← Джавами‘

Джавами‘ · id 26523

مجلة المقتبس

محمد كرد علي

Полный текст (6 802 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

١٩٠٦ ـ ١٢٧٠٠٠ وهذا القدر فيه نظر لأن كثيرين يفرون بدون أن يأخذوا جوازاً من الحكومة فيسافرون سراً فراراً من وجه رجال الشرطة والذين يعودون من المهاجرين إلى أميركا فقلما يرجعون إلى بلادهم وترى الآن ٢٤ مليون هكتار من الأرض الإسبانية بوراً لا زرع فيها ولا ضرع لقاء ٢٢ مليوناً قابلة للزراعة. جرائد الهند تصدر في أقطار الهند ٧٧٤ جريدة يومية بتسع عشرة لغة مختلفة وأكثرها انتشاراً جريدة كورالدري تصدر في بومباي ويطبع منها كل يوم خمسة آلاف نسخة وفي كلكتا جريدة بازوموتي وهي أسبوعية يطبع منها خمسة عشر ألف نسخة. الجنون في أميركا يزداد فقد العقل في الولايات المتحدة بصورة مخيفة. ففي ولاية نيويورك ستة وعشرون ألف وثلاثمائة وسبعة وخمسون مجنوناً وذلك واحد في الثلاثمائة وأغلبهم من المهاجرين. بيان وإيضاح نبهت في كلامي عن الطالع السعيد على نوع من الزجل سماه المؤلف بالبليقة ولم أدر إن كان يراد به مطلق الزجل في ذلك العصر أو نوعاً مخصوماً منه ثم وقفت أخيراً على بيان وافٍ لهذا النوع في كتاب الأقصى القريب لأبي عبد الله محمد التنوخي وهو من مقتنياتي الحديثة أحببت أن أتحف به المقتبس الأغر. قال عند كلامه على الموشحات والأزجال ما ملخصه ومنها قرقيات المصريين وبليقاتهم والفرق بينهما وبين الزجل أن الزجل متى جاء فيه الكلام المعرب كان معيباً والبليقة ليست كذلك فيجيء فيها المعرب وغير المعرب ولذلك سميت بليقة من البلق وهو اختلاف الألوان وتفارق البليقة في أن البليقة لا تزيد على خمس حشوات غالباً وقد تنتهي إلى السبع قليلاً والقرقية تزيد كثيراً على حكم الزجل في ذلك وسميت القرقية قرقية من القرقة وهي لعبة يلعب بها صبيان الأعراب انتهى. قلت وهذه اللعبة ذكرها صاحب القاموس ورسم صورتها إلا أنه سماها قِرقاً لا قِرقةً والخطب سهل. أحمد تيمور قصيدة للمعري

стр. 2347

نشر المقتبس قصيدة لأبي العلاء المعري لا توجد بديوانه عثر عليها أحد علماء المشرقيات في كتاب الوافي للصفدي وقد عثرت له على أبيات لامية أيضاً لا توجد بالديوان في كتاب التذكرة لابن العديم وهو من كتب دار الكتب الخديوية وهذه النسخة بخط ابن العديم نفسه ونصها: قرأت بخط الشيخ أبي الفضل عبد الواحد بن محمد بن العطار الربعي الحلبي على ظهر كتاب أنشد أبو العلاء المعري في من قتل وصلب. أَبدْرَ دُجى غالته الغوائل ... فأصبح مفقوداً وليس بآفل أتته المنايا وهو أعزل حاسر ... خفىَّ غرار السيف بادي المقاتل غلام إذا عاينت عاتق ثوبه ... رأيتَ عليه شاهداً للحائل يمسّح المسك الزكيّ مرَجلاً ... يرفّ على المتنين مثل السلاسل سواءٌ عليه في السوابغ جرْأَةً ... ثنى عطفه أو في رقاق الغلائل وعزّ عَلَيّ العلياءِ إن حيل بينه ... وبين ظبي أسيافه والعوامل وعريّ من برديه والسيف لم يكن ... ليخضب إلا من دماءِ الأفاضل أَحلوُّك من أعلى الفضاء محلةً ... نأَت بك عن ضنك الثرى والجنادل وليس بعارٍ ما عراك وإنما ... حمال اتساع الصدر ضيق المنازل انتهى إلا أن قول ابن العديم أنشد أبو العلاء يحتمل أنه أنشدها لغيره وليست له ويتحمل عكسه على أني أرجح كونها له لما عليها من المسحة المعرية وقد عرضتها عَلَى الأستاذ الشيخ طاهر الجزائري فصوب رأيي فيها وزاد أنه لم يعهد في الغالب أن أبا العلاء ينشد لغير العرب فالراجح أنها من كلامه وقد أعجب بها كثيراً. القاهرة ـ أحمد تيمور

стр. 2348

مطبوعات ومخطوطات التربية الاستقلالية أو أميل القرن التاسع عشر لالفونس اسكيروس ترجمه عبد العزيز أفندي محمد وطبع بمطبعة المنار بمصر سنة ١٣٢٦: ص٤٦٦ هذا السفر من أجل كتب التربية عند الإفرنسيس جرى فيه مؤلفه على أسلوب أميل القرن الثامن عشر لجان جاك روسو وصاغه في قالب رسائل ملذة حوت خزانة أفكار ترقي في المرء أدب النفس وأدب الدرس. وقد قدم له رصيفنا صاحب المنار مقدمة ذكر فيها غرض المؤلف وفائدة كتابه وكذلك فعل مترجمه الأديب. وكان نشر هذا الكتاب تباعاً في أجزاء كثيرة من مجلة المنار فأفرد الآن ليعم نفعه فهو من أفضل ما يقتنيه أرباب البيوت ويتلونه على صبيانهم وبناتهم ونسائهم لتنطبع في القارئ والسامع ملكة التربية العملية وصورة من صور الآداب العالمية في المدنية الغربية فعسى أن ينتفع بالفرع كما انتفع بالأصل وأن يلهم العارفون لغات الأجانب منا إلى تعريب مثل هذه الأسفار النافعة. دلائل التوحيد تأليف الشيخ محمد جمال الدين القاسمي الدمشقي طبع بمطبعة الفيحاء بدمشق (ص٢٠٧) عرف مؤلف هذا الكتاب بالهمة العالية في التأليف والنشر والنظر في الفنون الإسلامية واللسانية. وكتابه هذا حوى من أدلة الكلاميين والفلاسفة الإلهيين ما تدحض به حجج المبطلين والسفسطائيين ولنحل به شبهات الجامدين من الماديين وقد التزم في حجاجهم جانب الأدب والحكمة فلا يدفع الشبهة إلا بالحجة ولا يدفع الباطل إلا بسلطان الحق عازياً بعض الشواهد لأربابها مغفلاً الآخر على حسب المال. دواني القطوف في تاريخ بني المعلوف تأليف عيسى أفندي اسكندر المعلوف. طبع في المطبعة العثمانية في بعبدا (لبنان) سنة ١٩٠٧ ـ ١٩٠٨ (ص٧٤٩)

стр. 2349

هذا المؤلف من كتاب العربية وشعرائها المجيدين ترجم وكتب كثيراً فعد من جملة من خدموا الآداب العربية وقد اختص هذا التأليف بوصف أسرته الكبرى خاصة وبعض الأسر السورية ولاسيما المسيحية عامة وألمَّ بتاريخ معظم أصقاع سورية قديمها وحديثها ومناشئ سكانها وأصولهم وعاداتهم وحكوماتهم آخذاً عن الشيوخ مشافهة ومن بطون الدفاتر والكتب المطبوعة والمخطوطة مما يصعب وصول كل باحث إليه فجمع شتيتاً من الحوادث والكوائن خدم بها تاريخ البلاد خدمة يشكر عليها وتاريخ الأفراد هو تاريخ السياسة. تقرير جمعية العروة الوثقى سنة ١٩٠٦ ـ ١٩٠٧ في القطر المصري جمعيتان إسلاميتان قامتا بأجل الأعمال النافعة من تربية البنين والبنات إحداهما الجمعية الخيرية الإسلامية في القاهرة والثانية جمعية العروة الوثقى الخيرية الإسلامية بالإسكندرية. وأمامنا الآن تقرير الثانية الأخير وفيه أن عدد مدارس الذكور التي أسستها كان في السنة الماضية ١١ مدرسة فيها ٩١٠ أولاد ومدارس البنات ٦ عدد تلميذاتها ٥٥٧ بنتاً وقد تبرع لها المحسنون في خلال السنة الماضية بألف جنيه بعضها من محسني اليونان وغيرهم كما تبرع المسيو موريوندو وحده بألف ليرة إفرنسية وأعطى ورثة المسيو نقولا آبيت إلى الجمعية ألف جنيه وهي مما خصها من توزيع الخمسة آلاف جنيه التي كان أوصى بها لتصرف على الأعمال الخيرية في الإسكندرية وذلك عدا الأوقاف التي وقفت عليها وهي تساوي بضعة ألوف من الجنيهات. وكان المرصد لنفقات التعليم ٥٦٤٦ فبلغت النفقات الحقيقية ٥٧٣٠ج و٨٦م. رحلة الحبشة لصادق باشا المؤيد وتعريب رفيق بك العظم وحقي بك العظم. طبعت بمطبعة الجريدة بمصر سنة ١٣٢٦ ـ ١٩٠٨ (ص٣٣٥) المؤلف والمعربان ممن اشتهروا بالآداب وخدمة الأقلام. والمؤلف هو أحد أفراد أسرة تعلم معظمهم التعليم العصري وبرزوا في الفنون التي أحكموها. وقد كانت الحكومة العثمانية انتدبته في مهمات السياسة فرحل إلى جغبوب مقر الشيخ السنوسي كما رحل إلى كفرة

стр. 2350

وآسيا الصغرى والحجاز وآخر رحلاته رحلته إلى بلاد الحبشة في مهمة من السلطان العثماني إلى الإمبراطور منليك الحبشي فلم يشأ أن يضيع رحلاته في الطعام والمنام والسلام والكلام بل قيدها بالورق ونشر بعضها بالتركية فعز على نسيبه أن لا ينتفع برحلته إلى الحبشة عند العرب فعرباها تعريباً متقناً وفيها وصف بلاد النجاشي وصورة مصغرة من تاريخها الحاضر والغابر واجتماعها وأصول سكانها وعاداتهم وإدارتها وصلاتها ببلاد الإسلام ومشاهيرها أمس واليوم بحيث جاء الكتاب مرجعاً لأبناء هذه اللغة وسوف تنتفع به الأجيال المقبلة كما ننتفع نحن الآن برحلة ابن جبير وابن بطوطة وغيرهما من رحالة العرب والعجم. وكتب الرحلات من أنفع كتب العمران والحضارة وفي هذا الكتاب صور بعض المشاهير من الأحباش وغيرهم وبعض الرسوم والمصورات على نحو الرحلات الإفرنجية. تركيا الجديدة لجميل أفندي معلوف طبع بمطبعة المناظر في سان باولو من بلاد برازيل (ص ١٥٤) كتاب أجاد مؤلفه في وضعه أتى فيه على أسباب الانقلاب العثماني وتاريخه وقسمه إلى ستة كتب الكتاب الأول في أسباب الانحطاط في الشرق والثاني في تفرنج الشرقيين والثالث في التعليم والرابع في القانون الأساسي والخامس في الديانة السياسية والسادس أبقاءٌ أم فناء. كل ذلك مكتوب بقلم يدل على أن للمؤلف جولة في المسائل السياسية والاجتماعية وذوقاً في التأليف والتأثير في الأفكار ومن رأيه أن الثورة الأخيرة في السلطنة كانت لقلب مبدأ لا للانتقام من شخص ولو كانت شخصية لفشلت لأن كثيراً من ملوك بني عثمان قتلوا ولم ينتج من قتلهم فائدة للبلاد بخلاف هذه الثورة التي أشبهت ثورتي فرنسا وأميركا اللتين أريد بهما قلب المبادئ لا نقل السلطة من مستبد إلى يد مستبد آخر. قال ولا بد أن يعقب هذا الانقلاب السياسي الصغير ثورة أدبية عظيمة ضد المبادئ القديمة كلها فيثور الابن عَلَى أبيه والمرأة على زوجها والخادم على سيده والرعية على كاهنها وشيخها ورجال الدين على كتبهم وأبناء اليوم جميعاً سيثورون على خرافات أجدادهم ويبرزون أمام العالم أمة جديدة مجردة من كلا علاقة مع الأجيال الماضية.

стр. 2351

الفتاوى والنظم تأليف محمود أفندي الحمزاوي طبع بمطبعة روضة جلق بدمشق سنة ١٣٢٦ هـ (ص٨٦) هي رسالة منظومة في قسم المعاملات من الفقه الحنفي فيها فوائد كثيرة لا يستغني عنها مستفت. ونظم المؤلف وسط ولعله أرقى من كثير من منظوم الفقهاء والمحدثين والمؤلف أحد مفاتي دمشق الذين تفاخر بهم لم يشتهر بالنظم اشتهاره بالفقه والحديث وله رسائل وكتب طبع بعضها وبعضها لم يطبع. نخبة عقد الأجياد في الصافنات الجياد تأليف الأمير محمد باشا الحسني الجزائري طبع على نفقة المطبعة الأهلية في بيروت سنة ١٣٢٢ (ص٣٠٤) هو كتاب موجز من سفر مطول بهذا الاسم ذكر فيه المؤلف نشأة الخيل ونضلها وتكريمها والقول في لحومها وأنواعها وألوانها وأعضائها وصفاتها وتقفيزها وأطوارها وخدمتها والإنفاق عليها وتأديبها وكيفية تضميرها والسباق وما يتعلق به إلى غير ذلك من الفوائد المهمة التي لا يستغنى عنها في هذا الباب فنشكر للأمير المؤلف هديته ونرجو أن ينسج على منواله معظم الأعيان والأمراء فيصرفون شيئاً من أوقاتهم في خدمة الآداب والمعارف. أبحاث باحث نشر المسيو لوسين بوفا من المتضلعين من العلوم المشرقية والعارفين بالعربية والفارسية والتركية كراسة أشار فيها إلى أبحاثه ومقالاته في المجلات الإفرنجية مثل مجلة العالم الإسلامي والمجلة الآسياوية ومجلة السجلات المراكشية والمجلة الإسبانية ومعظم هذه الأبحاث مما اشتهر بين أهل الأدب والعلم وقدره الباحثون حق قدره فنثني على نشاط صديقنا المشار إليه. مجلات وجرائد لم يكد الكمام الذي وضع على الأفواه والألسن منذ زهاء عشرين سنة في السلطنة يرتفع

стр. 2352

عن الناس بفضل القانون الأساسي حتى ظهرت جرائد ومجلات كثيرة بلغات مختلفة في قواعد البلاد بل في كورها الصغيرة. ومن الجرائد اليومية التي ظهرت في بيروت جريدة الاتحاد العثماني لمنشئها أحمد أفندي حسن طبارة من قدماء الصحافيين وجريدة الثبات لصاحبها إسكندر أفندي الخوري ورئيس تحريرها خليل أفندي زبيّة من قدماء الكتاب وجريدة الوطن لمنشئيها شبلي أفندي ملاط ونجيب أفندي شوشاني من الأدباء الشعراء وحديقة الأخبار وهي أقدم جريدة سورية صدرت يومية أيضاً لمنشئيها وديع أفندي الخوري وحنا أفندي الخوري وبيروت لصاحبيها عبد القادر أفندي الدنا وأمين أفندي الدنا صدرت يومية أيضاً والحقيقة للشيخ أحمد عباس الأزهري ومديرها حسن أفندي الناطور والمفيد لعبد الغني أفندي العريسي من الأدباء الكاتبين ومدير سياستها حسن أفندي بيهم من قدماء الكتاب. وبهذه الجريدة أصبحت جرائد بيروت ولبنان اثني عشرة جريدة. وصدرت في حلب جريدة يومية لصاحبها حكمت ناظم بك اسمها صدى الشهباء نصفها بالعربية والنصف الآخر بالتركية. وأصدر صاحب هذه المجلة جريدة يومية باسم المقتبس أيضاً في مدينة دمشق. ومن المجلات الحديثة مجلة المباحث في طرابلس الشام لصاحبها جرجي أفندي يني وصموئيل أفندي يني من قدماء الكتاب المشتغلين بالآداب وهي علمية أدبية سياسية فكاهية تصدر مرتين في الشهر وصدرت في بيروت مجلة النبراس وهي شهرية تبحث في الاجتماع والعمران والعلم والأدب والتاريخ والانتقاد والسياسة لمنشئها الشيخ مصطفى الغلاييني من الكتاب الأدباء. وصدرت في بيروت مجلة المنتقد وهي عمرانية اجتماعية انتقادية فكاهية تصدر مرتين في الشهر لمنشئها محمد أفندي باقر ومديرها كمال أفندي بكداش. وصدرت فيها أيضاً مجلة روضة المعارف لصاحبها محمد علي بك القباني ورئيس تحريرها الشيخ عبد الرحمن سلام الشاعر الأديب وهي تصدر مرتين علمية أدبية فكاهية. وصدرت في مصر عدة جرائد ومجلات أيضاً منها مجلة الجامعة المصرية وهي نصف شهرية لأصحابها محمود أفندي فيضي وعبد الله أفندي أمين وهما من أدباء القاهرة وهذه المجلة تنشر دروس الجامعة المصرية. والذي يلاحظ على معظم هذه الصحف أنها تكاد تكون متشابهة في موضوعاتها فلو تفننت

стр. 2353

كل واحدة وخاضت عباب موضوع يخالف أختها لنفعت البلاد نفعاً أكثر وصادفت من الرواج والإقبال ما تستحق. المنجد للأب لويس معلوف اليسوعي طبع بالمطبعة الكاثوليكية في بيروت (ص٧٣٧) هو معجم عربي مدرسي موجز مرتب على الأسلوب الحديث مزين بصور بعض الحيوانات والنباتات والأدوات والأعضاء قدم له المؤلف الاصطلاحات التي اختارها وفيها فوائد كثيرة وكنا نود لو كان هذا المعجم أوسع مما هو عليه لئلا تفوته بعض الفصح وأن تكون بعض ألفاظه معززة بالشواهد الخفيفة لتكون اعلق في الذهن. وقد تحرى المؤلف كما قال المحافظة على عبارات الأقدمين ما أمكن وأغفل ذكر ما يمس حرمة الآداب من الكلمات المبذوءة التي لا يضر جهلها وقلما أفاد علمها. قال وإذا شئت البحث عن كلمة فإن كانت مجردة اطلبها في باب أول حرف منها وإن كانت مزيدة أو فيها حرف مقلوب عن آخر جردها وأوردها إلى الأصل ثم اطلبها في باب الحرف الأول من حروفها الأصلية وقد جعل أول كل مادة في صدر السطر بين هلالين وعد اليمين نقطة مربعة الشكل وإن كانت الكلمة من الدخيل فنقطة مستديرة. والكتاب من أجود طبع عهد باللغة العربية وأصغر حرف وأوسط حجم حتى يسهل على الطالب نقله كما ينقل المعاجم الصغيرة الإفرنجية فنشكر للمؤلف عنايته بخدمة اللغة والآداب ونرجو أن يكون مصنفه نافعاً للمدارس والطلاب.

стр. 2354

العدد ٣٨ - بتاريخ: ١ - ٣ - ١٩٠٩

стр. 2355

إيقاظ الرقود إلى كم أنت تهتف بالنشيد ... وقد أعياك إيقاظ الرقود فلست وإن شددت عرى القصيد ... تجد في نشيدك أو مفيد لأن القوم في غي بعيد إذا أيقظتهم زادوا رقادا ... وإن أنهضتم قعدوا وئآدا فسبحان الذي خلق العبادا ... كأن القوم قد خلقوا جمادا وهل يخلوا الجماد عن الجمود أطلت وكاد يعييني الكلام ... ملاماً دون وقعته الحسام فما انتبهوا ولا نفع الملام ... كأَن القوم أطفال نيام تهز من الجهالة في مهود إليك إليك يا بغداد عني ... فإني لست منك ولست مني ولكني وإن كبر التجني ... يعز علي يا بغداد أني أراك عَلَى شفا هول شديد تتابعت الخطوب عليك تترى ... وبدل منك حلو العيش مرّا فهلاّ تنجبين فتى أغرّا ... أراك عقمت لا تلدين حرا وكنت لمثله أزكى ولود أقما الجهل فيك له شهودا ... وسامك بالهوان له الجسودا متى تبدين منك له جحودا ... فهلا عدت ذاكرةً عهودا بهن رشدت أيام الرشيد زمان نفوذ حكمك مستمر ... زمان سحاب فيضك مستدرّ زمان العلم أنت مقر ... زمان بناء عزك مشمخر وبدر علاك في سعد السعود برحت الأوج ميلاً للحضيض ... وضقت وكنت ذات عليّ عريض وقد أصبحت فيجسم مريض ... وكنت بأوجه للعز بيض فصرت بأوجه للذل سود ترقى العالمون وقد هبطنا ... وفي درك الهوان قد انحططنا

стр. 2356

وعن سنن الحضارة قد شحطنا ... فقطنا يا بني بغداد قطنا إلى كم نحن في عيش القرود ألم تك قبلنا الأجداد تبني ... بناءً للعلوم بكل فن لماذا نحن يا أسرى التأَني ... أخذنا بالتقهقر والتدني وصرنا عاجزين عن الصعود كأن زحل يشاهد ما لدينا ... لذاك أحمر من حنق علينا قال موجهاً لوماً إلينا ... لو أني مثلكم أمسيت هينا إذاً لنضوت جلباب الوجود وكنتم في الجهالة وهي تعشي ... وعشتم كالوحوش أخس عيش أما فيكم فتى للعز يمشي ... تبارك من أدار بنات نعش وصفدكم بأصفاد الركود حكيتم في توقفكم جديَّا ... فصرتم كالسها شعباً خفيا ألا تجرون في مجرى الثريا ... تؤم بدورها فلكاً قصيا فنبرز منه في وضع جديد حكومة شعبنا جارت وصارت ... علينا تستبد بما أشارت فلا أحداً دعته ولا استشارت ... وكل حكومة ظلمت وجارت فبشرها بتمزيق الحدود حكومتنا تميل لباخسيها ... مجانبةً طريق مؤسسيها فلا يغررك لين ملابسيها ... فهم كالنار تحرق لامسيها وتحسن للنواظر من بعيد لقد غص القصيم بكل نذل ... وأمسى من تخاصمهم بشغل فريقاً خطتي غيّ وجهل ... كلا الخصمين ليس له بأهل ولكن من لتنكيل المريد إليهم أرسلت بغداد جندا ... ليهلك ثم عن عبث ويفدى لقصد ابن الرشيد أضاع قصدا ... فلا يا ابن الرشيد بلغت رشدا

стр. 2357

ولا بلغ السعود ابن السعود مشوا يتحركون بعزم ساكن ... ورثة حالهم تبكي الأماكن وقد تركوا الحلائل في المساكن ... جنود أرسلت للموت لكن بفتك الجوعِ لا فتك الحديد قد التفوا بأسمالٍ بوال ... مشاةً في السهول وفي الجبال يجدون المسير بلا نعال ... بحال للنواظر غير حال وزيّ غير ما زي الجنود مشوا في منهج جهلوه نهجاً ... يجوبون الفلا فجاً ففجاّ إلى حيث السلامة لا ترجى ... فيا لهفي على الشبان تزجى عَلَى عبث إلى الموت المبيد وكلٌ مذ غدوا للبيت أما ... فودع أهله زوجاً وأما وضم وليده بيد وشما ... بكى الولد الوحيد عليه لما غدا يبكي على الولد الوحيد تقول له الخليلة وهو ماش ... رويدك لا برجت أخا انتعاش فبعدك من يحصل لي معاشي ... فقال ودمعه بادي الرشاش وكلتكمو إلى الرب الودود عساكر قد فضوا عرياً وجوعاً ... بحيث الأرض تبتلع الجموعا إلى أن ضار أغناهم ربوعاً ... لفرط الجوع مرتضياً قنوعا بقدر لو أصاب من الجلود هناك قضوا وما فتحوا بلادا ... هناك بأسرهم نفدوا نفادا هناك لحيرة عدموا الرشادا ... هناك لروعهم فقدوا الرقادا هناك عروا هناك من البرود أناديهم ولي شجن مهيج ... وأذكرهم فينبعث النشيج ودمع محاجري بدم مزيج ... إلا يا هالكين لكم أجيج ذكا بحشاي محتدم الوقود

стр. 2358

سكنا من جهالتنا بقاعا ... يجور بها المؤَمر ما استطاعا فكدنا أن نموت بها ارتياعا ... وهبنا أمة هلكت ضياعا تولى أمرها. . . . . أيا حرية الصحف ارحمينا ... فأنا لم نزل لك عاشقينا متى تصلين كيما تطلقينا ... عدينا في وصالك وامطلينا فأنا منك نقنع بالوعود فأنت الروح تشفين الجروحا ... يحرّج فقدك البلد الفسيحا رأس لبلدة لم تحو روحا ... وإن حوت القصور أو الصروحا حياة تستفاد أقول وليس بعض القول جداً ... لسلطان تجبر واستبدا تعدى في الأمور وما استعدَّا ... ألا يا أيها الملك المفدى ومن لولاه لم نك في الوجود أنم عن أن تسوس الملك طرفاً ... أقم ما تشتهي زمراً وعزفا أطل منكم الريمة خل عرفاً ... سم البلدان مهما شئت خسفا وأرسل من تشاء إلى اللحود فدتك الناس من ملك مطاع ... ابن ما شئت من طرق ابتداع لا تخش إلا أنه ولا تراع ... فهل هذي البلاد سوى ضياع ملكت أو العباد سوى عبيد تنعم في قصورك غير دار ... أعاش الناس أم هم في بوار فإنك لم تطالب باعتذار ... وهب أن الممالك في دمار أليس بناء قصرك بالمشيد جميع ملوك هذي الأرض فلك ... وأنت البحر فيك ندى وهلك فأين لهم علاك وذاك أنك ... لئن وهبوا النقود فأنت ملك وهوب للبلاد وللنقود

стр. 2359

التجارة والإسلام يا كرام الشام أراني كمن هو في المنام يتنقل من أمر غريب إلى أمر أغرب وكل ما أراه من هذه المظاهر يزيدني في كل ليلة سروراً على سرور حتى لا يكاد يوجد موضع لزيادة السرور. رأيت في هذه الليلة مشهداً حافلاً ومثالاً يدل على الوطنية الحقيقية في هذه المعاهد فلذلك لم أتمالك أن أبتدأ كلامي بالإشارة إلى حكمة من رجل قديم وهي أنه جمع أحد الرجال أولاده وأوصاهم بالرمز لأنه وجد الإشارة أفضل من كل عبارة فقدم لهم أعواداً من أغصان الشجر وأعطى لكل واحد منهم عوداً وقال له إقصم هذا فكان ما أسهل عليه من كسره. ثم ضم الأعواد بعضها إلى بعض وأعطاها للقوي من أولاده فالثاني فالثالث فالرابع فكانت النتيجة سلبية فقال بهذا الاتحاد يكون نيل المراد. لذلك أحييكم بوجود هذه العاطفة عاطفة الود والاتحاد التي تربطكم بعضكم ببعض وما افترق عضو إلا وكان مشلولاً والاتجاه ممدوح ويد الله مع الجماعة. من دواعي السرور التي رأيتها في هذا البلد الأمين أنني اجتمعت بنفر من الخاصة ثم بالعامة أمس واليوم اجتمعت بالوسط وهم التجار وخير الأمور الوسط اجتمعت بهؤلاء في نادي التجارة وهي أساس الملك وركن العمران ولا أطيل الكلام في فوائدها فكلكم أدرى بها مني وتعرفون مزاياها. على التجارة قامت الأمم وارتقت الممالك حتى قيل في الأمثال: إذا كان مجد العالم بكراريسه فمجد التاجر بكيسه ولكن مجد العالم لا يكون له شأن في ترقية الوطن إلا إذا أمده التاجر بكيسه. العلماء قوم يشتغلون بالعلم ولو اشتغل الناس كلهم بالعلم لكانوا في غير هذه الدنيا أو من غير هذا العالم إذ ما الفائدة من الورق المكتوب إن لم ينضمَّ له الورق المضروب وما الفائدة من الطمامير إن لم تؤيدها الدنانير. أم تروا أن سيد الخلق كان تاجراً وأن كثيراً من علماء الإسلام اشتغلوا بالتجارة والعلم لما في التجارة من سعادة الدنيا وحياة الأمم وما في العلم من سعادة الآخرة. إذا نظرنا إلى المسلمين رأينا الخلفاء وأرباب الدولة منهم يتجرون بأمتعة الدنيا ليكتسبوا قوتهم من الحلال لأن التجارة هي المكتسب الحلال الصافي من كل قذر. تعلمون أن علوم العرب قد أخفى عليها الزمان ولكن بقي لنا شيءٌ من ذلك البحر الزخار. كان ابن جبير الأندلسي وابن حوقل البغدادي والمسعودي يطوفون البلاد للتجارة والمكسب ويدونون كل ما يشاهدونه من المعارف ليفيدوا أبناء جنسيتهم بكل ما استفادوا من التجارة

стр. 2360

بهذه الوسيلة تملك العرب في أيام مجدهم أطراف الدنيا وارتقى لديهم العلم ولذلك كان الإسلام ذلك المظهر البديع في الدين والسياسة الذي ضمن له كل درجة في ارتقاء العلم. ما هي الأسس التي قامت عليها الحياة؟ هي الزراعة والصناعة والتجارة. فالزراعة أول مصدر حقيقي لمعيشة الإنسان حتى أخذ في التحضر والتمصر ولكنها كانت قاصرة فجاءتها الصناعة فاشتغلت بما تنتجه الأرض من الخيرات واستحصلت منها خيرات أخرى صناعية. بقيت هذه الحالة في دور الطفولية في أدوارها الأولى فجاءت التجارة وصلةً بين الزارع والصانع سبباً في تقدم العلوم وارتقاء المدارك وحسب التجارة فضلاً أن سيد البشر ونبي العرب والعجم قد اشتغل بها كما ذكرنا. ليست كل البلاد زراعية بل منها ما هو جبل أو واقع في سفح البحر فلا يمكن أن تنبت لها الأرض شيئاً ونرى الإنسان في مكان كهذا ليس للزراعة فيه أثر ومع ذلك يعيش بفضل التجارة ولهذا يمكن للإنسان أن يستغني عن الزراعة والصناعة ولا يمكنه الاستغناء عن التجارة لأنها تنقل له المحصولات الزراعية والصناعية من البلاد التي تمتاز بهما ولكن إذا بارت التجارة عدمت الزراعة والصناعة فالتجارة والأمر على ما ذكر سيدة المعايش. كان تجار الشام ملوك التجارة وأعني بالشام تلك البلاد التي يحدها من الشرق العراق ونهر الفرات ومن الغرب البحر الأبيض المتوسط (بحر الروم) ومن الشمال بلاد آسيا الصغرى المعروفة عند العرب بأرض الروم ومن الجنوب بادية الشام أو بادية السماوة أو بادية النفود ولا أدري معنى النفود فأغتنم الفرصة لفهم معنى هذه الكلمة: رأيت في كتب الإفرنج وخرائطهم تسمية هذه البادية ببادية النفود قائلين أن النفود معناه الرمل ولكني بحثت في هذه الكلمة وحورتها وقلبتها فلم أعثر في كتب اللغة على اسم يوازي هذا الاسم الذي هو شبيه بالعربي ونقله جغرافيو الألمان والإنكليز. وكلامي يسمعه بالطبع كثير من التجار الذين تمر قوافلهم بتلك البادية فعسى أن يحققوا معنى هذه الكلمة حتى لا يقال أن الإفرنج يأتوننا بكلمة عربية ولا نعرف معناها. وبهذه المناسبة أقول أنا نجد لبلادنا مصورات باللغة الإفرنجية واللغة العربية وإذا نظرنا للعربية نجدها كلها مترجمة عن الإفرنجية وربما كان المترجم يتحرج في بعض الأسماء فيتركها.

стр. 2361

في أحد دروسي أردت أن أشرح للتلاميذ حالة بلاد العرب عند ظهور الإسلام فرأيت خرائط مصر ودار السعادة كلها خلواً من أسماء البلاد والأماكن لذلك دعوت تلامذتي لأن يتلافوا هذا النقص ويستعينوا بالذي أبقاه لنا مثل ابن خرداذبة والأصطخري والمسعودي لنسد هذا النقص حتى إذا قرأنا شيئاً عن أخبار العرب عرفنا مواطن القبائل والشعوب وقلت لهم إن الذي يساعدنا على العمل الأكبر لهذا المقصد أن نسأل التجار وتلاميذ الجامعة الإسلامية الكبرى وهي الأزهر الذين يأتوننا من سائر البلاد الإسلامية فإنهم إذا سألوا أهل العلم والتجار الوافدين إلى مصر يمكننا أن نرسم خريطة وافية لبلاد العرب كافة أحسن من التي عملها الإفرنج وأضاعوا في سبيلها كثيراً من الأموال والأرواح ثم نعمل خريطة لبلاد العراق والشام وأتمنى من الذين يهمهم ذلك أن يستعينوا بأهل البلاد سواء كانوا من أهل العلم أو التجار لأنا بمجرد انقطاعنا عن طلب العلم والكسب قد نزلنا إلى الحضيض ووقفنا في طريق الجمود بينما كان الإفرنج يكدون. أنا إذا أردت أن أعرف مواقع دمشق لا أقدر على ذلك إلا بالخرائط الإفرنجية وأما خرائط مصر ودار السعادة فكلها خلو من ذلك. هذا نقص يجب أن نتعاون على سده حتى لا نكون عالة على الإفرنج لا في العلوم فقط بل في مواقع بلادنا. أول خريطة رسمت في العالم رسمها نفر قليل من أهل الشام وهم الفينيقيون وبلادهم جزر صغيرة متواصل بعضها ببعض ولم يكن لديهم قوة غير التجارة فملكوا بها العالم كله ووصلوا في ذلك الزمان المظلم إلى مضيق جبل طارق ومنه إلى بلاد الإنكليز وهم أول من عرف تلك البلاد وقد ملكوا منها كثيراً كما أسسوا كثيراً من البلاد في إسبانيا وكانت لهم المستعمرات في صقلية وغيرها. ثم نزحوا إلى تونس وأقاموا في قرطاجنة تلك المدينة الكبيرة ولقد كانت هذه المدينة تاج ملك الفينيقيين والدهر تارة لها وتارة عليها. أولئك هم آباء الشام حتى دار الدوروغار منهم الروم واليونان فأتوا أيضاً بطريق التجارة والملاحة وصاروا يأخذون أملاك القرطاجنيين وحينئذ تقدمت رومية وأزالت أثرهم من الوجود لكنا لا ننسى أن آنيبال بفضل التجارة مر من الجزائر ومراكش إلى إسبانيا ومنها إلى فرنسا فإيطاليا ووقف حتى صاح الرومانيون ببعضهم: ما لكم قاعدون والعدو على الأبواب وحينئذٍ لم يتمكن آنيبال من إتمام مقصده ولو كانت عنده السفن الحربية لكان محق رومية ولكنه

стр. 2362

أبعد عنها كثيراً ولم يأته المدد فذهب فريسة إقدامه الهائل ولا شك أنه فخر لأهل الشام لأنه فينيقي والفينيقيون من الشام. دار الزمان دورته وجاء المجد للعرب فابتدأت تجارتهم بالصعود وكانوا يقصدون الفتوح والتوسع في الملك بواسطة التجارة ولذلك كان الخليفة العباسي يهدد أهل الهند إذا أقفلوا باب التجارة أمام تجار بغداد والشام. لكن الهنديين حرفوا اسم الكوفيين وسموهم (كوكل) وكذلك أتاها جماعة هربوا من الحجاج أيام تجبره على الذين يرغبون في مناوأة السلطة المروانية وذلك أنه أجلى نفراً من قريش وكان فخر قريش قبل النبوة بالتجارة كما قال تعالى (لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف) فلما أجلاهم ذهبوا عن طريق البحر إلى الهند فسماهم أهلها بالنوائت (النوتية) وبقوا فيها زمناً طويلاً حتى انتشروا انتشاراً هائلاً وهم الذين أسسوا الإسلام هناك. فللتجارة إذن فضل كبير في انتشار الدين الإسلامي أيضاً. كان التجار يذهبون إلى شطوط أفريقية فيرى أهلها من حسن معاملتهم وعظم أخلاقهم ما يزهدهم في دينهم رغبة في انتحال الإسلام ولذلك لم ينجح كثير من النصارى كما نجح تجار الإسلام. فالتجارة هي أساس العمران والتاجر أساس نجاحه الأمانة والصدق في الأخذ والعطاء. لما دالت الدولة في دمشق وانتقلت إلى بغداد اختار المنصور الموقع التجاري لبناء العاصمة الكبرى وهي بغداد التي قال عنها علماء العرب: إن العراق سرة الدنيا وبغداد سرة العراق فبغداد سرة الدنيا. كان كرسي الدولة العباسية عند أول قيامها في الكوفة ثم صار في الهاشمية ثم في الأنبار لكن الخليفة رأى عاصمة بلاده في موقع غير تجاري فأراد أن يجعلها في أهم مركز تجاري لتكون مضمونة البقاء على الدوام ولذلك أرسل الرسل ليقفوا على الجهة المطلوبة فاختاروا البقعة التي أقيمت فيها بغداد قائلين للخليفة: هنا تجيئك الميرة من المغرب وطرائف مصر والشام عن طريق الفرات وتجيئك في السفن من الصين والهند عن طريق دجلة. وتجيئك الميرة من الروم وآمد والجزيرة والموصل في دجلة وتجيئك الميرة من أرمينية فما فوقها عن طريق الزاب وأنت بين أنهار لا يصل عدو إليك إلا على جسر أو قنطرة فإذا قطعت الجسر وأخربت القناطر لا يصل إليك عدوك وهو محتاج لعبور دجلة

стр. 2363

والفرات وهما خندقان طبيعيان لبلدة أمير المؤمنين. فأمر بحشر الصناع والفعلة من الشام والموصل وفارس والكوفة وواسط والبصرة واختار قوماً من أهل الدين والعدالة والمعرفة والهندسة فوكل إليهم أمر العمال وكان فيهم الحجاج بن أرطاة المهندس وأبو حنيفة ابن ثابت الفقيه (وإنما اختار أبا حنيفة لأن المنصور أراد أن يولي أبا حنيفة القضاء فامتنع فضربه فامتنه فحلف أنه لا بد أن يوليه عملاً ولذلك أمره بأن يتولى الطوب واللبن ليبرّ بقسمه) وأمر بتخطيط المدينة كلها فلما تم تخطيطها بالرماد أقبل يدخل من كل باب ويمر في طرقاتها ورحابها فرآها وافية بما تميل إليه النفس فوضع أول حجر بيده قائلاً: بسم الله وبالله والأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين ثم قال للعمال: ابنوا على بركة الله. وعند البناء أمر بطبخ الطوب الأحمر (الآجر) وكان يعد على يد أبي حنيفة بالملايين فاستدعى لذلك وزيره جعفر البرمكي وقال له ما رأيك في هدم إيوان كسرى لجلب أنقاضه واستعمالها في البناء فأجابه الوزير: إنه رأي غير صائب لأن الإيوان من آثار الفرس وهذا البناء الذي تقيمه الآن من آثار الإسلام ينبغي أن لا يدخل فيه أثر لغيرهم. فقال له الخليفة: أخذتك النعرة لقومك وحننت إلى العجم فأردت أن تمنعني عن ذلك. ولم يعبأ بقول وزيره وأرسل فعله فنقضوا بغضه وأتوا به إلى بغداد فحسبوا النفقة فوجدوها تزيد بكثير على استحضار أدوات جديدة ولذلك رأى الخليفة أن الأولى جلب الطوب الأحمر الجديد وحينئذٍ استدعى جعفر ثانياً وسأله في ذلك قائلاً: أريد أن أجلب الأحجار من الجبال لا من أنقاض الإيوان فأجابه الوزير: لا تفعل ذلك يا أمير المؤمنين بل ثابر على ما باشرت به لئلا يقال أن ملك الإسلام عجز عن نقض ما بناه ملوك الأكاسرة رأى المنصور أن الكلام صواب ولكن لا يمكنه العمل به لأن المدينة تجارية اقتصادية فلم يسمع قول وزيره. استمرت دولة العرب على هذه الحال من الترقي في العلم والتجارة في آن واحد والتجارة من فرنسا وروسيا وبريطانيا إلى الهند وغيرها كلها عن طريق بغداد حتى دالت الدولة منها وانتقلت إلى الأندلس فكان للتجارة فيها رقي عظيم لكن أهلها أصبحوا بعد مدة مثل الأعواد التي ذكرتها لكم فدالت دولتهم بسبب التفرق والانقسام. قامت على أنقاضهم دولة إسبانيا وسعت حتى رقيت بما اكتسبته من علوم الشرقيين وكذلك

стр. 2364

أخذت في الترقي دولة البرتغال وليس في وسعها التوسع في الملك فهجم أرباب الأقدام فيها على المخاطر ولما كانت الهند أعظم محل تجاري بما ترسل من البهارات والأباريز والفلفل والأفاوية إلى بغداد وأوربا أرادوا أن يذهبوا إليها ليستعمروها وتولدت عندهم رغبة جديدة في أن يصلوا إلى الهند عن طريق آخر لأن الإسلام في المغرب الأقصى ومصر واقفون لهم بالمرصاد لذلك استغنوا عن طريق البر وسلكوا طريق البحر فاكتشفوا طريق رأس الرجاء الصالح وتملكوا موزامبيك وزنجبار ووصلوا إلى الهند وعاملوا تجارهم قائلين لهم لا نزيد سوى الفلفل بهذه الوسيلة صار لهم مع أهل العند معاملة قوية لكن تفرق تجار الهند جعل لهم عليهم كلمة فاستغاثوا بملوك مصر وآل عثمان فلم يجيبوهم لأن العداوة كانت متأصلة بين السلطان سليم والغوري ملك مصر. وذلك أن الغوري أرسل طائفة من الجند إلى الهند عَلَى سفن (ويسمونها أغربة) صنعها في السويس فلما وصل قائده إلى اليمن حدثت بينه وبين أهلها مناوشات اضطرته لأن ينسى الوظيفة التي أرسل إليها وهي إنقاذ البلاد من البورتقال فبقي في اليمن وفي أثناء ذلك كانت القاهرة في اضطراب شديد أنساها الهند أيضاً لمحاربتها مع السلطان سليم وانتصاره في واقعة (مرج دابق) التي قتل فيها الغوري واستولى هو على حلب ومصر والشام ثم اشتغلت الدولة العثمانية بمحاربة السلطان اسماعيل الصوفي ونسيت الهند فكان هذا التفرق والاضطراب أعظم وسيلة لامتلاك البورتقال تلك البلاد الغنية بتربتها ومحصولاتها. رأينا بلاد الهند فتحت على يد التجار كما امتلكها الإنكليز اليوم بواسطة التجارة أيضاً لما أصبحت إنكلترا ملكة البحار وأهلها ملوك التجار. في ذلك الوقت قامت إسبانيا لتوسع دائرة ملكها فرأت أنها لا يمكنها طلب الهند من طريق البورتقال والمنافسة التجارية أساس الاستعمار فقام خريستوف كولمب وجرى في البحر من جهة الغرب ليملك بلاد الهند. بهذه الوسيلة اكتشف أميركا وسماها الهند الغربية. وارتقت إسبانيا حتى كانت كلمتها هي العليا خصوصاً في أيام شارلكان فإنها اغتنت وتدفقت إليها الأموال من جهات الدنيا ولكنها تضعضعت أخيراً بإخراج المسلمين وبالتراخي فألهاها التكاثر حتى دخلت في عداد أهل المقابر. في هذه الآونة كانت أوربا جارية نحو التمدن والشرق قد أخلد إلى النوم والسكون إلى الموت والجمود. وهنا أذكر لكم كلمةً عن تمدن

стр. 2365

الأوربيين: كانت أوربا في منتهى التوحش حين كانت بغداد في أوج الحضارة حتى أن تجار العرب لما ذهبوا لاستحضار العنبر من شلسويج وصفوا أهلها بأنهم وحوش عراة لا يسترون عوراتهم إلا بقطع من الجلود (ذكره القزويني في آثار العباد وأخبار البلاد) هذا وصف أحد سياح العرب لتلك الدولة التي هي اليوم في أرقى درجات الحضارة. تنبهت أوربا من رقدتها باختلاطها مع العرب شرقاً في الشام وغرباً في الأندلس فجمعت الزبدة والخلاصة النافعة من مدنية اليونان والرومان وضمت إلى ذلك ما أخذته من احتكاكها بالشرق أيام الحروب الصليبية فتولدت لديها الحضارة. دخل أحد أمرائها في زمن الحرب الصليبية أحد الحمامات في فلسطين (صور أو صيدا) فاستعمل معه الحمامي النورة فاستعجب الأمير من ذلك وخرج في الحال فأتى بامرأته وقال له افعل معها كمافعلت معي. في تلك الأيام كان تعليمهم مبنياً على أسس العرب مثل كتب ابن سينا والفارابي وابن رشد وغيرها مما ترجموه إلى لغاتهم. كانت هذه الحركة أول مبدأ لترقيهم بعد أن كانوا عبيداً لقليل من السادة وكانت أوربا ملكاً لأفراد من الملوك. كان السكان عبيداً لهؤلاء السادة فإذا بيعت الأرض بيعت رجالها وحيواناتها وكل شيء معها حتى كان للسادات حق التفخيذ أي أن لا تزف العروس حتى يأخذها الرئيس. فباختلاطهم بأهل الشرق دفعوا هذه الوصمة عنهم وقامت لديهم شبه حكومات ابتدائية في تلك البلاد ثم عثروا على مصنفات اليونان فصاروا يأخذون عنها مباشرة بعد ما كانوا يأخذون عن العرب واستمروا على هذه الحالة لكن هبت عليهم نفحة من الأفكار الصائبة التي اكتسبوها من المسلمين فأخذوا بالتجارة مع القوم ودرس علومهم بإتقان غير أن ضغط الملوك وخصوصاً الباباوات باسم الدين كان سبباً لتفرقهم على بعضهم إذ كان التعصب آخذاً منهم مبلغاً عظيماً. ومع ذلك فقد أوجدت شدة الضغط أفراداً نوابغ كسروا قيود الاستعباد وفكوا أغلال الجمود مجاهرين بالحرية فكان من أجل ذلك ما كان من أمر ديوان التحري القسيسي وواقعة القديس برثلماوس بين البروتستانت والكاثوليك وواقعة صلاة العصر في صقلية حيث قام الناس بعضهم على بعض. ولذلك اضطر أرباب الأفكار الحرة

стр. 2366

وهم البروتستانت إلى المهاجرة من ألمانيا وفرنسا إلى إنكلترا وهولاندة حيث نشروا العلوم ووسعوا دائرة الأفكار فترقت بهم البلاد وأفاضت المعارف منها على باقي بلاد أوربا. سعى القوم وراء العلم والمعارف كثيراً فكان ذلك أسهل طريق لتأصيل دعائم التمدن بينهم حتى أن غاليله لما قال بدوران الأرض وأنكروا قوله وحكموا عليه بالإعدام قدم إلى النطع والسيف وهو يقول: ومع ذلك تدور. وكذلك قام في إيطاليا (جوردانو برونو) فأحرقوه بالنار لأنه نشر أفكاراً حرَّة وأما اليوم فكم له في بلاد أوربا من تماثيل لأنه كان من الذين سعوا في تفكيك الرقاب من ربقة الجهل والعبودية. ثم قام ميرابو بنشر الأفكار الحرة بين الشعب حتى أن الملك أرسل من قبله إلى هذا الحزب رجلاً يقول لهم (اخرجوا من هذه الدار) فأجابوه نحن هنا نواب الشعب بإرادته فلا نخرج إلا بأطراف الحراب وكذلك قام (دانتون) وكان يخطب بالقوم ويقول: من أراد الظفر فعليه بالجرأة والإقدام وليكن شعاره على الدوام الجرأَة والإقدام ـ جاء فولتير وروسو فأقاموا هذا الصرح العظيم فوق ذلك الأساس المتين وكانت إحدى الجمعيات العلمية حينئذٍ اقترحت وضع كتابٍ في الاجتماع والعمران جاعلة مكافأة كبيرة لمن يسبق في هذا المضمار ويجيد في التأليف فألف عندها جان جاك روسو كتابه (عقد الاجتماع) إلا أنه لم ينل الجائزة المعينة وإنما أخذها رجل آخر لأغراض في النفوس لكن الأفكار لم تستنر إلا بهذا الكتاب ولذلك أسبل الدهر ستره على ما سواه. انتشرت بهذه الوسيلة روح الحرية في فرنسا فكانت سبباً لتقويض أركان الاستبداد ورفع منار الحرية على تلك البلاد وصار كل واحدٍ يقول ما يريد لأن الأفراد أصبحوا أحراراً في أقوالهم وأفكارهم وبذلك بلغت أوربا ما نراه اليوم من التقدم المدهش وخوارق الأعمال. انتشرت الحرية من فرنسا إلى أمم أوربا فترتب على ذلك وجود المجالس النيابية وهي حكومة الشعب بالشعب التي كانت السبب لرقي دول أوربا كلها. وهم اليوم على هذه الدعامة الإسلامية فالحمد لله الذي أعاد لنا الشورى في هذه الأيام. في تلك الآونة انفسح المجال أمام التجار وبات لهم طريقان طريق من الشرق وهو طريق رأس الرجاء الصالح وطريق من الغرب وهو طريق أميركا لكن بعد الشقة وطول المدة التي تزيد عن سبعة عشر يوماً ألجأتهم إلى فتح ترعة السويس فكانت أكبر ممهدٍ للتجارة وترقيها على ما نشاهده

стр. 2367

اليوم بالعيان. ولكن لدينا طريق أهم وأكثر فائدة وهو طريق بغداد فمتى تمت السكة الحديدية في هذا الطريق تعود لنا التجارة. والسكك الحديدية في الأرض كالشرايين في الجسم فإذا لم يجر شريان في البلد كان ذلك سبباً لهدم الحياة فيه وكلما انتشرت السكك في البلاد كان فيها زيادة الخير. من أجل هذا أرجو من أهل الشام وخصوصاً التجار أن يسعوا في هذه البلاد التي هي من أغنى أقطار الدنيا على الإطلاق ولكن تنقصها السكك الحديدية وأناشدهم أن يهبوا للتعاون على تأليف الشركات الوطنية حتى تبقى ثروة البلاد في البلاد ولا يتمتع بها الأجنبي وأنتم منها محرومون. أؤمل كم أهل الشام أن يضعوا الميامين بعضها في بعض لنقل خيرات البلاد إلى البلاد وبذلك ترقي دور التجارة والصناعة وتنال كثيراً من الفوائد دون أن يشترك فيها الأجنبي إلا بما لا مندوحة عنه. رأَيت القسم الأعظم من التجارة هنا بيد الأهلين فحذار حذار أيها الكرام من أن تذهب من أيديكم وعليكم بالسعي في إصلاح طرق المواصلات كيلا تكون بيد الشركات الأجنبية. نحن نسمع في مصر أن التفاح في الشام يعطى بصورة علف للدواب لما في سبيل نقله من الصعوبة، نسمع ذلك ونأسف كل الأسف لأننا نستجلبه من البلاد الأخرى بقيمة غالية. فإذا أصلحت طرق المواصلات تجدون مورداً للرزق واسعاً وبه تنالون الفوائد الجسام وتعيدون للشرق مجده إن شاء الله.

стр. 2368

الجباية في الإسلام العشر العشر: لغة جزوء من عشرة وجمعه أعشار وعشور وفي اصطلاح الفقه ما أخذ عن أرض العشر وأما أرض العشر فكل أرض أسلم أهلها عليها وهي من أرض العرب أو أرض العجم فهي لهم وهي أرض عشر بمنزلة المدينة حين أسلم أهلها وبمنزلة اليمن وكذلك كل من لا تقبل منه الجزية ولا يقبل منه إلا الإسلام أو القتل من عبدة الأوثان من العرب فأرضهم أرض عشرأفكارهمأ وإن ظهر عليها الإمام لأن رسول الله ﷺ قد ظهر عَلَى أرضين من أراضي العرب وتركها فهي أرض عشر حتى الساعة: وأيما دار من دور الأعاجم ظهر عليها الإمام وتركها في أيدي أهلها فهي أرض خراج وإن قسمها بين الذين غنموها فهي أرض عشر وكل أرض من أراضي الأعاجم صالح عليها أهلها وصاروا ذمة فهي أرض خراج. وأما أرض الحجاز ومكة والمدينة وأرض اليمن وأرض العرب التي افتتحها رسول الله ﷺ فلا يزاد عليها ولا ينقص منها لأنه شيء قد جرى عليه أمر رسولا لله ﷺ وختمه فلا يحل للإمام أن يحوله إلى غير ذلك كذا فسودا العراق وأرض الشام وأرض مصر وغيرها مما فتحه الإسلام على عهد أو ذمة فهي أراض خراجية يجب عليها الخراج غير أن أبا يوسف رجمه الله جوز للإمام الخليفة أن يصير الأرض الخراجية عشرية فقال: فكل أرض أقطعها الإمام مما فتحت عنوة ففيها الخراج إلا أن يصيرها الإمام عشرية. . . إلخ ومن ثم يتضح أن الخليفة يحق له أن يحول أرض العراق وأرض الشام وأرض مصر وكل أرض خراجية إلى أراضٍ عشرية. وأما مقدار العشر الشرعي فهو واحد من عشرة عن محصول الأراضي العشرية التي تسقى بماء المطر أو بماء الأنهر سحاً سقياً أو نصف واحد من عشرة عن محصول الأراضي العشرية التي تسقى بالدلو أو الدولاب قال رسول الله ﷺ فيما سقت السماء أو سقي سحاً العشر وفيما سقي بالغرب أو السواني والنضوح نصف عشر. وأما العشر النظامي فقد جاء في المادة الأولى من نظام الأعشار الصادر في ٩ حزيران سنة ٣٢١ ما تعريبه بالحرف يؤخذ العشر عن المحصولات الأرضية ولم يعرفه بغير هذا

стр. 2369

التعريف لأن ما كان يؤخذ من العشر حينئذٍ اثني عشر وثلاثة وستين سانتيماً من المائة عن المحصول وهذا لا يعبر عنه بالعشر وكانت الدولة عقيب التنظيمات الخيرية تجبي العشر واحداً من عشرة باسم الخزينة ثم أضافت عليه واحداً من المائة باسم المنافع ـ من أجل الأشغال العمومية ـ ونصفاً من المائة باسم المعارف فصار العشر يومئذ ١١. ٥ من المائة وفي سنة ٣١٣ مالية ضمت الدولة نصفاً آخر باسم الخزينة فبلغ العشر اثني عشر: ١٠. ٥للخزينة ١باسم المنافع ٠. ٥باسم المعارف ــ ١٢ فكانت هذه الزيادة من أجل سد العجز المالي يوم أخذت الجواسيس تتكاثر والاستبداد تشتد وطأته وفي سنة ٣١٦ صدرت الإرادة السنية قاضية بأخذ ستة في المائة عن بدل العشر يعني أن تؤخذ الستة عن الاثني عشر من المائة فبلغ العشر يومئذ ١٢. ٦٣ اثني عشر وثلاثة وستين سانتيماً فصار هذا الكسر سبباً لشدة ظلم ملتزمي الأعشار إذ أصبحوا يأخذون ثلاثة عشر في المائة تفادياً من تشويش الحساب على زعمهم وبعد سنتين أصدرت نظارة المالية أمراً عاماً مبنياً على إرادة سلطانية قاضياً بإسقاط ١٣ سانتيماً من الشعر تخفيفاً عن الأهالي ودفعاً لتشويش الحساب فأصبح العشر اثني عشر ونصفاً عن المائة وهذا عبارة عن الثمن ولذلك لو أردنا أن نعرف العشر نظاماً لقلنا أن العشر النظامي ثمن أي واحد من ثمانية من عامة المحصول على حصص الأعشار ولذلك وضعت دائرة الديون العمومية دستوراً قاعدة من أجل حساب الحصص فعممته نظارة المالية في جميع دوائرها كي يطبق العمل عليها وهذه صورتها: ميليم سانتيم عدد تام ٦٠ ١٧ ٧٩حصة العشر القديم ٠٠ ٩٦ ٣الضم الجديد الذي وضع سنة ٣١٣ ــ

стр. 2370

٦٠ ١٣ ٨٣حصة العشر القديم والجديد معاً ١٠. ٥ ـ ١٠٠ ٤٠ ٩٨ ٤حصة التجهيزات العسكرية (المعدات الحربية) ٠٠ ٨٨ ١١حصة المنافع والمعارف ــ ٠٠ ٠٠ ١٠٠ وبذلك صارت بدلات الأعشار تحال دفعة وتوزع على هذه القاعدة مثلاً لو أحيلت قرية ببدل قدره أربعون ألفاً يوزع على نسبة الحصص المذكورة أعلاه وهذه أقسام من المائة فلذلك يجب ضرب القسم ببدل القرية وتفريق عددين من حاصل الضرب من أجل المائة فيظهر مقدار الحصة وهذا مثاله: العشر القديمالضم الجديدالتجهيزات العسكريةالمنافع والمعارف ٧٩. ١٧٦٣. ٩٦ ٤. ٩٨٤ ١١. ٨٨ ٤٠٠٠٠٤٠٠٠٠ ٤٠٠٠٠ ٤٠٠٠٠ ــ ــ ــ

стр. 2371

٠٠. ٥ العشر المضموم ١. ٥ المعارف والمنافع ٠. ٥ التجهيزات ــ ٢. ٥ فكرت ملياً فلم تتجل لي الحكمة في المحافظة على ذلك التشويش وعلى ما أظن أن هذا التشويش إما حفظاً لأحكام الإرادة السنية أو لمقصد خفي يراد به حفظ زيادة واردات إحدى الحصص والله أعلم. عرفنا العشر فيما سلف تعريفاً لغوياً وشرعياً ونظامياً وإليك العشر وحالة تلزيمه وإلزامه وجبايته وضرره الذي تئن منه الأمة العثمانية. يؤخذ العشر عن عامة المحصول بموجب القانون إلا من الحطب والفحم وما فسد بعد زوال الطراوة من الخضر والبقول كالخبازة والباقلاء والخس والكراث والسبانخ وأما ما حفظ بالملح أو الكبيس بماء الملح من الخضر فيؤخذ عنه العشر (أي الثمن). اختلف الأئمة الفقهاء في جواز أخذ العشر عن الخضر فيجوزه أبو حنيفة ﵁ على أنه عند أبي حنيفة يجب العشر في الخضروات ويخرج حقها يوم الحصاد أي القطع ـ ابن عابدين. وقد خالف ذلك الإمام أبو يوسف فقال حدثنا الوليد بن عيسى قال: سمعت موسى بن طلحة يقول لا صدقة في الخضر الرطبة والبطيخ والقثاء والخيار. وعن علي ﵁ قال ليس في الخضر زكاة البقل والقثاء والخيار والبطيخ وكل شيءٍ ليس له أصل. وعن أنس بن مالك ﵁ قال ليس في البقول زكاة اه وفي الخانية لا يجب العشر فيما كان من الأدوية كالموز والهليلج. ومن هذه العبارة يظهر أن واضع النظام راعى القوانين ولكنه لم يترك ما وجد منه ريعاً مهماً للخزينة ولو كان فيه رحمة للأمة. وقد يجب العشر في كل ما أخرجته الأرض فالعشر الشرعي الحقيقي هو كما ذكر في الكتب الفقهية قال وحدثنا أبان بن أبي عياش عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه

стр. 2372

وسلم أنه قال فيما سقت السماء أو سقي سيحاً العشر وفيما سقي بالقرب (دلو) أو السواني أو النضوح نصف العشر اه كتاب الخراج. وفسره بقوله إنما جعل العشر في السيح ونصف العشر في الدالية لمؤنة الدابة والسانية: يجب العشر في الأول ونصفه في الثاني بلا رفع أجرة العمال ونفقة البقر وكري الأنهار وأجرة الحافظ ونحو ذلك (درر). قال في الفتح لا يقال بعدم وجوب العشر في قدر الخارج الذي بمقابلة المؤنة بل يجب العشر في الكل لأنه ﵊ حكم بتفاوت الواجب بتفاوت المؤنة ولو رفعت المؤنة كان الواجب واحداً وهو العشر دائماً في الباقي لأنه لم ينزل العشر إلى نصفه إلا للمؤنة والباقي بعد رفع المؤنة لا مؤنة فيه فكان الواجب دائماً العشر لكن الواجب قد تفاوت شرعاً فعلمنا أنه لم يعتبر شرعاً عدم عشر بعض الخارج وهو القدر المساوي للمؤنة أصلاً اه حاشية ابن عابدين. فقد فهم مما تقدم أن صاحب الشرع ﵇ نظر إلى حالة الزراع وفرض عليهم العشر بالنسبة لريعهم الحقيقي ولا يخفى أن الأرض التي تشرب بالدلو والدولاب ليست كالأرض التي تشرب من الأنهار سيحاً (يعني سقياً) أو من ماء المطر فالأولى تحتاج إلى عمل ودراهم أكثر من الثانية ولذلك عد صاحب الشرع ﷺ نصف عشر الأولى بمثابة عشر الثانية اه. وقد اعتبروا الضم على العشرة أمراً لازماً مشروعاً لاحتياج الحكومة من أجل المعدات الحربية ولتعمير الطرق وإنشائها وتعميم المعارف على أنهم خصصوا نظارة ومستخدمين من أجل المعدات الحربية ليموهوا على الأمة زاعمين أنهم بعملهم هذا يدخرون هذا الضم للمعدات الحربية ويدفعون عنه سوء الاستعمال فهيهات هيهات! أتدري ماذا كانت النتيجة؟ لم تكن إلا تزييد الضريبة على الأمة وإيجاد وظائف للمقربين والملتمسين وصرف الواردات في غير ما وضعت له ومن أغرب تصوراتهم ظنهم أن حصة التجهيزات إذا دخلت الخزينة تبعت قانون الفوضى في نظارة المالية فكأن الحكومة أرادت أن تعترف بعجزها عن تنظيم أمور ماليتها وحفظ إيرادها من سوء الاستعمال. وأما حصة المنافع فلم نر ولم نسمع بأنها صرفت في تعمير الطرق أو الجسور وأما ما صرف على الطرق والجسور فهو من بدلات العملة المكلفة التي كانت مأكلاً للولاة

стр. 2373

والمتصرفين والقائمقامين والمهندسين. وأما حصة المعارف فكان القسم الأعظم منها يصرف لأولئك الجواسيس الذين تصدروا على كراسي العالم ليمنعوا الجرائد والكتب المفيدة ويلقبوها بذلك التعبير الذي ترتعش لذكره الفرائص وهو (مضرة) كأنهم كانوا نافعين! ويصرفون هذه المبالغ على السفاهة والبذخ. ويحتجون بجواز هذه الضمائم بما يوجد في الضرائب من الضمائم في بلاد الغرب وقد فاتهم أن تحميل أعظم الضرائب على عاتق الفلاح ظلم وضرره في عمران البلاد واضح. أشرت إلى أن الشرط في وضع الضرائب حفظ النسبة بين إيراد الأشخاص الحقيقي فإن حسبنا ريع الفلاح السالم ألغينا ريعه أقل من ثلث ما تأخذه الحكومة باسم العشر وزد عليه أن بذاره وبقره ولباسه ومؤنته قد استدانها بفائض يتجاوز الخمسة والعشرين إذا ما قلت الخمسين في المائة فأي أرض تضمن لفلاحنا التعس هذا العشر الفاحش وهذا الفائض المدهش؟ تلزيم العشر يعلم العثمانيون كافة أن العشر يؤخذ بطريق البدل إلا في بعض الأنحاء كحوران تدفعه للحكومة عيناً وبدل الأعشار يباع مزايدة وللمزايدة وإلا حالة أوقات محدودة تحددها مجالس الإدارة وعندما تطرح بدلات الأعشار للمزايدة تستدعي الحكومة شيوخ القرى وتكلفهم بوضع بدل عشر قريتهم بزيادة عن بدلها السابق فإن أجابوا تخلصوا ورجعوا إلى قريتهم وإن أبوا أو اعتذروا لقلة المحصول عندهم ضربوا وأهينوا وأدخلوا السجن وهذا العمل مغفور في نظر أولي الأمر لأنه به تزيد واردات العشر. ولا ينكر أن بعض الأهالي أيضاً يسعون في تخفيف بدل الأعشار فيهضمون حقوق الخزينة فإن كان في قريتهم ربح تهاجم عليها الملتزمون وإن كان فيها خسارة أحيلت على أهلها بالكفالة المتسلسلة بالرغم من أنوفهم في كل قضاء وفي كل مركز متصرفية أو مركز ولاية. في جميع أنحاء المملكة العثمانية أعيان من أرباب النفوذ يلتزمون ضيعهم ويختصون بقرى عدوها من مستعمراتهم وعندما يضع هؤلاء أختامهم في قائمة المزايدة لا يستطيع أحد من الملتزمين أن يزيد عليهم فإن زاد حل به البلاء لأن ذلك الوجيه يستطيع بسيطرته أن يسجنه أو يتهمه بجناية فيتوب عن الالتزام هذا إذا صادف من يرحمه

стр. 2374

ويخلصه من ذلك الافتراء. وأرباب النفوذ لا يتعدى بعضهم على بعض لأنهم تقاسموا الغنيمة وكل منهم رضي بما اختص بع واعتاد الملتزمون أيضاً أن يتقاسموا القرى أو يتشاركوا في بدلات القرى التي تربح ربحاً عظيماً ومنهم من جعل السفه مسلكه فتراه يهدد الذين لا نفوذ لهم ولا سيطرة عندهم في التزام ضيعهم ويأخذ منهم دراهم معدودات تحت اسم حق السكوت لئلا يزيد على بدلها وخوفاً من أن يصير البدل قانوناً يطلب الزيادة عليه في السنة الآتية وقد يلتزم ملتزم بدل أعشار قرية من أجل دين له على أهاليها على أمل استيفاء ديونه حتى ولو كان محصولها لا يعادل بدلها. والمهارة والشطارة التي تطلب من القائمقام والمتصرف أو الوالي الغيرة على تزييد بدلات الأعشار ولو كان فيه ظلم الأهالي وخرابهم وقد تبلغ قرى الأهالي فوق بدلها الحقيقي وربما يدفعون ٢٠ في المائة ويرضون بهذه الخسارة لما صادفوه أثناء الإحالة من الضغط والتضييق والضرب وأما المتوسطون فيكون بدل بلادهم معتدلاً ولكن قرى أرباب النفوذ تحال بأبخس الأثمان فقرية يبلغ بدلها مائة ألف قرش مثلاً تحال عليه بخمسة أو عشرة آلاف قرش فالفقراء يظلمون والأغنياء والوجوه وأرباب النفوذ يظلمون الخزينة ويأكلون حقوقها فإن نظرنا إلى أنحاء المملكة بأسرها نجدها منقسمة بين أولئك المستبدين ولذلك نجد ما خسرته الخزينة بسببهم أعظم مما تستوفيه بالضرب والحبس من أولئك الفقراء المدقعين. جباية العشر فبعد إحالة الأعشار يتهاجم الملتزمون على اختلاف طبقاتهم إلى القرى ويستخدمون الأشقياء والمحكومين والفارين من وجه الحكومة ويتخذونهم آلة الجباية وحقهم من العشر ولما يصل الملتزم في جنوده إلى القرية يجمع المختار والشيوخ ويعدهم بأن يترك لهم قسماً مما يترتب عليهم من العشر على شرط أن يقدروا البساتين والصحاري والكروم والخضر بأضعاف أضعاف أثمانها الحقيقية ولذلك ترى الفلاح يدفع عن بساتينه وكرومه وخضره نصف ما أخذه من الثمن إذا لم نقل كله ويعطون الملتزم دفتراً بما رفع قبل الإحالة ويتفقون معه على إعطائه ١٤ من المائة بدل ١٢. ٥ وهو العشر النظامي والباقي عوضاً عما أكله

стр. 2375

الدواب ويسمونه إطعامية وتلفية. وهذا المقدار يختلف بحسب رضا الشيوخ ومن البلاء المبرم إذا صاروا شركاء فترى الملتزم يتحكم في الأهالي تحكم النمرود ولذلك تدخل المملكة في حرب داخلية أيام الأعشار فيفتح باب الرزق للمحاكم فيعذبون الزراع حينئذ أنواع العذاب وإن أحيلت القرية على الأهالي فالبلاء الأعظم يأتيهم من شيوخهم ووجوههم والمطلع على أحوال الفلاحين أيام الأعشار وما يقاسونه بعلم منه ومما فصلناه أن إحالة بدلات الأعشار على هذه الصورة مضرة بالأهالي والخزينة أيضاً. مضرات الالتزام صاحب المال أي الفلاح يصبح كالمحكوم عليه ريثما تحال القرية ويأتي الملتزم فلا يستطيع الأكل من ماله ولا إطعام دابته فبينما هو يعرف أنه مكلف بدفع العشر للحكومة التي قامت بحفظه وحفظ ماله وعرضه يرى نفسه محكوماً عليه لرجل مثله من أفراد الرعية وهذا ما يصعب على الطبع والإحساس ولما كان إخراج الغلة متوقفاً على الإحالة والمساعدة من الملتزم وقد تمضي شهور ريثما تجري الإحالة فيضيع على الزراع السعر وربما يخسرون ألوفاً وقد تنقص البيادر في هذه البرهة بسبب أكل الدواب والعصافير والطيور وهذه لا تأكل سوى الحبوب ولا ترجح على القمح والشعير شيئاً ومن غرائب الالتزام أن الفلاحين يجبرون على نقل الغلة من مسافة ساعة بحسب المادة ٩ من نظام الأعشار وهناك أناس من أصحاب النفوذ أهل البطالة ينتظرون موسم الأعشار ليلتزموا قرية أو قرى باعتبار قيم أراضي آبائهم وهؤلاء قلما تجد في قلوبهم رحمة فيستبدون بالأهالي ويظلمونهم ظلماً لا مزيد عليه والأهالي لا يستطيعون الشكوى فلو تجاسر أحدهم واشتكى من تعدى عليه وغصب ماله الذي أحرزه بعرق جبينه بين شدة الحر وزمهرير البرد كان البلاء عليه من الحكومة ومن ذلك الملتزم. وإن أرادت الحكومة أن تجبي الأعشار بنفسها (أمانةً) تحتاج إلى استخدام مأمورين ويصعب عليها أن تجد مستخدمين صادقين يحفظون حقوقها وتكون قد سلطت على الأمة أناساً يظلمونها ويسومونها سوء العذاب ويخونونها معاً فتكون حينئذ ظلمت الأهالي وأضاعت إيرادها. وقد يستحسن بعضهم تلزيم الأعشار لما فيه من الزيادة من سنة أخرى وفاته أن كان ثمة

стр. 2376

زيادة فذلك من شدة الضغط وإن من نتائج الترقيات التي أخذت تنتشر رويداً رويداً وأن حالة الفلاح أحسن من قبل ولا ننسى أن الزيادة بجانب النقص والخسارة بجانب الربح وخلاصة الكلام أن تلزيم بدلات الأعشار وإحالته على ما ذكرنا وجبايته مضر بالأهالي وببيت المال ايضاً. ماذا تفعل الحكومة؟ تجعل العشر ضريبة على الأراضي (لا تخميناً كما يظن الناس) وإليك التفصيل. أما أراضي الحجاز والمدينة ومكة واليمن وأرض العرب فكلها عشرية لا يجوز تحويلها إلى غير ذلك ولا يزاد عليها ولا ينقص منها لأنه أمر جرى عليه أمر رسول الله ﷺ وحكمه فأصبح أمراً دينياً لأنه ثبت ذلك بالكتاب والسنة والإجماع والمعقول أي يفترض لقوله تعالى وآتوا حقه يوم حصاده فإن عامة المفسرين قالوا أنه العشر أو نصفه وهو مجمل بيّنه قول رسول الله ﷺ ما سقت السماء ففيه العشر وما سقي بقرب أو دالية ففيه نصف العشر. . إلخ. حاشية ابن عابدين ص٥٣ وعد العشر من العبادة قال ابن عابدين في حاشيته إذا أدى بنفسه فله ثواب العبادة وإذا أخذه الإمام يكون له ثواب ذهاب ماله في وجه الله تعالى ـ بدائع. وفي البزازية لا يحل الأكل من الغلة قبل أداء الخراج وكذا قبل أداء العشر إلا إذا كان المالك عازماً على أداء العشر اه وقد عد العشر زكاة أو صدقة اه. فأهل تلك البلاد المباركة الذين عرفوا بالتدين والمحافظة على العهود والأقوال لا يتأخرون عن أداء العشر الشرعي بل إنما يأتون به إلى بيت المال ليحل لهم الأكل من المحصول فيجب استيفاء العشر فيها كما وضعه صاحب الشرع ﵇ ولا يجوز تحويله أو تزييده أو تنقيصه وتجب العناية بتفهيم أهاليها أن العشر فرض ديني لا يجوز أكله والحيلة فيه. وأما ما كان في الأهالي من الخيانة فهو من سوء تأثير الاستبداد وظلم المأمورين وفساد أخلاقهم. وأما أرض الشام وأرض مصر وسواد العراق وغيرها فأرض خراج يحق للإمام أن يحولها إلى أرض عشرية ويضع عليها العشر كما يشاء وقد سبق ذكره غير أن عمر بن الخطاب ﵁ لما مسح سواد العراق سأل عماله على الخراج حذيفة بن اليمان وعثمان بن حنيف فقال لعلكما حملتما الأرض ما لا تطيق فقال عثمان حملت الأرض أمراً هي له

стр. 2377

مطيقة ولو شئت لأضعفت وقال حذيفة وضعت عليها أمراً له هي محتملة فقال: انظرا ألا تكونا حملتما الأرض ما لا تطيق أما لئن بقيت لأرامل أهل العراق لأدعهن لا يحتجن إلى أحد بعدي. فتأمل ومن هذا يتضح أن الإمام لا يجوز له أن يحمل الأرض فوق طاقتها من العشر أو الخراج. هل يجوز جعل العشر الجاري الآن ضريبة على أراضي الخراج؟ جاء في كتاب الخراج أن عمر ﵁ مسح سواد العراق فبلغ ستة وثلاثين ألف جريب وأنه وضع على جريب الزرع درهماً وقفيزاً وعلى الكرم عشرة دراهم وعلى الرطبة خمسة دراهم وعلى جريب النخل ثمانية دراهم وعلى جريب القصب ستة دراهم وعلى جريب الحنطة أربعة دراهم وعلى جريب الشعير درهمين وعلى جريب السمسم خمسة دراهم وعلى الخضر من غلة الصيف على كل جريب ثلاثة دراهم ومن جريب القطن خمسة دراهم وجاء في كتاب الخراج أيضاً أن عبد الملك بن مروان أحد خلفاء بني أمية حمل الأموال على قدر قربها وبعدها فجعل على كل مائة جريب زرع مما قرب ديناراً وعلى كل مائتي جريب مما بعد ديناراً وعلى كل ألف أصل كرم مما قرب ديناراً وعلى كل ألفي أصل مما بعد ديناراً وعلى الزيتون على كل مائة شجرة مما قرب ديناراً وعلى كل مائتي شجرة مما بعد ديناراً وكان غاية البعد عنده مسيرة اليوم أو اليومين وأكثر من ذلك وما دون اليوم فهو في القرب وحملت الشام على مثل ذلك وحملت الموصل على مثل ذلك نتبين مما تقدم ذكره أن الخراج كان عبارة عن ضريبة مقطوعة على الأرض تنوعت بالنسبة للإيراد الصافي وقد سبق أن أرض الشام والعراق ومصر وغيرها كالأناضول والروم أيلي وطرابلس الغرب مما افتتحه المسلمون عنوة كانت أراضي خراجية وقد جوز الإمام أبو يوسف تحويلها لأراضي عشرية وجوز تزييد مقدار العشر وتنقيصه فيها فيتضح لك مما تقدم ومما تقتضيه المصلحة العامة أن تحويل العشر الجاري حتى الآن إلى ضريبة عادلة تطرح على الأراضي الخراجية على شرط أن تطيق حملها وتكون متناسبة مع الريع الحقيقي جائز بل واجب. ما هي القاعدة في تحويل العشر إلى ضريبة؟ تتألف لجنة قوامها رجال ممن لهم خبرة بفن الزراعة واقتدار بتخمين القيم ويصحبهم

стр. 2378

مهندس ويرأسهم رجل ذو خبرة واطلاع على أحوال البلاد والفلاحين دارس في المدارس العالية ويشترط في الجميع أن يكون ممن تحلى بشرف النزاهة والصدق والاستقامة فيتجولون في أنحاء الولاية ويفحصون قوة إنبات الأراضي ويقسمونها إلى ثلاثة أو أربعة أقسام أعلا وأوسط وأدنى وضعيفة (يعني قلما تعطي ريعاً) ثم ينظرون في بدل أعشار عشر سنين أو خمس عشرة سنة عن قرية ما على شرط أن ينظروا إلى حقيقة البدلات السابقة فإن كانت للأهالي فلا شك بأنهم يجدون بدلاتها فاحشة فيجب عليهم التخفيف وإن كانت لأرباب النفوذ فلا شك بأنهم يجدون بدلاتها ناقصة فيجب عليهم التزييد وربما وجدوا قرية من قرى الأهالي محفوظة من الغدر الفاحش لاتفاقهم وتيقظهم كما أنهم يجدون بعض قرى الأعيان مظلومة لتجاوز بعض أرباب النفوذ أو لغضب أولي الأمر عليهم ثم يقسمون مجموع البدلات على عشر سنين أو خمس عشرة سنة وبعد ذلك يوزعون خارج القسمة على حسب درجات الأراضي من حيث قوة الإنبات وهكذا يفعلون في الولايات التي هي من الأراضي الخراجية ولا بد من النظر إلى نوع الأراضي إن كانت مشجرة أو غير مشجرة ويجب تفريق الأراضي التي تسقى بماء المطر أو بماء النهر سيحاً من الأراضي التي تسقى بالدلو أو الدولاب وتفريق الأراضي التربية من المدن والمرافئ الأساكل عن الأراضي البعيدة. وخلاصة الكلام يجب على اللجنة أن تحمل الأرض ضريبة تطيقها ولا تتجاوز عشر محصولها فإن فعلوا أراحوا الأمة وتزايدت واردات الخزينة ودخلت تحت قاعدة الانتظام وخف الظلم وصار إيراد الدولة معلوماً فلا تخطئُ في تنظيم ميزانيتها وإن ظلم رجل بضريبة فله أن يراجع ويدفع ظلمه والآن قد فتح باب العدل فلا يبقى مظلوم على غدره إن شاء الله. منافع الضريبة على الأراضي يعرف الإنسان ما عليه من الضرائب فيحسب مصروفه على أراضيه وريعه الحقيقي فيسعى في عمارة أراضيه ليخفف عنه ألم الضرائب ويضمن ربحاً عظيماً فإن وصل إلى مرغوبه عمر الأرض فتعمر البلاد وإن خسر ترك الزراعة وانصرف إلى التجارة وعلى ما أظن أن الحكومة الدستورية ستسعى في تخفيف الضرائب عن عاتق الأمة وأخص منهاضرائب الزراع وإذا خفت عنهم أغنتهم وجعلتهم يتزوجون ويعملون الولائم ويكتسون

стр. 2379

ويصرفون المبالغ في اللبس والفرش فيزيد واردات البلاد مع واردات الخزينة وأكرر قولي أن الحكومة لا تغنى إلا بغنى الأمة والأمة لا تغنى إلا بتخفيف الضرائب. وحينئذ ترى فلاحنا قد أصبح حراً وتخلص من استبداد الملتزمين ومن أسرع في إخراج محصوله فأدرك الأسعار في غلائها ربح الأرباح وصارفي رغد من العيش وهذه النعم لا نجدها في تلزيم بدلات الأعشار وكفى بذلك عبرة. شكري العسلي

стр. 2380

عبث الوليد أبو تمام حبيب الطائي وأبو الطيب أحمد بن الحسين المتنبي وأبو عبادة البحتري هم الشعراء المعول على شعرهم في المولدين جمعوا إلى جزالة الألفاظ وحسن السبك معاني الحضارة وأساليب الحكمة ولذلك كانت دواوينهم من جملة ما يقضي على طالب الأدب أن يتدارسها ويستظهرها وكانت مما أوصى بتعلمه ضياء الدين بن الأثير صاحب المثل السائر كل مشتغل بالمنظوم والمنشور لأنها حوت عامة المزايا اللغوية والأدبية. ومن أجل هذا ترى هذه الدواوين قد خدمت أجل خدمة منذ القديم ولاسيما ديوان أبي تمام وديوان أبي الطيب فنظر فيهما مشاهير اللغويين والعلماء وتعاورتهما الأقلام بالشرح والنقد إلا ديوان أبي عبادة البحتري لم نسمع بأن أحداً من العلماء تصدى لنقده غير أبي العلاء المعري. فإن هذا العلامة الحكيم اللغوي أبى أن يغفل كلام البحتري من وضعه على محك انتقاده بعد أن ألف في ديواني الطائي والمتنبي كتابين مستقلين دعا الأول ذكرى حبيب والثاني معجز أحمد ـ فألف في الثالث كتاباً سماه عبث الوليد قال في مقدمته: أثبت ما في ديوان البحتري ما أصلحُ من الغلط الذي وجد في النسخة المكتوب في آخرها أنها بخط ظفر بن عبد الله العجلي وإنما أثبت ذلك ليكون مولاي الشيخ الجليل أدام الله عزه كأنه حاضر للقراءة ولم يمكن إثبات جميع الأغلاط لأن أكثرها غير محيل وقد وُصل بذكر شيء مما جرى إليه أبو عبادة من الضرورات وما بجنبه أمثاله وبالله التوفيق. قال أبو العلاء في الكلام على قول أبي عبادة: إذا تشاكلت الأخلاق واقتربت ... دنت مسافة بين العجم والعرب إذا وقعت بين في هذا الموقع فالاختبار خفضها وكذلك ترفع إذا وقعت في موقع وقع كما جاء في الكتاب العزيز لقد تقطع بينكم أكثر القراء على الرفع ويجوز النصب فقال قوم يكون الاسم مضمراً كأنه قال لقد تقطع الوصل بينكم وقال قوم يضمر ما كأنه قال لقد تقطع ما بينكم وحسن حذف ما ههنا كما حسن حذف لا إذا قيل والله أفعل أي والله لا أفعل قال امرؤ القيس: كلاَّ يمين الإله يجمعنا ... شيءٌ وإخواننا بني جُشما أي لا يجمعنا. وهذا البيت ينشد بخفض بين ونصبها. يديرونني عن سالم وأديرهم ... وجلدة بين العين والأنف سالم

стр. 2381

فالخفض على الإضافة والنصب وعلى تقدير ما وقال المعري في مكان آخر: وكان في النسخة هذه الأبيات التي أولها: يا أمتا أبصرني راكب ... يسير في مسحنفر لاحب والأبيات الثلثة منها مذكورة في أمالي قوم من العلماء المتقدمة ويجوز أن يكون غلط بها على أبي عبادة فنسبت إليه أو ظنها بعض الناس من شعر العرب فألحقها بما يحكى عنهم والبيت الثالث الثابت في هذه النسخة لا يوجد في الحكاية المتقدمة وقد اختلف في أشياء من هذا الجنس وربما حسد بعض فنسب شعره إلى المتقدمين ليُكاد بذلك وينقص من قدره. وحكى بعض الكتاب أنه رأى كتاباً قديماً قد كتب على ظهره أنشدنا أحمد بن يحيى ثعلب من الجآذر في زي الأعاريب. وذكر خمسة أبيات من أول هذه القصيدة وهذا كذب قبيح وافتراء بيّن. وإنما فعله مفرط الحسد قليل الخبرة بمظان الصواب غرضه أن يلبس على الجهال. وقد رويت أبيات أبي عبادة التي في صفة الذئب لبعض العرب ويجب أن يكون ذلك كذباً مثل ما تقدم في حديث البائية التي لأبي الطيب. وقد نسبوا الأبيات التي في صفة الذئب إلى عبد الله بن أنيس صاحب النبي ﷺ وهو من بني الترك راشد بن وبرة ولا ريب أن ذلك باطل والرواية التي يرويها أصحاب اللغة يجيئون بالبيتين الأولين فيجعلونهما من قول الجارية ثم يقول فأجابتها أمها: الحصن أدنى لو تأَييته على أن هذه الأبيات بعيدة من نمط أبي عبادة وإن كان الشاعر المغزر يجوز أن يأتي بكل فن من القول. وقال المعري في الكلام على بيت البحتري الذي هو: والحدود الحسان يبهى عليها ... جلنار الربيع طلقاً وورده جلنار من أطراف كلام العامة وليس هو اسماً موجوداً في الكلام القديم ويجب أن يكون المراد به جل نار أي ما عظم من الجمر ثم كثر في كلام العامة حتى جعلوه كالاسم الواحد وأجروه مجرى الأسماء العربية غير المركبة. والشعراء والمولدون يعربون الراءَ فيقولون كأنه جلنار ورأيت جلناراً ولو أضافوه وقالوا جلَّ نار لكان أقيس ولو أنهم جعلوه بمنزلة حضرموت لوجب أن يقول هذا جلنار ورأيت جلنار ومررت بجلنار فلا يصرفون ولم

стр. 2382

يأخذوا به في هذا المنهاج بل أدخلوا عليه الألف واللام فقالوا الجلنار واجتروا على توحيده فقالوا جلنارة فأجروه مجرى تمر وتمرة وقال بعض المحدثين: غدت في لباس لها أخضر ... كما تلبس الورق الجلنارا ولا أعلم هذا الاسم جاء في شعر فصيح وإنما هو لفظ محدث وكأنه في الأصل جاء على معنى التشبيه شبهوا حمرته بحمرة الجمر وهو جل النار ثم تصرفوا فينقله وتغييره وقالوا في تسمية الطعام الفارسي نيرباج وزعموا أن نير بالفارسية رمان وفارس تنطق بالياء كأنها ألف والألف كأنها ياء فيجوز أن يكون نار في جل نار من هذا النحو فكأنهم أرادوا جل الرمان ويجوز أن يكون جل بلسانهم في غير هذا المعنى على أن لغتهم اختلطت بالعربية وصارت فيها حروف كثيرة من كلام العرب وهم يسمون الفارسية الخالصة الفهلوية والذين يتكلمون بها اليوم قليل تفتقر إليهم الملوك في تفسير سير المتقدمين. وقال في كلامه على بيت: أسند صدور اليعملات بوقفة ... في الماثلات كأنهن المسند أشبه ما يجعل المسند ههنا أن يكون في معنى خط حمير لأن مذهب الشعراء في ذلك معروف وإياه قصد أبو عبادة كما قال ذؤيب: عرفت الديار كرقم الدواة يزبرها الكاتب الحميري وكانوا يسمون خطهم المسند وسموا هذا الخط العربي الجزم لأنه جزم من ذلك الفن أي قطع وقد يحتمل أن يعنى بالمسند الحديث المسند أي هذه المنازل قد صار حديثاً يذكر. وقال في الكلام على بيت: يغضون دون الاشتيام عيونهم ... فوق السماط للعظيم المؤَمر الاشتيام كلمة لم يذكها المتقدمون من أهل اللغة فإذا سئل من ركب البحر عنها قال البحريون الذين يسلكون بحر الحجاز يسمون رئيس المركب الاشتيام فإن كانت هذه الكلمة عربية فهي الافتعال من شام البرق لأن رئيس المركب يكون عالماً بشؤون البروق والرياح ويعرف من ذلك ما لا يعرفه سواء فكأنه سمي بالمصدر من اشتئام كما قيل رجل زور وهو مصدر زار ودنف وهو مصدر دنف وفي البحر سمكة تعرف بالاشتيام وهي عظيمة ويجوز أن يكون سميت برئيس المركب كأنها رئيسة السمك وإذا أخذ بهذا القول فهمزة

стр. 2383

الاشتيام همزة وصل وإن صار في البيت زحاف قد جرت عادته باستعمال مثله وإن كان الاشتيام كلمة أعجمية فألفه ألف قطع كألف إبريسم وإبرهيم ونحو ذلك. وقال في قوله: إن أتبع الشوق أزراءً عليه فقد ... جافى من النوم عن عيني ما جافا قوله أزراءً عليه رديءٌ وإنما المعروف أزريت به وزريت عليه وقد عابوا على ابن دريد قوله في رسالة الجمهرة إلى الأزراء على علمائنا وقد حكى بعض أهل اللغة أزريت عليه وليس بمعروف وإنما الفصيح أزري به كما قال الأعشى: فإن تعهدي لامرئٍ ملةً ... فإن الحوادث أزرى بها ومثل هذا ما صححه للبحتري في قوله: إذا استقلته جرد الخيل فقال أنها غير مستعملة وإنما المعروف إذا استقلت به ويقولون استقل القوم إذا ساروا غير متعد وإنما أراد بقوله استقلته أقلته ولو قال أقلته لاستقام الوزن ولعل أبي عبادة كذلك قال: كما أنكر عليه لفظة البرطيل الذي تستعمله العامة في معنى الرشوة وقال أنه لا يعرف في الكلام القديم وكذلك وردت لفظة الأطروش فيشعر البحتري فأنكرها المعري وقال أنه لا أصل لها في العربية وقال في: أخواله للرستمين بفارس ... وجدوده للتبعين بموكل يروى للرمسين على الجمع وكذاك التبعين ويروى بالتثنية والجمع أشبه لأنه قال أخواله فجمع وكذلك قال جدوده فإن تكون الأخوال والجدود لملوك كثيرة أشبه من أن تكون لملكين وموكل اسم موضع باليمن ويقال أنها دار مملكة جمير وهو مفتوح الميم والكاف وكذلك نقل أهل اللغة وكان أبو عمرو والزاهد يقول الموكل قبة الملك فإن كان ذلك شيئاً قديماً سمعه فقد يجوز أن يكون حمل على أن هذا الموضع يقال له موكل وهو مقر مملكة القوم والذي يتهم به أبو عمرو يتخرج كثير منه على هذا النحو وكأن قبة الملك تسمى موكلاً لأنه يقعد فيها ويكل أموره إلى الخدم والحشم وقدم هذه البلاد رجل من أهل نجران ممن يسكن في البادية فصيح ينتمي إلى زبيد من مذحج فسمع فتى في المكتب ينشد هذه القصيدة فلما انتهى بموكل كسر الكاف فقال النجراني موكل وكذلك حكاه أهل العلم. وقال في كلامه على: وكنا نرى بعض الندى بعد بعضه ... فلما انتجعناه دفعنا إلى الكل

стр. 2384

كان المتقدمون من أهل العلم ينكرون إدخال الألف واللام على كل وبعض وروى الأصمعي أنه قال كلاماً معناه قرأت آداب ابن المقفع فلم أر فيها لحناً إلا في موضع واحد وهو قوله: العلم أكبر من أن يحاط بكله فخذوا البعض وكان أبو علي الفارسي يزعم أن سيبويه يجيز إدخال الألف واللام على كل لا أنه لفظ بذلك ولكنه يستدل عليه بغيره والقياس يوجب دخول الألف واللام على كل وبعض وقد أنشد بعض الناس قول سحيم عند بني الحسحاس: رأيت الغني والفقير كليهما ... إلى الموت يأتي الموت للكلى معمدا هذه نموذجات من كتاب عبث الوليد وقد وقع في ٩٤ ورقة وحوى فوائد لغوية وأدبية قلما يعثر عليها في الكتب المتداولة وقد جاء في آخره تم الإملاء المعروف بعبث الوليد وهذه السمة موقوفة بين أمرين أحدهما أن يراد عبث الوليد الذي هو البحتري والآخر أن يعني الوليد الذي هو الصبي وكون الرجل سمي بالوليد يحتمل هذه التسمية.

стр. 2385

وصف الأسطول كلما زهت طبيعة قطر وحف بضروب النعيم الصناعي والطبيعي تنفتق ألسن أبنائه في وصفه والميل إلى رباعه ولذلك تجد للشاميين في وصف إقليمهم من الأماديح ما لا تجده للعراقيين وما تجده للأندلسيين لا تراه لأدباء المصريين. والأندلس هي من البلاد التي زهت بنضرتها وتاهت بفطرتها ولذلك ترى شعراءها وكتابها أشبه بالأوربيين في مناحيهم الأدبية لهذا العهد ينطقون بوصف ما تقع عليه أبصارهم وما كانت تقع إلا على أثر في الحضارة وشيءٍ من العمران وإذ قد اضطرتهم الحال أن يخوضوا غمرات البحار كالفينيقيين أيام عزهم والبريطانيين في أيامنا كان لهم من أساطيلهم ما وصفه شعراؤهم فيما يلي. قال ابن هانئ يصف الأسطول: معطفة الأعناق نحو متونها ... كما نبهت أيدي الحواة الأفاعيا إذا ما وردنا الماء شوقاً لبرده ... صدرن ولم يشربن غرقي صواديا إذا أعملوا فيها المجاذيف سرعة ... يُرى عقرباً منها على الماء ماشيا وقال أبو عمرو يزيد بن عبد الله اللخمي الأشبيلي الكاتب: ويا للجواري المنشآت وحسنها ... طوائر بين الماء والجو عوماً إذا نشرت في الجو أجنحة لها ... رأيتَ به روضاً ونوراً مكمما وإن لم تهجه الريح جاء مصالحاً ... فمدت له كفاً خضيباً ومعصما مجاذف كالحيات مدت رؤوسها ... على وجل في الماء كي تروي الظما كما أسرعت عداً أنامل حاسب ... بقبض وبسط ينسبق العين وإنما هي الهدب في أجفان أكحل أوطف ... فهل صنعت من غندم أو بكت دما قال ابن الأبار وقد أجاد ما أراد في هذا الوصف وإن نظر إلى قول أبي عبد الله ابن الحداد يصف أسطول المعتصم بن صمادح: هام صرف الردى بهام الأعادي ... إن سمت نحوهم لها أجياد وتراءت بشرعها كعيون ... أبها مثل خائفيها سهاد ذات هدب من المجاذيف حال ... هدب باك لدمعه إسعاد حمم فوقها من البيض نار ... كل من أرسلت عليه رماد
следующие страницы →