← Джавами‘

Джавами‘ · id 26523

مجلة المقتبس

محمد كرد علي

Полный текст (6 802 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

ومن العجائب والعجائب جمة ... دقت عن الإكثار والاسهاب هرمان قد هرم الزمان وأدبرت ... أيامه ويزيد حسن شباب لله أي بنية ازلية ... تبغي السماء بأطول الأسباب وكانما وقفت وقوف تبلد ... اسفاعلى الأيام والاحقاب كتمت عن الاسماع فضل جهادها ... وغدت تشير إليه بالالباب وقال سيف الدين بن جبارة لله أي غريبة وعجيبة ... في صنعة الاهرام للالباب اخفت عن الاسماع قصة أهلها ... ونضت عن الابداع كل نقاب فكانما هي كالخيام مقامة ... من غيرما عمد ولا اطناب وقال بعضهم واجاد تبين أن صدر الأرض مصر ... ونهداها من الهرمين شاهد فوعجبا وقد ولدت كثيراً ... على هرم وذاك النهدناهد ولما عدى القاضي شهاب الدين بن فضل الله إلى الاهرام كتب الأمير الجأولي الدوادار وذلك في سنة تسع وعشرين وسبعمائة قال لي البشارة أن امسيت جاركم ... في ارض مصر باني غير مهتضم حفظتموا لي شبأبي في ظلالكم ... مع انكم قد وصلتم بي إلى الهرم

стр. 1402

مطبوعات ومحفوظات بهجة الصيانة في عجائب مصر والكنانة هذا الكتاب من جملة مخطوطات خزانة الكلية الأمركية في بيروت لمؤلفه احمد محمد القزوبني أوله: الحمد الله الذي خلق الإنسان من صلصال من حماء مسنون وفضا بعضهم على بعض فهم بذلك يتفاوتون. (فجعل منهم الخادم والمخدوم والحاكم والمحكوم وخص بالنبوة والخلافة بعض أولاده وخص بالسلطنة والعبودية منهم على مراده) ذكر فيه المؤلف المواضع التي وقع بها ذكر مصر في القرآن والاحاديث المنقولة فيها ثم ذكر جغرافيتها وبلادها وأول من نزل فيها ومن ملكها ودخلها من الأنبياء والعلماء وذكر عجائبها وأثارها ومن دخلها من الصحابة والتابعين وحكمها من الملوك والسلاطين إلى زمن الملك الأشرف قابتباي في النصف الأخير من القرن التاسع. والكتاب كله موجز العبارة تسهل قراءته كتب سنة ١٠٨٥ هـ ولايخلو من خرفات وموضوعات كما أنه لايخلو من حقائق حربة النشر. وقد رأينا علماء المشرقيات ينشرون الكتاب من اجل مسألة او بعض مسائل فمن لنا من أرباب مطابعنا من يطبع لنا كتابا من مثل هذا له علاقة كبرى بتاريخ بلادنا وقد نقلنا عنه ماجاء فيه في وصف الهرمين في باب الصحف المنسية. المستصفى يكفي في شرف علم أصول الفقه ماقاله الغزالي مؤلف هذا الكتاب من أن (أشرف العلوم ماازدوج فيه العقل والسمع واصطحب فيه الرأي والشرع وعلم الفقه وأصوله من هذا القبيل فإنه يأخذ من صفو الشرع والعقل سواء السبيل فلا هو تصرف بمحض العقول بحيث لايتلقاه الشرع بالقبول ولاهو مبني على محض التقليد الذي لايشهد له العقل بالتأييد والتسيد) وقد ذكر لنا احد كبارالعلماء أن أهم الكتب التي ألفت في هذا الفن على طريقة المتكلمين أربعة كتب كتاب البرهأن لأمام الحرمين والمستفي للغزالي وهما من أهل السنة وكتاب العمد للقاضي عبد الجبار وشرحه المعتمد لأبي الحسين البصري وهما من المعتزلة وما بقي فهو متفرع عن الأربعة وهي قواعد هذا اافن واركانه. وقد أصبحت أكثر هذه الأربعة كالمفقود أن لم تكن مفقودة وتدارك احد اركانها وهو الركن الأهم فيما يبدو لنا كتاب المسصتفى لحجة الإسلام الغزالي الذي هو من آخر مؤلفاته واجودها وكلها جيد السيخ فرج

стр. 1403

الله زكي الكردي وطبع معه كتابا آخر يسمى فواتح الرحموت في شرح مسلم الثبوت للشيخ محب الله بن عبد الشكور. وكان بودنا لو طبع مع هذا الكتاب كتابا يناسبه مثل المنخول للأمام المشار إليه او لو طبعه مجردا على عادة أرباب المطابع الراقية. وقد طبع في المطبعة الأميرية طبعا جيدا مما يوجب الشكر للطابع وحبذا لو اتبعه بامثاله من أمهات الكتب النافعة في الفنون المختلفة خصوصا مايخشى فقده منها والكتاب في مجلدين وقعا في نحو ثمانمائة صفحة من قطع الربع وثمنه٤٥ قرشا أميريا من الورق الجيد و٣٥ قرشا من الورق العادي. الفوائد السمية في شرح النظم السمى بالفرائد السنية في فروع الفقه على مذهب الأمام أبي حنيفة الشيخ محمد الكواكبي المتوفي سنة ١٠٩٦ويليه منظومة الفرائض للشيخ عبد الله الحنبلي وبهامشة إرشاد الطالب إلى منظومة الكواكب في علم الأصول للكواكبي ايضا طبع الجزء الأول منه بالمطبعة الأميرية الشيخ فرج الله زكي وهذا الجزء في ٣٧٦ صفحة ويطلب من طابعه ب٣٥ قرشا من جيد الورق من عاديه وسينجز الجزء الثاني قريبا. تقريب المرام تهذيب الكلام كتاب مشهور لسعد الدين التفتازاني وهو من اخصر مألف في هذا الفن واجمعه ولما كان يحتاج إلى شرح يبن مقاصده ويشيد قواعده تصدى لذلك الشيخ عبد القادر السنندجي من علماء الاكراد وطبعه الشيخ فرج الله زكي ويطلب منه وثمنه ١٢ قرشا. رسائل وكتب منوعة كتاب العقد الثمين في بيان مسائل الدين تأليف الشيخ علي السويدي من أهل القرن الثالث عشر للهجرة طبع طبعا متقنا بمطبعة مصطفى أفندي وعيسى أفندي وبكري أفندي البأبي الحلبي وهو في ٢٢٣ صفحة ويباع في مكتبهم بستة قروش ونصف مجلد ا. ويطلب منها ايضا كتاب كشف الظلمة لحسين أفندي قلي الداغستاني وهو بثلاثة قروش. والرحلة الشنقيطية لفقيد الرواية واللغة الشيخ محمد محمود الشنقيطي تباع بمكتبتهم بثلاثة قروش. واهدينا الكتاب المفيد الكافي للتعليم الجغرافي تأليف محمود أفندي عابدين في مائة صفحة صغيرة.

стр. 1404

ورسالة في التنويم المغناطيسي لمحمد أفندي مختار البأجوري وثمنها قرشان. ومنظومة في الإنسان والسلم والحرب لناظمها الشيخ سليمان ظاهر. ونبذة من شعر الشيخ عبد السلام الشطي نشرها حفيده جميل أفندي. والتقرير الرابع عن أعمال مشيخة علماء الأسكندرية سنة ١٣٢٤ وفيه أن عدد الطلاب إلى نهاية العام الماضي ٥٧٦ والذين استمروا على الدراسة منهم ٣٢٤ وتقدم للمشيخة هذا العام ٤٨٥ استمر منهم على الطلب ٢٩٣ وفي التقرير فوائد كثيرة تدل على سلوك هذا المعهد العلمي سبيل النجاح.

стр. 1405

سير العلم العلم في مصر مما يسجل بالحمد ويدعو إلى توسيع الأمال في مستقبل مصران نظارة معارفها وفرت العناية هذه السنة بالتعليم باللغة العربية في المدارس الأميرية وارسلت ثمانية عشر تلميذا من نبهاء المصريين إلى بعض مدارس إنكلترا يتعلمون فيها كما كأنت العادة جارية منذ زمن محمد علي إلى عهد قريب بإرسال طائفة من التلاميذ الأذكياء إلى مدارس الغرب ليعودوا منها فينفعوا بلادهم بفضل علمهم وقد انشأت المعارف بقوة أرادة ناظرها تتوسع بالتعليم المجاني وانشأت مدرسة القضاء الشرعي وشرع في التدريس فيها منذ أول السنة المدرسية والرجاء أن يأتي من هذه المدرسة من المنافع مثل ماأتى من مدرسة دار العلوم ومدرسة الألسن. ومما يدعو إلى الرجاء في اعتماد الأهلين على أنفسهم لتعليم أولادهم أنه زادت العناية بإنشاء الكتاتيب الأهلية في ارجاء القطر ولاسيما في مديرية الدقهلية حيث بلغ عددها ازهاء ثلثمائة كتاب صرف على بنائها نحو مائة وخمسين الف جنيه ووقف عليها من الاطيان والعقارت مايبلغ إيراده السنوي ثلاثة آلاف جنيه والقطر في أشد الحاجة إلى الاستكثار من امثال هذه الكتاتيب المنظمة المتقنة ولو كأنت البلاد مستعدة لإنشاء مدرسة جامعة لرأينا الأمة تقوم قومة رجل واحد للبذل في السبيل ويقال أن عدم مد الايدي بالاعانة لإنشاء مدرسة جامعة ناتج من الضائقة الماليةالتي اهتزت لها اعصاب القطر هذه السنة ولم تتجاوز الاعانة التي جمعت حتى الأن السبعة والعشرين الف جنيه ماعدا المئة فدان التي وقفها عليها احد أغنياء الغربية. ومما ييذكر في باب ارتقاء مصر الاجتماعي قيام عدة أحزاب سياسية فيها من أهلها. وفي ذلك دليل بأن القوم بدأوا يعرفون الاجتماع وأن قوى الفرد ضائعة إذا لم تكن مجموعة كما أنشأ المتخرجون من دار العلوم ناديا في القاهرة واختاروا أناسا ومن غيرهم من الافاضل ليتولوا من الأعمال مايرقي اللغة العربية فيكون مجمعهم هذا نسخة مصغرة من المجامع العلمية في أوروبا فالرجاء أن تكون الفائدة من اجتماعهم لمجموع الأمة أكثر من نادي المدارس العليا الذي أسس في القاهرة منذ ثلاث سنين ولم بأت بفائدة عامة حتى الان. ومن هذا القبيل مجيء اسماعيل بك غصبرنسكي صاحب جريدة ترجمأن التركية في باغجة

стр. 1406

سراي من بلاد القريم ومن رجال النهضة التترية إلى القاهرة وخطبته في نزل كنتننتال أمام مئات من العلماء والكتاب والاعيان يدعو مسلمين في مشارق الأرض ومغاربها إلى عقدمؤتمر إسلامي عام ينظر فيما طرأ على المسلمين من الأمراض الاجتماعية فجعلهم في مؤخرة الأمم على استعداد فيهم ومالهم من التاريخ المجيد. ومما يعد خسارة على الآداب العربية هذه السنة وفاة حسن باشا عاصم والمطران يوسف الدبس ورشيد أفندي الشرتوني والسيد محمد ابن الخوجة والشيخ طه محمود خليل أفندي الخوري ونجيب أفندي حبيقة وكانوا اخلف الله علينا من يقوم مقامهم أعضاء نافعة في جسم المجتمع خدموه جهد طاقتهم بعقولهم. أما البلاد العربية الأخرى فلم يحدث فيها هذه السنة ماهو جدير بالدوين هنا. العلم في ألمانيا ساعد على ارتقاء ألمانيا في أواخر القرن التاسع عشر أن التعليم العام فيها انتشر انتشارا لايكاد يتصوره العقل فبعد أن كان فيها سنة ١٨٨٢ - ٢٠٤٤٠ مدرسة ابتدائية تحتوي على ١٤٢٧٠٤٥تلميذا أصبح فيها سنة ١٩٠١في المدن ٤٤١٣مدرسة فيها ٣٥٧٣٣فرقةوفي القرى٣٢٣٣٢مدرسة فيها ٦٨٣٤٩ فرقة وفي مجموعها كلهازهاء٥٦٨٠٠٠٠تلميذا وهكذا الحال في التعليم الثانوي فقد كان فيها سنة١٨٣٥ - ١٣٦مدرسة عالية فغدا فيها سنة ١٩٠٥ - ٣٦٣ مدرسة يضاف إليها ٣٣٥ مدرسة يسمونها المدارس الحقيقية المجردة وزاد عدد طلاب الكليات فكان فيها سنة١٨٣٠ - ١٥٨٧٠طالبا فصار عددهم سنة ١٩٠٥ - ٣٧٦٧٧وبعد أن كانت نظارة المعارف والأديأن في بروسيا تنفق في سنة ١٨٥٠عشرة ملايين مارك أصبحت تنفق سنة ١٩٠٥ - ١٨٥ مليون مارك ماعدا مانشيء فيها من المدارس العالية الفنية والزراعية والتجارية ومدارس الكبار وكليات الشعب وقاعات الخطب والمحاورات المجانية والمكاتب المجانية والمتاحف وغيرها فإن ألمانيا أكثر البلاد اصداراللكتب وتجارتها عندهم رائجة إلى التي لابعدها فلم يكن في أوائل القرن الماضي عدد المصنفات الجديدة التي تصدر في ألمانيا سوى ٣٩٠٠ - ٢٤٧٩٢وسنة١٩٠٤ - ٢٨٨٨٦ على حين لم يصدر سوى ١٢١٣٩ مصنفا وإذا فرضنا أنه يطبع من كل كتاب في ألمانيا الف نسخة فيصيب كل اثنين من سكانها مجلد واحد هذا على أقل تعديل وكان في ألمانيا سنة ١٩٠٥ - ٧١٥٢ محلا لتصريف الكتب اصدرت إلى البلاد الخارجية كتبا

стр. 1407

بمائتين وتسعين مليون مارك والكتب والصحف والمجلات في ألمانيا كثيرة جدا ففي أواخر الربع الأول من القرن التاسع عشر كان في ألمانيا ٨٤٥ جريدة فارتفعت سنة ١٨٦٩إلى ٢١٢٧ جريدة وفي سنة ١٨٩١ صارت ٧٠٨٢ جريدة يزيد ماتطبعه شهرا عن شهر وبعد أن كان الاشخاص الذين يعيشون من التمثيل والموسيقى والمعارض الصناعية سنة ١٨٨٢ - ٤٦٥٠٨ اشخاص أصبح سنة ١٨٩٩ - ٦٥٥٦٥ استحالة الطماطم بلغ من تفنن بوربانك مؤلف كتاب الفواكه أن اخرج من الطماطم (البندورة) عنبا واجاصا وكمثرى وتفاحا ودراقا وغيرها من الفواكه مما إذا رأيته ظننته أصليا. وكان من اجود اختراعته في ذلك الطماطم بالعنب والطماطم بالكمثرى ومنها الأصفروالأحمر ويستخدم الأصفر في المربيات لجودة رائحته وكأنت الطماطم بهذه الأنواع من الفاكهة تخرج كل نبتة منه من مئة إلى مائتين وخمسين وتعطي أرباحا عظيمة وهي تنبت من شهر يوليو إلى اكتوبر بعد أن تزرع من ابريل إلى مايو. الاستصباح الصناعي نشر احد مهندسي الأمريكان بحثا في هذا المعنى قال فيه أن الاستصباح بالاضواء الصناعية المتعارفة يجب أن يكون إلى الانوار الطبيعية اقرب وأن يجمع بين الفائدة والجمال وأن الطريقة المتبعة الأن في تنوير المساكن والمحال العامة في الليل سواء كان بالاضواء الكهربائية أو الغازية أو الزيتية أو غيرها ليست من الاضواء الطبيعية في شئ وينبغي أن يستعمل من مواد الإنارة مايقربها من الطبيعي لئلا تتضرر العيون ورأى أن الاجدر بالنور الصناعي أن يكون مستورا او معتدلا وبذلك يجب التخلي عن المصابيح الشائعة بالاستعمال الآن وإن اضواء المسكن يجب أن تكون متناسبة مع أثاثه وفرشه كما تكون متوأفقة مع عدد الاشخاص الساكنين فيه وهو يحاول ابدال الطريقة المستعملة في الإنارة بغيرها. طول العمر نصح أحد الأطباء لمن أراد أن يطول عمره مئة سنة أن يقوي حواس جسمه وانسجته برياضات يومية في الهواء الطلق وذلك باستعمال الالعاب الجسدية أو التنفسية وأن يعتدل

стр. 1408

في اكله وشربه ولذائذ الطبيعة وأن يهوي المساكن ويقيم ماامكن في العراء وأن يقاوم الأمراض والاستعداد لما ورثه من آبائه وأن يباكر النوم ويباكر اليقظة ولاينام أقل من ست ساعات ولاأكثر من ثماني وأن يعزز القوى العقلية بعمل منظم وأن يحتفظ بأسباب الصلاح والسرور وسكون الروح والأمل في الحياة وأن ينبه في نفسه الشعور بالواجب كل وقت من أوقات الحياة ويقوي العزيمة في مجاهدة المصائب وينشطها على فعل الخير واتقاء الصبر. قال أحد الظرفاء وعندي شرط عاشر لطول الحياء وهو أن لايشتغل المرء بالسياسة فإن الاشتغال بها يقصر الاعمار. دواء الكلب اخترع احد أطباء نيويورك دواء جديد للكلب. وقد زاد عدد المصأبين بهذا الداء الذي ينسب انتشاره لرداءة الأسباب الصحية التي تعيش فيها الكلاب في العادة فيحبس بعضها في الدور ويغذى باخبث المآكل. ولاحظ بعضهم أن الكلاب تعيش ستين ايسلاند وهي جزيرة واقعة بين لون ايسلاند وجون راريتأن في المحيط الاتلانتيكي اهنأ عيشة ويعنى بأمرها من وراء الغابة ومع هذا فهي تصاب بالكلب. ورد بعضهم على هذه الحجة قائلا أن الكلب ينتقل إلى تلك الكلاب المرفهة بالعدوى. ويقول الأميركيون أن الدواء الذي اخترعه باستور الفرتسوي لمعالجة الكلب يطول به الشفاء ولايهتدى لمعالجة المصاب لأول أصابته به أما الطبيب النيويوركي فإنه يفحص رأس الحيوأن لأقل شبهة تقع في النفس من ناحيته فحصا ميكوسكوبيا ليعرف بذلك فيما إذا كان فيه بعض الأجسام النيجرية نسبة للبكتريا ومتى وجدت هذه الأجسام في الكلب فهو مصاب بالكلب لامحالة وبذلك لايعتمد إلى استعمال الطريقة المتبعة الأن في كشف حال الكلب يحقن عين ارنب والانتظار خمسة عشر يوما لتحقيق إلأصابة بل أن المصاب يعرف في اليوم الذي يشتبه فيه. دواء للصمم منذ خمسة عشر سنة اكتشف دواء يعين بعض الشيء على الشفاء من الصمم سموه التيوزينامين ولم يثبت نفعه الافي هذه السنة بفضل محلول مائي منه اخترع حديثا ويؤكدون أن هذا الدواء يسكن بعض التسكين ولايفيد كل الفائدة. أعظم ضوء

стр. 1409

هو الذي ينبعث من الكرة المعلقة في أعلى برج من المحطة الجديدة في مدينة لاكاوانا في ولاية نيوجرسي من أعمال الولايات المتحدة فقد جعل داخل هذه الكرة التي يبلغ قطرها مترين ٤٩ مصباحا ذا اقواس يكون منها نور يعادل مليون ونصف مليون من الشموع وينير الضواحي والاقاصي. مكتبة العميان اغتنت مكتبة العميأن في نيويورك المؤسسة من اعانات المحسنين بقائمة جديدة من كتبهم مؤلفة من ثلاثة آلاف كتاب جعلت في جرار خاصة يكفي الأعمى أن يمر يده على احدها حتى يفهم موضوعه وهذه الكتب تساعد الاكمة كثيراً على التعلم وعدد العميأن في الولايات المتحدة نحو سبعين الفا. نبوغ الكاتبات قالت إحدى المجلات الفرنسوية من الصعوبة أبداً أن يبدأ المرء في عمل ويبرز فيه والبداءة بالأدب من جملة الأمور المتعذرة وقد كان شأن القصصية هانري كريفيل شأن غيرها من الكاتبات والكاتبين في ذلك فطافت لأول عهدها إدارات تحرير الجرائد والمجلات فلم تقبل لها شيئا من رواياتها فاضطرت أن تعيش في مسكنة وتسكن مسكنا حقيرا وقد قبلت (مجلة العالمين) وهي من أهم مجلات فرنسا ذات يوم من هذه الكاتبة أن تنشر لها إحدى قصصها بعد أن فحصتها وماهي الاعشية او ضحاها حتى اختلف إلى المؤلفة الطابعون في باريز يسألونها أن تخصهم بشيء من مؤلفاتها وإذ كانت هي على ثقة من نفسها ويقين من جودة منثورها خطر لها أن تشترط على أولئك الطابعين بان تتقاضى منهم ضعف ما اتفقت معهم عليه عند ما يتجاوز المطبوع من قصصها الطبعة العاشرة وكأن ذلك كما خطر لها إذ أنها لم تمت حتى رأت معظم ما كتبت وقد طبع أربعين مرة فاتاها بثروة عاشت فيها في خفض وسعة. الراحة الأسبوعية نشرت جريدة الاقتصاديين مقالة في فضل الراحة يوماً في الأسبوع وشيء من تاريخها وأوردت صورة المحضر الذي وقع عليه في لندن سنة ١٨٥١ بقلم ٦٤٠ طبيباً وما كتبته

стр. 1410

الفلاسفة في هذا الشأن مثل روسو علماء الاجتماع مثل ما كولي ولنكلن والاقتصاديون مثل برودون ورجال السياسة مثل بالمرستون وروبرت بيل وكلهم يثبتون ضرورة راحة يوم في الأسبوع ومنافعها الطبيعية والأخلاقية وحسناتها الاقتصادية والاجتماعية. نساء أميركيا بحثت إحدى المجلات الألمانية في حالة النساء في الولايات المتحدة فقالت أن عددهن فيها بالنسبة لعدد الرجال يقل نحو مليون نسمة أما التعليم فإن عدد المتعلمات منهن هو ضعفا عدد الرجال ولذلك يقوى الميل كل يوم في تلك البلاد في تقليل تربية البنات مع الصبيان وإنشاء مدارس للبنات خاصة. حب الوطن أسف أحد المفكرين المجلات الألمانية من أن محبة الوطن لا تلقن الناس إلا بتجميد أبطال الحروب فيعلم التلميذ الإعجاب بالغالب في ساحة الوغى وما المجد الحقيقي إلا لتلك الأجيال من الفلاحين والعملة ممن عملوا بسلام على إغناء بلادهم وراحة أفرادها ولاسيما أولئك العلماء ممن تجردت نفوسهم عن الأغراض فنفعوا بما أتوا من أعمالهم الجليلة أبناء البشر عامة ولا يحتفظ بحب الوطن الحقيقي إلا بإلقاء النظر على أعمال السواد الأعظم من الأمة. وقد قال الاشتراكي فولمار منذ أيام: أن محبة الإنسانية لا تمنعا مطلقاً من أن تكون من أحسن الألمان عراقة في الوطنية. استعارة الكتب نشرت مجلة التعليم الدولية مقالة ف نظام إعارة الكتب من مكاتب باريز وجميع أنحاء فرنسا وكلياتها وبلدتها سواء كان لأبناء البلاد أو لمن يطلبها من العلماء في الخارج لقاء رهن وشروط تشترط نظارة معارف فرنسا على المستعير وعلى دولته المتوسطة في الأمر فقالت أن الحكومة هناك بذلت ومازالت تبذل منذ ثلاثين سنة كل ما يساعد المؤلفين والعالمين على الانتفاع بالكتب أيا كانت جنسيتهم وبلادهم والقيود التي وضعتها سهلة ولم تستثن إلا بعض المخطوطات التي كتبت على الورق قبل اختراع الطباعة وقال أن في مكتبة الأمة بباريز من المخطوطات ١٠٨٥٠٠ وذلك عدا ما في الولايات المتحدة وخزائن الكليات والبلديات وأن الفرنسيس مقصرون في الاستعارة من مكاتب الأمم الأخرى مع أن

стр. 1411

مكاتب الأمم المتمدنة مفتحة أبوابها لهم ماخلا مكاتب إنكلترا واسبانيا فإن هاتين الحكومتين لم تريا من العقل أن تخرجا الكتب الثمينة وتعرضها لخطر الضياع والحوادث باعارتها. أما الأمم الغربية فتستفير من فرنسا أكثر مما يستعير علماء الفرنسيس من غيرهم وقد كان عدد الكتب التي أعارتها مكاتب باريز والولايات سنة ١٩٠٦ - ٤٨٨ وما اعارته فرنسا للخارج ١٢١ اما عدد ما استعارته من الخارج فهو ١١ كتاباً. الشعر والثورة ألف احد علماء الفرنسيس مجلداً ضخماً أثبت فيه بالبرهأن التاريخي تأثير الثورة الفرنسوية الأولى في عقول بعض الشعراء الإنكليز المعاصرين لها حتى صارت روحها تظهر على أسلات أقلامهم وتتجلى في إبداعهم ونظامهم ولاسيما ورتسورت وسوتني وكولريج وقال أن الاضطرابات والشعور الذي نالهم من ذاك الحادث قد ساعدهم على تجليد حياة الشعر الإنكليزي المعروف بالرومانتك أي الجديد الخالي من التقليد. وبين المؤلف تأثير الثورة الفلسفي أي الأفكار الأدبية والاجتماعية التي نتجت منها ورددها أولئك الشعراء وتغنوا بها بين قومهم. محصول السكر كان محصول السكر في العالم سنة ١٨٧٠ - ٢. ٦٠٠. طن فبلغ سنة ١٩٠٥ ١٠. ٠٨٦. طن. مسكرات العالم في إحصاء أخير إنه كان مجموع الوارد من المشروبات على أوروبا سنة ١٩٠٦ ٦٣٣٥٦٦ هيكتولتر منها ٤٧٦٤ على البلاد العثمانية في أوروبا و ٩٧٩ على بلادها في آسيا والهيكتولتر مئة ليتر. مدارس الأجانب بلغ عدد التلاميذ الذين يدرسون اللغة الفرنسوية في مدارس فرنسوية ٩٠ ألفا في البلاد العثمانية و١٦٧٥٣ في مصر. وإيطاليا وألمانيا تحأولان أن تتقدما على فرنسا في هذا الباب ولاسيما بعد فصل فرنسا الدين عن السياسة وإعلانها الحرب على الدين وأهله فقد

стр. 1412

بلغ ما خصصته إيطاليا سنة ١٩٠٤ لإنشاء مدارس لها في اسكوب واشقودرة والاستانه وسلانيك وازمير ١١١٢٠٠٠ لير واللير معاملة طليانية قدرها فرنك وبلغ ما خصصته ألمانيا ٦٥٠ ألف مارك للانفاق على مدارسها في فلسطين وغيرها والمارك فرنك وربع. الخطوط الحديدية بلغ ما مد إلى الآن من السكك الحديدية في السلطنة العثمانية ٦١٠٠ كيلو متر وبلغ طول السكك الحديدية في الديار المصرية٥٢٥٢ كيلو متراً. شاعر مضحك عثروا في إحدى القرى التي غابت عن الأنظار في ضفة النيل على أربع قطع للشاعر اليوناني الهزلي مياندر المتوفي قبل ٢٢٠٠ سنة وقد فرح أهل الأدب بهذا الاكتشاف لأنهم لم يروا مما خلفه مياندر حتى الأن الا محاورات طفيفة والمأثور عنه أنه ألف ثمانمائة رواية ويقول مؤرخو الأدب إن مياندر جاء العالم بقصائده المضحكة قبل ترأس الشاعر الهزلي وقبل شعراء اللاتين. التلغراف اللاسكي من أهم ما وفق إليه العلم في الأيام الأخيرة ربط أوروبا بأميركا بالتلغراف اللاسكي الذي اخترعه ماركوني الإيطالي وبه ينقل الكلام بأسرع مما كان ينقل بواسطة الأسلاك البحرية وبه يمكن إرسال رسالتين في آن واحد ومعنى مختلف وهذا الاختراع سيغير أحوال المخابرات بعض التغيير.

стр. 1413

العدد ٢٥ - بتاريخ: ١ - ٢ - ١٩٠٨

стр. 1414

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تعالى جدك اللهم خلقت الجماد والنبات والحيوان. وكرمت ابن آدم بنور العقل وفضل البيان، فاستخدم عناصر الأرض وجواهر السماء، وأدرك سر الفلك وسير الفلك ودقائق الماء والهواء، طوى البحار، بالبخار، والبيداء، بالكهرباء، وسوى الأوطاد، والأنجاد، فأصبحت بعد الجهاد، بعض الوهاد، وأحال اليابسة بحراً، والبحر براً، وصير من المجاهل الخالية، معالم نافعة، ومن القفار الخاوية، رياضاً ممرعة، فجمع بعلمه إلى المخلوق مصنوعاً، وغدا الوجود من مادتي الطبيعة والعقول مجموعاً. سبحانك أبدعت نظام الكون والفساد، وجعلت لكل شيء سبباً من المعاش والمعاد، فلم تفقر فقيراً إلا لحكمة، ولم تغن غنياً إلا بتيسيرك له أسباب النعمة، ولا أهلكت من الأمم إلا الظالمة لنفسها، ولا رفعت منها إلا الناظرة في يومها وأمسها، فمن قانونك أن يسعى كل حي لبقائه بالفطرة، وأن لا يكون النشوء لساعته بالطفرة، ومن استهان بالجزئيات لا يحرز الكليات، ومن لم يعمل الفكر السليم لا يعرف حقائق الكائنات، ناموس مطرد لا تغيره الأزمان، ولا يبليه الجديدان، فتقدست أسماؤك ما أعظم سلطانك في السماء والأرض، وما أبهر آثار هديك في الرفع والخفض. وبعد هذا المقتبس على رأس عامه الثالث يدعوا إلى ما أنشيء للأخذ به من مذاهب التعليم والتهذيب، والعلم والعمل مقدمة الإصلاح وبغيرهما كل سعي ضائع والسلم لا يصعد إليه من رأسه، والبناء لا يقوم على غير أسسه فلسان حاله ومقاله ربو البنين، تصلح لكم الحكام والحكومات وقوا الوجدانات، وحسنوا الملكات، تصح الآداب وتسلم الديانات. يتوفر على إحياء القديم القويم، واحتذاء مثال الجديد المفيد، ويقتبس من كل نافع كيف كان قائله، ويمثل بعض ما جدَّ للأنظار وإن تشعبت مسائله، يورد الحاضر ويذكر بالغابر زيادة في الاعتبار والاستبصار، وينشر ما انطوى مما فيه حياة اللغة وجدتها، واللغة مبدأ سيادة الأمة ومفتاح سعادتها، يخاطب الأفراد قبل المجموع، ويقدم تعليم الصغار على الكبار، يقين أن الضعيف لا يتغلب على القوي بغير سلاح، ولا يكتب النصر لمن لا يستحقه، والأجسام تتكون من الذرات، كما تقوم المجتمعات بقوى أفرادها، وبصرهم مما ينمي الثروة ويحفظ البيضة ويجود على الأخلاق. ولقد أرادنا بعض المفكرين على أن نتمحض في هذه المجلة لفرع خاص تعرف به،

стр. 1415

وموضع معين لا تتعداه، ليكون ذلك أجمع للفائدة. وأنفع في الأثر. وعذرنا إليهم بأن الإخصاء في علم واحد والبحث فيه من عامة أطرافه يستدعي مواد كثيرة وقراء يتلون ما يكتب بالقبول ليرجى معها حياة العمل طويلاً، ولو اقتصرنا على البحث في آداب اللغة مثلاً كما أشار بذلك بعض النبهاء لاقتضى لنا مادة واسعة يكاد يكون أكثرها مفقوداً وأن نستعين بخمسة على الأقل من المؤازرين المتمكنين في هذا الفن. ثم أين مجامعنا العلمية وخطب العلماء ومحاوراتهم في هذا الموضوع ليتسنى لنا نقلها أو تحصيلها كل مدة فإنا نرى مجلات الأخصائيين في الغرب ينشئها على صغر حجمها عشرات من المشتغلين المنقطعين وهناك الجمعيات والمجامع تعد منها ولا تعدها. هذا ما نقوله لمن نصحوا لنا بالتمحض لفرع من الفروع التي تخوض فيها المجلة الآن في جملة ما تخوض فيه بقدر ما تسمح به الحال. وأنا على يقين من أنه متى كثر سواد المنورين على الأساليب الصحيحة تصدر لهم بطبيعة الحال عشرات من أمثال تلك المجلات المنشودة باللسان العربي وإذ ذاك يعرف الناس أن للمطبوعات ثمناً لابد من قضائه في أوقاته ولا يقع لأربابها مثل ما وقع لنا في السن الغابرة من حذف أربعمائة اسم من سجل المشتركين وكان نصفهم طلبوا الاشتراك برسائل منهم فلما ذكروا بوفاء ما عليهم سكتوا اللهم إلا بضعة عشر واحداً منهم. على أن طلبات الاشتراك ما زالت ترد علينا من بلاد ما كنا نظن أهلها يقرأون العربية ويرغبون في المجلات مصحوبة بقيمتها على الطريقة الغربية يشترك بعضهم عن رغبة من تلقاء أنفسهم وبعضهم بإرشاد بعض الغيورين وعددهم لا يزال في نمو. ولا نكتم القراء أن مجموع ما ورد على الإدارة في الحولين الماضيين لم يوف حتى الآن ثمن ما صرف في الورق والطبع والبريد فقط. كل هذا ونحن نعد ما لقيناه ضرباً من ضروب الرقي في الأفكار ونرى المقتبس ينجح نجاحاً كبيراً يوم يقوم بنفقاته. إذ من العبث الاعتماد على العلميات الآن وما عداها مذهباً من مذاهب المعاش الطبيعي ما دام الشرق العربي متأخراً بمعارفه هذا التأخر المحسوس لاسيما وأن المتصدين للتأليف في الغرب قاسوا قبلنا من أممهم ما لم نقاس نحن بعضها وما زال حال من ينقطعون عندهم للأبحاث التي يقتضي فهمها شيئاً من العلم بالنسبة لمن

стр. 1416

يشتغلون بالموضوعات الساذجة الهزلية دون ما نوهم بكثير فلا فضل لنا إذاً فيما نفادي به. وهنا نتقدم إلى من يتناولون المجلة في هذا القطر وغيره من الأقطار أن يعودوا أنفسيهم إرسال اشتراكاتهم في أول السنة بدون مطالبة على نحو ما تجري عليه الأمم المتمدنة خصوصاً وكلهم الآن من أهل الرغبة المختارين. وقد زدنا من حجم المقتبس بحيث يقع مجلده آخر السنة في ثمانمائة صفحة جيدة الطبع والورق وكان في السنتين السالفتين ستمائة واثنتين وسبعين صفحة واستكثرنا من المواد التي نقتبس منها أو نعرب عنها من مجلات وموسوعات أفرنجية وأسفار ممتعة عربية مع إبقاء قيمة الاشتراك بحالها. والله نسأل أن يحقق آمالنا لنقوم ببعض الواجب وهو يهدي السبيل.

стр. 1417

الأدب الصغير لابن المقفع عني بنشره الأستاذ الشيخ طاهر الجزائري توطئة الناشر من أعظم ما تدعو الحاجة إليه علم تهذيب الأخلاق لتوقف نجاح الأمم عليه وهو فن ذو أفنان تحتاج إليه الأفراد على اختلاف طبقاتها. ومع قلة ما انتشر من كتبه ففي جلها من عدم التنقيح وانسجام العبارات ما يصد كثيراً من الطالبين عن الإقبال عليها. ومن ثم كثر بحثنا عن كتب تفي بهذا المطلب مع رشاقة مبانيها لتكون الفائدة مزدوجة وهو أقصى آمال الذين يسعون في إحياء اللغة العربية وإعادتها إلى ما كانت عليه في عهدها الأول. ولما ذهب إلى مدينة بعلبك سنة ١٢٣٣ رأيت عند بعض الأفاضل الواردين عليها مجموعاً استعاره من بعض أعيانها فرأيت فيه الضالة المنشودة وهي رسالة الأدب الصغير لعبد الله بن المقفع الكاتب الذي يضرب ببلاغته المثل فكتبتها بخطي في نحو يوم وأرجو أن ييسر لنشرها من عرف بحسن الطبع ليعم بها النفع والله الموفق. وهذا بيان الرسائل التي في المجموع المذكور: ١ ـ كتاب عجائب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ وهو في نحو ثلاث كراسات يشتمل على ما نقل عنه من بدائع الأحكام. ٢ ـ ذكر الخلائف وعنوان المعارف تأليف الصاحب أبي القاسم إسماعيل بن عباد أوله الحمد لله الواحد العدل وصلى الله على النبي وخيرة الأهل وقد أسعفنك بالمجموع الذي التمسته في نسب النبي ﵇ وبنيه وبناته وأعمامه وعماته وجمل من غزواته وسائر ما يتصل بذلك وهو إثنتا عشرة ورقة وفي آخره. وكتب في رجب سنة عشرين وأربعمائة. ٣ ـ رسالة إلى أحمد بن أبي داؤد في فضل العلم وهي ٣ أوراق وفي آخرها: وكتب في شهر ربيع الأول سنة عشرين وأربعمائة. ٤ ـ ويتلوها كتاب الأدب الصغير الذي نقلناه وهو في الصفحة اليسرى من آخر ورقة من الرسالة السابقة بخط كاتب واحد فتكون كتابتها في التاريخ المذكور ولم يذكر في آخرها تاريخ.

стр. 1418

٥ ـ ويتلوه كتاب ذخائر الحكمة تأليف أبي بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي وهو في نحو ثلاث وعشرين ورقة. ٦ ـ مختصر من كتاب جاويدان خرد في حكم الفرس والهند والروم والعرب تأليف أحمد بن مسكويه وهو أكثر من كراس. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أما بعد فإن لكل مخلوق حاجة ولكل حاجة غاية ولكل غاية سبيلاً والله وقت للأمور أقدارها وهيأ إلى الغايات سبلها وسبب الحاجات ببلاغها فغاية الناس وحاجاتهم صلاح المعاش والمعاد. والسبيل إلى دركها العقل الصحيح. ومارة صحة العقل اختيار الأمور بالبصر. وتنفيذ البصر بالعزم. وللعقول سجيات وغرائز تقبل الأدب وبالأدب تنمي العقول وتزكو فكما أن الحبة المدفونة في الأرض لا تقدر على أن تخلع يبسها وتظهر قوتها وتطلع فوق الأرض بزهرتها ونضرتها وريعها ونمائها إلا بمعونة الماء الذي يغور إليها في مستودعها فيذهب عنها أذى اليبس والموت ويحدث لها بإذن الله القوة والحياة فكذلك سليقة العقل مكنونة في مغرزها في القلب لا قوة لها ولا حياة بها ولا منفعة عندها حتى يعتملها الأدب الذي هو نماؤها وحياتها ولقاحها. وجلُّ الأدب بالمنطق وكل المنطق بالتعلم ليس حرف من حروف معجمه ولا اسم من أنواع أسمائه غلا وهو مروي متعلم مأخوذ عن إمام سابق من كلام أو كتاب وذلك دليل على أن الناس لم يبتدعوا أصولها ولم يأتهم علمها إلا من قبل العليم الحكيم. فإذ خرج الناس من أن يكون لهم عمل أصيل وأن يقولوا قولاً بديعاً فليعلم الواصفون المخبرون أن أحدهم وإن أحسن وأبلغ ليس زائداً على أن يكون كصاحب فصوص وجد ياقوتاً وزبرجداً ومرجاناً فنظمه قلائد وسموطاً وأكاليل ووضع كل فص في موضعه وجمع إلى كل لون شبهه مما يزيده بذلك حسناً فسمي بذلك صائغاً رفيقاً. وكصاغة الذهب والفضة صنعوا فيها ما يعجب الناس من الحلي والآنية. وكالنحل وجدت ثمرات أخرجها الله طيبة وسلكت سبلاً جعلها الله ذللاً فصار ذلك شفاء وطعاماً وشراباً منسوباً إليها مذكوراً به أمرها وصنعتها فمن جرى على لسانه كلام يستحسنه أو يستحسن منه فلا يعجبن به إعجاب المخترع المبتدع فإنه إنما اجتباه كما وصفناه. ومن أخذ كلاماً حسناً عن غيره فتكلم به في موضعه على وجهه فلا يرين عليه في ذلك

стр. 1419

ضؤولة فإنه في أعين على حفظ قول المصيبين وهدي للاقتداء بالصالحين ووفق للأخذ عن الحكماء فلا عليه أن لا يزداد فقد بلغ الغاية وليس بناقصه في رأيه ولا بغائضه من حقه أن لا يكون هو استحدث ذلك وسبق إليه وإنما حياة العقل الذي يتم به ويستحكم خصال ست: الإيثار بالمحبة، والمبالغة في الطلب، والتثبت في الاختيار، والاعتقاد للخير، وحسن الوعي، والتعهد لما اختير واعتقد، ووضع ذلك موضعه قولاً وعملاً. أما المحبة فإنما يبلغ المرء مبلغ الفضل في كل شيء من أمر الدنيا والآخرة حين يؤثر بمحبته فلا يكون شيء أمرأ ولا أحلى عنده منه. وأما الطلب فإن الناس لا يغنيهم حبهم ما يحبون وهواهم ما يهوون عن طلبه وابتغائه ولا يدرك لهم بغيهم نفاستها في أنفسهم دون الجد والعمل. وأما التثبت والتخير فإن الطلب لا ينفع إلا معه وبه فكم من طالب رشد وجده وألغي معاً فاصطفى منهما ألذ منه هرب وألغى الذي سعى فإذا كان الطالب يحوي غير ما يريد وهو لا يشك بالظفر فما أحقه بشدة التبيين وحسن الابتغاء. وأما اعتقاد الشيء بعد استبانته فهو ما يطلب من إحراز الفضل بعد معرفته. وأما الحفظ والتعهد فهو تمام الدرك لأن الإنسان موكل به النسيان والغفلة فلا بد له إذا اجتبى صواب قول أو فعل من أن يحفظه عليه ذهنه لأوان حاجة شديدة فإننا لم نوضع في الدنيا موضع غناء وخقض ولكن موضع فاقة وكد ولسنا إلى ما يمسك بأرماقنا من المطعم والمشرب بأحوج منا إلى ما يثبت عقولنا من الأدب الذي به تفاوت العقول وليس غذاء الطعام بأسرع من نبات الجسد من غذاء الأدب في نبات العقل ولسنا بالكد في طلب المتاع الذي يلتمس به دفع الضر والعيلة بأحق منا بالكد في طلب العلم الذي يلتمس به صلاح الدين والدنيا. وقد وضعت في هذا الكتاب من كلام الناس المحفوظ حروفاً فيها عون على عمارة القلوب وصقالها وتجلية أبصارها وإحياء للتفكير وإقامة للتدبير ودليل على محامد الأمور ومكارم الأخلاق إن شاء الله. الواصفون أكثر من العارفين. والعارفون أكثر من الفاعلين، فلينظر امرؤ أين يضع نفسه فإنه لكل امرئ لم تدخل عليه آفة نصيباً من اللب يعيش به لا يحب أن له به من الدنيا ثمناً. وليس كل ذي نصيب من اللب بمستوجب أن يسمى في ذوي اللباب ولا أن يوصف بصفاتهم. فمن رام أن يجعل نفسه لذلك الاسم والوصف أهلاً فليأخذ له عتاده وليعد له طول

стр. 1420

أيامه وليؤثره على أهوائه فإنه قد رام أمراًُ جسيماً لا يصلح على الغفلة ولا يدرك بالمعجزة ولا يصير عليه الأثرة وليس كسائر أمور الدنيا وسلطانها ومالها وزينتها التي قد يدرك منها المتواني ما يفوت المثابر ويصيب منها العاجز ما يخطئ الحازم. وليعلم أن على العامل أموراً إذا ضيعها حكم عليه بمقارنة الجهال. فعلى العامل أن يعلم أن الناس مشتركون مستوون في الحب لما يوافق والبغض لما يؤذي وأن هذه منزلة اتفق عليها الحمقى والأكياس ثم اختلفوا بعدها في ثلاث خصال هن جماع الصواب وجماع الخطإ وعندهن تفرقت العلماء والجهال والحزمة والعجزة. الباب الأول في ذلك أن العاقل ينظر فيما يؤذيه وفيما يسره فيعلمك أن أحق ذلك بالطلب إن كان مما يحب وأحقه بالاتقاء إن كان مما يكره أطوله وأدومه وأبقاه فإذا هو قد أبصر فضل الآخرة على الدنيا وفضل سرور المروءة على لذة الهوى وفضل الرأي الجامع العام الذي تصلح به الأنفس والأعقاب على حاضر الرأي الذي يستمع به قليلاً ثم يضمحل وفضل الأكلات على الأكلة والساعات على الساعة. والباب الثاني هو أن ينظر فيما يؤثر من ذلك فيضع الرجاء والخوف فيه موضعه فلا يجعل اتقاءه لغير المخوف ولا رجاءه في غير المدرك فيترك اللذات طلباً لآجلها ويحتمل قريب الأذى توقياً لبعيده فإذا صار إلى العاقبة بدا له أن فراره كان تورطاً وأن طلبه كان تنكباً. والباب الثالث من ذلك هو تنفيذ البصر بالعزم بعد المعرفة بفضل الذي هو أدوم وبعد التثبت في مواضع الرجاء والخوف فإن طالب الفضل بغير بصر تائه حيران ومبصر الفضل بغير عزم ذو زمانه محروم. وعلى العاقل مخاصمة نفسه ومحاسبتها والقضاء عليها والإبانة لها والتنكيل بها. أما المحاسبة فيحاسبها بما لها فإنه لا مال لها إلا أيامها المعدودة التي ما ذهب منها لم يستخلف كما تستخلف النفقة وما جعل منها في الباطل لم يرجع إلى الحق فيتنبه لهذه المحاسبة عند الحول وإذا حال والشهر إذا انقضى واليوم إذا ولى فينظر فيما أفنى من ذلك وما كسب لنفسه فيه وما اكتسب عليها في أمر الدين وأمر الدنيا فيجمع ذلك في كتاب فيه

стр. 1421

إحصاء وجد وتذكير وتبكيت للنفسي وتذليل لها حتى تعترف وتذعن. وأما الخصومة فإن من طباع النفس الأمارة بالسوء أن تدعي المعاذير فيما مضى والأماني فيما بقي فيرد عليها معاذيرها وعللها وشبهاتها. وأما القضاء فإنه يحكم فيما أرادت من ذلك على السيئة فبأنها فاضحة مردية موبقة وللحسنة بأنها زائنة منجية مربحة. وأما الإبانة والتنكيل فإنه يسر نفسه بتذكر تلك الحسنات ويرجو عواقبها وتأمين فضلها ويعاقب نفسه بالتذكر للسيئات والبشع بها والاقشعرار منها والحزن لها. فأفضل ذوي الألباب أشدهم لنفسه بهذا أخذاً وأقلهم عنها فترة ولى العاقل أن يذكر الموت كل يوم وليلة مراراً ذكراً يباشر القلوب ويقذع الطماح فإن كثرة ذكر الموت عصمة من الأشر وأماناً بإذن الله من الهلع. وعلى العاقل أن يحصي على نفسه مساويها في الدين وفي الرأي وفي الأخلاق وفي الآداب فيجمع ذلك كله في صدر أو في كتاب ثم يكثر عرضه على نفسه ويكلفها صلاحه ويوظف ذلك عليها توظيفاً في إصلاح الخلة أو الخلتين والخلال في اليوم أو الجمعة أو الشهر فكلما أصلح شيئاً محاه وكلما نظر إلى ثابت اكتأب. وعلى العاقل أن يتفقد محاسن الناس ويحفظها ويحصيها ويصنع غي توظيفها على نفسه وتعهدها بذلك مثل الذي وصفنا في إصلاح المساوي. وعلى العاقل أن لا يخادن ولا يصاحب ولا يجاور من الناس ما استطاع إلا ذا فضل في الدين والعلم والأخلاق فيأخذ عنه أو موافقاً له على صلاح ذلك فيؤيد ما عنده وإن لم يكن له عليه فضل وإن الخصال الصالحة من البر لا تحيا ولا تنمى إلا بالموافقين والمهذبين والمؤيدين وليس لذي الفضل قريب ولا حميم هو أقرب إليه وأحب ممن وافقه على الخصال فزاده وثبته ولذلك زعم بعض الأولين أن صحبة بليد نشأ مع العلماء أحب إليهم من صحبة لبيب نشأ مع الجهال. وعلى العاقل أن لا يحزن على شيء فاته من الدنيا أو تولى وأن ينزل ما أصاب من ذلك ثم انقطع عنه منزلة ما لم يصب وينزل ما طلب من ذلك ثم لم يدركه منزلة ما لم يطلب ولا يدع حظه من السرور بما أقبل منها ولا يبلغن سكراً ولا طغياناً فإن مع السكر النسيان

стр. 1422

ومع الطغيان التهاون ومن نسي وتهاون خسر. وعلى العاقل أن يؤنس ذوي الألباب بنفسه ويجرئهم عليها حتى يصيروا حرساً على سمعه وبصره ورأيه فيستنيم إلى ذلك ويريح له قلبه ويعلم أنهم لا يغفلون عنه إذا هو غفل عن نفسه. وعلى العاقل ما لم يكن مغلوباً على نفسه أن لا يشغله شغل عن أربع ساعات ساعة يرفع فيها حاجته إلى ربه وساعة يحاسب فيها نفسه وساعة يقضي فيها إلى أخوانه وثقاته الذين يصدقونه عن عيوبه وينصحونه في أمره وساعة يخلي فيها بين نفسه وبين لذاتها مما يحل ويجمل فإن هذه الساعات عون على الساعات الأخر وإن استجمام القلوب وتوديعها زيادة قوة لها وفضل لغة وعلى العاقل أن لا يكون راغباً إلا في إحدى ثلاث خصال تزود لمعاد أو مرمة المعاش أو لذة في غير محرم. وعلى العاقل أن يجعل الناس طبقتين مختلفتين متباينتين ويلبس لهم لباسين مختلفين فطبقة من العامة يلبس لهم لباس انقباض وانحجاز وتحرز وتحفظ في كل كلمة وخطوة وطبقة من الخاصة يخلع عندهم لباس التشدد ويلبس لباس الأنسة واللطف والبذلة والمفاوضة ولا يدخل في هذه الطبقة إلا واحد من ألف كلهم ذو فضل في الرأي وثقي في المودة وأمانة في السر ووفاء بالإخاء. وعلى العاقل أن لا يستصغر شيئاً في الخطأ والزلل في العلم والإغفال في الأمور فإن من استصغر الصغير أوشك أن يجمع إليه صغيراً وصغيراًَ فإذا الصغير كبير وإنما هي ثلم يثلمها العجز والتضييع فإذا لم تسد أوشكت أن تنفجر بما لا يطاق ولم نر شيئاً قط قد أتى إلا من قبل الصغير المتهاون به. قد رأينا الملك يؤتى من قبل العدو المحتقر ورأينا الصحة تؤتى من الداء الذي لا يحفل به ورأينا الأنهار تنبثق من الجدول الذي يستخف به وأقل الأمور احتمالاً للضياع الملك لأنه ليس منه شيء يضيع وإن كان صغيراً وإلا اتصل بآخر يكون عظيماً. وعلى العاقل أن يجبن عن الرأي الذي لا يجد عليه موافقاً وإن ظن أنه على اليقين، وعلى العاقل أن يعرف أن الرأي والهوى متعاديان وأن من شأن الناس تسويف الرأي وإسعاف الهوى فيخالف ذلك ويلتمس أن لا يزال هواه مسوفاً ورأيه مسعفاً.

стр. 1423

وعلى العاقل إذا اشتبه عليه أمران فلم يدر في أيهما الصواب أن ينظر أهواهما عنده فيحذره. من نصب نفسه للناس إماماً في الدين فعليه أن يبدأ بتعليم نفسه وتقويمها في السيرة والطعمة والرأي واللفظ والأخدان فيكون تعليمه بسيرته أبلغ من تعليمه بلسانه فإنه كما أن كلام الحكمة يونق الأسماع فكذلك عمل الحكمة يروق العيون والقلوب ومعلم نفسه ومؤدبها أحق بالإجلال والتفضيل من معلم الناس ومؤدبهم. ولاية الناس بلاء عظيم. وعلى الوالي أربع خصال هي أعمدة السلطان وأركانه التي بها يقوم وعليها يثبت: الاجتهاد في التخير ـ والمبالغة في التقدم ت والتعهد الشديد ت والجزاء العتيد. أما التخير للعمال والوزراء فإنه نظام الأمر ووضع مؤونة البعيد المنتشر فإنه عسى أن يكون بتخيره رجلاً واحداً قد اختار ألفاً لأنه من كان من العمال خياراً فسيختار كما اختير ولعل عمل العامل وعمل عماله يبلغون عدداً كثيراً فمن تبين التخير فقد أخذ بسبب وثيق ومن أسس أمره على غير ذلك لم تجد لبنيانه قواماً. وأما التقديم والتوكيل فإنه ليس كل ذي لب وذي أمانه يعرف وجوه الأمور والأعمال ولو كان بذلك عارفاً لم يكن صاحبه حقيقاً أن يكل ذلك إلى عمله دون توقيفه عليه وتبيينه له والاحتجاج به عليه وأما التعهد فإن الوالي إذا فعل ذلك كان سميعاً بصيراً وأن العامل إذا فعل ذلك به كان متحصداً حريزاً وأما الجزاء فإنه تثبيت المحسن والراحة من المسيء. لا يستطاع السلطان إلا بالوزراء والأعوان ولا تنفع الوزراء إلا بالمودة والنصيحة ولا المودة إلا مع الرأي والعفاف وأعمال السلطان كثيرة وقلما تستجمع الخصال المحمودة عند أحد وإنما الوجه في ذلك والسبيل إليه الذي يستقيم به العمل أن يكون صاحب السلطان عالماً بأمور من يريد الاستعانة به وما عند كل رجل من الرأي والغناء وما فيه من العيوب فإذا استقر ذلك عنده عن علمه وعلم من يأتمن وجه لكل عمل من قد عرف أن عنده من الرأي والنجدة والأمانة ما يحتاج إليه فيه وإن ما فيه من العيوب لا يضر بذلك ويتحفظ من أن يوجه أحداً وجهاً لا يحتاج فيه إلى مروءة إن كانت عنده ولا يأمن عيوبه وما يكره منه. ثم على الملوك بعد ذلك تعهد عمالهم وتفقد أمورهم حتى لا يخفى عليهم إحسان محسن ولا

стр. 1424

إساءة مسيء. ثم عليهم بعد ذلك أن لا يتركوا محسناً بغير جزاء ولا يقروا مسيئاً ولا عاجزاً على الإساءة والعجز فإنهم إن تركوا ذلك تهاون المحسن واجترأ المسيء وفسد الأمر وضاع العمل. اقتصاد السعي أبقى للجمام ومن بعد الهمة يكون النصب ومن سأل فوق قدرة استحق الحرمان. سوء حمل الغنى أن يكون عند الفرح مرحاً وسوء حمل الفاقة أن يكون عند الطلب شرهاً وعار الفقر أهون من عار الغنى والحاجة مع المحبة خير من الغنى مع البغضة. والدنيا دول فما كان منها لك أتاك على ضعفك وماكان عليك لم تدفعه بقوتك. إذا جعل الكلام مثلاً كان أوضح للمنطق وأبين في المعنى وآنق للسمع وأوسع لشعوب الحديث. أشد الفاقة عدم العقل وأشد الوحدة وحدة اللجوج ولا مال أفضل من العقل ولا أنس آنس من الاستشارة مما يعتبر به صلاح الصالح وحسن نظره للناس أن يكون إذا استعتب المذنب ستوراً لا يشيع وإذا استشير سمحاً بالنصيحة مجتهداً بالرأي وإذا استشار مطرحاً للحياء ومعترفاً بالحق. القسم الذي يقسم للناس ويمتعون به نحوان فمنه حارس ومنه محروس فالحارس العقل والمحروس المال. والعقل بإذن الله هو الذي يحرز الحظ ويؤنس الغربة وينفي الفاقة ويعرف النكرة ويثمر المكسبة ويطيب الثمرة ويوجه السوقة عند السلطان ويستنزل للسلطان نصيحة السوقة ويكسب الصديق وينفي العدو. كلام اللبيب وإن كان نزاراً أدب عظيم ومقارفة المآثم وإن كان محتقراً مصيبة جليلة ولقاء الأخوان وإن كان يسيراً غنم حسن. قد يسعى إلى أبواب السلطان أجناس من الناس كثيراً أما الصالح فمدعو وأما الطالح فمقتحم وأما ذو الأدب فطالب وما من لا أدب له فمحتبس وأما القوي فمدافع وأما الضعيف فمدفوع وأما المحسن فمستثيب وأما المسيء فمستجير فهو مجمع البر والفاجر والعالم والجاهل والشريف والوضيع. الناس إلا قليلاً ممن عصم الله مدخولون في أمورهم فقائلهم باغ ـ وسامعهم عياب ـ

стр. 1425

وسائلهم متعنت ـ ومجيبهم مكتف ـ وواعظهم فغير محقق لقوله بالفعل ـ وموعوظهم غير سليم من الاستخفاف ـ والأمين منهم غير متحفظ من إتيان الخيانة ـ وذو الصدق غير محترس من حديث الكذبة ـ وذو الدين غير متورع عن تفريط الفجرة ـ والعازم منها غير تارك لتوقع الدوائر ـ يتناقضون البنى ـ ويترقبون الدول ـ ويتعاطون القبيح ـ ويتعاينون بالغمز ـ ويرعون في الرخاء بالتحاسد ـ وفي الشدة بالتجاذب. ثم قد انتزعت الدنيا ممن قد استمكن منها واعتكفت له فأصبحت الأعمال أعمالهم والدنيا دنيا فغيرهم وأخذ متعهم من لم يحمدهم وخرجوا إلى من لا يعذرهم فأصبحنا خلفاً من بعدهم نتوقع مثل الذي نزل بهم فنحن إذا تدبرنا أمورهم أحقاء أن ننتظر ما نغبطهم به فنتبعه وما نخاف عليهم منه فنجتنبه. كان يقال أن الله تعالى قد يأمر بالشيء ويبتلي بثقله وينهى عن الشيء ويبتلي بشهوته فإذا كنت لا تعمل من الخير إلا ما اشتهيت ولا تترك من الشر إلا ما كرهت فقد أطلعت الشيطان على عورتك وأمكنته من أزمّتك فأوشك أن يقتحم عليك فيما تحب من الخير فيكرهه إليك وفيما تكرهه من الشر فيحببه إليك. ولكن ينبغي لك في حب ما تحب من الخير التحامل على ما يستثقل منه وينبغي لك في كراهة ما تكره من الشر التجنب لما تحب منه. للدنيا زخرف يغلب الجوارح ما لم تغلبه الألباب والحكيم من لم يغض عليه طرفه ولم يشغل به قلبه أطلع من أدناه فيما وراءه وذكر في بدئه لواحق شره فأكل مره وشرب كدره ليحلولي له ويصفو في طول من إقامة العيش الذي بقي ويدوم غير عائف للرشد إن لم يلقه برضاه ولم يأته من طريق هواه. ولا تألف المستوخم ولا تقم على غير الثقة. فقد بلغ فضل الله على الناس من السعة وبلغت نعمته عليهم من السبوغ ما لو أن أخسهم حظاً وأقلهم منه نصيباً وأضعفهم علماً وأعجزهم عملاً وأعياهم لساناً بلغ من الشكر والثناء عليه بما خلص إليه من فضله ووصل إليه من نعمته ما بلغ له منه أعظمهم حظاً وأوفرهم نصيباً وأفضلهم علماً وأقواهم عملاً وأبسطهم لساناً لكان عما استوجب الله عليه مقصراً وعن بلوغ غاية الشكر بعيداً ومن أخذ بحظه من شكر الله وحمده ومعرفة نعمه والثناء عليه والتمجيد له فقد استوجب بذلك من أدائه إلى الله

стр. 1426

والقربة عنده والوسيلة إليه والمزيد فيما شكره عليه خير الدنيا وحسن ثواب الآخرة. أفضل ما يعلم بع علم ذي العلم وصلاح ذي الصلاح أن يستصلح بما أوتي من ذلك ما استطاع من الناس ويرغبهم فيما رغب فيه لنفسه من حب الله وحب حكمته والعمل بطاعته والرجاء لحسن ثوابه في المعاد إليه وأن يتبين الذي لهم من الأخذ بذلك والذي عليهم في تركه وأن يورث ذلك أهله ومعارفه ليلحقه أجره بعد الموت. الدين أفضل المواهب التي وصلت من الله تعالى إلى خلقه وأعظمها منفعة وأحمدها في كل حكمة فقد بلغ فضل الدين والحكمة أن مدحا على ألسنة الجهال على جهالتهم بهما وعماهم عنهما. أحق الناس بالسطان أهل الرأفة وأحقهم بالتدبير العلماء وأحقهم بالعلم أحسنهم تأديباً وأحقهم بالغنى أهل الجود وأقربهم من الله أنفذهم في الحق علماً وأكملهم به عملاً وأحكمهم أبعدهم من الشك في الله تعالى وأصوبهم رجاء أوثقهم بالله وأشدهم انتفاعاً بعلمه أبعدهم من الأذى وأرضاهم في الناس أفشاهم معروفاً وأقواهم أحسنهم معونة وأشجعهم أشدهم على الشيطان وأفلجهم بالحجة أغلبهم للشهوة والحرص وآخذهم بالرأي أتركهم للهوى وأحقهم بالمودة أشدهم لنفسه حياء وأجودهم أصوبهم بالعطية موضعاً وأطولهم راحة أحسنهم للأمور احتمالاً وأقلهم دهشاً أرحبهم ذرعاً وأوسعهم غنى أقنعهم بما أوتي وأخفضهم عيشاً أبعدهم من الإفراط وأظهرهم جمالاً أظهرهم حصافة. وآمنهم في الناس أكلهم ناباً ومخلباً. وأثبتهم شهادة عليهم أنطقهم عنهم. وأعدلهم فيهم أدومهم مسالمة لهم. وأحقهم بالنعم أشكرهم لما أوتي منها. أفضل ما يورث الآباء الأبناء الثناء الحسن والأدب النافع والأخوان الصالحون. فصل ما بين الدين والرأي أن الدين يسلم بالإيمان وأن الرأي يثبت بالخصومة فمن جعل الدين خصومة فقد جعل الدين رأياً ومن جعل الدين رأياً فقد صار شارعاً ومن كان هو يشرع لنفسه الدين فلا دين له. قد يشتبه الدين والرأي في أماكن لولا تشبههما لم يحتاجا إلى الفصل.

стр. 1427

(للكتاب بقية).

стр. 1428

الخاصة والعامة قال الراغب: الناس ضربان خاص وعام فالخاص من قد تخصص من المعارف بالحقائق دون التقليدات ومن الأعمال ما يتبلغ به إلى جنة المأوى دون ما يقتصر به على الحياة الدنيا والعام إذا اعتبر بأمور الدين فالذين يرضون من المعارف بالتقليدات ومن أكثر الأعمال بما يؤدي إلى منفعة دنيوية وإذا اعتبر بأمور الدنيا فالخاص ما يتخصص بأمور البلد مما ينخرم من افتقاده إحدى السياسات المدنية والعام ما لا ينخرم بافتقاده شيء منها. وهم من وجه آخر ثلاثة خاصة وعامة وأوساط والأوساط هم المسمون في كلام العرب بالسوقة فالخاص هو الذي يسوس ولا يساس والعام هو الذي يساس ولا يسوس والوسط هو الذي يسوسه من فوقه وهو يسوس من دونه. ومن وجه آخر ثلاث أضرب أصحاب الشهوات وهمهم الجدة واليسار والأكل والشرب والبعال وأصحاب الكرامة والرياسة وهمهم المدح واستجلاب الصيت والمحمدة وأصحاب الحكمة وكل واحد منهم يستعظم من هو من جنسه. قال بعض الحكماء: ما من إنسان إلا وفيه خلق من خلاق بعض الحيوانات وبعض النبات لكون الإنسان مشاركاً لها في الجنسية وإن كان مبايناً لهما في النوعية فمن الناس غشوم كالأسد وعائث كالذئب وخب كالثعلب وشره كالخنزير وجامع كالنمل ووقح كالذباب وبليد كالحمار وألوف كطير الوفاء وصنع كالسرفة وآنف كالأسد والنمر وغيور كالديك وهادئ كالحمام ومنهم حسن المنظر والمخبر كالأترج ومنهم بخلاف ذلك كالعفص والبلوط ومنهم قبيح المنظر حسن المخبر كالجوز واللوز ومنهم حسن المنظر قبيح المخبر كالحنظل والدفلى والمؤمن الخير هو في الحيوانات كالنحل يأخذ أطايب الأشجار ولا يقطف ثمراً ولا يكسر شجراً ولا يؤذي بشراً ثم يعطي الناس ما يكثر نفعه ويحلو طعمه ويطيب ريحه وهو في الأشجار كالأترج يطيب حملاً ونوراً وعوداً وورقاً والمنافق الشرير هو في الحيوانات كالقمل والأرضة وفي الأشجار كالكشوت فلا أصل له ولا ورق ولا نسيم ولا زل ولا زهر يفسد الثمار وييبس الأشجار وكالشجرة التي قل ورقها وكثر شوكها وصعب مرتقاها. هذا ما ذكره الأصفهاني في وصف طبقات الناس وما يرجى منهم من المنافع وما يخشى من مضارهم قاله منذ زهاء ثمانمائة سنة ويقال مثله بعد قرون كما يصح إطلاقه على ألوف من السنين من قبل. ويرى الناظر في هذه الحياة الدنيا من سلطان الأوهام الكثيرة تأثيراً في دفع الناس بعضهم عن بعض ولولا ذلك لاختل النظام أو كاد. وكان معظم تأثير الأوهام في

стр. 1429

خلال القرون الوسطى أيام انتشار الإقطاعات وتسلط الأشراف ورؤساء الديانات في الغرب أما في الشرق ـ ونريد به البلاد العربية ـ فإن الأوهام كانت تتسلط على الناس بعد الإسلام بحسب حال الحكومات المتغلبة من العقل والجهل والدين والإلحاد ولذلك أتت على العامة أدوار كانوا يعتقدون أن الخاصة من طينة غير طينة البشر فهم أحق بالتقديس فقدسوهم ورفعوهم فوق أقدارهم ولم تكن نفوس الطبقة العالية من التهذيب بحيث تحسن استعمال هذه الامتيازات التي امتازت بها بل استعملتها ذرائع إلى الاستكثار من الثروة من غير حلها وللتبجح بالباطل بما لم يأمر به شرع إلهي ولا عقل إنساني ولذلك صرت ولا تزال ترى بين الطبقة العليا والدنيا من الفروق ما لا تراه في أكثر الأمم اللهم إلا الهنود والصينيين فإن مسافة الخلف بين طبقات الناس هناك مما يعجب منه أيضاً. انتبه أهل الغرب لسر الاجتماع البشري أكثر منا. والغالب أن سلطة الأشراف أو أهل الطبقة العالية بلغت عندهم قبيل نهضتهم مبلغاً لا تطيقه نفس بشرية فكان القيام على نزع تلك السلطة من أول الإصلاح عندهم ثم بقيت الطبقات تتقارب بعضها مع بعض وإلى اليوم لم يبلغ هذا التقارب أشده عندهم ولكنه لو قيس بما بين مختلف الطبقات في شرقنا لعد غاية الارتقاء. إذا تقارب الخاصة من العامة وعرف كل حقه ولم يتعده تستقيم أحوال المجتمع وتقوى دعائمه وتثبت في نفوس أبنائه روح التضامن الحقيقي وإذا بقيت كل طبقة مقتصرة على أهل طبقتها يحدث بين الطبقات سوء التفاهم ما لا يكون منه حضارة ولا غبطة والعامة هم سواد كل أمة وهم القائمون على الزراعة والصنائع المختلفة والأعمال الصعبة والخاصة أفراد قلائل وقوتهم بأفكارهم وعقولهم في الأعم الأغلب من أحوالهم. والعاقل ينبغي له أن يحسن الانتفاع من كل شيء في هذا الوجود فما الحال بانتفاعه من مخلوق مثله لو علمه بعض الضروريات لكان عمله له ولغيره أتم وأعم. مضى العهد الذي كان العلم فيه مقصوراُ على أهل طبقة خاصة ككهنة قدماء المصريين وأشراف اليونان والرومانيين ورهبان الأديار والصوامع في القرون الوسطى. مضى ذلك الزمن وما نظن يعود مثله على البشر بعد وقد أخذت حضارة الغرب تنفذ أنوارها حتى إلى القفار ويستنير بها المتمدن والمتوحش بحسب ما رزق من قوة بصر وبصيرة. طوي ذلك

стр. 1430

البساط بما عليه جملة ولن يعود إلى سالف حاله بعد أن توفر جمهور كبير من علماء الغرب يخطبون العامة في مجالسهم بما لا يعلو عن أفكارهم ويعلمونهم في مدارس ليلية أقاموها لتعليم من لم يسعده الحظ بالتعليم وبعد أن أنشؤا جرائد خاصة ووضعوا المجلات والكتب ليلقنوهم الأفكار الصحيحة والمعارف اللازمة من أيسر الطرق وأخصرها وبعد أن فتحوا لهم المعارض والمتاحف ودور التمثيل لتكون منهم مقومات العقول على طرف الثمام وبعد كل ما أقاموه لمنفعتهم من أسباب التعليم يستحيل أن يغالط عامتهم في حقائق الأشياء بعد اليوم وقد غولطوا فيها زمناً طويلاً. قال سيايل: لا غنية للديمقراطية عن خيرة رجال كما لا يسعها إلا أن تقدر الذكاء والعلم والفضيلة حق قدرها. ولا مشاحة في أن الديمقراطية تأتي على الحواجز التي كانت تحول بين الطبقة العالية وجمهور الأمة فتدكها من أساسها وذلك لأن المجتمع يختار كبار الرجال من جمهور أهل البلاد ممن ينشؤون أبداً بين ظهراني عامة الناس ولا يزالون ينمون ويتجددون بما يصدر إليهم من حوض القوة والنشاط وأعني بهذا الحوض العامة. فإذا اعتزل أولئك الرجال واقتصروا على الاجتماع بأبناء طبقتهم محتقرين ما عداها فإنهم يقضون على أنفسهم بالضعف وعلى أمرهم بالفشل. ليس الشعب هو الجمهور بل هو الأمة وهو الحاكم المتحكم. والفكر لا يكون إلا مجردات ونظريات إذا لم يكن له كيان وحقيقة تؤثر في عقول أبناء الأمة وإرادتهم. وعلى الطبقة الخاصة من الناس وهي في الأصل ممتزجة بجهلاء الأمة وأهل الوضاعة منهم أن يكون لها اتصال بالشعب وعليها أن تعمل على إقناعه لتنال ثقته تتصل به وتشركه في معرفة الحقيقة السامية التي تخضع لناموسها الإرادات مختارة وعلى مجموع من يتألف من هم المجتمع الديمقراطي أن يشتركوا في الحياة الوطنية. أهـ. ولقد وقر في نفوس خاصتنا زمناً طويلاً بأن اجتماعهم بالعامة يعد منقصة وسبة لذلك كانوا وأكثر من يتطاولون إلى التشبه بهم من أهل الطبقة الوسطى في العقول يشمئزون من الاختلاط بغير طبقتهم كأن العلم بزعمهم يفسد إذا ألقي على من ينتفع به أو أنه تذهب بركته ويزول بهاؤه ورواؤه وقد كان هذا الخلق يقوى في الشرق على عهد ضعف الوازعين الديني والسياسي وانحلال التربيتين البيتية والمدرسية.

стр. 1431

وما مجالس الوعظ أيام الحضارة الإسلامية إلا من بركة تلك العقول الكبيرة والتربية الراقية فكنت ترى أمثال الحسن البصري والفخر الرازي وابن الجوزي ومئات غيرهم في المساجد والمنابر يعظون العامة ليعلموهم ما حرموا منه فيما ينفعهم في دينهم ودنياهم. بدأ ذلك على عهد الخليفة الرابع فكان يأتي بواعظ العامة ويسأله فإن رآه متمكناً من العلم بحيث لا يضل الناس بكلامه أذن له بالوعظ وإلا منعه وما كان جلة العلماء يبستنكفون من تفهيم العامة كما كانوا يعلمون الخاصة. وظاهر أن ما كانوا يلقونه على مسامع جمهور الناس من أنواع العلوم لم يكن في صعوبته كالذي يلقونه على خواصهم ولذلك قلما كان يتأتى العبث بعقول العامة في القرون الستة الأولى للإسلام فقربوا من الخير والسلامة من أكثر خاصة العصور المتأخرة ممن جعلوا الدين سلماً إلى الدنيا وقشور العلم للمباهاة. ومقادير الخاصة والعامة في كل أمة نسبية في الغالب فقد يكون رجل من طبقة الخواص في أمة فإذا قيس بغيرها من الأمم الراقية لا تنزله إلا منزلة العوام. قال الصفهاني: لا شيء أوجب على السلطان من مراعاة المتصدين للرياسة بالعلم فمن الإخلال بها ينتشر الشر وتكثر الأشرار ويقع بين الناس التباغض والتنافر وذلك أن السواس أربعة الأنبياء وحكمهم على الخاصة والعامة ظاهرهم وباطنهم والولاة وحكمهم على ظاهر الخاصة والعامة دون باطنهم والحكماء وحكمهم على بواطن الخاصة والوعظة وحكمهم على بواطن العامة وصلاح العالم بمراعاة أمر هذه السياسات لتخدم العامة الخاصة وتسوس الخاصة العامة وفساده في عكس ذلك ولما تركت مراعاة المتصدي للحكمة والوعظ ترشح قوم للزعامة بالعلم من غير استحقاق منهم لها فأحدثوا بجهلها بدعاً استغووا بها العامة واستجلبوا بها منفعة ورياسة فوجدوا من العامة مساعدة لمشاكلتهم لهم وقرب جوهرهم منهم: فكل قرين إلى شكله ... كأنس الخنافس بالعقرب وفتحوا بذلك طرقاً منسدة ورفعوا بها ستوراً مسبلة وطلبوا منزلة الخاصة فوصلوا إليها بالوقاحة وبما فيها من الشره فبدعوا العلماء وكفروهم اعتصاباً لسلطانهم ومنازعة لمكانهم وأغروا بهم أتباعهم حتى وطؤهم بأخفافهم وأظلافهم فتولد من ذلك البوار والجور العام.

стр. 1432

أهـ. ولقد بقي من دروس الوعظ أو القصاصين كما كانوا يدعون قديماً أثر ضئيل في بعض البلاد الإسلامية ولكن ضررها يربو على نفعها لأن من يتولون أمرها في الأكثر قلما يدركون مبلغ أقوالهم وتأثيراتهم ومعظمهم ممن تزييوا قبل أن يتحصرموا فراحوا على قلة علمهم وعملهم يدعون إلى الخرافات في الأغلب يستسهلون الكلام في الزهد في الدنيا وذكر فضائل الأيام والمواسم وأكثر خطب الجمع من هذا القبيل أو هي أدهى وأمر. وأما الخاصة الحقيقيون في الأمة فقد اضطرتهم الفوضى في العلم والنظام إلى أن يقبعوا في بيوتهم ويكونوا أحلاسها واقتصروا اليوم في تعليم العامة على من يلوذون بهم من أهلهم وأصحابهم وجيرانهم والعشرة تعدي جراثيمها. القيام على تعليم العامة عندنا ليس بالأمر الحديث كما هو في الغرب ولكن أصوله بليت بين أظهرنا ونمت أي نمو عندهم شأن الأمم الراقية والنازلة هذه يمسخ فيها كل شيء حتى جمال وجوه أهلها وتلك يرتقي فيها كل شيء حتى موبقاتها وشرورها. ولا نقصد بتعليم العامة أن نعلمهم ما يصدهم عما هم بسبيله من أمور المعاش ولكننا نقصد أن يعلموا كعامة أبناء اليابان القواعد الأساسية القليلة ليستحيل بعدها التلاعب بأهوائهم ويكونوا عوناً للخاصة في كل عمل نافع لا عثرة في سبيل كل مشروع ينهضون بلا سبب معقول ويسكنون كذلك. نريد أن يعلم العامة القراءة والكتابة البسيطة ومبادئ التاريخ والجغرافيا والحساب والاقتصاد والصحة وتدبير المنزل وشيئاً من آداب الدين التي لا تعلو عن أفهامهم وعندما يشاركون الخاصة في الفهم إن لم يكن في معظم مسائل الوجود ففي بعضها وهناك من الفائدة للخاصة ما لا ينكره عاقل ويكفي أنهم لا يعدون غرباء كأنهم من عالم أخر إذا نزلوا بين قوم في الأرياف والقرى والدساكر إذ يجدون فيها من يزيل عنهم موجبات الوحشة ويقدرهم قدرهم في الجملة. هذه الطبقة من العامة إذا كثرت في الشرق العربي مثلاً تكون حاله أحسن مما هي عليه بما لا يقاس ويقل تبرم المتعلمين النورين من عشرة الأميين العاميين ولاسيما في المدن الصغرى حيث لا عقل يفكر إلا في الأمور البسيطة من المعاش وقل من يشارك في الشؤون العامة.

стр. 1433

قال الجاحظ تقول العرب: لولا الوئام لهلك الأنام وقال بعضهم في تأويل ذلك لولا أن بعض الناس إذا رأى صاحبه قد صنع خيراً فتشبه به لهلك الناس وقال الآخرون إنما ذهب إلى أنس بعض الناس ببعض كأنه قال إنما يتعايشون على مقادير الأنس الذي بينهم ولو عمتهم الوحشة عمتهم الهلكة. وإذا لم يتيسر لبلادنا الآن أن نؤسس لها مجامع ومدارس لهذا الضرب من التعليم فما أحرى كل من رزق علماً خرج به عن العامية أن يجمع حوله طائفة من أهله وجيرانه يرشدهم ويلقنهم بحسب ما يعرف ويصحح لهم أفكارهم إلقاءً ويعلمهم ما لم يسعدهم الحظ بتعلمه في كتاب. ولا أعلم في بلادنا أحداً يهتم لتعليم العامة وتصحيح الأفكار مثل الشيخ طاهر الجزائري على اتساع مادته في العلوم المختلفة اتساعاً لم أره في عالم عربي وقد انتبه بعض علماء فارس لهذه النكتة فأخذوا ولاسيما في العهد الأخير يخدمون العامة بما ينفعهم ويطبقون لهم المدنية على حسب عقولهم وهم هناك بضعة عشر رجلاً ورأسهم المجتهد السيد جمال الدين فقد قرأت له خطباً في هذا الموضوع لا تقل في جودتها عن خطب أرنست لافيس وجبرائيل سيايل وغيرهما من فلاسفة فرنسا المعاصرين ممن لا يرون حطة في أقدارهم أن يتنزلوا لتعليم العامة لاعتبارهم إياهم عمد أخبية المجتمع وقواعد بنيان بني الإنسان. إن يوماً نرى فيه هذه البلاد مملوءة بخزائن كتب يختلف إليها العامة فيتناولون فيها ما شاؤوا من المطبوعات والأسفار البسيطة النافعة ومدراس ليلية أو نهارية ابتدائية لتعليم الكبار والصغار والبنات والصبيان ومعارض ومتاحف في كل مديرية أو متصرفية أو عمالة لهو يوم سعيد يسوغ بعدها لأمتنا أن تدعي أنها راقية تستحق استقلالها في سياستها إذ حررت العقول من ظلمتها.

стр. 1434

الرياضة المعقول قل استعمال الألعاب الرياضية في هذه البلاد لأن الفقير لا يقدر فوائدها قدرها ويروض جسمه من حيث لا يشعر بأعماله اليدوية وحركاته اليومية أما الغني فيرى في الأكثر أن اللعب لترويض الجسم منقصة وسبة لا ينطبق مع الوقار والرزانة. ولما كان أجدادنا ينصرفون إلى الألعاب المختلفة آونات فراغهم كانت أجسامهم أصح وأمراضهم أقل. دام ذلك إلى عهد قريب وضعفت اللعاب الرياضية بيننا بضعف العلوم ويدلك على عناية قومنا بالرياضة قديماً أنهم أفردوها بالتأليف وعددوا ضروبها وأساليبها. ولقد كان صلاح الدين الأيوبي ونور الدين زنكي إذا استراحا قليلاً من جهاد الصليبيين يصرفون شطراً من أوقاتهما في ركوب الجياد والسباق في سهل اللوان بظاهر دمشق ولا يريان ذلك نكيراً. ولما أنكر أحد علماء ذاك العصر على احدهما ما يأتيه من هذه المسليات المضيعة للأوقات قال له: إننا نستعين على تقوية أجسامنا لئلا نضعف عن النزال ومقارعة الأبطال. ولم يزل في بعض بلاد الشام أثر من آثار هذه الألعاب بين أبناء الطبقة المتوسطة والدنيا ومن أهمها ركوب الجياد للسباق والركض والوثب والسبحة ولعب العصا والصراع كما ترى منها بعض الشيء في هذا القطر. بيد أن الغربيين سبقونا أشواطاً إلى كل محمدة ومن جملة ما يمتاز به خاصتهم وعامتهم عن خاصتنا وعامتنا الألعاب الرياضية يأتونها كأنها من الضروريات كالأكل والشرب والنوم حتى قال بعضهم أن على نسبة ارتقاء الألعاب الرياضية في أمة تقوي أجسامها وتطول أعمارها وتصح عقولها والعقل السليم في الجسم السليم. أدركوا أن غاية الحركات الطبيعية بث القوة في عامة الجسم لا جعلها قاصرة على بعض الأعضاء فانبساط القلب المفرط ينشأن من الإفراط في إنهاك أحد الأعصاب بالعمل وإفناء قوى بعض الحواس. فترى الجبار ممن اعتاد رفع الأثقال قوي العضلات ولكنه ضعيف الساقين إذا أريد على الجري انقطع نفسه وخانته رجلاه ولئن كانت أعضاؤه متينة فآلته التنفسية سيئة السير ولا يعالج هذا النقص إلا بتمرينات منظمة حتى أن المصارع نفسه ليحتاج إلى الرشاقة في حركاته إذا عرض له أوتوموبيل في سكته أو حريق في داره ليتأتى له أن يقفز ويصعد الدرج ويزحل على الحبل. أما عامة الناس فهم كلما استحكمت قوتهم وزادت خفة أجسامهم يستعدون لتسلق الجبال وحمل الأحمال والقفز والسباق. وهذا الميل إلى كل ضرب من

стр. 1435

ضروب الرياضة وإن أريد به التسلي فهو من الضروريات لقوام البنية حتى يكون من الناس كما يقول الفيلسوف هربرت سبنسر (حيوانات صالحة) أي أناس لهم في تراكيبهم الطبيعية ومن أعصابهم وحواسهم الباطنية ما يؤهلهم للقيام بما في طاقتهم بدون أن ينقص عضو من عضو شيئاً أو يقوى عصب بضعف أخيه. ولذلك كثرت أساليب الرياضة وكلها تدور على قوانين طبيعية مبنية على علم التشريح والحياة والميكانيك. وممن قام يدعو إلى طريقته في الرياضة رجل من أهل السويد اسمه لنج نظر في الطرق المتبعة في التريض فخالف المتبع منها في التربية الطبيعية التي من شأنها إعداد أناس منبسطة قلوبهم فاستعاض عما كان أهل الرياضات يستعملونه من قبل بالتجارب من الألعاب بأساليب له معقولة معتقداً أن أحسن رياضة لتحسين الجنس الإنساني في مجموعه تقليل أسباب الضعف وتقوية الأبدان تقوية تامة. تعلم هذا الرجل التعليم العالي وانصرف إلى اللاهوت والأدب لأول أمره فصنف فيهما وألف فشغله ما هو فيه من الأشغال العقلية عن النظر في الألعاب الرياضية إلى أن التقى بمهاجرين فرنسويين في كوبنهاغ أوائل القرن الماضي فعلماه المسايفة لعب السيف والترس فمهر فيها حتى عين معلماً لحمل السلاح في كلية لوند وكان حاد الفكر والتصور صعب المراس لا يقف في أمر يتعاطاه عند حد التوسط فاهتدى بذكائه إلى أن وراء المسايفة وإحسان الكر والفر مقصداً أسمى فأخذ نفسه بدرس منافع هذا الفن ونظر في التشريح وعلم النفس وتوغل في التاريخ فرأى أن السكنديناويين كانوا يستعملون الرياضة واليونان من قبلهم كذلك وتبين له أن ما هو ماثل في مصانع اليونان وتماثيلهم من جمال الوجوه وتناسب الأعضاء وصحة الجسوم إنما كان بفضل الرياضات التي يرتاضونها وثبت له أن تحسين النسل وجماله وجودة الصحة الطبيعية والأخلاقية تنشأ من استعمال الرياضة المعقولة. قام هذا الخاطر في ذهنه ولم يرتح وجدانه إلا عند ما تعدم إلى حكومة السويد أن تمنحه شيئاً من المال يستعين به على نشر طريقته فردته رداً غير جميل وعدته ممخرقاً أخرق فسخط من ذلك وهو غضوب عبوس إلا أنه لم ييأس. وكان نجاحه في ثباته على المطالبة فصدر الأمر الملوكي سنة ١٨١٣ بإنشاء مجمع علمي للألعاب الرياضية في استوكهلم عهد إليه إدارته ووفق إلى تحقيق الأفكار التي كانت تخالج صدره وإن كانت تلك الأفكار

стр. 1436

مشوشة مرتبكة لأول أمرها إلا ا، العمل يجليها والبحث يهذب أصولها وفروعها وساعده على نياته ما تم للعلم من الاكتشافات الحديثة وزيادة انتشار فن الطب ومعرفة ما بين أعضاء الجسم من الصلات. أما طريقته فهي في الحقيقة مجموع أعمال صحية غايتها تقوية الأعصاب وأن يقاوم المرء المؤثرات المضرة ويستعد لدفع الأخطار التي تحيق به. وبفضل الجهاد الذي جاهده لنج في أعماله زاد في مدة نصف قرن معدل قامات الجنود في تلك البلاد ثلاثة سانتيمات وطالت الأعمار فصار معدل الزيادة تسع سنين عن ذي قبل. ولما بت ذلك بالبرهان والإحصاء أرادت بعض دول الغرب أن تجري على طريقة السويديين فأدخلت طريقة لنج إلى المدارس الجامعة وثكن الجند ولكن العنصر اللاتيني لم يفلح كثيراً في الجري على تلك الخطة لأن أهل شمالي أوروبا أرقى منه في معنى التوفر على الواجب والمبالغة في الخضوع لضروب السخرة المملة فلا يتبرمون من تكرار حركات واحدة وحضور جلسات طويلة على نمط واحد كما يتبرم أهل العنصر اللاتيني. وبعد فإن من فوائد السباق وفضائله في التربية أنه يضطر صاحبه إلى تعلم النظام ويعده للقيام بالفروض الجندية ولذلك ترى الجدافين في القوارب وهم مضطرون إلى تطبيق حركاتهم بعضهم على بعض وأن يسيروا بنظام تام يأتون في ذلك مثالاً من أمثلة النظام والتكافل وكذلك الحال في لاعبي الكرة بخضوعهم لأمر زعيمهم. هذه الألعاب أحسن مدرسة للشبان كل يوم لأنها لا تبقي عضلة لا تتحرك في خلالها وتثير الحركات التنفسية مع رفع الأعضاء وبذلك يقوى الصدر وتكبر رقعته وتتحسن ضربات القلب وتتصلب الأعصاب وتمرن المفاصل. ولكن هذه الطريقة في الألعاب على ما هي عليه من النفع بحيث جرى العمل بها في الثكن والمدارس يصعب أن يجري عليها من يتعلمونها بعد لأن الثكنة أو المدرسة إذا خصصت للجندي والتلميذ ساعة كل يوم للرياضة فمن الصعب على من يدخل في مدرسة هذا العالم أن يصرف هذا القدر من وقته كل يوم. بيد أن القوم اخترعوا صوراً من الألعاب لا يحتاج معها المرء إلى شيء من الأدوات ولا تأخذ له من الوقت أكثر من عشر إلى خمس عشرة دقيقة.

стр. 1437

وقد كثر تحدث الناس في إسكاندينافيا مهد طريقة لنج بطريقة اخترعنها موللر الدانيمركي وما وفق إلى إتقانه في كل فرع من فروع الألعاب وهذا الرجل يحسن تعاطي المجداف والسباحة والتزحلق والصراع والمشي وحمل الأثاقل والقفز والملاكمة والسير السريع وقد نال في ذلك ١٢٣ جائزة حتى قال فيه أحد المصورين: إنك يا هذا أجمل مخلوق رأيته في حياتي. بل أنه كتب مؤخراً أنه سيزيد نفسه جمالاً ورقة مع أنه الآن في الأربعين من سنه. وتاريخ هذا الرجل غريب في بابه وذلك أن أباه كان مختل الصحة مبتلى بعدة أمراض وهو كان في صغره كثير الأمراض أيضاً وقد قال عن نفسه: إني لما ولدتني أمي لم يكن وزني أكثر من ثلاث لبرات ونصف بحيث كانت علبة لفائف تسعني وفي السنة الثانية أصبت بزحير كدت أهلك عقيبه كما أصبت في تلك السن بجميع أمراض الأطفال. ولما دخلت المدرسة أصبحت أمرض كل سنة مرتين أو ثلاثاً بالحمى والبرداء والإسهال وغيرها فأنت ترى أن مالي من الصحة والقوة الآن لم أرثهما وأني لم أكن من أهل العافية والسلامة في طفولتي. ففي سنة ١٨٧٤ وكان عمره إذ ذاك ثماني سنين وقعت إليه كتب بالألعاب الرياضية مترجمة من الإنكليزية والألمانية ولما قرأها ربت فيه ذوق التمرينات الطبيعية وأخذ يتمحض لها وترك دروس اللاهوت التي كان أخذ بدراستها لأول أمره وتعلم الهندسة العسكرية صم صار مهندساً ملكياً وبعد أن قضى عشر سنين في هذه الصناعة عين مديراً لمصح في جوتلاند شبه جزيرة دانيمركية وهناك نشر كتاباً في الأعلاب الرياضية سماهطريقتي انتشر انشتاراً غريبلاً فطبع منه في ٣ أغسطس سنة ١٩٠٤ إلى شهر مايو من السنة التالية ثلاثون ألف نسخة هذا وسكان الدانيمرك نحو مليونين ونصف فقط. وترجم إلى الألمانية فطبع منه ٧٠ ألفاً وإلى الإنكليزية فطبع منه ٢٥ ألفاً وإلى السويدية ٢٠ ألفاً وإلى الإفرنسية ٢٠ ألفاً. ولئن كان لنشر هذا الكتاب يد في التفنن بالإعلان عنه فإن سهولة طريقته كانت أعظم سبب لانتشاره إذ ليس فيها قيود ولا تعقيد بل أن الربع ساعة يقضيها المرتاض في غسل جسمه ومحن جلده (دعكه) وتغمير بدنه تكفي فيمحن جسمه وهو يستلقي على قفاه ويتلوى ويتوتر ويتثنى بحيث لا ينتهي من اغتساله إلا وقد تحركت جميع أعضائه وأعصابه ويكون قد نظف جسمه وبشرته.

стр. 1438

وهذه الطريقة نافعة أكثر من غيرها من الألعاب الرياضية لأنها تجعل تنعيم البشرة وغسلها من الأعمال الرئيسية وتلين أعصاب البطن وتجعل لتنفيس الجلد شأناً عظيماً وقد كتب موللر إني ضحكت من أناس في أرباب المسابقات والصراع يغتبطون بأن أجسامهم لا ترشح عرقاً عندما يتعاطون أعمالهم مع أني موقن بأن مسام أجسامهم متسخة بالأدران والأدهان البشرية وصفرة وجوههم واكمداد ألوانهم أكبر دليل على سوء صحتهم. وقد علق موللر على ترويض البطن شأناً كبيراً في تحسين الهضم والعون على انتظام وظائف الأحشاء وتحسين حالة الكلى والكبد. وسواء شاعت طريقة لنج أو طريقة موللر أو طريقة الجيوجيتسو اليابانية في الألعاب الرياضية فإن ما يهم في هذا الباب انتشار الرياضة البدنية بين جميع الطبقات لا أن تبقى محصورة في طبقة خاصة فيجب أن يتعلم الطفل اعتياد العناية بجسمه وغسله وتقويته ومحنه وأن يواظب على ذلك ما دام حياً. ومن أجل هذا تجد الحكومات الأوروبية تنشط جمعيات الألعاب الرياضية. وقد كتب وزير حربية فرنسا إلى جمعية اتحاد الألعاب الرياضية في العهد الأخير يقول: يجب أن لا تبقى بعد الآن غير طريقة واحدة في التعليم الطبيعي تستعمل في الثلاثة أدوار من أدوار التربية الوطنية وهي المدرسة والمجتمع والجندية وهذه الطريقة هي كبر الصدر وسلامة الرئتين والقلب وتقوية الساقين طريقة تحسن جسم المرء أدبياً وصحياً وتعده كأحسن الناس للحياة والعمل والقتال إذا اقتضت الحال.

стр. 1439

رب إسرائيل في جزيرة أسوان جزيرة أسوان هي أول الجزر العظيمة الواقعة في مصب الشلال وتدعى أيضاً الجزيرة وكانت قديماً مأهولة بجماعة من النوبيين وهي عبارة عن قريتين تابعتين لأسوان وتعد عاصمة تخونت (التخوم) ومدينة (أبو) أو (كوبهو) العظمى قال لاروس في معجمه الأوسط: وكان أمراؤها نحو آخر السلالة الخامسة أو السادسة يغزون الصحاري المجاورة أو شواطئ البحر الأحمر ويتجرون معها وكانت ملوك السلائل المنفية تنزلها عندما تريد الإشراف على أحوال التخوم واستعمر سكان هذه الجزيرة بلاد النوبة الشمالية بين السلالة السادسة والحادية عشرة. ولقد ضعفت مكانتها عندما توسعت في التخوم نحو الجنوب على عهد ملوك الثيبيين وأصبحت مدينة يرحل إليها للتجارة والزيارة ولما جاء المصريون إلى جوار الشلال عندما انفصلت الحبشة عنهم في الدولة الثانية عشرة استعادت مركزها الحربي إلا أن ارتقاء أسوان المعدودة من جملة أحيائها على الحدود بين الحبشة ومصر على عهد الدولة الفارسية ثم على عهد الدولة اليونانية قد أضر ضرراً بليغاً بحالتها كما سقطت على عهد الرومان ولم تكن على عهد الفتح البيزنطي والعربي غير أنقاض وقد بقي من المعبد الكبير قطعة من بابه أنشأها توتموسيس الثاني وجددت على عهد الإسكندر الثاني ولا يرى من عادياتها إلا صخور مشتتة بين خرائب المدينة أو مسدودة بالرصيف القديم ومقياس النيل الذي جدد على عهد القياصرة وعني بأمره أحد علماء الفلك من العرب محمود باشا الفلكي سنة ١٨٧٠ وقال بوليه في معجمه التاريخي والجغرافي أنه كان في جزيرة أسوان قديماً معبدان جميلان يرد عهدهما إلى زمن أماناهوبتو الثالث وقد خربا سنة ١٨١٨ لتبنى بأنقاضهما ثكن في أسوان. وقال ياقوت الحموي في معجم البلدان وأسوان بالضم ثم بالسكون وواو وألف ووجدته بخط أبي سعيد السكري بغير الهمزة وهي مدينة كبيرة وكورة في آخر صعيد مصر وأول بلاد النوبة على النيل في شرقيه وهي في الإقليم الثاني طولها سبع وخمسون درجة وعرضها اثنان وعشرون درجة وثلاثون دقيقة وفي جبالها مقطع العمد التي بالاسكندرية. قال أبو بكر الهروي وبأسوان الجنادل ورأيت بها آثار مقاطع العمد في جبل أسوان وهي حجارة ماتعة ورأيت هناك عموداً قريباً من قرية يقال لها بلاق أو براق يسمونها الصقالة وهو ماتع مجزع بحمرة ورأسه قد غطاه الرمل فذرعت ما ظهر منه فكان خمسة وعشرين ذراعاً

стр. 1440

وهو مربع كل وجه منه سبعة أذرع وفي النيل هناك موضع ضيق ذكر أنهم أرادوا أن يعملوا جسراً على ذلك الموضع. وذكر آخرون أنه أخو عمود السواري الذي بالاسكندرية وأشار ياقوت إلى ما بأسوان من التمور المختلفة وأنواع الأرطاب وقد ذكرها البحتري في مدحه خمارويه ابن طولون بقوله: هل يلقيني إلى رباع أبي الجي ... ش حظار التغوير أو غرره وبين أسوان والعرا ... ق رعية ما يغبها نظره ونسب إلى أسوان قوم من العلماء وقال المقريزي في الخطط ما يقرب من هذا القول في أسوان وبتطويل أكثر. هذه هي أسوان وقد قرأنا في جريدة الطان للمسيو كلرمون كانو من أعظم علماء الآثار الشرقية في الغرب فصلاً وصف فيه ما عثر عليه من آثار تلك الجزيرة الأزلية فرأينا تعريبه مع مراعاة الأصل قال: إن مجموع الاكتشافات الحديثة التي ظفرنا بها في هذه الجزيرة قد وقعت بين العلماء أعظم موقع وهي تهم تاريخ التوراة في الغاية. هذه الاكتشافات اليهودية لم يعثر عليها في طور سيناء مهد اليهودية ولا في القدس مقرها بل عثر عليها فيما وراء ذلك من البلاد على تخوم مصر والنوبة على بضع دقائق من دائرة الانقلاب في جزيرة للشلال الأول على النيل في مكان لم يكن يتوقع أن يرى فيه رب إسرائيل يهوه بعيداً إلى هذا الحد ويرد عهده إلى خمسة قرون قبل المسيح. وقد قام يقول لنا بلسان من يتعبدون به ممن رافقوه إلى تلك البلاد من أبناء إسرائيل أموراً جديدة ربما تغير بها تفسير الكتاب المقدس وبذلك صح لنا أن نقول أن النور جاءنا من الجنوب اليوم ولم يكن ينتظر أن يجيئنا بعد منه شيء. ومعلوم أن بلاد الفراعنة ما زالت قديماً وحديثاً مخصبة بضروب الاكتشافات الأثرية فهي البلاد التي أزهر فيها ورق البردي فكانت ميداناً مباركاً لعلم الآثار آتانا ولم يبرح يأتينا بكتابات قديمة خطت على هذه المدارج الرقيقة من ضروب الكتابات المصرية واليونانية واللاتينية والقبطية والعربية وغيرها فكان لنا منها كنوز أدبية حقيقية في صورة أوراق من البردي ولنا منها كل يوم قطعة جديدة ومادة ندهش بها ونسر. فبالأمس اكتشفت قطع من روايات مياندر الشاعر الهزلي ففرح بها أهل الأدب. وقبلها بقليل كان اكتشاف آثار للمسيح تصل بنا إلى أصول النصرانية وما يدرينا ماذا خبأته لنا مصر غداً من الآثار ولعل
следующие страницы →