← Джавами‘

Джавами‘ · id 26523

مجلة المقتبس

محمد كرد علي

Полный текст (6 802 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

المصارف وسندات الحكومة المالية وأسهم السكك الحديدية وما شاكل ذلك. ولكي يعلم القارئ ما معنى هذه الأسهم وكيف توجد بطريقة رسمية لتصير صالحة للتعامل بها نقدم له مثالاً وهو كيفية تأسيس المصارف ذات الأسهم وهاك البيان: إذا عزم أحد على إنشاء مصرف وكان غير قادر على تقديم رأس المال من جيبه الخالص فإنه يدعو جماعة من المتمولين للاشتراك معه في هذا العمل فيؤلف لجنة تدعى لجنة التأسيس أو المؤسسين. فهؤلاء إما أن يؤدوا كل ما يطلب لرأس المال، وإما أن يقدموا جزءاً منه مقابل أسهم معلومة يأخذونها ويطرحون الأسهم الباقية برسم البيع بالاشتراك فيشترك من يريد من الناس بعدد منها كل على قدر إرادته. فإذا أعلن المؤسسون عن وجود مئة ألف سهم مثلاً كل سهم بثمانمئة قرش فقد ترد لهم اشتراكات بخمس مئة ألف سهم فيقال حينئذٍ أن أسهم هذا المصرف غطيت خمس مرات ولذلك فلا ينال من كان طالباً خمس مئة سهم مثلاً إلا مئة سهو فقط لوجوب توزيع هذه الأسهم بالتساوي على طالبي الاشتراك فيها. ثم أن المؤسسين يختصون أنفسهم بأسهم يأخذونها مجاناً أو بثمن قليل جداً أي السهم بخمسة قروش مثلاً مقابل أتعابهم في إنشاء المصرف، وتدعى هذه أسهم التأسيس فيعطى لحامليها شيء معلوم مما يبقى من الأرباح بعد توزيع خمسة في المئة مثلاً على حاملي الأسهم العادية. قلنا أن ثمن السهم من أسهم هذا المصرف الاعتيادية مئة قرش فإذا عمل المصرف بعد تأسيسه أعمالاً كثيرة الربح ارتفعت قيمة أسهمه جميعاً من مئة قرش إلى مئة وخمسين أو أكثر أو أقل تبعاً لمقدار الأرباح والعكس بالعكس. أما أسهم التأسيس فيبيعها أصحابها بالأثمان التي تساعدهم عليها حالة السوق وقد يبلغ ثمن السهم الواحد بين عشرة إلى خمسين ليرة تبعاً لشروط المصرف وموافقتها في توزيع أرباح طائلة على الأسهم التأسيسية ذات الامتياز. وهذه الأسهم جميعاً عبارة عن ورقة مطبوع عليها نمرة السهم وقيمته الأصلية وبذيلها عدد من الكوبونات وهي مربعات محاطة بخروق تمكن من قطعها على حدة فيقطع فيها كل سنة واحد من هذه الكوبونات أو القطيعات يسلم إلى المصرف وينقد حامل السهم قيمة القطيعة

стр. 2872

وهذه القيمة تكون إما خمسة بالمئة أو أكثر تبعاً لمقدار أرباح المصرف أو ما يعينه في إعلان سابق يدرجه في الجرائد المحلية مبيناً ميعاد قبول الكوبونات وأثمانها. هذه أخص الطرق لإصدار أسهم المصارف فيمكن يقاس عليها كيفية إصدار أسهم باقي الشركات التجارية وسندات الحكومة التي تقترض بموجبها ما يسد به دينها والآن فلنعد إلى كيفية المعاملة بالبضائع والأسهم وهي ما يأتي. تفتح البورصة عند الساعة التاسعة صباحاً فيجتمع التجار والمضاربون في ردهتا ولا يسمح بالدخول إلى حلقة المناداة بالبيع أي عرض البضاعة أو الأسهم إلا لأناس مخصوصين هم السماسرة ووكلاؤهم. فهؤلاء يكونون قبل أن يدخلوا حلقة المناداة قد تلقوا أوامر مختلفة من عملائهم بعضها بالمشترى وبعضها بالبيع بأثمان يعرضونها لهم. فيدخلون وبيد كل \ منهم مذكرة بشكل دفتر صغير فينادون ويعرضون ما لديهم من البضائع أو الأسهم مبينين أثمانها وذلك كأن ينادي أحدهم قائلاً: عندي خمس مئة قنطار قطناً من الصنف الوسط والقنطار بعشرين ريالاً تسليم آذار، أو إني أشتري مئة سهم من أسهم البنك العقاري بثلاث مئة فرنك السهم لميعاد شهرين فيجيبه آخر إني اشتريت ما تعرضه وآخر إني بعتك ما تطلبه فيدون ما بيع وما أشتري في مفكرات يوقعها البائع والشاري. فإذا كان البيع نقداً والبضاعة حاضرة يدفع الشاري الثمن ويستلم ما اشتراه. أما إذا كانت المعاملة إلى ميعاد فلا يطلب من الشاري إلا جزءٌ من الثمن (بين ٥ و ٢٠ في المئة تبعاً لحالته من المالية) كثيراً ما سمعت الناس يسألون عن معنى التغطية. وعندما اشتغلت النساء في مشترى أسهم المعادن منذ زمن في بيروت سمعت إحداهن تقول أن فلانة غطت بإيزارها أو ما ماثل ذلك. ولكي تعلم حقيقة معنى التغطية البورصية لا الوجهية نفرض أنك اشتريت مئتين وخمسين قنطار قطن مصري وهي أقل كميبة يتعامل بها من صنف القطن في البورصة. فإن كان عميلك على ثقة منك فإنه قلما يطلب منك أن تدفع مقدماً أكثر من عشرة قروش على كل قنطار بصفة تأمين يأخذه لنفسه إذا هبطت الأسعار. وبما أن شراء القطن يكون لمواعيد

стр. 2873

مختلفة فإنك تعين الميعاد الذي تستلم فيه ما اشتريته فتوصي عميلك بأن يستري لد هذه الكمية تسليم شباط أو أيار أو غير ذلك. فلفظة تسليم هنا وهمية لأنك لست تاجر قطن لتستلم وإنما المقصود أنك تبيع ما اشتريته في ميعاد التسليم وتقبض أو تدفع فرق الثمن الذي يكون قد صعد حينئذٍ أو هبط. فإذا استمر السعر في صعود فلك أن تبيع وقتما تريد وتربح فرق الثمن. أما إذا هبط السعر فخسرت أكثر من العشرة قروش التي دفعتها تأميناً فيطلب منك العميل إما أن تغطي الخسارة فتدفع عشرة قروش أخرى وأما أنه يضطر إلى تصفية ما اشتراته لك فيبيعه لئلا تلحقه الخسارة شخصياً لأنه هو المسؤول لا أنت بالخسارة أمام من اشترى هو منه لحسابك. في البورصة حزبان أحدهما يضارب على الصعود فيكثر من المشترى ليدفع الأثمان إلى الأعلى والآخر يضارب على النزول فيكثر من عرض البضائع والأسهم للبيع لتكثر على طلابها وتكسد فتهبط الأسعار ولكل من هذين الحزبين حيل وطرق للوصول إلى الغاية لا يمكن استيفاؤها هنا. غير أننا ننصح للمتعاملين بالبورصة أن لا يغتروا بالتلغرافات التي تأتي من الخارج عن إقبال المواسم أو محلها لأن بعض المضاربين قد يشيع نشوب الحرب بين دولتين لتهبط الأسعار ويخرج من مركزه رابحاً. وفي كثير من الأوقات يحتكر حزب الصعود صنفاً من البضاعة ولا سيما إذا صار قليلاً قرب انتهاء موسمه فيرفع أسعاره بقدر ما يتمكن من ذلك. وهذا هو السبب في بقاء أثمان بعض الأصناف مرتفعة على الرغم من قلة الطلب ووفرة وجود البضاعة. ويعلم ذلك من أثمان الماس الآن فإنها فاحشة إلى ما يجب أن تكون عليه وما سبب ارتفاع ثمن القيراط من ١٥ ليرة إلى ٣٠ ليرة مؤخراً إلاَّ تمكن جماعة من احتكاره وخصوصاً بعد حرب البوير وتعطل معادن الماس زمناً. فيرى من ذلك أن المضاربات كثيرة الأخطار ولو كانت مبنية على الحكمة والتعقل والدرس واليقظة. فقد يكون المضارب على علم بزيادة المقطوعية لصنف من الأصناف مع عدم إقبال موسمه فيهجم على المشتري ظناً منه أن الربح متحتم ولكنه لا يلبث أن يرى الحالة بالعكس في كثير من الأوقات، إما لأسباب محلية توجب أعمال هذا الصنف أو تقليله وإما لعارض وقتي من مثل إشهار الحرب بين دولتين أو اعتصاب العمال أو لاتفاق حزب

стр. 2874

النزول على تنزيل قيمته أو لقيام صنف آخر مقامه وهلمَّ جرّاً. فإذا كان لا بد لشخص من المضاربة بالبورصة فأفضل نصيحة تقدمها له أن يتروى كثيراً قبل المشترى أو البيع فيدرس حالة السوق على خبيرين ثم إذا أسعده الحظ وكسب عليه أن يكتفي بالربح القليل حالاً لأنه يكون قد وثق منه ثم يعاود الاتجار رابحاً بعزم جديد ومكسب يمكنه من تحمل الخسارة لو وقعت. فيمكنه إذ ذاك أن يخرج من مركزه مردداً قول القائل: على أنني راضٍ بأن أحمل الهوى ... وأخرج منه لا عليّ ولا ليا وقد دلّ الاختبار على أن البورصة لا يمكنها أن تبلغ جراحها إلا في من يهورون لطمعهم بالغنى مع أن الغنى العاجل من البورصة لا يكون إلا بنسبة ٥ إلى ١٠٠ من حوادث الخراب وذلك لذهاب معظم أرباح المضاربين إلى جيوب السماسرة الذين ينشبون المنشار فيأكلون الأرباح صاعداً ونازلاً سواءٌ ربح المضارب على أيديهم أو خسر، لأن نصيبهم (وهو في الغالب عمولة قدرها ٥ في المئة) ثابت لا ريب فيه ما لم يفتروا فيجازفون بمالهم الخاص إرضاءً لعملائهم. في البورصة طريقة لتأمين المضاربين على أموالهم بتحديد خسائرهم وهي أن يدفع المضارب مبلغاً معلوماً بصفة سوكارتاه ضد صعود الأسعار أو هبوطها تبعاً لإرادته. فإذا شاء المضاربة بالقطن مثلاً واختار طريق الصعود أي أن يكون شارياً لا بائعاً فإنه يدفع نحو ربع ريال على كل قنطار لمدة شهرين فيأمن الخسارة مهما هبط السعر ولكنه لا يربح إلا إذا ارتفع الثمن أثناء الشهرين فوق الربع ريال الذي دفعه بصفة تأمين له ضد الخسارة. وهناك طرق وعمليات أخرى من مثل العملية المسماة ستلاّج وهي الربح سواءٌ صعد الثمن أو هبط مقابل دفع أكثر من المبلغ المتقدم ذكره مما لا فائدة من الإسهاب في شرحه هنا لمماثلته لما تقدم في الجوهر. وخلاصة ما ننصح به القارئ أن يبتعد عن البورصة لأنها كثيرة الأخطار والنفقات والهموم. وقد يوافق الاشتغال بها لمن كان عضواً في داخلها يقف كل يوم على بواطنها فيتمكن من التصفية حالاً. أما من كان بعيداً عنها فخسارته له ومعظم أرباحه لغيره. هذا فضلاً عما يحف بالبورصة من الدواعي والأسرار التي تغل الأيدي عن السعي وتقيد

стр. 2875

الهمة عن الظهور بمظهرها الحقيقي خلافاً لحقل التجارة الواسع فإن فيه لذوي الذكاء والهمة والاستقامة مضرباً نائي الأطراف يمكن من كان مستعداً من الإصلاح والفوز بالفلاح. سر السعادة كتبت إحدى العقائل في مجلة مطالعات البيوت ما تعريبه: قال الفيلسوف فون كنيبل: سكن رغائبك الشديدة واجلس إلى مائدة الحيلة كما يجلس الضيف المحتشم ولا تطلب صنفاً من الطعام لا تراه مكتوباً في قائمة الألوان وهي كلمات فيها سر السعادة فإن حياة المرء تنقضي في البحث عن السعادة وكم من أفراد قلائل يتيسر لهم الحصول عليها. يدخل المرء في سن العشرين مضمار الحياة فيريد أن يؤسس له مقاماً بالرضى أو الغضب ويحاول أن يحرز أو يأخذ النمر الرابحة في يانصيب الحياة وكل يظن نفسه على ثقة من ربح الشطر الأعظم لأن الأهواء في السعادة تختلف باختلاف الأشخاص حتى إذا بلغ الأربعين بتعب ويشكو ويقول أنني أضعت سعيي هباءً ولم أحظَ بما أتطال إليه من السعادة ولو بحث المرء في حياته بحثاً مجرداً عن الهوى لاعترف في الغالب أنه بتعلقه بالوهم قد تخلى عن ألوف من الحقائق الحسنة في الحياة السعيدة. السعادة تنشأ اليوم بعد اليوم من لذات مختلفة مؤقتة وأفراح طفيفة رائقة تكون بنت ساعتها فالواجب إيجادها بهمة وعناية على نحو ما تعمل النحلة العسل الجيد من عصارة الزهور المتباينة في الجودة فلقد كتب كارنو الكبير إلى ماكبورغ في ساعة يأس بالأبيات الآتية: أيتها السعادة أنت التي يتحرك بك كل شيء على الأرض أينزل ندماؤك على الكبراءِ أم في القرى؟ في إسبارطة أم في سباريس؟ في المعسكر أم في المقبرة؟ أم أنك تؤثرين الغابات أم حفظ القطعان؟ أأنت في البذخ أم في المجد أم في الوهم؟ في الرغبة الحاصلة؟ وفي الخلاص من الأمراض؟ في الصداقة أو الحب أو في البغض؟ في السلام والمعرفة والفضيلة أو بين القبور؟

стр. 2876

السعادة أيها الفاني الجزوع هي بنت الأمل هي في فؤادنا وهي تلوج الطهر والعفاف تقام نذورنا وتأتي غير منتظرة هذه الهدية من الخالق هذه الجذوة السماوية لا يتأتى تعريفها فهي خبز الروح لاتعرف قيمتها إلا بفقدها والحق مع كارنو الكبير في جعله السعادة ابنة الوجدان المستريح وأنها خاصة بالأمل ومن لم يقع له أن تحقيق رغبة طلبت زمناً لا تنشأ عنها المسرة التي كانت تتوقع منها قبل الحصول عليها فأجمل القصور وأزهاها للسكنى القصور التي يبنيها صاحبها في إسبانيا (أي الاشتغال بعالم الخيال) وإن ما يبعد السعادة من طريقنا عدم قناعتنا بما يحصل في اليد ونغتبط به فمعرفة السعادة هي حسن استعمال ما في الحياة من صالح وعدم مطالبتها بما لا تستطيع أن تمنحه. ولربما رأينا زوجين تكدر عيشهما بعد اقترانهما لأن الزوجة نظرت إلى أرفع منها مقاماً فحسدتهن وأرادت بمال زوجها تنافسهن فما هي إلا عشية أو ضحاها حتى تحمل بعلها على الاحتيال للمعاشر يأتيها بما تريد لبذخها وإسرافها ليترك سنن الاقتصاد والبساطة ويحاول أن يسعد امرأته أكثر من إسعاد الفطرة فما هو إلا أن تسود الدنيا في عينيه وعينيها ويضطر إلى الابتعاد عنها في طلب مظاهر الرفاهية وإذا رزقا أولاداً لا يكون منهم غير تنغيص العيش والشكوى على حين هم شمامة الأنس وريحانة النفس. ليس لك من الحياة إلا ما أعددته وكثيراً ما نكون نحن العاملين على شقائنا بأنفسنا فبقليل من العقل والخبرة كان في وسع هذه المرأة التي جعلت حياتها بيدها لمجاهدة البؤس أن تكون بزواجها أسعد مما هي وكان لزوجها بشيء من المضاء والعمل وحسن السلوك بدلاً من أن يعيش في البؤس أن يصبح ذا مقام متناسب مع ذوقه وأصله وأمانيه ولو صحت عزيمة تلك الأم على أن يكون لها حنان حقيقي لاستطاعت أن تحسن تربية أبنائها الذين هم علة شقائها وربما خجلها. الحياة دار ممر لا دار مقر لا يقف فيه السائر فالواجب التقدم على الدوام والاكتفاء بجني

стр. 2877

الزهور التي تصل يدنا إليها بسرعة على الطرق ونحن سعداء إذا لم نكن ممن أصابت أيديهم شوك وعوسج وإذا كنا ممن خانتنا السعادة فعلينا أن نجعل سرور غيرنا علة لسرورنا أنفسنا وعلينا أن نعمد إلى صالح الأعمال بدون جزاء وأن لا نبتعد قط عن خطة الواجب ننظر في مرآة ماضينا بدون ألم لوجداننا وعلينا حتى نسعد أن ننظر إلى تحتنا لا إلى من فوقنا ولا نكدر عيشنا بخوف ما يحدث وربما لا يحدث فكم عذاب يا رباه يحدث لنا من الشرور التي لا تلحقنا تبعتها. فالعاقل يستمتع بما ملكت يداه وينظر إلى المستقبل باسماً ويقول إن الحياة زائلة والأيام معدودة فلماذا لا أغتنم السعادة الحاضرة. فإذا طرق البؤس بابي ذات يوم أتلقاه باحتشام رجل عرف الاستمتاع بالأيام الرائقة. وقليل في الناس اليوم من يرضون بما قسم لهم بل يطلبون أرقى منزلة مما هم فيها ويطمحون إلى أسباب ليست لهم ومن موجبات الأسف ما تسمعه من شكاوي الناس الذين يشكون مما لا يشتكى منه وليس لبؤسهم أثر إلا في مخيلتهم أو في أطماعهم التي لا تشبع وهم أبداً في خيبة مهما أُعطوا ولو عقلوا لكانوا سبب سعادة للبائسين في الأمور التي يبكون منها وينتحبون. قال فوستل دي كولانج المؤرخ إن الواسطة الوحيدة لسعادة الإنسان هو أن لا يفكر في نفسه بل يعمل لغيره وأن ينصرف بكليته إلى عمل يعتقد نفعه فالبشر لم يجدوا حتى الآن أسباباً توليهم السعادة والملاذ تعزف عنها النفس بسرعة والمطامع لا حدَّ لها فالإخلاص هو الذي فيه الهناء والجزاء في ذاته. إذا نقص شيءٌ مما تريد ففكر فيمن لا يملكون شيئاً في هذه الدنيا. ذهب أحد الفقراء لزيارة إحدى الأماكن المقدسة ولم يكن له حذاءٌ فمشى على الأدغال والشوك يدمي رجليه والحصا يصرُّهما وكان طول طريقه يشكو سوء طالعه وقلة ذات يده قال أنه لما وصل إلى المكان المقصود رأى زواراً أتعس حالاً منه رأى أعمى لا ساق له فقال بعد أن رأيت ما رأيت لم أعد أشكو من فقدي حذاءً ألبسه في رجلي. عمر الحيوانات قليل في الناس من يعلمون كم تعمر الحيوانات فالحصان يعيش خمساً وثلاثين سنة والبقر ثلاثين في الأكثر ويبلغ البغل سن الستين والكلب لا يصل إلا إلى الخامسة والعشرين والهر الخامسة عشرة ومثله العنز والغنم وقد شوهد خنزير عمره عشرون سنة ولكن من النادر أن

стр. 2878

يبقوا عليه بل يذبحونه والأرنب قد يعيش من ثماني إلى عشر سنين ويعيش الديك الهندي والدجاج البري (الغرغر) اثنتي عشرة سنة وذكر البط قد يبلغ الثلاثين وصغار الطير كالحباشة والعصفور وحسون لا تتجاوز الخامسة والعشرين أما الغراب فإنه كما يقول علماء الحيوان يعمر طويلاً. الجبن السريع إذا أردت أن تعمل من اللبن الحليب جبناً في الحال بدون أن تستعمل الروبة التي يطول أمرها متى مزجت باللبن فعليك باستعمال السعتر البري تمسح به الإناء النظيف الذي تضع فيه الحليب ثم تصب على الأثر اللبن الذي يجمد في الحال. تدوير الساعات أفضل وقت ليدور الإنسان ساعته أن يوقت لها وقتاً يربطها فيه كل يوم في الميعاد المعين ومن الناس من يختارون المساء ومنهم من يختارون الصباح لربطها والصباح أفضل إذ تكون الساعة في النهار معرضة للحركة أكثر من الليل فإذا كان عهدها بالرباط قريباً تظل بقوتها إلى آخر النهار ثم لا تزال تضعف في الليل إلى صباح اليوم التالي وبذلك تستقيم جريتها وحركتها. طرد الجرذ والفيران عليك بدهن ثقوب الجرذ والفيران بزيت النعنع فإنها تكره رائحته كثيراً وذلك أسهل من استعمال السم لقتلها. تدخين الحيوانات يقولون أن الجمل والهجين يحبان دخان التبغ ومتى أُغويا به يسهل أن يحملا الأثقال ويطلب منهما كل صعب المنال وفي إفريقية الشمالية يعمد من يقودون ذينك الحيوانين إلى استهوائهما بالتدخين فيخضعان لكل ما يراد منهما ومتى صح العزم على قطع الأبعاد الشاسعة بهما يعطونهما لفائف يدخنونها فيسيران أحسن سير ويكون مع قوادهما في الغالب قطعة من الخشب مثلثة الشكل يجعل في طرفها المثقوب لفافة والخشبة في فم الحيوان فإذا شعلت اللفافة يمص دخانها ويرسله من منخريه حتى ينتهي منه ويطبق الجمل والهجين

стр. 2879

عيونهما في خلال شرب الدخان شاعرين بلذة فائقة وأنس غريب. بيوت الرمل وقر في الأذهان أن البيوت التي تُبنى على الرمل لا بقاء لها حتى أصبح ذلك من أمثالهم. نشأ ذلك مما ورد في بعض الكتب المقدسة من المقارنة بين من يبني بيته على الرمل ومن يبنيه على الصخر على أن آخر الآية أن الأمواج علت على ذاك البناء فانهار ولو بنيت البيوت في رمل جاف متين لمال استطاعت صروف الأيام أن تقوضها وأهرام مصر أصدق دليل على ذلك لأنها بنيت على الرمل وهي لم تتزعزع منذ ألوف من السنين. الهر في يابان كتب أحد الباحثين أن الهر نقل من الهند إلى الصين ومن هذه إلى اليابان وهو في الصين معدود من الحيوانات الأهلية منذ زمن طويل. وفي كتب الصين القديمة وصف مطول لأخلاقه وهو هناك يتوفر على إبادة الفيران من الحقول التي تسطو على الزرع وفي سنة ١٢١٢ من التاريخ الياباني الموافقة لسنة ٥٥٢ للتاريخ المسيحي أخذوا في يابان يقدمون ضحيا للقطط وقد تبين له أن القط دخل يابان يوم دخل المذهب البوذي وذلك لوقاية المخطوطات الصينية التي تبحث في الأخلاق من سطوات الفيران وكانت العادة قديماً أن تجعل القطط في المعابد وكثيراً ما كانوا يرسمون صورها في المحال التي تألفها الفيران. حمل الأحمال يحمل الناس أحمالهم في البلاد الجبلية على الجزء الأسفل من ظهورهم أو على أصلابهم وذلك بوساطة سير من جلد يجعلونه أو بقدم يربطونه على الجبين بحيث ينتفع بعمل أعصاب النقرة ومن النساء الفلاحات من يحملن جرار الماء على رؤوسهن وعلى العكس في سكان الجبال فإنهم يحملون الأحمال الثقيلة على رؤوسهم حتى تنزل قدة الحمل على الجسم ولكن إذا حمل هكذا في الصعود الشديد يتعرض للسقوط إلى الأمام. أما الأشياء الخفيفة أو المتوسطة فيتأتى حملها بالذراع وعلى الورك والكتف مباشرة أو بواسطة ميزان كما هو الحال في الشرق الأقصى. ومن النادر أن يحمل الحمالون في البلاد السهلية على ظهورهم وإذا فعلوا فإنهم يجعلون الحمل على الجزء العالي من الظهر ولا يقربونه من الصلب كما يفعل الجبليون. وهذا كله ناشئ من تركيب الأرض التي يعيش فيها المرء

стр. 2880

فترى ابن الجبال ربعة مجموعاً قصيراً ولذلك يحمل حمله على صلبه حتى لا يتعرض للسقوط وترى ابن السهل طويل القامة نحيف الجسم أهيف فيحمل الأثقال على جنبه أو يرفعه كثيراً غير متخوف عليها السقوط. البوسنة والهرسك كان في البوسنة والهرسك إلى سنة ١٩٠٦ نحو ثمانين ألف مزرعة وأرض زراعية لا يملكها العاملون فيها من الفلاحين بل هي ملك للسادة والأغوات يعطيهم الفلاح ثلث غلاتها وقد أخذت حكومة النمسا تبتاع تلك الأراضي من أربابها ولكن على طريقة بطيئة وألغت إكراه الأولاد على العمل بالطرق الأهلية وكان يقضى من قبل على كل ولد من سن السادسة إلى العشرين أن يسخر في الطرق واستعاضت عن ذلك بتكاليف وضعتها الولايتين مجلساً نيابياً مصغراً. أخلاق الكوريين عادات أهل كوريا من أغرب العادات فهم لا يعرفون الخياطة وبدلاً من أن يخيطوا ألبستهم وثيابهم يصموغنها بصمغ السمك وهم لا يعرفون الفرش بل يستعملون بدلاً منها ألواحاً من الورق المزيت لطيفة الملمس وأكلهم بسيط للغاية ومادته الأصلية عبارة عن الأرز ولحم الخنزير ولحم الكلب وهم على قرب بلادهم من بلاد الصين لا يعرفون الشاي بتة وأهم صناعات كوريا الورق وهو من أهم الصادرات إلى يابان ثم القيشاني والفخار يصنعونه بذوق غريب. أما وسائط النقل فهي على الفطرة الأصلية فترى المركبات فيها قليلة جداً والكراسي التي تحمل هي خاصة بالأغنياء والمنورين ولقلة الخيل والحمير استعاضوا عنها في حمل الأثقال بالثيران. والمرأة في كوريا محترمة للغاية ولكنه ينظر إليها كما ينظر للطفل وهي لا تسأل عن الجرائم التي تقترفها. بكور الطيور جاء في إحدى المجلات الإفرنجية ما مثاله معرباً: الطيور أكثر منا بكوراً في العادة فهي التي تتولى إيقاظنا في ساعات لا تكاد تختلف ولا بأس بالوثوق بها فطير البرقش (الشرشور) يستيقظ في شهر حزيران ويأخذ بالتغريد نحو الساعة الثانية بعد نصف الليل وأبو زريق في الساعة الثانية ونصف والسلوى (سمانات) في الساعة الثانية والبلبل في

стр. 2881

الثالثة ونصف والشحرور يغرد منذ الساعة الثالثة ونصف إلى الساعة الرابعة والعندليب يبدأ في الرابعة ونصف وأبو زريق المستنقعات ربما تأخر تغريده إلى الخامسة بسبب برودة المكان الذي هو في الضباب المتكاثف عليه. والعصفور الدوري هو أكسل الطيور ينتبه من وكنته في الخامسة ونصف ولكنه يملأ الفضاء بتغريده. هذه ساعة الطيور ومن أراد الاعتماد عليها في أوقاته فعليه أن يسكن الغابات ويتمتع بأصوات هذه المخلوقات لا يخاف دركاً ولا يخشى والأجدر أن لا يجعل الطائر الذي يروق السمع بتغريده في قفص بل أن يبقى كما يريد من البيت وأكثر الطيور أنيسة للغاية وتحب مجتمع الناس إذا وقع في نفسها أنه لا تمس حريتها. وأحسن الطرق لجعل صغار الطيور وبيوضها في مأمن من مخالب الهررة وغيرها منه الحيوانات الغاصبة أن تضع حزمة من الشوك والعوسج في جذع الأشجار التي تناط بها الأعشاش والطيور المغردة تطربنا بنغماتها وهي من أعظم الأعوان على نجاح الزراعة. الأعمار والعقليات في مجلة المطالعات البيتية ما تعريبه: إن علاقة الأعمار بالأعمال الذهنية وتأثيرها هي من المسائل التي جرت المناقشة فيها كثيراً ولم تنجلِ عن نتيجة حتى اليوم. فمن المفيد من ثم أن نأتي على هذا الإحصاء الذي أورده أحد العلماء وقابل فيه بين أعمار زمرة من الرياضيين والشعراء والمصورين فأورد في المقدمين لايبنز الذي عمره ٧٠ سنة وأولير ٧٦ سنة ولاكرانج ٧٧ ولابلاس ٧٨ وكوس ٧٨ وأفلاطون ٨٢ ونيوتن ٨٥ وأرخميدس ٧٥ وفيثاغورس ٩٠ وأورد من الشعراء والمصورين بندار الذي عاش ٨٠ سنة وسوفقلس ٩٠ وأربيدس ٧٥ وسيمونيدس ٨٩ وشومير ٧١ وميشيل آنج ٩٠ والتيتين ٩٩ ونوردورت ٨٠ ولاندرو ٨٩ فمعدل الحياة بموجب هذه الأرقام ٧٩ سنة لرجال العلم و ٨٥ لغيرهم. فهذا الإحصاء يرضي القائلين بأن الأشغال العقلية لا تختصر حبل الأجل أما القائلون بعكسه فيقولون لك بالإحصاء أيضاً أن رفاييل مات في سن ال ٣٧ سنة وموسه في ال ٤٧ وهيجزيب مورو في ال ٢٨ وشكسبير وبرون في سن الشباب وغيرهم ماتوا في زهرة العمر. وعليه فإن أحسن شرح لما تقدم أن يقال أن الارتقاء في الأمور العقلية في الأكثر نتيجة الصحة الجيدة وأن القوة الطبيعية هي التي تطيل الجل في حين أن هذه الأشغال

стр. 2882

العقلية نفسها تقصر أعمار ضعاف الأجسام وتقودهم في الأغلب إلى أشد حالات الاضطرابات الدماغية. إبادة الجراد لم ير الباحثون حتى الآن في طبائع الجراد وأضراره بالمزروعات والأشجار بحيث يقضم الأخضر واليابس إلا أن تتوفر العناية على جمع بذوره قبل أن تفرخ وتبيض كما يفعل المستعمرون في بلاد مراكش والجزائر حيث يكثر الجراد فيجرد كل خيرات البلاد معظم السنين. دواء التهزيل كثير من النساء من يريدون التخلص من السمن الذي يعالجهن قبل الأوان فتضيق به أنفاسهن وتتأذى به نفوسهن ليصبحن رشيقات ممشوقات. والذريعة إلى ذلك أن يعمدن إلى تمرين عضلي بسيط للغاية فإذا أحبت المرأة أن تصغر وركيها فعليها أن تضطجع على الأرض وترفس برجليها مرات، ثم تنهض وترفع ساقيها ثانيةً لهما بحيث تكون ساقها على صورة زاوية قائمة مع قامتها وتظلُّ تعمل هذه الحركة بساقيها خمس دقائق كل مرة. وفي الأسبوع التالي تقف منتصبة وتضع ذراعيها وراء ظهرها وتحمل شيئين ثقيلين تربطهما بطرفي حبل وفي الأسبوع الثالث تعمد إلى حني ركبتها وتمدُّ الساق الثانية مداً مستطيلاً وتضع يدها مفتحة على الأرض وذراعها الآخر وراءها وفي الأسابيع التالية تحني بدون أن تثني ركبتيها بحيث تمس أطراف أصابعها رجليها ولا بأس من الاعتماد على كرسي في بداءة هذه الرياضة فقط ويستغنى عنه فيما بعد. ثم تقفز بعد ذلك مستندة إلى إطار (طارة) واسع وهو أحسن من الحبل الذي يقفز به. حتى إذا اكتست المرأة ثياب الزينة تنتصب مستقيمة وتمد ذراعيها ثم تستنشق الهواء بكل ما فيها من قوة ثلاث مرات وبهذه الواسطة يهزل جسمها بحول الله وقوته وتغدو رشيقة القوام ـ انتهى معرباً عن مجلة البيوت.

стр. 2883

العدد ٤٥ - بتاريخ: ١ - ١١ - ١٩٠٩

стр. 2884

القضاة والنواب ١ صحيفة من تاريخ القضاء ترى الناس على اختلاف مذاهبهم ونحلهم وأجناسهم مجمعين على انتقاد أعمال القضاة والنواب شاكين كل حين من ظلمهم وغدرهم على أن العدل والأمن والراحة العامة وتأمين الحقوق في أيديهم وحياة الأمة وعمران الوطن وسعادته تتوقف على إصلاحهم فهم على ما هم عليه من المكان من حيث الدين والدنيا نرى أكثرهم كانوا من أكبر المخربين في هذا المجتمع الإنساني وقد تيسر لي اختبار أعمالهم وأفعالهم فرأيت أن أكتب شيئاً عنهم غير أني لم أقدم عليه قبل الرجوع إلى أمهات الكتب الدينية والوقوف على حقائق هذا المنصب العظيم. وقد أنشأت هذه المقالات بعد أنم طالعت مقدمة ابن خلدون وحاشية ابن عابدين وتكلمته والأشباه والأحكام السلطانية وتاريخ الطبري وتاريخ الكامل لابن الأثير ورحمة الأمة في اختلاف الأئمة والميزان للشعراني وسراج الملوك وغيرهما ولذلك أرجو من وجد غرابة في بعض أقوالي أن يرجع إلى هذه الكتب المهمة. القضاء القضاء لغة: الحكم ويجيءُ بمعنى الفراغ والأداء وأما القضاء شرعاً فهو فصل الخصومات وقطع المنازعات غير أنه مظهر للأمر الشرعي لا مثبت. كان النبي ﷺ وحياً يوحى لا ينطق عن الهوى ولذلك لم يكن قضاءٌ في زمانه وفي مقر نبوته لأنه كان يأتي بالحكم أو يحكم مثلما يوحى إليه غير أنه ﵇ لما بعث معاذ بن جبل إلى اليمن أرسله إليها عاملاً وقاضياً وبعث علياً إلى جهة اليمن عاملاً وقاضياً فكان أمر القضاء ممتزجاً مع الإمارة في زمان النبوة ولما صار أبو بكر الصديق ﵁ خليفة قال له أبو عبيدة أنا أكفيك المال يعني الجزاء وقال عمر أنا أكفيك القضاء فمكث سنة ولم يخاصم إليه أحد فكان عمر أول قاض في المسلمين. ولما تولى الخلافة أدرك أن توسع أمر الفتح وكثرة الاشتغال بالسياسة يؤخره عن القيام بالقضاء ولى أبا الدرداء معه في المدينة وولى شريحاً في البصرة وولى أبا موسى

стр. 2885

الأشعري بالكوفة وكتب له كتابه المشهور الذي تدور عليه أحكام القضاة وهي مستوفاة وفيه يقول: أما بعد فإن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة فافهم إذا أدي إليك فإنه لا ينفع تكلم بحق لانفاذ له واسٍ بين الناس في وجهك وعدلك حتى لا يطمع شريف في حيفك ولا ييأس ضعيف من عدلك على من ادعى واليمين على من أنكر والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً أحل حراماً أو حرم حلالاً ولا يمنعك قضاء قضيته أمس فراجعت اليوم فيه عقلك وهديت فيه لرشدك أن ترجع إلى الحق فإن الحق قديم ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل الفهم الفهم فيما تلجلج في صدرك مما بيس في كتاب ولا سنة ثم اعرف الأمثال والأشباه وقس الأمور بنظائرها واجعل لمن ادعى حقاً غائباً أو بينة أمداً ينتهي إليه فإن أحضر بينة أخذت له بحقه وإلا استحللت القضية عليه فإن ذلك أنفى للشك وأجلى للعماءِ. المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلوداً في حد أو مجرباً عليه شهادة زور أو ظنيناً في نسب أو ولاء فإن الله سبحانه عفى عن الإيمان ودرأ بالبينات وإياك والقلق والضجر والتأفف بالخصوم فإن استقرار الحق في مواطن الحق يعظم الله به الأجر ويحسن به الذكر والسلام. القضاء في الدولة العثمانية ٣ كان السلطان عثمان الغازي مؤسس هذه الدولة ورعاً ديناً يستخدم قضاةً وحكاماً للنظر في الأمور الشرعية والقيام بأحكامها ولما تولى الملك ابنه أورخان الغازي طلب من الشيخ علاء الدين الأسودي رجلاً يقوم بمصالح الناس الشرعية في أسفاره فأوصاه بقره خليل أفندي جنوره لي فاتخذه قاضياً لبروسة عاصمة ملكه ثم جعله قاضياً على العسكر وخصه بأمورهم ولما آنس منه اختباراً في السياسة استوزره وسماه خير الدين باشا ونصب رستم أفندي مكانه قاضياً للعسكر. وفي زمان السلطان بايزيد الأول تولى العالم محمد شمس الدين أفندي منصب الفتيا في قاعدة السلطنة للنظر في الأمور الشرعية وجمعها في مركز واحد فأصبح المفتي ناظراً عاماً عَلَى جميع العلماءِ والقضاة والمدرسين وقد بدأَ تنظيم مراتب العلماء الحالية ونظامهم

стр. 2886

في زمان محمد الفاتح على أنه لم يكن حتى في آخر زمانه سوى قاضٍ واحد للعسكر ولما كثرت الأعمال قسم القضاةَ على قسمين فصار قاضي عسكر للروم ايلي وقاضي عسكر للأناضول وجعل الفاتح جلال زاده خضر بك قاضياً عَلَى استانبول ومفتياً في مركز السلطنة وذلك عقيب فتح الأستانة. وبعد حين تولى العالمان الشهيران ابن كمال باشا وأبو السعود أفندي منصب الفتيا بعدما كانا قاضيين للعسكر ثم أخذ يطلق عَلَى منصب الإفتاء مقام المشيخة الإسلامية وأصبح منصب الإفتاء فوق منصب قاضي عسكر الروم ايلي وقاضي عسكر الأناضول وجعلت له رئاسة الطرق العلمية ونظارة المحاكم الشرعية وأصبح مقام شيخ الإسلام معادلاً لمقام الصدارة العظمى وصار يقال لشيخ الإسلام (ولي النعم) وعدامر المعارف والعدل من حقوق مقام المشيخة واخذ طلبة العلوم عندما ينجزون دروسهم عَلَى الطريقة القديمة يقيدون أسماءهم في جريدة الدولة فيغدون قضاة. ولم تكن مناصب قاضي عسكر وقضاة استانبول وقضاة أدرنه توجه إلا عَلَى اكبر المدرسين ومنتهى رتب التدريس رتبة المولوية بيد أن هذه الوظائف كانت مقرونة بالعمل والقاعدة أن ينالها المرء بحسب قدمه ولكن قوة الوساطة والشفاعة والرشى صارت تؤَهل الجاهل لبلوغ تلك المناصب فدخل الفساد فيها حتى أصبح القضاء ألعوبة بأيدي البحارة وصعاليك الناس وانشأ من ينال شهادة الملازمة بوسائط غير مشروعة يصل بها إلى القضاءِ. وكان قاضي استانبول اكبر مأمور شرعي بعد قضاءِ العسكر وله النظر في أمور البلدية وشؤون أرباب التجارة والحرف. قلنا أن أحكام العدل كانت من وظائف مقام المشيخة وأن الدعاوي تنظر في المحاكم الصغرى وأما الدعاوي الكبرى فينظر فيها أمام قاضي عسكر وكان الديوان الهمايوني بمنزلة محكمة كبرى فوق المحاكم ينظر في أمور الدولة والأمور الشرعية معاً ثم تغيرت صورة هذا الديوان وانفردت أمور الدولة عن مصالح الرعية فاخذ القاضيان يجتمعان في غرفة العرض مرتين من كل أسبوع وينظران في الدعوى التي تعذر حلها في المحاكم الصغيرة وكان يقال لهذا المجلس (حضور مرافعه سي) وأصبح هذا المجلس في سنة ١٢٥٤ يلتئم بحضور شيخ الإسلام وفي عهد المرحوم عبد

стр. 2887

المجيد لما كان عارف أفندي شيخ الإسلام غدا انتخاب تحت نظام وفتح مكتب النواب عام ١٢٧٢ وشرط ان يكون النائب من متخرجي هذه المدرسة وفي سنة ١٢٧٤ تأَلف مجلس التدقيقات الشرعية وأصلح في سنة ١٢٨٩ وأصبح تدقيق الصكوك والاعلامات من وظائف باب الفتوى. وبعد ذلك انقسم مستخدمو الشريعة إلى قسمين الأول للفتوى والثاني للقضاءِ وصارفي مركز كل ولاية ولواءٍ وقضاءٍ مفتٍ وغدا المفتي مرجعاً لحل الأمور الشرعية وعد شيخ الإسلام المفتي الحقيقي وشرط في الإفتاء أن لا تعطى الفتوى لأرباب المصالح قبل تصديق شيخ الإسلام عليها وأما أمر القضاءِ فأمره لشيخ الإسلام يتولاه من السلطنة او مقام الخلافة غير أن مجلس انتخاب الحكام ينتخب الحكام وشيخ الإسلام يصادق عليه عند تقبيلهم ذيله ثم تكتب المراسلة ويختمها قاضي عسكر الروم ايلي وقاضي عسكر الأناضول وقاضي الأستانة وقاضي غلطة وقاضي الخواص الرفيعة وقاضي مكة وقاضي المدينة وغدا قاضي عسكر الأناضول قاضياً عَلَى آسيا وافريقية وقاضي عسكر الروم ايلي قاضياً على الروم ايلي وأما بقية البلاد فيحكمها نواب هؤُلاءِ القضاة فلكل مركز ولاية نائب ولكل مركز لواء نائب ولكل مركز قضاء نائب ولبعض النواحي نواب فنواب آسيا وافريقية ونواب قاضي عسكر الأناضول وأما نواب الروم ايلي فهم نواب قاضي عسكر الروم ايلي ولمنصب النيابة رتب منها خامسة ورابعة وثالثة ومسبوق ومستخدم الخ. وترك الخيار في مراجعة المحاكم لأرباب الدعاوي وتقرر استئناف الأحكام في مجلس التدقيقات الشرعية وتمييزها في مقر الفتوى والتمييز قبل الاستئناف خلافاً للأحكام النظامية فالحجج والاعلامات ينظر فيها بعد تدقيق توقيعها وختم خاتمها فان وافقت الأصول الشرعية ترسل إلى مجلس التدقيقات الشرعية. ثم جعلت محكمة (التفتيش) في نظارة الأوقاف للنظر في دعاوي الأوقاف ومحكمة (القسمة العسكرية) للنظر في دعاوي الإرث وتحرير الشركة وتقسيمها وعين مفتش الأوقاف حاكماً في محكمة التفتيش ومدته سنة والقسام العسكري حاكماً لمحكمة القسمة العسكرية واختصت محكمة التفتيش بدعاوي توجيه الجهات والتولية والمحلولات واستئنافها بمجلس التدقيقات الشرعية وأما القسام العسكري وقسام بيت المال فملحقان بقاضي عسكر الروم ايلي وليس

стр. 2888

لقاضي الأستانة سوى النظر في دعاوي الطلاق والنكاح والنفقة والمنازعات المتعلقة بالكدكات. وأما سائر المحاكم الشرعية فلها أن تنظر في دعاوى النكاح والطلاق والنفقة والحضانة والحريق والرق والقصاص والدية والارش والوصية والإرث والإقراض بالدور الشرعي والدعاوى الوقفية المتعلقة برقبة المسقفات والمستغلات والكدكات من الأوقاف الصحيحة التي هي من ذات الإجارة الواحدة أو ذات الاجارتين هذه الدعاوي في الأمور الشرعية مشوشة من حيث المرجع تحتاج إلى إصلاح حقيقي. أوصاف القضاة الشرعية ٤ القضاءُ فرض كفاية وسنة مثبتة لا يجوز أن يقلد إلا من تكاملت فيه شروطه وذلك بان يكون رجلاً بالغاً عاقلاً صحيح التمييز جيد الفطنة بعيداً عن السهو والغفلة حراً مسلماً عادلاً صادق اللهجة ظاهر الأمانة عفيفاً عن المحارم متوقياً المآتم بعيداً عن الريب مأموناً في الرضى والغضب صاحب مروءة في دينه ودنياه سالم السمع والبصر ليصح بهما إثبات الحقوق وأن يكون عالماً بالأحكام الشرعية وعلمه بها يشمل علم أصولها والارتياض بفروعها. وأما أصول الأحكام الشرعية فهي أربعة احدهما علمه بكتاب الله حق معرفته والثانية علمه بسنة رسول الله ﷺ الثابتة من أقواله وأفعاله وطرق مجيئها والثالثة علمه بتأويل السلف فيما اجتمعوا عليه واختلفوا فيه ليتبع الإجماع ويجتهد برأيه في الاختلاف والرابعة علمه بالقياس الموجب لرد الفروع المسكوت عنها إلى الأصول المنطوق بها والمجمع عليها حتى يجد طريقها إلى العلم بإحكام النوازل ويميز الحق من الباطل. فإذا أحاط علمه بهذه الأصول الأربعة للأحكام الشرعية عد فيها من أهل الاجتهاد في الدين وجاز له أن يفتي ويقضي وأن أخل بها أو بشيء منها خرج من أن يكون من أهل الاجتهاد فلم يجز أن يقضي ويفتي وجوز أبو حنيفة تقليد القضاء من ليس من أهل الاجتهاد ليستفتي في أحكامه وقضاياه واختلف أصحابه فمنهم من وافقه ومنهم من خالفه والذي عليه جمهور الفقهاء أن ولايته باطلة وأحكامه مردودة.

стр. 2889

ويقول ابن هبيرة في الإيضاح (إنما عني بالاجتهاد لما كان عليه الناس في الحال الأولى قبل استقرار مذاهب الأئمة الأربعة فالقاضي الآن وإن لم يكن من أهل الاجتهاد ولا تعب في طلب الأحاديث وانتقاد طريقها لكن عرف من لغة الناطق بالشريعة ﵊ مالا يحتاج معه إلى شروط الاجتهاد وإنما عَلَى القاضي أن يقضي بما يأخذه من الأئمة أو عن واحد منهم فإنه في معنى من كان أداه اجتهاده إلى قوله قاله وعَلَى ذلك فإنه إذا خرج من خلافهم متوخياً مواطن الاتفاق ما أمكَنه كان آخذاً بالحزم عاملاً بالأولى ويجب عليه الأخذ بالأكثر والعمل بما قاله الجمهور دون الواحد فإنه يأخذ بالحزم مع جواز عمله بقول الواحد إلا أنني أكره له أن يكون مقتصراً في حكمه عَلَى إتباع مذهب أبيه أو شيخه فلو عدل عما اجتمع عليه الأئمة الثلاثة إلى ما ذهب إليه أبو حنيفة بمفرده من غير أن يثبت عنده بالدليل ما قال ولا أداه إليه اجتهاده فإني أخاف من الله أن يكون اتبع في ذلك هواه ولم يكن من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه. ثم قال: لو أهملت هذا القول ولم اذكره ومشيت عَلَى ما عليه الفقهاء من أنه لا يصلح أن يكون قاضياً إلا من كان من أهل الاجتهاد لحصل بذلك ضيق وحرج عَلَى الناس فإن غالب شروط الاجتهاد الآن قد فقدت في أكثر القضاة ولذلك ان ولاية الحكام جائزة وأن حكوماتهم صحيحة نافذة وإن لم يكونوا مجتهدين والله أعلم أهـ). وبهذا علمت أن قد جوز ابن هبيرة قضاء من لم يكن من أهل الاجتهاد وذلك في زمانه ولكنه لك يجوز قضاءَ الجهال ولو نظرنا إلى قوله لأدركنا أن القاضي إذا لم يكن من أهل الاجتهاد يجب عليه أن يكون قريباً من درجته ليتمكن من ترجيح القول الراجح والقول الموافق ولو عَلَى غير مذهبه فإن أئمة الدين والفقهاء المحققين أوصوا باختيار القول الراجح ولو كان عَلَى غير مذهبه (لأن التقليد الأعمى في أحكام الشرع محظور والاجتهاد فيها مستحق). نهى الشارع عن طلب القضاء وقد ضرب السلف الصالح وحبسوا ليتولوا القضاء فلم يقبلوا وجوز بعضهم طلب القضاء في حالتين إحداهما أن يكون القضاء في غير مستحقه إما لنقص علمه وإما لظهور جوره والحالة الثانية أن لا يكون في القضاء ناظر وهو خال من وال. وطلبه لاحتياجه مباح وإن كان لإقامة الحق فهو مستحب وإن كان طلباً للجاه فهو

стр. 2890

مكروه. واتفق الأئمة الأربعة والفقهاء المتقدمون والمتأخرون عَلَى أن القاضي إذا أخذ القضاء بالرشوة لا يصح قضاؤه وإذا حكم لا ينفذ حكمه ويجب نقضه واجمع الفقهاء عَلَى أن القاضي إذا ارتشى لا ينفذ قضاؤه فيما ارتشى فيه. وقال السرخسي لا ينفذ كلها. ولا يجوز للقضاة أخذ العائدات والمحصول ولو احتجوا بإذن موليه لأن ابن عابدين أنكرها كل الإنكار وذكر في الخبرية أن من التزم القضاء عَلَى مبلغ معلوم فهو كافر والعياذ بالله ولا يصح الاحتيال لحصول القضاء. وأما القضاء بظلم أو رشوة فيوجب العزل والتعزير وقد منع القاضي من قبول الهدية والاستعارة والاستقراض وسائر ما يتبرع به ويمنح ويجب رد الهدية إلى صاحبها أو لبيت المال إذا لم يعلم صاحبها وعدم القبول هو المقبول. وإذا فسق القاضي عزل ولا يكون القاضي فظاً غليظاً جباراً عنيداً وكره تحريماً اخذ القضاء لمن خاف الظلم والعجز عن إقامة الحق والعدل. ولاية القاضي مقيدة بالزمان والمكان والحوادث وتكون ولايته عامة أو خاصة في بعض المسائل أو عَلَى أحد المذاهب وله أن يستخلف نواباً إذا فوض إليه صريحاً كولِ من شئت أو دلالة كجعلتك قاضي القضاة ولا يصح للقاضي أو النائب أن يحكم بما خالف الدليل لأنه لا ينفذ ولو حكم به ألف قاضٍ وأما القضاة فهي عَلَى ثلاثة أقسام الأول حكمه بخلاف النص والإجماع فهو باطل ينقض والثاني حكمه فيما اختلف فيه فهذا ينفذ وليس لأحد نقضه والثالث حكمه بشيءٍ يتعين فيه الخلاف بعد الحكم فيه أي يكون الخلاف في نفس الحكم فقيل نفذ وقيل توقف عَلَى إمضاء قاض آخر فلو أبطله الثاني بطل وإن أمضاه فليس لقاض آخر نقضه. وأما منزلة القضاة من حيث الآخرة فقد قال رسول الله ﷺ القضاة ثلاثة اثنان في النار وواحد في الجنة رجل عرف الحق فقضى به فهو في الجنة ورجل عرف الحق فلم يقض وجار في الحكم فهو في النار ورجل لم يعرف الحق فقضى للناس عَلَى جهل فهو في النار فانظر إلى ما كانت عليه أحوال القضاة وأحكامهم تعلم منازلهم. ويسرنا أن نرى الحكومة الدستورية أخذت تعنى بانتخاب من توفرت فيهم الشروط الشرعية وفقها الله.

стр. 2891

أحوالهم الأخيرة ٥ في المقالة الثالثة أن مدرسة النواب أسست لتخريج نواب قادرين عَلَى القيام بما يعهد إليهم من الوظائف عارفين بأحكام الشريعة غير أنني حتى الآن لم أصادف بين من اجتمعت بهم من المتخرجين في المدرسة المذكورة عالماً بوظائفه وأحكام الشريعة كما يجب إلا القليل منهم وهذا مما يدل عَلَى أن ذلك المعهد العلمي غير كاف وفي حاجة عظيمة إلى الإصلاح ومع ذلك فإننا نرى كثيرين من النواب تخرجوا بكتابة المحاكم الشرعية وربما يتعلم هؤلاء الكتابة وتنظيم الاعلامات والصكوك والحجج الشرعية وضبط الدعوى وتصير معهم ملكة المعاملات غير أنهم يخبطون في أحكامهم خبط عشواء ويجمعون من مجلة الأحكام العدلية وكتب الفتاوى ما يجدون كحاطب ليل واغرب من ذلك ما صادفته في بر الأناضول وذلك أن النواب هناك يستخدمون نواباً لأنفسهم جوالين (سيار نائب) ثم يأخذونهم إلى باب المشيخة ويجعلونهم نواباً بالوسائط التي بلغوا المناصب بها وقد شاهدنا بأم العين نواباً لم يكونوا ممن انتسب إلى العلم. فالنواب حينما يذهبون إلى الأستانة في طلب التعيين ينتظرون زماناً طويلاً ويتكبدون نفقات طائلة ويقاسون أنواع العذاب ولا يحصلون عَلَى نيابة إلا بعد أن يصرفوا ما جنوه من أموال العباد في خلال نيابتهم الأولى فيخسرون ما جمعوه وتبقى عليهم حقوق العباد وعذاب الواحد الديان وأغلبهم يصل إلى النيابة إما بطرق غير مشروعة وإما بشفاعة غير جائزة وندر من غدا نائباً بطرق سهلة. وأما رواتبهم فهي قليلة في أكثر أنحاء المملكة وقلما تقوم بنفقاتهم ولذلك تراهم منصرفين إلى ادخار الأموال ليصرفوها في طرقهم وإقامتهم بالأستانة وأخذ النيابة ولهذا السبب أيضاً ترى همهم تزييد العائدات التي أنكرها الفقهاء عَلَى أن المشيخة الإسلامية تركت تلك العائدات للكتبة فالنواب يشاطرونهم إياها حتى عَلَى تزكية الشهود ونفقات الطريق وأجرة القيد وما يسمونه الدلالية والقرطاسية ولا يسع الكتاب إلا السكوت والرضى لأنهم إذا امتنعوا عن إعطاء القسم الأعظم من العائدات تهددوهم بالعزل وعدم إصدار الاعلامات وحل المخاصمات بلا ضبط فحينئذ إما أن ينعزل الكاتب وإما أن يحرم من العائدات وقد

стр. 2892

تزيد هذه العائدات عَلَى رواتب النواب في أغلب الأحيان وتشغلهم كثيراً وتدعوهم إلى إحالة الدعاوي الحقوقية إلى المحكمة الشرعية. فهذه العائدات عَلَى قسمين قسم مقيد في دفتر الخزينة فما تجاوز الخمسمائة من هذا القسم يكون مشتركاً بين النواب والخزينة وما كان دون الخمسمائة يكون حق النائب والكاتب لذلك لو دققت دفاتر الخزينة في كل الجهات ترى هذه العائدات قلما تجاوزت الخمسمائة وأنا القسم الثاني فذلك ما دخل كيس النائب والكاتب من غير أن يقيد بصندوق الخزينة وهذه الأجور والعائدات مصرح بمقاديرها في نظام أموال الأيتام غير أن الشريعة المطهرة لم تأمر بها عَلَى أننا لو نظرنا إلى حقائق الشريعة وما يقتضيه الدين والصلاح نرى أن أمر القضاء فرض كفاية كحفظ القرآن لا يستحق الأجرة كما فعل أبو بكر بن المظفر الشامي وغيره ولقد أفتى الفقهاء المتقدمون بتخصيص رواتب معلومة من بيت المال لتفرغهم عن المكاسب واشتغالهم بمصالح الناس وأنكروا تناول العائدات وقالوا أن الراتب يجب أن يكون كافياً. لو نظر المرء إلى (المراسلة) التي تنبئ بنيابتهم وتصرح بوظائفهم تحت توقيع القاضي عسكر وجد أن عمل النواب محصور بإنفاذ الأحكام الشرعية عامة وبشدة الاعتناء في تحرير التركة. وأما التركة التي يجب تحريرها فهي تركة رجل مات عن صغير أو غائب أو مات عن غير وارث أو إذا كان الميت مستغرقاً بالديون أو إذا طلب أحد الورثة تحرير تركة أبيه والغرض من ذلك حفظ حقوق الورثة وأخص بالذكر منهم الأيتام وقد رأينا النواب مسارعين إلى تحرير التركات غير أن السبب الحقيقي الذي يدفعهم إلى هذه السرعة هي العائدات والنفقات التي يأخذونها فنواب الأناضول تستخدم النواب الجوالين في تحرير التركات فيطوف هؤلاء القرى ويفتشون القبور والمدافن ويستخبرون عن الأموات فعندما يعلمون بوفاة أحد يجب تحرير تركته يحررونها فيتألم الورثة وأهل القرية وتستولي عليهم الكآبة والأحزان فوق حزنهم غير أنهم لا ينطقون ببنت شفة لأن النائب المتجول جاء باسم الدين والحكومة وم أشهد هذه الحالة في البلاد السورية لأن تحرير التركة هنا يتولاه النائب بنفسه أو يرسل رئيس كتابه.

стр. 2893

وأما تحرير التركات في مراكز الولايات فذلك من شأن نائب النائب وكتبة المحاكم فهؤلاء يستخدمون جواسيس وأعواناً يطوفون في البلدة ويستخبرون عن الأموات من المغسلين والحفارين ولما يعلمون بتركة تستحق التحرير يذهبون إليها مهرولين فهنالك الطامة الكبرى والمصيبة العظمى عَلَى الأيتام فتؤخذ الأشياء الثمينة والنادرة بثمن بخس واسم مستعار وترسل إلى بيوت النواب والكتبة ثم يحسبون أجرة الدلالة والقيد وأجرة اعلامات الديون واعلامات الصلح وأجرة دفتر القسام وأجرة إقدامهم لأنهم كلفوا أنفسهم وتعبوا في حفظ حقوق الأيتام والورثة. وبعد ذلك يضمنون الطوابع والأوراق الحجازية ويأخذون كل هذه النفقات من ثمن التركة فيصبحون بذلك شركاء الورثة وربما أخذوا أكثر من الورثة وهذا الأمر يكاد يكون عاماً وأما سوء الاستعمال في الإدانة والاستدانة وثبوت الرشد فحدث عنه ولا حرج وندر النواب الصالحون الذين لا يمسون أموال الأيتام. ولا يخفى أن الله منع مس أموال الأيتام بتاتاً وصرح بمنعه في آيات عديدة واتفق الفقهاء والعلماء عَلَى تحريم أخذ أموال الأيتام حتى حرموا الجلوس عَلَى كراسيهم وأثاثهم واستعمال أوانيهم ولست أدري عَلَى أي كتاب وأي قول وأي نص يأخذون هذه العائدات والأجور فإن قيل أن في ذلك فتوى أقول ولا أبالي أن لا مساغ للاجتهاد في مورد النص وإجماع الأمة والفقهاء وعَلَى ما أظن أن تلك العائدات وضعها وجوزها القضاة والنواب الذين كانوا يأخذون مناصبهم بطريق المزايدة والالتزام. وزد على ذلك كله أن النواب أعضاء في مجالس الإدارة ومجلس القرعة العسكرية ولجنة الفراغ ورؤساء للمحاكم البدائية الجزائية ومحاكم الحقوق ودائرة الإجراء ولهذا لا يفترون عن الاستفادة الغير المشروعة من كل مسألة لهم فيها علاقة فالناس والمستخدمون يتألمون مما يشاهدونه من سوء استعمالهم في قسم الجزاء فيحكمون عَلَى بريء ويبرؤن الجاني ويتركون الأشقياء والمجرمين ويحبسون المساكين وتسهيلاً لمقاصدهم يجعلون غرفة الاستقبال في بيوتهم محكمة شرعية عَلَى أن الفقهاء صرحوا بأن القضاء يقام في أكبر الجوامع أو في محل خاص في منتصف البلدة فلو نظرنا إلى التاريخ لعلمنا أن أهم المدارس بدمشق كانت مقراً للقضاة وأن المدرسة العادلية كانت مقراً لقاضي المذهب الشافعي

стр. 2894

نظرة في إصلاحهم ٦ ذكرنا أن المشيخة الإسلامية عبارة عن الفتيا والفتيا والقضاء من حقوق الخلافة والإمامة الكبرى وأن المفتي يخبر عن الحكم الشرعي والقاضي يلزم به عَلَى أن كل عالم يستطيع أن يفتي بما يفتي به المفتي لأن الفتوى لا تتضمن الحكم والإلزام ولا يجوز لعالم ولا لمفتٍ أن يحكم بما حكم به القاضي مع أن للقاضي أن يفتي ويستخلف أمناء ونواباً ولم أر حتى الآن عبارة أو قولاً لفقيه يشاربه إلى استخلاف المفتي نواباً أو إلى تداخله في تعيين النواب لأنهم نواب القاضي لا نواب المفتي وأمر الاستخلاف يتوقف عَلَى إذن الخليفة. ذكرنا أن مجلس انتخاب الحكام ينتخب النواب وشيخ الإسلام أو مفتي الأنام يأمر بتوظيفهم وقضاة العسكر يوقعون على مراسلاتهم ليكونوا نواباً لهم توفيقاً للأحكام الشرعية ومن ذلك يظهر أن القاضي هو الذي يستخلف النواب وقد عجبت لحصر القضاة في قضاة العسكر وإبقاء هذا التعبير لأن هؤلاء القضاة هم في الحقيقة قضاة عامة المسلمين والأمة ليست بأمة مسلحة عَلَى أننا لو نظرنا إلى التواريخ علمنا أنه كان في كل مركز ولاية قاض وفي أعظم مراكز الألوية قضاة وأنه كان في المدن الإسلامية الكبرى قضاة لكل مذهب ولذلك أرى أن يكون في مركز كل ولاية وفي مركز بعض الألوية المهمة قاضٍ وأن يكون شيخ الإسلام قاضي القضاة يرجع إليه جميع القضاة وأن يكون للقضاة حق استخلاف النواب بإذن من الخليفة فيصبح أمر تعيين النواب بيد قضاة الولايات فيتخلص هؤلاء من العناء والذهاب إلى الأستانة ولا مانع من جعل مدة النواب أربع سنوات لأن ذلك أمر اجتهادي ثم يجب أن يؤلف مجلس من فحول علماء المسلمين تحت رئاسة قاضي القضاة ينتخبون القضاة من بينهم فيصدق عَلَى انتخابهم قاضي القضاة ويعرضهم عَلَى الخليفة لتصدر إرادته بتعيينهم وينتخب لمنصب قاضي القضاة ثلاثة علماء من هذا المجلس أو من غيرهم بأكثرية الآراء والخليفة يختار واحداً منهم يجعله قاضي القضاة. وأهم ما يجب إصلاحه مكتب النواب والرأي توحيده مع شعبة العلوم الدينية في دار الفنون العثمانية وإصلاح الدروس وتعيين أفاضل المعلمين ليخرج فيه نواب أفاضل ومفتون ومدرسون عالمون ويكون هذا المكتب أعلى قسم لمكتب استعدادي ينشأ في دمشق ويكون

стр. 2895

هذا مخرجاً لتلاميذ القسم العالي والغرض من الاستعداد في تعليم النواب اللغة العربية التي لا غنى للنواب عنها إذا كانوا يرغبون في تطبيق أعمالهم عَلَى أحكام الشريعة ثم تسهيل التحصيل عَلَى الفقراء لكثرة المدارس والأوقاف بدمشق وعندما يتم التلميذ التحصيل في المدرسة الإستعدادية يذهب إلى الأستانة ليدخل مدرسة النواب ويجوز قبول المتخرجين في المدارس الرسمية الإستعدادية وطلاب العلم بالامتحان وعندما ينال التلميذ شهادة القسم العالي يستخدم عَلَى حسب استعداده وعلمه ويكون له حق الترفيع. ويجب أن يكون مقر الحكم في دائرة رسمية لا في بيوت النواب ولا يجوز انفراد النواب في الحكم لأنه غير معقول ولا يوافق مقتضيات زماننا وناهيك بما نشاهده من سوء أحوال النواب. وورد في الكتب الفقهية أن للقاضي أمناء يعينونه في الحكم فهؤلاء هم في الحقيقة أعضاء ولا فرق في المعنى كما أنه لا اعتبار للألفاظ فإن شئت سمهم أمناء وإن شئت سمهم أعضاء ومن ثم يجب أن يكون مع كل نائب في القضاء أمينان عالمان ومع كل نائب في الولاية واللواء أربعة أمناء أكفاء ويسأل هؤلاء الأمناء عن الحكم ويجعل النائب رئيساً لهم فإذا رأوا حكم الرئيس مخالفاً للأحكام الشرعية يكونون في حل أن يعترضوا ويصرحوا بأسباب الاعتراض تحت توقيعهم فالمفتي والمدرس الذين تقرر تعيينهم أخيراً يكونان أمناء نائب القضاء والمفتي والمدرس وعالمان في مراكز اللواء ومركز الولاية يكونون أمناء قاضي أو نائب اللواء وقاضي الولاية. وإذا نظرنا إلى أنواع قضايا القضاة الثلاثة التي سبق ذكرها وأخص بالذكر منها القسم الثالث الذي يتوقف حكمه عَلَى إمضاء قاضٍ آخر فإن بطله بطل وإن صدق عليه نفذ ندرك أن حكم القاضي من أي قسم كان من هذه الأقسام الثلاثة يحتاج إلى تدقيق ولذلك يجب تمييز أعلام محكمة القضاء في محاكم اللواء أو الولاية بحسب البعد والقرب وإعلام الولاية يميز في مركز السلطنة إذا كانت الولاية قريبةً من العاصمة ويدقق الحكم فأما أن ينقض لمخالفته أحكام الشريعة وأما أن يصدق عليه إذا كان موافقاً فيصير حكماً مقضياً. ولا بأس بتوحيد المحاكم الشرعية والمحاكم الحقوقية وجعل الأمناء أعضاءً في كلا المحكمتين. ويجب حينئذ إصلاح أحكام المجلة بحسب الأحوال والزمان والمكان والحكم الذي لا يوجد

стр. 2896

في المذهب الحنفي قد يوجد في مذهب المالكي وقد سبق الذكر بأن القاضي لا يحصر حكمه في مذهبه واتباع هواه فحينئذ تتألف لجنة من أفاضل علماء المذاهب الأربعة فينقحون المجلة ويصححون أقوالها المرجوحة ويجعلونها جامعة للأحكام الدينية الصريحة ولا شك بأنهم يجدون الأحكام الموافقة للعقل والنقل والزمان. ويكون الأمناء مسلمين بيد أنه حدثت قضية بين مسلم وغير مسلم أو بين غير المسلمين تجوز استنابة أعضاء المحاكم الجزائية والتجارية من غير المسلمين أثناء المحاكمة لأن الإمام الأعظم وغيره من الفقهاء صرحوا بجواز حكم النسيين بين أصحاب مذاهبهم ومن لا يرضى بالحكم فله أن يميز دعواه في محكمة أخرى وإذا عرف الحكام بالعدل والإنصاف لا يمتنع أحد عن قبول أحكامهم لأن العدل يرضي كل إنسان أما المسائل المذهبية فتترك لرؤَسائهم الروحية بحسب الواعد الصلحية. هذه نظرات أساسية لقواعد يجب وضعها في إصلاح النواب والقضاة فيجب بادئ بدء تأليف مجلس العلماء الذي أشرنا إليه ليبحثوا في الأحوال والزمان والمكان ثم ينظرون في أحكام القرآن والحديث وفي الكتب الفقهية والمدونات فيقررون قواعد تحفظ بيضة الدين وقواعد الإسلام وترفع شأن المسلمين. شكري العسلي

стр. 2897

قضاء الفرد وقضاء الجماعة من خطبة لرفيق بك العظم ألقاها في مدرسة القضاء الشرعي في القاهرة ليس المراد بقضاء الجماعة هو قضاء هيئة مؤلفة من أكثر من واحد فقط كما قد يتبادر إلى الذهن بل هي بالمعنى المشترك أيضاً جعل قوة التشريع القضائي مصونة عن رأي الأفراد وتفردهم بالتشريع منوطة بالجماعة تثبتاً من الحكم واطمئناناً للدليل واعتماداً على ما هو الأصلح عند الجماعة إذا تعذر وجود النص. إن مراعاة الأصلح قاعدة من أهم قواعد التشريع الإسلامي التي يدفع بها الحرج وتدرأ المفاسد عن المجتمع حتى لقد كان كبار الصحابة يراعون قاعدة الأصلح عند الضرورة مع وجود النص ويتنازعون عَلَى المسألة الواحدة يجيء بها النص من عدة روايات أو يحتاج إلى التفهم الدقيق تثبتاً من الحكم ورغبة بمحض الخير للأمة والعدل بين المتقاضين وبذلاً للجهد في بيان الحقيقة للمستفتين وقد قال ابن القيم تنازع الصحابة في كثير من الأحكام ولكن لم يتنازعوا في مسألة واحدة من مسائل الأسماء والصفات والأفعال. أي المسائل التي تتعلق بالأيمان. قلنا أن المراد بقضاء الجماعة جعل قوة التشريع القضائي في حياز جماعة لا فرد لأن ذلك أسلم وأبعد عن الخطأ وأضمن للعدل وسببه أن الأحكام التي يرجع فيها إلى الرأي والاجتهاد أو القياس عند تعذر وجود النص أو عند لوم ترجيح رواية من الروايات تحتاج إلى شروط قلما تتوفر في الفرد الواحد وإن توفرت له فربما لا يتيسر له تحري المصلحة وتطبيق الحكم عليها من كل وجه بحيث لا يخالفه فيه غيره ممن هو في طبقته من أهل العلم. اعتبروا ذلك في أئمة المذاهب المجتهدين فإنه مع بذل كل واحد منهم في تقرير فروع المذهب وأصوله منتهى الجهد في تحري صحيح الآثار والأخبار وتتبع أصول الشريعة فقد اختلفوا في كثير من المسائل واختلف اتباعهم بعد ذلك اختلافهم أيضاً فكان من ذلك انقسام القضاء الإسلامي عَلَى نفسه حتى وجد في بعض العصور أربعة قضاة لأربعة مذاهب في مصر واحد من الأمصار الإسلامية هذا فضلاً عن اختلاف فقهاء كل مذهب أيضاً في المسألة الواحدة حتى أصيب الإفتاء بما أصيب به القضاء من التشتت والانقسام واضطرب أمر العدالة أيما اضطراب مع أن الأصل لهذه المذاهب واحد وهو الدين الإسلامي المبين.

стр. 2898

لهذه العلة الخطرة كان الصحابة الكرام لا يستنكفون عند الاستفتاء من أحدهم أن يحيل بعضهم عَلَى بعض أو يستشير بعضهم بعضاً في تقرير الحكم كما ثبت ذلك في كتب السنة خوف الوقوع في خطأ يجر إلى مظلمة أو إثم ولا سيما فيما يحتاج فيه إلى العمل بالاجتهاد والرأي. لما كانت الشرائع مبنية عَلَى درءِ المفاسد وجلب المصالح والشريعة الإسلامية أحرى الشرائع برعاية هذين الأمرين فقد سن الشارع إيقاف العمل بالنص مراعاة للمصلحة ولكن عند الضرورة القصوى وثبوت المصلحة ولزومها عَلَى وجه لا يقبل الشك في أن المصلحة تترتب عَلَى العدول عن النص أكبر من المصلحة التي تترتب عَلَى العدل به واستن بسنته صحابته والخلفاء الراشدون من بعده فكان ذلك شرعاً أيضاً فيه تيسير عظيم على المسلمين واليكم الدليل. في حديث لأبي داوود أن رسول الله ﷺ نهى أن تقطع الأيدي في الغزو. وأنتم تعمون أن القطع حد من حدود الله لم يستثن النص القرآني منه الغزاة لكن النبي نهى عن إقامته في حال مخصوصة خشية أن ينشأ عنه مضرة وهي لحاق صاحبه بالعدو وقد روي عنه ﷺ عدة أخبار أخرى من هذا القبيل لا محل لذكرها هنا وهي مبسوطة في كتب الحديث. وقد استن الصحابة بسنته وأوقفوا الحدود في أحوال مخصوصة تدعو إليها الضرورة جاء في كثير من كتب الأخبار أن عمر كتب إلى الناس ألا لا يجلدن أمير جيش ولا سرية ولا رجل من المسلمين حدا وهو غاز حتى يقطع الدرب لئلا تلحقه حمية الكفار. وروى ابن القيم في أعلام الموقعين عن ابن حاطب بن أبي بلتعة أن غلمة لأبيه سرقوا ناقة لرجل من مزينة فأتى بهم عمر فأقروا فأرسل إلى عبد الرحمن بن حاطب فجاء فقال له أن غلمان حاطب سرقوا ناقة رجل من مزينة واقروا عَلَى أنفسهم فقال عمر يا كثير بن الصلت اذهب فاقطع أيديهم فلما ولى بهم ردهم عمر ثم قال أما والله لولا أني أعلم نكم تستعملونهم وتجيعونهم حتى أن أحدهم لو أكل ما حرم الله عليه حل له لقطعت يديهم وايم الله أن لم أفعل لأغرمنك غرامة توجعك ثم قال يا مزني بكم أُريدت منك ناقتك قال بأربعمائة قال عمر (أي عبد الرحمن) اذهب فأعطه ثمانمائة.

стр. 2899

وغير هذا فقد اسقط عمر الحد في عام المجاعة للضرورة وتجاوز أبو بكر عن خالد بن الوليد في حادثة مالك بن نويرة إذ قتله دون تثبت من إسلامه كما تجاوز عنه رسول الله ﷺ قبل ذلك بما صنعه ببني جزيمة لما أرسله داعياً لا محارباً فذهب إليهم وحاربهم وقتل وسبي منهم فبريء رسول الله من عمله إلى الله ولم يؤاخذه به وما ذلك إلا لحسن بلاء خالد في الحروب وخدمته العظيمة في الإسلام وكذلك أسقط سعد بن أبي وقاص الحد عن أبي محجن في حرب القادسية وقال والله لا أضرب اليوم رجلاً أبلى للمسلمين ما أبلاهم. والشواهد عَلَى هذا من أعمال النبي وأصحابه كثيرة لا يتسع لها مقام الخطابة ولعل هذه القاعدة سوغت بعد لبعض الحكومات الإسلامية التجاوز عن الحدود والعقوبات المدنية كالسن بالسن والعين بالعين وأبدلت بها العقوبات الأدبية كالحبس والتغريم مثلاً لضرورة تغير الزمان أو لفشو المنكرات فشواً لم ينجع في تأديب مرتكبيها إلا حبس حريتهم في السجون أو غير ذلك من الدواعي والأسباب الزمانية. ليس فيما ذكر غض من مقام الشريعة أو مس لأصولها المقدسة مادام من أصولها وقواعدها أيضاً العدول عن النص عند ثبوت المصلحة أو درء المفسدة بأقل ضرر منها والشريعة كما تعلمون مبنية على المصلحة وقد سبق الله تعالى رسوله والأئمة من بعده إلى تقرير قاعدة مراعاة الأصلح وهو ما يسمونه النسخ وما هو بنسخ وإنما تقرر حكم اقتضته مصلحة زمان وحال غير حكم آخر في زمان تقدمه وأحوال اقتضته كحكم جهاد المشركين من العرب في مبدأ أمر الدعوة حمايتها وحماية المسلمين من أعدائهم وأعدائها وفيه الإذن بقتالهم حتى يقولوا لا إله إلا الله ثم تقرير حكم آخر بعده أي بعد أن انتشرت الدعوة وقوي جماعة المسلمين وصاروا في مأمن من غائلة الضعف وهو حكم الدعوة بالتي هي أحسن. وبالجملة فإن ملخص ما تلوته عليكم ينحصر كله في المقدمات الآتية: (أولاً) ان القضاء في العصر الأول كان مرجعه نصوص الشريعة أي أصولها التي قررها الشارع واجتهاد الصحابة والتابعين فيما لم يرد به نص. (ثانياً) إن الأحكام التي جاءت عن الشارع لم يكن في استطاعة فرد واحد حفظها أو يتعذر عَلَى الواحد الإحاطة بها فاحتج في القضاء إلى استشارة حفاظها.

стр. 2900

(ثالثاً) إن الصحابة كانوا قد يختلفون في المسألة الواحدة إما في تطبيق النص أو في مسوغ الحكم إذا كان اجتهادياً تثبتاً من وضع الشيء في محله جهد الإمكان. (رابعاً) انهم كانوا يعدلون عن النص عند الضرورة الداعية وفي أحوال مخصوصة تدعو إليها المصلحة التي بني عليها الشرع اقتداءً بالشارع. (خامساً) إن ورعهم وتقواهم وخوفهم من الوقوع في الإثم كل هذا كان يدعوهم إلى عدم الإنفراد بالحكم ومشاركة خيار المسلمين وعلمائهم في تطبيق الأحكام إذا كانت اجتهادية على القياس الصحيح أو الرأي السالم من خطأ الفرد. هذه المقدمات تنتج نتيجتين مهمتين أحداهما أن القضاء في الإسلام كان قضاء الجماعة لا قضاء الفرد والثانية أن الشريعة الإسلامية بما تقرر فيها من قاعدتي الاجتهاد ورعاية الأصلح كانت من الشرائع التي توافق كل زمان ومكان وتجيز لكل ضرورة حكماً يوافق مقتضى المصلحة والحال وإن خالف النص مع اعتبار هذه القاعدة شرعاً أيضاً خلافاً لما يتقوله عليها المتقولون من أنها شريعة ضيقة توافق زماناً غير زماننا هذا ومكاناً غير مكان الأمم الراقية لهذا العهد فهي إذا صلحت لأهل العصر لا تصلح لعصر تسير شرائعه مع مقتضيات المدنية الحديثة وحاجاتها سيراً تدريجياً في كل ما يقتضيه ترقي الجمعيات. ومنشأ تقولهم هذا الجهل بحقيقة الشريعة الإسلامية وعدم الوقوف عَلَى أصولها وقواعدها وكلياتها يساعدهم على ذلك ما يرونه من تعصب بعض علماء الشريعة المقلدين لما جاء في كتب الفروع دون الأصول وردهم لكل ما لم يرد فيها من أسباب التيسير وإن ورد في أصول الشريعة وكلياتها من أن في كتب الفروع من الأحكام التي لا تستند إلى دليل قطعي مالا يعدو سبناها الاجتهاد أو الرأي والقياس ومع هذا فإنهم يفضلون العمل بهذه الأحكام عَلَى الرجوع إلى أصل الشريعة مهما كان فيها من التقيد والتضييق على أنفسهم والأمة ومهما ترتب عَلَى ذلك من التهم الباطلة التي يرمينا بها الباحثون في طبائع الاجتماع. وحجة هؤلاء العلماء في هذا سد الذريعة أو خوف انتشار دعوى الاجتهاد إذا فتح بابه وتطرق الفساد إلى الشريعة وهي حجة معقولة ومسلمة لا يخالفهم فيها عاقل لكن فيما ل صارت قوة التشريع أو الاجتهاد إلى الأفراد وأطلق العنان لكل قائل أن يقول هذا حكم الله ورسوله ولكل حاكم أن يحكم بما يرى ويقول.

стр. 2901

ومعاذ الله أن يريد هذه الفوضى للشريعة الإسلامية عاقل قط وإنما المراد أن ينظر في المسائل التي يقتضيها تغير الزمان وتجدد المصالح والحاجات عَلَى شرط عدم الوقوع في ذلك المحذور الذي يخشاه العلماء وذلك بأن تناط قوة التشريع والاجتهاد في المسائل الطارئة في كل عصر بجماعة من أهل العلم الواقفين عَلَى دقائق الكتاب والسنة والعارفين بحاجات الأمة ليقرروا لها الأحكام الموافقة لمقتضى الحال ثم تنال هذه الحكام تصديق أهل الحل والعقد فتصبح قانوناً رسمياً يتحتم العمل به في الحكومة الإسلامية التي هي في حاجة إليه لا يعدل عنه إلى غيره من أقوال الفقهاء والعلماء وإن مجتهدين فتضبط بهذا قوانين الشريعة ويؤَمن عليها تطرق الفساد ثم يكون من ذلك أن تحدد هذه القوانين تحديداً يغني عن الرجوع إلى كتب الفقه التي تختلف في المسألة الواحدة اختلافاً كثيراً يؤدي في كثير من الأحيان إلى التشويش عَلَى القضاء ويكفي أن تكون تلك الكتب شروحاً لقوانين الشريعة المعمول بها يومئذ يرجع إليها عند الضرورة والحاجة إلى تفسير نصوص ذلك القانون كما هو الشأن في مجلة الأحكام العدلية المعمول عليها في محاكم الدولة العثمانية دون غيرها. للقضاء في الإسلام دوران دور العمل بالأصول ودور العمل بالفروع وإنما اخترت هذا التقسيم لاختصار الطريق أو اختصار البحث خوفاً من تعب القارئ والسامع مع أن أدواره بعد دور التشريع الأول كثيرة جداً إذا اعتبرنا تقسيمه إلى طبقات المفتين والمحدثين من الصحابة والتابعين ثم الأئمة المجتهدين ومن بعدهم من طبقات الفقهاء والمقلدين من أتباع كل مذهب نعتبر ذلك بما قسموا إليه طبقات الفقهاء والمقلدين من أتباع كل مذهب نعتبر ذلك بما قسموا إليه طبقات الحنفية مثلاً فقد قالوا أنهم ينقسمون إلى ست طبقات: البقة الأولى طبقة المجتهدين في المذهب كأبي يوسف ومحمد وغيهما من أصحاب أبي حنيفة القادرين عَلَى استخراج الأحكام من القواعد التي قررها الإمام. والثانية طبقة المجتهدين في المسائل التي لا رواية فيها عن صاحب المذهب كالخصاف والطحاوي والسرخسي والخلواني والبزدوي وغيرهم وهم لا يقدرون على مخالفة إمامهم في الفروع والأصول لكنهم يستنبطون الأحكام التي لا رواية فيها عَلَى حسب الأصول. والثالثة طبقة أصحاب التخريج القادرين عَلَى تفصيل قول مجمل وتكميل قول محتمل من دون قدرة على الاجتهاد.

стр. 2902

والرابعة طبقات أصحاب الترجيح كالقدوري وصاحب الهداية القادرين على تفضيل بعض الروايات عَلَى بعض بحسن الدراية. والخامسة طبقات المقلدين القادرين على التمييز بين القوي والضعيف والمرجح والسخيف كأصحاب المتون الأربعة المعتبرة. والسادسة من دونهم الذين لا يفرقون بين الغث والسمين والشمال واليمين. لما اتسعت دائرة الفتح وانتشر الإسلام في الممالك القاصية وتفرق حفاظ الشريعة ورواتها في الأنحاء مع اتساع دائرة القضاء بازدياد وسائل الحضارة واستبحار العمران وتجدد الحوادث التي يقتضيها تشعب المعاملات وحال الأمم الداخلة في الإسلام من غير العرب ولهذا خيف من تشتت أحكام الشريعة ودخول الفوضى في القضاء والإنشاء احتيج بالضرورة إلى أمرين مهمين: الأول تدوين الشريعة في الكتب. والثاني وضع قواعد للتفريع عن أصول الشريعة لتطبيق الحوادث التي تحدث في أحكام المعاملات عَلَى قوانين الشرع. وأول من تنبه للحاجة إلى هذين الأمرين عَلَى ما أظن عمر بن عبد العزيز الخليفة العادل الأموي وسداً للحاجة الأولى أمر الزهري من جلة التابعين وحفاظهم بتدوين الحديث في دفاتر وتوزيعها عَلَى الأمصار في أواخر القرن الأول ففعل كما هو مشهور معروف. أما الحاجة الثانية فقد شعر بها ولكن سدها بعده الأئمة المجتهدون بدليل ما روي عن الإمام مالك بن أنس أنه قال عمر بن عبد العزيز: يحدث للناس من الأقضية بقدر ما يحدث لهم من الفجور. أدرك هذا عمر بن عبد العزيز وأدركه الأئمة المجتهدون من بعده مالك والشافعي وأبو حنيفة وأحمد بن حنبل وغيرهم من أئمة المذاهب التي لم يبق لها أتباع لهذا العهد كداوود الظاهري وغيره وكأئمة الشيعة الذين يعمل بمذاهبهم إلى اليوم زيد بن علي وجعفر الصادق وغيرهم فلم يكتفوا بتدوين السنة في الدفاتر والكتب بل رأوا الحاجة تدعو إلى البيان والتفصيل والتفريع والترتيب فعمدوا إلى النظر في أصول الشريعة من الكتاب والسنة فاستخرجوا منها الأحكام ووسعوها ورتبوها ودونوها كل على أصول مذهبه وقواعده وأصول الاجتهاد المعروفة في كتب الأصول فضبطوا بذلك قوانين الشرع بما بلغه اجتهادهم وأدى جهدهم فكانت كتب كل مذهب شرعاً يعمل به أتباعه إلى اليوم.

стр. 2903

ولسنا بصدد إطراء هذا العمل الجليل الذي قام به أولئك الأئمة الكبار وحسب هذا العمل أو هذه الخدمة التي خدموا بها الأمة والشرع أنها تصون منزلة الإفتاء والقضاء عن متناول كل من أدعى أن عنده مسكة من العلم بالدين والوقوف على السنة هذا لو أحسن العلماءُ بعد العمل بقوانين الفقه. وبعد فقد ارتكب الفقهاء متن التضييق والتوسع حتى أحرجوا الأمة والجأوا بعض الحكومات الإسلامية إلى العمل ببعض القوانين المقررة عند الأمم الأوربية خصوصاً الجنائية والتجارية نعم إن اختلاف الأقوال في المسألة الواحدة وكثرة الحواشي والشروح عَلَى القوانين والشرائع موجودة عند كل أمة فالقانون الفرنساوي مثلاً له شراح من المتشرعين وأشهرهم دالوز وكاربانتيه وسيريه وغيرهم كثيرون إلا أن القضاء عند تلك الأمم لما كان بيد الجماعة وقوة التشريع ليست من حق فرد من الأفراد بل من حق الأمة ونوابها فدستور العمل عندهم ما أجمعت عَلَى وضعه قوة التشريع وصادقت على قبوله الحكومة فصا قانوناً للقضاء لا يعدل عنه إلى تلك الحواشي والشروح وآراء المتشرعين ويصار إليها لتفسير مبهم أو تطبيق الحوادث بعضها عَلَى بعض. لشريعة المسلمين أصول وكليات تعتبر أساساً للتشريع ومع أن أحكامها مسلمة فقد كان العمل بها في عهد الصحابة بالشورى بين المتفقهين منهم هذا فيما نص منها على ما يرد عليهم من النوازل فما بالكم فيما احتاج إلى الاجتهاد والتشريع بالقياس على تلك الأصول أو الاستنباط منها وقد كانوا لا يحكمون حكماً إلا بعد استشارة خيار الأمة وعلمائها وإقرارهم جميعاً عَلَى ذلك الحكم حتى اعتبر بعض الأئمة المجتهدين بعد أحكام الصحابة لقوتها شرعاً أو أصلاً من الأصول التي يبنى عليها التفريع سموه عمل الصحابة أو إجماعهم كما سبقت الإشارة إليه وكما ترون ذلك في كتب الأصول. إذا كان إجماع الصحابة عَلَى مسألة شرط في صحتها واعتبارها شرعاً يلزمنا العمل به فقد لزم من هذا أمران: الأول: إن إجماع الجماعة على تقرير حكم في مسألة شرط في صحة ذلك الحكم واعتباره شرعاً لزمنا العمل به وهو ما تفعله الأمم الأوربية في تقنين قوانينها لهذا العهد وقد وجد له أصل في الشرع الإسلامي فتركناه وأصبحنا نغبط الأمم الأوربية وقوانينها أو قضاء

стр. 2904

الجماعة عندها لهذا اليوم. والأمر الثاني أن كل أقوال الفقهاء واختلافاتهم الواردة في كتب الفروع ليست بشرع إلا من حيث اشتمالها عَلَى أحكام يرد بعضها إلى أصول الشريعة إلا أنه غير متوفر فيها شرط التشريع الذي مر. وإناطة ترجيح قول دون آخر من حيث قربه من الأصل بشخص واحد لا يكسب هذا القول أو الحكم قوة التشريع ليسمى شرعاً أو قانوناً وجب العمل به إلا إذا اتفق عليه وقرره جمهور من المتشرعين أو المرجحين وهذا ما اردته من وجوب بقاء الاجتهاد لكي لا ليتناوله من شاءَ فيما شاء. كلا بل ليناط بجماعة من علماء المسلمين تقرير الأحكام التي تدعو إليها المصلحة ويتجدد بتجدد الزمان. ولذا فإن اجتهاد الجماعة كما أنه لازم في الأصول فهو لازم في الفروع أيضاً وذلك لجمع أقوال الفقهاء عَلَى اختلاف مذاهبهم ما أصاب من تلك الأقوال محجة الصواب والمصلحة ووافق أصول الشريعة من الكتاب والسنة والإجماع والقياس الصحيح في كتاب بعينه يعتبر قانوناً في المعاملات مجمعاً عليه من العلماء ليعرف منه كل مسلم ما له من الحقوق وما عليه لا لتقاذفه أقوال الفقهاء من خلاف لآخر ومن قول لنقيضه فتصير به إلى أهواء القضاة والمفتين يحكمون بما ترجح لديهم وبما يشتهون. وليس اختلاف المذاهب بمانع من أن يحكم للشافعي أو عليه بقول للحنفية أو المالكي بقول للشافعية مثلاً إذ كل أتباع المذاهب أبناءُ دين واحد وكل أقوال كتب الفقهاء مأخذها واحد وهو الشرع والواقع يثبت أن أحكام المعاملات كانت في أكثر الممالك الإسلامية ولم تزل إلى اليوم جارية في القضاء على مذهب الدولة الحاكمة وربما كان أكثر الرعية من أتباع مذهب غر مذهبها. ومع هذا فليس نكر من العلماء على أهل الدولة فلا سبيل لهم إلى النكير على القائلين بلزوم جمع الأقوال الموافقة لمقتضى المصلحة والعصر من كتب المذاهب وجعلها قانوناً جامعاً في المعاملات للمسلمين بل هذا خير وسيلة لإصلاح القضاء ربما اغتفرت للفقهاء ماضي تفريقهم وحدة الأمة باسم التعصب للمذهب وكانت خاتمة اضطراب نظام القضاء في الإسلام. ليس اضطراب حبل القضاء في الإسلام بجديد وليس الظلم والعسف الذي لاقاه المسلمون

стр. 2905

من حكامهم الظالمين وحكوماتهم الجائرة إلا نتيجة توكئهم على ضعف القضاء خصوصاً ما يتعلق منه بولاية المظالم لا لنقص الدين أو الشريعة بل لنقص في طرق التقنين والتنفيذ. إن الدين الذي ينزل على الظالمين صواعق الإنذار ويقرن الظلم بالشرك بالله تعالى ويأمر بإقامة ميزان العدل ويريد سعادة المجتمع الذي يدين به ما كان ظالماً ولن يكون وإنما المسلمون أنفسهم يظلمون. تعلمون أن أحفل العصور الإسلامية بالعلماء والمفتين والفقهاء المتشرعين وأرقاها في سلم المدنية الإسلامية عصر هارون الرشيد العباسي إذ الشريعة في إبان زهوها والتفريع في مبدأ مجده والأئمة المجتهدون هم القائمون بالتشريع وإلى كتبهم ترجع الفتوى. في ذلك العصر الزاهر بمجد الإسلام وأمجاد العظام يرى يوسف صاحب أبي حنيفة من ضعف القضاء وتسلط عمال الجور واضطراب نظام ولاية المظالم ما يلجئه إلى وضع كتاب الخراج لأمير المؤمنين هارون الرشيد وليس فيه إلا آية أو حديث أو مثال من قضاء الصحابة أي كله من أصول تلك الشريعة الطاهرة يذكره فيه بالرجوع إلى قضاء الله ورسوله وأصحابه أو قضاء الجماعة المتين قائلاً: ارجع يا أمير المؤمنين إلى هذه الأصول في سياسة الرعية وجباية الخراج وتوزيع الفيء، اقعد يا أمير المؤمنين بنفسك للمظالم وإنصاف المحكوم من الحاكم، أدرك الزراع فقد كاد يهلكهم الظلم فقد بلغني عن عمالك أنهم يقيمون أهل الخراج في الشمس ويضربونهم الضرب الشديد وأنهم فعلون مما لا يحل لهم بوجه من الوجوه. هكذا الحال في عصر الرشيد وأئمة الشريعة أحياء يرزقون فما بالكم بما جاء بعده من العصور التي صار فيها التشريع إلى عدد لا يحصى من المخرجين والمرجحين والفقهاء والمفتين وكلهم يقولون قولي أو قول فلان هو شريعة الله المفتى بها والمعول عليها وما هو إلا تفكك نظام القضاء وتشتت قوة الجماعة فل حول وقوة إلا بالله. والنتيجة أن ضمان العدالة الوحيد إنما هو قضاء الجماعة لا قضاء الفرد وأعني أن التشريع وحده غير كفيل بالعدل في القضاء إلا إذا أنيط كلاهما بالجماعة بالوضع والتنفيذ ولا تظنون أن هذا المطربش الواقف أمامكم يريد شيئاً جديداً في الدين أو قلباً لكيان الأحكام مع أنه ليس من علماء الدين ولا الأئمة المجتهدين.

стр. 2906

كلا فليس قضاء الجماعة بجديد في الإسلام بل هو من عصر الصحابة وهم واضعو أساسه المتين في الدور الأول للقضاء في الإسلام. أما الدور الثاني فالذي اذكره أن دولتين من دول الإسلام تنبهتا إليه وعولتا عليه اولاهما دولة الأمويين في الأندلس التي جعلت في القرن الثالث داراً في قرطبة لشورى القضاء أعضاؤها من جلة العلماء يرجع إليهم في تقرير الأحكام. والحق أقول أني لم أظفر بكثير بيان عن هذه الشورى لكن ما رأيته عنها في ثنايا الكتب التاريخية يكفي للدلالة عليها فقد ورد ذكرها في نفخ الطيب في ترجمة بعض العلماء كقوله كان فلان مشاوراً وطلب فلان إلى الشورى فأبى ونقل إليَّ ثقة عن كتاب من الأسف أنه غير موجود بين يدي بل هو في مكتبة دمشق وهو كتاب الأحكام للقرطبي ورد فيه ذكر هذه الشورى بقوله أن الشورى خافت الإمام مالكاً في عدة أحكام أخذت فيها بقول أبي القاسم. وفي هذا دليل كاف عَلَى أنه كان لديهم سلطة في التشريع وأن الدولة الأموية ثمة كانت مسددة الأعمال حتى قبيل وهنها وسقوطها حريصة على إجراء قوانين العدل بين رعيتها. أما الدولة الثانية التي تنبهت إلى مثل ما تنبه إليه الأمويين فهي الدولة العثمانية لهذا العهد فإنها جمعت من علماء الأمة وفقائها الموثوق بفضلهم وعلمهم جماعة سمتهم جمعية المجلة وذلك من بضع وثلاثين سنة انتخبوا من كتب المذهب قانوناً جامعاً لأحكام المدنية وهو المعروف بمجلة الأحكام العدلية وأقر عَلَى العمل به أهل الحل والعقد فصار مرجع القضاء في المحاكم إلى اليوم.

стр. 2907

ديوان الرصافي طبع بالمطبعة الأهلية في بيروت سنة ١٣٢٨ (ص٢٣٠) يعرف قراء هذه المجلة شعر معروف أفندي الرصافي بما قرأوه وله في مجلدات المقتبس الأربع من الشعر الاجتماعي العذب المتين الذي كان فيه الفرد المقدم في العراق والشام أيام كان الكلام يحظر عَلَى كل إنسان وقد اشتهر بذلك حتى وصفه بعضهم بأنه شاعر المقتبس ولا عجب فهذه المجلة تفاخر بهذه النسبة. وقد طبع هذه المرة ديوانه وأكثر من ثلاثة أرباعه مما نشر في هذه المجلة عني بتبويبه الشيخ محي الدين الخياط من أفاضل بيروت وقدم له مقدمة رائقة وجعله في أربعة أبواب الكونيات والاجتماعيات والتاريخيات والوصفيات ومن شعر الرصافي الأخير من قصيدة في جرائد الأستانة. ولم يكفها هذا الخلاف وإنما ... أطافت بنقصٍ للحقيقةِ زائد فما بين مكذوب عليه وكاذب ... وما بين محجود عليه وجاحد ترى في فروق اليوم قراء صحفها ... فريقين من ذي حجة ومعاند جدال عَلَى مر الجديدين دائم ... بتفنيد رأي أو بتنقيد ناقد وقال فيها: ولم أر شيئاً كالجرائد عندهم ... مبادئه منقوضة بالمقاصد يقولون نحن المصلحون ولم أجد ... لهم في مجال القول غير المفاسد وكيفيبين الحق من نفثاتهم ... وكل له في الحق نفثة مارد وقال من قصيدة في وصف لبنان: لبنان تفعل بالحياة جنانة ... فعل الزلال بغلة الظمآن وترد غصن العيش بعد ذبوله ... غضاً يميد بفرعه الفينان فكأن لبنانا عروس إذ غدا ... يزهو بنشر غدائر الأغصان وكأنما البحر الخضم سجنجل ... يبدي خيال جمالها الفتان جبل سمت منه الفروع وأصله ... تحت البسيطةِ راسخ الأركان تهفو الغصون به النهار وفي الدجى ... تهفو عليه ذوائب النيران وترى النجوم عَلَى ذراهُ كأنها ... من فوقه درر عَلَى تيجان

стр. 2908

إلى أن قال: لبست ربى لبنان ثوباً اخضراً ... وزهت بحيث الحسن أحمر قان نشر الربيع بهن زهراً مونقاً ... يزري بنظم قلائد العقيان فبرزن من وشي الطبيعة بالحلى ... فكأنهن بحسنهن غوان وكأن صنيناً أطل مراقباً ... يرنو لهن بمقلة الغيران تلك الربى أما الجما فواحد ... فيها وأما أهلها فاثنان رجل يسير إلى النجاح وآخر ... يسعى وغايتهإلى الخسران متخاذلين بها وهم اعوانها ... ومن البلاء تخاذل الأعوان ضعفت مباني كل أمر عندهم ... ما بين هادمها وبين الباني وتفرقوا دنيا كأن لم يكفهم ... في النائبات تفرق الأديان وسعوا فرادى للنجاح وفاتهم ... أن التضامن رائد العمران وقال من قصيدة حول البوسفور: سفوح جبال بعضها فوق بعضها ... مكللة حافاتهن بأشجار يروق بجنبيها خرير مياهها ... ويشجي بقطريها ترنم أطيار ويجري النسيم الرطب فيها كأنه ... تبختر بيضاء الترائب معطار معاهد زرها في الهواجر تلقها ... موشحة فيها برقة أسحار نزلنا بها والشمس من فوق أرسلت ... على منحنى الوادي ذوائب أنوار وقد ظل من بين الغصون شعاعها ... يوقع ديناراً لنا جنب دينار كأن التفاف الدوح والنور بينها ... جيوب من الأنوار زرت بأزرار تميل إذا هبَّ النسيم غصونها ... فتأتي بظل في الجوانب موار ترانا إذا ما الطير في الدوح غردت ... تميل بأسماع إليها وأبصار وقال من قصيدة في التربية بعد أن شاهد مسرح الحيوانات في بيروت: كأنما الليث لم يخلق أخا ظفر ... محدد الناب قذافاً إلى العطب شاهدته مشهداً بدعاً علمت به ... أن الغرائز لم تطبع عَلى شغب وإن خبث البرايا في طبائعها ... لا بد فيه سوى الأطباع من سبب

стр. 2909

وإن ليث الشرى ما صيغ مفترساً ... لكن احالته فراساً يد السغب وكم من الناس من قد راح مندفعاً ... بدافع الجوع نحو القتل والسلب وان تربية الإنسان يرجعه ... إكسيرها وهو من ترب إلى الذهب هذا إذا حسنت أما إذا قبحت ... كالمندلي بها يمسي من الحطب فكل ماهو في الإنسان مكتسب ... فلا تقل فيه شيء غير مكتسب أني أرى أسوأ الآباء تربية ... للابن أحرى بأن يدعى اعقاب والمرء كالنبت ينمو حسب تربته ... وليس ينبت نبع منبت الغرب من عاش في الوسط الزاكي زكا خلقاً ... حتى علا في المعالي ارفع الرتب فاحرس عَلَى أدب تحيا النفوس به ... فإنما قيمة الإنسان بالأدب وقد عني بتفسير ألفاظه اللغوية الشيخ مصطفى الغلاييني منشئ مجلة النبراس الشهير فجاء الديوان موفور الخيرات من كل الجهات حرياً بكل من ذاق لماظه من الأدب أن يقتنيه ويتدارسه فشعر الرصافي هو النموذج الراقي من شعر هذا العصر.

стр. 2910

حكم إفرنجية من الناس من فيهم الكفاءة ولا يرتقون لكن ليس منهم من يرتقون دون أن يكونوا عَلَى شيء من الكفاءة (لاروشفو كولد). الأدب يظهر المرءَ في مظهره الخارجي كما يجب أن يكون عليه في مظهره الداخلي (لابرويير). عَلَى من يريد أن يعمل الخير أن يعرف كيف يفكر بأن الحياة قصيرة لا ينبغي أن تضاع هنيهة منها عبثاً (فولتير). علينا أن نعلم من نريد تعليمهم بالمثال الحسن أكثر من أن نسن لهم الطرق ونخطط لهم الخطط فالمثال هو الذي يعلم الرجال (شاتو بريان). أنا نشعر بالألم الكثير من الملل من أيام السعود أكثر مما نشعر بسرور الاستمتاع في أيام النحوس (بالزاك). عاش من عرت نفسه من الأوهام. لا يكفي المرء أن يكون له عقل حتى يخلص من البهيمية بل يجب أن يعرف كيف يستخدم عقله. السعادة كالطير الأخضر الذي يقترب منك ثم يقفز قفزة صغيرة فلا تقدر أن تمسكه. انتظار المدعو إلى دعوة إذا تأخر عن الميعاد قلة احترام لسائر المدعوين الحاضرين. التغاضي عن الواجبات الصغيرة مدرجة إلى ارتكاب الأغلاط الكبيرة. يمتص النحل والزنبور من زهور واحدة ولكن كلاً منهما لا يعرف أيجاد العسل نفسه. مما يدل عَلَى المروءة التامة تعرض المرء لانظار أرباب المروءَة. يؤثر النساءُ أن يغتبن في فضيلتهن عَلَى أن يطعن في فكرهن وجمالهن (دوماس). الشهوة العظمى هي زهرة عاصفة لا تنبت إلا عَلَى حجر ضربته الأعاصير. لسنا إلا ثمرة نشوئنا. الأفكار الحسنة كمسامير من نحاس تنغرس في الروح ولا تستخرج منها قط. في الاعتبار عزاء عن كل شيء. من القهقهات ما يخرج كصوت القنابل لا يفيق منها صاحبها. الفكر الجديد هو مثل زاوية لا يمكن إدخالها إلا من الأنشوطة الكبرى.
следующие страницы →