Полный текст (6 802 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.
стр. 1366
وأي شيءٍ أعجب مما كان عليه ابن القرون الوسطى أمام مجموع حوادث ما زالت ضيقة المضطرب علمته العادة أن يميز فيها بعض النظام فجزم من تلقاء نفسه بوجود عالم المعجزات والخوارق وبأنه فسيح المدى غير خاضع للنواميس الطبيعية على قربه منا وفي مكنته أن يفرط كل حين السلسة القانونية من هذه الظواهر. وأي شيءٍ أعجب من حال ابن القرون الوسطى وقد فقد الحلم الحسي المنظم فكان من قلة اختباره أن أثر فيه كل التأثير ما ورثه من الحكمة التقليدية. وأي شيءٍ أعجب من مذهب قائم على الاعتقاد بالخوارق ومؤسس على سلطة تقليد قديم يستولى على العقول وتلزم به الأذهان والأرادات بقوة لا تغالب. أما العقل الحديث فيختلف عن ذلك كل الاختلاف.
وذلك أن العقول كانت في القرون الوسطى تذل برضاها أمام سلطة التقاليد وتعترف في كل مكان بالخوارق وبتأثيرات السحر والتنجيم والأمور الغيبية المطلقة التي تشير إلى أن هناك قوى سامية في عالم الكون والفساد.
غير أن العقل الحديث غدا أكثر استقلالاً وامتد فضاءُ التعقل في الإنسانية أيما امتداد وأخذت تجاربه الكثيرة تنظم وصار لها قانون تكثر به وتزيد وانتشر العلم والميل العلمي على موازاة ذلك.
وحل بالتدريج الاعتقاد بالمقدور محل الاعتقاد بما فوق الطبيعة وقام البرهان بالاستدلال المسدد مقام البرهان بالقياس. وانتظمت إذ ذاك معرفة العالم معرفة مبنية على العقل والتجارب التي ما زالت تكثر وتتم ولاسيما في خلال القرون الثلاثة الأخيرة.
فألقت الرياضيات الميكانيكة في خلال القرن السابع عشر والثامن عشر بما قام به من الاكتشافات العظيمة كل من (سيمون ستيفن) و (غاليلة) و (نيوتن) و (ديكارت) و (لايبنز) و (أولر) و (لابلاس) وخرجت العلوم التجربية أيضاً في أواخر القرن الثامن عشر من دور الشك والحيرة وبدأ تاريخ الكيمياء الحديث بلا فوازيه كما بدأ علم الكهرباء بكالفإني وفولتا. وفي خلال القرن التاسع عشر نضجت المواد واتسعت الآراء في المجموع الميكانيكي في العالم وعرف العقل الإنساني تصور جميع العوامل الطبيعية في الوجود والأعمال الميكانيكة والحرارة والصوت والكهربائية كانها مرادفات كثيرة مختلفة ترجع إلى شيءٍ واحد وأنها قوة سياسية تظهر متحدة الذات والمعنى بنفسها في جميع الظواهر الطبيعية.
стр. 1367
وهكذا برهن العقل البشري على وحدة قوى الطبيعة وأثبت أن القوة في كل مكان على تباين أشكالها تخضع لناموس القواعد الأساسية في الطبيعيات ولقانون حفظ القوة وبقائها ومعرفة المادة. ثم توسع أكثر من ذلك في اكتشافاته فحاول أن تعم هذه القوانين الطبيعية العضوية وأظهر في أحد الأجسام البسيطة التي لاتتجزأ بأن الكربون وهو الجسم الغريب الذي يدل على تكون المجموع الحيوي وتنوعه إلى ما لأنهاية له بأنه يمثل أساس الكيمياء في الحياة (رأي هيكل الألماني) واكتشف في الخلايا البسيطة الفردة جسماً حيوياً صغيراً تتولد منه باجتماعه المتصل جميع الأنسجة التي تتألف منها التراكيب النباتية أو الحيوانية وتوصل العقل الإنساني بنظرية النشوءِ التي كان تنبأ بها الشاعر كيتي في أواخر القرن الثامن عشر وقررها داروين سنة ١٨٥٩ بأن قدّم لعلم الحياة (بيولوجيا) مسألة التحليل والتركيب وأعلن بأن العالم إذا أخذ بمجموعه فليس إلا نشوءاًًًًًًً دائماً من المادة.
ولكن العقل لم يقف عند حد العناية بشرح العوالم المؤسسة على مبادئ تعليل الأشياء ولم يكتف بالنظريات بل تعداها إلى العمليات فأصبح يعمل ويوجد. فكان كلما أحسن معرفة النواميس الفعالة في حوادث أيضاً أخضع قوى الوجود إليه وأدخلها تحت نظام وترتيب وشغلها فيما ينفعه فكما أنه أوجد العلم فقد رتب الفنون العقلية.
وكأنت الفنون القديمة تجربية صرفة يعرف الصانع كيف يتصرف بما لديه من المصنوعات جارياً في ذلك على الطريقة التي تعلمها ممن سبقه وذلك لأن معلمه نقل إليه بالعمل الطرق التجربية وعلمه كيف ينبغي له أن يتعاطى العمل ليتمكن من صنع الشيء الفلاني.
وكان على جهله بنواميس الوجود يطبق طريقته في العمل بدون أن يعرف في الأكثر كيف تبلغ به النتيجة المطلوبة وعلى أي وجه تسير. وكثيراً ما كان يعثر بالعرض على طريقة جديدة للوصول إلى الغاية المنشودة من أسرع سبيل فينبغي في الحال مجموع قوانين الفن بقاعدة جديدة يخلفها لأعقابه وأخلافه ولكن مجموعة القوانين التي اهتدى إليها بالصدفة وانتقلت إليه من أسلافه لم تبرح على الدوام طريقة تجربية اكتشفت عرضاً لا مجموعاً حسن التنسيق بالمعارف المبنية على العقل المؤَيدة بالعلم والتجربة.
وبعد فإن مما تمتاز به الفنون الحديثة التوسع كل حين باستبدال العلم المبنيّ على العقل
стр. 1368
بالعلم الذي كان يقوم على النظر وإحلال الطريقة العلمية محل الطريقة التقليدية فمن ثم كان من توابع معرفة الوجود معرفة علمية أن عدلت جميع الفنون التي برزت في شكل أعرق في الحداثة والجدة. ما هي الغاية التي يرمي إليها علم الوجود؟ إنه يعنى بالذات أن يُرجع اختلافات الكيفية إلى اختلافات الكمية وبإيجاد طريقة رياضية توضح بإسلوب تام إحدى الظواهر الطبيعة وأن يرجع جميع ظواهر الحياة العضوية في ذاتها إلى حركات تكون أكثر تركباً من المواد الأولية التي ما كانت تختلف في جواهرها عما تتألف منه الأجسام غير الآلية.
حتى أن العلم الحديث على اختلاف أشكاله ميكانيكية كانت أو طبيعة كهربائية أوكيماوية وغيرها ترمي إلى أن تسقط في كل مكان العوامل الحيوية لتسنعيض عنها بعناصر ميتة فتبدل مثلاً القوة المحركة الإنسانية أو الحيوية بقوة البخار أو الكهرباء وتستبدل عوامل الحديد أو الفولاذ أي الأدوات بالعملة الذين خلقوا من لحم وعظم وتستعين عن الحأصلات الآلية والطبيعية كالخشب والألوأن النباتية والأسمدة بحأصلات غير آلية وصناعية كالفحم الحجري والفحم وفحم القلي النيلي والأسمدة الكيماوية. فأصبحت الإنسانية بذلك على التوالي معروفة المقاصد لا تعلق لها بشيءٍ مستقلة عن المسافة أو الزمن غير تابعة للكفاءات الطبيعة أو الكسبية من مثل رشاقة اليد وحدة البصر والسمع والذوق والشم ولا وقفاً على فئة خاصة من الناس بل تجري بدقة شديدة لا تتغير حركتها وأعني بها الآلة والأداة.
ولم تقتصر الإنسانية على الإستسلام لا حوال الزمان والمكان التي جعلت نمّو الأحياء الحيوانية والنباتية الطبيعي تحت تصرفها ولكنها انتجت الحأصلات التي أرادت إيجادها بأن ركبت تركيباً صناعياً من العناصر والقوى التي لها. ولم يقف الأمر عند حد صناعة دقيقة يوشك سرها أن يضيع بل أصبح ذلك من الاكتشافات التي لا نزاع فيها النافعة في علوم البشر على مر الأزمان كلها وبين ظهراني جماع الأمم.
وهكذا بلغ انتشار العلم والفنون العقلية في قدرة الإنسان وتسلطه على الطبيعة إلى التي لاتصدق ودخل القلب والإبدال على أسلوب العلم بأسره وتنأول فهم أسرار الحياة والعالم. كنا نقول بأن الإنسان شعر في القرون الوسطى بأنه مستقل بالذات بعد أن كان خاضعاً في
стр. 1369
جميع أطوار حياته المادية والروحية لله أو لتعاليم الكنيسة حل تام لا جدال فيه لجميع المسائل العويصة في مسائل ما وراءِ الطبيعة وهذا الحل أوحى به المولى بالذات فكان على ابن تلك القرون أن يقبل ذلك بدون نظر أو مما حكة فيه. فقانون الأخلاق مفروض عليه كانه أمر إلهي وما عليه إلا الخضوع له صاغراً. وكان النظام الإجتماعي مؤسساً على تعاليم قديمة له صفة نصف مقدسة فيخضع الإنسأن في جميع أعماله المهمة في حياته لأمر صادر من قوة وأرادة أسمى من قوته وأرادته لا يسعه معها إلا الخضوع المطلق والاستسلام التام.
بيد أن حالته هذه من الخضوع لسلطة خارجية هي التي تعدلت كلما أيقن المرءُ بقوته ولقد مضت القرون والنصرانية تأتي أبناء الغرب بقواعد تكون المادة وتشرح النشوء تأتي أبناء الغرب بقواعد تكون المادة وتشرح النشوء التاريخي وتأويل معنى الحياة وتسن السنن وتشرع الآداب. مضت قرون وكانوا يضعون الإيمان في رأس كل شيءٍ وكلما ازداد انتشار العلم العقلي والسلطة المنظمة التي يوليها هذا العلم تزداد ثقة المرء بنفسه فأصبح العلم من ثم خصماً للإيمان وراح العقل يعجب بما أوتيه من آيات الغلبة وكتب له من أسباب الفلج والنجح طامحاً إلى أن يحل محل الدين في كل ما له علاقة بالحياة البشرية وطامعاً أن ينزل المقام الأول من صحيفة أعمال الناس.
وما جاء القرن السابع عشر والثامن عشر حتى أدت الحركة العقلية إلى تأليف مبادئ واسعة وانتهت بإنشاء فلسفة ديكارت وسبينوزا ولايبنز وطفق العقل ينزل منزلة القاضي المسيطر على الحق وأخذ على نفسه إنشاء مذهب يجري عليه العالم وُعدَّته ما رزقه من نور المعرفة مستقلاً عن كل سلطة نازعاً من كل تقليد ووحي.
وفي أوائل العهد الحديث أعلن الفكر الألماني على روؤُس الملأ بلسان (كانت) و (فيختي) بالمبدأ العظيم في استقلال الأرادة فعكس العلاقة التي كانت مقبولة إلى ذلك العهد بين الدين والأخلاق. وكان اللاهوت الأدبي القديم يرى مبدأ الأخلاق في الأرادة الإلهية ويخضع الأرادة البشرية لأرادة الله وهذا ما رآه (كانت) أدباً مختلف القانون قائماً على مبدأ السلطة وقضى عليه بكل جهده حاكماً بأن الأرادة الخالصة المقررة خاصة بحدود العقل الصرّف تكون وحدها الفاعلة العاملة فيه بما تسنه لنفسها بنفسها من قانون تجعله مبدأ كل أدب
стр. 1370
حقيقي معلناً بأنه ليس في الأرض سلطة لها حق التسلط على الحرية البشرية وأن المرءَ يشرع لنفسه ويقنن لإجتماعه وأنه إذا خضع لقانون الأدب فإنه يخضع بذلك لعقله الخاص فكان من (كانت) أن تم على يده في دائرة اللاهوت الأدبي عمل قريب المأخذ وفتح بذلك عصراً جديداً في تاريخ الوجدان الأدبي وبفضله تم للإنسانية استقلالها وللعقل تحريره.
وأنشأت الإنسانية بعد ذلك تتناغى بهذا العقل وتؤيده بمضاءٍ دائم وفضت زيادة على ذلك الاعتقاد بأن الشخص المفكر العامل لا يعترف بسلطة فوقه يجب عليه الخضوع لها وزاد في ابن العصر الشعور بأنه لا يجب أن يخضع بل أن يدير وينظم ووطد نفسه على تجشم المشاق في استخراج خيرات الأرض بقوة الفكر وعلى العمل لتنظيم الحياة في كل مظاهرها بقانون العقل وذلك من حيث الأخلاق والاقتصاد والاجتماع والسياسة. وقام الفيلسوف نيتش ونادى بإنكار الألوهية في فلسفته الذاتية العصرية على صورة متطرفة غربية ولم ينكر من يقول أهل اللاهوت بوجود بل مجد المولى الفاعل الذي يعتقد به علماءُ ما وراءِ المادة وأخذ يدعو الإنسان أن يبقى (مخلصاً للأرض) وأن يطرح جانباً كل اهتمام بمسائل الآخرة وأن يفهم بأنه هو موجد الأشياء قائلا أن ليس فيما عداه حقيقة مرئية أدبية أوطبيعية يجب عليه الخضوع لها بل عليه أن يشرع لنفسه شريعته حراً مستقلاً.
وأن ليس في العالم إلا مركز قوى لاتزال في نشوءٍ وهي أبداً في تفاعل وتدافع يؤَثر بعضها في بعض. فالجد في إحراز الحول والمنعة المتزايدة على المدى تلك المنعة التي تُخضع لسلطانها جزءاً عظيماً من القوى هو العمل الرئيسي في الحياة العامة. وبذلك صح قولنا أن المباينة تمت على أشدها بين العقل في القرون الوسطى والعقل اليوم. فصار المؤمن وهو يشعر من جهة بأنه محاط بأسرار وأعاجيب ويخضع مختاراً لسلطة التقليد الديني والأدبي والعملي ومن جهة ثانية يرى الشيطأن المريد الذي لا بعترف أصلاً بقانون ولا يد فوقه ويرى في الجهاد المتوأصل لإحراز المنعة أنه هو حظ الإنسان على الدوام بل قسط الإنسانية من العالم أجمع.
وإذا عارضت على هذه الصورة بين السلطة القديمة والذاتية الحديثة فلا أدعي بحال من الأحوال أنني أثبت أن لأحد هذين الرأيين في الحياة قيمة خاصة به تسمو منزلتها عن الأول ولا أن أحدهما يجب بطبيعة الحال أن يختلس مكان الثاني ولا أن التاريخ يدلنا على
стр. 1371
أن ثمت نشوءاً دائماً لا حد له نحو (الذاتية) العقلية. وغاية ما أريد أن أقول أن المرءَ في العهد الحديث ولاسيما في خلال القرن التاسع عشر أحس من نفسه بأنه اتسع في صدره على نسبة كبيرة الشعور بالقوَّة المنظمة للذكاء وللأرادة الإنسانية فصرف همته من وراءِ الغاية إلى إحراز القوَّة العلمية أو الفنية والاقتصادية أو السياسة فالجهاد ربما كان أعظم حادث في القرن التاسع عشر وبه تمت الغلبة للعقل العلمي المستقل على ما عداه. على أنه من الثابت أن الغريزة الدينية التي كانت تخضع الأرواح في القرون الوسطى للأسرار الإلهية وتحملها على تبجيل هذا التقليد في الدعوة الربانية وتخنعها للعبادة والخضوع للنظام العام وتحملها على الخضوع لقانون العالم بل على الخشوع المحترم أمام معميات العالم لا بالسلطة والعنف_هذه الغريزة لم تبرح تسمع لها إلى عهدنا ركزاً. يعمل ابن العصر بما فيه من قوّة على تسخير العالم لذكائه وأرادته وهو يفاخر بقوَّته ولكنه يظل محساً بما في نفسه من ضيق مضطربة في الإستيلاء على المادة ولم سيما في القوى اللامتناهية المخوفة التي تحيق به ويشعر بها في النفس التي تتجلى من التقاليد العظيمة الدينية أوالأخلاقية السياسة أو الاجتماعية مضيفاً هذا إلى سنن السلوك التي أملاها العقل.
يهم البحث في حالة ألمانيا في القرن التاسع عشر من وجهتين وذلك لأن الألمان كانوا في أوروبا الشعب الذي أبلى بلاءً حسناً في خدمة الفنون العقلية والأرادة المنظمة والأمة التي تفتحت بينها (الذاتية) الحديثة على أدهش صورة وهم مع ذلك من الأمم التي حفظت للفكر الديني والاحترام التقاليد الدينية قوّة أكثر من غيرها. فقد ساعد الفكر الألماني كل المساعدة على أنتشار العلوم الحسية وأحكام التفسير العقلي للعالم. فإنتظمت القوّة الألمانية على طريقة حسنة المنهاج هائلة الحول والطول فقصدت بجد لا نظير له إلى إحراز القوّة الاقتصادية والقوّة السياسة. بما أصبحت به ألمانيا إحدى الدول التي هي أعظم الناس انتشاراً وارتقاءً على نحو ما هي إنكلترا والولايات المتحدة. وهكذا رسخ العقل الألماني بتأثير من الطراز الأول وأداة من القوّة ومن قلة تسامحه سلاحاً.
ولطالما حاول العقل الألماني أن يتفق ما أمكنه مع السلطات القديمة وحاول في الدينيات عقد عهود التحكيم مع المعتقدات التقليدية وذلك بأن يصلح النصرانية لا أن يشتد في حربها وكان من العقل الألماني في السياسات أنه لم يجعل من كل قطعة مملكة تقوم بنظام العقل
стр. 1372
وتحافظ على التقاليد مراعياً إياها كل المراعاة وأبدى احترامه للسلطة الملوكية وتلطف فلم يعتد على الحقوق المكتسبة ولا غإلى في نشؤها السياسي الذي يؤدي إلى الديمقراطية في الأمم الحديثة.
أيعد كل هذا ضعفاً أم قوة؟ سؤَال فيه نظر. يعجب بعض الناظرين من استمرار النشوء السياسي والديني في ألمانيا ويرون من أعظم المنافع التي نالت هذه الأمة أنها لم تأت على قديمها فتدكه من أساسه وبهذا لا يستبعدون بأنها ستظل في تقدمها على النحو الذي نحته آمنة العوادي والصدمات باحثة وظافرة عن قانون يقبله السواد الأعظم في المعضلات الديمقراطية والاشتراكية أو الإقطاعية والإكليريكية. ويرى آخرون على العكس من ذلك بأن ألمانيا اليوم وهي على إغراقها في أعداد معدات الحرب وشدة احتفاظها بإقطاعاتها وثقافتها في بسط سلطانها وتغإليها في فلسفتها العقلية وولوعها بإحراز السلطة واحتجأن المال مزدرية بالديمقراطية أو الإنسانية بحيث أصبحت نأقلة بنظريات الأفكار في وسط أوروبا الحديثة القديم الذي كان من حقه أن يضمحل إلى هذه القرون الحديثة وربما لا تلبث أن يصيبها قريباً تغيير عظيم يكون عليها شديداً. وهذا أمر طالما تنأوله النظار بالبحث وإلى الأن لم يسفر عن نتيجة.
стр. 1373
اللغات الإفرنجية
لهجت بعض الألسن في منافع اللغات الأوروبية ومضارها في مجتمعنا عقيب أن قام صاحب المؤيد في الجمعية العمومية في الربيع الماضي وناقش ناظر معارف مصر في وجوب تعليم العلوم في المدارس الأميرية باللغة العربية فكان من أثر ذاك الحوار أن بطلت دروس الأشياء وجعل تدريس علم تقويم البلدان باللغة العربية في المدارس الإبتدائية كما شرع بتعليم الرياضيات في السنين الأولى من المدارس الثانوية باللغة العربية أيضاً.
فقام بعض الناس متخذين من هذا الإصلاح حجة على قلة غناء اللغات الإفرنجية زاعمين أن في العربية ما يكفيها من العلوم. على حين كان ما دعا إليه الداعون من التدريس بالعربية لمقصد آخر أُريد به أحيله لغة البلاد إذا درست العلوم بها وإشراب نفوس المتعلمين حب أمتهم ليعم النفع مما يتعلمون لا التنفير من تعلم اللغات الإفرنجية التي لا يمتري عأقلأن في وجوب تعلمها على فريق كبير من الناس ولاسيما من تصدوا للنفع والتأليف والكتابة على نحو ما يفعل علماء اليابأن فيتعلمون الإنكليزية كما يتعلمون لغتهم الأصلية.
نقول تعلم اللغات الأجنبية وما أحرانا أن نقول إتقانها لأن المبادئ البسيطة منها قد لا تفيد المتعلم إلا توهمه أنه أصبح من العارفين. فإن تعوذ علماؤنا قديماً من نصف فقيه ونصف صوفي ونصف كاتب ونصف شاعر فما أحرانا أن نتعود من ناشئ يتعلم طرفاً من لغة لا يستفيد منها ولا يفيد.
وليس معنى هذا أنه يتحتم وجوباً على كل متعلم للغة أجنبية أن يكون فيها مؤلفاً خطيباً كاتباً مترجماً فهذا مناف لسنة الكون ولكن المطلوب أن يعرف الناس في تعلم إحدى اللغات الأوروبية القدر الذي يؤهلهم للانتفاع منها في التجارة وأعمال الإدارة والقضاء والعلم.
ولا مشاحة في أن أكثر من تعلموا اللغات الأجنبية من أبنائنا لم يتقونها وأن حذقوها فلا يكون لهم من المعرفة بلغتهم ما يستطيعون معه أن يعبروا به عن أفكارهم وينقلوا إليها ما يعوزها من علوم الغرب وحضارته. بيد أن اللغة وأن أتقنها صاحبها لا تنفعه وينتفع بها النفع المطلوب إلا إذا أضاف إليها علماً أو فناً أخصى فيه واللغة آلة لا غاية وإن كان من يتقن لغة أوروبية لا يتسنى له ذلك إلا بعد أن ينظر نظرة إجمالية في الفنون المتعارفة.
أما ما يقوله بعض من لا يساعدهم الوقت على تعلم لغة أجنبية من أنه ليس في النقل من
стр. 1374
اللغات الغربية كبير أمر وأن العالم يستفيد من الوجود أكثر من استفادته مما دوّنه كبار أرباب العقول من أمم الحضارة فهذا من الآراء التي يقصد بها الاعتذار عن التقصير ومن جهل شيئاً عاداه. إذ من الثابت المقرر أننا مهما تأملنا في صحيفة الكون لا نستطيع أن ندرس فيه نظام الإجتماع ولا تقننين القوانين ولا الطب والهندسة ولا الفلك والطبيعة والكيمياء وفنون الأدب والتاريخ ورسم الأرض وغيرها من الفروع الكثيرة التي لا أسماء لها في العربية إذلم يكن للعرب عهد بها ولا تتم سعادة مجتمع اليوم إلا بتعلمها وإتقانها.
ومن قال بأن أسلافنا من العرب قد أجالوا في هذه العلوم قداح أنظارهم ووضعوا فيها ما وضعوا من رسائلهم وأسفارهم فهو على صواب وخطاءٍ. وذلك أن أجدادنا قاموا بالواجب من خدمة هذه العلوم في عصر تماسكهم وانبساط ظل دولتهم إلا أنه انقطعت سلسلتها بعد القرن السادس إلى منتصف القرن الثالث عشر للهجرة وهي القرون التي كانت فيها الأمة العربية في غفلة والأمم الغربية في انتباه فأخذ الغرب عن الشرق ما عنده من حضارة وزاد عليها أضعافاً ولايزال يركض طرف عقله في مضمار البحث والاستقراء ويعاني من ضروب العلم ما نحن فيه معه أجهل من تلميذ مبتدئ بالتهجئة بالنسبة إلى عالم يكتب الكتاب ويقصد القصيد.
فالأمة العربية إذا أرادت النهوض العقلي والعملي يجب عليها أن تأخذ من كل علم بالسهم الأوفر ولا يتم لها ذلك إلا بالنقل عن الأمم الغربية وهذا لا يتأتى إلا بعد أن تخرج مدارسنا الألوف من الطلبة المتعلمين على الأساليب الحديثة لينشأ لنا منهم عشرات يكونون لنا عوناً على ما ينقصنا من أسباب نهضتنا وما تشتد حاجتنا إليه. ويكاد ذلك إلى الآن يعد مفقوداً بيننا اللهم إلا طائفة من أسفار نقلها بعض المولعين بالعربية وما تيسر للمجلات تعريبه من حين إلى آخر من علوم الغرب. وكله دون حد الكفاية بكثير. قال ابن رشد في فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال:
(إذا تقرر أنه يجب بالشرع النظر في القياس الفقهي فبين إنه أن كان لم يتقدم أحد من قبلنا بفحص عن القياس العقلي وأنواعه أنه يجب علينا أن نبتدئ بالفحص عنه وأن يستعين في ذلك المتقدم بالمتأخر حتى تكمل المعرفة فإنه عسير أوغير ممكن أن يقف واحد من الناس من تلقاء نفسه وابتداء على جميع ما يحتاج إليه من معرفة أنواع القياس الفقهي بل معرفة
стр. 1375
القياس العقلي أحرى بذلك وإن كان غيرنا قد فحص عن ذلك الغير مشاركاً لنا أو غير مشارك في الملة فإن آراءَه التي تصح بها التذكية ليس يعتبر في صحة التذكية بها كونه آلة لمشارك لنا في الملة أو غير مشارك إذا كانت فيها شروط الصحة وأعني بغير المشارك من نظر في هذه الأشياء من القدماء قبلة ملة الإسلام).
(وإذا كان الأمر هكذا وكان كل ما يحتاج إليه من النظر في أمر المقاييس العقلية قد فحص عنه القدماء أتم فحص فقد ينبغي أن نضرب بأيدينا إلى كتبهم فتنظر فيما قالوه من ذلك فإن كان كله صواباً قبلناه منهم وإن كان فيه ما ليس بصواب نبهنا عليه فإذا فرغنا من هذا الجنس من النظر وحصلت عندنا الآلات التي بها يقدر على الاعتبار في الموجدات ودلالة الصنعة فيها فإن من لا يعرف المصنوع ومن لا يعرف المصنوع لا يعرف الصانع فقد يجب أن نشرع في الفحص عن الموجدات على الترتيب والنحو الذي استفدناه من صناعة المعرفة بالمقاييس البرهانية ونبين أيضاً أن هذا الغرض إنما يتم لنا في الموجدات بتدأول الفحص عنها وأحداً بعد واحد وأن يستعين في ذلك المتأخر بالمتقدم على مثال ما عرض في علوم التعاليم فإنه لو فرضنا صناعة الهندسة في وقتنا هذا معدومة وكذلك صناعة علم الهيئة ورام إنسان واحد من تلقاء نفسه أن يدرك مقادير الأجرام السماوية وأشكالها وإبعاد بعضها عن بعض لما أمكنه ذلك مثل أن يعرف قدر الشمس من الأرض وغير ذلك من مقادير الكواكب ولو كان أذكى الناس طبعاً إلا بوحي أوشئ يشبه الوحي بل لو قيل أن الشمس أعظم من الأرض بنحو ١٥٠ ضعفاً أو ستين يعد هذا القول جنوناً من قائله.
وهذا شئ قد قام عليه البرهأن في علم الهيئة قياماً لا يشك فيه من هو من أصحاب هذا العلم
(قال وهذا أمر بين بنفسه ليس في الصنائع العلمية فقط وفي العملية فإنه ليس منها صناعة يقدر أن ينشئها واحد بعينه فكيف بصناعة الصنائع وهي الحكمة. وإذا كان هكذا فقد يجب علينا أن القينا لمن تقدمنا من الأمم السالفة نظراً في الموجدات واعتباراً لها بحسب ما اقتضته شرائط البرهان أن ننظر في الذي قالوه من ذلك وما أثبتوه في كتبهم فما كان منها موافقاً للحق قبلناه منهم وسررنا به وشكرنأهم عليه وما كان منها غير موافق للحق نبهنا عليه وحذرنا منه وعذرنأهم).
стр. 1376
هذا ما قاله الفيلسوف الإسلامي في عصر كان العرب أساتذة العلم في العالم وقوله كما رأيت غاية غايات الحكمة. وما الغربيون الآن بالنسبة إلينا إلا قدماء متقدمون وبهديهم يجب علينا أن نهتدي في العلوم. وهذا لايقدح فيما خلفه لنا أسلافنا من أثارهم أيام استئجار عمرانهم واتساع سلطانهم. أما اللغات الحديثة التي تشتد حاجتنا إلى الأخذ منها فهي الإنكليزية والإفرنسية والألمانية. وفي كل لغة من هذه اللغات من أنواع المعارف ما لا يكاد يحلم به من لا يعرف لغاتهم.
وليت شعري إذا كان بعض أهل الغرب والعلوم قد بلغت عندهم ما علمت من الإرتقاء الغريب يتعلمون لغات الشرق لينقلوا منها إلى لغاتهم بعض الكتب التاريخية والأدبية والأخلاقية والشرعية ويستعينوا بها على قراءة أثاره وما زبر على أحجاره أفلسنا نحن أحرياء بأن نتعلم لغاتهم على فقرنا الثابت ونقتبس منهم ما يعوزنا من علوم البشر؟
إلا أن ما نفاخر به من علم أسلافنا وحضارتهم العظيمة إنما قام بإحيائهم مدينة من قبلهم من الأمم كالروم والفرس وغيرهم ولم يتأت لهم ذلك إلا بترجمة علومهم والزيادة عليها وتحسينها فكانوا بذلك أحسن صلة وعائد بين أمم الحضارة السالفة والأمم الأوروبية الخالفة. فحضارة الإسلام أن أنصفنا قامت بفضل التراجمة والنقلة من اليعاقبة والإسرائليين والمسلمين لا بأيدي علماء الكلام مثلاً وقد كان على يد هؤلاء التشتيت وعلى يد أولئك الجمع وشتان بين المفرق والمجمع.
وليس معنى هذا أنكار فضل من تمحضوا لخدمة الشريعة واللغة في القرون الأولى للإسلام وما في الناظرين من يقول بأن الخليل والجاحظ والغزالي والمأوردي هم في حسن بلائهم في خدمة هذه الأمة دون أبي الريحان البيروني ونصير الدين الطوسي وحنين بن اسحق وثابت بن قره. وما كان قط أهل الفريق الأول يحتقرون علم الفريق الثاني ولا العكس لما وقر في النفوس من أن المجتمع لا يقوم على أمتن الدعائم إلا إذا أتقن كل ذي علم عمله. قال الجاحظ: (الإنسان وإن أضيف إلى الكمال وعرف بالبلاغة وفاتش العلماء فإنه لا يكمل أن يحيط علمه بكل ما في جناح بعوضة أيام الدنيا ولو استمد بكل نظار عظيم واستعان بكل بحاث واع وكل نقاب في البلاد ودراسة للكتب وما أشك أن عند الوزراء في ذلك ما ليس عند الرعية من العلماء وعند الخلفاء ما ليس عند الوزراء وعند الأنبياء ما ليس عند
стр. 1377
الخلفاء وعند الملائكة ماليس عند الأنبياء وما عند الله أكثر والخلق في بلوغه أعجز وإنما علم الله كل طبقة من خلقه بقدر احتمال فطرهم ومقدار مصلحتهم).
وقال الراغب الأصفهاني في الذريعة: العلم طريق إلى الله تعالى ذو منازل قد وكل الله تعالى بكل منزلة منها حفظة كحفظة الرباطات والثغور في طريق الحج والغزو فمن منازله معرفة اللغة التي عليها بني الشرع ثم حفظ كلام رب العزة ثم سماع الحديث ثم الفقه ثم علم الأخلاق والورع ثم علم المعاملات وما بين ذلك من الوسائط ومعرفة أصول البراهين والأدلة ولهذا قال (هم درجات عند الله) وقال (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات) وكل واحد من هؤلاء الحفظة إذا عرف مقدار نفسه ومنزلته في حق ماهو بصدده فهو في جهاد يستوجب من الله أن يحفظ مكانه ثواباً على قدر علمه لكن قلما ينفك كل منزل منها من شرير في ذاته وشره في مكسبه وطالب لرياسته وجأهل معجب بنفسه بصير لأجل تنفيق سلعته صارفاً عن المنزل الذي فوق منزلته من العلم وعائباً لما فوقه وصارفاً عمن رامه فإن قدر أن يصرف عنه الناس بشبهة مزخرفة فعل أويبفر الناس عنه فعل
وإن ما في عبارة هذين الحبرين ليذكر بما يجب للمجتمع من مراعاة مبدأ التعاون والتكافل الاجتماعي وقد قال أحد كبار شيوخ العلم من المعاصرين إن مما يؤخر الشرق في العلم عدم مراعاة أبنائه لمبدأ التعاون والتكافل الاجتماعي ففيه من يحسن التفصيل كما فيه من يحسن الخياطة وليس بينهما من يضم أعمال الفئة الأولى للثانية لينتفع بها المجتمع حق الانتفاع ومثل لذلك بمن نقلوا لنا العلوم على عهد الحضارة الإسلامية الأولى فقال إنه كان يندر أن يجمع المترجم بين معرفة العلم الذي يترجمه واللغتين اللتين ينقل منهما فمن كان يجيد السريانية لا يحسن العربية إلا أنه كان يترجم ما يفهم بعبارة ركيكة أو عامية فيجئ المصححون يصلحون العبارة على الأسلوب العربي فتجئ معرباتهم من أصح ما يكون لفظاً ومعنى وعلى هذا درج ديوان الترجمة في الدولة العلوية الخديوية في القرن الثالث عشر في مصر فكان المترجم غير المصحح ولذلك جاءَ فيما نقلوه روح العربية أكثر من المصنفات التي نقلت إلى العربية حتى في هذا القرن قال وهكذا عرفت دولة العباسيين في بغداد والأمويين في الأندلس والأسرة العلوية في القاهرة أن تجمع بين من يحسن التفصيل ويحسن الخياطة فكان من هذا الجمع ما كان كما حسن النفع من كل ما تصرف تحت اسم
стр. 1378
علم.
стр. 1379
الشعر الاجتماعي
ليس جميع ماخلد في بطون الاوراق من شعر شعرائنا الغابرين هو في المديح والهجاء والرثاء والغزل والنسيب والخمريات والزهديات والخلاعيات بل كان منهم ذوو أخلاق طاهرة يتأثرون بمحيطهم ويشعرون بشعور امتهم يشساركونها في الأمها وأسقامها ويسعون إلى صلاحها وإصلاحها وإن ماانتهى الينا من شعر الجاهلين والمخضرمين والمولدين أن صح اصدار الحكم عليه لقتله ليدعو إلى القطع بان معظم الشعراء اميل إلى الخصوميات منهم إلى العموميات ٠وابوالعلاءالمعري رأسهم في تشريف الشعر والتفادي من ابتذاله وجل لزومياته من الشعر الاجتماعي الصادر عن نفس أبيه مشرفة على ما يعبث بجسم المجتمع من الشرور والغرور والقصور ولذلك لم يبرح يضرب على نغمة التنديد وكثيراً يخرجه النقد إلى الغلو واي شعر خلا من الغلو
ولو خلت نفس أبي الطيب المتنبي من المطامع والتغالي في حب الجاه والغني لساغ أن يكون من مجموع حكمياته ديوان شعر اجتماعي ينفع الأمة في تكبير نفوسها وتحسين ملكاتهها ولاسيما لوكأنت الحكمة مختلطة بأجزاء نفسه اختلاطها بأجزاء روح المعري وكانت اقواله على قدر افعاله. فقد رأينا يملا الدنيا مديحا بسيف الدولة ثم يهجره ويمدح كافورا والاخشيدي لما كان يرجو أن يوليه ولاية ثم يهجوه اقبح هجو لما يئس منه فكيف يثق العقلاء باقواله وتفعل أشعاره في النفوس فغلامحمودا.
وإذا تقدمنا إلى ما وراء ذينك العصرين وبحثنا في شعراء أوائل العباسية كأبي العتاهية وأبي نواس لانعتم أن نقول فيهما مأقلناه في أبي الطيب وإن كانت الزهديات غالبة على شعر الأول والخمريات متحكمة من شعر الثاني. أما من كانوا بعد ذلك العهد من الشعراء كأبي فراس الحمداني فإنك تجد شعرهم بحسب محيطهم فتقرأ في شعر هذا علو النفس والشمم وشيئامن روح الاجتماع وبحق ماقيل بديء الشعر بملك وهو أمرؤ القيس وختم بملك وهو ابوفراس وبحق ماقالوا كلام الملوك ملوك الكلام. وانك لاتجد في نفسك النشأة التي تجدها بتلاوة شعر الشريف الرضي وابن الرومي ماتجده بكلام صريع الغواني وناصح الدين الارجاني. اما ما إذا جئت تقرأ الشعر في القرون الخمسة الأخيرة وهي عصور انحظاظ اللغة وانحطاط الأفكار فتكاد لاتجد الجيد واحدا من مائة وأكثر من اجادوا في الاجتماعيات من كانوا على شيء من معرفة زمانهم من الشعراء وتأثروا بتأثر امتهم
стр. 1380
مثل تلك الزمرة من الشعراء التي سقطت الأندلس في أيامها فبكوها ورثوها او كانوا قبيل سقوطها فحذروا ملوكهم عاقبة التفاشل وبينوا لهم مواضع الضعف واي شعر واقع في النفس وافعل في أثارة الشجون من قصيدة ابن الابار لما اوفده صاحب بلنسية عندما حاصرها ملك برشلونة إلبرتغالي إلى ابن أبي حفص صاحب أفريقية التي يقول في مطلعها.
أدرك بخيلك خيل الله أندلس ... أن السبيل إلى منجاتها درسا
وهب لها من عزيز النصر مالتمست ... فلم يزل منك عز النصر ملتمسا
وحاش مما تعانيه حشاشتها ... فطالما ذاقت البلوى صباح مسا
ياللجزيرة أضحى أهلها جزرا ... للحادثاتوامسى جدها تعسا
في كل شارقة المام بارقة ... يعود مأتمها عند العدا عرسا
وكل غاربة اخجال شائبة ... لثني الأمان حذرا والسروراسى
وفي بلنسية منها وقرطبة ... ماينسف النفس او ماينزف النفسا
واي شعر اصدق من رقعة وجدت في جيب أبي عبد الله الفازازي يوم موته يقول فيها
الروم تضرب في البلاد وتغنم ... والجور يأخذ مابقي والمفرم
والمال يورد كله قشتالة ... والجند تسقط والرعية تسلم
وذوو التعين ليس فيهم مسلم ... الا معين في الفساد مسلم
اسقي على تلك البلاد وأهلها ... الله يلطف بالجميع ويرحم
قال المقري أن هذه الأبيات رفعت إلى سلطان بلده فلما وقف عليها قال بعد ما بكى صدق رحمه الله تعالى ولو كان حيا ضربت عنقه. ولم يزل أهل الأندلس بعد ظهور الإفرنج على كثير منها يستنهضون عزائم الملوك والسوقة لأخذ الثأر بالنظم والنثار فمن القصائد الموجهة في ذلك قول بعضهم لما أخذت بلنسية يخاطب أفريقية أباحفص ويقول فيها.
ياحسرتي لعقائل معقولة ... سئم الهدى نحو الضلال هداءها
ايه بلنسية وفي ذكراك ما ... يمري السؤن دماءها لا ماءها
كيف السبيل إلى احتلال معاهد ... شب الاعاجم دونها هيجاءها
وإلى ربا واباطح لم تعترض ... حلل الربيع مصيفها وشتاءها
стр. 1381
طاب المعرس والمقيل خلالها ... وتطلعت غرر المنى اثناءها
ومن ذلك قول بعضهم يندب ظليطلة
لثكلك كيف تبتسم الثغور ... سرورابعد مايئست ثغور
أما وأبي مصاب هد منه ... ثبير الدينفاتصل الثبور
إلى أن يقول
فإن قلنا العقوبة أدركتهم ... وجاءهم من الله النكير
فإنا مثلهم وا شد منهم ... نجور وكيف يسلم من يجور
أنأمن أن يحل بنا انتقام ... وفينا الفسق اجمع والفجور
واكل للحرام ولا اضطرار ... إليه فيسهل الأمر العسير
ومما قبل في ذلك قصيدة أبي البقاء الرندي وهي ممااشتهر
لكل شيء إذا ماتم نقصان ... فلا يغر بطيب العيش إنسان
هي الأمور كما شاهدتها دول ... من سره زمن ساءته ازمان
وهذه الدار لاتبقي على احد ... ولايدوم على حال لها شان
يمزق الدهر حتما كل سابغة ... إذا نبت مشرفيات وخرصان
ومن هذا الباب قصيدة العقيلي يتوسل بسلطأن فاس التي يقول فيها
كنا ملوكا لنا في ارضنا دول ... نمنا بها تحت افنان من النعم
فايقظتنا سهام للردى صبب ... يرمي بافجع حتف من بهن رمي
فلاتنم تحت ظل الملك نومتنا ... واي ملك بظل الملك لم ينم
وهكذا كانت تلك الطبقة من الشعراء على ذلك العهد في الأندلس على نحو ما كان بعض شعراء ألمانيا في القرن الماضي وقد قاموا يحمسون الأمة والحكومة في معارضة الدين ومناهضة الحكم المطل مثل ستراوس والاخوان بوير وارنولدروج وكارل ماركس وفورباخ وكجمهور من الشعراء السياسين مثل هوفمأن فون فالرسلبين ونجلستيد وفرايليجرات وميسنير وكارل بيك وعوتفريد وكاين كيل ممن أخذوا على أنفسهم الدفاع عن حقوق الأمة والحرية وأخذوا ينشرون في أوروبا دعوات حماسية ولكن شتان بين من يسعون إلى تأسيس ملك ضخم وسلطان عظيم العلم رائده والعقل قائده يقولون فتسمع
стр. 1382
اقوالهم وتؤثر الأثر المطلوب وبين من يقولون كبقايا أولئك الأندلسين وهم خائفون فلا تؤثر اقوالهم ويمسون ينشدون ويصبحون يندبون بلادا سقطت واطفالا يتمت ونساء ايمت وعمرانا اضمحل وساكنا ابذعر. وليس معنى هذا أن الشعركله يجب أن يكون اجتماعيا بل أن أكثره أصبح كذلك ينفع ويرقي. والشعر ادعى إلى التأثير واسرع أن يعلق في الذهن من النثر. والشعراء إذا أحسنو القصيد وصرفوه فيما يفيد تقطف البلاد بثمرة اقوالهم ماتقطفه من ثمرات اقوال الخطباء والكتاب أن لم نقل أكثر. الشاعر الاجتماعي هو الذي يدل امته على عوارها وعارها ويبين لها طريق نجاتها وعثرتها وينوع الأساليب في تعليمها وتهذيبها. وماانس لاانس غوركي شاعر الروس وقد كان منذ سنين يؤلف القصيدة الثورية الاجتماعية يلقنها الفلاحين حتى إذا استظهروها يرحل عنهم وقد ظل اعواما على هذه الدعوة ورجال الشرطة يطاردونه وهو بجربذته يفلت من بين ايديهم حتى كانت اقواله من جملة مأولد الثورة الروسية الأخيرة وقد اذكرني غوركي بعمارة اليمني الشاعر الذي دعا في مصر للدولة الفاطمية بعد أن حل عراها صلاح الدين يوسف وماقال في ذلك من قصائد ومقاطيع كانت سبب صلبه ومن جملة شعره القصيدة التي توضح عذر السلطان صلاح الدين في قتله وقتل من شارك في ذلك قال في مطلعها
رميت يادهر كف المجد بالشلل ... وجيده بعد حلي الحسن بالعطل
سعيت في منهج الرأي العثور فإن ... قدرت من عثرات البغي فاستقل
جدعت مارنك الاقنى فإنفك لا ... ينفك مأبين نقص الشين والخجل
لهفي ولهف بني الأمال قاطبة ... على فجيعتنا في اكرم الدول
إلى أن يقول
ياعاذلي في هوى أبناء فاطمة ... لك الملامة إن قصرت في عذلي
بالله زر ساحة القصرين وابك معي ... عليهما لأعلى صفين والجمل
وقل لأهليهما والله ما التحمت ... فيكم قروحي ولا جرحي بمندمل
ماذا ترى كأنت الإفرنج فاعلة ... في نسل آل أمير المؤمنين علي
هل كان في الأمر شيء غير قسمة ما ... ملكتم بين حكم السبي والنفل
وقد حصلتم عليها واسم جدكم ... محمد وأبيكم غير منتقل
стр. 1383
مررت بالقصر والاركان خالية ... من الوفود وكانت قبلة القبل
فملت عنها بوجهي خوف منتقد ... من الاعادي ووجه الود لم يمل
اسبلت من اسف معي غداة خلت ... رحابكم وغدت مهجورة السبل
ابكي على ماترا آى من مكارمكم ... حال الزمان عليها ولم تحل
دار الضيافة كانت انس وافدكم ... واليوم اوحش من رسم ومن طلل
وفطرة الصوم إن اصغت مكارمكم ... تشكو من الدهر ضيما غير محتمل
وكسوة الناس في الفصلين قددرست ... ورث منها جديد عنهم ويلي
وموسم كان في كسر الخليج لكم ... يأتي تجملكم فيه على الجمل
وختمها بقوله
وماخصصتم ببرأهل ملتكم ... حتى عممتم به الأقصى من الملل
كانت رواتبكم للذمتين ولل ... ضيف المقيم وللطاري من الرسل
وللجوامع من احباسكم نعم ... لمن تصدر في علم وفي عمل
وربما عادت الدنيا لمعقلها ... منكم واضحت بكم محلولة العقل
ولسائل أن يقول اما في شعراء العربية اليوم من تقع لهم ياترى مثل هذه القصائد الحماسية الاجتماعية يحسنون بقريضهم الملكات ويضمون الشتات قبل الفوات. فالجواب أن هذه الروح ضئيلة جدا في شعرائنا فإن غلبت على شعر حافظ أفندي إبرأهيمحتى جاز أن يدعى الشاعر الاجتماعي بلا مدافع وقرئت في قصائد جميل صدقي أفندي الزهاوي ومعروف أفندي الرصافي من شعراء بغداد فإنها تقل في شعر الشيخ عبد المحسن الكاظمي واحمد بك شوقي والأمير شكيب ارسلان ومصطفى صادق أفندي الرافعي والسيد توفيق البكري والسيد مصطفى لطفي المنفلوطي وخليل أفندي مطران والأمير نسيب ارسلان ونقولا أفندي رزق الله وعبد الله أفندي البستاني وإبرأهيمأفندي الحوراني وفارس أفنديالخوري وعيس أفندي أسكندر معلوف ورزق أفندي حداد واحمد أفندي محرم وامين أفندي حداد واسمعيل باشا صبري وحفني بك ناصف والياس أفندي فياض ومحمد أمام أفندي العبد وطانيوس أفندي عبده وقسطاكي بك الحمصي واحمد أفندي الكاشف واضرابهم المجيدين في شعرائنا ممن لم تحضرني أسمائهم فإنك لاتقرأ لأحدهم المقطوعة أو القصيدة الفذة حتى
стр. 1384
تقرأ له عشرات غيرها في أغراض أخرى فيا حبذا لو توخى قيادة القريض بما ينظمون النفع العام ونحوا في أشعارهم منحى السداد لتفعل في عقول منشديها وراويها فتسدد خطأهم وتصحح أفكارهم وتقوي قلوبهم وتصلح عيوبهم. فعصرنا هذا عصر الحقائق لاعصر الخيالات والعأقل ينتفع باقواله بحسب نيته وهيهات أن نقول أن للشعرالعربي دولة إلا إذا حسنت أثار اقوال زعمائه في أبنائه وقديما قالوا اعذب الشعرا كذبة اما نحن اليوم فنقول اعذب الشعر اصدقه وعهدنا هذا يفتح بما فيه من دواعي القول قرائح من لم يحلم بانه يقول الشعر.
стр. 1385
الغروب
نزلت تجر إلى الغروبذيولا ... صفراء تشبه عاشقا متبولا
تهتز بين يد المغيب كانها ... صب تململ في الفراش عليلا
ضحكت مشارقها بوجهك بكرة ... وبكت مغاربها الدماء اصيلا
مذ حان في نصف النهار دلوكها ... هبطت تزيد على النزول نزولا
قد غادرت كبد السماء منيرة ... تدنو قليلاللافول قليلا
حتى دنت نحو المغيب ووجهها ... كالورس حال به الضياء حيولا
وغدت بأقصى الأفق مثل عرارة ... عطشت فابدت صفرة وذبولا
غربت فابقت كالشواظ عقيبها ... شفقا بحاشية السماء طويلا
شفق يروع القلب شاحب لونه ... كالسيف ضمخ بالدما مسلولا
يحكي دم المظلوم مازج ادمعا ... هملت بها عين اليتيم همولا
رقت اعإليه واسفله الذي ... في الأفق اشبع عصفرا محلولا
شفق كان الشمس قد رفعت به ... ردنابذوب ضيائها مبلولا
كالخود ظلت يوم ودع إلفها ... ترنو وترفع خلفه المنديلا
حتى توارت بالحجاب وغادرت ... وجه البسيط كاسفا مخذولا
فكانها رجل تخرم عزه ... قرع الخطوب له فعاد ذليلا
وانجط من غرف النباهة صاغرا ... وأقام في غار الهوان خمولا
* * * * * * *
لم انس قرب الأعظمية موقفي ... والشمس دانية تريد افولا
وعن اليمين أرى مروج مزارع ... وعن الشمال حدائق ونخبلا
وتروع قلبي للدوالي نعرة ... في البين يحسبها الحزين عويلا
ووراء ذاك الزرع راعي ثلة ... رجعت تؤم إلى المراح قفولا
وهناك ذو برذونتين قد انثى ... بهما العشي من الكراب نحيلا
وبمنته نظري دخان صاعد ... يعلو كثيراً تارةوقليلا
مد الفروع إلى السماء ولم يزل ... بالأرض متصلايمد أصولا
وتراكبت في الجو سود طباقه ... تحكي تلولا قد حملن تلولا
стр. 1386
فوقفت ارسل في المحيطإلى المدى ... نظرا كما نظر السقيم كليلا
والشمس قد غربت ولما ودعت ... ابكت حزونا بعدها وسهولا
غابت فاوحشت الفضاء بكدرة ... سقم الضياء بها فزاد نحولا
حتى قضت روح الضياء ولم يكن ... غير الظلام هناك عزرائيلا
وأتى الظلام دجنةفدجنة ... يرخي سدولا جمة فسدولا
ليل بغيبه الشخوص تلفعت ... فظالمت احسب كل شخص غولا
ثم انثنيت اخوض غمر ظلامه ... وتخذتنجم القطب فيه دليلا
ان كل اوحشني الدجى فنجومه ... بععثت لتؤنسني الضياء رسولا
سبحان من جعل العوالم انجما ... يسجن عرضافي الاثير وطولا
كم قد تصادمت العقول بشأنها ... وسعت لتكشف سرها المجهولا
لاتحتقر صغر النجوم فإنما ... أرقى الكواكب مااستبان مااستبان ضئيلا
دارت قديما في الفضاء رحى القوى ... فغدا الاثير دقبقها المنخولا
فاقرأ كتاب الكون تلق بمتنه ... آيات ربك فصلت نفصيلا
ودع الظنون فلا وربك انها ... لم تغن من علم اليقين فتيل
معروف الرصافي
* * * * * * * *
стр. 1387
الشمس في الطلوع
طلعت في جلالة ووقار ... من وراء التلول شمس النهار
طلعت من حجابها كآلة ال ... حسن في موكب من الانوار
وتجلت مثل العروس بوجه ... نوره باهرا أولي الابصار
فكست منكب الربى وحوإليها ... رداء مطرزا بالنضار
وادرت على الرياض شعاعا ... لج في لثم مبسم الازهار
كلما مس ظاهر الأرض اعطى ... رونقا للتراب والأحجار
ماتدانىالا واهدى نشاطا ... لحياة الحيوان والأشجار
وله في جدأول الروض رقص ... فوق سطح الماء الزلال الجاري
واضاء الهواءفهوكبحر ... ماج في لج نوره الموار
أن للشمس منظراسوف يلغي ... مثله في النجوم والاقمار
منظرا راق حسنه غير أني ... كل يوم اراه بالتكرار
انما الشمس مركز لنظام ... سابحفي بحر بعيد القرار
ليس في عالم المجرة الا ... قدراصاغرامن الاقدار
نحن من ارضنا نعيش جميعا ... فوق جرم محقر سيلر
طاف يسعى على ذكاء دا ... ت بليل فراشة حول نار
الشمس في المغيب
اترى افزع الغزالة ذيب ... فهي تسعى شريدة وتغيب
وقد أصفر وجهها كفتاة ... قلبها من وشك الفراق كئيب
ام قضت نصف دورة هذه الار ... ض دنا فيه من ذكاء غروب
وعلاها السحاب فأحمر منه ... لدواع ذوائب وجيوب
صاح ماهذه الدماء اراها ... بعيوني افي السماء حروب
ام ترى ابدت الطبيعة لوحا ... نظر الروح نجوه مجلوب
تقف العين نحوه وهي حيرى ... يستبيها جماله المحبوب
حار في وصفه الأديب فلايع ... لم ماذا عسى يقول الأديب
стр. 1388
وانظر البر في مقابلة الشم ... س تجدماتذوب منه القلوب
بقر الحي من مرتعها تر ... جع في مشية خطاها قريب
وقطيع الاغنام من وجهة الشر ... قإلى جانب الخيام يؤب
وصغار الحملان مربوطة تص ... بو إلى اماتها وتلوب
تسمع الأمهات وهي إليها ... مسرعات بغامها فتجيب
منظر الغروب في البر يشجي ... فتكاد القلوب منه تذوب
منظر يعجز المصور والشا ... عر عن رسمه ويعيا الخطيب
стр. 1389
اليونان
عظمة مكدونية
فيليب - الأسكندر - فتح آسيا
انهكت الحروب المتصلة مدة قرن بين اسبارطة وأثينة قوى تينك المملكتين فتركتاقتال ملك الفرس إلا أن شعباجديدا وهم المكدونيون عاودوا قتاله حتى نالوا منهوكانو على خشونتهم وقسوتهم أشبه بقدماء الاوربيين شعبا مؤلفا من رعاة وجند. ولقد سكنوا شمال بلاد يونأن في واديين عظيمين مطلين على البحر. وقلما كان اليونانيون يحلونهم محل الاعتبار بل ينظرون إليهم نظرا ثانويا كما ينظرون للبرابرة وإذا المكدونيون يدعون انهم من نسل هيراكليس سمح لهم اليونان بان يركضوا خيولهم في سباق الالعاب الأولمبية وبذلك اعترف بهم ضمنا بانهم من أبناء اليونان.
فيليب - قلما كان هؤلاء الملوك النازلون في بلاد الداخلية بعيدين عن البحر يشتركون في حروب اليونان وفي سنة ٣٦٠ تسلم اريكة العرش المكدوني شاب نشيط شجاع طموحونعني به الملك فيليب فطمحت به نفسه إلى القيام بثلاثة أمور
(ا) أن ينشىء جيشا قويا
(٢) أن ينشىء جميع المواني على شاطىء مكدونية
(٣) أن يكره سائر اليونان على الانضواء تحت لوائه لقتال الفرس
فصرف في هذا الشأن أربعا وعشرين سنة ونجح فيما قصد له. واستسلم اليونأن اليه بل واعانه كثير منهم واتخذ له انصارا ببذل المال في جميع المدن يحسنون الظن فيه ويمتدحونه قال: ﴿مامن قلعة يتعذر الاستيلاء عليها إذا استاع المرء أن يدخل إليها بغلا مثقلاباذهب﴾ وهكذا استولى على جميع مدن شمالي اليونانية واحدة بعد أخرى. وقد كان الخصم اللدود لفيليب الخطيب ديموستين وهو ابن صانع اسلحة تيتم في السابعةمن عمره واختلس اوصياؤه جزءا من ماله بلغ أشده أقام عليهم قضيةواكرههم على أن يعيدوا إليه مااختلسوه منه وكان درس خطب ايزيه واستظهر تاريخ توسيديد بيد أنه عندماخطب على المنبر العام قوبل كلامه بالقهقهة إذ كان صوته ضعيفا جدا ونفسه قصييرا فتوفر عدة سنين على ترويض صوته. ويروي إنه كان ينقطع شهورا طويلة ونصف رأسه محلوق لئلا
стр. 1390
يحاول الخروج ويلقي خطبا وفي فمه حصا وهو على شاطىء البحر ليمرن نفسه على التغلب بصوته على جلبة الناس ولمل رجع إلى المنبر كان قد اخضع صوته لاراته وإذا كان يحافظ كل المحافظة على أعداد جميع خطبه قبل القائها غدا أرقى خطيب وأعظم مفوه في بلاد اليونان. وكان الحزب الذي يرجع إليه أمر أثينة على ذاك العهد بزعامة فوسيون يطمح في السلم اذ لم يكن لأثينة جند كاف ولا مال وافر يقاف ملك مكدونية عند حده فكان فوسيون يقول سأشير عليكم بالحرب متى صرتم بحيث تستطيعون القيام باعبائها. وكان ديموستين على العكس يحتقر فليب ويراه كانه من المتوحشين فتطوع في خدمة الحزب الذي يطلب محاربته واستخدم مافيه من فصاحة لاخراج الأثينين من سياسة المسالمة ولم يدخر وسعا مدة خمس عشر سنة في تحريضهم على ذلك. وانك لتجد مضوع كثير خطب ديموستين الحملة على الملك فيليب وكأن يسميهاالفلبية. قال في خطابه الأول سنة٣٥٢: متى تقومون ايها الأثينيون بواجباتكم؟ اتريدون أن تسرحوا وتمرحوا في الساحات وبعضكم يسأل بعضا بقوله: ماوراءك من الأخبار؟ اما أنا فأقول لكم ليس من جديد إلا أننا نشاهد مكدونية يتغلب على أثينة ويستولي على ارض يونان؟ أقول لكم إنه من الواجب تسليح خمسين سفينة وأن تعقدوا العزم إن تركبوها بالذات عند مسيس الحاجة. جنبوا مسمعي جيش مؤلف من عشرة او عشرين الفا من الأجانب ولا حقيقه له الا على الورق فإني لا اريد الاجنود من الوطن متطوعين في خدمته. وقال ديموستين في الفيليبيات الثالثة سنة٣٤١ يذكر الأثينيين بما حازه فيليب من الظفر عليهم لغفلتهم وقلة حركتهم ﴿كان اليونان قديما عندما يسيئون استعمال سلطتهم ليظلمواغيرهم تقوم بلادهم كلها على ساق وقدم لمنع هذا الظلم ونحن اليوم نقاسي مانقاسي من مكدوني حقير متوحش من أصل ملعون فيخرب المدن اليونانية ويحتفل بالالعاب البيتية او يأمرخدمه بالاحتفال بها وهذا ماينظر إليه اليوناني بدون أن يأتي أمراكما ينظر إلى البرد يتساقط وهو يضرع بأن لايصيبه. والسلطة تعظم بدون أن يخطو احد خطوة لايقافها. وكل ينظر من عهد إليه في تمزيق شمل غيره كما لو كان يعد ذلك ربحافي وقته بدلا من أن يفكر ويعمل لسلامة اليونان عندما يعرف الناس المصيبة ستنال البعيدين﴾. ولما استولى فيليب على الاتيه في مدخل بيوسيا (٣٣٩) ازمع الأثينيون بما نصح به ديموستين أن يشهروا الحرب ويبعثوا بوفود إلى ثيبة وذهب
стр. 1391
ديموستين زعيما للوفد ولقي في ثيبة وفدا جاءه من قبل فيليب فتردد الثيبيون واردهم ديموستين على أن يتناسوا جميع احقادهم القديمةوأن لايفكروا في غير سلامة الوطن اليوناني وفي الدفاع عن الشرف والحرية فعزموا بمساعيه أن يعقدوا محالفة مع أثينة وأن يظلوا على المقاومة والحرب. وبعد سنة (٣٣٨) نشبت الحرب في شيرونيه من أعمال بيوسيا وكان عمر ديموستين إذ ذاك ثمانيا وأربعين سنة فخدم في الجيش جنديابسيطا وإذ كان جيش الأثينين والثيبيين قد دعي إلى حمل السلاح بسرعة لم يعادل جند فيليب المدربين ولذلك كأنت الهزيمة الأول.
الاستيلاء المكدوني_واذ ظفر فيليب أقام حامية في ثيبة وصالح أثينة ثم دخل إلى ارض المورة فاستقبله أهلها كانه المحسن إلى الشعوب التي اضطهدها اسبارطة ومن ذاك العهد لم يصادف أقل مقاومة فجاء إلى كورنت (٣٣٧) وجمع فيها مندوبي جميع المدن اليونانية (ماخلا الاسبارطيين فإنهم لم يبعثوا بمندوبين قط) وعرض عليهم مشروعه وهو أن يتوبى زعامة جيش يوناني لغزو فارس فاستحسن المندوبون رأيه وعقد محالفة عامة بين المدن اليونانية كافة وذلك على أن تحكم كل مدينة نفسها بنفسها وتعيش بسلام مع غيرها وأنشىء مجلس لتلك الوحدة لمنع الحروب والفتن الأهلية والقتل والمصادرة وهذه الوحدة كان من شأنها الاتحاد مع الملك مكدونيا والاقرار له بالزعامة على جميع الجنود والسفن اليونانية وحظر على كل يوناني أن يحارب فيليب وإذا فعل تضرب عنقه دون محاكمة.
الأسكندر - خنق فيليب ملك مكدونية سنة ٣٣٤ وكان ابنه الأسكندر إذ ذاك ابن عشرين سنة وكان مثل جميع اليونان من أبناء البيوت الشريفة ماهرا في الالعاب الرياضية شديد القوى في الكفاح يحسن ركوب الصافنات الجياد (وهو الذي وحده استطاع أن يكبح جماح حصانه بوسيفال في الحرب) وكان زيادة على ذلك عارفا بالسياسة حسن البيان يعلم التاريخ الطبيعي وكان أستاذه من سن الثالة عشرة الفيلسوف أرسطو أعظم عالم في اليونأن فكان يتلو الالياذة بشوق ويدعوها دليل فن الحرب ويريد أن يتشبه بالأبطال الذين ورد ذكرهم فيها. فكان خلق ليكون فاتحا لأنه مغرم بالقتال مولعبحب الشهرة وكان ابوه يقول له (ان مكدونية ضيقة النطاق فلاتسعك)
الجحافل المكدونية - ترك فيليب لابنه الأسكندر اداة من ادوات الفتح ونعني بها الجيش
стр. 1392
المكدوني وهو أحسن جيش عهد في بلاد اليونان يؤلف جيش المشاة وجيش الفرسأن فكان الجحفل المكدوني مؤلفا من١٦ الفا من الرجال مصفوفين ألوفا ألوفاستة عشر صفاويحمل كل واحد منهم رمحا طوله ستة امتار وكان المكدونيون في ساحة الغي بدلا من أن يسيروا إلى العدو كلهم من جهة واحدة يقفون لاحراك بهم ويضربون برماحهم العدو منكل صوب وكان جنود المؤخرة يرفعون رماحهم من فوق رؤوس الصفوف الأولى بحيث كان ذاك الجيش يشبه حيوانا عظيما وقد انتصب وعليه الحديد والعدو يدأهمه فبتحطم. وكنت ترى الأسكندر بينما كان الجيش في ساحة الحرب يوقع بالعدو وهو في مقدمة فرسانه وكانت هذه الكتيبة من الفرسان مؤلفة من خيار الفتيان الإشراف.
فتح آسيا - سافر الأسكندر في ربيع سنة ٣٣٤ في ثلاثين الف رجل (معظمهم من المكدونيين) وفي ٤٥٠٠ فارس لايحمل معه غير ٧٠ تالونا من المال (أقل من أربعمائة فرنك) وذخيرة تكفي هذا الجيش الضخم أربعين يوما. ولم يكن عليه أن يقاتل ذاك الغوغاء من الشعوب التي لاسلاح لها وقد سخرها كنجسر الفارسي لأمره فقط بل كان أمامه خمسون الفا من اليونأن المجندين في خدمة الخاقان الأعظم تحت قيادة حاذق يدعىممنون الرودسي فقد كان في مكنة هؤلاء اليونان أن يصدوا المكدونيين عن العبور ولكن صادف أن مات ممنون وتشتت جيشه شذر مذر فتخلص الأسكندر من خصمه الوحيد العنيد وفتح المملكة الفارسية في سنتين. وذلك بعد أن ظفر في ثلاث مواقع فبدد في آسيا الصغرى الجيوش الفارسية الرابطة وراء نهر غرانيك (في مايو٣٣٣) وهزم الأسكندر دار يوس ملط فارس وجيشه الذي يقال إنه كان مؤلفا من ستين الفا من مضايق سيليسيا في ايسوس (نوفمبر ٣٣٢) وشتت في اربل بالقرب من دجلة جيشا أكثر عددا (٣٣١).
فكانت هذه الغلبات مثالا من الحروب المادية فالجيش الفارسي لاسلاح له ولايحسن الرماية وهو مشوش بنفسه في اخلاط من الجنود والاجراء والاثقال وكأنت الجنود المختارة وحدها التي تقاتل والباقي يشتت ويقتل ولم يكن الفتح في غضون الحرب الانزهة يكتب فيها الظفر وهذا الفاتح لايجد أمامه مقاوما وماذا يهم شعوب المملكة أن يخضعوا لداريوس او للأسكندر كان يفتح بها مملكة برأسها فموقعة الغرانيك استولى قيها على آسيا الصغرى ومعركة ايسوس افتتح فيها سورية ومصر ومعركة اربل بقية البلاد.
стр. 1393
ولما صار الأسكندر الحاكم المتحكم في المملكة الفارسية اعتبر نفسه وارثا للخاقأن الأعظم صاحب فارس فلبس اللباس الفارسي واستعمل عادات البلاط الفارسي في الاحتفالات الرسمية واكره قواده أن يركعوا أمامه على السنة الفارسية وتزوج من بنات الفرس وزوج ثمانين من ضباطه من ثمانين من بنات إشرافهم وأراد أن يوسع مملكته إلى أقصى الحدود كما فعل الملوك القدماء وتقدم فاتحا نحو الهند وهو يقاتل القبائل المحاربة ولما عاد في جيشه إلى بابل (٣٢٤) هلك بالحمى في بضعة أيام في الثالثةوالثلاثين من عمره (٣٢١)
مقصدالأسكندر - من المتعذر جدا أن نعرف ما كان يقصد الأسكندر. هل كان يفتح حبا بالفتح؟ او إنه كان له مقصد آخر؟ وهل كان يريد أن يجعل جميع تلك الشعوب شعبا واحدا ومملكة واحدة؟ هل اتخذ المناجي الفارسية ليكون مثالا لغيره؟ او أنه قلد الخاقان الأعظم صلفاوإعجابا؟ اننا لن نقف على نياته إلا أن أعماله كانت لها نتائج عظيمة وقد اسس سبعين مدينة وعدة مدائن في مصركالأسكندرية وفي بلاد التتر حتى بلاد الهند ووزع على رعاياه الكنوز التي وجدها في خزائن الخاقان الأعظم وكانت مطروحة فيها لاينتفع بها وأخذ معه علماء يونانيين لدرس نبات آسيا وحيوانتها وجغرافيتها وهيأالملكات في الشوب الآسيوية إلى تعلم لغة اليونان والتخلق بأخلاقها ولذلك أطلق على الأسكندر لقب الكبير
تأسيس الممالك اليونانية
الأسكندرية - المتحف - ممالك آسيا - التمدن اليوناني في الشرق
خراب مملكة الأسكندرية - جمع الأسكندر تحت علم واحد جميع بلاد العالم القديم من بحر الادرياتيك إلى نهر الاندوس ومن مصر إلى القأفقاس. ولم يدم الملك العظيم الابدوامة فلما هلك اختلف قواده فيمن يولى الملك بعده وحارب بعضهم بعضا مدة عشرين سنة واتخذوا بادىء بدء حجة لحروبهم بانهم يتقاتلون لمعاضدة احد أسرة الأسكندر كاخيه وابنه واخوته وإحدى زوجاته ثم تقاتلوا علنا بأسمائهم وتوطيدا لدعائم الملك لسلطانهم فكان لكل واحد منهم جزء من الجيش المكدوني او جنود يونان مأجورون فكان اليونانيون يتقاتلون فيمن يستأثر بآسيا ويحكم عليها والناس ينظرون إليهم غير محتفلين بما يأتون كما كان لو كان اليونان يقاتلون الفرس أعداءهم. ولما وضعت الحرب اوزارها لو يبق الا ثلاثة قواد وقد هيأ له كل منهم مملكة واسعة مما خلفه الأسكندر فحكم بطليموس مصر وسلوقس سورية
стр. 1394
وليزيماك مكدونية وكانت انفصلت بعض الممالك الصغرى او أخذت بالانفصال عنها مثل أبير أوروبا ومثل بون وبيتيني وغالاسيا وكابادوس وبرغام في آسيا ومثل مقاطعتي باكتريان وبارسيا من بلاد الفرس وبذلك تم تقسيم مملكة الأسكندر.
التمدن اليوناني في الشرق - كان الملك من أبناء اليونان ويعيش عيش اليونان ويحافظ على لغته ودينه وعاداته. من الآسياوين أي من البرابرة وهو يحاول أن يجعل له حاشية من جنسه ويجند جنوده من أبناء يونان بالاجرة ويتخذ موظفين يونأن لادازة البلاد ويجلب إلى عاصمته شعراء وعلماء وأرباب فنون من اليونان. وكان في البلاد على عهد ملوك الفرس كثير من اليونانوالطوأرىء والتجار ولاسيما من الاجناد فأكثر ملوك اليونان من جلبهم وانتشروا في جميع أطراف آسيا وكثر سوادهم حتى انتهت الحال بالوطنين أن يلبسوا اللباس اليوناني وينتحلوا الديانة اليونانية والأخلاق اليونانية واللغة اليونانية ولم يعد الشرق آسياويابل أصبح يونانيا حتى أن الرومانيين لم يجدوا في آسيا في القرن الأول شعوبا يشبهون اليونانية باسرهم
الأسكندرية - لقب ملوك اليونان من مصر وهم خلفاء بطليموس بلقب الفراعنة على نحو ما كان يلقب ملوكها الاقدمون ولبسوا التاج ودعوا الناس إلى عبادتهم باسم أبناء الشمس ولكنهم كانوا محاطين باليونانية وأقاموا عاصمتهم على شاطىء البحر في مدينة يونانية وهي الأسكندرية. تلك المدينة الجديدة التي أنشئت بأمر الأسكندر. بنيت الأسكندرية على سطح مستو فكانت ذات نظام أكثر من غيرها من المدن اليونانية وكأنت الشوارع تنقسم إلى زاوية قائمة ويشقها من وسطها شارع وعرضه ثلاثون مترا وطوله ستة كيلو مترات وعلى جانبيها ابنية عظيمة مثل بناء الستاد حيث كانت تقام الالعاب العامة والجمناز والمتحف والارسينوم. وكان المرفأ مؤلفا من سد طوله الف وثلثمائة متر يصل بين اليابسة وجزيرة فاروس وفي طرف هذه الجزيرة أقيم برج من الرخام جعل في قمته مكان بنبعث منه ضوء على الدوام لتسير به السفن التي تريد دخول المرفأ ومن هناك جاء اسم المنارة. فقامت الأسكندرية مقام المدن الفينيقية وغدت المينا العظمى للتجارة في العالم باسره.
المتحف - كان المتحف بناء عظيما من الرخام متصلا بقصر الملك وقد أراد ملوك مصر أن يجعلوه معهدا علميا عظيما. وفيه مكتبة عظيمة وكان القوام عليها أن ببتاع جميع
стр. 1395
مايتسنى له الظفر به من الكتب فكل كتاب يدخل مصر يحمل إلى المكتبة والنساخ وينقلون المخطوطات ويرجعون نسخة لصاحبها مع التعويض عليه واتصلت الحال بان جمع على هذا النحو عددمن الجلدات لم يسمع بمثله (وهو أربعمائة الف مجلد كما قيل) وكأنت الكتب المخطوطة لكبار المؤلفين إلى ذاك العهد مبعثرة مشتتة وعرضة لخطر الضياع فأصبحت يعرف لها مقر يرجع إليه.
وكان في المتحف ايضا حديقة للنبات والحيوان ومرصد فلكي وقاعة للتشريح اقيمت علىالرغم من اوهام المصريين كما أقيم معمل كيماوي (كان الملك بطليموس فيلادلف يخشى كثيراًمن الموت فقضى بضع سنين في البحث عن اكسير لأطالة الحياة) وكان في المتحف العسكري مساكن للعلماء والرياضين والفلكيين والأطباء ويقدم لهم غذاؤهم على نفقة الحكومة وكثيراً ما كان الملك يتناول الطعام معهم دليلا على احترامه لهم وكانوا يقضون اوقاتهم في المحاورة والمطالعة ويجيء الناس من جميع بلاد اليونأن ليستمعوا لما يلقون وكان الشبان يبعث بهم اباؤهم إلى الأسكندرية ليتعلموا. ويقال إنه كان فيها نحو ١٤الفا من الطلاب. ومن ثم كان المتحف مكتبة ومجمعا علميا ومدرسة في آن واحد فهو أشبه بمدرسة جامعة وهذا الوضع الذي هو عام بيننا مألوف كان على ذاك العهد من الاوضاع الجديدة التي لم يسبق لها نظير. ولقد أصبحت الأسكندرية بفضل متحفها مقصد جميع المشارقة من يونان ومصريين وأسرائليين وسوريين يحمل كل منهم دينه وفلسفته وعمله ويختلط بعضهم ببعض فغدت الأسكندرية إذ ذاك وظلت قرونا كثيرة عاصمة العلم والفلسفة في العالم.
برغامة - كانت برغامة في آسيا الوسطى من ممالك الصغرى ولم تعد لها سطوة بيدان عاصمتها برغامة كانت كالأسكندرية مدينة أرباب الصنائع والأدب وانشأ نقاشو برغامة في القرن الثالث قبل الميلاد مدرسة مشهورة. وقد ملكت برغامة كما ملكت الأسكندرية مكتبة كبرى جمع إليها الملك اتال الكتب المخطوطة لقدماء المؤلفين وفي برغامة اخترعت الكتابة على الجلود لاستعاضة عن ورق البردي وكان هذا الورق الجديد ورق برغامة هو الورق الذي حفظت به المخطوطات القديمة
الحروب الأخيرة في يونان
стр. 1396
العصابات - الفتح
الحروب الأهلية - كانت بأيدي بضع أسرات غنية من اليونانيين في جميع المدن اليونانية على التقريب جميع الأعمال والمعامل الصناعية والسفن التجارية وعامة مصادر الربح وموارد العيش اما سائر الاسرات أي السواد الأعظم فلم يكن لهم ارض ولامال وماذا كان الوطني الفقير بعمله ليكسب رزقه؟ لم يكن له إلا أن يؤجر نفسه زراعا او عاملا او ملاحا. بيد أن عبيد أرباب الثروة في مصانعهم ومعاملهم وسفنهم وكانوا يقومون بهذه الأعمال ولايكلفون للانفاق عليهم غير شيء زهيد بالنسبة للنفقات التي كان على السادة أن ينفقوها إذا استخدموا الاحرار في أعمالهم لأنهم كانوا يطعمون عبيدهم طعاما غليظا ولا يؤدون إليهم أجورا. ثم إنه من الصعب على الفقير أن يعمل لحسابه لندرة الدراهم ولم تكن الفائدة من عشرة في المئة وهيهات أن يقرضه إنسان مايعوزه. على أن العادة لم تكن تسمح للوطني أن يتعاطى الصنائع لأن الفلاسفة كانوا يقولون بانها تفسد الجسم وتضعف النفس ولاتترك في وقت صاحبها متسعا للنظر في الشؤون العامة ولذلك قال أرسطو أن المدينة الحسنة النظام لايجب عليها أن تعد الصانع فيها وطنيا. فكانت من الوطنيين في يونان طبقة شريفة ترى كما يرى الإشراف في فرنسا قديما أن لها الحق أن تحكم وتحارب وفي ذلك شرفها اما تعاطيها الأعمال بايديها فيعد تنازلا واتضاعا ومن اجل هذا حالف البؤس معظم الوطنيين بما كانوا عرضة له من منافسة العبيد في أعمال الحياة وما وقر في نفوسهم من شروط الشرف والنباهة فحكم الفقراء المدن ولم تكن أسباب عيشهم متوفرة وخطر لهم أن يسلبوا الأغنياء فألف هؤلاء شركات منهم لمقاومة أولئك وعند ذلك انقسمت كل مملكة يونانية إلى قسمين الأغنياء ويدعون (الأقلية) والفقراء ويدعون (الأكثرية) أو الشعب. وبدأ الأغنياء والفقراء يتباغضون ويتقاتلون فإذا صار الحكم للأغنياء يطردون الأغنياء ويصادرون أموالهم وربما اتخذوا واسطتين بالغتين في التطرف وهما الغاء الديون وتقسيم الاراضي من جديد. فإذا عادت السلطة للأغنياء يطردون الفقراءوكانوا يتعاهدون بينهم في كثير من المدن قائلين (اقسم باني اظل ابدا معاديا للشعب واؤذيه مااستطعت) ولم ثمت من سبيل إلى التوفيق بين الفريقين فلا الأغنياء يستطيعون أن يستسلموا للتخلي عن ثروتهم ولا الفقراء يرضون أن يموتوا جوعا. قال أرسطو (أن الثورات تنشأ من سبب تقسيم
стр. 1397
الثروات) ويقول بوليب (ان حرب أهلية تنشب فهي لنقل الثروات من يد إلى أخرى)
ومن ثم كان الفريقان يقتتلان أشد قتال على نحو مايحدث ابدا بين الجيرأن فتغلب الفقراء بادىء بدء في ميلت واكرهوا الأغنياء على الهرب من المدينة ثم اسفوا لأنهم لم يذبحوهم فأخذوا أولادهم وجمعوهم في الانأبير تحت ارجل البقر ودخل الأغنياء المدينة فأصبحوا أصحابها الحاكمين فيها وأخذوا هم ايضا أبناء الفقراء وزفتوهم (دهنوهم بالزفت) واحرقوهم احياء.
الحكم الجمهوري والحكم الأفرادي - كان لكل من الأغنياء والفقراء شكل خاص في الأحكام يجرونها في المدينة عندما يقوى أحد الفريقين. فكانت حكومة الأغنياء من نوع الحكم الأفرادي (أوليكارشي) تعهد بالأحكام إلى بعض أفرادها اما حكم الفقراء فكان حكمهم ديمقراطيا يكلون حكمهم إلى مجلس الأمة وكل واحد من الفريقين يتفق مع الفريق المماثل في المدن الأخرى وبذلك تألفت عصابتان تقاسمتا بينهما جميع المدن اليونانية: عصابة الأغنياء أو الحكم الأفرادي وعصابة الفقراء أو الحكم الجمهوري. وبدأت هذه الطريقة في الحكم خلال حرب المورة فكانت أثينة تعضد الحزب الديمقراطي واسبارطةتماليء الحكم الأفرادي فاتحدت المدينة التي فيها للفقراء سلطة مع أثينة كما اتحدت المدن التي تسلط عليها الأغنياء مع اسبارطة. ولقد قامت الحروب الأهلية بين الأغنياء والفقراء ثلاثة قرون (من ٤٣٠إلى ١٥٠) ذبح في خلالها كثير من أبناء البلاد وطرد منهم عدد أكثر من ذلك فأخذوا يهيمون في أطراف الأرض على وجوههم لأمورد لهم يعيشون منه ولا يعرفون الاصناعة واحدة وهي الجندية فينخرطون متطوعين في الجيش الاسبارطي والأثيني وفي جيش الخاقان الأعظم والجيش الفارسي بل وفي كل جيش يدفع إليهم أجورهم فكان من أبناء يونان خمسون الفا في خدمة عندما قاتل الأسكندر وهم لايكادون يعدون إلى بلادهم متى خرجوا منها.
العصابات - ضعف الشعوب التي حكمت بلاد اليونان واسبارطة وأثينة وثيبة ولم يبق في القرن الثالث من أهل الشدة والبأس غير سكان غرب البلاد فالايتوليون يسكنون الجبال في شمالي خليج كورنت والآسيون النازلون في شاطىء المورة في جنوبي هذا الخليج وقد نظموا أحوالهم عصابات لامدنا فاحتفظت كل مدينة بحكومتها وكان لها كلها مجلس للعصابة
стр. 1398
يقرر فيه الحرب والعهود ويفرض الجند الذي تقدمه وينتخب القائد الذي يقضى عليه أن يقود جيش العصابة.
فإنقسمت المدن اليونانية بين هاتين العصابتين المتعاديتين. من العادة أن تعضد العصابة الايتولية الحرب الديمقراطية والعصابة الآشية الحزب الاليكارشي. وقد رأس العصابة الآشية ضأبطأن شهيران إحداهما ارتوس في القرن الثالث وهو الذي طاف بلاد اليونان سبعاوعشرين سنة (٢٥١ - ٢٢٤) طاردا الظالمين من جيع المدن أخذا بيد الأغنياء معيدا إليهم أموالهم ومقلدهم حكم للبلاد والقائد الثاني فيلوميان قام في القرن الثاني وقاتل الظالمين في اسبارطة فقتله السينيون.
احلاف الرومانيين - لم يكن احد من تينك العصابتين من القوة بحيث يجمع جميع المدن اليونانية وعندئذ ظهر الرومأن فحاربهم من ملوك اليونأن فيليب ملك مكدونية (١٩٢) ثم ملك سورية انطيوخس (١٩٣ - ١٦٩) فنكست اعلامهم كليهما ودمرت رومية جيوشهما واستولت على اساطيلها وقاتلت (برسي) ملك مكدونية الجديد وأسرته وخربت مملكته (١٦٧).
ولم يحاول اليونان قط أن يجتمعوا للدفاع عن انفسهم وظل فقراؤهم واغنياؤهم يقتتلون وكل حزب يمقت الحزب المعادي له أكثر من بغضه الغريب وتحالف الحزب الديمقراطي مع ملك مكدونية ودعا الحزب الأوليكارشي للرمانيين. وبينما الثيبيون من الديمقراطيين يقاتلون في جيش فيليب كان مواطنهم من الأوليكارشيين يفتحون أبواب المدينة للقائد الروماني وقد حكم بالإعدام في رودس على كل من قاموا او تكلموا بما يخالف رضى رومية وكتب كاليكرات احد اشياع الرومانيين من الآشيين قائمة بالف وطني اتهمهم بانهم كانوا يميلون للبرس فارسلوا إلى رومية وأمسكوا فيها عشرين سنة بدون أن يحاكموا.
الفتح - لم يظهر الرومانيون أولا في مظهر الأعداء وقد ذهب القنصل فلامانيوس سنة١٩٧ بعد أن غلب ملك مكدونية إلى برزخ كورنت واعلن أمام اليونأن المجتمعين للالعاب البرزخية بان جميع الشعوب اليونانية حرة فطرب الجمهور لقوله واقتربوا منه ليشكروه يريدون أن يسلموا عليه وهو محررهم وأن يروا صورته ويلمسوا يده ويلقوا عليه اكاليل النصر وباقات الزهور فازدحم الناس عليه حتى كاد يختنق. ولم يلبث الرومانيون
стр. 1399
أن أصبحوا سادة فحدثتهم انفسهم بان يقودوا البلاد فاطاعهم الأغنياء عن رضى لان رومية كانت لهم واسطة للخلاص من حزب الفقراء ودامت هذه الحال أربعين سنة. ولما شغلت رومية بقرطجنة سنة ١٤٧ للحزب الديمقراطي حياته في بلاد اليونان فاعلن الحرب على الرمانيين فذعر لذلك فريق من اليونانيين وتقدم كثيرون إلى الجند الروماني ووشوا إليهم بمواطنهم بل وشوا بانفسهم وبعضهم فروا إلى اقاصي المدن وآخرون القوا بانفسهم في الآبار أو الهوات وصادر زعماء المقاومين أموال الأغنياء والغوا الديون واعطوا سلاحا للعبيد وكان الجهاد شديدا واذ غلب الآشيون للمرة الأولى عادوا فحشدوا جيشاوساروا إلى القتال مستصحبين نساءهم وأولادهم وحبس القائد دبوس نفسه وجميع عياله في بيته والقى فيه النار. وكانت كورنت مركز المقاومة فدخلها الرومانيون وذبحوا الرجال وباعوا النساء والأولاد (١٤٦) ونهبت المدينة وحرقت وكانت مملوءة بالنفائس وكنت ترى صور كبار المصورين مطروحة في الغبار والجند الروماني مستلقيا فوقها يلعب بالنرد.
стр. 1400
صحف منسية
وصف الهرمين
قال القاضي الفاضل: الهرمان قداقد الأرض (؟) وكل شيء يخشى عليه من الدهر الا الهرمأن فإنه يخشى على الدهر منهما (وللمتنبي)
اين الذي الهرمان من بنيانه ... من قومه مايومه مايومه ما المصرع
تتخلف الأثار عن أصحابها ... حينا ويدكها الفناء فتتبع
وقال أبو الصلت أمية بن عبد العزيز
بعيشك هل ابصرت أحسن منظرا ... على مارأت عيناك من هرمي مصر
انافا عنانا للسماء وأشرفا ... على نحو إشراف السماك أو النسر
وقد وافيا نشزا من الأرض عاليا ... كانهما نهدان قاما على صدر
وقال الفقيه عمارة اليمني
خليلي ماتحت السماء بنية ... تماثل في اتقانها هرمي مصر
بناء يخاف الدهر منه وكل ما ... على ظاهر الدنيا يخاف الدهر
تنزه طرفي في بديع بنائها ... ولم يتنزه في المراد بها فكري
وقال اخر
انظر إلى الهرمين اذ برزا ... للعين في علو وفي صعد
وكانما الأرض العريضة اذ ... ظمئت لفرط الجزر والمد
حسرت عن الثديين بارزة ... تدعوالاله لفرقة الولد
فأجابها بالنيل يشبعها ... ريا ويشفيها من الكمد
وقال ظافر الحداد
تأمل هيئة الهرمين وانظر ... وبينهما أبو الهول العجيب
كعمار يبتن على رحيل ... بمحبوبين بينهما رقيب
ودونهما المقطم وهو يحكي ... ركاب الركب ابلغها الركوب
وظاهر سجن يوسف مثل صب ... تخلف وهو محزون كئيب
وقال ابن الساعاتي
стр. 1401
ومن العجائب والعجائب جمة ... دقت عن الإكثار والاسهاب
هرمان قد هرم الزمان وأدبرت ... أيامه ويزيد حسن شباب
لله أي بنية ازلية ... تبغي السماء بأطول الأسباب
وكانما وقفت وقوف تبلد ... اسفاعلى الأيام والاحقاب
كتمت عن الاسماع فضل جهادها ... وغدت تشير إليه بالالباب
وقال سيف الدين بن جبارة
لله أي غريبة وعجيبة ... في صنعة الاهرام للالباب
اخفت عن الاسماع قصة أهلها ... ونضت عن الابداع كل نقاب
فكانما هي كالخيام مقامة ... من غيرما عمد ولا اطناب
وقال بعضهم واجاد
تبين أن صدر الأرض مصر ... ونهداها من الهرمين شاهد
فوعجبا وقد ولدت كثيراً ... على هرم وذاك النهدناهد
ولما عدى القاضي شهاب الدين بن فضل الله إلى الاهرام كتب الأمير الجأولي الدوادار وذلك في سنة تسع وعشرين وسبعمائة قال
لي البشارة أن امسيت جاركم ... في ارض مصر باني غير مهتضم
حفظتموا لي شبأبي في ظلالكم ... مع انكم قد وصلتم بي إلى الهرم
стр. 1402
مطبوعات ومحفوظات
بهجة الصيانة في عجائب مصر والكنانة
هذا الكتاب من جملة مخطوطات خزانة الكلية الأمركية في بيروت لمؤلفه احمد محمد القزوبني أوله: الحمد الله الذي خلق الإنسان من صلصال من حماء مسنون وفضا بعضهم على بعض فهم بذلك يتفاوتون. (فجعل منهم الخادم والمخدوم والحاكم والمحكوم وخص بالنبوة والخلافة بعض أولاده وخص بالسلطنة والعبودية منهم على مراده)
ذكر فيه المؤلف المواضع التي وقع بها ذكر مصر في القرآن والاحاديث المنقولة فيها ثم ذكر جغرافيتها وبلادها وأول من نزل فيها ومن ملكها ودخلها من الأنبياء والعلماء وذكر عجائبها وأثارها ومن دخلها من الصحابة والتابعين وحكمها من الملوك والسلاطين إلى زمن الملك الأشرف قابتباي في النصف الأخير من القرن التاسع. والكتاب كله موجز العبارة تسهل قراءته كتب سنة ١٠٨٥ هـ ولايخلو من خرفات وموضوعات كما أنه لايخلو من حقائق حربة النشر. وقد رأينا علماء المشرقيات ينشرون الكتاب من اجل مسألة او بعض مسائل فمن لنا من أرباب مطابعنا من يطبع لنا كتابا من مثل هذا له علاقة كبرى بتاريخ بلادنا وقد نقلنا عنه ماجاء فيه في وصف الهرمين في باب الصحف المنسية.
المستصفى
يكفي في شرف علم أصول الفقه ماقاله الغزالي مؤلف هذا الكتاب من أن (أشرف العلوم ماازدوج فيه العقل والسمع واصطحب فيه الرأي والشرع وعلم الفقه وأصوله من هذا القبيل فإنه يأخذ من صفو الشرع والعقل سواء السبيل فلا هو تصرف بمحض العقول بحيث لايتلقاه الشرع بالقبول ولاهو مبني على محض التقليد الذي لايشهد له العقل بالتأييد والتسيد) وقد ذكر لنا احد كبارالعلماء أن أهم الكتب التي ألفت في هذا الفن على طريقة المتكلمين أربعة كتب كتاب البرهأن لأمام الحرمين والمستفي للغزالي وهما من أهل السنة وكتاب العمد للقاضي عبد الجبار وشرحه المعتمد لأبي الحسين البصري وهما من المعتزلة وما بقي فهو متفرع عن الأربعة وهي قواعد هذا اافن واركانه. وقد أصبحت أكثر هذه الأربعة كالمفقود أن لم تكن مفقودة وتدارك احد اركانها وهو الركن الأهم فيما يبدو لنا كتاب المسصتفى لحجة الإسلام الغزالي الذي هو من آخر مؤلفاته واجودها وكلها جيد السيخ فرج
стр. 1403
الله زكي الكردي وطبع معه كتابا آخر يسمى فواتح الرحموت في شرح مسلم الثبوت للشيخ محب الله بن عبد الشكور. وكان بودنا لو طبع مع هذا الكتاب كتابا يناسبه مثل المنخول للأمام المشار إليه او لو طبعه مجردا على عادة أرباب المطابع الراقية. وقد طبع في المطبعة الأميرية طبعا جيدا مما يوجب الشكر للطابع وحبذا لو اتبعه بامثاله من أمهات الكتب النافعة في الفنون المختلفة خصوصا مايخشى فقده منها والكتاب في مجلدين وقعا في نحو ثمانمائة صفحة من قطع الربع وثمنه٤٥ قرشا أميريا من الورق الجيد و٣٥ قرشا من الورق العادي.
الفوائد السمية
في شرح النظم السمى بالفرائد السنية في فروع الفقه على مذهب الأمام أبي حنيفة الشيخ محمد الكواكبي المتوفي سنة ١٠٩٦ويليه منظومة الفرائض للشيخ عبد الله الحنبلي وبهامشة إرشاد الطالب إلى منظومة الكواكب في علم الأصول للكواكبي ايضا طبع الجزء الأول منه بالمطبعة الأميرية الشيخ فرج الله زكي وهذا الجزء في ٣٧٦ صفحة ويطلب من طابعه ب٣٥ قرشا من جيد الورق من عاديه وسينجز الجزء الثاني قريبا.
تقريب المرام
تهذيب الكلام كتاب مشهور لسعد الدين التفتازاني وهو من اخصر مألف في هذا الفن واجمعه ولما كان يحتاج إلى شرح يبن مقاصده ويشيد قواعده تصدى لذلك الشيخ عبد القادر السنندجي من علماء الاكراد وطبعه الشيخ فرج الله زكي ويطلب منه وثمنه ١٢ قرشا.
رسائل وكتب منوعة
كتاب العقد الثمين في بيان مسائل الدين تأليف الشيخ علي السويدي من أهل القرن الثالث عشر للهجرة طبع طبعا متقنا بمطبعة مصطفى أفندي وعيسى أفندي وبكري أفندي البأبي الحلبي وهو في ٢٢٣ صفحة ويباع في مكتبهم بستة قروش ونصف مجلد ا. ويطلب منها ايضا كتاب كشف الظلمة لحسين أفندي قلي الداغستاني وهو بثلاثة قروش. والرحلة الشنقيطية لفقيد الرواية واللغة الشيخ محمد محمود الشنقيطي تباع بمكتبتهم بثلاثة قروش.
واهدينا الكتاب المفيد الكافي للتعليم الجغرافي تأليف محمود أفندي عابدين في مائة صفحة صغيرة.
стр. 1404
ورسالة في التنويم المغناطيسي لمحمد أفندي مختار البأجوري وثمنها قرشان. ومنظومة في الإنسان والسلم والحرب لناظمها الشيخ سليمان ظاهر.
ونبذة من شعر الشيخ عبد السلام الشطي نشرها حفيده جميل أفندي.
والتقرير الرابع عن أعمال مشيخة علماء الأسكندرية سنة ١٣٢٤ وفيه أن عدد الطلاب إلى نهاية العام الماضي ٥٧٦ والذين استمروا على الدراسة منهم ٣٢٤ وتقدم للمشيخة هذا العام ٤٨٥ استمر منهم على الطلب ٢٩٣ وفي التقرير فوائد كثيرة تدل على سلوك هذا المعهد العلمي سبيل النجاح.
стр. 1405
سير العلم
العلم في مصر
مما يسجل بالحمد ويدعو إلى توسيع الأمال في مستقبل مصران نظارة معارفها وفرت العناية هذه السنة بالتعليم باللغة العربية في المدارس الأميرية وارسلت ثمانية عشر تلميذا من نبهاء المصريين إلى بعض مدارس إنكلترا يتعلمون فيها كما كأنت العادة جارية منذ زمن محمد علي إلى عهد قريب بإرسال طائفة من التلاميذ الأذكياء إلى مدارس الغرب ليعودوا منها فينفعوا بلادهم بفضل علمهم وقد انشأت المعارف بقوة أرادة ناظرها تتوسع بالتعليم المجاني وانشأت مدرسة القضاء الشرعي وشرع في التدريس فيها منذ أول السنة المدرسية والرجاء أن يأتي من هذه المدرسة من المنافع مثل ماأتى من مدرسة دار العلوم ومدرسة الألسن. ومما يدعو إلى الرجاء في اعتماد الأهلين على أنفسهم لتعليم أولادهم أنه زادت العناية بإنشاء الكتاتيب الأهلية في ارجاء القطر ولاسيما في مديرية الدقهلية حيث بلغ عددها ازهاء ثلثمائة كتاب صرف على بنائها نحو مائة وخمسين الف جنيه ووقف عليها من الاطيان والعقارت مايبلغ إيراده السنوي ثلاثة آلاف جنيه والقطر في أشد الحاجة إلى الاستكثار من امثال هذه الكتاتيب المنظمة المتقنة ولو كأنت البلاد مستعدة لإنشاء مدرسة جامعة لرأينا الأمة تقوم قومة رجل واحد للبذل في السبيل ويقال أن عدم مد الايدي بالاعانة لإنشاء مدرسة جامعة ناتج من الضائقة الماليةالتي اهتزت لها اعصاب القطر هذه السنة ولم تتجاوز الاعانة التي جمعت حتى الأن السبعة والعشرين الف جنيه ماعدا المئة فدان التي وقفها عليها احد أغنياء الغربية.
ومما ييذكر في باب ارتقاء مصر الاجتماعي قيام عدة أحزاب سياسية فيها من أهلها. وفي ذلك دليل بأن القوم بدأوا يعرفون الاجتماع وأن قوى الفرد ضائعة إذا لم تكن مجموعة كما أنشأ المتخرجون من دار العلوم ناديا في القاهرة واختاروا أناسا ومن غيرهم من الافاضل ليتولوا من الأعمال مايرقي اللغة العربية فيكون مجمعهم هذا نسخة مصغرة من المجامع العلمية في أوروبا فالرجاء أن تكون الفائدة من اجتماعهم لمجموع الأمة أكثر من نادي المدارس العليا الذي أسس في القاهرة منذ ثلاث سنين ولم بأت بفائدة عامة حتى الان. ومن هذا القبيل مجيء اسماعيل بك غصبرنسكي صاحب جريدة ترجمأن التركية في باغجة
следующие страницы →