Полный текст (6 802 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
الملوك عن غيرهم ومن تلك الصفات شجاعة الإمبراطور وأمانته وإصلاحه ويحكى عنه في صباه أن معلماً أراد أن يتقرب إليه في شبابه ليقربه الأمير أيام ملكه فدنا منه وأسرَّ إليه بأن الفحص سيكون في باب كذا من كتاب كذا. هذا ليجدَّ الأمير الصغير في التحصيل ويفوز على أقرانه في حلبة الامتحان ولكن شجاعة غليوم وإخلاصه عكستا آمال المعلم المتملق فإن الفتى صبر حتى جاء وقت الامتحان وتقدم بقدم ثابتة وجأش ساكن إلى لوحة الكتابة وكتب عليها يكون الامتحان في كذا كما أسرَّ إليَّ المعلم.
وكان روزفلت رئيس الولايات المتحدة في شبابه يحتقر أكثر المشتغلين معه في السياسة لعلمه بأنهم ثرثارون لا يؤثر عنهم عمل يذكروهم فئة تقول ما لا تفعل وتخاف التصريح بآرائها وأفكارها ولقد كتب في صباه كثيراً وكان أغلب ما كتبه في المسائل السياسية والحربية التي عرضت له في حياته وله بعض الكتب في التاريخ وفنون الصيد والرياضة البدنية وغيرها يصف فيها الحياة في غرب أميركا.
وكتب زهاء عشرين كتاباً في أقل من عشرين سنة. وقد ظهر أول كتاب من قلمه سنة ١٨٨٢ ثم كمنت قوته الأدبية ست سنوات وأخرج بعدها في سنة ١٨٨٨ رسالة كبيرة مزج فيها العلم بالسياسة وحلل فيها نظام الحكومة الجمهورية تحليلاً دقيقاً وباح بآراء مهمة جعلت له مركزاً سامياً بين أقرانه سيما وقد أفرغ في تلك الرسالة كل ما مر عليه من تجارب في ثماني سنين قضاها في وظائف الحكومة السامية ومن كتبه كتاب سير الأبطال وحياة الفكر والعمل وحياة أوليفر كرومويل وتاريخ نيويورك وقد جمعت وطبعت كلها في خمسة عشر مجلداً وله غير هذه الكتب مقالات كثيرة نشرت في المجلات الإنكليزية والأميركية.
وقد صرح روزفلت بجميع أفكاره الحرة في كتاب كبير اسمه منتهى الكمال ضمنه ما استطاع من الآراء السياسية والاجتماعية وحلَّ فيه كثيراً من المشكلات التي عرضت له في صباه وقد أظهر روزفلت بهذا الكتاب للملأ أنه هو الرجل الوحيد الذي يمكن لأمة كبيرة قوية أن تضع ثقتها فيه. ومن آرائه في هذا الكتاب أنه ليس المجرم الحقيقي هو الذي يسلب ويقتل ويكون هدفاً لسهام العقاب والقصاص إنما المجرم الحقيقي هو السياسي أو الصحافي الكبير الذي يثق به الناس وهو غادر منافق يسعى لمنفعته الخاصة والمجرم
стр. 282
الحقيقي هو الغني الكبير الذي يلعب بالعدل ويعبث بالقانون ليموت ويترك بعده القناطير المقنطرة من الذهب للورثة الفاسدين. إن المجرمين الحقيقيين هم أرباب المال الذين يظلمون العمال الفقراء حقوقهم ويشربون دماءهم ويبذلون كل مرتخص وغال في سبيل الذهب ويسيرون إلى الأمام ولو فوق الجثث البشرية. وهاك شذرة من قلم الرئيس روزفلت يصف بها أرباب الملايين في أميركا قال: ليس في العالم أقبح خلقاً وإغراقاً في الدناءة وقلة الشرف من أرباب الملايين الذين ليس لهم عمل ولا غرض في الحياة يسعون إليه سوى جمع المال وحبسه عن المحتاجين والفقراء. ومن الأسف أنهم يجمعون تلك الأموال الطائلة ويحرزون ألوف الألوف من الذهب ليستعملوها في أغراض وغايات دنيئة فإن أحدهم يلعب بالأسهم المالية والشركات ويملك في يده زمام المضاربات فيفقر قوماً ويغني آخرين لمحض لذته وسروره أو يهب ابنه الجاهل مقداراً عظيماً من المال فيعيش الولد عيشة الكسل والخمول والفساد والفجور ويندفع في طلب الملاذ السافلة ويجري وراء شهواته الدنيئة أو يشتري لابنته زوجاً شريفاً فقيراً يلقب (بلورد) أو (دوق) لتكون (ليدي) أو (دوقة) وفي بعض الأحيان يؤسس مدرسة أو يجري رزقاً على كنيسة فينسى الناس ذنوبه الكبيرة بتلك الحسنة الصغيرة ويغضون الطرف عن عيوبه ويغفرون له خطاياه ويحسبون أن هذا العمل الحقير الخيري الذي تم على يده يبرر أعماله السابقة واللاحقة بأسرها. هذا الرجل هو الذي لا يحفل بالعمال الذين يموتون من أجله ويقتلون أنفسهم في معامله ومناجمه وهو يسلب حقوقهم ويهددهم بالطرد إذا شكوا إليه بثهم وهمهم وكلما أمكنه نقص من أجورهم وزاد ساعات عملهم وإذا سألته الحكومة في ذلك هزأ بها وسخر منها ومن دستورها وقوانينها. هذا الرجل خطر دائم على الحكومة والأمة لأنه يرى بعينه الفساد ولا يمد يده للإصلاح ويسمع بأذنه أخبار الرشوة المنتشرة بين الحكام والقضاة ولا يحرك لسانه بكلمة تعود بالنفع على وطنه الذي ينتمي إليه والجمهورية التي تحميه بل يجلس ويضحك كأنه من الدنيا في ملعب ولا يحس بأنه فرد من هيئة حية نامية عن الواجب الذي عليه نحوها قبل نفسه هذا هو المثري الأميركي الذي يحترمه الناس ويبجلونه ويشيرون إليه بأطراف البنان ويثنون عليه قائلين أنه من أرباب المال والأعمال.
وإنك لترى في أميركا غير تلك العجول الذهبية وهم أكثر عدداً ولكنهم أقل خطراً وأعني
стр. 283
بهم أصحاب الأفكار المادية المحضة الذين لا يمدون يدهم إلى عمل إلا إذا علموا أنهم ينالون منه كسباً ولا يستحسنون شيئاً إلا إذا عرفوا أنه مال ومن المال وإلى المال. ولا يعرفون أن شاعراً واحداً يفيد الأمة بعرائس أفكاره أكثر ألف مرة من صاحب معمل لسبك الفولاذ في الولايات المتحدة ولا يعرفون أنه مهما زادت التجارة وكثرت الأرزاق ولت الواردات عن الصادرات لا تعوقنا تلك الأمور شيئاً عن الفضيلة الضائعة ولا يمكننا بها أن نحل المسائل الاجتماعية الهائلة التي تشغل الآن جميع الأمم المتمدنة ويقولون بأن التجارة والأملاك أقدس جانباً وأغلى ثمناً من الحياة والشرف والمجد بما لا يقدر على أن هؤلاء معذورون لأنهم لا يحسون بعاطفة كبيرة ولا ينبض في جسمهم العرق الذي ينبض في أجسام أهل الفضل.
القاهرة
محمد لطفي جمعة
стр. 284
تحية حبيب
حي بلاد الشمال ... خلاق تلك المناظرْ
يا ميُّ أين العهودُ ... هلا ولاك يعودُ=قد طال منكِ الصدودُ
إني أسيرُ الغرام ... صريعُ لطف الحرائرْ
بالله رقي لضعفي ... يا خيرُ محبوبَ واشفي=سقام مضنىً بطرفِ
يخافُ وقعَ النبالِ ... ممن تفوق الجآذرْ
إن جال يوماً بفكركْ ... خيالُ مضنىً بذكركْ=اسقيه من مسك سؤركْ
نفسي أتتْ في خيالي ... زارتْ وعقلك فاكرْ
إن كنتِ تمشين صبحاً ... بالروض والزهر أوحى=إليك معنى ونفحا
فذا شعوري وحالي ... بدا بزي الأزاهرْ
كمْ بتُّ أبكي لبعدي ... وما البكاء ليجدي=وكلما هاج وجدي
من لطف أهل الدلال ... خشيت فضح السرائر
كنا وكان اللقاء ... والشام فيها الدواء=حتى دهانا القضاء
أيام صفو الليالي ... بالبين والكل ناكر
لكن بعد الحبائب ... يهيج ما في الترائب=فالقلب يغدو يخاطب
قلب المحب الموالي ... على ربوع الخواطر
رودي مهب الجنوب ... فيه سلام الحبيب=ولن يخف نحيبي
حتى أرى للوصال ... من الشمال البشائر
بيروت
عبد الرحمن شهبندر
стр. 285
عود الشباب
كانت العقول في أوربا قبل انتشار العلوم والفنون بين خاصتها وعامتها أشبه بالعقول الآن في معظم البلاد العربية تستهويها الخرافات والخيالات، وتستغويها الأباطيل والترهات، فيتلقى المرء فكره عن أمه ومرضعته، أو عن خادمه وخادمته، أو عن محيطه وبيئته، وكلها عوامل جهل مركب، وأدوات إضلال وانحلال. ومن ذلك ما كان القوم يذهبون إليه من المذاهب في إطالة الأعمار ويتناولون من أجله الأشربة والمعاجين، ويعمدون إلى اتخاذه من أساليب تنتهي بالموت لا بالحياة. ولا يزال فينا قسم عظيم من أهل التخريف، يعتقدون هذا الاعتقاد السخيف، ويعملون بوصفات وردت في بعض كتب الطب القديم التي ما كانت قط عند الثقات معمولاً بها أو يذكرها العجائز والشيوخ وينقلونها خلفاً عن سلف.
وقد بحث هذا الشهر أحد علماء الإفرنج في أسرار الشبيبة فقال ما تعريبه: غصت الأجيال القديمة بالأساليب الغريبة لحفظ الشبيبة وكان المفكرون يصرفون من ذكائهم وأعمالهم شطراً كبيراً إرادة تمديد حدود الحياة البشرية. وما من حكيم إلا واهتدى إلى مذاهب في هذا الباب. وقد حوى علم التنجيم والكيمياء والطب وما يتصرف عليها من أنواع هذه الأدوية ألواناً وضروباً.
نشر أحد أطباء الألمان في القرن الثامن عشر كتاباً رأى فيه أن خير ما يبعد الهرم ويبقي على الشباب ما استعمله النبي داود في شيخوخته قائلاً أن الجسم المثقل بالأيام يستفيد من الاحتكاك بالجسم القريب العهد بالولادة أي الجسم الهرم البالي من الجسم الفتي الشديد. وقد عمد إلى استعمال هذا الدواء كثير من أهل الحكمة والفلسفة ومنهم غاليين في القديم وهو عالم التشريح اليوناني المناقض لأبقراط في مبادئه الطبية وممن قال به في العهد الحديث روجر باكون الراهب العالم الإنكليزي الكبير المتوفى سنة ١٢٩٤. ذلك لأنهم زعموا أن ريح الشباب تعدي الشيوخ والأجسام السليمة الجيدة التركيب ولاسيما الغضة الإهاب تزيد الشيوخ والضعفاء قوة لما ينبعث منهم من الروائح الطيبة والأبخرة السليمة الشهية ولما فيهم من المزايا والقوة.
وعندما بلغ داود على ما في الكتاب الأول من سفر الملوك السبعين من عمره اقترح عليه خدمته أن يتزوج فتاة فانتفع بذلك. وارتأى كثير من الأطباء ومنهم كوهزن أن نفس الفتاة من أنفع الأمور للشيخ الهمّ قائلاً أن نفس القوي يقوّي كما أن نفس المسلول يؤذي. وما
стр. 286
على من شك في هذا إلا أن يذكر أن رائحة الزهور البلسمية تنعش منا الجسد وتحفنا بالصحة والبهجة. وتوسع كوهزن فذكر أمثلة كثيرة من رجال أوشكوا أن يقضوا نحبهم فأعيدوا إلى الحياة بما نفخ فيهم حاشيتهم من روحهم. وأورد بوريللي الفسيولوجي الطلياني المتوفى سنة ١٦٧٩ وتاكيوس وغيرهم أسماء من أشرفوا على الموت وردت إليهم قواهم بما نفخ أصحابهم الصحاح الأجسام في أفواههم. وكذلك الشأن في استنشاق عرق الفتاة.
قال كوهزن حدث أن فتى تزوج بعجوزة فعاد إليها شبابها ورجعت إليها قوتها وصحتها على حين كان زوجها يذبل كل يوم كالزهرة ويقترب من الشيخوخة فتراً وشبراً. وهكذا بلغ كورجياس دي ليونتيوم المائة والثماني سنين واناف ايزوكراتس الفيلسوف الآثيني على المائة سنة. دع عنك الفيلسوف زينون وتيوفراست وغيرهما ممن أعجب معاصروهم بقوتهم ونضرة وجوههم وقد نسب لويز كورنارو الطبيب البندقي المشهور جودة صحته في شيخوخته إلى بطانته بيد أن الباحثين لم يهتدوا إلى ضرر أنفاس الناس شباباً كان أصحابها أو شيباً إلا بعد أن ثبت ذلك لطبيبين نطاسيين سنة ١٨٨٧ وأكدا أن الأنفاس سم ناقع وأن هناك طرقاً ثانية لعود الصحة الذاهبة والنشاط الضائع.
ولقد كان لأطباء اليهود والرومانيين كافة طرق خاصة لإطالة الأعمار وكانت أدويتهم في هذا الشأن تختلف باختلاف الزمان والمكان كأن يحتوي بعضها على دهن الأسد وجلد الحرباء ودم الأطفال والبالغين ولكن هذه الأدوية لم يكن لها عمل في الأجسام غير إلقاء الحرارة فيها وبقي العمل بهذه الأدوية إلى القرن السابع عشر والثامن عشر أيام أخذ الطب والعلم يرتقيان وانقلب الطب ظهراً لبطن ولم يعد يقبل النسبة بين ماضيه وحاضره.
وهناك أنواع كثيرة من المقويات والمنعشات وتكثير الحياة الذي كان يستعمله القدماء كالا كير الذي استعمله أحد أطباء السويد وبلغ به المائة والسبع سنين من عمره فأعتقد بنفعه كثيرون. والوسواس والإغراء ينفعان في مثل هذه الأحوال ولطالما أعانا أصحابهما على ما يريدون.
نشر الكتاب في الغرب منذ تسعة قرون كتباً ورسائل في معنى إطالة الحياة وعددوا من انتفع بمقوياتهم ووصفاتهم من كبار الرجال ولم يعرف اليوم كيفية تحضير تلك المقويات وبقيت أخبار معظمهما مجردة لا مستند لها.
стр. 287
ولقد مضى على تأصل هذه الأوهام عشرون قرناً ولا يزال إلى يوم الناس هذا من يعتقد بأن العود إلى الشباب ميسور وأن لتلك الأدوية أثراً في النفع وما برحت أندية العلم تشتغل وتبحث وكل سنة نسمع باختراع جديد لطول الحياة قد ينجع بعضها بعض الشيء وقد تكون فائدتها أقصر من عمر الكرام. وما ننس لا ننس تجارب المجمع العلمي في لندن واللائحة التي تلاها الدكتور فبير وأعمال الأستاذ متشنكوف التي نشرها مؤخراً وأعمال كثير من الفسيولوجيين والأطباء والبيولوجيين وكلها ترمي إلى إلغاء الشيخوخة من سجل الوجود. وقد نشر منذ حين أستاذان من شيكاغو بحثاً ادعيا فيه أنهما يعيدان الشباب بالحقن بمصل عجلة ولم يثق الناس بأقوالهما.
وهنا نغفل الأسباب التي تنهك صحة الشباب وتسارع بالهرم إلى الجسم ويقف على الذرائع التي تنتج النتائج السيئة فنقول: حاول كثير من علماء منافع الأعضاء أن يعينوا المقدار الضروري من الغذاء للإنسان في أدوار حياته واختلفت مناحيهم في ذلك إلا أن معظمهم في الغالب قد قدروا ما يلزمه زيادة عن الحاجة. ومن رأي التواتير أنه يكفي البالغ أن يتناول كل يوم ١٢٣ غراماً من الزلال (البومين) و١٢٥ من الدهن و٤٠٠ من الهدروكربون (المواد التي تولد الحرارة). وقال رايك أنه يكفيه ١٠٠ و١٠٠ و٢٤٠. وقال مولشخوت ١٣٠ و٤٠ و٣٤٠. وقال فوستر ٦٣١ و٦٨ و٤٩٤. وقال ارمند غوتيه أنه يكفيه ١٠٠ غرام من الزلال مضافة إلى ٦٥ من الدهن و٤١٠ غرامات من الهدروكربون.
واللحم يحتوي على ٢٠ في المائة من الزلال فيكفي الإنسان أقل من رطل (مصري) من اللحم في اليوم لإيجاد الزلال اللازم ولا ينبغي أن يستعمل مع اللحم شيء آخر من المغذيات كالبيض والجبن وغيرهما. وأنت ترى فيما تقدم غلواً وإسرافاً. وفي الأبحاث الأخيرة أنه لا يكفي الجسم ٤٠ غراماً من الزلال. وقال غيرهم من أكابر الأطباء المعاصرين أن ٥ إلى ٧ غرامات من الآزوت وهي توجد في ٣٠ إلى ٤٥ غراماً من الزلال تحفظ قوام الصحة وتقوم بحاجة أقوى الأجسام وهذه الكمية تتيسر بتناول بعض الأغذية النباتية وقد جرب أحد الأطباء فتناول كمية من الآزوت من ٦ إلى ٧ فكان من ذلك أن تحسنت صحته كثيراً وشفي من داء المفاصل الذي كان أصيب به منذ سنين كما ثبت نفع ذلك لغيره من أصدقائه بالفعل. وخفف ثمانية من طلبة كلية يال الجامعة في أميركا
стр. 288
طعامهم فانتهت بهم الحال أن اقتصروا على ٥٠ غراماً من الزلال وهم ممن اعتادوا الرياضة البدنية العنيفة مثل ركوب الخيل والبحر والصيد وغيرها فجادت صحتهم أيما جودة.
وارتأى أحد المتطببين في باريس أن إملاء المعدة بالطعام وهو مما عمت به البلوى بين الناس كلهم إجمالاً لا ينتج إلا الضرر فاختار لمن يطبهم الصيام - عملاً بالمأثور صوموا تصحوا - وقد جرب بنفسه فعل الامتناع عن الطعام مرات كثيرة فأسفر عن نجاح بين وثبتت لمرضاه فائدة الإقلال من الطعام بل الامتناع عنه في الأحيان.
وكذلك كان مذهب الدكتور باردت في رأيه الذي عرضه على جمعية مداواة الأمراض الباريسية وأثبت خطأ قدماء الأطباء في كمية الغذاء المقتضي بزعمهم وقال بأن حواسنا تسمم بالإكثار من الغذاء ذاك الإكثار الذي يجلب لا محالة أمراضاً عضالة وأوصاباً كثيرة.
ألا وإن الإفراط في تعاطي المشروبات والغذاء ليسبب عدة أمراض يكون من مجموعها سرعة الشيخوخة والهرم. ويا ما أشد هول الشره على الأجسام فهو خطيئة أصلية ينبغي تطهير الأرض منها وقلما نفكر معاشر البشر فيه على أن الطبيعة تعاقبنا من أجله عقوبات شديدة وتكافئنا فيه فلا نرعوي. متى جاء اليوم الذي يقتنع فيه الناس ببلغة من العيش وسداد من عوز ويقتصرون من الطعام على ما ينفع ولا يثقل المعد بشر الصحة والشباب بالقوة.
ولقد أبان كثير من نطس الأطباء في كلية باريس الطبية أمثال هذه الملاحظات وأبان بعضهم الأضرار التي تنبعث من إكراه الأطفال على إطعامهم كثيراً. وحال الجسم في إثقاله بالأطعمة والزلال كحال آلة تجعل فيها كمتة من الزيت تفيض عن حاجتها فإنها تنتهي بالوقوف عن الجري على قانونها المعتاد وكذلك جسم الإنسان إذا أفضت عليه ما لا يحتمله ويكفيه أقل منه.
وبعد فقد أصيبت اليوم الطبقة النازلة من الناس بنقمة الأشربة الروحية بحيث يموت عشرهم منها كما أصيب أهل الطبقة العالية بالنهم والشره والإكثار من المواد الزلالية وكلتا الطبقتين الغنية والشقية تلتقيان في طريق الآلام والأوصاب ومهما يكن من الأمر فإن الحرمان من الطعام أقل ضرراً من الإفراط فيه والجوع خير من الشبع. وإني لأرى أن يكف المكثرون من الأطعمة عن تناول أكثر من اللازم ويتركوا الفائض عن حاجتهم لأولئك
стр. 289
المعوزين المحاويج فيحفظون بذلك سلامتهم فينتفع بذلك الأغنياء والفقراء معاً. فإن التكافل نافع على كل حال وقد أبان علم إطالة الأعمار فوائد الغيرية الاجتماعية وبعبارة ثانية الإيثار على النفس وفائدة الإقلال والاعتدال والامتناع عن الإكثار والإقلاع عن المضار.
стр. 290
من ملاهي الأندلسيين
ذكر الشقندي في رسالته تفضيل الأندلس على بر العدوة في آثارها وحضارتها وفيما خصت به كل بلد من المزايا الطبيعية والصناعية مما يشبه فرنسا لهذا العهد أنه سمع ما في اشبيلية من أصناف أدوات الطرب كالخيال والكريج والعود والروطة والرباب والقانون والمؤنس والكثيرة والفنار والزلامي والشقرة والنورة وهما مزماران الواحد غليظ الصوت والآخر رقيقه والبوق وإن كان جميع هذا موجوداً في غيرها من بلاد الأندلس فإنه فيها أكثر وأوجد قال وبابدة من أصناف الملاهي والرواقص المشهورات بحسن الانطباع والصنعة فإنهن أحذق خلق الله تعالى باللعب بالسيوف والدك وإخراج القرى والمرابط والمتوجه. (كذا).
стр. 291
صحف منسية
شذرات حكمية
سئل أبو سليمان المنطقي لِمَ لم يصف التوحيد في الشريعة من شوائب الظنون وأمثلة الألفاظ كما صفا ذلك في الفلسفة فقال: إنا لا نظن أن كل من كان في زمان الفلاسفة بلغ غاية أفاضلهم، وعرف حقيقة أقوال متقدميهم، بل كان في القوم من رأى رأي العامة وحط إلى ما حطت إليه ولم يبن منهم كثير شيء مع قدم الزمان ولقاء المحققين الفاضلين وهذا إذا حل لا يكون قادحاً فيما نصصناه من القول في حقائق التوحيد الذي ظفر به خلصان الحكمة، وفرسان الصناعة، على أن الترجمة من لغة يونان إلى العبرانية ومن العبرانية إلى السريانية ومن السريانية إلى العربية قد أخلت بخواص المعاني في أبدان الحقائق إخلالاً لا يخفى على أحد ولو كانت معاني يونان تهجس في أنفس العرب مع بيانها الرائع، وتصرفها الواسع، وافتنانها المعجز، وسعتها المشهورة، لكانت الحكمة تصل إلينا صافية بلا شوب، وكاملة بلا نقص، ولو كنا نفقه عن الأوائل أغراضهم بلغتهم كان ذلك أيضاً ناقعاً للغليل وناهجاً للسبيل ومبلغاً إلى الحد المطلوب ولكن لابد في كل علم وعمل من بقايا لا يقدر الإنسان عليها وخفايا لا يهتدي أحد من البشر إليها وذلك للعجز الموروث عن الهيولى، والضعف الثابت في الطينة الأولى، وهذا لكي يكون الله تعالى ملاذاً للخلق ومعاذاً للعالم.
قال أبو حيان لأبي سليمان ما الفرق بين طريقة المتكلمين وبين طريقة الفلاسفة فقال ما هو ظاهر لكل ذي تمييز وعقل وفهم طريقتهم مؤسسة على مكايل اللفظ باللفظ وموازنة الشيء بالشيء إما بشهادة من العقل مدخولة وإما بغير شهادة منه البتة والاعتماد على الجدل وعلى ما يسبق إلى الحس أو يحكم به العيان أو على ما يسنح به الخاطر المركب من الحس والوهم والتخيل مع الألف والعادة والمنشأ وسائر الأعراض الذي يطول إحصاؤها ويشق الإتيان عليها وكل ذلك يتعلق بالمغالطة والتدافع وإسكات الخصم بما اتفق وإتمام القول الذي لا محصول فيه ولا مرجوع له مع بوادر لا تليق بالعلم ومع سوء أدب كثير نعم ومع قلة تأله، وسوء ديانة، وفساد دخلة، ورفض الورع بتحمله، والفلسفة أدام الله توفيقك محدودة بحدود ستة كلها تدلك على أنها بحث عن جميعها في العالم من ظهر للعين وباطن للعقل ومركب بينهما ومائل إلى حد طرفيهما على ما هو عليه واستفادة اعتبار الحق من جملته
стр. 292
وتفصيله ومسموعه ومرئيه وموجوده ومعدومه من غير هوى يمال به على العقل ولا ألف تغتفر معه جناية التقليد مع أحكام العقل الاختياري وترتيب العقل الطبيعي وتحصيل ما ندَّ وانقلب من غير أن يكون أوائل ذلك موجودة حساً وعياناً وكانت محققة عقلاً وبياناً ومع أخلاق الهيئة واختيارات علوية وسياسات عقلية ومع أشياء كثيرة يطول ذكرها وتعدادها ولا تبلغ أقصى ما لها من حقها في شرفها.
ثم قال وكان شيخنا يحيى بن عدي يقول أني لأعجب كثيراً من قول أصحابنا إذا ضمنا وإياهم مجلس نحن المتكلمون ونحن أرباب الكلام والكلام لنا بنا كثر وانتشر، وصح وظهر، كأن سائر الناس لا يتكلمون أو ليسوا أهل الكلام لعلهم عند المتكلمين خرس وسكوت. أما يتكلم يا قوم الفقيه والنحوي والطبيب والمهندس والمنطقي والمنجم والطبيعي والإلهي والحديثي والصوفي قال وكان يلهج بهذا وكان يعلم أن القوم قد أحدثوا لأنفسهم أصولاً، وجعلوا ما يدعونه محمولاً عليها ومسؤولاً من عرفها وإن كانت المغالطات تجري عليهم ومن جهتهم بقصدهم مرة وبغير قصدهم أخرى قال وكان يصل هذا كثيراً بقوله والدليل على أن النحو والشعر واللغة ليس بعلم أنك لو لقيت في البادية شيخاً بدوياً قحاً محرماً لم ير حضرياً، ولا جاور أعجمياً، ولم يفارق رعية الإبل، وانتياب المناهل، وهو على قبح هيئته التي لا يشق غباره فيها أحد منا وإن كلف (كذا) فقلت له هل عندك علم قال لا: هذا وهو يسير المثل، ويقرض الشعر، ويسجع السجع البديع، ويأتي بما لو سمعه واحد من الحاضرة وعاه واتخذه أدباً، ورواه وجعله حجة، وكان يقول هذه الآداب والعلوم هي قشور الحكمة وما انتثر منها على فائت الزمان لأن القياس المقصود في هذه المواضع والدليل المدعى في هذه الأبواب معها ظل يسير من البرهان المنطقي والرمز الإلهي والإقناع الفلسفي.
قال أبو حيان رويت لأبي سليمان كلاماً لبعض المتصوفة فلم يفكه ولم يهش عنده وقال لو قلت أنا في هذه الطريقة شيئاً لقلت: الحواس مهالك، والأوهام مسالك، والعقول ممالك، فمن خلص نفسه من المهالك، قوي على المسالك، ومن قوي على المسالك، أشرف على المهالك، شرفاً يوصله المالك، قال أبو الخطاب الكاتب الشيخ هذا والله أحسن من كل ما سمع منهم فلو زدتنا منه فقال: الحواس مضلة، والأوهام مزلة، والعقل مدلة، فمن اهتدى في الأول
стр. 293
وثبت في الثاني أدرك في الثالث ومن أدرك في الثالث فقد أفلح ومن ضل في الأول وزل في الثاني خاف ومن خاف في الثالث فهو من الهمج واستزاده مظهر الكاتب البغدادي فاستعفى قال: هذا حديث قوم أباعد منا على بعض المشاكهة. قلنا وما قلناه كاف فيما قصدنا فإن استتب خفت العار، واستحليت الغار، (كذا) ولكل أفق يقطفون منه، ولولا هذه اللطائف التي هي شعلة النفوس الوافرة والناقصة، لكانت الصدور تتقرح بأساً، والعقول تتحير يأساً، والأرواح تزهق كمداً، والأكباد تتفتت صمداً، فسبحان من له القدرة وهذه الخليقة، وهذه الأسرار في هذه الطريقة.
стр. 294
مطبوعات ومخطوطات
المقابسات
في المؤلفين ناس رزقوا الحظ في مؤلفاتهم فانتشرت في حياتهم وبعد مماتهم انتشاراً وأي انتشار ومن هؤلاء الغزالي والماوردي وابن جرير وابن تميمية ومنهم من بقيت تواليفهم مستورة عن الأعين أحياء وأمواتاً ولم ينالوا الحظوة فيها كأن يكون من تلامذتهم أو أولادهم أو أصدقائهم من يحتفظ بما كتبوه وينشره في كل أفق على نحو ما فعل ابن الرومية ونشر في المشرق كتب ابن حزم ولولاه لما أبقى منها التعصب باقية. والغالب أن أبا حيان التوحيدي صاحب كتاب المقابسات هو من أهل الفئة الثانية إذ لم أر واحداً في العشرة من الخاصة من سمع باسمه دع عنك من قرأ له رسالة أو فصلاً مع أنه من أمراء الإنشاء وجهابذة الحكماء والعلماء.
نشأ المؤلف في زمن خدمه السعد وحف بالبركة بفضل قوة الاستمرار وما كان في العصرين الزاهرين قبله من علية العلماء وجلتهم والعلم لا يذكو إلا بالأمن والراحة ولا يغني غناءه إلا إذا تسلسل في أجيال عدة حتى صار لهم ملكة راسخة وسنة متبعة. والتوحيدي علي بن محمد نسبة لنوع من التمر ببغداد يقال له التوحيد قال ابن قاضي شهبة وإنما قيل له التوحيدي لأن أباه كان يبيع التوحيد ببغداد وعليه حمل بعض من شرح ديوان المتنبي قوله:
يترشفن من فمي رشفت ... هنَّ فيه أحلى من التوحيد
قال ابن خلكان إن أبا حيان كان قد وضع كتاباً سماه مثالب الوزيرين ضمنه معايب أبي الفضل ابن العميد والصاحب بن عباد وتحامل عليهما وعدد نقائصهما وسلبهما ما اشتهر عنهما من الفضائل والأفضال وبالغ في التعصب عليهما وما أنصفهما قال وكان أبو حيان فاضلاً مصنفاً له من الكتب المشهورة الإمتاع والمؤنسة في مجلدين وكتاب البصائر والذخائر وكتاب الصديق والصداقة. وتوفي أبو حيان على رأس الأربعمائة. وكلام المرء أحفل ترجمة تعرب عن صفاته ومناقبه.
ولأبي حيان من الكتب كتاب المقابسات وهو صغير الجرم كبير الفائدة ذكر فيه وأكثره من محفوظه بعض ما وقع له من مفاوضات علماء عصره في بغداد وكانوا يجتمعون في دار
стр. 295
أبي سليمان المنطقي وعنه أكثر مروياته فيتذاكرون في موضوعات شتى في الفلسفة والأدب. وأكثرها على طريق السؤال والجواب لرجال جمعت بينهم كلمة العلم والحكمة وهذبت نفوسهم الآداب الحقيقية ولم يفرق بينهم اختلاف نحلهم ومذاهبهم. والعلم أعظم دين جامع بين عباد الله.
المقابسات اقتبسها أبو حيان من مساجلات إخوانه في الحكمة مثل أبي سليمان المنطقي وهو محمد بن طاهر بن بهرام السجستاني وأبي زكريا الصيمرى وأبي الفتح البوشجاني وأبي محمد المقدسي العروضي وأبي بكر القومسي ويحيى بن عدي وعيسى بن ثقيف الرومي وابن مقداد وأبي القاسم الانطاكي وكان يعرف بالمجتبى وأبي محمد الأندلسي النحوي وأبي اسحق الصابي والخوارزمي الكاتب ووهب بن يعيش الرقي وابن سوار وماني المجوسي وأبي الحسن محمد بن يوسف العامري وعبيد الكاتب والبديهي وأبي اسحق النصيبي وأبي علي عيسى بن زرعة المنطقي ومظهر الكاتب وأبي الخطاب الكاتب وغيرهم من كل من هو واحد في شأنه وفرد في صناعته.
والغالب أن مذهبهم في الفلسفة كان مذهب أرسطاطاليس شأن معظم المتأخرين من فلاسفة الإسلام كما قال الشهرستاني في الملل والنحل مثل يعقوب بن اسحق وحنين بن اسحق ويحيى النحوي وأبي الفرج المفسر وأبي سليمان السنجري وأبي سليمان محمد المقدسي وأبي بكر ثابت بن قرة وأبي تمام يوسف بن محمد النيسابوري وأبي زيد أحمد بن سهل البلخي وأبي محارب الحسن بن سهل بن محارب القمي وأحمد بن الطيب السرخسي وطلحة ابن محمد النسفي وابن حامد أحمد بن محمد الاسفزاري وعيسى بن علي الوزير وأبي علي أحمد بن مسكويه وأبي زكريا يحيى بن عدي الصيمري وأبي الحسن العامري وأبي نصر محمد بن محمد بن طرخان الفارابي وغيرهم وإنما علامة القوم أبو علي الحسين بن عبد الله بن سينا قد سلكوا كلهم طريقة أرسطاطاليس في جميع ما ذهب إليه وانفرد به سوى كلمات يسيرة ربما رأوا فيها رأي أفلاطن والمتقدمين.
وقد عرف أهل الهند فائدة هذا الكتاب فطبعوه فيما أعلم مرتين والغالب أن النسخة الأصلية يغلب التحريف عليها كثيراً حتى يكاد المعنى لا يفهم. وقد نقلنا منه شذرات في باب الصحف المنسية. وفي الكتاب دليل على حرية ذاك العصر وانطلاق الأفكار فيه ولطالما
стр. 296
كان العلماء الذين أخذ عنهم أبو حيان يقولون في مجالسهم عند احتكاك الأفكار وظهور بوارق الحق: يا حسرة الطبيب والمهندس والمنجم والموسيقار والمنطقي والكلامي وجميع أصحاب النظر والقياس على أنهم ما عرفوا التشنيع على علم لا يعلمونه بل كانوا يجلون أقدار أصحاب الصناعات والأفكار على اختلاف طبقاتهم وجمعية أصحاب المقابسات كانت من الجمعيات المرتقية في الإسلام وكان لها أمثال وكل أفرادها من أهل الأخصاء. وللمؤلف كتاب اسمه الإشارات الإلهية في التصوف أطلعت على الجزء الأول منه في خزانة الكتب الظاهرية بدمشق.
طبقات الشافعية الكبرى
شرع حضرة الشريف مولاي أحمد القادري المغربي بطبع هذا الكتاب بمصر لمؤلفه تاج الدين أبي نصر عبد الوهاب ابن تقي الدين السبكي وهو في ستة مجلدات جاء الأول منه في ثلاثمائة صحيفة وليس هو مقصوراً على تراجم رجال المذهب بل هو كما قال مؤلفه كتاب حديث وفقه وتاريخ وأدب. وقد قسم حفاظ الشريعة لعهده إلى عشرين طبقة وترجم أصحابها على طريقة الفقهاء لا طريقة المؤرخين. واستفدنا منه أن أول من صنف في الطبقات أبو حفص عمر بن علي المطوعي المحدث الأديب صنف لأبي الطيب سهل الصعلوكي كتاباً سماه المذهب في ذكر شيوخ المذهب ثم القاضي أبي الطيب الطبري وأبي عاصم البغدادي وأبي اسحق الشيرازي وأبي محمد الجرجاني وأبي محمد عبد الوهاب الشيرازي وأبي حسن البيهقي المعروف بفندق وأبي النجيب السهروردي وابن الصالح وأبي زكريا النووي والحافظ المزي وعماد الدين بن باطيش. وقد جعله الطابع بالاشتراك فجعل من يدفع الاشتراك دفعة واحدة خمسين قرشاً ومن يدفعه بعد تمام الطبع ثمانين مع أجرة البريد. يخابر بذلك محل الحاج محمد ساسي بالقاهرة. وسنتكلم على هذا الكتاب بعد مطولاً. فنشكر للطابع عنايته ونرجو له حسن التوفيق إلى إنجازه.
آراء المدينة الفاضلة
أهدانا الأديب الفاضل الشيخ مصطفى القباني نسخة من هذا الكتاب تأليف المعلم الثاني أبي نصر الفارابي من فلاسفة الإسلام وقد قدم له ترجمة لطيفة للمؤلف. والكتاب على أسلوب متدين عاقل ومما طربنا له القول في خصال رئيس المدينة الفاضلة ومضادات المدينة
стр. 297
الفاضلة وآراء أهل المدن الجاهلة والضالة. وهذا الكتاب مما يقرأوه المطالع ويعيد مطالعته لجمعه بين الفائدة واللذة وجودة تنسيقه وتأليفه. فنثني على ناشره أجمل ثناء وهو يباع في محله بخان الخليلي بمصر.
البيان
وافانا العدد الأول من السنة الخامسة لهذه المجلة النافعة وهي تصدر بالعربية والأوردية في مدينة لكنأو من بلاد الهند لمنشئها الفاضل المولى عبد الله العمادي وتحت إدارة الفاضل الشيخ عبد العلي المدراسي وقد أخذت تصدر مرتين في الشهر بعد أن كانت تصدر مرة ساعية في تهذيب حال الأمة الإسلامية في عوائدها وأخلاقها متوخية إظهار الحقائق العلمية وإبداء الآراء الحكمية والإلمام بسيرة رجل عظيم أثر بعض الأثر في المجتمع الإنساني وأندية العلم وحلقات الأدب وقيمة اشتراكها ١٥ شليناً خارج بلاد الهند فنرجو لها الإقبال الذي تستحقه ويستحقه منشئها الأديب.
стр. 298
تدبير الصحة
أوان المسكرات
نشر الدكتور شارل دانا أستاذ النرولوجيا في كلية كورنل من ايتاكا في أميركا نتيجة أبحاثه في المشروبات الروحية فثبت لديه من حوادث كثيرة أن أوان إدمان المسكرات يبتدئ قبل سن العشرين وأن قليلاً من الناس يتعاطونها بعد سن الأربعين. ومن رأيه إذا أرادت الحكومات أن تفلح في مقاومة المسكرات أن تحظر مبيع الكحول إلى كل ولد أو شاب قاصر بعقوبات شديدة تجري أحكامها على من يخالف ذلك من المتجرين بها وهذه أنجع واسطة لإقلال عدد من اعتادوا هذه العادة السيئة في إدمان الخمور. قال أن جمعيات الامتناع عن المسكرات في إنكلترا وخصوصاً في ايرلندا تمنح جوائز من المال لمن يمتنعون كل الامتناع عن تناول الكحول إلى الخامسة والعشرين من سنهم وهذه الطريقة جيدة لأن كثيراً من الشبان لا ينقضون يميناً أقسموه في هذا المعنى خيفة أن لا يقبضوا ما وعدوا به من الدراهم ولو جرت بعض البلاد التي تضعف أبنائها إرادة النفوس على قانون تضعه في عقاب بائعي المسكرات من تغريمهم وحبسهم مثلاً لأتى ذلك بفوائد جمة. ويظن هذا العالم أن هذه الطريقة تؤثر في سير المسكرات تأثيراً محسوساً في بضع سنين بمعنى أنها لا تزيل أثرها بل تقلل من عدد من يتعاطونها ويقل سواد من تضر بهم. وقد عمدت إنكلترا إلى اتخاذ مثل هذا التدبير ولكن المسكرات ما برحت في بلادها تخرب الأجسام وتزيد الأسقام. وقد جاء في إحصاء أخير إن عدد الممتنعين عن المسكرات في إنكلترا ثلاثة ملايين وعدد الأولاد ممن سنهم دون الخامسة عشرة أربعة عشر مليوناً فبذلك كان عدد من يتعاطون المسكرات في إنكلترا أربعة وعشرين مليوناً يصرف كل منهم في السنة ما قيمته ١٣٥ فرنكاً من المشروبات الروحية. ويقدرون أن كثيراً من أسرات العملة في إنكلترا تنفق سدس ما لها على المسكرات وأن ما ينفق على المسكرات في إنكلترا كل سنة يعادل ما أنفقته حكومتها على حرب البوير. هكذا يبحث علماء أمم لا حظر في أديانها على المشروبات الروحية فما هو حال شعوب أصبحت تتعاطاها من غير حرج ولا نكير من دون ما حاجة إليها إلا تقليد الغربيين على أن ديانتهم تحظرها وعاداتهم تنكرها وأصقاعهم لا تحتملها.
стр. 299
السياحة والصحة
كان البشر منذ عرف التاريخ يسيحون في الأرض إلا أن سياحاتهم الأولى كانت للغارة والفتح فلما ارتقوا قليلاً في سلم التمدن صارت السياحات للعلم والاتجار ولما أوغلوا في المدنية صارت أكثر الرحلات لحفظ الصحة. ومنذ تسلط الإنسان على المملكة الحيوانية بعد أن كان في عهده الأول يألف البحيرات ويسكن المغاور والغابات مازال معروفاً بميله إلى الرحلة ونزوعه إلى التنقل فطرة فيه يتنقل كما تتنقل بعض الحيوانات والطيور ثم تعود أدراجها إلى كهوفها وأوكارها محافظة على طريقها الأول. ولم تكن السياحة في هذا القطر مثلاً ضرورية لأبنائه ونزلائه قبل ثلاثين سنة كما هي اليوم وقد زادت مرافق الحياة واتخذت أسباب تحسين الهواء وأقيمت المعالم النافعة لأن مشاغل الحياة ومتاعب المجتمع كانت أقل من الآن وأطعمة تلك الأيام وأشربتها كانت إلى البساطة أقرب وطرق العيش كانت إلى السلامة. فالعيش اليوم في مصر أشبه بالعيش في لندن وباريس مع أن الطريقة القديمة كانت ملائمة لهواء البلاد أكثر. وشتان بين طبيعة غربي أوربا وشرقي إفريقية.
وقد ارتأى أحد أطباء الإفرنج في هذه العاصمة أن خير طريقة يلجأ إليها من لا يستطيعون مغادرة هذه البلاد في الصيف أن لا يفرطوا في شيء أصلاً ويعيشوا هادئين ويخففوا من العمل ومن الطعام فيتناول المرء في الصباح والمساء طعاماً لطيفاً ولا يأكل عند الظهر ما تتعب المعدة بهضمه بل يتناول قدحاً من الشاي وشيئاً مما يقال له التملق (عصرونية) وأن يعتدل جداً في تناول الأشربة الروحية أو يمتنع عنها كل الامتناع وهو الأسلم ويستحم في النهار والليل بالماء البارد مرتين أو ثلاثة ولاسيما في منتصف الليل ليستريح الجسم من وعثاء التعب وبرحاء القيظ والحر. قال والسياحة ضرورية لمن لم يولد في هذه البلاد ريثما يكون من أبناء أبنائه من يألفون إقليم البلاد أما المصري فإن السياحة تكسبه صحة وتجعل فيه قوة ومضاء وتفيد من حيث الاطلاع على معالم الحضارة وآثار العلم والتهذيب.
طول الأعمار
شغل هذا الموضوع بال الباحثين من العلماء ومن رأي أحد حذاق الأطباء العارفين بعلم الحياة أن العمر يطول مدة تبلغ ست أو سبع مرات من المدة التي يقضيها الحيوان ليستكمل نموه ويبلغ أشده فالقط ينمو في ١٨ شهراً ولذلك كان معدل حياته من ١٠ إلى ١٢ سنة
стр. 300
والكلب يكبر في سنتين فيعيش من ١٣ إلى ١٤ سنة والخيل تنمو في خمس سنين فمعدل حياتها من ١٥ إلى ٣٠ سنة فنتج من ذلك أن الإنسان لما كان ينمو في عشرين سنة فمعدل عمره من ١٢٠ إلى ١٤٠ سنة وقد أورد على ذلك برهاناً أن هنري جانكين الإنكليزي عاش ١٦٩ سنة وانه مات في بلاد المجر في العهد الأخير بطرس سكورتان وعمره ١٨٥ سنة وانه كان في مستشفى بروسيا رجل بلغ المائتي سنة وبيده جواز أعطيه سنة ١٧٦٣ وكان في سن الستين وهو أيم منذ ١٢٣ سنة ومات ابنه سنة ١٨٢٤ في التسعين من عمره. وقد ارتأى أن اللبن والملح والخبز الجيد والإقلاع عن المشروبات الروحية أعظم باعث على طول الأعمار.
стр. 301
سير العلم
خطوط الناس
في الغرب فريق كبير يقولون بمعرفة الرجال من النظر إلى خطوطهم ويدعى هذا العلم بالغرافولوجيا فيدعون أن خط المرء صورة منعكسة عن روحه كما أن كتابته تشعر بصفاته. وقد ارتأى أحد الأطباء مؤخراً أن هذا العلم ينفع في تشخيص الأمراض فلا يسأل الطبيب مريضه عن حاله وما أتاه من الأعمال ويسمع من فيه ما تلقيه عليه المخيلة أو توحي إليه به السوداء بل يتقدم إلى مريضه ويستكتبه أسطراً يتعرف بها لأول وهلة حالة صحته فإذا حروفه مائلة بعض الميل ثابتة الأواخر دلت على ظرف صاحبها وإذا كانت على العكس من ذلك رخوة لا إشباع فيها دلت على قلة إحساسه وهكذا جعل لكل خط صورة تنبئ عن كاتبه وربما يعرف بها مزاجه وكرازة يديه وبسطها في دفع أجرة الطبيب. قالت الصحيفة التي ننقل عنها ولاشك أن أشياع هذا المذهب يتكاثرون بعد.
سبر الأغوار
هي آلة اخترعها مخترع نروجي وسماها (بانيمتر) يتأتى بواسطتها سبر غور البحار بالضبط وهي كما جاء في إحدى المجلات العلمية مصنوعة على مبدأ رجوع الأمواج الداوية التي تعود إذا انبعثت إلى النقطة التي خرجت منها بعد أن تلطم أسفل المحيط وبعبارة ثانية هذه الآلة قائمة على مبدأ الصدى وهي كناية عن آلة ناقلة وآخذة ومقيدة.
ضباب البحار
اخترع أحد الألمان آلة يهتدي بها ربان السفينة في الضباب الكثيف إلى السفينة القريبة منه ويعرف المسافة التي بقي عليه أن يجتازها ليكون منها قاب قوسين أو أدنى وذلك فيما إذا حال الضباب فلم تنتبه تلك السفينة إلى رفع الإشارة البحرية المتعارفة اليوم وبذلك لا تصطدم باخرة مع أخرى.
عشرون سنة على أميركا
زار أحد أعضاء دار الندوة الإنكليزية بلاد الولايات المتحدة سنة ١٨٨٥ وعاد فزارها هذه السنة فدهش من ارتقاء تلك البلاد بمادياتها في العشرين سنة الأخيرة قال ويظهر أن كل طبقة من طبقات المجتمع هناك أغنى من الطبقة التي تقابلها في أوربا. ومما وقع في نفسه
стр. 302
موقع الاستغراب ارتقاء التعليم العالي إذ ترى اليوم في تلك البلاد من ١٥ إلى ٢٠ كلية جامعة تجاري أشهر كليات أوربا وكل سنة يتضاعف عدد طلبتها ففي كلية يال من التلامذة ما يربو عددهم على طلبة كلية اكسفورد الإنكليزية وفي خمس كليات في شرقي أميركا من الطلبة ما يزيد على عدد طلاب الكليات في إنكلترا بأسرها. قال أن الذوق العام والشعور الأدبي قد بلغا عند الأمريكان اليوم مبلغ الكمال وعيش الطبقة العالية منهم خير من عيش الطبقة التي تقابلها في إنكلترا وأحسن سبيلاً وقد بقي في أميركا الآن ثلاثة أمور لم يدخلها قلب ولا إبدال ألا وهي الحياة السياسية والإدارات البلدية ومسألة العبيد وهذه المسالة لا تزال على ما كانت عليه منذ عشرين سنة.
الانتقاد الأدبي
رأى أحد علماء فرنسا أن يجعل للنقد طريقة أنجع من طريقته المتبعة الآن وذلك بأن لا تنقد إلا الكتب أو الروايات التي وافقت على استحسانها جمعية مطالعة مؤلفة من طبقة عالية من الصحافيين والمؤلفين ويرى أن هذه الطريقة مما يزيد به انتشار الكتاب ويبعث القراء والمبتاعين على مطالعته وابتياعه.
стр. 303
مقالات المجلات
طبقات الناس
في مجلة فرنسية بحث في أنه من المتعذر علمياً جعل الناس في طبقة واحدة من المسؤولية وعدمها وانه ليس من العدل تقسيمهم إلى طبقتين غير مسؤولة وهي المجانين ومسؤولة وهي العقلاء بل ينبغي تقسيمهم إلى ثلاث العقلاء المسؤولون والمجانين غير المسؤولين ونصف المجانين نصف مسؤولين.
التعليم في يابان
تناقلت المجلات العلمية ما هو موضوع البحث بين المجلات اليابانية اليوم من إنشاء مدارس جديدة وقد اختلفت آراء اليابانيين في طريقة التعليم فبعضهم يريدون أن تتعدد الدروس والفنون في المدارس وبعضهم يودون الإقلال منها لئلا تشغلهم النظريات عن العمليات. ورأى بعضهم أن التعليم على ما هو عليه عندهم الآن في معظم المدارس ناقص الجهاز عقيم الأسلوب إذ أن التلامذة يتعلمون اللغات الأجنبية ولا يتقنونها ولا يكتبون فيها ولا يقرأون فيجيدون وقد حسدوا أهل الغرب على أنهم يكثرون من مواد التعليم في مدارسهم الابتدائية والوسطى والعالية ليعدوا عقول التلامذة للاكتشاف والاختراع.
مناجاة الأرواح
المقتطف - إن انخداع الناس بما يرونه ويسمعونه أكثر مما يظن لأول وهلة فقد اتفق مراراً أن شاهدنا بعض المدعين مناجاة الأرواح نحن وجماعة من الأدباء فخيل لهم أنهم رأوا وسمعوا ما لم نره نحن ولا سمعناه وزاد الفرق بيننا وبينهم حينما تكلم كل منا عما رآه وسمعه فإن الوهم صور لهم الأمور على غير حقيقتها حتى صرنا نرتاب في كل ما نسمعه من غرائب التنويم ومناجاة الأرواح. فإن كانت روح الميت تبقى في هذه الدنيا حول الأحياء تناجيهم وتؤثر فيهم وتسمع كلامهم وتجيب طلبهم فعلى ما لا تفعل أهم شيء يزول به الأشكال وهو أن تقول للأحياء أنا روح العالم فلان جئتكم لأثبت لكم ما كنت أنكره. إن أشهر من ادعوا مناجاة الأرواح اعترفوا أخيراً أنهم كانوا يستعملون الحيل لخداع الناس. إن الأرواح التي يزعم مستحضروها إنها أرواح الموتى لا تفعل إلا أسخف الأعمال وأحقرها فلا تكشف سراً في كشفه فائدة لأحد ولا تسيء بأمر من الأنباء به نفع ما مع أن
стр. 304
مستحضريها يدعون أنها تفعل ما هو أقرب من ذلك ومن يصدقون بمناجاة الأرواح ويمارسون ذلك تضعف قواهم العصبية رويداً رويداً وينتهي أمرهم إلى الجنون ومن كانت أعصابه كذلك لا يركن إلى أحكامه وتصوراته. ثم إن مدعي استحضار الأرواح مشعوذون كلهم ماهرون في تحويل انتباه الذين أمامهم عن الأمور الجوهرية في حيلهم أي ما لا علاقة له بها. والمكان والزمان لا يصلحان للبحث والتنقيب فيتعذر على الرائي أن يكتشف الحيل لاسيما وهو غير معتاد على ذلك.
الطوتمية
الهلال - الطوتم لفظ دخل اللغات الإفرنجية في أواخر القرن الثامن عشر من لغة أوجيبي من هنود أميركا ويراد به كائنات تحترمها بعض القبائل المتوحشة ويعتقد كل فرد من أفراد القبيلة بعلاقة نسب بينه وبين واحد منها يسميه طوتمه وقد يكون الطوتم حيواناً أو نباتاً أو غير ذلك وهو يحمي صاحبه وصاحبه يحترمه ويقدسه أو يعبده وإذا كان حيواناً لا يقدم على قتله أو نباتاً فلا يقطعه أو يأكله وتختلف الطوتمية عن عبادة الحيوانات والنباتات الشائعة عند بعض القبائل المعبر عنها بالديانة الفتشيه أن هذه عبادة صنم بصورة حيوان وتلك تقديس نوع من أنواع الحيوان أو النبات أو عبادته. والطوتمية الآن منتشرة في العالم المتوحش فهي عامة بين قبائل أوستراليا وكثيرة الانتشار في شمالي أميركا وفي بناما. والطوتم الشائع هناك الببغاء ولا تخلو أميركا الجنوبية من آثار الطوتمية على حدود كولومبيا وفنزويلا وفي جيانا وبسيرو. وللطوتمية شأن كبير في إفريقية فإنها شائعة في سينغمبيا وبين قبائل البقالي على خط الاستواء وعلى شاطئ الذهب والاشانتي وبين الدامارية والبكوانية في جنوبي إفريقية وفي أماكن كثيرة من تلك القارة المظلمة ولها آثار في مدغسكر وبعض جزر ملقا أما في آسيا فلها أثر في أواسط الهند بين بعض قبائل البنغال غير الآريين وفي سبيريا وبعض جهات الصين وجزائر المحيط.
стр. 305
لا جديد تحت الشمس
مما رواه صاحب نفح الطيب من ذكاء أهل الأندلس في استخراج العلوم واستنباطها أن أبا القاسم عباس بن فرناس حكيم الأندلس هو أول من استنبط بالأندلس صناعة الزجاج من الحجارة وأول من فك بها كتاب العروض للخليل وأول من فك الموسيقى وصنع الآلة المعروفة بالمثقال ليعرف الأوقات على غير رسم ومثال واحتال في تطيير جثمانه وكسا نفسه الريش ومد له جناحين وطار في الجو مسافة بعيدة ولكنه لم يحسن الاحتيال في وقوعه فتأذى في مؤخره ولم يدر أن الطائر إنما يقع على زمكه ولم يعمل له ذنباً وفيه قال مؤمن بن سعيد الشاعر من أبيات:
يطم على العنقاء في طيرانها ... إذا ما كسا جثمانه ريح قشعم
وصنع في بيته هيئة السماء وخيل للناظر فيها النجوم والغيوم والبروق والرعود.
стр. 306
العدد ٧ - بتاريخ: ٢٠ - ٨ - ١٩٠٦
стр. 307
صدور المشارقة والمغاربة
ابن الحناط الكفيف
كلما نظرنا في تراجم رجال الإسلام نظر الناقد المستبصر يتجلى لنا أن من نفعوا الأمة نفعاً حقيقياً هم في الأكثر ممن كانت لهم ولو مشاركة قليلة في العلوم الطبيعية والرياضية والتاريخية لأن هذه الفنون تلقح فكراً جديداً وتكبر دائرة تصور المشتغل بها ولو نظر فيها نظرة إجمالية فما الحال به إذا أحكمها كل الإحكام. وذاقها كما يذوقها أرباب الأحلام.
خذ لك مثالاً من ترجمة الرازي وابن تميمية والغزالي وغيرهم فقد كانوا من المتمكنين من علوم الأوائل وتواريخهم لذلك كتبت لهم الإجادة في كل ما أثر عنهم من المصنفات الدينية وغيرها. وصاحب الترجمة أبو عبد الله ابن الحناط الأندلسي هو أحد الأمثلة في هذا الباب إلا أنه انصرف بكليته إلى علوم الدنيا فأفاد واستفاد ولم يصده فقد البصر عن توفر البصيرة في العلم والأدب. ولا غرو فقد كان عصره وقطره مبعث النور ومنبثق الفضائل.
قال في الذخيرة: هذا زعيم من زعماء العصر كان ورئيس من رؤساء النظم والنثر في ذلك الأوان. وجمرة فهم لفحت وجوه الأيام. وغمرة علم سالت بأعلام الأنام فكم له من وقذة لا يبرأ أميمها. ونكزة لا يسلم سليمها. وكانت بينه وبين أبي عامر بن شهيد بعد تمسكه بأسبابه. وانحياش كان إلى جنابه. مناقضات في عدة رسائل وقصائد أشرقت أبا عامر بالماء. وأخذت عليه بفروج الهواء. وقد أوردت من ذلك ما يكون انطق لسان بنباهة ذكره وأعدل شاهد على براعة قدره.
وقد ذكره ابن حيان في فصل من كتابه فقال: وفي سنة سبع وثلاثين وأربعمائة نعي إلينا أبو عبد الله محمد بن سليمان بن الحناط الشاعر الضرير القرطبي بقية الأدباء النحارير في الشعر. هلك في الجزيرة الخضراء في كنف الأمير محمد بن القاسم. وهلك أثره ابنه الذي لم يكن له سواه بمالقة فاجتث أصله. وكان من أوسع الناس علماً بعلوم الجاهلية والإسلام بصيراً بالآثار العلوية. عالماً بالأفلاك والهيئة حاذقاً بالطب والفلسفة. ماهراً في العربية واللغة والآداب الإسلامية وسائر التعاليم الأوائلية.
من رجل مرهق في دينه مضطرب في تدبيره سيئ الظن بمعارفه شديد الحذر على نفسه فاسد التوهم في ذاته. عجيب الشأن في تفاوت أحواله. وولد أعشى ضعيف البصر متوقد
стр. 308
الخاطر فقرأ كثيراً في حال عشاه ثم طفئ نور عينيه بالكلية فازداد براعة. ونظر في الطب بعد ذلك فانجح علاجاً. وكان ابنه يصف له مياه الناس المستفتين عنده فيهتدي منها إلى ما لا يهتدي إليه البصير ولا يخطئ الصواب في فتواه ببراعة الاستنباط وتطبب عنده الأعيان والملوك والخاصة فاعترف له بمنافع جسيمة وله مع ذلك أخبار كثيرة مأثورة.
стр. 309
عميان يؤلفون
تكاد تكون قاعدة لا تتخلف أن من فقد إحدى حواسه تقوى فيه غيرها فمن فقد بصره مثلاً تقوى ذاكرته ومن فقد سمعه يشتد إدراكه. ولما قرأت ترجمة هوميروس الشاعر اليوناني وعلمت أنه كان ضريراً وقرأت ترجمة ملتون الشاعر الإنكليزي وعلمت أنه كان كذلك وقرأت ترجمة أبي العلاء المعري الشاعر العربي وقلت أنه كان مثلهما وقرأت ترجمة ابن الحناط وقع في نفسي أن أكتب مقالاً في عميان صنفوا وأجادوا أيام كان العرب يؤلفون ويجيدون.
فمنهم قتادة بن دعامة كان اكمه وكان يقول لقائده سعيد بن أبي عروبة تجنب بي الحلق التي فيها الخطأ فإنه ما وصل إلى سمعي شيء قاداه إلى قلبي فنسيه. وكذلك كان بشار بن برد رأس طبقة شعراء المولدين اكمه وغاية في ذكائه وتوقد خاطره. وكان ابن الثمانيني نحوياً ألف فيه وانتفع بالاشتغال عليه جمع كثير توفي سنة ٤٤٢ هجرية وكان شمس الدين بن جابر الأندلسي ضريراً وهو صاحب بديعية العميان وله أمداح نبوية كثيرة وتآليف منها شرح ألفية بن مالك وغير ذلك وله ديوان شعر جيد توفي سنة ٧٨٠. وكان أبو بكر بن هذيل الكفيف عالم أدباء الأندلس أخذ عنه صناعة الأدب جماعة منهم الرمادي الشاعر القرطبي المشهور. وكان أبو عبد الله محمد بن الصفار القرطبي حافظاً للآداب إماماً في علم الحساب مع أنه كان أعمى مقعداً مشوه الخلقة ولكنه إذا نطق عرف كل منصف حقه.
وكان العلامة أبو القاسم الشاطبي صاحب حرز الأماني والعقيلة وغيرهما المقري الفقيه الحافظ من كبار أئمة الإسلام مكفوف البصر قوي الحفظ وكان يقول عند دخوله إلى مصر أنه يحفظ وقر بعير من العلوم وكان عالماً بكتاب الله قراءة وتفسيراً وبحديث رسوله مبرزاً فيه وكان إذا قرأ عليه صحيحا البخاري ومسلم والموطأ يصحح النسخ من حفظه ويملي النكت على المواضع المحتاج إليها وهو أوحد في النحو واللغة. وكان أبو البقاء العكبري شارح ديوان المتنبي وغيره من الكتب الجيدة مكفوف البصر حاسباً فرضياً نحوياً ولم يكن في آخر عمره في عصره مثله في فنونه وكان الغالب عليه علم النحو توفي سنة ٦١٦.
وكان ابن سيده المرسي الحافظ إماماً في اللغة والعربية جمع في ذلك جموعاً منها كتاب المحكم في اللغة وكتاب المخصص الذي طبع حديثاً وله غيره من الكتب الممتعة التي لم يؤلف في فنها مثلها وكان ضريراً وأبوه ضريراً أيضاً وكان أبوه قيماً بعلم اللغة وعليه
стр. 310
اشتغل ولده في أول أمره توفي ابن سيده سنة ٤٥٨ وكان يحفظ عشرات من أمهات كتب اللغة. وكان أبو الحسن علي ابن عبد الغني الفهري المقري الشاعر عالماً بالقراآت له عدة تآليف توفي سنة ٤٨٨. ومن مشايخ عبد اللطيف البغدادي الفيلسوف المشهور الوجيه الواسطي كان تلميذه يحفظه ويحفظ معه ثم يذهبان إلى كمال الدين عبد الرحمن الأنباري فيقرأ درسه.
وكان أبو الحزم الماكسيني الموصلي المقري النحوي المتوفى سنة ٦٠٣ جامع فنون الأدب وحجة كلام العرب أخذ الناس عنه وانتشر ذكره في البلاد وله رواية واسعة. وكان خليفة أبي العلاء المعري في عماه وأدبه وهو ينحو منحاه. وكان أبو عبد الله هشام بن معاوية النحوي الكوفي ضريراً وله عدة تصانيف في النحو ومن جملة من أخذ عنه الخليفة المأمون. وكان أبو العز مظفر ابن إبراهيم العيلاني المصري الأعمى شاعراً مجيداً صنف في العروض وله ديوان توفي سنة ٦٢٣ وكان أبو القاسم بن الخطيب الأندلسي صاحب الأشعار الكثيرة والتصانيف الممتعة المتوفى سنة ٥٨١ مكفوفاً ضريراً.
وكان أبو عيسى ابن الضحاك السلمي الحافظ المشهور أحد الأئمة المصنفين في الحديث ضريراً. وكان أبو العيناء صاحب النوادر والشعر والأدب مكفوفاً كف بصره وقد بلغ الأربعين. وكان أبو بكر ابن الدهان النحوي الواسطي ضريراً وهو من مدرسي النظامية. وهكذا لو تقصيت أسماء الرجال لقرأت العجب من أحوال أولئك العميان ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
стр. 311
الحق مشاع
لعل بعض الناظرين في هذا العنوان يعده خروجاً عن القصد وخطلاً في القول وضلة عن سبيل السلامة وما حكم من يبادر إلى التنديد بادئ الرأي إلا حكم من استغواه الهوى واستهواه الغرض فإن الحق كان ولا يزال مشاعاً بين الأمم والبلدان والمذاهب وما قط كان وقفاً على أمة معينة ولا على بلد خاص ولا على مذهب معلوم. الحق كنز ثمين يأخذ كل منه بحسب استعداده وأسبابه بل نور يعم العالمين على قدر خلاصهم من العوائق وبصرهم بالاستنارة به.
يخطئ كل الخطأ من يذهب إلى أن كل ما يعتقده أهل المذاهب والنحل لا ضل له من الحق وأن أهل النحل المتعددة في الإسلام مثلاً كالاباضية والسنية والمعتزلة والشيعة قد ضلوا إلا قليلاً والحقيقة التي يقتضي اعتبارها أن الحق تقسم بين أهل هذه المذاهب والنحل ومن أراد أن ينشده فلا يتأتى له ذلك إلا بالنظر فيما كتبه أئمة هذه المذاهب ثم ينخل ما يقرأه وينتحل ما يراه الحق المطلق وهكذا الحال في العلم الذي هو من الأوضاع البشرية فإنه ما خص بقبيل ولا بجيل بل هو موزع على القدماء والمحدثين والشرقيين والغربيين.
توخيت أن أصرح هنا بهذا الفكر على جلبته حباً بتقرير جملة تقطع السن من يشاغبون في كل ما لم تألفه أسماعهم ويعتقدون أن ما لم يعرفوه ولا آباؤهم ليس من الحق في شيء. فلا يعظمن على بعضهم إذا قرأوا في طريد هذه الصحيفة ما لا ينطبق مع رغباتهم فالعلم كالحق كثير الأفنان والفنون لا دين له ولا نحلة وناشره معه خازن أمين يجمعه ليصرفه عند مسيس الحاجة. وربما كان فيما يجمعه كخاطب ليل يجمع بين الجيد والرديء ولا يكاد يشعر ولذلك كان على من أوتي نوراً من الحق أكثر من غيره أن يقبسه صاحبه ويدله على عوراته.
فقد خالف ابن عباس عمر وعلياً وزيد بن ثابت وكان أخذ عنهم وخالف كثير من التابعين بعض الصحابة وإنما اخذوا العلم عنهم وخالف مالك كثيراً من أشياخه وخالف الشافعي وابن القاسم وأشهب مالكاً في كثير من المسائل قال ابن الأزرق وكان مالك أكبر أساتيذ الشافعي وقال لا أحد أمن عليَّ من مالك وكاد كل من أخذ العلم عنه أن يخالفه بعض تلامذته في عدة مسائل وما عد ذلك من سوء أدب التلميذ مع شيخه ولا من الخروج عن مراجعة الحق الذي توزعته عقول الناس ونال كل منهم قسطاً منه.
стр. 312
روى ابن جرير عن أبي مخنف عن الصقعب بن زهير عن الحسن قال أربع خصال كنَّ في معاوية لو لم يكن فيه منهنَّ إلا واحدة لكانت موبقة انتزاؤه على هذه الأمة بالسفهاء حتى ابتزها أمرها بغير مشورة منهم وفيهم بقايا الصحابة وذوو الفضيلة واستخلافه ابنه بعده سكيراً خميراً يلبس الحرير ويضرب بالطنابير وادعاؤه زياداً وقد قال رسول الله (ص) الولد للفراش وللعاهر الحجر وقتله حجراً ويلاً له من حجر وأصحاب حجر مرتين - روى ابن جرير هذا وما عدَّ من الشيعة.
ورأى المنذر بن سعيد أرجوزة لابن عبد ربه يذكر فيها الخلفاء ويجعل معاوية رابعهم ولم يذكر علياً فيهم ثم وصل ذلك بذكر الخلفاء من بني مروان إلى عبد الرحمن بن محمد فلما رأى ذلك منذر غضب وسب ابن عبد ربه وكتب في حاشية الكتاب
أو ما عليّ لا برحت ملعناً ... يا ابن الخنيثة عندكم بإمام
رب الكساء وخير آل محمد ... داني الولاء مقدم الإسلام
قال هذا منذر بن سعيد قاضي الجماعة بالأندلس وما عدَّ شيعياً. وكم في تاريخ السلف من أمثال هذه الأنباء التي تدلنا على مبلغ حرية القوم وأن الحق مشاع ليس وقفاً على فئة وأن التقيد برأي واحد أو عدة آراء ولاسيما في المسائل العلمية ليس من السداد في شيء بل هو سبب عظيم من أسباب انحطاط العلم في الشرق.
стр. 313
الفينيقيون
منقولة عن الإفرنجية
صور وقرطاجنة
وصفها - فينيقية من بقاع الأرض الضيقة طولها خمسون فرسخاً وعرضها من ثمانية فراسخ إلى عشرة وهي بين بحر سورية وأعلى سلسلة في جبل لبنان. بل هي على التحقيق عبارة عن سلاسل أودية ضيقة ومجارٍ حرجة متخللة بين هضاب وعرة ممتدة إلى البحر ومسايل من الثلوج. تعبث بها العواصف إلى آخر الربيع أما في الصيف فينضب ماؤها إلا ما خزن منه في الآبار والصهاريج. ولقد كسيت جبال هذه الناحية بالأشجار فكان في القمم أرز لبنان المشهور وفي المنحدرات الصنوبر والسرو وفي السفوح أشجار النخيل بالغة شاطئ البحر وفي الأودية ينمو الزيتون والكرم والتين والرمان.
مدنها - تتألف عن بعد على طول الشاطئ الصخري رؤوس من البحر أو جزر منه تكون منها مرافئ طبيعية ففي هذه المواني أقام الفينيقيون مدنهم. فقامت صور وارواد في جزيرة يزدحم فيها السكان في المنازل وكانت ذات طبقات ست وسبع وثمان ويجلبون الماء لشفاههم في القوارب. أما مدينة جبيل وبيروت وصيدا فكانت في اليبس. ولم تكن أرض هذه البلاد لتقوم بأود هذا العدد الدثر من الناس ولذلك ما الفينيقيون إلى الملاحة والتجارة.
الخرائب الفينيقية - لم يحفظ عن الفينيقيين كتاب فقد ضاعت حتى كتبهم المقدسة. ولقد جرى الحفر في مواضع مدنهم ولكن الخرائب على ما قال العالم المندوب إلى ذلك لم تسلم إلا في البلاد المهملة المتروكة. على أن السوريين عنوا كثيراً بالخرائب فانتهكوا حرمة القبور وأخذوا حلي الموتى وهدموا العمارات ليستعينوا بأحجارها على البناء وحطموا النقوش وذلك لكراهة المسلم الصور المنحوتة بحيث لم يبق اليوم سوى شقيف من الرخام المحطم وأحواض ومعاصر نحتت في الصخر وبضعة نواويس من الحجر. أطلال قلما تجدي نفعاً وتأتي العلم بفوائد وليس ما عرف عن الفينيقيين إلا ما علمناه كتاب اليونان وأنبياء إسرائيل.
حكومة الفينيقيين - لم تكن فينيقية مملكة قائمة برأسها بل كان لكل مدينة ناحية صغيرة تستقل بها ولها مجالس وملك تحكم نفسها بنفسها وتبعث بمندوبيها إلى أعظم مدينة فينيقية
стр. 314
لفض المصالح المشتركة وكانت صور محط رحال المندوبين منذ القرن الثالث عشر. وإذ لم يكن الفينيقيون أمة حربية خضعوا لسطوة جماع الفاتحين من مصريين وآشوريين وبابليين وفرس وأدوا لهم الجزية عن يد وهم صاغرون.
صور - كانت هذه المدينة منذ القرن الثالث عشر من أهم المدن الفينيقية ضاقت على أهلها فأقيمت إذ ذاك مدينة جديدة قبالتها. ولقد أسس تجار صور مستعمرات في البحر الأبيض كله يصيبون الفضة من مناجم إسبانيا وسلع العالم القديم أجمع. دعاهم أشعيا النبي الأمراء ووصف حزقيال النبي تلك القوافل التي كانت تأتيهم من كل صوب وأوب وطلب سليمان النبي إلى هيرام أحد ملوك صور عملة يشغلهم في بناء القصر والمعبد في بيت المقدس.
قرطاجنة - كانت هذه المدينة مستعمرة صور ففاقت هذه بالعظمة وذلك أن الصوربين نبذتهم إحدى الثورات فأسسوا مدينة قرطاجنة على شاطئ إفريقية بالقرب من تونس بعثتهم على ذلك امرأة اسمها ايليسا ونحن ندعوها ديدون (الفارة) ويحكى أن سكان البلاد أبوا أن يبيعوها إلا مسافة تكفي لتغطية جلد ثور ففصلت جلد الثور سيوراً رقيقة بحيث اقتضت مكاناً واسعاً يستوعبها فبنت القلعة إذ ذاك. ولقد اتسعت قرطاجنة لموقعها في منتصف البحر الرومي ولأن فيها مرفأين فأقامت هي أيضاً مستعمرات وفتحت فتوحاً حتى آل أمرها إلى أن حكمت شاطئ إفريقية بأجمعه وإسبانيا وسردينيا وكان لها في كل مكان مكاتب لتجارتها ورعايا يؤدون لها الجزية.
الجيش القرطاجني - اقتضى لقرطاجنة أن تدرب لها جيشاً لتصون مكاتبها التجارية من حيف الوطنيين وتربأ برعاياها عن الانتقاض. ومن ثم كانت حياة القرطاجني ثمينة لا يخاطر بها إلا عند الضرورة. آثرت قرطاجنة اكتراء الجند فجندت لها جنداً من البربر سكان بلادها ومن متشردي كل صقع وناحية فصارت صبغة جيشها مبرقشة ملونة يتكلم اللغات كلها ويدين بالأديان كافة. ولكل جندي بزته وأسلحته الخاصة به تخالف بزة رصيفه وأسلحته. فترى فيهم النوميديين يلبسون جلد الأسد يتخذونه وطاء كما يتخذونه غطاء يركبون خيلاً سريعة صغيرة بدون نظام ويطلقون القوس وخيولهم تعدو عدواً. كما كنت ترى فيهم الليبيين وجلودهم سوداء مسلحين بحراب. وطائفة من الايبيريين في إسبانيا لباسهم بياض مزين بحمرة وسلاحهم سيف طويل محدد. وغاليين عراة إلى الزنار يحملون
стр. 315
تروساً كبيرة وسيفاً محدباً يمسكونه بكلتا يديهم. وجماعة من البالياربين مدربين من طفوليتهم على رمي الحجارة أو كرات الرصاص بالمقاليع. أما القواد فكانوا قرطاجنيين تخافهم الحكومة فترقبهم عن أمم وربما صلبتهم إذا غلبوا ولم يحرزوا نصراً مؤزراً.
القرطاجنيون - كان في قرطاجنة ملكان والأمر والنهي لمجلس الشيوخ وهو مؤلف من أغنى تجار المدينة ولذلك كانت كل قضية ينهى بها إلى الحكومة مسألة تجارية. كره الناس القرطاجنيين لقسوتهم وطمعهم وغدرهم ولما كان لهم أسطول منظم وعندهم مال يستأجرون به جنداً وحكومة باطشة تهيأ لهم توطيد دعائم ملكهم في غرب البحر المتوسط مدة ثلاثة قرون (من القرن السادس إلى الثالث) بين ظهراني شعوب بربرية منشقة على نفسها مختلفة كلمتها.
الديانة الفينيقية - للفينيقيين والقرطاجنيين دين يشبه الديانة الكلدانية فالرب الذكر ويسمى عندهم بعل هو الشمس والربة الأنثى وتدعى بعلت هي القمر. والشمس والقمر في نظر الفينيقيين قوى هائلة تحيي وتميت. ولكل من المدائن الفينيقية ربان. فلصيدا بعل صيدون (الشمس) وعشتروت (القمر) ولقرطاجنة بعل عمون وتانيت ولجبيل بعل تموز وباليت. ويختلف اسم الأرباب في الاعتبارات إيجاداً وعدماً وهكذا يعبد بعل مثلاً في قرطاجنة باسم مولوش ويعتبر عدماً. وقد تنوب عن هذه الأرباب أصنام ولها معابد ومذابح وكهنة يعظمون من شأنهم ويقيمون لهم المآدب والأعياد الحافلة باعتبار كونهم موجدين ويقدمون لهم ضحايا بشرية باعتبار كونهم مخربين وتعبد عشتروت ربة الصيد العظيمة في الغابات المقدسة ويصورونها على شكل هلال القمر والحمامة ويرسم بعل مولوش في قرطاجنة تمثالاً عظيماً من القلز باسطاً ذراعيه ومدليهما وإذا أرادوا تسكين غضبه يرفعون على يديه أطفالاً تسقط للحال في هاوية من نار. وقد \ قدم أعيان مدينة قرطاجنة مائتي طفل من أولادهم ضحايا للربة مولوش في خلال حصار أغاتوكل لقرطاجنة.
هذا وإن تلك الديانة على ما نشأت عليه من الشهوات وسفك الدماء لترهب الشعوب الأخرى ولكنهم يحاكونها ويأتمون بها فكان يذبح اليهود لبعل على الجبال ويعبد اليونان استارتيه وصيدون باسم افروديت وبعل ملخارت من صور تحت اسم هيراكليس.
التجارة الفينيقية
стр. 316
أشغال الفينيقيين - عاش الفينيقيون بالتجارة لازدحام أقدامهم في بقعة ضيقة من الأرض. ولم يكن لسائر شعوب الشرق من مصريين وكلدانيين وآشوريين ولا قبائل الغرب البربرية (الأسبان والغاليين والطليان) عهد بركوب البحار وشق العباب والفينيقيون وحدهم جرأوا في تلك الأيام على تجشم البحر فصح أن يدعوا من أجل هذا عملاء تجارة العالم القديم وقادة البيع والشراء يبتاعون من كل شعب سلعه ويتقايضون معه على غلات البلاد الأخرى تجارة كانت مستحكمة الصلات مع الشرق براً والغرب بحراً.
القوافل - اعتاد الفينيقيون أن يرسلوا في البر قوافل تتجه وجهات ثلاث إحداها إلى بلاد العرب لتأتي منها بالذهب والعقيق اليماني والبخور والصبر وعطور بلاد العرب واللؤلؤ والأباريز والعاج والأبنوس وريش النعام وقرود الهند. والقافلة الثانية ترحل إلى بلاد أشور لتعود منها بأنسجة القطن والكتان والحمر والأحجار الكريمة والماء المعطر وحرير الصين. وتقصد القافلة الثالثة أنحاء البحر الأسود لتستجلب منها الخيل والرقيق والأواني النحاسية من مصنوعات سكان جبال قافقاسيا القوقاز.
بحريتهم - بنى الفينيقيون بخشب أرز لبنان المتين قوارب بأشرعة ومجاذيف حملوا عليها متاجرهم البحرية وما مست حاجتهم أن يكونوا أبداً على مقربة من الشواطئ في ركوبهم البحر إذ كانوا يتجهون حيثما أرادوا بجعل نجمة القطب قيد نواظرهم وكانوا يستدلون بها على الشمال. ولقد فطر الفينيقيون على الاستخفاف بركوب اليم فألفوا بأنفسهم في مراكب صغيرة تغدو بهم وتروح في أطراف البحر الرومي بل جرأوا على اجتياز مضيق جبل طارق أو كما دعاه القدماء أعمدة هيركول فيجتازون البحر المحيط إلى شواطئ إنكلترا وربما بلغوا بلاد النروج. سافرت عصابة منهم في خدمة أحد ملوك مصر في القرن السابع وجازت البحر الرومي لتطوف حوالي إفريقية ثم رجعت على ما قيل بعد ثلاث سنين من البحر الأحمر وغادرت قرطاجنة حملة ضربت نحو شاطئ إفريقية إلى خليج غينة. وقد كتب القائد حانون قصة في هذه الرحلة.
البضائع - كان الفينيقيون يبتاعون محاصيل صناعات الشعوب المتمدنة ويبحثون في البلاد المتوحشة عما يقل الظفر به في المشرق من المحاصيل. يصطادون الصدف من شاطئ بلاد اليونان ومنه يستخرجون صباغاً أحمر وهو الأرجوان. وكانت الأنسجة
стр. 317
الأرجوانية تستعمل عند الأقدمين كافة ملابس للملوك والأمراء ويجلبون الفضة التي يستخرجها أهل إسبانيا وسردينا من مناجمهم وكان القصدير من ضرورياتهم يستعملونه في صنع النحاس الأصفر وهو مركب من نحاس وقصدير لا أثر له في بلاد الشرق ولذا كان الفينيقيون يرحلون في طلبه وينشدونه حتى في شواطئ إنكلترا في جزائر القصدير المعروفة بجزائر كاسيتريد. وحيثما حلوا يتخذون الرقيق يبتاعونه تارة كما كان يبتاع النحاس العبيد في ساحل إفريقية. إذ الشعوب القديمة كلها كانت تتجر بالرقيق. وينزلون طوراً في إحدى السواحل فجأة فيختطفون النساء والأطفال وينقلبون بهم إلى بلادهم أو يبيعونهم في القاصية. وإذا واتتهم الحال ينقلبون قرصاناً ولا يتحامون إطالة يد التعدي على الأغيار.
سر اختص به الفينيقيون - لم يقلق الفينيقيون إلا من قيام بحارة الأمم الأخرى إلى منازعتهم السلطة على البحار ومجاراتهم في الملاحة والاتجار فمن ثم كانوا يكتمون الطريق التي يسلكونها إبان عودتهم من الأقطار النائية ولذا لم يعرف أحد في القديم جهة جزائر الكاسيتريد المشهورة التي جلبوا منها القصدير. وقد رأت إحدى المراكب بلاد إسبانيا التي كانت لها صلات تجارية مع فينيقية منذ قرون عرضاً بدون تعمل. وكانت قرطاجنة تغرق من تصادفهم من التجار الأجانب في سردينيا أو في ناحية جبل طارق. حتى أن ربان إحدى المراكب أغرق سفينته ذات يوم عندما رأى سفينة غريبة تطارده مخافة أن تطلع على خطة سيره.
مستعمراتها - أنشأ الفينيقيون مكاتب تجارية في البلاد التي اتجروا فيها وهي مراكز للبرد حصينة واقعة على شاطئ بحر على مرفأ طبيعي يخرجون إليها بضائعهم وهي في العادة أنسجة وفخار وحلي وأصنام فيأتي أهل تلك البلاد بغلاتهم فيقايضونهم عليها كما يقايض اليوم تجار الأوربيين زنوج إفريقية. تقام أمثال هذه الأسواق في قبرص ومصر وجميع بلاد البحر الرومي التي كانت على همجيتها مثل اقريطش (كريت) وبلاد اليونان وصقلية وإفريقية ومالطة وسردينيا وشواطئ إسبانيا (مالقة وقادس) وربما أقاموها في بلاد الغول (موناكو) وكان أهل البلاد يبنون أكواخهم حول بنايات الفينيقيين فيصبح السوق مدينة ويقتبس السكان أرباب الفينيقيين وقد دامت عبادة ربة على صورة الحمامة حتى بعد أن
стр. 318
صارت المدينة يونانية كما في سيتير والرب ملخارت كما في كورنت ورب ذو جبهة ثور يفترس الضحايا البشرية كما في اقريطش.
نفوذ الفينيقيين - لم يكن يخطر للفينيقيين شيء على بال لما أسسوا مكاتبهم التجارية إلا الاحتفاظ بمصلحتهم الخاصة ولكن حدث أن نفعت مستعمراتهم التمدن فإن برابرة الغرب أخذوا عن أمم الشرق وكانت أكثر منها تمدناً كيفية صنع الأنسجة والحلي والماعون وتعلموا محاكاتها. مضى حين من الدهر واليونان لم يعرفوا غير الأواني والحلي والأصنام التي يأتيهم بها الفينيقيون وعلى منوال هذه البضائع نسجوا بعد فإن الفينيقيين حملوا من مصر وأشور الصناعة والبضائع معاً.
الأبجدية - حمل الفينيقيون أيضاً إلى البلاد التي نزلوها أبجديتهم وحروف الهجاء ولم يخترعوا الخط إذ كان المصريون يعرفون الكتابة قبلهم بقرون وقد استعملوا حروفاً تدل كل منها على صوت كما هو الحال في حروف الإفرنج. على أن خطهم كان مشوشاً بعلامات قديمة يدل بعضها على مقطع وآخر على كلمة برمتها. لا جرم أنه اقتضى للفينيقيين إذ ذاك طريقة أبسط لكتابة رسائلهم التجارية فاطرحوا العلامات كلها من مقاطع وصور ولم يبقوا سوى اثنين وعشرين حرفاً يدل كل منها على صوت أو على لفظ باللسان فاقتبست الشعوب الأخرى هذه الأبجدية المؤلفة من اثنين وعشرين حرفاً. فقد كتب اليهود من اليمين إلى الشمال كما كتب الفينيقيون وكتب غيرهم كاليونان من الشمال إلى اليمين وكلهم بدلوا شكل الحروف إلا قليلاً. والخط الفينيقي على التحقيق أصل الأبجديات كلها من يهودي وليسي ويوناني وايتاليكي وابتروسكي وايبيرسكي وربما كان الخط النروجي أيضاً فالفينيقيون هم الذين علموا العالم الكتابة.
стр. 319
حسنات القرن الماضي وسيئاته
لقد تناول الانقلاب الذي طرأ على الأخلاق العامة أسلوب الطعام أيضاً فإن سرعة المواصلات وسهولتها وميل الحواس الظاهرة وارتقاءها قد أبدل ضرورة الطعام بضرورة الحس الظاهر بمعنى أن الإنسان رجاء إرضاء شهواته الذوقية قد تعدى حدود القناعة بأن آثار الشهوات الصناعية بالتوابل الخاصة والمنبهات الداعية إلى النهم حباً بالإكثار من ضروب الأطعمة والملاذ فقد انتشر فن الطبخ وإجادة الألوان في الأقطار على اختلافها من حيث الحرارة والبرودة وما اختلفت كمياته وكيفياته. كل ذلك لتحقيق شهوات النفوس وأذواق السكان في أنواع الطعام دون النظر إلى ما يحول دون ذلك من عدم الملاءمات الشخصية والمكانية مع هذه الطريقة في التغذية المختلفة الألوان والأشكال. وما أصدق ما قاله أحدهم من أن ما نتناوله اليوم من الأطعمة ينقسم إلى ثلاث درجات أحدها لضرورة الغذاء وثانيها لضرورة الذوق وثالثها توقعاً للأمراض التي تصيبنا في المستقبل. وقال شيشرون الخطيب الروماني: لقد أحدث الشره من المصائب أكثر مما أحدث الحرب فإنه مصدر كثير من الأوصاب والأدواء. فأرباب الشره مستسلمون لعاداتهم في طعامهم وشرابهم بحكم الذوق لا بحكم الضرورة ولذلك تراهم عرضة لكثير من الأمراض ومنهم من يغتر بما يكرعه من المياه المعدنية في فرنسا والنمسا (في فيشي وكارلسباد) وسائر البلاد التي تنبجس فيها أمثال تلك المياه فترى في كل سنة يزور كلاً من تينك البلادين زهاء خمسين ألف زائر ويغرهم تسهيلها الهضم معهم حتى إذا رجعوا إلى أهلهم قريرة أعينهم بما شاهدوه من التحسين في صحتهم يعودون إلى سالف عاداتهم من النهم والبطنة والبطنة كما قيل تأفن الفطنة فيندمون على ما فرطوا في جنب معدهم ولكن بعد أن يسبق السيف العذل.
وإن السواد الأعظم من العاملين الذين يتألف منهم جيش المجاهدين في الحياة ليقضون النهار في أماكن محصورة بعضهم في مصنع وآخر في غرفة عمله وفريق في مكتب وغيره في مخزن وكلهم يعملون بلا انقطاع بأيديهم أو بعقولهم فيصرفون جميعاً جزءاً عظيماً من قواهم الطبيعية والعقلية ولا يتناولون أطعمتهم في أوقاتها ولا يرتاحون بعد غذائهم راحة كافية لتعمل الأعضاء الهاضمة عملها ولا يألفون من أنواع المسليات غير أماكن القهوة ودور التمثيل فيستنشقون هواءً ملوثاً بأكسيد الكربون وحامض الكربون وغيره
стр. 320
من الهواء المنبعث من تضايق مئات من الأنفاس المجتمعة في أماكن مغلقة يعوزها الترويح والهواء النقي المستنشق مما يؤدي بمن يختلفون إلى تلك المحال إلى اختلال أحوال الهضم والبنية والقوة وتكون أبدانهم مرتعاً خصيباً لجراثيم الأمراض وفي مقدمتها السل.
وما جاء به هذا القرن من الأعمال العلمية والعقلية والطبيعية قد أثر في محيط الناس كل التأثير وخصوصاً في الغذاء والمجموع العصبي. وما أحلى ما قاله أرسطو من أن الإنسان يريد إمتاع حواسه ويبحث عن أسبابه إذ من الملذ للباصرة أن تنظر وللسامعة أن تسمع وللجلد أن يمس وللسان أن يذوق وللشامة أن تستنشق.
وجملة الأمر أن نشوء المجتمع الإنساني في القرن التاسع عشر قد جرى بقوة الجهاد المتواصل الذي أودى بحياة مئات الألوف من الضحايا البشرية وقد نبه في المجاهدين وفي أخلافهم حب الارتقاء والتهذيب العقلي بحيث دخل الفكر الإنساني في دائرة من الحركة المعجلة تسير أبداً إلى غاية لا حد لها وأهلها أبداً في قلق حرصاً على كشف أسرار الطبيعة والانتفاع بقواها المكنونة والوقوف على القوانين القائمة بها. ولئن عني الإنسان بقمع جماح الطبيعة وفتح الترع وحفر القنوات وابتناء الطرق الحديدية في القفار والسهول الواسعة المتجمدة حباً بربط القارات بعضها ببعض فإنه لم يعمل كل هذا رغبة في توسيع ميدان جهاده وزيادة في مصادر الثروة العامة والخاصة بإيجاد مصارف لمصنوعاته بل هناك شيءٌ من سائق الفطرة دعاه أن ينقل بذور التمدن إلى البلاد الشاسعة في آسيا وإفريقية لأنها ظلت مباينة لأفكار الارتقاء والشعور الإنساني وهما من خير ما أنتجه القرن من صالح الأعمال ولكن هذا الجهاد العظيم الذي اضطرت الإنسانية أن تتحمله مدة قرن كامل قد أحدث أمراضاً مختلفة كما أنه زاد الشقاء الاجتماعي واشتدت حرب الحياة بما لم يعهد له نظير. نعم وقف ولاة الأمر على فساد النظام الاجتماعي الحاضر وأيقنوا بالحاجة الماسة إلى مداواته بيد أنهم تضاءلوا عن الإقدام عليه بداعي قلة ما لديهم من الأسباب في تخفيف نتائج حركة الارتقاء وضعف الأساس الذي يقوم عليه بناء المجتمع الحديث. على أن الفطرة هدتهم إلى الأخذ من معارف حملة العلم في فروع المعارف الاجتماعية المختلفة والاهتداء بهديهم وخصوصاً فيما من شأنه أن يكون فيه النظافة العامة وإصلاح حال الطبقة
следующие страницы →