← Джавами‘

Джавами‘ · id 26523

مجلة المقتبس

محمد كرد علي

Полный текст (6 802 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

أن يغلب عندما كان يحارب شعوبا من جنسه. عظمة ثيبية. ايبامينوداس مقاومة اسبارطة_جاء من زمن كانت فيه اسبارطة صاحبة السيادة براً وبحراً. قال كسينوفون: وكانت على ذلك العهد جميع المدن تخضع لأمر يصدر عن أحد الاسبارطيين ولما ضاقت صدور المتحالفين مع اسبارطة من الخضوع لها الفوا عصابة لمقاومتها فكان من ذلك أن طرد الاسبارطيون أولاً من اسيا ولم يسلم لهم سلطانهم على بلاد اليونان بضع سنين الا بمحالفتهم لملك الفرس ٣٨٧ بيدان استيلاءهم لم يدم طويلا فكان في سهل بيوسا شعب شديد الباس شجاع النفس وهؤلاء البيوسيون الذين شهرهم جيرانهم الأثينيون وربما على غير استحقاق قد ظلوا منقسمين بين إحدى عشرة مدينة وكانت ثيبية اقواها سقطت على حين غرة في ايدي الاسبارطين فادخل زعيم حزب الإشراف المحاربين من الاسبارطيين القلعة واوقف زعيم حزب الديمقراطيين ونفذ عليه القضاء المبرم. واذ لم يرض أربعمائة رجل من اهالي ثيبة أن يظلموا تحت حكم الاسبارطيين لجؤا إلى أثينة. فعزم أحدهم المدعو بيلوبيداس وهو شاب من اسرة شريفة غنية أن ينقذ بلاده كما فعل ترازيبول في تخليص وطنه فراح يقيم في قرية مع جماعة من المنفيين واتفق مع الثيبيين الذين بقوا في ثيبية فدخل في إحدى ليالي الشتاء إلى المدينة في رجاله ودأهم الحكام وهم في مأدبة فذبحهم ومن الغد دعا مجلس الأمة فهتف له هذا بانه محررها من اسره العبودية. وعندها سلمت الحامية الاسبارطية التي كانت في القلعة. وعادت ثيبية مستقلة وعملت على أن تجمع تحت ادارتها جميع مدن بيوسيا لتسير جميع البيوسيين تحت لواء احد لحرب اسبارطة. ايبامينوداس_كان ايبامينوداس هو الرجل الذي نظم حاله الثيبيين فحفخفقت به لهم اعلام النصر. وكان من اسرة شريفة إلا أنها غنية فاعتاد نوعاً من الحياة القاسية وظل يعيش فيها مقلاً من الطعام لايتنأول الخمر وليس له غير رداء واحد ولامال لديه. فصيح اللسأن الا أنه يندر أن تراه يتكلم ولايقول الا الحق وهذا مما لم يكن من عادة اليونان شجاعٌ جداً في الحروب ولكنه مفرط في الإنسانية متضع شديد البأس يحبه ويحترمه كل من يراه. ولم يكن يعنى بصراع المصارعين الذي كان يشوق شائر أبناء يونان بل اعتاد السباق واللعب

стр. 1332

بالسلاح واخترع ضرباً جديداً من القتال. وكان الثيبيون كسائر اليونانيين قد اختاروا العادة الاسبارطية فيصطف الجند الرجلى منهم كتائب كتائب على ثمانية إلى عشرة صفوف وكانت جيوشهم في كل مكان في تعبئتها نمطاً وأحداً تؤلف مثلثاً ذا زاوية قائمة مستطيلة ورقيقة فكانوا إذا حمل جندهم على العدو يشعرون بان تروسهم المعلقة على اذرعتهم الشمال تحميهم من اليسار ومن اليمين صفوف رفاقهم يحمون الميمنة بالطبع بحيث أن الجناح الايمن من الكتيبة يشعر بأنه أقوى ما يكون في عادة. فتخيل ايبامينوداس أن يعبئ رجاله على شكل زاوية قائمة مؤلفة على طولها من صفوف متساوية في عدد ها بل أن يضع في الجناح الايسر صفوفاً أكثر من الايمن فتأخذ الكتيبة شكلاً غير متناسب يشبه شكل زاوية قائمة. فيكون الجناح الايسر اضخم من الايمن ومؤلفاً من أحسن المحاربين يحمل حملة منكرة على جناح العدو الذي يكون اضعف منه فينكس وسط جيش العدو وياخده من جنبه فدافع الثيبيون عن بلادهم بادئ بدء من الجيش الاسبارطي الذي بقي يدأهم بيوسيا في ربيع كل سنة اعواماً كثيرة ويقطع الشجر ويحرق الغلات ولم يجسر أن يقاتل قتالا منظما بل كانت غاراته مناوشاتٍ فقويت شكيمتهم وتمرسو في الحرب. رأى ايبامينوداس أن جيشه قد اعتاد قراع الأبطال وقوي ساعده في حومة النزال وكأنت الرجال من جند الاسبارطيين اصطفت على عمق اثني عشر مقاتل بالقرب من لوكترس وكانت رجالة السيبيين أقل وفرسانهم أكثر لان بيوسيا كانت بلادً تربى فيها الخيول الجياد فاستطاع ايبامينوداس أن يحمي المسيرة وكان من ذلك أن اختصر خط الحرب وحمل الجناح الايسر من جيشه وكان مؤلفا من خمسني صفاً فبدد شمل الجناح الايمن من الاسبارطيين حيث كان الملك واقفا فقتل ٣٧١ وهذه كأنت المرة الأولى التي تغلب فيها جيش يوناني على حيش اسبارطي وأصبحت ثيبيا المدينة المقدسة أكثر من جميع مدن يونان وصارت لها الأمرة على بيوسيا كلها وكأنت الشعوب اليونانية في المورة إلى ذاك العهد خاضعة لاسبارطة فالتمست معونة الثيبيين لنيل استقلالها. فإنشات مدينة ماتينيه في بلاد اركادية اسوارها على الرغم من دفاع اسبارطة وزبحت تيجة الأغنياء. احلاف اسبارطة وكان الاركاديون من سكان الجنوب مشتتين إلى ذاك العهد في القرى فإنضمو بعضهم إلى بعض وانشؤا مدينة حصينة سموها ميكالوبوليس ثم أراد ايبامينوداس جمهور الثيبين على أن يذهبو إلى

стр. 1333

غزو الاسبارطيين في عقل دراهم فدخل الجيش البيوسي إلى بلاد المورة وكثر سواده بالاركاديين واهالي ارغوث وتوغل في أقليم لاكونيا وطفق يعسكر أمام اسبارطا ٢٧٠ وكانت هذه هي المرة الأولى التي راى فيها الاسبارطيون العدو في ارضهم. ولم يكن لاسبارطا اسوارٌ فسلح اجازيلا وكان قد بلغ إذ ذاك من العمر ٧٦ سنة جماعة الهيوليتين وحصن الاكام المحيطة بالمدينة. ولم يجسر ايبامينوداس على الهجوم وإذ كان عاجزا عن اطعام جيشه في البلاد التي استباح حماها وجعل عإليها سافلها استراجعه ادراجه وقبل أن يغادر المورة جمع المسينيين وقد أصبحوا منذو ثلاثة قرون رعايا الاسبارطيين واعانهم على أنشاء مدينة قوية سميت ميسين وعادو يلمون شعثهم وتحالفت اسبارطة مع الاثنيين الذين كانو يحسدون الثيبيين كما حالفو أهل سيراكوزة ومع الجبارديس الذي بعث إليها للمحاربين الغاليين فغلب الاركاديون احلاف ثيبة. وعندها حاولت ثيبة أن تنال معونة ملك الفرس وارسل القائد بيلوبيداس إلى اسيا وآيب يحمل كتاباً من الخاقان الأعظم الذي وعد أن يحارب اليونأن الذين لايقبلون بمحالفة ثيبة ٣٦٧ اما سائر المدن فلم تكن تخشى ملك الفرس وابت أن تخضع له. ولم تكن ثيبية من القوة لتخضع إلى سلطانها جميع بلاد اليونأن فظهر ايبامينوداس على أحسن حال في بلاد المورة مع الجيش البيوسي وحالف المسينيين ثانية وحاول أن يدأهم اسبارطة واذ بلغ ذلك اجازيلا كرّ راجعاً وراح ايبامينوداس يهجم على جيش العدو في اركاديا بالقرب من مدينة ماتينه وظفر في هذه المعركة باتخاذه الأسباب التي اتخذها في لوكترس ولكن أصابه سهم فمات بيومه. وفقد الثيبيون به قائداً يقودهم وانتهت أيام عز ثيبة ولم يبقى مما قام به القائد ايبامينوداس الا مدينة مسسينا التي أصبحت مملكة مستقلة وسقط سلطان اسبارطة من بلاد المورة كما سقط من بلاد اليونان. نتائج الحروب - لم تؤدي هذه الحروب إلى تاليف اليونانيين كافة امة واحدة اذ لم يكن لمدينة من مدنهم لااسبارطة ولا أثينة من القوى ما تكره به سائر المدن على الطاعة لها والخضوع لسلطانها وما كان منه إلا أن ينهك بعضهن قوى بعض ويكافح بعضهن بعضاً وكأن ذلك من حظ ملك الفرس الذي استفاد من هذا الانقسام ولم تبلغ الحال بالمدن اليونانية انها لم تتفق عليه بل انها كانت على حدتها تحالفه للانتقام من سائر أبناء اليونان وقد

стр. 1334

صرح الخاقان الأعظم ٣٨٧في معاهدة انتالسيداس بان جميع المدن اليونانية في اسيا هي ملك له ولم تخالف اسبارطة قول ذلك ولنقضت زعمه وكذلك كان شان أثينا وثيبية بعض بضع سنين فقد قال خطيب أثيني: ان ملك الفرس هو الذي يحكم بلاد اليونان ولم يبقى عليه إلا أن يقيم له عمإلا في مدننا. اليس بيده الحل والعقد في بلادنا؟ اما نحن فندعوه الخاقان الأعظم كما لو كنا عبيده؟ وهكذا اضاع اليونان بتفاشلهم وتدابرهم ما كانو غنموه في حرب مادي

стр. 1335

سير العلم وفق الأستاذ بو بعد اشتغال ثلاثين سنة الا تكميل الة التنفس الاصطناعي وهي مؤلفة من اسطوانتين صغيرتين لهما بوقان موضوعان بحيث يمكن تحريكهما معاً فأحدهما توصل كمية من الاوكسجين والأخرى تاتي بالهواء ويناط في كل مهما أنبوب توضع طرفه على منأخير الذي يراد تنفسيه وقد جربت هذه الالة في الارانب والكلاب فحسنت نتائجها. حامض الكربون انشأ معمل في اوفرن من أعمال فرنسا لصنع حامض الكربون السائل وهو يكثر في ارض تلك الناحية وكان من قبل يضيع منه في الهواء ملايين من الأمتار المكعبة وهذا الغاز أحسن بطبيعته من المصنوع فأخذت فرنسا تحذو حذوا ألمانيا في الانتفاع من انحائها البركانية فتصنع في اليوم ملايين الكيلو غرامات من حامض الكربون السائل وعدد ينأبيع الغاز التي يمكن الانتفاع بها ستة وستكون لأهل تلك الناحية مورد ربح عظيم. جوهر صناعي الكوروندون خجر لطيف يعتبر بعد الالماس بقيمته ويسميه صياغ الإفرنج الحوهر الشرقي وهو ذو ألوان مختلفة فمنه الوردي والأصفر والازرق والبنفسجي والاخضر واللازوردي وقد اكتشفت إحدى الشركات في أمريكا معدن تستخرج منه بطرق صناعية ما يشبه الجوهر الشرقي بصلابته ولا يقل عنه رواء ومتى كثر انتشاره تسقط قيمة الماس الطبيعي أكثر مما سقطت. كتب العميان الآنسة هيلانة كلير هي ممن ابتلاهن الله بالعمى والصم والبكم وقد خدمت أبناء جنسها بان سعت إلى تعليمهم خدماً تذكر فتبين لها بعد الاختباران أن الطرق المؤلفة لتعليمهن بحروف ناتئة او محفورة أو غيرها ليست من السداد في شيئ وتؤدي إلى أن الأعمى الألماني لايستفيد من مثيله الفرنساوي ولا الأمريكاني من الإنكليزي ولذلك ترى توحيد طريق تعلم العميان والصم البكم على طريق برابل الفرنسوية وربما عقدت مؤتمرات لذلك. التدفئة الكهربائية اصطنعت شركتأن للكهربائية في أمريكا ادوات من الكهربائية تستخدم للتدفئة وتوليد

стр. 1336

الحرارة ارخص من توليد الحرارة من الغاز بثلاثة مرات عالمة عاملة ذكرت الصحف أنه عهد للآنسة هاس أن تنظم مجموعة المستندات الرسمية في نيويورك لأنها اقدر قيمة على الكتب والدفاتر في جميع الولايات المتحدة وهي مديرة دار الكتب العامة في نيويورك وقد عجبت المجلات من أن تكون مجموعة الأعمال الرسمية في الولايات المتحدة من ترتيب امرأة أديبة ولكن هو العلم يشترك بعد الأخذ منه الاسود والأبيض والنساء والرجال. الرقص انشأت فرنسا في بعض فيالقها مدرسة لتعليم صغار اضباط الرقص على أنواعه وكان لها من قبل في كل معسكر مدرسة للرقص اذ ثبت أن الرقص ينفع الصحة ويزيد انشراح النفس وهو من المتممات للرياضة الصحية المسلية وكان نابليون الأول يكره جنده على الرقص قبل انتشاب المعركة وبعدها في كل فرقة في روسيا معلم للرقص. قضاة الإنكليز ينسبون معظم الفضل في تحري قضاة الإنكليز الحق في بريطانية لكثرة الرواتب التي يتقاضاها الفرد منهم فإن قاضي القضاة يقبض ٣٥٠ الف فرنك في السنة والقضاة العاديون ١٥٠ ألفاً وفيهم من يقبض ٣٠٠ الف وقضاة المقاطعات يتنأولون ٣٧٥٠٠ فرنك وعند الإنكليز ٦٠ قاضيا يقضون في خمسمائة محكمة وعند فرنسا ١٦٠٠ قاض لثلاثمائة وخمسة وسبعين محكمة وهم يقبضون أقل من ذلك بكثير ولكن إنكلترا وتعطي قضائها رواتب باهظة وتطلب منهم عملا حسناً كثيراً مدرسة المثريات اقسمت الولايات المتحدة أن تكون رأسا في عامة أسباب الحضارة والعمران فمن جملة مدارس البنات العالية عندها مدرسة اكوتز في ضواحي فيلادلفيا بنيت وسط حدائق ذات بهجة وهي عبارة عن قصور ملوكية حوت أرقى درجات الترف والرفاهية وفيها دار تمثيل كبري وحديقة للشتاء واجرة تعليم الفتاة الواحدة فيها عن السنة المدرسية وهي ثمانية أشهر

стр. 1337

عشرة آلاف فرنك الطب في البلاد العثمانية كتب احد أطباء العثنانين فصلا ضافيا في مجلة العالم السلامي الفرنسوية تكلم فيه على طلب التجارب والطب الأصولي ومدارس الطب والمستشفيات في الاستانة والولايات وصناعة الطب فقال أن الطب في البلاد العثمانية قبل افتتاح المدرسة الطبية في الاستانة سنة ١٨٢٧ كان عبارة عن تجارب وما كأنت الأمة تعتقد على ذاك العهد بالطب الغربي بل ولم يكن لها ثقة حتى بالطب التجربي وكانت تكفي بالعقاقير تأخذها من دساتير الدجالين على غير جدوى والمسلمون يضيفون إلى هذه الطريقة المالوفة في القرون الوسطى في التداوي القول بالادعية للاستشفاء وكانو يرونها نافعة في أمراض كثيرة ولاسيما الأمراض الباطنية والعصبية وأن هذه العادات ما برحت شائعة على كثرة المعتقدين بتأثيرات الطب وليس هذا الاعتقاد خاصا بالمسلمين بل أن المسيحيين كان لهم مثال منها في حضارتهم وتاريخهم واستشهد بحديثهم اخر الدواء الكي وقال أن بعض القوم يصفونه فينفعهم وأن الحكومة لما أنشات المدرسة الطبية الأولى في الاستانة كان اساتذتها اجانب وكانت تدرس بالفرنساوية ولم تدرس بالتركية الا سنة ١٨٧٣ ولم يكن رغبة للمسلمين في تعلم هذه الصناعة فشق على الأساتذة الذين أخذو بالتدرس الطب بالتركية بادئ بدء ثم أخذو يتعلمون المصطلحات الطبية ويؤلفون لها مفردات من العربية والفرنسية والتركية وإذا صعب عليهم التعبير عنها يلفظ عربي او تركي او فارسي ياتون باللفظ اللاتيني أو الفرنسوي بدون أن يعمدون إلى أخذ شئ عن الإنكليزية والألمانية. وبعد أن ذكر كيفية تدريس الطب وأورد اسماء مشاهير الأطباء العثمانيين من المسلمين والارمن والروم ومعاملة الطلبة المدارس او أحوالهم قال أن في البلاد العثمانية مدرستين طبيتين ملكتين أحدهما في الاستانة والثانية في دمشق. وعدد المستشفيات العثمانية ووصفها فقال أن في الاستانة وضواحيتها عشر مستشفيات ما عدا المستشفيات المدارس وفي الولايات وهي إحدى وثلاثين ولاية ١٢٢ مستشفى وأهمها في الحواضر وقال أن تشريح الجثث ممنوع في المستشفيات العسكرية والملكية ولا يجري اذ حدثت جناية أو في السجون وقد عاق منع التشريح تقدم الطب مع أنه من جملة برنامج دروس المدرسة الطبية الكبرى

стр. 1338

وهو غير مناف الإسلام لأن السلطان محمود الثاني استصدر فتوى من شيخ الإسلام في التلخيص بالتشريخ فافتاه بذلك وقال إن المستشفيات البلدية في الاستانة أربعة وإن عدد المستشفيات في الولايات الأربع والعشرون وفي الاستانة ثلاث مستشفيات خاصة واحد للارمن والثاني للاسائيليين والثالث للروم وفيها مستشفيان أحدهما ألماني والثاني فرنسوي وختم كلامه بالكلام على الدحالين من الرجال والنساء والعثمانيين والأجانب ممن يمارسون أعمالهم في السر سواءٌ كان في الاستانة أو في الولايات وبربحون ما يربحون لفرط استسلام الناس إليهم وتفضيلهم احيانا على غيرهم تحريم التقبيل رأى كثير من الأطباء في مؤتمر لهم عقدوه في إحدى مدن أميركا أن يسن قانون يحظر التقبيل على المتزوجين بل على الأمهات وعلى ذوي القربى والاخدان والمتحابين ورأوا أن تعلق على حوائط المدينة إعلانات يذكر فيها عدد الجراثيم التي يلصقها المقبل بشفتيه على خد المقبل. قالت المجلة التي ننقل عنها وماهو يا ترى رأي هؤلاء النطاسيين لو حضروا عيد القبل في رومانيا وهو الذي يجيءُ فيه البنات والفتيات زرافات من جميع أطراف القرى المجاورة تحمل كلا منهن سجلا اودلوا من الخمر مزيناً بالرياحين ويقبلن كل من يضادفنه في طريقهن من شفتيه ثم يقدمن له السجل ليسقي منه ويرتوي ومن أبى أن يتناول وما يقدم له يعد عمله إهانة. ويارب كم من الجراثيم تنتقل من فم إلى آخر يوم ذاك العيد في تلك العادة الغريبة كلام النساء كان يظن أن كثرة كلام النساء أتى من ضيق عقولهن أما الأن فقد أثبت الأستاذ ماراج من كلية السوربون بباريزان اقتدارهن على الكلام ناشئ من متانة صدورهن وذلك أنه بحثص في اصوات الرجال واصوات النساء وقاص مقدار ضغط الهواء الصادر من الفم فظهر له أن المتكلم من الرجال يتعب أربع أضعاف المتكلمات من النساء وأن النساء لا يتعبن من الكلام صح بقدر ما يتعبن إذا استعملن مراوحهن المناطيد كان لسباق المناطيد شان عظيم في فرنسا وألمانيا في العهد الأخير وتفننت الأمم في

стр. 1339

تطييرها تفننا ذكرت الجرائد السيارة أكثره اخر سرعة فقطعتها المناطيد الألمانية كانت ١١٠ كيلو مترات في ساعتين و١٧ دقيقة والمنطاد الديد أشبه بسفينة طوله ١٢٨ متراً وعمقه ١١ متراً و٧٠ سنتيمتراً وقطراه ١١٤٣٠ مترا مكعباً وهو على شكل اسطواني ينتهي بمخروط سنيني وفي ستة عشر غرفة في كل منها منطاد من القماش المنفوخ بالهيدروجين. جريدة بالتلفون الف احد كتاب الأميركان سنة ١٨٨٨ كتاباً خيالياً ذكر فيه كيف يعيش الإنسان بعد مئة سنة ومما قاله أن طريقة تبليغ الأخبار وسماع الموسيقى وخطاب الاندية والمؤتمرات ستنقل إلى الناس بواسطة التلفون فضحك بعضهم من هذه النبؤة ولكن مدينة بودانست عاصمة المجر قامت تحقق اليوم ما تنبأ بحدوثه ذاك الكاتب فاسست شركة تلفون تنقل لاهالي تلك العاصمة بواسطة مائتي عامل لها يعملون بلا انقطاع في اسلاك تلفونية طولها ثلثمائة كيلو متر إلى خمسة عشر الف مشترك أخبار العالم وانباءه البرقيه وحوادث اليوم وانباء المجالس النيابية والخطب السياسية وأخبار البورصة والأسواق وحوادث الشرطة والقضايا المرفوعة أمام المحاكم وشذرات من صحف بست وفينا وأبناء والظواهر الجوية والإعلانات وغيرها كل يوم من الساعة الثامنة صباحا إلى الساعة العاشرة مساءً وتنقل للمشتركين ألفاظ الممثلين في أشهر دور التمثيل كما يلقونها والمواعظ كما يفوه بها أصحابها وغيرها والمشترك لا يدفع لقاء هذه الأخبار التي تنقل إليه بأسرع ما يكون سوى عشرين سانتيماً في اليوم وستسارع باريز وشدن وبرلين وغيرها من العواصم إلى تأليف شركات من هذا الطراز نظافة الشوارع أصبحت نظافة شوارع لندن وبرلين المثل المضروب عند الأمم بنظافتها على كثرة الحركة فيها ولاسيما لندن أعظم عواصم الأرض فإن برلين تمنع المارة من القاء الورق دع عنك الفضلات في الشوارع ولندن تستخدم ألوفاً من الاطفال يحمل كل منهم مكنسة ورفشاٌ لتناول السرقين حالة وقوعه وجعله في علب كبيرة تجمع وتباع من أرباب الحدائق سمادا للارض من انفع ما يكون.

стр. 1340

تبخير الموتى يقول كوى المستشرق بان عادة حرق الخشب الذكي الرائحة اكراما للاموات كانت مألوفة في المدينة قبل الإسلام وبقيت لعده راسخة. نفقات التعليم في إحصاء أخير أن المدارس الابتدائية البلدية في إنكلترا تسع ٣٥٢٠٠٠٠ الف تلميذ والمدارس الأهلية ٣٥٠٩٩١٤ تلميذاً وقد كان معدل من اختلفوا إلى المدارس الأولى سنة ١٩٠٥ - ٣١٩٩٠٥٠ تلميذاً وإلى المدارس الأهلية ٢٨٤٢٦٥٤ تلميذاً وبلغت نفقاتها ٢١٣٢٣٢٧٤ جنيهاً منها ١١٠٢٢٦٠٠ دفعتها الحكومة و١٠٣٠٠٦٧٤ دفعتها المجالس البلدية وبلغ سائر ما أنفق على التعليم ٣٠٤٠٩٦٤ جنيهاً منها ١٥٥٦٤٨١ جنيهاً دفعتها الحكومة و ١٤٨٤٤٧٦ جنيهاً من موارد معينة أي أن برنامج معارف إنكلترا بلغ خمسة وعشرين مليوناً من الجنيهات في حين أن حكومة مصر تنفق على ضروب التعليم أقل من أربعمائة الف جنيه. بل الانكى من ذلك أن ولاية فيكتوريا في اوستراليا وسكانها مليون وربع تنفق على تعليم أولادها عشرين مليون فرنك. التعليم في الهند يؤخذ من الإحصاء الأخير أن عدد المدارس في ولاية مدارس من أعمال الهند قد كأن سنة ١٩٠٦ - ٨٣٩٩١٠ وكان قبل ٨٤١٠٣٤ مدرسة ونزل معدل الصبيان الذين يتعلمون فيها فصار ٢٩ بالمئة كما زاد معدل المتعلمات من البنات فأصبح خمسة وكسوراً في المئة وكان يجب أن يكون في المدارس تسعمائة الف متعلمة فلم يأتها غير ثمانية وأربعين ألفاً بحيث اضطرت مدارس كثيرة إلى اقفال أبوابها والحكومة لم يتيسر لها أن توزع ما خصصته للانفاق على المتعلمين والمتعلمات اما في أقليم بنجاب فقد ساءت حالة التعليم أكثر وذلك أن ١٤ في المئة من البنين يختلفون إلى المدارس و٢٨ - ٢في المئة من البنات. ثروة فرنسا يؤخذ من احصاآت المواريث أن ثروة الأفراد تكثر في فرنسا فبعد أن كأنت الإيرادات أربعة مليارات فرنك سنة ١٨٧٣ أصبحت سنة ١٩٠٢ ستة مليارات وارتقت واردات

стр. 1341

المنقولات من مليار سنة ١٨٧٣ إلى مليار وثمانمائة الف فرنك سنة ١٩٠٣ وليس لامة بقدر ما لفرنسا من المنقولات خارج بلادها وقد زادت وارداتها من مليار و٥٨ مليوناً سنة ١٨٧٣ إلى مليار و٨٩٤ مليونا سنة ١٩٠٣ وكان دين فرنسا سنة ١٩٠٤ ملياراً ونحو نصف مليار اتحاد التربية تحاول دوقيه باد في ألمانيا أن تدخل إلى مدارسها طريقة الوحدة في التربية بحيث يتعلم الاناث بجانب الذكور في مدرسة واحدة وقد كان عدد البنات اللاتي تعلمن سنة ١٩٠٦ في المدارس العلمية والصناعية مع الصبيان ٥٣ ابنة وأخذت المدارس العالية تقبلهن ويقبلن على التعليم فيها. البطالة في إنكلترا بلغ هذا العام عدد من ليس لهم عمل في بلاد الإنكليز مليون نسمة أيأنوأحداً من كل أربعين ليس لهم عمل وربما يستكثر بعضهم هذا العدد وهو كثير إلا أن جميع الممالك مصابة بداء البطالة والسبب في ذلك أن القرى يقل سكانها ويكثر سكان المدن وليس في هذه أعمال تقوم باعالتهم فقد كان الفلاحون سنة ١٨٩٠ ثلث مجموع سكان بريطانيا فهم الان خمسهم وكذلك الحال في ألمانيا فقد بلغ عدد المشتغلين بالزراعة فيها ٢١ مليوناً من أصل ٦٢ مليوناً والباقون يعملون في التجارة والصناعة التيسير في السياحة كتب أحدهم في بعض المجلات العلمية في تيسير السفر في النصف الأخير من القرن الماضي والاقتصاد والراحة التي نشأت فيه قال أن المسافر كان يقضي ستين ساعة في قطع المسافة بين بايز وبوردو وهي ٦٨٥ كيلو متراً أي أنه يقطع نحو عشرة كيلو مترات في الساعة وكان يدفع اجرة عن كل ساعة في المركبة لا تقل عن ١٤ سانتيمتراً ما عدا الا كل ومن يسافر مع البريد يؤدي ضعف هذه الاجرة كما يقطع المسافة في أقل من ذلك بقدر النصف أما الأن فإن المسافة تقطع في السير السريع بالسكة الحديدية في سبع ساعات وعشرين دقيقة والاجرة ليست فاحشة الكتابة على الزجاج

стр. 1342

الكتابة على الزجاج تسليه لا تتطلب غير أن المران عليها ولكي ينجح الإنسأن فيها ينبغي له قلم رصاص من معدن الالومنيوم يمكنه صنعه بنفسه وذلك بان يلف عليه شيئاً من هذا المعدن ثم يبلُّ الزجاج بلا خفيفا او يغشيه يمحلول ملح القلي ويبرع في هذه الكتابة من سبق لهم انهم عانو التصوير قليلا. مدرسة الممرضات اقتبست فرنسا من انكترا إنشاء المدارس لتعليم الممرضات وفد أنشئت مدرسة في بوردو منذ ثلاث سنين تخرج فيها من الممرضات أحسنهن وأفضلهن وقد جعلت هذه المدرسة داخل مستشفى فتتولى مديرتها أمر ممرضاتها وتعلمهن وتمرنهن كانهن تلميذات في الطب ومتى تمن حصصهن ينقلبن إلى غرفهن او يصرفن اوقاتهن في قاعة كبيرة جعلت فيها خزانة كتب ومحال للمطالعة والكتابة أو إلى الضرب على البيانو. الموظفون الفرنسيون تحصى أحد الباحثين عدد الموظفين في الجهورية الفرنسوية فقال أنهم كانو سنة ١٨٤٦ ١٨٨ ألفاً فأصبحوا الان ٤٠٠ الف وإذا عد فيهم موظفو المقاطعات والعمالات بلغوا ٥٣٠ألفاً والشفاعات وعطف أصحاب المناصب على ذوى قربأهم. . . . . . . . . . . . . . . . . . هي السبب في عذة الزيادة المفرطة التي تكلف نحو مليار فرنك في السنة إذا اضيفت إليها روابت المتقاعدين. مكتبة تجدد وصف احد فضلاء الفرنسيس المكتبة التي انشأها كارنجي الغني الأميركي في مدينة اديمبرغ التي هي من بريطانيا كمدينة أثينة من يونان أيام عزها فقال أن ليس فيها كتب نفيسة كثيرة بل فيها ادلة وكتب إرشادات وتقاويم وخطط وغيرها معروضة على المناضد للمطالعة ليرجع إليها المختلفون إلى تلك المكتبة لأول ساعة وعددهم كمل يوم لا يقل عن ٧٠٠٠ وإن ٤ من ٧ يترددون على غرفة المجلات وهناك غرفة لاعلاق الكتب لمن يطلبها قيها ٥٢ الف مجلد وهي تتمزق وتعتق فتجدد كل مدة ويؤتى بأحسن منها اما قاعة

стр. 1343

المراجعة ففيها ١٠١٣٩٦ مجلداً من المعاجم والموسوعات ومجاميع القوانين وغيرها. فقراء الهند نشرت إحدى المجلات الألمانية بحثاً في حكماء المسليمن في الاصقاع الهندية الذين يدعون بالفقراء فقالت أن الاوروبيين الذين يزورون الهند زيارة سطحية بدون أن يسبروا أخلاقها يرون من هؤلاء الفقراء مجانين مختلة شعورهم ولكن لهؤلاء الصالحين الشخاذين دخلا في الدين وعددهم بحسب الإحصاء الأخير نحو خمسة ملايين نسمة في الهند ومن أشهرهم كوريسإنكار وكان من قبل وزيراً لبهافنكار وهو ذو حظوة عند الإنكليز ومؤسس مدارس وسجون كانت انموذجا في انتظامها ثم نفض يده من الدنيا وانقطع إلى غابة سنة ١٨٧٩ وكتب إلى ماكس موللر الفيلسوف اللغوي الألماني: لقد عشت ستين سنة في الحياة الخارجية فاريد الآنأناصرف عمري في التأمل. العرب والغوط بين أحد الباحثين الإنكليز النسبة بين الهندسة الغوطية والعنصر الغوطي وبين الهندسة العربية والعنصر العربي والغوط وهم شعب كان ينزل في جرمانيا واغار على المملكة الرومانية سنة ٤١٠م فقال إن الهندسة العربية غير ثابتة ولذلك فنيت واضمحلت أما الابنية الغوطية فهي على العكس تنيئُ بعقول بناتها من أهل الشمال وبشدة أخلاقهم وإن ما خص هذا العنصران أي الغوطي والعربي مما أنبأ به تاريخهما من قلة نظامهما يقرأه المرءُ فيما بقي من مصانعهما وأثارهما.

стр. 1344

العدد ٢٤ - بتاريخ: ١ - ١ - ١٩٠٨

стр. 1345

حالتنا العلمية والاجتماعية حري بنا والربح الأول من القرن الرابع عشر ينتهي بانسلاخ هذا الشهران نذكر بعض ما تم للبلاد العربية في خلاله من أسباب النهوض وتحسين الملكات والارتقاء العلمي والأدبي فنثبت من ذلك ما نعرفه عن مصر والشام بالعيان وما يبلغنا عن بلاد القاصية من ثقات من رحلوا إليها او اطلعنا عليه فئة من أهلها فنقول: كان حظ مصر من هذا الارتقاء عظيما إذا قيس بالخطوات التي خطتها الاقطار الأخرى ومصر لاتزال منذ سقوط الدول الأولى محط رحال العالمين والمتعلمين ومقصد أهل الإسلام من أهل أفريقية وأوروبا واسيا وجزائر المحيط. فقد زاد فيها عدد المتعلمين وبعد أن كانوا واحدا او اثنين في المئة أصبحوا الان نحو عشرة وزاد المتأدبون والقراء ايضا فبعدان كأنت الجرائد لايتنأولها أكثر من الفي قارئ ومعظمهم لايكادون يفقهون مايقرأون زاد عددهم زيادة كبرى حتى جاوزوا فبما احسب ثلاثين ألفاً وكثير منهم يعقلون ما يلقى عليهم كما زاد تحسين الصحافة العربية وأخذ تجري على مثال الصحافة الغربية وصار لها صوت وتأثير في الأمة. وعلى تلك النسبة نما فريق الكتاب والأدباء والمعربين والمصنفين بعد أن كان الكتاب في مصر أواخر القرن الثالث عشر يعدون على الأصابع معضمهم ضعاف يكثر في كلامهم اللحن والركاكة كما تقل الأفكار السديدة ولو لم يكن المصريون منصرفين إلى تولي أعمال القضاء والإدارة والطب والهندسة في الحكومة لرأيت الكاتبين والمفكرين منهم أكثر سواداً وأعظم نفعاً ولكن الأمال معقودة بان يزيد عددهم ويكثر الانتفاع بثمرات عقولهم وتجاربهم في الربع الثاني من هذا القرن أصبح بعضهم يشعرون بأن الاعتماد في تعليم أبنائهم على الحكومة وحدها ليس من السداد في شئ ومتى أخذت الوظائف كفايتها من العمال يغدو المتعلمون وقد سدت في وجوههم الأبواب في الحكومة فلا يعود أمامهم غير الصناعات الحرة ومنها القيام على التأليف والكتابة وهي من المعايش التي يزهدون فيها الان ساعد مصر على النهوض انتشار الحرية وكثرة احتكاك الأهلين بالأجانب فنشأ من ذلك نشئٌ أن لم يكن في الغاية بتعلمه فهو أهل للعمل لو درب عليه. وعرف أكثرهم منزلتهم ومنزلة قومهم من القصور فهموا أن يعملوا وحاولوا أن ينفعوا وأصبح الناس يبحثون في الشؤن العامة أكثر من ذي قبل وإن كان بحث عامة الناس في الشؤن السياسية عقيم في

стр. 1346

الاغلب والجرائد هي السبب في غرس هذا الميل في نفوس القوم فهي المدرسة اليومية بعد المدارس الأميرية والأجنبية والكتاتيب الأهلية ولطالما أكثرت من ترديد عبارات التحميس والنقد والتنديد والنعي والعويل ففعلت اقوالها في الاذهان بقدر تأثير كتابها حتى خاف العقلاء أن تكون الاراء السياسية مشغلة للقوم عن النظر في شؤن التجارة والزراعة والصناعة. وقد أخذت بعض الجرائد الخطيرة تحاول سد هذه الثملة فإنشأت تكثر من نشر الموضوعات الاجتماعية والتاريخية والأدبية على نحو ماتفعل الصحف في بلاد الغرب. وكما كان للجرائد العربية تأثير في الأفكار فقد فعلت فعلتها في الألسن والأقلام بإستعمالها الكلام الفصيح كل يوم بحيث علق من تراكيبها ومطلحاتها جملة صالحة صار العامة يدمجونها في تضاعيف كلامهم وخطابهم وترقت بواسطتها لغة الدواوين وكانت من قبل في احط دركات الركاكة. نشأ لمصر مهندسون وأطباء وقضاة متعلمون كأحسن أبناء صنفهم في بلاد الغرب لولا أن رجالنا يصابون في الأكثر بشيئ من الفتور ووقوف عقيب سن الدراسة قد يعوقهم ةعن الجري في العمل بعد أن يستوفوا النظريات ولولا ذلك لرأينا من أثارهم في نشل أبناء بلادهم من سقطتهم أكثر مما رأينا. وأبناء مصر لايزالون مقصرين فيما يربى النفوس على حب العمل الحر النافع ولم يقبلوا حتى الآن على اتقأن العلوم الزراعية والصناعية وما ينبعي لهم إقبالهم على الحقوق مع شدة حاجة القطر إلى الزراعة قبل كل علم. ويسرنا أن نرى كثيرين من المصريين يقصدون بلاد الغرب للتعلم قي مدارسها وبعضهم من أبناء الاعيان وكيفما كأنت الغاية من تعلمهم فهم فخر من مفاخر بلادهم ولابد أن يكون السابقون مقصرين فيما يجب عليهم أتباعه والاضطلاع به بداءة بدء ولكن الجيل المقبل سيكون انشط في عمله واسراع إلى تلقف مايلزمنا من مدنية أوروبا وما يضر بنا منها وهو كالصدأ عليها وعقلاء أهلها ينادون بالتخلي عنه في كل شارقة وبارقة. قلت أن الجرائد أثرت في نهضة المصريين ولم أقل المجلات لأن هذه مقصورة على طبقة خاصة من القراء وبعضها منتشر خارج القطر أكثر من انتشاره داخله لأن العمليات والاجتماعيات والدينيات والأدبيات ليس لها في نفوس العامة تلك المنزلة التي يجدها القارئ فيما يقرأه للتفكهة من الأخبار والمناقشات السياسية ويجده منه قيد النظر ويكبر فيه

стр. 1347

الأماني. على أن لبعض المجلات الكبرى التي ظهرت في مصر على قلة انصارها فضلاً كبيراً في التعليم والتربية. ومن الترقي في الأفكار أن بعض أهل الجمود ممن كانوا لايقولون بتلاوة الصحف والكتب الحديثة أخذوا يقرؤنها اضطراراً وسمحوا او تسامحوا بمطالعتهم فكان من أثارها أن عرف بعض طلبة العلوم الدينية تقصيرهم في الأخذ من علوم الدنيا بحظ وافر يعينهم على فهم اسرار الشريعة ونشأ من هذه الحركة أن دخل شئٌ من الإصلاح طفيف على طريقة التعليم في الازهر وادخل في قاعة دروسه من علوم الرياضة وتقوم البلدان والتاريخ وفن الأدب ما كانت تلك المدرسة الكبرى محرومة منه زمناً طويلاً. وانه على عقم طريقتها إلى الآن يرجى أن ينشأ منها ناشئة يفضلون بما تعلموه اخوانهم الذين سبقوهم خصوصاً وقد وفرت العناية بمدرسة القضاء الشرعي ودار العلوم وهما من انفع المدارس لاتمام دروس من يتخرجون في الازهر وانشأت مدرسة أبي العباس المرسي في الأسكندرية تخرج من طلبة الدينيات من لهم مشاركة في شيئ من علوم الدنيا. فكان مشايخ العلوم الدينية وكانوا لايسفون للتنازل إلى تعلم ما فاتهم من أسباب العلم بزمانهم رأوا الآن وقد قامت المدارس المنظمة على طريقة الأوروبية بعض التنظيم تنازعهم فضل تربية الأمة وأعداد رجالها أن لامندوحة لهم عن دعوة صغار الطلبة ولو بلسان الحال أن ينظروا نظراً اجمالياً فيما لاغنية عنه من علوم العصر. فعسى أن تتم للناهضين من هذه الأمة امنيتهم من الاهابة بالمتعلمين إلى الأخذ من علوم الدنيا والدين على حد سواء ثم يتمحص منهم من يريد أن يتمحص لفرع من الفروع التي تجد فيها له الغناء. ومن قرأ تاريخ أوروبا في القرن السادس عشر يجده كتاريخنا في هذا الربع الأول من القرن: عراك بين القديم والحديث وقلة اتقأن لهما كليهما والنفوس أخذة بالشعور تلوب على ما يليها نهوضاً. وإدراك الفرد نقصة وسعيه إلى كماله ولو اخطأ الطريق بادئ بدء فأل خير وبشرى سعادة. والقول أول مراتب العمل والشك أول درجات اليقين. ولا بقاء لهذه الأمة إلا إذا ابقت على النافع من قديمها ولم تستهن به واضافت إليه من الحديث مالا عهد لها به وفيه قوام اجتماعها. ان اختلاط مصر بالغرباء والإفرنج منهم خاصة ممن كثر إقبالهم عليها أكثر من كل بلد

стр. 1348

يتكلم أهله بالعربية اللهم الا الجزائر وتونس وتعلم جانب من ناشئتها في مدارسهم واتقانهم للغاتهم وذهاب أهل السعة منهم كل صيف للاصطياف في أوروبا وإرسالهم بعض أولادهم يغترفون من معين العلم في مدارسها وشلن - كل هذه الأسباب دخلت مصر في طور البلاد الإفرنجية ولاسيما حواضرها وأمهات مدنها حيث يكثر المتعلمون وأهل اليسار وتصدر الصحف والمطبوعات ويجتمع الموظفون والمزارعون والمضاربون وأهل التجارة. ومما يعد في باب الارتقاء في الفكر الديني بفضل ما انتشر بالطبع من أمهات الكتب الدينية وتناقلها الايدي على اختلاف الطبقات أن أخذ بعض العامة دع عنك الخاصة يدركون أن في بعض معتقداتهم شوائب وفي الكتب المعتمدة في القرن الماضي من مؤلفات المتأخرين اغلاطاً لا بدّ من نزعها والرجوع فيها إلى الأصول الصحيحة. وهذا الاعتقاد سرى في النفوس لأسباب منها انسيال تيار الفلسفة الجديدة واحياء الأمهات من أسفار السلف وانتبهاء أهل العقول إلى أن الرجوع بالناس إلى الأصول خير من الضلال بها في مهامه الفروع المشوبة والمعتقدات الضارة. وقد دخلت المطبوعات في دور جديد فبطل بعض الطبع السقيم وأخذ أرباب المطابع يحأولون تجويد الطبع وانتقاء المصنفات النافعة فاحيوا كثيراً من الأمهات القديمة في الشريعة والأدب والتاريخ كما ترجمو بعض المترجمات الجليلة في الحقوق والطب والكيمياء والطبيعة والاجتماع والقصص. وكان الفضل في تحريك نفوس المسلمين هنا وايجاد حركة أدبية بينهم لأحد أرباب النفوس الكبيرة والحكمة ونعني به السيد جمال الدين الافغاني فإنه هبط مصر في الربع الأخير من القرن الثالث عشر ولقي فيها من بقايا أهل العلم والذين تعلموا في أوروبا من ساعدوه على قبول دعوته وكأنت العجلة من طبعه يريد التاثير والإصلاح مباشرة ولو لم يكن كذلك لدل الأمة أكثر مما دلها على معاييبها ووصف لها من أسقامها بنغمة لم تكن تالفها وقد نفعت دعوته في تهيئة الملكات فربى له رجالاً يغلبوا عليهم النشاط والعقل في الجملة ومنهم أكبر مريديه الشيخ محمد عبدو الذي ووفق إلى تولي منصب الافتاء فكان له فيه أعظم تاثير ومضى ذهاء عشرة سنين على مصر كان فيها زعيم الحركة الإصلاحية كما كان شيخة جمال الدين من قبل ومن أعظم أثار الشيخ المفتي إنشاء الجمعية الحيرية الإسلامية وهي عمل نافع تثلج له الصدور وتقر العيون.

стр. 1349

أما القطب السوري فكانت حركته العلمية والأدبية جيدة على الجملة ولاسيما في بيروت مدينة العلم والمدارس في الشام ومركزها الحركة العقلية التي نشأت في الحقيقة بفضل مدارس مرسلي الأمريكان والفرنسيس وطبعتيهما العظيمتين وسائر المطابع والجرائد التي نشات فيها أواخر القرن الماضي وبعده وثلت من الافاضل الذين خدموا العربية خدمة نافعة كفإنديك وورتبات وبوست والبستاني والاسبر والأحدب واليازحي والحوراني والشرتوني وشيخو وبلو واضرابهم الثائرين على أثارهم. ومما ساعد على تحسين الاذواق ببيروت ولبنان كثرة ولوع سكان الجبل بالهجرة إلى أمريكا منذ أوائل القرن كما أولع اجدأهم الفينيقيون بها من قبل وعودة بعضهم بأموال أقاموا فيها القصور والمباني على النسق الغربي وحأولو العيش على المناحي الإفرنجيه وجلبوا معهم عادات ومعارف جديدة نفعت في إنشاء ملكاتهم وادابهم. والفلاح السوري على الجملة أرقى من الفلاح المصري واذكى منه ولكن أهل الطبقة الوسطى والعليا من المصريين أرقى من أهل جنسهم في الشام وقد سرت من حب الهجرة شظية إلى داخلية سوريا وهب المسلمين إلى الاغتراب بعد أن كان المسيحيون وحدهم يضربون في اكناف الأرض ولاسيما في أمريكا ومصر كما سرت عدوة العلوم الحديثة وحب تعلم اللغات الأوروبية ولكن هذه الجراثيم ما زالت قليلة الانتشار بينهم. ممن كان لهم اليد الطولى في الدعوة إلى تصحيح الأفكار في سوريا ولاسيما في دمشق وأعمالها الشيخ طاهر الجزائري فإنه نفع بتآليفه وإرشاده وخطبه في الاندية الخاصة حتى كان سبباً في إنارة عقول جمهور كبير من المتعلمين والمتأدبين والمتصدين للنفع والتدريس فكان العضو العامل في إنشاء المدارس الابتدائية في سوريا واحياء كتب السلف بعد أن بددهم الخلف وجعلها في خزائن عامة كالمكتبة العمومية في دمشق وغيرها. ولكن سوريا منيت بالمراقبة على المطبوعات فهجرها أكثر المفكرين والكاتبين من أبنائها بحيث صح أن تدعى سوريا مدرسة وميدان العمل مصر وأمريكا وغيرها. ولأن لم يأتي المسلمون في سوريا إلى الأن في عمل يدل على فضل وعقل فإن الانتباه للذي حدث في هذا العهد يدعو إلى الأمل بانه سيكون منه عما قريب أحسن أثر يعود على البلاد بما ينفعها في مادياتها ومعنوياتها. ومتى ايقن المرء بجهله تعلم والجهل البسيط خير من الجهل المركب ونريد للجهل البسيط هو أن لا يعلم

стр. 1350

صاحبه ويعلم أنه لا يعلم والجهل المركب هو أن لا يعلم ولا يعلم أنه لا يعلم. هذا في العلوم الدنيوية أما العلوم الشرعية فقد قل المشتغلون بها كثيراً لأن الناس مفرطون على حب المنفعة العاجلة. وذلك أن فريق المتعلمين رأوا العلوم الشرعية أصبحت لا يرزق صاحبها منها بقدر رزق صاحب العلوم الدنيوية فرغبوا عن الأولى إلى الثانية وفشا فيهم داء الاستخدام كمصر فضعفت بذلك العلوم الإسلامية التي كانت تعد دمشق وحلب مثلا من أمهات مدنها وأسواقها في العصور السالفة. وإذا تقدمنا إلى العراق نجده يشبه حال الشام وإن بقي له شئ من العلوم القديمة ولم يأخذ من الحديثة بقسط وافر على أن ذكاء العراقي ونشاطه معروفإن موصوفإن ولا يبعد إذا تهيئت أسباب واحدة للقطرين الشقيقين أن يسبق العراق الشام. ومثل ذلك يقال في نجد واليمن والحجاز فإن الذكاء موجود في أهلها على اتمه ولكن أسباب التعلم ضعيفة جداً والعأقلون العاملون لا يهتدون إلى طريقة تنفتح أمامهم سبيل الوصول. وأقليم نجد ما برح على الفطرة حتى أن علوم العربية ضعيفة فيه وليس هناك غير العلوم الشرعية من الفقه الحنبلي وغيره مما بثهُ فيهم أمامهم محمد بن عبد الوهاب في القرن الثالث عشر وكانوا من قبل فيه جاهلية جهلاء وهم لا يزالون بعيدين عن تعلم العلوم العصرية مع كثرة تجول بعضهم في الاقطار المجاورة في التجارة ورؤيتهم في الهند ومصر وغيرهما من أثار العلم الغربي ما يبهج ويدهش. وكذلك الحال في اليمن إلا أن العلوم الإسلامية على كثرة الفتن هناك ما فتئت بين الزيدية أرقى مما هي في غيرها من الاقطار وهي منحطة عند غيرهم ويمتاز عامة أهل نجد واليمن عن عامة غيرهم بمعرفتهم المبادئ الأولى التي هي أساس لما بعدها بحيث أن عامتهم يشاركون اعلا طبقات العلماء في المبادئ الصحيحة حتى أن كثيراً من عامتنا بل من علمائنا يتوهمون في كثير من عامتهم بانهم علماء فخواصنا أرقى من خواصهم وعامتهم أرقى من عامتنا. والحجاز ما برح كما وصفه الكتاب العزيز واديا غير ذي زرع كما أنه لا يزال واديً غير مخصب بالعلم والأدب وإن كان كما قال لي أحد الثيقات بانه قد ينزل في علماء كبار ولكن يقصدونه للعبادة والتخلي عن الدينا لا ليعملوا ويجدو فترة فيه الافغاني والهندي والمغربي وغيرهم ممن صرفوا اعمارهم في النافع واحبوا أن يختموها بالعبادة. أما السواد الأعظم من السكان

стр. 1351

هناك فبعيدون الان عن التغيير ولعل السكة الحجازة متى وصلت بلادهم ببلاد الشام تنقل إليهم من وراء البحار ما تستنير به عقولهم كما ستنقل إليهم الغلات والثمار. هذه أحوال جزيرة العرب من الارتقاء وهو احرى كما رأيت أن يدعى وقوفا. واما شمال أفريقيا فحالتها ليست الا دون ما يرجى فإذا نظرت إلى المغرب الأقصى ترى الفوضى السياسية تمزق احشائها منذ سنين بل منذر اعصار والقول الفصل فيها لمشايخ الطرق منذ خمسة قرون وليس لعلماء الدين الحقيقين سلطة تنفع أما العلوم العصرية فعدومة بالجملة وإذا نظرت إلى فاس وغيرها من أمهات مدن العلم في ذاك الصعق الواسع لا تجدها قد اختلفت شيئا عما كانت عليه منذ قرون اللهم إلا في انحطاط العلوم الدينية مع أن المغرب الأقصى من أوروبا على قيد غلوة ولكنه ضرب دونه ودون المدنية باسوار منيعة وحرم أهل الشأن فيه. ما لم يحرمه دين ولا عقل كقراءة الكتب الجديدة والصحف بل وصل الغلو بهم إلى تحريم تفسير القرآن لخيالات يتخخيلونها من قراءته. وإذا جئت المغرب الاوسط وهو الجزائر ترى العلوم الإسلامية منحطة فيه والعلوم الجديدة ليس منها شيء إلا في المدارس الفرنسوية على قلة جدواها ولم يصل منها إلى أهل البلاد النافعين في انهاضها غير نور ضئيل جداً لان أكثر الدول المستعمرة تذهب إلى أن العلم يرفع ريقتها عن المسعمرين وكذلك الحال في المغرب الادنى وهو تونس وبرقة أي طرابلس وما والاها من بلاد الصحراء إلا أن أهل تونس هم بالنسبة للمغربين المجاورين لها أرقى في العلوم الدينية والدنيوية. وجامع الزيتونه يكاد يكون أرقى من الجامع الازهر على أن تونس كانت منذ القدم تعنى بالعلوم الإسلامية أكثر من غيرها من الاقطار وحسن الترتيب بين التوانسة في طريقة التعليم قديم العهد كيف لا وهم في الا كثر من نسل الفينيقيين وجالية الأندلسيين. ويرجى لهم بعد أن نفس عنهم الخناق بعض الشيء أن تنفعهم الحرية فيفكر قادتهم لهم وإن ما نسمع به ونراه من الصحف والجمعيات التي أكثروها من تأسيسها مؤخراً ليدعونا إلى الرجاء بأن يكون الربع الثاني من القرن أحسن فائدة وأكبر عائدة عليهم أن لم يعاودهم الضغط والمراقبة. هذه الحال البلاد التي يتكلم فيها باللغة العربية بقي السودان وزنجبار وحالهما حال سائر

стр. 1352

البلاد العربية واضعف وكنا نأمل لأهل زنجبار أن يكونوا كأهل اليمن في العلم والانتباه والاندري ما احاق بهم حتى تأخروا عن اللحاق بهم. وإذا احصيت العرب لا ترأهم يقلون عن خمسين مليوناً ولو قست حالهم العلمية والمادية بأصغر الشعوب الأوروبية كلبلجيك او هولانده او سويسرا لبكيت وانتحبت هذا ولغة العرب ينطق بها نحو مئتين وخمسين مليوناً فهي أقوى اللغات واضعفها اقواها بأساسها الثابت المتين واضعفها بأهلها المشتتين. فنسأل الله أن يهيء لهذه الأمة من يرشدها ولا خير لها الا من نفسها لان سيادتها وكبراءها ناموا عن رعايتها.

стр. 1353

مصائب المكاتب ليس أعز على عالم من كتب وأوراق كتبها هو أو كتبها هو غيره ولذلك نجد المصنفين في كل عصر ومصر يختارون أجود الورق وأثبت المداد وأجمل الخطوط تخليدا لجدهم وحرصا على بنات أفكارهم أو أفكار من عاصرهم أو تقدمهم ولما كان لكل شيء في العالم عمر طبيعي يقضيه حيوانا كان أو نباتا أو جمادا لم تخرج الكتب عن حد كونها عرضة للفناء وإن طالت أعمارها أكثر من غيرها في عالم الكون والفساد بيد أن المصيبة بها جليلة لأنها ثمرة عقول البشر وزبدة أقوالهم وأفعالهم، وأفضل ما في المرء عقله ولا يتم له حفظ ثمراته في الغالب إلا بكتاب. حدثت الكتب في الإسلام في أواخر القرن الأول ولم يمض قرن أوقرنان حتى عدت بالأولوف وصار لها شأن عند القوم بعد أن كانوا أمة أمية لايقرأون ولا يكتبون قيل أن الكتب التي كتبها أبوعمرو بن العلاء المتوفي بعد الخمسين ومائة عن العرب الفصحاء قد ملأت بيتا له إلى قريب السقف ثم أنه تقرأ أي تنسك فأخرجها كلها وفي رواية أحرقها فلما رجع إلى علمه الأول لم يكن عنده الا ما حفظه بقلبه ومعلوم أن أصحاب السلطان في الإسلام عنوا بأقامة الخزائن وتسليبها على المطالعة والمراجعة والنسخ ينتابها خاصة الناس وعامتهم لندرة الكتب وعزة الظفر بها إذ ذاك وقد أصاب تلك الخزائن ما أصاب غيرها من مخربات العمران وأقلها التجريف والتمزيق والضياع والتفريق ولذلك طالت لها الحسرة وهلاك فرد لا يوازي هلاك أفراد وإن عد الفرد أحيانا بأمة وكذلك الحال في الكتب فإن ذهاب مكتبة أومكاتب برمتها لا يشبه ذهاب كتاب أوبضعة كتب وأهم المآتم التي أقيمت على الكتب الإسلامية ثلاثة. الأول يوم دخل هولاكو سنة ٦٥٦ إلى بغداد وقتل الخليفة العباسي وأزال الخلافة جملة وخرب دار السلام فألقيت الكتب في دجلة حتى قيل أن لونه مائه على غزارته بقي أياماً أسوداً مكمداً بما تحلل فيه من مداد الأسفار التي ابتلعها وبالغ المؤرخون فيما ذهب في تلك النكبة ويكفي بأن بعض تلك الكتب التي نهبت من بغداد والشام والجزيرة على زمن هؤلاء التتر قد أنشأ بها نصير الدين الطوسي أحد فلاسفة الإسلام خزانة عظيمة اتخذها بمراغة في القبة والرصد الذي أنشأه هناك فيجتمع فيها زيادة على أربعمائة ألف مجلد. والمأتم الثاني يوم دخل الإفرنج مدينة طرابلس الشام في الحروب الصليبية فأحرقوا مكتبها بأمر

стр. 1354

الكنت برترام سنت جيل وكان قد دخل غرفة فيها نسج كثيرة من القرآن فقضى بإحراق المكتبة كلها وفيهأعلى ما قيل ثلاثة ملايين مجلد. وأصاب البلاد غير هذين الرزيتين ما أصابها من الخراب بأيدي التتر وأهل الصليب. والمأتم الثالث نكبة الأندلس وداهيتها الدهياء فقد وقعت كتب المسلمين في أيدي أعدائهم وقد أعمأهم الجهل والتعصب فجعلوها طعاماً للنار. قال قوندي في تاريخه إن مسيحي إسبانيا لما استولوا على قرطبة حرقوا كل ما طالت إليه أيديهم من مصنفات المسلمين وعددها مليون وخمسون ألف مجلد جعلوها زينة وشعلة في يوم واحد ثم رجعوا على سبعين مكتبة في الأندلس وأنشئوا يتلفون كل ما عثروا عليه في كل أقليم من مؤلفات العرب. وقال أحد مؤرخيهم ربلس أن ما أحرقه الأسبانيول من كتب الأندلسين بلغ ألف ألف وخمسة آلاف مجلد. وذكر بعض المؤرخيون أن أحد جثالقتهم أمر بإحراق ثمانين ألف مجلد في ساحات غرناطة عقيب استيلائهم عليها وأنهم قبضوا على ثلاث سفن قاصدة مراكش تقل ما عزّ على المسلمين أن يخلفوه ورائهم من أسفارهم فألقوها في قصر الأسكوريال ثم لعبت فيها النيران وبقيت منها بقية رتب فهرستها أحد مسيحي سورية وجعلوها إلى اليوم مكتبة ينتابها علماء الأرض وكان بقي منها على عهد من رتبها ١٨٥١ سفرا. وقد ادعى قوم أن المسلمين حرقوا كتب الأمم الأوائل وأنه أمر عمرو بن العاص بإحراق مكتبة الأسكندرية وفيها قسم كبير من حكمة اليونان وغيرهم من الأمم الخالية وإنهم حرقوا مكاتب فارس في خلال الفتح وأن عبد الله بن طاهر قائد المأمون حرق في خراسأن سنة ٢١٣ ما كان باقياً من مؤلفات المحبوس إلى غير ذلك مما يتذرعون به من الحجج وهو من الحجج وهو مردود عند أهل التمحيص ونقدة الأخبار. ولو كان لما ادعوه ظل من الحقيقة لذكر قدماء المؤرخين من المسلمين ذلك ولو بإشارة طفيفة. ولماذا يا ترى لا نرى لهذه الدعوى ذكراً فيما بين أيدينا من كتب التاريخ كابن جرير والمسعودي والبلاذري وغيرهم كما أنا لا نجد لذلك أثراً في كتب سيرة العمرين وكان على مؤلفيها لو كانت رويت هذه الأخبار لهم من طريق صحيحٍٍٍٍٍٍ وتوارت في زمانهم أن يعدوها في باب مناقب الخليفة الثاني ويوردها بسلامة صدر على عادتهم في بعض

стр. 1355

أخبارهم بل كان على أصحاب الكتب الستة مثلا أن يفردوا لإحراق الكتب باباً لو كان صدر من بعض الخلفاء الرأشدين مثل هذا العمل كل هذا لم يرد شيء منه في تضاعيف كتب الثقات وإنما هم الوضاعون وضعوا هذا الخبر كما وضعوا مئات مثله وألصقوه بالأمام فتلقفه من لا عهد له بوضع الأخبار على محك النقد من مؤرخي القرون الوسطى قضية مسلمة وراح بعضهم يتذرعون به إلى النيل من الأئمة بإحراقهم الكتب ليحولوا دون العقول والأخذ من علوم الأوائل وكل مانسب للمؤرخين المتأخرين منقول عن القفطي من أهل القرن السادس ولايبعد أن يكون تلفقه من كتب الواعظين وتابعه عليه من بعده. يؤيد ذلك ما مُني به المسلمون من التفرق إلى شيع يضاد بعضها بعضاً وما ثبت في التاريخ من أن الحريق طرأ على هذه المكتبة مرات قبل الإسلام ولما فتحت الأسكندرية في الصدر الأول لم يكن في مكتبتها من الكتب ما يدعو إلى مد يد الفاتح إليها بشيءٍ من الأذى والحرق ولذا لم يذكر هذا الخبر أحد من معاصري الفتح من المؤرخين سواء كانوا من الروم أو غيرهم. هذا ما وقع للكتب العربية من النكبات العامة في القرون الوسطى وقد وقع لها ما بعده نكبات أعظم وأدهى نريد بها جهل القوم وزهدهم فيها ومفاداتهم بها ويبعثها بثمن بخس لكل طالب. وما زال الشيوخ من أهل هذا الجيل يحدثوننا بما وقع لكتبنا في مصر والشام وأقله السرقة والحرق الإختياري ويبعثها من الدلالين لينقلوها إلى الأجانب. حدثني ثقة أن دلال كتب في دمشق كان يغشى منازل أهل العمائم ممن يعرفون بين القوم بالعلماء ويختلف إلى متولي خزائن الكتب في المدارس فيبتاع منها ما طاب له من كتب القوم المخطوطة بأثمان زهيدة إذ لم يكونوا يحرصون إلا على كتب الفقه وكانوا أبيع من إخوة يوسف لكتب التاريخ لأنها كذب بزعمهم والكذب لا ينبغي أن يوضع في قماطرهم وخزائنهم وهناك فنون كثيرة تلحق فن التاريخ بالطبع وهي كتب الحكمة والأدب. قال وقد ابتاع معظم هذه الكتب قنصل ألمانيا

стр. 1356

إذ ذاك بما يساوي ثمن ورقها أبيض وبقي سنين يتلقطها من أطراف سورية حتى اجتمع له منها خزانة مهمة رحل بها إلى بلاده فأخذتها حكومته منه وكافأته عليها والغالب أن معظم ما في مكتبته برلين العربية هو من بقايا الكتب. التي كان يعدها أولئك المتعالمون أضاليل وأباطيل والتخلص منها بدارهم معدودة خير وأبقى. ومثل هذا وقع في كثير من بلادالشرق العربي ولاسيما القاهرة فإن ما تدورك أمره وجمع في خزانة الكتب الخديوية هو غيض من فيض. وكذلك ما جمع في خزانة الكتب العمومية في دمشق وما بقي في بعض مدارس حلب وغيرها وما أظن إلا أن حظ سائر البلادالإسلامية كان كحظ هذين القطرين في كتبه لأن الداء واحد وهو عموم الجهل. أما مكاتب الأستانة وهي نحو أربعين مكتبة الآن ويبلغ ما فيها نحو مائة ألف مجلد ففيها النفيس الذي لا خطر له ولكنها مغلقة تأكلها الأرضة ولا ينتفع بها وكثيراً ما سطا عليها شياطين الأنس من الغربيين وابتاعوا بعضها من القوّام عليها لقاءَ ريالات يرضخون بها ولا يزال معظمها في حكم العدم وتوشك إذا دامت كذلك أن تفنى مع ما فني وترحل مع ما رحل. إلا فلتعمر مكاتب موينخ وبرلين وستراسبورغ وليبسيك وليدن وفينا وبودابست واكسفورد ولندن وباريز والأسكسوريال وبطرسبرج ونيويورك وشيكاغو وغيرها من المكاتب العامة والخاصة فإنها هي التي عرفت قدر ما احتقرناه وبواسطة رجالها يحيا كل كتاب انتقل إليهم وينتفع

стр. 1357

به ولو بعد حين وآمالنا في انتشار مدينة الإسلام على يدنا وإن كنا نود مشاركة أولئك الغيومرين في أحياء مدينتنا وصاحب الحاجة أولى بها.

стр. 1358

نظام العمل للدكتور موريس دي فلوري في (المجلة) الفرنسية لا أرى إنساناً يصف نفسه بأنه يقتلها في العمل خليقاً بأن يكون حكمه معقولاً لأن العمل في ذاته لا يقتل بل هو على العكس شرط الصحة وموازي القوى. إذاع في العهد الأخير أحد الدعاة إلى نزع الملكية المتحمسين المخلصين بأن دور السعادة أتى وأنه سيكفي المرء بعد الآن أن يعمل كل يوم ساعة وثلثاً ليقوم بحاجاته الخاصة ويوفي ما للمجتمع عليه من المطالب. وهو نظر في المستقبل لم أحفل به بتة إذ لم يقع من قلبي موقعاً لعلمي بأن الأنقطاع عن العمل اثنين وعشرين ساعة وأربعين دقيقة هو مما يؤدي بالإنسانية إلى مواقع الضعف الطبيعي المحزن والغفلة التي تغشى الأبصار والبصائر سيئاتها. هذا إذا لم أقل أن هذه البطالة والإغراق في عدم استعمال قوانا ربما يدفعاننا إلى السقوط فيما سقط فيه أسلافنا الأول من الوحشية. على حين نرى العمل اليومي الطويل ضرورياً لتجديد قوانا وهو منظم غريب في جهادنا العصبي فعلينا والحالة هذه أن لا نتطال إلى الأقلال منه بدون تبص. لا يموت كبار العاملين شباباً كما يموت أسوأ الخاملين والأمراض السارية لا تبقى على النساء المنقطعات عن العمل وتتنأول الرجال المجدين في تعاطي أعمالهم. وكذلك الحال في رجل له دخل يعيش في إحدى الولايات فتراه لا عمل له إلا أن يقرأ جريدة ويذهب ليتفرج على مرور القطار السريع تراه يشيخ بسرعة على نحو ما يشيخ ذاك الطبيب من معارفي وهو يستيقظ الساعة السابعة صباحاً من نومه ويذهب ليقوم بوظيفته في المستشفى ثم يلقي درساً في المدرسة الطبية ويسأل المرشحين في الفحوص ويطب عشرين مريضاً أحسن تطبيب ويكتب عشر رسائل ويدير دفة أعمال المباحث في معمل كيماوي ويرأس لجنة طبية وينشر كل سنتين أوثلاث سنين مجلداً ممتعاً من قلمه. نعم إنك لترى الشعوب المفرطة في الكسل مهما كان

стр. 1359

هواءُ بلادها جيداً يموت منهم أكثر مما يموت من الشعوب المتوفرة أبداً على تعاطي الصناعات. ومن المحق أن من الصنائع ما يضر بالصحة تعاطيه. والمرءُ قد يمرض لأنه استنشق زمناً غباراً أو أبخرة مضرة مهلكة. ولا يختلف اثنان بأن للعمل العقلي والعضلي شروطاً وأرى أن أنصح للعاملين بما لديَّ من النصائح لأعلمهم أن لا يعرضوا أنفسهم للأعياء والأعنات. ولابدَّ لي أن أقول في فاتحة كلامي لمن اتخذوا الكسل شعاراً أن كل حاسة من حواس الإنسان إذا انصرفت زمناً إلى الراحة تهزل على أن الحاسة التي تعمل على الدوام تحفظ وتزداد وتكمل. يقول علماءُ منافع الأعضاء أن صرف القوى بالعمل المعتاد يكاد لا يدرك إذا كان قانونياً ويعوض النوم والغذاء ما فقد منها. وأن المرء إذا كان صحيح الجسم وجرى في تدبير صحته على قاعدة معقولة يقوم بعمل يوازي على الأقل يومي العمل المقنن في العادة وهو ما تراه نقابات العملة الآن مغايراً للمعتاد وذلك بدون أن تنفذ قواه. وأرى أن هذه الكمية من العمل هي في الواقع نافعة لقوام البنية الحيوية القانونية. نشر الأستاذ لاندوزي في مؤتمر السل الأخير خلاصة أبحاثه المهمة التي عُني بتحقيقها هو واثنين من تلاميذه المسيو هنري والمسيو مارسيل لأبي وأورد الصورة التي يغتذي بها في العادة العملة الباريزيون. فدلت تحقيقاتهم على أن معظم العاملين بقوأهم يبذلون تقريباً من الدراهم ضعفي ما يقتدي لغذائهم اليومي وأن انتقاء أنواع الأطعمة كما هو الآن ينافي كل المنافاة قواعد تدبير الصحة الغذائية وهي مبادئُ قلما يعنى بها علماء الاجتماع لهذا العهد. ومن المحقق بعض التحقيق أن العمل الصناعي إذا قام به المرءُ وعمل فيه التركيب النامي على حد الكفاية لا يستلزم شيئاً من التعب العصبي الكثير لأنه يكاد يجري على وتيرة واحدة بدون وساطة الفكر الاختياري ولا تتعب سوى المصاعب التي لم تنتظر والصعوبات غير المألوفة لأنها تستلزم من القوى تطبيقاً جديداً لتجري نحو غاية تحدث ولم تكن متوقعة فالطعام القليل الذي يسوءُ انتقاؤُه وكميته هو الذي بتعب الجسم ويمرضه نعم أن الضرر نشأ من الإفراط في استعمال

стр. 1360

المقويات الرديئة والمهيجات والكحول وفساد المسكن وازدحامه وقلة نفوذ الهواء إلى محل العمل حيث يعمل العامل مع إخوانه ممن يكونون مصأبين بالسل. ولقد أحسن من سنوا قانوناً لعمل صغار الأولاد إذ دل الإختبار على أنه لا يتأتى إكراه الأعصاب التي لم تتكامل على العمل الطويل بدون أن يحدث فيها ضرر ويستندون في ذلك على أن عظام الأطفال تكون أخذة بالنمو. ولكن رجلاً بالغاً صحيح الجسم يحسن ما يعمل من الصنائع ولا يسمم جسمه في حانة بما يتنأوله من المشروبات الروحية لا يتعب بمقدار ما يكون عمله منتظماً. يذهب المديرون للطبقة العاملة الأن إلى اعتبار العمل اليومي أسراً وظلماً ينبغي الخلاص منه بالسرعة الممكنة. وهذه المزاعم منافية من كل وجه لمبادئِِِ علم منافع الأعضاء الحديث الثابتة المحسوسة إذ ثبت أن العمل مبعث السرور والصحة يطيل فينا حبل الحياة وينهضنا من خمولنا وبدونه لا يتأتى لنا أن نعيش في المجتمع. أليس العمل هو السبيل الوحيد الذي ينسينا شقاءَنا فلا نفكر في الأمنا ويحملنا على مداواتها بأن نلجأ إلى بعض الرفاهية والدعة. من شأن المؤثرات الخارجية أن تديم أعصابنا على أنكماشها فالقوة البشرية فينا تنشأ من قوة الإدراك بالحواس لا لتعمل تلك القوة عملها وتفنى في مكانها بل لتصدر عنا وتقوم بما قدر لها وتتبع الأعمال بنتائجها. ولا بد من الوقوع في خطر إذا تركت تلك الحاسة تتجمع في مراكز أعصابنا فالفتور يؤدي بادئ بدء إلى الغضب ثم ينتهي بالهزال. فعلينا والحالة هذه أن ندعو إلى حب العمل فإنه مصدر القوة المتجددة النامية والرضى والأمان. وعلينا أن نعني كل العناية بتحسين حال العمل وتعميم قواعد تدبير الصحة في الحرف الشاقة وأن نطالب بتطهير المعمل والمسكن ونضاعف عدد المطاعم الصحية الرخيصة وأن نغلق أبواب كثير من الحانات وأن نلقن العملة مبادئ التمدن ونعلمهم أن يعيشوا بعقل وحشمة وأن لا ينهبوا حياتهم نهباً وأن نجعل لهم سلاحاً يجاهدون به البؤس والمرض وأن نصرح على رؤُوس الملأ ولو ساءَ ذلك بعضهم بأن من يفتري بأن العمل مذلة ومنقصة كاذب في مذهبه ختار في مبدأه.

стр. 1361

يظهر أن نوع العمل الذي اعتاد الناس أن يدعوه عقلياً لأنه يستدعي شيئاً من الجهاد العصبي هو أقل موافقة لقواعد الصحة وأقل نفعاً من عمل الحقول والمعامل. فحياة من يقضون أوقاتهم في الغرف فيها ما يعوّد التركيب النامي على كسل الأعصاب وليس فيها بوجه من الوجوه ما يبعث النشاط في إسقاط المسممات وقلما يطعّم طعاماً أو يشرب شراباً ويدخن وهو يعمل. فمن يقضي نهاره في أماكن ضيقة غير معرضة للهواء ولا يجري من أنواع الرياضة إلا ما يأتيه كل يوم من القفز إلى الحافلة ليصل بها إلى داره لا شك إنه يصاب بوجع المفأصل وما إليه من الأوجاع الكثيرة ولا تلبث حواس الإفراز مثل الأحشاء والكبد والكلية أن تتدرن فلا تعمل عملها وينتهي ذلك بفساد الصحة عامة والهرم العاجل. فإذا كان من يعمل بعقله حامي الرأس بارد الأرجل ضعيف المعدة متداعي الأحشاء رخو الأعصاب ضعيف السوق فهو بلا مراءٍ عرضة أكثر من عامل المدينة والحقول لسوءِ الهضم والبدانة والصلع والنقرس وضعيف المجموع العصبي ولأمراض كثيرة سببها البطءُ في التغذية. هذا حظ العاملين بعقولهم ممن يعملون لغيرهم ولا يتحملون أقل مسؤولية أما من يعملون بعقولهم ويديرون حركة أشغالهم فيكون لهم خيرها وشرها وخلها وخمرها فأولئك أناس تضطرهم الدواعي إلى إجهاد القوى والدقة وتجديد جُدة الأرادة والخوف من السقوط والقلق مما يأتي به الغد ويكثر المصابون بضعف المجموع العصبي من أرباب الأشغال العقلية من مثل المهندسين وأصحاب الصنائع والسياسة والشبأن الذين يستعدون لتقديم الأمتحانات أو الدخول في المسابقات. ولقد كنت لأول أمري مثل كثير من رصفائي في طب الالأم العصبية أذهب إلى أن ضعف الجهاز العصبي كان ينبعث في الغالب من الإجهاد في العمل والإفراط فيه أما الأن فقد علمت بالتجربة خمس عشرة سنة أن الإعتقاد بأن أهم سبب في المتاعب العصبية ناتج في الأكثر من عمل مؤَثر وغم وشدة الجد وكد الذهن في موضوع مخصوص والعمل القلق والمؤثرات من الأفكار والملقيات في الإضطراب والتذبذب من مثل النظر إلى الغاية وتوقع الثمرة.

стр. 1362

فمن ورثوا عن والديهم مرض النقرس والأعصاب هم عرضة للتألم من الحياة خاصة فتسوّد أيامهم في عيونهم وتبهظهم فيستطيلون حياتهم فتنحل قوأهم الدماغية. وبهذا عرفت أن طريقة العمل هي التي تولد الأعياءَ لا العمل نفسه. يتظاهر الإنكليز السكسونيون أن تبدو عليهم إمارات العجلة والقلق ولا يتجلى الإضطراب على محيأهم وأن يسلكوا مسلك التؤدة والعقل. ومن المحقق أن برودة الطبع في الظاهر تكره صاحبها على استعمال السكون في الباطن وتقمع الجهاز العصبي. فقلة الصبروالخمول والحمية تجيءُ بالتعود والمران أكثر مما تنشأ بعامل الطباع والأمزجة ومن يتأمل يتضح له أن السيئات التي تحملها لنا حوادث الحياة يكون شرها الأصلي لا بذاتها بل بالكيفية التي نحلها منا ومعظمها لا يفعل فينا إلا بقدر تجسيمها في أنفسنا. على أن من يعملون قليلاً هم الذين يعجلون في استنفاذ قوة حواسهم العصبية وذلك لأن تثأقلهم عن العمل يلقي في قلوبهم الخوف حتى ليغصون بالماءِ الفرات ومن يقع في نفسه أنه قام بكل ما يقدر عليه يتوقع أبداً والسكون رائدة نتيجة اجتهاده الذي قلما يضيع بأسره. والحال سواءٌ في الأعمال العقلية والأعمال اليدوية وجميع أعمال حياتنا على أنواعها وفي جملتها الحب وما يتصرف عليه لا تتعب إلا إذا كانت متقطعة نادرة أوغير مألوفة وعارضة بدون تسلسل بينها. والعادة والميل يزيلان مفعول المؤَثرات العصبية. ولقد بحثت قديماً في حالة المشاهير والطريقة التي يجري عليها كبار المفكرين من كتابنا في حياتهم فما رأيتهم يتوقعون أن يوحى إليهم من السماءِ بالخواطر والأفكار بل إنهم كانوا ينشدونها بطول الثبات وانتظام أعمال انتظاماً تاماً فكان أعاظمهم يبدأُون بعملهم كل صباح في ساعة معينة على نحو ما يشرع المستخدمون في مكتب تجاري بعملهم وكان دوام تحديقهم في شيءٍ واحد يضاعف أفكارهم بحيث تكون عالية عظيمة وكان الصبر الطويل عند معظمهم أول الملهم القويّ في عقولهم وقد عمروا إلا قليلاً منهم أمثال بالزاك الذي قتلته همومه وزولا الهالك بعارض طرأَ وموسيه قضى من تعاطي المسكرات وبولير وجول دي كونكور والفونس دودى وموباسان قضوا نحبهم عقيب أمراض طرأت عليهم عرضاً وما قط نسب موتهم قبل استيفاءِ سني حياتهم للعمل الذي كانوا يتعاطونه؟ وهنا نأتي على التدأبير التي تعين العاملين فلا يلاقون نصباً ولا صباً. فاعلم أنه ليس

стр. 1363

أحسن في شرع العمل من توفر المرءِ على عمله وأن ما يجلب التعب في العمل الطبيعي أوالعقلي هو كيفية تعاطي العمل أي أن اجهاد الذهن وحصره في موضوع يعطي المرءَ قوة فعلى الأرادة ريثما يستحضر الذهن ويشرب حب الميل إلى العمل الذي ينوي استخراج شيءٍ منه أن تتوسط في الأمر للحال لتستدعي انتباه الفكر واجتماعه وهذا مما يجلب التعب ولكن متى تهيأ سبيل الموضوع الذي يقضى الشروع به ومتى أعددت للموضوع عدته وأسبابه يجري العمل فيه بذاته ويعمل الدماغ فلا يعود يتأثر بالفكر وحصر الذهن فعلى المرء والحالة هذه أن يعمل بمضاءٍ وتسلسل ويجدر به أن يحاذر استنزاف قواه. خيرٌ لمن لم يرزق أرادة ثابتة وقوَّة أدبية عجيبة ومن لم يؤت فضائل سامية خارقة أن يعتاد عادات نافعة فإن العادة الحسنة والضارة سواءٌ في تأثيرهما في النفس. وبعد فلنتعلم تنظيم حياتنا بتدقيق وأن نجلس إلى منضدة العمل كل يوم في وقت معين ليتراكم الدم من ذاته في دماغنا ويستعد لعمله وتعد المعدة جهازها الهضمي للطعام وتجوع من نفسها في الوقت المعين لغذائها. حقاً ما قيل أن العادة طبيعة ثانية بل هي قوة جميع الضعفاء وهي سر الأقوياء إذ أن أرباب العقول الكبيرة يكرهون أنفسهم عليها عند ما تحدثهم نفوسهم بإبراز تأليف مطول ممتع. قال موسو الإيطالي عند كلامه على التعب أن أطالة الفكر في موضوع واحد تضاعف في قيمة الوقت مضاعفة خاصة. وهو كلام لطيف لأنك ترى الإنسأن في تعاطي العمل ثلاث ساعات شديدة التي تأتي بها المداومة على الفكر النافع يعمل عملاً أكثر وأحسن من عمل عشرين ساعة متقطعة وتفكر لا طائل تحته وفي أحلام مختلفة غير مقررة التي يقضي فيها المرءُ وقته في انتظار الوحي والإلهام. ولقد كانت طريقة مشاهير كتاب العالم على هذا النحو ومعظمهم لم يصرف أكثر من ساعتين أوثلاثاً في عمله اليومي أما سائر ساعات الفراغ فكانوا يقضونها بالطبع في التدبير وهو من توابع الأعمال العقلية. وهنا مجال لأن أبين أنه ينبغي تدبير الصحة ومن اللازم على ابن الكتابة أن يتربص كل يوم بعص الرياضة العضلية مخافة أن يتسخ التركيب النامي كله وفي جملة ذلك الدماغ الذي يتحتم إحراق فضلاته وإسقاطها فإن المشي وركوب الدراجة والإرتياض والفروسية

стр. 1364

نافعة لأرباب العقول على شرط أن يعتدل فيها فلا يكون في معاطاتها تعب عضلي يزيد التعب العقلي. وجميع حركاتنا الإختيارية ناشئة من قشرتنا الدماغية. وإني لا أعرف أناساً فرطوا كثيراً في حصر أذهانهم في السباق فأضاعوا قوّة أفكارهم وعلينا أن لاننسى أن الحركة العضلية ينبغي أن تجري بالطبيعة لادخل للأرادة فيها ليحسن أثر الرياضة ولا يقع المرءُ في الإفراط. وعلى المرءِ أن يلتزم القصد للغاية تحامياً من الوقوع في بطاءة التغذية والربالة ووجع الأعصاب وتجمد الشرايين وجميع ما يجري هذا المجرى من الأمراض فإن الأطعمة المعتادة والخمور الجيدة والمشروبات والإفسنتين كلها مما يورث حواسنا أذى كبيراً فتغير الدماغ وتضر بالإعتدال والصفاءِ وحضور الذهن وإذا ثارت في متعاطيها ثائرة الغضب تورث رأسه ثقلاً وسباتاً مضراً فإن الإفراط وسوء الهضم مضران بأرباب العقول الكبيرة لما أنه ثبت أن جميع كبار كتابنا على التقريب اقتصروا على تنأول الماءِ ولم يتعاطوا المشروبات الروحية. أما العفة التي يراها بعضهم غير ضرورية للقرائح فإنا لا أراها إلا نافعة فإن المرءَ الذي يقضي حياة طيبة في العمل لا تأتيه المفاسد والإستهتار إلا بالضرر وهي إمارة نقص فيه أما الحب الشريف فإنه يرفع قدر الإحساس ويسمو بالنفس وينبه الأرادة للإنتقال من عمل إلى آخر.

стр. 1365

ارتقاء الفكر ترجمة مقدمة كتاب أمانية الحديثة ونشوؤها إذا قيس العصر الحاضر بالقرون الوسطى فأول ما يبدو للناظر كالشمس الرائعة ازدياد مقدرة البشر في خلال القرن الأخير. ولعلَّ في الناس من يرتاب في تقديم الإنسانية من هذا الوجه فيقول أن ابن اليوم إذا قيس بابن أمس فليس أسعد منه حالاً ولا أوسع عقلاً ولا أكثر أمناً وطمأنينة. على أننا نعتقد اعتقاداً لا تردد فيه بأن القوة المشتركة التي يتمتع بها المتمدنون ويكافحون بها عناصر الوجود قد زادت زيادة كبرى. فتنسى للذكاء الإنساني أن يخطو خطوة عظيمة خلال القرن التاسع عشر في سبيل تسخير القوى الطبيعية وحسن الانتفاع بها والتغلب عليها. فغدا المرء لا ينظر للعالم على ما كان ينظر إليه ابن القرون الغابرة ولايشعر بمثل شعوره نحوه سابقاً بل ارتقى عقله وأي ارتقاء وتقدم كما يقول نقدة كتبه الألمان فصار كل شيءٍ ذاتياً في الإنسان. عرفت القرون الوسطى بعدم استقلال شعورنا وبتبعيته لقوى الوجود التي تربو على قوانا كثيراً. وإذا حللنا العقل الذي أخذ يقوى حوالي القرن الخامس عشر يثبت لدينا بأن ما يزيد في مساحة الخلاف بيننا وبين أهل القرون السالفة نشأ من عدم توفقهم إلى معرفة مبدأ تحليل عناصر المادة وتعليل المسببات. نحن نقول بوجود رابطة سببية مستحكمة بين جميع الظواهر الحسية بدون استثناء ونسعى جهدنا بما لدينا من التجارب أن ندرك جميع هذه الصلات والأسباب والنتائج حق الإدراك. ولا نزال في حال عدم اطلاعنا على تلك الصلة موقنين بوجودها وأن العلم الناضج يتمكن من تحليلها وتعليلها. وهذا اليقين الأساسي هو الذي نقص ابن القرون الوسطى. فكانت معرفته بالعالم الخارجي ضيقة النطاق ولم يكن لديه كما لابن هذا العصر تجارب جمة مبنية على قواعد راهنة منظمة بنظام معقول ومرتبة يبحث عن شرح الأسباب وتعليلها بل كأن يكتفي كل حين في باب التبصر في وجوه الأمر وكشف غامض كل سر يعرض في فضاء الظواهر بأن يعللها بأقيسة مختلفة وقد تكون سطحية لا قائمة على استدلال مدقق واستنتاج متين.

стр. 1366

وأي شيءٍ أعجب مما كان عليه ابن القرون الوسطى أمام مجموع حوادث ما زالت ضيقة المضطرب علمته العادة أن يميز فيها بعض النظام فجزم من تلقاء نفسه بوجود عالم المعجزات والخوارق وبأنه فسيح المدى غير خاضع للنواميس الطبيعية على قربه منا وفي مكنته أن يفرط كل حين السلسة القانونية من هذه الظواهر. وأي شيءٍ أعجب من حال ابن القرون الوسطى وقد فقد الحلم الحسي المنظم فكان من قلة اختباره أن أثر فيه كل التأثير ما ورثه من الحكمة التقليدية. وأي شيءٍ أعجب من مذهب قائم على الاعتقاد بالخوارق ومؤسس على سلطة تقليد قديم يستولى على العقول وتلزم به الأذهان والأرادات بقوة لا تغالب. أما العقل الحديث فيختلف عن ذلك كل الاختلاف. وذلك أن العقول كانت في القرون الوسطى تذل برضاها أمام سلطة التقاليد وتعترف في كل مكان بالخوارق وبتأثيرات السحر والتنجيم والأمور الغيبية المطلقة التي تشير إلى أن هناك قوى سامية في عالم الكون والفساد. غير أن العقل الحديث غدا أكثر استقلالاً وامتد فضاءُ التعقل في الإنسانية أيما امتداد وأخذت تجاربه الكثيرة تنظم وصار لها قانون تكثر به وتزيد وانتشر العلم والميل العلمي على موازاة ذلك. وحل بالتدريج الاعتقاد بالمقدور محل الاعتقاد بما فوق الطبيعة وقام البرهان بالاستدلال المسدد مقام البرهان بالقياس. وانتظمت إذ ذاك معرفة العالم معرفة مبنية على العقل والتجارب التي ما زالت تكثر وتتم ولاسيما في خلال القرون الثلاثة الأخيرة. فألقت الرياضيات الميكانيكة في خلال القرن السابع عشر والثامن عشر بما قام به من الاكتشافات العظيمة كل من (سيمون ستيفن) و (غاليلة) و (نيوتن) و (ديكارت) و (لايبنز) و (أولر) و (لابلاس) وخرجت العلوم التجربية أيضاً في أواخر القرن الثامن عشر من دور الشك والحيرة وبدأ تاريخ الكيمياء الحديث بلا فوازيه كما بدأ علم الكهرباء بكالفإني وفولتا. وفي خلال القرن التاسع عشر نضجت المواد واتسعت الآراء في المجموع الميكانيكي في العالم وعرف العقل الإنساني تصور جميع العوامل الطبيعية في الوجود والأعمال الميكانيكة والحرارة والصوت والكهربائية كانها مرادفات كثيرة مختلفة ترجع إلى شيءٍ واحد وأنها قوة سياسية تظهر متحدة الذات والمعنى بنفسها في جميع الظواهر الطبيعية.

стр. 1367

وهكذا برهن العقل البشري على وحدة قوى الطبيعة وأثبت أن القوة في كل مكان على تباين أشكالها تخضع لناموس القواعد الأساسية في الطبيعيات ولقانون حفظ القوة وبقائها ومعرفة المادة. ثم توسع أكثر من ذلك في اكتشافاته فحاول أن تعم هذه القوانين الطبيعية العضوية وأظهر في أحد الأجسام البسيطة التي لاتتجزأ بأن الكربون وهو الجسم الغريب الذي يدل على تكون المجموع الحيوي وتنوعه إلى ما لأنهاية له بأنه يمثل أساس الكيمياء في الحياة (رأي هيكل الألماني) واكتشف في الخلايا البسيطة الفردة جسماً حيوياً صغيراً تتولد منه باجتماعه المتصل جميع الأنسجة التي تتألف منها التراكيب النباتية أو الحيوانية وتوصل العقل الإنساني بنظرية النشوءِ التي كان تنبأ بها الشاعر كيتي في أواخر القرن الثامن عشر وقررها داروين سنة ١٨٥٩ بأن قدّم لعلم الحياة (بيولوجيا) مسألة التحليل والتركيب وأعلن بأن العالم إذا أخذ بمجموعه فليس إلا نشوءاًًًًًًً دائماً من المادة. ولكن العقل لم يقف عند حد العناية بشرح العوالم المؤسسة على مبادئ تعليل الأشياء ولم يكتف بالنظريات بل تعداها إلى العمليات فأصبح يعمل ويوجد. فكان كلما أحسن معرفة النواميس الفعالة في حوادث أيضاً أخضع قوى الوجود إليه وأدخلها تحت نظام وترتيب وشغلها فيما ينفعه فكما أنه أوجد العلم فقد رتب الفنون العقلية. وكأنت الفنون القديمة تجربية صرفة يعرف الصانع كيف يتصرف بما لديه من المصنوعات جارياً في ذلك على الطريقة التي تعلمها ممن سبقه وذلك لأن معلمه نقل إليه بالعمل الطرق التجربية وعلمه كيف ينبغي له أن يتعاطى العمل ليتمكن من صنع الشيء الفلاني. وكان على جهله بنواميس الوجود يطبق طريقته في العمل بدون أن يعرف في الأكثر كيف تبلغ به النتيجة المطلوبة وعلى أي وجه تسير. وكثيراً ما كان يعثر بالعرض على طريقة جديدة للوصول إلى الغاية المنشودة من أسرع سبيل فينبغي في الحال مجموع قوانين الفن بقاعدة جديدة يخلفها لأعقابه وأخلافه ولكن مجموعة القوانين التي اهتدى إليها بالصدفة وانتقلت إليه من أسلافه لم تبرح على الدوام طريقة تجربية اكتشفت عرضاً لا مجموعاً حسن التنسيق بالمعارف المبنية على العقل المؤَيدة بالعلم والتجربة. وبعد فإن مما تمتاز به الفنون الحديثة التوسع كل حين باستبدال العلم المبنيّ على العقل

стр. 1368

بالعلم الذي كان يقوم على النظر وإحلال الطريقة العلمية محل الطريقة التقليدية فمن ثم كان من توابع معرفة الوجود معرفة علمية أن عدلت جميع الفنون التي برزت في شكل أعرق في الحداثة والجدة. ما هي الغاية التي يرمي إليها علم الوجود؟ إنه يعنى بالذات أن يُرجع اختلافات الكيفية إلى اختلافات الكمية وبإيجاد طريقة رياضية توضح بإسلوب تام إحدى الظواهر الطبيعة وأن يرجع جميع ظواهر الحياة العضوية في ذاتها إلى حركات تكون أكثر تركباً من المواد الأولية التي ما كانت تختلف في جواهرها عما تتألف منه الأجسام غير الآلية. حتى أن العلم الحديث على اختلاف أشكاله ميكانيكية كانت أو طبيعة كهربائية أوكيماوية وغيرها ترمي إلى أن تسقط في كل مكان العوامل الحيوية لتسنعيض عنها بعناصر ميتة فتبدل مثلاً القوة المحركة الإنسانية أو الحيوية بقوة البخار أو الكهرباء وتستبدل عوامل الحديد أو الفولاذ أي الأدوات بالعملة الذين خلقوا من لحم وعظم وتستعين عن الحأصلات الآلية والطبيعية كالخشب والألوأن النباتية والأسمدة بحأصلات غير آلية وصناعية كالفحم الحجري والفحم وفحم القلي النيلي والأسمدة الكيماوية. فأصبحت الإنسانية بذلك على التوالي معروفة المقاصد لا تعلق لها بشيءٍ مستقلة عن المسافة أو الزمن غير تابعة للكفاءات الطبيعة أو الكسبية من مثل رشاقة اليد وحدة البصر والسمع والذوق والشم ولا وقفاً على فئة خاصة من الناس بل تجري بدقة شديدة لا تتغير حركتها وأعني بها الآلة والأداة. ولم تقتصر الإنسانية على الإستسلام لا حوال الزمان والمكان التي جعلت نمّو الأحياء الحيوانية والنباتية الطبيعي تحت تصرفها ولكنها انتجت الحأصلات التي أرادت إيجادها بأن ركبت تركيباً صناعياً من العناصر والقوى التي لها. ولم يقف الأمر عند حد صناعة دقيقة يوشك سرها أن يضيع بل أصبح ذلك من الاكتشافات التي لا نزاع فيها النافعة في علوم البشر على مر الأزمان كلها وبين ظهراني جماع الأمم. وهكذا بلغ انتشار العلم والفنون العقلية في قدرة الإنسان وتسلطه على الطبيعة إلى التي لاتصدق ودخل القلب والإبدال على أسلوب العلم بأسره وتنأول فهم أسرار الحياة والعالم. كنا نقول بأن الإنسان شعر في القرون الوسطى بأنه مستقل بالذات بعد أن كان خاضعاً في

стр. 1369

جميع أطوار حياته المادية والروحية لله أو لتعاليم الكنيسة حل تام لا جدال فيه لجميع المسائل العويصة في مسائل ما وراءِ الطبيعة وهذا الحل أوحى به المولى بالذات فكان على ابن تلك القرون أن يقبل ذلك بدون نظر أو مما حكة فيه. فقانون الأخلاق مفروض عليه كانه أمر إلهي وما عليه إلا الخضوع له صاغراً. وكان النظام الإجتماعي مؤسساً على تعاليم قديمة له صفة نصف مقدسة فيخضع الإنسأن في جميع أعماله المهمة في حياته لأمر صادر من قوة وأرادة أسمى من قوته وأرادته لا يسعه معها إلا الخضوع المطلق والاستسلام التام. بيد أن حالته هذه من الخضوع لسلطة خارجية هي التي تعدلت كلما أيقن المرءُ بقوته ولقد مضت القرون والنصرانية تأتي أبناء الغرب بقواعد تكون المادة وتشرح النشوء تأتي أبناء الغرب بقواعد تكون المادة وتشرح النشوء التاريخي وتأويل معنى الحياة وتسن السنن وتشرع الآداب. مضت قرون وكانوا يضعون الإيمان في رأس كل شيءٍ وكلما ازداد انتشار العلم العقلي والسلطة المنظمة التي يوليها هذا العلم تزداد ثقة المرء بنفسه فأصبح العلم من ثم خصماً للإيمان وراح العقل يعجب بما أوتيه من آيات الغلبة وكتب له من أسباب الفلج والنجح طامحاً إلى أن يحل محل الدين في كل ما له علاقة بالحياة البشرية وطامعاً أن ينزل المقام الأول من صحيفة أعمال الناس. وما جاء القرن السابع عشر والثامن عشر حتى أدت الحركة العقلية إلى تأليف مبادئ واسعة وانتهت بإنشاء فلسفة ديكارت وسبينوزا ولايبنز وطفق العقل ينزل منزلة القاضي المسيطر على الحق وأخذ على نفسه إنشاء مذهب يجري عليه العالم وُعدَّته ما رزقه من نور المعرفة مستقلاً عن كل سلطة نازعاً من كل تقليد ووحي. وفي أوائل العهد الحديث أعلن الفكر الألماني على روؤُس الملأ بلسان (كانت) و (فيختي) بالمبدأ العظيم في استقلال الأرادة فعكس العلاقة التي كانت مقبولة إلى ذلك العهد بين الدين والأخلاق. وكان اللاهوت الأدبي القديم يرى مبدأ الأخلاق في الأرادة الإلهية ويخضع الأرادة البشرية لأرادة الله وهذا ما رآه (كانت) أدباً مختلف القانون قائماً على مبدأ السلطة وقضى عليه بكل جهده حاكماً بأن الأرادة الخالصة المقررة خاصة بحدود العقل الصرّف تكون وحدها الفاعلة العاملة فيه بما تسنه لنفسها بنفسها من قانون تجعله مبدأ كل أدب

стр. 1370

حقيقي معلناً بأنه ليس في الأرض سلطة لها حق التسلط على الحرية البشرية وأن المرءَ يشرع لنفسه ويقنن لإجتماعه وأنه إذا خضع لقانون الأدب فإنه يخضع بذلك لعقله الخاص فكان من (كانت) أن تم على يده في دائرة اللاهوت الأدبي عمل قريب المأخذ وفتح بذلك عصراً جديداً في تاريخ الوجدان الأدبي وبفضله تم للإنسانية استقلالها وللعقل تحريره. وأنشأت الإنسانية بعد ذلك تتناغى بهذا العقل وتؤيده بمضاءٍ دائم وفضت زيادة على ذلك الاعتقاد بأن الشخص المفكر العامل لا يعترف بسلطة فوقه يجب عليه الخضوع لها وزاد في ابن العصر الشعور بأنه لا يجب أن يخضع بل أن يدير وينظم ووطد نفسه على تجشم المشاق في استخراج خيرات الأرض بقوة الفكر وعلى العمل لتنظيم الحياة في كل مظاهرها بقانون العقل وذلك من حيث الأخلاق والاقتصاد والاجتماع والسياسة. وقام الفيلسوف نيتش ونادى بإنكار الألوهية في فلسفته الذاتية العصرية على صورة متطرفة غربية ولم ينكر من يقول أهل اللاهوت بوجود بل مجد المولى الفاعل الذي يعتقد به علماءُ ما وراءِ المادة وأخذ يدعو الإنسان أن يبقى (مخلصاً للأرض) وأن يطرح جانباً كل اهتمام بمسائل الآخرة وأن يفهم بأنه هو موجد الأشياء قائلا أن ليس فيما عداه حقيقة مرئية أدبية أوطبيعية يجب عليه الخضوع لها بل عليه أن يشرع لنفسه شريعته حراً مستقلاً. وأن ليس في العالم إلا مركز قوى لاتزال في نشوءٍ وهي أبداً في تفاعل وتدافع يؤَثر بعضها في بعض. فالجد في إحراز الحول والمنعة المتزايدة على المدى تلك المنعة التي تُخضع لسلطانها جزءاً عظيماً من القوى هو العمل الرئيسي في الحياة العامة. وبذلك صح قولنا أن المباينة تمت على أشدها بين العقل في القرون الوسطى والعقل اليوم. فصار المؤمن وهو يشعر من جهة بأنه محاط بأسرار وأعاجيب ويخضع مختاراً لسلطة التقليد الديني والأدبي والعملي ومن جهة ثانية يرى الشيطأن المريد الذي لا بعترف أصلاً بقانون ولا يد فوقه ويرى في الجهاد المتوأصل لإحراز المنعة أنه هو حظ الإنسان على الدوام بل قسط الإنسانية من العالم أجمع. وإذا عارضت على هذه الصورة بين السلطة القديمة والذاتية الحديثة فلا أدعي بحال من الأحوال أنني أثبت أن لأحد هذين الرأيين في الحياة قيمة خاصة به تسمو منزلتها عن الأول ولا أن أحدهما يجب بطبيعة الحال أن يختلس مكان الثاني ولا أن التاريخ يدلنا على
следующие страницы →