Полный текст (6 802 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.
стр. 1436
مشوشة مرتبكة لأول أمرها إلا ا، العمل يجليها والبحث يهذب أصولها وفروعها وساعده على نياته ما تم للعلم من الاكتشافات الحديثة وزيادة انتشار فن الطب ومعرفة ما بين أعضاء الجسم من الصلات.
أما طريقته فهي في الحقيقة مجموع أعمال صحية غايتها تقوية الأعصاب وأن يقاوم المرء المؤثرات المضرة ويستعد لدفع الأخطار التي تحيق به. وبفضل الجهاد الذي جاهده لنج في أعماله زاد في مدة نصف قرن معدل قامات الجنود في تلك البلاد ثلاثة سانتيمات وطالت الأعمار فصار معدل الزيادة تسع سنين عن ذي قبل. ولما بت ذلك بالبرهان والإحصاء أرادت بعض دول الغرب أن تجري على طريقة السويديين فأدخلت طريقة لنج إلى المدارس الجامعة وثكن الجند ولكن العنصر اللاتيني لم يفلح كثيراً في الجري على تلك الخطة لأن أهل شمالي أوروبا أرقى منه في معنى التوفر على الواجب والمبالغة في الخضوع لضروب السخرة المملة فلا يتبرمون من تكرار حركات واحدة وحضور جلسات طويلة على نمط واحد كما يتبرم أهل العنصر اللاتيني.
وبعد فإن من فوائد السباق وفضائله في التربية أنه يضطر صاحبه إلى تعلم النظام ويعده للقيام بالفروض الجندية ولذلك ترى الجدافين في القوارب وهم مضطرون إلى تطبيق حركاتهم بعضهم على بعض وأن يسيروا بنظام تام يأتون في ذلك مثالاً من أمثلة النظام والتكافل وكذلك الحال في لاعبي الكرة بخضوعهم لأمر زعيمهم. هذه الألعاب أحسن مدرسة للشبان كل يوم لأنها لا تبقي عضلة لا تتحرك في خلالها وتثير الحركات التنفسية مع رفع الأعضاء وبذلك يقوى الصدر وتكبر رقعته وتتحسن ضربات القلب وتتصلب الأعصاب وتمرن المفاصل.
ولكن هذه الطريقة في الألعاب على ما هي عليه من النفع بحيث جرى العمل بها في الثكن والمدارس يصعب أن يجري عليها من يتعلمونها بعد لأن الثكنة أو المدرسة إذا خصصت للجندي والتلميذ ساعة كل يوم للرياضة فمن الصعب على من يدخل في مدرسة هذا العالم أن يصرف هذا القدر من وقته كل يوم. بيد أن القوم اخترعوا صوراً من الألعاب لا يحتاج معها المرء إلى شيء من الأدوات ولا تأخذ له من الوقت أكثر من عشر إلى خمس عشرة دقيقة.
стр. 1437
وقد كثر تحدث الناس في إسكاندينافيا مهد طريقة لنج بطريقة اخترعنها موللر الدانيمركي وما وفق إلى إتقانه في كل فرع من فروع الألعاب وهذا الرجل يحسن تعاطي المجداف والسباحة والتزحلق والصراع والمشي وحمل الأثاقل والقفز والملاكمة والسير السريع وقد نال في ذلك ١٢٣ جائزة حتى قال فيه أحد المصورين: إنك يا هذا أجمل مخلوق رأيته في حياتي. بل أنه كتب مؤخراً أنه سيزيد نفسه جمالاً ورقة مع أنه الآن في الأربعين من سنه. وتاريخ هذا الرجل غريب في بابه وذلك أن أباه كان مختل الصحة مبتلى بعدة أمراض وهو كان في صغره كثير الأمراض أيضاً وقد قال عن نفسه: إني لما ولدتني أمي لم يكن وزني أكثر من ثلاث لبرات ونصف بحيث كانت علبة لفائف تسعني وفي السنة الثانية أصبت بزحير كدت أهلك عقيبه كما أصبت في تلك السن بجميع أمراض الأطفال. ولما دخلت المدرسة أصبحت أمرض كل سنة مرتين أو ثلاثاً بالحمى والبرداء والإسهال وغيرها فأنت ترى أن مالي من الصحة والقوة الآن لم أرثهما وأني لم أكن من أهل العافية والسلامة في طفولتي.
ففي سنة ١٨٧٤ وكان عمره إذ ذاك ثماني سنين وقعت إليه كتب بالألعاب الرياضية مترجمة من الإنكليزية والألمانية ولما قرأها ربت فيه ذوق التمرينات الطبيعية وأخذ يتمحض لها وترك دروس اللاهوت التي كان أخذ بدراستها لأول أمره وتعلم الهندسة العسكرية صم صار مهندساً ملكياً وبعد أن قضى عشر سنين في هذه الصناعة عين مديراً لمصح في جوتلاند شبه جزيرة دانيمركية وهناك نشر كتاباً في الأعلاب الرياضية سماهطريقتي انتشر انشتاراً غريبلاً فطبع منه في ٣ أغسطس سنة ١٩٠٤ إلى شهر مايو من السنة التالية ثلاثون ألف نسخة هذا وسكان الدانيمرك نحو مليونين ونصف فقط. وترجم إلى الألمانية فطبع منه ٧٠ ألفاً وإلى الإنكليزية فطبع منه ٢٥ ألفاً وإلى السويدية ٢٠ ألفاً وإلى الإفرنسية ٢٠ ألفاً. ولئن كان لنشر هذا الكتاب يد في التفنن بالإعلان عنه فإن سهولة طريقته كانت أعظم سبب لانتشاره إذ ليس فيها قيود ولا تعقيد بل أن الربع ساعة يقضيها المرتاض في غسل جسمه ومحن جلده (دعكه) وتغمير بدنه تكفي فيمحن جسمه وهو يستلقي على قفاه ويتلوى ويتوتر ويتثنى بحيث لا ينتهي من اغتساله إلا وقد تحركت جميع أعضائه وأعصابه ويكون قد نظف جسمه وبشرته.
стр. 1438
وهذه الطريقة نافعة أكثر من غيرها من الألعاب الرياضية لأنها تجعل تنعيم البشرة وغسلها من الأعمال الرئيسية وتلين أعصاب البطن وتجعل لتنفيس الجلد شأناً عظيماً وقد كتب موللر إني ضحكت من أناس في أرباب المسابقات والصراع يغتبطون بأن أجسامهم لا ترشح عرقاً عندما يتعاطون أعمالهم مع أني موقن بأن مسام أجسامهم متسخة بالأدران والأدهان البشرية وصفرة وجوههم واكمداد ألوانهم أكبر دليل على سوء صحتهم. وقد علق موللر على ترويض البطن شأناً كبيراً في تحسين الهضم والعون على انتظام وظائف الأحشاء وتحسين حالة الكلى والكبد.
وسواء شاعت طريقة لنج أو طريقة موللر أو طريقة الجيوجيتسو اليابانية في الألعاب الرياضية فإن ما يهم في هذا الباب انتشار الرياضة البدنية بين جميع الطبقات لا أن تبقى محصورة في طبقة خاصة فيجب أن يتعلم الطفل اعتياد العناية بجسمه وغسله وتقويته ومحنه وأن يواظب على ذلك ما دام حياً. ومن أجل هذا تجد الحكومات الأوروبية تنشط جمعيات الألعاب الرياضية. وقد كتب وزير حربية فرنسا إلى جمعية اتحاد الألعاب الرياضية في العهد الأخير يقول: يجب أن لا تبقى بعد الآن غير طريقة واحدة في التعليم الطبيعي تستعمل في الثلاثة أدوار من أدوار التربية الوطنية وهي المدرسة والمجتمع والجندية وهذه الطريقة هي كبر الصدر وسلامة الرئتين والقلب وتقوية الساقين طريقة تحسن جسم المرء أدبياً وصحياً وتعده كأحسن الناس للحياة والعمل والقتال إذا اقتضت الحال.
стр. 1439
رب إسرائيل في جزيرة أسوان
جزيرة أسوان هي أول الجزر العظيمة الواقعة في مصب الشلال وتدعى أيضاً الجزيرة وكانت قديماً مأهولة بجماعة من النوبيين وهي عبارة عن قريتين تابعتين لأسوان وتعد عاصمة تخونت (التخوم) ومدينة (أبو) أو (كوبهو) العظمى قال لاروس في معجمه الأوسط: وكان أمراؤها نحو آخر السلالة الخامسة أو السادسة يغزون الصحاري المجاورة أو شواطئ البحر الأحمر ويتجرون معها وكانت ملوك السلائل المنفية تنزلها عندما تريد الإشراف على أحوال التخوم واستعمر سكان هذه الجزيرة بلاد النوبة الشمالية بين السلالة السادسة والحادية عشرة. ولقد ضعفت مكانتها عندما توسعت في التخوم نحو الجنوب على عهد ملوك الثيبيين وأصبحت مدينة يرحل إليها للتجارة والزيارة ولما جاء المصريون إلى جوار الشلال عندما انفصلت الحبشة عنهم في الدولة الثانية عشرة استعادت مركزها الحربي إلا أن ارتقاء أسوان المعدودة من جملة أحيائها على الحدود بين الحبشة ومصر على عهد الدولة الفارسية ثم على عهد الدولة اليونانية قد أضر ضرراً بليغاً بحالتها كما سقطت على عهد الرومان ولم تكن على عهد الفتح البيزنطي والعربي غير أنقاض وقد بقي من المعبد الكبير قطعة من بابه أنشأها توتموسيس الثاني وجددت على عهد الإسكندر الثاني ولا يرى من عادياتها إلا صخور مشتتة بين خرائب المدينة أو مسدودة بالرصيف القديم ومقياس النيل الذي جدد على عهد القياصرة وعني بأمره أحد علماء الفلك من العرب محمود باشا الفلكي سنة ١٨٧٠ وقال بوليه في معجمه التاريخي والجغرافي أنه كان في جزيرة أسوان قديماً معبدان جميلان يرد عهدهما إلى زمن أماناهوبتو الثالث وقد خربا سنة ١٨١٨ لتبنى بأنقاضهما ثكن في أسوان.
وقال ياقوت الحموي في معجم البلدان وأسوان بالضم ثم بالسكون وواو وألف ووجدته بخط أبي سعيد السكري بغير الهمزة وهي مدينة كبيرة وكورة في آخر صعيد مصر وأول بلاد النوبة على النيل في شرقيه وهي في الإقليم الثاني طولها سبع وخمسون درجة وعرضها اثنان وعشرون درجة وثلاثون دقيقة وفي جبالها مقطع العمد التي بالاسكندرية. قال أبو بكر الهروي وبأسوان الجنادل ورأيت بها آثار مقاطع العمد في جبل أسوان وهي حجارة ماتعة ورأيت هناك عموداً قريباً من قرية يقال لها بلاق أو براق يسمونها الصقالة وهو ماتع مجزع بحمرة ورأسه قد غطاه الرمل فذرعت ما ظهر منه فكان خمسة وعشرين ذراعاً
стр. 1440
وهو مربع كل وجه منه سبعة أذرع وفي النيل هناك موضع ضيق ذكر أنهم أرادوا أن يعملوا جسراً على ذلك الموضع. وذكر آخرون أنه أخو عمود السواري الذي بالاسكندرية وأشار ياقوت إلى ما بأسوان من التمور المختلفة وأنواع الأرطاب وقد ذكرها البحتري في مدحه خمارويه ابن طولون بقوله:
هل يلقيني إلى رباع أبي الجي ... ش حظار التغوير أو غرره
وبين أسوان والعرا ... ق رعية ما يغبها نظره
ونسب إلى أسوان قوم من العلماء وقال المقريزي في الخطط ما يقرب من هذا القول في أسوان وبتطويل أكثر. هذه هي أسوان وقد قرأنا في جريدة الطان للمسيو كلرمون كانو من أعظم علماء الآثار الشرقية في الغرب فصلاً وصف فيه ما عثر عليه من آثار تلك الجزيرة الأزلية فرأينا تعريبه مع مراعاة الأصل قال: إن مجموع الاكتشافات الحديثة التي ظفرنا بها في هذه الجزيرة قد وقعت بين العلماء أعظم موقع وهي تهم تاريخ التوراة في الغاية. هذه الاكتشافات اليهودية لم يعثر عليها في طور سيناء مهد اليهودية ولا في القدس مقرها بل عثر عليها فيما وراء ذلك من البلاد على تخوم مصر والنوبة على بضع دقائق من دائرة الانقلاب في جزيرة للشلال الأول على النيل في مكان لم يكن يتوقع أن يرى فيه رب إسرائيل يهوه بعيداً إلى هذا الحد ويرد عهده إلى خمسة قرون قبل المسيح. وقد قام يقول لنا بلسان من يتعبدون به ممن رافقوه إلى تلك البلاد من أبناء إسرائيل أموراً جديدة ربما تغير بها تفسير الكتاب المقدس وبذلك صح لنا أن نقول أن النور جاءنا من الجنوب اليوم ولم يكن ينتظر أن يجيئنا بعد منه شيء.
ومعلوم أن بلاد الفراعنة ما زالت قديماً وحديثاً مخصبة بضروب الاكتشافات الأثرية فهي البلاد التي أزهر فيها ورق البردي فكانت ميداناً مباركاً لعلم الآثار آتانا ولم يبرح يأتينا بكتابات قديمة خطت على هذه المدارج الرقيقة من ضروب الكتابات المصرية واليونانية واللاتينية والقبطية والعربية وغيرها فكان لنا منها كنوز أدبية حقيقية في صورة أوراق من البردي ولنا منها كل يوم قطعة جديدة ومادة ندهش بها ونسر. فبالأمس اكتشفت قطع من روايات مياندر الشاعر الهزلي ففرح بها أهل الأدب. وقبلها بقليل كان اكتشاف آثار للمسيح تصل بنا إلى أصول النصرانية وما يدرينا ماذا خبأته لنا مصر غداً من الآثار ولعل
стр. 1441
اكتشاف اليوم سيكون توراة أقدم من التوراة المعهودة وإن ما اكتشف حتى الآن ليدعو إلى الأمل في ذلك.
ولكي نمثل للأنظار طبيعة الصكوك اليهودية وخطارتها التي ظهرت للوجود في أسوان تقضي الحال بأن نرجع قليلاً إلى البحث في المسألة من أصلها. فقد كانت مصر عجيبة بما اكتشف فيها من أوراق البردي التي كتبت عليها لهجات أجناس من البشر مختلفة كثيرة ممن تعاقبوا احتلالها فيما سلف إلا أنها ضنت إلى اليوم كل الضنانة بإخراج كتابات باللغات السامية القديمة اللهم إلا بضعة عشر قطعة من البردي كتبت بحروف آرامية عثر عليها منذ نحو ثلاثين سنة. ولئن اختلف علماء المشرقيات في أمر هذه الكتابات لصعوبة حلها فالرأي المجمع عليه يكاد يكون متفقاً على أمر واحد وهو أن تلك الأوراق هي من عهد البطالسة اليونان كما هو الحال في بعض المنقوشات على الخزف والمزبورات على الحجر المخطوطة بلغة وحرف مشابه لها مما عثر عليه حتى الآن في مصر.
وإذ سنح لي الزمن منذ سنين بالتوفر على البحث في هذا الموضوع تبين لي حل آخر يخالف رأي غيري واستندت على أمور مختلفة استنتجت منها بأن جميع هذه الصكوك الآرامية يجب الرجوع بها إلى أقدم مما قدر لها من العمر أي إلى عهد الفرس الحجمانيين وعهد دارا وكسركس وأرتاكسركس.
وإذا صح أن الأمر كذلك فيكون منها أثر تاريخي لأنها لم تقف عند إبدال شيء من التاريخ بل يكون منها تغيير تام في المحيط السياسي والديني. تبين لي هذا الرأي المخالف للآراء كلها من تأويل إحدى قطع تلك الأوراق من البردي المكتوبة بالآرامية المعرفة ببردي تورين فقد قرأت فيها رأس محضر رسمي أرسل إلى أحد المرازبة في مصر وعليه اسم ميتراوهيشت وهو اسم آرامي لا محالة. ورأيت تناسباً في التعبير المستعمل بين هذا المعروض وبين الذي أرسله إلى الملك أرتاكسركس حاكم بلاد السامرة بشأن منع إعادة بناء معبد القدس الذي شرع فيه اليهود ثم تم على يد نيحيميا وهو المعروض الذي حفظ بنصه الآرامي في كتاب أسترادس المتعلق بالتوراة. وظاهر أن هذا الاستنتاج التاريخي يتناول مجموع النصوص الأخرى المماثلة لها التي صدرت في تلك البلاد ولم تلبث أن تحقق أمرها بما تهيأ لها من الاكتشافات المتعاقبة في مصر وغير ذلك من الكتابات والرقوق
стр. 1442
الآرامية التي كتب عليها التاريخ بحروف جلية من عهد كسركس ودارا وأرتاكسركس فثبت ما قلناه بالبرهان.
ومن جملة أوراق البردي المكتشفة مؤخراً ورقة ذكرت فيها بعض الحوادث التي حدثت سنة أربع عشرة لعهد الملك دارا الثاني الموافقة لسنة ٤١١ قبل التاريخ المسيحي وقد غلط المسيو أوتنج أحد علماء الألمان الذي عهد إليه نشر هذه الأوراق في قراءة عدة فقرات منها وإذ أخذت أنظر فيها بعده تبين لي أنها عبارة عن شكوى عامة أو معروض عام أرسله إلى المرزبان في مصر جماعة من غير المصريين وربما كانوا من اليهود لإقامة الحجة على اعتداء مدرسة الكهنة المصريين وعبثهم بقبور الرب خنوم في جزيرة أسوان وبذلك عرفت هذه الجزيرة بأنها مركز سامي آرامي جليلة القدر جداً من العهد الفارسي لاسيما وقد أسعد الحظ باكتشاف صكوك مماثلة لها. وقد أرادت الحكمة إذ ذاك علي المبادرة في الحفر والبحث في تلك الرجاء التي هي كالمعدن المملوء بالخيرات ولكني كنت كمن يعظ في قفر أو يصرخ في واد. وما جاء ربيع سنة ١٩٠٤ حتى تبين أني لم أكن ضالاً فيما دعيت إليه فعثر بالعرض بعض الوظنيين ممن كانوا يحفرون في خرائب أسوان في تربة نشادرية يسمونها سباخاً ويستعملونها في تسميد الزرع على نحو عشر قطع من أوراق البردي مطوية مختومة فابتاعها في الحال المسيو موند واللادي ويليام سيسيل وكانا إذا ذاك في مصر وبعد مدة نشرها المستر كولي في كلية أكسفورد. وكان فيها نصوص سالمة عظيمة بحروف آرامية لطيفة تشبه القطع المعروفة حتى الآن من كل وجه وكلها بلا شك من صنع اليهود النازلين في جزيرة أسوان ومدينة أسوان الواقعة على الشاطئ الشرقي للنيل أمام الجزيرة. لا جرم أن هذا الحادث مهم في ذاته ولكنه ليس مما يدهشنا لأننا نعرف بأن اليهود في سفر الخروج تركوا لغتهم العبرانية القديمة الوطنية وتعلموا اللغة الآرامية وكتابتها وكانت هذه اللغة شائعة في مديريات المملكة الفارسية. كما ترك اليهود أموراً كثيرة أخرى ليس هذا محل ذكرها.
هذه الخطوط المكتوبة على البردي هي حجج حقيقية مسجلة غريبة للغاية يرد عهدها بالتدقيق إلى كسركس وأرتا كسركس ودارا بالسنين والشهور والأيام مع بيان موافقة حساب السنين الآرامية والمصرية وهي مرتبة على ستين سنة مضت بين سنة ٤٧٠ إلى سنة
стр. 1443
٤١٠ قبل المسيح وقد دونت بطلب الأحزاب بمعرفة أحبار اليهود ووقع عليها توقيعات جمة للتصديق عليها بشهادة كثيرين وهي تدور على مسائل كثيرة في التعامل كالبيوع والشراء والهبة في العقارات والأراضي ومسائل الأسواق والأحكام وحل الاختلافات أمام المحاكم أو على طريقة ودية وعقود زواج ونظر في مسائل الطلاق مع خلاصتها الشرعية سواء كان للمتزوجين أولأولادهما ووصف من أدق ما يكون وأفيد لجهاز المتزوجين وتقدير أثمانه قطعة قطعة والمواريث وقسمة العبيد المنتقلين بالإرث إلى غير ذلك.
وبعد فإن مجموع هذه المستندات المنقطعة القرين التي ظهرت سالمة في بعض دفاتر بعض البيوت قد أتتنا بجملة من الفوائد هي غاية في مكانتها وذلك لأنها دلتنا على وجود شعب عظيم من الإسرائيليين في أسوان قبل المسيح بخمسة قرون وعرفتنا بلغته وكتابته وأخلاقه وأوضاعه ومعتقداته وصلاته مع الحكومة الفارسية والشعب المصري وغير ذلك. ومن جملة المسائل التي تنحل بواسطة هذه الأوراق أو توضع موضع البحث مسألة دونها كل المسائل ألبا وهي التي لها علاقة برب إسرائيل وما له في تلك البلاد من الشأن. فقد رأينا اسمه مذكوراً فيها عدة مرات بدون حرج كما صار ذكره بعد. فكان القوم هناك يقسمون برب إسرائيل كما يقسم
بالأرباب المصرية (كانت ساتي ربة جزيرة أسوان) عندما يراد القسم ثم أنهم لم يبالوا بالحظر التقليدي عليهم وأنشئوا في ذاك الرجا البعيد معبداً لرب إسرائيل غير مبالين أن ينافس معبد القدس وليس المعبد الذي أقاموه عبارة عن كنيس بسيط أو مصلى صغير بل هو معبد حقيقي مستوفٍ للشروط وفيه مذبح تراق فيه دماء الضحايا ويصعد منه دخان البخور كأن اليهود إذ ذاك في هاتيك الجزيرة هم في عهد عزهم واسعد أيامهم كما كانوا في صهيون.
أصغت الحكومة الفرنسوية لطلبي وأرسلت بعثة علمية تحت رئاستي إلى أسوان في السنة الماضية للبحث عن حارة اليهود فيها أو لتحديد موقع معبد رب إسرائيل إن أمكن وكانت هذه المسألة من أعقد المسائل لأن معرفة موقع المعبد كانت معلقة على معرفة ما إذا كان موجوداً في مدينة أسوان المنفصلة عن الجزيرة بذراع من النيل أو على العكس كما كنت أظنه في الجزيرة نفسها. وأنا أقطع مذ الآن أن المسألة مبتوتة في هذا الشأن.
стр. 1444
ولقد دامت الحفريات أربعة أشهر يعاونني فيها أخلص تلاميذي وأقدمهم المسيو كليدا فقاسينا في عملنا عرق القربة وكانت أعمالنا لأول عهدها تدعو إلى اليأس ولاسيما فيما يتعلق بغايتي الخاصة. وذلك أنا لما وصلنا الجزيرة رأينا بعثة ألمانية قد سبقتنا إليها منذ سنة واختصت دوننا بطبيعة الحال بالموقع الحسن لإجراء الحفر واختارت أقدم بقعة يرجى أن يكون فيها خير كثير ويسعل على المعاول أن تحفر فيها.
فاكتفينا بما أغفلته تلك البعثة من الأراضي وأخذنا نجيل فيها قداح أنظارنا ونضرب فيها معاول عمالنا ولم يأتنا الحفر مدة شهرين بغير بعض الآثار المصرية واليونانية ولكنها كانت بكثرة ونادرة بنوعها ومنها عدة مسلات فرعونية وتمثالان جميلان لتوتمس الثالث مصنوعة من حجر الكرانيت الأسود ولاسيما قبر الرب خنوم أوشنوب أكبر أرباب أسوان وهو الذي لم يكن على اتفاق مع اليهود الذين وقعوا على الشكوى المذكورة آنفاً. وعثرنا على قاعة تحت الأرض لم تمس بأذى تحتوي على نواويس من الكرانيت والحجر الرملي جعلت عليها أغطية مذهبة وجملت بأجمل زينة من الصور والنقوش وهناك خمسة عشر كبشاً محنطاً مقدمة للثور أبيس على نحو ما اكتشف مثالاً من ذلك قديماً ماريت الفرنسوي في مدينة منفيس.
كل هذا حسن ونافع في ذاته ولكنه لم يقف دونه غرضي. لأني لم أتحمل مشقة السفر إلى أسوان للبحث عن العاديات المصرية بل للبحث عن الآثار اليهودية. وبعد أن كدنا نصل إلى أخريات وقت بعثتنا عثرنا بعد الجهد الجهيد على حارة اليهود الآرامية وظفرنا بكمية من النقوش المزبورة على الفخار مغشاة بكتابات آرامية يهودية. وقد كتب معظمها في وجهين. وهذه الكتابات النادرة على كثرة الخرق فيها قد أطلعتنا على جزء من المراسلات الودية اليومية التي جرت بين يهود جزيرة أسوان وأخوانهم يهود مدينة أسوان وقد كتبت في زمن واحد هي وأوراق البردي الآنف بيانها وبخط واحد ولغة واحدة حتى أن جملة الموقعين عليها نفس الأشخاص الذين عرفناهم بتلك الأوراق البردية، وذكر فيها اسم رب إسرائيل بصورة من الإملاء خاصة لم تكن تعهد. ولاشك أنه متى تمت قراءة هذه الآثار الفخارية نطلع على أمور جديرة بالنظر وكبيرة الخطر والقيمة.
وقد كان داهمنا الحر بخيله ورجله فأوقفت العمل في شهر أبريل وسنعادوه بعد أسابيع
стр. 1445
بفضل ما جاد به المجمع العلمي ووزارة المعارف من المال وما مد به يده من المساعدة رصيفي المسيو أدمون روتشيلد وإني على ثقة من أننا نوفق هذه المرة إلى الظفر بموقع معبد رب إسرائيل وقد اكتشفت البعثة الألمانية التي كانت تعمل بالقرب منا برئاسة المسيو روبنسون أوراقاً من البردي الآرامية اليهودية ووكل أمر قراءتها للمسيو ساشو من برلين وقد نشر كلامه على ثلاثة منها. وأهمها صك رسمي ذو شأن عظيم يفيد فوائد كثيرة في تاريخ اليهود والتوراة وهذا الصك عبارة عن محضر مؤرخ في اليوم العشرين من شهر مارهزوان من السنة السابعة عشرة لحكم دارا (٤٠٨ قبل المسيح) بعث بها إلى السيد باكوهي والي الفرس في بلاد فلسطين أرسلها إليها يدوناه ورصفاؤه من كهنة أسوان باسم جميع تلك المدينة من اليهود ولقد أتى الموقعون على ذلك المحضر بعبارات تكاد تكون بمعناها مشاكلة لما في ورقة البردي المعروفة باسم تورين وكلها دائرة على الدعاء له بأن يمنحه رب إسرائيل بركاته ودعاء له أن يحفظ عليه رضا دارا مولاه ورضى الآل الملوكي وقد ذكروا له أن الكهنة المصريين للمعبود خنوم في أسوان قد كادوا لهم مكيدة عندما تغيب مرزبانهم في مصر المدعو أرسام الذي كان قصد الملك بدعوة منه وتربصوا بهم الدوائر عند واليها المدعو ويدانج الذي رشوه بالمال فحصلوا منه على أمر يوعز إلى قائد أسوان العسكري أن يذهب لتخريب معبد رب إسرائيل في جزيرة أسوان قائلين أن هذا المعبد كان أنشئ قديماً على يد آبائهم وكان موجوداً قبل أن يفتح كمبيز مصر فلم ير بداً من احترامه على حين خرب سائر معابد المصريين ويفهم من ذلك ضمناً أن المعبد كان بناءً هائلاً مبنياً بالحجر النحيت وهو ذو سبعة أبواب أثرية وعمد من الحجارة وسقف من خشب الأرز. وقد نفذ أمر الوالي ويدرانج بلا شفقة في الحال وأعان الجند جمهور من المصريين فخربوا المعبد المقدس وحرقوا ما فيه وحطموه ونهبوا الأواني الذهبية والفضية وسائر الأعلاق النفيسة. فعم الحزن سكان أسوان بأسرهم رجالهم ونسائهم وأولادهم من أجل خراب معبدهم ولبسوا الحداد وأخذوا ينتحبون بكاءً وصاموا وضرعوا إلى رب إسرائيل أن ينتقم من الظالمين. واضرب القوم عن التزين وتعاطي الخمر فأصبح النساء كالأيامى. وبعد حين نكب الوالي زيدرانج وجاد بنفسه مضطراً وهلك جميع من نفذوا أمره ف يخراب معبد أبناء إسرائيل فكفروا بذلك عما جنت أيديهم بيد أن أصحاب المحضر لم ينالوا إلى ذاك
стр. 1446
اليوم على كثرة ما بذلوا من المساعي رخصة بإعادة بناء معبدهم بحيث قضوا ثلاث سنين في حزن لأنهم لا يتمكنون من تقديم الضحايا الدينية وإيقاد البخور وعرض الذبائح على معبد رب إسرائيل. وعبثاً توسلوا أيام نكبتهم بخراب معبدهم بباكوهي والي بلاد اليهودية ويوهوهان الكاهن الأعظم في القدس وبسائر الكهنة رصفائه وبأخيه أستان أناني وأمراء اليهود في فلسطين فلم يأتهم جواب ولذلك وضعوا آمالهم ثانية في باكوهي أن يرضى عنهم ويجعلهم في حل من إعادة بناء معبدهم في أسوان كما كان من قبل وهم لقاء هذا المعروف الذي يسديهم إياه يقدمون لاسمه الضحايا إلى رب إسرائيل على المذبح الذي يقيمونه لتمجيده وعبادته قالوا وأن جميع يهود أسوان رجالاً ونساءً وأولاداً لا ينفكون يباركون على باكوهي ويدعون له ثم هم زيادة على الضحايا والذبائح يقدمون له دخلاً قدره ألف بدرة من الفضة خل عنك الذهب الذي أخبروه بأنهم سيؤدونه إليه إذا رضي بإجابة طلبهم (ما أقدم البخشيش في الشرق) وذكروا في الختام بأنهم أطلعوا على ذلك كله كلاً من دلاياح وشلماياح ابني سانالايات حاكم بلاد السامرة وأن الكاهن أرسام لا يعرف من ذلك شيئاً.
أما الصك الثاني فيكاد يكون مخرقاً كله ويحتوي مع بعض اختلاف على صورة ثانية من هذا المحضر الذي احتفظ مرسلوه بصورته ومسودته. وفي الصك الثالث عبارات كثيرة تشير إلى أن يهود أسوان رخص لهم بإعادة معبدهم بفضل توسط باكوهي ودلاياح فأعادوه إلى ما كان عليه وعمروه بالعبادة ومما لا شك فيه أن بعض الأوراق التي لم تقرأ قد ذكرت فيها أكلاف المعبد ونفقات بنائه.
وهنا لا أرى بيان فائدة هذه الأوراق وموقعها من نفوس العلماء فقد أحيت في نظرنا رجالاً اشتهر أمرهم في التاريخ وهم من الطراز الأول وذكر فيها اسم يوهوهانان الكاهن الأعظم في بيت المقدس وسانابالات والي السامرة وهما مذكوران في التوراة ووالي اليهودية باكوهي وقد ذكره فلافيوس جوزيف المؤرخ اليهودي باسم محرف عن اليوناني وهو باكواس وهذه الورقة هي صفحة صحيحة من عهد حوادث ينبغي إضافتها إلى سفر نيحيميا. فهل يكون من حظ البعثة الإفرنسية أم من حظ البعثة الألمانية يا ترى الظفر هناك بتوراة يرد عهدها إلى ما قبل المسيح بخمسة قرون في حفرياتنا الجديدة؟.
стр. 1447
مطبخ الفقير
من مبحث للدكتور فيليكس رينيول في المجلة الباريزية
طعام المتوحش غليظ كبنيته
أصبح أفقر البائسين لعدنا في مأمن من الجوع على أن المتوحش لا يزال عرضة للمجاعة لا لأن الطعام المدخور عنده قليل بل لأنه يجهل الزراعة وتربية الماشية وتختلف موارد عيشة من الصيد والقنص كثيراً إذ ليست أبداً منه على طرق الثمام. وما مثل المتوحش إلا كالجوارح الكبيرة من النمر والفهد يصيد الصيد تلذذاً بالقتل وهو لا يحسب للغد حسابه ولما كان على جهل بطريقة تجفيف اللحم والتقديد أصبح من الصعب عليه أن يدخر اللحوم لأوقات القلة. وهناك أمورمن الخرافات المضحكة تزيده بلاء وذلك أنه يرى بعض الحيوانات مقدسة ويعتقد أنها اجداد قبيلته فإذا رآها اتخذها طوتمه وحاميه ويعد نفسه إذا قتلها كلها بأنه خرق الحرمة وعبث بأقدس المقدسات. يتقزز المتوحش من جميع الأطعمة التي لم يعتد تناولها قد فإن تغذى بلحوم الصيد تأنف نفسه من تناول السمك وإن اغتذى من السمك يعاف اللحم. ومع هذا تراه يعمد إلى اختيار الأطعمة الغليظة. إن جاع عمد إلى الحبوب البرية والجذوع الخشبية واسترط الحشرات والديدان وأخذ القمل عن أخيه يقضمه. ومعلوم أن لا شيء يخلو من صوالة مغذية حتى التربة الصلصالية التي تغتدي منها ديدان الأرض أحسن تغذية والإنسان يسير على مثالها فيكون من أكلة التراب ولكن أمعاءه لا تهضمها فينتفخ بطنه ويحدث التهاب في الأحشاء يكون منه الموت.
إذا أسعد المتوحشين الحظ فقتلوا حيواناً كبيراً أو صادوا سمكة ضخمة يقعون عليها كالحيوانات الجائعة. فقد وصف لنا أرباب الرحلات شراهتهم الحيوانية فإن الصانيين من قبائل الهوتنوت في أفريقية الشرقية إذا ضربوا فرس بحر يفتحون جثته وهو حار ويأكلون أحشاؤه كما تأكلها الكلاب. وإذا سقط حوت على الشاطئ يخف سكان أوستراليا الجياع عراة كيوم خلقوا وينغمسون في الدهن ويبلعون قطع الحوت الكبير بلعاً ولا يرجعون عنه إلا وقد امتلأت كراشهم وشبعوا وانتفخت بطونهم فينامون بعد ذلك طويلاً. بيد أنه لا يجب علينا أن نسخط مما يبلغنا عن أولئك المنحطين في سلم المدنية فإن فلاحينا يأتون في ولائمهم من الإكثار من الطعام والشراب ما لا يقفون فيه عند حد ولولا أن أنواع الأطعمة
стр. 1448
تختلف لقلنا أنهم المتوحشون بعينهم.
المتوحش إذا لم يتخير رديء الأطعمة فهو لا يعرف الطبخ ولا أعني بذلك أنه لا يجيد طبخ طعامه بل أنه لا يعرف كيف ينضجه ولا شك أنه لم يعهد إلى الآن قوم مهما انحطوا في دركات التقهقر يجهلون إيقاد النار. ولكن من القبائل من لا تحسن الانتفاع بها وهي توقد جذوة على الدوام لتظل النار عندها بلا انقطاع. ولا عهد لهم بأواني الطبخ لما ثبت من أن بعضهم يجهلون صنع الفخار فيلقون حجراً محمى في الماء إذا أرادوا تسخينه وهم على جانب من الكسل بحيث يؤثرون أن يأكلوا معظم المآكل النيئة كالديدان والهوام والأسماك ويقضمون بفكوكهم القوية الجذوع القاسية والأثمار الليفية.
قال المترفه بيريللا سافارين الفرنسوي مؤلف كتاب فسيولوجيا الذوق (١٧٥٥ ـ ١٨٢٦) قل لي ماذا تأكل أقل لك من أنت. وهذه الحكمة يتيسر لعلماء الإنسان أن يطبقوا عليها أبحاثهم وذلك أن طعامه قلما يكون صالحاً للأكل وأن للمتوحش فكوكاً ضخمة مستطيلة وأضراساً غليظة وأعصاباً للمضغ قوية. وعندما يتحضر تتحسن أطعمته وتخف قوة شدقيه وأسنانه.
يقول المسيو حنا فينو أنه ليس بين الأجناس المتمدنة من البشر فروق كثيرة وعلى العكس في الأجناس المتوحشة فإن بينها وبين المتمدنة اختلافاً كثيراً في الصور الظاهرة والحواس الباطنة وظن بعض علماء الإنسان بأن هذه الاختلافات هي على إطلاقها على أنها مما يمكن تعديله وبذلك يتسنى لنا تعليلها. ولقد كانت أول الاكتشافات في أول عهد الحضارة هي اكتشافات الطبخ فقد رفع القدماء إلى مصاف الأرباب الأذكياء الذين علموهم زراعة الأرض وتدجين الحيوان وصنع الخبز وتخمير المشروبات.
إفراط المتمدنين في المآكل الأطعمة التي يتقزز منها والتر يرغب عنها:
قلنا أن المرء اليوم يكاد يكون في مأمن من الجوع ولكن الشر الذي عجز الوجود أن يسومه إياه أصبح خاضعاً له بواسطة الحروب مختاراً. فإذا حوصرت مدينة يعمد الجياع من أهلها إلى تناول الأطعمة القذةر كالكلاب والقطط وجرذان المجاري وسائر أصناف الحيوان ويذكرون أن الجلد والعشب والخشب لها بعض الخصائص في التغذية وللضرورة أحكام.
تجد مائدة الفقير في الأوقات المعتادة مغشاة بالأطعمة التي هي أكثر تغذية والطف طعوماً
стр. 1449
مما يقنع به أخوه الفقير الحقير ولذلك يستهين بالأغذية التي تطيب بها نفس أخيه المتوحش فتعاف نفسه الحبوب وجذوع الأشجار والحشرات والديدان وكل ما يدب ويطير علماً منه بأن مثل هذا الغذاء لم يخلق له. على أن جودة التحضير قضت على الفرنسيس أن يتناولوا أفخاد الضفادع والحلزون. والإنكليز يتقززون من الفرنسيس مع أنهم لا يستنكفون من تناول فطير الغراب.
الفقير كالمتوحش عدو التجديد في كل ما له علاقة بغذائه يأبى تناوله أحسن طعام لم يعتده منذ طفولته. ولم ننس ما قاساه بارمانتيه في القرن الثامن عشر حتى صير البطاطا مألوفة بالاستعمال بين الناس. وقد مضت أعوام قبل أن يقبل الفقير باستعمال لحوم الخيل مع أنها مغذية جداً ولا نزال إلى الآن في جهاد حتى يألف الناس استعمال السمن النباتي المستخرج من الجوز الهندي على أن في استعماله اقتصاداً وهو سهل الهضم لذيذ الطعم يأبى العملة الاعتماد عليه وبعض أهل الطبقات الوسطى تقبل عليه.
نحن كالمتوحش نسرف في الطعام ويصعب تقدير كمية الطعام التي تلقى كل يوم في علبة الفضلات وليتنا نحسب الأرغفة البائتة التي تطرح طرح الزوائد وليت جمعيات الإحسان تتمكن من جمعها لتعمل بها ثريداً أو حساءً لألوف الفقراء. ولا يخلو واحد فينا من الإسراف في الطعام حتى الجند في ثكنهم فإنهم يلقون بفتات الخبز الأسمر. أما سائر الأطعمة فلا ينتفع بها لكثافتها على أن فيها ما لا يزدري به وينفع كل النفع. تملأ كل صباح في أسواق باريز عجلات الصوالات والفضلات بمواد يسهل استعمالها وذلك أن القوم يطرحون رؤوس الأسماك ولا سيما (الكابيلو) و (الكولين) ولو أخذت لصنع بها حساء لطيف.
وربما اعترض معترض فقال إن هذه الفضلات قليلة وإذا صارت تباع ترتفع أثمانها على أننا لو فرضنا أن رأس سمكة الكولين بيع بخمسة وعشرين سنتيماً وصرف في الرز والطماطم والبصل والبقدونس والصعتر والملح والثوم والنار فرنك يكفي الحساء المستخرج من هذه الصورة بفرنك واحد لإطعام ثمانية أشخاص.
نعمل سلاطة مقبلة بأوراق القضبارون (سفورجنة) وإن سفير (الأوراق الذابلة) الفجل إذا استعملت كما يستعمل السبانخ تطيب وتلذ وإن الجزء الأخضر من الكراث الذي يطرح في
стр. 1450
العادة يمكن الانتفاع به في الحساء حتى أن الأوراق الخارجية وبقايا (قرمية) الملفوف تحتوي على مواد مغذية. نعم إن الناس يخشون من أليافها الصلبة ولكن إذا أجيد طبخها وأطيل الإطالة اللازمة وسحق سحقاً كافياً لا يخشى منها. والناس يلقون أيضاً فضلات رؤوس البقر على حين تستخدم في زيادة طعم حساء البقول ولكن العامل يصنع منها مرقاً بالخضر وهو لا يعرف إلا المرق المطبوخ بالبقول الناشفة المقسمة أحسن تقسيم ويأبى إباؤه أن يغتذي بمثل هذه الفضلات.
وهناك بعض المواد يمكن الانتفاع بها في الغذاء على شرط أن تحضر تحضيراً خاصاً ولطالما بحث الباحثون من أجل الانتفاع بالألياف العظمية فإن الكلب يأكلها جيداً وإذا لم يستطع الإنسان أن يجري على مثاله فذلك لأن ماضغيه وأحشاؤه ضعيفة. ولقد حاول كثيرون منذ قرون أن ينتفعوا بالعظام أو بالهلام (الجلاتين) المستخرج منها ليطعمها الفقير واستعملت طريقة الكيماوي (أبرت) في استخراج الهلام من العظام لحفظ المأكولات ولكن الجلاتين أقل تغذية مما كان يذهب إليه الناس من قبل فهو يزيد الحرارة في الجسم ولكنه لا يقوى على تقوية أنسجتنا ولا تجد فيه خاصية اللحم والألبومنيد وإذا تغذى الكلب بالجلاتين خاصة يموت لساعته.
جمود الفقراء وغيرهم على أحسية واحدة
يقول علماء الاقتصاد حيثما يخرج رغيف يولد إنسان. يريدون بذلك أن سكان كل بلد على نسبة غناها في غذائها وإذا كان الجمهور يزهدون في جميع هذه المواد النافعة في التغذية التي تكثر سواد الناس أما في طاقة دور الإحسان أن تستخدمها وتحسن استعمالها كانت العقيلة روبرت أول من فكر سنة ١٨٤٠ في تحضير وجبة طعام لفقراء باريز لقاء أربعة فلوس وطعامها مؤلف من حساء بالملفوف وقطعة من الثريد والخبز وقدح من الحمر. ثم كان عقيب ذلك أن صار يقد حساء بلا مقابل للفقراء وكان بريبان أول رجل من أصحاب مطاعم الفقراء أخذ يوزع الطعام على المساكين. ومع ما دخل هذه المطاعم من الأدوات التي تهيئ الأطعمة أسرع من ذي قبل وعلى صورة أحسن مثل أدوات القطع والفرم والسحق فإن هذه المطاعم لم ترتق الارتقاء المطلوب وأمثال هذه الأدوات تستخدم للانتفاع بالمواد التي تطرح ولا تستعمل بالنظر لصلابتها وذلك بأن تحيلها إلى ثريد يسهل تشبيهه
стр. 1451
بالثريد المعروف وهكذا الحال في أنواع الأطعمة فإن مطاعم الشعب لا تبحث لصنع حسائها عن الحبوب التي تكثر تغذيتها وتقل قيمتها كالأرز والشعير والقرطمان.
ولعل هذا ناتج من أن للفقير من عزة النفس ما يجعله يأنف من بعض الأطعمة حتى أنك لو قدمت له طعاماً مؤلف من الفضلات اللذيذة لرأى في المسألة نظراً. وكثير من الفنادق توزع بقايا الطعام على الفقراء. وقد قال أحدهم يوماً وخدام أحد الفنادق يريدون أن يطعموه: إنهم أكلوا الأطايب ولم يتركوا إلا الأخابث. وأظهر من هذا صراحة ما قاله الدكتور فيرون: أريد أن أعرف ماذا جرى للكمأة فإنني لا أجدها قط.
إلا وأن كل اختراع في هذا السبيل ليصعب ويسوء قبوله بين هؤلاء الزبن وما أظن أنه لو قام أحد المحسنين في هذا القرن وأنشأ يطعم الفقراء من الفضلات التي تطرح في الأزقة على طريقة علمية إلا ويكون شأنه شأن سويه الفرنسوي منذ ستين سنة. وهذا الرجل كان من أعظم الطهاة اشتهر في وقته وله شراب منسوب إليه كما له مرق اشتهر به فقد كان مديراً لمطابخ ريفورم كلوب في لندن فزعم أنه اكتشف طريقة لمكافحة القحظ في إيرلاندا وأسس في أحد شوارع دوبلين بأمر الحكومة مطعماً للشعب واحتفل بافتتاحه فحضر الاحتفال جمهور كبير من الناس ومنهم رئيس أساقفة دوبلين ونائب ملك إيرلاندا وقدم للناس سبعة أنواع من الطعام على أخونة لطيفة وفي أوان حسنة وكانت نكهة أنواع الحساء تنبعث كالعطر واستطاب الناس تلك الأحسية وأقبلوا على محله إقبالاً غريباً يفدون خماصاً ويروحون بطاناً. دام الحال على هذا المنوال شهراً وأولمت الولائم لسويه في المدينة حتى أن نائب الملك دعاه لتناول الطعام على مائدته. وأخذ الفقراء يباركون اسمه لأنه كان لهم بمثابة المسيح الذي أنقذهم من مخالب الجوع والمخمصة وفي خلال ذلك عزمت دار الندوة أن تقرر إنشاء مطابخ للشعب تشبه مطاعم سويه في بلاد الأقاليم إنقاذاً للناس من فتكات الجوع وعندما خطر لسوئه أن ينشر كراسه يكتب فيها كيفية تحضيره هذه الأنواع من الأحسية قائلاً أن لحومها قليلة وكثير منها خال من اللحم بالمرة فقامت الجرائد المعارضة تشهر عليه حرباً عواناً قائلة أن أنواع هذا الحساء لا تغذي طاعمها وتفسد بنية الإنسان وينشأ عنها أمراض شديدة بل مهلكة وذهبوا إلى أن انكلترا رأت في هذا الطعام القتال أحسن واسطة لإلقاء السلام في إيرلاندا للتخلص بصور شريفة من ألوف البائسين
стр. 1452
المعربدين لأن وجودهم كان على الدوام سبب القلق على سياستها وحملاً ثقيلاً على الميزانية، فاضطر صاحبنا سويه إلى السفر خلسة توقياً مما يلحقه من الأذى وربما كان صلب.
تعليم العامل كيف يحسن ابتياع طعامه وإجادة طبخه
لسنا ندعو المحاويج وحدهم إلى الانتفاع من علم التغذية بل أن العامل والمتوسط على اختلاف طبقاتها بل جميع أبناء الوطن يتيسر لهم أن يستفيدوتن منه فقد أجاد لاسال أحد زعماء الاشتراكية في ألمانيا (١٨٢٥ ـ ١٨٦٤) بقوله أن المسألة الاجتماعية هي أولاً مسألة طعام وأكل. وقد أثبت الأطباء لاندوري ولابي وروم هذه النظرية التي قال بها ذاك الاشتراكي فإذا كان السل منتشراً في المدن الكبرى فهو ناشئ في الأكثر من قلة التغذية ويضاف إليها أسباب أخرى من البؤس كالتعب والإدمان على الشراب والعادات الرديئة.
والذي يظهر لمن ينظر في الأمور نظراًُ سطحياً أن العامل يغتذي أحسن تغذية ويختار أجود أنواعها وأن امرأته تبتاع للبيت يوم يقبض زوجها أجرته أحسن الحاجات البيتية فيكثر أهل البيت من الأكل ومن الغد تنقلب وليس عندها شيء فتحمل زوجها على الاقتراض ريثما يقبض عمالته ومن أجل هذا تجد في حي الفقراء في باريز أجود أنواع البطاطا وأحلاها وأحسن أجناس السمن والسمك فتبتاع زوجته ما شاءت منها بدون حساب وكيفما اتفق لها على حين لو اشترت بالجملة ودققت في حسابها لكان ما يكلفها بالمفرق فرنكاً وربعاً لا يكلفها أكثر من خمسة وثمانين سانتيماً في الجملة.
ثم أن العامل معتقد بأن كل طعام رخيص الثمن فيه ربح له وهو لا يحسب تلك الفضلات التي لا تؤكل. فمن وزن اللحم يجب إسقاط العظام والجلود الجلاميط والعراقيب ومن السمكة أحشاءها وحسكها ومن البيض فشره ومن الجبن قشرته ولكل خضرة نفاية ولكل ثمرة قشرة أو بزرة أو ساق عقب ثم ينبغي أن تلاحظ كمية الماء الموجودة في المواد وأن لا ينسى أن البقول الناشفة ولو كان ثمنها أغلى فإنها خير من الطرية لقلة المائية فيها ولحم العجل وإن كان أرخص من لحم البقر فليس هو أحسن منه لما فيه من المائية وقلة التغذية وهكذا لكل بقل ولحم فضلات وحثالات وعندي أن تجمع هذه المعلومات في شكل قائمة تنشر في كراسة ليعرف الناس أن مئة غرام من أضلاع العجل تعادل في تغذيتها ١٢٩
стр. 1453
غراماً من صدره ولا يفوت الناظر قيمة التتبيل والوقود. على أن علماء الاقتصاد لا يحسبون في العادة حساب هذه النفقات ويعدونها طفيفة مع أن لها شأناً في تحضير الطعام.
وهناك شيء آخر لا يحفل به عيال العملة وأعني به الوقت وذلك أن نساء العملة يشتغلن أيضاً في المعامل حتى إذا جاء المساء يضررن لأن يسرعن في تحضير الطعام فلا يجدن أيسر من البفتيك والأضلاع والمشوي ولذلك يكثر استعمال هذه الأنواع في أحياء العملة وربما ابتعن اللحم المقدد والثريد المصنوع والبقول المطبوخة الحاضرة. أما وإنه يصعب فصل النساء الفقيرات عن معاطاة الأعمال فمن العبث أن يعلمن أساليب الطبخ والتفنن فيه فما أجدر أن يعنى الطباخون بتحضير أطعمة خاصة بالطبقات النازلة بثمن بخس ومؤلفة من مواد جيدة.
من المتبلات اللذيذة التي ذقتها واستطبتها وهي من تحضير المسيو مونتانيه ولا تكلف الإنسان أكثر من عشرة سانتيمات مربب التفاح وكيفية صنعه أن تأخذ ٥٠٠ غرام من التفاح من الجنس المعروف برينت و٢٠٠ غرام من الخبز البائت و٢٥ غراماً من السمن و٥٠ غراماً من السكر و٣ ديسلترات من الماء. وهذه الماء لا تكلف أكثر من خسيم سانتيماً بالجملة وتكفي لطعام ستة أشخاص. وكيفية تحضيرها أن تقشر التفاح وتقطعه قطعاً كبيرة وتقع الخبز قطعاً ناعمة وتلت أسفل الصفحة الطبق أو الصحن بعشرة غرامات من السمن وترش ملعقة صغيرة من السكر ثم تضع سافاً من الخبز وسافاً من التفاح وهكذا إلى أن تأتي عليهم ثم تضيف إليهما ما بقي من السكر والسمن وتقسمه إلى قطع وتبله بالماء وتضع الصفحة عشرين دقيقة في الفرن وتتناول ما فيها في الحال. ثم أنه يمكن أن يجود هذا المريب أكثر من ذلك بزيادة نفقة قليلة وأن يجعل دسيلتران من اللبن بدل الماء ويضاف إليه بيضة محلولة ويمكن زيادة كمية السكر وأن تحسن رائحته بأن يوضع فيه قشرة من الليمون أو البرتقال أو القرفة.
يجب تغيير الطعام بحسب العمل وما يجب على العامل معرفته
هب أن العامل يعرف أن يبتاع طعامه ويطبخه فإن المسائل الاقتصادية والصحية ليست وحدها هي التي تطلب حلها بل أن الأهم منها هي المسألة الفيزيولوجية التي يجب أن يكون لها مبدأ صريح إذا أراد العامل أن يضمن صحته وعمله. فإن الفيزيولوجي يعلمنا بأن
стр. 1454
الطعام يجب تنويعه بحسب نوع العمل بحيث يكون منه ثلاث منافع: إصلاح الأنسجة التي تبليها أعمال الحياة وإعطاء الحرارة التي تحفظ على الجسم حرارته وإيراث القوة اللازمة لكل عمل عضلي. فنحتاج للقيام بهذه الحاجيات الثلاث إلى ثلاث عناصر أولية الألبومنيد من اللحم والبيض والبقول والدهن الحيواني أو النباتي وهيدرات الكربون أو الدقيق الذي يكثر في البقول فالألبومنيد يصلح من أنسجتنا والدهن يعطي الكالوري والدقيق يعين على العمل ويعطي المرء كمية من الحرارة. ولجعل التغذية على نظام مخصوص يجب أن يوضع موضع العناية لا المناخ والفصل (إذ من البين أن في الشتاء يحتاج الجسم إلى كمية من الكالوري أكثر من الصيف) ولا اختلاف أحوال الأحياء (إذا أن المرأة الحبلى أو التي ترضع والولد الذي ينمو يحتاجان إلى إنشاء أنسجة جديده فيهما) بل ينبغي أن ينظر إلى نوع العمل.
ومنذ مدة بحث الدكاترة لاندوزي وهنري ومارسل لابي في تغذية مئة من العملة والمستخدمين في باريز فكان لبحثهم رنة كبرى وذلك أنهم قسموا العملة إلى أربع طبقات جعلوا في الأولى جميع العملة الذين يعملون أعمالاً بدنية كالنجارين والحفارين والنقالين والحمالين وصناع الحديد الخ. هؤلاء العاملون يكثرون من تناول اللحم فيأكلون مئتي غرام في اليوم وقلما يتناولون المعجنات المغذية والبقول ونصف لتر من الحساء ولا يتناولون سكراً مكعباً من الإنسنت و٤٠ سانتمتراً مكعباً من الكحول على درجات مختلفة. والطبقة الثانية العملة الذين يعملون أعمالاً معتدلة كمن يشتغلون في المصانع أو المعامل الميكانيكية والنجارة الخفيفة والقفالين وغيرهم فهؤلاء يتناولون أيضاً لحماً كثيراً فيأكلون ٢٢٥ غراماً منه وقليلاً من المواد النشوية والمعجنات المغذية والأحسية والبقول والأطعمة المعمولة بالسكر فيأخذون ٤٠٠ غراماً من الخبز و٧ غرامات من السكر وربع لتر من الحساء ولتراً من الخمر و٥٠ سانتمتراً مكعباً م الكحول في درجة خمسين.
والطبقة الثالثة من العملة الملازمون للجلوس ككتاب الإدارات ومستخدمي المخازن وعملة المكاتب التجارية وغيرهم فهؤلاء يكثرون من كل شيء ولاسيما من اللحم والألبومين النباتي والبيضي فيأكلون ٥١٠ إلى ٥٤٠ غراماً من الخبز و٤٠ غراماً من السكر والشوكولاتا ولا يأخذون حد الكفاية من البقول الطرية والمأكولات العمولة بالسكر ويكثرون
стр. 1455
من المقبلات الكحولية والمشروبات فيأخذون ثلثي لتر من الخمر و٨٠ سانتمتراً مكعباً من الكحول على خمسين درجة وعلى العكس ن ذلك فإنهم لا يشربون ماءً نقياً بقدر ما يجب ومعلوم أن الماء ينفع في تنقية الأنسجة غير العاملة في الجسم. والطبقة الرابعة عبارة عن العملة والمستخدمين كالخياطات وبائعات الأزياء ومستخدمات المحال التجارية وغيرهن فإنهن أيضاً يرتكبن أغلاطاً كبيرة تخالف قواعد صحة الغذاء فيأكلن أطعمة كثيرة قليلة التغذية والأدام كالسلاطة والفجل والمرق المخلل والقثاء والثمار الرديئة وأثل من حد الكفاية من كل نوع فيتناول الفرد منهم ٢٥٠ غراماً من الخبز و٧ غراماً من اللحم و٨٠ غراماً من لابقول وربع لتر من الخمر.
ولا يفوتك أن المستخدمين الملازمين للجلوس وحدهم يأكلون في الصباح قبل تعاطي أعمالهم وما عداهم فإنهم يبدأون بأشغالهم على الريق.
ويرى الأطباء المشار إليهم أنه يلزم العامل الذي يبذل من قوة جسمه ٣٦٠٠ من الكالوري كل يوم وللعامل المعتدل ١٢٦٠٠ وللعاملين الجالسين على كراسيهم ٢١٠٠ ولبائعي الأزياء ٢٠٩٠ وهو حد الوسط الكافي ولا ينبغي تطبيقه بالحرف بل أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص وقاماتهم ووزنهم وأعمالهم. فإذا أحب العامل الألبومين لتغذيته فغلبه بسمك الأرنكة والجبن وفخذ الخنزير والبقول الناشفة فإنه فيها بغيته بثمن معتدل على العكس من اللحم والبيض فإنها مواد غذائية تعد من نعيم البطون. ولكي يحصل على الهيدروكربون عليه أن يستعمل البطاطا فإنها في الدرجة الأولى برخصها ثم الرز والخبز والسكر والبقول والثمار الناشفة. وإذا أراد الأدهان فليعمد إلى دهن الخنزير وشحمه وأنواع الجبن والشوكولاتا.
هذا وقد عرف جميع المشرعين مكانة تنظينم التغذية وقد حرم موسى على العبرانيين لحم الخنزير والحيوانات المقدسة لفكر ديني كما حظر ما نوي على الهنود لحم البقر. وما زالت معتقدات المتوحشين بشأن الحيوانات التي يعدونها أجدادهم واعتقادهم بالطوتمية موجودة إلى اليوم عند أبناء هاتين النحلتين وتجعل لهذا الحظر وجهاً من الشرع. وقد كان ليكورك أول من سن للإسبارطيين أن يتخذوا أطعمة عامة يعتمد عليها كالحساء الأسود أما الآن فإن الأفكار أكثر حرية في هذا المعنى فلا تقدر الحكومة أن تستعبد أرادة المحكوم عليهم في
стр. 1456
طعامهم فليس أحسن من أن نعمد إلى طريقة الامتناع من طريق الخطابة والكتابة وعلى أندية كليات الشعب خاصة أن تبين أمثال هذه الموضوعات وأن تنشر كراريس رخيصة لنشر هذه الأفكار والتعليم الديني الذي يعلم في المستقبل هو تعليم التغذية في الحقيقة.
стр. 1457
الأسرة
قامت الاجتماعات البشرية الأولى على مناسبات طبيعية منشؤها روابط عصبية وميل إلى أرض واحدة واتحاد في العادات واجتماع على أسباب المعاش ولم تتألف لأول أمرها إلا من أسرات منفردة ثم تقارب بعضها من بعض فتألفت جماعات جدد. وما احتيج في العقود الزوجية بادئ بدء إلى أقامة الحفلات لأن الرجل والمرأة كانا يعملان كلاهما أعمالاً شاقة تضطرهما إلى جهاد متواصل ويختلطان أكثر من اختلاطهما اليوم. وما كان يطلب من النساء ما يطلب منهن على عهد التمدن الحديث أو ما يطلبنه لأنفسهن فيه من أساليب الظرف والكمال فإن هذا كله لم يكن في تلك الأدوار معروفاً كما لا يشاهد الآن في العناصر المنحطة من البشر. وكان بين الرجال والنساء من التماذج الذي يسقط دونه التمايز والنساء هن صلة القربى والأبناء ينسبون لأمهاتهم.
ثم حدثت رغبة التزاوج بزوجة فنشأ من ذلك الزواج بالبيع أي ببيع حقيقي عند الشعوب الأولى وبالبيع في الظاهر فيما بعد ثم نظم الزواج بأنواع التنظيم المختلف. فتيسر بذلك للأغنياء وزعماء القبائل أن يأخذوا عدة زوجات ونشأ من أجل ذلك الضر بعد أن كان الأبناء يدعون لأمهاتهم. وما زال الضر أي تعدد الزوجات شائعاً في آسيا وأفريقية وذلك للعادة المتبعة في تسليم الأعمال اليدوية للنساء بحيث يكون منهن أعظم مساعد وينتفع بجهادهن أحسن انتفاع.
الطر وإن كان من طبيعته جائراً فهو خطوة نحو التقدم إذا قيس بما كان البشر يألفونه من قبل من نسبة الابن لأمه وذلك لأن الأب والأم معروفان فيه. فقويت درجات القرابة أكثر من ذي قبل وغدا من السهل على الناظر إذا رجع إلى الماضي أن يأتي بسلسلة متصلة من الأبناء ونشأت من احترام الأجداد ولاسيما في الشرق عبادة خاصة ما زالت في بعض أنحائه على قوتها.
جرت عادة الشعوب الآرية منذ عهد بعيد أن تقتصر على زوجة واحدة وكان من نتائج هذه العادة إكرام المرأة واحترام حريتها ورضاها كل الاحترام وحل الشعور بالحب محل توحش القرون الأولى وأصبحت المرأة ملكة في بيت زوجها وإن تكن مستعبدة من حيث الأخلاق. وحدث من عواقب الاقتصار على واحدة من النساء في أوروبا نظام الأسرات ففرضت على كلا الزوجين واجبات كثيراً ما كانت موضع المناقشة وقد تعدل فيقبلها الرأي العام
стр. 1458
والقانون. وهكذا جرى عقد تبادل الواجبات بين الزوجين على غير قاعدة المساواة فاليونان والرومان لم يقولوا بتعدد الزوجات ولكنهم لم يمنعوا التسري ولطالما رأوا أن لا مانع من التزوج بامرأة غير المرأة الأصلية على طريقة نصف شرعية ولذلك لم تكن الفتاة اليونانية محررة من قيود العبودية كل التحرير فهي في طفوليتها طوع إرادة أبيها وإذا تزوجت أصبحت تحت حكم زوجها وإذا ترملت يكون أمرها بيد أقربائها أو بكر أولادها. ولم تمتز العقيلة الرومانية على ما كان لها من الحرمة عن الرجال بأمر ولا خلصت من وصايتهم عليها.
وكان نفوذ المرأة في شمالي أوروبا بين البرابرة ضئيلاً وكذلك عند أمم السلت والغاليين وحالها أحسن بقليل عند الجرمانيين ولذلك اقتضى لها حركة عقلية قوية للاستمتاع بحريتها ولقد كانت النصرانية بتمجيدها الأمومة عوناً على رفعة شأن المرأة الأدبي وإعلاء مقامها وتكريمه أكثر مما كانت. ومع هذا فتكاد لا تخلو حالها من نقد ويوشك أن لا يكون موقفها معه بعيداً عن الحرج. ويكفي للاقتناع في هذا الباب أن يدرس المرء ما يتعلق بالمرأة من مواد القانون درساً موجزاً ليعرف حالها إذ ذاك. على أن هذه القوانين ما برح حكمها إلى اليوم نافذاً في معظم الممالك الأوروبية.
فقد جاء في تلك القوانين بشأن المرأة بأن عليها أن تطيع زوجها وتفقد بعقدها عليه جنسيتها واسم أسرتها واسم بلدها وحرية التمتع بحقوقها وليس للزوج أن يتنازل عن الحقوق التي منحه القانون إياها ويحظر على المرأة أن توقع على عهد مدني أو شرعي بدون إذن من زوجها أو ممن يرجع إليه أمرها. وتفضل القانون عليها فمنحها حق الإيصاء وهي لا تستطيع وإن تجردت عن مالها أن تكون لها صفة أمام المحاكم ولا أن تمنح مالها وتبيع وترهن وأن تأخذ شيئاً بثمن أو بلا ثمن دون توسط زوجها فيه وإذا لم يكن لها زوج فالشرع يتولى ذلك منها وإذا كان الزوج يشرك زوجته في الأموال ساغ له أن يتصرف لا بريع أملاكها فقط بل أن يملك في بعض الأصقاع وارداتها الناتجة عن عملها بالذات.
ولا يحق للمرأة أن تنظر في مستقبل أولادها. ويحظر عليها إذا كانت أميرة ملكية أن تجلس على سرير الملك في كثير من الممالك وإن دل تاريخ بعض الملكات في إنكلترا وألمانيا وروسيا على أن صولجان الملك في أيدي النساء لم يكن دونه في أيدي الرجال قوة
стр. 1459
وسطوة وقد بذلت العناية من وراء الغاية ولاسيما في العهد الأخير في تعديل القانون الذي لا يمنح الزوجة وهي في حجر الأسرة إلا شطراً محدوداً من العمل فسوغ المعارضون تلك القيود الموضوعة وعللوها بقلة حنكة المرأة وتجاربها وما يعتريها من التأثرات النفسية والبواعث المحركة لها بدون أن ينظروا إذا كانت هذه الدواعي من الخطأ والأعمال النابية عن التدبر كثيراً ما أثرت أثرها وإن معظمها ناتج عن ذاك القانون نفسه الذي يزعم بأنه غير جائر. ولا جرم أن التعليم الذي تتعلمه المرأة اليوم على قلة كفايته وغنائه إذا توسع فيه جرى تحسينه بحسب سنة العقل لا يلبث أن تظهر نتائجه في الحال. وإذا ربي عقل أم البيت المقبلة وأشعر قلبها الإحساس بما لها من المكانة ينشأ عن ذلك أساس تربية الولد الذي يطلب إليها أن تراقب تأثراته الأولى ويديرها بيدها.
يجب أن تكون المرأة رفيقة الزوج لا خادمته. وإذ أنها شاركته في نعيمه وبؤسه فلها الحق أن تشركه في حياته وأعماله وأمانيه في المستقبل وأن تستند إلى معونته وحمايته في جميع الأحوال وإذا احترمت في ذاتها تظل أمينة معه فهي حاؤرسة التقاليد البيتية فإذا خانت وأدخلت عنصراً أجنبياً إلى بيتها في وقت ضعفها فتكون قد ارتكبت عملاً شائناً توبخها نفسها عليه ويؤدي ذلك بها إلى نفاق وكتمان لا ينطبقان مع طبيعتها الشريفة وتضطرب نفسيها أي اضطراب كلما تمثلت لها فعلتها.
فالزواج على ما يتمثل لفكر عادل مستقيم يفرض أن هناك حساساً حقيقياً بين الزوجين المقبلين وأنهما على كمال الاستمتاع بقواهما في المال والقدرة على العمل ليضمن بقاء الأسرة وهذا الشرط الأخير كثيراً من يصعب تنفيذه ويا للأسف ومنه ينتج أن بعضهم قد يطيلون أمد عزوبيتهم إلى أجل غير مسمى مع ما في امتناعهم عن الزواج من الاستهتار والشذوذ. ويعقد بعضهم من العقود الزوجية كل ضعيف ضئيل يكون الداعي الأعظم فيها مصلحة خاصة وأغراض ذاتية. ومن هناك أتت المفاسد وهي ناشئة من عادات رديئة وكثيراً ما تكون هي الجرائم بعينها. وقد ظهر في بعض الزواج من التنافر في الطباع والأخلاق ما اقتضى معه أن يتلافى أمره بالسماح بحل رابطته. وما الإذن بطلاق الزوجين المتنافرين إلا إقرار شرعي على أمر ثابت أصبح دوامه لا يطاق.
وكل ما يفصم عرى عهود الزواج وإن كان معقولاً في ذاته لا يخلو من حسرة تلحق الأبناء
стр. 1460
الذين ولدوا من أبوين يريدان الطلاق والانفصال. وبهذا النظر تعين على زوجين يرغبان في الطلاق أن لا يقدما عليه إلا بعد التأمل الكثير ليتحاميا الوقوع في مصائب تربو آلامها على ما صارت إليه حالهما.
ولقد دعا تعدد الزواج المتسرع في عقده دون النظر في المستقبل والتدبر في قلة ملائمته إلى القدح في نظام الزواج نفسه في صورته الحاضرة وتعظيم أمر الزواج المدني الحر إذا ضمنت فيه حالة الأولاد الذين يولدون منه ببعض ضمانات خاصة فلا يقوم الزواج بعد ذلك بإجراء شعائره المدنية أو الدينية بل بإنشاء صك بسيط تكون شروطه معلقة على إرادة المتعاقدين. ولعله يأتي من هذا التغيير المتطرف ضرر بالطريقة المستعملة الآن في الزواج. على أني قلت آنفاً أن الزواج الذي لا يفكر في عاقبته ويتم الرضى فيه دون العناية بما يحدث عنه من المسؤوليات قد أصبح سائغاً فليس من العبث إذن أن يجعل للمراسيم الزوجية بعض الشروط ليفهم المتعاقدان أن كل الفهم خطارة ما عقد لهما عليه. وبذلك يصبح احترام المرأة على أساس راهن. فإذا كانت الوعود التي تسبق الزواج الحر هي بحيث تضمن للمرأة مكانة اجتماعية فلا تعرضها لاحتمال أهواء النفوس التي يصعب الاعتذار عنها فإنها لا تختلف عن الشروط الزوجية الشائعة ولا موجب إذ ذاك للتغيير وإذا نقص من حرية الطرفين شيء يلحق المرأة من ذاك القسط الأعظم. فهي التي تستفيد في الواقع من الزواج خاصة لأن الزواج يعود منه في الغالب على الرجل زيادة موارد ثروته. وإن المرأة لا تتمتع بجمالها وتستوفي شروط التحبب إليها زمناً طويلاً فماذا تكون حالها يا ترى إذا شاخت ولم يكن لها بمقامها الطويل في بيت زوجها والتمتع بما تستحقه من الحقوق في يحاتها ما يجعلها موضوعه الحب الدائم والاحترام من زوجها؟ فكل عقد لا يوليها حالة ثابتة لا يتأتى لها معه مهما بلغ من جمالها وطهارة أخلاقها أن تأمل الوصول إلى أنواع سعادات الأمومة التي هي خاصة بالزوجة الشرعية. تستدعي حالة الولد عناية فائقة من الأب والأم حتى ينمو النمو القانوني في طبيعته وأخلاقه على أنه لا يستطيع أن يسير بما أمكن من الحكمة والتعقل ليجعل قياده بيده إلا إذا بلغ أشده أو كاد. فالمصلحة الاجتماعية تقضي أن يعيش أبواه معاً حتى يبلغ تلك السن ويستلزم ذلك قضاءهما أعواماً معاً فإذا انقضى ذاك الدور أيمكن النصح للزوجين بأن يفترقا ليبدأ حياة جديدة بعد فوات
стр. 1461
الوقت. وإنه ليرجى حرصاً على مصلحة الزوج وزوجه أن يكون الزواج دائمياً ولا ينحل عقده إلا في أحوال نادرة.
قلت أنه يجب أن يفرض في الزواج وجود عواطف في الحب متبادلة بين الراغبين فيه مصحوبة بحرية التمتع بمال يكفي لإعالة الأسرة ولا يلزم أكثر من ذلك في الحقيقة للأفراد حتى يكون الزواج شرعياً. وهنا سؤال وهو أنه هل تكفي هذه الشروط من حيث الاجتماع ألا يلزم النظر في صحة الزوجين لمصلحة الأولاد الذين يولدون منهما؟ أيسمح لبعض من أصيبوا بأمراض تنتقل بالوراثة أو معدية أن يعٍدوا زواجاً وينقلوا بأثرتهم وسوء غفلتهم العدوى إلى أسرة جديدة أخرى؟ هذه مسألة حرية بأن توضع محل النظر لأنها من أدق المسائل ولا يتعذر حلها لو جرى فيها كما يجري في دور تربية الحيوانات حيث يعزل السقيم عن السليم لأول وهلة أما في المبدأ الذي يستلزم أولاً العناية بتحسين النوع فإنه تحذف منه بحسب القياس الأعضاء الضعيفة الكثيرة أو السيئة التركيب لما في وجودها من الضرر الذي يلحق بالمجموع. لك أن ترجع إلى القواعد الطبيعية الظاهرة لتبرير هذا العمل فترى قاعدة الانتخاب الطبيعي تجري مجراها حولنا في ذوات الأعضاء فتشاهد أبداً في طبقة الكائنات النباتية والحيوانية فناء كمية عظيمة من الجراثيم لقلة غنائها في المحيط الذي تظهر فيه أو لضعف تركيبها عن المقاومة.
ألا يكون المرء قد عمل بسنة العقل وبما يقضي به الواجب إذا أرجأ بذاته ومحض إرادته وإخلاصه عدم إيلاد أشخاص يصبحون عرضة لعامة المصائب الطبيعية منذ ولادتهم. ومن المحقق أن المرء لم يتأثر وجدانه من هذا القبيل. فكان الحق للأب في الأزمان السالفة أن يستحبي من يولد من البنين والبنات أو يقتلهم ومتى رأى ولده ضعيفاً ضئيلاً يقدمه للموت بلا شفقة. ولقد نشأ في القرون الحديثة شعور وإن لم يكن حديثاً في الناس إلا أن ارتقاء التمدن جعله عاماً ونعني بهذا الشعور (الرحمة) في اليوم تعارض ما كان يجري سالفاً من قتل الأحياء الساقطة. لأن من لا يعجبك ظاهر حاله لفساد تركيبه الطبيعي لا يجب أن تحكم عليه بإسقاطه من المجتمع بل يتيسر أن يشغل من أعمال الاجتماع الكثيرة حيزاً يعمل فيه عملاً. فالحال تقتضي إذا إيجاد وسائط أخرى تكون إلى الاعتدال لتحسين أجناس الناس.
وقد اقترح بعضهم أن يفحص المرشحون للزواج فحصاً طبياً تفادياً من سوء الاستعمال ولو
стр. 1462
أمكن تطبيق هذه الطريقة الواقية لنشأ عنها نتائج حسنة إذ الظاهر أن تطبيق القول على العمل لا يخلو من شبهة. وذلك لأن الأهواء البشرية إذا ضيق عليها على هذه الصورة لا تلبث أن تخرج عن حد ما رسمه القانون وتعمد إلى التزويد وإلى الشهادات الطبية التي تنال بالشفاعات لتتجنب هذه القيود والأوامر. ومتى أصبحت هذه القوانين معمولاً بها وتعذر الزواج الشرعي على بعض الناس لا يلبثون أن يعمدوا إلى الزواج الحر فيخلصون على هذا الوجه من كل قيد وسلطة.
ولا دواء لهذه الأدواء إلا التربية إذا سارت على سنة العقل وكانت الغاية منها ترقية العواطف الشخصية بالآداب العالية. فالتربية هي التي تعلم أولئك الذي حظر عليهم الزواج لضعف فيهم أنه إذا جاز القانون عليهم ولم يرض لهم الاشتراك في النسل والحب فهو يوجب عليهم إذا أرادوا الخضوع لما أوصى به الشرف والواجب أن يمتنعوا عما يجعل العاهات فيهم دائمة.
أتجد تناقضاً في هذا الاستنتاج وفي شعور الآداب العالية التي دعوت إليها؟ لا أظن ذلك بل إني أعتقد أيضاً في بعض الأحوال الخاصة مثل قلة أسباب معاش الأسرة أنه يستحب لربها أن يتجنب زيادة عدد أولاده بدون روية لعلمه بأنه يحكم عليهم بالحرمان والفقر منذ ولادتهم. وليس معنى هذا أن نقبل رأي مالتوس كأنه حقائق في قوله بعدم التناسب بين نمو السكان ومواد معاشهم وأن نقص التوازن بين الأحياء وما يحيون به لا بد من وقوعه على أنه إذا ظهر ذلك فيكون من عدم التساوي في توزع الأجناس البشرية على سطح الكرة الأرضية.
ترى العناصر الإنسانية تتكاثف في بعض المحال بحيث يؤدي بها ضيق مضطربها إلى النزاع على صغر قطعة من الأرض التي كادت تفقد قوتها الإنباتية على حين أن هناك أراضي واسعة نادرة بخصبها وهي لا تزال بوراً. بيد أن مصاعب كثيرة تحول دون الإفراط في الإكثار من الجنس الإنساني. وبعد فإن للطبيعة أسباباً ملطفة ما زالت نواميسها غير معروفة حق معرفتها ولكن لها عمل لا يسع أحداً إنكاره على ضروب التناسل في عالم النبات كما في عالم الحيوان.
وقد ذكرت بعض الحوادث النادرة فيجب الآن أن أدخل في التعميم بأن أصور سلطة الأب
стр. 1463
على نحو ما ذكر ما هي معروفة عند أرباب الأفكار الحديثة. كانت سلطة الأب على أولاده مطلقة في القديم وجعلت الوصايا العشر بر الوالدين من أقدس واجبات الأبناء فإذا قال الولد لأبيه أفٍ وخرج عن طاعته يعاقب بالموت. ومثل هذا القانون كان نافذاً في أثينة وإن كان بشدة أقل. وكان لرب الأسرة في رومية الحق المطلق أن يقمع ما ارتكب أبناؤه وأهله من الأغلاط ولم تكن صلة القربى منظور لها بأنها نتيجة عقد بين الزوجين ولا يتيسر حلها اللهم إلا عند الجرمان والصقالبة (السلافيين) وما كان الابن حراً بالخروج من أسرته بمحض إرادته بل من الضروري استحصال رضى والده يمنحه إياه في صورة كأنه يحرره من رقه.
وغير نكير أن الطفل على جهله في كل شيء محتاج للتعليم والتهذيب فيجب عليه الطاعة لوالديه ويجب عليهما أن يحباه كثيراً ويحترماه بما بينهما من الصلات وبما يعاملانه به من المعاملة الحسنة لتكون تلط الطاعة مبنية على العطف والطبيعة. يجب أن تقوى فيه الرغبة في التعليم والعادة على الافتكار والشعور بالعدل وطيب السريرة تلك الصفات التي تضيق الخناق على أهوائه وتجعله عضواً نافعاً في حياته المستقبلية. فإذا اعتاد ذهنه الاشتغال يقوى ويجود كما يقوى الشعور بالمسؤولية. يجدر أن تترك له حريته وأن يستعاض عن إخضاعه لأوامر والديه بنصائح فيها العطف والحنان. فإذا طلب إلى الولد وقد استكملت سنه أن يحتفظ كل الحفظ بما يلزم من الطاعة وهو على كمال الاستحكام في قواه فيعد ذلك إجحافاً بحقوقه وإحراجاً لصدره. وعلى الوالد في تلك الحال أن لا يكون إلا بمنزلة صديق يؤخذ كلامه بالإجلال لا أن يكون بمنزلة معلم يسيطر على مستقبل ليس له منه ناقة ولا جمل.
كان التبني يسهل كثيراً في القديم فوضعت له القوانين اليوم قيوداً وشروطاً. وأخذت الصلات العائلية في الانحطاط عند الطبقات التي هي أكثر من غيرها انغماساً في الحضارة في أوروبا وأميركا فكان للحياة الخاصة في سالف الأزمان صفة ثابتة نتجت من النظام الاجتماعي الموضوع الذي فقد في المدن الكبرى لهذا العهد. وكان من ازدياد صلات الأمم بعضها مع بعض وتمازج العناصر المختلفة تعديل كثير من العادات المتأصلة والآراء التي كانت تتخيل سابقاً فزاد الارتباط بين الأفراد والمجموع الذين هم بعضه ودعت سهولة
стр. 1464
التنقل إلى حدوث تغييرات في المحيط فنشأ عن ذلك بحكم الطبع تأثرات جديدة أثرت في الحركة العقلية فاتسع مداها وانصبغت بصبغة الإنسانية. على أن موازنة الأخلاق القديمة قد سرت إليها أمور كثيرة ألقت فيها الاضطراب وزعزعت منها الأركان وستصلح بالضرورة. إذا لا يقوم مبدأ الأسرة على أساسه الطبيعي بدون شيء من التضامن. وكل اجتماع بشري عرض للزوال يعد عقيماً ولا ثمرة فيه بتاتاً.
стр. 1465
نبأ مصر
(وحالة الاجتماع فيها للسنة الماضية)
نسيمٌ بوادي النيل غير بليلِ ... وظلٌّ بهذا الروض غير ظليل
فلا الأرض تلك الأرض خصباً لأهلها ... ولا النيلُ في أرض البلاد بنيل
نفضنا يدينا وانزوينا مذلةً ... وأضيع ما في الناس حقُّ ذليلِ
لنا كل يوم ألفُ رأي وما لنا ... عليها من الأفعال فرْدُ دليل
نقلد ألفاظ السياسة عمرَنا ... ونذهل عند الحزم أيَّ ذهولِ
ويا بعد ما بين (الصليل) وهوله ... وإن قربا لفظاً وبين (صهيل)
فلاسفةٌ فيما نقول فلم نزل ... نصول على الدنيا ببعض ما نقول
وما من حديث بات غير مشقق ... ولا من جدال بات غير فصول
أفي كل يوم كاتبٌ يشرع القنا ... ليقلب جنب الأرض بعد قليل
أفي كل يوم صارخٌ ذو حميةٍ ... يضجُّ بقال في البلاد وقيل
أفي كل يومٍ شاعرٌ ذو حفيظةٍ ... يخط سطوراً من دماء قتيل
أيحسب ميزان السياسة في الورى ... كميزان مفعولاته وفعول
وأنبئتهم يستصرخون ليوقظوا ... نياماً بليلٍ في المطال طويل
فيا باذخ اليمّ اضطربت ولم تزد ... على نزوات أُعقب بخمول
أألآن والغرس والذي تمطرونه ... ملايين لم تثمر ببعض عقول
صغارٌ وجبنٌ خالعٌ في كبارهم ... وأصغرهم غالته لفظة غول ... كما خال قصراً ناظرٌ لطلول
ولا طول فينا غير نوع تطاولٍ ... ولا فضل فينا غير بعض فضول
بكل سبيل نزمع السير للعلى ... ونرتدُّ للسفلى بكل سبيل
تآدوا لغايات المنى بأداتها ... فما جلَّّّ لا يبغيه غير جليل
ألا إنما الداءُ الغميض عقولنا ... وما شجرٌ ينمو بغير أصول
وأهون بتفريج الأمور ولفها ... إذا لقيت يوماً لغير جهولِ
تباين ما بين الرجال وكلهم ... على زعمه بالأمر خير كفيل
стр. 1466
فيا عصبة الأحزاب ردوا حلومكم ... وجرُّوا على غير الثرى بذيول
فقد سطعت في مصر منك عجاجة ... ولكنها لاحت بغير صليل
عجاجة صيفٍ قد أثارت قتامها ... خيول سباقٍ لا ضراغم غيل
وما أنتم في أمر شيءٍ من الهوى ... فما بال واشٍ بينكم وعذول
وأحييتموها سنةً جاهليةً ... عداء أصيل فيكم ودخيل
تخلوا بأمر العلم واستجمعوا له ... قواكم فإن العلم خير دليل
ولا تخلطوه بالنفاق تقيةً ... وجبناً فظهر الحق غير ذلول
فما لكم إلا الذي تعملونه ... وإن تبدلوا منه قشر بديل
ألما تزالوا قاصرين فأمركم ... ضياعٌ إذا لم يعتصم بوكيل
تقوا عارها من سُبةٍ تتركونها ... لجيلٍ ويلقيها الزمان لجيل
أرى فئةً كالغانيات تدللاً ... تميل مع الأهواء كل مميل
تخال الفتى منهم على ظلمة النهى ... لألوان ثوبيه سماء أصيل
ملولٌ كما شاء الهوى واقتداؤه ... بمن حوله من خلةٍ وخليل
وما وجد الأعمال يوماً إنما ... ليستحسنوا فيه دلال ملول
وظن الفتى أن التمدن أثوي ... فتابع فيه كل ذات حليل
تماجن في أشكالها من صبغٍ ... إلى كل مجلوٍ وكل صقيل
إلى اللفظ حتى ما تكاد شفاهه ... تبين بلفظٍ منه غير نحيل
دلال جميل بالجمال مهنا ... فآهٍ عليه من دلال جميل
أولئك هم شبابنا لو عرفتم ... وهم كل من في مصر غير قليل
مظاهر نبلٍ نافقوا في اصطناعها ... ألا قبحت من صنعة لنبيل
أحلنا على غيب القضاء همومنا ... وأية سلوى في القضا لمحيل
وما نحن أهل الحكم ندفع دفعهم ... فإن لم ينيلونا فأيّ منيل
هم عوَّدونا الذل ثم تطوّلوا ... فمنّوا علينا بين كل قبيل
ومن عوَّد الذل الرجال حلاله ال ... فخار إذا ما قابلوا بقبول
فيا مصر أنت السيف صقلاً وجلوةً ... ولكن بلا حدّ (ولو بفلول)
стр. 1467
ويا كفَّ مصر ذلك السيف والوغى ... فإن تستطيعي بعد ذاك فصولي
فجعنا بما لا تضمرون حِذارَهُ ... وأكثرنا من عالةٍ ومعيل
فيا شؤمها من أزمة تركتكم ... وأولاكم بالفخر كل بخيل
وكم أسرةٍ تمسي المضاجع منهم ... تقلب طول الليل كل هزيل
يعدُّ رغيف الخبز فيهم وليمة ... لدى كل منضم هناك ضئيل
أخاف على أرض البلاد ونيلها ... ذهابهما رهناً لكل نزيل
فنمسي على نيل البلاد وأرضها ... كأنا على ماء (وبعض وحول)
جربتم سراعاً للغنى تطلبونه ... بكل طريق فاهنأوا بوصول
وإما أراد المقعدون سلامةً ... فما لصعود بينهم ونزول
تصيحون بالمحتل تستعبدونه ... مراغمة ما أنتم بعدول
ألا فاطلبوا إثباتنا في بلادنا ... فإن ضياع الملك بدءُ رحيل
ومن يطلب الأمر البعيد ويهمل ال ... قريب يُضع أمريه بعد حصول
أتظما نفسي الآن والماء في يديّ ... وأترك للأنهار بلَّ غليلي
فلا تتوانوا إنما الوقت فرصةٌ ... تمرُّ ومرُّ الوقت غير ثقيل
مصطفى صادق الرافعي
стр. 1468
على رمل الاسكندرية
إيه أيتها الأمواج الخالدة كم شاهدنا من أمواج الإنسانية ومن بحورها الفانية.
أمام عيونك الزرقاء وفي ظل ابتسامتك الفضية كم تبخر بحر ونضب وكم تبددت تحت أقدامك موجة هادرة شامخة من أمواج البشرية.
على هذا الساحل الذهبي الجميل قاتلت الملوك قديماً فتغنت بأخبار مواقعها أرباب الفنون ورددت صدى غزاتها ألسن الشعراء.
بالقرب من صدى هديرك الهائل هاجت أمواجهم وماجت فعادت إلى حيث لا تبلغ مدك ولا تبصر عيونك الرمل والصخور.
عادت أمواج أنفسهم المضطربة إلى حيث لا نبع إلا نبعك الدافق من ميازيب ذهبية في بساتين من النور الأزلي الروحاني
هناك نبعك أيتها الأمواج وهناك أيضاً نبع الإنسانية.
أنت هجت قديماً في صدر الإسكندر فجئت به إلى هنا ليبنى لك هذه المدينة الزاهرة.
أنت حملت أنطونيوس إليها ليطفئ لوعة غرامه.
أنت منحت القيصر قسطاً من عظمتك فخاض عبابك طمعاً بملك عظيم بل شغفاً بوجه وسيم.
وأراك الآن هائجة في قلوب الصغار والأذلاء كما هجت قديماً في قلوب الملوك والأمراء.
أراك مضطربة مبتسمة معاً إذ تشاهدين على ساحلك هذه الأمواج المزدوجة من بحر الإنسانية.
هي تتمازج على الرمل في كنف الصخور تمازجك في بطن أمك.
هي أمواج من النفس يحن بعضها إلى بعض ويهيج بعضها على بعض ويختفي زبد الواحدة تحت زبد الأخرى ويذوب زجر الهائجة تحت مدّ المدبرة.
الحب أيتها الأمواج يؤيدك.
والحب يحمل إليك هذه الأمواج القلقة الفانية.
ومهما عظم اضطرابها على سواحلك الذهبية فراحتها أخيراً تحت ابتسامتك الفضية الأزلية.
لا تعجبني من هياج هذا الإنسان واضطرابه فما هو سوى طوائف من الأسماك والحيوانات البحرية تختبط في بحر النفس لا يرى مدينتنا من المدن الكائنة تحت أمواجك.
стр. 1469
أيها البحر العائل أيها الرقيب الأزلي وفيها من الحيتان والدلافين ما يزري بحيتانك ودلافينك.
فيها يهدر بحر من هذه الإنسانية المتكالبة. .
لكل موجة صوت لا يشبه أخاه.
لكل موجة شكل ومنهج وعبوسة وابتسامة.
هذه الاسكندرية وفي بحرها تشاهدين الآن ما لم تشاهديه فيما مضى من الزمان.
أمامك الآن أمواج مزبدة من نهر التايمس الهادئ. . وأمواج هادئة من نهر المسيسبي المتدفق وأمواج كرواسي الحبال من نهر الرون والرين والدانوب والسين. . وأمواج عليلة لطيفة من بحر الأحمر وبحر الهند وبحر فارس.
هي الأمواج يتلاطم بعضها ببعض ويمتزج بعضها ببعض ويبتلع بعضها بعضاً ويقتل بعضها بعضاً أو يعطف بعضها على بعض والكل يهلك نفسه في هذه الحركة الدائمة. في هذا العراك الشديد والضجيج المديد.
يشيدون الصروح ويهدمونها. ويؤسسون الممالك ويبيدونها. فيتلاشون أخيراً تحت أقدامك. وأنت باسمة ضاحكة تسخرين منهم وأمواج منك كالظلل تحمل إليهم نبأ الأبدية.
بحر الإنسانية يفيض ويزبد ويهيج ويهدأ ويتبخر ويتصبب ويعكر ويرسب ويتلاشى وأنت باقية إلى الأبد.
تشاهدين هذا الزمان كما شاهدت أباطيل الأزمنة الغابرة.
تسمعين ضجيج أبطال هذا الجيل في البورص كما سمعت صليل رماح أبطال الأجيال الماضية في ساحات القتال.
وتستقبلين الشمس كل مساء كما تستقبلينها يوم لم يكن على سواحلك مدن ولا عمران ولا نبت ولا حيوان.
لبنان
أمين الريحاني
стр. 1470
نحن على منطاد
نحن من أرضنا على منطاد ... جائل في شواسع الأبعاد
طائر في الفضاء عرضاً وطولاً ... بجناح من القوى غير باد
أيها الأرض سرت سيرك مثنى ... ذا نتاجين في زمان أحاد
فتقلبت في نهار وليل ... ذا مضل وذاك للناس هاد
في بلاد يكون سيرك تأوي ... باً على أنه سرىً في بلاد
فيك دفع وفيك يا أرض جذب ... لك ذا سائق وذلك حاد
فلك دائر على الشمس طوراً ... في اقتراب وتارة في ابتعاد
ليت شعري وما حصلت في الآ ... راء إلا على خلاف السداد
لبقاء تقلنا الأرض في تس ... يارها أم تقلنا لنفاد
نحن في عالم تقصف فيه ... عارض النائبات بالأرعاد
شأننا العجز فيه نوجد أنى ... قذفتنا يد الخطوب الشداد
ضاع جذر الحياة عنا فخلنا ... أنها كالأصم في الأعداد
شغلتنا الدنيا بلهو ولعب ... فغفلنا والموت بالمرصاد
ضلَّ من رام راحة في حياة ... نحن منها في معرك وجلاد
كلما قد أجلت في أم دفر ... فكر مستبصر بها نقاد
قلت قولاً أفاد من قبل فيه ... فيلسوف القريض غير مفادي
إذا نجحا في اسعة الموت أضع ... اف خيار في ساعة الميلاد
إنما هذه الحياة جروح ... أثخنتنا والموت مثل الضماد
كل أسر يهون إن أطلقت أر ... واحنا الموثقات بالأجساد
لا تلمني إذا جزعت فإني ... ما ملكت الخيار في إيجادي
طال عتبي على عدات الليالي ... مثلما طال مطلها بمرادي
كدرت عيشي الحوادث حتى ... لا أرى الصفو غير وقت الرقاد
صاح ما دلّ في الأمور على الأش ... كال إلاَّ تفحص الأضداد
فاعتبر بالسفيه تمس حليماً ... وتعرّف بالغيّ طرق الرشاد
واللبيب الذي تعلم إتيا ... ن المعالي من خسة الأوغاد
стр. 1471
أيها الغرّ لا تغرك دنيا ... ك بكون مصيره لفساد
خفَّ من غاص في الغرور كما في ... لجة الماء خف ثقل الجماد
يا خليليَّ والخليل المواسي ... منكما من يقوم في إسعادي
خاب قوم أتوا وغى العيش عُزّلاً ... من سلاحي تعاون واتحاد
قد جفتنا الدنيا فهلاَّ اعتصمنا ... من جفاء الدنيا بحبل وداد
لو عقلنا لما اختشى قط محسو ... دون وقع الأذاة من حساد
فمتاع الحياة أحقر من أن ... يستفز القلوب بالأحقاد
أنا والله لا أريد بأن أو ... قع شراً ولو على من يعادي
أنّ لي إن سمعت أنة محزو ... نٍ أنيناً مرجعاً في فؤادي
إن نفسي عن همها ذات شغلٍ ... بهموم العباد كل العباد
لا أحب النسيم إلا إذا هـ ... بّ على كل حاضر أو باد
أيها الناس إنّ ذا العصر عص ... ر العلم والجدّ في العلى والجهاد
عصر حكم البخار والكهربائي ... ة والماكنات والمنطاد
بنيت فيه للعلوم المباني ... وأقيمت للبحث فيها النوادي
فاض فيض العلوم بالرغم ممن ... ضربوا دونهن بالأسداد
إن للعلم من الممالك سيراً ... مثل سير الضياء في الأبعاد
اطلع الغرب شمسه فحبا الشر ... ق اقتباساً من نورها الوقاد
إن للعلم دولة خضعت دو ... ن علاها عوالم والأضداد
ما استفاد الفتى وإن ملك الأر ... ض بأعلى من علمه المستفاد
لا تسابق في حلبة العز ذا العل ... م فما للهجين شأو الجواد
إن أموات أمة العلم أحيا ... ء حياة الأرواح والأجساد
وكأين في الناس من ذي خمول ... صار بالعلم كعلة القصاد
ربَّ يوم وردت دجلة فيه ... مورداً خالياً عن الوراد
حيث ينصبُّ في سكوت عميق ... ماؤُها لاثماً ضفاف الوادي
وهبوب النسيم يكتب في الما ... ء سطوراً مهتزة في اطراد
стр. 1472
ينمحي بعضها ويظهر بعض ... فهي تنساب بين خافٍ وباد
وتئن المياه لي بخرير ... كأنين السقيم للعُوَّاد
قمت في وجهها أردّد طرفي ... ساكناً والضمير مني ينادي
واقفاً تحت سرحة ناح فيها ... طائراً فوق غصنها المياد
منشداً في النواح شعراً غريزي ... اً حزيناً كأنه إنشادي
جاوبته أفنانها بأنين ... من حفيف الأوراق والأعواد
أيها الطائر المرجع فوق ال ... غصن هل أنت نائح أم شاد
بين ماء جارٍ ولحن شديّ ... منك يا طائر استطار فؤادي
يا مياهاً جرت بدجلة تجتا ... ز مروراً بجانبي بغداد
إن نفسي إلى الحقيقة عطشى ... أفتشفين على من صاد
كنت تجرين والرصافة والكر ... خ خلاءٌ من رائح أو غاد
أيها الماء أين تجري ضياعاً=وحواليك قاحلات البوادي
فمتى تفطن النفوس فيحيا ... بك سقياً موات هذي البلاد
لو زرعنا بك البقاع حبوباً ... لحصدنا النضار يوم الحصاد
أفيدري خليج فارس ماذا ... فمه منك بالع بازدراد
أنت والله عسجد ولجين ... لو أتينا الأمور باستعداد
فاجر يا ماءُ ' ن جريت رويداً ... بأناة ومهلة وأتاد
علنا نستفيق من رقدة الفق ... ر فنغنى بفيضك المزداد
سلكتك السما ينابيع في الأر ... ض أمدّتك أيما إمداد
فتفجرت في السفوح عيوناً ... نبعت من مخازن الأطواد
وإذا ما نتهيت في جريان ... عدت للبدءِ في متون الغوادي
= هكذا دار دائر الكون من حي_ث انتهى عاد راجعاً للمبادي
بغداد
معروف الرصافي
стр. 1473
مطبوعات ومخطوطات
الحياة الاجتماعية وتقلباتها
هذا كتاب أخرجه مؤلفه للناس باللغة الفرنسية في الشهر الماضي في نحو أربعمائة صفحة وقسمه إلى عشرة أجزاء ذكر في الأول الأسرة ومقر الأسرة وفي الثاني طوائف الناس وتاريخهم وحالة العالم الحاضرة وفي الثالث العواطف الدينية ومظاهرها وتأثير المعتقدات الدينية الاجتماعي وفي الرابع الأوضاع القانونية وتعديل تنظيم القانون وفي الخامس المصالح المادية واتساعها ومكانتها بين الأمم والحملات البحرية والاستعمارية ونتائجها وفي السادس الصنائع والفنون والهندسة والنقش والتصوير والموسيقى وفي السابع الآداب وانتشار القديم والحديث منها وفي الثامن نظرة في العلوم وما نتج من الأخطاء فيها على التوالي وفي التاسع طريقة التعليم على اختلاف العصور وفي العاشر نشوء الأفكار السياسية والمنازع الاجتماعية. هذه فصول الكتاب وكلها مفيد نافع توخى مؤلفه بعد التجارب الطويلة أن يجعله معلماً للقارئ يتناول تعليمه لا أن يلقى عليه مسائل قد لا يفهمها إلا كبار العلماء. فجاء كتابه نافعاً للخاصة والعامة جامعاً العمليات إلى النظريات قال المؤلف في مقدمته:
كنت في قرطجنة على شاطئ البحر والظلام ملق سدوله على السماء فلا ترى فيها إلا ما ازدانت به من زينة الكواكب والسكون يحف بي وقد ملئ أسراراً وساد الآكام والسهل حيث كانت هذه المدينة الفينيقية في سالف العصور محاطة بأسوارها الثلاثة وفيها معابدها وقصورها وأرصفتها الزاهية واليوم لا يرى فيها إلا بضعة حوائط مبعثرة يرد عهدها إلى العصر الروماني وأكوام من الأنقاض يحدق بها فلاح عربي بمحراثه وقباب باهتة وأحواض نصفها مملوء وقبور مدنسة وقطع من عمد ملقاة بين باقات نبات البرواق والفحم.
رأيت ثمة صورة لا تنسى فذكرت بتلك الخرائب المبعثرة ما طرأ من التبديل العظيم على الحياة الاجتماعية فكان منه انحلال في بعض الأصقاع وتحسين في أخرى وما برح قابلاً للتحول بما فيه من النقص الظاهر لاتساعه وانبساط محيطه فأدى بي التأمل إلى أن أخذت أفكر في القوانين التي لا تتبدل أحكامها في هذا الوجود ولم يبرح أمرها مجهولاً في الأغلب.
стр. 1474
وما تاريخ الإنسانية في الحقيقة لا سلسلة من الحوادث لو بحثنا فيها بحثاً منطقياً لرأينا بعضها متشعباً من بعض فإذا أوردت هذه الحوادث الغزيرة فلا ترى فيها إلا إتعاباً للذاكرة بدون أن يستنير بها الفكر وإذا جمعت على ترتيب حسن بقطع النظر عن تفاصيلها العديدة فتكون مملؤة بالفوائد. إلا وأن الاشتغال في إتمام هذه الباكورة العامة التي تتضمن درس المجتمعات البشرية منذ ابتدائها وتتبعها في نشوئها التدريجي وتضعها موضع التطبيق والعمل بحيث تصف ما فيها من المنازع والمناحي لمما يساعد على نشر هذه الأفكار الكثيرة ويدعو إلى التوفر على أبحاث أهم وأحدث.
خطر لي هذا الخاطر وأنا في خلوة وأمامي ماضي البشر الذي يوحي إلى القلب ما يوحي. فأهاب بي أن أشرع بمثل هذا العمل على حين لم أجهل صعوبته وذلك لأنه اقتضى أن أوضح فيه مجموع ما ظهر من بدائع عقول البشر في السياسة والعلوم والفنون والأدب وهو متوقف على جميع أنواع البحث على صورة تكاد تكون مكدائرة المعارف بما تجمع وتضم. وفي هذا التأليف من الفائدة ولو لم يستوف حقه أنه يسهل تقويم كثير من المشاكل الاجتماعية التي لا تزال موضوع البحث وأن يرسم قانوناً صريحاً لمجموع الأعمال العقلية أمام الناظر لأحدث الاضطرابات الدنيوية الحديثة والإخلاص رائد القول في الاستنتاج بحرية فكر فلا تورد إلا بعد تمحيصها كل التمحيص. هذه الأمور حملتني على أن أتمم ما قام في ذهني وأن أضم نتائجه في الصفحات التالية أهـ. وقد عربنا منه في غير هذا المكان مبحث الأسرة وسننقل للقراء أهم مباحثه.
المزهر
للسيوطي كتب لا تحصى أفردها بمؤلف خاص ومنها الجيد ككتاب المزهر وكتاب الإتقان في علوم القرآن. أجاد في المزهر كل الإجادة فأفاض في متعلقات علم اللغة وكتب فيه فصولاً بديعة انتقاها من الكتب المعتمدة فجاء الكتاب مفرداً في بابه وقل من كتب فيه من المتأخرين مع أنه من أجل الفنون التي أعني بها المتقدمون. وقد تعرض فيه للكثير من أسرار اللغة العربية وهو من أهم ما يعنى به المستشرقون في هذا العصر.
وهنا كلمة ينبغي أن تقال وذلك أن كثيراً من المؤرخين ومنهم أناس من مؤرخي عصر السيوطي قد بخسوه بعض حقه فزعموا أنه نقال غير نقاد يجمع بين الغث والسمين وهذا
стр. 1475
على إطلاقه مما ينتقد عليهم لأنه قد أجاد الانتقاء في مثل هذا الكتاب على أنه قد أظهر أعظم اجتهاد في أصول اللغة العربية وذلك في الاقتراح في أصول النحو.
(ناظر)
طبع هذا الكتاب الشيخ محمد سعيد الرافعي على أجمل شكل وحرف بعد أن طبعت الطبعة الأولى في المطبعة الأميرية منذ زمن وقد اختار له ورقاً صقيلاً رقيقاً فوقع الجزآن منه في قدر سبعمائة صفحة متوسطة القطع خفيفة الحمل ويباع في المكتبة الأزهرية بالقاهرة بعشرة قروش مجلداً وهو من الأمهات التي لا يسع أحداً من المشتغلين بالعلم أن يزهد فيها.
الأضداد
بلغت عناية العلماء باللغة أن أفردوا كل فرع من فروعها بكتاب وهو غاية ما يتصور في العناية ومن ذلك الأضداد وهي الكلمات التي تدل على الشيء وعلى ضده كالحون فإنهم قالوا أنه يطلق على الأبيض والأسود. وقد أنكر ذلك ابن دستوريه والف كتاباً في إنكار بناه على أن ذلك مناف لحكمة الوضع وخالقه الأكثر في ذلك وألفوا فيه ومنهم قطرب والتوزي وأبو بكر ابن الأنباري وأبو البركات ابن الأنباري وابن الدهان والصاغاني فإنهم أثبتوا ذلك وألفوا فيه وكتاب الأضداد لابن الأنباري المتوفى سنة ٣١٨ هـ من أنفس ما ألف في هذا النوع وقد تعرض في نوله لسبب وقوع مثل هذا في اللغة ودفع اعتراض المعترضين وأفاض في هذا الموضوع إفاضة واسعة وكتابه من أهم ما كتب
(ناظر)
طبع هذا الكتاب الشيخ محمد سعبد الرافعي صاحب المكتبة الأزهرية وكان طبع في أوروبا من قبل وقد عني الشيخ أحمد الشنقيطي بضبطه وشكله وتصحيحه فجاء في ٣٨٠ صفحة متوسطة جيد الطبع وهو يطلب من طابعه بمصر بإثنى عشر قرشاً فنحض على اقتنائه.
رسائل الفارابي
هي ثمان رسائل منسوبة للحكيم أبي نصر الفارابي المشهور بالمعلم الثاني الأولى في الجمع بين رأيي إفلاطون وتلميذه أرسطاطاليس فيما يظن أنهما اختلفا فيه وذلك في مسألة حدوث العالم وقدمه وفي إثبات المبدع الأول وفي وجود الأسباب منه وفي أمر النفس والعقل وفي المجازاة على الأفعال خيرها وشرها وفي كثير من الأمور المدنية والخلقية
следующие страницы →