين ممن لا يعدهم أكثر المؤرخين في صنف العلماء. وذكر شهيرات النساء في عصره مثل نزهون بنت القلاعي وام الحسن بنت القاضي أبي جعفر الطبحالي وحمدة بنت زياد المكتبي وحفصة بنت الركوني وغيرهن من نالأديبات وتجوز في إيراد بعض مجالسهن مع أدباء الأندلس وما كان في ذلك بأس في عصره. والكلام على الجزء الثاني لا يخرج عن حد الكلام على الجزء الأول وإن كان في الثاني يطول في بعض التراجم كأطالته في ترجمة أبي عبيد الله محمد القرشي التلمساني فإنه كتب تسعاً وعشرين صفحة بين شيوخه ونثره ونظمه ونكته مما اخرجه عن الصدد وكذلك ترجمة ابن زمرك احد اعيان أدباء الأندلس كتب فيه عشرين صفحة وقيل أن ابن زمرك كان يعد من جملة الساعين بنكبة ابن الخطيب. وقد يحمل المؤلف الحنق فيطلق عنان القلم في ترجمة الكبراء أيضاً كنا وصف اسماعيل بن يوسف بن اسماعيل بن فرج بن نصر السلطان الذي احتال على اخيه المتوثب على ملكه ومثل ما ترجم به محمد بن اسماعيل بن محمد بن فرج بن اسماعيل بن نصر الرئيس المتوثب على الملك على كرسيه الأمارة ووزراء دولته وكاتب سره وشيخ الغزاة على عهده. وقد عثرت فيه على ألفاظ ما كان يخيل لي أن الأندلسيين سبقونا إلى استعماله مثل طومارة للبطاقة وفي القاموس الطأمور

стр. 1265

والطوأما الصحيفة ج طوأمير. ولفظه الممطر لما يعرفه الفرنسيس بالباردسو ذاك الرداء الطويل. واستعمل لفظة عائلة التي أنكرها احد علماء اللغة المعاصرين فقال في ترجمة احدهم: عظيم الهشة مبذول البشر عظيم المشاركة قديم العائلة. ووردت لفظة يخت في الشعر الأندلس وكنا نظنها من قبل إنكليزية ففي قصيدة لمحمد بن جزي الكلبي: نعم لست ارضى عن زماني اوأرى ... مكاناً به السفن المواخر واليخت الزجل وتاريخ الدول للسأن الدين الخطيب كتاب سماه رقم الحلل في نظم الدول طبع في تونس نظم فيه ملوك المسلمين من لدن صاحب الرسالة (ص) إلى القرن الثامن كل دولة على حدتها نظماً رائعاًٍ ليس فيه للتكليف شائبة وعلق على كل دولة شرحاً لطيفاً ضمنه ما ساعد عليه الاختصار من أخبار الملوك وأحوال اممهم ووزارائهم. وفي هذا المختصر من الحقائق مالا يكاد يوجد إلا في المطولات وخصوصاً في أخبار دول المغرب كبين الاغلب وملوك الشيعة من العبيد بين بأفريقية ومصر وبني امية بالأندلس وملوك الطائف فيها ودولة المرابطين من لمتونه أهل اللثام والموحدين ودولة بني أبي حفص بأفريقية وبني زيان بتلمسان وبني مرين وبني نصر وهاك نموذجاً منه في وصف ملك المأمون وهو المليك العالم الحليم ... ساعده السعد بما يروم من بعد ما كابد أمر عمه ... وفرج الله من غمه فقر المأمون ملك الأمة ... بعد اضطراب دائم وغمه واشرق السعد على الخلافة ... وانسدل الا من بلا مخافة وكان حبراً عالماً حكيماً ... عدلاً تقياً حازماً حليماً وثار إبرأهيمنجل المهدي ... وناله قسراً بغير عهد فأثر العفو واغضى عن دمه ... منقبة شاهدة بكرمه ومات في غزواته المعلومة ... كانت بها أعماله مختومة معيار الاختيار في ذكر المعاهد والديار هي رسالة طبعت حديثاً في فاس بمطبعة الدكتور احمد يمني أفندي لسانها لمؤلفها لسان الدين بن الخطيب جاءت في ٥٤ صفحة في أحمل حرف واجود ورق ولم تنقصها الا

стр. 1266

العناية بالتصحيح. وصف فيها المؤلف على طريقة السجع المنمق معظم بلاد المغرب والأندلس وصف متقيد بالسجع على طريقة السؤال والجواب فذكر جبل الفتح واسطبونه ومربلة وسهيل ومالقة وبلش وغمارش والمنقب وشلوبانة وبرجة ودلاية والمرية وبطرنش وبيرة ومحاقر وقتورية وبرشانة واوربة وبلش وبسطة واشكر واندرش وشبالش ومدينة وادي آش وفتيانة والحمة وصالحة وانيرة ومنتفريد ولوشة وارجلانة والنتقيرة ودكوان وقرطمة ورندة وسبتة وطنجة وقصر كتامة واصيلا وسلا وآنفا وآزمور وتيط ورباط اسفي مراكش واغماه ومكناسة وفاساً ومدينة الملك وأمر سلوين وتازا وغساسة فما قاله في وصف فاس: هي الحشر الأول والقطب الذي عليه المعول والكتاب الذي لا يتأول بل المدارك والمدارس والمشايخ والفهارس وديوان الراجل والفارس والباب الجامع من موطأ المرأفق ولواء الملك الخأفق وتنور الماء الدأفق ومحشر المؤمن والمنأفق وسوق الكاسد والنأفق حيث البنى التي نظر إليها عطارد فاستجفاها وخاف عليها الوجود أن يصيبها بعينه الحسود فسترها بالغور واخفاها والأسواق التي ثمرات كل شيء إليها قد جبيت والموارد التي اختصت وحببت المنارة المخطوبة وصفاح الخلج المشطوبة والغدر التي منها ابو طوبة بلد اعارته الحمامة طوقها ... وكساها ريش جناحها الطاوس فكانما الأنهار فيه مدامة ... وكان ساحات الديار كؤوس اجتمع بها ما أولده سام وحام. وعظم الالتئام والالتحام. فلا يعدم في مساكنها زحام فأحجارها طاحنة. ومخابزها شاحنة. والسنتها باللغات المختلفة لاحنة. ومكاتبها هائجة ورحابها متهائجة واوقافها جارية والهمم فيها إلى الحسنات واضدادها متبارية. وقال في آنفا وهي التي سماها إلبرتغاليون في القرن السادس عشر الدار البيضاء: جون الحط والأقلاع ومجلب السلاع تهوي إليها السفن شارغة وتبتدرها مسارعة تصارف برها الذهب بالذهب الابريز وتراوح برها وتغاديه بالتبريز. تسقط الطير حيث يلتقط الح ... ب وتغشى منازل الكرماء وخارجها يفضل كل خارجة. وقانصها يجمع بين طائر ودارج. وفواكها طيبة. وامطارها عصيرها صيبة. وكيلها وافر. وسعرها عن وجه الرخاء سافر. وحبرتها لا تنقطع لها خف

стр. 1267

ولا حافر. ولكن هواؤها وماؤها عديما الصحة. والعرب عليها في الفتن ملحة. والأمراض بها تعبث وتعبث. والخزي بها لايلبث. صفوة العرفإن في تفسير القرآن اهدانا محمد فريد أفندي وجدي صاحب مجلة الحياة نسخة من مقدمة تفسيره هذا أتى فيها على موجز من فلسفة الأديان وادوار الإنسأن في الاستسلام للعقيدة أو التردد فيها وعلاقة ذلك بالجهل والعلم ولحضارة والبداوة وذكر فصولاً في الوحي والنبوات وخوارق العادات والشؤون الروحية وتاريخ القرآن من حيث وحيه وجمعه وترتيبه وناسخة ومنسوخة وتعدد قراآنة كل ذلك بعبارة سهلة تدل على فضل المؤلف وقد استشهد بآراء علماء المشرقيات في الكتاب العزيز وأهل الإسلام فزادت بذلك فائدة هذه المقدمة التي وقعت في ١٨١ صفحة كبيرة فنهنئة على نشاطه الذي يرينا كل حين أثرا من أثاره. ومما عربه عن المسيو جول لابوم في مقدمته فهرسته الذي جمع فيه الآيات المتشابهات قوله في حالة العالم قبل البعثة النبوية (كان جو العالم في حوالي ميلاد محمد (ص) في القرن السادس الميلادي متلبداً بغيوم الاضطربات والفتن فكان شعب الوزير يغو آلاريون في اسبانيا وفرنسا الجنوبية يصادقون الملك كلوفيس وأولاده الكاثوليكيين فكانوا من أجل ذلك يطلبون مساعدة امبرطور مملكة الرومأن الشرقية المدعو جوتسنيانس ثم اضطروا إلى الدخول معه في حروب جديدة تخلصاًمن سلطة القواد الذين جاؤوهم تلك المساعة فقد كانوا يزعمون أن لهم حق الفاتحين لا ولاء المحامين اما في فرنسا نفسها فكان أولاد كلوفيس هذا متغادرين متقاتلين وكأنت الحروب التي شبت نيرانها بين الملكة الوزيغوتية برونهو والملكة الفرنكية فيريد يجوند تهيء للتاريخ أشد الصحائف أثارة للاسى والكمد. وكان الانجلو في إنكلترا ينازعون السكسونين الأرض التي احتلوها واستعبدوا فيها ذرية كيمريس وهم اقدم المغيرين على تلك الجزيرة التي تتطلع اليوم للوقوف في مقدمة الأمم علماً وصناعة وقوة وهي التي كانت في ذلك الوقت مجالاً للقوة الوحشية السائدة في تلك الغياهب الحالكة. (اما في إيطاليا فكان اسم الرومان وهو ذلك الاسم الشامخ قد فقد موقعه القديم وكانت رومية وهي الشظية الأخيرة او رأس ذلك التمثال الكبير المتهشم (يعني مملكة الرومان) في حالة

стр. 1268

تمللها من استحالة أمرها إلى مركز ديني بسيط ترتج وتضطرب كلما الم بها طائف من ذكرى عظمتها القديمة أيام كانت مركزأً دينياً أصلياً فكانت تهيء نفسها لان تكون مركز البابوية وهي تلك السلطة الزمنية كما اقتضت سياسة شارلمان أن يجعلها كذلك بعد قرنين من الزمان ولكنها مع ذلك لم يسعها حمل نير الهيروليين والاستروغوتيين وامبراطورية المملكة الرومانية واللومبارديين الذين تدأولوا السلطة عليها تدأولاً. (اما مملكة اليونأن التي كانت قد نسيت مجدها القديم فكانت تابعة لمملكة الرومأن الشرقية مثلها منها كمثل الزينة ذات الضوضاء. وكان شرق أوروبا مقلقاً جنوبها من أول مصب نهر الرون من جهة الغرب إلى مصب نهر الطونة (الدانوب) من جهة الشرق فكان الأسكندينافيون والنروجيون والدانيماركيون يتزاحمون في الطريق الذي كان سلكه الغوط والهونيون الذين احتلوا تراسيا ومكدونية ولمبارديا وإيطاليا بالقوة او بالخديعة. في ذلك الوقت بدأ ظهور الاتراك من اعماق آسيا الصغرى وهي تلك الأمة التي قصرت فيما بعد مملكة اليونان على اسوار القسطنطينية. (التصوير البديع الذي جادت به قريحة المسيورينأن لبيان مركز الأمبراطورية الرومانية في القرن الأول من التاريخ المسيحي لا علاقة له البته بالتصوير الممكن عمله لتجلية حال أوروبا في القرن السادس: تلك كانت مفاسد قيصيرية مختمرة اما هذه الوحشية حربية تلعب بالارواح وتتمرغ في الاوحال. (اما آسيا فلم تكن اهدأ بالاًً من أوروبا في شيء: فمملكة التبت والهند التي اقتبست منها الأمم السائدة في أوروبا الآن قرائحها وأفكارها العامة ولغاتها. والصين التي بعد مسألتها اغرب المسائل السياسة والفلسفية وبالجملة اغرب المسائل الاجتماعية كانت كلها ممزقة الاحشاء بالحروب الداخلية والخارجية المتضاعفة بالمنازعات الدينية. (أما السفح الشمالي من الهضبة الآسياوية العالية التي هي في حوزة روسيا الأن فكانت غير معروفة على الاطلاق واما مملكة الفرس التي كانت أحوالها مرتبطة بأحوال الغرب خصوصاً من لدن حملة الأسكندر المقدوني فكانت مشتبكة في حرب مع اليونأن الرومانيون في القسطنطينية الذين كانوا أصحاب السلطة على آسيا الغربية. واما في أفريقيا فكان هؤلاء اليونأن الرومانيون انفسهم وهم اخلاط من عساكر وتجار وحكام

стр. 1269

مجموعين من آفاق مختلفة - دائبين امتصاص دم القطر المصري وعاملين على جعل مصر العلمية ذات المجد القديم كالجثة المصبرة لا حركة فيها ولا حس وكان هذا شأنهم في الاقاليم الخصبة يومئذ في الجهات الشمالية من أفريقيا التي انتزعوها من ايدي الفنداليين. كتاب الحيوان لا مجال هنا للكلام على هذا الكتاب الجليل الذي احياه بالطبع محمد أفندي الساسي المغربي كما احيا كثيراً من كتب مؤلفه الجاحظ والمدونة للأمام مالك وغير ذلك بعد أن تكلمنا في المجد الأول في فضل الجاحظ ومزية كتبه بما لا نرى الأن في اعادته كبير أمر أما الأن فنزف البشري إلى عشاق العلم والأدب أن قد تم الجزء الخامس والسادس والسابع من كتاب الحيوان وبه تم هذا السفر البديع الذي لم ينسج كاتب على منواله ولا سمحت قريحة بمثاله فتمت بذلك فائدة جعبة علم وأدب بل خزانة كلها منافع حيثما قلبت طرفك منها تسقط على ما تقر به عينك وتشرح به صدرك وتحلي به عقلك وها نحن أولاء ننقل هنا للتسلية فائدة تأخذها بالعرض من ألوف الفوائد في اسماء لعب الاعراب قال الجاحظ: النقيرا وعظيم وضاح والخطوة والدارة والشحمة ولعبة الضب فالنقيرا أن يجمع يديه على التراب في الأرض إلى اسفله ثم يقول لصاحبه اشته في نفسك فيصيب ويخطئ. وعظيم وضاح أن تأخذ بالليل عظماً أبيض ثم يرمي به واحد من الفريقين فإن وجده واحد من الفريقين ركب أصحابه الفريق الآخر من الموضع الذي يجدونه فيه إلى الموضع الذي رموا به. والخطوة أن يعلموا مخراقاَ ثم يرمي واحد منهم من خلفه إلى الفريق الآخر فإن عجزوا عن أخذه رموا به إليهم فإن أخذوه ركبوهم. والدارة هي التي يقال لها الخراج. والشحمة أن يمضي واحد من أحد الفريقين بغلام فيتنحون ناحية ثم يقلبون ويستقبلهم الآخرون فإن منعوا الغلام حتى يصيروا إلى الموضع الآخر فقد غلبوهم عليه ويدفع الغلام إليهم وإن هم لم يمنعوه ركبوهم وهذا يكون كله في الليالي الصيف عن غب ربيع مخصب. ولعبة الضب أن يصوروا الضب في الأرض ثم يحول واحد من الفريقين وجهه ثم يضع بعضهم يده على شيئ من الضب فيقول الذي يحول وجهه انف الضب او عين الضب او ذيب الضب او كذا وكذا من الض على الولاء فإن أخطأ ما وضع عليه يده ركب وركب أصحابه وإن أصاب حول وجهه الذي كان وضع

стр. 1270

يده على الضب ثم يصير هوالسائل. تقرير اللورد كرومر صدرت الترجمة العربية من تقرير معتمد إنكلترا في هذا القطر سابقاً عن الحالة المالية والادارة والحالة العامة في مصر وفي السودأن سنة ١٩٠٦ مترجماً في ادارة المقطم ومطبوعاً في مطبعته وهذا آخر تقرير اللورد كرومر ضمنه حقائق كثيرة عن مصر والسودان وتكلم فيه كلام السياسي والاجتماعي الذي يخدم امته باللذات وغيرها بالعرض وجاء في ٢٤٨ من قطع الثمن وبحرف كهذا الحرف. وقد سبق لنا نشر شيء منه عن حالة المعارف عند صدور النسخة الإفرنسية منذ بضعة أشهر وتقارير العميد السالف من خير الكتب الاجتماعيةى والاقتصادية في حياة مصر فهي حرية بأن لا تخلو منها مكتبة. نخب لغوركي سليم أفندي قبعين ممن اتقنوا اللغة الروسية وترجم بعض كتب لمشاهير كتابها منها كتاب حقوق المرأة في الإسلام وانجيل تولستوي ومذهب تولستوي وقد ترجم مقالات لمكسيم غوركي الكاتب الشاعر الاشتراكي الذي كان له أثر مهم في نهضة روسيا الأخيرة فاستفدنا منه الوقوف على اسلوب هذا الكاتب الذي رفعت امته قدره ورفع هو قدرها ومن لنا بعشرة ينقلون للعربية من الروسية والألمانية والايطالية ما يغنيها فإن من أعظم النقض في النهضة العلمية المصرية الحديثة أن لا يكون فيها تراجمه ينقلون الينا ما تمس إليه الحاجة من آداب تلك الأمم وأخلاقها وأثار عملهم لان ما يترامى الينا عن طريق الفرنسيس والإنكليز لا يساوي ما نأخذه عن تلك الأمم نفسها تهذيب الشبيبة السورية أخذنا التقرير السنوي الرابع لهذه الجمعية النبيلة المقصد وفيه خلاصة أعمالها من أول تموز سنة ١٩٠٦ إلى مثله سنة ١٩٠٧ فكان مجموع دخلها ١٩٧٥٣ قرشاً ومجموع ما أنفقته ٨٠٣٥ قرشاً أنفقته على شبأن لا يستطيعون أن يتعملوا لضيق ذات يدهم وما زالت تنفق على بعض نابغة الذكاء. والقائمون بهذا العمل فئة من افاضل المتخرجين من المدرسة الكلية الأميركية جزأهم الله خيراً. حديث البلبل

стр. 1271

هي محاورة أدبية خيالية وكلمات وعظية لمحمود أفندي رمزي وقعت في ٤٨ صفحة صغيرة. الأبيض والاسود هي إحدى روايات فيكتور هوغو عربها لمسأمرات الشعب نقولا أفندي رزق الله بسلاسة تعريبة ونقله فنشرتها تتمة لسنتها الثالثة وقد اعلنت ادارة هذه المجلة القصصية الفريدة في بابها بانها ستصدر في سنتها الرابعة في ٢٤٤ صفحة صغيرة مرتين في الشهر أي في ٢٨٨٠ صفحة في السنة وقد حسنت ورقها وطبعها وزادت قيمة اشتراكها إلى خمسين قرشا وهي همة تذكر لصاحبها خليل بك صادق الذي عرف ذوق الجمهور وخدمة بهذه الروايات الأدبية وقد صدر المعرب روايته بثلاث قصائد في وصف هوغو الأولى لاحمد بك شوقي والثانية لحافظ إبرأهيموالثالثة من نظمه وقد جاء في الأولى ثأر الملوك وظل عند ابائه ... يرجو ويؤمل عفوه المئثور واعار (وترلو) جلال يراعه ... فجلال ذاك السيف عنه قصير يا ايها البحر الذي غمر الثرى ... ومن الثرى حفر له وقبور أنت الحقيقة إن تحجب شخصها ... فلها على مرالزمان ظهور أرفع حداد العالمين وعد لهم ... كيما يعيد بائس وفقير وانظر إلى البؤساء نظرة راحم ... قد كأن يسعد جمعهم ويجير الحال باقية كما صورتها ... من عهد آدم ما بها تغيير البؤس والنعمى على حإليهما ... والحظ يعدل تارة ويجور ومن القوي على الضعيف سيطر ... ومن الغني على الفقير أمير والنفس عاكفة على شهواتها ... تأوي إلى احقادها وتثور والعيش آمال تجد ونتقضي ... والموت اصدق والحياة غرور ومما جاء في الثانية عاف في منفاه أن يدنوبه ... عفو ذاك العأهل المغتصب بشروه بالتداني ونسوا ... انه ذاك العصامي الأبي كتب المنفي سطراًً للذي ... جاءه بالعفو فاقرأ واعجب

стр. 1272

ابريء عنه يعفو مذنب ... كيف تسدي العفو كف المذنب جاء والأحلام في اصفادها ... مالها في سجنها من مذهب طبع الظلم على اقفالها ... بلظاه خاتماً من ذهب وانبرى يصدع من اغلالها ... باليراع الحر لا بالقضب هاله أن لايراها مرة ... تمتطي في البحث متن الكوكب ساءه أن لا يرى في قومه ... سيرة الإسلام في عهد النبي قلت عن نفسك قولاً حكيماً ... لم تشبه شائبات الكذب انا كالنجم تبر وثرى ... فاطرحوا تبري وصونوا ذهبي وجاء في الثالثة الا هل أتى اقوامنا أن دولة ... تدول إذا ما شاعر قام منشدا اغار على رب السرير بشعره ... وضعضع ملكاً ظنه الناس سرمدا وكانت قوافيه جيوشاً تزودت ... حياة وموتاً للاحبة والعدى تولى بريد الدهرللناس نقلها ... وأنشدها في الخافقين مرددا ولم يبق في ارض الفرنسيس غير من ... يقر له بالفضل او يحفظ اليدا فعاد إلى اوطانه غير ناقم ... على غربة أولته ذكراً مؤبدا وإعلاء اقدار الرجال وخفضها ... اضل واشقى الشرق والغرب اسعدا الانتقام قصة بقلم ناصيف أفندي نقولاوس والغالب انها مترجمة وأن لم يذكر صاحبها ذلك وهي في ١٩٢ صفحة متوسطة وتطلب من مكتبة الهلال ومكتبة الشعب.

стр. 1273

سير العلم حقيقةالسجن كتب السيد هاملتون من رجال ادارة سجن مقاطعة مشيغأن في الولايات المتحدة فصلا في (مجلة العالم الكبيرة) وصف فيه هذا السجن الذي هو مثال السجون الحقيقية التي يراد منها أن يجد الناس فيها ما يسيرون معه بعد مغادرتهم اياها على محور الاستقامة ويتركون ما الفوه مما يخالف ارتكابه القانون ويهدد اركان النظام والسلام ويجعلهم أعضاء اشلاء في جسيم الأمة قال: يقيم بين جدران هذا السجن سبعمائة نفس من اسواء سكان المقاطعة خلالاً وهم مع هذا يعاملون على الجملة بشفقة ولهم في سجنهم الحرية التامة. وبما أنهم يعودون الأخلاق الكريمة فمن الممكن أن يبلغوا ويسمموا بنفوسهم إلى مراتب الأمانة والاستقامة. ولا يسمح بجلد المذنبين في هذا السجن ويؤذن لهم بعد ظهر كل سبت بالتنزه احراراً مدة ساعة في ارض خضراء كثيرة الكلاء وإذ كان هذا الأمتياز الذي يناله المجرمون عرضة للالغاء إن نشأ عنه سواء فالمسجونون انفسهم يبالغون في الاحتراس من وقوع ما يؤخذ عليهم وعلى هذا فليس في السجن أكثر من ثلاثين حارساً وجميعهم لا يحملون بايديهم غير العصي فقط. ولا يسمح لهم بحمل اسلحة نارية داخل السجن وتعرف المسجونين بسيمأهم والبستهم فمن كان حسن الخلال يلبس رداء ازرق ومن لم يزل تحت التدريب على ذلك يلبس كسوة رمادية غير أن أولئك المذنبين الذين لم يصلحوا لقبول ذلك وقد جردوا من جميع الأمتيازات التي ينالها الآخرون فهم يلبسون اردية خاصة بهم مخططة. ويبقى السجين محبوساً ولا يطلق من سجنه حتى تصبح أخلاقه شفيعة بنيله ذلك. ويشترط قبل مبارحته السجن أن يتعرف إلى احد يتكفل بان يبحث له عن عمل يحترف به ويراقبه ويسوغ للسجناء أن يتكلموا في السجن في خلال عملهم ولايجوز لهم أن يضعوا في غرفهم آلات الطرب وتأتي في الغالب جمعيات التمثيل التي تزور المدينة إلى السجن فتمثل القصص على المسرح اللطيف الصغير الذي بناه المجرمون فيه. وهذه المعاملة بالشفقة والرحمة هي الوسيلة الوحيدة التي تتبع في هذا السجن من زمن قديم. ولقد شوهد أن التهذيب بالعنف والرهبة مهما سهل أمره فهو مضر للغاية ومميت لشعور من يعنى بتأديبه وتهذيبه.

стр. 1274

انقراض الطيور ينقرض في الغالب كل سنة نوع او عدة أنواع من الحيوانات والطيور وهذا الانقراض أخذ في الزيادة والاسراع. وقد قال السيد ادورد فيفإن من مقال نشر في (جريدة شامبر) الإنكليزية إنه كان في جزيرة سانت توماس من جزر الهند الغربية أربعة عشر نوعاً من أنواع الطيور منذ قرن فإنقرض إلى الآن منها ثمانية أنواع ومكث في أفريقيا الغاغة حتى سنة ١٨٧٥ ثم انقرض وانقرضت معه عدة أنواع من طيور أخرى. وبادت من جزائر المحيط الهندي عدة أنواع من طيور ثمينة القدر وقد انقرض الدود في القرن السابع عشر وغاب عن الانظار الجاموس الأميركاني تقريباً من أمريكيا الشمالية. فظائع الحرب انشأ السيد كارل شوروز مقالاً بليغاً في إحدى المجلات الإنكليزية تكلم فيه عن وقعة جتسبرج وقد رأينا أن ننشر شيئاً مما كتبه في وصف ما يراه الناظر يميدان أن القتال في اليوم الثاني لحدوث إحدى الوقائع قال: لا اقبح ولا ابشع من النظر إلى جثث القتلى في ساحة الحرب وقد لبثوا يوماً او أكثر قبل أن يذوقوا حتفهم عرضة لا شعة الشمس الحرقة والهواء الحار. وقد تنكرت سحنتهم فإنتفخت وجوههم وانصبغت بالسواد وبرزت اعينهم وصارت ثابتة في مكانها لا تتحرك وتبدلت هيئتهم حتى بعدوا عن أن يميزوا يعرفوا وقد انفرد بعضهم وبقي غيرهم مرتبين صفوفاً ووقع آخرون بعضهم على بعض فكانوا اكواماً. بدت على آخرين هيئة من يريد الراحة بالصلح وقد رفعت ايدي فريق منهم. وظهر آخرون في صورة الجلوس. وأخذ نفير يركعون. وبقي بعضهم ينبش الأرض باظفاره. وقد تشوه كثيرون تشوهاً منكراً بينا كأنت الحروب شديدة الوطيس وملك المنون يرفرف فوق الرؤوس. امتلأت الديار ومجالس الحيوانات والمزارع بالانين ووضعت النضائد في فضاء الأرض ومكث الجراحون واكمامهم مرفوعة إلى مرأفقهم. وسواعدهم المكشوفة وكذلك وزراتهم الكتانية مخضبة بالدماء وهم - الا قليلا - قابضون على اسلحتهم باسنانهم يبنا يكونون مهتمين بمداواة جريح راقد فوق المنضدة او على مكان آخر او تكون ايديهم مشتغلة بعمل وهناك من خلفهم برك الدماء وبجانبها اكوام من السواعد والارجل المقطوعة مما يزيد

стр. 1275

ارتفاعه في بعض الاحيان عن قامة الإنسان! الجريح راقد على المنضدة وهو غالباً يصيح مما يقاسيه من الالم فيخفف إليه الجراح ويفحص بسرعة جرحه ثم يشرع في بتر العضو الذي يؤذيه ويشير إلى الخدم بالاستعداد لاحضار آخر. فيخرج سلاحه من (بين اسنانه) التي كان قابضا عليه بها حين كانت يداه مشغولة ويمسحه يخفة مرة او مرتين في (وزرته) الملطخة بالدم ثم يبدأ بالبتر. فإذا انتهى من عمله نظر إلى خلفه وتنهد كثيراً صادراً من اعماق فؤاده ثم نادى (غيره). . . . . ويلفت نظرك أن ترى الجراح - وقد مضى عليه زمن طويل وهو يشتغل - نازعاً سلاحه من يده قائلاً والدموع الغزيرة تنهمل من عينيه أنه لم يعمل عمله بثبات فإن يشاهده تعجز عن رؤيته طاقة البشر. وترى كثيرين ممن جرحوا من المجاهدين يتحملون الأمهم وهم سكوت بجلد وسكون وجبنهم متجعدة واعينهم دامية. ثم يصل إلى أذنيك صدى انين من فؤاد كليم واصوات من الالم منكرة تشق الفضاء وصريخ يائس قانط يقول (ايها اللورد. . . ايها اللورد) او (دعني اموت) ثم تسمع اصواتا ضئيلة تردد وتقول: (امي. . .!) او (أبي. . . .!) او (وطني. . .!) رعاية الاطفال اسس السيد جرانشرعام ١٩٠٣ بباريز جمعية دعاها (جمعية وقاية الاطفال من داء السل) والعمل الذي تقوم به هذه الجمعية هوأنها تبحث عن الاطفال المصأبين بهذا الداء ثم تأخذهم وترسل بهم إلى المزارع وهناك يعيشون في الهواء الطلق مع اسرات الفلاحين يعودهم جماعة من الأطباء تنتخبهم الجمعية. وقد أنشئت مدرستان بفرنسا خارج المدن حيث يكون الهواء خالصاً نقياً فيدرس فيها التلاميذ المرضى ممن لا يوأفقهم هواء المدن وهناك يعالجهم الأطباء. والآن يعملون في إنشاء مثل هذه المدارس في ألمانيا حيث رأى الدكتور بندكس إنشاء مدارس الغابات وأول مدرسة منها فتحت أبوابها سنة ١٩٠٤ وكانت نتيجتها مرضية. ويتعلم في هذه المدرسة التلاميذ الرقيق والمزاج المصابون بالسل. ونظامها أن يذهب إليها التلاميذ كل يوم صباحاً في الساعة السابعة ونصف تقريباً مشاة على اقدامهم أو في المركبات الكهربائية فإذا بلغوها تنأولوا في الحال حساء سخيناً وقطعة من الخبز. وبعد أن يدرسوا الدرس الأول يتنأولون قدحاً من اللبن وشيئاً من الخبز أيضاً. اما طعام الغذاء

стр. 1276

فيتألف من اللحم والبقول والبطاطا. وهم كذلك يتنأولون عند الساعة الرابعة بعد الظهيرة لبناً وخبزاً. اما اجرة التعليم فالأغنياء ملزمون بدفعها عن أولادهم. وأبناء الفقراء تدفع (البلدية) نفقاتهم. هذا وقد شيدت ملاجئ صحية كثيرة لاغلب البلاد الألمانية في الغابات يقضي فيها نهارهم من تمكنت منهم العلل والأمراض. الطعام الصحي كتبت السيدةك. ايرل في العدد الأخير من مجلة (الشرق والغرب) الإنكليزية مقالة صحية موضوعها (الطعام الصحي) صرحت بانها تذكر فيها ما يحصل به الإنسان على القوة والصحةقالت: احدث اكتشاف هارفي لدورة الدم انقلاباً عظيما في العلوم الطبية واني اعتقد أنه سيأتي يوم لا ينكير احد فيه النظرية الطبية الجديدة وهي أن كثرة وجود الحامض البولي في الجسد يسبب الضعف وهذه الحال سواء في كل مناخ وهواء. وأرى أن الطعام الذي يخرج الحوامض البولية من الانسجة والعضلات والمفأصل يسهل شفاء المصأبين بداء النقرس أو المفأصل أو المصأبين بالأم عصبية. ويكفي أن يتناول الإنسأن الطعام في اليوم ثلاث مرات. وخير لمن يجب أن يغير دائماً الاطعمة التي يتنأولها ساعات الاكل أن يسير على النظام الآتي: - أولا: الشاي والقهوة وحساء اللحم - تبدل بأنواع للبن والحليب والماء وحساء مع اللبن - ثانياً: طعام الصباح - تبدل بالثريد والخبز المحمص والبقسماط وحبوب الدقيق ونحو ١٠٠\ ١٣٣ درهم لبن وشيء من البندق ثالثاً: ما يتناول بين طعام الصباح يبدلأن الخبز المحمص والبقسماط وحبوب الدقيق والطعام وطعام الظهيرة: - المركب (طعام يتكون من البيض والدقيق واللبن وغيرها) ومائة درهم من اللبن واوقية انجليزية من الجبن رابعاً: طعام الظهيرة: - يبدلان بالخبز المقدد والبقسماط وحبوب الدقيق والطعام المركب وصفحة من الجبن ومائة درهم من اللبن قالت الكاتبة: ومن أهم البواعث التي تسبب القابلية للاكل أن يكون الإنسان تعباناً اويكون

стр. 1277

قد عمل شيئاً نشط به جسمه. الهجرة الطليانية كتب أحدهم في مجلة المسائل الدولية الاستعمارية الفرنسوية مقإلا في هجرة الطليان جاء فيه انها تزيد سنة عن سنة ويؤخذ من الاحصاآت الرسمية أن عدد المهاجرين سنوياً بين سنة١٨٩٥ - ١٩٠٠ كان حوالي ثلثمائة الف فأصبح من سنة ١٩٠١ - إلى ١٩٠٤ نصف مليون كل سنة وارتقى سنة ١٩٠٦ إلى ٧٨٧٩٧٧ مهاجراً ومعظمهم من الفلاحين والمهاجرون من الذكور على نسبة ٨١ في المئة و١٩ من الاناث والمهاجرون في الأكثر هم سكان الجنوب وينزلون أميركيا كما يهاجر سكان شمالي إيطاليا إلى اقطار أوروبا فقط ليغتنوا فيها. وقد بحث علماء الاجتماع من الطليان في نفع الهجرة لبلادهم او عدمها ولم يبنوا لهم رأياً بعد. وشوهد ناس من أهل الطبقة الوسطى اباعوا اراضيهم وانقلبوا إلى بلاد أخرى يرتاشون فيها ويتأثلون وهذا ما ينسب إلى قلة التناسب المتزايد بين وسائط الحياة التي تقل وحاجيتها المتكأثرة. ومن الأسباب التي ذكروها في مضمار الهجرة أن عدد العجزة في إيطاليا خف عن ذي قبل ولكن لم تعد تنمو سكان البلاد في العشر سنين الأخيرة على نسبة نموها من قبل وذكروا من حسناتهم أنه قل عدد البطالين وارتفعت أسعار ايجار الاراضي وترقت أثمانها بما جاء به بعض المهاجرين لدن عودتهم إلى بلادهم من الأموال كما زادت ثروة إيطاليا بما يغدق عليها ابناؤها المهاجرون من مهاجرهم. قد جاء في ذاك التقرير أن للهجرة يداً في إيطاليا منذ ثلاثين سنة في ارتقاء إيطاليا الاقتصادي وهو مادة ارتقائها التجاري اجتياز البحار يتحدثون الأن في الاندية الصناعية والعلمية في اجتياز المسافة بين أوروبا والولايات المتحدة في اربعة أيام. وقد ادعى مهندس أميركي أنه يقطع في باخرة جديدة انشأها حديثاً ثلاثين عقدة في الساعة وكانت باخرتأن ألمانيتان وهما من آخر طراز يقطعان ٢٣ عقدة. ولم تكن البواخر تقطع لأول اختراعها سوى ٩ عقدة في الساعة ثم تدرجت حتى وصلت إلى ٢٣ عقدة وهاهي اليوم قد بلغت او كادت الثلاثين على أن المسافة تجتاز بين أمريكيا وأوروبا في خمسة أيام وبضع ساعات. أما الباخرة الجديدة فتحمل من عشرين إلى ثلاثين

стр. 1278

ألف طن وآلتها بقوة ثلاثين الف حصان ووزن الآلة المحركة يبلغ مائتي طن وإذا أضيف إليه عداد الغاز فيكون خمسمائة طن ويقتضي ٨٥٠طناً من زيت البترول الخام لاجتياز مسافة مائتي ميل ما عدا الوقود ولا يخرج منه دخان. اوراق السفر رأى بعض الباحثين أن عمال السكك الحديدية يأخذون الاوراق من المسافرين ليقطعوها ويعيدوها إليهم وربما احبوا العجلة فقطعوها بريقهم مما لا يخلو من نقل الأمراض ورأوا أن أحسن طريقة في هذا الباب هي التي سارت عليها بعض شركات السكك الحديد في سويسرا فإنها تجعل الاوراق اضبارة واحدة وتقطعها كما تقطع الطوابع بادنى مس اليد. المدارس في مصر احصى مدير الاحصائيات في مصر عدد المدارس الوطنية والأجنبية في هذا القطر فكانت ٢٠٠مدرسة مصرية فيها ٤٧٥٣٤ من البنين و٣٨٩٧ من البنات و ٢٠ إنكليزية فيها ١٤١٥ تلميذاً و ١٢٠ أميركية فيها ٧٠٤٤ تلميذا و٢٠٥٣ تلميذة و ٩ نمساوية فيها ٨٨١ تلميذا و٥٥٠ تلميذة ومدرستان هولانديتأن فيها ١٤٢ تلميذا و٣٦ تلميذة و ٨٥ مدرسة فرنسوية فيها ٨٦٤٥ تلميذا و ٧١٤٠ تلميذة وأربع مدارس ألمانية فيها ٢٣٣ تلميذا و٤٤٦ تلميذة و٢٩ يونانية فيها ٣١٠٨ تلاميذ و١٣٦٣ تلميذة و ٣٥ ايطالية وفيها ٢٣١٤ تلميذا و ٢٣٣٨ تلميذة ومدرسة روسية واحدة فيها ٤٧٥ تلميذاً. وصية للعلم اوصى ألماني بمئة ألف مارك لينفق ريعها على تلميذ ذكي من المدارس العثمانية العالية ينجز دروسه في ألمانيا. جماجم المصريين ظهر الأستاذ اليوت سميث معلم التشريح في مدرسة الطب بالقاهرة من البحث في المومياء المصرية أن جماجم قدماء المصريين كانت رقيقة وأن القسم الخارجي منها هو على الجملة من النحافة على مايعجب منه الناظر على أن تجويف الجمجمة لم يصب بمرض ولا تظهر فيه نحافة حيث كأنت العضلات. وقد شاهد ذلك في أهل السلالة الرابعة إلى أهل السلالة

стр. 1279

الرابعة عشر خاصة ولم يجدها فيمن كان قبلهم او بعدهم وقد تبين ممأقام به الأستاذ ماسبروغيره من علماء الأثار المصرية من الحفريات انأهل الطبقات العالية في الأمة المصرية كانوا يضعون على رؤوسهم شعوراً مستعارة فنسب العلماء نحافة رؤوسهم لثقل تلك الشعور وذلك لأن الأستاذ اليوت سميث لم يشاهد هذا الضعف إلا في جماجم أهل الغنى والثرى. من تلك السلائل ولا يقدح في ذلك ماألفه الفلاحات من حمل أشياء ثقيلة على رؤوسهن على أن جماجمهن سالمة من العيوب فإن الضعط الموقت لايؤثر في الجماجم كما يؤثر الضغط الدائم من مثل الشعور وغيرها. والمسألة ما برحت موضع النطر. خارطة الولايات المتحدة شرعت حكومة الولايات المتحدة في رسم مصور لتلك البلاد لم يعيد مثله حتى الآن في رسم الأرض فأخذت كل ولاية تقيس وتمسح وتذكر ما جد من القرى والدساكر والمدن ويقولون أن حكومة الاسكا تجتهد من وراء الغاية في رسم بلادها لتضمها إلى خارطة تلك البلاد مع أن القسم الأعظم منها لم يكشف بعد. وناهيك بما يقضي ذلك من النفقات في بلاد هي مساحتها كأوروبا أو أكثرويقال أن هذا العمل يكلف أمريكا مليوني فرنك أي من ٧٥ إلى ١٠٠ فرنك في كل كيلو متر مربع ولا ينجز قبل سنة ١٩٠٩ التعليم في فرنسا تنفق فرنسا على التعليم العالي في ست عشرة كلية ثلاثة عشر مليونا وثمانمائة الف فرنك وقد كان مجموع الطلبة في هذه المدارس الجامعة سنة ١٩٠٦ - ٣٥٦٧٠ تلميذاً وزاد منذ عشر سنين نحو عشرة آلاف طالب وكان الأساتذة إذ ذاك ٥٩١ فصاروا الان ٨٠٠ الرخص والعلم لئن ارتفعت أثمأن الحاجيات منذ خمسين سنة لكثرة النقود فقد كان من تأثير العلم أن ارخص كثيراً من المواد الصناعية بفضل إدخال التحسين على ادواتها فنزل سعر المتر الواحد من المرايا نحو الثلثين ونزل سعر الحامض الكبرتي إلى النصف والصودا إلى ثلاثة ارباع وقد استفادت الزراعة والصناعة من هذا الرخص فائدة كبرى. نساء اليابان والألمان

стр. 1280

منذ عهد غير بعيد تضاعف عدد مدارس الاناث في اليابأن فأصبح المتخرجات منها يتعاطين التدريس أو المحاماة أو الكتابة. وانك لتجد في جميع أمهات المدن اليابانية اندية للنساء وقد أخذ بعضهن ينشرن في طوكيو الآن جريدة سمينها (المرأة في القرن العشرين) تتولى ادارتها (اوتا ايمي) الكاتبة الاشتراكية المشهورة التي أحكمت الإنكليزية كما أحكمت لغتها فصارت الصحف الأميركية تتلقى مقالاتها بالقبول كما تتلقى مقالات كبار الكتاب من الإنكليز. وما برح النساء في ألمانيا يطالبن بقبول البنات المتعلمات في العشر كليات الألمانية التي سدلت حتى الآن أبوابها في وجوه البنات وقصرت تعليمها على البنين والغالب انهن ينلن بغينهن كمانلتها في كليات بافاريا مثل كلية مونيخ وارلانجن وفي دوقية باد ككلية فريبورغ وهايدلبرغ وتوبيغ وفي امارة تورنغ ككلية اينا وفي امارة ساكس ككلية ليبسيك. وقد طلب ١٦٠أستاذا من أساتذة الكليات الألمانية إلى الحكومة أن تسمح بحرية الدخول للبنات في مدارس الصبيان. وينقسم الطالبات في ألمانيا إلى طالبات طب وطالبات فلفسة وطالبات علم اصول اللغات وطالبات تاريخ. فمتى يطلب نساؤنا يا ترى حقوقهن من التعليم الابتدائي المنظم فقط. الشعب النظيف يرى الدكتور ماتينيون وهو ممن أقام مدة في الشرق الأقصى أن النظافة عندأبناء يابان كادت أن تكون من الإيمان فيرى الياباني أن الاستحمالم كل يوم من الضروريات كتناوله قدح الأرز. وقد أثبتت الحرب الروسية اليابانية الأخيرة شدة تعلق هذه الأمة بالنظافة فكان الجند في معسكراتهم يستعملون جراراً صينية كبرى من افخار المطلي يجعلونها تحت الأرض ويتخذونها مستحماً لهم. ولكل جندي في جعبته فرشة لتنظيف أسنانه وذرور لها لأن الياباني يعنى بأسنانه كل العناية ويتمضمض مرات عديدة في اليوم. وقد عجب الأطباء الأوربيون من تنطيع اليابانون في النظافة إلى هذا الحد كما ثبت لهم أن من كل خمسة جنود من الوربيين يموت أبعة من الأمراض وواحد قتلاً أما من أبناء يابان فإن في خمسة قتلى موت واحدمنهم من الأمراض.

стр. 1281

العدد ٢٣ - بتاريخ: ١٥ - ١٢ - ١٩٠٧

стр. 1282

محاسن الكتب للجاحظ كأنت العجم تقيد مأثرها بالبنيان والمدن والحصون مثل بناء ازدشير وبناء اصطخر وبناء المدائن والسدير والمدن والحصون. ثم أن العرب شاركت العجم في البنيان وتفردت بالكتب والأخبار والأشعار والأثار فلها من البنيان غمدان وكعبه نجران وقصر مأرب وقصر مارد وقصر شعوب والابلق الفرد وغير ذلك من البنيان. وتصنيف الكتب اشد تقييداً للمأثر على ممر الأيام والدهور من البنيأن لأن البناء لا محالة يدرس وتعفى رسومه والكتاب باق يقع من قرن إلى قرن ومن امة إلى امة فهو ابدا جديد والناظر فيه مستفيد وهو ابلغ في تحصيل المأثر من البننيان والتصاوير. وكأنت العجم تجعل الكتاب في الصخور ونقشاً في الحجارة وخلقه مركبة في البنيأن فربما كان الكتاب هو الناتئ وربما كان هو المحفور إذا كأن ذلك تاريخياً لأمر جسيم او عهداً لأمر عظيم او موعظة يرتجى نفعها او احياء شرف يريدون تخليد ذكره كماكتبوا على قبة غمدان وعلى باب القيروان وعلى باب سمرقند وعلى عمود مأرب وعلى ركن المشقر وعلى الاطق الفرد وعلى باب الرها يعمدون إلى المواضع المشهورة والأماكن المذكورة فيضعون الخط في ابعد المواضع من الدثور وأمنعها من الدروس واجد ران يراه من مر به ولا ينسى على وجه الدهور. ولولا الجكم المحفوظة والكتب المدونة لبطل أكثر العلم ولغلب سلطأن النسيان سلطأن الذكر ولما كان للناس مفزع إلى موضع استذكار ولو لم يتم ذلك لحرمنا أكثر النفع ولولا ما رسمت لنا الأوائل في كتبها وخلدت من عجيب حكمتها ودونت من أنواع سيرها حتى شاهدنا بها ما غاب عنا وفتحنا بها كل مستغلق فجمعنا إلى قليلنا كثيرهم وأدركنا مالم نكن ندركه الا بهم لقد بخس حظنا منه. وأهل العلم والنظر وأصحاب الفكر والعبر والعلماء بمخارج الملل وأرباب النحل وورثة الأنبياء واعوأن الخلفاء يكتبون كتب الظرفاء والصلحاء وكتب الملاهي وكتب اعوأن الصلحاء وكتب أصحاب المراء والخصومات وكتب السخفاء وحمية الجاهلية. ومنهم من يفرط في العلم أيام خموله وترك ذكره وحداثة سنه. ولولا جياد الكتب اوحسانها لما تتحركت ههمم هؤلاء الطلب العلم ونازعت إلى حب الكتب وانفت من حال الجهل وأن يكونوا في غمار الوحش ولدخل عليهم من الضرر

стр. 1283

والمشقة وسوء الحال ماعسى أن يكون لا يمكن الأخبار عن مقداره الا بالكلام الكثير. وسمعت محمد بن الجهم يقول: إذا غشيني النعاس في غير وقت النوم تنأولت كتاباً فاجد اهتزازي للفوائدوالاريحية التي تعتريني من سرور الاستنباه وعز التبينت أشد ايقاظا من نهيق الحمار وهدة الهدم فإني إذا استحسنت كتاباً واستجدته ورجوت فائدته لم أوثر عليه عوضاً ولم ابغ به بدلاً فلا ازال انظر فيه ساعة كم بقي من ورقه مخافة استنفاذه وانقطاع المادة من قبله. وقال ابن داحة: كان عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن عمر بن الخطاب لا يجالس الناس فنزل مقبرة من المقابر وكان لا يزال في يده كتاب يقرؤه فسئل عن ذلك فقال لم ار قط اوعظ من قبر ولا أنس من كتاب ولا اسلم من الوحدة. واهدى بعض الكتاب إلى صديق له دفتراً وكتب معه: هديتي أعزك الله تزكو على الانفاق وتربو على الكد لا تفسدها العواري ولا تخلقها كثرة التقليب وهي انس في الليل والنهار والسفر والحضر تصلح للدنيا والاخرة تؤنس في الخلوة وتمنع من الوحدة مسأمر مساعد ومحدث مطاوع ونديم صدق. وقال بعض الحكماء: الكتب بساتين العلماء. وقال آخر: الكتاب جليس لا مؤونه له. وقال آخر: ذهبت المكارم الأمن الكتب. قال الجاحظ وانا احفظ وأقول: الكتاب نعم الذخر والعقدة والجليس والعمدة ونعم النشرة ونعم النزهة ونعم المشتغل والحرفة ونعم الانيس ساعة الوحدة ونعم المعرفة ببلاد الغربة ونعم القرين والدخيل والزميل ونعم الوزير والنزيل. والكتاب وعاء مليء علماً وظرف حشي طرفا واناء شحن مزاجاً إن شئت كان أين ماقال وإن شئت كان ابلغ من سجبان وائل وإن شئت سرتك نوادره وشحك مواعظه ومن لك بواعظ مثله ويناسك فاتك وناطق اخرس ومن لك بطبيب اعرأبي ورومي هندي وفارسي يوناني ونديم مولد ونجيب ممتع ومن الك بشي يجمع لك الأول والاخر والناقص والوافر والشاهد والغائب والرفيع والوضيع والغث والسمين والشكل وخلافة والجنس وضده. وبعد فما رأيت بستانا يحمل في ردن وروضة تنقل في حجر ينطق عن الموتى ويترجم عن الاحياء ومن لك بمؤنس لا ينام الا بنومك ولا ينطبق إلا بما تهوى آمن من الأرض واكتم السر من صاحب السر واحفظ للوديعة من أرباب الوديعة ولا اعلم جاراً آمن ولا خليطاً وانصف ولا رفيقا اطوع ولا معلماً أخضع ولا صاحبا اظهر كفاية وعناية ولا أقل

стр. 1284

املالا ولا ابراما ولا ابعد عن مراء ولا اترك لشغب ولا ازهد في مجال ولا اكف عن قتال من كتاب. ولا اعم بيانا والا أحسن مواتاة ولا اعجل مكافأة ولا شجر اطيب عمرا ولا اطيب ثمرا ولا اقرب مجتنى ولا اسرع إدراكا ولا اوجد في كل ابان من كتاب ولا اعلم انتاجاً في حداثة سنه وقرب ميلاده ورخص ثمنه وامكان وجوده يجمع من السير العجيبة والعلوم الغريبة وأثار العقول الصحيحة ومحمود الاذهأن اللطيفة ومن الحكم الرفيعة والمذاهب القديمة والتجارب الحكيمة والأخبار عن القرون الماضية والبلاد النازحة والأمثال السائرة والأمم البائدة ما يجمعه كتاب. ومن لك بزائر إن شئت كانت زيارته غباً وورده خمساً وإن شئت لزمك لزوم ظلك وكان منك كبعضك. والكتاب هوالجليس الذي لا يطريك والصديق الذي لا يقليك والرفيق الذي لا يملك والمستمع الذي لا يستبطئك والصاحب الذي لايريد استخراج ما عندك بالملق ولا يعاملك بالمكر ولا يخدعك بالنفاق. والكتاب هو الذي إن نظرت فيه أطال اممتاعك وشحذ طباعك وبسط لسانك وجود بيانك وفخم ألفاظك وبخخ نفسك وعمر صدرك ومنحك تعظيم العوام وصداقة الملوك يطيعك بالليل طاعته بالنهار وفي السفر طاعته في الحضر وهوالمعلم إن افتقرت إليه لم يحقرك وإن قطعت عنه بالمادة لم يقطع عنك الفائدة وإن عزلت لم يدع طاعتك وإن هبت ريح اعدائك لم ينقلب عليك ومتى كنت متعلقاً منه بادنى حبل لم تضطرب معه وحشية الوحدة إلى جليس السوء. قال ذو الرمة لعيسى بن عمر: اكتب شعري فالكتاب احب الي من الحفظ لأن الاعرأبي ينسى الكلمة قد سهر في طلبتها ليلته فيضع في موضعها كلمة في وزنها ثم ينشدها الناس والكتاب لا ينسى ولا يبدل كلاماً بكلام ولا اعلم جارا برا ولا خليطا انصف ولا رفيقا اطوع ولا معلما أخضع ولا صاحبا اظهر كفاية ولا أقل جناية ولا أقل ملالا وابراما ولا احفل أخلاقا ولا أقل خلافا واجراما ولا أقل غيبة ولا ابعد من عضيهة ولا أكثر اعجوبة وتصرفا ولا أقل تصلفا وتكلفا ولا ابعد من مراء ولااترك لشغب ولاازهد في جدال ولااكف عن قتال من كتاب. ولا اعلم قرينا أحسن موافاة ولا اعجل مكافاة ولااحضر معونة ولااخف مؤونة ولاشجرة أطول عمرا ولا اجمع أمرا ولا اطيب ثمرة ولا اقرب مجتنى ولااسرع إدراكا ولا اوجد في

стр. 1285

كل ابان من كتاب ولااعلم نتاجا في حداثة سنه وقرب ميلاده ورخص ثمنه وامكان وجوده يجمع بين التدأبير العجيبة والعلوم الغريبة ومن أثار العقول الصحيحة ومحمود الاذهأن اللطيفة ومن الحكم الرفيعة والمذاهب القديمة والتجارب الحكيمة ومن الأخبار عن القرون الماضية والبلاد المتنازحة والأمثال السائرة والأمم البائدة ما يجمع لك الكتاب. والكتاب هو الذي يؤدي إلى الناس كتب الدين وحساب الدواوين مع خفة نقله وصغر حجمه صامت ما اسكته وبليغ ما استنطقته ومن لك بمسأمر لا يبتديك في حال شغلك ويدعوك في أوقات نشاطك ولايحوجك إلى التجمل له والتذمم منه. قال ابو عبيدة: يابني لا تقوموا في الأسواق الا على زراد او وراق. وحدثني صديق لي قال: قرأت على شيخ شامي كتابا فيه من مأثر غطفإن فقال: ذهبت المكارم الا من الكتب. وسمعت أبا الحسن اللؤلولي يقول: غبرت أربعون يوماً ما قلت ولا بت الا والكتاب موضوع على صدري. وذكر العتبي كتاباً لبعض القدماء فقال: لولا طوله وكثرة ورقه لنسخه فقال ابن الجهم: لكني ما رغبني فيه الا الذي زهدك فيه وما قرأت قط كتابا كبيرا فاخلاني من فائدة وما احصي كم قرأت من صغار الكتب فخرجت منهاكما دخلت. وقال العتبي ذات يوم لابن الجهم الا تتعجب من فلان نظر في كتاب أقليدس مع جارية سلموية في يوم واحد وساعة واحدة فقد فرغت الجارية من الكتاب وهو يعد لم يحكم مقالة واحدة على أنه حر مخير وتلك امة مقصورة وهو احرص على قراءة الكتاب من سلمويه على تعليم جارية قال ابن الجهم: قد كنت اظن أنه لم يفهم منه شكلا واحدا واراك تزعم أنه قد فرع من مقالة. قال العتبي: وكيف ظننت به هذا الظن وهو رجل ذو لسان وأدب قال: لاني سمعته يقول لابنه: كم انفقت على كتاب كذا قال: أنفقت عليه كذا انما رغبني في العلم اني ظننت اني أنفق عليه قليلا واكتسب كثيراً فاما إذا صرت أنفق الكثير وليس في يدي الا المواعيد فإني لا اريد العلم بشيء فالإنسأن لا يعلم حتى يكثر سماعه ولا بد أن تكون كتبه أكثر من سماعه ولا يعلم ولا يجمع العلم ولا يختلف حتى يكون الانفاق عليه من ماله الذ من الانفاق من مال عدوه ومن لم تكن نفقته التي تخرج في الكتب الذ عنده من عشق القيان وانفاق المستهزئين بالبيأن لم يبلغ في العلم مبلغا رضيا وليس ينتفع بانفاقه حتى يؤثر اتخاذ الكتب ايثار الاعرأبي فرسه باللبن على عياله وحتى يؤمل في العلم ما

стр. 1286

يؤهل الاعرأبي في فرسه. وقال إبرأهيمبن السندي مرة: وددت أن الزنادقة لم يكونوا حرصى على المقالات بالورق النقي الأبيض وعلى تحلل الحبر الاسود المشرق البراق وعلى استجادة الخط والارغاب لمن يخط فإني لم ار كورق كتبهم ورقا ولا كالخطوط التي فيها خطا وإذا غرمت مالا عظيما مع حبي للمال وبغض الغرم كان سخاء النفس بالانفاق على الكتب دليلا على تعظيم العلم وتعظيم العلم دليل على شرف النفس وعلى السلامة ومن سكر الافات. وقال بعضهم: كنت عند بعض العلماء فكنت اكتب عنه بعضا وادع بعضأفقال لي: اكتب كل ما تسمع فإن مكان ما تسمع اسود خير من مكان أبيض. وقال الخليل بن احمد: تكثر من العلم لتعرف وتقلل منه لتحفظ. وقال ابواسحق القليل والكثير للكتب والقليل وحده للصدر وأنشد قول ابن بشير اما لو اعي كل ما اسمع ... واحفظ من ذاك ما اجمع ولم استفد خبر ما قد جمع ... ت لقيل هو العالم المصقع ولكن نفسي إلى كل نو ... ع من العلم تسمعه تنزع فلا أنا احفظ ما قد جمع ... ت ولا أنا من جمعه اشبع واحصر بالغي في مجلسي ... وعلمي في الكتب مستودع فمن يك في علمه هكذا ... يكن دهره القهقري يرجع إذا لم تكن حافظا واعيا ... فجمعك للكتب لاينفع وقال ابن اسحق: كلف ابن بشير الكتب ما ليس عليها أن الكتب لا تحيي الموتى ولا تحول الاحمق عأقلا ولا البليد ذكيا ولكن الطبيعة إذا كان فيها ادنى قبول فالكتب تشحذ وتفتق وترهف وتشفي ومن أراد أن يعلم كل شي ينبغي لأهله أن يداووه فأن ذلك انما تصور له بشي اعتراه فمن كان ذكيا حافظا فليقصد إلى شيئين وإلى ثلاثة أشياء ولا ينزع الدرس والمطارحة ولا يدع أن يمر على سمعه وعلى بصره وعلى ذهنه ما قدر عليه سائر الاصناف فيكون عالما بالخواص ويكون غير غفل عن سائر ما يجري فيه الناس ويخوضون فيه ومن كان الأوله ثلاث نسخ. وقال ابو عمرو بن العلاء: ما دخلت على رجل قط ولا مررت ببابه فرأيته ينظر في دفتر وجليسه فارغ اليد الا اعتقدت أنه أفضل

стр. 1287

من واعقل. وقال ابو عمرو بن العلاء: قيل لنا يوما أن في دار فلان ناسا قد اجتمعوا على سوءة وهم جلوس على خيرة لهم وعندهم طنبور فتسورنا عليهم في جماعة من رجال الحي فإذا فتى جالس في وسط الدار أصحابه حوله وإذا هم بيض اللحى وإذا هو يقرأ عليهم دفترا فيه شعر فقال الذي سعى بهم: السوءة في ذلك البيت واندخلتموه عثرتم عليها فقلت: والله لا اكشف فتى أصحابه شيوخ وفي يده دفتر علم ولو كان في ثوبه دم يحيى بن زكريا وأنشد رجل يونس النحوي استودع العلم قرطاساً فضيعه ... فبئس مستودع العلم القراطيس قال فقال يونس: قاتله الله ما أشد ضنانته بالعلم وأحسن صيانته له أن علمك من روحك ومالك من بدنك فضعه منك بمكان الروح وضع مالك بمكان البدن. وقيل لابن داحة واخرج كتاب أبي الشمقمق وإذا هو في جلود كوفية دفتين طائفتين بخط عجيب فقيل له: لقد اضيع من تجود بشعر أبي الشمقمق فقال: لاجرم والله أن العلم ليعطيكم على حساب ما تعطونه ولو استطعت أن اودعه سويداء قلبي او اجعله محفوظا على ناظري لفعلت ولقد دخلت على اسحاق بن سليمأن في أمرته فرأيت السماطين والرجال مثولا كان على رؤوسهم الطير ورأيت فرشته وبزته ثم دخلت عليه وهو معزول وإذا هو في بيت كتبه وحوإليه الاسقاط والرقوق والقماطر والدفاتر والمساطر والمحابر فما رأيته قط افخم ولاانبل ولا اهيب ولا اجزل منه في ذلك اليوم لأنهجمع مع المهابة المحبة ومع الفخامة الحلاوة ومع السؤدد الحكمة. وقال بعضهم: كتب الحكماء وما دونت العلماء من صنوف البلاغات والصناعات والاداب والارفاق من القرون الوسطى والأمم الخالية ومن له بقية ابقى ذكرا وأرفع قدرا وأكثر ردءا لأن الحكمة انفع لمن ورثها من جهة الانتفاع بها وأحسن في الأحدوثة لمن احب الذكر الجميل والكتب بذلك أولى من بنيان الحجارة وحيطان المدر لأن من شأن الملوك أن يطمسوا على أثار من قبلهم وأن يميتوا ذكر أعدائهم فقد هدموا بذلك السبب المدن وأكثر الحصون كذلك كانوا أيام العجم وأيام الجاهلية وعلى ذلك في أيام الإسلام كما هدم عثمان صومعة غمدان وكما هدم الآطام التي كانت بالمدينة وكما هدم زياد كل قصر ومصنع كان لابن عأمر وكما هدم أصحابنا بناء مدن الشامات لبني مروان. إن من شكر النعمة في معرفة مغاوي الناس ومراشدهم ومضارهم ومنافعهم أن تحتمل ثقل

стр. 1288

مؤونتهم في تقويمهم وأن تتوخى إرشادهم وإن جهلوا فضل ما يسدى إليهم فلن يصأن العلم بمثل بذله ولن تستبقى النعمة فيه بمثل نشره على أن قراءة الكتب ابلغ في إرشادهم من تلاقيهم اذكان مع التلاقي يشتد التصنع ويكثر التظالم وتفرط العصبية وتقوى الحمية والأنفة من الخضوع وعن جميع ذلك تحدث الضغائن ويظهر التباين وإذا كأنت القلوب على هذه الصفة وعلى هذه الهيئة امتنعت من التعرف وعميت عن مواضع الدلالة وليست في الكتب علة تمنع من درك البغية وأصابة الحجة لأن المتوحد يدرسها والمتفرد يفهم معانيها لا يباهي نفسه ولا يغالب عقله وقد عدم من له يباهي ومن اجله يغالب. والكتاب قد يفضل صاحبه ويتقدم مؤلفه ويرجح قلمه على لسانه بأمورمنها أن الكتاب يقرأ بكل مكان ويظهر ما فيه على كل لسان ويوجد مع كل زمان على تفاوت ما بين الاعصار وتباعد ما بين الأمصار وذلك أمر مستحيل في واضع الكتاب والمتنازع في المسألة والجواب. ومنأقلة اللسان وهدايته لا تجوز أن مجلس صاحبه ومبلغ صوته وقد يذهب الحكيم وتبقى كتبه ويذهب العقل ويبقى أثره ولولا ما اودعت لنا الأوائل في كتبها وخلدت من عجيب حكمتها ودونت من أنواع سيرها حتى شاهدنا بها ما غاب عنا وفتحنا بها كل مستغلق كان علينا فجمعنا إلى قليلنا كثيرهم وأدركنا مالم نكن ندركه الا بهم لما حسن حظنا من الحكمة ولضعف سببنا إلى معرفة ولو لجأنا إلى قدر قوتنا ومبلغ خواطرنا ومنتهى تجاربنا لما تدركه حواسنا وتشاهده نفوسنا لقلت المعرفة وسقطت الهمة وارتفعت العزيمة وعاد الرأي عقيما والخاطر فاسدا ولكل الحد وتبلد. وأكثر من كتبهم نفعا وأشرف منها خطرا وأحسن موقعا كتب الله تعالى التي فيها الهدى والرحمة والأخبار عن كل حكمة وتعريف كل سيئة وحسنة ومازالت كتب الله تعالى في الالواح والصحف والمحار والمصاحف وقال الله : (الم ذلك الكتاب لا ريب فيه) وقال: (ما فرطنا في الكتاب من شيء) ويقال لأهل التوارة والانجيل أهل الكتاب. وينبغي أن يكون سبيلنا لمن بعدنا كسبيل من كان قبلنا فينا على أنا قد وجدنا من العبرة أكثر مما وجدوا كما أن من بعدنا يجد من العبرة أكثر مما وجدنا فما ينتظر العالم بإظهار ما عنده وما يمنع الناصر للحق من القيام بما يلزمه وقد امكن القول وصلح الدهر وخوى نجم التقليد وهبت ريح العلماء وكسد العي والجهل وقامت سوق البيان والعلم وليس يجد الإنسأن في كل حين إنسانا ومقوما يثقفه

стр. 1289

والصبر على افهام الريض شديد وصرف النفس عن مغالبة العالم أشد منه. والمتعلم يجد في كل مكان الكتاب عتيدا وبما يحتاج إليه قائما وما أكثر من فرط في التعليم أيام خمول ذكره وأيام حداثة سنه. ولولا جياد الكتب وحسنها ومبينها ومختصرها لما تحركت همم هؤلاء لطلب العلم ونزعت إلى حب الأدب وانفت من حال الجهل وإن تكون في غمار الحشو ولدخل على هؤلاء من الخلل والمضرة من الجهل وسوء الحال ما عسى أن لا يمكن الأخبار عن مقداره الا بالكلام الكثير ولذلك قال عمر رضي الله تعالى عنه: تفقهوا قبل أن تسودوا. وقد نجد الرجل بطلب الأثار وتأويل القرآن ويجالس الفقهاء خمسين عاماً وهو لا يعد فقيها ولا يجعل قاضيا فما هو إلا أن ينظر في كتب أبي حينفة وأشباه أبي حنيفة ويجفظ كتب الشروط في مقدار سنة او سنتين حتى تمر ببابه فتظن أنه من بعض العمال وبالحري أن لا يمر عليه من الأيام الا اليسير حتى يصير حاكما على مصر من الأمصار او بلد من البلدان. قال ابن بشير في صفة الكتب في كلمة له. اقبلت اهرب لا آلو مباعدة ... في الأرض منهم فلم يحصني الهرب فقصروا اوس فما والت خنادقه ... ولا النواويس فالماخور فالحرب فايما موئل منها اعتصمت به ... فمن ورائي حثيثاً منهم الطلب لما رأيت باني لست معجزهم ... فوتا ولا هربا قربت احتجب فسرت في البيت مسروراً به جذلا ... جاراً لبوأة لا شكوى ولا شغب فرداً يحدثني الموتى وتنطق لي ... عن علم ما غاب عني منهم الكتب هم مؤنسون وألاف غنيت بهم ... فليس لي في انيس غيرهم ارب لله من جلساء لا جليسهمو ... ولا عشيرهمو للسوء مرتقب لا بادرات الاذى يخشى رفيقهم ... ولا يلاقيه منهم منطق ذرب ابقوا لنا حكماً تبقى منافعها ... أخرى الليالي على الأيام والشعب فايما آداب منهم مددت يدي ... إليه فهو قريب من يدي كثيب ان شئت من محكم الأثار يرفعها ... إلى النبي ثقات خيرة نجب او شئت من عرب علما بأولهم ... في الجاهلية انبتني بها العرب

стр. 1290

او شئت من سبر الأملاك من عجم ... تنبي وتخبر كيف الرآي والأدب حتى كاني قد شاهدت عصرهمو ... وقد مضت دونهم من عمرهم حقب يا قائلا قصرت في العلم نهيته ... امسى إلى الجهل فيما قال ينسب أن الأوائل فد بانوا بمعليهم ... خلاف قولك ما بانوا ولا ذهبوا ما مات مثل أمري ابقى لنا أدبا ... نكون منه إذا ما مات نكتسب قال الجاحظ: ومما يدل على نفع الكتاب أنه لولا الكتاب لم يجز أن يعلم أهل الرقة والموصل وبغداد وواسط ما كان بالبصرة وما يحدث بالكوفة في بياض يوم حتى تكون الحادثة بالكوفة غدوة فتعلم بها أهل البصرة قبل المساء،

стр. 1291

غلاة الكتب لله اخوان افادوا مفخراً ... فبوصلهم ووفائهم اتكثر هم ناطقون بغير السنة ترى ... هم فاحصون عن السرائر تضمر ان ابغ من عرب ومن عجم معاً ... علماً مضى فبه الدفاتر تخبر حتى كاني شاهد لزمانها ... ولقد مضت من دون ذلك اعصر خطباء أن ابغ الخطابة يرتقوا ... كفي ركفي للدفاتر منبر كم قد بلوت بها الرجال وإنما ... عقل الفتى بكتاب علم يسير كم قد هزمت به جليساً مبرماً ... لا يستطيع له الهزيمة عسكر ليس في الدنيا منظر تنصرف إليه الوجوه ولا صورة تحدق فيها العيون ولا نفحة ترتاح إليها الارواح وتخاطبها القلوب ولا صديق اخلص من ذاك الكتاب تودعه سرك فلا يخونك وتبوح إليه بذات نفسك فيحفظ غيبتك ويطرب حضرتك. ليس في صنائع البشر مثل هذه الاوراق الثمينة التي قد يجهد كاتبها في تسويدها نفسه ويصرف عليها أيامه واعوامه رجاء نفع يرتجى وعقل يرتقي وجهالة تضمحل وذكر يخلد ومحمدة تردد. نعم ليس افعل في القلوب من الكتاب يعيد مظلمها مستنيرا وميتها حياً ويجعل بعد عسر يسرا. فبالكتب تحيا الأمم وترتفع إلى ذرى المجد والسؤدد بالصحف تأنس النفوس المستوحشة وتنبسط الصدور المنقبضة. وماذا عسانا نقول في وصف الكتاب بعد أن قرأ القارئ ما قرأ في صدر هذا الجزء من قول الجاحظ سيد العلماء ورأس الحكماء وإنما نقول هنا على الجملة إن قد كثر المولعون في جميع الكتب قديما بكثرة أسباب الحضارة بحيث لو أراد المرء إحصاء من ولعوا بذلك من العرب ووصف شيء من حالتهم لا قتضى ذلك كتاباً برأسه. فبلغ من عناية الملوك بالكتب وجمعها أن حمل المأمون إلى بغداد من الكتب المخطوطة ما يثقل مائة بعير وكان من شروط صلحه مع ميشيل الثالث أن يعطيه مكتبة من مكاتب الاستانة. قيل إن عدد مجلدات خزانة المأمون كان ستمائة الف وأن فهرستها دخلت في أربعة وأربعين مجلداً وقيل ذلك في مكتبة الخلفاءبالأندلس. وانشي بيت الحكمة في بغداد على عهد الرشيد في غالب الاقوال وكان يجتمع فيه النساخ والمؤلفون والمترجمون والمطالعون. اما دار الحكمة او دار العلم في القاهرة فكانت فيها خزانة انشأها الحاكم بأمر الله وحمل إليها الكتب من

стр. 1292

خزائن القصور. وكان في أوائل القرن الرابع مكتبة تحتوي على مائة الف مجلد منها ستة آلاف في الطب والفلك لا غيره وكان من نظامها أن تعار بعض الكتب للطلبة المقيمين في القاهرة. وقد تكأثرت خزائن الكتب في المدرس الكبرى والصغرى فقومت كتب المدرسةالنظامية ببغداد بالوف وكذلك كان شأن مدارس الشام ومصر. قال القلقشندي في خزائن الكتب المشهورة: ويقال أن أعظم خزائن الكتب في الإسلام ثلاث خزائن احداها خزانة الخلفاء العباسيين ببغداد فكان فيها من الكتب مالا يحصى كثرة ولا يقوم عليه نفاسة ولم تزل على ذلك إلى أن دهمت التتر بغداد فذهبت خزائن الكتب فيما ذهب. الثانية خزانة الخلفاء الفاطميين بمصر وكانت من أعظم الخزائن وأكثرها جمعاً للكت النفيسة من جميع العلوم ولم تزل على ذلك إلى أن انقرضت دولتهم فاشترى القاضي الفاضل أكثر كتب هذه الخزانة ووقفها بمدرسته الفاضلية بدرب ملوخيا بالقاهرة فبقيت فيها إلى أن استولت عليها الايدي فلم يبق منها الا القليل. الثالثة خزانة خلفاء بني امية بالأندلس وكانت من اجل خزائن الكتب أيضاً ولم تزل إلى انقراض دولتهم باستيلاء ملوك الطوائف عليها. قال وأما الآن (أي في القرن الثامن) فقد قلت عناية الملوك بخزائن الكتب الكتف اكتفاء بخزائن كتب المدارس. ولم تكن الحكومات ورؤسائها مولعة بجمع الكتب وجعلها وقفاً على المطالعة والمراجعة في قصورهم او مكاتب ينشئونها لهذا الغرض اوفي مدارسهم بل كان العلماء الوزراء وكثير من أهل الثراء مولعين باقتناء الكتب على تعذر الحصول عليها فقد كان نور الدين الشهيد مولعاً بالكتب جمع منها الأمهات وقف كثيراً منها على الاستفادة. وكذلك كان صلاح الدين فإنه نقل بعض الكتب المهمة من مصر إلى الشام لما صار عليهما سلطاناً. وانشأ يعقوب بن كلس وزير العزيز بالله ثاني الخلفاء الفاطميين خزانة كتب الواحد عشرات من النسخ ولقد غإلى من كتب عنها ومنهم المقريزي وقالوا كان العزيز يتعهدها بنفسه حيناً بعد آخر. وانشأ نوح بن منصور صاحب بخأرى من ملوك بني سامان مكتبة منقطعة القرين فيها الكتب على اختلاف ضروب العلم. وقد وصفها ابن سينا وكان أذن له بدخولها وقراءة ما فيها من كتب الطب فقال: دخلت داراً ذات بيوت كثيرة في كل بيت صناديق كتب منضدة بعضها على بعض في بيت كتب العربية والشعر وفي آخر الفقه

стр. 1293

وكذلك في كل بيت كتب علم مفرد فطالعت فهرست كتب الأوائل وطلبت ما احتجت إليه منها ورأيت من الكتب مالم يقع اسمه إلى كثير من الناس قط وما كنت رأيته من قبل ولا رأيته أيضاً من بعد. ولما كتب نوح بن منصور إلى الصاحب بن عباد وزير بني بويه المتوفي سنة ٣٨٥ ورقة في السر يستدعيه ليفوض إليه وزارته وتدبير مملكته كان من جملة اعذاره إليه أنه يحتاج لنقل كتبه خاصة إلى أربعمائة جمل فما الظن بما يليق بها من التجمل. وكان سيف الدولة بن حمدان مولعاً بجمع الكتب ولوع نوح بن منصور فكانت في داره خزائن كبيرة جمع فيها الأمهات المفيدة. وقيل إن وزير الواثق بالله كان ينفق ثلاثين ألف دينار كل شهر على ترجمة الكتب ونسخها. وكان للفتح بن خاقان وزير المتوكل خزانة كتب جمعها علي بن يحيى لم ير أعظم منها كثيرة وحسناً وكان يحضر داره فصحاء العرب وعلماء البصرة والكوفة قال ابو هنان ثلاثة لم ار قط ولا سمعت بأكثر محبة للكتب والعلوم منهم الجاحظ والفتح بن خاقان واسمعيل بن اسحق القاضي وكان الفتح يحضر لمجالسة المتوكل فإذا أراد القيام لحاجة اخرج كتاباً من كمه او جيبه وقرأ فيه إلى حين عودة المتوكل - قاله ابن الكتبي في الفوات. وذكر المبرد مثل هذه الرواية فقال أنه مارأى احرص على العلم من ثلاثة الجاحظ والفتح بن خاقان واسمعيل بن اسحق القاضي. فأما الجاحظ فإنه كل إذا وقع بيده كتاب قرأه من أوله إلى آخره أي كتاب كان وأما الفتح بن خاقأن فإنه كان يحمل الكتاب في خفه فإذا قام بين يدي المتوكل للبول أو الصلاة اخرج الكتاب للنظر فيه وهو يمشي حتى يبلغ الموضع الذي يريده ثم يصنع مثل ذلك في رجوعه إلى أن يأخذ مجلسه. واما سمعيل بن اسحق فإني ما دخلت عليه قط الا وفي يده كتاب ينظر فيه او يقلب الكتب لطلب كتاب ينظر فيه. وبلغ من ولوع بعض الخاصة بالتوفر على خدمة العلم انهم كانوا يفتحون أبواب خزائنهم لكل مستفيد فقد جعل حنين بن اسحق النسطوري في بغداد داره مكتبة عامة تفد إليها طلاب العلوم العقلية والرياضية وكان يتبرع بماذا كرتهم فيما يريدون المذاكرة فيه. وكان لافرائيم بن الزفإن الإسرائيلي من أطباء مصر همة عالية في تحصيل الكتب الطبية وغيرها وكان

стр. 1294

أبداً عنده النساخ يكتبون ولهم ما يقوم بكفايتهم منه. وقال ابن أصيبعة وحدثني أبي أن رجلاً من العراق كان قد أتى إلى الديار المصرية ليشتري كتباً ويتوجه بها وانه اجتمع مع افرائيم واتفق الحال فيما بينهما أن اباعة افرائيم من الكتب التي عنده عشرة آلاف مجلد. وكأن ذلك في أيام ولاية الأفضل بن أمير الجيوش فلما سمع بذلك أراد أن تبقى تلك الكتب في الديار المصرية ولا تنتقل إلى موضع آخر فبعث إلى افرائيم من عنده بجملة المال الذي كان قد اتفق تثمينه بين افرائيم من الكتب ما يزيد على عشرين الف مجلد. وكان للصاحب امين الدولة السأمري همة عالية في جمع الكتب وتحصيلها قال ابن أبي اصيبعة: واقتنى كتباً كثيرة فاخرة في سائر العلوم وكأنت النساخ أبداً يكتبون له حتى أنه أراد مرة نسخة من تاريخ دمشق للحافظ بن عساكر وهو بالخط الدقيق ثمانون مجلداًً فقال: هذا الكتاب الزمن يقتصر أن يكتبه ناسخ واحد ففرقه على عشرة نساخ كل واحد منهم ثمان مجلدات فكتبوه في نحو سنتين وقد اجتمع عندما كثر من عشرين الف مجلد وفي رواية انها بلغت مائة الف مجلد لا نظير لها في الجودة. ووقف موفق الدين أبي طاهر بساوة دار الكتب. قال ابو بكر بن شإذان: وكان ممن أخذ عن الصولى وكان يتباهى كثيراً بالكتب وهي مصفوفة وجلودها مختلفة الألوان كل صف من الكتب لون فصف أحمر وصف أصفر وغير ذلك قال فكان الصوفي يقول هذه الكتب كلها سماع وكان ابو منصور الخوافي كثير الرواية وأكثر رواياته كتب الأدب وكان قد جمع كتباً من كل جنس. وكانت لبني موسى بن شاكر همم عالية في تحصيل العلوم القديمة وكتب الأوائل وأتعبوا انفسهم في شأنها وانفذوا إلى بلاد الروم من اخرجها لهم واحضروا النقلة من الاصقاع الشاسعة والأماكن البعيدة بالبذل السني فاظهروا عجائب الحكمة - قاله ابن خلكان وكانت لموفق الدين بن المطرأن المتوفي سنة ٥٨٧ على ما في تاريخ الأطباء همة عالية في تحصيل الكتب حتى أنه مات وفي خزائنه من الكتب الطبية وغيرها ما يناهز عشرة آلاف مجلد خارجاً عما استنسخه وكانت له عناية بالغة في استنساخ الكتب وتحريرها. وكان في خدمته ثلاثه نساخ يكتبون له أبداً ولهم منه الجامكية والجراية وكان من جملتهم وكان من جملتهم جمال الدين المعروف بابن الجمالة وكان خطه منسوباً وكتب المطران أيضاً بخطه كتباً كثيرة وكان كثير المطالعة للكتب لا يفارق ذلك في أكثر اوقاته وأكثرالكتب التي كانت عنده توجد وقد صححها واتقن

стр. 1295

تحريرها وعليها خطة بذلك وبلغ من كثرة اعتنائه بالكتب وغوايته فيها أنه كتب لكثير من الكتب الصغار والمقالات المتفرقة في الطب وهي في الأكثر يوجد جماعة منها في مجلد واحدا استنسخ كلاً منها بذاته في جزء صغير قطع نصف ثمن البغدادي بمسطرة واضحة وكتب بخطه أيضاً عدة منها واجتمع عنده من تلك الأجزاء الصغار مجلدات كثيرة فكان أبداً لا يفارق في كمه مجلداً يطالعه على باب دار السلطان او اين توجه. وكان للقاضي الفاضل من رجال صلاح الدين يوسف ولع بتحصيل الكتب ولعه بالكتابه قيل إن كتبه التي ملكها تكون مئة ألف مجلد وليس هذا يبعد على من كان له من صلاح الدين المكانة المعروفة فقد كان دخله ومغله على ما في كتب التاريخ نحو خمسين ألف دينار سوى متاجر الهند والمغول وغيرهما. وكان جمال الدين بن القفطي الصعيدي وزير حلب المعروف بالقاضي الاكرم المتوفي سنة ٦٤٦ جماعاً للكتب جمع منها ما لا يوصف وكانوا يحملونها إليه من الآفاق وكانت مكتبته تساوي خمسين ألف دينار ولم يحب من الدنيا سواها وله حكايات غريبة من غرامه بالكتب ولم يخلف ولداً فاوصى بمكتبته لناصر الدولة صاحب حلب. وكان ناصر الدين العسقلاني المتوفي سنة ٧٢٣ جماعاً للكتب خلف ثمان عشرة خزانة مملوءة كتبا نفيسة أدبية وكانت زوجته تعرف ثمن كل كتاب وبقيت تبيع منها إلى سنة تسع وثلاثين وسبعمائة وكان إذا أراد أي مجلد قام إلى خزائنه وتنأوله كانه الآن وضعه بيده قال ابن الكتبي: وكان يباشر الإنشاء بمصر زماناً إلى أن اضر لأنه أصابه سهم في نوبة حمص الكبرى فعمي وبقي ملازماً بيته. وخلف ابو زكريا يحيى معين المعري البغدادي الحافظ المشهور من الكتب مائة قمطر وأربع حباب شبأبية مملوءة كتباً وكان الأمير ابن فاتك من افاضل اعيان مصر محباً لتحصيل العلوم وكانت له خزائن كتب فكان في أكثر اوقاته إذا نزل من الركوب لا يفارقها وليس له دأب الا المطالعة والكتابة ويرى أن ذلك أهم ما عنده وكانت له زوجة كبيرة القدر أيضاً من أرباب الدولة فلما توفي نهضت هي وجوار معها إلى خزائن كتبه وفي قلبها من الكتب وإنه كان يشتغل بها عنها فجعلت تندبه وفي اثناء ذلك ترمي الكتب في بركة ماء كبيرة في وسط الدار هي وجواريها ثم شيلت الكتب المبشر ابن فاتك يوجد كثير منها وهو بهذه الحال.

стр. 1296

وجمع الوزير الفاضل ابو نصر المنازي كتباً كثيرة وفقها على جامعة ميا فارقين وجامع آمد قال ابن خلكان وهي إلى الآن موجودة بخزائن الجامعين ومعروفة بكتب المنازي. وكان الأستاذ أبو الفتوح برجوان من خدام العزيز صاحب مصر ومديري دولته مولعاً بالكتب ولعه بالطرائف والأثاث والرياش والآلات وخلف منها مالا يحصى كثيرة واقتنى تاج الدين البغدادي اوحد عصره في فنون الآداب وعلو السماع من كتب خزائن مصر كل نفيس. وكان ابو موسى سليمان بن محمد الحامض النحوي المتوفي سنة٣٠٥ صاحب الكتب الحسأن في الأدب اوصى بكتبه لأبي فاتك المقتدري بخلاً بها إلى أن تصير إلى احد من أهل العلم. وذكر صاحب نفح الطيب أن جده كان غنياً جداً حتى أن المقري هذا لم يدرك من ثروة جده الا أثر نعمة اتخذ فصوله عيشاً وأصوله حرمة ومن جملة ذلك خزانة كبيرة من الكتب. ومن جملة ذخائر قصر العاضد آخر ملوك العبيد بين بمصر التي استولى عليها صلاح الدين يوسف خزانة كتب من الكتب المنتخبة بالخطوط المنسوبة والخطوط الجيدة نحو مائة الف مجلد. وكان ابو سعد السماني صاحب كتاب الانساب يحصل الكتب. وكان ولد القاضي الفاضل الأشرف بهاء الدين مثابراً على تحصيل الكتب مثل والده. وكان في دار أبي المظفر بن معروف من افاضل مصر واطبائها مجلس كبير مشحون بالكتب على رفوف فيه ولم يزل في معظم اوقاته في ذلك المجلس مشغلاً في الكتب والقراءة والنسخ قال في طبقات الأطباء: ومن اعجب شيء منهم الا وقد كتب على ظهره ملحاً ونوادر مما يتعلق بالعلم الذي قد صنفت ذلك الكتاب فيه وقد رأيت كتباً كثيرة من كتب الطب وغيرها من الكتب الحكمية كانت لأبي المظفر وعليها اسمه ومامنها شيء الا وعليه تعاليق مستحسنة وفوائد متفرقة مما يجانس ذلك الكتاب. قال الذهبي وسنة اثنتين ومائة مات الضحاك بن مزاحم الخراساني صاحب التفسير وكان علامة وكان مؤدباً عنده ثلاثة آلاف صبي ومكتبة كالجامع كان يدور عليهم قلت: ومن العجيب وجود كتب في القرن الأول تكون من الكثرة بحيث صح أن تدعى مكتبة وكان اسحق بن إبرأهيمالنديم الموسيقي المتوفي سنة ٢٣٥ كثير الكتب حتى قال أبو العباس ثعلب رأيت لاسحق الموصلي الف جزء من لغات العرب وكلها سماعه وما رأيت اللغة في

стр. 1297

منزل احد قط أكثر منها في منزل اسحق ثم منزل ابن الاعرأبي. وكانت صاحب القاموس الفيروز ابادي لا يسافر الا ومعه احمال من الكتب. وكتب ابن قيم الجوزية بخطه مالايوصف وكان محباً للعلم ومطالعته وكتابته واقتناء كتبه واقتنى من الكتب مالا يحصل لغيره. وكان عند محمد ابن سيد الناس كتب كبار وأمهات جيدة وهو من الحفاظ والمحدثين ورأى ابن النديم صاحب الفهرست مكتبة ابن أبي بعرة من أهل مدينة الحديثة في الموصل وقال: إنه لم ير لأحد مثلها. ومدح ياقوت الحموي مدينة مرو فقال: ولولا ما عرا من ورد التتر إلى تلك البلاد واخراجها لما فارقتها إلى الممات لما في أهلها من الرقة ولين الجانب وحسن العشرة وكثرة كتب الأصول المتقنة بها فإني فارقتها وفيها عشرة خزائن للوقف لم ار في الدنيا مثلها كثرة وجودة منها خزانتأن في الجامع إحداهما يقال لها العزيزية وقفها رجل يقال له عزيز الدين ابو بكر عتيق الزنجاني وعتيق بن أبي بكر وكان فقاعيا للسلطان سنجر وكان في أول أمره يبيع الفاكهة والريحان بسوق مرو ثم صار شرأبياً له وكان ذا مكانة منه وكان فيها اثنا عشر الف مجلد او ما يقاربها والأخرى يقال لها الكمالية لا ادري إلى من تنسب وبها خزانة شرف الملك المستوفي أبي سعد محمد منصور في مدرسته ومات المستوفي هذا في سنة ٤٩٤ وكان حنفي الذهب وخزانة نظام الملك الحسن بن اسحاق في مدرسته وخزانتأن للسمعانيين وخزانة أخرى في المدرسة العميدية وخزانة لمجد الملك أحد الوزراء المتأخرين بها والخزانة الخاتونية في مدرستها والضميرية في خانكاه هناك وكانت سهلة التنأول لا يفارق منزلي منها مئتا مجلد وأكثره بغير رهن تكون قيمتها مائتي دينار فكنت ارتع فيها واقتبس من فوائدها وإنساني حبها كل بلد والهاني عن الأهل والولد وأكثر فوائد هذا الكتاب (معجم البلدان) وغيره مما جمعته فهو من تلك الخزائن. وفي خطط مصر ومزاراتها للسخاوي أن المدرسة المحمودية بخط الموازينيين انشأها محمود الاستادار في سنة ٧٩٧ ورتب بها درساً للسادة الحنفية وللحديث النبوي وعمل بها خزانة كتب لم تحو خزانة مثل ما فيها من الكتب وهي كلها كتب قاضي القضاة إبرأهيمبن جماعة وكان الأمام زين الدين ابو حفص عمر بن مسلم القرشي من علماء دمشق المتوفي سنة ٧٩٢ مولعاً بالكتب وملك من نفائسها شيئاً كثيراً حتى أنه لما اعتقل هو وابنه بقلعة

стр. 1298

دمشق في دولة الظاهر برقوق رهن كثيراً من كتبه على المبلغ الذي طلب منهما. وأولع الأمام المقري الواعظ المفسر الخطيب الصوفي شيخ العراق عزالدين أبو العباس احمد الفاروقي الواسطي بالكتب كثيراً قال ابن كثير: إنه خلف الفي مجلد ومائتي مجلد وتوفي سنة ٦٩٤ واحب بدر الدين بن غانم احد كتاب الإنشاء بدمشق الكتب وعني بجمعها وخلف الفي مجلدة. ووقف فخر الدين المارديني الفيلسوف سنة ٥٩٤ جميع كتبه في مدينة ماردين في المشهد الذي وقفه حسام الدين بن ارتق الفيلسوف والكتب التي وفقها فخر الدين هي من اجود الكتب وهي نسخة التي كان قد قرأ أكثرها على مشايخه وحررها وقد بالغ في تصحيحها واتقانها. وحصل عمرأن الإسرائيلي الطبيب المتوفي سنه ٦٣٧ من الكتب الطبية وغيرها مالا يكاد يوجد عند غيره. وأحصيت الكتب التي وجدت في خزانة نور الدين على بن جابر فكانت نحو ستة آلاف مجلد. وبامثال هؤلاء راجت صناعة الوراقة والنسخ في البلاد الإسلامية وراج المطابع اليوم او أكثر حتى كان الوجيه بن صورة المتوفي سنة ٦٠٧ سمساراً في الكتب بمصر (وله في ذلك حظ كبير وكان يجلس في دهليز داره لذلك ويجتمع عنده في يوم الأحد والأربعاء اعيأن الرؤساء والفضلاء ويعرض عليهم الكتب التي تباع ولا يزالون عنده إلى انقضاء وقت السوق فلما مات السلفي سار إلى الأسكندرية لبيع كتبه) وبعد فقد أولع أهل الأندلسين بالتطريس على أثار المملكة الإسلامية الشرقية في علومهم صناعتهم وزراعتهم حتى كان لبعض العظماء منهم في كل عاصمة من عواصم العلم في الشرق مساخ متوفرون على نقل الكتب التي يؤلفها المشارقة والا يصح أن تخلو منها مكاتب المغاربة فكان الأندلسين كسائر الغربيين الاوروبين من الإفرنج يولعون من الفطرة بالأخذ عن الشرق كليات الحضارة وجزئياتها. وترى اليوم مثالاً من ذلك يشبه حال الأندلسيين مع سكان المشرق قديماً فإن أهل الغرب ما برحوا ييتبعون أثار السلف في الشرق على ارتقاء العلوم عندهم وايغالهم في مرامي المدينة. ذكروا إنه كان في الأندلس وحدها سبعون مكتبة عامة فيها مواضع خاصة للمطالعة والنسخ والترجمة. قال ابن الخطيب كانت في سبته خزانة كتب العلوم وكذلك في مكناسة الزيتون خزائن الكتب. وكان الحكم بن الناصر المتوفي سن جماعاً للكتب يبذل الأموال في

стр. 1299

استجلابها من الاقطار قال الذهبي: ولعل كتبه كانت تساوي أربعمائة ألف دينار وقال لسأن الدين بن الخطيب إنه كان محباً في العلم والعلماء مثيراً للرجال من كل بلد جمع العلماء من كل قطر ولم يكن في بني امية الأعظم همة ولا اجل منزلة في العلوم وغوامض الفنون منه قال ابن حزم: اخبرني تليد الخصي وكان على خزانة العلوم والكتب بدار مروان أن عدد الفهارس التي فيها تسمية الكتب أربع وأربعون فهرسة في كل فهرسة عشرون ورقة ليس فيها الا ذكر اسماء الدواوين لا غير. وقال ابن خلدون أن الحكم كان يبعث في شراء الكتب إلى الاقطار رجالاً من التجار ويرسل إليهم الأموال لشرائها حتى جلب منها إلى الأندلس مالم يعهدوه قال جمع بداره الحذاق في صناعة النسخ والمهرة في الضبط والاجادة في التجليد فاوعى من ذلك كله واجتمعت بالأندلس خزائن من الكتب لم تكن لأحد من قبله ولا من بعده الا ما يذكر عن الناصر العباسي بن المستضيء ولم تزل هذه الكتب بقصر قرطبة إلى أن يبيع أكثرها في حصار البربر وأمر باخراجها وبيعها الحاجب واضح ونهب ما بقي منها عند دخول البربر قرطبة. ونقل المقري أن الحكم جمع الكتب مالا يحدولا يوصف كثرة ونفاسة حتى قيل انها كانت أربعمائة الف مجلد وانهم لما نقولها أقاموا ستة أشهر في نقلها قال: وكان ذا غرام بها قد أثر ذلك على لذات الملوك فاستوسع علمه ودق نظره وجمعت استفادته وقلما يوجد كتاب من خزائنه الا وله فيه قراءة او نظر في أي فن كان ويكتب فيه نسب المؤلف ومولده ووفاته ويأتي من بعد ذلك بغرائب لا تكاد توجد الا عنده لعنايته بهذا الشأن. وكان ابو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن أحد ملوك المصامدة شديداً الولع بالعلم والأدب طمح به شرف نفسه وعلو همته إلى تعلم الفلسفة فجمع كثيراً من اجزائها وبدأ من ذلك بعلم الطب ثم تخطى ذلك إلى ما هو أشرف منه من أنواع الفلسفة وأمر بجمع كتبها فاجتمع له منها قريب مما اجتمع للحكم المستنصر بالله الأموي قال صاحب المعجب: اخبرني أبو محمد عبد الملك الشذوني أحد المتحققين بعلمي الطب وأحكام النجوم قال: كنت في أيام شبيبتي استعير كتب هذه الصناعة يعني صنعة الأحكام من رجل عندنا بمدينة إشبيلية اسمه يوسف يكنى أبا الحجاج يعرف بالمراني كانت عنده منها جملة كبيرة وقعت إلى أبيه في الفتنة

стр. 1300

بالأندلس فكان يعيرني اياه في غرائر أحمل عرارة واجيئ بغرارة من كثرتها عنده فاخبرني في بعض الأيام أنه عدم تلك الكتب بجملتها فسألته عن السبب الموجب لذلك فاسر الي أن خبرها انهي إلى أمير المؤمنين فارسل إلى داري وانا في الديوان لا علم عندي بذلك وكان الذي ارسل كافور الخصي مع جماعة من العبيد الخاصة وأمره أن لا يودع أحداً من أهل الدار وأن لا يأخذ سوى الكتب وتوعده والذين معه أشد الوعيد أن نقض أهل البيت ابرة فما فوقها فأخبرت بذلك وانا في الديوان فظننته يريد استصفاء أموالي فركبت وما معي عقلي حتى اتيت منزلي فإذا الخصي كافور الحاجب واقف على الباب والكتب تخرج إليه فلما رآني وتبين ذعري قال لي لا بأس عليك واخبرني أن أمير المؤمنين يسلم علي وانه ذكرني بخير ولم يزل يبسطني حتى زال ما في نفسي ثم قال لي: سل أهل بيتك هل راعهم احدا اوة نقصه شيئاً. جاء أبو المسك حتى أستأذن علينا ثلاث مرات فاخلينا له الطريق ودخل هو بنفسه إلى خزانة اكتب فأمر باخراجها فلما سمعت هذا القول منهم زال ما كان في نفسي من الروع وولوه بعد أخذهم لهذه الكتب منه ولاية ضخمة ما كان يحدث لها نفسه. ولم يزل يجمع الكتب من اقطار الأندلس والمغرب ويبحث عن العلماء وخاصة أهل علم النظر إلى أن اجتمع له منهم مالم يجتمع لملك قبله من ملوك المغرب. ولماتغلب السلطان يعقوب بن عبد االحق صاحب المغرب الأقصى على ملك قشتالة في أواخر المئة السابعة سأله أن يبعث إليه يكتب العلم التي بايدي النصارى منذ استيلائهم على مدن الإسلام فبعث إليه منها ثلاثة عشر حملاً فأمر السلطان بحملها إلى فاس وتحبيسها على المدرسة التي اسها بها لطلبة العلم. وكان احمد بن الرومية احد اعلام المحدثين المتوفي سنة٦٣٧ وهو النباتي الذي وقف على مالم يقف عليه غيره ممن تقدم في الملة الإسلامية حتى صار فرداً لايجار به احد بإجماع من أهل هذا الشأن - كثير الكتب جماعاً لها كما قال في الأحاطة وذلك في كل فن من فنون العلم وربما وهب منها لملتمسه الأصل النفيس الذي يعز وجوده احتساباً واعانة على التعليم قال: وانتشرت عنه تصانيف أبي محمد بن حزم واستحسنها واظهرها واعتنيى بها وأنفق عليها أموالاً جمة حتى استوعبها جملة فلم ينشد له منها الا ما لا يخطر له مقتدراً على ذلك بجدته ويساره. قال: ولما وصل إلى المشرق لقي مئتين من شيوخها فقفل برواية
следующие страницы →